النَّظَر يَقْتَضِي حِلّهَا؛ لأَنَّ كُلّ مَا حُرِّمَ منْ الأَهْلِيّ، أُجْمِعَ عَلَى تَحْرِيمه، إِذَا كَانَ وَحْشِيًّا، كَالْخِنْزِيرِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى حِلّ الْحِمَار الْوَحْشِيّ، فَكَانَ النَّظَر يَقْتَضي حِلّ الْحِمَار الأَهْلِيّ.
وتعقّبه الحافظ بأن مَا ادَّعَاهُ منْ الإجْمَاع مَرْدُود، فَإِنَّ كَثِيرًا منْ الْحَيَوَان الأَهْليّ مُخْتَلَف فِي نَظِيره، منْ الحَيَوَان الْوَحْشِيّ، كَالْهِرِّ. انتهى (١).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن ما ذهب إليه جمهور العلماء منْ تحْريم الحمُر الأهليّة هو الحقّ؛ لكثرة الأحاديث الصحيحة الصريحة فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٣٧ - (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، وَمَالِكٌ، وَأُسَامَةُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الْحَسَنِ، وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِمَا، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رضى الله عنه، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ، يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "سليمان بن داود": هو الْمَهْريّ، أبو الربيع المصريّ. و"يونس": هو ابن يزيد الأيليّ. و"مالك": هو ابن أنس الإِمام المدنيّ. و"أُسامة": هو ابن زيد الليثيّ المدنيّ.
وقوله: "الإنسيّة" -بِكَسْرِ الْهَمْزَة، وَسُكُون النُّون، مَنْسُوبَة إِلَى الإنْس، وُيقَال فِيهِ: أَنَسِيَّة -بِفَتْحَتَيْنِ- وَزَعَمَ ابْن الأثِير، أَنَّ فِي كَلَام أَبِي مُوسَى الْمَدِينِيّ، مَا يَقْتَضِي أَنَّهَا بِالضَّمِّ، ثُمَّ السُّكُون؛ لِقَوْلِهِ: الأُنْسِيَّة: هِيَ الَّتِي تَأْلَف البُيُوت، وَالأُنْس ضِدّ الوَحْشَة. قَالَ فِي "الفتح": وَلا حُجَّة فِي ذَلِكَ؛ لأَنَّ أَبَا مُوسَى، إِنَّمَا قَالَهُ بِفَتْحَتَيْنِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْجَوْهَرِيّ، أنَّ الأَنَس بِفَتْحَتَيْنِ، ضِدّ الوَحْشَة، وَلَمْ يَقَع فِي شَيْء منْ رِوَايَات الْحَدِيث بِضَمٍّ، ثُمَّ سُكُون، مَعَ احْتِمَال جَوَازه، نَعَم زَيَّفَ أَبُو مُوسَى الرِّوَايَة بِكَسْرِ أَوَّله، ثُمَّ السُّكُون، فَقَالَ ابْن الأَثِير: إن أَرَادَ منْ جِهَة الرِّوَايَة فَعَسَى، وَإلا فَهُوَ ثَابت فِي اللُّغَة، وَنِسْبَتهَا إِلَى الإنْس. وَقَدْ وَقَعَ فِي الرواية الماضية: "الأهْليَّة"، بَدَل الإنْسِيَّة، وَيُؤْخَذ مِنْ التَقْيِيد بِهَا، جَوَاز أَكْل الْحُمُر الوَحْشِيَّة، وسيعقد له المصنّف رحمه الله تعالى الباب التالي، إن شاء الله تعالى.
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق تمام البحث فيه فِي الْحَدِيث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 16277
٤٣٣٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ح وَأَنْبَأَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَك حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "نَهَى عَنِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، يَوْمَ خَيْبَرَ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
و"محمد بن بشر": هو العبديّ الكوفيّ. و"يحيى": هو القطّان. و"عبيد الله": هو ابن عمر العمريّ المدنيّ. وشرح الْحَدِيث يُعلم مما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣١/ ٤٣٣٨ و٤٣٣٩ - وفي "الكبرى" ٣٤/ ٤٨٤٨ و٤٨٤٩. وأخرجه (خ) فِي "المغازي" ٤٢١٥ (م) فِي "الصيد" ٣٥٨٣ و٣٥٨٤ (أحمد) فِي "مسند المكثرين" ٤٧٠٦ و٥٧٥٢ و٦٢٥٥ و٦٢٧٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٣٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ … مِثْلَهُ، وَلَمْ يَقُلْ: خَيْبَرَ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"محمد ابن عُبيد": هو الطنافسيّ الكوفيّ. والحديث متّفق عليه، كما سبق بيانه قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٤٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَوْمَ خَيْبَرَ، عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ، نَضِيجًا وَنِيئًا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
و"معمر": هو ابن راشد. و"عاصم": هو ابن سليمان الأحول.
وقوله: "نضيجا" بفتح النون: أي مطبوخًا. وقوله: "ونِيئًا" بكسر النون، وسكون التحتانيّة، وبهمزة، وَقَدْ تُبدل الهمزة ياءً، وتُدغم، فيقال: نِيّا، بياء مشدّدة: أي غير مطبوخ.
стр. 16278
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث البراء رضي الله تعالى عنه هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣١/ ٤٣٤٠ - وفي "الكبرى" ٣٤/ ٤٨٥٠. وأخرجه (م) فِي "الصيد" ٣٥٨٩ و٣٥٩٠ (ق) فِي "الذبائح" ٣١٩٤ (أحمد) فِي "أوّل مسند الكوفيين" ١٨٦٣٧ و١٨٦٦٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٤١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِىءُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: أَصَبْنَا يَوْمَ خَيْبَرَ حُمُرًا، خَارِجًا مِنَ الْقَرْيَةِ، فَطَبَخْنَاهَا، فَنَادَى مُنَادِي النَّبِيِّ ﷺ : "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ حَرَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ، فَأَكْفِئُوا الْقُدُورَ، بِمَا فِيهَا، فَأَكْفَأْنَاهَا").
رجال هَذَا الإسناد: أربعة:
١ - (محمد بن عبد الله) أبو يحيى المكيّ ثقة [١٠] ١١/ ١١.
٢ - (سفيان) بن عيينة الإِمام الحجة الثبت المكيّ [٨] ١/ ١.
٣ - (أبو إسحاق الشيبانيّ) سليمان بن أبي سليمان فيروز الكوفيّ، ثقة [٥] ١٧٢/ ٢٦٧.
٤ - (عبد الله بن أبي أوفى) علقمة بن خالد بن الحارث الأسلميّ الصحابيّ المشهور، شهد الحديبية، وعُمّر بعد النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم دهرًا، ومات سنة (٨٧) وهو آخر منْ مات بالكوفة منْ الصحابة رضي الله تعالى عنهم ٣/ ٤٠٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
منها: أنه منْ رباعيات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (٢٠٤) منْ رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، وابن ماجه. (ومنها): أن شيخه وسفيان مكيان، والباقيان كوفيان. (ومنها): أن صحابيه آخر منْ مات منْ الصحابة بالكوفة، كما مرّ آنفًا. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى) رضي الله تعالى عنه، واسم أبيه خالد بن علقمة، أنه (قَالَ: أَصَبْنَا يَوْمَ خَيْبَرَ) أي يوم وقعة خيبر (حُمُرًا) جمع حمار (خَارِجًا مِنَ الْقَرْيَةِ) هكذا
стр. 16279
نسخ "المجتبى": "خارجا" بلفظ التذكير، ولفظ "الكبرى": "خارجة" بالتأنيث، وهو الموافق للقاعدة؛ لأن "حمُر" جمع فحقّه تأنيث صفته، فتأمل (فَطَبَخْنَاهَا) معطوف عَلَى محذوف، أي فذبحناها، وطبخناها (فَنَادَى مُنَادِي النَّبِيِّ ﷺ ) سيأتي قريبًا أن المنادي هو عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه، وفي "صحيح مسلم" منْ حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن الذي نادى هو أبو طلحة رضي الله تعالى عنه، وفيه أيضًا أنه بلالٌ رضي الله تعالى عنه، ولعلّ عبد الرحمن نادى أوّلًا بالنهي مطلقًا، ثم نادى أبو طلحة، وبلال بزيادة عَلَى ذلك، وهو قوله: "فإنها رجس". قاله فِي "الفتح" (١) (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَدْ حَرَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ، فَأَكْفِئُوا الْقُدُورَ) بقطع الهمزة، وكسر فاء، أو بوصلها، وفتح فاء، لغتان، يقال: كفأت الإناء، وأكفأته، بهمزة فِي آخره: إذا قلبته، أي اقلِبوا القُدور، وأريقوا ما فيها. قَالَ السنديّ: والمناسب هنا قطع الهمزة، كقوله: "فأكفأْناها" (بِمَا فِيهَا) أي مع ما فِي القدور منْ اللحم، والمرق، فالباء بمعنى "مع" (فَأَكْفَأْنَاهَا) أي قلبنا القدور بما فيها، وفي نسخة: "فأكفيناها" بقلب الهمزة.
وفي حديث أنس رضي الله تعالى عنه عند البخاريّ: قَالَ النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم: "اهريقوها، واكسروها"، فَقَالَ رجل: يا رسول الله، أو نُهريقها، ونغسلها، قَالَ: "أو ذاك". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣١/ ٤٣٤١ - وفي "الكبرى" ٣٤/ ٤٨٥١. وأخرجه (خ) فِي "فرض الخمس" ٣١٥٥ و"المغازي" ٤٢٢٠ و٤٤٢٢٢ و٤٢٢٥ و٤٢٢٦ و"الذبائح" ٥٥٢٦ (م) "الصيد" ٣٥٨٥ و٣٥٨٦ (ق) فِي "الذبائح" ٣١٩٢ (أحمد) "أول مسند الكوفيين" ١٧٦٣٧ و١٨٦٤٨ و١٨٦٥٩ و١٨٩٢٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تحريم أكل لحوم الحمُر
стр. 16280
الأهليّة. (ومنها): أنَّ الذَّكَاة لا تُطَهِّر مَا لا يَحِلّ أَكْله. (ومنها): أَنَّ كُلّ شَيْء تَنَجَّسَ بِمُلاقَاةِ النجَاسَة، يَكفِي غَسْله مَرَّة وَاحِدَة، لإطلَاقِ الأمْر بِالْغَسْلِ فِي حديث أنس المذكور، فَإِنهُ يَصْدُق بِالامْتِثَالِ بالمَرَّةِ، وَالأَصْل أن لا زِيَادَة عَلَيهَا. (ومنها): أنَّ الأَصْل فِي الأَشْيَاء الإبَاحَة؛ لِكَونِ الصَّحَابَة رضي الله تعالى عنهم، أَقْدَمُوا عَلَى ذَبْحهَا، وَطَبْخهَا كسَائِرِ الحَيَوَان، منْ قَبْل أنْ يُسْتَأمَرُوا النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، مَعَ تَوَفُّر دَوَاعِيهم عَلَى السُّؤَال عَمَّا يُشْكِل. (ومنها): أنَّهُ يَنْبَغِي لأَمِيرِ الْجَيْش تَفَقُّد أحْوَال رَعِيَّته، وَمَن رَآهُ فَعَلَ مَا لا يَسُوغ فِي الشَّرْع، أَشَاعَ مَنْعه، إمَّا بِنَفْسِهِ، كَأَنْ يُخَاطِبهُم، وِإمَّا بِغَيْرِهِ، بِأَنْ يَأمُر مُنَادِيًا، فَيُنَادِي؛ لِئَلا يَغْتَرّ بِهِ مَنْ رَآهُ، فَيَظُنّهُ جَائِزًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٤٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: صَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ، فَخَرَجُوا (١) إِلَيْنَا، وَمَعَهُمُ الْمَسَاحِي، فَلَمَّا رَأَوْنَا، قَالُوا: مُحَمَّدٌ، وَالْخَمِيسُ، وَرَجَعُوا إِلَى الْحِصْنِ يَسْعَوْنَ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ، فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ"، فَأَصَبْنَا فِيهَا حُمُرًا، فَطَبَخْنَاهَا، فَنَادَى مُنَادِي النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ ، وَرَسُولَهُ، يَنْهَاكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ، فَإِنَّهَا رِجْسٌ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم للمصنف رحمه الله تعالى فِي "الطهارة" ٥٥/ ٦٩ و"المواقيت" ٢٦/ ٥٤٧ و"النكاح" ٦٤/ ٣٣٤٢ و٣٣٤٣ و٧٩/ ٣٣٨ و٣٣٨١ و٣٣٨٢ - وَقَدْ استوفيت شرحه، وبيان مسائله فيما مضى، فما بقي إلا إعادة ما يُستشكل منْ الكلمات الغريبة، ونحوها.
فـ"أيوب": هو السختياني. و"محمد": هو ابن سيرين. و"أنس": هو ابن مالك رضي الله تعالى عنه.
وقوله: "صبّح" بالتشديد: أي أغار عليهم وقت الصباح. وقوله: "ومعهم المساحي" جمع مِسْحاة، وهي آلة منْ حديد، وميمه زائدة، منْ السحو، بمعنى الكشف والإزالة. وقوله: "والخميس": أي الجيش، وهو مرفوع بالعطف عَلَى "محمد"، ويجوز نصبه عَلَى أنه مفعول معه. وقوله: "يسعون": أي يُسرعون فِي المشي إلى الحصن. وقوله: "ينهاكم" هكذا الرواية هنا بإفراد الضمير، وهو صحيح، فيكون مرجع الضمير لفظ الجلالة، والجملة خبر "إنّ"، وأما "ورسوله " فمرفوع بالابتداء، حُذف خبره، أي
стр. 16281
يبلّغكم ذلك، والجملة معترضة. أو جملة "يناهاكم" خبر عن "رسوله"، وذكر الله تعالى للتنبيه عَلَى أن نهيه ﷺ نهي الله تعالى. وفي رواية: "ينهيانكم" بالتثنية، ولا إشكال فيه. وقوله: "فإنها رجس": أي إن لحوم الحمر نجس، وفي رواية مسلم: "فإنها رجس"، أو "نجس"، بالشكّ، وفي رواية البيهقيّ: "فإنها نجس"، بالجزم.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٤٣ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، أَنْبَأَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ بَحِيرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ، أَنَّهُمْ غَزَوْا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ، وَالنَّاسُ جِيَاعٌ، فَوَجَدُوا فِيهَا حُمُرًا مِنْ حُمُرِ الإِنْسِ، فَذَبَحَ النَّاسُ مِنْهَا، فَحُدِّثَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، فَأَذَّنَ فِي النَّاسِ: "أَلَا إِنَّ لُحُومَ الْحُمُرِ الإِنْسِ لَا تَحِلُّ لِمَنْ يَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد تقدّموا قبل بابين.
وقوله: "حُمُرًا" بضمّتين، جمع حمار. وقوله: "فحُدّث" بالبناء للمفعول. وقوله: "لمن شهد أنّي رسول الله" ﷺ ، يستدلّ به منْ قَالَ: إن الكفّار غير مخاطبين بفروع الشريعة، والصحيح أنهم مخاطبون؛ للأدلّة الكثيرة، وَقَدْ ذكرنا بعضها فِي غير هَذَا الموضع، وإنما خصّ هنا منْ شهد له بالرسالة؛ لأنه هو الذي ينتفع بالعمل بشرعه؛ لاستيفائه شروط القبول، وأعظمها الإيمان، وأما الكافر، فلا ينتفع لو عمل به؛ لإخلاله بشروط القبول؛ حيث لم يؤمن به.
