← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 16346–16385 · переход к 16351.

стр. 16346

فَيْرُوزَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ، وَأَصَابِعِي أَقْصَرُ مِنْ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يُشِيرُ بِأَصْبُعِهِ، يَقُولُ: "لَا يَجُوزُ مِنَ الضَّحَايَا الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِى"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه: "سليمان بن داود": هو أبو الربيع المَهْريّ المصريّ ابن أخي رِشْدين بن سعد، فإنه تفرّد به هو، وأبو داود، وهو ثقة. و"ابن وهب": هو عبد الله، أبو محمد القرشيّ مولاهم المصريّ الثقة الحافظ العابد. و"عمرو بن الحارث": هو أبو أيوب المصريّ الثقة الثبت الفقيه. و"الليث بن سعد": هو الإِمام الحجة الثبت المصريّ. وقوله: "وذكر آخر الخ الضمير لابن وهب، أي ذكر ابن وهب شيخًا آخر مع عمرو بن الحارث، والليث بن سعد، وقدّم ذلك الشيخ عليهما، ولعل الشيخ الآخر هو يزيد بن أبي حبيب، فقد أخرجه الترمذيّ فِي "الجامع" محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سليمان بنحوه. وقوله: "والعجفاء": أي المهزولة. والحديث صحيح، وَقَدْ سبق البحث عنه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٨ - (الْمُقَابَلَةِ، وَهِيَ مَا قُطِعَ طَرَفُ أُذُنِهَا) ٤٣٧٤ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ -وَهُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ- عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ عَلِيٍّ رضى الله عنه، قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالأُذُنَ، وَأَنْ لَا نُضَحِّيَ بِمُقَابَلَةٍ، وَلَا مُدَابَرَةٍ، وَلَا بَتْرَاءَ، وَلَا خَرْقَاءَ). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن آدم) بن سليمان الْجُهَنيّ المصّيصيّ، صدوقٌ [١٠] ٩٣/ ١١٥.

стр. 16347

٢ - (عبد الرحيم بن سُليمان) أبو عليّ الأشلّ المروزيّ، نزيل الكوفة، ثقة، له تصانيف، منْ صغار [٨] ٥٧/ ٢٣٠٥. ٣ - (زكريا بن أبي زائدة) خالد، ويقال: هُبيرة بن ميمون بن فيروز الْهَمدْاني الوادعي، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة، يدلس، وسماعه منْ أبي إسحاق بآخره [٦] ٩٣/ ١١٥. ٤ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد، اختلط بآخره [٣] ٣٨/ ٤٢. ٥ - (شُريح بن النعمان) الصائديّ الكوفيّ، صدوق [٣]. روى عن علي، وعنه ابنه سعيد، وسعيد بن عمرو بن أشوع، وأبو إسحاق السبيعي، وَقَالَ كَانَ رجل صدق، وقيل: إنه لم يسمع منه، وإنما سمع منْ ابن أشوع عنه، قَالَ ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، وعن هبيرة بن يَرِيم؟. قَالَ: ما أقربهما، قلت: يُحتج بحديثهما؟ قَالَ: لا، هما شبه المجهولين. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". قَالَ البخاريّ: لَمّا ذكر هَذَا الْحَدِيث، لم يثبت رفعه. وَقَالَ ابن سعد: كَانَ قليل الْحَدِيث. انتهى "تهذيب التهذيب" ٢/ ١٦٢. روى له الأربعة، حديثا واحدًا فِي الأضحية، وكرره المصنّف أربع مرّات. ٦ - (علي) بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ٧٤/ ٩١ والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرد به هو وأبو داود، وشريح، فهو منْ رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين منْ زكريا. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عن علي) بن أبي طالب ﵁ أنه (قَالَ أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن) أي نتأمّل سلامتهما منْ آفة تكون بهما. وقيل: هو منْ الشُّرْفة، وهي خيار المال: أي أُمِرْنا أن نتخيّرها. قاله فِي "النهاية" ٢/ ٤٦٢. وَقَالَ السنديّ فِي "شرحه" ٧/ ٢١٦: قوله: "أن نستشرف العين والأذن": أي نبحث عنهما، ونتأمّل فِي حالهما؛ لئلّا يكون فيهما عيب. قَالَ السيوطيّ فِي "حاشية الترمذيّ": اختُلِف فِي المراد به، هل هو منْ التأمّل والنظر، منْ قولهم: استشرف: إذا نظر منْ مكان مرتفع، فإنه أمكن فِي النظر والتأمّل، أو هو تحرّي الأشرف، بأن لا يكون فِي عينه، أو أذنه نقصٌ. وقيل: المراد به كبر العضوين المذكورين؛ لأنه يدلّ عَلَى كونه أصلًا فِي جنسه. قَالَ الجوهريّ: أذُن شرفاءُ: أي طويلة، والقول الأول هو المشهور. انتهى. (وأن لا نُضَحّي) بضم أوله، وتشديد ثالثه، منْ التضحية (بمقابلة) -بفتح الباء

стр. 16348

الموحّدة-: فِي التي يُقطع منْ طرف أذنها شيء، ثم يُترك معلّقًا كأنه زَنَمَةٌ، واسم تلك السمة القُبْلَة، والإقبالة. قاله فِي "النهاية" ٤/ ٨ (ولا مدابرة) بفتح الموحّدة أيضًا: هي التي قُطع مُقدّم أُذنها، ثم تُرك كأنه زَنَمة (ولا بتراء) أي مقطوعة الذنب (ولا خرقاء) هي التي فِي أذنها خرقٌ مستديرٌ. زاد فِي رواية أبي داود منْ طريق زُهير، عن أبي إسحاق: قَالَ زهير: فقلت لأبي إسحاق: أذكر عضْبَاء؟ قَالَ: لا، قلت" فما المقابلة؟ قَالَ: يُقطع طرف الأذن، فقلت: فما المدابرة؟ قَالَ: يُقطع منْ مؤخّر الأذن، قلت: فما الشرقاء؛ قَالَ: تُشقّ الأذن، قلت: فما الخرقاء؛ قَالَ: تُخرّق أُذنها للسِّمَة. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث عليّ رضي الله تعالى عنه هَذَا ضعيف، لعنعنة أبي إسحاق السبيعيّ، فإنه مدلّس. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٨/ ٤٣٧٤ و٩/ ٤٣٧٥ و١٠/ ٤٣٧٦ و١١/ ٤٣٧٧ - وفي "الكبرى" ٨/ ٤٤٦٢ و٩/ ٤٤٦٣ و١٠/ ٤٤٦٤ و١١/ ٤٤٦٥. وأخرجه (د) فِي "الضحايا" ٢٨٠٤ (ت) فِي "الأضاحي" ١٤٩٨ (ق) فِي "الأضاحي" ٣١٤٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٩ - (الْمُدَابَرَةِ وَهِيَ مَا قُطِعَ مِنْ مُؤَخَّرِ أُذُنِهَا) ٤٣٧٥ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَكَانَ رَجُلَ صِدْقٍ، عَنْ عَلِيٍّ رضى الله عنه، قَالَ: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالأُذُنَ، وَأَنْ لَا نُضَحِّيَ بِعَوْرَاءَ، وَلَا مُقَابَلَةٍ، وَلَا مُدَابَرَةٍ، وَلَا شَرْقَاءَ، وَلَا خَرْقَاءَ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أبو داود": هو سليمان بن سيف الحرّانيّ. و"الحسن بن محمد بن أعين": هو أبو عليّ الجزريّ. و"زهير": هو ابن معاوية. وقوله: "ولا شرقاء": هي المشقوقة الأذن باثنين، يقال: شَرِقَت الشاة شَرَقًا، منْ

стр. 16349

باب تَعِبَ: إذا كانت مشقوقة الأذن باثنين، فهي شَرْقَاء، ويتعدّى بالحركة، فيقال: شَرَقَها شَرْقًا، منْ باب قتل: إذا شقّها، واسم السِّمَة الشَّرَقَةُ بالتحريك. قاله فِي "المصباح" ١/ ٣١٠ - ٣١١، و"النهاية" ٢/ ٤٦٦. والحديث سبق شرحه، وهو ضعيف؛ للعلّة المذكورة فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. … ١٠ - (الْخَرْقَاءِ، وَهِيَ الَّتِي تُخْرَقُ أُذُنُهَا) يقال: خَرِقت الشاةُ خَرَقًا، منْ باب تَعِبَ: إذا كَانَ فِي أُذنها خَرْق، وهو ثُقْبٌ مستدير، فهي خرقاء. قاله الفيّوميّ. ٤٣٧٦ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَاصِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضى الله عنه، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنْ نُضَحِّىَ بِمُقَابَلَةٍ، أَوْ مُدَابَرَةٍ، أَوْ شَرْقَاءَ، أَوْ خَرْقَاءَ، أَوْ جَدْعَاءَ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أحمد بن ناصح" بن موسى: هو الْمِصِّيصيّ، صدوق [١٠] ١٣٩/ ١١٠٢. وقوله: "أو جدعاء" -بجيم، ودال مهملة-: منْ الجدع، وهو قطع الأنف، أو الأذن، أو الشفة، وهو بالأنف أخصّ، فإذا أُطلق غلب عليه. والحديث ضعيف، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١١ - (الشَّرْقَاءِ، وَهِيَ مَشْقُوقَةُ الأُذُنِ) ٤٣٧٧ - (أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنِي

стр. 16350

زِيَادُ بْنُ خَيْثَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضى الله عنه: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "لَا يُضَحَّى بِمُقَابَلَةٍ، وَلَا مُدَابَرَةٍ، وَلَا شَرْقَاءَ، وَلَا خَرْقَاءَ، وَلَا عَوْرَاءَ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "هارون بن عبد الله": هو أبو موسى الحمّال الثقة الحافظ. و"شُجاع بن الوليد" بن قيس السكونيّ، أبو بدر الكوفيّ، صدوقٌ، ورعٌ، له أوهام [٩]. روى عن الأعمش، وموسى بن عقبة، وهاشم بن هاشم بن عتبة، وعمر بن محمد بن زيد العمري، وأبي خالد الدالاني، وزياد بن خيثمة، وزهير بن معاوية، وغيرهم. وعنه بقية بن الوليد، ومات قبله، وأحمد، وإسحاق، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وهارون الحمال، وغيرهم. قَالَ وكيع: سمعت سفيان يقول: ليس بالكوفة أعبد منه، وَقَالَ أحمد عن أبي نعيم: لقيت سفيان بمكة، فكان أول شيء سألني، كيف شجاع؟. وَقَالَ أحمد بن حنبل: كنت مع يحيى بن معين، فلقي أبا بدر، فَقَالَ له: اتّق الله، يا شيخ، وانظر هذه الأحاديث، لا يكون ابنك يعطيك، قَالَ أبو عبد الله: فاستحييت، وتنحيت ناحية. وَقَالَ المروذيّ: فقلت لأحمد: ثقة هو؟ قَالَ: أرجو أن يكون صدوقا. وَقَالَ حنبل: قَالَ أبو عبد الله: كَانَ أبو بدر شيخا صالحا صدوقا، كتبنا عنه قديما، قَالَ: ولقيه ابن معين يوما، فَقَالَ له: يا كذاب، فَقَالَ له الشيخ: إن كنتُ كذابا، وإلا فهتكك الله، قَالَ أبو عبد الله: فأظنّ دعوة الشيخ أدركته. وَقَالَ ابن خراش، عن محمد بن عبد الله الْمُخَرِّميّ: سئل وكيع عنه، فَقَالَ: كَانَ جارنا هاهنا، ما عرفناه بعطاء بن السائب، ولا المغيرة. وَقَالَ بن أبي خيثمة، عن ابن معين: شجاع بن الوليد ثقة. وَقَالَ العجليّ: كوفيّ ليس به بأس. وَقَالَ أبو حاتم: عبد الله بن بكر السهمي، أحبُّ إليّ منه، وهو شيخ ليس بالمتين، لا يحتج بحديثه. وَقَالَ مطين: مات سنة ثلاث ومائتين. وَقَالَ ابن سعد: مات سنة أربع ومائتين، فِي رمضان، وكان ورِعًا، كثير الصلاة. وَقَالَ أحمد بن كامل: مات سنة خمس ومائتين. وَقَالَ أبو زرعة: لا بأس به. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ: يروي عن إسماعيل بن أبي خالد، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، مات سنة (٤) أو (٢٠٥)، وأرخه سنة خمس البخاريُّ، وإسحاق الْقَرّاب، والكلاباذيّ، وغيرهم. وَقَالَ أبو حاتم: روى حديث قابوس فِي العرب، وهو منكر، وشجاع لين الْحَدِيث، إلا أنه عن محمد بن عمرو بن علقمة، روى أحاديث صحاحا، ونقل ابن خلفون عن ابن

