← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 16381–16420 · переход к 16386.

стр. 16381

وَجَّهَ قِبْلَتَنَا، وَصَلَّى صَلَاتَنَا، وَنَسَكَ نُسُكَنَا، فَلَا يَذْبَحْ حَتَّى يُصَلِّيَ"، فَقَامَ خَالِي، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي عَجَّلْتُ نُسُكِي، لأُطْعِمَ أَهْلِي، وَأَهْلَ دَارِي، أَوْ أَهْلِي، وَجِيرَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَعِدْ ذِبْحًا آخَرَ"، قَالَ: فَإِنَّ عِنْدِي عَنَاقَ لَبَنٍ، هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ، قَالَ: "اذْبَحْهَا، فَإِنَّهَا خَيْرُ نَسِيكَتَيْكَ، وَلَا تَقْضِي جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ"). رجال هَذَا الإسناد: سبعة: ١ - (هناد بن السريّ) المذكور قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (ابن أبي زائدة) يحيى الهمداني، أبو سعيد الكوفيّ ثقة متقن، منْ كبار [٩٣/ ١١٥]. ٣ - (أبوه) زكريّا بن أبي زائدة خالد، ويقال: هُبيرة بن ميمون بن فيروز الهمداني الوادعي، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة، يدلس [٦] ٩٣/ ١١٥. ٤ - (داود بن أبي هند) القشيري مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقة متقن كَانَ يهم بآخره [٥] ٢١/ ٥٣٨. ٥ - (فِراس) بن يحيى الهمداني الخارفي، أبو يحيى الكوفيّ المكتب، صدوق، ربما وهم [٦] ٥٩/ ٢٥٤١. ٦ - (عامر) بن شَرَاحيل، أبو عمرو الشعبيّ الكوفيّ، ثقة فقيه فاضل مشهور [٣] ٦٦/ ٨٢. ٧ - (البراء بن عازب) بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما، استصغر يوم بدر، ونزل الكوفة، ومات سنة (٧٢)، وتقدم فِي ٨٦/ ١٠٥. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، داود بن أبي هند، عن الشعبي. (ومنها): أن قوله: "وأنبأنا دواد بن أبي هند" معطوف عَلَى "أنبأنا أبي"، فيحيى بن زكريّا يروي عن أبيه، عن فراس بن يحيى، عن عامر الشعبيّ، وعن داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، والثاني أعلى منْ الأول؛ لأنه وصل إلى الشعبيّ فيه بواسطة. والله تعالى أعلم. (ومنها): أن فِي قوله: "فذكر أحدهما ما لم يذكره الآخر"، فائدة حديثية، وهو منْ كلام يحيى بن زكريا، وحاصل المعنى أن كلًّا منْ أبيه، وداود بن أبي هند أنبأه بهذا

стр. 16382

الْحَدِيث، ثم إن كلًّا منهما تفرد بذكر ألفاظ فِي الْحَدِيث لم يذكرها الآخر. ثم إن مثل هَذَا الإجمال لا يضرّ فِي صحة الْحَدِيث؛ لأن كلًّا منهما ثقة، وإنما يضرّ لو كَانَ أحدهما ضعيفًا. قَالَ فِي "تقريب النواوي" مع شرحه "تدريب الراوي": ٢ ص: ١٢٤ - ١٢٥: ما مُلَخَّصُهُ: وإذا سمع بعض حديث منْ شيخ، وبعضه الآخر منْ شيخ آخر، فروى جملته عنهما، مبينا أن بعضه عن أحدهما، وبعضه عن الآخر، غير مميز لما سمعه منْ كل شيخ عن الآخر جاز، ثم يصير كل جزء منه، كأنه رواه عن أحدهما مبهما، فلا يحتج بشيء منه، إن كَانَ فيهما مجروح؛ لأنه ما منْ جزء منه، إلا ويجوز أن يكون عن ذلك المجروح، ويجب ذكرهما حينئذ جميعا، مبينا أن عن أحدهما بعضه، وعن الآخر بعضه، ولا يجوز ذكرهما ساكتا عن ذلك، ولا إسقاط أحديث، مجروحا كَانَ أو ثقة. ومن أمثلة ذلك: حديث الإفك فِي "الصحيح"، منْ رواية الزهريّ، حيث قَالَ: حدثني عروة، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة، قَالَ: وكل قد حدثني طائفة منْ حديثها، ودخل حديث بعضهم فِي بعض، وأنا أوعى لحديث بعضهم منْ بعض، فذكر الْحَدِيث. انتهى المقصود منْ "التقريب"، و"التدريب". وإلى هَذَا أشار الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى فِي "ألفية الْحَدِيث"، حيث قَالَ: وَلَوْ رَوَى بَعْضَ حَدِيثٍ عَن رَجُلْ … وَبَعْضَهُ عَنْ آخَرٍ ثُمَّ جَمَلْ ذَلِكَ عَن ذَيْنِ مُبَيِّنًا بِلَا … مَيْزٍ أجِزْ وَحَذْفُ شَخْصٍ حُظِلَا مُجَرَّحًا يَكُونُ أو مُعَدَّلَا … وَحَيْثُ جَرْحُ وَاحِدٍ لَا تَقْبَلَا والله تعالى أعلم بالصواب. شرح الْحَدِيث (عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَوْمَ الأَضْحَى) وفي الرواية التالية: "خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر، بعد الصلاة" (فَقَالَ: "مَنْ وَجَّهَ قِبلَتَنَا) -بفتح الواو، وتشديد الجيم-: أي وَجَّهَ وجهه، والمراد استقبل القبلة، والمراد أن يكون معنا فِي هذه الأمور، وَقَالَ فِي "الفتح": المراد منْ كَانَ عَلَى دين الإِسلام. انتهى (وَصَلَّى صَلَاتَنَا، وَنَسَكَ نُسُكَنَا) أي أراد أن يذبح مثل ذبيحتنا (فَلَا يَذْبَحْ حَتَّى يُصَلِّيَ) أي صلاة العيد (فَقَامَ خَالِي) هو أبو بُردة/ هانىء بن نِيار -بكسر النون،

стр. 16383

وتخفيف الياء المثنّاة منْ تحتُ، وآخره راء، واسم جدّه عمرو بن عُبيد، وهو بلويّ، منْ حلفاء الأنصار. وَقَدْ قيل: إن اسمه الحارث بن عمرو. وقيل: مالك بن هُبيرة، والأول هو الأصحّ. وأخرج ابن منده منْ طريق جابر الجعفيّ، عن الشعبيّ، عن البراء، قَالَ: كَانَ اسم خالي قيلًا، فسمّاه النبيّ ﷺ كثيرًا، وَقَالَ: يا كثير، إنما نسكنا بعد صلاتنا … " ثم ذكر حديث الباب بطوله، وجابر ضعيف، وأبو بردة ممن شهِد العقبة، وبدرًا، والمشاهد، وعاش إلى سنة اثنتين، وقيل: خمس وأربعين. قاله فِي "الفتح" ١١/ ١٢٧ - ١٢٨. (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي عَجَّلْتُ نُسُكِي) أي استعجلت فِي ذبح أضحيّتي قبل الصلاة (لأُطْعِمَ أَهْلِي، وَأَهْلَ دَارِي، أَوْ) شك منْ الراوي (أَهْلِي، وَجِيرَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَعِدْ ذِبْحًا آخَرَ") وفي الرواية التالية: "تلك شاة لحم"، أي ليست أضحيّة، بل هو لحم، يُنتفع به، كما وقع فِي رواية: "إنما هو لحم، يقدمه لأهله" وفي رواية: "ذاك شيء عجلته لأهلك". وَقَدْ استشكلت الإضافة فِي قوله: "شاة لحم"، وذلك أن الإضافة قسمان: معنوية، ولفظية، فالمعنوية، إما مقدرة بـ"منْ"، كخاتم حديد، أو باللام، كغلام زيد، أو بـ"فِي"، كضَرْبِ اليوم، معناه: ضرب فِي اليوم. وأما اللفظية فهي صفة، مضافة إلى معمولها، كضارب زيد، وحسن الوجه، ولا يصح شيء منْ الأقسام الخمسة، فِي "شاة لحم"، قَالَ الفاكهي: والذي يظهر لي أن أبا بردة، لَمّا اعتقد، أن شاته شاة أضحية، أوقع ﷺ فِي الجواب قوله: "شاة لحم"، موقع قوله: شاة غير أضحية. ذكره فِي "الفتح" ١١/ ١٢٨. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنه لا وجه للاستشكال المذكور، فإن الإضافة هنا بمعنى اللام، فيكون المعنى أنها شاة مذبوحة للاستفادة منْ لحمها، لا لإقامة السنة بالتضحية بها، وذلك أن القاعدة النحويّة، أن كلّ ما لا يصلح أن تكون إضافته بمعنى "منْ"، أو "فِي"، فإنها تكون بمعنى اللام، قَالَ ابن مالك رحمه الله تعالى فِي "خلاصته": وَالثَّانِي اجْرُرْ وَانْوِ "مِنْ" أوْ (فِي) إِذَا … لَمْ يَصْلُحِ إلَّا ذَاكَ وَاللَّام خُذَا لِمَا سِوَى دَيْنِكَ واخْصُصَ اوَّلَا … أوْ أَعْطِهِ التَّعْرِيفَ بِالَّذِي تَلَا راجع شروح الألفية لابن عقيل، مع حاشية الخضريّ ٢/ ٣/-٤. تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (قَالَ) أبو بردة (فَإنَّ عِنْدِي عَنَاقَ لَبَنٍ) بفتح العين المهملة، والإضافة إلى اللبن،

стр. 16384

و"العناق" هي الأنثى منْ أولاد المعز، دون المسنّة، وإضافتها إلى اللبن، إما للدلالة عَلَى أنها صغيرة، ترضع اللبن، أو للدلالة عَلَى أنها سمينة، أُعدّت للبن. وفي الرواية التالية: "فإن عندي عَناقًا جذعةً". وفي رواية البخاريّ: "إن عندي داجنا جذعةً منْ المعز"، قَالَ فِي "الفتح" ١١/ ١٢٨ - ١٢٩: والداجن: هي التي تَأْلَف البيوت، وتستأنس، وليس لها سنّ معين، ولما صار هَذَا الاسم علما، عَلَى ما يَأْلَف البيوت، اضمحلّ الوصف عنه، فاستوى فيه المذكر والمؤنث، والجذعة تقدم بيانها، وَقَدْ بين فِي هذه الرواية أنها منْ المعز. قَالَ: والعَنَاق -بفتح العين، وتخفيف النون-: الأنثى منْ ولد المعز، عند أهل اللغة، ولم يصب الداودي فِي زعمه، أن العناق هي التي استَحَقَّت أن تحمل، وأنها تطلق عَلَى الذكر والأنثى، وأنه بَيَّنَ بقوله: "لبن"، أنها أنثى. قَالَ ابن التين: غَلِطَ فِي نقل اللغة، وفي تأويل الْحَدِيث، فإن معنى "عناق لبن": أنها صغيرة سن، ترضع أمها. ووقع عند الطبراني، منْ طريق سهل بن أبي حثمة، أن أبا بردة، ذبح ذبيحته بسحر، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فَقَالَ: "إنما الأضحية ما ذُبح بعد الصلاة، اذهب فَضَحّ"، فَقَالَ: ما عندي إلا جذعة منْ المعز … الْحَدِيث. وزاد فِي رواية أخرى: "هي أحب إلى منْ شاتين". وفي رواية لمسلم منْ "شاتي لحم". والمعنى أنها أطيب لحما، وأنفع للآكلين؛ لِسِمَنِها، ونفاستها. وَقَدْ استشكل هَذَا بما ذُكر أن عتق نفسين أفضل، منْ عتق نفس واحدة، ولو كانت أنفس مهما. وأجيب بالفرق بين الأضحية والعتق، أن الأضحية يُطلَب فيها كثرة اللحم، فتكون الواحدة السمينة أولى منْ الهزيلتين، والعتق يطلب فيه التقرب إلى الله بفك الرقبة، فيكون عتق الإثنين أولى منْ عتق الواحدة، نعم إن عرض للواحد وصف يقتضى رفعته عَلَى غيره، كالعلم، وأنواع الفضل المتعدي، فقد جزم بعض المحتقين بأنه أولى؛ لعموم نفعه للمسلمين. ووقع فِي رواية أخرى: "وهي خير منْ مسنة"، وحكى ابن التين عن الداودي أن المسنة التي سقطت أسنانها للبدل، وَقَالَ أهل اللغة: المسن الثَّنِيُّ الذي يُلقي سنهُ، ويكون فِي ذات الخف، فِي السنة السادسة، وفي ذات الظلف والحافر، فِي السنة الثالثة. وَقَالَ ابن فارس: إذا دخل ولد الشاة فِي الثالثة، فهو ثَنِيٌّ، ومسن. ذكره فِي "الفتح". (هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ) أي لكونها أطيب، وأنفع؛ لسمنها (قَالَ: "اذْبَحْهَا، فَإِنَّهَا خَيْرُ نَسِيكَتَيْكَ) أي خير ذبيحتيك، حيث تجزي عن الأضحيّة، بخلاف الأولى (وَلَا

стр. 16385

تَقْضِي) بفتح أوله، منْ القضاء: أي إلا تؤدّي، ولا تُسقط، يقال: قضيتُ الحجّ، والدينَ: أدّيته، قَالَ الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٠٠]: أي أدّيتموها، فالقضاء هنا بمعنى الأداء، كما قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية [النِّساء: ١٠٣]: أي أدّيتموها، واستعمل العلماء القضاء فِي العبادة التي تُفعل خارج وقتها المحدود شرعًا، والأداءَ إذا فُعلت فِي الوقت المحدود، وهو مخالف للوضع اللغويّ، لكنه اصطلاحٌ للتمييز بين الوقتين. قاله الفيّوميّ (جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ) وفي الرواية التالية: "ولن تَجزي عن أحد بعدك": وهو بفتح أوله، غيرَ مهموز: وهو بمعنى "تَقضِي"، يقال: جزا عني فلانٌ كذا: أي قَضَى ومنه: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ الآية [البقرة: ٤٨]: أي لا تقضي عنها. قَالَ ابن بَرِيّ: الفقهاء يقولون: لا تُجزِىء -بالضم، والهمز- فِي موضع لا تقضي، والصواب بالفتح، وترك الهمز، قَالَ: لكن يجوز الضم والهمز، بمعنى الكفاية، يقال: أجزأ عنك. وَقَالَ صاحب "الأساس": بنو تميم يقولون: البدنة تُجزِى عن سبعة، بضم أوله، وأهل الحجاز تَجزِي بفتح أوله، وبهما قُرِىءَ: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾. وفي هَذَا تَعَقُّب عَلَى منْ نقل الاتفاق، عَلَى منع ضم أوله. قاله فِي "الفتح" ١١/ ١٢٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق كذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٧/ ٤٣٩٦ و٤٣٩٧ وفي "كتاب العيدين" ٨/ ١٥٦٣ و١٥٦٩ و١٥٨١ - وفي "الكبرى" ١٨/ ٤٤٨٦ و٤٤٨٧ وفي "العيدين" ١٧٦٤ و١٨٠٣. وأخرجه (خ) فِي "العيدين" ٩٥١ و٩٥٥ و٩٦٥ و٩٦٨ و٩٧٧ و٩٨٣ و"الأضاحي" ٥٥٤٥ و٥٥٦٠ و٥٥٦٣ و٥٥٥٦ و"الأيمان والنذور" ٦٦٧٣ (م) فِي "الأضاحي" ٥٠٤٢ و٥٠٤٣ و٥٥٤٤ و٥٠٤٥ و٥٠٤٦ و٥٠٤٧ و٥٠٤٨ و٥٠٤٩ (د) فِي "الضحايا" ٢٨٠٠ و٢٨٠١ (ت) فِي "الأضاحي" ١٥٠٨. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم ذبح الضّحيّة قبل الإِمام، وهو عدم الجواز، وسيأتي اختلاف العلماء فيه فِي المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أنه استُدلّ به عَلَى وجوب الأضحية، عَلَى منْ التزم الأضحية، فأفسد

