قوله فِي "باب فضل المدينة" منْ "صحيح مسلم": "منْ أحدث فيها حدثًا، أو آوى محدثّا" الْحَدِيث-: ما حاصله: ولم يُرو هَذَا الحرف إلا "محدثًا" بكسر الدال، ثم قَالَ: وَقَالَ الإِمام المازريّ: رُوي بوجهين، كسرِ الدال، وفتحها، قَالَ: فمن فتح أراد الإحداث نفسه، ومن كسر أراد فاعل الحدث. انتهى.
وَقَالَ فِي "النهاية" -١/ ٣٥١ - : "الحدّث": الأمر الحادث المنكر الذي ليس بمعتاد، ولا معروف فِي السنّة، و"المحدث": يُروى بكسر الدال، وفتحها، عَلَى الفاعل، والمفعول، فمعنى الكسر: منْ نصر جانيًا، أو آواه، وأجاره منْ خصمه، وحال بينه وبين أن يقتصّ منه، والفتح هو الأمر المبتدع نفسه، ويكون معنى الإيواء فيه الرضا به، والصبر عليه، فإذا رضي بالبدعة، وأقرّ فاعلها، ولم ينكرها عليه، فقد آواه. انتهى.
(وَلَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الأَرْضِ") -بفتح الميم-: أي علامات حدودها، وَقَالَ فِي "النهاية" -٥/ ١٢٧ - : المنار جمع منارة: وهي العلامة تُجعل بين الحدّين، ومنار الحرَم: أعلامه التي ضربها الخليل ﵇ عَلَى أقطاره، ونواحيه، والميم زائدة. انتهى. وَقَالَ القرطبيّ: منار الأرض: هي التُّخُوم (١)، والحدود التي بها تتميّز الأملاك، والمغيّر لها إن أضافها إلى ملكه، فهو غاصبٌ، وإن لم يُضفها إلى ملكه، فهو متعدّ، ظالم، مفسدٌ لملك الغير، وَقَدْ قَالَ ﷺ : "منْ غصب شبراً منْ الأرض، طُوّقه يوم القيامة منْ سبع أرضين". وَقَدْ حمل أبو عُبيد هَذَا الْحَدِيث عَلَى تغيير حدود الحرم، ولا معنى للتخصيص، بل هو عامٌ فِي كلّ الحدود، والتُّخُوم. والله تعالى أعلم. انتهى. "المفهم" ٥/ ٢٤٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٤/ ٤٤٢٤ - وفي "الكبرى" ٣٥/ ٤٥١١ وأخرجه (م) فِي "الأضاحي" ٣٦٥٧ و٣٦٥٨ و٣٦٥٩ (أحمد) فِي "مسند العشرة" ٨١٣ و٩٠٨ و١٢٣٨. والله تعالى أعلم.
стр. 16452
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان وعيد منْ ذبح لغير الله تعالى، وهو أنه ملعون، ومطرود عن رحمة الله تعالى. (ومنها): تحريم لعن الوالدين. (ومنها): تحريم تغيير علامات الأرض، وحدودها التي تعلّق بها حقوق النَّاس. (ومنها): أن هذه الأعمال منْ الكبائر؛ لأن اللعنة لا تكون إلا فِي كبيرة. قيل: المراد باللعن هنا: العذاب الذي يستحقّه عَلَى ذنبه، والطرد عن الجنة أول الأمر، وليست هي كلعنة الكفّار الذين يُبعَدون منْ رحمة الله تعالى كلَّ الإبعاد. (ومنها): أن فيه إبطالَ ما تزعمه الرافضة، والشيعة، والإماميّة، منْ الوصيّة إلى عليّ ﵁، وغير ذلك منْ اختراعاتهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٣٥ - (النَّهْيُ عَنِ الأَكْلِ منْ لُحُومِ الأَضَاحِي بَعْدَ ثَلَاثِ، وَعَنْ إِمْسَاكِهِ)
٤٤٢٥ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَهَى أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ الأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ).
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظلي المروزي، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (عبد الرزاق) بن همّام، أبو بكر الصنعاني، ثقة حافظ مصنف شهير، عَمِي فِي آخره، فتغير، وكان يتشيع [٩] ٦١/ ٧٧.
٣ - (معمر) بن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة الصنعاني، ثقة ثبت فاضل، منْ كبار [٧] ١٠/ ١٠.
٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإِمام الحجة المثبت المدنيّ [٤] ١/ ١.
٥ - (سالم) بن عبد الله بن عمر العدَوي المدنيّ الثقة المثبت الفاضل [٣] ٢٣/ ٤٩٠.
٦ - (ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
стр. 16453
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين منْ الزهريّ، وشيخه مروزي، ثم نيسابورين وعبد الرزاق ومعمر صنعانيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه سالمًا أحد الفقهاء السبعة، وفيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة، واحد المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهمِا (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، نَهَى أَن تُؤْكَلَ) بالبناء للمفعول (لُحُومُ الأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ) أي نَهَى صاحب الأضاحي عن إبقاء لحومها إلى ما بعد ثلاث ليال، وأراد ﷺ بذلك أن يتصدّقوا عَلَى الفقراء. قَالَ القاضي عياض: يحتمل أن يكون ابتداء الثلاث منْ يوم ذبحها، ويحتمل منْ يوم النحر، وإن تأخّر ذبحها إلى أيام التشريق، قَالَ: وهذا أظهر.
وَقَالَ القرطبيّ: ظاهر النهي عن الادخار التحريم. وقيل: كَانَ محمولا عَلَى الكراهة. واختُلف فِي أول الثلاثة الأيام التي كَانَ الادخار جائزًا فيها، فقيل: أولها يوم النحر، فمن ضحّى فيه جاز له أن يُمسك يوم النحر، ويومين بعده، ومن ضحّى بعده أمسك ما بقي له منْ الثلاثة الأيام منْ يوم النحر. وقيل: أولها يوم يُضحّي، فلو ضحّى فِي آخر أيام النحر، لكان له أن يمسك ثلاثة أيام بعده، وهذا الظاهر منْ حديث سلمة بن الأكوع ﵁، فإنه قَالَ فيه: "منْ ضحّى منكم، فلا يُصبحنّ فِي بيته بعد ثالثة شيء". قَالَ: ويظهر منْ بعض ألفاظ أحاديث النهي ما يوجب قولاً ثالثًا، وهو أن فِي حديث أبي عبيد: "فوق ثلاث ليال"، وهذا يوجب إلغاء اليوم الذي ضحّى فيه منْ العدد، وتُعتبر ليلته، وما بعدها، وكذلك حديث ابن عمر، فإن فيه: "فوق ثلاث": يعني الليال، وكذلك حديث سلمة، فإن فيه: "بعد ثالثة"، وأما حديث أبي سعيد، ففيه "ثلاثة أيام"، وهذا يقتضي اعتبار الأيام، دون الليالي. انتهى. "المفهم" ٥/ ٣٧٦ - ٣٧٧.
وَقَالَ فِي "الفتح" ١١/ ١٤٦: ما محصّله: يؤيد عدم الاعتداد باليوم الذي يقع فيه النحر منْ الثلاث، ما فِي حديث جابر: "كنا لا نأكل منْ لحوم بُدْنِنا فوق ثلاث مني"، فإن ثلاث مني تتناول يوما بعد يوم النحر، لأهل النفر الثاني. انتهى.
[تنبيه]: زاد فِي رواية للبخاريّ فِي آخر هَذَا الْحَدِيث: "وكان عبد الله يأكل بالزيت حين ينفر منْ مني، منْ أجل لُحوم الهدي". يعني أن عبد الله بن عمر ﵄، كَانَ لا يأكل منْ لحم الأضحيّة بعد ثلاث، فكان إذا انقضت ثلاث مني، ائتدم بالزيت، ولا يأكل اللحم، تمسّكًا بالأمر المذكور، ويحتمل أنه كَانَ يسوّي بين لحم الهدي
стр. 16454
والأضحيّة فِي الحكم، أو أطلق الهدي عدى الأضحية لمناسبة أنه كَانَ بمنى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٥/ ٤٤٢٥ - وفي "الكبرى" ٣٦/ ٤٥١٢. وأخرجه (خ) فِي "الأضاحي" ٥١٤٦ (م) فِي "الأضاحي" ٣٦٤١ (ت) فِي "الأضاحي" ١٤٢٩ (أحمد) فِي "مسند المكثرين" ٤٣٣٠ و٤٤١٤ و٤٦٦٥ و٤٦٩٩ و٥٢٦٨ و٥٩١٢ (الدارمي) فِي "الأضاحي" ١٨٧٥. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان النهي عن الأكل منْ لحوم الأضاحي بعد ثلاث، وعن ادّخاره. (ومنها): أن فيه مراعاة الشارع مصالح العباد؛ لأنه سيأتي فِي حديث عائشة ﵂ أن النهي لأجل الدّافّة التي دفّت إلى المدينة، يوم الأضحى، فأراد الشارع الحكيم أن يواسي المؤمونون هؤلاء المساكين، فتبيّن به أنه لا يأمر، ولا ينهى إلا لمصلحة، وإن لم نَصِلْ إلى معرفتها؛ لقصور علمنا.
(ومنها): ما قيل: استُدل بهذه الأحاديث، عَلَى أن النهي عن الأكل فوق ثلاث، خاص بصاحب الأضحية، فأما منْ أُهدي له، أو تُصدق عليه، فلا؛ لمفهوم قوله عند مسلم: "منْ لحم أضحيّته"، وفي حديث علي: "منْ نسكه"، وَقَدْ جاء فِي حديث الزبير ابن العوام، عند أحمد، وأبي يعلى ما يفيد ذلك، ولفظه: قلت: يا نبي الله، أرأيت قد نُهي المسلمون أن يأكلوا منْ لحم نسكهم، فوق ثلاث، فكيف نصنع بما أُهدي لنا؟ قَالَ: "أما ما أهدي إليكم، فشأنَكم به"، فهذا نص فِي الهدية، وأما الصدقة، فإن الفقير لا حجر عليه فِي التصرف، فيما يُهدَى له؛ لأن القصد أن تقع المواساة منْ الغني للفقير، وَقَدْ حصلت. أفاده فِي "الفتح" ١١/ ١٤٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي النهي عن ادّخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث:
اختلفوا فِي ذلك عَلَى مذاهب:
(المذهب الأول): أنه كَانَ للتحريم، وأنه منسوخٌ بالأحاديث الآتية فِي الباب التالي،
стр. 16455
حكاه النوويّ فِي "شرح مسلم" عن جماهير العلماء، قَالَ: وهذا منْ نسخ السنّة بالسنّة، قَالَ: والصحيح نسخ النهي مطلقًا، وأنه لم يبق تحريم، ولا كراهة، فيباح اليوم الادّخار فوق ثلاثة، والأكل إلى متى شاء، كصريح حديث بريدة وغيره، وكذا قَالَ فِي "شرح المهذّب": الصواب المعروف أنه لا يحرم الادّخار اليوم بحال، وسبقه إلى ذلك الرافعيّ، فَقَالَ: والظاهر أنه لا تحريم اليوم بحال. وَقَالَ ابن عبد البرّ: لا خلاف بين فقهاء المسلمين فِي إجازة أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث، وأن النهي عن ذلك منسوخ.
(المذهب الثاني): أن هَذَا ليس نسخًا، ولكن كَانَ التحريم لعلّة، فلما زالت زال، فلو عادت لعاد، وبهذا قَالَ ابن حزم، واستدلّ بحديث عليّ ﵁ الآتي بعد هَذَا، قَالَ: هَذَا كَانَ عام حُصِر عثمان ﵁، وكان أهل البوادي قد ألجأتهم الفتنة إلى المدينة، ودفّت دافّة. انتهى. وللشافعيّ رحمه الله تعالى نصّ، حكاه البيهقيّ، تردّد فيه بين هَذَا القول، والذي قبله، قَالَ بعد ذكر حديث عائشة، وجابر ﵄: يجب عَلَى منْ علِم الأمرين معًا أن يقول: نهى النبيّ ﷺ عنه لمعنًى، فإذا كَانَ مثله، فهو منهيّ عنه، وإذا لم يكن مثله لم يكق منهيًّا عنه، أو يقول: نهى النبيّ ﷺ فِي وقت، ثم أرخص فيه بعده، والآخر منْ أمره ناسخٌ للأول. وَقَالَ الإسنويّ رحمه الله تعالى: الصحيح أن النهي كَانَ مخصوصًا بحالة الضيق، والصحيح أيضاً أنه إذا حَدَثَ ذلك فِي زماننا أن يعود المنع عَلَى خلاف ما رجّحه الرافعيّ، فقد نصّ الشافعيّ عَلَى ذلك كلّه، فَقَالَ فِي "الرسالة" فِي آخر "باب العلل فِي الْحَدِيث": ما نصّه: فإذا دفّت الدّافّة، ثبت النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث، وإن لم تدفّ دافّة، فالرخصة ثابتةٌ بالأكل، والتزوّد، والادّخار، والصدقة، قَالَ الشافعيّ: ويحتمل أن يكون النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث منسوخًا فِي كلّ حال. انتهى. وَقَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: حديث سلمة، وعائشة رضي الله تعالى عنهما نصّ عَلَى أن المنع كَانَ لعلّة، ولما ارتفعت ارتفع؛ لارتفاع موجبه، لا لأنه منسوخٌ، فتعيّن الأخذ به، ويعود الحكم لعود العلّة، فلو قَدِم عَلَى أهل بلدة ناسٌ محتاجون فِي زمان الأضحى، ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعة يسدّون بها فاقتهم إلا الضحايا، لتعيّن عليهم أن لا يدّخروها فوق ثلاث.
(المذهب الثالث): كالذي قبله فِي أن هَذَا ليس نسخًا، ولكن التحريم لعلّة، فلما زالت زال، ولكن لا يعود الحكم لو عادت، وهذا وجه لبعض الشافعيّة، حكاه الرافعيّ، والنوويّ، وهو بعيد.
