← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 16521–16560 · переход к 16526.

стр. 16521

وَقَدْ اختُلِفَ فِي حكم الشبهات: فقيل: التحريم، وهو مردود. وقيل: الكراهة. وقيل: الوقف، وهو كالخلاف فيما قبل الشرع. وحاصل ما فسر به العلماء الشبهات، أربعة أشياء: [أحدها]: تعارض الأدلة كما تقدم. [ثانيها]: اختلاف العلماء، وهي متزعة منْ الأولى. [ثالثها]: أن المراد بها مُسَمَّى المكروه؛ لأنه يجتذبه جانبا الفعل والترك. [رابعها]: أن المراد بها المباح، ولا يمكن قائل هَذَا، أن يحمله عَلَى متساوي الطرفين، منْ كل وجه، بل يمكن حمله عَلَى ما يكون منْ قسم خلاف الأولى، بأن يكون متساوي الطرفين، باعتبار ذاته، راجح الفعل أو الترك، باعتبار أمر خارج. ونقل ابن المنير فِي مناقب شيخه القباري عنه، أنه كَانَ يقول: المكروه عقبة بين العبد والحرام، فمن استكثر منْ المكروه، تَطَرَّق إلى الحرام، والمباح عقبة بينه وبين المكروه، فمن استكثر منه تطرق إلى المكروه، وهو مَنْزَعٌ حسن، ويؤيده رواية ابن حبّان منْ طريقٍ ذكر مسلم إسنادها، ولم يسق لفظها، فيها منْ الزيادة: "اجعلوا بينكم وبين الحرام سُتْرَةً منْ الحلال، منْ فعل ذلك استبرأ لعرضه ودينه، ومن أَرْتَعَ فيه كَانَ كالْمُرْتِع إلى جنب الحمى، يوشك أن يقع فيه". والمعنى أن الحلال حيث يُخشَى أن يؤل فعله مطلقا إلى مكروه، أو محرم، ينبغي اجتنابه، كالاكثار مثلاً منْ الطيبات، فإنه يُحوِج إلى كثرة الاكتساب، الموقع فِي أخذ ما لا يستحق، أو يُفضي إلى بطر النفس، وأقلُّ ما فيه الاشتغال عن مواقف العبودية، وهذا معلوم بالعادة، مشاهد بالعيان. قَالَ الحافظ: والذي يظهر لي رُجحان الوجه الأول، عَلَى ما سأذكره، ولا يبعد أن يكون كل منْ الأوجه مرادا، ويختلف ذلك باختلاف النَّاس، فالعالم الفَطِن لا يخفى عليه تمييز الحكم، فلا يقع له ذلك، إلا فِي الاستكثار منْ المباح، أو المكروه، كما تقرر قبلُ، ودونه تقع له الشبهة فِي جميع ما ذُكر، بحسب اختلاف الأحوال، ولا يخفى أن المستكثر منْ المكروه، تفسير فيه جُرأة عَلَى ارتكاب المنهي فِي الجملة، أو يحمله اعتياده ارتكاب المنهي غير المحرم، عَلَى ارتكاب المنهي المحرم، إذا كَانَ منْ جنسه، أو يكون ذلك لشبهة فيه، وهو أن منْ تعاطى ما نُهي عنه يصير مظلم القلب؛ لفقدان نور الورع، فيقع فِي الحرام، ولو لم يختر الوقوع فيه. ووقع عند البخاريّ فِي "البيوع" منْ رواية أبي فروة، عن الشعبي، فِي هَذَا الْحَدِيث: "فمن ترك ما شُبِّهَ عليه منْ الإثم، كَانَ لما استبان له أترك، ومن اجترأ عَلَى ما يَشُكُّ فيه منْ الإثم، أوشك أن يواقع ما استبان"، وهذا يرجح الوجه الأول كما أشرت إليه. [تنبيه]: استدل به ابن الْمُنَيِّر عَلَى جواز بقاء المجمل، بعد النبيّ ﷺ . قَالَ الحافظ:

стр. 16522

وفي الاستدلال بذلك نظر، إلا إن أراد به أنه مُجمَل فِي حق بعض، دون بعض، أو أراد الرد عَلَى منكرى القياس، فيحتمل ما قَالَ. والله أعلم. وقوله: "كراع يَرعى" هكذا فِي جميع نسخ البخاريّ، محذوف جواب الشرط، إن أُعربت "منْ" شرطية، وَقَدْ ثبت المحذوف فِي رواية الدارمي، عن أبي نعيم، شيخ البخاريّ فيه، فَقَالَ: "ومن وقع فِي الشبهات، وقع فِي الحرام، كالراعي يرعى"، ويمكن إعراب "منْ" فِي سياق البخاريّ موصولة، فلا يكون فيه حذف، إذ التقدير: والذي وقع فِي الشبهات، مثل راع يرعى، والأُولى أَولى؛ لثبوت المحذوف فِي "صحيح مسلم"، وغيره، منْ طريق زكريا التي أخرجه منها البخاريّ، وعلى هَذَا، فقوله: "كراع يرعى"، جملة مستأنفة، وردت عَلَى سبيل التمثيل، للتنبيه بالشاهد عَلَى الغائب. قاله فِي "الفتح". وَقَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "ومن وقع فِي الشبهات وقع فِي الحرام" وذلك يكون بوجهين: [أحدهما]: أن منْ لم يتّق الله تعالى، وتجرّأ عَلَى الشبهات، أفضت به إلى المحرّمات، بطريق اعتياد الجرأة، والتساهل فِي أمرها، فيحمله ذلك عَلَى الجرأة عَلَى الحرام المحض، ولهذا قَالَ بعض المتّقين: الصغيرة تجرّ إلى الكبيرة، والكبيرة تجرّ إلى الكفر، ولذلك قَالَ ﷺ : "المعاصي بريد الكفر" (١) وهو معنى قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]. [وثانيهما]: أن منْ أكثر منْ مواقعة الشبهات أظلم عليه قلبه؛ لفقدان نور العلم، ونور الورع، فيقع فِي الحرام، ولا يشعر به، وإلى هَذَا النور الإشارة بقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] وإلى ذلك الإظلام الإشارة بقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]. انتهى "المفهم" ٤/ ٤٩٣. (قَالَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (وَسَأَضْرِبُ لَكُمْ فِي ذَلِكَ مَثَلا) أي لإيضاح تلك الأمور (إِنَّ الله ، حَمَى حِمَى) بكسر الحاء المهملة، والقصر: هي فِي الأصل أرضٌ يَحميها الملوك، ويمنعون النَّاس عن الدخول فيها، فمن دخله أوقع به العقوبة. قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: هَذَا مثلٌ ضربه النبيّ ﷺ لمحارم الله تعالى، وأصله أن ملوك العرب كانت تحمي مراعي ماشيها الخاصّة بها، وتُحرّج بالتوعّد بالعقوبة عَلَى منْ قربها، فالخائف منْ عقوبة السلطان يبعُد بماشيته منْ ذلك الحمى؛ لأنه إن قرب منه فالغالب الوقوع، وان كثر الحذر، إذ قد تنفرد الفاذّة، وتشذّ الشاذّة، ولا تنضبط،

стр. 16523

فالحذر أن يجعل بينه وبين ذلك الحمى مسافة بحيث يأمن فيها منْ وقوع الشاذّة والفاذّة، وهكذا محارم الله تعالى، لا ينبغي أن يحوم حولها، مخافة الوقوع فيها. انتهى "المفهم" ٤/ ٤٩٣. وَقَالَ فِي "الفتح": الحمى: الْمَحْمِيّ، أُطلق المصدر عَلَى اسم المفعول، وفي اختصاص التمثيل بذلك نكتة، وهي أن ملوك العرب، كانوا يَحمُون لمراعي مواشيهم، أماكن مختصة، يَتَوَعّدون منْ يرعى فيها بغير إذنهم بالعقوبة الشديدة، فَمَثَّل لهم النبيّ ﷺ بما هو مشهور عندهم، فالخائف منْ العقوبة، المراقب لرضا الملك يَبعُد عن ذلك الحمى، خشية أن تقع مواشيه فِي شيء منه، فبُعدُه أسلم له، ولو اشتدّ حذره، وغير الخائف المراقب يَقرُب منه، ويَرعى منْ جوانبه، فلا يَأمن أن تنفرد الفاذّة، فتقع فيه بغير اختياره، أو يُمْحِل المكان الذي هو فيه، ويقع الْخِصْب فِي الحمى، فلا يملك نفسه أن يقع فيه، فالله هو الملك حقًّا، وحماه محارمه. انتهى. [تنبيه]: رواية المصنّف هذه ظاهرة فِي كون ضرب المثل منْ النبيّ ﷺ ، وذكر فِي "الفتح" أن بعضهم ادّعى أن التمثيل منْ كلام الشعبي، وأنه مُدرج فِي الْحَدِيث، حكى ذلك أبو عمرو الداني، قَالَ الحافظ: ولم أقف عَلَى دليله، إلا ما وقع عند ابن الجارود، والإسماعيلي، منْ رواية ابن عون عن الشعبي، قَالَ ابن عون فِي آخر الْحَدِيث: لا أدري المثل منْ قول النبيّ ﷺ ، أو منْ قول الشعبي؟، قَالَ الحافظ: وتردد ابن عون فِي رفعه، لا يستلزم كونه مدرجا؛ لأن الأثبات قد جزموا باتصاله ورفعه، فلا يَقدح شك بعضهم فيه، وكذلك سقوط المثل منْ رواية بعض الرواة، كأبي فروة، عن الشعبي، لا يقدح فيمن أثبته؛ لأنهم حفاظ، قَالَ: ومما يقوي عدم الإدراج رواية ابن حبّان الماضية، وكذا ثبوت المثل مرفوعاً فِي رواية ابن عباس، وعمار بن ياسر أيضاً. انتهى. (وِإنَّ حِمَى اللهِ مَا حَرَّمَ) المراد بما حرّم فعلُ المنهي المحرم، أو ترك المأمور الواجب، ولهذا وقع فِي رواية أبي فروة عند البخاريّ التعبير بالمعاصي بدل المحارم. (وَإِنَّهُ) الضمير للشأن (مَنْ) موصولة مبتدأ، والفعلان بعدها مرفوعان، الأوّل صلتها، والثاني خبرها، ويحتمل أن تكون شرطيّةً، والفعلان بعدها مجزومان بها شرطاً، وجزاءً (يَرْتَعُ حَوْلَ الْحِمَى) بفتح أول "يرتع"، وثالثه: أي يطوف به، ويدور حوله، قاله ابن الأثير. ويحتمل أن يكون بضم أوله، منْ أرتع، قَالَ فِي "القاموس": رَتَعَ كمنع رَتْعًا، ورُتُوعًا، ورِتاعًا بالكسر: أكل، وشرب ما شاء فِي خصب، وسَعَةٍ، أو هو الأكلُ، والشربُ رَغَدًا فِي الرِّيف، أو بِشَرَه، قَالَ: وَقَدْ أرتع فلانٌ إبله. انتهى. وعلى الثاني فيكون مفعوله فِي الْحَدِيث محذوفًا: أي إبله. و"حوله" منصوب عَلَى الظرفية متعلّقٌ بـ"يرتع".

стр. 16524

(يُوشِكُ) بضمّ أوله، منْ أوشك: أي يقرب (أنْ يُخَالِطَ الْحِمَى) أي يقع، ويدخل فيه؛ لأنه يتعاهد به التساهل، ويتمرّن عليه، ويجسُر عَلَى شبهة أخرى، أغلظ منها، وهكذا حَتَّى يقع فِي الحرام (وَرُبَّمَا قالَ) الراوي (إِنَّهُ مَنْ يَرْعَى) بفتح أوله، منْ باب سعى يسعى، يقال: رعت الماشية ترعى رَعْيًا، فهي راعية: إذا سَرَحَت بنفسها، ورَعَيتها، يُستعمل لازماً، ومتعدّيًا، وما هنا منْ المتعدّي (حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُرْتِعَ فِيهِ) بضم أوله، منْ الإرتاع (وَإِنَّ مَنْ) يحتمل أن تكون موصولة، وشرطيّة، عَلَى ما سبق قريباً (يُخَالِطُ الرِّيبَةَ) بكسر الراء: أي الشكّ والتهمة، وجمعه ريب، بكسر، ففتح، مثلُ سِدْرة وسِدَر، والمعنى أن منْ يدخل فِي محلّ التهمة، والشكّ (يُوشِكُ أَنْ يَجْسُرَ) بفتح أوله، وضم ثالثه: أي يُقدِم، ويَقَع فيه. [تنبيه]: زاد فِي رواية الشيخين فِي آخر هَذَا الْحَدِيث: "ألا وإن فِي الجسد مضغةً، إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب". قَالَ فِي "الفتح": وقوله: "مضغة": أي قدر ما يُمضَغ، وعبر بها هنا عن مقدار القلب فِي الرؤية، وسُمي القلب قلبا لتقلبه فِي الأمور، أو لأنه خالص ما فِي البدن، وخالص كل شيء قلبه، أو لأنه وُضِع فِي الجسد مقلوبا. وَقَالَ القرطبيّ: "المضغة": القطعة منْ اللحم، وهي قدر ما يمضغه الماضغ، يعني بذلك صغير جرمها، وعظيم قدرها. قَالَ: والقلب فِي الأصل مصدر قلبت الشيءَ: إذا رددته عَلَى بدأته، وقلبت الإناء: إذا رددته عَلَى وجهه، وقلبتُ الرجلَ عن رأيه: إذا صرفته عنه، وعن طريقه كذلك، ثم نقل هَذَا اللفظ، فسمّي به هَذَا العضو الذي هو أشرف أعضاء الحيوان؛ لسرعة الخواطر فيه، ولتردّدها عليه، وَقَدْ نظم بعض الفضلاء هَذَا المعنى، فَقَالَ [منْ البسيط]: مَا سُمِّيَ الْقَلْبُ إِلَّا مِنْ تَقَلُّبِهِ … فَاحْذَرْ عَلَى الْقَلْبِ منْ قَلْبٍ وَتَحْوِيلِ (١) انتهى "المفهم" ٤/ ٤٩٤ - ٤٩٥. وقوله: "إذا صلحت، وإذا فسدت" هو بفتح عينهما، وتُضم فِي المضارع، وحكى الفراء الضم فِي ماضي صلُح، وهو يُضم وفاقا، إذا صار له الصلاح هيئة لازمة، لشرف ونحوه، والتعبير بـ"إذا" لتحقق الوقوع غالبا، وَقَدْ تأتي بمعنى "إن" كما هنا، وخَصّ القلبَ بذلك؛ لأنه أمير البدن، وبصلاح الأمير تصلح الرعية، وبفساده تفسد، وفيه تنبيه

стр. 16525

عَلَى تعظيم قدر القلب، والحث عَلَى صلاحه، والإشارة إلى أن لطيب الكسب أثرا فيه، والمراد المتعلق به، منْ الفهم الذي ركبه الله فيه، ويُستدلّ به عَلَى أن العقل فِي القلب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ الآية [الحجّ: ٤٦]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ الآية [ق: ٣٧]، قَالَ المفسرون: أي عقل، وعَبّر عنه بالقلب؛ لأنه محل استقراره. [فائدة]: لم تقع هذه الزيادة، التي أولها: "ألا وإن فِي الجسد مضغةً" إلا فِي رواية الشعبي، ولا هي فِي أكثر الروايات عن الشعبي، إنما تفرد بها فِي "الصحيحين" زكريا ابن أبي زائدة، عنه، وتابعه مجاهد، عند أحمد، ومغيرة وغيره عند الطبراني، وعَبّر فِي بعض رواياته عن الصلاح والفساد، بالصحة والسقم، ومناسبتها لما قبلها بالنظر إلى أن الأصل فِي الاتقاء، والوقوع هو ما كَانَ بالقلب؛ لأنه عماد البدن. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما هَذَا متّفقٌ عليه، (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢/ ٤٤٥٥ و٥٠/ ٥٧١٢ - وفي "الكبرى" ١/ ٦٠٤٠. وأخرجه (خ) فِي "الإيمان" ٥٠ و"البيوع" ١٩١٠ (م) فِي "المساقاة" ٢٩٩٦ (د) فِي "البيوع" ٢٨٩٢ (ت) فِي "البيوع" ١١٢٦ (ق) فِي "الفتن" ٢٩٧٤ (أحمد) فِي "مسند الكوفيين" ١٧٦٢٤ و١٧٦٤٥ و١٧٦٤٩ و١٧٦٥٨ و١٦٩٢ (الدارمي) فِي "البيوع" ٢٤١٩. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان الحثّ عَلَى اجتناب الشبهات فِي الكسب. (ومنها): بيان عظم موقع هَذَا الْحَدِيث، وأنه ذو شأن، ونباهة، فلذا قد توارد أكثر أئمة الْحَدِيث الذين خرّجوه عَلَى إيراده فِي "كتاب البيوع"؛ لأن الشبهة فِي المعاملات تقع فيها كثيرًا، وله أيضًا تعلّق بالنكاح، وبالصيد، والذبائح، والأطعمة، والأشربة، وغير ذلك، منْ أبواب المعاملات، كما لا يخفى عَلَى منْ تأمّل ذلك. (ومنها): بيان أن الحلال، والحرام بيّنان واضحان لكلّ منْ له علم بالنصوص الشرعيّة. (ومنها): أن بين الحلال والحرام مرتّبة ينبغي التنبّه لها، وأخذ الحذر منها، ألا وهي الشبهات، فعلى العاقل أن يُحاسب نفسه عندها، ويأخذ حذره منها، فإنه إذا

стр. 16526

أرخى العنان لنفسه فيها، جرّه ذلك إلى التجاوز إلى الحرام، فليتّق الله تعالى عند الشبهات، ليسهل عليه البد عن المحرّمات، وإلا وقع فِي المهلكات. (ومنها): ضرب المثل لإيضاح الأحكام. (ومنها): أن منْ وقع فِي الشبهات، فقد عرّض دينه، وعرضه للطعن. (ومنها): أن فيه تقسيمَ الأحكام إلى ثلاثة أشياء، وهو صحيحٌ؛ لأن الشيء إما أن يُنصّ عَلَى طلبه مع الوعيد عَلَى تركه، أو يُنصّ عَلَى تركه، مع الوعيد عَلَى فعله، أو لا ينصّ عَلَى واحد منهما، فالأول الحلال البيّن، والثاني الحرام البيّن، فمعنى قوله: "الحلال بيّن": أي لا يحتاج إلى بيانه، ويشترك فِي معرفته كلّ أحد. والثالث: مشتبه؛ لخفائه، فلا يُدرى هل هو حلالٌ، أو حرامٌ، وما كَانَ هَذَا سبيله يبغي اجتنابه؛ لأنه إن كَانَ فِي نفس الأمر حرامًا، فقد برىء منْ تبعتها، وإن كَانَ حلالاً، فقد أُجر عَلَى تركها بهذا القصد؛ لأن الأصل فِي الأشياء مختلف فيه حظرًا، واباحةً، والأولان قد يردان جميعًا، فإن عُلم المتأخّر منهما، وإلا فهو منْ حيّز القسم الثالث. قاله فِي "الفتح" ٥/ ٨ "كتاب البيوع" رقم ٢٠٥١. (ومنها): أن فيه دليلاً عَلَى جواز الجرح والتعديل، قاله البغويّ فِي "شرح السنّة". (ومنها): أن بعضهم استنبط منه منع إطلاق الحلال والحرام عَلَى ما لا نصّ فيه؛ لأنه منْ جملة ما لم يستبن. لكن قوله ﷺ : "لا يعلمها كثير منْ النَّاس" يُشعر بأن منهم منْ يعلمها". قاله فِي "الفتح" ٥/ ٩. "كتاب البيوع". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فيما قاله أهل العلم منْ التنويه بشأن هَذَا الْحَدِيث: قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: أجمع العلماء عَلَى عظم وقع هَذَا الْحَدِيث، وكثرة فوائده، وأنه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإِسلام، قَالَ جماعة: هو ثلث الإِسلام، وإن الإِسلام يدور عليه، وعلى حديث "الأعمال بالنيّات"، وحديث "لا يؤمن أحدكم حَتَّى يُحبّ لأخيه ما يُحبّ لنفسه"، وقيل: حديث: "ازهد فِي الدنيا يُحبّك الله، وازهد فيما فِي أيدي النَّاس يحبّك النَّاس"، قَالَ العلماء: وسبب عظم موقعه أنه ﷺ نبّه فيه عَلَى إصلاح المطعم، والمشرب، والملبس، وغيرها، وأنه ينبغي ترك المشتبهات، فإنه سبب لحماية دينه وعرضه، وحذّر منْ مواقعة الشبهات، وأوضح ذلك بضرب المثل بالحمى، ثم بيّن أهمّ الأمور، وهو مراعاة القلب، فَقَالَ ﷺ : "ألا إن فِي الجسد مضغة" الخ، فبيّن ﷺ أن بصلاح القلب يصلح باقي الجسد، وبفساده يفسد باقيه. انتهى "شرح مسلم" ١١/ ٢٩. وَقَالَ القاضي عياض رحمه الله تعالى: رُوي عن أبي داود السجستانيّ، قَالَ: كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث، الثابت منها أربعة آلاف حديث، وهي ترجع

стр. 16527

إلى أربعة أحاديث: قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيّات"، وقوله: "منْ حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"، وقوله: "الحلال بيّن، والحرام بيّن"، وقوله: "لا يكون المرء مؤمنًا حَتَّى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه"، وروي مكان هَذَا "ازهد فِي الدنيا يحبّك الله" الْحَدِيث، قَالَ: وَقَدْ نظم هَذَا أبو الحسن طاهر بن مفوز فِي بيتين، فَقَالَ [منْ الخفيف]: عُمْدَةُ الدِّينِ عِنْدَنَا كَلِمَاتٌ … مُسْنَدَاتْ منْ قَوْلِ خَيْرِ الْبَرِيَّة اترُكِ الْمُشْبَهَاتِ وَازْهَدْ وَدَعْ مَا … لَيْسَ يَعْنِيكَ وَاعْمَلَنَّ بِنِيَّة وَقَالَ فِي "الفتح": ما حاصله: وَقَدْ عظم العلماء أمر هَذَا الْحَدِيث، فعَدُّوه رابع أربعة، تدور عليها الأحكام، كما نُقل عن أبي داود، وفيه البيتان المشهوران، قَالَ: والمعروف عن أبي داود، عَدُّ "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه" الْحَدِيث، بدل "ازهد فيما فِي أيدي النَّاس"، وجعله بعضهم ثالثَ ثلاثة، حذف الثاني، وأشار ابن العربي إلى أنه يُمكن أن ينتزع منه وحده، جميع الأحكام، قَالَ القرطبيّ: لأنه اشتمل عَلَى التفصيل بين الحلال وغيره، وعلى تعلق جميع الأعمال بالقلب، فمن هنا يمكن أن ترد جميع الأحكام إليه. والله المستعان. انتهى ما قاله فِي "الفتح" ١/ ١٧٦. وَقَالَ المازريّ: وإنما نبّه أهل العلم عَلَى عظم هَذَا الْحَدِيث؛ لأن الإنسان إنما يعبد بطهارة قلبه وجسمه، فأكثر المذامّ المحظورات إنما تنبعث منْ القلب، وأشار ﷺ لإصلاحه، ونبّه عَلَى أن إصلاحه هو إصلاح الجسم، وأنه الأصل، وهذا صحيح، يؤمن به حتّى منْ لا يؤمن بالشرع، وَقَدْ نصّ عليه الفلاسفة، والأطبّاء، والأحكام، والعبادات آلة يتصرّف الإنسان عليها بقلبه وجسمه فيها، يقع فِي مشكلات، وأمور ملتبسات، تكسب التساهل فيها، وتعويد النفس الجراءة عليها، وتكسب فساد الدين والعرض، فنبّه ﷺ عَلَى توقّي هذه، وضرب لها مثلاً محسوسًا؛ لتكون النفس له أشدّ تصوّرًا، والعقل أعظم قبولاً، فأخبر أن الملوك لهم أحمية، وكانت العرب تعرف فِي الجاهليّة أن العزيز فيهم يحمي مُرُوجًا، وأفنيةً، ولا يتجاسر عليها، ولا يدنو منها أحدٌ مهابةً منْ سطوته، وخوفًا منْ الوقوع فِي حوزته، وهكذا محارم الله منْ ترك منها ما قرب، فهو منْ توسطها أبعد، ومن تحامى طرف النهي أُمن عليه أن يتوسّط، ومن قرب توسّط. انتهى. وَقَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى بعد ذكر نحو ما تقدّم فِي كلام القاضي وغيره: ما نصّه: وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة ﵏ أجمعين حسنٌ، غير أنهم لو أمعنوا النظر فِي هَذَا الْحَدِيث كلّه منْ أوّله إلى آخره لوجدوه متضمّنًا لعلوم الشريعة كلّها، ظاهرها وباطنها، وان أردت الوقوف عَلَى ذلك، فأعد النظر فيما عقدناه منْ الجمل فِي الحلال

стр. 16528

والحرام، والمتشابهات، وما يُصلح القلوب، وما يُفسدها، وتعلّق أعمال الجوارح بها، وحينئذ يستلزم ذلك الْحَدِيث معرفة تفاصيل أحكام الشريعة كلّها، أصولها، وفروعها، والله هو المسؤول أن يستعملنا بما علّمنا، ويوفّقنا لما يرضى به عنّا، إنه وليّ ذلك، والقادر عليه. انتهى "المفهم" ٤/ ٤٩٩ - ٥٠٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): فيما يتعلّق بقوله: "فمن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه": قد كتب أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى فِي هَذَا بحثًا نفيسًا، أحببت إيراده لنفاسته، وعظيم فوائده، قَالَ رحمه الله تعالى: ما حاصله: أنّ منْ ترك ما يشتبه عليه، سَلِم دينه مما يفسده، أو ينقصه، وعرضه مما يَشينه ويَعيبه، فيَسلم منْ عقاب الله وذمّه، ويدخل فِي زمرة المتّقين الفائزين بثناء الله تعالى وثوابه، لكن لا يصحّ اتّقاء الشبهات حَتَّى تُعرَف، ومعرفتها عَلَى التعيين والتفصيل يستدعي فصل تطويل، لكن نعقد فيه عقدًا كليًّا، إن شاء الله تعالى، عن التفصيل مغنيا، فنقول: المكلّف بالنسبة إلى الشرع، إما أن يترجّح فعله عَلَى تركه، أو تركه عَلَى فعله، أو لا يترجّح واحد منهما، فالراجح الفعل، أو الترك، إما أن يجوز نقيضه بوجه ما، أو لا يجوز نقيضه، فإن لم يجز نقيضه فهو المعلوم الحكم منْ التحليل، كحلّيّة لحوم الأنعام، أو منْ التحريم، كتحريم الميتة والخنزير عَلَى الجملة، فهذان النوعان هما المراد بقوله: "الحلال بيّنٌ، والحرام بيّنٌ". وأما إن جُوّز نقيض ما ترجّح عنده، فإما أن يكون ذلك التجويز بعيدًا، لا مستند له أكثر منْ توهْم، وتقدير، فلا يُلتفت إلى ذلك، ويُلغَى بكلّ حال، وهذا كترك النكاح منْ نساء بلدة كبيرة، مخافة أن يكون له فيها ذات محرم منْ النسب، أو الرضاع، أو كترك استعمال ماء باق عَلَى أوصافه فِي فلاة منْ الأرض، مخافة تقدير نجاسة وقعت فيه، أو كترك الصلاة عَلَى موضع، لا أثر، ولا علامة للنجاسة فيه؛ مخافة أن يكون فيها بولٌ، قد جفّ، أو كتكرار غسل الثوب؛ مخافة طروء نجاسة لم يشاهدها، إلى غير ذلك، مما فِي معناه، فهذا النوع يجب أن لا يُلتفت إليه، والتوقف لأجل ذلك التجويز هَوَسٌ، والورع فيه وسوسة شيطانيّة؛ إذ ليس فيه منْ معنى الشبهة شيء، وَقَدْ دخل الشيطان عَلَى كثير منْ أهل الخير منْ هَذَا الباب، حَتَّى يُعطّل عليهم واجبات، أو ينقص ثوابها لهم، وسبب الوقوع فِي ذلك عدم العلم بالمقاصد الشرعية. وَقَدْ حكى الشيخ عبد الله بن يوسف، والد إمام الحرمين عن قوم أنهم لا يلبسون

стр. 16529

ثيابًا جُدُدًا حَتَّى يغسلوها؛ لما فيها ممن يعاني قصر الثياب، ودقّها، وتجفيفها، وإلقاءها وهي رطبة عَلَى الأرض النجسة، ومباشرتها بما يغلب عَلَى الظنّ نجاسته منْ غير أن يُغسل بعد ذلك، فاشتد نكيره عليهم، وَقَالَ: هذه طريقة الخوارج الحروريّة، أبلاهم الله تعالى بالغلق فِي غير موضع القلق، وبالتهاون فِي موضع الاحتياط، وفاعل ذلك معترض على أفعال النبيّ ﷺ والصحابة، والتابعين، فإنهم كانوا يلبسون الثياب الجدد قبل غسلها، وحال الثياب فِي أعصارهم كحالها فِي أعصارنا، ولو أمر رسول الله ﷺ بغسلها ما خفي؛ لأنه مما تعمّ به البلوى. وذكر أيضاً أن قوما يغسلون أفواههم إذا أكلوا الخبز؛ خوفًا منْ روث الثيران عند الدياس، فإنها تقيم أيامًا فِي المداسة، ولا يكاد يخلو طحينٌ عن ذلك، قَالَ: وهذا غلق، وخروج عن عادة السلف، وما روي عن أحد منْ الصحابة والتابعين أنهم رأوا غسل الفم منْ ذلك. انتهى. ذكر حكاية الجوينيّ العينيّ فِي "عمدة القاري" ١/ ٣٤٤ - ٣٤٥. قَالَ القرطبيّ: [فإن قيل]: كيف يقال هَذَا، وَقَدْ فعل النبيّ ﷺ مثل ذلك، لَمّا دخل بيته، فوجد فيه تمرةً، فَقَالَ: "لولا أني أخاف أن تكون منْ الصدقة لأكلتها" رواه أحمد ٣/ ١٨٤. ودخول الصدقة بيت النبيّ ﷺ بعيدٌ؛ لأنها كانت محرّمة عليه، وعلى آله، لكنه راعى الاحتمال البعيد، والاحتمالات التي ذكرتم ليست بأبعد منْ هَذَا الاحتمال، فما وجه الانفصال؟. [قلنا]: لا نسلّم أن ما توقّعه النبيّ ﷺ كَانَ بعيدًا؛ لأنهم كانوا يأتون بصدقات التمر للمسجد، وحجرته ﷺ متّصلة بالمسجد، فتوقع أن يكون صبيّ، أو منْ يغفل عن ذلك يُدخل التمر منْ الصدقة فِي البيت، فاتّقى ذلك لقربه بحسب ما ظهر، مما قرّب ذلك التقدير، وليس منْ تلك الصور فِي شىء؛ لأنها خليّةٌ عن الأمارات، وإنما هي محض تجويزات. وأما إن كَانَ ذلك التجويز له مستند، معتبرٌ بوجه ما، فالأصل العمل بالراجح، والورع الترك، إن لم يلزم منه العمل بترك الراجح، وبيانه بالمثال، وهو أن جلد الميتة لا يطهره الدباغ فِي مشهور مذهب مالك، فلا يجوز أن يُستعمل فِي شيء منْ المائعات؛ لأنها تنجس، إلا الماء وحده، فإنه يدفع النجاسة عن نفسه؛ لأنه لا ينجس إلا إذا تغيّر، هَذَا الذي ترجّح عنده، ثم إنه اتّقى الماء فِي خاصّة نفسه. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي نقله منْ مذهب مالك رحمه الله تعالى، منْ أن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ، خلاف السنة الصحيحة الصريحة: "أيما إهاب دُبغ،

стр. 16530

فقد طهر"، فلا يُلتفت إليه، والله تعالى أعلم. قَالَ: ونحو ذلك حُكي عن أبي حنيفة، أو سفيان الثوريّ أنه قَالَ: لأن أخرّ منْ السماء أهون عليّ منْ أفتي بتحريم قليل النبيذ، وما شربته قط، ولا أشربه، فقد أعلموا الراجح فِي الفتيا، وتورّعوا عنه فِي أنفسهم. وَقَدْ قَالَ بعض المحققين: منْ حِكَم الحكيم أن يوسّع عَلَى المسلمين فِي الأحكام، ويُضيّق عَلَى نفسه. يعني به ذلك المعنى. ومنشأ هَذَا الورع الالتفات إلى مكان اعتبار الشرع ذلك المرجوح، وهذا الالتفات نشأ منْ القول بأن المصيب واحدٌ، وهو مشهور قول مالك، ومنه ثار القول فِي مذهبه بمراعاة الخلاف، كما بيّنّاه فِي الأصول، غير أن تلك التجوّزات المعتبرة، وإن كانت مرجوحة، فهي عَلَى مراتب فِي القرب والبعد، والقوّة والضعف، وذلك بحسب الموجب لذلك الاعتبار، فمنها ما يوجب حَزَازةً فِي قلب المتّقي، ومنها ما لا يوجب ذلك، فمن لم يجد ذلك، فلا ينبغي له أن يتوقّف؛ لأنه يلتحق ذلك بالقسم الأول عنده، ومن وجد ذلك توقّف، وتورّع، وإن أفتاه المفتون بالراجح؛ لقوله ﷺ :"لا يبلغ العبد أن يكون منْ المتّقين حَتَّى يدع ما لا بأس به، حذرًا مما به البأس" (١)، وهنا يصدق قولهم (٢): استفت قلبك، وإن أفتوك، لكن هَذَا إنما يصح ممن نوّر الله قلبه بالعلم، وزيّن جوارحه بالورع، بحيث يجد للشبهة أثرًا فِي قلبه، كما يُحكى عن كثير منْ هذه الأمة، كما نَقَل عنهم فِي "الحلية" لأبي نعيم، و"صفة الصفوة" لابن الجوزيّ، وغيرهما منْ كتب ذلك الشأن. وأما إن لم يترجّح الفعل عَلَى الترك، ولا الترك عَلَى الفعل، فهذا هو الأحقّ باسم الشبهة، والمتشابه؛ لأنه قد تعارضت فيه الأشباه، فهذا النوع يجب فيه التوقّف إلى الترجيح؛ لأن الإقدام عَلَى أحد الأمرين منْ غير رجحان حكمٌ بغيرِ دليل، فيحرُم، إذ لا دليل مع التعارض، ولعلّ الذي قَالَ: إن الإقدام عَلَى الشبهة حرامٌ، أراد هَذَا النوع، والذي قَالَ: إن ذلك مكروه، أراد النوع الذي قبل هَذَا. والله تعالى أعلم. انتهى "المفهم" ٤/ ٤٩٠ - ٤٩٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): فيما يتعلّق بقوله ﷺ : "ألا وهي القلب":

стр. 16531

قَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: ثم اعلم أن الله تعالى خصّ جنس الحيوان بهذا العضو المسمّى بالقلب، وأودع فيه المعنى الذي تنتظم به المصالح المقصودة منْ ذلك النوع، فتجد البهائم تدرك مصالحها، ومنافعها، وتميّز بين مفاسدها ومضارّها، مع اختلاف أشكالها، وصُوَرها، إذ منها ما يمشي عَلَى بطنه، ومنها ما يمشي عَلَى أربع، ومنها ما يطير بجناحيه، ثم خصّ الله تعالى منْ بين سائر الحيوان نوع الإنسان الذي هو المقصود الأول منْ الكونين، والمعنيّ فِي العالمين بهذا القلب المخصوص المشتمل عَلَى هَذَا المعنى المخصوص الذي به تميّز الإنسان، ووقع بينه وبين سائر الحيوان الفرقان، وهو المعنى الذي به يفهم القلب المفهومات، ويحصل به عَلَى معوفة الكليّات والجزئيّات، ويعرف به فَرقَ ما بين الواجبات، والجائزات، والمستحيلات، وَقَدْ أضاف الله تعالى العقل إلى القلب، كما أضاف السمع إلى الأذن، والإبصار إلى العين، فَقَالَ تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحجّ: ٤٦]، وهو ردّ عَلَى منْ قَالَ منْ أهل الضلال: إن العقل فِي الدماغ، وهو قول منْ زلّ عن الصواب، وزاغ، كيف لا، وَقَدْ أخبرنا عن محلّه خالقه القدير: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، وَقَدْ روي ذلك عن أبي حنيفة، وما أظنّها عنه معروفة. وإذا فهمت أن الإنسان إنما شرّفه الله تعالى عَلَى سائر الحيوان بهذا القلب، وأن هَذَا القلب لم يشرف منْ حيث صورته الشكليّة، فإنها موجودة لغيره منْ الحيوانات البهيميّة، بل منْ حيث هو مقرّ لتلك الخاصيّة الإلهيّة، علمت أنه أشرف الأعضاء، وأعزّ الأجزاء؛ إذ ليس ذلك المعنى موجودًا فِي شيء منها. ثم إن الجوارح مسخّرةٌ له، ومطيعة، فما استقرّ فيه ظهر عليها، وعملت عَلَى مقتضاه، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًا فشرٌ، وعند هَذَا انكشف لك معنى قوله ﷺ : "إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه"، ولمّا ظهر ذلك وجبت العناية بالأمور التي يصلح بها القلب؛ ليتّصف بها، وبالأمور التي تفسد القلب؛ ليتجنّبها، ومجموع ذلك علومٌ، وأعمالٌ، وأحوال: فالعلوم ثلاثة: [الأول]: العلم بالله تعالى، وصفاته، وأسمائه، وتصديق رسله فيما جاؤوا به. [والثاني]: العلم بأحكامه عليهم، ومراده منهم. [والثالث]: العلم بمساعي القلوب، منْ خواطرها، وهمومها، ومحمود أوصافها، ومذمومها. وأما أعمال القلوب، فالتحلّي بالمحمود منْ الأوصاف، والتخلّي منْ المذموم منها،

стр. 16532

ومنازلة المقامات، والترقّى عن مفضول المنازلات، إلى سنيّ الحالات. وأما الأحوال، فمراقبة الله تعالى فِي السرّ والعلن، والتمكّن منْ الاستقامة عَلَى السنن، وإلى هَذَا أشار رسول الله ﷺ حيث قَالَ: "أن تعبد الله كأنك تراه" متّفقٌ عليه. وتفصيل هذه المعاقد الْجُمليّة توجد فِي تصانيف محقّي الصوفيّة. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: بل هي مفصّلة فِي الكتاب والسنّة، فمن أمعن النظر، وأجال الفكر ظفر بمقاصدها، وأما ما اصطلح عليه المتأخّرون منْ الألفاظ المصطلحيّة، فلا حاجة للمكلّف إليها، ولا هي مما تكلّم بها النبيّ ﷺ الذي جعل الله تعالى هداية الأمة عَلَى يديه، ولا كَانَ يعرفها الصحابة الكرام ﵃، ولا التابعون لهم بإحسان، ولو سئلوا عنها لما استطاعوا أن يفهموها، فضلاً عن أن يجيبوا عنها، ولو طُلب منْ الأئمة الأربعة الفقهاء المحققين، أو منْ الأئمة الستة المحدثين الناقدين أن يحُلّوا بعض غوامضها لما وجدوا إلى ذلك سبيلاً، فهيهات هيهات أن يكون هَذَا منْ مقاصد الدين، الذي أكمله الله ، وأتمّه، والنبيّ ﷺ حيّ بين ظهراني أصحابه، فلا يقبل الزيادة ولا النقص، قَالَ الله فِي محكم كتابه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ الآية [المائدة: ٣]. وَقَدْ حذّر النبيّ ﷺ عن محدثات الأمور، فكان يقول فِي خطبته: "إن أصدق الْحَدِيث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة فِي النار"، رواه النسائيّ رقم ١٥٧٨ بسند صحيح. وأخرج الترمذيّ منْ حديث العرباض بن سارية ﵁، قَالَ: وعظنا رسول الله ﷺ يوما، بعد صلاة الغداة، موعظة بليغة، ذَرَفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فَقَالَ رجل: إن هذه موعظة مُودِّع، فماذا تعهد إلينا يا رسول الله، قَالَ: "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبدٌ حبشي، فإنه منْ يعش منكم، يرى اختلافا كثيرا، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم، فعليه بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ". وذكر الإِمام الذهبيّ رحمه الله تعالى فِي "ميزان الاعتدال" ١/ ٤٣٠ - ٤٣١ عن الحافظ سعيد بن عمرو البردعيّ، أنه قَالَ: شهدت أبا زرعة، وَقَدْ سئل عن الحارث بن أسد المحاسبيّ، وكتبه؟ فَقَالَ للسائل: إياك وهذه الكتب، هذه كتب بدع وضلالات، وعليك بالأثر، فإنك تجد فيه ما يُغنيك، قيل له: فِي هذه الكتب عبرة، فَقَالَ: منْ لم يكن له فِي كتاب الله عبرة، فليس له فِي هذه الكتب عبرة، بلغكم أن سفيان، ومالكًا، والأوزاعيّ صنّفوا هذه الكتب فِي الخطرات، والوساوس، ما أسرع النَّاس إلى البدع.

стр. 16533

قَالَ الذهبيّ: مات الحارث سنة (٢٤٣) وأين مثل الحارث، فكيف لو رأي أبو زرعة تصانيف المتأخّرين، كـ"القوت" لأبي طالب، وأين مثل "القوت"؟ كيف لو رأى "بهجة الأسرار" لابن جهضم، و"حقائق التفسير" للسلميّ، لطار لبّه، كيف لو رأى تصانيف أبي حامد الطوسيّ فِي ذلك عَلَى كثرة ما فِي "الإحياء" منْ "الموضوعات" كيف لو رأى "الغنية" للشيخ عبد القادر، كيف لو رأى "فصوص الحكم"، و"الفتوحات المكيّة"، بلى لَمّا كَانَ الحارث لسان القوم فِي ذلك العصر، كَانَ معاصره ألف إمام فِي الْحَدِيث، فيهم مثل أحمد بن حنبل، وابن راهويه، ولَمّا صار أئمة الْحَدِيث مثل ابن الدخميسي، وابن شحانة، كَانَ قطب العارفين كصاحب "الفصوص"، وابن سفيان (١)، نسأل الله العفو، والمسامحة، آمين انتهى. وبالجملة فمن لم يستغن بكتاب الله تعالى، وكتب السنة المطهرة، كالكتب الستة، وغيرها، فلا يرجى منه خير أبدًا، فعليه أن يبكي عَلَى نفسه، ويتوب إلى الله تعالى، ويسأله أن يصلح قلبه، وقالبه. والله تعالى أعلم. ولنعد إلى كلام القرطبيّ، قَالَ رحمه الله تعالى: [تنبيه]: الجوارح، وإن كانت تابعة للقلب، فقد يتأثّر القلب بأعمالها، للارتباط الذي بين الباطن والظاهر، والقلب مع الجوارح كالملك مع الرعيّة، إن صلح صلحت، ثم يعود صلاحها عليه بزيادة مصالح ترجع إليه، ولذلك قيل: الملك سوقٌ، ما نفق عنده جُلب إليه. وَقَدْ نصّ عَلَى هَذَا المعنى النبيّ ﷺ ، فَقَالَ: "إن الرجل ليصدق، فينكت فِي قلبه نكتة بيضاء، حَتَّى يُكتب عند الله صدّيقًا، وإن الرجل ليكذب الكذبة، فيسودّ قلبه حَتَّى يُكتب عند الله كذّابًا" (٢). وأخرج أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ ، قَالَ: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة، نُكتت فِي قلبه نكتةٌ سوداء، فإذا هو نزع، واستغفر، وتاب صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها، حَتَّى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]، قَالَ الترمذيّ: هَذَا حديث

стр. 16534

حسن صحيح. وَقَالَ مجاهد: القلب كالكفّ تقبض منه بكل ذنب أصبع، ثم يُطبع، وإلى هَذَا المعنى الإشارة بقوله ﷺ : "إن فِي الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كلّه" متصلاً بقوله: "الحلال بيّنٌ، والحرام بيّنٌ"؛ إشعارًا بأن أكل الحلال ينوّره، ويُصلحه، وأكل الحرام، والشبهة يُفسده، ويقسيه، ويُظلمه، وَقَدْ وجد ذلك أهلُ الورع، حتّى قَالَ بعضهم: استسقيت جنديًّا، فسقاني شربة ماء، فعادت قسوتها عَلَى قلبي أربعين صباحًا. وقيل: الأصل المصحّح للقلوب والأعمال أكل الحلال، ويُخاف عَلَى آكل الحرام، والمتشابه أن لا يُقبل له عملٌ، ولا تُسمع له دعوةٌ، ألا تَسمع قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، وآكل الحرام المسترسل فِي الشبهات ليس بمتّقٍ عَلَى الإطلاق، وَقَدْ عضد ذلك قوله ﷺ : "أيها النَّاس إن الله طيّبٌ، ولا يقبل إلا طيّبًا، وإن الله تعالى أمر المؤمنين، بما أمر به المرسلين، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ الآية [المؤمنون: ٥١]، ثم ذكر الرجل يُطيل السفر أشعث، أغبر، يقول: يا ربّ، يا ربّ، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنّى يُستجاب له"، رواه مسلم، والترمذيّ. ولَمّا شرب أبو بكر جرعة لبن منْ شبهةً استقاءها، فأجهده ذلك حَتَّى تقيّأها، فقيل له: أكلّ ذلك فِي شربة؟ فَقَالَ: والله لو لم تخرج إلا بنفسي لأخرجتها، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كلّ لحم نبت منْ سُحت فالنار أولى به" (١). وعند هَذَا يعلم الواحد منا قدر المصيبة التي هو فيها، وعظم المحنة التي ابتُلي بها، إذ المكاسب فِي هذه الأوقات قد فسدت، وأنواع الحرام والشبهات قد عمّت، فلا يكاد أحد منّا اليوم يتوصّل إلى الحلال، ولا ينفكّ عن الشبهات، فإن الواحد منا، وإن اجتهد فيما يعلمه، فكيف يعمل فيمن يعامله، مع استرسال النَّاس فِي المحرّمات، والشبهات، وقلّة منْ يتّقي ذلك، منْ جميع الأصناف، والطبقات، مع ضرورة المخالطة، والاحتياج للمعاملة، وعلى هَذَا فالخلاص بعيدٌ، والأمر شديدٌ، ولولا النهي عن القنوط واليأس، لكان ذلك الأولى بأمثالنا منْ النَّاس، لكنّا إذا دفعنا عن أنفسنا أصول المحرّمات، واجتهدنا فِي ترك ما يمكننا منْ الشبهات، فعفو الله تعالى مأمولٌ، وكرمه مرجوّ، فلا ملجأ إلا هو، ولا مفزع إلا إليه، ولا استعانة إلا به، ولا حول، ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى. "المفهم" ٤/ ٤٩٤ - ٤٩٨. وهو كلام

стр. 16535

نفيسٌ، وبَحْثٌ أنيسٌ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٥٦ - (حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، مَا يُبَالِي الرَّجُلُ مِنْ أَيْنَ أَصَابَ الْمَالَ؟ مِنْ حَلَالٍ، أَوْ حَرَامٍ"). رجال هَذَا الإسناد: ستة. ١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ دِينَارٍ) القرشيّ/ أبو محمد الكوفيّ الطحان، وربما نُسب إلى جده، ثقة [١١] ٨/ ٤١٠. ٢ - (أبو داود الْحَفَريّ) عُمر بن سعد بن عُبيد، والحفريّ بفتحتين: نسبة إلى موضع بالكوفة، ثقة عابد [٩] ١٥/ ٥٢٣. ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عيبد الله الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٧] ٣٣/ ٣٧. ٤ - (محمد بن عبد الرحمن) بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشيّ العامريّ المدنيّ، ثقة فقيه فاضل [٧] ٤١/ ٦٨٥. ٥ - (المقبريّ) سعيد بن كيسان، أبو سَعْد المدنيّ، ثقة، تغير قبل موته بأربع سنين [٣] ٩٥/ ١١٧. [تنبيه]: منْ الغريب ما كتبه الحافظ فِي "الفتح" ٥/ ١٥ - عَلَى هَذَا السند، حيث قَالَ: ما حاصله: أورده النسائيّ منْ طريق محمد بن عبد الرحمن، عن الشعبيّ، عن أبي هريرة، ووهِم المزّيّ فِي "الأطراف"، فظنّ أن محمد بن عبد الرحمن، هو ابن أبي ذئب، فترجم به للنسائيّ مع طريق البخاريّ هذه عن ابن أبي ذئب، وليس كما ظنّ، فإني لم أقف عليه فِي جميع النسخ التي وقفت عليها منْ النسائيّ إلا عن الشعبيّ، لا عن سعيد، ومحمد بن عبد الرحمن المذكور عنه أظنّه ابن أبي ليلى، لا ابن أبي ذئب؛ لأني لا أعرف لابن أبي ذئب رواية عن الشعبيّ. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وهذا التعقّب فيه نظر، فإن نسخ "المجتبى" التي عندي ليس فيها ذكر الشعبيّ أصلاً، وإنما الذي فيها المقبريّ، وأما نسخة "الكبرى" التي عندي فليس فيها ذكر المقبريّ أصلاً، وإنما هو عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، ولكن ألحق به محقق الكتاب ذكر المقبريّ أخذًا منْ "المجتبى". فتبين بهذا أن توهيم الحافظ للمزيّ غير صحيح، بل الصواب معه، وأن محمد بن عبد الرحمن هو ابن أبي ذئب، وأن شيخه هو سعيد المقبريّ، لا الشعبيّ، فتنبّه. والله

стр. 16536

تعالى أعلم. ٦ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين إلى سفيان، ومن بعده بالمدنيين. (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ أكثر منْ روى الْحَدِيث فِي دهره، روى (٥٣٧٤) حديثاً. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ) وفي رواية للبخاريّ: "ليأتينّ عَلَى النَّاس زمانٌ" (مَا يُبَالِي الرَّجُلُ مِنْ أَيْنَ أَصَابَ الْمَالَ؟) أي منْ أيّ وجه وجده (مِنْ حَلَالٍ، أَوْ حَرَامٍ") يعني أنه لا يبحث أحدٌ عن الوجه الذي أصاب المال منه، أهو حلالٌ، أم حرام، وإنّما مطلوبه المال، فبأيّ وجه وصل إلى يده أخذه. وَقَالَ ابن التين رحمه الله تعالى: أخبر النبيّ ﷺ بهذا، تحذيرًا منْ فتنة المال، وهو منْ بعض دلائل نبوّته؛ لإخباره بالأمور التي لم تكن فِي زمنه، ووجه الذّمّ منْ جهة التسوية بين الأمرين، وإلا فأخذ المال منْ الحلال ليس مذموماً، منْ حيث هو. ذكره فِي "الفتح" ٥/ ١٥ "كتاب البيوع". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هَذَا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢/ ٤٤٥٦ - وفي "الكبرى" ١/ ٦٠٤١. وأخرجه (خ) فِي "البيوع" ٢٠٥٩ و٢٠٨٣ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ٩٤٦٢ و١٠١٥٩ (الدارمي) فِي "البيوع" ٢٤٢٤. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو الحثّ عَلَى اجتناب الشبهات فِي الكسب؛ لأن الوقوع فيها يجرّ إلى الوقوع فِي المحرّمات. (ومنها): أن فيه علمًا منْ أعلام النبيّ ﷺ ، حيث أخبر بما لم يقع فِي عهده، بل بعده بقرون، وهو العصر الذي

стр. 16537

نحن فيه، فإنا لله، وإنا إليه راجعون. (ومنها): أنه يدلّ عَلَى أن الحلال لا يُفقد منْ الأرض فِي أيّ عصر كَانَ، فالواجب عَلَى المسلم أن يتحرّى فِي كسبه الحلال، ويبحث عنه، فإنه إذا أخلص فِي طلبه سيوفّق بإذن الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٥٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي خَيْرَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، يَأْكُلُونَ الرِّبَا، فَمَنْ لَمْ يَأْكُلْهُ أَصَابَهُ مِنْ غُبَارِهِ"). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (ابن أبي عديّ) محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقة [٩] ١٢٢/ ١٧٥. ٣ - (داود بن أبي هند) القشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد البصريّ، ثقة متقنٌ، كَانَ يهم بآخره [٥] ٢١/ ٥٣٨. ٤ - (سعيد بن أبي خيرة) -بفتح المعجمة، بعدها تحتانيّة ساكنة- البصريّ، مقبول [٦]. روى عن الحسن البصريّ، وعنه داود بن أبي هند، وعبّاد بن راشد، وسعيد بن أبي عرُوبة. ذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وزعم أنه سعيد بن وهب الهمدانيّ، ولكنه لم يُتابع عَلَى ذلك. وَقَالَ ابن المدينيّ: لم يرو عنه غير داود بن أبي هند، وهو متعقّب بما سبق. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، بهذا الْحَدِيث فقط. ٥ - (الحسن) بن أبي الحسن يسار الأنصاريّ مولاهم البصريّ، ثقة فقيه فاضل مشهور، يرسل كثيرًا ويدلس، رأس [٣] ٣٢/ ٣٦. ٦ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير سعيد بن أبي خيرة، فقد تفرد به المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، لكنه منقطع عند الجمهور؛ لأن الحسن لم يسمع منْ أبي هريرة ﵁. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبغلاني، والصحابي، فمدنيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.

стр. 16538

شرح الْحَدِيث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَالَ: "يَأتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، يَأَكُلُونَ الرِّبَا) لرقّة دينهم، وعدم ورعهم، وقلّة اكتراثهم بالوعيد الوارد فِي آكل الربا، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ الآية، وقوله ﷺ : "لعن الله آكل الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه، هم فيه سواء"، رواه مسلم (فَمَنْ لَمْ يَأْكُلْهُ) اجتنابًا للحرام، وتورّعًا منه (أَصَابَهُ مِنْ غُبَارِهِ) أي أصابه غبار بعض الربا، والمراد إصابة قليل الربا، وذلك بسبب تعامله مع عامة النَّاس الذين لا يتورّعون منْ أكل الربا، والمراد أنه وإن لم يأكل الربا قصدًا، لكنه يصيبه بغير اختياره، حيث لابدّ له منْ التعامل مع النَّاس، وهذا هو الواقع الآن، فإن الإنسان، وإن لم يقصد أكل الربا، إلا أنه لابدّ وأن يأتيه منْ جهة البنوك الربويّة بأي وسلية منْ الوسائل؛ إذ لابد له منْ أن يتقاضى راتبه الشهريّ عَلَى وظيفته، أو يأخذ ثمن سلعته، أو أجرة ما يؤاجره، أو نحو ذلك، منْ الأمور الحاجيّة، فبسبب هذه الأمور قد أصابه الربا، نسأل الله تعالى أن يجعل لنا فرجًا، ومخرجًا .... والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هَذَا ضعيفٌ؛ لأن فيه الحسن، أما عَلَى قول الجمهور، فإنه منقطع؛ لأنه لم يسمع منْ أبي هريرة ﵁، وأما عَلَى قول منْ يثبت سماعه منه، فإنه لم يصرّح بالتحديث، بل عنعنه، وهو مدلّس. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢/ ٤٤٥٧ - وفي "الكبرى" ١/ ٦٠٤٢. وأخرجه (د) فِي "البيوع" ٢٨٩٢ (ق) فِي "التجارات" ٢٢٦٩ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١٠٠٠٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". ***

стр. 16539

٣ - (بَابُ التِّجَارَةِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "التجارة" بكسر التاء المثنّاة، وتخفيف الجيم، اسم منْ تجر تَجْرًا، منْ باب قتل: إذا باع واشترى، واتّجر مثله، وهو تاجر، والجمع تَجْرٌ، مثلُ صاحب وصَحْبٍ، وتُجّار بضم التاء، مع التثقيل، وبكسرها مع التخفيف، قَالَ الفيّوميّ: ولا يكاد يوجِد تاء، بعدها جيم، إلا نَتَجَ، وتَجَرَ، والرَّتَجُ، وهو الباب، ورُتِجَ فِي منطقه، وأما تُجَاه الشيء، فأصلها واو. انتهى. والمراد بالترجمة بيان فُشُوِّ التجارة وكثرتها فِي آخر الزمان. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٤٥٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، أَنْ يَفْشُوَ الْمَالُ، وَيَكْثُرَ، وَتَفْشُوَ التِّجَارَةُ، وَيَظْهَرَ الْعِلْمُ، وَيَبِيعَ الرَّجُلُ الْبَيْعَ، فَيَقُولَ: لَا، حَتَّى أَسْتَأْمِرَ تَاجِرَ بَنِي فُلَانٍ، وَيُلْتَمَسَ فِي الْحَيِّ الْعَظِيمِ الْكَاتِبُ، فَلَا يُوجَدُ"). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلّاس البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (وهب بن جرير) بن حازم الأزديّ البصريّ، ثقة [٩] ١٩٦/ ١١٧٨. ٣ - (أبوه) جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزديّ، أبو النضر البصريّ، ثقة، لكن فِي حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدّث منْ حفظه، وَقَدْ اختلط، لكنه لم يحدّث بعد اختلاطه [٦] ٨٢/ ١٠١٤. ٤ - (يونس) بن عُبيد بن دينار العبديّ، أبو عبيد البصريّ، ثقة ثبت فاضل ورع [٥] ٨٨/ ١٠٩. ٥ - (الحسن) بن أبي الحسن البصريّ المذكور فِي السند السابق. ٦ - (عَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ) -بفتح التاء المثنّاة، وسكون المعجمة، وكسر اللام، ثم موحّدة- النمريّ -بفتح النون، والميم- منْ النمِر بن قاسط، ويقال العبديّ، منْ جُواثَا، قرية منْ قُرَى البحرين، له صحبة، روى عن النبيّ ﷺ ، وعنه الحسن البصريّ، ولم يرو عنه غيره، قاله غير واحد، وذكر ابن عبد البرّ أن الحكم بن الأعرج روى عنه أيضًا، وسبقه إلى ذلك أبو محمد بن أبي حاتم فِي "كتاب الجرح والتعديل". قَالَ البخاريّ: يُعدّ فِي البصريين، ولم يذكر له راويًا غير الحسن، وأنه قد صرّح الحسن بسماعه منه،

стр. 16540

فكأنه تأخّر إلى بعد الأربعين. روى له البخاريّ، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة أصحاب الأصول بلا واسطة. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ عَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ منْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ) أي منْ علامات قرب القيامة (أَنْ يَفْشُوَ الْمَالُ) أي يظهر، والمراد به كثرته، فما بعده عطف تفسير له (وَيَكثُرَ، وَتَفْشُوَ التِّجَارَةُ) أي البيع والشراء (وَيَظْهَرَ الْعِلْمُ) هكذا فِي معظم النسخ بلفظ "العلم"، والظاهر أن المراد به علم الدنيا، ويؤيّد هَذَا ما وقع فِي "الكبرى" بلفظ: "ويظهر القلم" بالقاف، فإن ظهور القلم إنما يكون بسبب انتشار العلم الدنيويّ، كما هو المشاهد الآن، ولا تنافي بينه وبين حديث أنس ﵁، مرفوعًا: "إن منْ أشراط الساعة أن يُرفع العلم، ويثبت الجهل، ويُشرب الخمر، ويظهر الزنا"، متّفقٌ عليه، فإن المراد به العلم الديني، فالناس جهلاء فِي أمور دينهم؛ لبعدهم عنه، علماء بأمور دنياهم؛ لانهماكهم فِي حبّ الدنيا، وانشغالهم بها. وأما ما قاله السنديّ: منْ معنى "يظهر العلم" يزول، ويرتفع: أي يذهب العلم عن وجه الأرض، فبعيد عن لفظ الْحَدِيث، ولعله إنما فسّره به لئلا يتعارض مع حديث أنس ﵁ المذكور، ولا تنافي بينهما، كما أوضحته آنفًا، ولله الحمد. ووقع فِي بعض النسخ: "ويظهر الجهل"، وهو واضح. والله تعالى أعلم. قَالَ الشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى: فِي الْحَدِيث إشارة قويّة إلى اهتمام الحكومات اليوم فِي أغلب البلاد بتعليم النَّاس القراءة والكتابة، والقضاء عَلَى الأميّة، حَتَّى صارت الحكومات تتباهى بذلك، فتعلن أن نسبة الأميّة قد قلّت عندها حَتَّى كادت أن تُمحى، فالحديث علم منْ أعلام نبوّته ﷺ بأبي هو وأمي، ولا يخالف ذلك كما قد يتوهّم البعض ما صحّ عنه ﷺ فِي غير ما حديث أن منْ أشراط الساعة أن يُرفع العلم، ويظهر الجهل؛ لأن المقصود به العلم الشرعيّ الذي به يعرف النَّاس ربهم، ويعبدونه حقّ عبادته، وليس بالكتابة، ومحو الأميّة كما يدلّ عَلَى ذلك المشاهدة اليوم، فإن كثيرًا منْ

стр. 16541

الشعوب الإِسلاميّة فضلاً عن غيرها لم تستفد منْ تعلّمها القراءة والكتابة عَلَى المناهج العصريّة إلا الجهل، والبعد عن الشريعة الإِسلاميّة، إلا ما قلّ وندر، وذلك مما لا حكم له. انتهى "السلسلة الصحيحة" ٦/ ٦٣٥ رقم الْحَدِيث ٢٧٦٧. (وَيَبِيعَ الرَّجُلُ الْبَيْعَ) أي يريد أن يبيع المبيع لمن سامه (فَيَقُولَ: لَا) أي لا أعقد البيع معك (حَتَّى أَسْتَأمِرَ تَاجِرَ بَنِي فُلَانٍ) أي حَتَّى أشاوره، ومراده أن يسأله عن سعر المتاع؛ لأنه ربما يزيد عنده، وهذا دليل عَلَى كثرة اهتمام النَّاس، وحرصهم عَلَى إصلاح الدنيا، وَقَالَ السنديّ: معنى "حَتَّى أستأمر تاجر بني فلان": أي أشاوره، بيان لكثرة الجهل، إذ لا يجوز التعليق فِي البيع، لكن بعض العلماء جوّزوا شرط الخيار لغيره. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا التفسير بعيد منْ سياق الْحَدِيث، بل الظاهر أن المعنى عَلَى الأول، والله تعالى أعلم. (وَيُلْتَمَسَ) بالبناء للمفعول: أي يُطلب (فِي الحَيِّ الْعَظِيم) أي القبيلة الكبيرة (الْكَاتِبُ) أي الذي يكتب بالعدل، ولا يطمع فِي المال بغير حقّ. قَاله السنديّ (فَلَا يُوجَدُ) ذلك الكاتب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث عمرو بن تغلب رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح، أخرجه المصنّف هنا -٣/ ٤٤٥٨ - وفي "الكبرى" ٣/ ٦٠٤٨، وهو منْ أفراده، فلم يخرجه منْ أصحاب الأصول غيره، وأخرجه الحاكم فِي "مستدركه" ٢/ ٧، وأبو داود الطيالسيّ فِي "مسنده" ١١٧١. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه عنعنة الحسن؟. [قلت]: ثبت تصريحه بالتحديث منْ عمرو بن تغلب، حديث أشراط الساعة عند البخاريّ فِي "صحيحه" ولفظه: ٢٧١٠ - حدثنا أبو النعمان، حدثنا جوير بن حازم، قَالَ: سمعت الحسن يقول: حدثنا عمرو بن تغلب، قَالَ: قَالَ النبيّ ﷺ : "إن منْ أشراط الساعة، أن تقاتلوا قوما، ينتعلون نعال الشعر، وإن منْ أشراط الساعة، أن تقاتلوا قوما، عِرَاَض الوجوه، كأن وجوههم الْمَجَان المطرقة". وأخرجه أبو داود الطيالسيّ، وفيه ذكر التجارة، والقلم، ولفظه: حدّثنا ابن فضالة، عن الحسن، قَالَ: قَالَ عمرو بن تغلب: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن منْ أشراط الساعة أن تقاتلوا قومًا، نعالهم الشعر، وان منْ أشراط الساعة أن تقاتلوا قومًا، كأن

стр. 16542

وجوههم المجانّ المطرقة، وإن منْ أشراط الساعة أن يكثر التجّار، ويظهر القلم". وإن لم يكن بهذا اللفظ، كما بيّنه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى فِي "الصحيحة" ٦/ القسم الأول ٦٣١. ومما يشهد لهذا الْحَدِيث ما أخرجه أحمد فِي "مسنده" ١/ ٤٠٧ والبخاريّ فِي "الأدب المفرد" رقم ١٠٤٩ بإسناد صحيح، عن سيّار أبي الحكم، عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبيّ ﷺ : "إن بين يدي الساعة تسليم الخاصّة، وفُشُوّ التجارة، حَتَّى تعين المرأة زوجها عَلَى التجارة، وقطع الأرحام، وشهادة الزور، وكتمان شهادة الحقّ، وظهور القلم". والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان فشوّ التجارة، وأنه منْ أشراط الساعة. (ومنها): أن كثرة المال منْ أشراط الساعة، ولا خير فيه؛ لأنه يُلهي عن الآخرة، إلا لمن وفقه الله تعالى للقيام بحقّه. (ومنها): أن ظهور علم الدنيا، وانتشاره بين الأمة، منْ أشراط الساعة، وأنه لا خير فيه إذا صدّ النَّاس عن الاشتغال بالعلم الشرعيّ، كما هو مشاهد عند أكثر النَّاس المتعلّمين اليوم، وأما منْ قام بتعلم الواجب الدينيّ، ثم أضاف إليه علم العصر، فإنه خير كثيرٌ. (ومنها): أن فيه علماً منْ أعلام النبوّة، حيث أخبر ﷺ بهذه الأمور، فجاءت مطابقة لما أخبر به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٤ - (مَا يَجِبُ عَلَى التُّجّارِ مِنَ التَّوْقِيَةِ فِي مُبَايَعَتِهِمْ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "التوقية": مصدر وقّى بتشديد القاف، قَالَ فِي "القاموس": وقاه وَقْيًا، ووِقَايةً، وواقيةً: صانه، كوقّاه، والوَقَاء -بالفتح- ويُكسر، والوقاية، مثلّثةً: ما وقيتَ به، والتوْقِيةُ: الْكِلَاءَة، والحفظُ. انتهى. فالمعنى هنا: حفظ أموالهم منْ تعريضها عند البيع للحرام، كأن يكذب أنها سليمة،

стр. 16543

ويكتم ما بها منْ العيب. وقوله: "فِي مبايعتهم"، وفي نسخة: "فِي مبايعاتهم" بلفظ الجمع، وفي أخرى: "فِي مَبايعهم"، والظاهر أنه بفتح الميم: جمع مبيعة، كمعيشة ومعايش. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٤٥٩ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ، مَا لَمْ يَفْتَرِقَا، فَإِنْ صَدَقَا، وَبَيَّنَا، بُورِكَ فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا، وَكَتَمَا مُحِقَ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا"). رجال هَذَا الإسناد: سبعة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلّاس المذكور فِي الباب الماضي. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ الإِمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤. ٣ - (شعبة) بن الحجاج البصريّ الإِمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧. ٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسيّ البصريّ، ثقة ثبت يدلّس [٤] ٣٠/ ٣٤. ٥ - (أبو الخليل) صالح بن أبي مريم الضُّبَعيّ مولاهم البصريّ، ثقة [٦] ٥١/ ٣٣٠٨. ٦ - (عبد الله بن الحارث) بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب الهاشميّ، أبو محمد المدنيّ، له رؤية، ولأبيه وجدّه صحبة، ثقة [٢] ٤١/ ٢٢١١. ٧ - (حَكِيمُ بْنُ حِزَام) بن خُويلد بن أسد بن عبد العُزّى الأسديّ، أبو خالد المكيّ، ابن أخي خديجة، أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهما، أسلم يوم الفتح، وصحب، وله (٧٤) سنة، ثم عاش إلى سنة (٥٤) أو بعدها، وكان عالماً بالنسب ﵁ ١٢٥/ ١٠٨٤. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى، (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريبن، غير عبد الله بن الحارث، فمدني، وحكيم، فمكيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة منْ التابعين يروي بعضهم عن بعض: قتادة، وأبو الخليل، وعبد الله بن الحارث. (ومنها): أن صحابيّه ممن وُلد فِي جوف الكعبة، ولا يُعرف هَذَا لغيره جاهليّةً، ولا إسلامًا، وهو منْ الصحابة الذين عاشوا (١٢٠) سنة، ستين فِي الجاهليّة، وستّين فِي الإِسلام، وإلى هَذَا أشار السيوطيّ رحمه الله تعالى فِي "ألفية الْحَدِيث"، حيث قَالَ: وَعِدَّةٌ مِنَ الصِّحَابِ وَصَلُوا … عِشْرِينَ بَعْدَ مِائَةٍ تُكَمَّلُوا

стр. 16544

سِتُّون فِي الإسْلَامِ حَسَّانٌ يَلِي … حُوَيْطِبٌ مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلِ ثُمَّ حَكِيمٌ حَمْنَنٌ سَعِيدُ … وَآخَرُونَ مُطْلَقَ سَعِيدُ عَاصِمُ سَعْدٌ نَوْفَلٌ مُنْتَجِعُ … لَجْلَاجُ أَوْسٌ وَعَدِيٌّ نَافِعُ نَابِغَةٌ ثُمَّةَ حَسَّانُ انْفَرَدْ … أَنْ عَاشَ ذَا أَبٌ وَجَدُّهُ وَجَد ثُمَّ حَكِيمٌ مُفْرَدٌ بِأَنْ وُلِدْ … بِكَعْبَةٍ وَمَا لِغَيْرِهِ عُهِدْ والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْبَيِّعَانِ) بفتح الموحّدة، وتشديد التحتانيّة: أي المتبايعان، وهما اللذان جرى العقد بينهما، فإنهما لا يُسمّيان بيّعين إلا حينئذ (بالْخِيَارِ) أي لكلّ منهما خيار فسخ البيع (مَا لَمْ يَفْتَرِقَا) بتقديم الفاء عَلَى التاء، وبالتخفيف، هكذا فِي "المجتبى" فِي حديث حكيم بن حزام ﵁، هنا وفي الآتي بعد ثلاثة أبواب، ووقع فِي "الكبرى": "ما لم يتفرّقا" بتقديم التاء، وتشديد الراء، وثبت بالوجهين فِي حديث ابن عمر ﵄ الآتي، قَالَ الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: حكى ثعلب، عن ابن الأعرابيّ، عن المفضّل أنه قَالَ: "يفترقان" بالكلام، و"يتفرّقان" بالأبدان، وأنكره القاضي أبو بكر بن العربيّ، وَقَالَ. لا يشهد له القرآن، ولا يعضده الاشتقاق، قَالَ الله : ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ الآية [البينة: ٤]، فذكر التفرّق فيما ذكر فيه النبيّ ﷺ الافتراق فِي قوله: "افترقت اليهود والنصارى عَلَى ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي عَلَى ثلاث وسبعين فرقة". قَالَ وليّ الدين: التفرّق الذي فِي الآية، والافتراق الذي فِي الخبر لا يمتنع أن يراد بهما الأبدان؛ لأنه لازم لاختلاف العقائد غالبًا، فإن منْ خالف شخصًا فِي عقيدته هجره، ولم يساكنه غالبًا، وبتقدير أن يُراد به الأقوال، فلا يطابق مَنْ أَوَّلَ هَذَا الْحَدِيث عَلَى الافتراق بالأقوال، كما سنحكيه؛ لأن أقوال أولئك المختلفين مفترقة، ولا يطابق شيء منها الآخر، وأما هنا فإن قولي المتبايعين متوافقان، لا يُخالف أحدهما الآخر، فإنه لو خالفه لم يصحّ البيع. والله أعلم. انتهى "طرح التثريب" ٦/ ١٤٨. ثم إن هَذَا الافتراق هو الافتراق عن المجلس بالأبدان عند الجمهور، وهو ظاهر اللفظ. وقيل: المراد بالمتبايعين المتساومان اللذان جرى بينهما كلام البيع، وإن لم يتمّ البيع بينهما بالإيجاب والقبول، وهما بالخيار، إذ يجوز لكلّ منهما أن يرجع عن العقد

стр. 16545

ما لم يفترقا بالأقوال، وهو الفراغ عن العقد، فصار حاصله: لهما الخيار قبل تمام العقد، وبهذا قَالَ الحنفيّة، ولا يخفى أن الخيار قبل تمام العقد ضروريّ، لا فائدة فِي بيانه، مع ما فيه منْ حمل البيع عَلَى السوم، وحمل التفرّق عَلَى الأقوال، وكلّ ذلك بعده ظاهرٌ، قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: إلا أن يجاب عن الأول بأنه لدفع أن الموجب لا خيار له؛ لأنه أوجب، ثم بعض روايات التفرّق فِي "الصحيحين" ينفي هَذَا الحمل قطعًا. انتهى. فظهر بهذا أن قول الجمهور هو الصحيح، وسيأتي تمام البحث فِي ذلك بعد ثلاثة أبواب، إن شاء الله تعالى. (فَإِنْ صَدَقَا، وَبَيَّنَا) أي صدق البائع فِي إخبار المشتري مثلاً، وبين العيب، إن كَانَ فِي السلعة، وصدق المشتري فِي قدر الثمن مثلاً، وبيّن العيب، إن كَانَ فِي الثمن. ويحتمل أن يكون الصدق والبيان بمعنى واحدٍ، وذِكرُ أحدهما تأكيد للآخر. قاله فِي "الفتح" ٥/ ٥٧ (بُورِكَ فِي بَيْعِهِمَا) فعل مبنيّ للمفعول، ونائب فاعله الجارّ والمجرور (وَإِنْ كَذَبَا، وَكَتَمَا مُحِقَ) بالبناء للمفعول، منْ المحق، يقال: مَحَقَه مَحْقًا، منْ باب نفع: نقصه، وأذهب منه البركة. وقيل: هو ذَهَاب الشيء كلّه، حتّى لا يُرَى له أثرٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ الآية، وانمحق الهلال لثلاث ليال فِي آخر الشهر، لا يكاد يُرى لخفائه، والاسم الْمِحَاق بالضمّ، والكسرُ لغةٌ. قاله الفيّوميّ. وقوله (بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا) بالرفع عَلَى أنه نائب الفاعل، قَالَ فِي "الفتح" ٥/ ٥٧: يحتمل أن يكون عَلَى ظاهره، وأن شؤم التدليس، والكذب وقع فِي ذلك العقد، فمحق بركته، وإن كَانَ الصادق مأجورًا، والكاذب مأزورًا. ويحتمل أن يكون ذلك مختصًا بمن وقع منه التدليس، والعيب، دون الآخر، ورجّحه ابن أبي جمرة، انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤/ ٤٤٥٩ و٨/ ٤٤٦٦ - وفي "الكبرى" ٤/ ٦٠٤٩ و٨/ ٦٠٥٦. وأخرجه (خ) فِي "البيوع" ٢٠٧٩ و١٩٤٠ و٢٠٨٢ و٢١٠٨ و٢١١٠ (م) فِي "البيوع" ٢٧٢٥ (د) فِي "البيوع" ٣٠٠ (ت) فِي "البيوع" ١١٦٧ (أحمد) فِي "مسند المكيّين" ١٤٧٧٥ و١٤٧٨٥ و١٥٠٢٤ (الدارمي) فِي "البيوع" ٢٤٣٥. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده:

стр. 16546

(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان وجوب التحفّظ فِي البيع والشراء، وذلك لا يكون إلا بصدق كلّ واحد منهما فيما يُخبر به منْ المبيع، أو الثمن، وبيان ما فيهما منْ عيوب، فلا يجوز لمسلم أن يبيع سلعة معيبة، إلا إذا بيّن ما فيها منْ العيب، ومثله المشتري. (ومنها): حصول البركة للمتبايعين إن حصل منهما الشرط، وهو الصدق، والتبيين، ومحقها إن وُجد ضدّهما، وهو الكذب، والكتم، وهل تحصل البركة لأحدهما، إذا وُجد المشروط، دون الآخر؟ ظاهر الْحَدِيث يقتضيه. ويحتمل أن يعود شؤم أحدهما عَلَى الآخر، بأن تُنزع البركة منْ المبيع، إذا وُجد الكذب، أو الكتم منْ كلّ واحد منهما، وإن كَانَ الأجر ثابتًا للصادق المبيّن، والوزر حاصلٌ للكاذب الكاتم. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الأول هو الظاهر؛ لظاهر الْحَدِيث، وَقَدْ تقدّم قريباً أن ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى رجّحه. والله تعالى أعلم. (ومنها): أن الدنيا لا يتمّ حصولها إلا بالعمل الصالح، وأن شؤم المعاصي يَذهب بخير الدنيا والآخرة. (ومنها): بيان فضل الصدق، والحثّ عليه، وأنه سبب لبركة كسب العبد. (ومنها): ذمّ الكذب، والحثّ عَلَى تركه، وأنه سبب لذهاب البركة منْ كسب العبد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٥ - (الْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "المنفق": بصيغة اسم الفاعل، منْ التنفيق، أو الإنفاق، والأول هو المشهور: وهو المروّج متاعه للناس. و"السعلة": -بكسر السين المهملة، وسكون اللام-: البضاعة، وجمعها سِلَع بكسر، ففتح- كسِدْرة وسِدَر. و"الحلف" -بكسر اللام، وتُخفّف بالسكون: اليمين. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٤٦٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ

стр. 16547

- ﷺ ، قَالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ"، فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا، وَخَسِرُوا، قَالَ: "الْمُسْبِلُ إِزَارَهُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ، وَالْمَنَّانُ عَطَاءَهُ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجَال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"محمد": هو ابن جعفر، غندر. و"عليّ بن مُدرك": هو النخعيّ الكوفيّ الثقة [٤]. و"خَرَشة" -بفتحات- "ابن الحرّ" بضم المهملة، اختُلف، قَالَ أبو داود: له صحبة، وَقَالَ العجليّ: ثقة، منْ كبار التابعين. و"أبو زرعة بن عمرو بن جرير": هو البجليّ الكوفيّ، حفيد جرير بن عبد الله البجليّ الصحابيّ ﵁، قيل: اسمه هَرِم، وقيل: غير ذلك. والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم فِي "كتاب الزكاة" ٦٩/ ٢٥٦٣ - وتقدّم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. وقوله: "ثلاثة لا يكلّمهم الله الخ" الكلام مسوقٌ لإفادة كمال الغضب عليهم، وإلا فلا يغيب أحد عن نظره تعالى، فقوله: "لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم": أي كلامًا يسرّهم، ونظر رحمة ولطف. وقوله: "ولا يزكّيهم": أي لا يطهّرهم عن دنس الذنوب بالمغفرة، أو لا يُثني عليهم بالأعمال الصالحة، ثم كلّ هَذَا مقيّد بأول الأحوال، لا بالدوام، وهو أيضًا بيان ما يستحقّونه، وفضل الله أوسع، فقد قَالَ : ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. وقوله: "فقرأها رسول الله ﷺ ": أي قرأ هذه الجمل المذكورة. وقوله: "خابوا، وخسروا" يحتمل أن يكون دعاءً عليهم، أو إخبارًا بخيبتهم، وخسارتهم. وقوله: "المسبل": اسم فاعل، منْ أسبل: أي منْ يطوّل ثوبه، ويرسله إلى الأرض إذا مشى، وهذا اللفظ مطلق، وَقَدْ قُيّد فِي الرويات الأخرى بأن ذلك إذا فعله تكبّرًا، وخيلاء، وأما غيره، وإن كَانَ منهيًا عنه، لكنه ليس داخلاً فِي هَذَا الوعيد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٦١ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ الأَعْمَشُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، الَّذِي لَا يُعْطِي شَيْئًا إِلاَّ مَنَّهُ، وَالْمُسْبِلُ إِزَارَهُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْكَذِبِ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"يحيى": هو

стр. 16548

القطّان. و"سفيان": هو الثوريّ. و"سليمان بن مسهر": هو الفزاريّ الكوفيّ، ثقة [٤] ٦٩/ ٢٥٦٤. والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٦٢ - (أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْوَلِيدُ -يَعْنِي ابْنَ كَثِيرٍ- عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحَلِفِ فِي الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ، ثُمَّ يَمْحَقُ"). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن مروان الحمّال، أبو موسى البغداديّ، ثقة [١٠] ٥٠/ ٦٢. ٢ - (أبو أسامة) حمّاد بن أسامة القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت ربما دلّس، وكان بآخره يحدّث منْ كتب غيره، منْ كبار [٩] ٤٤/ ٥٢. ٣ - (الوليد بن كثير) المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثم الكوفيّ، صدوق، عارف بالمغازي، ورمي برأي الخوارج [٦] ٤٤/ ٥٢. ٤ - (معبد بن كعب بن مالك) الأنصاريّ السَّلَميّ المدنيّ، روى عنه جماعة، ووثقه ابن حبّان، وأخرج له البخاريّ ومسلم [٣] ٤٨/ ١٩٣٠. ٥ - (أبو قتادة) الحارث، ويقال: عمرو، أو النعمان بن ربعي -بكسر الراء، وسكون الموحّدة، بعدها مهملة- ابن بُلْدُمة -بضم الموحدة، والمهملة، بينهما لام ساكنة- السلميّ -بفتحتين- المدنيّ، شهد أحدًا، وما بعدها، ولم يصحّ شهوده بدرًا، ومات ﵁ سنة (٥٤) وقيل: سنة (٣٨) والأول أصح. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغداديّ، وشيخ شيخه، فكوفي. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ) ﵁ اختُلف فِي اسمه، كما سبق آنفًا (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِيَّاكُمْ) هَذَا تحذيرٌ، وهو تنبيه المخاطب عَلَى أمر يجب الاحتراز منه، وهو منصوب بفعل محذوف وجوبًا، والتقدير إياكم أحذّر، قَالَ ابن مالك رحمه الله تعالى فِي "خلاصته":

стр. 16549

إِيَّاكَ وَالشَّرَّ وَنَحْوَهُ نَصَبْ … مُحَذِّرٌ بِمَا اسْتِتَارُهُ وَجَبْ وقوله (وَكَثْرَةَ الْحَلِفِ فِي الْبَيْعِ) بنصب "كثرة" بالعطف عَلَى "إيّا"، والمعنى: أحذّركم عن إكثار الحلف فِي البيع، وإنما حذّرهم منه؛ لأن الغالب ممن كثرت أيمانه وقوعه فِي الكذب، والفجور، وإن سلِم منْ ذلك -عَلَى بعده- لم يسلم منْ الحنث، أو الندم؛ لأن اليمين حنث، أو مندمة، وإن سلم منْ ذلك لم يسلم منْ مدح السلعة المحلوف عليها، والإفراط فِي تزيينها؛ ليُروّجها عَلَى المشتري، مع ما فِي ذلك منْ ذكر الله تعالى، لا عَلَى جهة التعظيم، بل عَلَى جهة مدح السلعة، فاليمين عَلَى ذلك تعظيم للسِّلَع، لا تعظيم لله تعالى، وهذه كلّها أنواع منْ المفاسد، لا يُقدِم عليها إلا منْ عقله، ودينه فاسد. قاله فِي "المفهم" ٤/ ٥٢٣. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: [فإن قلت]: ما وجه إيراد المصنّف هَذَا الْحَدِيث فِي هَذَا الباب؛ لأن ظاهره يدلّ عَلَى ذم كثرة الحلف، وإن كَانَ صادقًا، والمصنّف رحمه الله تعالى قيّد الترجمة بالكذب، حيث قَالَ: "المنفّق سلعته بالحلف الكاذب"؟. [قلت]: وجه إيراده هنا الإشارة إلى أن النهي عن كثرة الحلف إنما هو لكونه مفضيًا إلى أن يحلف كاذبًا فِي بعض الأمور. والله تعالى أعلم. (فَإِنَّهُ) أي المذكور منْ كثرة الحلف (يُنَفِّقُ) بضم أوله، وتشديد الفاء، منْ التنفيق، ويجوز كونه منْ الإنفاق: أي يروّج السلعة (ثُمَّ يَمْحَقُ) بفتح أوله، وثالثه، منْ باب نفع، كما سبق قريبًا، أي يزيل البركة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أبي قتادة الأنصاريّ رضي الله تعالى عنه هَذَا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٥/ ٤٤٦٢ - وفي "الكبرى" ٥/ ٦٠٥٣. (م) فِي "البيوع" ٢٠١٥ (ق) فِي "التجارات" ٢٢٠٠ (أحمد) فِي "باقي مسند الأنصار" ٢١٥٠٤ و٢١٥٢٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٦٣ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ").

стр. 16550

رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ) أبو الطاهر المصريّ، ثقة [١٠] ٣٥/ ٣٩. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصَريّ، ثقة ثبت عابد [٩] ٩/ ٩. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، ثقة ثبت [٧] ٩/ ٩. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الإِمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١. ٥ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ) بن حزن بن أبي وهب المخزومي المدنيّ الثقة الثبت الحجة الفقيه، منْ كبار [٣] ٩/ ٩. ٦ - (أبو هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بثقات المصريّين، والثاني مسلسل بثقات المدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، ابن شهاب، عن ابن المسيّب. (ومنها): أن هَذَا السند أصحّ أسانيد أبي هريرة ﵁، وقيل: أصحها: أبو الزناد، عن الأعرج، عنه. وقيل: أصحها: حماد بن زيد، عن أيوب السختيانيّ، عن محمد بن سيرين، عنه. وإلى هَذَا أشار السيوطيّ فِي "ألفية الْحَدِيث"، حيث قَالَ: وَلأَبِي هُرَيْرَةَ الزُّهْريُّ عَنْ … سَعِيدِ أَوْ أَبُو الزِّنَادِ حَيْثُ عَنّ عَنْ أَعْرَجٍ وَقِيلَ حَمَّادٌ بِمَا … أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدِ لَهُ نَمَى (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ أكثر منْ روى الْحَدِيث فِي دهره، روى (٥٣٧٤) حديثاً. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) وفي رواية البخاريّ: "سمعت رسول الله ﷺ " (قَالَ: "الْحَلِفُ) بفتح الحاء المهملة، وكسر اللام، وتسكّن: أي اليمين، قَالَ السيوطيّ فِي "حاشية أبي داود": المراد اليمين الكاذبة. فَقَالَ السنديّ: يمكن إبقاؤه عَلَى إطلاقه؛ لأن الصادق لترويج أمر الدنيا، وتحصيده يتضمّن ذكر الله تعالى للدنيا، وهو لا يخلو عن كراهة مّا، بخلاف يمين المدّعَى عليه، فإنها لإزالة التهمة، فلا كراهة فيها، إذا كانت صادقة. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله السيوطيّ هو الأولى؛ لورده مبيّنا فِي رواية أحمد منْ طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، بلفظ:

стр. 16551

"اليمين الكاذبة"، وخير ما فُسّر به الوارد هو الوارد (مَنْفَقَةٌ) بفتح الميم، والفاء، بينهما نون ساكنة، مَفْعَلة منْ النَّفاق -بفتح النون-، وهو الرواج، ضد الكساد (لِلسِّلْعَةِ) بكسر السين المهملة: المتاع (مَمْحَقَةٌ) بالمهملة، والقاف، بوزن ما قبله، وحكى عياض ضمّ أوله، وكسر الحاء، والمحق النقص، والإبطال. وَقَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: الرواية مَنفَقة، ممحقة -بفتح الميم، وسكون ما بعدها، وفتح ما بعدها- وهما فِي الأصل مصدران مزيدان، محدودان، بمعنى النَّفاق، والمحق: أي الحلف الفاجرة تنفق السلعة، وتمحق بسببها البركة، فهي ذات نَفَاق، وذات مَحْق. ومعنى تمحق البركة: أي تُذهبها، وَقَدْ تُذهب رأس المال والربح، كما قَالَ الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٦] وَقَدْ يتعدّى المحق إلى الحالف، فيُعاقب بإهلاكه، وبتوالي المصائب عليه، وَقَدْ يتعدّى ذلك إلى خراب بيته، وبلده، كما روي أن النبيّ ﷺ قَالَ: "اليمين الفاجرة تذر الديار بلاقع" (١)، أي خالية منْ سكانها، إذا توافقوا عَلَى التجرّؤ عَلَى الأيمان الفاجرة. وأما محق الحسنات فِي الآخرة، فلابدّ منه لمن لم يتب، وسبب هَذَا كلّه أن اليمين الكاذبة يمين غَمُوس، يؤكل بها مال المسلم بالباطل. انتهى "المفهم" ٤/ ٥٢٢ - ٥٢٣. (لِلْكَسْبِ") هكذا فِي رواية ابن وهب بلفظ "الكسب"، وتابعه الليث عند الإسماعيليّ، ومال الإسماعيليّ إلى ترجيح هذه الرواية، وفي رواية البخاريّ: "للبركة"، ولمسلم: "للربح". والمعنى أن الحلف مظنّة لرواج السلعة فِي الحال، لكنه مزيل لبركتها فِي المآل، بأن يسلط الله تعالى عليه وجوها منْ أسباب التلف، إما سرقة، أو حرقًا، أو غرَقًا، أو غصبًا، أو نهبًا، أو عوارض أخرى يتلف بها مما شاء الله تعالى، فيكون كسبه، وجمعه مجرّد تعب، وكدّ، وهو عقاب منْ الله تعالى، مع ما ينتظره منْ العذاب الأليم فِي الآخرة، إن لم يتب، كما قَالَ : ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هَذَا متّفقٌ عليه.

стр. 16552

(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٥/ ٤٤٦٣ - وفي "الكبرى" ٥/ ٦٠٥٣. وأخرجه (خ) فِي "البيوع" ٢٠٨٧ (م) فِي "البيوع" ١٦٠٦ (د) فِي "البيوع" ٣٣٣٥ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ٦٩٠٩ و٦٩٩٢ و٨٩٨١. والكلام عَلَى مناسبة الْحَدِيث للباب تقدّم فِي الْحَدِيث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٦ - (الْحَلِفِ الْوَاجِبِ لِلْخَدِيعَةِ فِي الْبَيْعِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا النسخ بلفظ "الواجب" بصيغة اسم الفاعل منْ الثلاثيّ، والظاهر كونه بلفظ الموجب بصيغة اسم الفاعل منْ الرباعي، أي هَذَا باب ذكر الْحَدِيث الدالّ عَلَى الوعيد لمن حلف يمينًا، موجبًا للخديعة فِي بيعه، يعني أنه خدع مسلمًا بسبب يمينه الكاذبة. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٤٦٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ، يَمْنَعُ ابْنَ السَّبِيلِ مِنْهُ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لِدُنْيَا، إِنْ أَعْطَاهُ مَا يُرِيدُ، وَفَّى لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ لَمْ يَفِ لَهُ، وَرَجُلٌ سَاوَمَ رَجُلاً، عَلَى سِلْعَةٍ، بَعْدَ الْعَصْرِ، فَحَلَفَ لَهُ بِاللَّهِ، لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا كَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ الآخَرُ"). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظليّ المروزيّ المعروف بابن راهويه، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (جرير) بن عبد الحميد بن قرط الضبّيّ الكوفيّ، ثقة ثبت [٨] ٢/ ٢. ٣ - (الأعمش) سليمان بن مِهران الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقة ثبت ورع، لكنه يدلس [٥] ١٧/ ١٨.

стр. 16553

٤ - (أبو صالح) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ٣٦/ ٤٠. ٥ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه، وفي رواية للبخاريّ، منْ طريق عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، سمعت أبا صالح، يقول: سمعت أبا هريرة ﵁ (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) أنه (قالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلْمُهُمُ اللهُ أي بكلام منْ رضي عنه، وإنما يكلّمهم بكلام منْ سخط عليه، كما جاء فِي "صحيح البخاريّ" منْ حديث أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "يقول الله لمانع الماء: اليوم أمنعك فضلي، كما منعت فضل ما لم تعمل يداك"، وَقَدْ ذكر الله تعالى فِي كتابه العزيز أنه يقول للكافرين: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. وقيل: معناه: لا يكلّمهم بغير واسطة، استهانة بهم. وقيل: معنى ذلك الإعراض عنهم، والغضب عليهم (وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) أي نظر لطف، ورحمة، وإحسان إليهم؛ إذ نظره تعالى محيط بكل شيء (يَومَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ) قَالَ الزجّاج: لا يُثني عليهم، ومن لم يُثن عليه عذّبه. وقيل: لا يطهّرهم منْ خُبث أعمالهم؛ لعظيم جُرْمهم (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي شديد الألم الموجع (رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ) يعضي بفضل الماء ما فضل عن كفاية السابق للماء، وأخذ حاجته منه، فمن كَانَ كذلك، فمنع ما زاد عَلَى ذلك تعلّق به هَذَا الوعيد (بِالطَّرِيقِ) وفي رواية للشيخين: "بالفلاة": أي القفر، وهو المراد بالطريق هنا، كما قاله فِي "الفتح" ١٥/ ١١٤ (يَمْنَعُ ابْنَ السَّبِيلِ مِنْهُ) وفي رواية للبخاريّ: "رجل كَانَ له فضل ماء، منعه منْ ابن السبيل"، قَالَ فِي "الفتح": والمقصود واحد، وإن تغاير المفهومان؛ لتلازمهما؛ لأنه إذا منعه منْ الماء، فقد منع الماء منه. انتهى. و"ابن السبيل": هو المسافر، و"السبيل": الطريق، وسمّي المسافر بذلك؛ لأن الطريق تُبرزه، وتظهره، فكأنها ولدته. وقيل: سُمي بذلك؛ لملازمته إياه، كما يقال فِي الغراب: ابن دَأْيَة؛ لملازمته دَأْية البعير الدَّبِرِ لينقُرها (١).

стр. 16554

وهذا الماء هو الذي قد نهى النبيّ ﷺ عن منعه بقوله: "لا يُمْنَعُ فضلُ الماء؛ ليُمْنَعَ به الكلأُ"، متّفقٌ عليه. وَقَدْ أجمع المسلمون عَلَى تحريم ذلك؛ لأنه منع ما لا حقّ له فيه منْ مستحقّه، وربّما أتلفه، أو أتلف ماله وبهائمه، فلو منعه هَذَا الماء حَتَّى مات عطشًا قِيد منه، عند مالك؛ لأنه قتله، كما لو قتله بالجوع، أو بالسلاح. انتهى "المفهم" ١/ ٣٠٦. (وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لِدُنْيَا) وفي رواية مسلم: "لا يبايعه إلا لدنيا"، قَالَ القرطبيّ: إنما استحقّ هَذَا الوعيد الشديد؛ لأنه لم يَقُم لله تعالى بما وجب عليه منْ البيعة الدينيّة، فإنها منْ العبادات التي تجب فيها النيّة، والإخلاص، فإذا فعلها لغير الله تعالى منْ دنيا يقصدها، أو غرض عاجل يقصده، بقيت عهدها عليه؛ لأنه منافق مُراء غاشّ للإمام والمسلمين، غير ناصح فِي شيء منْ ذلك، ومن كَانَ هَذَا حاله كَانَ مُثيرًا للفتن بين المسلمين، بحيث يسفك دماءهم، ويستبيح أموالهم، ويهتك بلادهم، ويسعى فِي إهلاكهم؛ لأنه إنما يكون مع منْ بلّغه إلى أغراضه، فيبايعه لذلك، وينصره، ويغضب له، ويقاتل مخالفه، فينشأ منْ ذلك تلك المفاسد، وَقَدْ تكون هذه المخالفة فِي بعض أغراضه، فينكث بيعته، ويطلب هلكته، كما هو حال أهل أكثر هذه الأزمان، فإنهم قد عمّهم الغدر، والخذلان. انتهى "المفهم" ١/ ٣٠٨ - ٣٠٩. (إِنْ أَعْطَاهُ مَا يُرِيدُ) أي منْ أغراضه الدنيويّة (وَفَى لَهُ) أي ما عليه منْ الطاعة، مع أن الوفاء واجب عليه مطلقاً (وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ) أي ما يريده، فالمفعول الثاني محذوف للعلم به (لَمْ يَفِ لَهُ) قَالَ القرطبيّ: هكذا الرواية "وفَى" بتخفيف الفاء، و"يَفِ" محذوف الواو، والياء، مخفّفًا، وهو الصحيح هنا راويةً، ومعنًى؛ لأنه يقال: وفي بعهده يفي وفاءً، والوفاء بالعهد ممدود: ضدّ الغدر، ويقال: "أوفى" بمعنى وفي، وأما "وفّي" المشدّد الفاء، فهي بمعنى توفية الحقّ، وإعطائه، يقال: وفّاه حقّه يوفّيه توفيّةً، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]، أي قام بما كلّفه منْ الأعمال، كخصال الفطرة، وغيرها، كما قَالَ الله تعالى: ﴿فَأَتَمَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وحكى الجوهريّ: أوفاه حقّه، قَالَ: وعلى هَذَا، وعلى ما تقدّم فيكون "أوفى" بمعنى الوفاء بالعهد، وتوفية الحقّ، والأصل فِي "أوفى": أطلّ عَلَى الشيء، وأشرف عليه. انتهى كلام القرطبيّ "المفهم" ١/ ٣٠٩. (وَرَجُلٌ سَاوَمَ رَجُلاً) مفاعلة منْ السوم، يقال: سام البائع السلعة سومًا، منْ باب قَالَ: إذا عَرضَها للبيع، والتساوم بين اثنين أن يعرض البائع السلعة بثمن، ويطلبها صاحبه بثمن دون ما طلبه، أفاده الفيّوميّ (عَلَى سِلْعَةٍ) أي عَلَى بيع متاع، وفي رواية البخاريّ: "ورجل بايع رجلا بسلعة"، وفي رواية مسلم: "ورجل بايع رجلاً سلعة"،

стр. 16555

قَالَ القرطبيّ: رويناه "سلعة" بغير باء، ورويناه بالباء، فعلى الباء بايع بمعنى ساوم، كما جاء فِي الرواية الأخرى: "ساوم"، مكان "بايع"، وتكون الباء بمعنى "عن"، كما فِي قول الشاعر [منْ الطويل]: فَإِنْ تَسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فَإنَّنِي … بَصِيرٌ بِأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ أي عن النِّساء. وعلى إسقاطها يكون معنى "بايع" باع، فيتعدّى بنفسه، و"سلعة" مفعوله. انتهى. (بَعْدَ الْعَصْرِ) أي بعد صلاة العصر، وخصّ بعد العصر مبالغة فِي الذّمّ؛ لأنه وقتٌ يتوب فيه المقصّر تمام النهار، ويشتغل فيه الموفّق بالذكر ونحوه، فالمعصية فِي مثله أقبح. وَقَالَ النوويّ: وخصّ ما بعد العصر بالحلف؛ لشرفه بسبب اجتماع ملائكة الليل والنهار، وغير ذلك. وَقَالَ الخطّابيّ: خصّ وقت العصر بتعظيم الإثم فيه، وإن كانت اليمين الفاجرة محرّمة فِي كل وقت؛ لأن الله عظّم شأن هَذَا الوقت، بأن جعل الملائكة تجتمع فيه، وهو وقت ختام الأعمال، والأمور بخواتيمها، فغلّظت العقوبة فيه؛ لئلا يُقدم عليها تجرّؤًا، فإن منْ تجرّأ عليها فيه اعتادها فِي غيره. وكان السلف يحلفون بعد العصر، وجاء ذلك فِي الْحَدِيث أيضاً. ذكره فِي "الفتح" ١٥/ ١١٥ - ١١٦. وَقَالَ القرطبيّ: وتخصيصه بما بعد العصر يدلّ عَلَى أن لهذا الوقت منْ الفضل والحرمة ما ليس لغيره منْ ساعات اليوم، ويظهر لي أن يقال: إنما كَانَ ذلك؛ لأنه عقب الصلاة الوسطى، ولما كانت هذه الصلاة لها منْ الفضل، وعظيم القدر أكثر مما لغيرها، فينبغي لمصلّيها أن يظهر عليه عقبها منْ التحفّظ عَلَى دينه، والتحرّز عَلَى إيمانه أكثر مما ينبغي له عقب غيرها؛ لأن الصلاة حقّها أن تنهى عن الفحشاء والمنكر، كما قَالَ الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ الآية [العنكبوت: ٤٥] أي تحمل عَلَى الامتناع عن ذلك مما يحدُث فِي قلب المصلّي بسببها منْ النور، والانشراح، والخوف منْ الله تعالى، والحياء منه، ولهذا أشار النبيّ ﷺ بقوله: "منْ لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد منْ الله إلا بعدا" (١)، وإذا كَانَ هَذَا فِي

стр. 16556

الصلوات كلّها، كانت الوسطى بذلك أولى، وحقّها فِي ذلك أكثر، وأوفى، فمن اجترأ بعدها عَلَى اليمين الغموس التي يأكل بها مال الغير، كَانَ إثمه أشدّ، وقلبه أفسد. والله تعالى أعلم. قَالَ: وهذا الذي ظهر لي أولى مما قاله القاضي أبو الفضل، فإنه قَالَ: إنما كَانَ ذلك لاجتماع ملائكة الليل وملائكة النهار فِي ذلك الوقت؛ لوجهين: [أحدهما]: أن هَذَا المعنى موجود فِي صلاة الفجر؛ لأن النبيّ ﷺ قَالَ: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ثم يجتمعون فِي صلاة العصر، وصلاة الفجر"، متّفقٌ عليه، وعلى هَذَا فتبطل خصوصيّة العصر؛ لمساواة الفجر لها فِي ذلك. [وثانيهما]: أن حضور الملائكة، واجتماعهم إنما فِي حال فعل هاتين الصلاتين، لا بعدهما، كما قد نصّ عليه فِي الْحَدِيث، حين قَالَ: "يجتمعون فِي صلاة الفجر، وصلاة العصر، وتقول الملائكة: أتيناهم، وهم يصلّون، وتركناهم، وهم يصلّون"، وهذا يدلّ دلالة واضحةً عَلَى أن هؤلاء الملائكة لا يشاهدون منْ أعمال العباد إلا الصلوات فقط، وبها يشهدون، فتدبّر ما ذكرته، فإنه الأنسب الأسلم. والله تعالى أعلم. انتهى "المفهم" ١/ ٣٠٧ - ٣٠٨. (فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ، لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا كَذَا وَكَذَا) بضمّ همزة "أُعطي"، وكسر الطاء، مبنيًا للمفعول: أي أعطاه غيره ثمنًا معيّنًا، ويجوز أن يكون مبنيًا للفاعل، والضمير للحالف: أي دفع هو ثمنًا معيّنًا، ورجّح فِي "الفتح" ١٥/ ١١٤ - هَذَا الثاني، قَالَ: ووقع فِي رواية عبد الواحد بلفظ: "لقد أعطيتُ بها"، وفي رواية أبي معاوية: "فحلف له بالله لأخذها بكذا": أي لقد أخذها. وفي رواية عمرو بن دينار، عن أبي صالح: "لقد أَعطى بها أكثر مما أُعطي"، بفتح الهمزة والطاء، وفي بعضها بضمّ أوله، وكسر الطاء، والأول أرجح. انتهى.

стр. 16557

وَقَالَ القرطبيّ: يعني أنه كذب، فزاد فِي الثمن الذي اشترى به، فكذب، واستخفّ باسم الله تعالى، حين حلف به عَلَى الكذب، وأخذ مال غيره ظلمًا، فقد جمع بين كبائر، فاستحقّ هَذَا الوعيد الشديد. انتهى. (فَصَدَّقَهُ الآخَرُ) أي وهو المشتري. وفي رواية البخاريّ: "فصدّقه، فأخذها، ولم يُعطِ بها": أي لم يعط القدر الذي حلف أنه أعطى عوضها. وفي رواية: "فصدّقه، وهو عَلَى غير ذلك". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث. (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٦/ ٤٤٦٤ - وفي "الكبرى" ٦/ ٦٠٥٤. وأخرجه (خ) فِي "المساقاة" ٢٣٥٨ و٢٣٦٩ و"الشهادات" ٢٦٧٢ و"الأحكام" ٧٢١٢ و"التوحيد" ٧٤٤٦ (م) فِي "الإيمان" ١٠٨ (ت) فِي "السير" ١٥٩٥ (ق) فِي "التجارات" ٢٢٠٧ و"الجهاد" ٢٨٧٠ و"الفتن" ٤٠٣٧ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ٧٢٩٢ و٩٨٦٦. والله تعالى أعلم. [تنبيهان]: (أحدهما): خالف الأعمش فِي سياق هَذَا المتن، عمرو بن دينار، عن أبي صالح، فقد أخرجه البخاريّ فِي "الشرب" و"التوحيد" منْ طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة نحوَ صدر حديث الباب، وَقَالَ فيه: "ورجل عَلَى سلعة" الْحَدِيث، "ورجل منع فضل ماء" الْحَدِيث، "ورجل حلف عَلَى يمين كاذبة، بعد العصر؛ ليقتطع بها مال رجل مسلم"، قَالَ الكرماني: ذَكَرَ عوض الرجل الثاني، وهو المبايع للإمام آخر، وهو الحالف ليقتطع مال المسلم، وليس ذلك باختلاف؛ لأن التخصيص بعدد، لا ينفى ما زاد عليه. انتهى. وَقَالَ الحافظ: ويحتمل أن يكون كل منْ الراويين، حفظ ما لم يحفظ الآخر؛ لأن المجتمع منْ الحديثين أربع خصال، وكل منْ الحديثين مُصَدَّر بـ"ثلاثة"، فكأنه كَانَ فِي الأصل أربعة، فاقتصر كل منْ الراويين عَلَى واحد، ضمه مع الاثنين الذين توافقا عليهما، فصار فِي رواية كل منهما ثلاثة، ويؤيده ما سيأتي فِي التنبيه الثاني. [ثانيهما]: أخرج مسلم هَذَا الْحَدِيث منْ رواية الأعمش أيضاً، لكن عن شيخ له آخر، بسياق آخر، فذكر منْ طريق أبي معاوية، ووكيع جميعًا، عن الأعمش، عن أبي

стр. 16558

حازم، عن أبي هريرة، كصدر حديث الباب، لكن قَالَ: "شيخ زانٍ، ومَلِكٌ كذاب، وعائل مستكبر". والظاهر أن هَذَا حديث آخر، أخرجه منْ هَذَا الوجه، عن الأعمش، فَقَالَ: عن سليمان بن مسهر، عن خَرَشَة بن الْحُرّ، عن أبي ذر، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة: المنان الذي لا يعطي شيئاً، إلا مَنَّهُ، والمنفق سلعته بالحلف الفاجر، والمسبل إزاره"، وهو الْحَدِيث الذي مضى للنسائيّ فِي الباب الماضي. قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: وليس هَذَا الاختلاف عَلَى الأعمش فيه، بقادح؛ لأنها ثلاثة أحاديث عنده، بثلاثة طرق، ويجتمع منْ مجموع هذه الأحاديث تسع خصال، ويحتمل أن تبلغ عشرا؛ لأن المنفق سلعته بالحلف الكاذب، مغاير للذي حلف لقد أعطي بها كذا؛ لأن هَذَا خاص بمن يكذب، فِي أخبار الشراء، والذي قبله أعمّ منه، فتكون خصلة أخرى. أفاده فِي "الفتح" ١٥/ ١١٥. "كتاب الأحكام" رقم ٧٢١٢. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان الوعيد الشديد لمن خدع مسلمًا فِي البيع بحلفه الكاذب. (ومنها): أن فيه الوعيد الشديد لمن نكث بيعة إمام، وخرج عليه؛ وذلك لما فيه منْ تفريق الكلمة، وشقّ العصى، ونشر الفساد والظلم والفحشاء بين الأمة، وفي الوفاء بالعهد تحصين للفروج، والأموال، وحقن للدماء. (ومنها): أن كلّ عمل لا يراد وجه الله تعالى، بل العرض الدنيويّ، فإنه وبالٌ عَلَى صاحبه، وخسران مبين. (ومنها): الوعيد الشديد لمن منع فضل الماء المسافر المحتاج إلى الماء، قَالَ النوويّ: لكن يُستثنى منْ ذلك الحربيّ، والمرتدّ، إذا أصرّا عَلَى الكفر، فلا يجب بذل الماء لهما. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٧ - (الأَمْرِ بِالصَّدَقَةِ لِمَنْ لَمْ يَعْتَقِدِ الْيَمِينَ بِقَلْبِهِ فِي حَالِ بَيْعِهِ) ٤٤٦٥ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ قَيْسِ

стр. 16559

بْنِ أَبِي غَرَزَةَ، قَالَ: كُنَّا بِالْمَدِينَةِ نَبِيعُ الأَوْسَاقَ، وَنَبْتَاعُهَا، وَنُسَمِّي أَنْفُسَنَا السَّمَاسِرَةَ، وَيُسَمِّينَا النَّاسُ، فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَسَمَّانَا بِاسْمٍ هُوَ خَيْرٌ لَنَا، مِنَ الَّذِي سَمَّيْنَا بِهِ أَنْفُسَنَا، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ، إِنَّهُ يَشْهَدُ بَيْعَكُمُ الْحَلِفُ، وَاللَّغْوُ، فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث صحيح، وَقَدْ تقدّم فِي "كتاب الأيمان والنذور" ٢٢/ ٣٨٢٤ بنفس الترجمة المذكورة هنا، وَقَدْ استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. و"جرير": هو ابن عبد الحميد. و"منصور": هو ابن المعتمر. و"أبو وائل": هو شقيق بن سلمة. وقوله: "نبيع الأوساق" جمع وسق بكسر الواو، وفتحها: مكيلة معلومة، وقيل: حمل بعير. والظاهر أنهم كانوا يبيعون نفس الوسق، ويحتمل أن يكون المراد ما يكال بالوسق، منْ الحبوب. وقوله: "السماسرة" جمع سمسار بكسر أوله، وهو الذي يتوسط بين البائع والمشتري فِي إمضاء البيع. وقوله: "باسم هو خير لنا" إنما كَانَ خيرًا لهم؛ لأن التجارة منْ الألفاظ العربيّة، "وبخلاف السمسرة، فإنها كلمة عجميّة، تلقّوها منْ العجم، وذلك لأن أكثر منْ يعالج البيع والشراء كانوا عجمًا. وقوله: "إنه يشهد بيعكم الخ" الضمير المنصوب بـ"إن" للشأن. وقوله: "فشوبوه" أمر منْ الشوب بمعنى الخلط، أمرهم به ليكون كفّارة لما يجري بينهم منْ الكذب وغيره، والمراد بها صدقة غير معيّنة، حسب تضاعيف الآثام. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. … ٨ - (وُجُوبِ الْخِيَارِ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ قَبْلَ افْتِرَاقِهِمَا) ٤٤٦٦ - (أَخْبَرَنَا أَبُو الأَشْعَثِ، عَنْ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ -وَهُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ- عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَالِحٍ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، أَنَّ

стр. 16560

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ، مَا لَمْ يَفْتَرِقَا، فَإِنْ بَيَّنَا، وَصَدَقَا، بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا، وَكَتَمَا، مُحِقَ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث متّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم قبل ثلاثة أبواب، ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك. و"أبو الأشعث": هو أحمد بن المقدام العجليّ البصريّ، صدوق [١٠] ١٣٨/ ٣١٩. و"خالد": هو ابن الحارث الهجيميّ البصريّ الحافظ الثبت [٨]. ودلالة الْحَدِيث عَلَى الترجمة واضحة، حيث يدلّ عَلَى ثبوت الخيار للمتبايعين ما داما فِي المجلس، وسيأتي بيان اختلاف العلماء فيه فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٩ - (ذِكْرِ الاِخْتِلَافِ عَلَى نَافِعٍ فِي لَفْظِ حَدِيثِهِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الاختلاف عَلَى نافع فِي لفظ هَذَا الْحَدِيث واضحٌ، فإنه رواه عنه سبعة أنفس، وهم: مالك، وعبد الله العمريّ، واسماعيل بن أميّة، وابن جريج، وأيوب السختيانيّ، وله روايان: شعبة، وابن عليّة، والليث بن سعد، ويحيى ابن سعيد الأنصاريّ، وله راويان: عبد الوهّاب الثقفيّ، وهُشيم بن بشير، وكلهم رووه بألفاظ مختلفة، كما سيتّضح فِي رواياتهم الآتية، إن شاء الله تعالى. ٤٤٦٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ، عَلَى صَاحِبِهِ، مَا لَمْ يَفْتَرِقَا، إِلاَّ بَيْعَ الْخِيَارِ"). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن سلمة) بن أبي فاطمة المراديّ الجمليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة [١١] ١٩/ ٢٠.
следующие страницы →