стр. 16386

ما يُضحِّي به، ورده الطحاوي بأنه لو كَانَ كذلك، لتعرض إلى قيمة الأُولى ليلزم بمثلها، فلما لم يَعتبر ذلك دلّ عَلَى أن الأمر بالإعادة، كَانَ عَلَى جهة الندب، وفيه بيان ما يجزي فِي الأضحية، لا عَلَى وجوب الإعادة. (ومنها): أن المرجع فِي الأحكام إنما هو إلى النبيّ ﷺ ، وأنه قد يَخُصّ بعض أمته بحكم، ويمنع غيره منه، ولو كَانَ بغير عذر. (ومنها): أن خطاب الشارع للواحد يعم جميع المكلفين، حَتَّى يَظهر دليل الخصوصية؛ لأن السياق يُشعر بأن قوله لأبي بردة: "ضَحِّ به" -أي بالجذع- لو كَانَ يفهم منه تخصيصه بذلك، لما احتاج إلى أن يقول له: "ولن تجزى عن أحد بعدك"، ويحتمل أن تكون فائدة ذلك قطع إلحاق غيره به فِي الحكم المذكور، لا أن ذلك مأخوذ منْ مجرد اللفظ، وهو قويّ. (ومنها): أن منْ ذبح قبل الصلاة لم يجزئه، ولزمه البدل، قَالَ ابن قُدامة رحمه الله تعالى: وهذا محمول عَلَى الأضحية الواجبة بنذر، أو تعيين، فإن كانت غير واجبة بواحد منْ الأمرين، فهي شاة لحم، ولابدل عليه، إلا أن يشاء؛ لأنه قصد التطوع، فأفسده، فلم يجب عليه بدله، كما لو خرج بصدقة تطوع، فدفعها إلى غير مستحقها، والحديث يُحمل عَلَى أحد أمرين: إما عَلَى الندب، وأما عَلَى التخصيص بمن وجبت عليه، بدليل ما ذكرنا، فأما الشاة المذبوحة فهي شاة لحم، كما وصفها النبيّ ﷺ ، ومعناه: يصنع بها ما شاء، كشاةِ ذبحها للحمها، لا لغير ذلك، فإن هذه إن كانت واجبة، فقد لزمه إبدالها، وذبح ما يقوم مقامها، فخرجت هذه عن كونها واجبة، كالهدي الواجب، إذا عطب دون محله، وإن كَانَ تطوعا، فقد أخرجها بذبحه إياها قبل محلها عن القربة، فبقيت مجرد شاة لحم، ويحتمل أن يكون حكمها حكم الأضحية، كالهدي إذا عطب، لا يخرج عن حكم الهدي عَلَى رواية، ويكون معنى قوله: "شاة لحم"، أي فِي فضلها، وثوابها خاصة، دون ما يصنع بها. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الأول هو الأظهر. والله تعالى أعلم. (ومنها): أنه استُدلّ بقوله: "اذبح مكانها أخرى"، وفي لفظ: "أَعِد نسكا"، وفي لفظ: "ضَحِّ بها"، وغير ذلك منْ الألفاظ المصرحة بالأمر بالأضحية، عَلَى وجوب الأضحية، قَالَ القرطبيّ فِي "المفهم": ولا حجة فِي شيء منْ ذلك، وإنما المقصود بيان كيفية مشروعية الأضحية، لمن أراد أن يفعلها، أو منْ أوقعها عَلَى غير الوجه المشروع خطأً، أو جهلًا، فبَيَّن له وجه تدارك ما فرّط منه، وهذا معنى قوله: "لا تجزى عن أحد بعدك": أي لا يحصل له مقصود القربة، ولا الثواب، كما يقال فِي صلاة النفل: لا تجزي إلا بطهارة، وستر عورة، قَالَ: وَقَدْ استدل بعضهم للوجوب بأن الأضحية منْ

стр. 16387

شريعة إبراهيم الخليل، وَقَدْ أمرنا باتباعه. ولا حجة فيه؛ لأنا نقول بموجبه، ويُلزمهم الدليل عَلَى أنها كانت فِي شريعة إبراهيم واجبة، ولا سبيل إلى علم ذلك، ولا دلالة فِي قصة الذبيح للخصوصية التي فيها. والله أعلم. (ومنها): أنَّ فيه أن الإِمام يُعلّم النَّاس فِي خطة العيد أحكام النحر. (ومنها): أن فيه جوازَ الاكتفاء فِي الأضحية بالشاة الواحدة، عن الرجل وعن أهل بيته، وبه قَالَ الجمهور، وعن أبي حنيفة، والثوري: يكره، وَقَالَ الخطابي لا يجوز أن يضحى بشاة واحدة عن اثنين، وادعى نسخ ما دل عليه حديث عائشة ﵂: "ضَحَّى رسول الله ﷺ عن نسائه بالبقر"، رواه البخاريّ. وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال. (ومنها): أن فيه أن العمل وان وافق نية حسنة، لم يصح إلا إذا وقع عَلَى وفق الشرع. (ومنها): أن فيه جواز أكل اللحم يوم العيد، منْ غير لحم الأضحية؛ لقوله: "إنما هو لحم قدّمه لأهله". (ومنها): أن فيه كرم الرب ؛ لكونه شرع لعبيده الأضحية، مع ما لهم فيها منْ الشهوة بالأكل والادخار، ومع ذلك فأثبت لهم الأجر فِي الذبح، ثم منْ تصدق أثيب، وإلا لم يأثم. (ومنها): أن فيه تخصيص أبي بردة بإجزاء الجذع منْ المعز فِي الأضحية، لكن وقع فِي عدة أحاديث التصريح بنظير ذلك لغير أبي بردة، ففي حديث عقبة بن عامر، كما تقدم قريبا: "ولا رخصة فيها لأحد بعدك"، قَالَ البيهقي: إن كانت هذه الزيادة محفوظة، كَانَ هَذَا رخصة لعقبة، كما رخص لأبي بردة. قَالَ الحافظ: وفي هَذَا الجمع نظر؛ لأن فِي كل منهما صيغة عموم فأيُّهما تَقَدَّم عَلَى الآخر اقتضى انتفاء الوقوع للثاني، وأقرب ما يقال فيه: إن ذلك صَدَرَ لكل منهما فِي وقت واحد، أو تكون خصوصية الأول نُسِخت بثبوت الخصوصية للثاني، ولا مانع منْ ذلك؛ لأنه لم يقع فِي السياق استمرار المنع لغيره صريحا، وقد انفصل ابن التين، وتبعه القرطبيّ، عن هَذَا الإشكال باحتمال أن يكون العتود، كَانَ كبير السن، بحيث يجزىء، لكنه قَالَ ذلك، بناءً عَلَى أن الزيادة التي فِي آخره، لم تقع له، ولا يتم مراده مع وجودها، مع مصادمته لقول أهل اللغة فِي العتود. وتمسك بعض المتأخرين بكلام ابن التين، فضعف الزيادة، وليس بجيد، فإنها خارجة منْ مخرج الصحيح، فإنها عند البيهقي، منْ طريق عبد الله البوشنجي، أحد الأئمة الكبار فِي الحفظ والفقه، وسائر فنون العلم، رواها عن يحيى ابن بكير، عن الليث، بالسند الذي ساقه البخاريّ، ولكني رأيت الْحَدِيث فِي "المتفق للجوزقي"، منْ طريق عبيد بن عبد الواحد، ومن طريق أحمد بن إبراهيم بن مِلْحان، كلاهما عن يحيى بن بكير، وليست الزيادة فيه، فهذا هو السر فِي قول البيهقي: إن

стр. 16388

كانت محفوظة، فكأنه لَمّا رأى التفرد، خشي أن يكون دخل عَلَى راويها، حديث فِي حديث. وَقَدْ وقع فِي كلام بعضهم أن الذين ثبتت لهم الرخصة أربعة، أو خمسة. واستَشكَلَ الجمعَ، وليس بمشكل، فإن الأحاديث التي وردت فِي ذلك، ليس فيها التصريح بالنفي، إلا فِي قصة أبي بردة فِي "الصحيحين"، وفي قصة عقبة بن عامر فِي البيهقي، وأما ما عدا ذلك، فقد أخرج أبو داود، وأحمد، وصححه ابن حبّان، منْ حديث زيد بن خالد: أن النبيّ ﷺ ، أعطاه عتودا جذعا، فَقَالَ: "ضَحِّ به"، فقلت: إنه جذع، أفأضحي به؟ قَالَ: "نعم، ضحِّ به"، فضحيت به. لفظ أحمد، وفي "صحيح ابن حبّان"، وابن ماجه، منْ طريق عباد بن تميم، عن عويمر بن أشقر، أنه ذبح أضحيته، قبل أن يغدو يوم الأضحى، فأمره النبيّ ﷺ ، أن يعيد أضحية أخرى. وفي الطبراني الأوسط، منْ حديث ابن عباس: أن النبيّ ﷺ ، أعطى سعد بن أبي وقاص جذعا، منْ المعز، فأمره أن يُضحّي به. وأخرجه الحاكم، منْ حديث عائشة، وفي سنده ضعف، ولابي يعلى، والحاكم، منْ حديث أبي هريرة: أن رجلًا قَالَ: يا رسول الله ﷺ ، هَذَا جذع منْ الضأن مهزول، وهذا جذع منْ المعز سمين، وهو خيرهما، أفاضحي به؟، قَالَ: "ضحّ به، فإن لله الخير". وفي سنده صعف. قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: والحق أنه لا منافاة بين هذه الأحاديث، وبين حديثي أبي بردة، وعقبة؛ لاحتمال أن يكون ذلك فِي ابتداء الأمر، ثم تقرر الشرع بأن الجذع منْ المعز لا يجزي، واختُصَّ أبو بردة، وعقبة بالرخصة فِي ذلك، وإنما قلت ذلك؛ لأن بعض النَّاس، زعم أن هؤلاء شاركوا عقبة، وأبا بردة لي ذلك، والمشاركةُ إنما وقعت فِي مطلق الإجزاء، لا فِي خصوص مع الغير. ومنهم منْ زاد فيهم: عويمر بن أشقر، وليس فِي حديثه إلا مطلق الإعادة؛ لكونه ذبح قبل الصلاة. وأما ما أخرجه ابن ماجه، منْ حديث أبي زيد الأنصاريّ: أن رسول الله ﷺ قَالَ لرجل منْ الأنصار: "اذبحها، ولن تجزي جذعة عن أحد بعدك"، فهذا يُحمَل عَلَى أنه أبو بردة بن نيار، فإنه منْ الأنصار. وكذا ما أخرجه أبو يعلى، والطبراني، منْ حديث أبي جحيفة: أن رجلا ذبح قبل الصلاة، فَقَالَ رسول الله ﷺ : "لا تجزي عنك"، قَالَ: إن عندي جذعة، فَقَالَ: "تجزي عنك، ولا تجزي بعدُ"، فلم يثبت الإجزاء لأحد، ونفيه عن الغير، إلا لأبي بردة، وعقبة، وإن تعذر الجمع الذي قدمه، فحديث أبي بردة أصح مخرجا. والله أعلم. قَالَ الفاكهي: ينبغي النظر فِي اختصاص أبي بردة بهذا الحكم، وكشف السر فيه. وأجيب بأن الماوردي قَالَ: إن فيه وجهين: [أحدهما]: أن ذلك كَانَ قبل استقرار

стр. 16389

الشرع، فاستثنى. [والثاني]: أنه عَلِمَ منْ طاعته، وخلوص نيته ما ميزه عمن سواه. قَالَ الحافظ: وفي الأول نظر؛ لأنه لو كَانَ سابقا، لامتنع وقوع ذلك لغيره، بعد التصريح بعدم الإجزاء لغيره، والفرض ثبوت الإجزاء لعدد غيره، كما تقدم. انتهى كلام الحافظ فِي "الفتح" ١١/ ١٢٩ - ١٣٠. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا البحث الذي تقدّم منْ الحافظ بحث نفيسٌ جدًّا، وخلاصته أن الجذع منْ الضأن لا يُجوز التضحية به، إلا لمن خصّه الشارع، وهما أبو بُردة بن نيار، وعقبة بن عامر رضي الله تعالى عنهما، ومن عداهما ممن رُوي أنه ﷺ أمره أن يُضحّي بالجذع، فمحمول عَلَى ما قبل استقرار النهي عن التضحية به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي وقت الأضحيّة: ذهبت طائفة إلى أنه إذا مضى منْ نهار يوم العيد، قدر ما تَحِلّ فيه الصلاة، وقدر الصلاة والخطبتين تامتين، فِي أخف ما يكون، فقد دخل وقت الذبح، ولا يعتبر نفس الصلاة، لا فرق فِي هَذَا بين أهل العصر وغيرهم، وهذا مذهب الشافعيّ، وابن المنذر. وذهبت طائفة إلى أن منْ شرط جواز التضحية، فِي حق أهل المصر، صلاةَ الإمام، وخطبَتَهُ، رُوي نحوُ هَذَا عن الحسن، والأوزاعي، ومالك، وأبي حنيفة، وإسحاق، وهو ظاهر كلام أحمد؛ لما رَوَى جندبُ بن عبد الله البجلي: أن النبيّ ﷺ قَالَ: "منْ ذبح قبل أن يصلي، فليُعِد مكانها أخرى". وعن البراء، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "منْ صلى صلاتنا، ونسك نسكنا، فقد أصاب النسك، ومن ذبح قبل أن يصلي، فليُعِد مكانها أخرى"، متَّفقٌ عليه، وفي لفظ قَالَ: "إن أول نسكنا، فِي يومنا هَذَا الصلاةُ، ثم الذبح، فمن ذبح قبل الصلاة، فتلك شاة لحم قدمها لأهله، ليس منْ النسك فِي شيء"، وظاهر هَذَا اعتبار نفس الصلاة. وذهب عطاء إلى أن وقتها إذا طلعت الشمس؛ لأنها عبادة، يتعلق آخرها بالوقت، فتلعق أولها بالوقت، كالصيام. وَقَالَ أبو حنيفة: أول وقتها فِي حقهم، إذا طلع الفجر الثاني؛ لأنه منْ يوم النحر، فكان وقتها منه كسائر اليوم. قَالَ ابن قُدامة: والصحيح -إن شاء الله تعالى- أن وقتها، فِي الموضع الذي يُصَلَّى فيه بعد الصلاة؛ لظاهر الخبر، والعمل بظاهره أولى، فأما غير أهل الأمصار والقرى، فأول وقتها فِي حقهم قدر الصلاة، والخطبة بعد الصلاة؛ لأنه لا صلاة فِي حقهم تعتبر، فوجب الاعتبار بقدرها.

стр. 16390

قَالَ ابن قُدامة: فإن لم يصل الإِمام فِي المصر لم يجز الذبح، حَتَّى تزول الشمس؛ لأنها حينئذ تسقط، فكأنه قد صَلَّى، وسواء ترك الصلاة عمدا، أو غير عمد؛ لعذر أو غيره. فأما الذبح فِي اليوم الثاني، فهو فِي أول النهار؛ لأن الصلاة فيه غير واجبة، ولأن الوقت قد دخل فِي اليوم الأول، وهذا منْ أثنائه، فلا تعتبر فيه صلاة ولا غيرها، وإن صلى الإِمام فِي المصلَّى، واستخلف منْ صلى فِي المسجد، فمتى صَلَّوا فِي أحد الموضعين، جاز الذبح؛ لوجود الصلاة التي يَسقُط بها الفرض، عن سائر النَّاس، فإن ذبح بعد الصلاة قبل الخطبة، أجزأ فِي ظاهر كلام أحمد؛ لأن النبيّ ﷺ عَلَّق المنع عَلَى فعل الصلاة، فلا يتعلق بغيره، ولأن الخطبة غير واجبة، وهذا قول الثوري. انتهى المقصود منْ كلام ابن قدامة باختصار، وتصرّف. وَقَالَ فِي "الفتح" -عند قوله: "فلا يذبح، حَتَّى ينصرف"-: ما نصّه: تمسك به الشافعية فِي أن أول وقت الأضحية قدر فراغ الصلاة والخطبة؛ وإنما شرطوا فراغ الخطيب؛ لأن الخطبتين مقصودتان مع الصلاة، فِي هذه العبادة، فيعتبر مقدار الصلاة والخطبتين عَلَى أخف ما يجزي بعد طلوع الشمس، فإذا ذبح بعد ذلك أجزأه الذبح عن الأضحية، سواء صلى العيد أم لا، وسواء ذبح الإِمام أضحيته أم لا، ويستوي فِي ذلك أهل المصر والحاضر والبادي. ونقل الطحاوي عن مالك، والأوزاعي، والشافعي: لا تجوز أضحية قبل أن يذبح الإمام، وهو معروف عن مالك، والأوزاعي، لا الشافعيّ. قَالَ القرطبيّ: ظواهر الأحاديث تدل عَلَى تعليق الذبح بالصلاة، لكن لما رأى الشافعيّ، أن منْ لا صلاة عيد عليه، مخاطب بالتضحية، حمل الصلاة عَلَى وقتها. وَقَالَ أبو حنيفة، والليث: لا ذبح قبل الصلاة، ويجوز بعدها، ولو لم يذبح الإمام، وهو خاص بأهل المصر، فأما أهل القرى والبوادي، فيدخل وقت الأضحية فِي حقهم، إذا طلع الفجر الثاني. وَقَالَ مالك: يذبحون إذا نحو أقرب أئمة القرى إليهم، فإن نحروا قبلُ أجزأهم. وَقَالَ عطاء، وربيعة: يذبح أهل القرى بعد طلوع الشمس. وَقَالَ أحمد، وإسحاق: إذا فرغ الإمام منْ الصلاة، جازت الأضحية، وهو وجه للشافعية، قويّ منْ حيث الدليل، وإن ضعفه بعضهم، ومثله قول الثوري: يجوز بعد صلاة الإمام، قبل خطبته، وفي أثنائها، ويحتمل أن يكون قوله: "حَتَّى ينصرف"، أي منْ الصلاة، كما فِي الروايات الأخر، وأصرح منْ ذلك: ما وقع عند أحمد، منْ طريق يزيد بن البراء، عن أبيه، رفعه: إنما الذبح بعد الصلاة، ووقع فِي حديث جندب، عند مسلم: "منْ ذبح قبل أن يصلي، فليذبح مكانها أخرى"، قَالَ ابن دقيق العيد: هَذَا اللفظ أظهر فِي اعتبار

стр. 16391

فعل الصلاة، منْ حديث البراء، أي حيث جاء فيه: "منْ ذبح قبل الصلاة"، قَالَ: لكن إن أجريناه عَلَى ظاهره، اقتضى أن لا تجزىء الأضحية، فِي حق منْ لم يصل العيد، فإن ذهب إليه أحد، فهو أسعد النَّاس بظاهر هَذَا الْحَدِيث، وإلا وجب الخروج عن هَذَا الظاهر، فِي هذه الصورة، ويبقى ما عداها فِي محل البحث. وتعقب بأنه قد وقع فِي صحيح مسلم، فِي رواية أخرى: "قبل أن يصلي"، أو "نصلي" بالشك، قَالَ النوويّ: الأولى بالياء، والثانية بالنون، وهو شك منْ الراوي، فعلى هَذَا إذا كَانَ بلفظ "يصلي"، ساوى لفظ حديث البراء، فِي تعليق الحكم بفعل الصلاة. قَالَ الحافظ: وَقَدْ وقع عند البخاريّ، فِي حديث جندب، فِي "الذبائح" بمثل لفظ البراء، وهو خلاف ما يوهمه سياق صاحب "العمدة"، فإنه ساقه عَلَى لفظ مسلم، وهو ظاهر فِي اعتبار فعل الصلاة، فإن إطلاق لفظ الصلاة، وإرادة وقتها خلاف الظاهر، وأظهر منْ ذلك قوله: "قبل أن نصلي"، بالنون وكذا قوله: "قبل أن ننصرف"، سواء قلنا منْ الصلاة، أم منْ الخطبة. وادّعى بعض الشافعية أن معنى قوله ﷺ : "منْ ذبح قبل أن يصلي، فليذبح مكانها أخرى"، أي بعد أن يتوجه منْ مكان هَذَا القول؛ لأنه خاطب بذلك منْ حضره، فكأنه قَالَ: منْ ذبح قبل فعل هَذَا منْ الصلاة والخطبة، فليذبح أخرى، أي لا يعتد بما ذبحه، ولا يخفي ما فيه. وأورد الطحاوي ما أخرجه مسلم، منْ حديث ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، بلفظ: "أن النبيّ ﷺ ، صلى يوم النحر بالمدينة، فتقدم رجال، فنحروا، وظنوا أن النبيّ ﷺ ، قد نحر فأمرهم أن يعيدوا"، قَالَ: ورواه حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر، بلفظ: "أن رجلًا ذبح قبل أن يصلي رسول الله ﷺ ، فنهى أن يذبح أحد قبل الصلاة"، وصححه ابن حبّان، ويشهد لذلك قوله فِي حديث البراء: "إن أول ما لصنع، أن نبدأ بالصلاة، ثم لرجع، فننحر"، فإنه دال عَلَى أن وقت الذبح يدخل بعد فعل الصلاة، ولا يشترط التأخير إلى نحر الإمام، ويؤيده منْ طريق النظر، أن الإمام لو لم ينحر، لم يكن ذلك مسقطا عن النَّاس مشروعية النحر، ولو أن الإمام نحر قبل أن يصلي، لم يجزئه نحوه، فدل عَلَى أنه هو والناس فِي وقت الأضحية سواء. وَقَالَ المهلب: إنما كره الذبح قبل الإمام؛ لئلا يشتغل النَّاس بالذبح عن الصلاة. انتهى ما فِي "الفتح". قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكر أن الأرجح -كما تقدم تصحيحه عن ابن قُدامة رحمه الله تعالى- أن وقتها، فِي الموضع الذي يُصَلَّى فيه العيدُ بعد الصلاة؛ لظاهر الخبر، فإن العمل بظاهر الخبر مهما أمكن هو الواجب، فأما غير أهل الأمصار والقرى، فأول وقتها فِي حقهم قدر الصلاة، والخطبة بعد الصلاة؛ إذا كانوا لا يُصلّون

стр. 16392

صلاة العيد، حيث كَانَ مذهبهم عدم مشروعيّتها فِي حقّهم، فوجب الاعتبار بقدرها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): فِي اختلاف أهل العلم فِي آخر وقت الأضحية: ذهبت طائفة إلى أن آخره اليوم الثاني منْ أيام التشريق، فتكون أيام النحر ثلاثة: يوم العيد، ويومان بعده، وهذا قول عمر، وعلي، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وأنس، قَالَ أحمد: أيام النحر ثلاثة عن غير واحد، منْ أصحاب رسول الله ﷺ ، وفي رواية قَالَ: خمسةٍ منْ أصحاب رسول الله ﷺ ، ولم يذكر أنسا، وهو قول مالك، والثوري، وأبي حنيفة. واحتجّ هؤلاء بأن النبيّ ﷺ ، نهى عن ادّخار الأضاحي فوق ثلاث، ولا يجوز الذبح فِي وقت لا يجوز ادخار الأضحية إليه، ولأن اليوم الرابع لا يجب الرمي فيه، فلم تجز التضحية فيه كالذي بعده، ولأنه قول منْ ذُكر منْ الصحابة، ولا مخالف لهم إلا رواية عن علي، وَقَدْ روي عنه ما يوافق الأولين. وتُعقّب بأن النهي عن الادّخار فوق ثلاث؛ لا يستلزم النهي عن الذبح؛ لأن النهي إنما ورد لأجل أن يتصدّقوا باللحم عَلَى المحتاجين، وهذا لا يمنع الذبح، بل يقتضيه، ودعوى عَلَى مخالفة الصحابة للمذكورين غير صحيحة. قَالَ أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى -بعد ذكر احتجاجهم بما ذُكر منْ عدم المخالف لهؤلاء الصحابة-: ما نصّه: قد ذكرنا قضايا عظيمة خالفوا فيها جماعة منْ الصحابة ﵃، لا يُعرف لهم مخالف، فكيف، ولا يصحّ شيء مما ذكرنا، إلا عن أنس وحده عَلَى ما بيّنّا قبلُ؟، وان كَانَ هَذَا إجماعًا، فقد خالف عطاء، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، والزهريّ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار الإجماع، وأُفّ لكلّ إجماع يخرُج عنه هؤلاء. وَقَدْ روينا عن ابن عباس ما يدلّ عَلَى خلافه لهذا لا القول. انتهى "المحلّى" ٧/ ٣٧٨. وذهبت طائفة إلى أن آخره آخر أيام التشريق، وإليه ذهب الشافعيّ، وبه قَالَ عطاء، والحسن؛ لأنه روي عن جبير بن مطعم: أن النبيّ ﷺ قَالَ: "أيام مني كلها مَنْحَرٌ، ولأنها أيام تكبير وإفطار، فكانت محلا للنحر كالأولين. وتُعقّب بأن الْحَدِيث إنما هو: "ومنى كلها منحر"، ليس فيه ذكر الأيام، والتكبير أعم منْ الذبح، وكذلك الإفطار، بدليل أول يوم النحر، ويوم عرفة يوم تكبير، ولا يجوز الذبح فيه. وذهب ابن سيرين إلى أنه لا تجوز الأضحية إلا فِي يوم النحر خاصة؛ لأنها وظيفة

стр. 16393

عيد، فلا تجوز إلا فِي يوم واحد، كأداء الفطرة يوم الفطر، وبه قَالَ سعيد بن جبير، وجابر بن زيد، فِي حقّ أهل الأمصار. وحقّ فِي أهل مني كالقول الأول. وذهب أبو سلمة بن عبد الرحمن، وعطاء بن يسار إلى أنه تجوز التضحية إلى هلال محرم، وَقَالَ أبو أمامة بن سهل بن حنيف: كَانَ الرجل منْ المسلمين، يشتري أضحية، فيُسَمّنها، حَتَّى يكون آخر ذي الحجة، فيضحي بها، رواه الإمام أحمد، بإسناده، وَقَالَ: هَذَا الْحَدِيث عجيب، وَقَالَ: أيام الأضحى التي أجمع عليها ثلاثة أيام (١). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه أبو سلمة بن عبد الرحمن، وعطاء بن يسار، ورُوي عن علي رضي الله تعالى عنه، منْ جواز التضحية إلى هلال محرّم هو الأرجح؛ لقوّة أدلّته، فقد أخرجه ابن حزم فِي "المحلّى" منْ طريق يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم التيميّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وسليمان بن يسار، قالا جميعًا: بلغنا أن رسول الله ﷺ قَالَ: "الأضحى إلى هلال المحرّم لمن أراد أن يستأني بذلك"، قَالَ ابن حزم هَذَا منْ أحسن المراسيل، وأصحّها، فيلزم الحنفيين، والمالكيين القول به، وإلا فقد تناقضوا. انتهى. قَالَ الجامع: وهذا المرسل يعضده ما أخرجه أبو نعيم فِي "مستخرجه" منْ طريق أحمد بن حنبل، عن عباد بن العوّام، قَالَ: أخبرني يحيى بن سعيد، وهو الأنصاريّ، قَالَ سمعت أبا أمامة بن سهل، قَالَ: "كَانَ المسلمون يشتري أحدهم الأضحيّة، فيُسمّنها، ويذبحها فِي آخر ذي الحجة" (٢). فهذا أثر صحيح، وَقَدْ علقه البخاريّ فِي "صحيحه" بصيغة الجزم، وأبو أُمامة، منْ كبار التابعين، وله رؤية، قد أخبر بأن ذلك كَانَ فعل المسلمين، فصحّ الاحتجاج بالمرسل المذكور؛ لاعتضاده، عند منْ لا يحتجّ به إلا إذا اعتضد. والحاصل أن الحقّ جواز التضحية إلى آخر ذي الحجة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): فِي اختلاف أهل العلم فِي زمن ذبح الأضحية: ذهبت طائفة إلى أنه النهار، دون الليل، قَالَ ابن قُدامة: نص عليه أحمد، فِي رواية الأثرم، وهو قول مالك، وروي عن عطاء ما يدل عليه. قَالَ: وحكي عن أحمد رواية أخرى، أن الذبح يجوز ليلًا، وهو اختيار أصحابنا المتأخرين، وقول الشافعيّ،

стр. 16394

وإسحاق، وأبي حنيفة، وأصحابه؛ لأن الليل زمن يصح فيه الرمي، فأشبه النهار. ووجه الأول قولُ الله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]، وروي عن النبيّ ﷺ ، أنه نهى عن الذبح بالليل، ولأنه ليلُ يومٍ يجوز الذبح فيه، فأشبه ليلة يوم النحر، ولأن الليل تتعذر فيه تفرقة اللحم فِي الغالب، فلا يفرق طَرِيّا، فيفوت بعض المقصود، ولهذا قالوا: يكره الذبح فيه، فعلى هَذَا إن ذبح ليلًا لم يجزئه عن الواجب، وإن كَانَ تطوعا، فذبحها كانت شاة لحم، ولم تكن أضحية، فإن فرقها حصلت القربة بتفريقها دون ذبحها. انتهى كلام ابن قُدامة رحمه الله تعالى فِي "المغني" ١٣/ ٣٨٤ - ٣٨٧ بتصرّف. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول يجوز الذبح ليلًا هو الأرجح؛ لأنه ليس هناك نصّ يمنع منْ ذلك؛ والآية ليس فيها التعرّض للنهي عن ذلك أصلًا، وما ذكروه منْ الْحَدِيث غير ثابت، فقد أخرجه الطبرانيّ فِي "المعجم الكبير"، وفيه سليمان ابن سلمة الْخَبَائريّ، وهو متروك، كما قاله الحافظ أبو بكر الهيثميّ فِي "مجمع الزوائد" ٤/ ٢٣، بل كذّبه بعضهم، كما فِي "الميزان" للذهبيّ ٢/ ٢٠٩ - ٢١٠، فتنبّه. وَقَدْ حقّق المسألة أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى فِي "كتابه المحلّى" ٧/ ٣٧٧ - ٣٧٩، مرجحًا الجواز إلى هلال محزم، ليلًا ونهارًا، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): فِي اختلاف أهل العلم فيما إذا فات وقت الذبح: ذهبت طائفة إلى أنه إذا فات وقت الذبح، ذبح الواجب قضاء، وصنع به ما يصنع بالمذبوح فِي وقته، وهو غير فِي التطوع، فإن فرق لحمها كانت القربة بذلك، دون الذبح؛ لأنها شاة لحم، وليست أضحية، وبهذا قَالَ الشافعيّ، وأحمد. وَقَالَ أبو حنيفة: يسلمها إلى الفقراء، ولا يذبحها، فإن ذبحها فرق لحمها، وعليه أرش ما نقصها الذبح؛ لأن الذبح قد سقط بفوات وقته. واحتجّ الأولون بأن الذبح أحد مقصودي الأضحية، فلا يسقط بفوات وقته، كتفرقة اللحم، وذلك أنه لو ذبحها فِي الأيام، ثم خرجت قبل تفريقها فرّقها بعد ذلك، ويفارق الوقوف، والرمي، ولأن الأضحية لا تسقط بفواتها بخلاف ذلك. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي هو الذي قاله الأولون. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: إذا وجبت الأضحية بإيجابه لها، فَضَلَّت، أو سُرِقت بغير تفريط منه، فلا ضمان عليه؛ لأنها أمانة فِي يده، فإن عادت إليه ذبحها، سواء كَانَ فِي زمن الذبح، أو

стр. 16395

فيما بعده. ذكره ابن قُدامة رحمه الله تعالى فِي "المغني" ١٣/ ٣٨٧ - ٣٨٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٩٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ، بَعْدَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا، وَنَسَكَ نُسُكَنَا، فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَتِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ"، فَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَقَدْ نَسَكْتُ، قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَعَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمَ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، فَتَعَجَّلْتُ، فَأَكَلْتُ، وَأَطْعَمْتُ أَهْلِي، وَجِيرَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ"، قَالَ: فَإِنَّ عِنْدِي عَنَاقًا، جَذَعَةً، خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ، فَهَلْ تُجْزِىءُ عَنِّي؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"أبو الأحوص": هو سلّام بن سُليم الحنفيّ الكوفيّ. و"منصور": هو ابن المعتمر. وقوله: "أبو بُرْدة" بضم الموحدة، وسكون الراء، هو هانىء بن نِيَار الأنصاريّ. وقوله: "فإن عندي عناقًا جذعةً"، قَالَ الكرمانيّ: "جذعة" صفة للعناق، ولا يقال: عناقةٌ؛ لأنه موضوعٌ للأنثى منْ ولد المعز، فلا حاجة إلى التاء الفارقة بين المذكر والمؤنّث. انتهى. وقوله: "قَالَ: نعم، ولن تجزي الخ" وفي رواية للبخاريّ: "قَالَ: اذبحها، ولا تصلح لغيرك، وفي رواية: "أأذبحها؟، قَالَ: نعم، ثم لا تجزي عن أحد بعدك"، وفي حديث سهل بن أبي حثمة: "وليس فيها رخصة لأحد بعدك". وقوله: "عن أحد بعدك" قَالَ الكرمانيّ: هَذَا منْ خصائص أبي بردة، كما أن قيام شهادة خزيمة مقام الشهادتين، منْ خصائص خزيمة، ومثله كثير فِي الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وَقَالَ الخطّابيّ: هَذَا منْ النبيّ ﷺ تخصيص لعين منْ الأعيان بحكم مفرد، وليس منْ باب النسخ، فإن النسخ إنما يقع عامّا للأمّة، غير خاصّ ببعضهم. انتهى (١). والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق تمام البحث فيه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٩٨ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ: "مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَلْيُعِدْ"،

стр. 16396

فَقَامَ رَجُلٌ: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا يَوْمٌ، يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ، فَذَكَرَ هَنَةً مِنْ جِيرَانِهِ، كَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَدَّقَهُ، قَالَ: عِنْدِي جَذَعَةٌ، هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَا أَدْرِي، أَبَلَغَتْ رُخْصَتُهُ مَنْ سِوَاهُ، أَمْ لَا؟، ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ، فَذَبَحَهُمَا"). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (يعقوب بن إبراهيم) الدُّوْرقيّ، أبو يوسف البغداديّ، ثقة [١٠] ٢١/ ٢٢. ٢ - (ابن علية) إسماعيل بن إبراهيم بن مِقسَم، أبو بشر البصريّ، ثقة ثبت [٨] ١٨/ ١٩. [تنبيه]: وقع فِي بعض نسخ "المجتبى"، وفي "الكبرى": "حدّثنا ابن عُليّة"، وهو الذي فِي "تحفة الأشراف" ١/ ٣٧٠ - ووقع فِي النسخة الهنديّة بدله: "حدّثنا حماد بن زيد"، والظاهر أن كليهما صواب، وذلك لأن البخاريّ أخرج الْحَدِيث بالطريقين جميعًا، فأخرجه عن مسدد، وعليّ بن المدينيّ، وصدقة بن الفضل ثلاثتهم عن إسماعيل ابن عليّة، عن أيوب عن ابن سيرين، عن أنس رضي الله تعالى عنه، وأخرجه أيضًا عن حامد بن عمر، عن حماد بن زيد، عن أيوب، به، وكذا أخرجه مسلم بالطريقين جميعًا، فلعل المصنّف أيضًا أخرجه بهما جميعًا. والله تعالى أعلم. ٣ - (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت حجة، منْ كبار الفقهاء العبّاد [٥] ٤٢/ ٤٨. ٤ - (محمد) بن سيرين، أبو بكر الأنصاريّ مولاهم البصريّ، ثقة ثبت عابد [٣] ٤٦/ ٥٧. ٥ - (أنس) بن مالك الأنصاريّ، أبو حمزة الخادم رضي الله تعالى عنه ٦/ ٦. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبغدادي. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الجماعة الذين يروون عنهم بلا واسطة. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أنسًا رضي الله تعالى عنه أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) وهو آخر منْ مات منْ الصحابه بالبصرة. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَن أَنَس) بن مالك رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ:

стр. 16397

"مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَلْيُعِدْ") بضم أوله، منْ الإعادة، وهو فعل مضارع، مجزم بلام الأمر، وَقَدْ استدلّ به منْ قَالَ برجوب الأضحيّة؛ لكونه أمرًا، والمختار أنها مستحبّة، والمراد به هنا بيان أن ستة الأضحية لا تتأدّى بالأُولى، بل يُحتاج إلى فعلها مرّةً أخرى، فالأمر بالإعادة؛ لتحصيل السكنة، لا غير، وتقدّم البحث فِي هَذَا مستوفًى، فلا تغفُل. (فَقَامَ رَجُلٌ) يحتمل أن يكون هو أبا بُردة بن نيار المذكور سابقًا (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا يَوْمٌ، يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ) ببناء الفعل للمفعول (فَذَكَرَ) الرجل (هَنَةً مِنْ جِيرَانِهِ) -بفتحتين- تأنيث هَنٍ، وهو كناية عن كل اسم جنس، وهذا معنى قول منْ قَالَ: يُعبَّر بها عن كلّ شيء، والمراد به هنا الحاجة، أي فذكر أنهم فقراء محتاجون إلى اللحم (كَأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَدَّقَهُ) أي صدّق ذلك الرجل فيما ذكره منْ حاجة جيرانه، وفي رواية البخاريّ: "فكأن النبيّ ﷺ عَذَره"، وهو بتخفيف الذال المعجمة- منْ العذر: أي قَبِلَ عذره، ولكن لم يجعل ما فعله كافيًا، ولذلك أمره بالإعادة. قَالَ ابن دقيق العيد: فيه دليلٌ عَلَى أن المأمورات إذا وقعت عَلَى خلاف مقتضى الأمر، لم يُعذر بالجهل، والفرق بين المأمورات والمنهيّات، أن المقصود منْ المأمورات إقامة مصالحها، وذلك لا يحصُل إلا بالفعل، والمقصود منْ المنهيّات الكفّ عنها بسبب مفاسدها، ومع الجهل والنسيان، لم يقصد المكلّف فعلها، فيُعذرُ. ذكره فِي "الفتح" ١١/ ١٣٧. (قَالَ) ذلك الرجل لَمّا علم أن ذبحه غير مجزىء (عِنْدِي جَذَعَةٌ، هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ، فَرَخَّصَ لَهُ) أي سهلّ، وأذن له أن يُضحّي بها. قَالَ أنس (فَلَا أَدْرِي، أَبَلَغَتْ رُخْصَتُهُ مَنْ سِوَاهُ، أَمْ لَا؟) قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى فِي "شرح مسلم": هَذَا الشكّ بالنسبة: إلى علم أنس رضي الله تعالى عنه، وَقَدْ صرّح النبيّ ﷺ فِي حديث البراء السابق بأنها لا تبلغ غيره، ولا تجزىء أحدًا بعده. انتهى. (ثُمَّ انْكَفَأَ) بالهمز: أي مال، وانعطف (إِلَى كَبْشَيْنِ، فَذَبَحَهُمَا) زاد فِي رواية البخاريّ: "ثم انكفأ النَّاس إلى غُنيمة، فذبحوها"، وفي رواية مسلم: "فقام النَّاس إلى غُنيمة، فتوزّعوها، أو قَالَ: فتجزّعوها". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أنس رضي الله تعالى عنهما هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٧/ ٤٣٩٨ وفي "كتاب العيدين" ١٥٨٧ و١٤/ ٤٣٨٧ وتقدّم فِي هَذَا

стр. 16398

الكتاب أيضًا ٤٣٨٩ و٤٣٩٠ - وفي "الكبرى" ١٨/ ٤٤٨٨ وتقدّم أيضًا فِي ١٥/ ٤٤٧٥. وأخرجه (خ) فِي "العيدين" ٩٥٤ و٩٨٤ وفي "الأضاحي" ٥٥٤٦ و٥٥٤٩ و٥٥٦١ و٥٥٤ (م) فِي "الأضاحي" ٥٥٥٢ و٥٠٥٣ و٥٠٥٤ (ق) فِي "الأضاحي" ٣١٥١. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم ذبح الأضحيّة قبل الإمام، وهو وجوب الإعادة، والظاهر أن المصنّف يرى حمل قوله ﷺ : "منْ ذبح قبل الصلاة، فليُعد" عَلَى الذبح قبل الإمام، وَقَدْ تقدّم أنه قَالَ به مالك، وبعض أهل العلم، إلا أن الراجح جوازه قبل ذبحه، إذا كَانَ بعد الصلاة، عملاً بظاهر الْحَدِيث. والله تعالى أعلم. (ومنها): أن فيه إجزاء الذكر فِي الأضحية. (ومنها): أن الأفضل أن يذبح الإنسان أضحيته بنفسه، وهذا والذي قبله مجمع عليهما. قاله النوويّ. (ومنها): أن فيه استحباب التضحية باثنين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٩٩ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ يَحْيَى ح وَأَنْبَأَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ، أَنَّهُ ذَبَحَ قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُعِيدَ، قَالَ: عِنْدِي عَنَاقُ جَذَعَةٍ، هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مُسِنَّتَيْنِ، قَالَ: "اذْبَحْهَا"، فِي حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: إِنِّي لَا أَجِدُ إِلاَّ جَذَعَةً، فَأَمَرَهُ أَنْ يَذْبَحَ). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (عُبيد الله بن سعيد) بن يحيى اليشكري، أبو قُدامة السرخسيّ، نزيل نيسابور، ثقة ثبت مأمون [١٠] ١٥/ ١٥. ٢ - (عمرو بن علي) الفلّاس، أبو حفص البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/ ٤. ٣ - (يحيى) بن سعيد القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت إمام حجة [٩] ٤/ ٤. ٤ - (يحيى بن سعيد) الأنصاريّ، أبو سعيد القاضي المدنيّ، ثقة ثبت [٥] ٢٢/ ٢٣. ٥ - (بُشير بن يسار) -بضمّ الموحّدة، مصغّرًا- الحارثيّ الأنصاريّ مولاهم المدنيّ، ثقة [٣] ١٢٤/ ١٨٦. [تنبيه]: "بُشَير" بالتصغير فِي الكتب الستّة اثنان، فقط، هَذَا، وبُشير بن كعب بن أبي الحميريّ الْعَدويّ، أبو أيوب البصريّ، ثقة [٢]. ومن عداهما، فإنه بَشِير، بالفتح، مكبّرًا، وإلى هَذَا أشار السيوطيّ فِي "ألفية الْحَدِيث"، حيث قَالَ:

стр. 16399

وَابْنُ يَسَارٍ وَابْنُ كَعْبٍ قُلْ يُسَيْر … وقُلْ يُسَيْرٌ فِي ابْنِ عَمْرو أَوْ أُسَيْر ٦ - (أبو بُردة بن نيار) اسمه هانىء الصحابيّ المعروف، تقدمت ترجمته عند شرح حديث البراء رضي الله تعالى عنهما أول الباب. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين منْ يحيى الأنصاريّ، ويحيى القطّان، وعمرو بصريان، وعبيد الله سرخسي، ثم نيسابوريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بضم الموحّدة، وسكون الراء، اسمه هانىء (بْنِ نِيَارٍ) -بكسر النون- رضي الله تعالى عنه (أنَّهُ ذَبَحَ قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ ) وتقدم سبب تقدّمه فِي شرح حديث البراء رضي الله تعالى عنه أول الباب (فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُعِيدَ) أي يذبح أضحيّته مرّة ثانية؛ لعدم إجزاء الأولى، حيث وقعت قبل دخول وقتها، وهو بعد صلاة العيد (قَالَ) أي أبو بُردة رضي الله تعالى عنه (عِنْدِي عَنَاقُ جَذَعَةٍ) يحتمل أن يكون بإضافة "عناق" إلى "جَذَعَةً"، منْ إضافة الصفة للموصوف، ويحتمل أن يكون "جَذَعَةً" صفة لـ"عناق"، ويدلّ عَلَى هَذَا ما سبق منْ قوله: "فإن عندي عناقًا جذعةً" (هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ) لسمنها، وكثرة لحمها (مِنْ مُسِنَّتَيْنِ) تثنية مُسنّة بصيغة اسم الفاعل، منْ أسنّت: إذا طلع سنّها، وذلك بعد سنتين، لا منْ أسنّ الرجل: إذا كَبِرَ (قَالَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم ("اذْبَحْهَا) أي اذبح الجذعة أضحيّة بدلاً عما وقع قبل وقته (فِي حَدِيثِ عُبَيْدِ الله) بن سعيد، وهو الشيخ الأول للمصنّف فِي هَذَا السند، يعني أن قوله: "اذبحها" إنما هو فِي حديث عمرو بن عليّ الفلّاس الشيخ الأول له، وأما حديث عُبيد الله بن سعيد"، فإنه بلفظ (فَقَالَ) أي الرجل (إِنِّي لا أَجِدُ إلَّا جَذَعَةً، فَأَمَرَهُ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (أَنْ يَذْبَحَ) الجذعة المتيسّرة له. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي بُردة بن نيار رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -١٧/ ٤٣٩٩ - وفي "الكبرى" ١٧/ ٤٤٨٤. وأخرجه (أحمد) فِي "مسند المكيين" ١٥٧٠ و"مسند المدنيين" ١٥٨٩٣ (الموطأ) فِي "الأضاحي" ٩١٥ (الدارمي) فِي "الأضاحي" ١٨٨١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 16400

٤٤٠٠ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ، قَالَ: ضَحَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَضْحَى، ذَاتَ يَوْمٍ، فَإِذَا النَّاسُ قَدْ ذَبَحُوا ضَحَايَاهُمْ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَآهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ، أَنَّهُمْ ذَبَحُوا قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ كَانَ لَمْ يَذْبَحْ حَتَّى صَلَّيْنَا، فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ "). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة، و"أبو عوانة": هو الوضاح بن عبد الله. و"جندب بن سفيان": هو جندب بن عبد الله بن سفيان الصحابيّ، رضي الله تعالى عنه، نُسب لجدّه. وقوله: "فليذبح عَلَى اسم الله": قَالَ النوويّ فِي "شرح مسلم" ١٣/ ١١٢ - ١١٣: قَالَ الْكُتّابُ منْ أهل العربية: إذا قيل؛ "باسم الله" تعين كَتْبُه بالألف، وإنما تحذف الألف إذا كُتِب "بسم الله الرحمن الرحيم" بكمالها. وَقَالَ أيضًا: "فليذبح عَلَى اسم الله": هو بمعنى رواية: "فليذبح باسم الله"، أي قائلا: باسم الله هَذَا هو الصحيح فِي معناه. وَقَالَ القاضي: يحتمل أربعة أوجه: [أحدها]: أن يكون معناه: فليذبح لله، والباء بمعى اللام. [الثاني]: معناه: فليذبح بسنة الله. [والثالث]: بتسمية الله عَلَى ذبيحته؛ إظهارًا للإسلام، ومخالفةً لمن يذبح لغيره، وقمعًا للشيطان. [والرابع]: تبرّكًا باسمه، وتيمّنًا بذكره، كما يُقال: سِرْ عَلَى بركة الله، وسِرْ باسم الله. وكره بعض العلماء أن يقال: افعل كذا عَلَى اسم الله، قَالَ. لأن اسمه سبحانه عَلَى كلّ شيء. قَالَ القاضي: هَذَا ليس بشيء، قَالَ: وهذا الْحَدِيث يردّ عَلَى هَذَا القائل. انتهى. وزاد فِي "الفتح" ١١/ ١٣٧ وجهًا خامسًا، وهو أن يكون معنى قوله: "عَلَى اسم الله" مطلق الإذن فِي الذبيحة حينئذ؛ لأن السياق يقتضي المنع قبل ذلك، والإذن بعد ذلك، كما يقال للمستأذن: باسم الله، أي ادخل. انتهى. والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ مضى فِي ٤/ ٤٣٧٠ - وَقَدْ استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. واستدلّ به المصنّف رحمه الله تعالى هنا عَلَى أن الذبح قبل الإمام لا يجوز، لكن دلالته عَلَى ذلك غير واضحة، إلا بتكلّف، وإنما يدلّ عَلَى عدم الإجزاء قبل الصلاة، وهو القول المختار، كما سبق البحث عنه مستوفًى، فلا تغفل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".