(المذهب الرابع): أن النهي الأول لم يكن للتحريم، وإنما كَانَ للكراهة، وهذ ذكره أبو عليّ الطبريّ، صاحب "الإفصاح" عَلَى سبيل الاحتمال، كما حكاه الرافعيّ، ونصّ
стр. 16456
عليه الشافعيّ، كما حكاه البيهقيّ، فَقَالَ: وَقَالَ الشافعيّ رحمه الله تعالى فِي موضع آخر: يشبه أنه يكون نهي النبيّ ﷺ عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث، إذا كانت الدّافّة، عَلَى معنى الاختيار، لا عَلَى معنى الفرض؛ لقوله تعالى فِي البدن: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ الآية [الحج: ٣٦]، وهذه الآية فِي البدن التي يَتطوّع بها أصحابها، قَالَ النوويّ فِي "شرح مسلم": قَالَ هؤلاء: والكراهة باقية إلى اليوم، ولكن لا يحرُم، قالوا: ولو وقع مثل تلك العلّة اليوم، فدفّت دافّة، واساهم النَّاس، وحملوا عَلَى هَذَا مذهب عليّ، وابن عمر. انتهى. وإلى هَذَا ذهب المهلّب، فَقَالَ: إنه الذي يصحّ عندي. انتهى. قَالَ الحافظ وليّ الدين: ويدلّ لهذا قوله فِي حديث عائشة ﵂: "وليست بعزيمة، ولكن أراد أن يطعم منه"، وَقَالَ ابن حزم: لا حجة فيه؛ لأن قوله: "ليست بعزيمة"، ليس منْ كلام رسول الله ﷺ ، وإنما ظنّ بعض رواة الخبر، ويبيّن ذلك قوله بعده: "ولكن أراد أن يطعم منه". والله تعالى أعلم.
(المذهب الخامس): أن هَذَا النهي للتحريم، وأن حكمه مستمر، لم يُنسخ، وحُمل عَلَى هَذَا ما تقدّم عن عليّ ﵁، وما رواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر ﵄، قَالَ وليّ الدين: وحمله عَلَى أنهما رأيا عود الحكم لعود العلّة، كما تقدّم فِي القول الثاني أولى، وبتقدير أن لا يؤوّل عَلَى هَذَا، فسببه عدم بلوغ الناسخ، فإنه لا يسع أحدًا العمل بالمنسوخ بعد ورود الناسخ، ومن علم حجة عَلَى منْ لم يعلم. ذكر هذه المذاهب الحافظ وليّ الدين العراقيّ رحمه الله تعالى فِي "طرح التثريب" ٥/ ١٩٧ - ١٩٩.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الأرجح هو المذهب الثاني؛ لوضح دليله، وحاصله أن النهي مستمرّ، وليس منسوخًا، وإنما كَانَ لعلة، فلما زالت زال، فإذا عادت تلك عاد الحكم، وهذا هو الأولى فِي الجمع بين الأحاديث منْ غير دعوى إهمال لبعضها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٢٦ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ غُنْدَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، مَوْلَى ابْنِ عَوْفٍ، قَالَ: شَهِدْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ -كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ- فِي يَوْمِ عِيدٍ، بَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ صَلَّى، بِلَا أَذَانٍ، وَلَا إِقَامَةٍ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَنْهَى أَنْ يُمْسِكَ أَحَدٌ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا، فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ).
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الدورقي، أبو يوسف البغدادين ثقة حافظ [١٠] ٢١/ ٢٢.
٢ - (غندر) محمد بن جعفر البصريّ، ثقة صحيح الكتاب [٩] ٢١/ ٢٢.
стр. 16457
٣ - (أبو عبيد مولى ابن عوف) هو سعد بن عُبيد مَوْلَى عبد الرحمن بْنِ عَوْفٍ، ويقال: مولى ابن أزهر، أي عبد الرحمن بن أزهر بن عوف، ابن أخي عبد الرحمن بن عوف، الزهريّ المدنيّ، ثقة [٢] تقدّم فِي ١/ ١٨١٩. والباقون تقدّموا قريباً. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه بغدادي، وغندر بصري، ومعمر بصري، ثم صنعاني، والباقون مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ) سعد بن عُبيد (مَوْلَى) عبد الرحمن (ابْنِ عَوْفٍ) أنه (قَالَ: شَهِدْتُ) أي حضرت (عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ -كَرَّمَ الله وَجْهَهُ- فِي يَوْمِ عِيدٍ) أي يوم عيد الأضحى، فقد وقع التصريح به فِي رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن أبي عبيد أنه سمع عليًا، يقول يوم الأضحى.
والحديث مختصر، وَقَدْ ساقه البخاريّ فِي "صحيحه"، مطوّلاً، فَقَالَ ٥/ ٢١١٦:
٥٢٥١ - حدثنا حبّان بن موسى، أخبرنا عبد الله، قَالَ: أخبرني يونس، عن الزهريّ، قَالَ: حدثني أبو عبيد، مولى بن أزهر، أنه شهد العيد، يوم الأضحى، مع عمر بن الخطاب، ﵁، فصلى قبل الخطبة، ثم خطب النَّاس، فَقَالَ: يا أيها النَّاس، إن رسول الله ﷺ ، قد نهاكم عن صيام هذين العيدين، أما أحدهما فيوم فطركم منْ صيامكم، وأما الآخر فيوم تأكلون نسككم، قَالَ أبو عبيد: ثم شهدت مع عثمان بن عفان، فكان ذلك يوم الجمعة، فصلى قبل الخطبة، ثم خطب، فَقَالَ: يا أيها النَّاس إن هَذَا يوم، قد اجتمع لكم فيه عيدان، فمن أحب أن ينتظر الجمعة، منْ أهل العوالي فلينتظر، ومن أحب أن يرجع، فقد أذنت له، قَالَ أبو عبيد: ثم شهدته مع علي بن أبي طالب، فصلى قبل الخطبة، ثم خطب النَّاس، فَقَالَ: إن رسول الله ﷺ ، نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث. انتهى.
(بَدَأَ بِالصَّلَاةِ) أي صلاة العيد (قَبْلَ الْخُطْبَةِ) أي لأنه السنّة (ثُمَّ صَلَّى، بِلَا أَذَانِ، وَلَا إِقَامَةِ) إذ لا يُشرعان لصلاة العيد؛ لكونها نافلة (ثُمَّ قَالَ) عليّ ﵁ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، يَنْهَى أَنْ يُمْسِكَ أَحَدٌ منْ نُسُكِهِ) بضمّتين، وبضمّ، فسكون: أي لحم أضحيّته (شَيْئًا) أي لا كثيرًا، ولا قليلاً (فَوْقَ ثَلَاَثَةِ أَيَّامٍ) وفي الرواية التالية: "إن رسول الله ﷺ قد نهاكم أن تأكلوا لُحُوم نُسُككم فوق ثلاث"، وزاد عبد الرزّاق فِي روايته: "فلا تأكلوها".
стр. 16458
وَقَالَ فِي "الفتح" (١) ١١/ ١٤٦ - ١٤٧ - : قَالَ القرطبيّ: اختُلف فِي أول الثلاث، التي كَانَ الادخار فيها جائزا، فقيل: أولها يومُ النحر، فمن ضَحَّى فيه جاز له أن يمسك يومين بعده، ومن ضحى بعده أمسك ما بقي له منْ الثلاثة. وقيل: أولها يومُ يُضَحِّي، فلو ضَحَّى فِي آخر أيام النحر، جاز له أن يمسك ثلاثاً بعدها. ويحتمل أن يؤخذ منْ قوله: "فوق ثلاث" أن لا يُحْسَبَ اليوم الذي يقع فيه النحر منْ الثلاث، وتعتبر الليلة التي تليه، وما بعدها. قَالَ الحافظ: ويؤيده ما فِي حديث جابر: "كنا لا نأكل منْ لحوم بدننا، فوق ثلاث مني"، فإن ثلاث مني، تتناول يوما بعد يوم النحر، لأهل النفر الثاني.
قَالَ الشافعيّ: لعل عليا لم يبلغه النسخ، وَقَالَ غيره: يحتمل أن يكون الوقت الذي قَالَ علي فيه ذلك، كَانَ بالناس حاجة، كما وقع فِي عهد النبيّ ﷺ ، وبذلك جزم ابن حزم، فَقَالَ: إنما خطب عليّ بالمدينة فِي الوقت الذي كَانَ عثمان حُوصر فيه، وكان أهل البوادي، قد ألجأتهم الفتنة إلى المدينة، فأصابهم الجهد، فلذلك قَالَ عليّ ما قَالَ.
قَالَ الحافظ: أما كون علي خطب به، وعثمان محصورٌ، فأخرجه الطحاوي منْ طريق الليث، عن عقيل، عن الزهريّ، فِي هَذَا الْحَدِيث، ولفظه: "صلّيت مع علي العيد، وعثمان محصور"، وأما الحمل المذكور، فلما أخرج أحمد، والطحاوي أيضًا، منْ طريق مخارق بن سليم، عن عليّ ﵁، رفعه: "إني كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فادخروا ما بدا لكم"، ثم جمع الطحاوي بنحو ما تقدم، وكذلك يجاب عما أخرج أحمد، منْ طريق أمّ سليمان، قالت: دخلت عَلَى عائشة، فسألتها عن لحوم الأضاحي؟ فقالت: كَانَ النبيّ ﷺ ، نهى عنها، ثم رخّص فيها، فَقَدِم عليٌّ منْ السفر، فأتته فاطمة بلحم منْ ضحاياها، فَقَالَ: "أو لم نُنْه عنه؟ "، قالت: إنه قد رُخّص فيها، فهذا عليّ، قد اطلع عَلَى الرخصة، ومع ذلك خطب بالمنع، فطريق الجمع ما ذكرته. وَقَدْ جزم به الشافعيّ فِي "الرسالة"، فِي آخر "باب العلل فِي الْحَدِيث"، فَقَالَ: ما نصه: فإذا دَفَّت الدافّة ثبت النهي عن إمساك لحوم الضحايا، بعد ثلاث، وإن لم تَدُفّ دافّة، فالرخصة ثابتة بالأكل، والتزود، والادخار، والصدقة، قَالَ الشافعيّ: ويحتمل أن يكون النهي عن إمساك لحوم الأضاحي، بعد ثلاث منسوخا، فِي كل حال. قَالَ الحافظ: وبهذا الثاني أخذ المتأخرون منْ الشافعية، فَقَالَ الرافعي: الظاهر أنه لا يحرم اليوم بحال، وتبعه النوويّ، فَقَالَ فِي "شرح المهذب": الصواب المعروف، أنه لا يحرم الادخار اليوم بحال. وحكى فِي "شرح مسلم" عن جمهور العلماء، أنه منْ نسخ السنة بالسنة، قَالَ: والصحيح نسخ النهي مطلقا، وأنه لم يبق تحريم، ولا كراهة، فيباح
стр. 16459
اليوم الادخار فوق ثلاث، والأكل إلى متى شاء. انتهى.
وإنما رجح ذلك؛ لأنه يلزم منْ القول بالتحريم، إذا دَفّت الدافّة إيجاب الإطعام، وَقَدْ قامت الأدلة عند الشافعية، أنه لا يجب فِي المال حقٌّ سوى الزكاة.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم فِي أواخر كتاب الزكاة البحث عن هذه المسألة، وأن الصحيح وجوب حقّ سوى الزكاة، بحسب ما تدعو الحاجة إليه، فراجعه، تجده موضّحًا بأدلّته، والله تعالى وليّ التوفيق.
قَالَ: ونقل ابن عبد البرّ ما يوافق ما نقله النوويّ، فَقَالَ: لا خلاف بين فقهاء المسلمين، فِي إجازة أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث، وأن النهي عن ذلك منسوخ، كذا أطلق، وليس بجيد، فقد قَالَ القرطبيّ: حديث سلمة، وعائشة، نصّ عَلَى أن المنع كَانَ لعلة، فلما ارتفعت ارتفع؛ لارتفاع موجبه، فتعين الأخذ به، وبعود الحكم تعود العلة (١)، فلو قَدِم عَلَى أهل بلد ناس، محتاجون فِي زمان الأضحى، ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعة، يَسُدُّون بها فاقتهم، إلا الضحايا، تَعَيّن عليهم ألا يدخروها فوق ثلاث. قَالَ الحافظ: والتقييد بالثلاث واقعة حال، وإلا فلو لم تُسَدّ الخلة إلا بتفرقة الجميع، لزم عَلَى هَذَا التقرير عدم الإمساك، ولو ليلة واحدة. وَقَدْ حكى الرافعي عن بعض الشافعية: أن التحريم كَانَ لعلة، فلما زالت زال الحكم، لكن لا يلزم عود الحكم عند عود العلة. قَالَ الحافظ: واستبعدوه، وليس ببعيد؛ لأن صاحبه قد نظر إلى أن الخلة، لم تُسدّ يومئذ، إلا بما ذُكر، فأما الآن فإن الخلة تستد بغير لحم الأضحية، فلا يعود الحكم إلا لو فرض أن الخلة لا تستد، إلا بلحم الأضحية، وهذا فِي غاية الندور. وحكى البيهقي عن الشافعيّ، أن النهي عن أكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث، كَانَ فِي الأصل للتنزيه، قَالَ: وهو كالأمر فِي قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ﴾ الآية [الحج: ٣٦]، وحكاه الرافعي، عن أبي علي الطبري احتمالا. وَقَالَ المهلب: إنه الصحيح؛ لقول عائشة: "وليس بعزيمة". والله أعلم. انتهى ما فِي "الفتح" ١١/ ١٤٦ - ١٤٧.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٥/ ٤٤٢٦ و٤٤٢٧ - وفي "الكبرى" ٣٦/ ٤٥١٣ و٤٥١٤. وأخرجه
стр. 16460
(خ) فِي "الأضاحي" ٥٥٧٣ (م) فِي "الأضاحي" ٣٦٣٩، ٣٦٤٠ (أحمد) "مسند العشرة" ٤٣٧٥ و٥١٢ و٥٨٨ و٨٠٨ و١١٩٠ و١١٩٦ و١٢٧٩. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان النهي عن أكل لحوم الأضاحي، وادّخارها بعد ثلاثة أيام. (ومنها): مشروعيّة الخطبة فِي العيد. (ومنها): أن خطبة العيد تُخالف خطبة الجمعة فِي كونها بعد الصلاة، وَقَدْ تقدّم فِي "كتاب العيدين" القول فِي أول منْ قدّم الخبطة عَلَى الصلاة فيها. (ومنها): أنه لا يُشرع الأذان، ولا الإقامة لصلاة العيد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٢٧ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَبَا عُبَيْدٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَدْ نَهَاكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا لُحُومَ نُسُكِكُمْ فَوْقَ ثَلَاثٍ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه أبي داود: سليمان بن سيف الحَرّانيّ، فإنه منْ أفراده، وهو ثقة. و"يعقوب": هو ابن إبراهيم الزهريّ. "وأبوه": هو إبراهيم بن سعد الزهريّ. و"صالح": هو ابن كيسان.