стр. 16351

نمير، توثيقه. روى له الجماعة، وله فِي هَذَا الكتاب حديث الباب فقط. و"زياد بن خَيْثمة" الجعفيّ الكوفيّ، ثقة [٧]. روى عن أبي إسحاق السبيعي، ونعيم بن أبي هند، وسعد بن مجاهد الطائي، وسماك بن حرب، وعطية العوفي، ومجاهد، وثابت البناني، والأسود بن سعيد، وجماعة. وعنه أبو خيثمة الجعفي، وهشيم، وأبو بدر، ومحمد بن المُعَلَّى الكوفيّ، نزيل الرّيّ، وغيرهم. قَالَ ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وَقَالَ أبو حاتم: صالح الْحَدِيث. وَقَالَ أبو داود: زياد بن خيثمة قَرَابة زهير ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". روى له مسلم، والأربعة، وله فِي هَذَا الكتاب حديث الباب فقط. والحديث ضعيف، كما سبق الكلام فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٧٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَنَّ سَلَمَةَ -وَهُوَ ابْنُ كُهَيْلٍ- أَخْبَرَهُ، قَالَ: سَمِعْتُ حُجَيَّةَ بْنَ عَدِيٍّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا، يَقُولُ: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالأُذُنَ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيميّ. و"حُجيّة" -بضم الحاء المهملة، مصغّرًا، بوزن عُلَيّة- ابن عليّ الكنديّ، صدوق، يُخطىء [٣]. روى عن علي، وجابر، وعنه الحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل، وأبو إسحاق السبيعي. قَالَ ابن المديني: لا أعلم روى عنه إلا سلمة بن كهيل. وَقَالَ أبو حاتم: شيخ لا يحتج بحديثه، شيبة بالمجهول. وَقَالَ ابن سعد: كَانَ معروفا، وليس بذاك. وَقَالَ العجليّ: تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وروى الْبَرْقانيّ فِي اللفظ، منْ طريق شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء، وعن زيد بن وهب، أن سويد بن غَفَلَة دخل عَلَى علي فِي إمارته، فَقَالَ: يا أمير المؤمنين، إني مررت بنفر، يذكرون أبا بكر وعمر … الْحَدِيث، قَالَ البرقاني: أبو الزعراء هَذَا، هو حُجيّة بن عدي، وليس هو صاحب ابن مسعود، ذاك اسمه عبد الله بن هانىء. قَالَ الحافظ: ووثق أبو عبد الله، محمد بن إبراهيم الْبُوشَنجيّ أبا الزعراء المذكور، فِي الإسناد الماضي، فَقَالَ: هو ثقة مأمون. انتهى "تهذيب التهذيب" ج ١ ص ٣٦٦. روى له الأربعة، وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 16352

مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث عليّ رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١١/ ٤٣٧٨ - وفي "الكبرى" ١١/ ٤٤٦٦. وأخرجه (ت) فِي "الأضاحي" ١٥٠٣ (ق) فِي "الأضاحي" ٣١٤٣ (أحمد) فِي "مسند العشرة" ٥٩٩ و٨٢٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٢ - (بَابُ الْعَضْبَاءِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "العضباء" بفتح، فسكون، تأنيث الأعضب، يقال: عَضِبَت الشاة عَضَبًا، منْ باب تَعِبَ: إذا انكسر قرنها، وعَضِبت الشاة، والناقة أيضًا عَضَبًا: إذا شُقّ أذنها، فالذكر أعضب، والأنثى عَضْبَاء، مثلُ أحمر، وحمراء. وكانت ناقة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم تُلقَّب العضباء؛ لنجابتها، لا لشق أذنها. قاله الفيّوميّ. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٣٧٩ - (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ سُفْيَانَ -وَهُوَ ابْنُ حَبِيبٍ- عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ جُرَيِّ بْنِ كُلَيْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُضَحَّى، بِأَعْضَبِ الْقَرْنِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: نَعَمْ، إِلاَّ عَضَبَ النِّصْفِ، وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "جُريّ بن كُليب" -بالتصغير فيهما- السدوسيّ البصريّ، مقبول [٣]. روى عن عليّ، وبَشِير بن الخصاصيّة. وعنه قتادة، وكان يُثني عليه خَيْرًا. وَقَالَ همام، عن قتادة: حدّثني جُريّ بن كُليب، وكان منْ الأزارقة. وَقَالَ ابن المديني: مجهول، ما روى عنه غير قتادة. وَقَالَ أبو حاتم: شيخ، لا يُحتجّ بحديثه. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، بروايته عن عليّ، لكن جعله نَهْديّا. وَقَالَ العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقة. وصحّح الترمذيّ حديثه. روى له الأربعة حديث الباب فقط. وقوله: "بأعضب القرن": هي المكسورة القرن. وقوله: "فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب الخ"، وفي رواية أبي داود، منْ طريق هشام الدستوائيّ، عن قتادة، قَالَ: قلت

стр. 16353

لسعيد بن المسيّب: ما الأعضب؟، قَالَ النصف، فما فوقه. انتهى. وقوله: "إِلَّا عَضَبَ النصفِ الخ، هكذا وقع فِي النسخ المطبوعة، بلفظ "إلا" الاستثنائية، وإضافة عضب إلى النصف، وهو تصحيف فاحش، والصواب: "الأعضب النصف" فـ"أن" هي المعرفة، دخلت عَلَى "عَضْبٍ" بفتح، فسكون -وهو مضاف إلى "القرن"، وقوله: "وأكثر منْ ذلك" بالرفع عطفٌ عَلَى "النصفُ"، فتنبه. ومعنى كلام ابن المسيّب رحمه الله تعالى: أن الأعضب هي التي ذهب نصف قرنها، أو أكثر منْ ذلك، فلا يجوز التضحية بها. وسيأتي تحقيق الخلاف قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث عليّ رضي الله تعالى عنه هَذَا حسنٌ؛ وجُريّ بن كُليب، وإن قَالَ ابن المدينيّ، وأبو حاتم، تابعيّ، أثني عليه قتادة الراوي عنه، ووثقه العجليّ، وابن حبّان، وصحح الترمذيّ حديثه هَذَا، وصححه أيضًا الحاكم فِي "المستدرك" ٤/ ٢٢٤، ووافقه الذهبيّ، فأقلّ أحواله أن يكون حسن الْحَدِيث، وله شاهد منْ رواية جابر الجعفيّ، عن عبد الله بن نُجيّ، عن عليّ رضي الله تعالى عنه، أخرجه أحمد فِي "مسنده" ١/ ١٠٩، وجابر ضعيف. والحاصل أن الْحَدِيث حسنٌ. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٢/ ٤٣٧٩ - وفي "الكبرى" ١٢/ ٤٤٦٧. وأخرجه (د) فِي "الضحايا" ٢٨٠٥ (ت) فِي "الأضاحي" ١٥٠٤ (ق) فِي "الأضاحي" ٣١٤٥. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي اختلاف العلماء فِي التضحية بأعضب القرن: قَالَ ابن قُدامة فِي "المغني" ١٣/ ٣٧٠ - ٣٧١: وأما العضب، فهو ذهاب أكثرَ منْ نصف الأذن، أو القرن، وذلك يمنع الإجزاء أيضًا، وبه قَالَ النخعيّ، وأبو يوسف، ومحمد. وَقَالَ أبو حنيفة، والشافعي: تجزىء مكسورة القرن، ورُوي نحو ذلك عن علي، وعمار، وابن المسيب، والحسن. وَقَالَ مالك: إن كَانَ قرنها يَدْمَى لم يجز، وإلا جاز. وَقَالَ عطاء، ومالك: إذا ذهبت الأذن كلها لم يجز، وإن ذهب يسير جاز. واحتجوا بأن قول النبيّ ﷺ : "أربع لا تجوز فِي الأضاحي"، يدل عَلَى أن غيره يجزىء؛ ولأن فِي حديث البراء، عن عبيد بن فيروز، قَالَ: قلت للبراء: فإني أكره النقص منْ

стр. 16354

القرن، ومن الذنب، فَقَالَ: اكرَهْ لنفسك ما شئت، وإياك أن تضيق عَلَى النَّاس؛ ولأن المقصود اللحم، ولا يؤثر ذهاب ذلك فيه. واحتجّ الأولون بما روى علي ﵁ قَالَ: نهى رسول الله ﷺ أن يُضَحَّى بأعضب القرن والأذن، قَالَ قتادة: فسألت سعيد بن المسيب؛ فَقَالَ: نعم الْعَضْبُ النصف، فأكثر منْ ذلك. رواه الشافعيّ، وابن ماجه. وعن علي ﵁، قَالَ: أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن. رواه أبو داود، والنسائي، وهذا منطوق يقدم عَلَى المفهوم. انتهى كلام ابن قُدامة. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الأولون منْ عدم إجزاء التضحية بالأعضب هو الأرجح عندي؛ لحديث عليّ رضي الله تعالى عنه المذكور فِي الباب، وَقَدْ مرّ آنفاً أنه حديث حسن صالح للاحتجاج به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٣ - (الْمُسِنَّةُ، وَالْجَذَعَةُ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "المسنّة" بضم الميم، وكسر السين المهملة: اسم الفاعل منْ أسنّ: إذا نبت سنّه التي يصير بها مُسنّا، والبقر والشاة يقع عليهما اسم المسنّ، إذا أثنتا، فإذا سقطت ثنيّتهما بعد طلوعها، فقد أسنّت، وليس معنى إسنانها كِبَرَ سنّها كالرجل، ولكن معناه طلوع ثنيّتها، وتُثني البقرة فِي السنة الثالثة، وكذلك الْمِعْزَى تُثني فِي الثالثة، ثم تكون رباعية فِي الرابعة، ثم سِدْسًا فِي الخامسة، ثم سالِغًا فِي السادسة، وكذلك البقر فِي جميع ذلك. قاله فِي "اللسان" ١٣/ ٢٢٢. و"الجَذَعَة" -بفتحتين- أُنثى الْجَذَع، جمعها جَذَعات، مثلُ قَصَبَة وقَصَبَات، والْجَذَع -بفتحتين أيضًا: ما قبل الثنيّ، والجمع جِذَاع، مثلُ جبل وجبال، وجُذْعان، بضمّ الجيم، وكسرها، وأجذع ولد الشاة فِي السنة الثانية، وأجذع ولد البقرة، والحافر فِي الثالثة، وأجذع الإبل فِي الخامسة، فهو جذَعٌ. وَقَالَ ابن الأعرابيّ: الإجذاع وقتٌ، وليس بسنّ، فالعناق تُجذع لسنة، وربّما أجذعت قبل تمامها للخِصْب، فَتَسْمُنُ، فيُسرع إجذاعها، فهي جذعة، ومن الضأن إذا كَانَ منْ شابّين يُجذع لستّة أشهر إلى سبعة، وإذا كَانَ منْ هرمين أجذع منْ ثمانية إلى عشرة. ذكره فِي "المصباح" ١/ ٩٤.

стр. 16355

وَقَالَ فِي "الفتح" ١١/ ١٣١: اختلف القائلون بإجزاء الجذع منْ الضأن، وهم الجمهور، فِي سِنِّه عَلَى آراء: [أحدها]: أنه ما أكمل سنة، ودخل فِي الثانية، وهو الأصح عند الشافعية، وهو الأشهر عند أهل اللغة. [ثانيها]: نصف سنة، وهو قول الحنفية، والحنابلة. [ثالثها]: سبعة أشهر، وحكاه صاحب "الهداية" منْ الحنفية، عن الزعفراني. [رابعها]: ستة، أو سبعة، حكاه الترمذي عن وكيع. [خامسها]: التفرقة بين ما تولد بين شابين، فيكون له نصف سنة، أو بين هَرِمين، فيكون ابن ثمانية. [سادسها]: ابن عشر. [سابعها]: لا يجزي حَتَّى يكون عظيما، حكاه ابن العربي، وَقَالَ: إنه مذهب باطل، كذا قَالَ، وَقَدْ قَالَ صاحب "الهداية": إنه إذا كانت عظيمة، بحيث لو اختلطت بالثنيات، اشتبهت عَلَى الناظر منْ بعيد، أجزأت. وَقَالَ العبادي منْ الشافعية: لو أجذع قبل السنة: أي سقطت أسنانه، أجزأ كما لو تمت السنة قبل أن يجذع، ويكون ذلك كالبلوغ، إمّا بالسن، وإما بالاحتلام، وهكذا قَالَ البغوي: الجذع ما استكمل السنة، أو أجذع قبلها. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن القول الأول هو الأرجح؛ لشهرته عند أهل اللغة؛ لأن الشارع إنما يأمر بما هو متعارف عند أهل اللغة؛ إلا أن يكون هناك دليل يصرفه إلى غيره. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٣٨٠ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ -وَهُوَ ابْنُ أَعْيَنَ- وَأَبُو جَعْفَرٍ -يَعْنِي النُّفَيْلِيَّ- قَالَا: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَذْبَحُوا إِلاَّ مُسِنَّةً، إِلاَّ أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ، فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ"). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (سليمان بن سيف) الطائي مولاهم، أبو يحيى الحرّانيّ ثقة حافظ [١١] ١٠٣/ ١٣٦ منْ أفراد المصنّف. ٢ - (الحسن بن أعين) هو الحسن بن محمد بن أعين، نسب لجدّه، أبو علي الحرّانيّ، صدوق [٩] ١٦/ ٦٤٩. ٣ - (أبو جعفر النُّفَيلي) هو عبد الله بن محمد بن عليّ بن نُفيل الحرّانيّ ثقة حافظ، منْ كبار [١٠] ٧/ ٤٠٦. ٤ - (زُهير) بن معاوية بن حُدَيج، أبو خيثمة الجعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقة ثبت [٧] ٣٨/ ٤٢. ٥ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوق يدلس [٤] ٣١/ ٣٥. ٦ - (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَمي الصحابيّ ابن الصحابيّ