стр. 16401

١٨ - (بَابُ إِبَاحَةِ الذَّبْحِ بِالْمَرْوَةِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "المروة" بفتح إلميم، وسكون الراء، وفتح الواو، آخره هاء التأنيت: هي الحجارة البِيض، وقيل وهو الذي يُقدح منه النار. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٤٠١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَفْوَانَ، أَنَّهُ أَصَابَ أَرْنَبَيْنِ، وَلَمْ يَجِدْ حَدِيدَةً، يَذْبَحُهُمَا بِهِ، فَذَكَّاهُمَا بِمَرْوَةٍ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي اصْطَدْتُ أَرْنَبَيْنِ، فَلَمْ أَجِدْ حَدِيدَةً، أُذَكِّيهِمَا بِهِ، فَذَكَّيْتُهُمَا بِمَرْوَةٍ، أَفَآكُلُ؟ قَالَ: "كُلْ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"داود": هو ابن أبي هندء و"عامر": هو ابن شَرَاحيل الشعبيّ. وقوله: "اصطدت" وفي النسخة التي شرحها السنديّ، "اصدّتُّ"، وأصله افتعال، منْ صاد، قلبت تاء الافتعال منه طاء؛ لوقوعها بعد حرف الإطباق، ثم قلبت الطاء صادًا، وأُدغمت فِي الصاد، فصار "اصّدت، بتشديد الصاد، وإلى هَذَا القاعدة أشار ابن مالك رحمه الله تعالى فِي "خلاصته" حيث قَالَ: طَا تَا افْتِعَالٍ رُدَّ إِثْرَ مُطْبَقِ … فِي ادَّانَ وَازْدَدْ وادَّكِرْ دَالًا بَقِي ويجوز أيضًا إظهار الطاء، فيقال: "اصطدت"، كما هو معظم نسخ "المجتبى"، و"الكبرى". والحديث صححيحٌ، وَقَدْ تقدم فِي "كتاب الصيد والذبائح" ٢٥/ ٤٣١٥ ومضى شرحه، وتخريجه هناك، فراجعه تستفد. واستدلال المصنّف رحمه الله تعالى به عَلَى الترجمة واضحة، فإنه صريحٌ فِي إباحة الذبح بالمروة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٠٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاضِرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ الْبَاهِلِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ، يُحَدِّثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ ذِئْبًا نَيَّبَ فِي شَاةٍ، فَذَبَحُوهَا بِالْمَرْوَةِ، فَرَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَكْلِهَا). رجال الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن بشار) بُندار، أبو بكر البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٢٤/ ٢٧. ٢ - (محمد بن جعفر) غندر البصريّ، ثقة صحيح الكتاب [٩] ٢١/ ٢٢.

стр. 16402

٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧. ٤ - (حاضر بن المهاجر) أبو عيسى الباهلي، مقبول [٦]. روى عن سليمان بن يسار، وعنه شعبة. قَالَ أبو حاتم: مجهول. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". تفرد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط، وابن ماجه. ٥ - (سليمان بن يسار) مولى ميمونة المدنيّ، ثقة فاضل فقيه [٣] ١٢٢/ ١٥٦. ٦ - (زيد بن ثابت) بن الضحاك الأنصاريّ النجاري الصحابيّ المشهور رضي الله تعالى عنه، تقدم فِي ١٢٢/ ١٧٩. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير حاضر بن المهاجر، فقد تفرد به هو، وابن ماجه. (ومنها): أن رواته ما بين بصريين ومدنيين. (ومنها): أن فيه سليمان بن يسار أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وَقَدْ تقدّموا غير مرّة. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريّ رضي الله تعالى عنه (أَنَّ ذِئْبًا) بكسر الذال المعجمه، وسكون الهمزة، قَالَ فِي "اللسان": هو كلب البرّ، والجمع أذؤُب فِي القليل، وذِئَاب، وذُؤبان، والأنثى ذِئبةٌ، يُهمز، ولا يُهمز، وأصله الهمز. انتهى (نَيَّبَ فِي شَاةٍ) بفتح النون، وتشديد الياء التحتانيّة: أي علّق أنيابه فيها، والناب: هو السنّ الذي يلي الرَّبَاعيات، وهو مذكّر، وجمعه أنيابٌ، قَالَ ابن سينا: ولا يجتمع ناب وقرنٌ معًا. ذكره الفيّوميّ (فَذَبَحُوهَا بِالْمَرْوَةِ) بفتح، فسكون: أي بالحجر الأبيض (فَرَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَكْلِهَا) فيه دليل عَلَى جواز الذبح بالمروة، وهو محل الشاهد للترجمة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه هَذَا حسنٌ؛ ولا يضرّه حاضر بن المهاجر؛ لأن روى عنه شعبة، وهو ممن لا يروي إلا عن الثقة غالبًا، ووثقه ابن حبّان، فهو حسن الْحَدِيث، ويشهد لحديثه حديث محمد بن صفوان الذي قبله. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٨/ ٤٤٠٢ ويأتي بعد خمسة أبواب ٢٤/ ٤٤٠٩ وفي "الكبرى" ١٩/ ٤٤٩٠ و٢٥/ ٤٤٩٦. وأخرجه (ق) فِي "الذبائح" ٣١٦٧ (أحمد) فِي "مسند الأنصار"

стр. 16403

١٠٦١٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٩ - (إِبَاحَةِ الذَّبْحِ بِالْعُودِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "العُود" بضم العين المهملة: هو الخشب، جمعه أعواد، وعِيدان، والأصل عِوْدان، لكن قُلبت الواو ياء؛ لمجانسة الكسرة التي قبلها. أفاده الفيّوميّ. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٤٠٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُرِّيَّ بْنَ قَطَرِيٍّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرْسِلُ كَلْبِي، فَآخُذُ الصَّيْدَ، فَلَا أَجِدُ مَا أُذَكِّيهِ بِهِ، فَأَذْبَحُهُ بِالْمَرْوَةِ، وَبِالْعَصَا، قَالَ: "أَنْهِرِ الدَّمَ بِمَا شِئْتَ، وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ "). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه إسماعيل، فإنه منْ أفراده، وهو ثقة، و"خالد": هو الهُجيميّ. و"سماك": هو ابن حرب، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوق، تغير فِي آخره، فربّما تلقّن. و"مُرّيّ -بضم الميم، بلفظ النسب- ابن قَطَريّ" -بفتحتين، وكسر الراء، مخففًا- الكوفيّ، مقبول [٣] ٢/ ٤٣٠٤. وقوله: "أنهر الدم الخ " فعل أمر منْ الإنهار، وهو الإسالة، والصبّ بكثرة، شبّه خروج الدم منْ موضع الذبح بجري الماء فِي النهر. قاله فِي "الزهر" ٧/ ٢٢٥. والحديث صحيح، وَقَدْ تقدّم فِي ٢٠/ ٤٣٠٦ - وتقدّم شرحه، وبيان مسائله، واستدلال المصنّف رحمه الله تعالى به عَلَى الترجمة واضحة، حيث إنه يدلّ عَلَى جواز الذبح بالعصا، وهو بمعنى العُود. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٠٤ - (أَخْبَرَنِي (١) مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، فَلَقِيتُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ، فَحَدَّثَنِي عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: كَانَتْ لِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، نَاقَةٌ تَرْعَى فِي

стр. 16404

قِبَلِ أُحُدٍ، فَعُرِضَ لَهَا، فَنَحَرَهَا بِوَتَدٍ، فَقُلْتُ لِزَيْدٍ: وَتَدٌ مِنْ خَشَبٍ، أَوْ حَدِيدٍ؟ قَالَ: لَا، بَلْ خَشَبٌ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُ، فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا). رجال هَذَا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن معمر) الْقيسيّ البحرانيّ البصريّ، صدوق، منْ كبار [١١] ٥/ ١٨٢٩. ٢ - (حَبّان بن هلال) -بفتح الحاء المهملة- أبو حبيب البصريّ، الثقة الثبت [٩] ٤٤/ ٥٩٠. ٣ - (جرير بن حازم) بن زيد، أبو النضر البصريّ، ثقة، إلا فِي حديث عن قتادة، ففيه ضعف، وله أوهام إذا حدث منْ حفظه [٦] ٨٢/ ١٠١٤. ٤ - (أيوب) بن أبي تميمة السختيانيّ المذكور قبل باب. ٥ - (زيد بن أسلم) العدوى مولاهم المدنيّ، ثقة عالم [٣] ٦٤/ ٨٠. ٦ - (عطاء بن يسار) الهلالي مولاهم المدنيّ، ثقة فاضل، صاحب مواعظ وعبادة، منْ صغار [٣] ٦٤/ ٨٠. ٧ - (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما تقدم قريبًا. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى أيوب، وبعده بالمدنيين. (ومنها): أن شيخه أحد مشايح الستة بلا واسطة. (ومنها): أن فيه ثلاثة منْ التابعين يروي بعضهم عن بعض: أيوب عن زيد عن عطاء. (ومنها) أن صحابيه أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويّ مولاهم المدنيّ الفقيه، قَالَ جرير (فَلَقِيتُ) وفي نسخة: "ولقيت" بالواو (زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ، فَحَدَّثَنِي عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) الهلاليّ مولاهم المدنيّ. والمعنى: أن جرير بن حازم روى هَذَا الْحَدِيث عن أيوب السختيانيّ، عن زيد بن أسلم، ثم لقي شيخ شيخه، زيدًا، فحدّثه به (عَن أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك بن سنان، رضي الله تعالى عنهما (قَالَ: كَانَتْ لِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، نَاقَةٌ) هي الأنثى منْ الإبل، قَالَ أبو عُبيد: ولا تُسمّى ناقةً، حَتَّى تُجذع، والجمع أينُقٌ -أي بالقلب المكانيّ- ونُوقٌ، ونِيَاقٌ. ذكره الفيّوميّ (تَرْعَى) بفتح أوله، مبنيّا للفاعل، يقال: رعت الماشية

стр. 16405

تَرْعَى رَعْيًا، فهي راعيةٌ: إذا سَرَحَتْ بنفسها، ورعيتُها أرعاها، يُستعمل لازمًا، ومتعدّيًا، والفاعل راعٍ، والجمع رُعاة بالضمّ، مثلُ قاض وقُضاة، وقيل أيضاً رِعاء بالكسر والمدّ، ورُعْيان، مثلُ رُغْفان. قاله الفيّوميّ (فِي قِبَلِ أُحُدٍ) بكسر القاف، وفتح الموحّدة، وزان عِنَب: الجهة: أي فِي جهة أحد، و"أحُد" بضمتين: الجبل المعروف بالمدينة منْ جهة الشام، وكان به الوقعة المشهورة فِي أوائل شوّال، سنة ثلاث منْ الهجرة، وهو مذكّرٌ، فينصرف، وقيل: يجوز تأنيثه، عَلَى توهّم البقعة، فيُمنَعُ منْ الصرف (فَعُرِضَ لَهَا) بالبناء للمفعول: أي ظهر لها، وحلّ بها عارض أدّى إلى موتها (فَنَحَرَهَا بِوَتَدٍ) بفتح الواو، وكسر التاء فِي لغة الحجاز، وهي الفصحى، وجمعه أوتاد، وفتح التاء لغة، وأهلُ نجد يُسكنون التاء، فيُدغمون بعد القلب، فيبقى وَدّ، يقال: وتدتُ الوتد أتِدُه، منْ باب وعد: إذا أثبتّه بحائط، أو بالأرض، وأوتدته بالألف لغة. قاله الفيّوميّ (فَقُلْتُ لِزَيْدٍ) الظاهر أن القائل هو جرير، ويحتمل أن يكون أيوب. والله تعالى أعلم (وَتَدٌ مِنْ خَشَبٍ، أَوْ حَدِيدٍ؟، قَالَ: لا) أي ليس حديدًا (بَلْ) هو (خَشَبٌ، فَأَتَى النَّبِيّ ﷺ فَسَأَلَهُ) أي عن حكم أكلها (فَأَمَرَهُ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (بِأَكْلِهَا) وهذا هو محلّ الترجمة، حيث أمره ﷺ بأكل ما ذبحه بالوتد، وهو منْ العود، فدلّ عَلَى جواز الذبح بالعود. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. والحديث صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -١٩/ ٤٤٠٤ - وفي "الكبرى" ٢٠/ ٤٤٩٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٠ - (النَّهْيُ عَنِ الذَّبْحِ بِالظُّفُرِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قَالَ الفيّوميّ رحمه الله تعالى: الظفر للإنسان مذكّرٌ، وفيه لغات: [أفصحها]: بضمّتين، وبها قرأ السبعة فِي قوله تعالى: ﴿حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٦]، [والثانية]: الإسكان للتخفيف، وقرأ بها الحسن البصريّ، والجمع أظفار، وربّما جُمع عَلَى أظفر، مثلُ رُكن وأركُن. [والثالثة]: بكسر الظاء، وزانُ حِمْل. [والرابعة]: بكسرتين؛ للإتباع، وقُرىء بهما فِي الشاذّ.

стр. 16406

[والخامسة]: أُظفُرٌ، والجمع أظافيرُ، مثلُ أسبوع وأَسابيع، قَالَ الشاعر [منْ البسيط]: مَا بَيْنَ لُقْمَتِهِ الأُولَى إِذَا انْحَدَرَتْ … وَبَيْنَ أُخْرَى تَلِيهَا قِيدُ أُظْفُورِ انتهى كلام الفيّوميّ رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٤٠٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ، فَكُلْ، إِلاَّ بِسِنٍّ، أَوْ ظُفْرٍ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح غير شيخه محمد ابن منصور الْجَوّاز المكيّ، فإنه منْ أفراده، وهو ثقة. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"عمر بن سعيد" بن مسروق الثوريّ، أخو سفيان، ثقة [٧] ٤٠/ ٦٨٣. [تنبيه]: وقع فِي النسخة الهنديّة، و"الكبرى": "عمرو بن سعيد" بفتح العين، وهو تصحيفٌ، والصواب "عمر بن سعيد" بالضمّ، فتنبّه. والله تعالى أعلم. وقوله: "إلا بسنّ، أو ظفر" استثناء مما يُفهم منْ الكلام السابق: أي فاذبح بكلّ آلة، تُنهِر الدم، إلا بسنّ، أو ظفر، فلا تذبح بهما. قاله السنديّ ٧/ ٢٢٦، وتمام شرح الْحَدِيث يأتي فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى. والحديث متّفقٌ عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢١ - (بَابُ الذَّبْحِ بِالسِّنِّ) ٤٤٠٦ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ ، فَكُلُوا مَا لَمْ يَكُنْ سِنًّا، أَوْ ظُفْرًا، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفْرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ"). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (هناد بن السريّ) أبو السريّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٥. ٢ - (أبو الأحوص) سلّام بن سُليم الحنفيّ الكوفيّ، ثقة ثبت [٧] ٧٩/ ٩٦.