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق شرحه، وبيان مسائله فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٣٦ - (الإِذْنِ فِي ذَلِكَ)
أي فيما ذُكر منْ أكل لحوم الأضاحي، وادّخارها بعد ثلاث.
٤٤٢٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ، ثُمَّ قَالَ: "كُلُوا، وَتَزَوَّدُوا، وَادَّخِرُوا").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
стр. 16461
١ - (محمد بن سلمة) المرادي الجمَلي، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٥.
٢ - (الحارث بن مسكين) بن محمد، أبو عمرو المصريّ القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩.
٣ - (ابن القاسم) هو عبد الرحمن العتقي المصريّ الفقيه، ثقة، منْ كبار [١٠] ١٩/ ٢٠.
٤ - (مالك) بن أنس الإِمام الحجة المثبت الفقيه المدنيّ [٧] ٧/ ٧.
٥ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوق يرسل [٤] ٣١/ ٣٥.
٦ - (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين منْ مالك، وقبله بالمصريين. (ومنها): أن فيه جابرًا رضي الله تعالى عنه منْ المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) رضي الله تعالى عنهما (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ) الضمير الأول لجابر، والثاني لأبي الزبير: أي أن جابرًا ﵁ أخبر أبا الزبير (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ) أي بعد ثلاث ليال، فتذكير العدد باعتبار الليالي، وفي رواية مسلم: "كنا لا نأكل منْ لحوم بدننا فوف ثلاث مني، فأرخص لنا رسول الله ﷺ ، فَقَالَ: "كلُوا، وتزوّدوا". وفي رواية: "كنا لا نمسك لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمرنا رسول الله ﷺ أن نتزوّد منها، ونأكل" -يعني فوق ثلاث-. وفي رواية: "كنا نتزوّدها إلى المدينة على عهد رسول الله ﷺ " (ثُمَّ قَالَ) ﷺ بعد أن نهى عن ذلك (كُلُوا) الأمر فيه للاستحباب عند الجمهور، وأوجبه ابن حزم الظاهري (وَتَزَوَّدُوا) أي خذوا منه زادًا فِي السفر، وهذا لمن أراد أن يسافر (وَادَّخِرُوا") بالمهملة، وأصله منْ ذخر بالمعجمة، دخلت عليها تاء الافتعال، ثم أُدغمت، ومنه قوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ الآية [يوسف: ٤٥].
وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها الآتي فِي الباب التالي: "وكلوا، وادّخروا، وتصدّقوا"، قَالَ السنديّ: قوله: "ثم كلوا" هَذَا ظاهر فِي النسخ، والذي يدلّ عليه النظر فِي أحاديث الباب أن المدار عَلَى حاجة النَّاس، فإن رأى حاجتهم شديدة ينبغي له أن لا
стр. 16462
يدّخر فوق ثلاث، وإلا فله ذلك، وعلى هَذَا فلا نسخ، ولعلّ نهي عليّ ﵁ مبنيّ عَلَى ذلك، لا عَلَى عدم بلوغ النسخ إليه. انتهى.
وَقَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذه أوامر وردت بعد الحظر، فهل تقَدُّمه عليها يُخرجها عن أصلها منْ الوجوب عند يراه، أو لا يُخرجها؟ اختلف الأصوليون فيه عَلَى قولين. قَالَ: والظاهر منْ هذه الأموار هنا إطلاق ما كَانَ ممنوعا، بدليل اقتران الادّخار مع الأكل، والصدقة، ولا سبيل إلى حمل الادّخار عَلَى الوجوب بوجهٍ، فلا يجب الأكل، ولا الصدقة منْ هَذَا اللفظ، وجمهور العلماء عَلَى أن الأكل منْ الأضحيّة ليس بواجب، وَقَدْ شذّت طائفة، فأوجبت الأكل منها؛ تمسّكًا بظاهر الأمر هنا، وفي قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحجّ: ٢٨]، ووقع لمالك فِي كتاب ابن حبيب أن ذلك عَلَى الندب، وأنه إن لم يأكل مخطىء، وَقَالَ أيضًا: لو أراد أن يتصدّق بلحم أضحيّته كلِّه كَانَ له، كأكله كلّه حَتَّى يفعل الأمرين. وَقَالَ الطبريّ: جميع أئمة الأمصار عَلَى جواز أن لا يأكل منها، إن شاء، ويطعم جميعها، وهو قول محمد بن الموّاز. انتهى كلام القرطبيّ. "المفهم" ٥/ ٣٧٩ - ٣٨١.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: مسألة الأمر بعد الحظر، قيل: للإباحة؛ لتبادره إلى الذهن، وهذا القول عندي أظهر. وقيل: للوجوب حقيقةً؛ لأن الصيغة تقتضيه. وقيل: بالتفصيل، فما كَانَ قبل الحظر واجبًا كَانَ للوجوب، كما فِي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية [التوبة: ٥]، فإنه كَانَ واجبًا قبل تلك المدة، فاستمرّ كذلك بعدها، وإلا كَانَ للإباحة، كما فِي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ الآية [المائدة: ٢]، وإلى هذه الأقوال أشار فِي "الكوكب الساطع" بقوله:
فَإِنْ أَتَى افْعَلْ بَعْدَ حَظْرِ دَانِي … قَالَ الإِمَامُ أَوِ الاسْتِئْذَانِ
فَلِلإِبَاحَةِ وَقِيلَ الْحَتْمِ … وَقِيلَ مَا قَدْ كَانَ قَبْلَ الْحِرْمِ
وقول الطبريّ: "جميع أئمة الأمصار الخ" فيه نظر، فقد تقدّم أن ابن حزم قَالَ بالوجوب، وَقَدْ نقله عن بعض السلف، فليس هناك إجماع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٦/ ٤٤٢٨ - وفي "الكبرى" ٣٧/ ٤٥١٥. وأخرجه (خ) "الحج"
стр. 16463
١٧١٩ و"الجهاد" ٢٩٨٠ و"الأطعمة" ٥٤٢٤ و"الأضاحي" ٥٥٦٧ (م) "الأضاحي" ٣٦٤٤ و٣٦٤٥ و٣٦٤٦ (أحمد) "باقي مسند المكثرين" ١٤٦٢٤ و١٤٧١٩ و١٤٧٤٨ و (الموطأ) "الضحايا" ١٠٤٦. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان الإذن فِي أكل لحم الأضحيّة، والادخار بعد ثلاث. (ومنها): استحباب الادّخار، منْ لحوم الأضاحيّ. (ومنها): جواز الادّخار للقوت، خلافًا لمن كرهه، وَقَدْ ورد فِي الادّخار: "كَانَ يدّخر لأهله قوت سنة"، وفي رواية: "كَانَ لا يدّخر لغد"، والأول فِي "الصحيحين"، والثاني فِي "صحيح مسلم"، والجمع بينهما أنه كَانَ لا يدّخر لنفسه، ويدّخر لعياله، أو أن ذلك كَانَ باختلاف الحال، فيتركه عند حاجة النَّاس إليه، ويفعله عند عدم الحاجة. (ومنها): ما قَالَ ابن بطّال رحمه الله تعالى: وفيه ردّ عَلَى منْ زعم منْ الصوفيّة أنه لا يجوز ادّخار طعام لغد، وأن اسم الولاية لا يستحقّها منْ ادّخر شيئاً، ولو قلّ، وأن منْ ادّخر أساء الظنّ بالله تعالى. انتهى (١). (ومنها): ما قَالَ ابن العربيّ: فيه ردّ عَلَى المعتزلة الذين يرون أن النسخ لا يكون إلا بالأخفّ للأثقل، وَقَدْ كَانَ أكلها مباحًا، ثم حُرّم، ثم أُبيح، وأيّ هذين أخفّ، أو أثقل، فقد نسخ أحدهما بالآخر. وتعقّبه وليّ الدين، فَقَالَ: تحريمها بعد الإباحة ليس نسخًا؛ لأنه رفع للبراءة الأصليّة، ورفع البراءة الأصليّة، ليس بنسخ، عَلَى ما تقرّر فِي الأصول، وإن صحّ ما قاله، فقد وقع النسخ هنا مرَّتين، وذلك فِي مواضع محصورة، لم يُذكر هَذَا منها. انتهى "طرح التثريب" ٥/ ٢٠١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم الأكل منْ الأضحيّة:
ذهب جمهور العلماء إلى أنه مستحبّ، قَالَ النوويّ فِي "شرح مسلم": هَذَا مذهبنا، ومذهب العلماء كافّةً، إلا ما حُكي عن بعض السلف أنه أوجب الأكل منها، وهو قول أبى الطيب بن سلمة منْ أصحابنا، حكاه عنه الماورديّ؛ لظاهر هَذَا الْحَدِيث فِي الأمر بالأكل، مع قوله تعالى: (فَكُلُوا مِنْهَا)، وحمل الجمهور هَذَا الأمر عَلَى الندب، أو الإباحة، لاسيّما وَقَدْ ورد بعد الحظر، فقد قَالَ جماعة منْ أصحابنا: إنه فِي هذه الحالة للإباحة، والجمهور عَلَى أنه للوجوب، كما لو ورد ابتداء، وبرجوب الأكل، ولو لُقمة قَالَ ابن حزم الظاهريّ.
стр. 16464
وأما الصدقة منها، فالصحيح عند الشافعيّة، والحنابلة بما يقع عليها الاسم، ويستحبّ أن يتصدّق بمعظمها، ويُهدي الثلث، وللشافعيّ قول إنه يأكل النصف، ويتصدّق بالنصف، وهذا الخلاف فِي قدر أو فى الكمال فِي الاستحباب، وأما الإجزاء فتجزيه الصدقة بما يقع عليه الاسم، وذهب بعضهم إلى أنه لا تجب الصدقة بشيء منها، وهو مذهب المالكيّة، قَالَ ابن عبد البرّ: وعلى هَذَا جماعة العلماء، إلا أنهم يكرهون أن لا يتصدّق منها بشيء. انتهى.
وقالت الحنفيّة يستحب أن يتصدّق بالثلث، ويأكل الثلث، ويدّخر الثلث.
قَالَ وليّ الدين: وأما الادّخار فالأمر به للإباحة بلا شكّ. انتهى (١).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن الأرجح استحباب كلًّا منْ الأكل، والصدقة، والادّخار؛ لما سبق لنا بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٢٩ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، زُغْبَةُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ خَبَّابٍ -هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ- أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَقَدَّمَ إِلَيْهِ أَهْلُهُ لَحْمًا، مِنْ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ، فَقَالَ: مَا أَنَا بِآكِلِهِ، حَتَّى أَسْأَلَ، فَانْطَلَقَ إِلَى أَخِيهِ لأُمِّهِ، قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، وَكَانَ بَدْرِيًّا، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ حَدَثَ بَعْدَكَ أَمْرٌ، نَقْضًا لِمَا كَانُوا نُهُوا عَنْهُ، مِنْ أَكْلِ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ، بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ).
رجال هَذَا الإسناد: سبعة:
١ - (عيسى بن حماد) بن مسلم التجيبي، أبو موسى المصريّ، ثقة [١٠] ١٣٥/ ٢١١.
[تنبيه]: قوله: "زُغبة" -بضم الزاي، وسكون الغين المعجمة، آخره باء موحّدة- لقب عيسى، ولقب أبيه أيضاً.
٢ - (الليث) بن سعد أبو الحارث المصريّ الإِمام الحجة [٧] ٣١/ ٣٥.
٣ - (يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاريّ المدنيّ، ثقة ثبت [٥] ٢٢/ ٢٣.
٤ - (القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصدّق المدنيّ، ثقة ثبت فقيه، منْ كبار [٣] ١٢٠/ ١٦٦.
٥ - (عبد الله بن خباب) -بمعجمة، وموحّدتين، الأولى ثقيلة- الأنصاريّ النجّاريّ مولاهم المدنيّ، ثقة [٣] مات بعد المائة، وتقدّم فِي ٥٣/ ١٢٩٣.
٦ - (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله
стр. 16465
تعالى عنهما ١٦٩/ ٢٦٢.