والحديث، وإن كَانَ فِي سنده بقيّة، وهو معروف الحال، كما سبق قريبًا، إلا أنه صحيح بما تقدّمه، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٣١/ ٤٣٤٤ - وفي "الكبرى" ٣٤/ ٤٨٥٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٤٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ بَقِيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ").
قالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الزُّبيديّ": هو محمد بن الوليد الحمصيّ الثقة الثبت. و"أبو إدريس": هو عائذ الله بن عبد الله.
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق تخريجه فِي قبل بابين -٢٨/ ٤٣٢٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 16282
٣٢ - (بَابُ إِبَاحَةِ أَكْلِ لُحُومِ حُمُرِ الْوَحْشِ)
٤٣٤٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ -هُوَ ابْنُ فَضَالَةَ- عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: "أَكَلْنَا يَوْمَ خَيْبَرَ لُحُومَ الْخَيْلِ وَالْوَحْشِ، وَنَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْحِمَارِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"الْمُفَضَّل بن فَضَالة": هو القِتْبانيّ، أبو معاوية المصريّ القاضي الثقة الفاضل العابد [٨] ٤٢/ ٥٨٦.
وقوله: "والوحش": قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: كأنه أخذ منْ إطلاق الوحش جواز لحم الحمار الوحشي، لكن الإطلاق فِي الحكاية، غير معتبر، فليُتأمّل. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: استنباط المصنّف رحمه الله تعالى الجواز منْ إطلاق الوحش، هو الظاهر؛ لأنه هو المفهوم منْ إطلاق الصحابيّ، فإنه منْ أهل اللسان؛ ولا يعترض عَلَى هَذَا بما خرج عن هَذَا الأصل مما حُرّم منْ وحوش البهائم؛ لأنه لأدلّة أخرى، فتنبّه.
والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم تخريجه قبل بابين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٤٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ -هُوَ ابْنُ مُضَرَ- عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَلَمَةَ الضَّمْرِيِّ، قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، بِبَعْضِ أَثَايَا الرَّوْحَاءِ، وَهُمْ حُرُمٌ، إِذَا حِمَارُ وَحْشٍ مَعْقُورٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "دَعُوهُ، فَيُوشِكُ صَاحِبُهُ أَنْ يَأْتِيَهُ"، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَهْزٍ، هُوَ الَّذِي عَقَرَ الْحِمَارَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ شَأْنَكُمْ، هَذَا الْحِمَارُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ، يُقَسِّمُهُ بَيْنَ النَّاسِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، و"ابن الهاد": هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد المدنيّ. و"محمد بن إبراهيم": هو التيميّ المدنيّ. و"عيسى بن طلحة": هو التيميّ، أبو محمد المدنيّ. و"عمير بن سلمة الضمريّ، مدنيّ، له صحبة، منْ أفراد المصنّف.
وقوله: "ببعض أيا الروحاء": قَالَ المجد فِي "القاموس": "أُثاية" بالضمّ، ويُثلّث: موضع بين الحرمين، فيه مسجد نبويّ، أو بئرٌ، دون الْعَرْج، عليها مسجد للنبيّ ﷺ .
стр. 16283
انتهى. و"الرَّوْحاء": موضع بين الحرمين، عَلَى ثلاثين، أو أربعين ميلًا منْ المدينة. قاله فِي "القاموس".
وقوله: "معقور": أي مقتولٌ، وفعله منْ باب ضرب.
وقوله: "شأنكم" منصوب عَلَى الإغراء: أي خذوا شأنكم.
وقوله: "هَذَا الحمار" بالرفع: أي بين أيديْكم، فافعلوا به ما شئتم، أو "شأنُكم" بالرفع مبتدأ: أي أمركم المطلوب هَذَا الحمار، وهو لكم. قاله السنديّ رحمه الله تعالى.
والحديث صحيح، وَقَدْ تقدّم فِي "كتاب الحج " ٧٨/ ٢٨١٨ - ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٤٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: أَصَابَ حِمَارًا وَحْشِيًّا، فَأَتَى بِهِ أَصْحَابَهُ، وَهُمْ مُحْرِمُونَ، وَهُوَ حَلَالٌ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَوْ سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ، فَسَأَلْنَاهُ، فَقَالَ: "قَدْ أَحْسَنْتُمْ"، فَقَالَ لَنَا: "هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ "، قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: "فَاهْدُوا لَنَا"، فَأَتَيْنَاهُ مِنْهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ، وَهُوَ مُحْرِمٌ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، محمد بن وهب بن عمر بن أبي كَرِيمة، أبي المعافى الْحَرّانيّ، فإنه منْ أفراده، وهو صدوق [١٠] ١٩١/ ٣٠٦.
و"محمد بن سَلَمة": هو الْحرّانيّ. و"أبو عبد الرحيم": هو خالد بن أبي يزيد الْحَرّانيّ. و"زيد بن أبي أُنسية": هو الجزريّ، الرُّهاويّ. و"أبو حازم": هو سلمة بن دينار المدنيّ التمّار الأعرج. و"ابن أبي قتادة": هو عبد الله.
والحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم فِي "كتاب الحجّ" ٧٨/ ٢٨١٦ - وتقدّم شرحه، وبيان مسائله، هناك.
واستدلال المصنّف رحمه الله تعالى: به هنا عَلَى الترجمة واضح، حيث نصّ عَلَى أنه ﷺ ، وأصحابه رضي الله تعالى عنهم أكلوا منْ لحم الحمار الوحشيّ، فدلّ عَلَى أنه حلالٌ، وهذا مُجمع عليه، قَالَ ابن قُدامة رحمه الله تعالى: لا نعلم فيه خلافًا، إلا ما يُروى عن طلحة بن مُصرّف أنه إذا أَنِس، واعتلف، فهو بمنزلة الأهليّ. قَالَ أحمد رحمه الله تعالى: وما ظننت أنه رُوي فِي هَذَا شيء، وليس الأمر عندي كما قَالَ، وأهل
стр. 16284
العلم عَلَى خلافه؛ لأن الظباء إذا تأنّست لم تَحرُم، والأهليّ إذا توحّش لم يحلّ، ولا يتغيّر منها شيء عن أصله، وما كَانَ عليه. قَالَ عطاء فِي حمار الوحش: إذا تناسل فِي البيوت، لا تزول عنه أسماء الوحش. انتهى (١).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بهذا أن الصواب ما عليه الجمهور منْ حلّ الحمار الوحشيّ؛ لوضوح أدلّته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب".
…
٣٣ - (باب إِبَاحَةِ أَكْلِ لُحُومِ الدَّجَاجِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الدجاج" هو اسم جنس مثلث الدال، ذكره المنذري فِي الحاشية وابن مالك وغيرهما، ولم يحك النوويّ الضم، والواحدة دجاجة مثلث أيضاً، وقيل: إنّ الضم فيه ضعيف، قَالَ الجوهري: دخلتها الهاء للوحدة مثل الحمامة، وأفاد إبراهيم الحربي فِي غريب الْحَدِيث أن الدجاج بالكسر اسم للذكران دون الإناث، والواحد منها ديك، وبالفتح الإناث دون الذكران، والواحدة دجاجة بالفتح أيضاً، قَالَ: وسمي لإسراعه فِي الإقبال والادبار منْ دج يدج إذا أسرع، قلت: ودجاجة اسم امرأة وهي بالفتح فقط، ويسمى بها الكبة منْ الغزل قاله فِي "الفتح" (٢). والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٣٤٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ زَهْدَمٍ، أَنَّ أَبَا مُوسَى، أُتِيَ بِدَجَاجَةٍ، فَتَنَحَّى رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُهَا تَأْكُلُ شَيْئًا، قَذِرْتُهُ فَحَلَفْتُ أَنْ لَا آكُلَهُ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: ادْنُ فَكُلْ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ).
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن منصور) الجوّاز المكيّ، ثقة [١٠] ٢٠/ ٢١.
стр. 16285
٢ - (سفيان) بن عيينة الإِمام الحجة المشهور [٨] ١/ ١.
٣ - (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ البصريّ الثقة الثبت الفقيه [٥] ٤٢/ ٤٨.
٤ - (أبو قلابة) عبد الله بن زيد بن عمرو الجرميّ البصريّ، ثقة [٣] ١٠٣/ ٣٢٢.
٥ - (زَهْدَم) -بوزن جعفر- ابن مُضرّب -بصيغة اسم الفاعل المضعّف- الْجَرميّ -بفتح الجيم، وسكون الراء- أبو مسلم البصريّ، ثقة [٣] ١٤/ ٣٨٠٦.
٦ - (أبو موسى) عبد الله بن قيس الأشعريّ الصحابيّ الجليل رضي الله تعالى عنه ٣/ ٣. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، وسفيان، فمكيان. (ومنها): أنّ فيه ثلاثة منْ التابعين، يروي بعضهم عن بعض: أيوب، وأبو قلابة، وزهدم ورواية الآخرين منْ رواية الأقران. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عن أبي قلابة) كذا رواه سفيان بن عيينة، عن أيوب، ووافقه سفيان الثوريّ، عن أيوب عند البخاريّ، قَالَ فِي "الفتح": وهكذا قَالَ عبد السلام بن حرب، عن أيوب، كما عند البخاريّ فِي "المغازي"، وَقَالَ عبد الوارث -كما عند البخاريّ فِي "الذبائح": "عن أيوب، عن القاسم"، بدل "أبي قلابة"، وكذا قَالَ ابن عُليّة، عن أيوب، كما فِي "الأيمان والنذور" عند البخاريّ، وَقَالَ حماد بن زيد: "عن أيوب، عن أبي قلابة، والقاسم، قَالَ: وأنا لحديث قاسم أحفظ"، أخرجه البخاريّ فِي "فرض الخمس"، وكذا قَالَ وهيب، عن أيوب، عنهما عند مسلم. انتهى (١).
(عن زهدم) بن مضرّب تقدّم ضبطه قريبًا (أن أبا موسى) الأشعريّ رضي الله تعالى عنه (أتي) بالبناء للمفعول (بدجاجة) أي بلحمها، وفي الرواية التالية: "كنّا عند أبي موسى، فقُدّم طعامه، وقُدّم فِي طعامه لحم دجاج … " (فتنحى) أي اعتزل، وابتعد (رجل منْ القوم) وفي الرواية التالية: "وفي القوم رجل، منْ بني تيم الله، أحمر، كأنه مولى، فلم يَدْنُ … ".
وفي رواية للبخاري: "كنا عند أبي موسى الأشعري، وكان بيننا وبين هَذَا الحي منْ جَرْم إخاء، فأُتي بلحم دجاج، وفي القوم رجل جالسٌ، أحمر، فلم يدن منْ
стр. 16286
طعامه … " الْحَدِيث.
وقوله: "كأنه منْ الموالي": أي العجم.
قَالَ فِي "الفتح": وهذا الرجل هو زهدم الراوي أبهم نفسه، فقد أخرج الترمذي منْ طريق قتادة، عن زهدم، قَالَ: "دخلت عَلَى أبي موسى، وهو يأكل دجاجا، فَقَالَ: ادْنُ، فَكُلْ، فإني رأيت رسول الله ﷺ يأكله"، مختصرا، وَقَدْ أشكل هَذَا؛ لكونه وصف الرجل فِي رواية الباب، بأنه منْ بني تيم الله، وزهدم منْ بني جَرْم، فَقَالَ بعض النَّاس: الظاهر إنهما امتنعا معا، زهدم والرجل التيمي، وحَمَلَه عَلَى دعوى التعدد استبعادُ أن يكون الشخص الواحد يُنسَبُ إلى تيم الله، وإلى جَرْم، ولا بعد فِي ذلك، بل قد أخرج أحمد الْحَدِيث المذكور، عن عبد الله بن الوليد -هو العدني- عن سفيان -هو الثوري- فَقَالَ فِي روايته: "عن رجل، منْ بني تيم الله، يقال له: زهدم، قَالَ: كنا عند أبي موسى، فأتى بلحم دجاج … "، فعلى هَذَا فلَعَلَّ زهدم، كَانَ تارة يُنسب إلى بني جرم، وتارة إلى بني تيم الله، وجرم قبيلة فِي قضاعة، يُنسبون إلى جرم بن زَبَّان -بزاي، وموحدة ثقيلة- بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وتيم الله بطن منْ بني كلب، وهم قبيلة فِي قضاعة أيضاً، يُنسبون إلى تيم الله بن رُفَيدة -براء، وفاء، مصغرا- ابن ثور بن كلب بن وَبَرَة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، فحلوان عمّ جرم. قَالَ الرشاطي فِي "الأنساب": وكثيرا ما ينسبون الرجل إلى أعمامه. قَالَ الحافظ: وربما أبهم الرجل نفسه، كما تقدم فِي عدة مواضع، فلا بعد فِي أن يكون زهدم صاحب القصة، والأصل عدم التعدد. وَقَدْ أخرج البيهقي، منْ طريق الفريابي، عن الثوري، بسنده المذكور عند البخاريّ فِي هَذَا الباب، إلى زهدم، قَالَ: رأيت أبا موسى، يأكل الدجاج، فدعاني، فقلت: إني رأيته يأكل نتنا، قَالَ: ادنه، فكل … "، فذكر الْحَدِيث المرفوع، ومن طريق الصَّعْق بن حَزْن، عن مطر الوراق، عن زهدم، قَالَ: دخلت عَلَى أبي موسى، وهو يأكل لحم دجاج، فَقَالَ: ادن فكل، فقلت: إني حلفت، لا آكله … " الْحَدِيث، وَقَدْ أخرجه موسى، عن شيبان بن فروخ، عن الصعق، لكن لم يسق لفظه، وكذا أخرجه أبو عوانة فِي "صحيحه" منْ وجه آخر، عن زهدم نحوه، وَقَالَ فيه: فَقَالَ لي: ادن فكل، فقلت: إني لا أريده … " الْحَدِيث. فهذه عدة طرق، صَرَّحَ زهدم فيها بأنه صاحب القصة، فهو المعتمد، ولا يَعْكُر عليه، إلا ما وقع فِي "الصحيحين" مما ظاهره المغايرة بين زهدم، والممتنع منْ أكل الدجاج، ففي روايةٍ: عن زهدم، كنا عند أبي موسى فدخل رجل، منْ بني تيم الله، أحمر، شبيه بالموالي، فَقَالَ: هَلُمَّ، فتلكأ … " الْحَدِيث، فإن ظاهره أن الداخل دخل، وزهدم جالس، عند أبي موسى،
стр. 16287
لكن يجوز أن يكون مراد زهدم بقوله: كنا قومه الذين دخلوا قبله، عَلَى أبي موسى، وهذا مجاز، قد استَعْمَلَ غيرُهُ مثله، كقول ثابت البناني: خطبنا عمران بن حصين، أي خطب أهلَ البصرة، ولم يدرك ثابت خطبة عمران المذكورة، فيحتمل أن يكون زهدم دخل، فجرى له ما ذُكر، وغاية ما فيه أنه أبهم نفسه، ولا عجب فيه. والله أعلم. انتهى (١).