стр. 16407

٣ - (سعيد بن مسروق) بن حبيب الثوري والد سفيان الكوفيّ، ثقة [٦] ١٥٣/ ١١٢١. [تنبيه]: قَالَ فِي "الفتح" ١١/ ٥١: مدار هَذَا الْحَدِيث فِي "الصحيحين" عَلَى سعيد بن مسروق. انتهى. ٤ - (عَبَايَة بن رِفَاعَةَ) الأنصاريّ الزرقي المدنيّ، ثقة [٣] ٩/ ٣١١٦. ٥ - (أبوه) هو رفاعة بن رافع بن خديج الأنصاريّ الحارثي المدنيّ، ثقة [٣]. روى عن أبيه حديث "إنا لاقوا العدو غدًا". وعنه ابنه عباية، قاله أبو الأحوص، وعن سعيد بن مسروق، عن أبيه، عن جدّه. وَقَالَ الثوريّ، وشعبة، وغير واحد، وهو المحفوظ. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ: يكنى أبا خديج، مات فِي ولاية الوليد بن عبد الملك. أخرج له الجماعة، سوى مسلم، وابن ماجه، وله حديث الباب فقط. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا أطلق فِي "التقريب" عَلَى رفاعة أنه ثقة، وفيه نظر؛ لأنه وإن أخرج له البخاريّ هَذَا الْحَدِيث، إن صحت الرواية، كما سبق الكلام عليها فِي ١٧/ ٤٢٩٩، إلا أنه مجهول؛ لأنه لم يرو عنه غير ابنه عباية، كما سبق آنفًا، وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، ومثله فِي اصطلاح "التقريب" أن يكون مقبولاً، فليُتأمّل. والله تعالى أعلم. ٦ - (جده) رافع خديج بن عدي الحارثي الأوسيّ الأنصاريّ الصحابيّ الشهير، أول مشاهده أحد، ثم الخندق، مات سنة (٣) أو (٧٤) وقيل: قبل ذلك، وتقدم فِي ١١٢/ ١٥٥. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح إن صحت رواية البخاريّ لرفاعة، كما سبقت الإشارة إليه آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين إلى سعيد بن مسروق، وبعده بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ عَبَايَةَ) بفتح العين المهملة، وتخفيف الموحّدة، وبعد الألف تحتانيّة (ابْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ أَبِيهِ) هكذا فِي رواية أبي الأحوص زيادة عن "أبيه"، وتقدّم بيان اختلاف الرواة فِي زيادته، ومن تابع أبا الأحوص فِي ذلك، وأن رواية الجماعة بدونها هو المحفوظ فِي - ١٧/ ٤٢٩٩ - "الإنسيّة تستوحش"، فراجعه تستفد (عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) بفتح الخاء المعجمة (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا) هكذا بالجزم فِي رواية أبي

стр. 16408

الأحوص، ولعله عرف ذلك بخبر منْ صدقه، أو بالقرائن، وفي رواية البخاريّ منْ طريق أبي عوانة: "إنا لنرجو، أو نخاف" بالشك منْ الراوي، قَالَ فِي "الفتح": وفي التعبير بالرجاء إشارة إلى حرصهم عَلَى لقاء العدو؛ لما يرجونه منْ فضل الشهادة، أو الغنمية، وبالخوف إشارة إلى إنهم لا يحبون أن يهجم عليهم العدو بغتة. وفي رواية يزيد بن هارون عن الثوري عند أبي نعيم فِي "المستخرج عَلَى مسلم": "إنا نلقى العدو غدا، وإنا نرجو"، كذا بحذف متعلق الرّجاء، ولعل مراده الغنيمة. انتهى. والحديث مختصر، وَقَدْ ساقه البخاريّ مطوّلًا منْ طريق أبي عوانة، عن سعيد بن مسروق، عن عباية بن رفاعة بن رافع، عن جده رافع بن خديج، قَالَ: كنا مع النبيّ ﷺ بذي الحليفة، فأصاب النَّاس جوع، فأصبنا إبلا وغنما، وكان النبيّ ﷺ فِي أخريات النَّاس، فعجلوا، فنصبوا القدور، فدفع إليهم النبيّ ﷺ فأمر بالقدور فأكفئت، ثم قسم، فعدل عشرة منْ الغنم ببعير، فَنَدَّ منها بعير، وكان فِي القوم خيل يسيرة، فطلبوه، فأعياهم، فأهوى إليه رجل بسهم، فحبسه الله، فَقَالَ النبيّ ﷺ : "إن لهذه البهائم أوابد، كاوابد الوحش، فما نَدَّ عليكم منها فاصنعوا به هكذا"، قَالَ: وَقَالَ جدي: إنا لنرجو، أو نخاف أن نلقى العدو غدا، وليس معنا مُدًى أفنذبح بالقصب؟، فَقَالَ: "ما أنهر الدم، وذُكِر اسم الله عليه فكل، ليس السن والظفر، وسأخبركم عنه، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة". (وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى) -بضم أوله، مخففًا، مقصورًا- جمع مدية -بسكون الدال، بعدها تحتانية-: وهي السكين، سميت بذلك؛ لأنها تقطع مدى الحيوان، أي عمره، والرابط بين قوله نلقي العدو، وليست معنا مدى، يحتمل أن يكون مراده أنهم إذا لقوا العدو، صاروا بصدد أن يغنموا منهم ما يذبحونه، ويحتمل أن يكون مراده أنهم يحتاجون، إلى ذبح ما يأكلونه؛ ليتقووا به عَلَى العدو، إذا لقوه، ويؤيده ما تقدم منْ قسمة الغنم، والإبل بينهم، فكان معهم ما يذبحونه، وكرهوا أن يذبحوا بسيوفهم؛ لئلا يضر ذلك بحدها، والحاجة ماسة له، فسأل عن الذي يُجزىء فِي الذبح، غير السكين والسيف، وهذا وجه الحصر فِي المدية والقصب ونحوه، مع إمكان ما فِي معنى المدينة، وهو السيف. وَقَدْ وقع فِي حديث غير هَذَا: "إنكم لاقوا العدو غدا، والفطر أقوى لكم"، فندبهم إلى الفطر ليتقووا. قاله فِي "الفتح" ١١/ ٥٥. وزاد فِي رواية البخاريّ: "أفنذبح بالقصب؟ ". وفي رواية لمسلم: "فنُذكّي بالليط" قَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى فِي "المفهم" ٥/ ٣٦٧ - ٣٦٨: وهو قطع القصب، والشَّظير: قطعة العصا، والظُّرَر: قطعة الحجر، ويُجمع عَلَى ظِرّان، ويقال

стр. 16409

عليها المروة أيضًا، وكذلك رواه أبو داود فِي هَذَا الْحَدِيث: "أفنذكّي بالمروة؟ " مكان اللَّيط، والشّظاظ: فِلْقة العود، فهذه كلّها إذا قُطع بها الودجان، والحلقوم جازت الذبيحة، غير أنه لا يذبح بها إلا عند عدم الشِّفَار، وما يتنزّل منزلتها؛ لما ثبت منْ الأمر بحدّ الأشفار، وتحسين الذبح، والنهي عن تعذيب الحيوان، وَقَدْ نبّه مالك عَلَى هَذَا لَمّا ترجم عَلَى الذكاة بالشِّظَاظ: "ما يجوز منْ الذكاة عَلَى الضرورة". ومعنى هَذَا السؤال أنهم لَمّا كانوا عازمين عَلَى قتال العدوّ، صانوا ما عندهم منْ السيوف، والأسنّة، وغير ذلك عن استعمالها فِي الذبح؛ لأن ذلك ربّما يفسد الآلة، أو يَعِيبها، أو ينقُص قطعها، ولم تكن لهم سكاكين صغار مُعدّة للذبح، فسألوا هل يجوز لهم الذبح بغير محدّد السلاح؟ فأجابهم النبيّ ﷺ بما يقتضي الجواز، وَقَدْ دخل فِي هَذَا العموم أن كلّ آلة تقطع ذبحًا، أو نحرًا، فالذكاة بها مبيحة للذبيحة، والحديد الْمُجْهِز أولى؛ لما تقدّم، ولا يُستثنى منْ الآلات شيء إلا السنّ، والظفر عَلَى ما يأتي. انتهى كلام القرطبيّ. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ) أي أساله، وصبه بكثرة، ووزنه أفعل، منْ النهر، شُبِّهَ خُروج الدم بجري الماء فِي النهر. قَالَ عياض: هَذَا هو المشهور فِي الروايات بالراء، وذكره أبو ذر الخشني بالزاي، وَقَالَ النهز بمعنى الرفع، وهو غريب، و"ما" موصولة، فِي موضع رفع بالابتداء، وخبرها "فكلوا"، والتقدير: ما أنهر الدم، فهو حلال، فكلوا. ويحتمل أن تكون شرطية. ووقع فِي رواية أبي إسحاق، عن الثوري: "كل ما أنهر الدم ذكاة"، و"ما" فِي هَذَا موصوفة. [تنبيه]: زاد فِي رواية الشيخين قبل قوله: "ما أنهر الدم الخ" قولَهُ: "أعجل، أو أرن" قَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى فِي "المفهم" ٥/ ٣٧٠ - ٣٧٢ - : هَذَا الحرف وقع فِي كتاب البخاريّ، ومسلم، وأبي داود، واختلف الرواة فِي تقييده عَلَى أربعة أوجه: [الأول]: قيده النسفيّ، وبعض رواة البخاريّ: "أَرِنْ" بكسر الراء، وسكون النون، مثل أقِمْ. [الثاني]: قيّده الأصيليّ: "أَرِنِي" بكسر النون، بعدها ياء المتكلّم. [الثالث]: قيّده بعض رُواة مسلم كذلك، إلا أنه سكّن الراء. [الرابع]: قيّده فِي كتاب أبي داود بسكرن الراء، ونون مطلقة. هذه التقييدات المنقولة. قَالَ الخطّابيّ: وطالما استثبتُّ فيه الرواة، وسألت عنه أهل العلم، فلم أجد عند أحد منهم ما يُقطع بصحّته. قَالَ القرطبيّ: قَالَ بعض علمائنا فِي الوجه الأول: هو بمعنى قد أنشط، وأسرع، فهو بمعنى أعجل، فكأنه يشير إلى أنه شكٌّ وقع منْ أحد الرواة فِي أيّ اللفظين قَالَ رسول الله ﷺ . قَالَ القرطبيّ: وهذه غفلة؛ إذ لو كَانَ منْ الأرَن الذي بمعنى النشاط،

стр. 16410

للزم أن يكون مفتوح الراء؛ لأن ماضيه أَرِنَ، ومضارعه يأرَنُ، قَالَ الفرّاء: الأرَنُ النشاط، يقال: أَرِنَ البعيرُ بالكسر يأْرَنُ بالفتح أَرَنًا: إذا مَرِح مَرَحًا، فهو آرنٌ: أي نشيطٌ، وقياس الأمر منْ هَذَا أن تُجتلَبَ له همزة الوصل مكسورة، وتفتح الراء، فيقال: ائْرَنْ، مثل "ائذن"، منْ أَذِنَ يأذَنُ، ولم يُروَ كذلك. وأما تقييد الأصيليّ، فَقَالَ بعضهم: يكون بعنى أرِني سيلان الدم. قَالَ القرطبيّ: وعلى هَذَا فيبعُد أن تكون "أو" للشك، بل للجمع بمعنى الواو عَلَى المذهب الكوفيّ، فإنه طلب الاستعجال، وأن يُريه دم ما ذَبَح. وأما ما وقع فِي كتاب مسلم منْ تسكين الراء، فهو تخفيف للراء المكسورة، وهي لغة معروفةٌ، قرأ بها ابن كثير. وأما ما وقع فِي كتاب أبي داود، فقيل: بمعنى أَدِم الْحَزَّ، ولا تَفْتُر، منْ رَنَوتُ: أي أمدتُ النظر. قَالَ القرطبيّ: ويلزم عَلَى هَذَا أن تكون مضمومة النون؛ لأنه أمرٌ، منْ رَنَا يَرْنُو، فتُحذف الواو لبناء الأمر، ويبقى ما قبلها مضمومًا عَلَى أصله، ولم يُحقَّق ضبطه كذلك. وَقَدْ ذكر الخطّابيّ فِي هذه اللفظة أوجها محتملةً، لم يجىء بها تقييد عن مُعتبر، ولا صحّت بها روايةٌ، رأيت الإضراب عنها؛ لعدم فائدتها، وبُعدها عن مقصود الْحَدِيث، وأثبتُّ ما فيها روايةٌ، وأقربه معنًى مَن جعله منْ رؤية العين، وذلك أن اللِّيط والمروة، وما أشبههما مما ليس بمحدّد يُخاف منه ألا يكون مُجْهِزًا، فإن لم يستعجل بالْمَرِّ لم يَقطَع، وربما يموت الحيوان خنقًا، فإذا استعجل فِي المرّ، ورأى أن الدم قد سال منْ موضع القطع، فقد تحقّق الذبح المبيح. والله تعالى أعلم بما أراد رسوله ﷺ . انتهى كلام القرطبيّ. وَقَالَ فِي "الفتح": قوله: "فَقَالَ: أعجل، أو أرن": فِي رواية كريمة -بفتح الهمزة، وكسر الراء، وسكون النون- وكذا ضبطه الخطابي فِي "سنن أبي داود"، وفي رواية أبي ذر -بسكون الراء، وكسر النون- ووقع فِي رواية الإسماعيلي منْ هَذَا الوجه الذي هنا: "وأرني" بإثبات الياء آخره، قَالَ الخطابيّ: هَذَا حرف طالما استثبت فيه الرواة، وسألت عنه أهل اللغة، فلم أجد عندهم ما يُقطع بصحته، وَقَدْ طلبت له مَخْرَجًا، فذكر أوجها: [أحدها]: أن يكون عَلَى الرواية بكسر الراء، منْ أَرَانَ القومُ: إذا هلكت مواشيهم، فيكون المعنى: أهلكها ذبحا. [ثانيها]: أن يكون عَلَى الرواية بسكون الراء بوزن أَعْطِ، يعني أَنْظِرْ، وأَنظِر، وانتظر بمعنى، قَالَ الله تعالى، حكاية عمن قَالَ: ﴿نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ الآية [الحديد: ١٣]: أي أنظرونا. أو هو بضم الهمزة بمعنى أَدِمِ الْحَزَّ، منْ قولك رَنَوْتُ: إذا أدمت النظر إلى الشيء، وأراد أَدِم النظر إليه، وراعِهِ ببصرك. [ثالثها]: أن يكون مهموزا، منْ قولك: أَرْأَنَ يُرْئِنُ: إذا نشِطَ، وخَفّ، كأنه فعل أمر بالإسراع؛ لئلا يموت خنقًا، ورجح فِي "شرح السنن" هَذَا الوجه الأخير، فَقَالَ: صوابه أرئن بهمزة،