٧ - (قتادة بن النعمان) بن زيد بن عامر بن سَوَاد بن ظَفَر، وهو كعب بن الخزرج بن عمرو ابن مالك بن الأوس الأنصاريّ الظَّفَريّ، أبو عبد الله، ويقال: أبو عمرو، ويقال: أبو عُمر، أو أبو عثمان، شَهِدَ بدرًا، والمشاهد كلّها، وهو الذي ردّ عليه النبيّ ﷺ عينه بعد أن سقطت يوم أحد، وقيل: يوم الخندق، مات سنة (٢٣) وصلّى عليه عمر بن الخطّاب ﵁، وهو يومئذ ابن (٦٥) سنة وقيل: (٧٠)، وقيل: مات سنة (٢٢) روى له الجماعة، سوى مسلم، وأبي داود، له عند المصنّف هَذَا الباب فقط. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، والليث، فمصريان. (ومنها): أن فيه ثلاثة منْ التابعيين يروي بعضهم عن بعض: يحيى، والقاسم، وابن خبّاب. وفيه رواية صحابي عن صحابي أخيه. (ومنها): أن فيه القاسم أحد الفقهاء السبعة. (ومنها): أن فيه أبا سعيد الخدريّ ﵁، أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثاً. (ومنها): أن صحابية منْ المقلين منْ الرواية، فليس له إلا نحو خمسة أحاديث. راجع "تحفة الأشراف" جـ ٨ ص ٢٧٧ - ٢٨٠. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ ابْنِ خَبَّابٍ) بمعجمة، وموحّدتين، الأولى ثقيلة (-هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ-) الأنصاريّ النجّاريّ مولاهم (أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ) رضي الله تعالى عنه (قَدِمَ) بكسر الدال المهملة، منْ باب تَعِب قُدُومًا، ومَقْدَمًا (مِنْ سَفَر، فَقَدَّمَ) بتشديد الدال، مبنيًّا للفاعل: أي وَضَع بين يديه (إِلَيْهِ أَهْلُهُ لَحْمًا، مِنْ لُحُومِ الأضَاحِيِّ، فَقَالَ: مَا أَنَا بِآكِلِهِ، حَتَّى أَسْأَلَ) وفي رواية البخاريّ: فَقَالَ: أخّروه، لا أذوقه" (فَانْطَلَقَ إِلَى أَخِيهِ لِأُمِّهِ) اسمها أُنيسة بنت أبي خارجة عمرو بن قيس بن مالك، منْ بني عديّ بن النجّار. ذكر ذلك ابن سعد، قاله فِي "الفتح" ١١/ ١٤٢ (قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ وَكَانَ بَدْرِيًّا) أي كَانَ ممن شهد وقعة بدر المشهورة (فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ) أي سأل أبو سعيد قتادة بن النعمان، عن حكم أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث (فَقَالَ) قتادة ﵁ (إِنَّهُ قَدْ حَدَثَ) بتخفيف الدال، منْ الحدوث (بَعْدَكَ أَمْرٌ) أي بعدما سمعته ﷺ ينهى عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث تجدد أمر آخر، وهو إباحة ذلك، وقوله (نَقْضًا) منصوب عَلَى أنه مفعول لأجله: أي لأجل النقض والإزالة (لِمَا) متعلّق بـ"نقضا" (كَانُوا نُهُوا عَنْهُ) وقوله (منْ أكْلِ لُحُومِ الأضَاحِيِّ) بيان لـ"ما"
стр. 16466
(بَعْدَ ثَلَاَثَةِ أَيَّامٍ) وأخرج الإِمام أحمد رحمه الله تعالى الْحَدِيث، مطوّلاً، فَقَالَ: ١٥٦٢٤ - حدثنا يعقوب، قَالَ: حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، قَالَ: حدثني محمد بن علي بن حسين بن جعفر، وأبي إسحاقُ بن يسار، عن عبد الله بن خباب، مولى بني عدي ابن النجار، عن أبي سعيد الخدريّ، قَالَ: كَانَ رسول الله ﷺ ، قد نهانا عن أن نأكل لحوم نسكنا فوق ثلاث، قَالَ: فخرجت فِي سفر، ثم قَدِمتُ عَلَى أهلي، وذلك بعد الأضحى بأيام، قَالَ: فأتتني صاحبتي بساق، قد جعلت فيه قَديدا، فقلت لها: أَنَّى لك هَذَا القديد؟ فقالت: منْ ضحايانا، قَالَ: فقلت لها، أولم ينهنا رسول الله ﷺ ، عن أن نأكلها فوق ثلاث؟ قَالَ: فقالت: إنه قد رَخَّصَ للناس بعد ذلك، قَالَ: فلم أُصدّقها حَتَّى بعثتُ إلى أخي قتادةَ بن النعمان، وكان بدريا، أسأله عن ذلك؟ قَالَ: فبعث إليّ أن كل طعامك، فقد صَدَقَتْ، قد أرخص رسول الله ﷺ للمسلمين فِي ذلك.
وأخرجه أحمد أيضًا منْ وجه آخر، فجعل القصّة لأبي قتادة، وأنه سأل قتادة بن النعمان عن ذلك أيضًا، لكن فِي إسناده نظر، وفيه: أن النبيّ ﷺ قام فِي حجة الوداع، فَقَالَ: "إني كنت أمرتكم ألا تأكلوا الأضاحي فوق ثلاثة أيام لتسعكم، وإني أحلّه لكم، فكلوا منه ما شئتم" الْحَدِيث، فبيّن فيه وقت الإحلال، وأنه كَانَ فِي حجة الوداع، وكأن أبا سعيد ﵁ ما سمع ذلك، ولذا قَالَ له قتادة: "حدث بعدك أمر"، وبيّن فيه أيضًا السبب فِي التقييد، وأنه لتحصيل التوسعة بلحوم الأضاحي لمن لم يضحّي (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث قتادةَ بنِ النعمان رضي الله تعالى عنه هَذَا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٦/ ٤٤٢٩ و٤٤٣٠ - وفي "الكبرى" ٣٧/ ٤٥١٦ و٤٥١٧. وأخرجه (خ) "المغازي" ٣٩٩٧ و"الأضاحي" ٥٥٦٨ (الموطأ) "الضحايا" ١٠٤٨، وفوائد الْحَدِيث تقدّمت قريباً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٣٠ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي زَيْنَبُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَهَى عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَقَدِمَ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، وَكَانَ أَخَا أَبِي سَعِيدٍ لأُمِّهِ، وَكَانَ بَدْرِيًّا، فَقَدَّمُوا إِلَيْهِ،
стр. 16467
فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: إِنَّهُ قَدْ حَدَثَ فِيهِ أَمْرٌ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَهَانَا أَنْ نَأْكُلَهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَأْكُلَهُ، وَنَدَّخِرَهُ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عبيد الله بن سعيد": هو أبو قُدامة السرخسيّ. و"يحيى": هو القطّان. و"سعد بن إسحاق": هو ابن كعب بن عُجرة الْبَلَويّ المدنيّ، حليف الأنصار، ثقة [٥] ١/ ١٦٠٠. و"زينب": هي بنت كعب بن عُجرة، زوج أبي سعيد الخدريّ ﵁، مقبولة [٢]، ويقال: لها صحبة، وهي عمة سعد الراوي عنها. وشرح الْحَدِيث تقدّم فيما قبله.
والحديث تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى، وَقَدْ وقع فيه قلبٌ، وذلك أن الصواب كون السائل الذي قدم منْ السفر هو أبا سعيد الخدريّ، والمسئول هو قتادة بن النعمان، كما هو فِي الرواية الأولى، قَالَ الحافظ أبو الحجاج المزّيّ رحمه الله تعالى فِي "تحفة الأشراف" ٣/ ٥٠٢: والمحفوظ أن الذي حدّث فيه بالرخصة قتادة بن النعمان. انتهى. وَقَالَ الحافظ فِي "الفتح" ١١/ ١٤٣ - : وأخرجه النسائيّ، وصححه ابن حبّان منْ طريق زينب بنت كعب، عن أبي سعيد، فقلب المتن، جعل راوي الْحَدِيث أبا سعيد، والممتنع منْ الأكل قتادة بن النعمان، وما فِي "الصحيح" أصحّ. انتهى.
والحاصل أن الْحَدِيث صحيح، منْ مسند قتادة بن النعمان ﵁، كما فِي الرواية الأولى، وهو الذي أخرجه البخاريّ فِي "صحيحه"، لا منْ مسند أبي سعيد الخدريّ ﵁، كما هنا، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٣١ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ -وَهُوَ النُّفَيْلِيُّ- قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ح وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْدَانَ بْنِ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُبَيْدُ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا، وَلْتَزِدْكُمْ زِيَارَتُهَا خَيْرًا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَكُلُوا مِنْهَا، وَأَمْسِكُوا مَا شِئْتُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ الأَشْرِبَةِ فِي الأَوْعِيَةِ، فَاشْرَبُوا فِي أَيِّ وِعَاءٍ شِئْتُمْ، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا"، وَلَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ "وَأَمْسِكُوا").
رجال هَذَا الإسناد: تسعة:
١ - (عمرو بن منصور) أبو سعيد النسائيّ، ثقة ثبت [١١] ١٠٨/ ١٤٧ منْ أفراد المصنّف.
٢ - (محمد بن معدان بن عيسى) الحرّاني، ثقة [١٢] ١٦/ ٦٤٩ منْ أفراد المصنّف أيضًا.
стр. 16468
٣ - (عبد الله بن محمد النفيلي) أبو جعفر الحراني، ثقة حافظ، منْ كبار [١٠] ٧/ ٤٠٦.
٤ - (الحسن بن أعين) هو الحسن بن محمد بن أعين، نسب لجده، أبو عليّ الحرّانيّ، صدوق [٩] ١٦/ ٦٤٩.
٥ - (زهير) بن معاوية بن حُديج، أبو خيثمة الجعفيّ الكوفيّ، ثقة ثبت [٧] ٣٨/ ٤٢.
٦ - (زبيد بن الحارث) بن عبد الكريم بن عمرو بن كعب، أبو عبد الرحمن اليامي الكوفيّ، ثقة عابد [٦] ٣٧/ ١٤٢٠.
٧ - (محارب بن دثار) السدوسي الكوفيّ القاضي، ثقة إمام زاهد [٤] ١٦/ ٦٥٢.
٨ - (ابن بريدة) هو عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي، أبو سهل المروزيّ القاضي، ثقة [٣] ٢٥/ ٣٩٣.
٩ - (أبوه) بريدة بن الحصيب الأسلمي، أبو سهل الصحابيّ، أسلم قبل بدر، ومات سنة (٦٣)، وتقدّم فِي ١٠١/ ١٣٣. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخيه، فإنهما منْ أفراده، وكلاهما ثقتان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعي، ورواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ) عبد الله (ابْنِ بُرَيدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) بريدة بن الحُصيب ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنِّي كُنْتُ نَهيْتُكُمْ عَنْ ثَلَاثٍ) أي ثلاث خصال (عَنْ زِيارَةِ الْقُبُورِ) بدل تفصيل منْ مجمل الجار والمجرور قبله، قيل: إنما نهوا لقرب عهدهم بعبادة الأصنام، ودعائها، فنهوا خشية أن يقولوا عندها ما اعتادوه فِي الجاهليّة، وخوفًا منْ أن يكون ذلك ذريعة لعبادتها (فَزُورُوهَا) أمر بالزيارة، وهو للاستحباب؛ بدليل ما فِي الرواية التالية بلفظ: "ومن أراد زيارة القبور، فإنها تذكّر الآخرة"، وتقدّم فِي "الجنائز" بلفظ: "فمن أراد أن يزورها، فليزرها" (وَلْتَزِدْكُمْ زِيَارَتُهَا خَيْرًا) أي لتكن زيارتكم إياها سبب خير لكم، وذلك بتذكّر الآخرة، ففي الرواية التالية: "فإنها تذكّر الآخرة" (وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ) أي عن أكلها (بَعْدَ ثَلَاثٍ) أي ثلاث ليال (فَكُلُوا مِنْهَا، وَأَمْسِكُوا) هو بمعنى قوله: "ادّخروا" فِي الروايات السابقة (مَا شِئْتُمْ) أي أيَّ وقت شئتم، ثلاثًا، أو أكثر (وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ الأَشْرِبَةِ) أي عن اتخاذ الأشربة (فِي الأَوْعِيَةِ) جمع وعاء، كسقاء، وأسقية، وزنًا ومعنى (فَاشْرَبُوا فِي أَيِّ وِعَاءِ شِئْتُمْ، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا) يعني أن الانتباذ فِي جميع
стр. 16469
الظروف جائز، وإنما المنهيّ عنه هو شرب المسكر فقط. وقوله (وَلَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ) أي ابن معدان شيخه الثاني (وَأَمْسِكُوا") يعني أن ذكر لفظ: "وأمسكوا" فِي رواية عمرو بن منصور النسائيّ، شيخه الأول، وأما محمد بن معدان، فلم يذكرها فِي روايته، بل اقتصر عَلَى قوله: "فكلوا منها ما شئتم". والله تعالى أعلم.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث أخرجه مسلم، وَقَدْ تقدّم فِي "كتاب الجنائز" -١٠٠/ ٢٠٣٢ - شرحه، مستوفًى، وكذا بيان مسائله، وسيأتي ما يتعلّق بالأشربة فِي "كتاب الأشربة"، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٣٢ - (أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ، عَنِ الأَحْوَصِ بْنِ جَوَّابٍ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَعَنِ النَّبِيذِ إِلاَّ فِي سِقَاءٍ، وَعَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَكُلُوا مِنْ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ، مَا بَدَا لَكُمْ، وَتَزَوَّدُوا، وَادَّخِرُوا، وَمَنْ أَرَادَ زِيَارَةَ الْقُبُورِ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ، وَاشْرَبُوا، وَاتَّقُوا كُلَّ مُسْكِرٍ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و"الأحوص بن جوّاب" -بفتح الجيم، وتشديد الواو: هو الضبيّ الكوفيّ، صدوقٌ ربما وهم [٩]. و"عمّار بن رُزيق" -بتقديم الراء، عَلَى الزاي، مصغّرًا-: هو الضبيّ، أبو الأحوص الكوفيّ، لا بأس به [٨]. و"أبو إسحاق": هو عمرو بن عبد الله السبيعيّ الكوفيّ المشهور. و"الزبير بن عديّ": هو الهمدانيّ الياميّ الكوفيّ، ولي قضاء الريّ، ثقة [٥].
والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
…
٣٧ - (الادِّخَارُ مِنَ الأَضَاحِي)
٤٤٣٣ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَفَّتْ دَافَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، حَضْرَةَ الأَضْحَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُلُوا وَادَّخِرُوا ثَلَاثًا"، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ النَّاسَ كَانُوا يَنْتَفِعُونَ مِنْ أَضَاحِيهِمْ، يَجْمِلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ، وَيَتَّخِذُونَ مِنْهَا
стр. 16470
الأَسْقِيَةَ، قَالَ: "وَمَا ذَاكَ؟ "، قَالَ: الَّذِي نَهَيْتَ مِنْ إِمْسَاكِ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ، قَالَ: "إِنَّمَا نَهَيْتُ لِلدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ، كُلُوا، وَادَّخِرُوا، وَتَصَدَّقُوا").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (عبيد الله بن سعيد) أبو قُدامة السرخسي، ثقة ثبت [١٠] ١٥/ ١٥.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ الإِمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤.
٣ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الفقيه [٧] ٧/ ٧.
٤ - (عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقة [٥] ١١٨م ١٦٣.
٥ - (عمرة) بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاريّة المدنيّة، ثقة [٣] ١٣٤/ ٢٠٣.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فسرخسي، ويحيى، فبصري. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّة، وفيه عائشة رضي الله تعالى عنها منْ المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: دَفَّتْ دَافَّةٌ) بالدال المهملة، وتشديد الفاء، قَالَ القرطبيّ: الدفيف: الدبيب، وهو السير الخفيّ الليّن، والدافّة: الجيش الذين يدبّون إلى أعدائهم، وكأن هؤلاء ناس ضعفاء، فجاءوا دافّين؛ لضعفهم منْ الحاجة والجوع. انتهى. وَقَالَ فِي "النهاية" ٢/ ١٢٤: الدّافّة: القوم يسيرون سيرًا ليس بالشديد، يقال: هو يدفّون دفيفًا، والدافّة: قومٌ منْ الأعراب، يَرِدون العصر، يُريد أنهم قوم قَدِموا المدينة عند الأضحى، فنهاهم عن ادّخار لحوم الأضاحي، ليفرّقوها، ويتصدّقوا بها، فينتفع أولئك القادمون بها. انتهى.
