← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 16311–16350 · переход к 16316.

стр. 16311

مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث عبد الرحمن بن عثمان رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٣٦/ ٤٣٥٧ - وفي "الكبرى" ٢/ ٤٨٦٧. وأخرجه (د) فِي "الطبّ" ٣٨٧١ و"الأدب" ٥٢٦٩. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): ظاهر صنيع المصنّف رحمه الله تعالى تحريم أكل الضفدع؛ استدلالًا بحديث الباب، ووجه ذلك كونه ﷺ نهى عن قتلها؛ للتداوي بها، قَالَ العلّامة الشوكانيّ رحمه الله تعالى: فِي "نيل الأوطار" ٨/ ٢٩٧ عند قول صاحب "المنتقى": "باب ما استفيد تحريمه منْ الأمر بقتله، أو النهي عن قتله": ما نصّه: وتبويب المصنّف فِي هَذَا الباب، فيه إشارة إلى أن الأمر بالقتل، والنهي عنه، منْ أصول التحريم، قَالَ المهدي فِي "البحر": أصول التحريم، إما نص الكتاب، أو السنة، أو الأمر بقتله، كالخمسة -يعني قوله: "خمس فواسق يُقتلن الخ"- وما ضرّ منْ غيرها، فمقيس عليها، أو النهي عن قتله، كالهدهد، والخطاف، والنحلة، والنملة، والصُّرَد، أو استخباث العرب إياه، كالخنفساء، والضفدع، والعَظَاية، والوزغ، والحرباء، والجعلان، وكالذباب، والبعوض، والزنبور، والقمل، والكتان، والنامس، والبَقّ، والبرغوث؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وهي مستخبثة عندهم، والقرآن نزل بلغتهم، فكان استخباثهم طريق تحريم، فإن استخبثه البعض اعتبر الأكثر، والعبرة باستطابة أهل السَّعَة، لا ذوي الفاقة. انتهى. والحاصل أن الآيات القرآنية، والأحاديث الصحيحة المذكورة، فِي أول الكتاب وغيرها، قد دلت عَلَى أن الأصل الحل، وأن التحريم لا يثبت، إلا إذا ثبت الناقل عن الأصل المعلوم، وهو أحد الأمور المذكورة، فلما لم يرد فيه ناقل صحيح، فالحكم بحله هو الحق، كائنا ما كَانَ، وكذلك إذا حصل التردد، فالمتوجه الحكم بالحل؛ لأن الناقل غير موجود، مع التردد، ومما يؤيد أصالة الحل بالأدلة الخاصة، استصحاب البراءة الأصلية. انتهى. كلام الشوكاني رحمه الله تعالى. فِي "نيل الأوطار": ٨/ ٢٩٨. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا التفصيل الذي ذكره الشوكانيّ رحمه الله تعالى تفصيلٌ حسنٌ جدًّا. ومنه يُعلم أن الضفدع إن كَانَ مستخبثًا عند العرب، كما ذكره المهديّ آنفًا، أو ثبت ضرره منْ طريق الأطبّاء الثقات حرُم، وإلا بقي عَلَى أصل الحلّ، لكن حديث الباب

стр. 16312

يرجّح تحريمه، وذلك لأنه ﷺ نهاه عن قتله، مع أن السائل له حاجة إلى استعماله فِي الدواء، فدلّ عَلَى أنه لا يجوز الانتفاع به؛ إما لكونه مستخبثا، أو ذا ضرر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٣٧ - (الْجَرَادُ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قَالَ فِي "لسان العرب" جـ ٣ ص ١١٧ - ١١٨: "الجراد" معروفٌ، الواحدة جرادة، تقع عَلَى الذكر والأنثى، قَالَ الجوهريّ: وليس الجراد بذكر للجرادة، وإنما هو اسم للجنس، كالبقر والبقرة، والتمر والتمرة، والحمام والحمامة، وما أشبه ذلك، فحقّ مذكّره أن لا يكون مؤنّثه منْ لفظه؛ لئلا يلتبس الواحد المذكّر بالجمع. قَالَ أبو عبيد: قيل: هو سِرْوةٌ، ثم دَبَى، ثم غَوْغَاءُ، ثم خَيْفَانُ، ثم كُتْفان، ثم جَرَادٌ. وقيل: الجراد الذكر، والجرادة الأنثى، ومن كلامهم: رأيت جرادًا عَلَى جرادة، كقولهم: رأيت نَعامةً عَلَى نعامة. قَالَ الفارسيّ: وذلك موضوعٌ عَلَى ما يُحافظون عليه، ويتركون غيره بالغالب إليه، منْ إلزام المؤنّث العلامة المشعِرة بالتأنيث، وإن كَانَ أيضًا غير ذلك منْ كلامهم واسعًا كثيرًا، يعني المؤنّث الذي لا علامة فيه، كالعبن، والقدر، والعَنَاق، والمذكّر الذي فيه علامة التأنيث، كالحمامة، والحية. قَالَ أبو حنيفة: قَالَ الأصمعيّ: إذا اصفَرَّتِ الذكور، واسودّت الإناث، ذهبت عنه الأسماء، إلا الجراد، يعني أنه اسمٌ، لا يُفارقها. وذهب أبو عبيد فِي الجراد إلى أنه آخر أسمائه، كما تقدّم. وَقَالَ أعرابيّ: تركت جرادًا، كأنه نعامة جاثمة. انتهى. وَقَالَ فِي "الفتح": "الجراد" -بفتح الجيم، وتخفيف الراء-: معروف، والواحدة جرادة، والذكر والأنثى سواء، كالحمامة، ويقال: إنه مشتق منْ الجرد؛ لأنه لا ينزل عَلَى شيء، إلا جرده، وخِلْقَهُ الجراد عجيبة، فيها عشرة منْ الحيوان، ذكر بعضها بن الشَّهْرَزُوري، فِي قوله [منْ الطويل]: لَهَا فَخِذَا بَكْرٍ وَسَاقَا نَعَامَةٍ … وَقَادِمَتَا نَسْرٍ وَجُؤجُؤُ ضَيْغَمِ حَبَّتْهَا أَفَاعِي الرَّمْلِ بَطْنًا وَأَنْعَمَتْ … عَلَيْهَا جِيَادُ الْخَيْلِ بِالرَّأْسِ وَالْفَمِ

стр. 16313

قيل: وفاته عين الفيل، وعنق الثور، وقرن الأَيِّل، وذنب الحية، وهو صنفان: طَيّارٌ، ووَثّابٌ، ويبيض فِي الصخر، فيتركه حَتَّى يَيْبَسَ، وينتشر، فلا يمرّ بزرع، إلا اجتاحه: واختلف فِي أصله، فقيل: إنه نثرة حوت، فلذلك كَانَ أكله بغير ذكاة، وهذا ورد فِي حديث ضعيف، أخرجه ابن ماجه، عن أنس رضي الله تعالى عنه، رفعه: "إن الجراد نثرةُ حوت منْ البحر"، ومن حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: "خرجنا مع رسول الله ﷺ ، فِي حجّ، أو عمرة، فاستقبلنا رِجْلٌ، منْ جراد، فجعلنا نضرب بنعالنا، وأسواطنا، فَقَالَ: كلوه، فإنه منْ صيد البحر"، أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وسنده ضعيف، ولو صحّ لكان فيه حجة، لمن قَالَ: لا جزاء فيه، إذا قتله المحرم، وجمهور العلماء عَلَى خلافه. قَالَ ابن المنذر رحمه الله تعالى: لم يقل لا جزاء فيه غيرُ أبي سعيد الخدريّ، وعروة بن الزبير، واختلف عن كعب الأحبار، وإذا ثبت فيه الجزاء، دلّ عَلَى أنه بَرّيّ. وَقَدْ أجمع العلماء عَلَى جواز أكله، بغير تذكية، إلا أن المشهور عند المالكية اشتراط تذكيته، واختلفوا فِي صفتها، فقيل: بقطع رأسه، وقيل: إن وقع فِي قِدْر، أو نار حَلّ، وَقَالَ ابن وهب: أخذُهُ ذكاته، ووافق مُطَرّف منهم الجمهور، فِي أنه لا يفتقر إلى ذكاته؛ لحديث ابن عمر: "أُحِلّت لنا ميتتان، ودمان: السمك، والجراد، والكبد، والطحال"، أخرجه أحمد، والدارقطني، مرفوعًا، وَقَالَ: إن الموقوف أصح، ورجح البيهقي أيضا الموقوف، إلا أنه قَالَ: إن له حكمَ الرفع. قاله فِي "الفتح" جـ ١١ ص ٤٦. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٣٥٨ - (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ سُفْيَانَ -وَهُوَ ابْنُ حَبِيبٍ- عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ، فَكُنَّا نَأْكُلُ الْجَرَادَ). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (حميد بن مسعدة) الساميّ الباهليّ البصريّ، صدوقٌ [١٠] ٥/ ٥. ٢ - (سفيان بن حبيب) البزّاز البصريّ، ثقة [٩] ٦٧/ ٨٢. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت البصريّ [٧] ٢٤/ ٢٧. ٤ - (أبو يعفور) -بفتح التحتانية، وسكون المهملة، وضمّ الفاء- اسمه: وَقْدَان -بفتح الواو، وسكون القاف- العبديّ الكوفيّ، مشهور بكنيته، وهو الأكبر، ويقال: اسمه واقد، ثقة [٤] ٩١/ ١٣٢. وَقَالَ فِي "الفتح": -٥١٧٦ "أبو يعفور" -بفتح التحتانية، وسكون المهملة، وضم

стр. 16314

الفاء- هو العبديّ، واسمه وقدان، وقيل: واقد، وَقَالَ: مسلم اسمه واقد، ولقبه وقدان، وهو الأكبر، وأبو يعفور الأصغر: اسمه عبد الرحمن بن عُبيد، وكلاهما ثقة، منْ أهل الكوفة، وليس للأكبر فِي البخاريّ، سوى هَذَا الْحَدِيث، وآخر تقدم فِي "الصلاة"، فِي أبواب الركوع، منْ صفة الصلاة، وَقَدْ ذكرت كلام النوويّ فيه، وجزمه بأنه الأصغر، وأن الصواب أنه الأكبر، وبذلك جزم الكلاباذي، وغيره، والنووي تبع فِي ذلك ابن العربي، وغيره، والذي يُرجّح كلام الكلاباذي، جزم الترمذي بعد تخريجه، بأن راوي حديث الجراد، هو الذي اسمه واقد، ويقال: وقدان، وهذا هو الأكبر، ويؤيده أيضا: أن ابن أبي حاتم، جزم فِي ترجمة الأصغر، بأنه لم يسمع منْ عبد الله بن أبي أوفى. انتهى. ٥ - (عبد الله بن أبي أوفى) علقمة بن خالد رضي الله تعالى عنه، تقدّم قبل خمسة أبواب -٣١/ ٤٣٤١ - والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير سفيان بن حبيب، فإنه منْ رجال الأربعة، وهو ثقة. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى أبي يعفور، وهو والصحابيّ كوفيّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عن أبي يعفور) وقدان، ويقال: واقد أنه (سمع عبد الله بن أبي أوفى) علقمة بن خالد رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: غزونا مع رسول الله ﷺ سبع عزوات) وفي الرواية التالية: "ستّ غزوات"، وفي رواية البخاريّ: "سبع غزوات، أو ستًا" بالشكّ، قَالَ فِي "الفتح": وهذا الشك فِي عدد الغزوات، منْ شعبة، وَقَدْ أخرجه مسلم، منْ رواية شعبة بالشك أيضا، والنسائي منْ روايته بلفظ الست، منْ غير شك، والترمذيّ، منْ طريق غندر، عن شعبة، فَقَالَ: "غزوات"، ولم يذكر عددا. (فكنا نأكل الجراد) وفي رواية البخاريّ: "فكنّا نأكل معه الجراد"، فَقَالَ فِي "الفتح": يحتمل أن يريد بالمعية مجرد الغزو، دون ما تبعه منْ أكل الجراد. ويحتمل أن يريد مع أكله، ويدل عَلَى الثاني، أنه وقع فِي رواية أبي نعيم فِي "الطب": "ويأكل معنا". قَالَ الحافظ: رحمه الله تعالى: وهذا إن صحّ، يرد عَلَى الصيمري، منْ الشافعية، فِي زعمه أنه ﷺ ، عافه كما عاف الضب. ثم وقفت عَلَى مستند الصيمري، وهو ما

стр. 16315

أخرجه أبو داود، منْ حديث سلمان رضي الله تعالى عنه، سئل ﷺ عن الجراد؟، فَقَالَ: "لا آكله، ولا أحرمه"، والصواب مرسل، ولابن عدي فِي ترجمة ثابت بن زهير، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنه ﷺ ، سئل عن الضب، فَقَالَ: "لا آكله، ولا أحرمه"، وسئل عن الجراد، فَقَالَ: مثل ذلك. وهذا ليس ثابتا؛ لأن ثابتا، قَالَ فيه النسائيّ: ليس بثقة. ونقل النوويّ الإجماع عَلَى حل أكل الجراد، لكن فصّل ابن العربي فِي "شرح الترمذي" بين جراد الحجاز، وجراد الأندلس، فَقَالَ فِي جراد الأندلس: لا يؤكل؛ لأنه ضرر محض، وهذا إن ثبت أنه يضر أكله، بأن يكون فيه سمية تخصه، دون غيره منْ جراد البلاد، تعين استثناؤه. والله أعلم. انتهى "فتح": ٩/ ٦٢٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإاليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٣٧/ ٤٣٥٨ و٤٣٥٩ - وفي "الكبرى" ٣/ ٤٨٦٨ و٤٨٦٩. وأخرجه (خ) فِي "الذبائح والصيد" ٥٤٩٥ (م) فِي "الصيد والذبائح" ٥٠١٩ و٥٠٢٠ و٥٠٢١ (د) فِي "الأطعمة" ٣٨١٢ (ت) فِي "الأطعمة" ١٨٢١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٥٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ سُفْيَانَ -وَهُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ- عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى عَنْ قَتْلِ الْجَرَادِ؟ فَقَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِتَّ غَزَوَاتٍ، نَأْكُلُ الْجَرَادَ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلّهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. وقوله: "ست غزوات" كذا هو فِي رواية ابن عيينة، وَقَدْ تقدّم فِي رواية شعبة بالشكّ، ورواه الثوري، فجزم بسبع غزوات، فقد أخرجه الدارمي، عن محمد بن يوسف، الفريابي، عن سفيان الثوري، ولفظه: "غزونا مع النبيّ ﷺ سبع غزوات، نأكل الجراد"، وكذا أخرجه الترمذي، منْ وجه آخر، عن الثوري، وأفاد أن سفيان بن عيينة، روى هَذَا الْحَدِيث أيضا، عن أبي يعفور، لكن قَالَ: "ست غزوات". وكذا أخرجه أحمد بن حنبل، عن ابن عيينة، جازما بالست.