стр. 16411

ومعناه: خَفْ واعْجَل؛ لئلا تخنقها، فإن الذبح إذا كَانَ بغير الحديد احتاج صاحبه إلى خفة يد، وسرعة فِي إمرار تلك الآلة، والإتيان عَلَى الحلقوم، والأوداج كلها، قبل أن تهلك الذبيحة، بما ينالها منْ ألم الضغط، قبل نطح مذابحها، ثم قَالَ: وَقَدْ ذكرت هَذَا الحرف فِي "غريب الْحَدِيث"، وذكرت فيه وجوها، يحتملها التأويل، وكان قَالَ فيه: يجوز أن تكون الكلمة تصحفت، وكان فِي الأصل أَزِّزْ بالزاي، منْ قولك: أزز الرجل أصبعه: إذا جعلها فِي الشيء، وأززت الجرادةُ أززًا: إذا أدخلت ذنبها فِي الأرض، والمعنى: شُدَّ يدل عَلَى النحر، وزعم أن هَذَا الوجه أقرب الجميع. قَالَ ابن بطال: عرضت كلام الخطابي عَلَى بعض أهل النقد، فَقَالَ: أما أخذه منْ أران القوم، فمعترض؛ لأن أران لا يتعدى، وإنما يقال: أران هو، ولا يقال: أران الرجل غنمه. وأما الوجه الذي صوّبه، ففيه نظر، وكأنه منْ جهة أن الرواية لا تساعده. وأما الوجه الذي جعله أقرب الجميع، فهو أبعدها؛ لعدم الرواية به. وَقَالَ عياض: ضبطه الأصيلي "أَرِني" فعلَ أمر منْ الرؤية، ومثله فِي مسلم، لكن الراء ساكنة، قَالَ: وأفادني بعضهم أنه وقف عَلَى هذه اللفظة، فِي "مسند علي بن عبد العزيز" مضبوطة هكذا: "أرني، أو اعجل"، فكأن الراوي شك فِي أحد اللفظين، وهما بمعنى واحد، والمقصود الذبح بما يُسرع القطع، ويُجري الدم. ورجح النوويّ أن "أرن" بمعنى "أعْجِلْ"، وأنه شك منْ الراوي، وضبط أعجِل بكسر الجيم، وبعضهم قَالَ فِي رواية لمسلم: أَرْني، بسكون الراء، وبعد النون ياء، أي أحضرني الآلة التي تَذبح بها لأراها، ثم أضرب عن ذلك، فَقَالَ: أو أعجل، و"أو" تجيء للإضراب، فكأنه قَالَ: قد لا يتيسر إحضار الآلة، فيتأخر البيان، فَعَرَّفَ الحكم، فَقَالَ: أعجل، ما أنهر الدم الخ، قَالَ: وهذا أولى منْ حمله عَلَى الشك. وَقَالَ المنذري: اختُلف فِي هذه اللفظة، هل هي بوزن أَعْطِ، أو بوزن أَطِعْ، أو هي فعل أمر منْ الرؤية، فعلى الأول المعنى: أدِمِ الْحَزَّ، منْ رَنَوْتُ: إذا أدمت النظر، وعلى الثاني: أهلكها ذبحا، منْ أران القومُ: إذا هلكت مواشيهم. وتعقب بأنه لا يتعدى، وأجيب بأن المعنى كن ذا شاة هالكة، إذا أُزهقت نفسُها بكل ما أنهر الدم. قَالَ الحافظ: ولا يخفى تكلفه. وأما عَلَى أنه بصيغة فعل الأمر، فمعناه أَرِني سيلان الدم، ومن سكّن الراء، اختلس الحركة، ومن حذف الياء جاز. وقوله: "واعْجَلْ" بهمزة وصل، وفتح الجيم، وسكون اللام، فعل أمر منْ العجلة: أي اعجل، لا تموت الذبيحة خَنقًا، قَالَ: ورواه بعضهم بصيغة أَفْعَل التفضيل: أي

стр. 16412

ليكن الذبح أعجل ما أنهر الدم. قَالَ الحافظ: وهذا وإن تمشّى عَلَى رواية أبي داود، بتقديم لفظ "أرني" عَلَى "أعجل"، لم يستقم عَلَى رواية البخاريّ بتأخيرها. وجوز بعضهم فِي رواية "أرن" بسكون الراء أن يكون منْ أرْنَانِي حُسنُ ما رأيته: أي حملني عَلَى الرُّنُوّ إليه، والمعنى عَلَى هَذَا أحْسِنِ الذبح، حَتَّى تحب أن ننظر إليك، ويؤيده حديث: "إذا ذبحتم، فأحسنوا"، أخرجه مسلم. انتهى ما فِي "الفتح". والله تعالى أعلم. (وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ هكذا وقع هنا فِي رواية المصنّف، وكذا هو عند البخاريّ فِي "الذبائح"، وعند مسلم أيضًا بحذف قوله: "عليه"، قَالَ الحافظ: وثبتت هذه اللفظة فِي هَذَا الْحَدِيث عند البخاريّ، فِي "الشركة"، وكلام النوويّ فِي "شرح مسلم" يوهم أنها ليست فِي البخاريّ، إذ قَالَ: هكذا هو فِي النسخ كلها -يعني منْ مسلم- وفيه محذوف: أي ذُكر اسم الله عليه، أو معه، ووقع فِي رواية أبي داود وغيره: "وذكر اسم الله عليه". انتهى، فكأنه لما لم يرها فِي "الذبائح" منْ البخاريّ أيضًا، عزاها لأبي داود، إذ لو استحضرها منْ البخاريّ، ما عدل عن التصريح بذكرها فيه. وفيه اشتراط التسمية؛ لأنه علق الإذن بمجموع الأمرين: وهما الإنهار، والتسمية، والمعلق عَلَى شيئين لا يُكتفَى فيه إلا باجتماعهما، وينتفى بانتفاء أحدهما. وَقَدْ تقدم البحث فِي اشتراط التسمية وعدمه مستوفًى فِي أوائل "كتاب الصيد والذبائح"، فراجعه تستفد. (فَكُلُوا مَا لَمْ يَكُنْ سِنًّا، أَوْ ظُفْرًا) "ما" مصدريّة ظرفيّة، واسم "يكن" ضمير يعود إلى "ما" منْ قوله: "ما أنهر الدم": أي مدّة عدم كون ذلك الذي أنهر الدم سنًا، أو ظفرًا، وفي رواية البخاريّ: "ليس السنّ والظفر"، قَالَ فِي "الفتح": بالنصب عَلَى الاستثناء بـ"ليس"، ويجوز الرفع: أي ليس السنّ والظفر مباحًا، أو مجزئًا. وفي رواية: "غير السنّ، والظفر"، وفي رواية: "إلا سنًّا، أو ظفرًا". (وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ) وفي رواية للبخاريّ: "وسأخبركم"، قَالَ الحافظ فِي "الفتح" ١١/ ١١١: جزم النوويّ بأنه منْ جملة المرفوع، وهو منْ كلام النبيّ ﷺ ، وهو الظاهر منْ السياق، وجزم أبو الحسن بن القطّان فِي "كتاب بيان الوهم والإيهام" بأنه مدرج منْ قول رافع بن خديج، راوي الخبر، وذكر ما حاصله: أن أكثر الرواة عن سعيد بن مسروق أوردوه عَلَى ظاهر الرفع، وأن أبا الأحوص، قَالَ فِي روايته عنه بعد قوله: "أو ظفر": "قَالَ رافع: وسأحدثكم عن ذلك" ونسب ذلك لرواية أبي داود، وهو عجيب، فإن أبا داود أخرجه عن مسدد، وليس فِي شيء منْ نسخ "السنن" قوله: "قَالَ رافع"،

стр. 16413

وإنما فيه كما عند البخاريّ هنا بدونها، وشيخ أبي داود فيه مسدد، هو شيخ البخاريّ فيه، وَقَدْ أورده البخاريّ فِي الباب الذي بعد هَذَا، بلفظ: "غير السن والظفر، فإن السن عظم الخ"، وهو ظاهر جدا، فِي أن الجميع مرفوع. انتهى. (أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ) قَالَ البيضاوي: هو قياس حُذفت منه المقدمة الثانية؛ لشهرتها عندهم، والتقدير: أما السن فعظم، وكل عظم لا يحل الذبح به، وطَوَى النتيجة؛ لدلالة الاستثناء عليها. وَقَالَ ابن الصلاح فِي "مشكل الوسيط": هَذَا يدل عَلَى أنه ﵊، كَانَ قد قرر كون الذكاة، لا تحصل بالعظم، فلذلك اقتصر عَلَى قوله: "فعظم"، قَالَ: ولم أر بعد البحث، منْ نقل للمنع منْ الذبح بالعظم معنى يُعقَل، وكذا وقع فِي كلام ابن عبد السلام. وَقَالَ النوويّ: معنى الْحَدِيث: لا تذبحوا بالعظام، فإنها تنجس بالدم، وَقَدْ نهيتكم عن تنجيسها؛ لأنها زاد إخوانكم منْ الجن. انتهى. وهو محتمل، ولا يقال: كَانَ يمكن تطهيرها بعد الذبح بها؛ لأن الاستنجاء بها كذلك، وَقَدْ تقرر أنه لا يجزىء. وَقَالَ ابن الجوزي فِي "المشكل": هَذَا يدل عَلَى أن الذبح بالعظم، كَانَ معهودا عندهم، أنه لا يجزىء، وقررهم الشارع عَلَى ذلك، وأشار إليه هنا. وأخرج الطبراني فِي "الأوسط" منْ حديث حذيفة، رفعه: "اذبحوا بكلّ شيء فرى الأوداج، ما خلا السنّ والظفر"، وفي سنده عبد الله بن خراش، مختلفٌ فيه، وله شاهد منْ حديث أبي أُمامة نحوه. قاله فِي "الفتح" ١١/ ٥٩. (وَأَمَّا الظُّفْرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ) أي وهم كفار، وَقَدْ نُهيتم عن التشبه بهم. قاله ابن الصلاح، وتبعه النوويّ. وقيل: نهى عنهما؛ لأن الذبح بهما تعذيب للحيوان، ولا يقع به غالبا، إلا الخنق، الذي ليس هو عَلَى صورة الذبح، وَقَدْ قالوا: إن الحبشة تُدمي مذابح الشاة بالظفر، حَتَّى تُزهق نفسها خَنْقًا. واعترض عَلَى التعليل الأول، بأنه لو كَانَ كذلك؛ لامتنع الذبح بالسكين، وسائر ما يَذبح به الكفار. وأجيب، بأن الذبح بالسكين، هو الأصل، وأما ما يلتحق بها، فهو الذي يعتبر فيه التشبّه؛ لضعفها، ومن ثَمَّ كانوا يسألون عن جواز الذبح بغير السكين وشبهها. وروى البيهقيّ فِي "المعرفة"، منْ رواية حرملة، عن الشافعيّ: أنه حمل الظفر فِي هَذَا الْحَدِيث، عَلَى النوع الذي، يدخل فِي البخور، فَقَالَ معقول فِي الْحَدِيث، أن السن إنما يذكى بها، إذا كانت منتزعة، فأما وهي ثابتة، فلو ذبح بها لكانت منخنقة -يعني فدل عَلَى أن المراد بالسن السنن المنتزعة- وهذا بخلاف ما نقل عن الحنفية، منْ جوازه بالسن المنفصلة، قَالَ: وأما الظفر، فلو كَانَ المراد به ظفر الإنسان، لقال فيه ما قَالَ فِي

стр. 16414

السن، لكن الظاهر أنه أراد به الظفر، الذي هو طيب منْ بلاد الحبشة، وهو لا يَفرِي، فيكون فِي معنى الخنق. قاله فِي "الفتح" ١١/ ٥٦ - ٥٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم تخريجه، وبيان مسائله فِي "كتاب الصيد والذبائح" ١٧/ ٤٢٩٩ - وبقي الكلام عَلَى ما ترجم المصنّف رحمه الله تعالى هنا وفي الباب الماضي، وهو النهي عن الذبح بالظفر والسنّ، فأقول: (مسألة): فِي اختلاف أهل العلم فِي الذبح بالظفر والسنّ: قَالَ فِي "الفتح" عند شرح حديث الباب -١١/ ٥٧ - : وفيه منع الذبح بالسن والظفر، متصلا كَانَ أو منفصلا، طاهرا كَانَ أو متنجسا. وفرق الحنفية بين السن والظفر المتصلين، فخصوا المنع بهما، وأجازوه بالمنفصلين، وفرقوا بأن المتصل يصير فِي معنى الخنق، والمنفصل فِي معنى الْحَجَر. وجزم ابن دقيق العيد يحمل الْحَدِيث عَلَى المتصلين، ثم: قَالَ واستَدَلَّ به قوم عَلَى منع الذبح بالعظم مطلقا؛ لقوله: "أما السن فعظم"، فعَلَّلَ منع الذبح به؛ لكونه عظما، والحكم يعم بعموم عدته، وَقَدْ جاء عن مالك فِي هذه المسألة أربع روايات: [ثالثها]: يجوز بالعظم، دون السن مطلقا. [رابعها]: يجوز بهما مطلقا، حكاها ابن المنذر. وحكى الطحاوي الجواز مطلقا عن قوم، واحتجوا بقوله، فِي حديث عدي بن حاتم: "أَمِرَّ الدم بما شئت"، أخرجه أبو داود، لكن عمومه مخصوص بالنهي الوارد صحيحا، فِي حديث رافع، عملا بالحديثين. وسلك الطحاوي طريقا آخر، فاحتج لمذهبه بعموم حديث عديّ، قَالَ: والاستثناء فِي حديث رافع، يقتضي تخصيص هَذَا العموم، لكنه فِي المنزوعين غيرُ محقق، وفي غير المنزوعين محقق، منْ حيث النظر، وأيضا فالذبح بالمتصلين، يشبه الخنق، وبالمنزوعين يشبه الآلة المستقلة، منْ حجر وخشب. والله أعلم. انتهى. وَقَالَ العلّامة ابن قدامة رحمه الله تعالى فِي "المغني" ١٣/ ٣٠١ - ٣٠٣ - : ما حاصله: ويشترط فِي الآلة شرطان: [أحدهما]: أن تكون محددة تقطع، أو تخرق بحدها لا بثقلها. [والثاني]: أن لا تكون سنا، ولا ظفرا، فإذا اجتمع هذان الشرطان فِي شيء، حل الذبح به، سواء كَانَ حديدا، أو حجرا، أو بِلِطَة، أو خشبا؛ لقول النبيّ ﷺ : "ما أنهر الدم، وذُكر اسم الله عليه فكلوا ما، لم يكن سنا أو ظفرا"، متَّفقٌ عليه. وعن عدي بن حاتم قَالَ: قلت: يا رسول الله ﷺ ، أرأيت إِنْ أحدُنا أصاب صيدا، وليس معه سكتتين، أيذبح بالمروة، وشِقَّة العصا؟ فَقَالَ: "أَمْرِرِ الدم بما شئت، واذكر اسم الله". والمروة الصَّوّان. وعن رجل منْ بني حارثة، أنه كَانَ يرعى لِقحَة، فأخذها

стр. 16415

الموت، فلم يجد شيئًا ينحرها به، فأخذ وتدا، فوجأها به فِي لبتها، حَتَّى أهريق دمها، ثم جاء النبيّ ﷺ ، فأمره بأكلها. رواهما أبو داود. وبهذا قَالَ الشافعيّ، وإسحاق، وأبو ثور، ونحوه قول مالك، وعمرو بن دينار، وبه قَالَ أبو حنيفة، إلا فِي السن والظفر، قَالَ: إذا كانا متصلين لم يجز الذبح بهما، وإن كانا منفصلين جاز. واحتجّ الأولون بحديث رافع ﵁ يعني المذكور فِي هَذَا الباب- ولأنه ما لم تُجز الذكاة به متصلا، لم تجز منفصلا، كغير المحدد، وأما العظم غير السن، فمقتضى إطلاق قول أحمد، والشافعي، وأبي ثور إباحة الذبح به، وهو قول مالك، وعمرو بن دينار، واصحاب الرأي. وَقَالَ ابن جريج: يُذَكَّى بعظم الحمار، ولا يذكى بعظم القِرْد؛ لأنك تصلي عَلَى الحمار، وتسقيه فِي جفنتك. وعن أحمد لا يذكى بعظم، ولا ظفر. وَقَالَ النخعي: لا يذكى بالعظم والقرن، ووجهه أن النبيّ ﷺ قَالَ: "ما أنهر الدم، وذُكر اسم الله عليه، فكلوا ليس السن والظفر، وسأحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة"، فَعَلَّله بكونه عظما، فكل عظم، فقد وجدت فيه العلة. والأول أصح -إن شاء الله تعالى- لأن العظم دخل فِي عموم اللفظ المبيح، ثم استثنى السن والظفر خاصة، فيبقى سائر العظام، داخلا فيما يباح الذبح به، والمنطوق مقدم عَلَى التعليل، ولهذا عَلَّلَ الظفر بكونه منْ مُدَى الحبشة، ولا يحرم الذبح بالسكين، وإن كانت مدية لهم، ولأن العظام يتناولها سائر الأحاديث العامة، ويحصل بها المقصود، فأشبهت سائر الآلات. انتهى كلام ابن قدامة رحمه الله تعالى ببعض تصرف. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي قاله ابن قدامة رحمه الله تعالى منْ ترجيح الجواز بالعظم، غير السن هو الذي يترجح عندي؛ لظهور حجته، كما بينه فِي كلامه المذكور آنفًا. والحاصل أن أرجح المذاهب الذبح بكل ما أنهر الدم، غير المستثني فِي حديث رافع رضي الله تعالى عنه، وهو السن والظفر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". ٢٢ - (الْأَمْرُ بِإِحْدَادِ الشَّفْرَةِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الإحداد": بكسر الهمزة، مصدر أحدّ، يقال: حَدَّ السّيفُ وغيرُهُ يَحِدّ، منْ باب ضرب حِدَّةً، فهو حديد، وحادّ: أي قاطعٌ ماضٍ، ويُعدّى بالهمزة، والتضعيف، فيقال: أحددته، وحَدَّدته، وفي لغة يتعدّى بالحركة، فيقال: حَدَدته أَحُدُّهُ، منْ باب قَتَل.

стр. 16416

و"الشَّفْرَةُ" -بفتح الشين المعجمة، وسكون الفاء-: الْمُدية، وهي السكّين العريض، والجمع شِفَار، مثلُ كَلْبة وكِلاب، وشَفَرَات، مثلُ سَجْدة وسَجَدَات. أفاده الفيّوميّ. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٤٠٧ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: اثْنَتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ، فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ"). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (علي بن حجر) السعدي المروزي، ثقة حافظ، منْ صغار [٩] ١٣/ ١٣. ٢ - (إسماعيل) بن إبراهيم المعروف بابن علية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ١٨/ ١٩. ٣ - (خالد) بن مِهْران، أبو المنازل الحذّاء البصريّ، ثقة يرسل [٥] ٧/ ٦٣٤. ٤ - (أبو قِلابة) عبد الله بن زيد بن عمرو الْجَرْميّ البصريّ، ثقة فاضل، يرسل كثيرًا، وفيه نصب يسير [٣] ١٠٣/ ٣٢٢. ٥ - (أبو الأشعث) شراحيل بن آدة -بالمدّ، وتخفيف الدال- الصنعانيّ، ويقال: "آدة" جدّ أبيه، وهو ابن شراحيل بن كُليب، ثقة [٢] ٥/ ١٣٧٤. ٦ - (شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ) بن ثابت الأنصاريّ، أبو يعلى، صحابيّ مات ﵁ بالشام، قبل الستين، أو بعدها، وهو ابن أخي حسّان بن ثابت ﵁، تقدّمت ترجمته فِي ٢/ ١١٤١. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى أبي قلابة، والباقيان شاميان. (ومنها): أن فيه ثلاثة منْ التابعين يروي بعضهم عن بعض: خالد، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَن شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ) بن ثابت الأنصاريّ رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: اثْنَتَانِ) أي خصلتان اثنتان، وهما: إحسان القِتلة، وإحسان الذبحة (حَفِظْتُهُمَا عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ ) أي سمعتهما منه ﷺ دون واسطة، فحفظتهما (قَالَ) ﷺ (إِنَّ اللهَ كَتَبَ) أي أمر به، وحضّ عليه، وأصل "كتب": أثبت، وجمع، ومنه قوله تعالى: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ

стр. 16417

الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢]: أي ثبّته، وجمعه، ومنه كَتَبت البغلة: إذا جمعت حياءها (الإِحْسَانَ) بكسر الهمزة، مصدر أحسن، قَالَ القرطبيّ: و"الإحسان" هنا: بمعنى الإحكام، والإكمال، والتحسين فِي الأعمال المشروعة، فحقّ منْ شرع فِي شيء منها أن يأتي به عَلَى غاية كماله، ويُحافظ عَلَى آدابه المصحّحة، والمكمّلة، وإذا فعل ذلك قُبل عمله، وكثُر ثوابه (عَلَى كُلِّ شَيْءٍ) و"عَلَى" هنا بمعنى "فِي"، كما فِي قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]: أي فِي ملكه، ويقال: كَانَ كذا عَلَى عهد فلان: أي فِي عهده. حكاه الْقُتبيّ (فَإِذَا قَتَلْتُمْ) أي شرعتم فِي قتل شيء (فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ) قَالَ القرطبيّ: بكسر القاف، هي الرواية، وهي هيئة القتل، و"القَتْلَةُ" بالفتح مصدر قتل المحدود، وكذلك الرِّكْبَةُ، والمِشيةُ الكسر للاسم، والفتح للمصدر. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: المراد أن المفتوح للمرة، والمكسور للهيئة، كما قَالَ ابن مالك فِي "الخلاصة": وَفَعْلَةٌ لِمَرَّةٍ كَـ"جَلْسَهْ" … وَفِعْلَةٌ لِهَيئَةٍ كَـ"جِلْسَهْ" (وَإِذَا ذَبَحْتُمْ) أي شرعتم فِي ذبح الحيوان (فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ) بكسر الذال المعجمة، للهيئة أيضًا، وفي الروايات الآتية: "فأحسنوا الذَّبْحَ"، والذبح أصله: الشقّ، والقطع، قَالَ الشاعر [منْ الرجز]: كَأَنَّ بَيْنَ فَكِّهَا وَالْفَكِّ … فَأرَةَ مِسْكٍ ذُبِحَتْ فِي سُكِّ (١) (وَلْيُحِدَّ) بضمّ أوّله، وكسر ثالثه، منْ الإحداد، أو منْ التحديد، يقال: أحدّ السكين، وحدّدها، واستحدّها: بمعنى. ويجوز أن يكون بفتح أوله، وضمّ ثالثه، منْ الحدّ، منْ باب قتل (أَحَدُكُم شَفْرَتَهُ) بفتح، فسكون: السكّين العريض، أي ليجعله حدًّا، سريع القطع (وَلْيُرِحْ) بضم أوله، منْ الإراحة (ذَبِيحَتَهُ) فعِيلة بمعنى مفعولة: أي مذبوحته، وجمعها ذبائح، ككريمة وكَرائم. فقوله: "وليُحدّ" تفسير لمعنى الإحسان إلى الذبحة. قَالَ القرطبيّ: وإحسان الذبح فِي البهائم: الرفقُ بالبهيمة، فلا يصرعها بعنف، ولا يجُرّها منْ موضع إلى موضع، وإحداد الآلة، وإحضار نيّة الإباحة والقربة، وتوجيهها إلى القبلة، والتسمية، والإجهاز، وقطع الودجين، والحلقوم، وإراحتها، وتركها إلى أن تبرُد، والاعتراف لله تعالى بالمنّة، والشكر له عَلَى النعمة بأنه سخّر لنا ما لو شاء لسلّطه علينا، وأباح لنا ما لو شاء لحرّمه علينا. وَقَالَ ربيعة: منْ إحسان الذبح ألا تذبح

стр. 16418

بهيمة، وأُخرى تنظر. وحُكي جوازه عن مالك، والأول أولى. ثم قوله ﷺ : "إذا قتلتم، فأحسنوا الْقِتلة" يُحمل عَلَى عمومه فِي كلّ شيء، منْ التذكية، والقصاص، والحدود، وغيرهالأوليجهز فِي ذلك، ولا يقصد التعذيب. انتهى كلام القرطبيّ. "المفهم" ٥/ ٢٤٠ - ٢٤٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث شدّاد بن أوس ﵁ هَذَا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٢/ ٤٤٠٧ و٢٦/ ٤٤١٣ و٢٧/ ٤٤١٤ و٤٤١٥ و٤٤١٦ - وفي "الكبرى" ٢٣/ ٤٤٩٤ و٢٧/ ٤٥٠٠ و٢٨/ ٤٥٠١ و٤٥٠٢ و٤٥٠٣. وأخرجه (م) فِي "الصيد والذبائح" ٣٦١٥ و (د) فِي "الضحايا" ٢٨١٥ (ت) فِي "الديات" ١٤٠٩ (ق) فِي "الذبائح" ١٣٧٠ (أحمد) فِي "مسند الشاميين" ١٦٤٩٠ و١٦٥٠٦ و١٦٥١٦ (الدارمي) فِي "الأضاحي" ١٨٨٨. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان الأمر بإحداد الشَّفْرة. (ومنها): ما قاله النوويّ رحمه الله تعالى فِي "شرح مسلم" ١٣/ ١٠٨ - : هَذَا الْحَدِيث منْ الأحاديث الجامعة لقواعد الإسلام. (ومنها): لطف الله تعالى بعباده، ورحمته، ورأفته حيث كتب "الإحسان عَلَى كلّ شيء، وأمر المكلّفين أن يُحسنوا إلى كلّ شيء، حَتَّى البهائم، فكما شرح معاقبة المجرم عَلَى إجرامه رحمة بمن أجرم بهم، أمر بأن يُحسَنَ إليه فيما عدا إجرامه، فلا يُمنع منْ وجب عليه القتل حدًا، أو قصاصًا منْ الطعام، والشراب، وسائر ما يستمتع به منْ ملاذّ الحياة، حَتَّى يقام عليه الحدّ، وهذا منْ عظيم لطف الله تعالى، وواسع كرمه، ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٤]. (ومنها): ما قاله ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى: فيه ﵀ لعباده، حَتَّى فِي حال القتل، فأمر بالقتل، وأمر بالرفق، ويؤخذ منه قهره لجميع عباده؛ لأنه لم يترك لأحد التصرّف فِي شيء، إلا وَقَدْ حدّ له فيه كيفيّة. انتهى، ذكره فِي "الفتح" ١١/ ٧٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". ***

стр. 16419

٢٣ - (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي نَحْرِ مَا يُذْبَحُ، وَذَبْحِ مَا يُنْحَرُ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "النحر" -بفتح، فسكون-: مصدر نَحَر البعيرَ ينحره، منْ باب فتح: إذا أصاب نحوه، وهو أعلى الصدر، ونحره أيضًا: إذا طعنه فِي مَنْحَره، حيث يبدو الْحُلْقوم منْ أعلى الصدر. و"الذبح" -بفتح، فسكون-: مصدر ذبح الشاةَ يذبحها، منْ باب فتح: إذا قطع الحلقوم منْ الباطن عند النَّصِيل، وهو موضع الذبح منْ الحلق. و"النصيل" كأمير: مَفْصل ما بين العنق والرأس، تحت اللَّحْيين. أفاده فِي "اللسان". وَقَالَ العلّامة ابن قُدامة رحمه الله تعالى: لا خلاف بين أهل العلم، فِي أن المستحب نحر الإبل، وذبح ما سواها، قَالَ الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، وَقَالَ الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]. قَالَ مجاهد: أُمرنا بالنحر، وأُمر بنو إسرائيل بالذبح، فإن النبيّ ﷺ بُعثَ فِي قوم، ماشيتهم الإبل، فَسُنَّ النحرُ، وكانت بنو إسرائيل ماشيتهم البقر، فأُمروا بالذبح، وثبت: "أن رسول الله ﷺ ، نحر بدنة، وضَحَّى بكبشين أقرنين، ذبحهما بيده". متَّفقٌ عليه. ومعنى النحر: أن يضربها بحربة، أو نحوها فِي الْوَهْدَة التي بين أصل عنقها وصدرها. انتهى. وَقَالَ فِي "الفتح": ما حاصله: النحر فِي الإبل خاصة، وأما غير الإبل فيذبح، وَقَدْ جاءت أحاديث فِي ذبح الإبل، وفي نحر غيرها. وَقَالَ ابن التين: الأصل فِي الإبل النحر، وفي الشاة ونحوها الذبح، وأما البقر فجاء فِي القرآن ذكر ذبحها، وفي السنة ذكر نحرها، واختُلِفَ فِي ذبح ما يُنحر، ونحر ما يُذبَح، فأجازه الجمهور، ومنع ابن القاسم. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٤٠٨ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ أَحْمَدَ الْعَسْقَلَانِيُّ، عَسْقَلَانُ بَلْخٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، حَدَّثَهُ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: "نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَكَلْنَاهُ"). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (عِيسَى بْنُ أَحْمَدَ) بن عيسى بن وردان، الْعَسْقَلَانِيُّ، عَسْقَلَانُ بَلْخٍ -بفتح الموحّدة، وسكون اللام، بعدها معجمة- أبو يحيى، يقال: إن أصله منْ بغداد، ثقة [١١].

стр. 16420

روى عن بقية بن الوليد، وضمرة بن ربيعة، وعبد الله بن نمير، وأبي أسامة، والأسود بن عامر، وإسحاق بن الفرات، وعبد الله بن وهب، وجماعة. وعنه الترمذي، والنسائي، وأبو حاتم، وأبو عوانة الإسفرائيني، وحماد بن شاكر النسفي، وآخرون. قَالَ النسائيّ: ثقة. وَقَالَ أبو حاتم: صدوق. وَقَالَ الخليلي: كَانَ ثقة، كبيرا فِي العلماء، يُعرف بابن البغداديّ، وله أحاديث، يتفرد بها. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ: مات سنة ثمان وستين ومائتين. وَقَالَ أبو القاسم ابن منده: تُوُفي بعسقلان، مَحِلَّةٌ ببَلْخَ، فِي جمادى الأولى، وقيل: فِي الآخرة، سنة (٢٦٨) منها، ووُلِد ببغداد، سنة (١٨٠). انتهى تهذيب "التهذيب" ٣/ ٣٥٥. تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، وروى له المصنّف فِي هَذَا الكتاب حديث الباب فقط. [تنبيه]: قوله: "عسقلان بلخ" إنما قيده بذلك؛ تمييزا عن عسقلان الشام؛ لأن عسقلان يُطلق عَلَى موضعين، قَالَ المجد فِي "القاموس": وعَسْقَلانُ: بلد بساحل الشام، تُحجّه النصارى، وقرية ببلخ، أو محِلّةٌ منها عيسى بن أحمد بن وَرْدان العسقلانيّ. انتهى. ٢ - (ابن وهب) عبد الله المصريّ، ثقة حافظ عابد [٩] ٩/ ٩. ٣ - (سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة ثبت حجة [٧] ٣٣/ ٣٧. ٤ - (هشام بن عروة) بن الزبير الأسدي، أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيه [٥] ٤٩/ ٦١. ٥ - (فاطمة بنت المنذر) بن الزبير بن العوّام، زوج هشام الراوي عنها هنا المدنية، ثقة [٣] ١٨٥/ ٢٩٣. ٦ - (أسماء بنت أبي بكر) الصديق رضي الله تعالى عنهما، زوج الزبير بن العوّام، منْ كبار الصحابيات، عاشت مائة سنة، وماتت سنة (٣) أو (٧٤) ١٨٥/ ٢٩٣. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رواته كلهم منْ رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو والترمذي، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين منْ هشام، وسفيان كوفيّ، وابن وهب مصري، وشيخه بلخي. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعية، هي زوجته، تروي عن جدّتهما، ففاطمة زوجة هشام، وأسماء جدّتهما، قَالَ هشام: كانت فاطمة أكبر مني بثلاث عشرة سنة. والله تعالى أعلم.
следующие страницы →