وَقَالَ النوويّ: قَالَ أهل اللغة: الدّافّة -بتشديد الفاء-: قوم يسيرون جميعًا سيرًا خفيفًا، ودفّ يدِفّ بكسر الدال، ودافّةُ الأعراب منْ يَرِد منهم العصر، والمراد هنا مَن ورد منْ ضعفاء الأعراب للمواساة. انتهى. "شرح مسلم" ١٣/ ١٣١.
(مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ) أي منْ الأعراب يسكونون البادية، وهي خلاف الحاضرة (حَضْرَةَ الأَضْحَى) قَالَ القرطبيّ: الرواية المعروفة بسكون الضاد، وهو منصوبٌ عَلَى الظرف:
стр. 16471
أي زمن حضور الأضحى، ومشاهدته، وقيّده بعضهم: حَضَرَة بفتح الضاد، وفي "الصحاح": يقال: كلّمته بحَضْرَة فلان، وبمحضره: أي بمشهد منه. وحكى يعقوب: كلّمته بحَضَر فلان بالتحريك، منْ غير هاء، وكلّمته بحضرة فلان، حُضرته، وحِضرته. -أي بتثليث أوله- انتهى. "المفهم" ٥/ ٣٧٨.
وَقَالَ النوويّ فِي "شرح مسلم" ١٣/ ١٣٢: هي بفتح الحاء، وضمّها، وكسرها، والضاد ساكنة فيها كلِّها، وحكي فتحها، وهو ضعيفٌ، وإنما تُفتَح إذا حُذفت الهاء، فيقال: بحضرة فلان. انتهى.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كُلُوا، وَادَّخِرُوا ثَلَاثًا) زاد فِي رواية مسلم: "ثم تصدّقوا بما بقي": أي كلوا بعضه، وادّخروا بعضه مدةَ ثلاث ليال، وما فضل عن ذلك، فتصدّقوا به عَلَى هؤلاء المحتاجين (فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ) أي فِي العام الذي بعده (قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ النَّاسَ كَانُوا يَنْتَفِعُونَ منْ أَضَاحِيِّهِمْ) بتشديد الياء، جمع أضحيّة (يَجْمُلُونَ) بالجيم، وفتح أوله، وضمه، منْ جمل، كنصر، وضرب، وأجمل، يقال: جملت الدهن، أجمِله، بكسر الميم، وأجمُلُه بضمها جملاً، وأجملته إجمالاً: أي أذبته. قاله النوويّ. وَقَالَ القرطبيّ: يقال: جملت الشحم، واجتملته: إذا أذبته، وربّما قالوا: أجملت، وهو قليل. انتهى.
(مِنْهَا) أي الأضحية (الْوَدَكَ) بفتحتين: هو الشحم، ودسم اللحم: أي يُذيبون الشحم، ويستخرجون دهنه (وَيَتَّخِذُونَ مِنْهَا الأَسْقِيَةَ) جمع سِقاء، بالكسر، قَالَ فِي "القاموس": السقاء ككساء. جلد السَّخْلَة، إذا أجذع، يكون للماء، واللبن، جمعه أسقية، وأسقيات، وأساق. انتهى.
(قَالَ) ﷺ (وَمَا ذَاكَ؟) أي ما سبب قولكم هَذَا؟، مع ظهور أنه جائز (قَالَ) هكذا رواية المصنّف بالإفراد هنا، وفي "الكبرى"، ولفظ مسلم: "قالوا" بواو الجمع، وهو واضح، وما هنا أيضاً له وجه صحيح، وذلك أن الذي تولّى الجواب أحدهم، وإنما قيل فِي الأول: قالوا؛ لرضاهم بقوله. والله تعالى أعلم. وقوله (الَّذِي نَهَيْتَ) خبر لمحذوف: أي هو الذي نهيته، وقوله (مِنْ إِمْسَاكِ لُحُومِ الأضَاحِيِّ) بيان للموصول، والمعنى أن الذي دعانا إلى أن نسألك هو الذي نهيته فِي العام السابق، وذلك إمساك لحوم الأضاحي، وادّخارها (قَالَ) ﷺ (إِنَّمَا نَهيْتُ لِلدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ) أي لأجل الجماعة التي أتتكم منْ البادية، أردت أن تتصدّقوا عليهم، وهذا ظاهر فيما قدّمناه منْ أن المدار هو الحاجة، وليس هَذَا منْ باب النسخ. قَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: وهذا نصّ منه ﷺ عَلَى أن المنع كَانَ لعلّة، ولَمّا ارتفعت ارتفع المنع المتقدِّم؛ لارتفاع
стр. 16472
موجِبه، لا لأنه منسوخٌ، وهذا يُبطل قول منْ قَالَ: إن ذلك المنع إنما ارتفع بالنسخ، لا يقال: فقد قَالَ ﷺ : "كنت نهيتكم عن ادّخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فادّخروا"، وهذا رفعٌ لحكم الخطاب الأول بخطاب متأخّر عنه، وهذا هو حقيقة النسخ؛ لأنا نقول: هَذَا لعمر الله ظاهر هَذَا الْحَدِيث، مع أنه يحتمل أن يكون ارتفاعه بأمر آخر غير النسخ، فلو لم يرد لنا نصٌّ بأن المنع منْ الادّخار ارتفع لارتفاع علّته، لما عدَلنا عن ذلك الظاهر، وقلنا: هو نسخٌ، كما قلناه فِي زيارة القبور، وفي الانتباذ بالحنتم المذكورين معه فِي حديث بُريدة ﵁ المتقدّم، لكن النصّ الذي فِي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فِي التعليل بيّنَ أن ذلك الرفع ليس للنسخ، بل لعدم العلّة، فتعيّن ترك ذلك الظاهر، والأخذ بذلك الاحتمال لعضد النصّ له. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: الفرق بين رفع الحكم بالنسخ، ورفعه لارتفاع علّته أن المرفوع بالنسخ لا يُحكم به أبدًا، والمرفوع لارتفاع علّته يعود الحكم لعود العلّة، فلو قَدِمَ عَلَى أهل بلدة ناس محتاجون فِي زمان الأضحى، ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعةٌ، يسدّون بها فاقتهم إلا الضحايا، لتعيّن عليهم أن لا يدّخروها فوق ثلاث، كما هو فعل النبيّ ﷺ . انتهى كلام القرطبيّ. "المفهم" ٥/ ٣٧٨ - ٣٧٩.
(كُلُوا، وَادَّخِرُوا، وَتَصَدَّقُوا") قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: هَذَا تصريح بزوال النهي عن ادّخارها فوق ثلاث، وفيه الأمر بالصدقة منها، والأمر بالأكل، فأما الصدقة منها، إذا كانت أضحية تطوّع، فواجبة عَلَى الصحيح عند أصحابنا بما يقع عليه الاسم منها. ويستحبّ أن يكون بمعظمها، قالوا: وأدنى الكمال أن يأكل الثلث، ويتصدّق بالثلث، ويُهدي الثلث. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٧/ ٤٤٣٣ و٤٤٣٤ و٤٤٣٥ - وأخرجه (خ) "الأضاحي" ٥٥٧٠ (م) "الأضاحي" ٣٦٤٣ (د) "الضحايا" ٢٨١٢ (ت) "الأضاحي" ١٥١١ (ق) "الأضاحي" ٢١٥٩ (أحمد) "باقي مسند الأنصار" ٢٣٧٢٨ و٢٤٤٤١ و٢٤٥٢٦ و٢٤٦٩٢ و٢٥٠١٣ (الموطأ) "الضحايا" ١٠٤٧. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
стр. 16473
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز الادّخار منْ الأضاحي، فوق ثلاثة أيام. (ومنها): جواز النسخ فِي الأحكام الشرعيّة. (ومنها): ما قاله فِي "الفتح": فِي هذه الأحاديث منْ الفوائد، غير ما تقدم، نسخ الأثقل بالأخف؛ لأن النهي عن ادخار لحم الأضحية بعد ثلاث، مما يثقل عَلَى المضحين، والإذن فِي الادخار أخف منه، وفيه ردّ عَلَى منْ يقول: إن النسخ لا يكون إلا بالأثقل للأخف، وعكسه ابن العربي زعما أن الإذن فِي الادخار نسخ بالنهي. وتُعُقّب بأن الادخار كَانَ مباحا بالبراءة الأصلية، فالنهي عنه ليس نسخا، وعلى تقدير أن يكون نسخا، ففيه نسخ الكتاب بالسنة؛ لأن فِي الكتاب الإذن فِي أكلها، منْ غير تقييد؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾. ويمكن أن يقال: إنه تخصيص، لا نسخ، وهو الأظهر. انتهى ما قاله فِي "الفتح".
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي استظهره الحافظ منْ كون هَذَا النهي ليس بنسخ، وإنما هو منْ باب التخصيص، هو الحقّ، كما سبق بيانه مستوفًى، فتبصّر، ولا تتحيّر. والله تعالى أعلم.
(ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: وفي هَذَا الْحَدِيث أبواب منْ أصول الفقه، وهو أن الشرع يُراعي المصالح، ويحكم لأجلها، ويسكت عن التعليل، ولَمّا تصفّح العلماء ما وقع فِي الشريعة منْ هَذَا وجدوه كثيرًا، بحيث حصل لهم منه أصل كلّيّ، وهو أن الشارع مهما حكم، فإنما يحكم لمصلحة، ثم قد يجدون فِي كلام الشارع ما يدلّ عليها، وَقَدْ لا يجدون، فيسبُرُون أوصاف المحلّ الذي يحكم فيه الشرع حَتَّى يتبيّن لهم الوصف الذي يمكن أن يعتبره الشرع بالمناسبة، أو لصلاحيته لها، فيقولون: الشرع يحكم بالمصلحة، والمصلحة لا تعدو أوصاف المحلّ، وليس فِي أوصافه ما يصلح للاعتبار إلا هَذَا، فتعيّن. انتهى. "المفهم" ٥/ ٣٧٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٣٤ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى، عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ أَصَابَ النَّاسَ شِدَّةٌ، فَأَحَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنْ يُطْعِمَ الْغَنِيُّ الْفَقِيرَ، ثُمَّ قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُ آلَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، يَأْكُلُونَ الْكُرَاعَ، بَعْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ، قُلْتُ: مِمَّ ذَاكَ؟ فَضَحِكَتْ، فَقَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، مِنْ خُبْزٍ مَأْدُومٍ، ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ .
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (يعقوب بن إبراهيم) الدَّوْرقيّ البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] ٢١/ ٢٢.
стр. 16474
٢ - (عبد الرحمن) بن مهدي البصريّ الإِمام الحجة الثبت [٩] ٤٢/ ٤٩.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري الكوفيّ الإِمام الحجة الثبت [٧] ٣٣/ ٣٧.
٤ - (عبد الرحمن بن عابس) النخعيّ الكوفيّ، ثقة [٤] ٥/ ٨٥١.
٥ - (أبوه) عابس -بموحّدة، فمهملة- ابن ربيعة النخعيّ الكوفيّ، ثقة، مخضرمٌ [٢] ١٤٧/ ٢٩٣٨.
[تنبيه]: قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: ويلتبس به عابس بن ربيعة الغطيفيّ، صحابيّ، ذكره ابن يونس، وَقَالَ: له صحبة، وشهد فتح مصر، ولم أجد لهم عنه رواية. انتهى. "الفتح" ١٠/ ٦٩٣ "كتاب الأطعمة". والله تعالى أعلم.
٦ - (عائشة) رضي الله تعالى عنها المذكورة فِي الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فبغدادي، وابن مهدي، فبصري، وعائشة فمدنية. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ والابن عن أبيه. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ، عَنْ أَبِيهِ) عابس بن ربيعة النخعيّ ﵁، أنه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ) رضي الله تعالى عنها (فَقُلْتُ: أَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْهَى، عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ؟) وفي رواية البخاريّ فِي "الأطعمة": قَالَ: قلت لعائشة: أنهى النبيّ ﷺ أن تؤكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث؟ قالت: ما فعله إلا فِي عامٍ، جاع النَّاس فيه" الْحَدِيث. قَالَ فِي "الفتح" ١٠/ ٦٩٣: بيّنت عائشة ﵂ فِي هَذَا الْحَدِيث أن النهي عن ادّخار لحوم الأضاحي بعد ثلاث نُسخ، وأن سبب النهي كَانَ خاصًّا بذلك العام للعلّة التي ذكرتها. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم قريباً أن الأظهر أن هَذَا ليس منْ باب النسخ، وإنما هو منْ باب التخصيص بالعلّة، فزال بزوالها، فإذا عادت عاد الحكم. والله تعالى أعلم.
(قَالَتْ: نَعَمْ، أَصَابَ النَّاسَ شِدَّةٌ) بنصب "الناسَ" عَلَى أنه مفعول مقدّم، و"شدّة" بالرفع فاعل مؤخّر.
(فَأَحَبَّ) وفي رواية البخاريّ: "فأراد" (رَسُولُ اللهِ ﷺ ، أَنْ يُطْعِمَ) بضم أوله منْ
стр. 16475
الإطعام (الْغَنيُّ) بالرفع عَلَى الفاعليّة (الْفَقِيرَ) بالنصب عَلَى المفعوليّة (ثُمَّ قَالَتْ) هكذا فِي بعض نسخ "المجتبى"، وهو الصواب، ووقع فِي معظم نسخه، و"الكبرى" بلفظ "قَالَ"، وهو خطأ فاحش؛ لأن قوله: "لقد رأيت الخ" منْ كلام عائشة قطعًا، فلا يناسبه معه لفظ "قَالَ"، وإنما المناسب "قالت"، فتنبّه.
(لَقَدْ رَأَيْتُ آلَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، يَأْكُلُونَ الْكُرَاعَ) بضم الكاف، وتخفيف الراء، قَالَ الفيّوميّ: الكراع وزان غُراب منْ الغنم والبقر بمنزلة الْوَظِيف منْ الفرس، وهو مُستدقّ الساعد، والكراع أنثى، والجمع أَكْرُع، مثلُ فلس وأفلُس، ثم تُجمع الأكرع عَلَى أكارع، قَالَ الأزهريّ: الأكارع للدابّة قوائمها، ويقال للسَّفِلَة منْ النَّاس: أكارع؛ تشبيهًا بأكارع الدوابّ؛ لأنها أسافل. انتهى.