стр. 16316

قَالَ الحافظ: ودلت رواية شعبة عَلَى أن شيخهم، كَانَ يشك، فيُحمَلُ عَلَى أنه جزم مرة بالسبع، ثم لما طرأ عليه الشك، صار يجزم بالست؛ لأنه المتيَقَّن، ويؤيد هَذَا الحمل أن سماع سفيان بن عيينة عنه متأخر، دون الثوري، ومن ذكر معه. انتهى. والحديث متَّفقٌ عليه، كما سبق بيانه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٣٨ - (قَتْلُ النَّمْلِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قَالَ في "القاموس": "النَّمْل": معروف، واحدته نَمْلة، وَقَدْ تُضمّ الميم، جمعه نِمَالٌ، وأرضٌ نَمِلَةٌ، كزَنِخَةٍ: كثيرتها. انتهى. وَقَالَ فِي "اللسان": النمل معروفٌ، واحدته نملة، ونَمُلَة -أي بضم الميم-، وَقَدْ قرىء به، فعلّله الفارسيّ بأن أصل نمْلَة نَمُلةٌ، ثم وقع التخفيف، وغَلَب. وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ جاء لفظ "ادخلوا" فِي النمل، وهي لا تعقل، كلفظ ما يَعقل؛ لأنه قَالَ: ﴿قَالَتْ﴾، والقول لا يكون إلا للحيّ الناطق، فأُجريت مُجراه، والجمع نِمال، قَالَ الأخطل: دَبِيبُ نِمَالٍ فِي نَقًا يَتَهَيَّلُ وأرضٌ نَمِلةٌ كثيرة النمل، وطعام منمولٌ: أصابه النمل. وذكر الأزهريّ حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: "أن النبيّ ﷺ نهى عن قتل النحلة، والنملة، والصُّرَد، والهدهد". وروى عن إبراهيم الحربيّ، قَالَ: إنما نهى عن قتلهنّ؛ لأنهنّ لا يؤذين النَّاس، وهي أقلّ الطيور، والدوات ضررًا عَلَى النَّاس، ليس مثل ما يتأذّى النَّاس به منْ الطيور، والغراب، وغيره، قيل له: فالنملة، إذا عضّت تُقتل؟ قَالَ: النملة لا تَعَضّ، إنما يَعضّ الذَرّ، قيل له: إذا عضّت الذرّ تُقتل؛ قَالَ: إذا آذتك، فاقتلها، قَالَ: والنملة هي التي لها قوائم، تكون فِي البراري، والْخَرَابات، وهذه التي يتأذّى النَّاس بها هي الذرّ، وهي الصغار. ثم قَالَ: والنمل ثلاثة أصناف: النمل، وفازِر، وعُقَيفان، قَالَ: والنمل يسكن البراري والخرابات، ولا يؤذي النَّاس، والذرّ يؤدي. وقيل: أراد بالنهي نوعًا خاصًا، وهو الكبار، ذوات الأرجل الطوال. وَقَالَ الحربيّ: النمل ما كَانَ له

стр. 16317

قوائم، فأما الصغار، فهو الذرّ. وروي عن قتادة فِي قوله تعالى: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ قَالَ: النملة منْ الطير (١). وَقَالَ فِي "الفتح" ١٣/ ٥١٦ - : النملة واحدة النمل، وجمع الجمع نِمَال، والنملُ أعظم الحيوانات حِيلة فِي طلب الرزق، ومن عجيب أمره، أنه إذا وجد شيئًا، ولو قَلّ أنذر الباقين، ويحتكر فِي زمن الصيف للشتاء، وإذا خاف الْعَفْن عَلَى الْحَبّ، أخرجه إلى ظاهر الأرض، وإذا حفر مكانه، اتخذها تعاريج؛ لئلا يجري إليها ماء المطر، وليس فِي الحيوان ما يَحمِل أثقل منه غيره، والذَّرّ فِي النمل، كالزنبور فِي النحل. انتهى. [تنبيه]: قَالَ العينيّ رحمه الله تعالى فِي "شرح البخاريّ" ١٢/ ٣٥٣: ويحكى أن سليمان ﵇ سأل نملة ما يكفيك منْ الأكل فِي سنة واحدة؟ قالت: حبّة منْ القَمْح، فأمر بها، فحُبست فِي قارورة، ووُضع معها حبّة قمح، فتركوها سنة، فطلبها، ففُتح فم القارورة، فإذا فيها النملة، ولم تأكل إلا نصفها، فَقَالَ لها: ما قلتِ: مأكولي حبّة قمح فِي سنة؟ فقالت: يا نبيّ الله، ولكن أنت ملك عظيم الشأن، مشتغل بالأمور الكثيرة، فخِفتُ أن تنساني ستين، فأكلت نصف القمحة، وادّخرت نصفها للسنة الأخرى، فتعجب سليمان ﵇ منْ أمرها، وإدراكها، وليس هَذَا ببدع منها، فانظر ما أخبر الله تعالى عنها فِي "سورة النمل". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٣٦٠ - (أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ بَيَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ، وَأَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "أَنَّ نَمْلَةً قَرَصَتْ نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ، فَأُحْرِقَتْ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ، أَنْ قَدْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَهْلَكْتَ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ، تُسَبِّحُ"). رجال هَذَا الإسناد: سبعة: ١ - (وهب بن بيان) أبو عبد الله الواسطيّ، نزيل مصر، ثقة عابدٌ [١٠] ٢٠/ ١٣٩٩. ٢ - (ابن وهب) هو عبد الله المصريّ الثقة الحافظ العابد [٩] ٩/ ٩. ٣ - (يونس) بن يزيد بن أبي النجاد، أبو يزيد الأيليّ، ثقة، منْ كبار [٧] ٩/ ٩. ٤ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ المدنيّ الإِمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١. ٥ - (سعيد) بن المسيّب المذكور قبل باب. ٦ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ الفقيه، ثقة [٣] ١/ ١. ٧ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم.

стр. 16318

لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى يونس، وبعده بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة أكثر منْ روى الْحَدِيث فِي دهره. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه (عن رسول الله ﷺ أن نملة قرصت) بالصاد المهملة، يقال: قَرَصه بلسانه قرصًا، منْ باب نصر: آذاه، وناله منْ جهته، وفي رواية الحسن التالية: "نزل نبيّ منْ الأنبياء تحت شجرة، فلدغته نملة … " (نبيا منْ الأنبياء) قيل: هو الْعُزَيرُ، وروى الحكيم الترمذي فِي "النوادر" أنه موسى ﵇، وبذلك جزم الكلاباذي، فِي "معاني الأخبار"، والقرطبي فِي "التفسير". (فأمر بقرية النمل) أي بمساكنها، وبيوتها، قَالَ فِي "الفتح" ١٣/ ٥١٥: قرية النمل: موضع اجتماعهن، والعرب تُفرّق فِي الأوطان، فيقولون لمسكن الإنسان: وَطَن، ولمسكن الإبل عَطَن، وللأسد عَرِين، وغابة، وللظبي كُنَاس، وللضب وجَار، وللطائر عُشّ، وللزنبور كُور، ولليربوع نافق، وللنمل قرية. انتهى. (فأحرقت) بالبناء للمفعول، وفي رواية الحسن: "فأمر ببيتهنّ، فحُرّق عَلَى ما فيها"، وفي رواية البخاريّ: "فأمر بجهازه، فاُخرج منْ تحتها، ثم أمر ببيتها، فأُحرق بالنار" (فأوحى الله إليه أن قد قرصتك نملة) "أن" بفح الهمزة، وسكون النون هي المصدريّة، والكلام عَلَى تقدير لام الجرّ: أي لأن أقرصتك، وهو متعلّقٌ بقوله (أهلكت أمة منْ الأمم تسبح) قَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: مقتضى هَذَا أنه تسبيح مقال، كما أخبر الله تعالى عن النمل أن لها منطقًا، وفهمه سليمان ﵇، معجزة له، وَقَدْ أخبر الله تعالى عن النمدة التي سمعها سليمان أنها قالت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ الآية [النمل: ١٨ - ١٩] فهذا كلّه يدلّ دلالة واضحة أن للنمل نُطقًا، وقولًا، لكن لا يسمعه كلّ أحد، بل منْ شاء الله تعالى ممن خرق له العادة منْ نبيّ، أو وليّ، ولا يُنكر هَذَا، منْ حيث أنا لا نسمع ذلك، فإنه لا يلزم منْ عدم الإدراك عدم المدرك فِي نفسه، ثم إن الإنسان يجد فِي نفسه قولًا وكلامًا، ولا يُسمع منه، إلا إذا نطق بلسانه. وَقَدْ خرق الله العادة لنبينا ﷺ ، فأسمعه كلام النفس منْ قوم تحدّثوا مع أنفسهم، وأخبرهم بما فِي أنفسهم، كما نقل منه أئمتنا الكثير فِي كتب معجزات النبيّ ﷺ ، وكذلك وقع لكثير ممن

стр. 16319

أكرمه الله تعالى منْ الأولياء، مثلُ ذلك فِي غير ما قضيّة، وإياه عني النبيّ ﷺ بقوله: "لقد كَانَ فيما كَانَ قبلكم منْ الأمم ناسٌ محدّثون، فإن يكن فِي أمتي أحد فإنه عمر"، متّفق عليه. انتهى كلام القرطبيّ ببعض تصرف "المفهم" ٥/ ٥٤٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٣٨/ ٤٣٦٠ و٤٣٦١ و٤٣٦٢ - وفي "الكبرى" ٤/ ٤٨٧٠ و٤٨٧١ و٤٨٧٢. وأخرجه (خ) فِي "الجهاد" ٣٥١٩ و"بدء الخلق" ٣٣١٩ (م) فِي "السلام" ١٤٨ (د) فِي "الأدب" ٥٢٦٦ (ق) فِي "الصيد" ٣٢٢٥. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم قتل النمل، وهو الجواز، إن آذته، كما يدل عليه قصة هَذَا النبيّ، وَقَدْ تقدّم غير مرّة أن الصحيح أن شرع منْ قبلنا إذا قصّه الشارع شرع لنا، إذا لم يَرِدْ فِي شرعنا ما ينافيه. (ومنها): أنه يستدل به عَلَى أن الحيوان، يسبح الله تعالى، حقيقةً، ويتأيد به قول منْ حمل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ الآية [الإسراء: ٤٤]، عَلَى الحقيقة. وتُعُقّب بأن ذلك لا يمنع الحمل عَلَى المجاز، بأن يكون سببا للتسبيح. قاله فِي "الفتح". قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا التعقّب غير صحيح، بل الصواب الأول؛ فلها تسبيحٌ حقيقيّ، لا مجازيّ؛ لأنه لا داعي للعدول عن الحقيقة إلى المجاز؛ فإن النصوص الكثيرة دلّت عَلَى أن الحيون لها نطقٌ حقيقة، كما تقدّم فِي كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى قريبًا. فتأمل بعقلك السديد، ولا تكن أسير التقليد، فإنه ملجأ البليد، ومتمسّك العنيد. والله تعالى أعلم. (ومنها): أن فيه إشارة إلى أن الأمة مطلوبة البقاء، ولو لم يكن فيها فائدة، إلا التسبيح، لكفى داعيًا إلى إبقائها. (ومنها): أن فيه دلالةً عَلَى جواز قتل كل مؤذ. (ومنها): أنه يجوز المجازاة ممن ظلم، سواء كَانَ ممن يعقل، أو لا يعقل. (ومنها): أن الجزاء لا يتعدّى الجاني، فلا ينبغي إبادة غيره مما كَانَ منْ جنسه. (ومنها): أن الأنبياء ﵈ ينالهم الأذى؛ ليعظم لهم به الأجر والمثوبة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 16320

(المسألة الرابعة): قَالَ فِي "الفتح" ٦/ ٥١٦ - : واستدل بهذا الْحَدِيث عَلَى جواز إحراق الحيوان المؤذي بالنار، منْ جهة أن شرع منْ قبلنا شرع لنا، إذا لم يأت فِي شرعنا ما يدفعه، ولاسيما إن ورد عَلَى لسان الشارع، ما يُشعر باستحسان ذلك، لكن ورد فِي شرعنا النهي عن التعذيب بالنار. قَالَ النوويّ: هَذَا الْحَدِيث محمول عَلَى أنه كَانَ جائزا فِي شرع ذلك النبيّ، جوازُ قتل النمل، وجواز التعذيب بالنار، فإنه لم يقع عليه العتب فِي أصل القتل، ولا فِي الإحراق، بل فِي الزيادة عَلَى النملة الواحدة، وأما فِي شرعنا، فلا يجوز إحراق الحيوان بالنار، إلا فِي القصاص بشرطه، وكذا لا يجوز عندنا قتل النمل؛ لحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فِي "السنن" أن النبيّ ﷺ : "نهى عن قتل النملة، والنحلة". انتهى. وَقَدْ قَيَّد غيره، كالخطابي النهي عن قتله، منْ النمل بالسليماني. وَقَالَ البغوي: النمل الصغير، الذي يقال له: الذَّرّ، يجوز قتله، ونقله صاحب "الاستقصاء" عن الصيمري، وبه جزم الخطابي. وفي قوله: إن القتل، والإحراق، كَانَ جائزا فِي شرع ذلك النبيّ نظر؛ لأنه لو كَانَ كذلك، لم يُعاتب أصلا ورأسا، إذا ثبت أن الأذى طبعه. وَقَالَ عياض: فِي هَذَا الْحَدِيث، دلالة عَلَى جواز قتل كل مؤذ، ويقال: إن لهذه القصة سببا، وهو أن هَذَا النبيّ مَرّ عَلَى قرية، أهلكها الله تعالى، بذنوب أهلها، فوقف متعجبًا، فَقَالَ: يا رب، قد كَانَ فيهم صبيان، ودواب، ومن لم يقترف ذنبا، ثم نزل تحت شجرة، فجرت له هذه القصة، فنبهه الله جل وعلا عَلَى أن الجنس المؤذي يقتل، وإن لم يُؤذ، وتقتل أولاده، وان لم تبلغ الأذى. انتهى. وهذا هو الظاهر، وإن ثبتت هذه القصة، تَعَيّن المصير إليه. والحاصل أنه لم يعاتب إنكارا لما فعل، بل جوابا له، وإيضاحا لحكمة شمول الهلاك لجميع أهل تلك القرية، فضرب له المثل بذلك، أي إذا اختلط منْ يستحق الإهلاك بغيره، وتعين إهلاك الجميع طريقا إلى إهلاك المستحق، جاز إهلاك الجميع، ولهذا نظائر، كتترس الكفار بالمسلمين، وغير ذلك. والله سبحانه أعلم. وَقَالَ الكرماني: النمل غير مكلف، فكيف أشير فِي الْحَدِيث، إلى أنه لو أحرق نملة واحدة جاز، مع أن القصاص إنما يكون بالمثل لقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ الآية [الشورى: ٤٠]، ثم أجاب بتجويز أن التحريق، كَانَ جائزا عنده، ثم قَالَ: يرِدُ عَلَى قولنا: كَانَ جائزا، لو كَانَ كذلك لَمَا ذُمّ عليه. وأجاب بأنه قد يُذَمّ الرفيعُ القدرِ عَلَى خلاف الأولى. انتهى.