стр. 16356

رضي الله تعالى عنهما ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها). أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أن فيه جابرًا رضي الله تعالى عنه منْ المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ جَابِرٍ) بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَذْبَحُوا إِلاَّ مُسِنَّةً) اسم فاعل، منْ أسنّت: إذا طلع سنّها، وذلك بعد سنتين، لا منْ أسنّ الرجل: إذا كبر، وتقدم تمام البحث فيه قريبًا (إِلاَّ أَنْ يَعْسُرَ) بضم السين المهلمة، وكسرها، يقال: عسُر الأمر عَسَارة بالفتح، فهو عَسير، وعَسِر عَسَرًا، منْ باب تَعِبَ، فهو عَسِرٌ: إذا كَانَ صعبًا شديدًا (عَلَيْكُمْ، فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً) بفتحتين، قيل: هي منْ الضأن ما تمّ له سنة. وقيل: دون ذلك، وتقدّم بأتمّ منْ هَذَا فِي أول الباب (مِنَ الضَّأْنِ") قَالَ الفيّوميّ: الضأن ذوات الصوف، منْ الغنم، الواحدة ضائنة، والذكر ضائنٌ. قَالَ ابن الأنباريّ: الضأن مؤنّثةٌ، والجمع أضْؤُنٌ، مثلُ فلس وأفلُس، وجمع الكثرة ضَئِين، مثلُ كَرِيم. انتهى. وَقَالَ النوويّ فِي "شرح مسلم" ج: ١٣ ص: ١١٩ - ١٢٠ فِي شرح هَذَا الْحَدِيث: قَالَ العلماء: المسنة هى الثنية منْ كل شيء، منْ الإبل، والبقر، والغنم، فما فوقها، وهذا تصريح بأنه لا يجوز الجذع منْ غير الضأن، فِي حال منْ الأحوال، وهذا مجمع عليه، عَلَى ما نقله القاضي عياض، ونقل العبدري وغيره، منْ أصحابنا عن الأوزاعي، أنه قَالَ: يُجزي الجذع منْ الإبل والبقر والمعز والضأن، وحكى هَذَا عن عطاء، وأما الجذع منْ الضأن، فمذهبنا ومذهب العلماء كافة، يجزى، سواء وجد غيره أم لا، وحكوا عن ابن عمر، والزهري، أنهما قالا: لا يجزي، وَقَدْ يحتج لهما بظاهر هَذَا الْحَدِيث، قَالَ الجمهور: هَذَا الْحَدِيث محمول عَلَى الاستحباب والأفضل، وتقديره: يستحب لكم أن لا تذبحوا إلا مسنة، فإن عجزتم، فجذعة ضأن، وليس فيه تصريح بمنع جذعة الضأن، وأنها لا تجزىء بحال، وَقَدْ أجمعت، الأمة أنه ليس عَلَى ظاهره؛ لأن الجمهور يجوزون الجذع منْ الضأن، مع وجود غيره وعدمه، وابن عمر والزهرى يمنعانه، مع وجود غيره وعدمه، فتعين تأويل الْحَدِيث عَلَى ما ذكرنا منْ الاستحباب. والله أعلم. وأجمع العلماء عَلَى أنه لا تجزي الضحية بغير الإبل، والبقر، والغنم، إلا ما حكاه ابن

стр. 16357

المنذر، عن الحسن بن صالح، أنه قَالَ: تجوز التضحية ببقرة الوحش عن سبعة، وبالظبي عن واحد، وبه قَالَ داود فِي بقرة الوحش. والله أعلم. والجذع منْ الضأن ما له سنة تامة، هَذَا هو الأصح عند أصحابنا، وهر الأشهر عند أهل اللغة، وغيرهم، وقيل: ماله ستة أشهر، وقيل: سبعة. وقيل: ثمانية. وقيل ابن عشرة. حكاه القاضي، وهر غريب، وقيل: أن كَانَ متولدا منْ بين شابين، فستة أشهر، وإن كَانَ منْ هرمين، فثمانية أشهر. ومذهبنا، ومذهب الجمهور: أن أفضل الأنواع البدنة، ثم البقرة، ثم الضأن، ثم المعز، وَقَالَ مالك: الغنم أفضل؛ لأنها أطيب لحما. وحجة الجمهور أن البدنة تجزي عن سبعة، وكذا البقرة، وأما الشاة فلا تجزى إلا عن واحد، بالاتفاق، فدل عَلَى تفضيل البدنة، والبقرة. واختلف أصحاب مالك فيما بعد الغنم، فقيل: الإبل أفضل منْ البقرة، وقيل: البقرة أفضل منْ الإبل، وهو الأشهر عندهم. وأجمع العلماء عَلَى استحباب سمينها، وطيبها، واختلفوا فِي تسمينها، فمذهبنا، ومذهب الجمهور استحبابه، وفي "صحيح البخاريّ" عن أبي أمامة، كنا نُسَمّن الأضحية، وكان المسلمون يسمنون. وحكى القاضي عياض، عن بعض أصحاب مالك كراهة ذلك؛ لئلا يتشبه باليهود، وهذا قول باطل. انتهى كلام النوويّ. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي تحقيق الخلاف فِي جواز التضحية بالجذع مستوفًى فِي المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهر المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث جابر رضي الله تعالى عنه هَذَا أخرجه مسلم. [تنبيه]: ضعّف الشيخ الألبانيّ هَذَا الْحَدِيث (١)، وأعلّه بعنعنة أبي الزبير، مع أن الإِمام مسلمًا رحمه الله تعالى أخرجه فِي "صحيحه"، وهذا عجيب منه؛ لأن منْ المعلوم أنه إذا أخرج صاحب الصحيح حديثًا للمدلّسين لابدّ أن يكون ذلك الْحَدِيث ثابتًا عنده، زائلًا عنه تهمة التدليس، وأن إخراجه له فِي الصحيح، كحكمه الصريح بأن هَذَا الْحَدِيث لا تدليس فيه، منْ دون فرق، ومما أعلّه به أيضًا مخالفته حديثَ: "إن الجذع يوفي مما يوفي منه الثنيّ" الآتي قريبًا، وهذا الإعلال غير صحيح؛ لأنه لا

стр. 16358

معارضة بين الحديثين؛ لأن المراد بالمسنّة المنهيّ عنها فِي حديث مسلم هي المسنة منْ المعز، فإنها التي لا تُجزىء، كما سيأتي فِي حديث البراء رضي الله تعالى عنه. وأما قوله بعد ذكر هَذَا التأويل: فإنه خلاف الظاهر منْ السياق، ثم ادّعى بطلانه بما نقله منْ رواية أبي يعلى منْ طريق محمد بن عثمان القرشيّ، عن سليمان، بلفظ: "إذا عزّ عليك المسان منْ الضأن، أجزأ الجذع منْ الضأن"، فغير صحيح أيضًا. أما أوّلًا فما هو السياق الذي يخالف هَذَا الجمع؟، وأما ثانيًا فإن محمد بن عثمان رجل مجهول، كما قَالَ الدارقطنيّ، ولم يُعرف منْ هو سليمان؟ فكيف يُدَّعَى تضعيف حديث ما أخرجه مسلم فِي "صحيحه" بمثل هَذَا الْحَدِيث الضعيف الذي رواه مثل هَذَا المجهول، إن هَذَا العجب العجاب. والحاصل أن الْحَدِيث صحيح، كما صححه الإِمام مسلم، وأنه لا معارضة بينه وبين حديث: "إن الجذع يوفي … " الْحَدِيث؛ لما عرفت منْ تأويله، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهوّر بالاعتساف. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٣/ ٤٣٨٠ - وفي "الكبرى" ١٣/ ٤٤٦٨. وأخرجه (م) فِي "الأضاحي" ٢٦٣١ (د) فِي "الضحايا" ٢٤١٥ (ق) فِي "الأضاحي" ٣١٣٢ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١٣٨٢٨. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان أن المسنّة هي المجزئة فِي الأضاحي. (ومنها): مشروعيةُ الأضحيّة. (ومنها): أنه لا يجوز فِي الأضحية الجذع منْ المعز، ولا منْ البقر، ولا منْ الإبل، وهو قول أهل العلم، وإنما اختلفوا فِي إجزاء الجذعة منْ الضأن، وسيأتي تحقيقه فِي المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي الأضحيّة بالجذع منْ الضأن: قَالَ العلّامة ابن قُدامة رحمه الله تعالى: فِي "المغني" ج ١٣/ ٣٦٧ - ٣٦٨: ولا يجزىء إلا الجذع منْ الضأن، والثنيّ منْ غيره، وبهذا قَالَ مالك، والليث، والشافعي، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وَقَالَ ابن عمر، والزهري: لا يجزىء الجذع؛ لأنه لا يجزىء منْ غير الضأن، فلا يجزىء منه، كالْحَمَل، وعن عطاء، والأوزاعي: يجزىء الجذع، منْ جميع الأجناس؛ لما روى مُجاشع بن سليم، قَالَ: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "إن الجذَع يُوَفِّي مما يوفى منه الثني"، رواه داود، والنسائي.

стр. 16359

احتجّ الأولون عَلَى أن الجذع منْ الضأن يجزىء بحديث مجاشع، وأبي هريرة، وغيرهما، وعلى أن الجذعة، منْ غيرها لا تجزىء، بقول النبيّ ﷺ : "لا تذبحوا إلا مسنة، فإن عسر عليكم، فاذبحوا الجذع منْ الضأن". وَقَالَ أبو بردة بن نيار: عندي جَذَعَة أحبّ إليّ منْ شاتين، فهل تجزىء عني؛ قَالَ: "نعم، ولا تجزىء عن أحد بعدك". متَّفقٌ عليه، وحديثهم محمول عَلَى الجذع منْ الضأن؛ لما ذكرنا، قَالَ إبراهيم الحربي: إنما يجزىء الجذع منْ الضأن؛ لأنه ينزو، فيُلَقِّح، فإذا كَانَ منْ المعز، لم يُلقِّح حَتَّى يكون ثنيا. انتهى كلام ابن قُدامة. وَقَالَ فِي "الفتح": فِي الْحَدِيث أن الجذع منْ المعز لا يجزي، وهو قول الجمهور، وعن عطاء، وصاحبه الأوزاعي: يجوز مطلقا، وهو وجه لبعض الشافعية، حكاه الرافعي، وَقَالَ النوويّ: وهو شاذّ، أو غلط، وأغرب عياض، فحكى الإجماع عَلَى عدم الإجزاء، قيل: والأجزاء مُصادرٌ للنص، ولكن يحتمل أن يكون قائله، قيد ذلك بمن لم يجد غيره، ويكون معنى نفى الإجزاء، عن غير منْ أَذِن له فِي ذلك محمولا، عَلَى منْ وجد. وأما الجذع منْ الضأن، فَقَالَ الترمذي: إن العمل عليه عند أهل العلم، منْ أصحاب النبيّ ﷺ ، وغيرهم، لكن حكي غيره عن ابن عمر، والزهري: أن الجذع لا يجزي مطلقا، سواء كَانَ منْ الضأن، أم منْ غيره، وممن حكاه عن ابن عمر ابن المنذر، فِي "الإشراف"، وبه قَالَ ابن حزم، وعزاه لجماعة منْ السلف، وأطنب فِي الرد عَلَى منْ أجازه. ويحتمل أن يكون ذلك أيضًا، مقيدا بمن لم يجد، وَقَدْ صح فيه حديث جابر، رفعه: "لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم، فتذبحوا جذعة منْ الضأن"، أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم. لكن نقل النوويّ عن الجمهور، أنهم حملوه عَلَى الأفضل، والتقدير: يستحب لكم أن لا تذبحوا إلا مسنة، فإن عجزتم، فاذبحوا جذعة منْ الضأن، قَالَ: وليس فيه تصريح بمنع الجذعة منْ الضأن، وأنها لا تجزي، قَالَ: وَقَدْ أجمعت الأمة عَلَى أن الْحَدِيث ليس عَلَى ظاهره؛ لأن الجمهور يجوزون الجذع منْ الضأن، مع وجود غيره وعدمه، وابن عمر، والزهري يمنعانه مع وجود غيره وعدمه، فتعين تأويله. ويدل للجمهور -كما قَالَ الحافظ- الأحاديث الآتية قريبًا، وكذا حديث أم هلال بنت هلال، عن أبيها، رفعه: "يجوز الجذع منْ الضأن أضحية"، أخرجه ابن ماجه، وحديث رجل منْ بني سليم، يقال له: مجاشع، أن النبيّ ﷺ قَالَ: "إن الجذع يوفي ما يوفى منه الثنيّ"، أخرجه أبو داود، وابن ماجه، وأخرجه النسائيّ، منْ وجه آخر، لكن لم يسم

стр. 16360

الصحابيّ، بل وقع عنده: أنه رجل منْ مزينة، وحديث معاذ بن عبد الله بن حبيب، عن عقبة بن عامر: "ضَحّينا مع رسول الله ﷺ ، بجذع منْ الضأن"، أخرجه النسائيّ بسند قوي، وحديث أبي هريرة رفعه: "نعمت الأضحية الجذعة، منْ الضأن"، أخرجه الترمذي، وفي سنده ضعف. انتهى ما فِي "الفتح". قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور منْ أن الجذع يُجزىء إذا كَانَ منْ الضأن، دون غيره هو الأرجح؛ لظهور أدلّته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٨١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أَعْطَاهُ غَنَمًا، يُقَسِّمُهَا عَلَى صَحَابَتِهِ، فَبَقِيَ عَتُودٌ، فَذَكَرَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "ضَحِّ بِهِ أَنْتَ"). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (الليث) بن سعد الإِمام الحجة الثبت المصريّ [٧] ٣١/ ٣٥. ٣ - (يزيد بن أبي حبيب) سُويد، أبو رجاء المصريّ، ثقة، يرسل [٥] ١٣٤/ ٢٠٧. ٤ - (أبو الخير) مَرْثد بن عبد الله الْيَزَنيّ المصريّ، ثقة فقيه [٣] ٣٨/ ٥٨٢. ٥ - (عقبة بن عامر) الجهني الصحابيّ المشهور، أبو حماد عَلَى المشهور، ولي إمرة مصر لمعاوية ثلاث سنين، وكان فقيهًا فاضلًا، مات رضي الله تعالى عنه فِي قرب الستين، تقدم فِي ١٠٨/ ١٤٤. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أَعْطَاهُ غَنَمًا) هو أعمّ منْ الضأن والمعز، قَالَ الفيّوميّ رحمه الله تعالى: الغنم اسم جنس، يُطلق عَلَى الضأن والمعز، وَقَدْ تُجمَع عَلَى أغنام، عَلَى معنى قُطْعَانَات، منْ الغنم، ولا واحد للغنم منْ لفظها، قاله ابن الأنباريّ. وَقَالَ الأزهريّ أيضًا: الغنم الشاءُ، الواحدة شاة، وتقول العرب: راح عَلَى فلان غنمان: أي قَطِيعان منْ الغنم، كلُّ قطيع منفردٌ بمَرْعًى، وراعٍ. وَقَالَ الجوهريّ: الغنم

стр. 16361

اسم مؤنّثٌ، موضوع لجنس الثاء، يقع عَلَى الذكر والإناث، وعليهما، ويُصغّر، فتدخل الهاء، ويقال: غُنيمةٌ؛ لأن أسماء المجموع التي لا واحد لها منْ لفظها، إذا كانت لغير الآدميين، وصُغّرت، فالتأنيث لازم لها. انتهى. (يُقَسِّمُهَا عَلَى صَحَابَتِهِ) قَالَ فِي "الفتح" ١١/ ١٢٦: يحتمل أن يكون الضمير للنبي ﷺ . ويحتمل أن يكون لعقبة، فعلى كلٍّ، يحتمل أن تكون الغنم ملكا للنبي ﷺ وأمر بقسمتها بينهم تبرعا، ويحتمل أن تكون منْ الفيء، وإليه جنح القرطبيّ، حيث قَالَ: فِي الْحَدِيث: إن الإِمام ينبغي له أن يُفَرِّق الضحايا عَلَى منْ لم يقدر عليها، منْ بيت مال المسلمين. وَقَالَ ابن بطال: إن كَانَ قسمها بين الأغنياء، فهي منْ الفيء، وان كَانَ خص بها الفقراء، فهي منْ الزكاة، وَقَدْ ترجم له البخاريّ فِي "الشركة" - "باب قسمة الغنم، والعدل فيها"، وكأنه فهم أن النبيّ ﷺ بَيّن لعقبة، ما يعطيه لكل واحد منهم، وهو لا يُوَكِّل إلا بالعدل، وإلا لو كَانَ وَكّلَ ذلك لرأيه، لعسر عليه؛ لأن الغنم لا يتأتى فيها قسمة الأجزاء، وأما قسمة التعديل فتحتاج إلى ردّ؛ لأن استواء قسمتها عَلَى التحرير بعيد. قَالَ الحافظ: ويحتمل أن يكون النبيّ ﷺ ضَحَّى بها عنهم، ووقعت القسمة فِي اللحم، تكون القسمة قسمة الأجزاء. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن هَذَا الاحتمال الذي قاله الحافظ فيه نظر؛ إذ يُبعده قوله: "فبقي عتود"؛ لأن الظاهر أنه بقي منْ الأغنام المقسومة، لا المذبوحة، والله تعالى أعلم. (فَبَقِيَ عَتُودٌ) بفتح المهملة، وضم المثناة الخفيفة، وهو منْ أولاد المعز ما قَوِيَ، وَرَعَى، وأَتَى عليه حول، والجمع أعْتِدَة، وعِتْدَانٌ، وتدغم التاء فِي الدال، فيقال: عِدّان. وَقَالَ ابن بطال: العتود الجذع، منْ المعز ابن خمسة أشهر، وهذا يُبَيّن المراد بقوله فِي الرواية التالية عن عقبة ﵁: "فصارت لي جذعة"، وأنها كانت منْ المعز، وزعم ابن حزم أن العتود لا يقال، إلا للجذع منْ المعز. وتعقبه بعض الشراح بما وقع فِي كلام صاحب "المحكم" أن العتود الجدي الذي استكرش. وقيل: الذي بلغ السِّفَاد. وقيل: هو الذي أجذع. (فَذَكَرهُ لِرسُولِ اللهِ ﷺ ) أي ذكر له عبقة بقاء العتد (فَقَالَ) ﷺ (ضَحِّ) بفتح الضاد المعجمة، وتشديد الحاء المهملة، فعل أمر منْ التضحية (بِهِ أَنْتَ) زاد البيهقي فِي روايته، منْ طريق يحيى بن بكير، عن الليث: "ولا رخصة فيها لأحد بعدك" وسيأتي البحث فِي هذه الزيادة عند ذكر حديث أبي بُردة بن نِيار رضي الله تعالى عنه، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 16362

مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٣/ ٤٣٨١ و٤٣٨٢ و٤٣٨٣ و٤٣٨٤ - وفي "الكبرى" ١٣/ ٤٤٦٩ و٤٤٧٠ و٤٤٧١ و٤٤٧٢. وأخرجه (خ) فِي "الوكالة" ٢١٣٦ و"الشركة" ٢٣١٩ و"الأضاحيّ" ٥١٢١ و٥١٢٩ (م) فِي "الأضاحي" ٣٦٣٣ (ت) فِي "الأضاحي" ١٤٢٠ (ق) فِي "الأضاحي" ٢١٢٩ (أحمد) فِي "مسند الشاميين" ١٦٦٦٦ و١٦٧٠٧ و١٦٧٤٠ و١٦٧٨٣ "الدارمي" فِي "الأضاحي" ١٨٧١ و١٨٧٢. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم التضحية بالجذع. (ومنها): أن الإمام يقسم الضحايا بين الرعيّة، إذا لم يجدوها. (ومنها): جواز التوكيل بالقسمة. (ومنها): أنه استُدِلّ به عَلَى إجزاء الأضحية بالشاة الواحدة، وأن التضحية بكبشين الآتي فِي الباب التالي ليس عَلَى الوجوب، بل عَلَى الاختيار، فمن ذبح واحدة، أجزأت عنه، ومن زاد فهو خير، والأفضل الاتباع فِي الأضحية بكبشين، ومن نظر إلى كثرة اللحم، كالشافعي، قَالَ: الأفضل الإبل، ثم الضأن، ثم البقر. قَالَ ابن العربي: وافق الشافعيَّ أشهبُ منْ المالكية، ولا يُعدَلُ بفعل النبيّ ﷺ شيء، لكن يمكن التمسك بقول ابن عمر ﵄، كَانَ يذبح، وينحر بالمصلى (١)، أي فإنه يشمل الإبل وغيرها، قَالَ لكنه عموم، والتمسك بالصريح أولى، وهو الكبش. قَالَ الحافظ: قلت: قد أخرج البيهقي منْ حديث ابن عمر: "كَانَ النبيّ ﷺ ، يضحي بالمدينة، بالجزور أحيانا، وبالكبش، إذا لم يجد جزروا". فلو كَانَ ثابتا لكان نصا فِي موضع النزاع، دكين فِي سنده عبد الله بن نافع، وفيه مقال. وَقَدْ ثبت حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها: أن النبيّ ﷺ ، ضَحّى عن نسائه بالبقر"، وَقَدْ ثبت فِي حديث عروة، عن عائشة، ﵂، أن النبيّ ﷺ أمر بكبش أقرن، يطأ فِي سواد، وينظر فِي سواد، ويبرك فِي سواد، فأضجعه، ثم ذبحه، ثم قَالَ: "بسم الله، اللَّهم تقبل منْ محمد، وآل محمد، ومن أمة محمد"، ثم ضحى، أخرجه مسلم. قَالَ الخطابي: قولها: "يطأ فِي سواد الخ": تريد أن أظلافه، ومواضع البروك منه، وما أحاط بملاحظ

стр. 16363

عينيه، منْ وجهه أسود، وسائر بدنه أبيض. قاله فِي "الفتح" ١١/ ١٢٦ - ١٢٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٨٢ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ دُرُسْتَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ -وَهُوَ الْقَنَّادُ- قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْجَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَسَّمَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ ضَحَايَا، فَصَارَتْ لِي جَذَعَةٌ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَارَتْ لِي جَذَعَةٌ، فَقَالَ: "ضَحِّ بِهَا"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح غير "أبي إسماعيل القَنّاد"، وهو إبراهيم بن عبد الملك البصريّ، فإنه منْ رجال المصنّف، والترمذيّ، وهو صدوقٌ، فِي حفظه شيء. [٧] ٢٣/ ٢٤. و"يحيى": هو ابن أبي كثير. و"بعجة" بن عبد الله بن بدر الْجُهَنيّ، ثقة [٣]. روى عن أبيه، وله صحبة، وعليّ، وعثمان، وعقبة بن عامر، وأبي هريرة. وعنه أسامة بن زيد الليثيّ، وأبو حازم المدنيّ، وعبد الله، ومعاوية ابنا بعجة، ويحيى بن أبي كثير، ويزيد بن أبي حبيب. قَالَ النسائيّ: ثقة. وذكره مسلم فِي الطبقة الأولى منْ أهل المدينة. وَقَالَ البخاريّ: مات قبل القاسم بن محمد، ومات القاسم سنة (١٠١) وأرّخ ابن حبّان فِي "الثقات" وفاته سنة (١٠٠). روى الجماعة، سوى أبي داود، فروى له فِي "المراسيل"، وله فِي هَذَا الكتاب حديث الباب فقط. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٨٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ بَعْجَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بَيْنَ أَصْحَابِهِ أَضَاحِيَّ، فَأَصَابَنِي جَذَعَةٌ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَابَتْنِي جَذَعَةٌ، فَقَالَ: "ضَحِّ بِهَا"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده، وهو بصريّ، ثقة. و"خالد": هو ابن الحارث الْهجيميّ البصريّ. و"هشام": هو الدستوائيّ. والسند مسلسل بالبصريين إلى يحيى، وبعجة مدنيّ، والصحابيّ مدني نزيل مصر. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 16364

٤٣٨٤ - (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُبَيْبٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: ضَحَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِجَذَعٍ مِنَ الضَّأْنِ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، سوى شيخه، وهو أبو الربيع المهريّ المصريّ، فقد تفرد به هو وأبو داود، وهو ثقة. و"عمرو": هو ابن الحارث. و"بُكير بن الأشجّ": هو ابن عبد الله بن الأشجّ، نسب لجدّه. و"معاذ بن عبد الله" بن خُبيب -مصغّرًا- الجُهَنيّ المدنيّ، صدوقٌ، ربّما وهم [٤]. روى عن أبيه، وأخيه عبد الله، وعقبة بن عامر الجهني، وابن عباس، وجابر بن أسامة الجهني، وعبد الله بن أنيس الجهني، وسعيد بن المسيب، وجابر بن عبد الله، وجماعة. وعنه عبد الله بن سليمان بن أبي سلمة الأسلمي، وزيد بن أسلم، وبكير بن الأشج، وسعد بن سعيد الأنصاريّ، وغيرهم. قَالَ عثمان الدارمي: قلت لابن معين: معاذ بن عبد الله، عن أبيه كيف هو؟ قَالَ: منْ الثقات. وَقَالَ الآجري، عن أبي داود: ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، قَالَ ابن أبي عاصم: مات سنة ثماني عشرة ومائة. وَقَالَ ابن سعد فِي الطبقة الثالثة منْ المدنيين: مات فيها، وكان قليل الْحَدِيث، وَقَالَ الدارقطني: ليس بذاك. وَقَالَ ابن حزم مجهول. روى له البخاريّ فِي "الأدب المفرد"، والأربعة، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب ثلاثة أحاديث: هَذَا، وفي "كتاب الاستعاذة" ١/ ٥٤٣٠ حديثٌ عن أبيه، قَالَ: أصابنا طشّ، وظلمة … الْحَدِيث، و٥٤٣١ حديث عن أبيه أيضًا: "كنت مع رسول الله ﷺ فِي طريق مكة … " الْحَدِيث، و٥٤٣٣ - حديث عن أبيه، عن عقبة بن عامر ﵁: "قَالَ: بينا أنا أقود برسول الله صلّى الله وسلم … " الْحَدِيث، و٥٤٣٤ - حديث عقبة بن عامر ﵁، قَالَ: قَالَ لي رسول الله ﷺ : "قل: قلت: وما أقول؟ … " الحديث. وفي هَذَا الْحَدِيث دلالة عَلَى أن الجذع منْ الضأن يجزىء فِي الأضحيّة، وهو مذهب الجمهور، وَقَدْ تقدّم تحقيقه فِي مسائل الْحَدِيث المذكور أول الباب، وبالله تعالى التوفيق. وهو حديث صحيح، تفرّد به المصنّف، فأخرجه هنا -١٣/ ٤٣٨٤ - وفي "الكبرى" ٤٤٧٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٨٥ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، فِي حَدِيثِهِ عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَ الأَضْحَى، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا يَشْتَرِي الْمُسِنَّةَ

стр. 16365

بِالْجَذَعَتَيْنِ، وَالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ لَنَا رَجُلٌ، مِنْ مُزَيْنَةَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَ هَذَا الْيَوْمُ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَطْلُبُ الْمُسِنَّةَ بِالْجَذَعَتَيْنِ، وَالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْجَذَعَ يُوفِي مِمَّا يُوفِي مِنْهُ الثَّنِيُّ"). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (هناد بن السريّ) بن مصعب، أبو السريّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٥. ٢ - (أبو الأحوص) سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة متقن [٧] ٧٩/ ٩٦. ٣ - (عاصم بن كُليب) بن شهاب الجرمي الكوفيّ، صدوق رمي بالإرجاء [٥] ١١/ ٨٨٩. ٤ - (أبوه) كليب بن شهاب بن المجنون الكوفيّ، صدوق [٢] ووهم منْ ذكره فِي الصحابة ١١/ ٨٨٩. ٥ - (رجل منْ مزينة) مجهولٌ، ولكن لا تضرّ جهالته؛ لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهما كلهم عدول، ويحتمل أن يكون مجاشع -بضم الميم، بصيغة اسم الفاعل- ابن مسعود بن ثعلبة بن وهب السُّلَميّ، صحابي قتل رضي الله تعالى عنه يوم الجمل سنة ست وثلاثين. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ) كُليب بن شهاب، أنه (قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَ الأَضْحَى) أي يوم عيد الأضحى (فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا يَشْتَرِى الْمُسِنَّةَ بِالْجَذَعَتَيْنِ) أي ليضحّي بها، لظنه أن الجذع لا يجزىء التضحية بها. قَالَ ابن قُدامة رحمه الله تعالى فِي "المغني" ١٣/ ٣٦٨ - ٣٦٩ - : والجذع منْ الضأن ما له ستة أشهر، ودخل فِي السابع، قَالَ أبو القاسم: وسمعت أبي يقول: سألت بعض أهل البادية، كيف تعرفون الضأن إذا أجذع؟ قَالَ: لا تزال الصوفة قائمة عَلَى ظهره، ما دام حَمَلًا، فإذا نامت الصوفة عَلَى ظهره، عُلِمَ أنه قد أجذع، وثَنِيّ المعز، إذا تمت له سنة، ودخل فِي الثانية، والبقرةِ، إذا صار لها سنتان، ودخلت فِي الثالثة، والإبل، إذا كمل لها خمس سنين، ودخلت فِي السادسة. قَالَ الأصمعي، وأبو زياد الكلابي، وأبو

стр. 16366

زيد الأنصاريّ: إذا مضت السنة الخامسة عَلَى البعير، ودخل فِي السادسة، وألقى ثنيته، فهو حينئذ ثَنِيٌّ، ونرى إنما سمى ثَنِيّا؛ لأنه ألقى ثنيته، وأما البقرة، فهي التي لها سنتان؛ لأن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "لا تذبحوا إلا مسنة"، ومسنة البقر: التي لها سنتان. وَقَالَ وكيع: الجذع منْ الضأن، يكون ابن سبعة، أو ستة أشهر. انتهى كلام ابن قُدامة. (وَالثَّلَاثةِ) بالجرّ عطفًا عَلَى "الجذعتين" (فَقَالَ لنا رَجُلٌ، مِنْ مُزَيْنَةَ) بصيغة التصغير القبيلة المعروفة، ثم إنه يحتمل أن يكون الرجل هو مُجاشع بن مسعود رضي الله تعالى عنه، فقد أخرجه أبو داود (٢٧٩٩) منْ طريق الثوريّ، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، قَالَ: كنّا مع رجل منْ أصحاب النبيّ ﷺ ، يقال له: مُجاشعٌ، منْ بني سُليم، فعزّت الغنم، فأمر مناديًا، فنادى أن رسول الله ﷺ ، كَانَ يقول … " الْحَدِيث (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَ هَذَا الْيَوْمُ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَطْلُبُ الْمُسِنَّةَ بِالْجَذَعَتَيْنِ، وَالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْجَذَعَ) أي منْ الضأن؛ لما فِي رواية البيهقيّ: "إن الجذع منْ الضأن يفي ما تفي منه الثنيّة" (يُوفِي) يحتمل أن يكون منْ الإيفاء، أو منْ التوفية: أي يجزىء، ويُغني (مِمَّا يُوفِي مِنْهُ الثَّنِيُّ) هو المسنّ، وتقدّم آنفًا تفسيره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث: حديث عاصم بن كُليب، عن أبيه، عن رجل منْ مُزينة رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -١٣/ ٤٣٨٥ و٤٣٨٩ - وفي "الكبرى" ١٣/ ٤٤٧٣ و٤٤٧٤. وأخرجه (أحمد) فِي "مسند الأنصار" ٢٢٠٤٣. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم المسنّة والجذعة فِي الأضحيّة، وهو جواز التضحية بهما، والمراد بالجذع هو الجذع منْ الضأن؛ لما تقدّم منْ حديث جابر رضي الله تعالى عنه؛ مرفوعًا: "لا تذبحوا إلا مسنّةٌ الخ"، ولما فِي رواية البيهقيّ المذكورة. (ومنها): مشروعيّة الأضحية فِي السفر. (ومنها): جواز بيع الحيوان بعضها ببعض متفاضلًا، وسيأتي تمام البحث فيه فِي محلّه منْ "كتاب البيوع" إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٨٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يُحَدِّثُ عَنْ رَجُلٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، قَبْلَ الأَضْحَى بِيَوْمَيْنِ، نُعْطِي الْجَذَعَتَيْنِ بِالثَّنِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْجَذَعَةَ تُجْزِىءُ، مَا

стр. 16367

تُجْزِىءُ مِنْهُ الثَّنِيَّةُ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"خالد": هو ابن الحارث الهجيميّ. والحديث صحيح، كما سبق بيانه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ١٤ - (الْكَبْشُ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الكبش" بفتح، فسكون-: واحد الكِبَاش، والأكبُش، قَالَ ابن سيدهْ: الكبش فحل الضأن، فِي أيّ سنّ كَانَ. وَقَالَ الليث: إذا أثنى الْحَمَلُ، فقد صار كَبْشًا. وقيل: إذا أربع. قاله فِي "اللسان". والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٣٨٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ -وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ- عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، كَانَ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ، قَالَ: أَنَسٌ وَأَنَا أُضَحِّى بِكَبْشَيْنِ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. و"إسماعيل": هو ابن عليّة. والسند مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فمروزي، ثم نيسابوريّ، وهو منْ رباعيّات المصنّف، وهو (٢٠٩) منْ رباعيات الكتاب، وهو أعلى ما وقع له منْ الأسانيد، كما تقدّم غير مرّة، وتقدم معنى الكبش أول الباب، والحديث متّفق عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٨٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، وَقَدْ تقدموا غير مرّة. و"خالد": هو ابن الحارث الهُجَيميّ. و"حميد": هو ابن أبي حميد الطويل. و"ثابت": هو ابن أسلم البناني. والسند مسلسل بالبصريين، وشيخه أحد مشايخ الستة الذين يروون عنهم بلا واسطة، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أنس رضي الله تعالى عنه منْ المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر منْ مات منْ الصحابة

стр. 16368

بالبصرة رضي الله تعالى عنهم. وقوله: "أملحين": "الأملح" هو الذي بياضه أكثر منْ سواده. وقيل: هو النقيّ البياض. وقيل: هو الذي يُخالط بياضه. وقيل: هو الأسود، تعلوه حمرة. والحديث متّفقٌ عيه، وَقَدْ تقدّم فِي "كتاب صلاة العيدين" ٣٠/ ١٥٨٨ - ومضى شرحه، وتخريجه هناك، وسيأتي أيضًا بعد بابين، وسنتكلّم عيه هناك أيضًا، ويأتي أيضًا بعد خمسة عشر بابًا، وسأتوسّع هناك فِي الكلام عليه، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٨٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ ، بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى، وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"أبو عوانة": هو الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ، والسند أيضًا منْ رباعياته، وهو (٢١٠) منْ رباعيات الكتاب. وقوله: "ضحّى النبيّ ﷺ " وفي الرواية السابقة: "كَانَ يُضحّي"، وهو أظهر فِي المداومة عَلَى ذلك. وقوله: "أقرنين": "الأقرن": هو الذي له قرنان معتدلان. وقوله: "عَلَى صِفاحهما": أي صفحة العنق، قَالَ فِي "القاموس": الصَفح بالفتح: الجانب، ومن الجبل مُضْطَجَعُهُ، ومنك جنبك، ومن الوجه والسيف: عرضه، ويُضمّ، جمعه صِفَاحٌ. انتهى. وَقَالَ فِي "الفتح" ١١/ ١٣٤: قوله: "عَلَى صفاحهما": أي عَلَى صفاح كلّ منهما عند ذبحه، والصفاح بكسر الصاد المهملة، وتخفيف الفاء، وآخره حاء مهملة: الجوانب، والمراد الجانب الواحد منْ وجه الأضحيّة، وإنما ثنّي إشارة إلى أنه فعل فِي كلّ منهما، فهو منْ إضافة الجمع إلى المثنّى بإرادة التوزيع. انتهى. والمعنى أنه ﷺ كَانَ يضع رجله عَلَى جانب عنق كلّ منهما، وإنما فعل ذلك؛ ليكون أثبت، وأمكن؛ لئلا تضطرب الذبيحة برأسها، فتمنعه منْ إكمال الذبح، أو تؤذيه. والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عيه، كما مرّ فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٩٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ

стр. 16369

مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَوْمَ أَضْحَى، وَانْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، فَذَبَحَهُمَا، مُخْتَصَرٌ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "حاتم بن وَرْدان ": هو السعديّ، أبو صالح البصريّ، ثقه [٨]. و"أيوب": هو السختيانيّ. وقوله: "وانكفأ": أي مال، ورجع. وقوله: "مختصر" بالرفع خبر لمبتدإٍ محذوف: أي هَذَا الْحَدِيث مختصر منْ الْحَدِيث الطويل، وسيأتي مطوّلًا بعد بابين، إن شاء الله تعالى. والحديث متّفقٌ عليه، كما مضى بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٩١ - (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، فِي حَدِيثِهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ (١) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفَ، كَأَنَّهُ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ ، يَوْمَ النَّحْرِ إِلَى كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، فَذَبَحَهُمَا، وَإِلَى جُذَيْعَةٍ مِنَ الْغَنَمِ، فَقَسَمَهَا بَيْنَنَا). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (حميد بن مسعدة) بن المبارك السامي الباهلي البصريّ، صدوق [١٠] ٥/ ٥. ٢ - (يزيد بن زُريع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥. ٣ - (ابن عون) عبد الله، أبو عون البصريّ، ثقة ثبت فاضل [٥] ٢٩/ ٣٣. ٤ - (محمد) بن سيرين الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقة ثبت عابد [٣] ٤٦/ ٥٧. ٥ - (عبد الرحمن بن أبي بكرة) نُفيع بن الحارث الثقفيّ، أبو بحر، ويقال: أبو حاتم البصريّ، وهو أول مولود، وُلد فِي الإِسلام بالبصرة، ثقة [٢]. روى عن أبيه، وعلي، وعبد الله بن عمرو بن الأسود بن سَرِيع، والأشج العصري. وعنه ابن أخيه ثابت بن عبيد الله بن أبي بكرة، وابن ابنه بحر بن مرار بن عبد الرحمن، وخالد الحذاء، ومحمد بن سيرين، وجماعة. ذكره بن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ ابن سعد: هو أول مولود، وُلد بالبصرة، فأطعم أبوه أهل البصرة جزورا، فكفتهم، وكان ثقة، وله أحاديث ورواية. قَالَ الحافظ: وَقَالَ ابن خلفون فِي "الثقات" فيما نقله منْ خطه مغلطاي: وُلد سنة (١٤) ومات سنة (٩٦) وراجعتُ كتاب ابن خلفون، ففيه:

стр. 16370

يقال: إنه أول مولود ولد بالبصرة، سنة (١٤) ثم ذكر وفاته، وكذا أرّخ وفاته إسحاق القَرّاب، وَقَالَ خليفة: توفي بعد الثمانين. وَقَالَ العجليّ: بصري تابعيّ ثقة. وَقَالَ البلاذري: حدثني أبو الحسن البلاذري، حدثني أبو الحسن المدائني، قَالَ: كَانَ عبد الرحمن بن أبي بكرة فَرّاسا، وشارف التسعين. ووقع فِي بعض النسخ منْ "مختصر السنن" للمنذري بتقديم السين عَلَى الباء، وهو خطأ، وكان يَخرُج كل يوم إلى الْمِرْبَد، فَقَالَ له سارب: إنك لطويل العمر، يا شيخ، فذكر قصة، قَالَ: وحدثني شيبان بن فروخ، قَالَ: ثنا أبو هلال، قَالَ: كَانَ زياد وَلّى عبد الرحمن بيوت الأموال، ووَلَّى عبد الله سِجِستان، وَقَالَ أبو اليقظان: ولاه عليّ بيتَ المال، ثم ولاه ذاك زياد. انتهى "تهذيب التهذيب" ٢/ ٤٩٢. روى له الجماعة. وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب خمسة أحاديث، كلها عن أبيه، هَذَا الْحَدِيث، وفي "البيوع" -٥٠/ ٤٥٨٠ - حديث: نهى رسول الله ﷺ أن نبيع الفضة بالفضة … " الْحَدِيث، وأعاده بعده رقم ٤٥٨١ وفي "كتاب آداب القضاء" ١٨/ ٥٤٠٨ "لا يحكم أحد بين اثنين، وهو غضبان"، و٣٢/ ٥٤٢٣ حديث: "لا يقضينّ أحد فِي قضاء بقضاءين … " الْحَدِيث. ٦ - (أبوه) أبو بكرة نُفيع بن الحارث بن كَلَدَة الثقفيّ، الصحابيّ المشهور، أسلم بالطائف، ثم نزل البصرة، ومات بها سنة (١) أو (٥٢) تقدمت ترجمته فِي ٤١/ ٨٣٦. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه ثلاثة منْ التابعين يروي بعضهم عن بعض، ابن عون، وهو قد رأى أنسًا رضي الله تعالى عنه، وابن سيرين، وعبد الرحمن، وفيه رواية الابن عن أبيه، وأن أبا بكرة رضي الله تعالى عنه ممن لُقّب بالكنية، وإنما لقب بها؛ لأنه نزل منْ حصن ثقيف ببكرة البئر، وكنيته أبو عبد الرحمن. والله تعالى أعلم. شرحِ الْحَدِيث (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي بكرة نُفيع بن الحارث رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفَ) ولفظ مسلم: "ثمّ انكفأ" (كأَنَّهُ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ ) الْحَدِيث مختصر، طوّله مسلم، فِي "صحيحه"، ولفظه فِي "كتاب القسامة": ١٦٧٩ - حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا عبد الله بن

стр. 16371

عون، عن محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قَالَ: لَمّا كَانَ ذلك اليومُ قعد عَلَى بعيره، وأخذ إنسان بخطامه، فَقَالَ: "أتدرون أيُّ يوم هَذَا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، حَتَّى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه، فَقَالَ: "أليس بيوم النحر؟ " قلنا: بلى، يا رسول الله، قَالَ: "فأيُّ شهر هَذَا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم، قَالَ؛ "أليس بذي الحجة؟ " قلنا: بلى، يا رسول الله، قَالَ: "فأيُّ بلد هَذَا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم، قَالَ: حَتَّى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه، قَالَ: "أليس بالبلدة؟ " قلنا: بلى يا رسول الله، قَالَ: "فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هَذَا، فِي شهركم هَذَا، فِي بلدكم هَذَا، فليبلغ الشاهد الغائب"، قَالَ: ثم انكفأ إلى كبشين أملحين، فذبحهما، وإلى جُزَيْعَةٍ منْ الغنم فقسمها بيننا. انتهى صحيح مسلم ج: ٣ ص: ١٣٠٦. (يَوْمَ النَّحْرِ) ظرف متعلّق بـ"انصرف" (إِلَى كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ) تقدّم تفسيره (فَذَبَحَهُمَا، وَإِلَى جُذَيْعَةٍ مِنَ الْغَنَمِ) قَالَ ابن الأثير رحمه الله تعالى فِي "النهاية" ١/ ٢٦٩: "الْجُزَيعة": القطعة منْ الغنم، تصغير جِزْعة بالكسر، وهو القليل منْ الشيء، يقال: جَزَعَ له جِزْعَةً منْ المال: أي قطع له منه قِطعةً، هكذا ضبطه الجوهريّ، مصغّرًا، والذي جاء فِي "المجمل" لابن فارس بفتح الجيم، وكسر الزاي، قَالَ: هي القطعة منْ الغنم، كأنها فَعِيلةٌ بمعنى مفعولة، وما سَمِعناها فِي الْحَدِيث إلا مصغّرةً. انتهى. وَقَالَ النوويّ فِي "شرح مسلم" ١١/ ١٧٢: قوله: "جزيعة" بضم الجيم وفتح الزاي، ورواه بعضهم جَزِيعة بفتح الجيم وكسر الزاي، وكلاهما صحيح، والأول هو المشهور، فِي رواية المحدثين، وهو الذي ضبطه الجوهري وغيره، منْ أهل اللغة، وهي القطعة منْ الغنم، تصغير جِزْعة بكسر الجيم، وهي القليل منْ الشيء، يقال جَزَع له منْ ماله: أي قطع، وبالثاني ضبطه ابن فارس فِي "المجمل"، قَالَ: وهي القطعة منْ الغنم، وكأنها فعيلة بمعنى مفعولة، كضَفِيرة، بمعنى مضفورة. انتهى. [تنبيه]: هَذَا الذي ذُكر منْ ضبط "الجُزَيعة" بالزاي، هو الذي وقع فِي النسخة الهنديّة، وغيرها، وهو الصواب، وأما ما وقع فِي النسخة المطبوعة المصرية، و"الكبرى" مكتوبًا بالذال المعجمة بدل الزاي، فتصحيف، فتنبّه. والله تعالى أعلم. (فَقَسَمَهَا بَيْنَنَا) أي قسم تلك الأغنام بين أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه هَذَا أخرجه مسلم، لكن تكلّم فيه الدارقطنيّ، قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى فِي "شرح صحيح مسلم" ج: ١١ ص: ١٧٢: قَالَ

стр. 16372

القاضي: قَالَ الدارقطني: قوله: "ثم انكفأ" (١) إلى آخر الْحَدِيث، وَهَمٌ منْ ابن عون، فيما قيل، وإنما رواه ابن سيرين، عن أنس، فأدرجه ابن عون هنا، فِي هَذَا الْحَدِيث، فرواه عن ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ القاضي: وَقَدْ روى البخاريّ هَذَا الْحَدِيث، عن ابن عون، فلم يذكر فيه هَذَا الكلام، فلعله تركه عمدا، وَقَدْ رواه أيوب، وقُرّة، عن ابن سيرين، فِي كتاب مسلم، فِي هَذَا الباب، ولم يذكروا فيه هذه الزيادة، قَالَ القاضي: والأشبه أن هذه الزيادة، إنما هي فِي حديث آخر، فِي خطبة عيد الأضحى، فوهم فيها الراوي، فذكرها مضمومة إلى خطبة الحجة، أو هما حديثان، ضم أحدهما إلى الآخر، وَقَدْ ذكر مسلم هَذَا بعد هَذَا فِي "كتاب الضحايا" منْ حديث أيوب، وهشام، عن ابن سيرين: "أن النبيّ ﷺ صلّى، ثم خطب، فأمر منْ كَانَ ذبح قبل الصلاة أن يُعيد، ثم قَالَ فِي آخر الْحَدِيث: "فأنكفأ رسول الله ﷺ إلى كبشين أملحين، فذبهما، فقام النَّاس إلى غُنيمة، فتوزّعوها"، فهذا هو الصحيح، وهو دافع للإشكال. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما فِي كلامهم هَذَا أن ذكر زيادة: "ثم انكفأ الخ" ليست صحيحة فِي حديث أبي بكرة ﵁ فِي خطبة النبيّ ﷺ يوم النحر، وإنما وهم فيها ابن عون، فأدخلها منْ رواية ابن سيرين لحديث أنس ﵁ فِي خطبة النبيّ ﷺ ، يوم الأضحى، وحديث أنس هو الذي قبل هَذَا، وسيأتي أيضًا بعد حديث، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٤/ ٤٣٩١ - وفي "الكبرى" ١٤/ ٤٤٧٩. وأخرجه (م) فِي "القسامة" ٤٣٦٠ (ت) فِي "الأضاحي" ١٥٢٠. والله تعالى أعلم. وفوائد الْحَدِيث تقدّمت فيما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٩٢ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ، فَحِيلٍ، يَمْشِي فِي سَوَادٍ، وَيَأْكُلُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ) الكوفيّ، ثقة، منْ صغار [١٠] ٢٢/ ٩٠٧. ٢ - (حفص بن عياش) بن طلق بن معاوية النخعي، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقة

стр. 16373

فقيه تغير حفظه قليلًا فِي الآخر [٨] ٨٦/ ١٠٥. ٣ - (جعفر بن محمد) بن علي الهاشمي، أبو عبد الله المدنيّ المعروف بالصادق، صدوق فقيه إمام [٦] ١٢٣/ ١٨٢. ٤ - (أبوه) محمد بن عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر المدنيّ المعروف بالباقر، ثقة فاضل [٤] ١٢٣/ ١٨٢. ٥ - (أبو سعيد) سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الأنصاريّ الخدريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما، وتقدم فِي ١٦٩/ ٢٦٢. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وحفص، فكوفيان. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. (ومنها): أن فيه أبا سعيد منْ المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَن أَبِي سَعِيْدٍ) الخدريّ رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: ضَحَّى) بتشديد الحاء المهملة، منْ التضحية (رسُولُ اللهِ ﷺ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ) أي ذي قرنين (فَحِيلٍ) بفتح الفاء، وكسر الحاء المهملة، بوزن كَريم، قَالَ الخطّابيّ: هو الكريم المختار للفحلة، وأما الفحل، فهو عامّ فِي الذكورة منها، وقالوا فِي ذكورة النحل: فُحّال، فرقًا بينه، وبين سائر الفحول منْ الحيوان. انتهى. وَقَالَ فِي "النهاية" ٣/ ٤١٦ - ٤١٧: الفَحِيل: هو الْمُنجب فِي ضرابه. وقيل: الذي يُشبه الفُحُولة فِي عظم خَلْقِه: أي كامل الخلقة، واختار الفحل عَلَى الخصيّ والنعجة طَلَب نُبْله، وعِظَمه. انتهى. وَقَدْ أخرج أبو داود فِي "سننه" عن أبي عيّاش المعافريّ، عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، قَالَ: ذبح النبيّ ﷺ يوم الذبح كبشين أقرنين، أملحين، موجئين … " الْحَدِيث، وفي إسناده ابن إسحاق، وَقَدْ عنعنه، وهو مدلّس، وأبو عياش المذكور، قَالَ عنه فِي "التقريب": مقبول. والموجأ الخصيّ. ولا تنافي بينه وبين حديث الباب؛ لإمكان حمله عَلَى تعدد الأوقات، قَالَ الشوكانيّ: فيه أن النبيّ ﷺ ضحّى بالفحيل، كما ضحّى بالخَصِيّ. (يَمْشِي فِي سَوادِ) أي فِي رجله سواد (وَيَأْكُلُ فِي سَوَادِ) أي فِي بطنه سواد (وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ) أي حول عينيه سود، وباقيه أبيض، وهو أجمل. والله تعالى أعلم بالصواب،

стр. 16374

وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٤/ ٤٣٩٢ - وفي "الكبرى" ٤٤٨٥. وأخرجه (د) فِي "الضحايا" ٢٤١٤ (ت) فِي "الأضاحي" ١٤١٦ (ق) فِي "الأضاحي" ٣١١٩. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم التضحية بالكبش، وهو الجواز. (ومنها): استحباب كون الكبش أقرن. (ومنها): استحباب كونه فحلًا، ويجوز كونه خصيًا، كما تقدّم. (ومنها): جواز التضحية بكبش واحد، فما تقدّم فِي الْحَدِيث الذي قبله منْ أنه ﷺ ضحّى بكبشين عَلَى سبيل الاستحباب، لا الوجوب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي أن الكبش الواحد يكفي عن أهل بيت الرجل، أم لا؟: ذهب مالك، والليث، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، إلى أنه يجوز أن يضحّي الرجل عن أهل بيته بشاة واحدة، أو بقرة، أو بدنة، وروي ذلك عن ابن عمر، وأبي هريرة، قَالَ صالح بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: يضحى بالشاة عن أهل البيت؟ قَالَ: نعم لا بأس، قد ذبح النبيّ ﷺ كبشين، فقرب أحدهما، فَقَالَ: "بسم الله، اللَّهم هَذَا عن محمد وأهل بيته"، وقرب الآخر، فَقَالَ: "بسم الله، اللَّهم هَذَا منك، ولك عمن وحدك منْ أمتي". وحكي عن أبي هريرة، أنه كَانَ يضحي بالشاة، فتجيء ابنته، فتقول: عني، فيقول: وعنكِ. وكره ذلك الثوري، وأبو حنيفة؛ لأن الشاة لا تجزىء عن أكثر منْ واحد، فإذا اشترك فيها اثنان، لم تجز عنهما كالأجنبيين. واحتجّ الأولون بما رواه مسلم فِي "صحيحه"، عن عائشة، أن النبيّ ﷺ ، أُتي بكبش؛ ليضحي به، فأضجعه، ثم ذبحه، ثم قَالَ: "بسم الله، اللَّهم تقبل منْ محمد، وآل محمد". وعن جابر، قَالَ: ذبح رسول الله ﷺ ، يوم الذبح، كبشين أقرنين، أملحين، موجأين، فلما وجههما، قَالَ: "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض، عَلَى ملة إبراهيم، حنيفا، مسلما، وما أنا منْ المشركين، إن صلاتي،

стр. 16375

ونسكي، ومحياي، ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا منْ المسلمين، اللَّهم منك ولك، عن محمد وأمته، بسم الله والله أكبر"، ثم ذبح، رواه أبو داود، وأخرج الترمذيّ، وابن ماجه، عن أبي أيوب، قَالَ: "كَانَ الرجل فِي عهد النبيّ ﷺ ، يُضَحِّي بالشاة عنه، وعن أهل بيته، فيأكلون، ويُطعمون النَّاس". قَالَ الترمذيّ: حديث حسن صحيح. ذكره ابن قُدامة فِي "المغني" ١٣/ ٣٦٥ - ٣٦٦ (١). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الأولون منْ جواز التضحية بالشاة الواحدة عن أهل بيت الرجل هو الأرجح عندي؛ لقوّة أدلّته، كما سمعتها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): فِي اختلاف أهل العلم فِي أفضل الأضاحي: قَالَ العلّامة ابن قُدامة رحمه الله تعالى: وأفضل الأضاحي البدنة، ثم البقرة، ثم الشاة، ثم شرك فِي بقرة، وبهذا قَالَ أبو حنيفة، والشافعي، وَقَالَ مالك: الأفضل الجذع منْ الضأن، ثم البقرة، ثم البدنة؛ لأن النبيّ ﷺ ، ضَحَّى بكبشين، ولا يفعل إلا الأفضل، ولو علم الله خيرا منه، لَفَدَى إسحاق به. قَالَ: ولنا قول النبيّ ﷺ ، فِي الجمعة: "منْ راح فِي الساعة الأولى، فكأنما قرّب بدنة، ومن راح فِي الساعة الثانية، فكأنما قرّب بقرة، ومن راح فِي الساعة الثالثة، فكأنما قرّب كبشا، ومن راح فِي الساعة الرابعة، فكأنما قرّب دجاجة، ومن راح فِي الساعة الخامسة، فكأنما قرّب بيضة". متّفقٌ عليه. ولأنه ذبح يُتقرب به إلى الله تعالى، فكانت البدنة منه أفضل، كالهدي، فإنه قد سَلَّمَه، ولأنها أكثر ثمنا ولحما وأنفع. فأما التضحية بالكبش، فلأنه أفضل أجناس الغنم، وكذلك حصول الفداء به أفضل، والشاة أفضل منْ شرك فِي بدنة؛ لأن إراقة الدم مقصودة فِي الأضحية، والمنفرد يتقرب بإراقته كله، والكبش أفضل الغنم؛ لأنه أضحية النبيّ ﷺ ، وهو أطيب لحما. وذكر القاضي أن جَذَع الضأن أفضل، منْ ثني المعز؛ لذلك؛ ولأنه يُروَى عن النبيّ ﷺ ، أنه قَالَ: "نعم الأضحية الجذع منْ الضأن"، أخرجه الترمذيّ، وَقَالَ: حديث غريب. قَالَ الجامع: هو ضعيف؛ لأن فِي إسناده كدام بن عبد الرحمن، وهو مجهول. قَالَ: ويحتمل أن الثني أفضل؛ لقول النبيّ ﷺ : "لا تذبحوا إلا مسنة، فإن عسُر عليكم، فاذبحوا الجذع منْ الضأن"، رواه مسلم، وأبو داود، والنسائيّ، وهذا يدل عَلَى فضل الثني عَلَى الجذع؛ لكونه جعل الثني أصلا، والجذع بدلا، لا يُنتقل إليه، إلا

стр. 16376

عند عدم الثني. انتهى كلام ابن قُدامة. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن ما ذهب إليه الأولون، منْ أفضليّة البدنة، ثم البقرة، ثم الشاة، أرجح؛ لوضوح دليله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: يسن استسمان الأضحية، واستحسانها؛ لقول الله تعالى: (﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، قَالَ ابن عباس ﵄: تعظيمها استسمانها، واستعظامها، واستحسانها، ولأن ذلك أعظم لأجرها، وأكثر لنفعها، والأفضل فِي الأضحية منْ الغنم فِي لونها البياض؛ لما روي عن مولاة أبي ورقة بن سعيد، قالت: قَالَ رسول الله ﷺ : "دم عفراء أزكى عند الله، منْ دم سوداوين"، رواه أحمد (١). وَقَالَ أبو هريرة: "دم بيضاء، أحبُّ إلى الله منْ دم سوداوين" (٢)، ولأنه لون أضحية النبيّ ﷺ ، ثم ما كَانَ أحسن لونا، فهو أفضل. أفاده ابن قدامة فِي "المغني" ١٣/ ٣٦٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٥ - (بَابُ مَا تُجْزِىءُ عَنْهُ الْبَدَنَةُ فِي الضَّحَايَا) ٤٣٩٣ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَجْعَلُ فِي قَسْمِ الْغَنَائِمِ، عَشْرًا مِنَ الشَّاءِ بِبَعِيرٍ، قَالَ شُعْبَةُ: وَأَكْبَرُ عِلْمِي أَنِّي سَمِعْتُهُ مِنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، وَحَدَّثَنِي بِهِ سُفْيَانُ عَنْهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.

стр. 16377

و"أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ" الهاشمي المعروف بابن الكردي، أبو الحسين البصريّ، ثقة [١٠] ٣٩/ ٥٨٣. و"محمد بن جعفر": هو المعروف بغندر البصريّ، ثقة صحيح الكتاب [٩]. و"والد سفيان الثوريّ": هو سعيد بن مسروق بن حَبيب الكوفيّ، ثقة [٦]. و"عباية بن رفاعة بن رافع": هو الأنصاريّ الزرقي، أبو رفاعة المدنيّ، ثقة [٣] ٩/ ٣١١٦. و"جده": هو رافع بن خَديج الحارثي الأوسي الأنصاريّ، صحابي شهير، تقدم فِي ١١٢/ ١٥٥. وقوله: "وأكبر علمي الخ" معناه أن شعبة روى هَذَا الْحَدِيث عن سفيان، عن أبيه، وَقَالَ: أكبر ظنّي أني سمعته منْ والده أيضًا. والحديث متّفقٌ عليه، ومضى ١٧/ ٤٢٩٩ ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك، ولم يبق إلا البحث فيما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان ما تجزىء عنه البدنة فِي الضحايا، فأقول: (مسألة): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم الاشتراك فِي التضحية بالبدنة والبقرة: قَالَ العلّامة ابن قُدامة رحمه الله تعالى فِي "المغني" ج: ١٣ ص: ٣٦٣ - ٣٦٥: ما حاصله: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن البدنة تحزىء عن سبعة وكذلك البقرة، روي ذلك عن علي، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة ﵃، وبه قَالَ عطاء، وطاوس، وسالم، والحسن، وعمرو بن دينار، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وعن عمر أنه قَالَ: لا تجزىء نفس واحدة عن سبعة، ونحوُهُ قول مالك، قَالَ أحمد: ما علمت أحدا إلا يرخص فِي ذلك، إلا ابن عمر، وعن سعيد بن المسيب: أن الجزور عن عشرة، والبقرة عن سبعة، وبه قَالَ إسحاق؛ لما روى رافع، أن النبيّ ﷺ قسم، فعدل عشرة منْ الغنم، ببعير، متَّفقٌ عليه. وعن ابن عباس، قَالَ، كنا مع رسول الله ﷺ فِي سفر، فحضر الأضحى، فاشتركنا فِي الجزور عن عشرة، والبقرة عن سبعة، حديث صحيح رواه أصحاب السنن. واحتجّ الأولون بما رواه جابر رضي الله تعالى عنه، قَالَ: نحرنا بالحديبية، مع النبيّ ﷺ البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة، وَقَالَ أيضا: كنا نتمتع مع رسول الله ﷺ ، فنذبح البقرة عن سبعة، نشترك فيها، رواه مسلم، وهذان أصحُّ منْ حديثهم. وأما حديث رافع، فهو فِي القسمة، لا فِي الأضحية، إذا ثبت هَذَا، فسواء كَانَ المشتركون منْ أهل بيت، أو لم يكونوا، مفترضين، أو متطوعين، أو كَانَ بعضهم يريد القربة، وبعضهم يريد اللحم؛ لأن كل إنسان منهم، إنما يجزىء عنه نصيبه، فلا تضره

стр. 16378

نية غيره فِي عشرة. انتهى كلام ابن قُدامة ببعض تصرّف. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي ذهب إليه ابن المسيّب، وإسحاق منْ أن الجزور تجزىء عن عشرة هو الأرجح عندي؛ لحديث ابن عباس ﵄ المذكور، فإنه نصّ فِي محلّ النزاع، ولا ينافي حديث جابر ﵁، فإنه فِي التمتّع، وحكمهما مختلف، بدليل أن الشاة الواحدة تكفي عن أهل بيت، فِي الأضحيّة، دون التمتّع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٩٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ غَزْوَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ حُسَيْنٍ -يَعْنِي ابْنَ وَاقِدٍ- عَنْ عِلْبَاءَ بْنِ أَحْمَرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَ النَّحْرُ، فَاشْتَرَكْنَا فِي الْبَعِيرِ عَنْ عَشْرَةٍ، وَالْبَقَرَةِ عَنْ سَبْعَةٍ). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن عبد العزيز بن غَزْوان) بن أبي رِزْمة، أبو عمرو المروزيّ، ثقة [١١] ٤٧/ ٦٠٢. ٢ - (الفضل بن موسى) السِّينانيّ، أبو عبد الله المروزيّ، ثقة ثبت ربما أغرب، منْ كبار [٨٣/ ١٠٠]. ٣ - (الحسين بن واقد) أبو عبد الله القاضي المروزيّ، ثقة له أوهام [٧] ٥/ ٤٦٣. ٤ - (علباء بن أحمر) -بكسر العين المهملة، وسكون اللام، بعدها موحَدة، ومدّ- اليشكريّ -بفتح التحتانيّة، وسكون المعجمة- البصريّ، صدوق، منْ القرّاء [٤]. روى عن أبي زيد، وعمرو بن أخطب، وعكرمة مولى ابن عباس، والأسود بن كلثوم، وعنه أبو علي الرَّحَبِيّ، وداود بن أبي الْفُرَات، والحسين بن واقد، وأبو ليلى، عبد الله بن ميسرة، وعَزْرَة بن ثابت، والمنذر بن ثعبة العبدي. قَالَ أبو طالب، عن أحمد بن حنبل: لا بأس به، لا أعلم إلا خيرا. وَقَالَ ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وهو أحد القراء، له اختيار ذكره الداني. روى له مسلم، والأربعة، سوى أبي داود، له فِي مسلم حديث واحد: "صلى بنا رسول الله ﷺ الفجر، ثم صعد المنبر، فخطب، حَتَّى حضرت الظهر … " الْحَدِيث. وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط. ٥ - (عكرمة) البربري، مولى ابن عباس، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة ثبت عالم بالتفسير [٣] ٢/ ٣٢٥. ٦ - (ابن عباس) عبد الله البحر الحبر رضي الله تعالى عنهما ٢٧/ ٣١. والله تعالى

стр. 16379

أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمراوز إلى حسين، وما بعده بصريون، وابن عباس، وان كَانَ مدنيا إلا أنه نزل البصرة، وعكرمة مولاه. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ رسُولِ اللهِ ﷺ ، فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَ النَّحْرُ) أي جاء يوم نحر الأضاحي، وهو العاشر منْ شهر ذي الحجة (فَاشْتَرَكْنَا فِي الْبَعِيرِ) أي فِي نحره (عَن عَشْرَةٍ، والْبَقَرَةِ عَنْ سَبْعةٍ) فيه جواز الاشتراك فِي أضحية البدنة، والبقرة، وبه قَالَ الجمهور، وهو الحقّ، وخالف فِي ذلك ابن عمر، ومالك، وَقَدْ تقدّم ذلك فِي الذي قبله، وفيه أيضًا أن البدنة تجزىء عن العشرة، وبه قَالَ ابن المسيّب، وإسحاق، وهو الحقّ، كما تقدم تحقيقه أيضًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيح. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٥/ ٤٣٩٤ - وفي "الكبرى" ١٥/ ٤٤٨٢. وأخرجه (ت) فِي "الحجّ" ٩٠٥ و"الأضاحي" ١٥٠١ (ق) فِي "الأضاحي" ٣١٣١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". ***

стр. 16380

١٦ - (بَابُ مَا تُجْزِىءُ عَنْهُ الْبَقَرَةُ فِي الضَّحَايَا) ٤٣٩٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: "كُنَّا نَتَمَتَّعُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَذْبَحُ الْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَنَشْتَرِكُ فِيهَا"). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا، و"يحيى": هو القطّان. و"عبد الملك": هو ابن أبي سُليمان ميسرة، العَرْزَميّ الكوفيّ. و"عطاء": هو ابن أبي رباح. وشرح الْحَدِيث واضح، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث جابر رضي الله تعالى عنه هَذَا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٦/ ٤٣٩٥ - وفي "الكبرى" ٤٤٨٣. وأخرجه (م) فِي "الحج" ٢٣٢٢ و٢٣٢٤ (د) فِي "الضحايا" ٢٤٢٤ و٢٤٢٥ و٢٤٢٦ (ت) فِي "الحج" ٨٢٨ و"الأضاحي" ١٤٢٢ (ق) فِي "الأضاحي" ٣١٢٣ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١٣٦١٢ و١٣٨٧٨ و١٤٨٠ و١٤٣٨٥ و١٤٣٩٥ و١٤٥٠ و١٨٧٣ (الدارميّ) فِي "الأضاحي" ١٨٧٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٧ - (ذَبْحُ الضَّحِيَّةِ قَبْلَ الإِمَامِ) وفي نسخة: "ذبح الأضحيّة قبل الإمام". ٤٣٩٦ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبِي، عَنْ فِرَاسٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ح وَأَنْبَأَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ الْبَرَاءِ، فَذَكَرَ أَحَدُهُمَا مَا لَمْ يَذْكُرِ الآخَرُ، قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الأَضْحَى، فَقَالَ: "مَنْ

стр. 16381

وَجَّهَ قِبْلَتَنَا، وَصَلَّى صَلَاتَنَا، وَنَسَكَ نُسُكَنَا، فَلَا يَذْبَحْ حَتَّى يُصَلِّيَ"، فَقَامَ خَالِي، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي عَجَّلْتُ نُسُكِي، لأُطْعِمَ أَهْلِي، وَأَهْلَ دَارِي، أَوْ أَهْلِي، وَجِيرَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَعِدْ ذِبْحًا آخَرَ"، قَالَ: فَإِنَّ عِنْدِي عَنَاقَ لَبَنٍ، هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ، قَالَ: "اذْبَحْهَا، فَإِنَّهَا خَيْرُ نَسِيكَتَيْكَ، وَلَا تَقْضِي جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ"). رجال هَذَا الإسناد: سبعة: ١ - (هناد بن السريّ) المذكور قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (ابن أبي زائدة) يحيى الهمداني، أبو سعيد الكوفيّ ثقة متقن، منْ كبار [٩٣/ ١١٥]. ٣ - (أبوه) زكريّا بن أبي زائدة خالد، ويقال: هُبيرة بن ميمون بن فيروز الهمداني الوادعي، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة، يدلس [٦] ٩٣/ ١١٥. ٤ - (داود بن أبي هند) القشيري مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقة متقن كَانَ يهم بآخره [٥] ٢١/ ٥٣٨. ٥ - (فِراس) بن يحيى الهمداني الخارفي، أبو يحيى الكوفيّ المكتب، صدوق، ربما وهم [٦] ٥٩/ ٢٥٤١. ٦ - (عامر) بن شَرَاحيل، أبو عمرو الشعبيّ الكوفيّ، ثقة فقيه فاضل مشهور [٣] ٦٦/ ٨٢. ٧ - (البراء بن عازب) بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما، استصغر يوم بدر، ونزل الكوفة، ومات سنة (٧٢)، وتقدم فِي ٨٦/ ١٠٥. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، داود بن أبي هند، عن الشعبي. (ومنها): أن قوله: "وأنبأنا دواد بن أبي هند" معطوف عَلَى "أنبأنا أبي"، فيحيى بن زكريّا يروي عن أبيه، عن فراس بن يحيى، عن عامر الشعبيّ، وعن داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، والثاني أعلى منْ الأول؛ لأنه وصل إلى الشعبيّ فيه بواسطة. والله تعالى أعلم. (ومنها): أن فِي قوله: "فذكر أحدهما ما لم يذكره الآخر"، فائدة حديثية، وهو منْ كلام يحيى بن زكريا، وحاصل المعنى أن كلًّا منْ أبيه، وداود بن أبي هند أنبأه بهذا

стр. 16382

الْحَدِيث، ثم إن كلًّا منهما تفرد بذكر ألفاظ فِي الْحَدِيث لم يذكرها الآخر. ثم إن مثل هَذَا الإجمال لا يضرّ فِي صحة الْحَدِيث؛ لأن كلًّا منهما ثقة، وإنما يضرّ لو كَانَ أحدهما ضعيفًا. قَالَ فِي "تقريب النواوي" مع شرحه "تدريب الراوي": ٢ ص: ١٢٤ - ١٢٥: ما مُلَخَّصُهُ: وإذا سمع بعض حديث منْ شيخ، وبعضه الآخر منْ شيخ آخر، فروى جملته عنهما، مبينا أن بعضه عن أحدهما، وبعضه عن الآخر، غير مميز لما سمعه منْ كل شيخ عن الآخر جاز، ثم يصير كل جزء منه، كأنه رواه عن أحدهما مبهما، فلا يحتج بشيء منه، إن كَانَ فيهما مجروح؛ لأنه ما منْ جزء منه، إلا ويجوز أن يكون عن ذلك المجروح، ويجب ذكرهما حينئذ جميعا، مبينا أن عن أحدهما بعضه، وعن الآخر بعضه، ولا يجوز ذكرهما ساكتا عن ذلك، ولا إسقاط أحديث، مجروحا كَانَ أو ثقة. ومن أمثلة ذلك: حديث الإفك فِي "الصحيح"، منْ رواية الزهريّ، حيث قَالَ: حدثني عروة، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة، قَالَ: وكل قد حدثني طائفة منْ حديثها، ودخل حديث بعضهم فِي بعض، وأنا أوعى لحديث بعضهم منْ بعض، فذكر الْحَدِيث. انتهى المقصود منْ "التقريب"، و"التدريب". وإلى هَذَا أشار الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى فِي "ألفية الْحَدِيث"، حيث قَالَ: وَلَوْ رَوَى بَعْضَ حَدِيثٍ عَن رَجُلْ … وَبَعْضَهُ عَنْ آخَرٍ ثُمَّ جَمَلْ ذَلِكَ عَن ذَيْنِ مُبَيِّنًا بِلَا … مَيْزٍ أجِزْ وَحَذْفُ شَخْصٍ حُظِلَا مُجَرَّحًا يَكُونُ أو مُعَدَّلَا … وَحَيْثُ جَرْحُ وَاحِدٍ لَا تَقْبَلَا والله تعالى أعلم بالصواب. شرح الْحَدِيث (عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَوْمَ الأَضْحَى) وفي الرواية التالية: "خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر، بعد الصلاة" (فَقَالَ: "مَنْ وَجَّهَ قِبلَتَنَا) -بفتح الواو، وتشديد الجيم-: أي وَجَّهَ وجهه، والمراد استقبل القبلة، والمراد أن يكون معنا فِي هذه الأمور، وَقَالَ فِي "الفتح": المراد منْ كَانَ عَلَى دين الإِسلام. انتهى (وَصَلَّى صَلَاتَنَا، وَنَسَكَ نُسُكَنَا) أي أراد أن يذبح مثل ذبيحتنا (فَلَا يَذْبَحْ حَتَّى يُصَلِّيَ) أي صلاة العيد (فَقَامَ خَالِي) هو أبو بُردة/ هانىء بن نِيار -بكسر النون،

стр. 16383

وتخفيف الياء المثنّاة منْ تحتُ، وآخره راء، واسم جدّه عمرو بن عُبيد، وهو بلويّ، منْ حلفاء الأنصار. وَقَدْ قيل: إن اسمه الحارث بن عمرو. وقيل: مالك بن هُبيرة، والأول هو الأصحّ. وأخرج ابن منده منْ طريق جابر الجعفيّ، عن الشعبيّ، عن البراء، قَالَ: كَانَ اسم خالي قيلًا، فسمّاه النبيّ ﷺ كثيرًا، وَقَالَ: يا كثير، إنما نسكنا بعد صلاتنا … " ثم ذكر حديث الباب بطوله، وجابر ضعيف، وأبو بردة ممن شهِد العقبة، وبدرًا، والمشاهد، وعاش إلى سنة اثنتين، وقيل: خمس وأربعين. قاله فِي "الفتح" ١١/ ١٢٧ - ١٢٨. (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي عَجَّلْتُ نُسُكِي) أي استعجلت فِي ذبح أضحيّتي قبل الصلاة (لأُطْعِمَ أَهْلِي، وَأَهْلَ دَارِي، أَوْ) شك منْ الراوي (أَهْلِي، وَجِيرَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَعِدْ ذِبْحًا آخَرَ") وفي الرواية التالية: "تلك شاة لحم"، أي ليست أضحيّة، بل هو لحم، يُنتفع به، كما وقع فِي رواية: "إنما هو لحم، يقدمه لأهله" وفي رواية: "ذاك شيء عجلته لأهلك". وَقَدْ استشكلت الإضافة فِي قوله: "شاة لحم"، وذلك أن الإضافة قسمان: معنوية، ولفظية، فالمعنوية، إما مقدرة بـ"منْ"، كخاتم حديد، أو باللام، كغلام زيد، أو بـ"فِي"، كضَرْبِ اليوم، معناه: ضرب فِي اليوم. وأما اللفظية فهي صفة، مضافة إلى معمولها، كضارب زيد، وحسن الوجه، ولا يصح شيء منْ الأقسام الخمسة، فِي "شاة لحم"، قَالَ الفاكهي: والذي يظهر لي أن أبا بردة، لَمّا اعتقد، أن شاته شاة أضحية، أوقع ﷺ فِي الجواب قوله: "شاة لحم"، موقع قوله: شاة غير أضحية. ذكره فِي "الفتح" ١١/ ١٢٨. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنه لا وجه للاستشكال المذكور، فإن الإضافة هنا بمعنى اللام، فيكون المعنى أنها شاة مذبوحة للاستفادة منْ لحمها، لا لإقامة السنة بالتضحية بها، وذلك أن القاعدة النحويّة، أن كلّ ما لا يصلح أن تكون إضافته بمعنى "منْ"، أو "فِي"، فإنها تكون بمعنى اللام، قَالَ ابن مالك رحمه الله تعالى فِي "خلاصته": وَالثَّانِي اجْرُرْ وَانْوِ "مِنْ" أوْ (فِي) إِذَا … لَمْ يَصْلُحِ إلَّا ذَاكَ وَاللَّام خُذَا لِمَا سِوَى دَيْنِكَ واخْصُصَ اوَّلَا … أوْ أَعْطِهِ التَّعْرِيفَ بِالَّذِي تَلَا راجع شروح الألفية لابن عقيل، مع حاشية الخضريّ ٢/ ٣/-٤. تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (قَالَ) أبو بردة (فَإنَّ عِنْدِي عَنَاقَ لَبَنٍ) بفتح العين المهملة، والإضافة إلى اللبن،

стр. 16384

و"العناق" هي الأنثى منْ أولاد المعز، دون المسنّة، وإضافتها إلى اللبن، إما للدلالة عَلَى أنها صغيرة، ترضع اللبن، أو للدلالة عَلَى أنها سمينة، أُعدّت للبن. وفي الرواية التالية: "فإن عندي عَناقًا جذعةً". وفي رواية البخاريّ: "إن عندي داجنا جذعةً منْ المعز"، قَالَ فِي "الفتح" ١١/ ١٢٨ - ١٢٩: والداجن: هي التي تَأْلَف البيوت، وتستأنس، وليس لها سنّ معين، ولما صار هَذَا الاسم علما، عَلَى ما يَأْلَف البيوت، اضمحلّ الوصف عنه، فاستوى فيه المذكر والمؤنث، والجذعة تقدم بيانها، وَقَدْ بين فِي هذه الرواية أنها منْ المعز. قَالَ: والعَنَاق -بفتح العين، وتخفيف النون-: الأنثى منْ ولد المعز، عند أهل اللغة، ولم يصب الداودي فِي زعمه، أن العناق هي التي استَحَقَّت أن تحمل، وأنها تطلق عَلَى الذكر والأنثى، وأنه بَيَّنَ بقوله: "لبن"، أنها أنثى. قَالَ ابن التين: غَلِطَ فِي نقل اللغة، وفي تأويل الْحَدِيث، فإن معنى "عناق لبن": أنها صغيرة سن، ترضع أمها. ووقع عند الطبراني، منْ طريق سهل بن أبي حثمة، أن أبا بردة، ذبح ذبيحته بسحر، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فَقَالَ: "إنما الأضحية ما ذُبح بعد الصلاة، اذهب فَضَحّ"، فَقَالَ: ما عندي إلا جذعة منْ المعز … الْحَدِيث. وزاد فِي رواية أخرى: "هي أحب إلى منْ شاتين". وفي رواية لمسلم منْ "شاتي لحم". والمعنى أنها أطيب لحما، وأنفع للآكلين؛ لِسِمَنِها، ونفاستها. وَقَدْ استشكل هَذَا بما ذُكر أن عتق نفسين أفضل، منْ عتق نفس واحدة، ولو كانت أنفس مهما. وأجيب بالفرق بين الأضحية والعتق، أن الأضحية يُطلَب فيها كثرة اللحم، فتكون الواحدة السمينة أولى منْ الهزيلتين، والعتق يطلب فيه التقرب إلى الله بفك الرقبة، فيكون عتق الإثنين أولى منْ عتق الواحدة، نعم إن عرض للواحد وصف يقتضى رفعته عَلَى غيره، كالعلم، وأنواع الفضل المتعدي، فقد جزم بعض المحتقين بأنه أولى؛ لعموم نفعه للمسلمين. ووقع فِي رواية أخرى: "وهي خير منْ مسنة"، وحكى ابن التين عن الداودي أن المسنة التي سقطت أسنانها للبدل، وَقَالَ أهل اللغة: المسن الثَّنِيُّ الذي يُلقي سنهُ، ويكون فِي ذات الخف، فِي السنة السادسة، وفي ذات الظلف والحافر، فِي السنة الثالثة. وَقَالَ ابن فارس: إذا دخل ولد الشاة فِي الثالثة، فهو ثَنِيٌّ، ومسن. ذكره فِي "الفتح". (هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ) أي لكونها أطيب، وأنفع؛ لسمنها (قَالَ: "اذْبَحْهَا، فَإِنَّهَا خَيْرُ نَسِيكَتَيْكَ) أي خير ذبيحتيك، حيث تجزي عن الأضحيّة، بخلاف الأولى (وَلَا

стр. 16385

تَقْضِي) بفتح أوله، منْ القضاء: أي إلا تؤدّي، ولا تُسقط، يقال: قضيتُ الحجّ، والدينَ: أدّيته، قَالَ الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٠٠]: أي أدّيتموها، فالقضاء هنا بمعنى الأداء، كما قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية [النِّساء: ١٠٣]: أي أدّيتموها، واستعمل العلماء القضاء فِي العبادة التي تُفعل خارج وقتها المحدود شرعًا، والأداءَ إذا فُعلت فِي الوقت المحدود، وهو مخالف للوضع اللغويّ، لكنه اصطلاحٌ للتمييز بين الوقتين. قاله الفيّوميّ (جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ) وفي الرواية التالية: "ولن تَجزي عن أحد بعدك": وهو بفتح أوله، غيرَ مهموز: وهو بمعنى "تَقضِي"، يقال: جزا عني فلانٌ كذا: أي قَضَى ومنه: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ الآية [البقرة: ٤٨]: أي لا تقضي عنها. قَالَ ابن بَرِيّ: الفقهاء يقولون: لا تُجزِىء -بالضم، والهمز- فِي موضع لا تقضي، والصواب بالفتح، وترك الهمز، قَالَ: لكن يجوز الضم والهمز، بمعنى الكفاية، يقال: أجزأ عنك. وَقَالَ صاحب "الأساس": بنو تميم يقولون: البدنة تُجزِى عن سبعة، بضم أوله، وأهل الحجاز تَجزِي بفتح أوله، وبهما قُرِىءَ: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾. وفي هَذَا تَعَقُّب عَلَى منْ نقل الاتفاق، عَلَى منع ضم أوله. قاله فِي "الفتح" ١١/ ١٢٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق كذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٧/ ٤٣٩٦ و٤٣٩٧ وفي "كتاب العيدين" ٨/ ١٥٦٣ و١٥٦٩ و١٥٨١ - وفي "الكبرى" ١٨/ ٤٤٨٦ و٤٤٨٧ وفي "العيدين" ١٧٦٤ و١٨٠٣. وأخرجه (خ) فِي "العيدين" ٩٥١ و٩٥٥ و٩٦٥ و٩٦٨ و٩٧٧ و٩٨٣ و"الأضاحي" ٥٥٤٥ و٥٥٦٠ و٥٥٦٣ و٥٥٥٦ و"الأيمان والنذور" ٦٦٧٣ (م) فِي "الأضاحي" ٥٠٤٢ و٥٠٤٣ و٥٥٤٤ و٥٠٤٥ و٥٠٤٦ و٥٠٤٧ و٥٠٤٨ و٥٠٤٩ (د) فِي "الضحايا" ٢٨٠٠ و٢٨٠١ (ت) فِي "الأضاحي" ١٥٠٨. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم ذبح الضّحيّة قبل الإِمام، وهو عدم الجواز، وسيأتي اختلاف العلماء فيه فِي المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أنه استُدلّ به عَلَى وجوب الأضحية، عَلَى منْ التزم الأضحية، فأفسد
следующие страницы →