ولفظ البخاريّ: "وإن كنّا لنرفع الكراع، فنأكله بعد خمس عشرة"، وفيه بيان جواز ادّخار اللحم، وأكل القديد.
(بَعْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ) أي ليلة (قُلْتُ: مِمَّ ذَاكَ؟) أي لأيّ سبب ادّخاركم الكراع؟. (فَضَحِكَتْ) أي متعجّبة منْ قلة معيشتهم، ومستغربة سؤاله عن ذلك، مع أنه معروف، مشهور لدى النَّاس (فَقَالَتْ: مَا شَبعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، مِنْ خُبْزٍ مَأْدُوم) اسم مفعول، منْ أَدَمَه، يقال: أَدَمْتُ الخبزَ، منْ باب ضرب، وآدمته بالمدّ لغة فيه: إذا أصلحتَ إساغته بالإدام، والإدام بالكسر: ما يؤتَدم به، مائعًا كَانَ، أو جامدًا، وجمعه أُدُمٌ بضمّتين، ككتاب وكتُب، ويسكّن للتخفيف، فيُعامل معاملة المفرد، ويجمع عَلَى آدام، مثل قُفْل وأقفال. أفاده الفيّوميّ.
(ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ ") بفتح اللام، وكسر الحاء المهملة، منْ باب تعب، أىِ حَتَّى مات النبيّ ﷺ ، فَلَقِيَ ربّه ، وأرادت عائشة ﵂ بهذا قلّة اللحم عندهم، بحيث إنهم لم يكونوا يشبعون منْ خبز فيه إدام أيامًا متوالية، فضلاً عن كثر أكل اللحم.
والحديث متَّفقٌ عليه، أخرجه البخاريّ بتمامه، ومسلم جملة الشبع بنحوه، وَقَدْ سبق تمام البحث فيه فِي الْحَدِيث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٣٥ - (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ زِيَادِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ؟ قَالَتْ: كُنَّا نَخْبَأُ الْكُرَاعَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا، ثُمَّ يَأْكُلُهُ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "يوسف بن عيسى": هو الزهريّ، أبو يعقوب
стр. 16476
المروزيّ، ثقة فاضل [١٠] ٣٢/ ٩٢٤. و"الفضل بن موسى": هو السِّينانيّ المروزيّ، ثقة ثبت، ربما أغرب، منْ كبار [٩] ٨٣/ ١٠٠. و"يزيد بن زياد بن أبي الجعد": هو الأشجعيّ الكوفىّ، صدوقٌ [٧] ٥١/ ٢٥٣٢.
وقوله: "نخبأ" بفتح أوله، مهموزًا، يقال: خبأت الشيء، منْ باب نفع: إذا سترته، والمعنى: كنا ندّخر الكراع، ويحتمل أن يكون بضم أوله، وتشديد الموحّدة، منْ خبأت الشيء بالتشديد للتكثير.
والحديث أخرجه البخاريّ، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٣٦ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ إِمْسَاكِ الأُضْحِيَةِ، فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ قَالَ: "كُلُوا وَأَطْعِمُوا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه: فإنه منْ أفراده، وهو مروزيّ ثقة. و"عبد الله": هو ابن المبارك. و"ابن عون": هو عبد الله. والحديث تقدّم ٣٦/ ٤٤٢٩ مطوّلاً، وتقدّم أنه وقع فيه القلب، وأن الصواب أنه منْ مسند قتادة بن النعمان ﵁، لا مسند أبي سعيد الخدريّ ﵁، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٣٨ - (بَابُ ذَبَائِحِ الْيَهُودِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: المراد ذبائح أهل الكتاب، لا خصوص اليهود، وَقَدْ أجاد الإِمام البخاريّ رحمه الله تعالى حيث ترجم بأتمّ منْ ترجمة المصنّف رحمه الله تعالى، فَقَالَ:
"باب ذبائح أهل الكتاب، وشحومها، منْ أهل الحرب وغيرهم"، وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٥]، وَقَالَ الزهريّ: لا بأس بذبيحة نصارى العرب، وإن سمعته يسمي لغير الله، فلا تأكل، وإن لم تسمعه فقد أحله الله لك، وعَلِمَ كفرهم. ويُذكر عن عليّ نحوُهُ. وَقَالَ
стр. 16477
الحسن، وإبراهيم: لا بأس بذبيحة الأقلف. وَقَالَ ابن عباس: طعامهم ذبائحهم". ثم أورد حديث عبد الله بن مغفّل ﵁ المذكور فِي الباب. راجع صحيح البخاريّ ج: ٥ ص: ٢٠٩٧.
وَقَالَ فِي "الفتح": ما حاصله: أشار بهذه الترجمة إلى جواز ذبائح أهل الكتاب، وشحومها، وهو قول الجمهور، وعن مالك، وأحمد تحريم ما حرم الله عَلَى أهل الكتاب، كالشحوم. وَقَالَ ابن القاسم: لأن الذي أباحه الله طعامهم، وليس الشحوم منْ طعامهم، ولا يقصدونها عند الذكاة. وتعقب بأن ابن عباس، فَسَّر طعامهم بذبائحهم، كما سيأتي آخر الباب، وإذا أُبيحت ذبائحهم لم يحتج إلى قصدهم أجزاء المذبوح، والتذكية لا تقع عَلَى بعض أجزاء المذبوح دون بعض، وان كانت التذكية شائعة فِي جميعها، دخل الشحم لا محالة، وأيضاً فإن الله ، نَصّ بأنه حرم عليهم كل ذي ظفر، فكان يلزم عَلَى قول هَذَا القائل، أن اليهودي إذا ذبح ما له ظفر، لا يحل للمسلم أكله، وأهل الكتاب أيضاً يُحَرِّمون أكل الإبل، فيقع الالزام كذلك.
وقوله: وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ كذا لأبي ذر، وساق غيره إلى قوله: ﴿حِلٌّ لَهُمْ﴾، وبهذه الزيادة يتبين مراده، منْ الاستدلال عَلَى الحل؛ لأنه لم يخص ذميا منْ حربي، ولا خص لحما منْ شحم، وكونُ الشحوم محرمة عَلَى أهل الكتاب لا يضر؛ لأنها محرمة عليهم، لا علينا، وغايته بعد أن يتقرر أن ذبائحهم لنا حلال، أن الذي حرم عليهم منها، مسكوت فِي شرعنا عن تحريمه علينا، فيكون عَلَى أصل الإباحة.
وقوله: "وَقَالَ الزهريّ: لا بأس بذبيحة نصارى العرب، وان سمعته يُهلّ لغير الله فلا تأكل، وان لم تسمعه، فقد أحله الله لك، وعَلِم كفرهم"، وصله عبد الرزاق، عن معمر، قَالَ: سألت الزهريّ عن ذبائح نصارى العرب، فذكر نحوه، وزاد فِي آخره: قَالَ: وإهلاله أن يقول: باسم المسيح، وكذا قَالَ الشافعيّ: إن كَانَ لهم ذبحٌ يسمون عليه غير اسم الله، مثل اسم المسيح لم يحل، وان ذكر المسيح عَلَى معنى الصلاة عليه لم يحرم. وحكى البيهقي عن الْحَليمي بحثا أن أهل الكتاب، إنما يذبحون لله تعالى، وهم فِي أصل دينهم لا يقصدون بعبادتهم، إلا الله، فإذا كَانَ قصدهم فِي الأصل ذلك، اعتبرت ذبيحتهم، ولم يضر قول منْ قَالَ منهم مثلا: باسم المسيح؛ لأنه لا يريد بذلك إلا الله، وإن كَانَ قد كفر بذلك الاعتقاد.
وقوله: وَقَالَ الحسن، وإبراهيم: لا بأس بذبيحة الأقلف -بالقاف، ثم الفاء- هو
стр. 16478
الذي لم يختن، والقلفة -بالقاف- ويقال: بالغين المعجمة- الغرلة، وهي الجلدة التي تستر الحشفة. وأثر الحسن أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، قَالَ: كَانَ الحسن يُرخّص فِي الرجل، إذا أسلم بعدما يكبر، فخاف عَلَى نفسه إن اختتن، أن لا يختتن، وكان لا يرى بأكل ذبيحته بأسا. وأما أثر إبراهيم، فأخرجه أبو بكر الخلال، منْ طريق سعيد بن أبي عروبة، عن مغيرة، عن إبراهيم النخعي، قَالَ: لا بأس بذبيحة الأقلف. وَقَدْ ورد ما يخالفه، فأخرج ابن المنذر عن ابن عباس: الأقلف لا تؤكل ذبيحته، ولا تقبل صلاته ولا شهادته. وَقَالَ ابن المنذر: قَالَ جمهور أهل العلم: تجوز ذبيحته؛ لأن الله سبحانه أباح ذبائح أهل الكتاب، ومنهم منْ لا يختتن.
وقوله: وَقَالَ ابن عباس: طعامهم ذبائحهم، هو موصول عند البيهقي، منْ طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، فِي قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ قَالَ: ذبائحهم، وقائل هَذَا يلزمه أن يجيز ذبيحة الأقلف؛ لأن كثيرا منْ أهل الكتاب، لا يختتنون، وَقَدْ خاطب النبيّ ﷺ هرقل بقومه بقوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ٦٤]، وهرقل وقومه ممن لا يختتن، وَقَدْ سُمُّوا أهل الكتاب. انتهى "فتح" ١١/ ٦٦ - ٦٧. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٤٣٧ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُغِيرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ، قَالَ: دُلِّيَ جِرَابٌ مِنْ شَحْمٍ، يَوْمَ خَيْبَرَ، فَالْتَزَمْتُهُ، قُلْتُ: لَا أُعْطِي أَحَدًا مِنْهُ شَيْئًا، فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَتَبَسَّمُ).
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (يعقوب بن إبراهيم) الدورقي المذكور فِي الباب الماضي.
٢ - (يحيى بن سعيد) القطّان المذكور فِي الباب الماضي أيضاً.
٣ - (سليمان بن المغيرة) القيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة [٧] ٥٤/ ٦١٦.
٤ - (حُميد بن هلال) العدويّ، أبو نصر البصريّ، ثقة عالم [٣] ٤/ ٤.
٥ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ) بصيغة اسم المفعول المضعّف، بوزن محمد الصحابيّ المشهور، بايع تحت الشجرة، وكان ممن نزل البصرة، مات رضي الله تعالى عنه سنة (٥٧) وقيل: بعد ذلك، تقدّمت ترجمته فِي ٣٢/ ٣٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبغدادي. (ومنها): أن
стр. 16479
شيخه أحد مشايخ الأئمة السنّة بلا واسطة، كما سبق قريباً. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
عن حُميد بن هلال رحمه الله تعالى أنه (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُغَفَّلٍ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: دُلِّيَ) بالبناء للمفعول منْ التدلية: أي نزّلوه منْ القلعة إلى خارجها (جِرَابٌ) بكسر الجيم، وتخفيف الراء (مِنْ شَحْمٍ) أي جراب مملوء بشحم (يَوْمَ خَيْبَرَ) أي يوم فتح خيبر (فَالْتَزَمْتُهُ) أي أخذته (قُلْتُ: لَا أُعْطِي أَحَدًا مِنْهُ شَيْئًا) وفي رواية البخاريّ: "كنّا محاصرين قصر خيبر، فرمى إنسان بجراب فيه شحم، فنزوت لآخذه، فالتفتّ، فإذا النبيّ ﷺ ، فاستحييت منه" (فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ) "إذا" هي الفُجائيّة، أي ففجأني وجود رسول الله ﷺ فِي ذلك المكان (يَتَبَسَّمُ) جملة فِي محلّ نصب عَلَى الحال، أي حال كونه متبسّمًا؛ تعجّبًا منْ حرصه عَلَى ذلك الشحم. قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: وهذا تقرير منه ﷺ عَلَى تناوله، إذ عادة النَّاس فِي تلك الأيام أكل الشحم، فلو كَانَ حرامًا لوجب أن يبيّن أنه لا يجوز أكله، ويلزم منه حلّه، وهو يستلزم حلّ ذبائحهم، فإن الشحم شحم ذبائحهم. انتهى.
وزاد أبو داود الطيالسيّ فِي روايته فِي آخره: "فَقَالَ: هو لك"، وكأنه ﷺ عرف شدّة حاجته إليه، فسوّغ له الاستئثار به. قاله فِي "الفتح" ٦/ ٣٨٩ "كتاب فرض الخمس".
وَقَالَ أيضًا: وَقَدْ أخرج ابن وهب بسند معضل أن صاحب المغانم كعب بن عمرو بن زيد الأنصاريّ، أخذ منه الجراب، فَقَالَ النبيّ ﷺ خلّ بينه وبين جرابه"، وبهذا يتبيّن معنى قوله: "فاستحييت منْ رسول الله ﷺ "، ولعله استحيا منْ فعله ذلك، ومن قوله معاً. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عبد الله بن مُغفّل رضي الله تعالى عنه هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٨/ ٤٤٣٧ - وفي "الكبرى" ٣٩/ ٤٥٢٤. وأخرجه (خ) "فرض الخمس" ٣١٥٣ و"المغازي" ٤٢١٣ و"الذبائح" ٥٥٠٨ (م) "الجهاد" ٣٣٢٠ و٣٣٢١ (د) "الجهاد" ٢٧٠٢ (أحمد) "مسند الشاميين" ١٦٣٤٩ و٢٠٠٤٤ (الدارمي) "السير" ٢٥٠٠. والله تعالى أعلم.