стр. 16321

والتعبير بالذّم فِي هَذَا لا يليق بمقام النبيّ، فينبغي أن يُعَبَّر بالعتاب. وَقَالَ القرطبيّ: ظاهر هَذَا الْحَدِيث، أن هَذَا النبيّ إنما عاتبه الله، حيث انتقم لنفسه بإهلاك جمع، آذاه منه واحد، وكان الأولى به الصبر والصفح، وكأنه وقع له أن هَذَا النوع مؤذٍ لبني آدم، وحرمة بني آدم أعظم، منْ حرمة الحيوان، فلو انفرد هَذَا النظر، ولم ينضم إليه التشفي، لم يعاتب، قَالَ: والذي يؤيد هَذَا التمسك بأصل عصمة الأنبياء، وأنهم أعلم بالله، وبأحكامه منْ غيرهم، وأشدهم له خشية. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٦١ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا النَّضْرُ -وَهُوَ ابْنُ شُمَيْلٍ- قَالَ: أَنْبَأَنَا أَشْعَثُ، عَنِ الْحَسَنِ: "نَزَلَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ، فَأَمَرَ بِبَيْتِهِنَّ، فَحُرِّقَ عَلَى مَا فِيهَا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ، فَهَلاَّ نَمْلَةً وَاحِدَةً"، وَقَالَ الأَشْعَثُ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ، وَزَادَ: "فَإِنَّهُنَّ يُسَبِّحْنَ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"أشعث": هو ابن عبد الملك الْحُمرانيّ البصريّ الثقة. وقوله: "فلدغته " -بالدال المهملة، والغين المعجمة-: أي قَرَصته، وليس هو بالذال المعجمة، والعين المهملة، فإن ذاك معناه: الإحراق. وقوله: "فأمر ببيتهنّ الخ، وفي نسخة: "فأحرق بيتهنّ"، وفي رواية البخاريّ: "فأمر بجَهازه" -بفتح الجيم، ويجوز كسرها، بعدها زاي-: أي متاعه. وقوله: "فحُرّق" بتشديد الراء، مبنيّا للمفعول؟ وقوله: "فهَلّا نملةً واحدةً": يجوز فيه النصب، عَلَى تقدير عامل محذوف، تقديره: فَهَلّا حَرّقتَ نملةً واحدةً. ويجوز رفعه عَلَى أنه نائب فاعل لفعل محذوف، حُرِّقَت نملةٌ واحدةٌ، أي وهي التي آذتك، بخلاف غيرها، فلم يَصدُر منها جناية. وقوله: "وَقَالَ الأشعث عن ابن سيرين الخ" عطف عَلَى السند السابق، فهو موصول، والمعنى: أن الأشعث روى هَذَا الْحَدِيث منْ شيخين، أحدهما الحسن البصريّ، وهو موقوفٌ عليه، والثاني: محمد بن سيرين، وهو مرفوع. والحديث صحيح مقطوع منْ طريق الحسن، وصحيح مرفوع منْ طريق محمد بن سيرين، وذكر الحافظ المزيّ رحمه الله تعالى فِي "تحفة الأشراف" ١٠/ ٣٢٨ - أنه رواه حبيب بن الشهيد، وسلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، موقوفًا. انتهى. أي وهو الموافق لرواية قتادة، عن الحسر، التي بعد هَذَا.

стр. 16322

والحديث منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا، وَقَدْ سبق بيانه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٦٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ (١)). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "معاذ بن هشام": هو الدستوائيّ. والحديث موقوف، وهو بهذا الإسناد ضعيف؛ للانقطاع، فإن الحسن لم يسمع منْ أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عند الأكثرين، لكن تقدّم ترجيح سماعه منه، فعليه يكون موقوفًا صحيحًا، وله حكم الرفع؛ لأنه لا يُقال منْ قبل الرأي، وليس أبو هريرة رضي الله تعالى عنه ممن يروي الإسرائيليّات، فتنبه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإاليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٤٢ - (كِتَابُ الضَّحَايَا) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: مناسبة "الضحايا" للصيد والذبائح واضحة، حيث إن كلا يُبحث فيه إراقة دماء الحيوان للأكل، وقدّم الصيد والذبائح؛ لعمومهما؛ وخصوص الضحايا بالقُرَبِ. والله تعالى أعلم. و"الضحايا" -بفتح الضاد المعجمة-: جمع ضَحِيّة، كعطيّة وعطايا، ويقال فيها: الأُضحيّة، والضحيّة، وأضحاة، كأرْطاة. قَالَ الفيّوميّ: "الأضحية" فيها لغات: [الأولى]: ضمّ الهمزة فِي الأكثر، وهي فِي تقدير أُفْعُولة، [والثانية]: كسرُها إتباعًا لكسرة الحاء، والجمع أَضَاحيّ، [والثالثة]،: ضَحِيّةٌ، والجمع ضحايا، مثلُ عطية وعطايا، [والرابعة]: أضحاة، بفتح الهمزة، والجمع أضحى، مثلُ أرطاة وأرطى، ومنه عيد الأضحى، والأضحى مؤنّثة، وَقَدْ تُذكر، ذهابًا إلى اليوم، قاله الفرّاء. وضَحّى تضحيةٌ: إذا ذبح الأضحيّة وقت الضّحَى، هَذَا أصله، ثم كثُر حَتَّى قيل: ضَحّى فِي أيّ وقت كَانَ منْ أيّام التشريق، ويتعدّى بالحرف، فيقال: ضَحّيتُ بشاة. انتهى.

стр. 16323

وَقَالَ أبو العبّاس القرطبيّ: قَالَ الأصمعيّ: فِي الأضحية أربع لغات: أُضحيّة -بضم الهمزة، وإضحيّة بكسرها، والجمع أضاحيّ بتشديد الياء، وتخفيفها، وضحيّةً، عَلَى وزن فَعِيلة، والجمع ضَحايا، وأضحاة، والجمع أضحى، كما يقال: أرطأة وأرطى، وبها سُمّي يوم الأضحى. وَقَالَ القاضي: وقيل: سمّيت بذلك؛ لأنها تُفعل فِي الضحى، وهو ارتفاع النهار، وفي "الأضحى" لغتان: التذكير لغة قيس، والتأنيث لغة تميم. وفي "الصحاح": ضَحْوة النهار بعد طلوع الشمس، ثم بعده الضحى، وهو حين تُشرق الشمس، مقصورة، موؤنّثة، وتُذكّر، فمن أنّث ذهب إلى أنها جمع ضحوة، ومن ذكّر ذهب إلى أنه اسم عَلَى فُعَل، مثل نُغَر، وصُرَد، قَالَ: وهو ظرفٌ غير متمكّن، مثلُ سَحَر، تقول: لقيته ضُحًى، وضُحَى، إذا أردت به ضحى يومك لم تنوّنه. قَالَ القرطبيّ: قياسه ضحى عَلَى سحر قد أَخَذَ عليه فيه ابن بَرّيّ، وهي مؤاخذة صحيحة؛ لأن الظروف التي لا تنصرّف إذا عُيّنت هي: "سحر" -كما ذكر- و"غَدْوَة"، و"بُكْرَة"، لا غير، فـ"سحر" إذا أريد به يوم بعينه لم ينصرف للتعريف والعدل، وفي "غدوة"، و"بُكرة" للتعريف والتأنيث، فأما بكير، وعشاء، وعتمة، وضحوة، وعشيّة، وضحى، ونحوها، فإنها منصرفة عَلَى كلّ حال، فإن أريد بها وقتٌ بعينه، كانت نكرات اللفظ، معرفة بالمعنى، عَلَى غير وجه التعريف. وهكذا ذكره الحسن بن خَرُوف، وغيره. انتهى كلام القرطبيّ. "المفهم" ٥/ ٣٤٧ - ٣٤٨. بزيادة منْ "شرح النوويّ عَلَى مسلم" ١٣/ ١١١. وَقَالَ الإِمام ابن قُدامة رحمه الله تعالى فِي "المغني" ١٣/ ٣٦٠ - : الأصل فِي مشروعية الأضحية: الكتاب، والسنة، والإجماع، فأما الكتاب، فقول الله سبحانه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [سورة الكوثر: ٢]، قَالَ بعض أهل التفسير: المراد به الأضحية، بعد صلاة العيد. وأما السنة، فما روى أنس رضي الله تعالى عنه، قَالَ: "ضحى النبيّ ﷺ بكبشين، أملحين، أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى، وكبر، ووضع رجله عَلَى صفاحهما"، متَّفقٌ عليه. والأملح: الذي فيه بياض وسواد، وبياضه أغلب. قَالَ الكسائي: وَقَالَ ابن الأعرابيّ: وهو النقي البياض، قَالَ الشاعر [منْ الرجز]: حَتَّى اكْتَسَى الرَّأْسُ قِنَاعًا أشْيَبَا (١) … أَمْلَحَ لا لَذًّا ولا مُحَبَّبَا وأجمع المسلمون عَلَى مشروعية الأضحية. انتهى كلام ابن قُدامة رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 16324

٤٣٦٣ - (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سَلْمٍ الْبَلْخِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ -وَهُوَ ابْنُ شُمَيْلٍ- قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ رَأَى هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ، فَأَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ حَتَّى يُضَحِّيَ"). رجال هَذَا الإسناد: سبعة: ١ - (سليمان بن سَلْم) الْهَدَاديّ بفتح الهاء، وتخفيف الدال، أبو داود المصاحفيّ البلخيّ، ثقة [١١] ١١٨/ ١٠٧٥. ٢ - (النضر بن شُمَيل) المازني، أبو الحسن النحوي البصريّ، نزيل مرو، ثقة ثبت، منْ كبار [٩] ٤١/ ٤٥. ٣ - (شعبة) بن الحجاج المذكور قبل باب. ٤ - (مالك بن أنس) إمام دار الهجرة الحجة الثبت الفقيه [٧] ٧/ ٧. ٥ - (ابن مسلم) هو عمرو بن مسلم بن عُمارة بن أُكيمة -بالتصغير- الليثي الْجُندعيّ المدنيّ، وقيل: اسمه عمر، صدوقٌ [٦]. وفي "تهذيب التهذيب" ج: ٨ ص: ٩١: روى عن سعيد بن المسيب، عن أم سلمة، حديث: "منْ أراد أن يضحي، فدخل العشر، فلا يأخذ منْ شعره، ولا منْ أظفاره"، وعنه مالك، وسعيد بن أبي هلال، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وعبس الرحمن بن سعد بن عمار المؤذن، وَقَدْ قيل: إن الزهريّ روى عنه، والمحفوظ أن الزهريّ، إنما روى عن جده. قَالَ: ابن معين: ثقة، وفي رواية: لا بأس به. وأسند الخطيب فِي "الموضح" عن ابن معين: أنه قيل فيه، عمار، وعمر، ويختلفون فيه. قَالَ الحافظ: وادعى ابن حبّان فِي "الثقات": والصحيح أن الذي روى عنه الزهريّ، اسمه عمرو بن مسلم بن أكيمة، وأن الذي روى عنه مالك وغيره، أخوه عُمر بن مسلم، ولم يوافقه أحد، علمته عَلَى ذلك. انتهى. وَقَالَ النوويّ فِي "شرح صحيح مسلم" ١٣/ ١٣٩: قوله: "عن عُمر بن مسلم الخ" كذا رواه مسلم "عُمر" بضم العين فِي كل هذه الطرق، إلا طريق حسن بن علي الْحُلوانيّ، ففيها عَمْرو -بفتح العين- وإلا طريق أحمد بن عبد الله بن الحكم، ففيها عمرو، أو عُمر، وَقَالَ العلماء: الوجهان منقولان فِي اسمه. انتهى. روى له مسلم، والأربعة، وليس له عند المصنّف إلا هَذَا الْحَدِيث. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: وقع فِي النسخ: "عن أبي مسلم" بدل "ابن مسلم"، وهو تصحيفٌ،

стр. 16325

والصواب "عن ابن مسلم"، كما فِي "تحفة الأشراف" ١٣/ ٦ فتنبه. والله تعالى أعلم. ٦ - (سعيد بن المسيب) المذكور فِي الباب الماضي. ٧ - (أم سلمة) هند بنت أبي أمية المخزومية، أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها ١٢٣/ ١٨٣. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، إلا شيخه، فتفرد به هو، وأبو داود، والترمذي. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين منْ مالك. (ومنها): أن فيه ابن المسيب أحد الفقهاء السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عن) أم المؤمنين (أم سلمة) هند بنت أبي أميّة رضي الله تعالى عنها (عن النبيّ ﷺ ) أنه (قَالَ منْ رأى هلال ذي الحجة) وفي الرواية الآتية: "إذا دخلت العشر": أي عشر ذي الحجة (فأراد أن يضحي) قيل: فيه دلالة عَلَى عدم وجوب الأضحية، لكونه أسنده إلى إرادته، وسيأتي تحقيق القول فيه قريبًا، إن شاء الله تعالى. وفي رواية أبي داود: "منْ كَانَ له ذِبْحٌ يذبحه، فإذا أهلّ هلال ذي الحجة، فلا يأخذنّ منْ شعره، وأظفاره حَتَّى يضحّي". و"الذبح" بكسر الذال: المذبوح (فلا يأخذ منْ شعره) بفتح العين المهملة، وسكونها (ولا منْ أظفاره حَتَّى يضحي) أي إلى أن يذبح أضحيّته. قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: قَالَ أصحابنا -يعني الشافعية-: والمراد بالنهي عن أخذ الظفر والشعر، الهي عن إزالة الظفر بقَلْم، أو كسر، أو غيره، والمنع منْ إزالة الشعر بحلق، أو تقصير، أو نتف، أو إحراق، أو أخذه بنورة، أو غير ذلك منْ شعور بدنه، وسواء شعر الإبط، والشارب، والعانة، والرأس، وغير ذلك، منْ شُعور بدنه. قَالَ إبراهيم المروزي وغيره، منْ أصحابنا: حكم أجزاء البدن كلها، حكم الشعر والظفر، ودليله ما ثبت فِي رواية لمسلم: "فلا يَمَسّنّ منْ شعره وبشره شيئا". قالوا: والحكمة فِي النهي أن يبقى كامل الاجزاء؛ للعتق منْ النار. وقيل: للتشبه بالمحرم. قالوا: هَذَا الوجه الثاني غلط؛ لأنه لا يعتزل النِّساء، ولا يترك الطيب، واللباس، وغير ذلك، مما يتركه المحرم. انتهى كلام النوويّ فِي "شرح مسلم" ١٣/ ١٣٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته:

стр. 16326

حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها هَذَا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١/ ٤٣٦٣ و٤٣٦٤ و٤٣٦٥ و٤٣٦٦ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٤٥١ و٤٤٥٢ و٤٤٥٣٣ و٤٤٥٤. وأخرجه (م) فِي "الأضاحي" ٥٠٨٩ و٥٥٩٠ و٥٠٩١ و٥٠٩٢ و٥٠٩٣ و٥٠٩٤ و٥٠٩٥ (د) فِي "الضحايا" ٢٧٩١ (ت) فِي "الأضاحي" ١٥٢٣ (ق) فِي "الأضاحي" ٣١٤٩ و٣١٥٠. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): مشروعيّة الأضحية. (ومنها): أنها مستحبّة؛ لقوله: "وأراد أحدكم أن يُضحّي". (ومنها): أن منْ أراد أن يضحّي، لا يأخذه منْ شعره، ولا منْ بشره شيئًا، وهل هو للتحريم، أم للتنزيه يأتي التحقيق قريبًا، إن شاء الله تعالى. (المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فيمن دخل عليه عشر ذى الحجة وهو مريد التضحية هل يأخذ منْ شعره أو أظفاره، أم لا؟: قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: فِي "شرح صحيح مسلم" ١٣/ ١٣٨: واختلف العلماء فيمن دخلت عليه عشر ذى الحجة، وأراد أن يضحى، فَقَالَ سعيد بن المسيب، وربيعة، وأحمد، وإسحاق، وداود، وبعض أصحاب الشافعى: أنه يحرم عليه أخذ شيء منْ شعره، وأظفاره حَتَّى يضحي، فِي وقت الأضحية. وَقَالَ الشافعى، وأصحابه: هو مكروه، كراهةَ تنزيه، وليس بحرام. وَقَالَ أبو حنيفة: لا يكره، وَقَالَ مالك فِي رواية: لا يكره، وفي رواية: يكره، وفي رواية يحرم فِي التطوع، دون الواجب. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بعدم الكراهة يردّه حديث الباب. فتنبّه. قَالَ: واحتج منْ حرّم بهذه الأحاديث. واحتج الشافعيّ، والآخرون، بحديث عائشة، ﵂، قالت: "كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ ، ثم يُقَلِّده، ويبعث به، ولا يحرم عليه شىء، أحله الله، حَتَّى ينحر هديه". رواه البخاريّ، ومسلم. قَالَ الشافعيّ: البعث بالهدي أكثر منْ إرادة التضحية، فدلّ عَلَى أنه لا يحرم ذلك، وحمل أحاديث النهى عَلَى كراهة التنزيه. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى. وَقَالَ العلّامة ابن قُدامة رحمه الله تعالى -عند قول الْخِرَقيّ: ومن أراد أن يضحي، فدخل العشر، فلا يأخذ منْ شعره، ولا بشرته شيئًا-: ما نصّه: ظاهر هَذَا تحريم قص الشعر، وهو قول بعض أصحابنا، وحكاه ابن المنذر عن أحمد، وإسحاق، وسعيد بن المسيب، وَقَالَ القاضي، وجماعة منْ أصحابنا، هو مكروه، غير محرم، وبه قَالَ مالك،

стр. 16327

والشافعي يقول عائشة رضي الله تعالى عنها: "كنت أفتِل قلائد هدي رسول الله ﷺ ، ثم يقلدها بيده، ثم يبعث بها، ولا يحرم عليه شيء، أحله الله له، حَتَّى ينحر الهدي"، متَّفقٌ عليه. وَقَالَ أبو حنيفة: لا يكره ذلك؛ لأنه لا يحرم عليه الوطء، واللباس، فلا يكره له حلق الشعر، وتقليم الأظافر، كما لو لم يُرِد أن يضحي. قَالَ: ولنا ما روت أم سلمة رضي الله تعالى عنها، عن رسول الله ﷺ ، أنه قَالَ: "إذا دخل العشر، وأراد أحدكم أن يُضَحِّي، فلا يأخد منْ شعره، ولا منْ أظفاره شيئا، حَتَّى يضحي"، رواه مسلم. ومقتضى النهي التحريم، وهذا يرد القياس ويبطله، وحديثهم عامّ، وهذا خاص يجب تقديمه، بتنزيل العامّ عَلَى ما عدا ما تناوله الْحَدِيث الخاص، ولأنه يجب حمِل حديثهم عَلَى غير محل النزاع؛ لوجوه: [منها]: أن النبيّ ﷺ ، لم يكن ليفعل ما نَهَى عنه، وإن كَانَ مكروها، قَالَ الله تعالى؛ إخبارًا عن شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ الآية [هود: ٨٨]، ولأن أقل أحوال النهي أن يكون مكروها، ولم يكن النبيّ- ﷺ ليفعله، فيتعين حمل ما فعله فِي حديث عائشة عَلَى غيره. ولأن عائشة تعلم ظاهرا، ما يباشرها به، منْ المباشرة، أو ما يفعله دائما، كاللباس، والطيب، فأما ما يفعله نادرًا، كقص الشعر، وقلم الأظافر، مما لا يفعله فِي الأيام إلا مرة، فالظاهر أنها لم ترده بخبرها، وإن احتمل إرادتها إياه، فهو احتمال بعيد، وما كَانَ هكذا، فاحتمال تخصيصه قريب، فيكفي فيه أدنى دليل، وخبرنا دليل، فكان أولى بالتخصيص. ولأن عائشة تخبر عن فعله، وأم سلمة عن قوله، والقول يُقَدَّم عَلَى الفعل؛ لاحتمال أن يكون فعله خاصا له. إذا ثبت هَذَا، فإنه يَترُك قطع الشعر، وتقليم الأظافر، فإن فعل استغفر الله تعالى، ولا فدية فيه إجماعا، سواء فعله عمدا، أو نسيانا. انتهى كلام ابن قُدمة رحمه الله تعالى فِي "المغني" ١٣/ ٣٦٢ - ٣٦٣. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي حقّقه ابن قُدامة رحمه الله تعالى تحقيقٌ حسنٌ جدًا. والحاصل أن أرجح الأقوال هو القول بتحريم الأخذ منْ الشعر، والأظفار، إذا دخل عشر ذي الحجة لمن أراد أن يضحّي، حَتَّى يضحّي؛ لوضوح دليله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم الأضحيّة: قَالَ الإِمام ابن قُدامة رحمه الله تعالى: أكثر أهل العلم، يرون الأضحية سنة مؤكدة، غير واجبة، رُوي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وبلال، وأبي مسعود البدري، رضي الله

стр. 16328

عنهم، وبه قَالَ سُويد بن غَفَلة، وسعيد بن المسيب، وعلقمة، والأسود، وعطاء، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر. وَقَالَ ربيعة، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والليث، وأبو حنيفة: هي واجبة؛ لما روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ ، قَالَ: "منْ كَانَ له سعة، ولم يُضَحِّ فلا يَقْرَبَنّ مصلانا"، وعن مِحنَف بن سُليم أن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "يا أيها النَّاس، إن عَلَى كل أهل بيت، فِي كل عام أَضْحَاةً، وعتيرة". واحتجّ الأولون بما رواه الدارقطني، بإسناده، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن النبيّ ﷺ : قَالَ: "ثلاث، كُتبت عليّ، وهن لكم تطوع"، وفي رواية: "الوتر، والنحر، وركعتا الفجر" (١). قَالَ: ولأن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "منْ أراد أن يضحي، فدخل العشر، فلا يأخذ منْ شعره، ولا بشرته شيئًا"، رواه مسلم. عَلّقه عَلَى الإرادة، والواجب لا يُعلَّق عَلَى الإرادة، ولأنها ذبيحة لم يجب تفريق لحمها، فلم تكن واجبة، كالعقيقة، فأما حديثهم، فقد ضعفه أصحاب الْحَدِيث، ثم نحمله عَلَى تأكيد الاستحباب، كما قَالَ: "غسل الجمعة واجب عَلَى كل محتلم"، وَقَالَ: "منْ أكل منْ هاتين الشجرتين، فلا يَقرَبَنّ مصلانا". وَقَدْ روي عن أحمد، فِي اليتيم يُضَحِّي عنه وليه: إذا كَانَ موسرا، وهذا عَلَى سبيل التوسعة، فِي يوم العيد، لا عَلَى سبيل الإيجاب. انتهى كلام ابن قُدامة رحمه الله تعالى. وَقَالَ الإِمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه": "باب سنة الأضحية، وَقَالَ ابن عمر: هي سنّة، ومعروف". فَقَالَ فِي "الفتح" ١١/ ١١٥ - : وكأنه ترجم بالسنة إشارةً إلى مخالفة منْ قَالَ بوجوبها، قَالَ ابن حزم: لا يصح عن أحد منْ الصحابة، أنها واجبة، وصح أنها غير واجبة عن الجمهور، ولا خلاف فِي كونها منْ شرائع الدين، وهي عند الشافعية، والجمهور سنة مؤكدة، عَلَى الكفاية، وفي وجه للشافعية، منْ فروض الكفاية، وعن أبي حنيفة: تجب عَلَى المقيم الموسر، وعن مالك مثله، فِي رواية، لكن لم يقيد بالمقيم، ونقل عن الأوزاعي، وربيعة، والليث مثله، وخالف أبو يوسف منْ الحنفية، وأشهب منْ المالكية، فوافقا الجمهور. وَقَالَ أحمد: يكره تركها مع القدرة، وعنه واجبة، وعن محمد بن الحسن: هي سنة غير مُرَخّص فِي تركها، قَالَ الطحاوي: وبه نأخذ، وليس فِي الآثار ما يدل عَلَى وجوبها. انتهى.

стр. 16329

وأقرب ما يُتَمَسَّك به للوجوب حديث أبي هريرة، رفعه: "منْ وجد سعة، فلم يُضَحِّ، فلا يَقْرَبَنَّ مصلانا"، أخرجه بن ماجه، وأحمد، ورجاله ثقات، لكن اختُلِف فِي رفعه، ووقفه، والموقوف أشبه بالصواب، قاله الطحاوي وغيره، ومع ذلك، فليس صريحا فِي الإيجاب. وقول ابن عمر: "هي سنة، ومعروف" وصله حماد بن سلمة، فِي "مصنفه"، بسند جيد إلى ابن عمر، وللترمذي، مُحَسَّنًا، منْ طريق جَبَلة بن سُحَيم: أن رجلا سأل ابن عمر، عن الأضحية، أهي واجبة؟، فَقَالَ: ضَحَّى رسولُ الله ﷺ ، والمسلمون بعده. قَالَ الترمذي: العمل عَلَى هَذَا، عند أهل العلم، أن الأضحية ليست بواجبة، وكأنه فَهِمَ منْ كون ابن عمر، لم يقل فِي الجواب: نعم، أنه لا يقول بالوجوب، فإن الفعل المجرد، لا يدل عَلَى ذلك، وكأنه أشار بقوله: "والمسلمون" إلى أنها ليست منْ الخصائص، وكان ابن عمر حريصا، عَلَى اتباع أفعال النبيّ ﷺ ، فلذلك لم يصرح بعدم الوجوب. وَقَدْ احتج منْ قَالَ بالوجوب، بما ورد فِي حديث مِخْنَف بن سُلَيم، رفعه: "عَلَى أهل كل بيت أضحية"، أخرجه أحمد، والأربعة، بسند قوي، ولا حجة فيه؛ لأن الصيغة ليست صريحة فِي الوجوب المطلق، وَقَدْ ذكر معها العتيرة، وليست بواجبة عند منْ قَالَ بوجوب الأضحية. واستدل منْ قَالَ بعدم الوجوب، بحديث ابن عباس: "كُتِب عليّ النحرُ، ولم يكتب عليكم"، وهو حديث ضعيف، أخرجه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني، والدارقطني، وصححه الحاكم، فذَهِلَ، وَقَدْ استوعَبْتُ (١) طرقه، ورجاله فِي الخصائص، منْ تخريج أحاديث الرافعي. انتهى كلام الحافظ فِي "الفتح". قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عبارته فِي "تخريج أحاديث الرافعيّ" المسمّى "تلخيصّ الحبير" ج: ٣/ ١١٨: قوله: "فمنها صلاة الضحى": روي أنه ﷺ ، قَالَ: "كُتب عليّ ركعتا الضحى، وهما لكم سنة"، رواه أحمد منْ طريق إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة، عن ابن عباس، بلفظ: "أُمرت بركعتي الضحى، ولم تؤمروا بها، وأمرت بالأضحى، ولم تكتب"، وإسناده ضعيف، منْ أجل جابر الجعفي، ورواه أبو يعلى منْ طريق شريك، بلفظ: "كتب عليّ النحر، ولم يكتب عليكم، وأُمرت بصلاة الضحى، ولم تؤمروا بها"، ورواه البزار بلفظ: "أُمرت بركعتي الفجر والوتر، وليس عليكم"، ومن طريق أبي جناب الكلبي، عن عكرمة عنه، بلفظ: "ثلاث هنّ عليّ فرائض، ولكم تطوع النحر والوتر، وركعتا الضحى"، ورواه الحاكم، وابن عدي، منْ هَذَا الوجه،

стр. 16330

ولفظه: "الأضحى"، بدل "النحر"، و"ركعتا الفجر" بدل "الضحى"، وكذلك رواه الدارقطني، والبيهقي، ورواه ابن حبّان فِي "الضعفاء"، وابن شاهين فِي "ناسخه" منْ طريق وضاح بن يحيى، عن مندل، عن يحيى بن سعيد، عن عكرمة عنه، بلفظ: "ثلاث عليّ فريضة، وهن لكم تطوع: الوتر، وركعتا الفجر، وركعتا الضحى"، والوضاح ضعيف. فتلخص ضعف الْحَدِيث منْ جميع طرقه، ويلزم منْ قَالَ به، أن يقول بوجوب ركعتي الفجر عليه، ولم يقولوا بذلك، وإن كَانَ قد نقل ذلك عن بعض السلف. ووقع فِي كلام الآمدي، وابن الحاجب، وَقَدْ ورد ما يعارضه، فروى الدارقطني، وابن شاهين، فِي "ناسخه" منْ طريق عبد الله بن مُحَرَّر، عن قتادة، عن أنس، مرفوعا: "أُمرت بالوتر، والأضحى، ولم يعزم عليّ"، ولفظ ابن شاهين: "ولم يفرض عليّ"، وعبد الله بن مُحَرَّر متروك. انتهى كلام الحافظ فِي "التلخيص". قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبين بما سبق أن أرجح المذاهب هو ما عليه الجمهور، منْ استحباب الأضحية، استحبابًا أكيدًا، وأنها ليست بواجبة؛ لوضوح أدلّتها. قَالَ أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى فِي كتابه "المحلّى" ٧/ ٣٥٥ - : الأضحيّة سنّة حسنةٌ، وليست فرضًا، ومن تركها غير راغب عنها، فلا حرج عليه فِي ذلك، ومن ضحّى عن امرأته، أو ولده، أو أمته، فحسنٌ، ومن لا فلا حرج فِي ذلك، ثم ذكر الأدلّة عَلَى هَذَا، وأقوال العلماء، وأدلّتهم، وناقشها عَلَى عادته، بما لا تراه فِي غير كتابه، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٦٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ، قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَقْلِمْ مِنْ أَظْفَارِهِ، وَلَا يَحْلِقْ شَيْئًا مِنْ شَعْرِهِ، فِي عَشْرِ الأُوَلِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وَقَدْ تقدموا غير مرّة، و"محمد بن عبد الله بن عبد الحكم": هو المصريّ الفقيه الثقة [١١] ١٢٠/ ١٦٦. و"شعيب": هو ابن الليث بن سعد المصريّ الثقة الثبت الفقيه، منْ كبار [١٠] ١٢٠/ ١٦٦. و"الليث": هو ابن سعد الإِمام الحجة الثبت المصريّ [٧]. و"خالد بن يزيد": هو الجُمَحيّ السكسكيّ، أبو عبد الرحيم المصريّ الثقة الفقيه [٦]. و"ابن أبي هلال":

стр. 16331

هو سعيد الليثيّ مولاهم المصريّ، صدوق [٦]. [تنبيه]: زاد المصنّف رحمه الله تعالى فِي "الكبرى" بعد هَذَا الْحَدِيث: ما نصه: قَالَ أبو عبد الرحمن: عمرو بن مسلم بن عمارة بن أُكيمة، وَقَدْ اختلف فِي اسمه، فقيل: عُمَر، وقيل: عَمْرو. [وهو عنه فِي] (١) انتهى. وقوله: "فِي عشر الأُوَل منْ ذي الحجة" هكذا نسخ "المجتبى"، و"الكبرى" بالإضافة، وهو منْ إضافة المصوف إلى الصفة، وفي بعض نسخ "الكبرى": "فِي العشر الأُوَل"، وهو واضح. والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه، فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٦٥ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) شَرِيكٌ، عَنْ عُثْمَانَ الأَحْلَافِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ، فَدَخَلَتْ أَيَّامُ الْعَشْرِ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا أَظْفَارِهِ"، فَذَكَرْتُهُ لِعِكْرِمَةَ، فَقَالَ: أَلَا يَعْتَزِلُ النِّسَاءَ وَالطِّيبَ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "شريك": هو ابن عبد الله النخعيّ. و"عثمان الأحلافيّ": هو عثمان بن حكيم بن عَبّاد بن حُنيف الأنصاريّ الأوسيّ، أبو سهل المدنيّ، ثم الكوفيّ الأحلافيّ، ثقة [٥] ٣٨/ ٩٤٤. [تنبيه]: قوله: "عثمان الأحلافيّ" هكدا فِي نسخ "المجتبى"، و"الكبرى"، و"الأحلافيّ" -بفتح الهمزة، وبالحاء المهملة، والفاء، وزان الأوزاعيّ: نسبة إلى الأحلاف بطن منْ كلب. قاله فِي "لبّ اللباب" ١/ ٤٠. [تنبيه آخر]: وقع فِي "تحفة الأشراف" ١٣/ ٧ - عند ذكر هَذَا الْحَدِيث: ما نصّه: وعن عليّ ابن حجر، عن شريك، عن عثمان بن محمد الأحمسيّ، عن سعيد بن المسيب. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن هَذَا غلط فِي موضعين: فِي كون أبيه، محمدًا، وفي نسبته إلى أحمس، والحجة فِي ذلك أن المصنّف نسب عثمان إلى الأحلاف، لا إلى أحمس، والذي ذكروه فِي كتب الرجال أن عثمان الأحلافيّ هو عثمان بن حكيم المذكور، وأيضًا أنه ليس فِي الكتب الستّة منْ اسمه عثمان بن محمد، ويُقال له: الأحمسيّ، وإنما هو الأخنسيّ، والأخنسيّ ليس له فِي السنن الأربع إلا حديث واحد فِي القضاء، وله عند الترمذيّ ثلاثة أحاديث. والحاصل أن الذي فِي "تحفة الأشراف" غلط، فليُتنبّه. والله تعالى أعلم.

стр. 16332

وقوله: "منْ أراد أن يضحّي" هكذا فِي نسخ "المجتبى"، ووقع فِي "الكبرى" بلفظ: "منْ أراد الحجّ" وهو غلط فاحش، فتنبّه. والله تعالى أعلم. وقوله: "فلا يقلم" منْ القلم، أو منْ التقليم، يقال: قَلَم الظفرَ، كضرب، وقَلَّمه بالتشديد: أي قطعه، والتشديد للمبالغة، والتخفيف هنا أولى؛ لأن المراد النهي عن أصل الفعل، لا عن المبالغة. فافهم. وقوله: "فَقَالَ: ألا يعتزل النِّساء والطيب" هَذَا يدلّ عَلَى أن عكرمة رحمه الله تعالى لم يبلغه نهي النبيّ ﷺ عن ذلك، وظنّ أنه منْ قول سعيد، وأن مقصوده التشبيه بالمحرم، فاعترض بأن اللائق حينئذ ترك النِّساء والطيب أيضًا. والله تعالى أعلم. والحديث مقطوع ضعيف؛ لتفرد شريك بن عبد الله النخعيّ به، وهو كثير الخطإ، وَقَدْ تغيّر حفظه آخرًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٦٦ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ، فَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا مِنْ بَشَرِهِ شَيْئًا"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن": هو ابن المسور بن مخرمة الزهريّ البصريّ، صدوقٌ، منْ صغار [١٠] ٤٢/ ٤٨. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف": هو الزهريّ المدنيّ، ثقة [٦] ٤/ ١٤٥٥. والحديث أخرجه مسلم، كما سيق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٢ - (بَابُ مَنْ لَمْ يِجِدْ الأُضْحِيَّةَ) ٤٣٦٧ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، وَذَكَرَ آخَرِينَ، عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ الْقِتْبَانِيِّ، عَنْ عِيسَى بْنِ هِلَالٍ الصَّدَفِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ لِرَجُلٍ: "أُمِرْتُ

стр. 16333

بِيَوْمِ الأَضْحَى عِيدًا، جَعَلَهُ اللَّهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ"، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَجِدْ إِلاَّ مَنِيحَةً أُنْثَى، أَفَأُضَحِّى بِهَا، قَالَ: "لَا، وَلَكِنْ تَأْخُذُ مِنْ شَعْرِكَ، وَتُقَلِّمُ أَظْفَارَكَ، وَتَقُصُّ شَارِبَكَ، وَتَحْلِقُ عَانَتَكَ، فَذَلِكَ تَمَامُ أُضْحِيَتِكَ عِنْدَ اللَّهِ "). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (يونس بن عبد الأعلى) الصدفي، أبو موسى المصريّ، ثقة، منْ صغار [١٠] ١/ ٤٤٩. ٢ - (ابن وهب) عبد الله المصريّ الثقة الحافظ العابد [٩] ٩/ ٩. [تنبيه]: قوله: وذكر آخرين يحتمل أن يكون بصيغة الجمع، وبصيغة التثنية، والضمير لابن وهب: أي ذكر ابن وهب شيوخًا آخرين مع سعيد بن أبي أيوب، ولم يتبين لي أحد منهم. والله تعالى أعلم. ٣ - (سعيد بن أبي أيوب) مِقْلاص الخزاعي مولاهم أبو يحيى المصريّ، ثقة ثبت [٧] ٢٧/ ١٨٨٠. ٤ - (عياش بن عباس القتباني) المصريّ، ثقة [٥ (١)] ٢/ ١٤٧١. ٥ - (عيسى بن هلال) الصَّدَفيّ المصريّ، وهو صدوقٌ [٤]. روى عن عبد الله بن عمرو، وعنه عيّاش بن عبّاس القتبانيّ، وكعب بن علقمة، ويزيد بن أبي حبيب، ودرّاج أبو السمح، وعبد الملك بن عبد الله التُّجِيبيّ المصريون. ذكره ابن حبّان فِي "الثقات". روى له البخاريّ فِي "الأدب المفرد"، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط. ٦ - (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) رضي الله تعالى عنهما ٨٩/ ١١١. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير عيسى بن هلال، فأخرج له البخاريّ فِي "الأدب المفرد"، والباقون، إلا مسلمًا، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.

стр. 16334

شرح الْحَدِيث (عن عبد الله بن عمرو بن العاص) رضي الله تعالى عنهما (أن رسول الله ﷺ قَالَ لرجل أمرت) قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: ظاهر السوق أنه عَلَى بناء المفعول للخطاب، أو بناء الفاعل للمتكلّم: أي أمرتُك، أو أمرتُ النَّاس. ويحتمل أنه عَلَى بناء المفعول للمتكلّم، والمعنى: أُمرتُ بالتضحية. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الاحتمال الأخير هو الأظهر عندي. والله تعالى أعلم. وقوله (بيوم الأضحى) الباء بمعنى "فِي": أي فِي يوم الأضحى، حال كونه (عيدا) أو أمرت بيوم الأضحى أن أتّخذه عيدا. وقوله (جعله الله لهذه الأمة) جملة فِي محلّ نصب صفة لـ"عيدًا". (فَقَالَ الرجل أرأيت) بتاء الخطاب: أي أخبرني (إن لم أجد إلا منيحة) بفتح الميم، وكسر النون: اسم منْ المنحة بكسر، فسكون، يقال: منحته مَنْحًا، منْ بابي نفع، وضرب: إذا أعطيته. وأصل المنيحة: هي الشاة، أو الناقة التي يُعطيها صاحبها غيره ليشرب لبنها، ثم يردّها عليه إذا انقطع لبنها، ثم كثُر استعماله حَتَّى أطلق عَلَى كلّ عطاء، يقال: منحته منحًا، والمراد هنا الشاة، كما يُشير إليه وصفه بقوله (أنثى) وهو صفة كاشفة لـ"منيحة". وقال ابن الأثير فِي "النهاية" منحة اللبن: أن يعطيه ناقةً، أو شاةً، ينتفع بلبنها، ويُعيدها، وكذلك إذا أعطاه لينتفع بوَبَرها، وصُوفها زمانًا، ثم يرُدّها. انتهى. وكلام ابن الأثير يدل عَلَى أن المنيحة، قد تكون ذكرا؛ إذ الانتفاع بالوبر والصوف لا يخصّ الأنثى، وعلى هَذَا فليست "أنثى" صفة كاشفة، بل هي مقيّدة، وإن كَانَ فيها علامة التأنيث، كما يقال: حمامة أنثى، وحمامة ذكر. والله تعالى أعلم. (أفاضحي بها) أي أيلزمني التضحية بتلك المنيحة؟ (قَالَ) ﷺ (لا) أي لا يلزمك ذلك. وإنما منعه؛ لأنه لم يكن عنده ما ينتفع به غيرها. ويحتمل أن المراد هنا بالمنيحة ما أُعطيها منْ غيره؛ ليشرب اللبن، فيكون منعه لأجل أنها ليست ملكًا له، بل هي عَلَى ملك المانح، وإنما سأل الرجل لزعمه أن المنحة لا تُردّ، ولذلك قَالَ ﷺ فِي حديث آخر: "المنحة مردودة" (ولكن تأخذ منْ شعرك) كأنه أرشده إلى أن يُشارك المسلمين فِي عيدهم، وسرورهم، وذلك بإزالة الوسخ، فذلك يقوم مقام الأضحية لمن فقدها (وتقلم أظافرك) بفتح أوله، وكسر اللام، مخفّفةً، منْ باب ضرب، أو ضمّ أوله، مع تشديد اللام، منْ التقليم، وهو الإنسب هنا، بخلاف ما تقدّم فِي الباب الماضي (وتقص) بضم القاف، منْ باب نصر: أي تقطع (شاربك) هو الشعر الذي يَسيل عَلَى الفم، قَالَ أبو حاتم: ولا يكاد يُثنّى، وَقَالَ أبو عُبيدة: قَالَ الكلابيّون: شاربان، باعتبار الطرفين،

стр. 16335

والجمع شوارب. قاله الفيّوميّ (وتحلق) بفتح أوله، وكسر اللام، منْ باب منْ باب ضرب، ويقال: حلّق بالتشديد للمبالغة، والتكثير (عانتك) أي الشعر الذي فوق ذكرك، قَالَ الفيّوميّ: العانة: فِي تقدير فَعَلَة -بفتح العين، وفيها اختلافٌ، فَقَالَ الأزهريّ، وجماعةٌ: هي مَنبِت الشعر، فوق قُبُل المرأة، وذكر الرجل، والشعر النابتُ عليه يقال له: الإِسْبُ، والشِّعْرَةُ. وَقَالَ ابن فارس فِي موضع: هي الإِسْبُ. وَقَالَ الجوهريّ: هي شعر الرَّكَبِ. انتهى (فذلك تمام أضحيتك عند الله أي فهذا العمل مما يَتِمّ به أضحيّتك، بمعنى أنه يُكتب لك به أجر أضحية تامة، لا بمعنى أن لك أضحيّة ناقصة إن لم تفعل ذلك، وإن فعلته تصير تامّة. ولفظ أبي داود: "فتلك تمام أضحيتك الخ": أي تلك الأفعال المذكورة تمام أضحيتك بنيتك الخالصة، ولك بذلك مثل ثواب الأضحية. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هَذَا حسنٌ. وَقَدْ أخرجه الحاكم فِي "المستدرك" ٤/ ٢٢٣ - ٢٢٤ - وَقَالَ: هَذَا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه، ووافقه الذهبيّ. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: ضعّف الشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى هَذَا الْحَدِيث؛ لأجل عيسى بن هلال، فَقَالَ فيما كتبه عَلَى "المشكاة" -١/ ٤٦٦: وفي إسناده عيسى بن هلال الصدفيّ، وفيه عندي جهالة، فقد ذكره ابن أبي حاتم فِي "الجرح والتعديل"، ولم يذكر فيه جرحًا، ولا توثيقًا، وإنما وثقه ابن حبّان، وهو معروف بتساهله فِي التوثيق. انتهى كلامه. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي فيما قاله نظرٌ؛ لأن عيسى روى عنه جماعة، أربعة، أو خمسة، منْ مشاهير أهل مصر، كما أسلفناه، فارتفعت عنه جهالة العين، ولم يتكلّم فيه أحدٌ بجرح، فتوثيق ابن حبّان لمثل هَذَا لا يُعدّ تساهلاً، ولذا قَالَ عنه الحافظ فِي "التقريب": صدوقٌ، وأقلّ أحواله أن يكون حسن الْحَدِيث. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢/ ٤٣٦٧ - وفي "الكبرى" ٢/ ٤٤٥٥. وأخرجه (د) فِي "الضحايا" ٢٧٨٩. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده:

стр. 16336

(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم أن منْ لم يجد الأضحية، يسنّ له أن يتنطّف، ويتهيّأ ليوم العيد بأخذ شعره، وتقليم أظفاره، وقصّ شاربه، وحلق عانته، فإنه يقوم مقام منْ ضحّى. (ومنها): استحباب النظافة فِي يوم العيد؛ لأنه يوم اجتماع النَّاس. (ومنها): تأكد أمر الأضحيّة، بحيث إن منْ فقدها ينبغي له أن يشارك المسلمين بنظافة جسمه، وتحسين هيئتة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٣ - (ذَبْحُ الإِمَامِ أُضْحِيَّتَهُ بِالْمُصَلَّى) ٤٣٦٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، كَانَ يَذْبَحُ، أَوْ يَنْحَرُ بِالْمُصَلَّى). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد تقدّم كثير منهم قبل باب. "وشعيب": هو ابن الليث بن سعد، شيخه. و"كثير بن فرقد": هو المدنيّ، نزيل مصر، ثقة [٧]. ومن لطائف الإسناد أنه مسلسل بالمصريين إلى كثير، والباقيان مدنيان. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عن نافع) مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه (أن عبد الله) بن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنهما (أخبره أن رسول الله ﷺ كَانَ يذبح) أي شاته، أو نحوها (أو) للتخيير، أي تارة يفعل هَذَا، وتارةً يفعل هَذَا (ينحر) أي بعيره (بالمصلى) بصيغة اسم المفعول، أي بالموضع الذي يصلّي فيه العيد. قَالَ فِي "الفتح" ١١/ ١٢٢ - ١٢٣: قَالَ ابن بطال: هو سنة للإمام خاصة، عند مالك، قَالَ مالك -فيما رواه بن وهب-: إنما يفعل ذلك؛ لئلا يذبح أحد قبله، زاد المهلب: وليذبحوا بعده عَلَى يقين، وليتعلموا منه صفة الذبح. وَقَالَ ابن التين: هو

стр. 16337

مذهب مالك، أن الإِمام يُبْرِز أضحيته للمصلى، فيذبح هناك، وبالغ بعض أصحابه، وهو أبو مصعب، فَقَالَ: منْ لم يَفعَل ذلك لم يؤتم به. وَقَالَ ابن العربي: قَالَ أبو حنيفة، ومالك: لا يذبح حَتَّى يذبح الإِمام، إن كَانَ ممن يذبح، قَالَ: ولم أر له دليلًا. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا أخرجه البخاريّ، وتقدم فِي "كتاب العيد" ٣٠/ ١٥٨٩ - "ذبح الإِمام يوم العيد، وعدد ما يَذبح"، وتقدم هناك شرحه، وتخريجه، فلتراجعه، تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٦٩ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُثْمَانَ النُّفَيْلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَحَرَ يَوْمَ الأَضْحَى بِالْمَدِينَةِ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ إِذَا لَمْ يَنْحَرْ يَذْبَحُ بِالْمُصَلَّى). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عليّ بن عثمان النُّفيلي" -بنون، وفاء، مصغّرًا-: هو الحرّانيّ، لا بأس به [١١] ٣٨/ ٥٨٢. و"سعيد بن عيسى" بن سعيد بن تَلِيد: هو الرُّعَينيّ الْقِتْبَانيّ المصريّ، ثقة، فقيهٌ، منْ قُدماء [١٠] ٣٨/ ٥٨٢. و"الْمُفَضَّل بن فَضَالة": هو الْقِتبانيّ، أبو معاوية القاضي المصريّ، ثقة فاضلٌ عابدٌ [٨] ٤٢/ ٥٨٦. و"عبد الله بن سليمان": هو ابن زرعة الْحِمْيريّ، أبو حمزة المصريّ الطويل، صدوقٌ، يُخطىء [٦]. روى عن كعب بن علقمة، ونافع مولى ابن عمر، وإسماعيل بن يحيى المعافري، وسعيد بن أبي هلال، ودَرّاج أبي السمح، وعنه المفضل بن فضالة، ويحيى بن أيوب، وعمرو بن الحارث، والليث بن سعد، وضمام بن إسماعيل، وسعيد بن أبي أيوب، وعبد الله بن عياش بن عباس المصريون. قَالَ أبو همام، الوليد بن شجاع، عن ابن وهب: سمعت حيوة بن شريح، يحدث عن عبد الله بن سليمان، وكانوا يرون أنه منْ الأبدال. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ فيه البزار: إنه حدّث بأحاديث لم يتابع عليها. قَالَ ابن يونس: يقال: توفي سنة ست وثلاثين ومائة. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط. وقوله: "إذا لم ينحر" يعني البدن. وقوله: "يذبح" يعني الشاة، ونحوها. والحديث صحيح، وهو بهذا السياق منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٣/ ٤٣٦٩ - وفي "الكبرى" ٣/ ٤٤٥٧. وَقَدْ سبق البحث فيه فِي الذي قبله. والله

стр. 16338

تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب". … ٤ - (ذَبْحُ النَّاسِ بِالْمُصَلَّى) ٤٣٧٠ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ، قَالَ: شَهِدْتُ أَضْحَى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ رَأَى غَنَمًا، قَدْ ذُبِحَتْ، فَقَالَ: "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَلْيَذْبَحْ شَاةً مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ، فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ "). رجال هَذَا الإسناد: أربعة: ١ - (هنّاد بن السريّ) التميمي، أبو السري الكوفيّ، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٥. ٢ - (أبو الأحوص) سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة متقن [٧] ٧٩/ ٩٦. ٣ - (الأسود بن قيس) العبديّ البجليّ، أبو قيس الكوفيّ، ثقة [٤] ١٥/ ١٤٨٤. ٤ - (جندب بن سفيان) هو جندب بن عبد الله بن سفيان الْبَجَليّ، ثم الْعَلَقيّ، أبو عبد الله الصحابيّ رضي الله تعالى عنه، نسب هنا لجدّه، مات رضي الله تعالى عنه بعد الستّين، وتقدّمت ترجمته فِي ٢/ ٣٩٩٩. والله تعالى أعلم. (منها): أنه منْ رباعيات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (٢٠٨) منْ رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عن جندب بن سفيان) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ شهدت) بكسر الهاء (أضحى) جمع أضحاة، كأرطاة وأرطى، أي وقت ذبح الأضحية، وفي رواية البخاريّ: "شهدت النبيّ ﷺ يوم النحر … " (مع رسول الله ﷺ فصلى بالناس) أي صلاة العيد (فلما قضى الصلاة) أي سلّم منها (رأى غنما قد ذُبحت) بالبناء للمفعول، ولفظ البخاريّ فِي "كتاب الذبائح": "ضحّينا مع رسول الله ﷺ أضحاةً، ذات يوم، فإذا أناسٌ، قد ذبحوا ضحاياهم قبل الصلاة، فلما انصرف، رآهم النبيّ ﷺ أنهم قد ذبحوا قبل الصلاة، قَالَ: منْ ذبح … " الْحَدِيث (فَقَالَ منْ ذبح قبل الصلاة فليذبح شاة مكانها) أي بدلها؛ لعدم

стр. 16339

إجزائها، حيث وقعت قبل وقتها. ولفظ البخاريّ: "فليُعد مكانها أُخرى" (ومن لم يكن ذبح فليذبح عَلَى اسم الله وفي رواية أبي عوانة: "ومن كَانَ لم يذبح حَتَّى صلّينا، فليذبح عَلَى اسم الله"، وفي رواية لمسلم: "فليذبح باسم الله"، أي فليذبح قائلًا باسم الله، أو مسمّيًا، والجارّ والمجرور متعلق بمحذوف، وهو حال منْ الضمير فِي قوله: "فليذبح"، وهذا أولى ما حُمِل عليه الْحَدِيث، وصححه النوويّ، ويؤيده ما فِي حديث أنس رضي الله تعالى عنه: "وسمّى، وكبر". وَقَالَ عياض: يحتمل أن يكون معناه: فليذبح لله، والباء تجىء بمعنى اللام، ويحتمل أن يكون معناه: بتسمية الله، ويحتمل أن يكون معناه: متبركا باسمه، كما يقال: سِرّ عَلَى بركة الله، ويحتمل أن يكون معناه: فليذبح بسنة الله، قَالَ: وأما كراهة بعضهم افعَلْ كذا عَلَى اسم الله؛ لأنّ اسمه عَلَى كل شيء، فضعيف. قَالَ الحافظ: ويحتمل وجها خامسا، أن يكون معنى قوله: "بسم الله"، مطلق الإذن فِي الذبيحة حينئذ؛ لأن السياق يقتضي المنع قبل ذلك، والأذن بعد ذلك، كما يقال للمستأذن: بسم الله، أي ادخل. وَقَدْ استدل بهذا الأمر، فِي قوله: "فليذبح مكانها أخرى"، منْ قَالَ بوجوب الأضحية، قَالَ ابن دقيق العيد: صيغة "منْ" فِي قوله: "منْ ذبح"، صيغة عموم، فِي حق كل منْ ذبح قبل أن يصلي، وَقَدْ جاءت لتأسيس قاعدة، وتنزيلُ صيغة العموم، إذا وردت لذلك عَلَى الصورة النادرة يستنكر، فإذًا بعد تخصيصه بمن نذر أضحية معينة، بقي التردد هل الأولى حمله عَلَى منْ سبقت له أضحية معينة، أو حمله عَلَى ابتداء أضحية، منْ غير سبق تعيين، فعلى الأول يكون حجة لمن قَالَ بالوجوب، عَلَى منْ اشترى الأضحية، كالمالكية، فإن الأضحية عندهم تجب بالتزام اللسان، وبنية الشراء، وبنية الذبح. وعلى الثاني يكون لا حجة (١) لمن أوجب الضحية مطلقا، لكن حصل الانفصال ممن لم يقل بالوجوب، بالأدلة الدالة عَلَى عدم الوجوب، فيكون الأمر للندب. واستدل به منْ اشترط تقدم الذبح منْ الإِمام، بعد صلاته، وخطبته؛ لأن قوله: "منْ ذبح قبل أن يصلي، فليذبح مكانها أخرى"، إنما صدر منه بعد صلاته، وخطبته، وذبحه، فكأنه قَالَ: منْ ذبح قبل فعل هذه الأمور، فليُعِد، أي فلا يعتمد بما ذبحه. قَالَ ابن دقيق العيد: وهذا استدلال غير مستقيم؛ لمخالفته التقييد بلفظ الصلاة، والتعقيب بالفاء. قاله فِي "الفتح" ١٣/ ١٣٧ - ١٣٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع

стр. 16340

والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث حديث جندب بن سفيان رضي الله تعالى عنه هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤/ ٤٣٧٠ و١٧/ ٤٤٠٥ - وفي "الكبرى" ٤/ ٤٤٥٨ و١٧/ ٤٤٨٤. وأخرجه (خ) فِي "العيدين" ٩٨٥ و"الذبائح" ٥٥٠٠ و"الأضاحي" ٥٥٦٢ و"الأيمان والنذور" ٦٦٧٤ و"التوحيد" ٧٤٠٠ (م) فِي "الأضاحي" ٥٠٣٧ و٥٠٣٨ و٥٠٣٩ و٥٠٤٠ (ق) فِي "الأضاحي" ٣١٥٢. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعيّة ذبح النَّاس بمصلّى العيد. (ومنها): مشروعيّة صلاة العيد. (ومنها): أن السنّة صلاة العيد بالمصلّى المعدّ لها خارج المسجد، ولا تُصلّى فِي المسجد، إلا للضرورة. (ومنها): عدم جواز ذبح الأضحيّة قبل الصلاة، فلو ذبح لزمه استبدالها بغيرها، وسيأتي بيان اختلاف العلماء فِي وقتها دخولًا، وخروجًا بعد اثني عشر بابًا -١٧/ ٤٣٩٦ - إن شاء الله تعالى. (ومنها): أنه لا يذبح قبل الإِمام، وفيه اختلاف بين العلماء سيأتي بيانه فِي الباب المذكور، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب" … ٥ - (بابُ مَا نِهُيَ عَنهُ مِن الأَضَاحِي (الْعَوْرَاءُ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الْعَوْراءُ" بفتح العين المهملة، والمدّ تأنيث الأعور، يقال: عَوِرت العينُ عَوَرًا، منْ باب تَعِبَ: إذا نقصت، أو غارت. قاله الفيّوميّ. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٣٧١ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَوْلَى بَنِي أَسَدٍ، عَنْ أَبِي الضَّحَّاكِ، عُبَيْدِ بْنِ فَيْرُوزَ، مَوْلَى بَنِي شَيْبَانَ، قَالَ:

стр. 16341

قُلْتُ لِلْبَرَاءِ: حَدِّثْنِي عَمَّا نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الأَضَاحِي، قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَيَدِي أَقْصَرُ مِنْ يَدِهِ، فَقَالَ: "أَرْبَعٌ لَا يَجُزْنَ: الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا، وَالْكَسِيرَةُ الَّتِي لَا تُنْقِي"، قُلْتُ: إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ فِي الْقَرْنِ نَقْصٌ، وَأَنْ يَكُونَ فِي السِّنِّ نَقْصٌ، قَالَ: مَا كَرِهْتَهُ فَدَعْهُ، وَلَا تُحَرِّمْهُ عَلَى أَحَدٍ). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (إسماعيل بن مسعود) الْجَحْدريّ البصريّ ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧، منْ أفراد المصنّف. ٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإِمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧. ٤ - (سليمان بن عبد الرحمن) بن عيسى، ويقال: سليمان بن يسار، ويقال: سليمان بن أنس بن عبد الرحمن، الدمشقي، أبو عمرو، ويقال: أبو عمر مولى بني أسد بن خزيمة، ويقال: مولى بني أمية، ويقال: غير ذلك، خراساني الأصل، حديثه فِي المصريين، ثقة [٦]. روى عن القاسم أبي عبد الرحمن، وعُبيد بن فيروز، ونافع بن كيسان، وعنه عمرو بن الحارث، ويزيد بن أبي حبيب، والليث، وابن لهيعة، وزيد بن أبي أنيسة، ومعاوية بن صالح فيما قيل. وَقَالَ ابن المبارك، عن شعبة، كَانَ حسن النحو. وَقَالَ أحمد: ما أحسن حديثه فِي الضحايا. وَقَالَ ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة، زاد أبو حاتم: صدوق عن البراء، مستقيم الْحَدِيث، لا بأس به. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ العجليّ: ثقة وَقَالَ ابن المديني فِي "العلل": لم يسمع منْ عبيد بن فيروز. وَقَالَ الحاكم فِي "المستدرك" أظهر علي بن المديني فضله وإتقانه (١). روى له الأربعة، وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط وأعاده فِي البابين التاليين. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله ابن المدينيّ منْ أنه لم يسمع منْ عبيد بن فيروز يرده ما سيأتي فِي الباب التالي منْ تصريح سليمان بسماعه منْ عُبيد بن فيروز، فليُتأمّل. والله تعالى أعلم. و"أبو الضَحّاك، عُبيد بن فَيْرُوز" الشيبانيّ مولاهم الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقة [٣]. روى عن البراء بن عازب، وعنه سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي الكبير، والقاسم أبو عبد الرحمن. قَالَ أبو حاتم، والنسائي: ثقة، زاد أبو حاتم: لا بأس به. وذكره بن حبّان فِي

стр. 16342

"الثقات". روى له الأربعة حديثا واحدًا فِي "الأضحية" صححه الترمذي، وأعاده المصنّف فِي البابين التاليين. انتهى "تهذيب التهذيب" ٣/ ٣٨ - ٣٩. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده، وسليمان، وأبي الضحاك، فمن رجال الأربعة. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عن أي الضحاك عبيد بن فيروز مولى بني شيبان) أنه (قَالَ: قلت للبراء) بن عازب رضي الله تعالى عنهما (حدثني) فعل أمر منْ التحديث (عما نهى رسول الله ﷺ منْ الأضاحي) بفتح الهمزة، وتشديد التحتانيّة، وتُخفّف، جمع أضحيّة، بضم الهمزة، وكسرها (قَالَ) البراء رضي الله تعالى عنه (قام رسول الله ﷺ ويدي أقصر منْ يده) ولفظ أبي داود: "وأصابعي أقصر منْ أصابعه، وأناملي أقصر منْ أنامله"، وإنما قَالَ ذلك تأدّبًا (فَقَالَ) ﷺ بأصابعه الأربعة (أربع) منْ الأنعام (لا يَجُزْن) بفتح أوله، وضمّ الجيم، منْ الجواز، ويحتمل أن يكون بضم أوله، منْ الإجزاء (العوراء البَيّن) بفتح الموحّدة، وتشديد التحتانيّة، فعيلٌ بمعنى فاعل، أي الظاهر (عورها) بالعين، والواو المفتوحتين، وهو مرفوع عَلَى الفاعلية لـ"بيّن"، والعَوَرُ: ذَهاب بصر إحدى العينين، أي التي يكون عَوَرها ظاهرًا. قَالَ ابن قُدامة رحمه الله تعالى فِي "المغني" ١٣/ ٣٦٩ - : ومعنى "العوراء البيّن عورها": التي قد انخسفت عينها، وذهبت؛ لأنها قد ذهبت عينها، والعين عضو مستطابٌ، فإن كَانَ عَلَى عينها بياضٌ، ولم تذهب، جازت التضحية بها؛ لأن عورها ليست ببيّن، ولا ينقُص ذلك لحمها. انتهى. (والمريضة البين مرضها) وهي التي لا تعتلف، قاله القاري. وَقَالَ فِي "المغني": وأما المريضة التي لا يرجى برؤها، فهي التي بها مَرَض، قد يُئِسَ منْ زواله؛ لأن ذلك يَنقُصُ لحمها، وقيمتها نقصا كبيرًا، والذي فِي الْحَدِيث: "المريضة الْبَيِّنُ مرضها": وهي التي يتبيّن أثره عليها؛ لأن ذلك ينقص لحمها، ويفسده، وهو أصح. وذكر القاضي: أن المراد بالمريضة الْجَرْباء؛ لأن الْجَرَب يفسد اللحم، ويُهزِل إذا كثر، وهذا قول أصحاب الشافعيّ. وهذا تقييد للمطلق، وتخصيص للعموم، بلا دليل، فالمعنى يقتضي العموم، كما يقتضيه اللفظ، فإن كَانَ المرض يفسد اللحم، وينقصه، فلا معنى للتخصيص، مع عموم اللفظ والمعنى. انتهى. (والعرجاء) تأنيث الأعرج، يقال: عَرِج فِي مشيه عَرَجًا، منْ باب تَعِبَ: إذا كَانَ منْ علّة لازمة، فهو أعرج، والأنثى عرْجاء، فإن كَانَ منْ علّة غير لازمة، بل منْ شيء

стр. 16343

أصابه حَتَّى غَمَرَ فِي مشيه قيل: عَرَجَ يعرُجُ، منْ باب قتل، فهو عارجٌ. قاله الفيّوميّ (البين ظلعها) قَالَ بسكون اللام، ويفتح: أي عرجها، وهو أن يمنعها منْ المشي. قَالَ الفيّوميّ: ظَلَع البعير، والرَّجُلُ ظلعًا، منْ باب نفَعَ: غَمَزَ فِي مشيه، وهو شَبيه بالْعَرَج، ولهذا يقال: هو عرج يسير. انتهى. وَقَالَ السنديّ فِي "شرحه" ٧/ ٢١٤: المشهور عَلَى ألسنة أهل الْحَدِيث فتح الظاء، والسلام، وضبطه أهل اللغة بفتح الظاء، وسكون اللام، وهو العرج. قلت: كأن أهل الْحَدِيث راعوا مشاكلة العَوَر، والْمَرَض. والله تعالى أعلم. انتهى. وَقَالَ فِي "المغني" ١٣/ ٣٧٠: وأما العرجاء البيّن عرجُها، فهي التي بها عَرَجٌ فاحش، وذلك يمنعها منْ اللَّحَاق بالغنم، فتسبقها إلى الكلأ، فَيَرْعَينَه، ولا تدركهنّ، فينقص لحمها، فإن كَانَ عرجًا يسيرًا لا يفضي بها إلى ذلك أجزأت. انتهى. (والكسيرة) بفتح الكاف، وكسر السين المهملة، قَالَ ابن الأثير: الكسيرة البيّنة الكسر: أي المنكسرة الرِّجْل التي لا تقدر عَلَى المشي، فعيل بمعنى مفعول. انتهى. وذكر فِي الرواية الآتية بعد باب بدل "الكسيرة": "الْعَجْفَاء"، ولفظه: "والعجفاءُ التي لا تنقي"، وهي المهزولة، وهذه الرواية أظهر فِي المعنى (التي لا تُنقي) بضمّ أوله، منْ أنقى: إذا صار ذا نِقْي، -بكسر النون، وإسكان القاف-، وهو المُخ، فالمعنى: ما بقي لها مُخٌّ منْ غاية العَجَف. وَقَالَ فِي "المغني": والعجفاء: المهزولة، التي لا تُنقِي، وهي التي لا مُخّ لها فِي عظامها؛ لهزالها، والنِّقْيُ المخ، قَالَ الشاعر: لا تَشْكِيَنَّ عَمَلًا مَا أَنْقَيْنّ … مَا دَامَ مُخٌّ فِي سُلَامَى أَوْ عَيْن فهذه، لا تجزىء؛ لأنها لا لحم فيها، إنما هي عظام مجتمعة. انتهى. (قلت: إني أكرَه) بفتح الراء (أن يكون فِي القرن نقص، وأن يكون فِي السنن نقص) أي أكره النقص الذي فِي القرن، والسنّ مانعًا منْ التضحية (قَالَ) البراء رضي الله تعالى عنه (ما كرهته فدعه) أي اترك التضحية به (و) لكن (لا تحزمه) بتشديد الراء، منْ التحريم (عَلَى أحد) قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: المراد لا تقل: إنها لا تجوز عن أحد، وإلا فلا يُتصوّر التحريم، فليُتأمّل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيح. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

стр. 16344

أخرجه هنا -٥/ ٤٣٧١ و٦/ ٤٣٧٢ و٧/ ٤٣٧٣ - وفي "الكبرى" ٥/ ٤٤٥٩ و٦/ ٤٤٦٥ و٧/ ٤٤٦١. وأخرجه (د) فِي "الضحايا" ٢٨٠٢ (ت) فِي "الأضاحي" ١٤٩٧ (ق) ٣١٤٤. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان ما لا يجوز أن يُضحّى به، وهي العوراء الظاهر عورها، والمريضة البيّن مرضها، والعرجاء البيّن عرَجها، والمكسورة التي لا تذهب إلى المرعى، فتكون مهزولة غاية الهُزال. (ومنها): ما كَانَ عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم منْ سلوك مسلك الأدب حينما يحكون أفعال النبيّ ﷺ ، وأحواله، فإن البراء رضي الله تعالى عنه لَمّا أراد يحكي فعله ﷺ حينما يشير بأصابعه إلى الأشياء المنهيّ عنها فِي الأضحيّة خشي أن يتوهم السامع أنه يده، وأصابعه ﷺ مثل أصابعه، فَقَالَ: يدي أقصر منْ يده ﷺ ، وأصابعي أقصر منْ أصابعه. (ومنها): أنه يدلّ قول البراء رضي الله تعالى عنه: "فما كرهت فدعه" إلى أنه لا ينبغي للشخص أن يتقرب فِي الأضاحي بما هو معيب عنده، وإن لم يرد النصّ بكونه عيبًا؛ لأن التقرّب لابدّ أن يكون بما يراه المتقرّب طيّبًا؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تيمّمُوا الخبِيث مِنْهُ تُنفِقُون ولستُم بِآخِذِيهِ إِلّا أن تُغمِضُوا فِيهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧]. (ومنها): أنه يدلّ قول البراء رضي الله تعالى عنه أيضًا: "ولا تُحرّمه عَلَى أحد" أنه لا يحرُم منْ أنواع الأضحيّة التي بها عيبٌ، إلا ما نصّ الشارع بالنهي عن التضحية به، فكلّ لم يصحّ به النهي لا يمنع منْ التضحية به، وإن كَانَ فيه عيبٌ، وان كَانَ الأولى أن لا يُضحّي به. ولا خلاف بين أهل العلم -قاله ابن قُدامة رحمه الله تعالى- فِي أن الأربعة المذكورة فِي حديث البراء رضي الله تعالى عنه تمنع الإجزاء منْ التضحية بها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٦ - (بَابُ الْعَرْجَاءِ) ٤٣٧٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَيَحْيَى، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَأَبُو الْوَلِيدِ، قَالُوا: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ فَيْرُوزَ، قَالَ: قُلْتُ لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: حَدِّثْنِي مَا كَرِهَ، أَوْ

стр. 16345

نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الأَضَاحِيِّ، قَالَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ، هَكَذَا بِيَدِهِ، وَيَدِي أَقْصَرُ مِنْ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "أَرْبَعَةٌ لَا يَجْزِينَ فِي الأَضَاحِي، الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا، وَالْكَسِيرَةُ الَّتِي لَا تُنْقِي"، قَالَ: فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ نَقْصٌ فِي الْقَرْنِ وَالأُذُنِ، قَالَ: فَمَا كَرِهْتَ مِنْهُ فَدَعْهُ، وَلَا تُحَرِّمْهُ عَلَى أَحَدٍ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، غير سليمان، وعبيد. و"محمد بن جعفر": هو غُندر. و"أبو داود": هو سليمان بن داود الطيالسيّ. و"يحيى": هو ابن سعيد القطّان. و"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"ابن أبي عديّ": هو محمد بن إبراهيم. و"أبو الوليد": هشام بن عبد الملك الطيالسيّ. وقوله: "أو نهى" "أو" فيه للشكّ منْ الراوي. وقوله: "لا يَجْزِين" بفتح أوّله، منْ جزى يَجْزِي، ويجوز أن يكون بضمّ أوله أيضًا، منْ الإجزاء. قَالَ الفيّوميّ رحمه الله تعالى: جزى الأمرُ يَجزي جَزَاءً، مثلُ قضى يَقضِي قَضَاءً، وزنًا ومعنًى، وفي التنزيل: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ الآية [البقرة: ٤٨ و١٢٣]. وفي الدعاء: "جزاه الله خَيْرًا": أي قضاه له، وأثابه عليه، وَقَدْ يُستعمل أجزأ بالألف والهمزة بمعنى "جزى"، ونقلهما الأخفش بمعنًى واحدٍ، فَقَالَ: الثلاثيّ منْ غير همز لغة الحجاز، والرباعيّ المهموز لغة تميم. وجازيته بذنبه: عاقبته عليه، وجزيت الدين: قضيته، ومنه قوله ﷺ لأبي بُردة بن نِيَار رضي الله تعالى عنه لمّا أمره أن يُضحّي بجذعة منْ المعز: "ولن تَجزي عن أحد بعدك "، قَالَ الأصمعيّ: أي ولن تَقضي، وأجزأت الشاة بالهمزة: بمعنى قضت، لغةٌ حكاها ابن القطّاع. وأما أجزأ بالألف والهمز، فبمعنى أغنى. انتهى المقصود منْ كلام الفيّوميّ. والحديث صحيح، وَقَدْ سبق شرحه، وبيان مسائله، فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٧ - (بَابُ الْعَجْفَاءِ) ٤٣٧٣ - (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَذَكَرَ آخَرَ، وَقَدَّمَهُ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُمْ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ

стр. 16346

فَيْرُوزَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ، وَأَصَابِعِي أَقْصَرُ مِنْ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يُشِيرُ بِأَصْبُعِهِ، يَقُولُ: "لَا يَجُوزُ مِنَ الضَّحَايَا الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِى"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه: "سليمان بن داود": هو أبو الربيع المَهْريّ المصريّ ابن أخي رِشْدين بن سعد، فإنه تفرّد به هو، وأبو داود، وهو ثقة. و"ابن وهب": هو عبد الله، أبو محمد القرشيّ مولاهم المصريّ الثقة الحافظ العابد. و"عمرو بن الحارث": هو أبو أيوب المصريّ الثقة الثبت الفقيه. و"الليث بن سعد": هو الإِمام الحجة الثبت المصريّ. وقوله: "وذكر آخر الخ الضمير لابن وهب، أي ذكر ابن وهب شيخًا آخر مع عمرو بن الحارث، والليث بن سعد، وقدّم ذلك الشيخ عليهما، ولعل الشيخ الآخر هو يزيد بن أبي حبيب، فقد أخرجه الترمذيّ فِي "الجامع" محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سليمان بنحوه. وقوله: "والعجفاء": أي المهزولة. والحديث صحيح، وَقَدْ سبق البحث عنه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٨ - (الْمُقَابَلَةِ، وَهِيَ مَا قُطِعَ طَرَفُ أُذُنِهَا) ٤٣٧٤ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ -وَهُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ- عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ عَلِيٍّ رضى الله عنه، قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالأُذُنَ، وَأَنْ لَا نُضَحِّيَ بِمُقَابَلَةٍ، وَلَا مُدَابَرَةٍ، وَلَا بَتْرَاءَ، وَلَا خَرْقَاءَ). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن آدم) بن سليمان الْجُهَنيّ المصّيصيّ، صدوقٌ [١٠] ٩٣/ ١١٥.

стр. 16347

٢ - (عبد الرحيم بن سُليمان) أبو عليّ الأشلّ المروزيّ، نزيل الكوفة، ثقة، له تصانيف، منْ صغار [٨] ٥٧/ ٢٣٠٥. ٣ - (زكريا بن أبي زائدة) خالد، ويقال: هُبيرة بن ميمون بن فيروز الْهَمدْاني الوادعي، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة، يدلس، وسماعه منْ أبي إسحاق بآخره [٦] ٩٣/ ١١٥. ٤ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد، اختلط بآخره [٣] ٣٨/ ٤٢. ٥ - (شُريح بن النعمان) الصائديّ الكوفيّ، صدوق [٣]. روى عن علي، وعنه ابنه سعيد، وسعيد بن عمرو بن أشوع، وأبو إسحاق السبيعي، وَقَالَ كَانَ رجل صدق، وقيل: إنه لم يسمع منه، وإنما سمع منْ ابن أشوع عنه، قَالَ ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، وعن هبيرة بن يَرِيم؟. قَالَ: ما أقربهما، قلت: يُحتج بحديثهما؟ قَالَ: لا، هما شبه المجهولين. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". قَالَ البخاريّ: لَمّا ذكر هَذَا الْحَدِيث، لم يثبت رفعه. وَقَالَ ابن سعد: كَانَ قليل الْحَدِيث. انتهى "تهذيب التهذيب" ٢/ ١٦٢. روى له الأربعة، حديثا واحدًا فِي الأضحية، وكرره المصنّف أربع مرّات. ٦ - (علي) بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ٧٤/ ٩١ والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرد به هو وأبو داود، وشريح، فهو منْ رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين منْ زكريا. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عن علي) بن أبي طالب ﵁ أنه (قَالَ أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن) أي نتأمّل سلامتهما منْ آفة تكون بهما. وقيل: هو منْ الشُّرْفة، وهي خيار المال: أي أُمِرْنا أن نتخيّرها. قاله فِي "النهاية" ٢/ ٤٦٢. وَقَالَ السنديّ فِي "شرحه" ٧/ ٢١٦: قوله: "أن نستشرف العين والأذن": أي نبحث عنهما، ونتأمّل فِي حالهما؛ لئلّا يكون فيهما عيب. قَالَ السيوطيّ فِي "حاشية الترمذيّ": اختُلِف فِي المراد به، هل هو منْ التأمّل والنظر، منْ قولهم: استشرف: إذا نظر منْ مكان مرتفع، فإنه أمكن فِي النظر والتأمّل، أو هو تحرّي الأشرف، بأن لا يكون فِي عينه، أو أذنه نقصٌ. وقيل: المراد به كبر العضوين المذكورين؛ لأنه يدلّ عَلَى كونه أصلًا فِي جنسه. قَالَ الجوهريّ: أذُن شرفاءُ: أي طويلة، والقول الأول هو المشهور. انتهى. (وأن لا نُضَحّي) بضم أوله، وتشديد ثالثه، منْ التضحية (بمقابلة) -بفتح الباء

стр. 16348

الموحّدة-: فِي التي يُقطع منْ طرف أذنها شيء، ثم يُترك معلّقًا كأنه زَنَمَةٌ، واسم تلك السمة القُبْلَة، والإقبالة. قاله فِي "النهاية" ٤/ ٨ (ولا مدابرة) بفتح الموحّدة أيضًا: هي التي قُطع مُقدّم أُذنها، ثم تُرك كأنه زَنَمة (ولا بتراء) أي مقطوعة الذنب (ولا خرقاء) هي التي فِي أذنها خرقٌ مستديرٌ. زاد فِي رواية أبي داود منْ طريق زُهير، عن أبي إسحاق: قَالَ زهير: فقلت لأبي إسحاق: أذكر عضْبَاء؟ قَالَ: لا، قلت" فما المقابلة؟ قَالَ: يُقطع طرف الأذن، فقلت: فما المدابرة؟ قَالَ: يُقطع منْ مؤخّر الأذن، قلت: فما الشرقاء؛ قَالَ: تُشقّ الأذن، قلت: فما الخرقاء؛ قَالَ: تُخرّق أُذنها للسِّمَة. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث عليّ رضي الله تعالى عنه هَذَا ضعيف، لعنعنة أبي إسحاق السبيعيّ، فإنه مدلّس. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٨/ ٤٣٧٤ و٩/ ٤٣٧٥ و١٠/ ٤٣٧٦ و١١/ ٤٣٧٧ - وفي "الكبرى" ٨/ ٤٤٦٢ و٩/ ٤٤٦٣ و١٠/ ٤٤٦٤ و١١/ ٤٤٦٥. وأخرجه (د) فِي "الضحايا" ٢٨٠٤ (ت) فِي "الأضاحي" ١٤٩٨ (ق) فِي "الأضاحي" ٣١٤٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٩ - (الْمُدَابَرَةِ وَهِيَ مَا قُطِعَ مِنْ مُؤَخَّرِ أُذُنِهَا) ٤٣٧٥ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَكَانَ رَجُلَ صِدْقٍ، عَنْ عَلِيٍّ رضى الله عنه، قَالَ: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالأُذُنَ، وَأَنْ لَا نُضَحِّيَ بِعَوْرَاءَ، وَلَا مُقَابَلَةٍ، وَلَا مُدَابَرَةٍ، وَلَا شَرْقَاءَ، وَلَا خَرْقَاءَ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أبو داود": هو سليمان بن سيف الحرّانيّ. و"الحسن بن محمد بن أعين": هو أبو عليّ الجزريّ. و"زهير": هو ابن معاوية. وقوله: "ولا شرقاء": هي المشقوقة الأذن باثنين، يقال: شَرِقَت الشاة شَرَقًا، منْ

стр. 16349

باب تَعِبَ: إذا كانت مشقوقة الأذن باثنين، فهي شَرْقَاء، ويتعدّى بالحركة، فيقال: شَرَقَها شَرْقًا، منْ باب قتل: إذا شقّها، واسم السِّمَة الشَّرَقَةُ بالتحريك. قاله فِي "المصباح" ١/ ٣١٠ - ٣١١، و"النهاية" ٢/ ٤٦٦. والحديث سبق شرحه، وهو ضعيف؛ للعلّة المذكورة فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. … ١٠ - (الْخَرْقَاءِ، وَهِيَ الَّتِي تُخْرَقُ أُذُنُهَا) يقال: خَرِقت الشاةُ خَرَقًا، منْ باب تَعِبَ: إذا كَانَ فِي أُذنها خَرْق، وهو ثُقْبٌ مستدير، فهي خرقاء. قاله الفيّوميّ. ٤٣٧٦ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَاصِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضى الله عنه، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنْ نُضَحِّىَ بِمُقَابَلَةٍ، أَوْ مُدَابَرَةٍ، أَوْ شَرْقَاءَ، أَوْ خَرْقَاءَ، أَوْ جَدْعَاءَ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أحمد بن ناصح" بن موسى: هو الْمِصِّيصيّ، صدوق [١٠] ١٣٩/ ١١٠٢. وقوله: "أو جدعاء" -بجيم، ودال مهملة-: منْ الجدع، وهو قطع الأنف، أو الأذن، أو الشفة، وهو بالأنف أخصّ، فإذا أُطلق غلب عليه. والحديث ضعيف، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١١ - (الشَّرْقَاءِ، وَهِيَ مَشْقُوقَةُ الأُذُنِ) ٤٣٧٧ - (أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنِي

стр. 16350

زِيَادُ بْنُ خَيْثَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضى الله عنه: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "لَا يُضَحَّى بِمُقَابَلَةٍ، وَلَا مُدَابَرَةٍ، وَلَا شَرْقَاءَ، وَلَا خَرْقَاءَ، وَلَا عَوْرَاءَ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "هارون بن عبد الله": هو أبو موسى الحمّال الثقة الحافظ. و"شُجاع بن الوليد" بن قيس السكونيّ، أبو بدر الكوفيّ، صدوقٌ، ورعٌ، له أوهام [٩]. روى عن الأعمش، وموسى بن عقبة، وهاشم بن هاشم بن عتبة، وعمر بن محمد بن زيد العمري، وأبي خالد الدالاني، وزياد بن خيثمة، وزهير بن معاوية، وغيرهم. وعنه بقية بن الوليد، ومات قبله، وأحمد، وإسحاق، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وهارون الحمال، وغيرهم. قَالَ وكيع: سمعت سفيان يقول: ليس بالكوفة أعبد منه، وَقَالَ أحمد عن أبي نعيم: لقيت سفيان بمكة، فكان أول شيء سألني، كيف شجاع؟. وَقَالَ أحمد بن حنبل: كنت مع يحيى بن معين، فلقي أبا بدر، فَقَالَ له: اتّق الله، يا شيخ، وانظر هذه الأحاديث، لا يكون ابنك يعطيك، قَالَ أبو عبد الله: فاستحييت، وتنحيت ناحية. وَقَالَ المروذيّ: فقلت لأحمد: ثقة هو؟ قَالَ: أرجو أن يكون صدوقا. وَقَالَ حنبل: قَالَ أبو عبد الله: كَانَ أبو بدر شيخا صالحا صدوقا، كتبنا عنه قديما، قَالَ: ولقيه ابن معين يوما، فَقَالَ له: يا كذاب، فَقَالَ له الشيخ: إن كنتُ كذابا، وإلا فهتكك الله، قَالَ أبو عبد الله: فأظنّ دعوة الشيخ أدركته. وَقَالَ ابن خراش، عن محمد بن عبد الله الْمُخَرِّميّ: سئل وكيع عنه، فَقَالَ: كَانَ جارنا هاهنا، ما عرفناه بعطاء بن السائب، ولا المغيرة. وَقَالَ بن أبي خيثمة، عن ابن معين: شجاع بن الوليد ثقة. وَقَالَ العجليّ: كوفيّ ليس به بأس. وَقَالَ أبو حاتم: عبد الله بن بكر السهمي، أحبُّ إليّ منه، وهو شيخ ليس بالمتين، لا يحتج بحديثه. وَقَالَ مطين: مات سنة ثلاث ومائتين. وَقَالَ ابن سعد: مات سنة أربع ومائتين، فِي رمضان، وكان ورِعًا، كثير الصلاة. وَقَالَ أحمد بن كامل: مات سنة خمس ومائتين. وَقَالَ أبو زرعة: لا بأس به. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ: يروي عن إسماعيل بن أبي خالد، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، مات سنة (٤) أو (٢٠٥)، وأرخه سنة خمس البخاريُّ، وإسحاق الْقَرّاب، والكلاباذيّ، وغيرهم. وَقَالَ أبو حاتم: روى حديث قابوس فِي العرب، وهو منكر، وشجاع لين الْحَدِيث، إلا أنه عن محمد بن عمرو بن علقمة، روى أحاديث صحاحا، ونقل ابن خلفون عن ابن
следующие страницы →