(فَقَالَ) أبو موسى رضي الله تعالى عنه للرجل الذي تنحَّى (ما شأنك) أي ما حالك فِي ابتعادك عن أكل الدجاج؟ (قَالَ) الرجل (إني رأيتها تأكل شيئاً قذرته) وفي رواية البخاريّ: "فقذرته"، وهو بكسر الذال المعجمة، يقال: قذِرت الشيءَ، منْ باب تعِبَ، واستقذرته، وتقذّرته: إذا كرهته لوسَخه. وقذِرَ الشيءُ، فهو قَذِرٌ، منْ باب تعِبَ أيضاً: إذا لم يكن نظيفًا. قاله فِي "المصباح". وفي رواية أبي عوانة: "إني رأيتها تأكل قَذَرًا"، وكأنه ظن أنها أكثرت منْ ذلك، بحيث صارت جَلَّالة، فبَيَّن له أبو موسى، أنها ليست كذلك، أو أنه لا يلزم منْ كون تلك الدجاجة التي رآها كذلك، أن يكون كل الدجاج كذلك (فحلفت أن لا آكله، فَقَالَ أبو موسى) رضي الله تعالى عنه (ادن) كذا للأكثر، فعل أمر، منْ الدُّنُوّ، ووقع فِي "صحيح البخاريّ" عند المستملي، والسرخسي بلفظ: "إذاً" بكسر الهمزة، وبذال معجمة، مع التنوين، حرف نصب، وزاد فِي رواية البخاريّ: "أخبرك"، أو "أُحدّثك"، وهو مجزومٌ، عَلَى رواية "ادنُ" عَلَى أنه جواب الأمر، ومنصوب بـ"إذاً" عَلَى رواية المستملي، والسرخسيّ، وقوله: أو "أحدثك"، شك منْ الراوي. أفاده فِي "الفتح".
(كل فإني رأيت رسول الله ﷺ يأكله) أي يأكل لحم الدجاج (وأمره) أي أمر أبو موسى الرجل (أن يكفر عن يمينه) حيث حلف أن لا يأكله، كما تقدّم آنفًا. والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي موسى الأشعريّ رضي الله تعالى عنه هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٣/ ٤٣٤٧ و٤٣٤٨ - وفي "الكبرى" ٣٦/ ٤٨٥٨ و٤٨٥٩. وأخرجه (خ) فِي "فرض الخمس" ٣١٣٣ و"المغازي" ٤٣٨٥ و"الذبائح" ٥٥١٧ و٥٥١٨
стр. 16288
و"الأيمان والنذور" ٦٦٤٩ و٦٦٨٠ و"كفّارات الأيمان" ٦٧٢١ و"التوحيد" ٧٥٥٥ (م) فِي "الأيمان" ٤٢٤١ و٤٢٤٢ و٤٢٤٣ و٤٢٤٤ (د) فِي "الأيمان والنذور" ٣٢٧٦ (ت) فِي "النذور والأيمان" ١٥٤٥. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم أكل لحوم الدجاج، وهو الحلّ، فقد دلّ الْحَدِيث عَلَى جواز أكل الدجاج، إنسيّه، ووحشيه، وهو بالاتفاق، إلا عن بعض المتعمقين، عَلَى سبيل الورع، إلا أن بعضهم استثنى الجلّالة، وهي ما تأكل الأقذار، وظاهر صنيع أبي موسى ﵁ أنه لم يبال بذلك، وسيأتي حكم الجلّالة، فِي "كتاب الضحايا" ٤٣/ ٤٤٤٩ - إن شاء الله تعالى. (ومنها): دخول المرء عَلَى صديقه فِي حالة أكله. (ومنها): استدناء صاحب الطعام الداخلَ، وعرضه الطعام عليه، ولو كَانَ قليلاً؛ لأن اجتماع الجماعة عَلَى الطعام سبب للبركة فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيلِ.
٤٣٤٩ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْقَاسِمِ التَّمِيمِيِّ، عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى، فَقُدِّمَ طَعَامُهُ، وَقُدِّمَ فِي طَعَامِهِ لَحْمُ دَجَاجٍ، وَفِى الْقَوْمِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ أَحْمَرُ، كَأَنَّهُ مَوْلًى، فَلَمْ يَدْنُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: ادْنُ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَأْكُلُ مِنْهُ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
و"إسماعيل": هو ابن عليّة. و"أيوب": هو السختيانيّ.
و"القاسم" بن عاصم التميميّ، ويقال: الكُلَينيّ، بنون، بعد التحتانيّة، ويقال: الليثيّ البصريّ، مقبول [٤].
روى عن رافع بن خديج، وزهدم بن مُضَرّب الجرمي، وسعيد بن المسيب، وعطاء الخراساني، وعنه أيوب السختياني، وحميد الطويل، وخالد الحذاء. ذكره بن حبّان فِي "الثقات". روى له البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، فِي "المراسيل"، والترمذي فِي "الشمائل"، والمصنّف، وله عنده فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط.
وقوله: "وقُدّم" بالبناء للمفعول فِي الموضعين.
والحديث متّفق عليه، كما سبق بيانه فِي الْحَدِيث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٥٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، عَنْ بِشْرٍ -هُوَ ابْنُ الْمُفَضَّلِ- قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ
стр. 16289
- ﷺ : "نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ، وَعَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث لا يُطابق هَذَا الباب، فكانَ الأولى للمصنّف رحمه الله تعالى، أن يترجم له ترجمة مفردة، كما فعل فِي "الكبرى"، حيث ترجم له بقوله: "باب ما يُنهَى عن أكله منْ الطير". فتأمّل، والله تعالى أعلم.
ورجال هَذَا الإسناد: سبعة:
١ - (إسماعيل بن مسعود) الجحدري البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧.
٢ - (بشر بن المفضَل) بن لاحق، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت عابد [٨] ٦٦/ ٨٢.
٣ - (سعيد) بن أبي عروبة مهران البصريّ، ثقة ثبت يدلس، واختلط بأخرة [٦] ٣٤/ ٣٨.
٤ - (عليّ بن الحكم) البُنَانيّ -بضمّ الموحّدة، وبنونين، الأولى خفيفة- أبو الحكم البصريّ، ثقة، ضعفه الأزديّ بلا حجة [٥].
قَالَ أبو طالب، عن أحمد: ليس به بأس. وَقَالَ أبو حاتم: لا بأس به، صالح الْحَدِيث. وَقَالَ أبو داود، والنسائي: ثقة. وَقَالَ ابن سعد: هو بُنَاني، منْ أنفسهم، وكان ثقة، وله أحاديث، تُوفي سنة إحدى وثلاثين ومائة، وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ: مات سنة (٣٠) أو (٣١). وَقَالَ البخاريّ، فِي "التاريخ": مات سنة (٣٥). ووثقه العجليّ، وأبو بكر البزار، وابن نمير، وغيرهم. وَقَالَ الدارقطني: ثقة، يُجمَع حديثه، وَقَالَ أبو الفتح الأزدي: زائغ عن القصد، فيه لين. روى له البخاريّ (١)، والأربعة، وله فِي هَذَا الكتاب حديثان فقط، هَذَا و (٤٦٧٣) حديث: "نهى رسول الله ﷺ عن عسب الفحل".
٥ - (ميمون بن مِهران) الْجزريّ، أبو أيوب الفقيه نشأ بالكوفة، ثم نزل الرقة، ثقة فقيهٌ، ولي الجزيرة لعمر بن عبد العزيز، وكان يرسل [٤].
روى عن عمر، والزبير مرسلاً، وعن أبي هريرة، وعائشة، وابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وصفية بنت شيبة، وأم الدرداء، وسعيد بن جبير، ونافع مولى ابن عمر، ومقسم مولى ابن عباس، ويزيد بن الأصم، وغيرهم.
وروى عنه ابنه عمرو، وحميد الطويل، وأيوب، وجعفر بن برقان، وجعفر بن أبي وحشية، وحبيب بن الشهيد، وعلي بن الحكم البناني، والحكم بن عتيبة، وآخرون.
ذكره أبو عروبة فِي الطبقة الأولى منْ التابعين. قَالَ عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: ميمون بن مهران ثقة، أوثق منْ عكرمة، وذكره بخير، وَقَالَ العجليّ: جزري
стр. 16290
تابعيّ ثقة، وكان يحمل عَلَى علي. وَقَالَ أبو زرعة، والنسائي: ثقة. وَقَالَ ابن سعد: كَانَ ثقة قليل الْحَدِيث. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ ابن خراش: جليل. وَقَالَ سعيد بن عبد العزيز عن إسماعيل بن عبد الله: قَالَ ميمون بن مهران: كنت أفضل عليا عَلَى عثمان، فَقَالَ لي عمر بن عبد العزيز: أيهما أحب إليك، رجل أسرع فِي المال، أو رجل أسرع فِي كذا -يعني فِي الدماء- قَالَ: فرجعت، وقلت: لا أعود. وَقَالَ جعفر بن برقان: حدثنا ميمون بن مهران قَالَ: أتيت المدينة، فسألت عن أفقه أهلها، فدُفعت إلى سعيد بن المسيب، فجعلت أسأله، فَقَالَ: إنك تسأل مسألة رجل كأنه قد تبحر ما هاهنا قبل اليوم. وَقَالَ جعفر بن برقان، وفرات بن سليمان: كَانَ عمر بن عبد العزيز إذا نظر إلى ميمون بن مهران قَالَ: إذا ذهب هَذَا، وضَرْبُهُ صار النَّاس منْ بعده رِجْراجة (١). وَقَالَ سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى: كَانَ علماء النَّاس فِي زمان هشام هؤلاء الأربعة، فذكر فيهم ميمون. وَقَالَ أبو المليح الرقي: ما رأيت أحدا أفضل منْ ميمون بن مهران. وَقَالَ الميموني عن أبيه: سمعت عمي عمرو بن ميمون يقول: ما كَانَ أبي يكثر الصلاة ولا الصيام، لكنه كَانَ يكره أن يعصي الله تعالى، وبه إلى ميمون أنه كَانَ يقول: وددت أن أصبعي قطعت منْ هنا، وإني لم أَلِ، فقلت: ولا لعمر؟ قَالَ: لا لعمر ولا لغيره. وَقَالَ يعلي بن عبيد، عن هارون البربري: كَانَ عَلَى خراج الجزيرة وقضائها لعمر بن عبد العزيز. وَقَالَ أبو المليح الرقي: قَالَ رجل لميمون بن مهران: يا أبا أيوب ما يزال النَّاس بخير ما أبقاك الله تعالى لهم، فَقَالَ له ميمون: أقبل عَلَى شأنك، فما يزال النَّاس بخير ما اتقوا ربهم. وَقَالَ أبو المليح: سمعت عبد الكريم يقول: لا علم لنا بكم يا أهل الرقة، منْ رأيناه منْ جانب ميمون، علمنا أنه مستقيم، ومن رأيناه يكره ناحيته، علمنا أنه يأخذ ناحية أخرى. وَقَالَ جعفر بن محمد بن نوح عن إبراهيم بن محمد السَّمَّري: صلى ميمون بن مهران فِي سبعة عشر يوما سبعة عشر ألف ركعة، فلما كَانَ اليوم الثامن عشر، انقطع فِي جوفه شيء فمات. قَالَ خليفة: مات سنة ست عشرة ومائة بالجزيرة، وَقَالَ الميموني عن أبيه وغير واحد: مات سنة سبع عشرة، وَقَالَ علي ابن معبد الرقي عن عبيد الله بن عمرو: ولد سنة سبع عشرة. وَقَدْ روى ابن السبكي فِي "كتاب الصحابة" عن عمرو بن ميمون بن مهران، عن أبيه، عن جده، عن النبيّ ﷺ حديثين. روى له البخاريّ فِي "الأدب المفرد"، ومسلم، والأربعة، وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط.
стр. 16291
و"سعيد بن جبير"، وابن عباس" تقدما قريبًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
منها: أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين غير مهران، فجزري، وسعيد بن جُبَير، فكوفي. (ومنها): أن فيه ثلاثة منْ التابعين يروي بعضهم عن بعض: علي بن الحكم، وميمون، وسعيد. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما (أن نبي الله ﷺ نهى يوم خيبر) أي يوم غزوة خيبر (عن كل) وفي بعض النسخ، وهو الذي فِي "الكبرى": "عن أكل كل" (ذي مخلب) -بكسر الميم، وسكون الخاء المعجمة، وفتح اللام-: هو للطائر، والسبع، كالظفر للإنسان؛ منْ خَلَبتُ النباتَ خَلْبًا، منْ باب نصر: إذا قطعته، وسمّي به؛ لأن الطائر يَخْلِب الجلدَ: أي يقطعه، ويُمَزّقه. والْمِخلَب أيضاً: مِنْجَلٌ، لا أسنان له. أفاده الفيّوميّ. (منْ الطير) كالنّسر، والبازي، ونحوهما (وعن كل) وفي بعض النسخ، وهو الذي فِي "الكبرى" أيضاً: و"عن أكل كل" (ذي ناب) هي السنّ التي خلف الرَّبَاعِية، وهي أُنثى (منْ السباع) قَالَ فِي "شرح السنة": أراد بكل ذي ناب: ما يَعْدُو بنابه عَلَى النَّاس، وأموالهم، كالذئب، والأسد، والكلب، ونحوها، وأراد بذي مخلب: ما يَقطَع ويَشُقّ بِمِخلَبه، كالنسر، والصقر، والبازي، ونحوها (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّقق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٣/ ٤٣٥٠ - وفي "الكبرى" ٣٨/ ٤٨٦١. وأخرجه (م) فِي "الصيد" ٤٩٧٠ (د) فِي "الأطعمة" ٣٨٠٣ (ق) فِي "الصيد" ٣٢٣٤. والله تعالى أعلم. وفوائد الْحَدِيث، وبيان المذاهب، تقدّمت قبل أربعة أبواب، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 16292
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب".
…
٣٤ - (بَابُ إِبَاحَةِ أَكْلِ الْعَصَافِيرِ)
٤٣٥١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِىءُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ صُهَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "مَا مِنْ إِنْسَانٍ قَتَلَ عُصْفُورًا، فَمَا فَوْقَهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا، إِلاَّ سَأَلَهُ اللَّهُ عَنْهَا". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ: "يَذْبَحُهَا فَيَأْكُلُهَا، وَلَا يَقْطَعُ رَأْسَهَا يَرْمِي بِهَا").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِىءُ) المكيّ، ثقة [١٠] ١١/ ١١.
٢ - (سفيان) بن عيينة الإِمام الحجة الثبت [٨] ١/ ١.
٣ - (عمرو) بن دينار الجمحيّ المكيّ، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤.
٤ - (صُهيب، مولى ابن عامر) الحذّاء، أبو موسى المكيّ، مقبول [٤].
روى عن عبد الله بن عمرو. وعنه عمرو بن دينار، ذكره ابن حبّان فِي "الثقات".
وَقَالَ ابن القطّان: لا يُعرف. تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط، وسيُعيده فِي "الضحايا" -٤٢/ ٤٤٤٧. والله تعالى أعلم.
٥ - (عبد الله بن عمرو) بن العاص رضي الله تعالى عنهما ٨٩/ ١١١. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عن عبد الله بن عمرو) بن العاص رضي الله تعالى عنهما (أن رسول الله ﷺ قَالَ: ما) نافية (منْ) زائدة (إنسان قتل عصفورا) -بضم العين المهملة- طائر معروف، جمعه عَصافير (فما فوقها بغير حقها) أي بغير سبب يقضي قتلها، كإرادة الأكل، ونحوه (إلا سأله الله عنها) أي سؤال توبيخ، وتقريع عن قتلها بغير حاجة (قيل يا رسول الله وما حقها؟ قَالَ) ﷺ (يذبحها فيأكلها) هَذَا محلّ الشاهد للترجمة، حيث أباح أكلها، قَالَ ابن قُدامة فِي "المغني" ١٣/ ٣٢٧: وتباح العصافير كلّها. انتهى (ولا يقطع رأسها يرمى بها) المراد قتلها بلا حاجة.
стр. 16293
والحديث ضعيف؛ لتفرّد صُهيب مولى ابن عامر، وهو مجهول، كما مرّ آنفاً، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٣٤/ ٤٣٥١ وفي "الضحايا" ٤٢/ ٤٤٤٧ - وفي "الكبرى" ٣٨/ ٤٨٦١ وفي "الضحايا" ٤٣/ ٤٥٣٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب".
٣٥ - (بَابُ مَيْتَةِ الْبَحْرِ)
٤٣٥٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فِي مَاءِ الْبَحْرِ: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحَلَالُ مَيْتَتُهُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
و"إسحاق بن منصور": هو الكَوْسج. و"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"مالك": هو ابن أنس الإِمام. و"صفوان بن سُليم": هو أبو عبد الله المدنيّ، ثقة مُفتٍ، عابدٌ، رُمي بالقدر [٤] ٤٧/ ٥٩. و"سعيد بن سلمة" -بفتحتين-: هو المخزوميّ المدنيّ، وثّقه النسائيّ [٦] ٤٧/ ٥٩. و"المغيرة بن أبي بُرْدة": هو الحجازيّ الكنانيّ، وثقه النسائيّ أيضاً [٣] ٤٧/ ٥٩.
وقوله: "الطهور ماؤه": بفتح الطاء: أي الطاهر المطهّر، وإنما لم يقل فِي الجواب: نعم، مع حصول المقصود به؛ ليقرُن الحكم بعلّته، وهو الطهوريّة المتناهية فِي بابها، ودفعًا لتوهّم حمل لفظ "نعم" عَلَى الجواز عَلَى سبيل الرخصة للضرورة، ولما يُفهم منْ الجواب بـ"نعم" منْ أنه إنما يُتوضّأ به فقط؛ لأنه المسؤول عنه، وفي إجابته بقوله: "الطهور ماؤه" بيان أن الطهوريّة وصف لازم له، غير قاصر عَلَى حالة الضرورة، وغير خاصّ يحدث دون حدث، بل يرفع كلّ حدث، وُيزيل كلّ خبث.
وقوله: "الحلال ميتته": وفي الرواية المتقدّمة فِي "الطهارة": "الحلّ ميتته". و"الميتة" بفتح الميم: ما مات منْ الحيوان بلا ذكاة. وإنما ترك العاطف بين الجملتين؛ لما بينهما منْ المناسبة فِي الحكم، والعطف يُشعر بالمغايرة.
والحديث صحيح، وتقدّم فِي "الطهارة" -٤٧/ ٥٩ - وسبق شرحه هناك مُستوفىً،
стр. 16294
وكذا بيان مسائله، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٥٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَعَثَنَا النَّبِيُّ ﷺ ، وَنَحْنُ ثَلَاثُمِائَةٍ، نَحْمِلُ زَادَنَا عَلَى رِقَابِنَا، فَفَنِيَ زَادُنَا، حَتَّى كَانَ يَكُونُ لِلرَّجُلِ مِنَّا كُلَّ يَوْمٍ تَمْرَةٌ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَأَيْنَ تَقَعُ التَّمْرَةُ مِنَ الرَّجُلِ؟ قَالَ: لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَقَدْنَاهَا، فَأَتَيْنَا الْبَحْرَ، فَإِذَا بِحُوتٍ قَذَفَهُ الْبَحْرُ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، وأبو داود، وهو مصّيصيّ صدوقٌ [١٠] ٩٣/ ١١٥. و"عبدة": هو ابن سليمان الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ الثقة الثبت. و"هشام": هو ابن عُروة المدنيّ الثقة الفقيه. و"وهب بن كيسان": هو القرشيّ مولاهم، أبو نُعيم المدنيّ المعلّم، ثقة، منْ كبار [٤] ٣٢/ ١٥٩٢.
وقوله "نحمل زادنا الخ"، وفي رواية البخاريّ: "فخرجنا، فكنا ببعض الطريق، فني الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد الجيش، فجُمع، فكان مزودي تمر" (١)، فكان يقوتنا (٢) كل يوم قليلًا قليلًا حَتَّى فني، فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة".
قَالَ فِي "الفتح": ظاهر هَذَا السياق أنهم كَانَ لهم زاد بطريق العموم، وأزواد بطريق الخصوص، فلما فني الذي بطريق العموم، اقتضى رأى أبي عبيدة، أن يجمع الذي بطريق الخصوص؛ لقصد المساواة بينهم فِي ذلك، ففعل، فكان جميعه مزودا واحدا.
ووقع فِي الرواية الآتية آخر الباب منْ طريق أبي الزبير: "وزوّدنا جرابًا منْ تمر"، وعند مسلم: "بعثنا رسول الله ﷺ ، وأمّر علينا أبا عبيدة، نتلقّي عيرًا لقريش، وزوّدنا جرابا منْ تمر، لم يجد لنا غيره، وكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة".
وظاهره مخالف لرواية الباب، ويمكن الجمع بأن الزاد العام، كَانَ قدر جراب، فلما نَفِد، وجمع أبو عبيدة الزاد الخاص، اتفق أنه أيضًا كَانَ قدر جراب، ويكون كل منْ الراويين، ذكر ما لم يذكره الآخر، وأما تفرقة ذلك تمرة تمرة، فكان فِي ثاني الحال.
وأما قول عياض: يحتمل أنه لم يكن فِي أزوادهم تمر غير الجراب المذكور، فمردود؛ لأن قوله: فأمر أبو عُبيدة بجمع الأزواد الخ، صريح فِي أن الذي اجتمع منْ أزوادهم، كَانَ مزود تمر، ورواية أبي الزبير صريحة فِي أن النبيّ ﷺ ، زوّدهم جرابا منْ
стр. 16295
تمر، فصح أن التمر كَانَ معهم، منْ غير الجراب.
وأما قول غيره: يحتمل أن يكون تفرقته عليهم تمرة تمره، كَانَ منْ الجراب النبوي، قصدا لبركته، وكان يفرق عليهم منْ الأزواد التي جمعت، أكثر منْ ذلك، فبعيد منْ ظاهر السياق، بل فِي رواية هشام بن عروة، عند ابن عبد البرّ: "فقَلّت أزوادنا، حَتَّى ما كَانَ يصيب الرجل منا، إلا تمرة. قاله فِي "الفتح" ١٣/ ٤٠٩.
وقوله: "فقيل له: يا أبا عبد الله، وأين تقع التمرة منْ الرجل؟ ". القائل هو وهب بن كيسان، كما بيّن فِي رواية أخرى. و"أبو عبد الله" كنية جابر رضي الله تعالى عنه.
وقوله: "لقد وجدنا فقدها" أي مؤثّرًا علينا، وعند مسلم منْ رواية رواية أبي الزبير: "فقلت: كيف كنتم تصنعون بها؟، قَالَ: نَمُصُّها كما يَمُص الصبي الثدي، ثم نشرب عليها الماء، فتكفينا يومنا إلى الليل".
والحديث متّفقٌ وسيأتي تمام شرحه، وبيان مسائله فِي الْحَدِيث الذي يليه، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٥٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثَلَاثَمِائَةِ رَاكِبٍ، أَمِيرُنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، نَرْصُدُ عِيرَ قُرَيْشٍ، فَأَقَمْنَا بِالسَّاحِلِ، فَأَصَابَنَا جُوعٌ شَدِيدٌ، حَتَّى أَكَلْنَا الْخَبَطَ، قَالَ: فَأَلْقَى الْبَحْرُ دَابَّةً، يُقَالُ لَهَا: الْعَنْبَرُ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ، وَادَّهَنَّا مِنْ وَدَكِهِ، فَثَابَتْ أَجْسَامُنَا، وَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ، فَنَظَرَ إِلَى أَطْوَلِ جَمَلٍ، وَأَطْوَلِ رَجُلٍ فِي الْجَيْشِ، فَمَرَّ تَحْتَهُ، ثُمَّ جَاعُوا، فَنَحَرَ رَجُلٌ ثَلَاثَ جَزَائِرَ، ثُمَّ جَاعُوا، فَنَحَرَ رَجُلٌ ثَلَاثَ جَزَائِرَ، ثُمَّ جَاعُوا، فَنَحَرَ رَجُلٌ ثَلَاثَ جَزَائِرَ، ثُمَّ نَهَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ، قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: فَسَأَلْنَا النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ "، قَالَ: فَأَخْرَجْنَا مِنْ عَيْنَيْهِ كَذَا وَكَذَا قُلَّةً مِنْ وَدَكٍ، وَنَزَلَ فِي حِجَاجِ عَيْنِهِ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ، وَكَانَ مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ جِرَابٌ، فِيهِ تَمْرٌ، فَكَانَ يُعْطِينَا الْقَبْضَةَ، ثُمَّ صَارَ إِلَى التَّمْرَةِ، فَلَمَّا فَقَدْنَاهَا وَجَدْنَا فَقْدَهَا").
رجال هَذَا الإسناد: أربعة:
١ - (محمد بن منصور) الجَوّاز المكيّ المذكور قبل باب.
٢ - (سفيان) بن عُيينة المذكور فِي الباب الماضي.
٣ - (عمرو) بن دينار المذكور فِي الباب الماضي.
٤ - (جابر) بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما المذكور قبل بابين. والله تعالى أعلم.
стр. 16296
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ رباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، وجابر رضي الله تعالى عنه سكن مكة. (ومنها): أنه منْ رباعيات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو أعلى ما وقع له منْ الأسانيد، وهو (٢٠٥) منْ رباعيات الكتاب. (ومنها): أن فيه جابرًا رضي الله تعالى عنه أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) منْ الأحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عن عمرو) بن دينار، أنه (قَالَ: سمعت جابرا) هو ابن عبد الله رضي الله تعالى عنهما (يقول بعثنا رسول الله ﷺ ثلاثمائة راكب) وفي رواية أبي الزبير الآتية آخر الباب: "ونحن ثلاثمائة وبضعة عشر"، ولا تعارض بينهما؛ إذ يمكن الجمع بأن منْ قَالَ: ثلاثمائة" ألغى الكسر، أو أن الثلاثمائة هو الجيش، والزائد غيرهم منْ الخدم ونحوهم. والله تعالى أعلم.
(أميرنا أبو عبيدة بن الجراح) هو عامر بن عبد الله بن الجرّاح بن هلال بن أُهيب بن ضَبّة بن الحارث بن فِهر القرشيّ الْفِهْريّ، أحد العشرة المبشرين بالجنّة، أسلم قديمًا، وشَهِد بدرًا، ومات شهيدًا بطاعون عمواس، سنة (١٨ هـ)، وله (٥٨) سنة، تقدّمت ترجمته فِي ٤٣/ ٢٢٣٣.
قَالَ فِي "الفتح": وفي رواية أبي حمزة الْخَوْلاني، عن جابر بن أبي عاصم، عند البخاريّ فِي "الأطعمة": "تأمّر علينا قيس بن سعد بن عبادة، عَلَى عهد رسول الله ﷺ ، والمحفوظ ما اتفقت عليه روايات "الصحيحين" أنه أبو عبيدة، وكأنّ أحَدَ رواته ظَنَّ منْ صَنيع قيس بن سعد، فِي تلك الغزوة، ما صنع منْ نحو الإبل التي اشتراها، أنه كَانَ أمير السرية، وليس كذلك.
(نرصد عير قريش) بضم الصاد، يقال: رصدته رَصْدًا، منْ باب قتل: قعدت له عَلَى الطريق، والفاعل راصد، وربّما جُمع عَلَى رصد، مثلُ خادم وخَدَمٍ. قاله فِي "المصباح".
و"العِيرُ" -بالكسر-: الإبل تحمل الْمِيرة، ثم غلب عَلَى كلّ قافلة.
وَقَدْ ذكر ابن سعد وغيره: أن النبيّ ﷺ بعثهم، إلى حي منْ جُهينة بالْقَبَلِيّة -بفتح القاف، والموحدة- مما يلي ساحل البحر، بينهم وبين المدينة، خمس ليال، وأنهم انصرفوا، ولم يَلْقوا كيدا، وأن ذلك كَانَ فِي رَجَب، سنة ثمان، قَالَ الحافظ: وهذا لا يغاير ظاهره ما فِي "الصحيح"؛ لأنه يمكن الجمع بين كونهم، يتلقون عيرا لقريش،
стр. 16297
ويَقصِدون حَيّا منْ جهينة، ويُقَوّى هَذَا الجمع ما عند مسلم، منْ طريق عبيد الله بن مِقْسَم، عن جابر، قَالَ: "بعث رسول الله ﷺ ، بعثا إلى أرض جهينة … "، فذكر هذه القصة، لكن تَلَقِّي عير قريش، ما يُتصوَّر أن يكون فِي الوقت الذي ذكره بن اسعد، فِي رَجَب، سنة ثمان؛ لأنهم كانوا حينئذ فِي الْهُدْنة، بل مُقتضَى ما فِي "الصحيح" أن تكون هذه السرية، فِي سنة ست، أو قبلها، قبل هدنة الحديبية، نعم يحتمل أن يكون تلقيهم للعير، ليس لمحاربتهم، بل لحفظهم منْ جهينة، ولهذا لم يقع فِي شيء منْ طرق الخبر، أنهم قاتدوا أحدًا، بل فيه أنهم أقاموا نصف شهر، أو أكثر فِي مكان واحد. فالله أعلم. انتهى (١).
(فأقمنا بالساحل) أي ساحل البحر، قَالَ الفيّوميّ: الساحل: شاطىء البحر، والجمع سواحل. اهـ. وَقَالَ القرطبيّ: ساحل البحر، وسِيفه -بالكسر- وشطّه: كلّ ذلك بمعنى واحد. انتهى (فأصابنا جوع شديد حَتَّى أكلنا الخبط) -بفتح المعجمة، والموحدة، بعدها مهملة، هو وَرَقُ السَّلَم. فِي رواية أبي الزبير الآتية بعد حديث: "حَتَّى إن كنا لنَخْبط الْخَبَطَ بقسيّنا، ونسفّه، ثم نشرب عليه منْ الماء"، وفي رواية البخاريّ: "وكنا نضرب بعِصيّنا الخبط، ثم نَبُلّه بالماء، فنأكله"، قَالَ فِي "الفتح": وهذا يدل عَلَى أنه كَانَ يابسا، بخلاف ما جزم به الداودي، أنه كَانَ أخضر رَطْبًا.
(قَالَ فألقى البحر دابة، يقال لها: العنبر) وفي رواية أبي الزبير الآتية: "فأجزنا الساحل، فإذا دابةٌ مثلُ الكثيب، يقال له العنبر"، وفي رواية البخاريّ: "فإذا حوت، مثل الظَّرِب"، قَالَ فِي "الفتح": أما الحوت، فهو اسم جنس لجميع السمك. وقيل: هو مخصوص بما عَظُم منها، والظِّرِب -بفتح المعجمة المشالة- ووقع فِي بعض النسخ بالمعجمة الساقطة، حكاها ابن التين، والأول أصوب، وبكسر الراء، بعدها موحدة-: الجبل الصغير. وَقَالَ القَزَّاز: هو بسكون الراء، إذا كَانَ منبسطا، ليس بالعالي.
قَالَ أهل اللغة: العنبر سمكة بحرية كبيرة، يُتّخذ منْ جلدها التُّرْسة، ويقال: إن العنبر المشموم رَجِيع هذه الدابة. وَقَالَ ابن سيناء: بل المشموم، يخرج منْ البحر، وإنما يؤخذ منْ أجواف السمك، الذي يبتلعه. ونقل الماوردي، عن الشافعيّ، قَالَ: سمعت منْ يقول: رأيت العنبر نابتا فِي البحر، مُلتويا مثل عنق الشاة، وفي البحر دابة تأكله، وهو سُمّ لها، فيقتلها، فيقذفها، فيخرج العنبر منْ بطنها. وَقَالَ الأزهري: العنبر سمكة، تكون بالبحر الأعظم، يبلغ طولها خمسين ذراعا، يقال لها: بالة، وليست
стр. 16298
بعربية. قَالَ الفرزدق [منْ الطويل]:
فَبِتْنَا كَأَنَّ الْعَنْبَرَ الْوَرْدَ بَيْنَنَا … وَبَالَةُ بَحْرٍ فَاؤُهَا قَدْ تَخَرَّمَا
أي قد تشقق. ووقع فِي رواية ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عند البخاريّ: "فألقى لنا البحر، حوتا ميتا".
واستدل به عَلَى جواز أكل ميتة السمك وسيأتي البحث فيه فِي المسائل، إن شاء الله تعالى.
(فأكلنا منه نصف شهر) وفي الرواية الماضية: "فأكلنا منه ثمانية عشر يومًا"، وفي الرواية التالية: "فأكلنا منه أيامًا"، وفي رواية أبي الزبير، عند البخاريّ: "فأقمنا عليها شهرا". ويجمع بين هَذَا الاختلاف، بأن الذي قَالَ: "ثمان عشرة" ضبط ما لم يضبطه غيره، وأن منْ قَالَ: "نصف شهر" ألغى الكسر الزائد، وهو ثلاثة أيام، ومن قَالَ: "شهرا" جبر الكسر، أو ضم بقية المدة، التي كانت قبل وجدانهم الحوت إليها. ورجح النوويّ رواية أبي الزبير؛ لما فيها منْ الزيادة. وَقَالَ ابن التين: إحدى الروايتين وَهَمٌ. انتهى. ووقع فِي رواية الحاكم: "اثنى عشر يوما"، وهي شاذة، وأشد منها شذوذا، رواية: "فأقمنا قبلها ثلاثة".
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الجمع الأول هو الذي رجحه الحافظ، وهو الراجح عندي. والله تعالى أعلم.
(وادّهنّا منْ ودكه) -بفتح الواو، والمهملة-: أي شحمه. وفي رواية أبي الزبير عند مسلم: "فلقد رأيتنا، نغترف منْ وَقْب عينه بالقِلال الدهنَ، ونقطع منه الْفِدَر، كالثور"، والوَقْبُ -بفتح الواو، وسكون القاف، بعدها موحدة-: هي النُّقْرة التي تكون فيها الحدَقَة، والفِدَر -بكسر الفاء، وفتح الدال- جمع فَدْرة -بفتح، ثم سكون-: وهي القطعة منْ اللحم، ومن غيره. وفي رواية أبي حمزة الخولاني: "فحملنا ما شئنا، منْ قديد، ووَدَك، فِي الأسقية، والغرائر".
(فثابت أجسامنا) بالثاء المثلّثة: أي رجعت إلى القوة، وفيه إشارة إلى أنهم أصابهم هُزالٌ منْ الجوع السابق.
(وأخذ أبو عبيدة) رضي الله تعالى عنه أي أمر بالأخذ، ففي رواية البخاريّ: "ثم أمر أبو عبيدة" (ضِلَعًا منْ أضلاعه) "الضلع" -بكسر الضاد المعجمة، وفتح اللام، وَقَدْ تسكّن، واحدة الأضلاع. وفي رواية البخاريّ: "ثم أمر أبو عبيدة بضلعين منْ أضلاعه، فنُصبا". قَالَ فِي "الفتح": كذا فيه، واستُشكِل؛ لأن الضلع مؤنثة، ويجاب بأن تأنيثه غير حقيقي، فيجرز فيه التذكير، انتهى.
стр. 16299
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: أحسن منه تأويل النوويّ، حيث قَالَ: ووجه التذكير أنه أراد به العضو. انتهى.
(فنظر إلى أطول جمل وأطول رجل في الجيش فمر تحته) وفي رواية البخاريّ: "ثم أمر براحلة، فرُحلت، ثم مرّت تحتهما، فلم تصبهما"، وفي حديث عبادة بن الصامت، عند ابن إسحاق: "ثم أمر بأجسم بعير معنا، فحُمل عليه أجسم رجل منا، فخرج منْ تحتهما، وما مست رأسه".
قَالَ الحافظ: وهذا الرجل، لم أقف عَلَى اسمه، وأظنه قيس بن سعد بن عبادة، فإن له ذكرا فِي هذه الغزوة، كما ستراه بعدُ، وكان مشهورا بالطول، وقصته فِي ذلك مع معاوية، لَمّا أرسل إليه ملك الروم بالسراويل، معروفة، فذكرها المعافى الحريري فِي "الجليس"، وأبو الفرج الأصبهاني، وغيرهما، ومحصلها: أن أطول رجل منْ الروم، نَزَع له قيس بن سعد سراويله، فكان طول قامة الرومي، بحيث كَانَ طرفها عَلَى أنفه، وطرفها بالأرض، وعوتب قيس فِي نزع سراويله فِي المجلس، فأنشد [منْ الطويل]:
أَرَدتُّ لِكَيْمَا يَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهَا … سَرَاوِيلُ قَيْسِ وَالْوُفُودُ شُهُودُ
وَأَنْ لا يَقُولُوا غَابَ قَيْسٌ وَهَذِهِ … سَرَاوِيلُ عَادِيٌّ نَمَتْهُ ثَمُودُ
ووقع فِي آخر "صحيح مسلم"، منْ طريق عبادة بن الوليد، أن عبادة بن الصامت، قَالَ: خرجت أنا وأبي، نطلب العلم، فذكر حديثا طويلًا، وفي آخره: "وشكا النَّاس إلى رسول الله ﷺ الجوع، فَقَالَ: "عسى الله أن يطعمكم"، فأتيا سِيف البحر، فزخر البحر زخرة، فألقى دابة، فأورينا عَلَى شِقّها النار، فاطّبخنا، واشتوينا، وأكلنا، وشبعنا، قَالَ جابر: فدخلت أنا وفلان وفلان، حَتَّى عدّ خمسة فِي حجاج عينها، وما يرانا أحد، حَتَّى خرجا، وأخذنا ضلعا منْ أضلاعها، فقوّسناه، ثم دعونا بأعظم رجل فِي الركب، وأعظم جمل فِي الركب، وأعظم كَفَل فِي الركب، فدخل تحته، ما يطأطأ رأسه". وظاهر سياقه أن ذلك وقع لهم فِي غزوة، مع النبيّ ﷺ ، لكن يمكن حمل قوله: "فأتينا سيف البحر" عَلَى أنه معطوف عَلَى شيء محذوف، تقديره: فبعثنا النبيّ ﷺ فِي سفر، فأتينا … الخ، فيتحد مع القصة التي فِي حديث الباب. قاله فِي "الفتح".
(ثم جاعوا) "ثُمّ" هنا للترتيب الذكريّ؛ لأن نحو الرجل إنما كَانَ قبل أن يجدو العنبر، قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: القصّة هاهنا عَلَى غير ترتيبها، فكدمة "ثمّ" لتراخي الإخبار، وكذا الفاء فِي قوله: "فأخرجنا منْ عينيه الخ" لتعقيب الإخبار. والله تعالى أعلم. انتهى (١).
стр. 16300
(فنحر رجل) هو قيس بن سعد بن عبادة رضي الله تعادى عنهما، وكان اشترى الْجُزُرَ منْ أعرابي جهني، كل جَزُور بوسق منْ تمر، يوفيه إياه بالمدينة (ثلاث جزائر) المراد به جمع جزور، قَالَ فِي "الفتح": وفيه نظر، فإن جزائر جمع جزيرة، والجزور إنما يجمع عَلَى جُزُر بضمتين، فلعله جمع الجمع. انتهى.
وَقَالَ الفيّوميّ: الْجَزُور منْ الإبل خاصّةً، يقع عَلَى الذكر والأنثى، والجمع جُزُر، مثلُ رَسُول ورُسُل، ويُجمع أيضًا عَلَى جُزُرَات، ثم عَلَى جزائر، ولفظ الجزُور أُنثى، يقال: رعت الجزور، وزاد الصغاني: وقيل: الجزور الناقة التي تُنْحَر. انتهى.
(ثم جاعوا فنحر رجل ثلاث جزائر ثم جاعوا فنحر رجل ثلاث جزائر ثم نهاه أبو عبيدة) وَقَالَ فِي "الفتح" ١٣/ ٤٣ - : فلما رأى عمر ذلك، وكان فِي ذلك الجيش، سأل أبا عبيدة، أن ينهى قيسا عن النحر، فَعَزَم عليه أبو عبيدة، أن ينتهي عن ذلك، فأطاعه. ائتهى.
قَالَ فِي "الفتح": وَقَدْ اختلفوا فِي سبب نهى أبي عبيدة قيسا أن يستمر عَلَى إطعام الجيش، فقيل: لخشية أن تَفْنَى حمولتهم، وفيه نظر؛ لأن القصة أنه اشترى منْ غير العسكر. وقيل: لأنه كَانَ يستدين عَلَى ذمته، وليس له مال، فأراد الرفق به، وهذا أظهر. قاله فِي "الفتح". والله أعلم.
وفي رواية البخاريّ: "وكان عمرو -يعني ابن دينار- يقول: أخبرنا أبو صالح، أن قيس بن سعد قَالَ لأبيه: كنتُ فِي الجيش، فجاعوا، قَالَ: انحر، قَالَ: نحرتُ، ثم جاعوا، قَالَ: انحر، قَالَ: نحرتُ، قَالَ: ثم جاعوا، قَالَ: انحر، قَالَ: نحرت، ثم جاعوا، قَالَ: انحر، قَالَ: نُهِيتُ".
قَالَ فِي "الفتح": ما نصّه: وهذا صورته مرسل؛ لأن عمرو بن دينار لم يدرك زمان تحديث قيس لأبيه، لكنه فِي مسند الحميدي موصول، أخرجه أبو نعيم فِي "المستخرج" منْ طريقه، ولفظه: عن أبي صالح، عن قيس بن سعد بن عبادة، قَالَ: قلت لأبي: وكنت فِي ذلك الجيش، جيشِ الخبط، فأصاب النَّاس جوع، قَالَ لي: انحر، قلت: نحرت، فذكره، وفي آخره: قلت نهيتُ. وذكر الواقدي بإسناد له، أن قيس بن سعد، لَمّا رأى ما بالناس، قَالَ: منْ يشتري مني تمرا بالمدينة بجزور هنا، فَقَالَ له رجل منْ جهينة: منْ أنت؟، فانتسب له، فَقَالَ: عرفت نسبك، فابتاع منه خمس جزائر، بخمسة أوسق، وأشهد له نفرا منْ الصحابة، فامتغ عمر، لكون قيس لا مال له، فَقَالَ الأعرابيّ: ما كَانَ سعد لِيَجْنِيَ بابنه فِي أوسق تمر، فبلغ ذلك سعدا، فغضب، ووهب لقيس أربع حوائط، أقلها يُجَذّ خمسين وسقا. وزاد ابن خزيمة منْ طريق عمرو بن
стр. 16301
الحارث، عن عمرو بن دينار، وَقَالَ فِي حديثه: لَمّا قدِموا ذكروا شأن قيس، فَقَالَ النبيّ ﷺ : "إن الْجُود منْ شيمة أهل ذلك البيت"، وفي حديث الواقدي، أن أهل المدينة بلغهم الجهد الذي قد أصاب القوم، فَقَالَ سعد بن عبادة: إن يك قيس كما أعرف، فسينحر للقوم. انتهى.
(قَالَ سفيان) بن عُيينة، وهو موصولٌ بالإسناد السابق، وليس معلّقًا (قَالَ أبو الزبير) محمد بن مسلم (عن جابر) رضي الله تعالى عنه (فسألنا النبيّ ﷺ ، فَقَالَ: "هل معكم منه شيء؟ ") زاد فِي رواية البخاريّ، منْ طريق ابن جريج، عن أبي الزبير: "فَأَتَاه بعضهم، فأكله". ووقع فِي رواية ابن السكن: "فأتاه بعضهم بعضو منه، فأكله"، قَالَ عياض: وهو الوجه. وفي رواية أحمد، منْ طريق ابن جريج التي أخرجها منه البخاريّ: "وكان معنا منه شيء، فأرسل به إليه بعض القوم، فأكل منه". ووقع فِي رواية أبي حمزة، عن جابر، عند ابن أبي عاصم، فِي "كتاب الأطعمة": فلما قدموا، ذكروا لرسول الله ﷺ ، فَقَالَ: لو نعلم أنا نُدركه، لم يروح، لأحببنا لو كَانَ عندنا منه"، وهذا لا يخالف رواية أبي الزبير؛ لأنه يحمل عَلَى أنه قَالَ ذلك؛ ازديادا منه بعد أن أحضروا له منه، ما ذكر، أو قَالَ ذلك قبل أن يُحضروا له منه، وكان الذي أحضروه معهم لم يروح، فأكل منه. ذكره فِي "الفتح" (١).
(قَالَ) جابر رضي الله تعالى عنه (فأخرجنا منْ عينيه كذا وكذا قُلّة) بضم القاف، وتشديد اللام، قَالَ النوويّ: هي الجرّة الكبيرة التي يُقلّها الرجل بين يديه: أي يحملها. وَقَالَ الفيّوميّ: القلّة: إناء للعرب، كالجرّة، شِبْهُ الْحُبّ، والجمع قلالٌ، مثل بُرْمة وبِرَام، وربّما قيل: قُلَلٌ، مثلُ غُرْفة وغُرَف. انتهى (منْ ودك) بفتحين: دَسَمُ اللحم والشحم، وهو ما يَتَحَلَّب منْ ذلك. قاله الفيّوميّ (ونزل فِي حجاج عينه أربعة نفر) الْحِجَاج بكسر الحاء المهملة، وتُفتح: العظم المستدير حولَها، وهو مذكّرٌ، وجمعه أَحِجّة، وَقَالَ ابن الأنباريّ: الحِجَاج: العظم المشرف عَلَى غار العين. ذكره الفيّوميّ.
(وكان مع أبي عبيدة) رضي الله تعالى عنه (جراب) بكسر الجيم، قَالَ فِي "القاموس": الجِرَاب -أي بالكسر- ولا يُفتح، أو لُغيّة فيما حكاه النوويّ وعياض: الْمِزود، أو الوعاء، جمعه جُرُبٌ - بضمّتين، وجُرْبٌ بضم، فسكون، وأجربةٌ. انتهى (فيه تمر) هَذَا الجراب هو الذي زوّدهم النبيّ ﷺ ، كما بيّنته الرواية الآتية بعد حديث: "وزوّدنا جرابًا منْ تمر … " (فكان يعطينا القبضة) وفي الرواية الآتية: "فأعطانا قبضةً قبضةً"، وهو بفتح القاف، وضمّها (ثم) لَمّا كاد ينفَدُ (صار إلى التمرة) أي إلى إعطائهم
стр. 16302
التمرة (فلما فقدناها) أي بسبب نفادها (وجدنا فقدها) أي مؤثّرًا علينا.
وفي "صحيح البخاريّ" ج: ٤ ص: ١٥٨٥: "لما بعث رسول الله ﷺ بعثا قِبَلَ الساحل، وأمّر عليهم أبا عبيدة بن الجراح، وهم ثلاثمائة، فخرجنا، وكنا ببعض الطريق فَنِي الزادُ، فأمر أبو عبيدة بأزواد الجيش، فجُمع، فكان مِزودي تمر، فكان يَقُوتُنا كل يوم قليلا قليلا، حَتَّى فَنِي، فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة، فقلت: ما تغني عنكم تمرة؟ فَقَالَ: لقد وجدنا فقدها حين فنيت … ".
قَالَ فِي "الفتح" ج: ٨ ص: ٧٩: "المزود" -بكسر الميم، وسكون الزاى-: ما يُجعل فيه الزاد. وقوله: "فكان يقوتنا" بفتح أوله، والتخفيف، منْ الثلاثي، وبضمه والتشديد، منْ التقويت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٥/ ٤٣٥٣ و٤٣٥٤ و٤٣٥٥ و٤٣٥٦ - وفي "الكبرى" فِي "كتاب ما قذفه البحر" -١/ ٤٨٦٣ و٤٨٦٤ و٤٨٦٥ و٤٨٦٦. وأخرجه (خ) فِي "الشركة" ٢٤٨٣ و"الجهاد" ٢٩٨٣ و"المغازي" ٤٣٦٠ و٤٣٦١ و"الذبائح" ٥٤٩٤ (م) فِي "الصيد" ٤٩٧٤ و٤٩٧٥ و٤٩٧٦ و٤٩٧٧ و٤٩٧٨ و٤٩٧٩ (ت) فِي "صفة القيامة" ٢٤٧٥ (ق) فِي "الزهد" ٤١٥٩. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم ميتة البحر، وهو الحلّ، وذلك لتصريحه فِي الْحَدِيث يكون البحر ألقى حوتا ميتا، فأكلوا منه، ثم أكل النبيّ ﷺ منه بعدهم، وبهذا تتم الدلالة، وإلا فمجرد أكل الصحابة منه، وهم فِي حالة المجاعة، قد يقال أنه للاضطرار، ولاسيما وفيه قول أبي عبيدة "ميتة"، ثم قَالَ: "لا تأكلوه، ثم قَالَ: جيش رسول الله ﷺ ، وفي سبيل الله ، ونحن مضطرّون، كلوا باسم الله"، وحاصل قول أبي عبيدة: أنه بناه أوّلاً عَلَى عموم تحريم الميتة، ثم تذكر تخصيص المضطر بإباحة أكلها، إذا كَانَ غير باغ ولا عاد، وهم بهذه الصفة؛ لأنهم فِي سبيل الله، وفي طاعة رسوله ﷺ ، وَقَدْ تبين منْ آخر الْحَدِيث، أن جهة كونها حلالا، ليست سبب الاضطرار، بل كونها منْ صيد البحر، ففي آخر الْحَدِيث أنهم لما
стр. 16303
قدموا عَلَى رسول الله ﷺ المدينة ذكروا له ذلك، فَقَالَ: "ذلك رزقٌ رزقكموه الله ، أمعكم منه شيء؟ "، فأتاه بعضهم بعضو، فأكله"، فتبين لهم أنه حلال مطلقا، وبالغ فِي البيان بأكله منها؛ لأنه لم يكن مضطرا. قاله فِي "الفتح" ١٣/ ٤٣.
(ومنها): أن الجيوش لابدّ لها منْ أمير، يضبطها، وينقادون لأمره ونهيه، وأنه ينبغي أن يكون الأمير أفضلهم، أو منْ أفضلهم، وأنه يستحبّ للرفقة منْ النَّاس، وإن قلّوا أن يؤمّروا أحدهم عليهم، ويُطيعوه، وينقادو له، فقد أخرج البيهقيّ فِي "السنن الكبرى" منْ حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، مرفوعًا: "إذا كَانَ ثلاثةً فِي سفر، فليؤمّروا أحدهم"، وهو حديث صحيح. (ومنها): ما كَانَ عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم منْ الزهد فِي الدنيا، والتقلّل منها، والصبر عَلَى الجوع، وخشونة العيش، وإقدامهم عَلَى الغزو مع هَذَا الحال.
(ومنها): مشروعية المواساة بين الجيش، عند وقوع المجاعة. (ومنها): أن الاجتماع عَلَى الطعام، يستدعي البركة فيه. (ومنها): أنه يستحبّ للرفقة منْ المسافرين خلط أزوادهم؛ ليكون أبرك، وأحسن فِي العِشرة، وأن لا يختصّ بعضهم بأكل دون بعض، كما كَانَ النبيّ ﷺ يفعله فِي مواطن، وكما كَانَ الأشعريّون يفعلونه، وأثنى عليهم بذلك رسول الله ﷺ ، كما هو فِي ثبت ذلك "الصحيح". (ومنها): أنه لا بأس بسؤال الإنسان منْ مال صاحبه ومتاعه؛ إدلالا عليه، وليس هو منْ السؤال المنهيّ عنه، إنما ذلك فِي حق الأجانب للتمول، ونحوه، وأما هذه فللمؤانسة، والملاطفة، والإدلال. (ومنها): أن فيه جوازَ الاجتهاد فِي الأحكام، فِي زمن النبيّ ﷺ ، كما يجوز بعده، وذلك لما فِي الرواية الآتية، منْ قول أبي عُبيدة رضي الله تعالى عنه بعد أَنْ نهاهم عن أكله، وَقَالَ: ميتة، لا تأكلوه، قَالَ: جيش رسول الله ﷺ ، وفي سبيل الله ، ونحن مضطرّون، كلُوا باسم الله". (ومنها): أنه يستحب للمفتي أن يتعاطى بعض المباحات، التي يشك فيها المستفتي، إذا لم يكن فيه مشقة عَلَى المفتي، وكان فيه طُمأنينة للمستفتي. (ومنها): أن فيه إباحةَ ميتات البحر كلها، سواء فِي ذلك، ما مات بنفسه، أو باصطياد، وسيأتي تمام البحث فيه فِي المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
(ومنها): أنه يستفاد منْ قوله: "أكلنا منه نصف شهر"، جواز أكل اللحم، ولو أنتن؛ لأن النبيّ ﷺ ، قد أكل منه بعد ذلك، واللحم لا يبقى غالبا، بلا نتن فِي هذه المدة، لاسيما فِي الحجاز، مع شدة الحر، لكن يحتمل أن يكونوا ملَّحوه، وقَدَّدُوهُ، فلم يدخله نتن، وَقَدْ تقدم قريبا قول النوويّ أن النهي عن أكل اللحم، إذا أنتن للتنزيه، إلا إن خيف منه الضرر فيحرم، وهذا الجواب عَلَى مذهبه، ولكن المالكية حملوه عَلَى التحريم مطلقا، وهو الظاهر. ويأتي فِي الطافي نظير ما قاله فِي النتن، إذا خُشي منه الضرر. قاله
стр. 16304
فِي "الفتح" ٩/ ٦١٨.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي استظهره فِي "الفتح" منْ حمل النهي عَلَى التحريم، كما قَالَ المالكية، هو الحقّ عندي، كما تقدّم بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم صيد البحر (١):
قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: قد أجمع المسلمون عَلَى إباحة السمك، قَالَ بعض أصحابنا: يحرم الضفدع؛ للحديث فِي النهى عن قتلها، قالوا: وفيما سوى ذلك ثلاثة أوجه: [أصحها]: يحلّ جميعه؛ لهذا الْحَدِيث. [والثانى]: لا يحل. [والثالث]: يحل ما له نظير مأكول فِي البر، دون ما لا يؤكل نظيره، فعلى هَذَا تؤكل خيل البحر، وغنمه، وظباؤه، دون كلبه، وخنزيره، وحماره، قَالَ: قَالَ أصحابنا: والحمار، وإن كَانَ فِي البر مأكول وغيره، ولكن الغالب غير المأكول، هَذَا تفصيل مذهبنا.
وممن قَالَ بإباحة جميع حيوانات البحر، إلا الضفدع: أبو بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وابن عباس، ﵃، وأباح مالك الضفدع، والجميع، وَقَالَ أبو حنيفة: لا يحل غير السمك، وأما السمك الطافىء، وهو الذي يموت فِي البحر، بلا سبب، فمذهبنا إباحته، وبه قَالَ جماهير العلماء، منْ الصحابة، فمن بعدهم، منهم: أبو بكر الصديق، وأبو أيوب، وعطاء، مكحول، والنخعي، ومالك، وأحمد، وأبو ثور، وداود، وغيرهم. وَقَالَ جابر بن عبد الله، وجابر بن زيد، وطاوس، وأبو حنيفة: لا يحل.
دليلنا قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ الآية [المائدة: ٩٦]، قَالَ ابن عباس، والجمهور: صيده ما صدتموه، وطعامه ما قذفه، وبحديث جابر هَذَا، وبحديث: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته"، وهو حديث صحيح، وبأشياء مشهورة، غيرِ ما ذكرنا.
وأما الْحَدِيث المروي عن جابر، عن النبيّ ﷺ : "ما ألقاه البحر، وجزر عنه، فكلوه، وما مات فيه، فطفا فلا تأكلوه"، فحديث ضعيفٌ باتفاف أئمة الْحَدِيث (٢)، لا يجوز الاحتجاج به، لو لم يعارضه شيء، كيف وهو معارضٌ بما ذكرناه.
[فإن قيل]: لا حجة فِي حديث العنبر؛ لأنهم كانوا مضطرّين.
[قلنا]: الاحتجاج بأكل النبيّ ﷺ منه فِي المدينة، منْ غير ضرورة. انتهى كلام
стр. 16305
النوويّ رحمه الله تعالى فِي شرح "صحيح مسلم" ١٣/ ٨٦.
وَقَالَ فِي "الفتح" ١٣/ ٤٣ - : ما حاصله: يستفاد منْ الْحَدِيث إباحة ميتة البحر، سواء مات بنفسه، أو مات بالاصطياد، وهو قول الجمهور، وعن الحنفية: يكره، وفرقوا بين ما لَفَظَه، فمات، وبين ما مات فيه، منْ غير آفة، وتمسّكوا بحديث أبي الزبير، عن جابر: "ما ألقاه البحر، أو جزر عنه، فكلوه، وما مات فيه فطفا، فلا تأكلوه"، أخرجه أبو داود، مرفوعًا، منْ رواية يحيى بن سليم الطائفي، عن أبي الزبير، عن جابر، ثم قَالَ: روى الثوري، وأيوب، وغيرهما عن أبي الزبير، هَذَا الْحَدِيث موقوفًا، وَقَدْ أسند منْ وجه ضعيف، عن ابن أبي ذئب، عن أبي الزبير، عن جابر، مرفوعًا، وَقَالَ الترمذي: سألت البخاريّ عنه؟، فَقَالَ: ليس بمحفوظ، ويُرْوَى عن جابر خلافه. انتهى، ويحيى بن سليم صدوق، وصفوه بسوء الحفظ، وَقَالَ النسائيّ: ليس بالقوي، وَقَالَ يعقوب بن سفيان: إذا حدث منْ كتابه، فحديثه حسن، وإذا حدث حفظا، يُعرَف وينكر. وَقَالَ أبو حازم: لم يكن بالحافظ، وَقَالَ ابن حبّان فِي "الثقات"، كَانَ يخطىء، وَقَدْ توبع عَلَى رفعه. وأخرجه الدارقطني، منْ رواية أبي أحمد الزبيري، عن الثوري، مرفوعًا، لكن قَالَ: خالفه وكيع وغيره، فوقفوه عن الثوري، وهو الصواب، وروي عن ابن أبي ذئب، وإسماعيل بن أمية، مرفوعًا، ولا يصح، والصحيح موقوف، وإذا لم يصح إلا موقوفًا، فقد عارضه قول أبي بكر وغيره، والقياس يقتضي حله؛ لأنه سمك لو مات فِي البر، لأكل بغير تذكية، ولو نضب عنه الماء، أو قتلته سمكة أخرى فمات، لأكل، فكذلك إذا مات، وهو فِي البحر.
وَقَالَ فِي "الفتح" أيضًا: ما حاصله: وفي الْحَدِيث جوازُ أكل حيوان البحر مطلقا؛ لأنه لم يكن عند الصحابة نص يخص العنبر، وَقَدْ أكلوا منه، كذا قَالَ بعضهم، ويخدُش فيه أنهم أوّلا إنما أقدموا عليه بطريق الاضطرار، ويجاب بأنهم أقدموا عليه مطلقا، منْ حيث كونه صيد البحر، ثم توقفوا منْ حيث كونه ميتة، فدل عَلَى إباحة الإقدام عَلَى أكل ما صيد منْ البحر، وبَيّن لهم الشارع آخرا أن ميتته أيضا حلال، ولم يفرق بين طاف ولا غيره.
واحتج بعض المالكية بأنهم أقاموا يأكلون منها أياما، فلو كانوا أكلوا منه عَلَى أنه ميتة، بطريق الاضطرار ما داوموا عليه؛ لأن المضطر، إذا أكل الميتة، يأكل منها بحسب الحاجة، ثم ينتقل لطلب المباح غيرها.
وجمع بعض العلماء بين مختلف الأخبار فِي ذلك، يحمل النهي عَلَى كراهة التنزيه، وما عدا ذلك عَلَى الجواز، ولا خلاف بين العلماء، فِي حل السمك عَلَى اختلاف
стр. 16306
أنواعه، وإنما اختلف فيما كَانَ عَلَى صورة حيوان البر، كالآدمي، والكلب، والخنزير، والثعبان، فعند الحنفية، وهو قول الشافعية، يحرم ما عدا السمك، واحتجوا عليه بهذا الْحَدِيث، فإن الحوت المذكور، لا يسمى سمكا، وفيه نظر، فإن الخبر ورد فِي الحوت نصا.
وعن الشافعية الحل مطلقا، عَلَى الأصح المنصوص، وهو مذهب المالكية، إلا الخنزير فِي رواية، وحجتهم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾، وحديث: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته"، أخرجه مالك، وأصحاب "السنن"، وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان، وغيرهم. وعن الشافعية: ما يؤكل نظيره فِي البر حلال، وما لا فلا، واستثنوا عَلَى الأصح، ما يعيش فِي البحر والبر، وهو نوعان:
[النوع الأول]: ما ورد فِي منع أكله شيء يخصه، كالضفدع، وكذا استثناه أحمد؛ للنهي عن قتله، ورد ذلك منْ حديث عبد الرحمن بن عثمان التيمي، أخرجه أبو داود، والنسائي (١)، وصححه، والحاكم، وله شاهد منْ حديث ابن عمر، عند ابن أبي عاصم، وآخر عن عبد الله بن عمر، وأخرجه الطبراني، فِي "الأوسط"، وزاد: "فإن نقيقها تسبيح"، وذكر الأطباء أن الضفدع نوعان: بري، وبحري، فالبري يَقتُل آكله، والبحري يضره.
ومن المستثنى أيضًا: التمساح؛ لكونه يَعْدُو بنابه، وعند أحمد فيه رواية، ومثله القِرْش فِي البحر الملح، خلافا لما أفتي به المحب الطبري، والثعبان، والعقرب، والسرطان، والسلحفاة؛ للاستخباث، والضرر اللاحق، منْ السم، ودنيلس، قيل: إن أصله السرطان، فإن ثبت حرم.
[النوع الثاني]: ما لم يرد فيه مانع، فيحل، لكن بشرط التذكية، كالبط، وطير الماء. والله أعلم. انتهى ما فِي "الفتح" ج: ٨ ص: ٧٨.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أرجح الأقوال هو القول بتعميم حل أكل حيوان البحر، إلا ما ورد نصّ صحيح بمنع أكله، وإلا ما ثبت عن ثقات الأطبّاء، أو التجربة ضرره، فيحرم، وَقَدْ كنت رجحت فِي "الطهارة" قول منْ خصّ الحلّ بالسمك، فقط؛ لحديث: "أُحلّت لنا ميتتان … "، فقد بيّن الميتة بأنهما السمك والجراد، ولكن الآن ترجّح عندي ما ذكرته؛ لقوة حديث قصة جيش أبي عبيدة ﵁. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 16307
(المسألة الخامسة): قَالَ فِي "الفتح" أيضًا ١٣/ ٤٥ - : وقع فِي أواخر "صحيح مسلم" فِي الْحَدِيث الطويل، منْ طريق الوليد بن عبادة بن الصامت: أنهم دخلوا عَلَى جابر، فرأوه يصلي فِي ثوب … الْحَدِيث، وفيه قصة النخامة فِي المسجد، وفيه أنهم خرجوا فِي غزاة ببطن بُوَاط، وفيه قصة الحوض، وفيه قيام المأمومين خلف الإِمام، كل ذلك مُطوَّل، وفيه قَالَ: سرنا مع رسول الله ﷺ ، وكان قوت كل رجل منا تمرة، كل يوم، فكان يمصها، وكنا نختبط بقِسِيّنا، ونأكل، وسرنا مع رسول الله ﷺ ، حَتَّى نزلنا واديًا أفيح، فذكر قصة الشجرتين اللتين التفّتا بأمر النبيّ ﷺ ، حَتَّى تستر بهما عند قضاء الحاجة، وفيه قصة القبرين اللذين غَرَس فِي كل منهما غصنا، وفيه فأتينا العسكر، فَقَالَ: "يا جابر ناد الوضوء … "، فذكر القصة بطولها، فِي نبع الماء منْ بين أصابعه، وفيه: وشكا النَّاس إلى رسول الله ﷺ الجوع، فَقَالَ: "عسى الله أن يطعمكم"، فأتينا سِيف البحر، فزجر البحر زَجْرة، فألقى دابة، فأورينا عَلَى شِقِّها النار، فاطّبخنا، واشتوينا، وأكلنا، وشبعا، وذكر أنه دخل هو وجماعة فِي عينها، وذكر قصة الذي دخل تحت ضلعها، ما يُطأطيء رأسه، وهو أعظم رجل فِي الركب، عَلَى أعظم جمل، وظاهر سياق هذه القصة، يقتضي مغايرة القصة المذكورة فِي هَذَا الباب، وهي منْ رواية جابر أيضًا، حَتَّى قَالَ عبد الحق، فِي "الجمع بين الصحيحين": هذه واقعة أخرى غير تلك، فإن هذه كانت بحضرة النبيّ ﷺ ، وما ذكره ليس بنص فِي ذلك؛ لاحتمال أن تكون الفاء فِي قول جابر، فأتينا سِيف البحر هي الفصيحة، وهي معقبة لمحذوف تقديره، فأرسلنا النبيّ ﷺ مع أبي عبيدة، فأتينا سيف البحر، فتتحد القصتان، قَالَ الحافظ: وهذا هو الراجح عندي، والأصل عدم التعدد، ومما ننبه عليه هنا أيضًا، أن الواقدي زعم أن قصة بعث أبي عبيدة، كانت فِي رَجَب سنة ثمان، وهو عندي خطأ؛ لأن فِي نفس الخبر الصحيح، أنهم خرجوا يترصدون عِير قريش، وقريش فِي سنة ثمان، كانوا مع النبيّ ﷺ فِي هدنة، قَالَ: وَقَدْ نبهت عَلَى ذلك فِي "المغازي"، وجوّزت أن يكون ذلك قبل الهدنة فِي سنة ست، أو قبلها، ثم ظهر لي الآن تقوية ذلك، بقول جابر، فِي رواية مسلم هذه: إنهم خرجوا فِي غَزاة بُواط، وغزاة بواط كانت فِي السنة الثانية منْ الهجرة، قبل وقعة بدر، وكان النبيّ ﷺ خرج فِي مائين منْ أصحابه، يعترض عيرا لقريش، فيها أمية بن خلف، فبلغ بواطا، وهي بضم الموحدة، جبال لجهينة، مما يلي الشام، بينها وبين المدينة أربعة بُرُد، فلم يلق أحدا، فرجع، فكأنه أفرد أبا عبيدة، فيمن معه يرصُدون العير المذكورة، ويؤيد تقدم أمرها، ما ذُكر فيها منْ القِلّة والجهد، والواقع إنهم فِي سنة ثمان، كَانَ حالهم اتسع، بفتح خيبر وغيرها، والجهد المذكور فِي القصة، يناسب ابتداء
стр. 16308
الأمر، فيرجح ما ذكرته. والله أعلم. انتهى. كلام الحافظ رحمه الله تعالى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي فِي دعوى اتّحاد قصّتي جابر رضي الله تعالى عنه هاتين نظرٌ؛ بل الذي يظهر لي هو ما قاله عبد الحقّ رحمه الله تعالى منْ تغاير الواقعتين كما يدلّ عليه سياقهما، والجمع الذي ذكره الحافظ لا يخفى ما فيه منْ التكلّف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٥٥ - (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: بَعَثَنَا النَّبِيُّ ﷺ مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي سَرِيَّةٍ، فَنَفِدَ زَادُنَا، فَمَرَرْنَا بِحُوتٍ قَدْ قَذَفَ بِهِ الْبَحْرُ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَأْكُلَ مِنْهُ، فَنَهَانَا أَبُو عُبَيْدَةَ، ثُمَّ قَالَ: نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ، كُلُوا، فَأَكَلْنَا مِنْهُ أَيَّامًا، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: "إِنْ كَانَ بَقِيَ مَعَكُمْ شَيْءٌ، فَابْعَثُوا بِهِ إِلَيْنَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، وَقَدْ تقدّموا غير مرّة، و"زياد بن أيوب": هو دلّويه. و"هُشيم": هو ابن بشِير. والسند منْ رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (٢٠٦) منْ راباعيات الكتاب.
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق تمام البحث فيه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٥٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُقَدَّمٍ الْمُقَدَّمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَنَحْنُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ، وَزَوَّدَنَا جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ، فَأَعْطَانَا قَبْضَةً قَبْضَةً، فَلَمَّا أَنْ جُزْنَاهُ أَعْطَانَا تَمْرَةً تَمْرَةً، حَتَّى إِنْ كُنَّا لَنَمُصُّهَا كَمَا يَمُصُّ الصَّبِيُّ، وَنَشْرَبُ عَلَيْهَا الْمَاءَ، فَلَمَّا فَقَدْنَاهَا وَجَدْنَا فَقْدَهَا، حَتَّى إِنْ كُنَّا لَنَخْبِطُ الْخَبَطَ بِقِسِيِّنَا، وَنَسَفُّهُ، ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَاءِ، حَتَّى سُمِّينَا جَيْشَ الْخَبَطِ، ثُمَّ أَجَزْنَا السَّاحِلَ، فَإِذَا دَابَّةٌ مِثْلُ الْكَثِيبِ، يُقَالُ لَهُ: الْعَنْبَرُ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَيْتَةٌ لَا تَأْكُلُوهُ، ثُمَّ قَالَ: جَيْشُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ ، وَنَحْنُ مُضْطَرُّونَ، كُلُوا بِاسْمِ اللَّهِ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ، وَجَعَلْنَا مِنْهُ وَشِيقَةً، وَلَقَدْ جَلَسَ فِي مَوْضِعِ عَيْنِهِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلاً، قَالَ: فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ، فَرَحَلَ بِهِ أَجْسَمَ بَعِيرٍ مِنْ أَبَاعِرِ الْقَوْمِ، فَأَجَازَ تَحْتَهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "مَا حَبَسَكُمْ؟ "، قُلْنَا: كُنَّا نَتَّبِعُ عِيرَاتِ قُرَيْشٍ، وَذَكَرْنَا لَهُ مِنْ أَمْرِ الدَّابَّةِ، فَقَالَ: "ذَاكَ رِزْقٌ رَزَقَكُمُوهُ اللَّهُ ، أَمَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ "، قَالَ: قُلْنَا: نَعَمْ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه محمد بن عمر بن عليّ، فإنه منْ رجال الأربعة، وهو بصريّ، صدوقٌ، منْ صغار
стр. 16309
[١٠] ٢٣/ ٨٠٨. و"معاذ بن هشام": هو الدستوائيّ البصريّ، وَقَدْ سكن اليمن، صدوقٌ، ربّما وهِم [٩] ٣٠/ ٣٤. و"أبوه": هو هشام بن أبي عبد الله/ سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت، رمي بالقدر، منْ كبار [٨] ٣٠/ ٣٤.
وقوله: "فَقَالَ أبو عبيدة: لا تأكلوه، ثم قَالَ: جيش رسول الله ﷺ الخ.
معناه: أن أبا عبيدة ﵁، قَالَ أوّلا باجتهاده: إن هَذَا ميتة، والميتة حرام، فلا يحل لكم أكلها، ثم تغير اجتهاده، فَقَالَ: بل هو حلال لكم، وإن كَانَ ميتة؛ لأنكم فِي سبيل الله، وَقَدْ اضطررتم، وَقَدْ أباح الله تعالى الميتة، لمن كَانَ مضطرّا، غير باغ ولا عاد، فكلوا، فأكلوا منه، وأما طلب النبيّ ﷺ منْ لحمه، وأكله ذلك، فإنما أراد به المبالغة، فِي تطيب نفوسهم فِي حله، وأنه لا شك فِي إباحته، وأنه يرتضيه لنفسه، أو أنه قصد التبرك به؛ لكونه طعمة منْ الله تعالى، خارقة للعادة، أكرمهم الله بها.
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق تمام البحث فيه فِي الْحَدِيث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
٣٦ - (بَابُ الضِّفْدِع)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الضّفْدِع" -بكسرتين: الذكر، و"الضّفدِعة" الأنثى، ومنهم منْ يفتح الدال، وأنكره الخليل، وجماعةٌ، وقالوا: الكلام فيها كسر الدال، والجمع الضفادع، وربّما قالوا: الضفادي عَلَى البدل، كما قالوا: الأراني فِي الأرانب عَلَى البدل. انتهى.
وَقَالَ فِي "القاموس": "الضِّفْدِع" كزِبْرِجٍ، وجعفَر، وجُنْدَبٍ، ودِرْهَمٍ، وهذا أقلّ، أو مر دود: دابّة نهريّةٌ، ولحمها مطبوخًا بزيت وملح، تِرْياقٌ للَّهوامّ، وبَرّيّةٌ، وشحمها عجيبٌ لقَلْع الأسنان، الواحدة بهاء، جمعه ضَفَادع، وضَفَادي. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٣٥٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ، أَنَّ طَبِيبًا ذَكَرَ ضِفْدَعًا فِي دَوَاءٍ، عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِهِ).
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
стр. 16310
٢ - (ابن أبي فُديك) هو محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك المدنيّ، صدوقٌ، منْ صغار [٨] ٥١/ ٩٦٢.
٣ - (ابن أبي ذئب) هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب المدنيّ الثقة الفقيه الفاضل [٧] ٤١/ ٦٨٥.
٤ - (سعيد بن خالد) بن عبد الله بن قارظ: هو الكنانيّ المدنيّ، صدوقٌ [٣] ٧٤/ ٢٥٦٩.
٥ - (سعيد بن المسيب) بن حزن المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت منْ كبار [٣] ٩/ ٩.
٦ - (عبد الرحمن بن عثمان) بن عُبيد الله التيميّ ابن أخي طلحة بن عبيد الله، صحابيّ، قُتل مع ابن الزبير رضي الله تعالى عنهم، تقدّمت ترجمته فِي -٧٨/ ٢٨١٧. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير سعيد بن خالد، فتفرد به هو، وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلاني (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عن عبد الرحمن بن عثمان) بن عُبيد الله التيميّ رضي الله تعالى عنه (أن طبيبا ذكر ضفدعا فِي دواء) أي سأل عن حكم ضفدع يجعلها فِي داوء، أي مركّبة مع غيرها منْ الأدوية (عند رسول الله ﷺ ) ولفظ أبي داود: "أن طبيبًا سأل النبيّ ﷺ عن ضفدع، يجعلها فِي دواء … " (فنهى رسول الله ﷺ عن قتله) أي عن قتل الضفدع؛ لأن التداوي بها يتوقف عَلَى القتل، فإذا حرم القتل، حرم التداوي بها أيضًا، وذلك إما لأنه نجس، وإما لأنه مستقذر.
قَالَ الخطابي رحمه الله تعالى: فِي هَذَا دليل عَلَى أن الضفدع مُحَرَّم الأكل، وأنه غير داخل فيما أبيح منْ دواب الماء، وكل منهي عن قتله منْ الحيوان، فإنما هو لأحد أمرين: إما لحرمة فِي نفسه، كالآدمي، وإما لتحريم لحمه، كالصرد، والهدهد، ونحوهما، وإذا كَانَ الضفدع ليس بمحرم، كالآدمي، كَانَ النهي فيه منصرفا إلى الوجه الآخر، وَقَدْ نهى رسول الله ﷺ عن ذبح الحيوان، إلا لمأكله. انتهى. ذكره فِي "عون المعبود" ج: ١٠ ص: ٢٥٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 16311
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عبد الرحمن بن عثمان رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٦/ ٤٣٥٧ - وفي "الكبرى" ٢/ ٤٨٦٧. وأخرجه (د) فِي "الطبّ" ٣٨٧١ و"الأدب" ٥٢٦٩. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): ظاهر صنيع المصنّف رحمه الله تعالى تحريم أكل الضفدع؛ استدلالًا بحديث الباب، ووجه ذلك كونه ﷺ نهى عن قتلها؛ للتداوي بها، قَالَ العلّامة الشوكانيّ رحمه الله تعالى: فِي "نيل الأوطار" ٨/ ٢٩٧ عند قول صاحب "المنتقى": "باب ما استفيد تحريمه منْ الأمر بقتله، أو النهي عن قتله": ما نصّه: وتبويب المصنّف فِي هَذَا الباب، فيه إشارة إلى أن الأمر بالقتل، والنهي عنه، منْ أصول التحريم، قَالَ المهدي فِي "البحر": أصول التحريم، إما نص الكتاب، أو السنة، أو الأمر بقتله، كالخمسة -يعني قوله: "خمس فواسق يُقتلن الخ"- وما ضرّ منْ غيرها، فمقيس عليها، أو النهي عن قتله، كالهدهد، والخطاف، والنحلة، والنملة، والصُّرَد، أو استخباث العرب إياه، كالخنفساء، والضفدع، والعَظَاية، والوزغ، والحرباء، والجعلان، وكالذباب، والبعوض، والزنبور، والقمل، والكتان، والنامس، والبَقّ، والبرغوث؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وهي مستخبثة عندهم، والقرآن نزل بلغتهم، فكان استخباثهم طريق تحريم، فإن استخبثه البعض اعتبر الأكثر، والعبرة باستطابة أهل السَّعَة، لا ذوي الفاقة. انتهى.
والحاصل أن الآيات القرآنية، والأحاديث الصحيحة المذكورة، فِي أول الكتاب وغيرها، قد دلت عَلَى أن الأصل الحل، وأن التحريم لا يثبت، إلا إذا ثبت الناقل عن الأصل المعلوم، وهو أحد الأمور المذكورة، فلما لم يرد فيه ناقل صحيح، فالحكم بحله هو الحق، كائنا ما كَانَ، وكذلك إذا حصل التردد، فالمتوجه الحكم بالحل؛ لأن الناقل غير موجود، مع التردد، ومما يؤيد أصالة الحل بالأدلة الخاصة، استصحاب البراءة الأصلية. انتهى. كلام الشوكاني رحمه الله تعالى. فِي "نيل الأوطار": ٨/ ٢٩٨.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا التفصيل الذي ذكره الشوكانيّ رحمه الله تعالى تفصيلٌ حسنٌ جدًّا.
ومنه يُعلم أن الضفدع إن كَانَ مستخبثًا عند العرب، كما ذكره المهديّ آنفًا، أو ثبت ضرره منْ طريق الأطبّاء الثقات حرُم، وإلا بقي عَلَى أصل الحلّ، لكن حديث الباب
стр. 16312
يرجّح تحريمه، وذلك لأنه ﷺ نهاه عن قتله، مع أن السائل له حاجة إلى استعماله فِي الدواء، فدلّ عَلَى أنه لا يجوز الانتفاع به؛ إما لكونه مستخبثا، أو ذا ضرر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
٣٧ - (الْجَرَادُ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قَالَ فِي "لسان العرب" جـ ٣ ص ١١٧ - ١١٨:
"الجراد" معروفٌ، الواحدة جرادة، تقع عَلَى الذكر والأنثى، قَالَ الجوهريّ: وليس الجراد بذكر للجرادة، وإنما هو اسم للجنس، كالبقر والبقرة، والتمر والتمرة، والحمام والحمامة، وما أشبه ذلك، فحقّ مذكّره أن لا يكون مؤنّثه منْ لفظه؛ لئلا يلتبس الواحد المذكّر بالجمع. قَالَ أبو عبيد: قيل: هو سِرْوةٌ، ثم دَبَى، ثم غَوْغَاءُ، ثم خَيْفَانُ، ثم كُتْفان، ثم جَرَادٌ. وقيل: الجراد الذكر، والجرادة الأنثى، ومن كلامهم: رأيت جرادًا عَلَى جرادة، كقولهم: رأيت نَعامةً عَلَى نعامة. قَالَ الفارسيّ: وذلك موضوعٌ عَلَى ما يُحافظون عليه، ويتركون غيره بالغالب إليه، منْ إلزام المؤنّث العلامة المشعِرة بالتأنيث، وإن كَانَ أيضًا غير ذلك منْ كلامهم واسعًا كثيرًا، يعني المؤنّث الذي لا علامة فيه، كالعبن، والقدر، والعَنَاق، والمذكّر الذي فيه علامة التأنيث، كالحمامة، والحية. قَالَ أبو حنيفة: قَالَ الأصمعيّ: إذا اصفَرَّتِ الذكور، واسودّت الإناث، ذهبت عنه الأسماء، إلا الجراد، يعني أنه اسمٌ، لا يُفارقها. وذهب أبو عبيد فِي الجراد إلى أنه آخر أسمائه، كما تقدّم. وَقَالَ أعرابيّ: تركت جرادًا، كأنه نعامة جاثمة. انتهى.
وَقَالَ فِي "الفتح": "الجراد" -بفتح الجيم، وتخفيف الراء-: معروف، والواحدة جرادة، والذكر والأنثى سواء، كالحمامة، ويقال: إنه مشتق منْ الجرد؛ لأنه لا ينزل عَلَى شيء، إلا جرده، وخِلْقَهُ الجراد عجيبة، فيها عشرة منْ الحيوان، ذكر بعضها بن الشَّهْرَزُوري، فِي قوله [منْ الطويل]:
لَهَا فَخِذَا بَكْرٍ وَسَاقَا نَعَامَةٍ … وَقَادِمَتَا نَسْرٍ وَجُؤجُؤُ ضَيْغَمِ
حَبَّتْهَا أَفَاعِي الرَّمْلِ بَطْنًا وَأَنْعَمَتْ … عَلَيْهَا جِيَادُ الْخَيْلِ بِالرَّأْسِ وَالْفَمِ
стр. 16313
قيل: وفاته عين الفيل، وعنق الثور، وقرن الأَيِّل، وذنب الحية، وهو صنفان: طَيّارٌ، ووَثّابٌ، ويبيض فِي الصخر، فيتركه حَتَّى يَيْبَسَ، وينتشر، فلا يمرّ بزرع، إلا اجتاحه: واختلف فِي أصله، فقيل: إنه نثرة حوت، فلذلك كَانَ أكله بغير ذكاة، وهذا ورد فِي حديث ضعيف، أخرجه ابن ماجه، عن أنس رضي الله تعالى عنه، رفعه: "إن الجراد نثرةُ حوت منْ البحر"، ومن حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: "خرجنا مع رسول الله ﷺ ، فِي حجّ، أو عمرة، فاستقبلنا رِجْلٌ، منْ جراد، فجعلنا نضرب بنعالنا، وأسواطنا، فَقَالَ: كلوه، فإنه منْ صيد البحر"، أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وسنده ضعيف، ولو صحّ لكان فيه حجة، لمن قَالَ: لا جزاء فيه، إذا قتله المحرم، وجمهور العلماء عَلَى خلافه. قَالَ ابن المنذر رحمه الله تعالى: لم يقل لا جزاء فيه غيرُ أبي سعيد الخدريّ، وعروة بن الزبير، واختلف عن كعب الأحبار، وإذا ثبت فيه الجزاء، دلّ عَلَى أنه بَرّيّ.
وَقَدْ أجمع العلماء عَلَى جواز أكله، بغير تذكية، إلا أن المشهور عند المالكية اشتراط تذكيته، واختلفوا فِي صفتها، فقيل: بقطع رأسه، وقيل: إن وقع فِي قِدْر، أو نار حَلّ، وَقَالَ ابن وهب: أخذُهُ ذكاته، ووافق مُطَرّف منهم الجمهور، فِي أنه لا يفتقر إلى ذكاته؛ لحديث ابن عمر: "أُحِلّت لنا ميتتان، ودمان: السمك، والجراد، والكبد، والطحال"، أخرجه أحمد، والدارقطني، مرفوعًا، وَقَالَ: إن الموقوف أصح، ورجح البيهقي أيضا الموقوف، إلا أنه قَالَ: إن له حكمَ الرفع. قاله فِي "الفتح" جـ ١١ ص ٤٦. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٣٥٨ - (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ سُفْيَانَ -وَهُوَ ابْنُ حَبِيبٍ- عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ، فَكُنَّا نَأْكُلُ الْجَرَادَ).
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (حميد بن مسعدة) الساميّ الباهليّ البصريّ، صدوقٌ [١٠] ٥/ ٥.
٢ - (سفيان بن حبيب) البزّاز البصريّ، ثقة [٩] ٦٧/ ٨٢.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت البصريّ [٧] ٢٤/ ٢٧.
٤ - (أبو يعفور) -بفتح التحتانية، وسكون المهملة، وضمّ الفاء- اسمه: وَقْدَان -بفتح الواو، وسكون القاف- العبديّ الكوفيّ، مشهور بكنيته، وهو الأكبر، ويقال: اسمه واقد، ثقة [٤] ٩١/ ١٣٢.
وَقَالَ فِي "الفتح": -٥١٧٦ "أبو يعفور" -بفتح التحتانية، وسكون المهملة، وضم
стр. 16314
الفاء- هو العبديّ، واسمه وقدان، وقيل: واقد، وَقَالَ: مسلم اسمه واقد، ولقبه وقدان، وهو الأكبر، وأبو يعفور الأصغر: اسمه عبد الرحمن بن عُبيد، وكلاهما ثقة، منْ أهل الكوفة، وليس للأكبر فِي البخاريّ، سوى هَذَا الْحَدِيث، وآخر تقدم فِي "الصلاة"، فِي أبواب الركوع، منْ صفة الصلاة، وَقَدْ ذكرت كلام النوويّ فيه، وجزمه بأنه الأصغر، وأن الصواب أنه الأكبر، وبذلك جزم الكلاباذي، وغيره، والنووي تبع فِي ذلك ابن العربي، وغيره، والذي يُرجّح كلام الكلاباذي، جزم الترمذي بعد تخريجه، بأن راوي حديث الجراد، هو الذي اسمه واقد، ويقال: وقدان، وهذا هو الأكبر، ويؤيده أيضا: أن ابن أبي حاتم، جزم فِي ترجمة الأصغر، بأنه لم يسمع منْ عبد الله بن أبي أوفى. انتهى.
٥ - (عبد الله بن أبي أوفى) علقمة بن خالد رضي الله تعالى عنه، تقدّم قبل خمسة أبواب -٣١/ ٤٣٤١ - والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير سفيان بن حبيب، فإنه منْ رجال الأربعة، وهو ثقة. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى أبي يعفور، وهو والصحابيّ كوفيّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عن أبي يعفور) وقدان، ويقال: واقد أنه (سمع عبد الله بن أبي أوفى) علقمة بن خالد رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: غزونا مع رسول الله ﷺ سبع عزوات) وفي الرواية التالية: "ستّ غزوات"، وفي رواية البخاريّ: "سبع غزوات، أو ستًا" بالشكّ، قَالَ فِي "الفتح": وهذا الشك فِي عدد الغزوات، منْ شعبة، وَقَدْ أخرجه مسلم، منْ رواية شعبة بالشك أيضا، والنسائي منْ روايته بلفظ الست، منْ غير شك، والترمذيّ، منْ طريق غندر، عن شعبة، فَقَالَ: "غزوات"، ولم يذكر عددا.
(فكنا نأكل الجراد) وفي رواية البخاريّ: "فكنّا نأكل معه الجراد"، فَقَالَ فِي "الفتح": يحتمل أن يريد بالمعية مجرد الغزو، دون ما تبعه منْ أكل الجراد. ويحتمل أن يريد مع أكله، ويدل عَلَى الثاني، أنه وقع فِي رواية أبي نعيم فِي "الطب": "ويأكل معنا".
قَالَ الحافظ: رحمه الله تعالى: وهذا إن صحّ، يرد عَلَى الصيمري، منْ الشافعية، فِي زعمه أنه ﷺ ، عافه كما عاف الضب. ثم وقفت عَلَى مستند الصيمري، وهو ما
стр. 16315
أخرجه أبو داود، منْ حديث سلمان رضي الله تعالى عنه، سئل ﷺ عن الجراد؟، فَقَالَ: "لا آكله، ولا أحرمه"، والصواب مرسل، ولابن عدي فِي ترجمة ثابت بن زهير، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنه ﷺ ، سئل عن الضب، فَقَالَ: "لا آكله، ولا أحرمه"، وسئل عن الجراد، فَقَالَ: مثل ذلك. وهذا ليس ثابتا؛ لأن ثابتا، قَالَ فيه النسائيّ: ليس بثقة.
ونقل النوويّ الإجماع عَلَى حل أكل الجراد، لكن فصّل ابن العربي فِي "شرح الترمذي" بين جراد الحجاز، وجراد الأندلس، فَقَالَ فِي جراد الأندلس: لا يؤكل؛ لأنه ضرر محض، وهذا إن ثبت أنه يضر أكله، بأن يكون فيه سمية تخصه، دون غيره منْ جراد البلاد، تعين استثناؤه. والله أعلم. انتهى "فتح": ٩/ ٦٢٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإاليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٧/ ٤٣٥٨ و٤٣٥٩ - وفي "الكبرى" ٣/ ٤٨٦٨ و٤٨٦٩. وأخرجه (خ) فِي "الذبائح والصيد" ٥٤٩٥ (م) فِي "الصيد والذبائح" ٥٠١٩ و٥٠٢٠ و٥٠٢١ (د) فِي "الأطعمة" ٣٨١٢ (ت) فِي "الأطعمة" ١٨٢١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٥٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ سُفْيَانَ -وَهُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ- عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى عَنْ قَتْلِ الْجَرَادِ؟ فَقَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِتَّ غَزَوَاتٍ، نَأْكُلُ الْجَرَادَ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلّهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
وقوله: "ست غزوات" كذا هو فِي رواية ابن عيينة، وَقَدْ تقدّم فِي رواية شعبة بالشكّ، ورواه الثوري، فجزم بسبع غزوات، فقد أخرجه الدارمي، عن محمد بن يوسف، الفريابي، عن سفيان الثوري، ولفظه: "غزونا مع النبيّ ﷺ سبع غزوات، نأكل الجراد"، وكذا أخرجه الترمذي، منْ وجه آخر، عن الثوري، وأفاد أن سفيان بن عيينة، روى هَذَا الْحَدِيث أيضا، عن أبي يعفور، لكن قَالَ: "ست غزوات". وكذا أخرجه أحمد بن حنبل، عن ابن عيينة، جازما بالست.