стр. 16480
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم أكل ذبائح اليهود، وهو الجواز. (ومنها): جواز أكل الشحوم التي توجد عند اليهود، وكانت محرّمة عَلَى اليهود، وكرهها مالك، وعن أحمد تحريمها، وسيأتي تحقيق الخلاف فِي المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
(ومنها): أن فيه حجةً عَلَى منْ منع ما حرم عليهم، كالشحوم؛ لأن النبيّ ﷺ ، أقرّ ابن مغفل عَلَى الانتفاع بالجراب المذكور. (ومنها): أن فيه جواز أكل الشحم مما ذبحه أهل الكتاب لو كانوا أهل حرب؛ لأن الله تعالى لم يخصّ حين أحلّ ذبائحهم ذميًّا منْ حربيّ، ولا لحمًا منْ شحم. (ومنها): بيان ما كَانَ عليه الصحابة ﵃ منْ توقير النبيّ ﷺ ، ومن معاناة التنزّه عن خوارم المروءة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة) فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم ذبائح أهل الكتاب:
قَالَ الإِمام ابن قُدامة رحمه الله تعالى فِي "المغني" ١٣/ ٢٩٣ - ٢٩٤٥ - : أجمع أهل العلم عَلَى إباحة ذبائح أهل الكتاب؛ لقول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٥] يعني ذبائحهم. قَالَ البخاريّ: قَالَ ابن عباس: طعامهم ذبائحهم، وكذلك قَالَ مجاهد، وقتادة، ورُوي معناه عن ابن مسعود، وأكثر أهل العلم، يرون إباحة صيدهم أيضاً، قَالَ ذلك عطاء، والليث، والشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم أحدا حَرَّم صيد أهل الكتاب، إلا مالكا، أباح ذبائحهم، وحرّم صيدهم، ولا يصح؛ لأن صيدهم منْ طعامهم، فيدخل فِي عموم الآية؛ ولأن منْ حلت ذبيحته حل صيده، كالمسلم.
قَالَ: ولا فرق بين العدل والفاسق، منْ المسلمين، وأهل الكتاب، وعن ابن عباس ﵄: لا تؤكل ذبيحة الأقلف، وعن أحمد مثله، والصحيح إباحته، فإنه مسلم، فأشبه سائر المسلمين، وإذا أبيحت ذبيحة القاذف، والزاني، وشارب الخمر، مع تحقُّق فسقه، وذبيحة النصراني، وهو كافر أقلف، فالمسلم أولى.
قَالَ: ولا فرق بين الحربي والذمي، فِي إباحة ذبيحة الكتابي منهم، وتحريم ذبيحة منْ سواه، وسئل أحمد عن ذبائح نصارى أهل الحرب، فَقَالَ: لا بأس بها، حديث عبد الله ابن مغفل فِي الشحم (١) قَالَ إسحاق أجاد. وَقَالَ ابن المنذر: أجمع عَلَى هَذَا كل منْ نَحفَظ عنه منْ أهل العلم، منهم مجاهد، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق،
стр. 16481
وأبو ثور، وأصحاب الرأي، ولا فرق بين الكتابي العربي، وغيره، إلا أن فِي نصارى العرب اختلافا، ذكرناه فِي باب الجزية. وسُئل مكحول عن ذبائح العرب؟ فَقَالَ: أما بَهْرَا، وتَنُوخ، وسُلَيح، فلا بأس، وأما بنو تَغْلِب، فلا خير فِي ذبائحهم، والصحيح إباحة ذبائح الجميع؛ لعموم الآية فيهم.
قَالَ: فإن كَانَ أحد أبوي الكتابي، ممن لا تحل ذبيحته، والآخر ممن تحل ذبيحته، فَقَالَ أصحابنا -يعني الحنبليّة-: لا يحل صيده، ولا ذبيحته، وبه قَالَ الشافعيّ، إذا كَانَ الأب غير كتابي، وإن كَانَ الأب كتابيًا، ففيه قولان: [أحدهما]: تباح، وهو قول مالك، وأبو ثور. [والثاني]: لا تباح؛ لأنه وُجد ما يقتضي التحريم والإباحة، فغُلِّب ما يقتضي التحريم، كما لو جرحه مسلم ومجوسي، وبيانُ وجود ما يقتضي التحريم أنَّ كونه ابن مجوسي، أو وثني، يقتضي تحريم ذبيحته.
وَقَالَ أبو حنيفة: تباح ذبيحته، بكل حال؛ لعموم النص، ولأنه كتابي يُقَرُّ عَلَى دينه، فتحل ذبيحته، كما لو كَانَ ابن كتابيين، وأما إن كَانَ ابن وثنيين، أو مجوسيين، فمقتضى مذهب الأئمة الثلاثة تحريمه، ومقتضى مذهب أبي حنيفة حله؛ لأن الاعتبار بدين الذابح، لا بدين أبيه، بدليل أن الاعتبار فِي قبول الجزية بذلك، ولعموم النص والقياس.
قَالَ: فأما ما ذبحوه لكنائسهم وأعيادهم، فننظر فيه، فإن ذبحه لهم مسلم، فهو مباح، نُصَّ عليه. وَقَالَ أحمد، وسفيان الثوري، فِي المجوسي يذبح لإلهه، ويدفع الشاة إلى المسلم يذبحها، فيسمي: يجوز الأكل منها، وَقَالَ إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عما يُقَرَّب لآلهتهم، يذبحه رجل مسلم؟ قَالَ: لا بأس به، وإن ذبحها الكتابي، وسمى الله وحده، حَلَّت أيضاً؛ لأن شرط الحل وُجد، وإن عُلم أنه ذكر اسم غير الله عليها، أو ترك التسمية عمدا لم تحل. قَالَ حَنْبَل: سمعت أبا عبد الله قَالَ: لا يؤكل يعني ما ذُبح لأعيادهم وكنائسهم؛ لأنه أهل لغير الله به. وَقَالَ فِي موضع: يَدَعُون التسمية عَلَى عمد، إنما يذبحون للمسيح، فأما ما سوى ذلك، فرُويت عن أحمد الكراهة فيما ذُبح لكنائسهم، وأعيادهم مطلقا، وهو قوله ميمون بن مهران؛ لأنه ذُبح لغير الله، وروي عن أحمد إباحته. وسُئل عنه العرباض بن سارية؟ فَقَالَ: كلوا، وأطعموني. وروي مثل ذلك عن أبي أمامة الباهلي، وأبي مسلم الخولاني، وأكله أبو الدرداء، وجبير بن نفير، ورخص فيه عمرو بن الأسود، ومكحول، وضمرة بن حبيب؛ لقول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، وهذا منْ طعامهم، قَالَ القاضي: ما ذبحه الكتابي لعيده، أو نجم، أو صنم، أو نبي، فسماه عَلَى ذبيحته حَرُم؛ لقوله تعالى:
стр. 16482
﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ الآية [المائدة: ٣]، وإن سمى الله وحده حلّ؛ لقول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: ١١٨]، لكنه يكره؛ لقصده بقلبه الذبح لغير الله. انتهى كلام ابن قُدامة رحمه الله تعالى. "المغني" ١٣/ ٢٩٣ - ٢٩٥.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بحل ذبائح أهل الكتاب عَلَى الإطلاق هو الحقّ؛ لإطلاق النصّ بذلك، دون تفصيل؛ فإن الله تعالى فِي الوقت الذي أخبرنا بأن أهل الكتاب بدَّلوا، وغَيَّرُوا، فَقَالَ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ٣٠]، وَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ الآية [المائدة: ٧٣]، فقد أحلّ ذبائحهم، فَقَالَ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ الآية، فدلّ عَلَى أن الحلّ عَلَى إطلاقه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
٣٩ - (ذَبِيحَةُ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "يُعْرَف" بالبناء للمفعول: أي ذبح الشخص الذي لم يُعرف أذبيحته حلالٌ لذكره الله تعالى عليها، أم لا؛ لعدمه؟. وَقَدْ ترجم الإِمام رحمه الله تعالى فِي "صحيحه" بقوله: "باب ذبيحة الأعراب ونحوهم"، وهي بمعنى ترجمة المصنّف رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٤٣٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَعْرَابِ، كَانُوا يَأْتُونَا بِلَحْمٍ، وَلَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، أَمْ لَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَكُلُوا").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه ثقة ثبت حجة [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (النضر بن شُميل) المازني، أبو الحسن النحوي البصريّ، نزيل مرو، ثقة ثبت،
стр. 16483
منْ كبار [٩] ٤١/ ٤٥.
٣ - (هشام بن عروة) بن الزبير الأسدي، أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيه ربما دلس [٥] ٤٩/ ٦١.
٤ - (أبوه) عروة بن الزبير بن العوام الأسدي، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٠/ ٤٤.
٥ - (عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، والنضر، فمروزيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، عن خالته. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَائِشَةَ) هكذا فِي رواية النضر بن شُميل، عند المصنّف موصولاً بذكر عائشة رضي الله تعالى عنها، ووافقه عليه أبو خالد الأحمر، عند البخاريّ، فِي "التوحيد"، ومحمد بن عبد الرحمن الطُّفاويّ، عنده فِي "البيوع"، وأسامة بن حفص، عنده أيضاً فِي "الذبائح"، والدراورديّ عند الإسماعيليّ، وآخرون، فكلهم رووه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عنها، وخالفهم مالك، فرواه عن هشام، عن أبيه، مرسلاً، ليس فيه ذكر عائشة ﵂، قَالَ الدارقطنيّ فِي "العلل": رواه عبد الرحيم بن سليمان، ومحاضر بن المورّع، والنضر بن شُميل، وآخرون، عن هشام موصولاً، ورواه مالك، مرسلاً عن هشام، ووافق مالكًا عَلَى إرساله الحمّادان، وابن عُيينة، والقطّان، عن هشام، وهو أشبه بالصواب، وذكر أيضًا أن يحيى بن أبي طالب رواه عن عبد الوهّاب بن عطاء، عن مالك موصولاً.
قَالَ الحافظ: رواية عبد الرحيم عند ابن ماجه، ورواية النضر عند النسائيّ -يعني رواية الباب- ورواية محاضر عند أبي داود، وَقَدْ أخرجه البيهقي، منْ رواية جعفر بن عون، عن هشام مرسلاً. ويستفاد منْ صنيع البخاريّ، أن الْحَدِيث إذا اختُلِفَ فِي وصله وإرساله، حُكِم للواصل بشرطين: أحدهما: أن يزيد عدد منْ وصله عَلَى منْ أرسله.
والآخر أن يَحتَفّ بقرينة تُقَوِّي الرواية الموصولة؛ لأن عروة معروف بالرواية عن عائشة، مشهور بالأخذ عنها، ففي ذلك إشعار بحفظ منْ وصله، عن هشام، دون منْ أرسله، ويؤخذ منْ صنيعه أيضاً أنه وإن اشترط فِي الصحيح، أن يكون راويه منْ أهل الضبط والإتقان، أنه إن كَانَ فِي الراوي قصور عن ذلك، ووافقه عَلَى رواية ذلك الخبر، منْ هو مثله، انجبر ذلك القصور بذلك، وصح الْحَدِيث عَلَى شرطه. انتهى. "الفتح"
стр. 16484
١١/ ٦٣ - ٦٤.
(أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَعْرَابِ) وفي رواية مالك: "منْ البادية"، وفي رواية البخاريّ: "أن قومًا قالوا للنبيّ ﷺ : إنَّ قومًا يأتوننا بلحم" (كَانُوا يَأْتُونَا بِلَحْمٍ) وفي رواية أبي خالد الأحمر عند البخاريّ: "يأتوننا بلحمان" (وَلَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمِ اللهِ عَلَيْهِ، أَمْ لَا؟) وفي رواية أبي داود: "أم لم يذكروا، أفنأكل منها؟ " (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اذكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ، وَكُلُوا") وفي رواية البخاريّ: "سمّوا عليه أنتم، وكلوا". وزاد فِي رواية البخاريّ: "قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر"، وفي رواية أبي داود: "بجاهليّة"، وزاد مالك فِي آخره: "وذلك فِي أول الإِسلام".
قَالَ فِي "الفتح" ١١/ ٦٤: وَقَدْ تعلق بهذه الزيادة قوم، فزعموا أن هَذَا الجواب، كَانَ قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: ١٢١]. قَالَ ابن عبد البرّ: وهو تعلق ضعيف، وفي الْحَدِيث نفسِهِ ما يرُدُّه؛ لأنه أمرهم فيه بالتسمية عند الأكل، فدَلّ عَلَى أن الآية كانت نزلت بالأمر بالتسمية عند الأكل، وأيضاً فقد اتفقوا عَلَى أن "الأنعام" مكية، وأن هذه القصة جرت بالمدينة، وأن الأعراب المشار إليهم فِي الْحَدِيث، هم بادية أهل المدينة.
وزاد ابن عيينة فِي روايته: "واجتَهِدُوا أيمانهم، وكلوا": أي حَلِّفوهم عَلَى أنهم سَمُّوا حين ذبحوا، وهذه الزيادة غريبة فِي هَذَا الْحَدِيث، وابن عيينة ثقة، لكن روايته هذه مرسلة، نعم أخرج الطبراني، منْ حديث أبي سعيد نحوه، لكن قَالَ: "اجتَهِدوا أيمانهم أنهم ذبحوها"، ورجاله ثقات، وللطحاوي فِي "المشكل" سأل ناس منْ الصحابة، رسولَ الله ﷺ ، فقالوا: أعاريب يأتوننا بلحمان، وجُبن وسَمْن، ما ندري ما كُنْهُ إسلامهم، قَالَ: "انظروا ما حَرَّم الله عليكم، فأمسكوا عنه، وما سكت عنه، فقد عفا لكم عنه، وما كَانَ ربك نسيا، اذكروا اسم الله عليه". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هَذَا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٩/ ٤٤٣٨ - وفي "الكبرى" ٤٠/ ٤٥٢٥. وأخرجه (خ) "البيوع" ٢٠٥٧ و"الذبائح" ٥٥٠٧ و"التوحيد" ٧٣٩٨ (د) "الضحايا" ٢٨٢٩ (ق) "الذبائح" ٣١٧٤ (المِوطأ) "الذبائح" ١٠٥٤ (الدارمي) "الأضاحي" ١٩٧٦. والله تعالى أعلم.
стр. 16485
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم ذبيحة منْ لم يُعرف، هل سمّى الله تعالى عليها، أم لا؟، وهو الحلّ؛ حملاً لحال المسلم عَلَى الصلاح. (ومنها): ما كَانَ عليه الصحابة ﵃ منْ الورع، حيث إنهم لم يكتفوا بظاهر الحال، بل تورّعوا عن أكل ما أتى به منْ لم يُعرف حاله، حَتَّى سألوا النبيّ ﷺ عن ذلك، فبيّن لهم أنه حلال.
