← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 16486–16525 · переход к 16491.

стр. 16486

لَكُمْ﴾، فأباح الأكل منْ ذبائحهم، مع وجود الشك فِي أنهم سَمُّوا أم لا. قاله فِي "الفتح" ١١/ ٦٤ - ٦٥. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم فِي أوائل "كتاب الصيد" أن القول بوجوب التسمية عَلَى الذبيحة هو الحقّ، فلا تغفل. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قَالَ الغزالي فِي "الإحياء" فِي مراتب الشبهات: المرتبة الأولى ما يتأكد الاستحباب فِي التورع عنه، وهو ما يَقْوَى فيه دليل المخالف، فمنه التورع عن أكل متروك التسمية، فإن الآية ظاهرة فِي الإيجاب، والأخبار متواترة بالأمر بها، ولكن لَمّا صح قوله ﷺ : "المؤمن يَذبح عَلَى اسم الله، سَمَّي، أو لم يسم"، احتمل أن يكون عاما، موجبا لصرف الآية، والأخبار عن ظاهر الأمر، واحتمل أن يُخصص بالناسي، ويبقى مَن عداه على الظاهر، وهذا الاحتمال الثاني أولي. والله أعلم. قَالَ الحافظ: الْحَدِيث الذي اعتمد عليه، وحكم بصحته بالغ النوويّ فِي إنكاره، فَقَالَ: هو مُجمَع عَلَى ضعفه، قَالَ: وَقَدْ أخرجه البيهقي، منْ حديث أبي هريرة، وَقَالَ منكر، لا يُحتَجّ به، وأخرج أبو داود فِي "المراسيل"، عن الصلت، أن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "ذبيحة المسلم حلال، ذَكَر اسم الله، أو لم يذكر". قَالَ الحافظ: الصلت، يقال له: السدوسي، ذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وهو مرسل جَيّد، وحديث أبي هريرة ﵁، فيه مروان بن سالم، وهو متروك، ولكن ثبت ذلك عن ابن عباس، واختُلف فِي رفعه ووقفه، فإذا انضم إلى المرسل المذكور قَوِي، أما كونه يبلغ درجة الصحة فلا. انتهى. "الفتح" ١١/ ٦٤ - ٦٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فِي حكم اللحوم المستوردة منْ بلدان غير الإِسلاميّة: قَالَ الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى: اللحوم التي تباع فِي أسواق دول غير إسلامية، إن عُلم أنها منْ ذبائح أهل الكتاب، فهي حلّ للمسلمين، إذا لم يُعلم أنها ذُبحت عَلَى غير الوجه الشرعيّ، إذا الأصل حلّها بالنصّ القرآنيّ، فلا يُعدل عن ذلك إلا بأمر محقّق، يقتضي تحريمها. وأما إن كانت اللحوم منْ ذبائح بقيّة الكفّار، فهي حرام عَلَى المسلمين، ولا يجوز لهم أكلها بالنصّ، والإجماع، ولا تكفي التسمية عليها عند أكلها. انتهى. وَقَالَ الشيخ عبد الله بن حُميد رحمه الله تعالى: وأما اللحوم المستوردة، فما وردت منْ بلاد جرت عادتهم، أو أكثرهم يذبحون بالخنق، أو بالصعق الكهربائيّ، ونحو ذلك، فلا شكّ فِي حرمته. وأما إذا جُهل الأمر، هل يذبحون بالطريقة الشرعيّة، أم

стр. 16487

بغيرها؟ فلا شكّ فِي حرمتها، تغليبًا لجانب الحظر، كما قرّره أهل العلم، منهم النوويّ، وشيخ الإِسلام، وابن القيّم، وابن رَجَب، وابن حجر، وغيرهم. انتهى (١). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة القول فِي مسألة اللحوم المستورة منْ البلاد غير الإسلاميّة أن ما اتّضح كونه منْ ذبائح المسلمين، أو منْ ذبائح اليهود، أو النصارى، فهو حلالٌ، وما لم يتّضح فهو حرام؛ لأنه إما أن يكون منْ ذبائح منْ لا تحلّ ذبيحته، كالوثنيّ، ومنكر الأديان السماوية، أو نحوهم، فواضح التحريم، أو يكون مشكوكًا فيه، وحيث وقع الشكّ حرم؛ لما تقدّم ١/ ٤٢٦٥ - منْ قوله ﷺ لعديّ بن حاتم ﵁: "وإن خالط كلبك كلابًا، فقتلن، فلم يأكلن، فلا تأكل منه شيئاً، فإنك لا تدري أيها قتل"، فقد نهاه للشكّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٤٠ - (تَأوِيلُ قَوْلِ اللهِ : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: ١٢١]) ٤٤٣٩ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ أَبِي وَكِيعٍ -وَهُوَ هَارُونُ بْنُ عَنْتَرَةَ- عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قَالَ: خَاصَمَهُمُ الْمُشْرِكُونَ، فَقَالُوا: مَا ذَبَحَ اللَّهُ فَلَا تَأْكُلُوهُ، وَمَا ذَبَحْتُمْ أَنْتُمْ أَكَلْتُمُوهُ). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلّاس الصيرفي البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ الإِمام الثبت الحجة [٩] ٤/ ٤. ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ الإِمام الحجة الثبت [٧] ٣١/ ٣٥. ٤ - (هارون بن عنترة) الشيبانيّ، أبو عبد الرحمن، أو أبو عمرو بن أبي وكيع

стр. 16488

الكوفيّ، لا بأس به [٦] ١٨/ ٧٩٩. ٥ - (أبوه) عنترة -بفتح العين المهملة، وسكون النون، وفتح التاء المثنّاة، والراء- ابن عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة [٢]، ووهم منْ زعم أن له صحبة. روى عن عمر، وعليّ، وأبي الدرداء، وابن عبّاس، وزاذان أبي عمر. وعنه ابنه هارون، وعبد الله بن عمرو بن مرّة الْجَمَليّ، وأبو سنان الشيبانيّ. ذكر ابن أبي حاتم، عن أبي زرعة: أنه كوفيّ ثقة. وذكره مسلم فِي الطبقة الأولى منْ الكوفيين. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط. والله تعالى أعلم. ٦ - (ابن عبّاس) البحر الحبر رضي الله تعالى عنهما ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير هارون، فتفرد به المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه فِي "التفسير"، وغير أبيه فمن أفراد المصنّف. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، ويحيى، فبصريان، والصحابي، فمدني بصري مكي طائفي. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثاً. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (فِي قَوْلِهِ : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، قَالَ: خَاصَمَهُمُ الْمُشْرِكُونَ) أي خاصم المؤمنين المشركون (فَقَالُوا) فِي معرض الاستدلال عَلَى بطلان دين المسلمين فِي زعمهم (مَا) شرطيّة، ولذا جُزم جوابها (ذَبَحَ اللهُ) أي أماته، والمراد به الحيوان الذي مات منْ غير ذبح (فَلَا تَأْكُلُوهُ) جواب "ما"، مجزوم بحذف النون؛ لأنه منْ الأفعال الخمسة (وَمَا ذَبَحْتُمْ أَنْتُمْ أَكَلْتُمُوهُ) يريدون بذلك إلقاء الشبهة عليهم بأن تحليل ما ذبحوه، وتحريم ما ذبحه الله بعيد عن عقولهم المريضة بالهوى والعناد، فردّ الله ذلك عليهم بقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ الآية. وحاصل الجواب أن الذبيحة إنما حلّت لأنه قد ذُكر اسم الله تعالى عليها، والميتة لم يذكر عليها اسم الله تعالى، فحرمت لذلك، ومقتضى التفسير أن متروك التسمية لا يحلّ، ولو ناسيًا، وَقَدْ تقدّم أن هَذَا هو الأرجح دليلاً، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 16489

مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيح. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤٠/ ٤٤٣٩ - وفي "الكبرى" ٤١/ ٤٥٢٦. وأخرجه (د) "الضحايا" ٢٨١٧ و٢٨١٨ و٢٨١٩. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قَالَ الإِمام ابن جرير رحمه الله تعالى: وَقَدْ اختلف أهل العلم فِي هذه الآية، هل نسخ منْ حكمها شيء، أم لا؟ فَقَالَ بعضهم: لم ينسخ منها شيء، وهي محكمة فيما عُنيت به، وعلى هَذَا قول مجاهد، وعامة أهل العلم، وروي عن الحسن البصريّ، وعكرمة، ما حدثنا به ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن عكرمة، والحسن البصريّ، قالا: قَالَ الله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾، وَقَالَ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، فنسخ، واستثنى منْ ذلك، فَقَالَ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾، وَقَالَ ابن أبي حاتم: قرىء عَلَى العبّاس بن الوليد بن مَزْيَد، حدثنا محمد بن شعيب، أخبرني النعمان -يعني ابن المنذر- عن مكحول، قَالَ: أنزل الله فِي القرآن: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، ثم نسخها، ورَحِمَ المسلمين، نقال: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، فنسخها بذلك، وأحل طعام أهل الكتاب. ثم قَالَ ابن جرير: والصواب أنه لا تعارض بين حل طعام أهل الكتاب. وبين تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه. قَالَ ابن كثير: وهذا الذي قاله صحيح، ومن أطلق منْ السلف النسخ هاهنا، فإنما أراد التخصيص، انتهى "تفسير ابن كثير" ٢/ ١٧٤ - ١٧٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". ***

стр. 16490

٤١ - (النَّهْيُ عَنِ الْمُجَثَّمَةِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الْمُجَثَّمَةُ" بضمّ الميم، منْ اسم مفعول، منْ التجثيم، أو الإجثام: هي الحيوانات التي تُنصب، وتُرمَى لتُقتل، أي تُحبس، وتُجعل هدفًا، وتُرمى بالنبل. يقال: جثم الإنسان، والنعام، والطائر، ونحوها يجثِمُ، ويجثُم، منْ بابي ضرب، ونصر، جَثْمًا، وجُثُومًا، فهو جاثمٌ، وجَثُومُ: لزِم مكانه، فلم يبرح، أو وقع عَلَى صدره، أو تلبّد بالأرض. أفاده فِي "القاموس". وَقَالَ فِي "الفتح" ١١/ ٧٤: و"المُجَثَّمَةُ": هي التي تُربط، وتُجعل غرضًا للرمي، فإذا ماتت منْ ذلك لم يحلّ أكلها، والجثوم للطير، ونحوها بمنزلة البروك للإبل، فلو جثَمَت بنفسها، فهي جاثمة، ومُجثِمة بكسر المثلّثة، وتلك إذا صيدت عَلَى تلك الحالة، فذُبحت جاز أكلها، وإن رُميت، فماتت لم يجز؛ لأنها تفسير مَوْقُوذَةً. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٤٤٠ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ بَحِيرٍ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَحِلُّ الْمُجَثَّمَةُ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث صحيح، وَقَدْ تقدّم سندًا ومتنًا بأتمّ منْ هَذَا، فِي "كتاب الصيد والذبائح" "باب تحريم أكل السباع"، وتقدّم هناك شرحه، وتخريجه مستوفًى، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. و"بقيّة": هو ابن الوليد الحمصي، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء [٨]. و"بَحير" -بفتح الموحّدة، وكسر الحاء المهملة-: هو ابن سعد السُّحَولي (١) الحمصي، ثقة [٦]. و"خالد": هو ابن معدان الكلاعي الحمصي، ثقة عابد [٣]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٤١ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَنَسٍ، عَلَى الْحَكَمِ -يَعْنِي ابْنَ أَيُّوبَ- فَإِذَا أُنَاسٌ يَرْمُونَ دَجَاجَةً، فِي دَارِ الأَمِيرِ، فَقَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُصْبَرَ الْبَهَائِمُ"). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ) الجَحْدَريُّ البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧.

стр. 16491

٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيمِيُّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإِمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧. ٤ - (هشام بن زيد) بن أنس بن مالك الأنصاريّ البصريّ، ثقة [٥] ٢٥/ ٤٣١٤. ٥ - (أنس) بن مالك الصحابيّ الشهير رضي الله تعالى عنه ٦/ ٦. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن جده، وفيه أنس رضي الله تعالى عنه منْ المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ هِشَام بْنِ زَيْدٍ) بن أنس بن مالك الأنصاريّ البصريّ، حفيد أنس ﵁، أنه (قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَنَس) بن مالك ﵁ (عَلَى الْحَكَم -يَعْنِى ابْنَ أَيُّوبَ-) يعني ابن أبي عقيل الثقفيّ، ابن عمّ الحجّاج بن يوسف، ونائبه على البصرة، وزوج أخته زينب بنت يوسف، وهو الذي يقول فيه جرير يمدحه: حَتَّى أنَخْنَا عَلَى بَابِ الْحَكَمِ … خَلِيفَةِ الْحَجَّاجِ غَيْرِ الْمُتَّهَمِ وقع ذكره فِي عدّة أحاديث، وكان يُضاهي فِي الجور ابنَ عمّه، وليزيد الضبّيّ معه قصّة طويلة، تدلّ عَلَى ذلك، أوردها أبو يعلى الموصليّ فِي "مسند أنس" له. ووقع فِي رواية الإسماعليّ بلفظ: "خرجت مع أنس بن مالك، منْ دار الحكم بن أيّوب، أمير البصرة". (فَإِذَا أُنَاسٌ) بضم الهمزة، قيل: فُعال، بضمّ الفاء، مشتقّ منْ الأُنس، لكن يجوز حذف الهمزة، تخفيفًا، عَلَى غير قياس، فيبقى ناساً، وعن الكسائيّ أن الأُناس والناس لغتان، بمعنى واحدٍ، وليس أحدهما مشتقًا منْ الآخر، وهو الوجه؛ لأنهما مادّتان مختلفتان فِي الاشتقاق. قاله الفيّوميّ. وفي رواية البخاريّ: "فرأى غلمانًا، أو فتيانًا، بالشكّ منْ الراوي، قَالَ الحافظ: ولم أقف عَلَى أسمائهم، وظاهر السياق أنهم منْ أتباع الحكم بن أيوب المذكور. انتهى (يَرْمُونَ دَجَاجَةً) وفي رواية البخاريّ: "نصبوا دجاجة، يرمونها". و"الدجاجة" مثلّثة الدال، والفتح أفصح (فِي دَارِ الأَمِيرِ) أي وهو الحكم المذكور، فإنه أمير البصرة، كما مرّ آنفًا (فَقَالَ) أي أنس ﵁ (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تُصْبَرَ الْبَهَائِمُ) بضمّ أوله، مبنيًّا للمفعول، وفي رواية الإسماعيليّ بلفظ: "سمعت أنس بن مالك يقول: نهى رسول الله

стр. 16492

- ﷺ عن صبر الرُّوح". وأصل الصبر الحبس. قَالَ النوويّ ﵀: قَالَ العلماء: صَبْرُ البهائم أن تُحبَسَ، وهي حيّةٌ لتُقتل بالرمي، ونحوه. وأخرج العقيليّ فِي "الضعفاء" منْ طريق الحسن، عن سمرة، قَالَ: "نهى رسول النبيّ ﷺ أن تُصبر البهيمة، وأن يؤكل لحمها إذا صُبِرت"، قَالَ العقيليّ: جاء فِي النهي عن صبر البهيمة أحاديث جياد، وأما النهي عن أكلها، فلا يُعرف إلا فِي هَذَا. انتهى. قَالَ الحافظ: إن ثبت، فهو محمول عَلَى أنها ماتت بذلك بغير تذكية، كما تقدّم فِي المقتول بالبندقة. انتهى. "فتح" ١١/ ٧٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أنس رضي الله تعالى عنه هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤١/ ٤٤٤١ - وفي "الكبرى" ٤٢/ ٤٥٢٨. وأخرجه (خ) "الذبائح" ٥٥١٣ (م) "الصيد" ٣٦١٦ (د) "الضحايا" ٢٨١٦ (ق) "الذبائح" ٣١٨٦ (أحمد) "باقي مسند المكثرين" ١١٧٥١ و١٢٣٣٥ و١٢٤٥١ و١٢٥٧٠. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان النهي عن صبر البهائم، وهو معنى النهي عن المجثّمة. (ومنها): تحريم تعذيب الحيوان: الآدميّ، أوغيره. (ومنها): قوّة أنس ﵁ عَلَى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مع معرفته بشدّة الأمير المذكور، لكن كَانَ الخليفة عبد الملك بن مروان، نهى الحجّاج عن التعرّض له، بعد أن كَانَ صدر منْ الحجّاج فِي حقّه خشونة، فشكاه لعبد الملك، فأغلظ للحجّاج، وأمره بإكرامه. قاله فِي "الفتح" ١١/ ٧٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٤٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زُنْبُورٍ الْمَكِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ يَزِيدَ -وَهُوَ ابْنُ الْهَادِ- عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أُنَاسٍ، وَهُمْ يَرْمُونَ كَبْشًا بِالنَّبْلِ، فَكَرِهَ ذَلِكَ، وَقَالَ: "لَا تَمْثُلُوا بِالْبَهَائِمِ"). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن زنبور) بن أبي الأزهر، أبو صالح المكيّ، واسم زنبور جعفر، صدوقٌ له أوهام [١٠] ٧٣/ ٩٠ منْ أفراد المصنّف.

стр. 16493

٢ - (ابن أبي حازم) عبد العزيز بن أبي حازم سلمة بن دينار المدنيّ، صدوقٌ فقيه [٨] ٤٠/ ٤٤. ٣ - (يزيد بن الهاد) يزيد بن عبد الله بن أُسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة مكثر [٥] ٧٣/ ٩٠. ٤ - (معاوية بن عبد الله بن جعفر) بن أبي طالب الهاشميّ، وَثَّقَهُ العجليّ، وابن حبّان [٤] ٦٦/ ٩٨٨. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي طالب الهاشميّ، أحد الأجواد، ولد بأرض الحبشة، وله صحبة، مات سنة ثمانين، وهو ابن ثمانين، وتقدّمت ترجمته فِي ٢٥/ ١٢٤٨. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمكي. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، ورواية الراوي عن جدّه. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ) بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أنه (قالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى أُنَاسٍ) تقدّم الكلام عليه فِي الْحَدِيث الماضي (وَهُمْ يَرْمُونَ كَبْشًا) بفتح، فسكون: الحَمَلُ إذا أثنى، أو إذا خرجت رباعيته، جمعه أكبُش، وكِبَاش، وأكباش. قاله المجد (بِالنَّبْلِ) أي بالسهام (فَكَرِهَ ذَلِكَ، وَقالَ: "لَا تَمْثُلُوا بِالْبَهَائِم) أي لا تنصبوها، فترموها، أو تقطعوا أطرافها، وهي حيّة، يقال: مَثَلتُ بالقتيل مَثْلاً، منْ بابي قتل، وضرب: إذا جَدَعْته، وظهرت آثار فعلك عليه تنكيلاً، والتشديد للمبالغة، والاسم الْمُثلة، وزانُ غُرْفة. قاله الفيّوميّ. وَقَالَ فِي "النهاية" ٤/ ٢٩٤: يقال: مثلت بالحيوان أمثل به مَثْلاً: إذا قطعت أطرافه، وشوّهت به، ومثلتُ بالقتيل: إذا جدعت أنفه، أو أذنه، أو مذاكيره، أو شيئاً منْ أطرافه، والاسم المثلة، فأما مثّل بالتشديد، فهو للمبالغة. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. والحديث صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٤١/ ٤٤٤٢ - وفي "الكبرى" ٤٢/ ٤٥٢٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٤٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِى بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ

стр. 16494

جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، مَنِ اتَّخَذَ شَيْئًا، فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة بن سعيد) الثقفيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (هُشيم) بن بَشِير بن القاسم بن دينار السلمي، أبو معاوية بن أبي خازم -بمعجمتين- الواسطيّ، ثقة ثبت، كثير التدليس والإرسال الخفي [٧] ٨٨/ ١٠٩. ٣ - (أبو بشر) بن أبي وحشية جعفر بن إياس الواسطي، بصري الأصل، ثقة، منْ أثبت النَّاس فِي سعيد بن جبير [٥] ١٣/ ٥٢٠. ٤ - (سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٨/ ٤٣٦. ٥ - (ابن عمر) عبد الله الْعَدوي رضي الله تعالى عنهما ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) وفي رواية البخاريّ منْ طريق إسحاق بن سعيد بن عمرو، عن أبيه، أنه سمعه يحدث، عن ابن عمر ﵄، أنه دخل عَلَى يحيى بن سعيد، وغلام منْ بني يحيى، رابط دجاجة يرميها، فمشى إليها ابن عمر، حَتَّى حَلّها، ثم أقبل بها وبالغلام معه، فَقَالَ: ازجروا غلامكم، عن أن يصبر هَذَا الطير للقتل، فإني سمعت النبيّ ﷺ ، نهى أن تُصبَر بهيمة أو غيرها للقتل. وفي رواية منْ طريق أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قَالَ: كنت عند ابن عمر، فمروا بفتة، أو بنفر، نصبوا دجاجة، يرمونها، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا عنها، وَقَالَ ابن عمر: منْ فعل هَذَا؟، إن النبيّ ﷺ ، لعن منْ فعل هَذَا. وفي رواية الإسماعيليّ: "فإذا فتية نصبوا دجاجة، يرمونها، وله كلّ خاطئة". يعني أن الذي يصيبها يأخذ السهِم الذي تُرمى به إذا لم يصبها. (مَنِ اتَّخَذَ شَيْئًا، فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا) بغين معجمة، وراء مفتوحتين، آخره ضاد معجمة: أي هَدَفًا منصوبًا للرمي. أي لا تتخذوا الحيوان الحيّ غرضًا، ترمون إليه كالغرَض منْ الجلود وغيرها، وهذا النهي للتحريم، ولهذا قَالَ فِي الرواية الأخرى:

стр. 16495

"لعن الله منْ فعل هَذَا"، ولأنه تعذيب للحيوان، واتلاف لنفسه، وتضييع لماليّته، وتفويتٌ لذكاته، إن كَانَ مذكّى، ولمنفعته إن لم يكن مذكّى. قاله النوويّ. "شرح مسلم" ١٣/ ١٠٩. وَقَالَ فِي "الفتح": فيه دليل عَلَى تحريم التمثيل بالحيوان؛ لأن اللعن منْ دلائل التحريم. وأخرج أحمد منْ طريق أبي صالح الحنفيّ، عن رجل منْ الصحابة، أراه عن ابن عمر، رفعه: "منْ مثل بذي رُوح، ثم لم يتب، مثل الله به يوم القيامة"، رجاله ثقات. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤١/ ٤٤٤٣ و٤٤٤٤ - وفي "الكبرى" ٤٢/ ٤٥٣٠ و٤٥٣١. وأخرجه (خ) "الذبائح" ٥٥١٤ و٥٥١٥ (م) "الصيد" ٣٦١٨ (أحمد) "مسند بني هاشم" ٣١٢٣ و"مسند المكثرين" ٤٦٠٨ و٥٢٢٥ و٥٦٤٩ و٥٧٦٧ و٦٢٢٢ (الدارمي) "الأضاحي" ١٩٧٣. وفوائد الْحَدِيث سبقت قريباً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٤٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْمِنْهَالُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَعَنَ اللَّهُ مَنْ مَثَّلَ بِالْحَيَوَانِ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، تقدّموا قريباً. و"عمرو بن علي": هو الفلّاس. و"يحيى": هو القطّان. و"المنهال بن عمرو": هو الأسديّ مولاهم الكوفيّ، صدوق، ربّما وهِم [٥] ١٣/ ٨٩٢. وقوله: "منْ مثل بالحيوان" بتخفيف الثاء المثلثة، منْ باب بي نصر، وضرب، ويجوز تشديدها للمبالغة، والأول أظهر؛ لأن المراد أصل المثل، لا المبالغة فيه: أي صيّره مُثْلة، بضمّ الميم، وسكون المثلثة. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٤٥ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ

стр. 16496

ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو مروزيّ ثقة. و"عبد الله": هو ابن المبارك. و"عديّ بن ثابت": هو الأنصاريّ الكوفيّ، صدوق، رُمي بالتشيّع [٤] ٤٩/ ٦٠٥. وشرح الْحَدِيث تقدّم فِي حديث ابن عمر الماضي. وهو حديث صحيح، أخرجه المصنّف هنا ٤١/ ٤٤٤٤٥ و٤٤٤٦ - وفي "الكبرى" ٤٢/ ٤٥٣٢ و٤٥٣٣. وأخرجه (م) "الصيد" ٣٦١٧ (ت) "الصيد" ١٤٧٥ (ق) "الذبائح" ٣١٨٧ (أحمد) "مسند بني هاشم" ١٨٦٦ و٢٤٧٠ و٢٤٧٦ و٢٥٢٨ و٢٥٨١ و٢٧٠٠ و٣٢٠٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٤٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن عُبيد": هو المحاربيّ النحّاس الكوفيّ، صدوق [١٠] ١٤٤/ ٢٢٦. و"عليّ بن هاشم": هو ابن الْبَرِيد الكوفيّ، صدوقٌ يتشيّع، منْ صغار [٨] ٤٣/ ٢٢٤٢. و"العلاء بن صالح" التيميّ، أو الأسديّ الكوفيّ، صدوقٌ، له أوهام [٧]. قَالَ ابن معين، وأبو داود: ثقة. وَقَالَ ابن معين أيضاً، وأبو زرعة، وأبو حاتم: لا بأس به. ووثّقه يعقوب بن سفيان، وابن نُمير، والعجليّ. وَقَالَ ابن خزيمة: شيخ. وَقَالَ يعقوب بن شيبة: مشهور. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ ابن المدينيّ: روى أحاديث مناكير. وَقَالَ البخاريّ: لا يُتابع. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط، وعند الترمذي حديث وائل فِي الصلاة. وقوله: "لا تتخذوا شيئاً الخ" ولفظ "الكبرى": "نهى رسول الله ﷺ أن يُتّخذ شيء فيه الروح غرضًا". والحديث صحيح، كما سبق بيانه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ***

стр. 16497

٤٢ - (مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا بِغَيْرِ حَقِّهَا) ٤٤٤٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ صُهَيْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، يَرْفَعُهُ، قَالَ: "مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا، فَمَا فَوْقَهَا، بِغَيْرِ حَقِّهَا، سَأَلَ اللَّهُ عَزَّ جَلَّ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ: "حَقُّهَا أَنْ تَذْبَحَهَا فَتَأْكُلَهَا، وَلَا تَقْطَعْ رَأْسَهَا، فَيُرْمَى بِهَا"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدّم هَذَا الْحَدِيث فِي ٣٤/ ٤٣٥١ وهو حديث ضعيف؛ لجهالة صُهيب مولى ابن عامر، كما تقدّم الكلام عليه هناك. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"عمرو": هو ابن دينار. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٤٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ الْمِصِّيصِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ، عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ وَاصِلٍ، عَنْ خَلَفٍ -يَعْنِي ابْنَ مِهْرَانَ- قَالَ: حَدَّثَنَا عَامِرٌ الأَحْوَلُ، عَنْ صَالِحِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّرِيدَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا عَبَثًا، عَجَّ إِلَى اللَّهِ ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ يَا رَبِّ، إِنَّ فُلَانًا قَتَلَنِي عَبَثًا، وَلَمْ يَقْتُلْنِي لِمَنْفَعَةٍ"). رجال هَذَا الإسناد: ثمانية: ١ - (محمد بن داود) أبو جعفر المصّيصيّ، ثقة فاضل [١١] ١١٢/ ٢٨٧٩. ٢ - (أحمد بن حنبل) هو أحمد بن محمد بن حنبل الإِمام الحجة الفقيه المجتهد البغداديّ، إمام أهل السنة والجماعة [١٠] ٤٩/ ٩٥٨. ٣ - (أبو عُبيدة، عبد الواحد بن واصل) الحدَّاد السدوسيّ مولاهم البصريّ، نزيل بغداد، ثقة تكلّم فيه الأزديّ بغير حجة [٩] ٥٥/ ٩٧٢. ٤ - (خلف بن مِهْران) العدويّ، أبو الربيع البصريّ، إمام مسجد سعيد بن أبي عروبة، وهو مسجد بني عديّ بن يشكُر، صدوقٌ يَهِم [٥]. روى عن عامر بن عبد الواحد الأحول، وعمرو بن عثمان بن يعلي بن أُميّة، وعبد الرحمن بن عبد الله بن الأصمّ. وعنه حرميّ بن عُمارة، وأبو عُبيدة الحدَّاد، وَقَالَ: كَانَ ثقة صدوقًا، خيِّرًا فاضلاً. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". قَالَ الحافظ: وجعل البخاريّ خلَف بن مهران، إمام مسجد بني عديّ، غير خلف أبي الربيع، إمام مسجد سعيد بن أبي عروبة، وكذا أبو حاتم، وذكر أن إمام مسجد

стр. 16498

سعيد يروي عن أنس بن مالك. قَالَ البخاريّ: روى عنه عَمرو بن حمزة القيسيّ، لا يتابع فِي حديثه، وذكر أن إمام مسجد بني عديّ هو الذي أثنى عليه أبو عبيدة الحدَّاد، قَالَ الحافظ: وهو الذي ذكره ابن حبّان فِي "ثقاته"، ولكن قَالَ البغويّ: حدّثنا عبد الله بن عون، حدّثنا أبو عبيدة الحدَّاد، حدّثنا خلف بن مهران، أبو الربيع العدويّ، وكان ثقة. فهذا يدلّ عَلَى أنه واحد. وَقَالَ ابن خُزيمة لَمّا أخرج حديث خلف، إمام مسجد سعيد، عن أنس: لا أعرف خلفًا بعدالة، ولا جرح. انتهى. تفرّد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط. ٥ - (عامر الأحول) بن عبد الواحد البصريّ، صدوقٌ يُخطىء [٦] ٤/ ٦٣٠. ٦ - (صالح بن دينار) الجعفيّ، ويقال: الهلاليّ، مقبول [٧]. روى عن عمرو بن الشريد، وعنه عامر الأحول، ذكره ابن حبّان فِي "الثقات". تفرّد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط. ٧ - (عَمْرُو بْنُ الشَّرِيدِ) الثقفيّ، أبو الوليد الطائفيّ، ثقة [٣] ١٩/ ٤١٨٤. ٨ - (الشَّرِيدُ بن سُويد) الثقفيّ الصحابيّ رضي الله تعالى عنه، شهد بيعة الرضوان، قيل: كَانَ اسمه مالكاً، تقدمت ترجمته فِي ٨/ ٣٦٨٠. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ) الثقفيّ، أنه (قالَ: سَمِعْتُ الشَّرِيدَ) بفتح الشين المعجمة، وكسر الراء، بوزن الطويل ابن سُوَيد الثقفيّ ﵁. (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا عَبَثًا) بفتحتين، يقال: عَبِثَ عَبَثًا، منْ باب تَعِبَ: إذا لعِبَ، وعمل ما لا فائدة فيه (عَجَّ) بتشديد الجيم: أي رفع صوته (إِلَى اللهِ أي لأجل الشكوى منْ الذي قتله لاعبًا (يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ: يَا رَبِّ، إِنَّ فُلَانًا قَتَلَنِي عَبَثًا، وَلَمْ يَقْتُلْنِي لِمَنْفَعَةٍ") فيه أنه لا ينبغي قتل الحيوان بغير حاجة. والله تعالى أعلم بالصواب. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الْحَدِيث ضعيف؛ لجهالة صالح بن دينار، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٤٢/ ٤٤٤٨ وفي "الكبرى" ٤٣/ ٤٥٣٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". ***

стр. 16499

٤٣ - (النَّهْيُ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْجَلَّالَةِ) ٤٤٤٩ - (أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: مَرَّةً عَنْ أَبِيهِ، وَقَالَ مَرَّةً: عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ، عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، وَعَنِ الْجَلاَّلَةِ، وَعَنْ رُكُوبِهَا، وَعَنْ أَكْلِ لَحْمِهَا). رجال هَذَا الإسناد: ثمانية: ١ - (عثمان بن عبد الله) أبو عمرو البصريّ، نزيل أنطاكية، ثقة، منْ صغار [١١] ١١٢/ ١٥٥ منْ أفراد المصنّف. ٢ - (سَهْل بن بكّار) الدارميّ البصريّ، أبو بشر المكفوف، ثقة، ربّما وَهِمَ [١٠] ٥١/ ٢٢٨١. [تنبيه]: وقع فِي نسخ "المجتبى" سُهيل بن بكّار مصغّرًا، وهو غلط، والصواب "سهل بن بكّار" مكبّرًا، وهو الذي فِي "الكبرى" ٣/ ٧٣ رقم ٤٥٣٦ - و"تحفة الأشراف" ٦/ ٣٢٠ فتنبّه. والله تعالى أعلم. ٣ - (وُهيب بن خالد) الباهليّ البصريّ الثقة الثبت، لكنه تغيّر قليلاً بآخره [٧] ٢١/ ٤٢٧. ٤ - (ابن طاوس) عبد الله، أبو محمد اليماني، ثقة فاضل عابد [٦] ١١/ ٥١٤. ٥ - (عمرو بن شعيب) بن محمد المدنيّ، ويقال: الطائفي، صدوق [٥] ١٠٥/ ١٤٠. ٦ - (أبوه) شعيب بن محمد الطائفي، صدوق [٣] ١٠٥/ ١٤٠. ٧ - (أبوه) محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص السهميّ الطائفيّ، مقبول [٣] ١/ ٤٢٢٧. ٨ - (جده) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما ٨٩/ ١١١. والله تعالى أعلم. (منها): أنه منْ ثمانيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم موثقون. (ومنها): أن فيه ثلاثة منْ التابعين يروي بعضهم عن بعض، ورواية الراوي عن أبيه، عن أبيه عن أبيه: عمرو بن شعيب بن محمد. والله تعالى أعلم.

стр. 16500

شرح الْحَدِيث (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ) شعيب (عَنْ أَبِيهِ، مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بن العاص (قَالَ مَرَّةً: عَنْ أَبِيهِ) الظاهر أن الضمير لابن طاوس، يعني أن عبد اللهَ بن طاوس حدّث بهذا الْحَدِيث مرَّتين، فمرّة قَالَ -بعد ذكر محمد بن عبد الله-: "عن أبيه"، والضميرِ لمحمد، وأبوه هو عبد الله بن عمرو (وَقَالَ مَرَّةً) أخرى (عَنْ جدِّهِ) بدل "عن أبيه"، فالضمير عَلَى هَذَا لشعيب، وجده هو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما. والحاصل أن عبد الله بن طاوس حدث به مرتين، فمرةً قَالَ: "عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن أبيه محمد بن عبد الله، عن أبيه، ومرةً قَالَ: "عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن أبيه محمد بن عبد الله، عن جدّه. والله تعالى أعلم. (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ) أي يوم فتح خيبر (عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأهْلِيَّةِ) تقدّم بيانه مستوفًى فِي "كتاب الصيد" ٣١/ ٤٣٣٦ - فلا تغفل (وَعَنِ الْجَلَّالَةِ) بفتح الجيم، وتشديد اللام: هي تأكل العذِرَة منْ الدواب. قَالَ فِي "الفتح" ١١/ ٨٠ - ٨١: والجلالة عبارة عن الدابة التي تأكل الْجِلة -بكسر الجيم، والتشديد- وهي البعر، وادعى ابن حزم اخصاص الجلالة بذوات الأربع، والمعروف التعميم. وَقَدْ أخرج ابن أبي شيبة، بسند صحيح، عن ابن عمر، أنه كَانَ يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثاً (وَعَنْ رُكُوبِهَا) هكذا رواية المصنّف بالواو العاطفة، ورواية أبي داود: "عن ركوبها" بدون عاطف، وهو الظاهر؛ لأن قوله: "عن ركوبها" بدل منْ قوله: "عن الجلّالة" بدل تفصيل منْ مجمل، والبدل لا يعطف عَلَى المبدل منه. وإنما نهى عن ركوبها؛ لأن عرقها يتنجّس بالعذرة، فيتنجّس به الراكب (وَعَنْ أَكْلِ لَحْمِهَا) لأنه يكون أكلاً للنجاسة، حيث إنها اعتلفت بالعذرة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيح. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤٣/ ٤٤٤٩ - وفي "الكبرى" ٤٤/ ٤٥٣٦. وأخرجه (د) فِي "الأطعمة" ٢٨١١ (أحمد) "مسند المكثرين" ٦٩٩٩.

стр. 16501

(المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان النهي عن أكل لحوم الحيوانات، إذا كانت جلّالة. (ومنها): النهي عن ركوبها. (ومنها): النهي عن أكل لحوم الحمر الأهليّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي أكل لحم الجلّالة: قَالَ الإِمام ابن قُدامة رحمه الله تعالى: قَالَ أحمد: أكره لحوم الجلالة، وألبانها. قَالَ القاضي فِي "المجرد": هي التي تأكل القذر، فإذا كَانَ أكثر علفها النجاسة، حرم لحمها ولبنها، وفي بيضها روايتان، وان كَانَ أكثر علفها الطاهر، لم يحرم أكلها، ولا لبنها، وتحديد الجلالة بكون أكثر علفها النجاسة، لم نسمعه عن أحمد، ولا هو ظاهر كلامه، لكن يمكن تحديده بما يكون كثيرا فِي مأكولها، ويعفى عن اليسير. وَقَالَ الليث: إنما كانوا يكرهون الجلالة التي لا طعام لها، إلا الرجيع، وما أشبهه. وَقَالَ ابن أبي موسى فِي الجلالة: روايتان: إحداهما: أنها محرمة. والثانية أنها مكروهة، غير محرمة، وهذا قول الشافعيّ، وكره أبو حنيفة لحومها، والعمل عليها، حَتَّى تُحبس. ورخص الحسن فِي لحومها وألبانها؛ لأن الحيوان لا ينجس بأكل النجاسات، بدليل أن شارب الخمر، لا يحكم بتنجيس أعضائه، والكافر الذي يأكل الخنزير والمحرمات، لا يكون ظاهره نجاسا، ولو نجس لَمَا طَهُر بالإِسلام، ولا الاغتسال، ولو نجست الجلالة لَمَا طهرت بالحبس. واحتجّ الأولون بما روى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قَالَ: "نهى رسول الله ﷺ عن أكل الجلالة، وألبانها"، رواه أبو داود، ورَوَى عبد الله بن عمرو بن العاص، قَالَ: "نهى رسول الله ﷺ عن الإبل الجلالة، أن يؤكل لحمها، ولا يحمل عليها إلا الأُدْمُ، ولا يَركبها النَّاس حَتَّى تُعلف أربعين ليلة"، رواه الخلال بإسناده (١)، ولأن لحمها يتولد منْ النجاسة، فيكون نجسا كرماد النجاسة، وأما شارب الخمر، فليس ذلك أكثر غذائه، وإنما يتغذى الطاهرات، وكذلك الكافر فِي الغالب. وَقَالَ فِي "الفتح": قَالَ مالك، والليث: لا بأس بأكل الجلالة، منْ الدجاج وغيره، وإنما جاء النهي عنها للتقذر. وَقَدْ ورد النهي عن أكل الجلالة، منْ طرق أصحها ما أخرجه الترمذي، وصححه، وأبو داود، والنسائي -يعني الْحَدِيث الآتي فِي الباب التالي، منْ طريق قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أن النبيّ ﷺ ، نهى عن المجثمة،

стр. 16502

وعن لبن الجلالة، وعن الشرب منْ فِي السقاء". وهو عَلَى شرط البخاريّ، فِي رجاله، إلا أن أيوب، رواه عن عكرمة، فَقَالَ عن أبي هريرة. وأخرجه البيهقي، والبزار، منْ وجه آخر، عن أبي هريرة: "نهى رسول الله ﷺ عن الجلالة، وعن شرب ألبانها، وأكلها، وركوبها"، ولابن أبي شيبة، بسند حسن، عن جابر: "نهى رسول الله ﷺ عن الجلالة، أن يؤكل لحمها، أو يشرب لبنها"، ولأبي داود، والنسائي -يعني حديث الباب- منْ حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: "نهى رسول الله ﷺ ، يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وعن الجلالة، عن ركوبها، وأكل لحمها"، وسنده حسن. وَقَدْ أطلق الشافعية كراهة أكل الجلالة، إذا تغير لحمها بأكل النجاسة، وفي وجه إذا أكثرت منْ ذلك، ورجح أكثرهم أنها كراهة تنزيه، وهو قضية صنيع أبي موسى ﵁ (١). ومن حجتهم أن العلف الطاهر، إذا صار فِي كَرِشها تنجس، فلا تتغذى إلا بالنجاسة، ومع ذلك فلا يُحكَم عَلَى اللحم واللبن بالنجاسة، فكذلك هَذَا. وتعقب بأن العلف الطاهر، إذا تنجس بالمجاورة، جاز إطعامه للدابة؛ لأنها إذا أكلته، لا تتغذى بالنجاسة، وإنما تتغذى بالعلف، بخلاف الجلالة. وذهب جماعة منْ الشافعية، وهو قول الحنابلة إلى أن النهي للتحريم، وبه جزم ابن دقيق العيد عن الفقهاء، وهو الذي صححه أبو إسحاق المروزي، والقفال، وإمام الحرمين، والبغوي، والغزالي، وألحقوا بلبنها ولحمها بيضها، وفي معنى الجلالة ما يتغذى بالنجس، كالشاة تَرْضَع منْ كلبة، والمعتبر فِي جواز أكل الجلالة، زوال رائحة النجاسة، بعد أن تُعلَف بالشيء الطاهر، عَلَى الصحيح، وجاء عن السلف فيه توقيت، فعند ابن أبي شيبة عن ابن عمر، أنه كَانَ يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثاً، كما تقدم، وأخرج البيهقي بسند فيه نظر (٢)، عن عبد الله بن عمرو، مرفوعاً: "أنها لا تؤكل حَتَّى تعلف أربعين يوما". انتهى ما فِي "الفتح". قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد اتّضح مما تقدّم أن القول بتحريم أكل لحوم الجلّالة، وشرب ألبانها هو الحقّ؛ لظواهر هذه الأحاديث الصحيحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: قَالَ ابن قُدامة رحمه الله تعالى: وتزول الكراهة بحبسها اتفاقا، واختُلف فِي قدره، فروي عن أحمد أنها تحبس ثلاثاً، سواء كانت طائرا، أو بهيمة، وكان ابن عمر

стр. 16503

إذا أراد أكلها، حبسها ثلاثًا، وهذا قول أبي ثور. والأخرى تحبس الدجاجة ثلاثاً، والبعير والبقرة ونحوهما يحبس أربعين، وهذا قول عطاء فِي الناقة والبقرة؛ لحديث عبد الله بن عمرو؛ لأنهما أعظم جسما، وبقاء علفهما فيهما، أكثر منْ بقائه فِي الدجاجة، والحيوان الصغير. والله أعلم. انتهى. "المغني" ١٣/ ٣٢٩ ببعض اختصار. [تنبيه آخر]: قَالَ ابن قُدامة أيضًا: تحرم الزروع والثمار التي سقيت بالنجاسات، أو سُمِّدت بها. وَقَالَ ابن عقيل: يحتمل أن يكره ذلك، ولا يحرم، ولا يحكم بتنجيسها؛ لأن النجاسة تستحيل فِي باطنها، فتظهر بالاستحالة، كالدم يستحيل فِي أعضاء الحيوان لحما، ويصير لبنا، وهذا قول أكثر الفقهاء، منهم: أبو حنيفة، والشافعي، وكان سعد بن أبي وقاص، يَدْمُلُ أرضع بالْعُرّة، ويقول: مكتل عُرّة مكتل بُرّ، والعرّة: عذرة النَّاس. ولنا ما روي عن ابن عباس، قَالَ: "كنا نكرى أراضي رسول الله ﷺ ، ونشترط عليهم أن لا يَدمُلوها بعذرة النَّاس" (١)، ولأنها تتغذى بالنجاسات، تَتَرَقَّى فيها أجزاؤها، والاستحالة لا تُطَهِّر، فعلى هَذَا تَطهُرُ إذا سُقِيت الطاهرات، كالجلالة، إذا حُبست، وأطعمت الطاهرات. انتهى "المغني" ١٣/ ٣٣٠ وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٤٤ - (النَّهْيُ عَنْ لَبَنِ الْجَلَّالَةِ) ٤٤٥٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُجَثَّمَةِ، وَلَبَنِ الْجَلاَّلَةِ، وَالشُّرْبِ مِنْ فِي السِّقَاءِ"). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (إسماعيل بن مسعود) الجحدري البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧. ٢ - (خالد) ابن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧. ٣ - (هشام) بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ البصريّ، ثقة ثبت، منْ كبار [٧] ٣٠/ ٣٤.

стр. 16504

٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصريّ، ثقة ثبت يدلس [٤] ٣٠/ ٣٤. ٥ - (عكرمة) مولى ابن عباس، أبو عبد الله، ثقة ثبت عالم بالتفسير [٣] ٢/ ٣٢٥. ٦ - (ابن عباس) عبد الله البحر الحبر رضي الله تعالى عنهما ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما حبر الأمة، وبحرها، وترجمان القرآن، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْمُجَثَّمَةِ) تقدّم ضبطها، ومعناها قريباً (وَلَبَنِ الْجَلَّالَةِ) أي لأنه يتولّد منْ لحمها، وَقَدْ تنجّس لحمها بسبب كون غذائها نجسًا (وَالشُّرْب مِنْ فِي السِّقَاءِ) "فِي" لغة فِي الفم، وهي منْ الأسماء الستة التي تُرفع بالواو، وتنصبَ بالألف، وتجرّ بالياء، كما قَالَ ابن مالك فِي "خلاصته": وَارْفَعْ بَوَاوٍ وَانْصِبَنَّ بِالأَلِفْ … وَاجْرُرْ بِيَاءٍ مَا مِنَ الأَسْمَا أَصِفْ منْ ذَاكَ "ذُو" إِنْ صُحْبَة أَبَانَا … و"الْفَمُ" حَيْثُ الْمِيمُ مِنْهُ بَانَا "أَبٌ" "أَخٌ" "حَمٌ" كَذَاكَ و"هَنُ" … وَالنَّقْصُ فِي هَذَا الأَخِيرِ أَحْسَنُ وَفِي "أَبٍ" وَتَالِيَيْهِ يَنْدُرُ … وَقَصْرُهَا مِنْ نَقْصِهِنَّ أَشْهَرُ و"السقاء" بكسر السين المهملة، وتخفيف القاف"، ككساء: جلد السَّخْلَة إذا أجذع، يكون للماء واللبن، جمعه أسقية، وأسقياتٌ، وأساق. قاله فِي "القاموس". وأخرج الْحَدِيث البخاريّ منْ طريق خالد الحذّاء، عن عكرمة، مختصرًا عَلَى الشرب منْ فِي السقاء، ولفظه: "عن ابن عباس ﵄، قَالَ: نهى النبيّ ﷺ عن الشرب منْ فِي السقاء". قَالَ فِي "الفتح" ١١/ ٢٢٤: زاد أحمد، عن إسماعيل بهذا الإسناد والمتن، قَالَ أيوب: "فأُنبئت أن رجلاً شرب منْ فِي السقاء، فخرجت حية"، وكذا أخرجه الإسماعيلي منْ رواية عباد بن موسى، عن إسماعيل، ووَهِمَ الحاكم، فأخرج الْحَدِيث فِي "المستدرك" بزيادته، والزيادة المذكورة، ليست عَلَى شرط

стр. 16505

"الصحيح"؛ لأن راويها لم يُسَمَّ، وليست موصولة، لكن أخرجها ابن ماجه منْ رواية سلمة بن وَهْرَام، عن عكرمة، بنحو المرفوع، وفي آخره: "وأن رجلاً قام منْ الليل بعد النهي، إلى سقاء، فاختنثه، فخرجت عليه منه حية"، وهذا صريح فِي أن ذلك وقع بعد النهي، بخلاف ما تقدم منْ رواية بن أبي ذئب، فِي أن ذلك كَانَ سبب النهي، ويمكن الجمع، بأن يكون ذلك، وقع قبل النهي، فكان منْ أسباب النهي، ثم وقع أيضاً بعد النهي، تأكيدا. انتهى ما فِي "الفتح" ١١/ ٢٢٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيح. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤٤/ ٤٤٥٠ - وفي "الكبرى" ٤٥/ ٤٥٣٧. وأخرج (خ) جزء الشرب منْ فِي السقاء فقط فِي "الأشربة" ٥٦٢٩ وأخرجه (د) فِي "الأشربة" ٣٧١٩ (ت) فِي "الأطعمة" ١٨٢٥ (ق) فِي "الأشربة" ٣٤٢١ (أحمد) فِي "مسند بني هاشم" ١٩٩٠ و٢١٦٢ و٢٦٦٦ و٢٩٤٤ و٣١٣٢ (الدارمي) فِي "الأضاحي" ١٩٧٥ و"الأشربة" ٢١١٧. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): إنه قد سبق الكلام فِي المجثّمة، والجلّالة قريباً، وبقي الكلام فِي الشرب منْ فِي السقاء، وبيان ما قاله أهل العلم فِي ذلك، ودونك ملخّص كلامهم: قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: اتفقوا عَلَى أن النهي هنا للتنزيه، لا للتحريم، قَالَ الحافظ: كذا قَالَ، وفي نقل الاتفاق نظر؛ لما سأذكره، فقد نقل ابن التين وغيره، عن مالك أنه أجاز الشرب منْ أفواه القرب، وَقَالَ: لم يبلغني فيه نهي، وبالغ ابن بطال فِي ردّ هَذَا القول، واعتذر عنه ابن الْمُنَيِّر باحتمال أنه كَانَ لا يحمل النهي فيه عَلَى التحريم، كذا قَالَ، مع القتل عن مالك، أنه لم يبلغه فيه نهي، فالاعتذار عنه بهذا القول أولى، والحجة قائمة عَلَى منْ بلغه النهي، قَالَ النوويّ: ويؤيد كون هَذَا النهي للتنزيه أحاديث الرخصة فِي ذلك. قَالَ الحافظ: لم أر فِي شيء منْ الأحاديث المرفوعة، ما يدل عَلَى الجواز، إلا منْ فعله ﷺ ، وأحاديث النهي كلها منْ قوله، فهي أرجح إذا نظرنا إلى علة النهي عن ذلك، فإن جميع ما ذكره العلماء فِي ذلك، يقتضي أنه مأمون منه ﷺ ، أما أولاً فلعصمته، ولطيب نكهته، وأما ثانيا فلرفقه فِي صب الماء، وبيان ذلك بسياق ما ورد فِي علة

стр. 16506

النهي، فمنها ما تقدم، منْ أنه لا يؤمن دخول شيء منْ الهوام، مع الماء فِي جوف السقاء، فيدخل فمَ الشارب، وهو لا يشعر، وهذا يقتضي أنه لو ملأ السقاء، وهو يشاهد الماء، يدخل فيه، ثم ربطه ربطا محكما، ثم لما أراد أن يشرب حلّه، فشربه منه، لا يتناوله النهي. ومنها ما أخرجه الحاكم، منْ حديث عائشة، بسند قوي، بلفظ: "نهى أن يُشرب منْ فِي السقاء؛ لأن ذلك ينتنه"، وهذا يقتضي أن يكون النهي خاصا بمن يشرب، فيتنفس داخل الإناء، أو باشر بفمه باطن السقاء، أما منْ صب منْ القربة داخل فمه، منْ غير مماسة فلا. ومنها أن الذي يشرب منْ فم السقاء، قد يغلبه الماء، فينصب منه أكثر منْ حاجته، فلا يأمن أن يُشرَق به، أو تَبْتَلّ ثيابه، قَالَ ابن العربي: وواحدة منْ الثلاثة، تكفي فِي ثبوت الكراهة، وبمجموعها تقوى الكراهة جدًا. وَقَالَ الشيخ محمد بن أبي جمرة: ما مُلَخَّصه: اختُلف فِي علة النهي، فقيل يُخشى أن يكون فِي الوعاء حيوان، أو ينصب بقوة، فيُشرق به، أو يقطع العروق الضعيفة، التي بإزاء القلب، فربما كَانَ سبب الهلاك، أو بما يتعلق بفم السقاء، منْ بُخَار النَّفَس، أو بما يخالط الماء منْ ريق الشارب، فيتقذره غيره، أو لأن الوعاء يفسد بذلك فِي العادة، فيكون منْ إضاعة المال، قَالَ: والذي يقتضيه الفقه، أنه لا يبعد أن يكون النهي لمجموع هذه الأمور، وفيها ما يقتضي الكراهة، وفيها ما يقتضي التحريم، والقاعدة فِي مثل ذلك، ترجيح القول بالتحريم، وَقَدْ جزم ابن حزم بالتحريم؛ لثبوت النهي، وحمل أحاديث الرخصة عَلَى أصل الإباحة، وأطلق أبو بكر الأثرم، صاحب أحمد، أن أحاديث النهي ناسخة للإباحة؛ لأنهم كانوا أوّلاً يفعلون ذلك، حَتَّى وقع دخول الحية فِي بطن الذي شرب منْ فم السقاء، فنسخ الجواز. قَالَ الحافظ: ومن الأحاديث الواردة فِي الجواز: ما أخرجه الترمذي، وصححه منْ حديث عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن جدته كبشة، قالت: دخلت عدى رسول الله ﷺ ، فشرب منْ فِي قربة معلقة، وفي الباب عن عبد الله بن أنيس، عند أبي داود، والترمذي، وعن أم سدمة فِي "الشمائل"، وفي "مسند أحمد"، والطبراني، و"المعاني" للطحاوي. قَالَ الحافظ العراقيّ فِي "شرح الترمذي": لو فُرِّق بين ما يكون لعذر، كأن تكون القربة معلقة، ولم يجد المحتاجُ إلى الشرب إناء متيسرا، ولم يتمكن منْ التناول بكفه، فلا كراهة حينئذ، وعلى ذلك تحمل الأحاديث المذكورة، وبين ما يكون لغير عذر، فتحمل عليه أحاديث النهي. قَالَ الحافظ: ويؤيده أن أحاديث الجواز كلها، فيها أن القربة كانت معلقة، والشرب منْ القربة المعلقة، أخص منْ الشرب منْ مطلق القربة، ولا دلالة فِي أخبار الجواز عَلَى

стр. 16507

الرخصة مطلقا، بل عَلَى تلك الصورة وحدها، وحملها عَلَى حال الضرورة، جمعا بين الخبرين أولى، منْ حملها عَلَى النسخ. والله أعلم. وَقَدْ سبق ابنُ العربي إلى نحو ما أشار إليه العراقيّ، فَقَالَ: يحتمل أن يكون شربه ﷺ فِي حال ضرورة، إما عند الحرب، واما عند عدم الإناء، أو مع وجوده، لكن لم يتمكن؛ لشغله منْ التفريغ منْ السقاء فِي الإناء، ثم قَالَ: ويحتمل أن يكون شَرِبَ منْ إداوة، والنهي محمول عَلَى ما إذا كانت القربة كبيرة؛ لأنها مظنة وجود الهوامّ، كذا قَالَ، والقربة الصغيرة، لا يمتنع وجود شيء منْ الهوام فيها، والضرر يحصل به، ولو كَانَ حقيرا، والله أعلم. انتهى ما فِي "الفتح" ١١/ ٢٢٤ - ٢٢٥. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما تقدّم أن أرجح الأقوال القول بتحريم الشرب منْ فِي السقاء؛ لقوّة دليله، وأما أحاديث الرخصة، فلا تعارضها؛ لأنها محمولة عَلَى حالة الضرورة، والحاجة، لا عَلَى إطلاقها، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٤٣ - (كتاب البيوع) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "البيوع": جمع بيع، وإنما جُمع، وإن كَانَ المصدر لا يُجمع، ولا يُثنّى، نظرًا إلى أنواعه، و"البيع" فِي الأصل مصدر باعه يبيعه بيعًا، ومَبِيعًا، فهو بائعٌ، وبَيْعٌ، وأباعه بالألف لغة، قاله ابن القطّاع، والبيع منْ الأضداد، مثل الشراء، يقال كلّ منهما لكلّ منهما، فمن استعمال البيع بمعنى الشراء، قول الشاعر [منْ الكامل]: إِنَّ الشَّبَابَ لَرَابِحٌ مَنْ بَاعَهُ … وَالشَّيْبُ لَيْسَ لِبَائِعِهِ تِجَارُ يعني منْ اشتراه. ومن استعمال الشراء بمعنى البيع قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ الآية. أي باعوه. ويُطلق عَلَى كل منْ المتعاقدين أنه بائعٌ، ولكن إذا أطلق البائع، فالمتبادر إلى الذهن باذل السلعة، وُيطلق البيع أيضاً عَلَى المبيع، فيقال: بيعٌ جيّدٌ، وبعت زيدًا الدارَ، يتعدّى إلى مفعولين، وكثر الاقتصار عَلَى الثاني؛ لأنه المقصود بالإسناد، ولهذا تتمّ به الفائدة، نحو بعت الدار، ويجوز الاقتصار عَلَى الأول، عند عدم اللبس، نحو بعت الأميرَ؛ لأن الأمير لا يكون مملوكًا يُباع، وَقَدْ تدخل "منْ"

стр. 16508

عَلَى المفعول الأول عَلَى وجه التأكيد، فيقال: بعت منْ زيد الدارَ، كما يقال: كتمته الحديثَ، وكتمتُ منه الْحَدِيث، وربّما دخلت اللام مكان "منْ"، فيقال: بعتك الشيء، وبعته لك، فاللام زائدة زيادتَها فِي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ الآية، والأصل بوّأنا إبراهيم، وابتاع زيد الدار بمعنى اشتراها، وابتاعها لغيره: اشتراها له، وباع عليه القاضي، أي منْ غير رضاه. والمبتاعُ مَبِيعٌ عَلَى النقص، ومبيُوعٌ عَلَى التمام، مثلُ مَخِيط، ومخيوط. والأصل فِي البيع مبادلة مال بمال؛ لقولهم: بيْعٌ رابحٌ، وبيعٌ خاسرٌ، وذلك حقيقة فِي وصف الأعيان، لكنه أُطلق عَلَى العقد مجازًا؛ لأنه سبب التمليك، والتملّك. وقولهم: صحّ البيع، أو بطل، ونحوُهُ: أي صيغة البيع، لكن لَمّا حُذف المضاف، وأُقيم المضاف إليه مُقامه، وهو مذكرٌ أُسند الفعل إليه بلفظ التذكير. والْبَيْعة: الصَّفْقة عَلَى إيجاب البيع، وجمعها بيعات بالسكون، وتُحرّك فِي لغة هُذيل، كما بيضة وبيْضَات. وتُطلق أيضًا عَلَى المبايعة والطاعة، ومنه "أيمان البيعة"، وهي التي رتّبها الحجّاج، مشتملةً عَلَى أمور مغلّظة، منْ طلاق، وعتق، وصوم، ونحو ذلك. قاله الفيّوميّ رحمه الله تعالى "المصباح المنير" ١/ ٦٩. وَقَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: البيع فِي اللغة مصدر باع كذا بكذا: أي دفع معوضًا، وأخذ عِوَضًا منه، وهو يقتضي بائعًا، وهو المالك، أو منْ يتنزّل منزلته، ومُبتاعًا، وهو الذي يبذل الثمن، ومَبِيعًا، وهو الْمُثْمَن، وهو الذي يُبذل فِي مقابلة الثمن، وعلى هَذَا فأركان البيع أربعة: البائع، والمبتاع، والثمن، والْمُثْمَن، وكلّ واحد منْ هذه يتعلّق النظر فيها بشروط، ومسائل، ستراها إن شاء الله تعالى. والمعاوضة عند العرب تختلف بحسب اختلاف ما يُضاف إليه، فإن كَانَ أحد العوضين فِي مقابلة الرقبة سُمّي بيعًا، وإن كَانَ فِي مقابلة منفعة رقبة، فإن كانت منفعة بُضع سُمّي نكاحًا، وإن كانت منفعةً غيرها سُمّي إجارةً. انتهى "المفهم" ٤/ ٣٦٠. وَقَالَ فِي "الفتح": ٥/ ٣: والبيوع جمع بيع، وجُمع لاختلاف أنواعه، والبيع: نقل ملك إلى الغير بثمن، والشراء قبوله، ويطلق كل منهما عَلَى الآخر. وأجمع المسلمون عَلَى جواز البيع، والحكمة تقتضيه؛ لأن حاجة الإنسان تتعلق بما فِي يد صاحبه غالبا، وصاحبه قد لا يبذله له، ففي تشريع البيع، وسيلة إلى بلوغ الغرض، منْ غير حرج. قَالَ: والأصل فِي جواز البيع قوله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ الآية [البقرة: ٢٧٥]. وللعلماء فِي هذه الآية أقوال: أصحها أنه عام مخصوص، فإن اللفظ لفظ عموم، يتناول كل بيع، فيقتضى إباحة الجميع، لكن قد مَنَع الشارع بيوعا أخرى، وحرمها، فهو عام فِي الإباحة، مخصوص بما لا يدل الدليل عَلَى منعه. وقيل: عام

стр. 16509

أريد به الخصوص. وقيل: مجملٌ، بَيّنَتْه السنة، وكل هذه الأقوال تقتضي أن المفرد المحلى بالألف واللام يعم، والقول الرابع: أن اللام فِي ﴿الْبَيْعَ﴾ للعهد، وإنها نزلت بعد أن أباح الشرع بيوعا، وحرم بيوعا، فأريد بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾: أي الذي أحله الشرع منْ قبل، ومباحث الشافعيّ وغيره، تدل عَلَى أن البيوع الفاسدة، تسمى بيعا، وإن كانت لا يقع بها الحنث؛ لبناء الأيمان عَلَى العرف، قَالَ: وقوله : ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢] تدل عَلَى إباحة التجارة فِي البيوع الحالّة، ويدل أول الآية -يعني آية المداينة فِي البيوع المؤجلة. انتهى "فتح" بتصرّف. وَقَالَ الإِمام ابن قُدامة رحمه الله تعالى: البيع مبادلة المال بالمال، تمليكا وتملكا، واشتقاقه منْ الباع؛ لأن كل واحد منْ المتعاقدين يَمُدّ باعه للأخذ والإعطاء، ويحتمل أن كل واحد منهما كَانَ يبايع صاحبه: أي يصافحه عند البيع، ولذلك سُمّي البيع صفقة. وَقَالَ بعض أصحابنا: هو الإيجاب والقبول، إذ تضمن عينين للتمليك، وهو حدّ قاصر؛ لخروج بيع المعاطاة منه، ودخول عقودٍ سوى البيع فيه. والبيع جائز بالكتاب، والسنة، والإجماع، أما الكتاب، فقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٥]، وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ الآية [النِّساء: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٨]. وروى البخاريّ، عن ابن عباس، قَالَ: كانت عكاظ، ومَجَنَّةُ، وذو المجاز أسواقًا فِي الجاهلية، فلما كَانَ الإِسلام تأثموا فيه، فأُنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾، يعني فِي مواسم الحج. وعن الزبير نحوه. وأما السنة فقول النبيّ ﷺ : "البَيِّعَان بالخيار، ما لم يتفرقا"، متّفقٌ عليه. وروى رِفاعة ﵁، أنه خرج مع النبيّ ﷺ إلى المصلى، فرأى النَّاس يتبايعون، فَقَالَ: "يا معشر التجار"، فاستجابوا لرسول الله ﷺ ، ورفعوا أعناقهم، وأبصارهم إليه، فَقَالَ: "إن التجار يبعثون يوم القيامة فُجّارا، إلا منْ بَرّ، وصَدَقَ"، قَالَ الترمذي: هَذَا حديث حسن صحيح (١). وروى أبو سعيد، عن النبيّ ﷺ ، أنه قَالَ: "التاجر الصدوق الأمين، مع النبيين، والصديقين، والشهداء"، قَالَ الترمذي: هَذَا حديث حسن (٢)، فِي أحاديث

стр. 16510

كثيرة سوى هذه. وأجمع المسلمون عَلَى جواز البيع فِي الجملة، والحكمة تقتضيه؛ لأن حاجة الإنسان تتعلق بما فِي يد صاحبه، وصاحبه لا يبذله بغير عوض، ففي شرع البيع، وتجويزه شرع طريق إلى إلى وصول كل واحد منهما إلى غرضه، ودفع حاجته. انتهى كلام ابن قُدامة. وَقَالَ العلّامة العينيّ رحمه الله تعالى: ثم للبيع تفسيرٌ لغة، وشرعًا، وركنٌ، وشرطٌ، ومحلٌّ، وحكمٌ، وحكمة، أما تفسيره لغة، فمطلق المبادلة، وهو ضدّ الشراء، والبيع الشراء أيضاً، باعه الشيء، وباعه منه جميعاً فيهما، وابتاع الشيء: اشتراه، وأباعه: عرّضه للبيع، وأما تفسيره شرعًا، فهو مبادلة المال بالمال عَلَى سبيل التراضي، وأما ركنه، فالإيجاب والقبول. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: كون الإيجاب والقبول ركنا للبيع فيه نظر، والصحيح أنهما ليسا ركنًا له، كما سيأتي قريباً، إن شاء الله تعالى. قَالَ: وأما شرطه، فأهليّة المتعاقدين، وأما محلّه فهو المال؛ لأنه يُنبىء عنه شرعًا. وأما حُكمه، فهو ثبوت الملك للمشتري فِي المبيع، وللبائع فِي الثمن، إذا كَانَ تامًا، وعند الإجازة إذا كَانَ موقوفاً. وأما حِكمته، فهي كثيرةٌ: (منها): اتّساع أمور المعاش والبقاء. (ومنها): إطفاء نار المنازعات، والنهب، والسرقة، والطرّ، والخيانات، والحيل المكروهة. (ومنها): بقاء نظام المعاش، وبقاء العالم؛ لأن المحتاج يميل إلى ما فِي يد غيره، فبغير المعاملة، يفضي إلى القاتل، والتنازع، وفناء العالم، واختلال نظام المعاش، وغير ذلك. وثبوته بالكتاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. والسنّة، وهي أن النبيّ ﷺ بُعث والناس يتعاملون، فأقرّهم عليه، والإجماع منعقد عَلَى شرعيّته. انتهى "عمدة القاري" باختصار ٩/ ٢٣٧ - ٢٣٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تبيه]: قَالَ ابن قُدامة رحمه الله تعالى: البيع عَلَى ضربين: (أحدهما): الإيجاب والقبول، فالإيجاب أن يقول: بعتك، أو ملّكتك، أو لفظ يدل عليهما، والقبول أن يقول، اشتريت، أو قبلت، ونحوهما، فإن تقدم القبول عَلَى الإيجاب، بلفظ الماضي، فَقَالَ: ابتعت منك، فَقَالَ: بعتك صح؛ لأن لفظ الإيجاب والقبول وجد منهما، عَلَى وجه تحصل منه الدلالة، عَلَى تراضيهما به، فصح كما لو تقدم الإيجاب، وإن تقدم بلفظ الطلب، فَقَالَ: بعني ثوبك، فَقَالَ: بعتك، ففيه روايتان: إحداهما: يصح كذلك، وهو قول مالك، والشافعي، والثانية: لا يصح، وهو

стр. 16511

قول أبي حنيفة؛ لأنه لو تأخر عن الإيجاب، لم يصح به البيع، فلم يصح إذا تقدم، كلفظ الاستفهام، ولأنه عَقْدٌ عَرِيَ عن القبول، فلم ينعقد، كما لو لم يطلب، وحَكَى أبو الخطاب، فيما إذا تقدم بلفظ الماضي روايتين أيضاً، فأما إن تقدم بلفظ الاستفهام، مثل أن يقول: أتبيعني ثوبك بكذا، فيقول: بعتك لم يصح بحال، نص عليه أحمد، وبه يقول أبو حنيفة، والشافعي، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم؛ لأن ذلك ليس بقبول، ولا استدعاء. (الضرب الثاني): المعاطاة، مثل أن يقول: أعطني بهذا الدينار خبزا، فيعطيه ما يرضيه، أو يقول: خذ هَذَا الثوب بدينار، فيأخذه، فهذا بيع صحيح، نصّ عليه أحمد، فيمن قَالَ لخباز: كيف تبيع الخبز؟ قَالَ: كذا بدرهم، قَالَ: زنه، وتصدق به، فإذا وزنه، فهو عليه، وقول مالك نحوٌ منْ هَذَا، فإنه قَالَ: يقع البيع بما يعتقده النَّاس بيعا، وَقَالَ بعض الحنفية: يصح فِي خسائس الأشياء، وحكي عن القاضي مثل هَذَا، قَالَ: يصح فِي الأشياء اليسيرة، دون الكبيرة، ومذهب الشافعيّ ﵀، أن البيع لا يصح إلا بالإيجاب والقبول، وذهب بعض أصحابه إلى مثل قولنا، ولنا إن الله أحل البيع، ولم يبين كيفيته، فوجب الرجوع فيه إلى العرف، كما رجع إليه فِي القبض والإحراز والتفرق، والمسلمون فِي أسواقهم، وبياعاتهم عَلَى ذلك، ولأن البيع كَانَ موجودا بينهم، معلوما عندهم، وإنما عَلّق الشرع عليه أحكاما، وأبقاه عَلَى ما كَانَ، فلا يجوز تغييره بالرأي والتحكم، ولم يُنقَل عن النبيّ ﷺ ، ولا عن أصحابه، مع كثرة وقوع البيع بينهم، استعمال الإيجاب والقبول، ولو استعملوا ذلك فِي بياعاتهم، لنقل نقلا شائعا، ولو كَانَ ذلك شرطا، لوجب نقله، ولم يتصور منهم إهماله، والغفلة عن نقله، ولأن البيع مما تعم به البلوى، فلو اشترط له الإيجاب والقبول، لبينه ﷺ ، بيانا عاما، ولم يُخْفِ حكمه؛ لأنه يفضي إلى وقوع النقود الفاسدة كثيرا، وأكلهم المال بالباطل، ولم ينقل ذلك عن النبيّ ﷺ ، ولا عن أحد منْ أصحابه فيما علمناه، ولأن النَّاس يتبايعون فِي أسواقهم بالمعاطاة، فِي كل عصر، ولم ينقل إنكاره قبل مخالفينا، فكان ذلك إجماعا، وكذلك الحكم فِي الإيجاب والقبول فِي الهبة، والهدية، والصدقة، ولم يُنقل عن النبيّ ﷺ ، ولا عن أحد منْ أصحابه، استعمال ذلك فيه، وَقَدْ أُهدي إلى رسول الله ﷺ منْ الحبشة وغيرها، وكان النَّاس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، متّفقٌ عليه. ورَوَى البخاريّ عن أبي هريرة، قَالَ: كَانَ رسول الله ﷺ ، إذا أُتى بطعام، سأل عنه أهدية أم صدقة؟، فإن قيل: صدقة، قَالَ لأصحابه: كلوا، ولم يأكل، وإن قيل: هدية ضرب بيده، وأكل معهم. وفي حديث سلمان ﵁، حين جاء إلى النبيّ ﷺ بتمر، فَقَالَ:

стр. 16512

هَذَا شيء منْ الصدقة، رأيتك أنت وأصحابك أحق النَّاس به، فَقَالَ النبيّ ﷺ لأصحابه: "كلوا، ولم يأكل"، ثم أتاه ثانية بتمر، فَقَالَ: رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذا شيء أهديته لك، فَقَالَ النبيّ ﷺ : "بسم الله"، وأكل، ولم يُنقل قبول، ولا أمر بإيجاب، وإنما سأل ليَعلَم هل هو صدقة، أو هدية؟، وفي أكثر الأخبار لم ينقل إيجاب، ولا قبول، وليس إلا المعاطاة، والتفرقُ عن تراض يدل عَلَى صحته، ولو كَانَ الإيجاب والقبول شرطا فِي هذه العقود، لشق ذلك، ولكانت أكثر عقود المسلمين فاسدة، وأكثر أموالهم محرمة، ولأن الإيجاب والقبول، إنما يرادان للدلالة عَلَى التراضىِ، فإذا وُجد ما يدل عليه، منْ المساومة، والتعاطي، قام مقامهما، وأجزأ عنهما؛ لعدم التعبد فيه. انتهى كلام ابن قُدامة رحمه الله تعالى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي حققه العلّامة ابن قُدامة، منْ عدم اشتراط الإيجاب والقبول فِي العقود، كالبيع، والهبة، والصدقة، ونحوها؛ لعدم ثبوته عن الشارع الحكيم هو الحقّ، فتبصّر، ولا تتحيّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. … ١ - (بَابُ الْحَثِّ عَلَى الْكَسْبِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الحثّ" -بفتح الحاء المهملة-: مصدر حَثَثته، يقال: حَثَثتُ الإنسان عَلَى الشيء حَثًا، منْ باب نصر: إذا حَرَّضتَه، وذهب حثيثًا: أي مُسرعًا، وحَثَثتُ الفرسَ عَلَى الْعَدْوِ: صِحْتُ به، أو وَكَزْته برِجْل، أو ضربٍ، واستحثثته كذلك. قاله الفيّوميّ. و"الكسب" -بفتح، فسكون-: مصدر كَسَب، يقال: كسبتُ مالاً كسبًا، منْ باب ضرب: إذا ربِحته، واكتسبته كذلك، وكسب لأهله، واكتسب: طلب المعيشة، وكسب الإثمَ، واكتسبه: تحمّله، ويتعدّى بنفسه إلى مفعول ثان، فيقال: كسبتُ زيدًا مالاً، وعلمًا: أي أنلته. قَالَ ثعلب: وكلُّهم يقول: كَسَبَك فلانٌ خيرًا، إلا ابن الأعرابيّ، فإنه يقول: أكسبك بالألف، واستكسبتُ العبدَ: جعلته يكتسب، وأصل السين للطلب، ويكون بمعنى فَعَلْتُ، مثلُ استخرجته، بمعنى أخرجته. قاله الفيّوميّ. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٤٥١ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، أَبُو قُدَامَةَ السَّرَخْسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَمَّتِهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَ الرَّجُلِ

стр. 16513

مِنْ كَسْبِهِ"). رجال هَذَا الإسناد: ثمانية: ١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو قُدَامَةَ السَّرَخْسِيُّ) نزيل نيسابور، ثقة ثبت سنّيّ [١٠] ١٥/ ١٥. ٢ - (يحيى بن سعيد) بن فرُّوخ القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤/ ٤. ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة ثبت حجة فقيه [٧] ٣٣/ ٣٧. ٤ - (منصور) بن المعتمر، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقة ثبت [٦] ٢/ ٢. ٥ - (إبراهيم) بن يزيد النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه، يرسل كثيرًا [٥] ٢٩/ ٣٣. ٦ - (عمارة بن عمير) التيميّ الكوفيّ، ثقة ثبت [٤] ٤٩/ ٦٠٨. ٧ - (عمة عمارة) مجهولة. ٨ - (عائشة) رضي الله تعالى عنها ٥/ ٥. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ ثمانيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير عمة عمارة، فمجهولة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فسرخسي، ثم نيسابوري، ويحيى بن سعيد، فبصريّ، وعائشة رضي الله تعالى عنها، فمدنية. (ومنها): أن فيه ثلاثة منْ التابعين يروىِ بعضهم عن بعض: إبراهيم، عن عمارة، عن عمته، وعلى قول منْ جعل منصورًا منْ صغار التابعين يكونون أربعة. (ومنها): أن فيه عائشة رضي الله تعالى عنها منْ المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ) التيميّ (عَنْ عَمَّتِهِ) لم تُعرف، وفي رواية أبي داود منْ طريق الحكم، عن عُمارة بن عمير، عن أمه (عَنْ عَائِشَةَ) وفي رواية أبي داود: أنها سألت عائشة ﵂: فِي حجري يتيمٌ، أفآكل منْ ماله؟، فقالت: قَالَ رسول الله ﷺ : "إن أطيب ما أكل الرجل" الْحَدِيث (قَالَت: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ أَطْيَبْ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ) أي أحلّه، وأهنأه، قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: الطيّب الحلال، والتفضيل فيه بناء عَلَى بعده منْ الشبهات، ومظانّها، والكسب السعيُ، وتحصيل الرزق، وغيره،

стр. 16514

والمراد المكسوب الحاصل بالطلب، والجدّ فِي تحصيله بالوجه المشروع. انتهى (مِنْ كَسْبِهِ) أي مما كسبه بنفسه، منْ غير واسطة. وَقَالَ السنديّ: أي منْ المكسوب الحاصل بالجَدّ والطلب، ومباشرة أسبابه. انتهى (وَإِنَّ وَلَدَ الرَّجُلِ مِنْ كَسْبهِ") أي لأنه بعضه، وحكم بعضه حكم نفسه، وسُمّي الولد كسبًا مجازًا. قاله المناوَيّ. وفي رواية عند أحمد: "إن ولد الرجل منْ أطيب كسبه، فكلوا منْ أموالهم هنيئا". وفي حديث جابر ﵁: "أنت ومالك لأبيك". قَالَ ابن رسلان: اللام للإباحة، لا للتمليك؛ لأن مال الولد له، وزكاته عليه، وهو موروث عنه. انتهى. قَالَ الإِمام الترمذيّ رحمه الله تعالى فِي "جامعه": والعمل عَلَى هَذَا عند بعض أهل العلم، منْ أصحاب النبيّ ﷺ ، وغيرهم، قالوا: إن يد الوالد مبسوطة فِي مال ولده، يأخذ ما شاء، وَقَالَ بعضهم: لا يأخذ منْ ماله إلا عند الحاجة إليه. انتهى. وَقَالَ الشوكانيّ رحمه الله تعالى: الْحَدِيث يدلّ عَلَى أن الرجل مشارك لولده فِي ماله، فيجوز له الأكل منه، سوأء أذن له الولد، أو لم يأذن، ويجوز له أيضًا أن يتصرّف به كما يتصرّف بماله، ما لم يكن ذلك عَلَى وجه السرَف، والسَّفَه. وَقَدْ حكى فِي "البحر" الإجماع عَلَى أنه يجب عَلَى الولد الموسر مؤنة الأبوين المعسرين. انتهى. وَقَالَ ابن الهمام رحمه الله تعالى بعد ذكر حديث عائشة المذكور: [فإن قيل]: هَذَا يقتضي أن له ملكًا ناجزًا فِي ماله. [قلنا]: نعم، لو لم يُقيّده حديث رواه الحاكم، وصححه، والبيهقيّ عنها، مرفوعًا: "إن أولادكم هبة، يهب لمن يشاء إناثًا، ويهب لمن يشاء الذكور، وأموالهم لكم، إذا احتجتم إليها"، ومما يؤيّد أن الْحَدِيث مؤول أنه تعالى ورّث الأب منْ ابنه السدس، مع ولد ولده، فلو كَانَ الكلّ ملكه، لم يكن لغيره شيء، مع وجوده. انتهى بتصرّف. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي ادّعاه ابن الهمام منْ التقييد مستدلاً بالحديث المذكور، غير صحيح؛ لأن قوله: "إذا احتجتم إليها" زيادة غير صحيحة، فقد قَالَ أبو داود ﵀ فِي "سننه": حماد بن أبي سليمان زاد فيه: "إذا احتجتم" وهو منكر. انتهى. ونقل الحافظ فِي "التلخيص": عن ابن المبارك، عن سفيان، قَالَ: حدّثنا به حمّاد، ووهم فيه. انتهى. فثبت بهذا أن القيد بالحاجة غير معتبر، بل للوالد أن يتصرف فِي مال ولده مطلقًا عَلَى ما هو ظاهر النصّ، وَقَدْ أخرج أبو داود، وابن ماجه منْ حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه: أن رجلاً قَالَ: يا رسول الله، إن لي مالاً، وولدًا، وإن والدي يجتاح مالي، قَالَ: "أنت ومالك لوالدك، إن أولادكم منْ أطيب كسبكم، فكلوا منْ

стр. 16515

كسب أولادكم". وأخرج ابن ماجه بإسناد رجاله ثقات، عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما: أن رجلاً قَالَ: يا رسول الله، إن لي مالاً، وولدًا، وإن أبي يجتاح مالي، فَقَالَ: "أنت ومالك لأبيك". فهذه النصوص تدلّ عَلَى جواز تصرّفه مطلقًا، فليُتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هَذَا صحيح، ولا يضرّ فيه جهالة عمة عُمارة بن عُمير؛ لأنه ثبت منْ رواية الأسود عنها، كما سيأتي بعد حديث. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١/ ٤٤٥١ و٤٤٥٢ و٤٤٥٣ و٤٤٥٤ - وفي "الكبرى" ٢/ ٦٠٤٣ و٦٠٤٤ و٦٠٤٥ و٦٠٤٦ و٦٠٤٧. وأخرجه (د) فِي "البيوع" ٣٠٦١ و٣٠٦٢ (ت) فِي "الأحكام" ١٢٧٨ (ق) فِي "التجارات" ٢١٢٨ و٢٢٨١ (أحمد) فِي "باقي مسند الأنصار" ٢٢٩٠٤ و٢٣٠٠٥ و٢٣٨٠٩ و٢٤١٣٣ و٢٤٢٣١ و٢٤٤٣٣ و٢٤٤٧٤ و٢٤٤٨٨ و٢٤٦٦٢ (الدارمي) فِي "البيوع" ٢٤٢٥. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان الحثّ عَلَى الكسب؛ لأنه ﷺ جعله منْ أطيب كسب الرجل. (ومنها): جواز تصرّف الوالد فِي مال ولده بغير إذنه. (ومنها): ما قاله الخطّابيّ رحمه الله تعالى: فيه منْ الفقه أن نفقة الوالدين واجبة عَلَى الولد، إذا كَانَ واجدًا لها، واختلفوا فِي صفة منْ يجب لهم النفقة، منْ الآباء والأمْهات، فَقَالَ الشافعيّ: إنما يجب ذلك للأب الفقير الزمِنِ، فإن كَانَ له مالٌ، أو كَانَ صحيح البدن، غير زمن، فلا نفقة له عليه، وَقَالَ سائر الفقهاء: نفقة الوالدين واجبةٌ عَلَى الولد، ولا أعلم أن أحدًا منهم اشترط فيها الزمانة، كما اشترط الشافعيّ. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٥٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَمَّةٍ لَهُ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: إِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ، فَكُلُوا مِنْ كَسْبِ أَوْلَادِكُمْ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه: محمد بن منصور الْجَوّاز المكيّ، وهو ثقة. و"سفيان": هو ابن عُيينة. والحديث صحيح، سبق شرحه، وتخريجه فِي الْحَدِيث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 16516

٤٤٥٣ - (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَوَلَدُهُ مِنْ كَسْبِهِ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"يوسف بن عيسى": هو أبو يعقوب المروزيّ الثقة الفاضل [١٠]. و"الفضل بن موسى": هو السينانيّ المروزيّ. وفي الإسناد ثلاثة منْ ثقات الكوفيين، يروي بعضهم عن بعض. الأعمش، وإبراهيم، والأسود. والحديث صحيح، وَقَدْ سبق شرحه، وتخريجه قريباً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٥٤ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"عمر بن سعيد": هو ابن مسروق الثوريّ، أخو سفيان، ثقة [٧] ٤٠/ ٦٨٣. [تنبيه]: وقع فِي النسخ المطبوعة منْ "المجتبى"، و"الكبرى": "عمرو بن سعيد" بفتح العين، وهو تصحيف، والصواب "عُمَر" بضمّها، كما فِي النسخة "الهنديّة"، و"تحفة الأشراف" ١١/ ٣٦٢. فتنبّه. والحديث صحيح، كما سبق تمام البحث فيه قريباً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٢ - (بَابُ اجْتِنَاب الشُّبُهَاتِ فِي الْكَسْبِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الاجتناب": مصدر اجتنب الشيءَ: إذا ابتعد عنه. و"الشبهات" -بضمّتين، أو بضمّ، فسكون: أي الأمور الملتبسات. قَالَ الفيّوميّ:

стр. 16517

واشتبهت الأمور، وتشابهت: التبست، فلم تتميّز، ولم تظهر. ومنه اشتبهت القبلة، ونحوها. والشُّبْهَة فِي العقيدة: المأخذُ الملبَّسُ، سُمّيت شبهة؛ لأنها تشبه الحقّ، والشبهة: الْعُلْقَة، والجمع فيهما شُبَهٌ، وشُبُهات، مثلُ غُرْفة، وغُرَف، وغُرُفات. قَالَ: والاشتباه الالتباس. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٤٥٥ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ -وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ- قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَوَاللَّهِ لَا أَسْمَعُ بَعْدَهُ أَحَدًا، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ بَيْنَ ذَلِكَ أُمُورًا مُشْتَبِهَاتٍ"، وَرُبَّمَا قَالَ: "وَإِنَّ بَيْنَ ذَلِكَ أُمُورًا مُشْتَبِهَةً"، قَالَ: "وَسَأَضْرِبُ لَكُمْ فِي ذَلِكَ مَثَلاً، إِنَّ اللَّهَ حَمَى حِمًى، وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَا حَرَّمَ، وَإِنَّهُ مَنْ يَرْتَعْ حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكْ أَنْ يُخَالِطَ الْحِمَى"، وَرُبَّمَا قَالَ: "إِنَّهُ مَنْ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكْ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، وَإِنَّ مَنْ يُخَالِطِ الرِّيبَةَ، يُوشِكْ أَنْ يَجْسُرَ"). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ) البصريّ، ثقة [١٠] ٥/ ٥. ٢ - (خَالِدٌ بْنُ الْحَارِثِ) الْهُجَيمِيُّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧. ٣ - (ابْنُ عَوْنٍ) عبد الله بن عون بن أرطبان، أبو عون البصريّ، ثقة ثبت فاضل، رأى أنساً ﵁[٥] ٢٩/ ٣٣. ٤ - (الشَّعْبِيِّ) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه فاضل مشهور، توفي بعد المائة، وله نحو ثمانين سنة [٣] ٦٦/ ٨٢. ٥ - (النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ) بن سعد بن ثعلبة الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما، سكن الشام، ثم ولي إمرة الكوفة، ثم قُتل ﵁ بحمص سنة (٦٥) وله (٦٤) سنة، وتقدّم فِي ١٩/ ٥٢٨. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى ابن عون، والباقيان كوفيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، فإن ابن عون تابعيّ؛ لأنه رأى أنس بن مالك ﵁، فهو منْ الطبقة الخامسة، لا منْ السادسة، كما هو فِي "التقريب". والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شَراحيل، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِير) رضي الله

стр. 16518

تعالى عنهما. وأخرج أبو عوانة فِي "صحيحه" منْ طريق أبي حَرِيز -وهو بفتح الحاء المهملة، وآخره زاي- عن الشعبيّ، أن النعمان بن بشير، خطب به بالكوفة. وفي رواية لمسلم أنه خطب به بحمص. قَالَ الحافظ: ويُجمع بينهما بأنه سمع منه مرّتين، فإنه قد ولي إمرة البلدين، واحدة بعد أخرى. وزاد مسلم، والإسماعيليّ منْ طريق زكرياء بن أبي زائدة، عن الشعبيّ فيه: "وأهوى النعمان بإصبعه إلى أذنيه، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول. وفيه ردّ لقول الواقديّ، ومن تبعه: إن النعمان لا يصحّ سماعه منْ رسول الله ﷺ . وفيه دليلٌ عَلَى صحّة تحمّل الصبيّ المميّز؛ لأن النبيّ ﷺ مات، وللنعمان ثمان سنين. انتهى. "الفتح" ١/ ١٧٢ "كتاب الإيمان" رقم ٥٢. (قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ) وقوله (فَوَاللهِ لَا أَسْمَعُ بَعْدَهُ أَحَدًا، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ ) جملة معترضة، والظاهر أنه منْ كلام الشعبيّ، ولعه أراد به أنه آخر منْ سمع منه منْ الصحابة الذين يروون عنه ﷺ مباشرة. والله تعالى أعلم. (يَقولُ: "إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وإنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ) أي فِي عينهما، ووصفهما بأدلّتهما الظاهرة. قاله فِي "الفتح". وَقَالَ السنديّ فِي "شرحه" ٧/ ٢٤٢: ليس المعنى كلّ ما هو حلالٌ عند الله تعالى، فهو بيّن بوصف الحلّ، يعرفه كلّ أحد بهذا الوصف، وأن ما هو حرام عند الله تعالى، فهو كذلك، وإلا لم يبق المشتبهات، وإنما معناه والله تعالى أعلم- أن الحلال منْ حيث الحكم تبيّن بأنه لا يضرّ تناوله، وكذا الحرام بأنه يضرّ تناوله، أي هما بيّنان، يَعرف النَّاس حكمهما، لكن ينبغي أن يعلم النَّاس حكم ما بينهما، منْ المشتبهات بأن تناوله يخرج منْ الورع، ويقرب إلى تناول الحرام، وعلى هَذَا فقوله: "الحلال بيّن، والحرام بيّنٌ" اعتذار لترك ذكر حكمهما. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي فسّر به السنديّ هَذَا الْحَدِيث فيه نظرٌ، إذ ظاهر السياق يأباه، بل الذي يظهر أن كلًّا منْ الحلال والحرام بيّنٌ متّضح لكل أحد له معرفة بأمور الدين، حيث نصّ عليه فِي الكتاب، أو السنّة، أو الإجماع، وهناك أمور تشتبه عَلَى كثيرين، حيث إن لها شبهًا بالحلال، وشبها بالحرام، فلا يتبيّن أمرها لكثير منْ النَّاس، وإنما يعلمها خواصّ العلماء الذين لهم رسوخ فِي معرفة النصوص، فيُلحقونها بما هي قريبة الشبه له منْ النوعين. والله تعالى أعلم. قَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "الحلال بيّن الخ" يعني أن كلّ واحد منهما مبين بأدلّته فِي كتاب الله تعالى، وسنّة رسوله ﷺ تأصيلاً، وتفصيلاً، فمن وقف عَلَى ما فِي كتاب الله، والسنّة منْ ذلك وجد فيهما أمورًا جليّة التحليل، وأمورًا

стр. 16519

جليّة التحريم، وأمورًا متردّدة بين التحليل والتحريم، وهي التي تتعارض فيها الأدلّة، فهي المتشابهات. انتهى "المفهم" ٤/ ٤٨٨. وَقَالَ النوويّ فِي "شرح مسلم" ١١/ ٢٩: قوله ﷺ : "الحلال بيّن الخ" معناه: أن الأشياء ثلاثة أقسام: حلالٌ بيّن واضحٌ، لا يخفى حلّه، كالخبز، والفواكه، والزيت، والعسل، والسمن، ولبن مأكول اللحم، وبيضه، وغير ذلك منْ المطعومات، وكذلك الكلام، والنظر، والمشي، وغير ذلك منْ التصرّفات، فيها حلال بيّن واضح، لا شكّ فِي حلّه. وأما الحرام البيّن، فكالخمر، والخنزير، والميتة، والبول، والدم المسفوح، وكذلك الزنا، والكذب، والغيبة، والنميمة، والنظر إلى الأجنبيّة، وأشباه ذلك. انتهى. (وِإنَّ بَيْنَ ذَلِكَ) أي بين الحلال والحرام البينين (أُمُورًا مُشْتَبِهَاتٍ) بوزن مُفْتَعِلات، بتاء مفتوحة، وعين خفيفة مكسورة، بصيغة اسم الفاعل، منْ اشتبه، وهي رواية ابن ماجه، والمعنى أنها موحدة اكتسبت الشبه منْ وجهين متعارضين، ولفظ البخاريّ: "وبينهما مُشَبَّهات"، بوزن مُفَعَّلات، بتشديد العين المفتوحة، وهي فِي رواية مسلم: أي شُبِّهَت بغيرها، مما لم يتبين به حكمها عَلَى التعيين، ورواه الدارمي عن أبي نعيم شيخ البخاريّ فيه بلفظ وبينهما متشابهات. وحاصل المعنى: أنها لا يتّضح أمرها، أي منْ الحلال هي، أو منْ الحرام، وذلك الاشتباه عَلَى بعض الناس بدليل قوله ﷺ فيما رواه الشيخان: "لا يعلمها كثير منْ النَّاس"، وفي رواية الترمذيّ: "لا يدري كثير منْ النَّاس، أمن الحلال هي، أم منْ الحرام"، فمفهوم قوله: "كثير" أن معرفة حكمها ممكن، لكن للقليل منْ النَّاس، وهم المجتهدون، فالشبهات عَلَى هَذَا فِي حقّ غيرهم، وَقَدْ تقع لهم، حيث لا يظهر لهم ترجيح أحد الدليلين. قاله فِي "الفتح". وَقَالَ النوويّ: أما المشتبهات، فمعناها: أنها ليست بواضحة الحلّ، ولا الحرمة، فلهذا لا يعرفها كثير منْ النَّاس، ولا يعلمون حكمها، وأما العلماء، فيعرفون حكمها بنصّ، أو استصحاب، أو غير ذلك، فإذا تردّد الشيء بين الحلّ والحرمة، ولم يكن فيه نصّ، ولا إجماع، اجتهد فيه المجتهد، فألحقه بأحدهما بالدليل الشرعيّ، فإذا ألحقه به صار حلالاً، وَقَدْ يكون دليله غير خال عن الاحتمال البيّن، فيكون الورع تركه، ويكون داخلاً فِي قوله ﷺ : "فمن اتّقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه"، وما لم يظهر للمجتهد فيه شيء، وهو مشبه، منه، يأخذ بحلّه، أم بحرمته، أم يتوقّف؟ فيه ثلاثة مذاهب، حكاها القاضي عياض وغيره، والظاهر أنها مُخرّجة عَلَى الخلاف المذكور فِي

стр. 16520

الأشياء قبل ورود الشرع، وفيه أربعة مذاهب: الأصحّ أنه لا يُحكم بحلّ، ولا حرمة، ولا إباحة، ولا غيرها؛ لأن التكليف عند أهل الحقّ لا يثبت إلا بالشرع. والثاني: أن حكمها التحريم. والثالث: الإباحة. والرابع التوقّف. والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ١١/ ٢٩ - ٣٠. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الراجح القول بالإباحة فِي المنافع، وبالتحريم فِي المضارّ؛ لقوله فِي معرض الامتنان: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ الآية [البقرة: ٢٩]، ولا يمتّن الله تعالى إلا بالجائز، ولما صح مما أخرجه أحمد، وغيره، منْ قوله ﷺ : "لَا ضرر، ولا ضرار" أي لا يجوز فِي ديننا، وإلى هَذَا أشار السيوطيّ فِي "الكوكب الساطع"، حيث قَالَ: الْحُكْمُ قَبْلَ الشَّرْعِ فِي ذِي النَّفْعِ … وَالضُّرِّ قَدْ مَرَّ وَبَعْدَ الشَّرْعِ رُجِّحَ أَنَّ الأَصْلَ تَحْرِيمُ الْمَضَارُّ … وَالْحِلُّ فِي ذِي النَّفْعِ وَالسُّبْكِيُّ صَارْ إِلَي خُصُوصِهِ بِغَيْرِ الْمَالِ … فَذَاكَ حَظْرٌ بِالْحَدِيثِ الْعَالِي يعني أن حكم المنافع والمضارّ قبل الشرع قد مرّ فِي أوائل النظم عند قوله: بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ شُكْرُ الْمُنْعِمِ … حَتْمٌ وَقَبْلَ الشَّرْعِ لَا حُكْمَ نُمِي وأما بعده فالأصحّ أن الأصل فِي المضارّ التحريم، وفي المنافع الحلّ؛ للآية، والحديث المذكورين، واستثنى السبكيّ منْ أن الأصل المنافع فِي الحلّ الأموالَ، قَالَ: والظاهر فيها التحريم؛ لحديث: "إن دماءكم، وأموالكم عليكم حرام"، وهو أخصّ منْ أدلّة الإباحة، وتعقّبه وليّ الدين العراقيّ، بأن الدعوى عامّة، والدليل خاصّ؛ لأنه فِي الأموال المختصّة، وما قاله العراقيّ هو الظاهر؛ انظر شرحي عَلَى "الكوكب الساطع" ص ٤٨٢ - ٤٨٣. والله تعالى أعلم. (وَرُبَّمَا قَالَ) أي الراوي: النعمان، أو منْ دونه (وَإِنَّ بَيْنَ ذَلِكَ أُمُورًا مُشْتَبِهَةً) بالإفراد. زاد فِي رواية الشيخين: "فمن اتقى المشبهات، استبرأ لدينه، وعرضه، ومن وقع فِي الشبهات، كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه". وقوله: "فمن اتقى المشتبهات": أي حَذِرَ منها. وقوله: "استبرأ لدينه، وعرضه" بالهمز بوزن استفعل منْ البراءة: أي بَرّأ دينه منْ النقص، وعرضه منْ الطعن فيه؛ لأن منْ لم يُعرَف باجتناب الشبهات، لم يسلم لقول منْ يطعن فيه. وفيه دليل عَلَى أن منْ لم يتوق الشبهة فِي كسبه، ومعاشه، فقد عَرَّض نفسه للطعن فيه، وفي هَذَا إشارة إلى المحافظة عَلَى أمور الدين، ومراعاة المروءة. قاله فِي "الفتح".

стр. 16521

وَقَدْ اختُلِفَ فِي حكم الشبهات: فقيل: التحريم، وهو مردود. وقيل: الكراهة. وقيل: الوقف، وهو كالخلاف فيما قبل الشرع. وحاصل ما فسر به العلماء الشبهات، أربعة أشياء: [أحدها]: تعارض الأدلة كما تقدم. [ثانيها]: اختلاف العلماء، وهي متزعة منْ الأولى. [ثالثها]: أن المراد بها مُسَمَّى المكروه؛ لأنه يجتذبه جانبا الفعل والترك. [رابعها]: أن المراد بها المباح، ولا يمكن قائل هَذَا، أن يحمله عَلَى متساوي الطرفين، منْ كل وجه، بل يمكن حمله عَلَى ما يكون منْ قسم خلاف الأولى، بأن يكون متساوي الطرفين، باعتبار ذاته، راجح الفعل أو الترك، باعتبار أمر خارج. ونقل ابن المنير فِي مناقب شيخه القباري عنه، أنه كَانَ يقول: المكروه عقبة بين العبد والحرام، فمن استكثر منْ المكروه، تَطَرَّق إلى الحرام، والمباح عقبة بينه وبين المكروه، فمن استكثر منه تطرق إلى المكروه، وهو مَنْزَعٌ حسن، ويؤيده رواية ابن حبّان منْ طريقٍ ذكر مسلم إسنادها، ولم يسق لفظها، فيها منْ الزيادة: "اجعلوا بينكم وبين الحرام سُتْرَةً منْ الحلال، منْ فعل ذلك استبرأ لعرضه ودينه، ومن أَرْتَعَ فيه كَانَ كالْمُرْتِع إلى جنب الحمى، يوشك أن يقع فيه". والمعنى أن الحلال حيث يُخشَى أن يؤل فعله مطلقا إلى مكروه، أو محرم، ينبغي اجتنابه، كالاكثار مثلاً منْ الطيبات، فإنه يُحوِج إلى كثرة الاكتساب، الموقع فِي أخذ ما لا يستحق، أو يُفضي إلى بطر النفس، وأقلُّ ما فيه الاشتغال عن مواقف العبودية، وهذا معلوم بالعادة، مشاهد بالعيان. قَالَ الحافظ: والذي يظهر لي رُجحان الوجه الأول، عَلَى ما سأذكره، ولا يبعد أن يكون كل منْ الأوجه مرادا، ويختلف ذلك باختلاف النَّاس، فالعالم الفَطِن لا يخفى عليه تمييز الحكم، فلا يقع له ذلك، إلا فِي الاستكثار منْ المباح، أو المكروه، كما تقرر قبلُ، ودونه تقع له الشبهة فِي جميع ما ذُكر، بحسب اختلاف الأحوال، ولا يخفى أن المستكثر منْ المكروه، تفسير فيه جُرأة عَلَى ارتكاب المنهي فِي الجملة، أو يحمله اعتياده ارتكاب المنهي غير المحرم، عَلَى ارتكاب المنهي المحرم، إذا كَانَ منْ جنسه، أو يكون ذلك لشبهة فيه، وهو أن منْ تعاطى ما نُهي عنه يصير مظلم القلب؛ لفقدان نور الورع، فيقع فِي الحرام، ولو لم يختر الوقوع فيه. ووقع عند البخاريّ فِي "البيوع" منْ رواية أبي فروة، عن الشعبي، فِي هَذَا الْحَدِيث: "فمن ترك ما شُبِّهَ عليه منْ الإثم، كَانَ لما استبان له أترك، ومن اجترأ عَلَى ما يَشُكُّ فيه منْ الإثم، أوشك أن يواقع ما استبان"، وهذا يرجح الوجه الأول كما أشرت إليه. [تنبيه]: استدل به ابن الْمُنَيِّر عَلَى جواز بقاء المجمل، بعد النبيّ ﷺ . قَالَ الحافظ:

стр. 16522

وفي الاستدلال بذلك نظر، إلا إن أراد به أنه مُجمَل فِي حق بعض، دون بعض، أو أراد الرد عَلَى منكرى القياس، فيحتمل ما قَالَ. والله أعلم. وقوله: "كراع يَرعى" هكذا فِي جميع نسخ البخاريّ، محذوف جواب الشرط، إن أُعربت "منْ" شرطية، وَقَدْ ثبت المحذوف فِي رواية الدارمي، عن أبي نعيم، شيخ البخاريّ فيه، فَقَالَ: "ومن وقع فِي الشبهات، وقع فِي الحرام، كالراعي يرعى"، ويمكن إعراب "منْ" فِي سياق البخاريّ موصولة، فلا يكون فيه حذف، إذ التقدير: والذي وقع فِي الشبهات، مثل راع يرعى، والأُولى أَولى؛ لثبوت المحذوف فِي "صحيح مسلم"، وغيره، منْ طريق زكريا التي أخرجه منها البخاريّ، وعلى هَذَا، فقوله: "كراع يرعى"، جملة مستأنفة، وردت عَلَى سبيل التمثيل، للتنبيه بالشاهد عَلَى الغائب. قاله فِي "الفتح". وَقَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "ومن وقع فِي الشبهات وقع فِي الحرام" وذلك يكون بوجهين: [أحدهما]: أن منْ لم يتّق الله تعالى، وتجرّأ عَلَى الشبهات، أفضت به إلى المحرّمات، بطريق اعتياد الجرأة، والتساهل فِي أمرها، فيحمله ذلك عَلَى الجرأة عَلَى الحرام المحض، ولهذا قَالَ بعض المتّقين: الصغيرة تجرّ إلى الكبيرة، والكبيرة تجرّ إلى الكفر، ولذلك قَالَ ﷺ : "المعاصي بريد الكفر" (١) وهو معنى قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]. [وثانيهما]: أن منْ أكثر منْ مواقعة الشبهات أظلم عليه قلبه؛ لفقدان نور العلم، ونور الورع، فيقع فِي الحرام، ولا يشعر به، وإلى هَذَا النور الإشارة بقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] وإلى ذلك الإظلام الإشارة بقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]. انتهى "المفهم" ٤/ ٤٩٣. (قَالَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (وَسَأَضْرِبُ لَكُمْ فِي ذَلِكَ مَثَلا) أي لإيضاح تلك الأمور (إِنَّ الله ، حَمَى حِمَى) بكسر الحاء المهملة، والقصر: هي فِي الأصل أرضٌ يَحميها الملوك، ويمنعون النَّاس عن الدخول فيها، فمن دخله أوقع به العقوبة. قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: هَذَا مثلٌ ضربه النبيّ ﷺ لمحارم الله تعالى، وأصله أن ملوك العرب كانت تحمي مراعي ماشيها الخاصّة بها، وتُحرّج بالتوعّد بالعقوبة عَلَى منْ قربها، فالخائف منْ عقوبة السلطان يبعُد بماشيته منْ ذلك الحمى؛ لأنه إن قرب منه فالغالب الوقوع، وان كثر الحذر، إذ قد تنفرد الفاذّة، وتشذّ الشاذّة، ولا تنضبط،

стр. 16523

فالحذر أن يجعل بينه وبين ذلك الحمى مسافة بحيث يأمن فيها منْ وقوع الشاذّة والفاذّة، وهكذا محارم الله تعالى، لا ينبغي أن يحوم حولها، مخافة الوقوع فيها. انتهى "المفهم" ٤/ ٤٩٣. وَقَالَ فِي "الفتح": الحمى: الْمَحْمِيّ، أُطلق المصدر عَلَى اسم المفعول، وفي اختصاص التمثيل بذلك نكتة، وهي أن ملوك العرب، كانوا يَحمُون لمراعي مواشيهم، أماكن مختصة، يَتَوَعّدون منْ يرعى فيها بغير إذنهم بالعقوبة الشديدة، فَمَثَّل لهم النبيّ ﷺ بما هو مشهور عندهم، فالخائف منْ العقوبة، المراقب لرضا الملك يَبعُد عن ذلك الحمى، خشية أن تقع مواشيه فِي شيء منه، فبُعدُه أسلم له، ولو اشتدّ حذره، وغير الخائف المراقب يَقرُب منه، ويَرعى منْ جوانبه، فلا يَأمن أن تنفرد الفاذّة، فتقع فيه بغير اختياره، أو يُمْحِل المكان الذي هو فيه، ويقع الْخِصْب فِي الحمى، فلا يملك نفسه أن يقع فيه، فالله هو الملك حقًّا، وحماه محارمه. انتهى. [تنبيه]: رواية المصنّف هذه ظاهرة فِي كون ضرب المثل منْ النبيّ ﷺ ، وذكر فِي "الفتح" أن بعضهم ادّعى أن التمثيل منْ كلام الشعبي، وأنه مُدرج فِي الْحَدِيث، حكى ذلك أبو عمرو الداني، قَالَ الحافظ: ولم أقف عَلَى دليله، إلا ما وقع عند ابن الجارود، والإسماعيلي، منْ رواية ابن عون عن الشعبي، قَالَ ابن عون فِي آخر الْحَدِيث: لا أدري المثل منْ قول النبيّ ﷺ ، أو منْ قول الشعبي؟، قَالَ الحافظ: وتردد ابن عون فِي رفعه، لا يستلزم كونه مدرجا؛ لأن الأثبات قد جزموا باتصاله ورفعه، فلا يَقدح شك بعضهم فيه، وكذلك سقوط المثل منْ رواية بعض الرواة، كأبي فروة، عن الشعبي، لا يقدح فيمن أثبته؛ لأنهم حفاظ، قَالَ: ومما يقوي عدم الإدراج رواية ابن حبّان الماضية، وكذا ثبوت المثل مرفوعاً فِي رواية ابن عباس، وعمار بن ياسر أيضاً. انتهى. (وِإنَّ حِمَى اللهِ مَا حَرَّمَ) المراد بما حرّم فعلُ المنهي المحرم، أو ترك المأمور الواجب، ولهذا وقع فِي رواية أبي فروة عند البخاريّ التعبير بالمعاصي بدل المحارم. (وَإِنَّهُ) الضمير للشأن (مَنْ) موصولة مبتدأ، والفعلان بعدها مرفوعان، الأوّل صلتها، والثاني خبرها، ويحتمل أن تكون شرطيّةً، والفعلان بعدها مجزومان بها شرطاً، وجزاءً (يَرْتَعُ حَوْلَ الْحِمَى) بفتح أول "يرتع"، وثالثه: أي يطوف به، ويدور حوله، قاله ابن الأثير. ويحتمل أن يكون بضم أوله، منْ أرتع، قَالَ فِي "القاموس": رَتَعَ كمنع رَتْعًا، ورُتُوعًا، ورِتاعًا بالكسر: أكل، وشرب ما شاء فِي خصب، وسَعَةٍ، أو هو الأكلُ، والشربُ رَغَدًا فِي الرِّيف، أو بِشَرَه، قَالَ: وَقَدْ أرتع فلانٌ إبله. انتهى. وعلى الثاني فيكون مفعوله فِي الْحَدِيث محذوفًا: أي إبله. و"حوله" منصوب عَلَى الظرفية متعلّقٌ بـ"يرتع".

стр. 16524

(يُوشِكُ) بضمّ أوله، منْ أوشك: أي يقرب (أنْ يُخَالِطَ الْحِمَى) أي يقع، ويدخل فيه؛ لأنه يتعاهد به التساهل، ويتمرّن عليه، ويجسُر عَلَى شبهة أخرى، أغلظ منها، وهكذا حَتَّى يقع فِي الحرام (وَرُبَّمَا قالَ) الراوي (إِنَّهُ مَنْ يَرْعَى) بفتح أوله، منْ باب سعى يسعى، يقال: رعت الماشية ترعى رَعْيًا، فهي راعية: إذا سَرَحَت بنفسها، ورَعَيتها، يُستعمل لازماً، ومتعدّيًا، وما هنا منْ المتعدّي (حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُرْتِعَ فِيهِ) بضم أوله، منْ الإرتاع (وَإِنَّ مَنْ) يحتمل أن تكون موصولة، وشرطيّة، عَلَى ما سبق قريباً (يُخَالِطُ الرِّيبَةَ) بكسر الراء: أي الشكّ والتهمة، وجمعه ريب، بكسر، ففتح، مثلُ سِدْرة وسِدَر، والمعنى أن منْ يدخل فِي محلّ التهمة، والشكّ (يُوشِكُ أَنْ يَجْسُرَ) بفتح أوله، وضم ثالثه: أي يُقدِم، ويَقَع فيه. [تنبيه]: زاد فِي رواية الشيخين فِي آخر هَذَا الْحَدِيث: "ألا وإن فِي الجسد مضغةً، إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب". قَالَ فِي "الفتح": وقوله: "مضغة": أي قدر ما يُمضَغ، وعبر بها هنا عن مقدار القلب فِي الرؤية، وسُمي القلب قلبا لتقلبه فِي الأمور، أو لأنه خالص ما فِي البدن، وخالص كل شيء قلبه، أو لأنه وُضِع فِي الجسد مقلوبا. وَقَالَ القرطبيّ: "المضغة": القطعة منْ اللحم، وهي قدر ما يمضغه الماضغ، يعني بذلك صغير جرمها، وعظيم قدرها. قَالَ: والقلب فِي الأصل مصدر قلبت الشيءَ: إذا رددته عَلَى بدأته، وقلبت الإناء: إذا رددته عَلَى وجهه، وقلبتُ الرجلَ عن رأيه: إذا صرفته عنه، وعن طريقه كذلك، ثم نقل هَذَا اللفظ، فسمّي به هَذَا العضو الذي هو أشرف أعضاء الحيوان؛ لسرعة الخواطر فيه، ولتردّدها عليه، وَقَدْ نظم بعض الفضلاء هَذَا المعنى، فَقَالَ [منْ البسيط]: مَا سُمِّيَ الْقَلْبُ إِلَّا مِنْ تَقَلُّبِهِ … فَاحْذَرْ عَلَى الْقَلْبِ منْ قَلْبٍ وَتَحْوِيلِ (١) انتهى "المفهم" ٤/ ٤٩٤ - ٤٩٥. وقوله: "إذا صلحت، وإذا فسدت" هو بفتح عينهما، وتُضم فِي المضارع، وحكى الفراء الضم فِي ماضي صلُح، وهو يُضم وفاقا، إذا صار له الصلاح هيئة لازمة، لشرف ونحوه، والتعبير بـ"إذا" لتحقق الوقوع غالبا، وَقَدْ تأتي بمعنى "إن" كما هنا، وخَصّ القلبَ بذلك؛ لأنه أمير البدن، وبصلاح الأمير تصلح الرعية، وبفساده تفسد، وفيه تنبيه

стр. 16525

عَلَى تعظيم قدر القلب، والحث عَلَى صلاحه، والإشارة إلى أن لطيب الكسب أثرا فيه، والمراد المتعلق به، منْ الفهم الذي ركبه الله فيه، ويُستدلّ به عَلَى أن العقل فِي القلب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ الآية [الحجّ: ٤٦]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ الآية [ق: ٣٧]، قَالَ المفسرون: أي عقل، وعَبّر عنه بالقلب؛ لأنه محل استقراره. [فائدة]: لم تقع هذه الزيادة، التي أولها: "ألا وإن فِي الجسد مضغةً" إلا فِي رواية الشعبي، ولا هي فِي أكثر الروايات عن الشعبي، إنما تفرد بها فِي "الصحيحين" زكريا ابن أبي زائدة، عنه، وتابعه مجاهد، عند أحمد، ومغيرة وغيره عند الطبراني، وعَبّر فِي بعض رواياته عن الصلاح والفساد، بالصحة والسقم، ومناسبتها لما قبلها بالنظر إلى أن الأصل فِي الاتقاء، والوقوع هو ما كَانَ بالقلب؛ لأنه عماد البدن. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما هَذَا متّفقٌ عليه، (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢/ ٤٤٥٥ و٥٠/ ٥٧١٢ - وفي "الكبرى" ١/ ٦٠٤٠. وأخرجه (خ) فِي "الإيمان" ٥٠ و"البيوع" ١٩١٠ (م) فِي "المساقاة" ٢٩٩٦ (د) فِي "البيوع" ٢٨٩٢ (ت) فِي "البيوع" ١١٢٦ (ق) فِي "الفتن" ٢٩٧٤ (أحمد) فِي "مسند الكوفيين" ١٧٦٢٤ و١٧٦٤٥ و١٧٦٤٩ و١٧٦٥٨ و١٦٩٢ (الدارمي) فِي "البيوع" ٢٤١٩. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان الحثّ عَلَى اجتناب الشبهات فِي الكسب. (ومنها): بيان عظم موقع هَذَا الْحَدِيث، وأنه ذو شأن، ونباهة، فلذا قد توارد أكثر أئمة الْحَدِيث الذين خرّجوه عَلَى إيراده فِي "كتاب البيوع"؛ لأن الشبهة فِي المعاملات تقع فيها كثيرًا، وله أيضًا تعلّق بالنكاح، وبالصيد، والذبائح، والأطعمة، والأشربة، وغير ذلك، منْ أبواب المعاملات، كما لا يخفى عَلَى منْ تأمّل ذلك. (ومنها): بيان أن الحلال، والحرام بيّنان واضحان لكلّ منْ له علم بالنصوص الشرعيّة. (ومنها): أن بين الحلال والحرام مرتّبة ينبغي التنبّه لها، وأخذ الحذر منها، ألا وهي الشبهات، فعلى العاقل أن يُحاسب نفسه عندها، ويأخذ حذره منها، فإنه إذا
следующие страницы →