(ومنها): ما قاله المهلب رحمه الله تعالى: هَذَا الْحَدِيث أصل فِي أن التسمية على الذبيحة لا تجب؛ إذ لو كانت واجبة، لاشترطت عَلَى كل حال، وَقَدْ أجمعوا عَلَى أن التسمية عَلَى الأكل ليست فرضا، فلما نابت عن التسمية عَلَى الذبح، دَلّ عَلَى أنها سنة؛ لأن السنة لا تنوب عن الفرض (١)، ودل هَذَا عَلَى أن الأمر فِي حديث عدي، وأبي ثعلبة محمول عَلَى التنزيه، منْ أجل إنهما كانا يصيدان عَلَى مذهب الجاهلية، فعلّمهما النبيّ ﷺ أمر الصيد والذبح، فرضه ومندوبه؛ لئلا يواقعا شبهة منْ ذلك، وليأخذا بأكمل الأمور فيما يستقبلان، وأما الذين سألوا عن هذه الذبائح، فإنهم سألوا عن أمر قد وقع، ويقع لغيرهم، ليس فيه قدرة عَلَى الأخذ بالأكمل، فعرّفهم بأصل الحل فيه. وَقَالَ ابن التين: يحتمل أن يراد بالتسمية هنا عند الأكل، وبذلك جزم النوويّ، قَالَ ابن التين: وأما التسمية عَلَى ذبح، تولاه غيرهم، منْ غير علمهم، فلا تكليف عليهم فيه، وإنما يُحمل عَلَى غير الصحة، إذا تبين خلافها، ويحتمل أن يريد أن تسميتكم الآن، تستبيحون بها أكل ما لم تعلموا، أذُكر اسم الله عليه أم لا؟، إذا كَانَ الذابح، ممن تصح ذبيحته إذا سَمَّي.
(ومنها): أنه يستفاد منه أن كل ما يوجد فِي أسواق المسلمين، محمول عَلَى الصحة، وكذا ما ذبحه أعراب المسلمين؛ لأن الغالب أنهم عرفوا التسمية، وبهذا الأخير جزم ابن عبد البرّ، فَقَالَ: فيه أن ما ذبحه المسلم يؤكل، ويُحمَل عَلَى أنه سَمَّى؛ لأن المسلم لا يُظَن به فِي كل شيء إلا الخير، حَتَّى يتبين خلاف ذلك، وعَكَسَ هَذَا الخطابيّ، فَقَالَ: فيه دليل عَلَى أن التسمية غير شرط عَلَى الذبيحة؛ لأنها لو كانت شرطا، لم تُستَبَح الذبيحة بالأمر المشكوك فيه، كما لو عَرَض الشك فِي نفس الذبح، فلم يُعلَم، هل وقعت الذكاة المعتبرة، أو لا، وهذا هو المتبادر منْ سياق الْحَدِيث، حيث وقع الجواب فيه: "فسموا أنتم، وكلوا"، كأنه قيل لهم: لا تهتموا بذلك، بل الذي يُهمكم أنتم أن تذكروا اسم الله، وتأكلوا، وهذا منْ أسلوب الحكيم، كما نَبّه عليه الطيبي، ومما يدل عَلَى عدم الاشتراط، قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ
стр. 16486
لَكُمْ﴾، فأباح الأكل منْ ذبائحهم، مع وجود الشك فِي أنهم سَمُّوا أم لا. قاله فِي "الفتح" ١١/ ٦٤ - ٦٥.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم فِي أوائل "كتاب الصيد" أن القول بوجوب التسمية عَلَى الذبيحة هو الحقّ، فلا تغفل. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قَالَ الغزالي فِي "الإحياء" فِي مراتب الشبهات: المرتبة الأولى ما يتأكد الاستحباب فِي التورع عنه، وهو ما يَقْوَى فيه دليل المخالف، فمنه التورع عن أكل متروك التسمية، فإن الآية ظاهرة فِي الإيجاب، والأخبار متواترة بالأمر بها، ولكن لَمّا صح قوله ﷺ : "المؤمن يَذبح عَلَى اسم الله، سَمَّي، أو لم يسم"، احتمل أن يكون عاما، موجبا لصرف الآية، والأخبار عن ظاهر الأمر، واحتمل أن يُخصص بالناسي، ويبقى مَن عداه على الظاهر، وهذا الاحتمال الثاني أولي. والله أعلم.
قَالَ الحافظ: الْحَدِيث الذي اعتمد عليه، وحكم بصحته بالغ النوويّ فِي إنكاره، فَقَالَ: هو مُجمَع عَلَى ضعفه، قَالَ: وَقَدْ أخرجه البيهقي، منْ حديث أبي هريرة، وَقَالَ منكر، لا يُحتَجّ به، وأخرج أبو داود فِي "المراسيل"، عن الصلت، أن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "ذبيحة المسلم حلال، ذَكَر اسم الله، أو لم يذكر".
قَالَ الحافظ: الصلت، يقال له: السدوسي، ذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وهو مرسل جَيّد، وحديث أبي هريرة ﵁، فيه مروان بن سالم، وهو متروك، ولكن ثبت ذلك عن ابن عباس، واختُلف فِي رفعه ووقفه، فإذا انضم إلى المرسل المذكور قَوِي، أما كونه يبلغ درجة الصحة فلا. انتهى. "الفتح" ١١/ ٦٤ - ٦٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي حكم اللحوم المستوردة منْ بلدان غير الإِسلاميّة:
قَالَ الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى: اللحوم التي تباع فِي أسواق دول غير إسلامية، إن عُلم أنها منْ ذبائح أهل الكتاب، فهي حلّ للمسلمين، إذا لم يُعلم أنها ذُبحت عَلَى غير الوجه الشرعيّ، إذا الأصل حلّها بالنصّ القرآنيّ، فلا يُعدل عن ذلك إلا بأمر محقّق، يقتضي تحريمها. وأما إن كانت اللحوم منْ ذبائح بقيّة الكفّار، فهي حرام عَلَى المسلمين، ولا يجوز لهم أكلها بالنصّ، والإجماع، ولا تكفي التسمية عليها عند أكلها. انتهى.
وَقَالَ الشيخ عبد الله بن حُميد رحمه الله تعالى: وأما اللحوم المستوردة، فما وردت منْ بلاد جرت عادتهم، أو أكثرهم يذبحون بالخنق، أو بالصعق الكهربائيّ، ونحو ذلك، فلا شكّ فِي حرمته. وأما إذا جُهل الأمر، هل يذبحون بالطريقة الشرعيّة، أم
стр. 16487
بغيرها؟ فلا شكّ فِي حرمتها، تغليبًا لجانب الحظر، كما قرّره أهل العلم، منهم النوويّ، وشيخ الإِسلام، وابن القيّم، وابن رَجَب، وابن حجر، وغيرهم. انتهى (١).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة القول فِي مسألة اللحوم المستورة منْ البلاد غير الإسلاميّة أن ما اتّضح كونه منْ ذبائح المسلمين، أو منْ ذبائح اليهود، أو النصارى، فهو حلالٌ، وما لم يتّضح فهو حرام؛ لأنه إما أن يكون منْ ذبائح منْ لا تحلّ ذبيحته، كالوثنيّ، ومنكر الأديان السماوية، أو نحوهم، فواضح التحريم، أو يكون مشكوكًا فيه، وحيث وقع الشكّ حرم؛ لما تقدّم ١/ ٤٢٦٥ - منْ قوله ﷺ لعديّ بن حاتم ﵁: "وإن خالط كلبك كلابًا، فقتلن، فلم يأكلن، فلا تأكل منه شيئاً، فإنك لا تدري أيها قتل"، فقد نهاه للشكّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
٤٠ - (تَأوِيلُ قَوْلِ اللهِ : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: ١٢١])
٤٤٣٩ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ أَبِي وَكِيعٍ -وَهُوَ هَارُونُ بْنُ عَنْتَرَةَ- عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قَالَ: خَاصَمَهُمُ الْمُشْرِكُونَ، فَقَالُوا: مَا ذَبَحَ اللَّهُ فَلَا تَأْكُلُوهُ، وَمَا ذَبَحْتُمْ أَنْتُمْ أَكَلْتُمُوهُ).
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلّاس الصيرفي البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ الإِمام الثبت الحجة [٩] ٤/ ٤.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ الإِمام الحجة الثبت [٧] ٣١/ ٣٥.
٤ - (هارون بن عنترة) الشيبانيّ، أبو عبد الرحمن، أو أبو عمرو بن أبي وكيع
стр. 16488
الكوفيّ، لا بأس به [٦] ١٨/ ٧٩٩.
٥ - (أبوه) عنترة -بفتح العين المهملة، وسكون النون، وفتح التاء المثنّاة، والراء- ابن عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة [٢]، ووهم منْ زعم أن له صحبة.
روى عن عمر، وعليّ، وأبي الدرداء، وابن عبّاس، وزاذان أبي عمر. وعنه ابنه هارون، وعبد الله بن عمرو بن مرّة الْجَمَليّ، وأبو سنان الشيبانيّ. ذكر ابن أبي حاتم، عن أبي زرعة: أنه كوفيّ ثقة. وذكره مسلم فِي الطبقة الأولى منْ الكوفيين. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط. والله تعالى أعلم.
٦ - (ابن عبّاس) البحر الحبر رضي الله تعالى عنهما ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير هارون، فتفرد به المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه فِي "التفسير"، وغير أبيه فمن أفراد المصنّف. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، ويحيى، فبصريان، والصحابي، فمدني بصري مكي طائفي. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثاً. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (فِي قَوْلِهِ : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، قَالَ: خَاصَمَهُمُ الْمُشْرِكُونَ) أي خاصم المؤمنين المشركون (فَقَالُوا) فِي معرض الاستدلال عَلَى بطلان دين المسلمين فِي زعمهم (مَا) شرطيّة، ولذا جُزم جوابها (ذَبَحَ اللهُ) أي أماته، والمراد به الحيوان الذي مات منْ غير ذبح (فَلَا تَأْكُلُوهُ) جواب "ما"، مجزوم بحذف النون؛ لأنه منْ الأفعال الخمسة (وَمَا ذَبَحْتُمْ أَنْتُمْ أَكَلْتُمُوهُ) يريدون بذلك إلقاء الشبهة عليهم بأن تحليل ما ذبحوه، وتحريم ما ذبحه الله بعيد عن عقولهم المريضة بالهوى والعناد، فردّ الله ذلك عليهم بقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ الآية.
وحاصل الجواب أن الذبيحة إنما حلّت لأنه قد ذُكر اسم الله تعالى عليها، والميتة لم يذكر عليها اسم الله تعالى، فحرمت لذلك، ومقتضى التفسير أن متروك التسمية لا يحلّ، ولو ناسيًا، وَقَدْ تقدّم أن هَذَا هو الأرجح دليلاً، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 16489
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤٠/ ٤٤٣٩ - وفي "الكبرى" ٤١/ ٤٥٢٦. وأخرجه (د) "الضحايا" ٢٨١٧ و٢٨١٨ و٢٨١٩. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قَالَ الإِمام ابن جرير رحمه الله تعالى: وَقَدْ اختلف أهل العلم فِي هذه الآية، هل نسخ منْ حكمها شيء، أم لا؟ فَقَالَ بعضهم: لم ينسخ منها شيء، وهي محكمة فيما عُنيت به، وعلى هَذَا قول مجاهد، وعامة أهل العلم، وروي عن الحسن البصريّ، وعكرمة، ما حدثنا به ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن عكرمة، والحسن البصريّ، قالا: قَالَ الله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾، وَقَالَ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، فنسخ، واستثنى منْ ذلك، فَقَالَ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾، وَقَالَ ابن أبي حاتم: قرىء عَلَى العبّاس بن الوليد بن مَزْيَد، حدثنا محمد بن شعيب، أخبرني النعمان -يعني ابن المنذر- عن مكحول، قَالَ: أنزل الله فِي القرآن: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، ثم نسخها، ورَحِمَ المسلمين، نقال: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، فنسخها بذلك، وأحل طعام أهل الكتاب. ثم قَالَ ابن جرير: والصواب أنه لا تعارض بين حل طعام أهل الكتاب. وبين تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه. قَالَ ابن كثير: وهذا الذي قاله صحيح، ومن أطلق منْ السلف النسخ هاهنا، فإنما أراد التخصيص، انتهى "تفسير ابن كثير" ٢/ ١٧٤ - ١٧٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
***
стр. 16490
٤١ - (النَّهْيُ عَنِ الْمُجَثَّمَةِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الْمُجَثَّمَةُ" بضمّ الميم، منْ اسم مفعول، منْ التجثيم، أو الإجثام: هي الحيوانات التي تُنصب، وتُرمَى لتُقتل، أي تُحبس، وتُجعل هدفًا، وتُرمى بالنبل. يقال: جثم الإنسان، والنعام، والطائر، ونحوها يجثِمُ، ويجثُم، منْ بابي ضرب، ونصر، جَثْمًا، وجُثُومًا، فهو جاثمٌ، وجَثُومُ: لزِم مكانه، فلم يبرح، أو وقع عَلَى صدره، أو تلبّد بالأرض. أفاده فِي "القاموس".
وَقَالَ فِي "الفتح" ١١/ ٧٤: و"المُجَثَّمَةُ": هي التي تُربط، وتُجعل غرضًا للرمي، فإذا ماتت منْ ذلك لم يحلّ أكلها، والجثوم للطير، ونحوها بمنزلة البروك للإبل، فلو جثَمَت بنفسها، فهي جاثمة، ومُجثِمة بكسر المثلّثة، وتلك إذا صيدت عَلَى تلك الحالة، فذُبحت جاز أكلها، وإن رُميت، فماتت لم يجز؛ لأنها تفسير مَوْقُوذَةً. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٤٤٠ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ بَحِيرٍ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَحِلُّ الْمُجَثَّمَةُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث صحيح، وَقَدْ تقدّم سندًا ومتنًا بأتمّ منْ هَذَا، فِي "كتاب الصيد والذبائح" "باب تحريم أكل السباع"، وتقدّم هناك شرحه، وتخريجه مستوفًى، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
و"بقيّة": هو ابن الوليد الحمصي، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء [٨]. و"بَحير" -بفتح الموحّدة، وكسر الحاء المهملة-: هو ابن سعد السُّحَولي (١) الحمصي، ثقة [٦]. و"خالد": هو ابن معدان الكلاعي الحمصي، ثقة عابد [٣]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٤١ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَنَسٍ، عَلَى الْحَكَمِ -يَعْنِي ابْنَ أَيُّوبَ- فَإِذَا أُنَاسٌ يَرْمُونَ دَجَاجَةً، فِي دَارِ الأَمِيرِ، فَقَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُصْبَرَ الْبَهَائِمُ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ) الجَحْدَريُّ البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧.