← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

(أنا ملك) جمع أنملة بفتح الهمزة، وفتح الميم أكثر من ضمها، وابن قتيبة يجعل الضم من لحن العوام، وبعض المتأخرين من النحاة حكى تثليث الهمزة مع تثليث الميم، فيصير تسع لغات. وهي من الأصابع العقدة، وبعضهم يقول: الأنامل رؤس الأصابع. وعليه قول الأزهري الأنملة المفصل الذي فيه الظفر. أفاده في المصباح. ج ٢ ص ٦٢٦. وقال في التاج ج ٨ ص ١٤٧ نقلا عن شيخه: وقد جمع العز القسطلاني اللغات التسعة في البيت المشهور مع لغات الأصبع، فقال (من البسيط): وَهَمْزَ أنْمَلة ثلِّثْ وَثَالثَةً … وَالتّسْعُ في أُصْبُع وَاخْتمْ بأُصْبُوع اهـ (فإذا مضمضت) أي حركت الماء في فيك (واستنشقت منخريك) أي جعلت الماء في أنفك، وجذبته بالنفس، لينزل ما في الأنف من الأوساخ وقد تقدم تفسير المضمضة والاستنشاق في باب ٦٨/ ٨٣ والمنخران تثنية مَنخر، قال الفيومي: المنخر مثال مسجد: خَرْق الأنف، وأصله موضع النّخير، وهو الصوت من الأنف، يقال: نَخَر من باب قتل إذا مد النفس في الخياشيم، والمنخر بكسر الميم للإتباع لغة، ومثله منتن، قالوا: ولا ثالث لهما والنُّخُور مثل عصفور لغة طيء والجمع مناخر، ومناخير. اهـ المصباح ج ٢ ص ٥٩٦. وفي "ق" والمَنْخَر بفتح الميم والخاء، وبكسرهما وضمهما، وكمجلس ملمُول (١) الأنف. اهـ (وغسلت وجهك ويديك إلى المرفقين) بفتح فسكون، أو بكسر فسكون، تثينة مرفق كذلك، وهو كما في "ق" موصل الذراع في العضد (ومسحت رأسك، وغسلت رجليك إلى الكعبين) فيه تصريح بأن وظيفة الرجلين، هي الغسل لا المسح. قال السندي. ج ١ ص ٩٢ (اغتسلت) جواب إذا، وجملة إذا جواب أما

стр. 1682

أي صرت طاهرا (من عامة خطاياك) أي غالبها، أي مما يتعلق بأعضاء الوضوء وهي الغالبة، فلذلك قيل عامة الخطايا، والمراد بالخطايا الصغائر عند العلماء (فإن أنت وضعت وجهك) أي سجدت مخلصا (لله خرجت) على صيغة الخطاب، فإن الخطايا إذا خرجت من الإنسان فقد خرج الإنسان منها لافتراق كل منهما عن صاحبه، فيجوز نسبة الخروج إلى كل منهما، قاله السندي، ج ١ ص ٩٢، (من خطاياك) متعلق بخرجت، أي من ذنوبك (كيوم ولدتك أمك) الجار والمجرور نعت لمصدر محذوف، أي خروجا مشابها ليوم ولادتك، أي صرت طاهرا من الخطايا كطهارتك منها يوم ولادتك. قال السيوطي: بفتح يوم لاضافته إلى جملة صدرها مبني. اهـ ج ١ ص ٩٣. وقال السندي: البناء جائز لا واجب، فيجوز الجر إعرابا. اهـ. قال الجامع عفا الله عنه: إن ثبتت الرواية بأحد الوجهين فهو المتعين، وإلا فما قال السندي هو الأولى. والحاصل أن الظروف المضافة الي الجمل جوازًا يجوز فيها الإعراب والبناء، سواء أضيفت إلى جملة، فعلية صدرت بماض، أو جملة فعلية صدرت بمضارع، أو جملة اسمية، وهذا مذهب الكوفيين والفارسي، واختاره ابن مالك، لكن المختار فيما أضيف إلى جملة فعلية فعلها ماض البناء وفيما عداه الأعراب وإلى هذا أشار ابن مالك بقوله: وَابْن أوَ اعْربْ مَا كَإذْ قَدْ أجْريَا … وَاخْتَرْ بنَا مَتْلُوِّ فعْل بُنيَا وَقَبْلَ فعْل مُعْرَب أوْ مُبْتَدَا … أعْربْ وَمَنْ بَنَى فَإنْ يُفَنَّدَا قال السندي: والظاهر أن المعنى خرجت من الخطايا كخروجك منها

стр. 1683

يوم ولدتك أمك، وفيه أن الخروج من الخطايا فرع الدخول فيها فلا يتصور يوم الولادة، وأيضا هذا يفيد مغفرة الكبائر أيضا فإن الإنسان يوم الولادة طاهر عن الصغائر والكبائر جميعا، ولا يقول به العلماء، والجواب أنه متعلق بما يدل عليه خرجت، أي صرت طاهرا من الخطايا، أي الصغائر كطهارتك منها يوم ولدتك أمك، وهذا صحيح، وحمل التشبيه على ذلك بأدلة غيرُ بعيد، فليتأمل. اهـ. كلام السندي ج ١ ص ٩٢ (قال أبو أمامة: فقلت: يا عمرو بن عبسة) يجوز في عمرو البناء على الضم، والفتح اتباعا؛ لأنه إذا كان المنادى مفردا علما ووصف بابن مضاف إلى علم، ولم يفصل بينهما بفاصل جاز في المنادى الوجهان المذكوران، ويجب حذف ألف ابن والحالة هذه خطا، قال في الخلاصة: وَنَحْوَ زَيْد ضُمَّ وَافْتَحَنَّ مِنْ … نَحْو أزَيْدَ بْنَ سَعيد لاتَهِنْ وأما ابن عبسة فمنصوب لا غير (انظر ما تقول) أي فكر، وتَأنَّ فيما تتكلم به من هذا الفضل الجزيل على هذا الفعل القليل (أكل هذا) بالنصب مفعول ثان مقدم ليعطى، أو بالرفع مبتدأ خبره الجملة بعده (يعطى) بالبناء للمجهول (في مجلس واحد) وليس هذا اتهاما من أبي أمامة لعمرو، وإنما هو استغراب، وتعجب من عظيم فضل الله تعالى (فقال) عمرو (والله لقد كبرت سنين) يقال: كَبر الصبي يكبَر من باب تعب مكبرا، مثل مسجد وكبرا وزان عنب، فهو كبير، وجمعه كبار، اهـ المصباح ج ٢ ص ٥٢٣. وفي "ق" وكبر كفرح كبرا كعنب، ومكَبَرا، كمنزل: طعن في السن اهـ. والسن بكسر السين وتشديد النون مقدار العمر، مؤنثة في الناس وغيرهم جمعه أسنان، قاله في "ق" (ودنا) أي قرب (أجلي) أي وقت موتي، قال في "ق" الأجل محركة: غاية الوقت في الموت. اهـ (وما) نافية (بي من) زائدة (فقر) مبتدأ مؤخر خبره الجار والمجرور قبله. أي

стр. 1684

ليس بي احتياج إلى الناس (فأكذب على رسول الله ﷺ ) فأكذب منصوب بعد فاء السببية بأن مضمرة وجوبا كما قال في الخلاصة: وَبَعْدَ فَا جَوَاب نَفْي أوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنَ أنْ وَستْرْهُ حَتْمٌ نُصَبْ والمعنى أنه يقول: إن الأسباب الحاملة على الكذب عادة منتفية عني فلست كاذبا (ولقد سمعته) أي هذا الكلام (أذناي) فاعل سمعت وهو تثنية أذن مضاف إلى ياء المتكلم؛ لأن القاعدة أن المثنى إذا أضيف إلى ياء المتكلم سلمت ألفه في حالة الرفع، وفتحت الياء بعدها، نحو جاء غلاماي، وأما في حالتي النصب والجر فتدغم الياء في ياء المتكلم، نحو رأيت غلاميَّ، ومررت بغلامي، كما قال في الخلاصة: آخرَ مَا أضيفَ للْيَاء اكْسرْ إذَا … لَمْ يَكُ مُعْتَلًا كَرَام وَقَذَا أوْ يَكُ كَابْنَيْن وَزَيدينَ فَذي … جَميعُهَا اليَا بَعْدُ فَتْحُهَا احْتُذي وَتُدْغَمُ اليَا فيه وَالوَاوُ وَإنْ .... مَا قَبْلَ وَاو ضُمَّ فَاكسرْه يَهُنْ وَألفًا سَلِّم وَفي المَقْصُور عَنْ … هُذَيل انْقلَا بُهَا يَاءً حَسَنْ (ووعاه) أي حفظ هذا الكلام (قلبي من رسول الله ﷺ ) يعني أنه متثبت في نقل هذا الكلام من رسول الله ﷺ ، ثم إن قلبه وعاه له، ولم يطرأ عليه نسيان. وعند مسلم في صحيحه: لقد كبرت سنين، ورقّ عظمي، واقترب أجلي، وما بي من حاجة أن أكذب على الله، وعلى رسوله، لو لم أسمعه من رسول الله ﷺ إلا مرة، أو مرتين، أو ثلاثا، حتى عدّ سبع مرات ما حدثت به أبدا، ولكني سمعته أكثر من ذلك. وبالله التوفيق. مسائل تتعلق بحديث عمرو ﵁ المسألة الأولى: في درجته: حديث عمرو بن عبسة ﵁ أخرجه مسلم.

стр. 1685

المسألة الثانية: في بيان موضعه عند المصنف: أخرجه هنا ١٠٨/ ١٤٧، وفي الصلاة ٣٥/ ٥٧٢ بقصة الصلاة بهذا السند، وفي ٤٠/ ٥٨٤ أيضًا، عن الحسن بن إسماعيل، وأيوب ابن محمَّد، عن حجاج بن محمد، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن يزيد بن طلق، عن عبد الرحمن بن البيلماني، عن عمرو بن عبسة ﵁. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه مع المصنف. أخرجه مسلم مطولا عن أحمد بن جعفر المَعقريّ، عن النضر بن محمَّد، عن عكرمة بن عمار، عن شداد بن أبي عمار، ويحيى بن أبي كثير، كلاهما عن أبي أمامة به. وأحمد في المسند ج ٤/ ص ١١٢ مطولا أيضا، وأخرجه الدارقطني في السنن ج ١/ ص ١٠٨. المسألة الرابعة: في فوائده: من فوائد هذا الحديث: مشروعية سؤال الشخص العلماء عن أحكام دينه، وعَمَّا لَه في ذلك عند الله من الأجر، لأن ذلك يبعثه على العمل به وتزداد رغبته، ويَقْوَى نشاطه، وفيه بيان فضل الوضوء، وأنه من مكفرات الذنوب، وفيه دليل لمذهب العلماء كافة أن الواجب غسل القدمين، خلافا للشيعة حيث قالوا: الواجب مسحهما، ولابن جرير حيث قال: هو مخير، ولبعض الظاهرية حيث قالوا: يجب الغسل والمسح. كما بينه النووي في شرح مسلم. ج ٦ ص ١١٨. وقد تقدم تحقيق الكلام في هذه المسألة في باب ٨٩ ح ١١٠. وفيه فضل الركعتين بعد الوضوء، وفيه الحث على الإخلاص، وفيه الاستثبات في الإخبار، وإن كان المخبر صادقا إذ ربما يطرأ له نسيان، أو نحوه، وفي كلام عمرو ما يدل على أن الحاجة ربما حملت الشخص على التزيد في الخبر كما اطُّلعَ على بعض الوضاعين أنهم زادوا على الأحاديث ما ليس منها، ليتكسبوا بذلك أموال الأمراء وغيرهم.

стр. 1686

مثل ما وقع لغياث بن إبراهيم حيث زاد الجناح في حديث "لا سبق إلا في نصل، أو خف، أو حافر" إرضاء للمهدي حيث إنه كان يلعب بالحمام، ويحب ذلك فأمر له ببدرة (١)، فلما قام قال: أشهد على قفاك أنه قفا كذاب على رسول الله ﷺ ، ثم قال أنا حملته على هذا فأمر بذبح الحمام، ورفض ما كان عليه. وغير ذلك من الحكايات العجيبة المذكورة في كتب من ألف في الضعفاء والموضوعات. وقد ذكر ابن عراق في مقدمة تنزيه الشريعة أشياء من ذلك، وقسم أصناف الوضاعين إلى سبعة أقسام، ونظمت ذلك في منظومة سميتها تذكرة الطالبين، في بيان الموضوع وأصناف الوضاعين وهي (١٥١) بيتا، وقلت في القسم الخامس، وفيه القصة المذكورة: وَخَامسُ الأقْسَام أهْلَ الغَرَضِ … كَمَنْ يَقْصُّ كَاذبَا ذَا مَرَضِ وَالشَّاحذينَ وكَذا مَنْ يَقْرُبُ … للأمَراء آخذًا مَا يَطلُبُ كَبَعْض مَنْ قَصَّ بأنَّ عُمَرَا … نُورٌ للاسْلَام فَبئْسَمَا افْتَرَى وَمنْهْ مَا افْتَرَاهُ بَعْضُ المُعْتَدي … عَلى ابْن حَنْبَل وَيَحْيىَ المُهْتَدي وَالذَهَبيُّ أنْكَرَ الحكَاية … وَاللهُ أعَلَمُ لنَا حمَايَهْ كَذَاكَ تَكْبيرٌ أتَى منْ سَائلِ … ثَلَاثًا افتَرَاهُ غَيْرُ عَاقلِ كَذَا غيَاثٌ لحديث "لَا سَبْقْ" … زَادَ جنَاحًا بئَسَمَا لَهُ اخْتَلَقْ وَصَلَهُ المَهْديْ ببَدْرَة فَمَا … أحْسَنَ في هَذَا وَلَكنْ عنْدَمَا تَركَ لَهْوَهُ بذَبحَه الحَمَامْ … خَفَّفَ مَا كَانَ عَليْه منْ مَلَامْ وتمام الحكايات في مقدمة تنزيه الشريعة ج ١ ص-١٣ - ١٥. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 1687

١٠٩ - القَوْلُ بعْدَ الفَرَاغِ مِنَ الوُضُوءِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على الذكر بعد الفراغ من الوضوء، فالمراد بالقول هنا الذكر: ١٤٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، وَأَبِي عُثْمَانَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فُتِّحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ". رجال الإسناد: ثمانية ١ - (محمَّد بن علي بن حرب المروزي) أبو علي، المعروف بالتُّرْك، بضم المثناة وسكون الراء، وقد ينسب إلى جده، ثقة، من الحادية عشرة (س). ٢ - (زيد بن الحباب) بضم المهملة وموحدتين، أبو الحسين العكلي، بضم المهملة وسكون الكاف، أصله من خراسان وكان بالكوفة، ورحل

стр. 1688

في الحديث فأكثر منه، وهو صدوق يخطئ في حديث الثوري، من التاسعة، مات سنة ٢٠٣ - (ز م ٤). تقدم في ٣٣/ ٣٧. ٣ - (معاوية بن صالح) بن حدير أبو عمرو الحمصي، صدوق، له أوهام، تقدم قريبا، وتقدم أيضا في ٥٠/ ٦٢. ٤ - (ربيعة بن يزيد) الدمشقي، أبو شعيب الإيادي، القصير، ثقة عابد، من الرابعة، مات سنة -إحدى أو ثلاث- وعشرين ومائة. وفي "تت": وثقه النسائي، والعجلي، وابن عمار، ويعقوب بن شيبة، ويعقوب بن سفيان، وابن سعد، وقال ابن حبان: كان من خيار أهل الشام. أخرج له الجماعة ٥ - (أبو إدريس الخولاني) عائذ الله بن عبد الله، ولد في حياة النبي ﷺ يوم حنين، وسمع من كبار الصحابة، ومات سنة ثمانين، قال سعيد بن عبد العزيز: كان عالم الشام بعد أبي الدرداء (ع) تقدم في ٧٢/ ٨٨. ٦ - (أبو عثمان) قيل: هو سعيد بن هانئ الخولاني، وقيل: حريز ابن عثمان، وإلا فمجهول، من الثالثة (م د ت س). وفي تت ج ١٢ ص ١٦٤.أبو عثمان عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر، عن عمر، حديث "من أحسن الوضوء ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله" الحديث، وقيل عن أبي عثمان، عن عقبة من غير ذكر جبير، وقيل عن أبي عثمان عن عمر نفسه. وعنه ربيعة بن يزيد الدمشقي، ومعاوية بن صالح. والصحيح عن معاوية، عن ربيعة عنه، قال أبو بكر بن منجويه: يشبه أن يكون سعيد ابن هانئ الخولاني المصري. قال الحافظ: قلت: وقال ابن حبان: يشبه أن يكون حريز بن عثمان الرحبي. اهـ تت.

стр. 1689

وقال الذهبي: أبو عثمان لا يدرى من هو؟ وخرج له مسلم متابعة. اهـ المنهل ج ٢ ص ١٥٥. ٧ - (عن عقبة بن عامر الجهني) الصحابي المشهور، اختلف في كنيته على سبعة أقوال، أشهرها أنه أبو حماد، تقدم في باب ١٠٨/ ١٤٤. ٨ - (عمر بن الخطاب) بن نفيل، بنون وفاء مصغرا، ابن عبد العزى ابن رياح، بتحتانية، ابن عبد الله بن قرط، بضم القاف، بن رزاح، براء ثم زاي خفيفة بن عدي بن كعب القرشي العدوي، أمير المؤمنين، مشهور جَمّ المناقب، استشهد في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وولي الخلافة عشر سنين ونصفا. (ع) تقدم في ٦٠/ ٧٥. "تنبيه" في هذا الإسناد ثلاث أنساب: ١ - المروزى: بفتح الميم وسكون الراء، وفتح الواو، وآخره زاي، نسبة إلى مرو الشاهجان قاله في اللباب ج ٣ ص ١٩٩. وقال النووي: مروي منسوب إلى مرو مدينة معروفة بخراسان، وينسب إليها أيضا مروزي بزيادة الزاي، وهو من شواذ النسب. اهـ تهذيب الأسماء واللغات ج ٤ ص ١٣٧. وقال في شرح مسلم ج ١ ص ٨٨: وأما مرو: فغير مصروفة، وهي مدينة عظيمة بخراسان، وأمهات مدائن خراسان أربع: نيسابور، ومرو، وبلخ، وهراة. اهـ كلام النووي. ٢ - (الخولاني) بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو: نسبة إلى خولان ابن عمرو بن مالك بن الحارث بن مرة بن أدد بن يشجب بن عريب بن زيد ابن كهلان بن سبأ. وبعض خولان يقولون: خولان بن عمرو بن الحاف ابن قضاعة، وهكذا قال ابن الكلبي. واسم خولان أفكل، وهي قبيلة نزلت الشام. قاله في اللباب ج ١ ص ٤٧٢. ٣ - (الجهني) بضم الجيم، وفتح الهاء وآخره نون: نسبة إلى جهينة

стр. 1690

وهي قبيلة من قضاعة، واسمه زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف ابن قضاعة، نزلوا الكوفة والبصرة اهـ لباب ج ١ ص ٣١٧. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سباعياته. ومنها: رواته ثقات، غير زيد بن الحباب، ومعاوية بن صالح، فصدوقان. ومنها: أنهم ما بين مروزي، وهو شيخه، وكوفي، وهو زيد، وشاميين، وهم معاوية، وربيعة، وأبو إدريس، ومصري، وهو عقبة ومدني، وهو عمر، ﵃. ومنها: أن فيه رواية صحابي، عن صحابي. شرح الحديث (عن عمر بن الخطاب ﵁ تقدم تفسير هذه الجملة في باب ٩٩/ ح ١٢٩.أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : من) يحتمل أن تكون شرطية، وأن تكون موصولة (توضأ، فأحسن الوضوء) أي أتقنه بفعل فرائضه ومسنوناته (ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله) أي أعلم، وأبين أن لا إله إلا الله، قاله ابن الأنباري أفاده في اللسان. ج ٣ ص ٣٣٩. وفي المصباح: وقولهم: أشهد أن لا إله إلا الله تعدى بنفسه؛ لأنه بمعنى أعلم اهـ ج ٢ ص ٣٢٤. وفي المنهل: أي أقر بلساني، وأذعن بقلبي، من الشهادة، وهي الإخبار بما شوهد، فهي خبر قاطع، يقال: شهد الرجل على كذا، وشهده شهودا: حضره، وقوم شهود: حضور، و"أن" مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، والأصل: أشهد أنه لا إله إلا الله، وخبر "لا" محذوف، أي معبود بحق، وإلا ملغاة، ولفظ الجلالة

стр. 1691

مرفوع على البدلية من الضمير في الخبر، ويقال فيه: غير ذلك. وسيأتي تحقيق البحث فيه في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى. وفي رواية عند مسلم وأبي داود زيادة "وحده لا شريك له" (وأشهد أن محمدا) هو في الأصل اسم مفعول حُمِّدَ مبالغة في الثناء، نقل من الوصفية إلى الإسمية، قاله في المنهل ج ٢ ص ١٥٧. قال الجامع عفا الله عنه: والأحسن ما قاله العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، في كلامه الآتي وهو أنه علم وصفة اجتمعا في حقه ﷺ ، وعلم محض في حق من تسمى به غيره، وهذا شأن أسمائه تعالى، وأسماء نبيه ﷺ ، فهي أعلام دالة على معان، هي أوصاف مدح، وهو أعظم أسمائه ﷺ ، وأشرفها، وأشهرها، لإنبائه عن كمال الحمد المنبىء عن كمال ذاته، فهو المحمود مرة بعد مرة عند الله، وعند الملائكة، وعند الجن، والإنس، وأهل السموات والأرض، وأمته الحمادون، وبيده لواء الحمد، ويقوم المقام المحمود يوم القيامة، فيحمده فيه الأولون والآخرون، فهو ﷺ الحائز لمعاني الحمد مطلقًا. قال القاضي عياض: وقد حمى الله هذا الاسم فلم يتسم به أحد ممن ادعى النبوة، وإنما سمت العرب محمدًا قرب ميلاده لما أخبر الأحبار والكهان أن نبيا يبعث في هذا الزمان يسمى محمدا فسموا أبناءهم بذلك قال: وهم ستة. واستدرك عليه الحافظ ابن حجر نحو الخمسة عشر. وقال القاضي عياض أيضا: كان المصطفى ﷺ أحمد قبل أن يكون محمدا، كما وقع في الوجود لأن تسمية أحمد وقعت في الكتب القديمة، وتسميته محمدا وقعت في القرآن اهـ. العجالة السنية على ألفية السيرة النبوية للعلامة المناوي ص ٧.

стр. 1692

وقد رد العلامة ابن القيم هذا القول، وسنذكر ما قاله في ذلك في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى. وسماه به جده عبد المطلب، وقيل له لم سميت ابنك محمدا وليس من أسماء آبائك، قال رجوت أن يحمد في السماء والأرض، وقد حقق الله رجاءه (عبده ورسوله) وصفه بالعبودية التي هي غاية التذلل والخضوع لأنه ﷺ كان أتقى الخلق على الإطلاق، ولم يبلغ أحد مبلغه ﷺ من التذلل والخضوع لمولاه، والإضافة فيه للتشريف، إشارة إلى كمال مرتبته في مقام العبودية بالقيام في أداء حق الربوبية. ووصفه بها لئلا يتوهم ضعفاء العقول فيه ما لا يليق بمقامه من التأليه كما زعمت النصارى في عيسى ﵇، وقدمه على رسوله لأنه أشرف أوصافه وأعلاها. وفي رواية الترمذي، وابن ماجه زيادة "اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين" وهي زيادة صحيحة كما بينها العلامة الألباني في صحيح الترمذي، رقم -٥٥ - وصحيح ابن ماجه رقم ٤٧٠. وقال الحافظ في التلخيص بعد ذكر حديث عقبة، عن عمر ما نصه: ورواه الترمذي من وجه أخر عن عمر، وزاد فيه "اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين" وقال -يعني الترمذي- في إسناده اضطراب، ولا يصح فيه شيء كبير، قال الحافظ: قلت: لكن رواية مسلم سالمة من هذا الاعتراض، والزيادة التي عنده رواها البزار والطبراني في الأوسط، من طريق ثوبان، ولفظه: "من دعا بوَضُوء فتوضأ: فساعة فرغ من وضوئه، يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين" الحديث، ورواه ابن ماجه من حديث أنس، وأما قوله: "سبحانك اللهم" إلى آخره، فرواه النسائي في عمل اليوم والليلة، والحاكم في المستدرك من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ "من توضأ فقال:

стр. 1693

سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، كتب في رَقّ، ثم طُبع بطابَع، فلم يكسر إلى يوم القيامة" واختلف في وقفه ورفعه، وصحح النسائي الموقوف، وضعف الحازمي الرواية المرفوعة لأن الطبراني قال في الأوسط: لم يرفعه عن شعبة إلا يحيى بن كثير، قال الحافظ: ورواه أبو إسحاق المزكي في الجزء الثاني تخريج الدارقطني له، من طريق روح بن القاسم عن شعبة، وقال: تفرد به عيسى بن شعيب، عن روح بن القاسم. قال الحافظ قلت: ورجح الدارقطني في العلل الرواية الموقوفة أيضا. اهـ كلام الحافظ ج ١ ص ١٠١ - ١٠٢. (فتحت) بالبناء للمفعول (له ثمانية أبواب الجنة) نائب فاعل فتحت، وهو من إضافة الصفة للموصوف، أي أبواب الجنة الثمانية. قال في المنهل: والفتح يحتمل أن يكون على حقيقته بالنسبة للدار الآخرة، ويحتمل أن يكون مجازا عن التوفيق للطاعات في الدنيا فإنها سبب في فتح أبواب الجنة في الآخرة. اهـ ج ٢ ص ١٥٨. قال الجامع: الاحتمال الأول هو الظاهر، وأما الاحتمال الثاني فيبعده قوله الآتي: "يدخل من أيها". قال ابن سيد الناس: الذي ذكره العلماء في فتح أبواب الجنة والدعاء منها ما فيه من التشريف في الموقف والإشادة بذكر مَن حصل له ذلك على رؤس الأشهاد، فليس مَن يؤذن له في الدخول من باب لا يتعداه كمن يُتَلَقَّى من كل باب، ويدخل من حيث شاء، هذا فائدة التعدد في فتح أبواب الجنة اهـ زهر ج ١ ص ٩٣ والأبواب الثمانية في باب الإيمان، وباب الصلاة، وباب الصيام، وباب الصدقة، وباب الكاظمين الغيظ، وباب الراضين، وباب الجهاد، وباب التوبة. ولا يعارض حديث الباب حديث أن باب الريان لا يدخل منه إلا الصائمون لأنه يخير فلا يوفق للدخول من باب الريان إن لم يكن من الصائمين.

стр. 1694

وفائدة التخيير حينئد إظهار التعظيم والشرف كما روي أن الله أخذ الميثاق على الأنبياء أن يؤمنوا ﷺ إن أدركوه، ومعلوم أنه لا يظهر في زمان أحد منهم، وإنما ذلك لأظهار الشرف. قاله في المنهل ج ٢ ص ١٥٨. (من أيها) أي من أي تلك الأبواب الثمانية (شاء) أي أراد الدخول، يعني أنه يدخل من أي باب اختار الدخول منه. "تنبيه" قوله: ثمانية أبواب الجنة هكذا بدون زيادة من، ونحوه رواية أبي داود، ووقع في رواية الترمذي "فتحت له ثمانية أبواب من الجنة يدخل من أيها شاء" وهي تدل على أنها أكثر من ثمانية بناء على أن من تبعيضية، وفي كلام القرطبي ما يؤيده، وهو لا ينافي رواية المصنف لأن اسم العدد لا مفهوم له أفاده في المنهل ج ٢ ع ١٥٨. وقد عقد العلامة القرطبي في كتابه "التذكرة" بَابًا في هذا الموضوع أفاد فيه وأجاد. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عمر ﵁ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: فيمن أخرجه من أصحاب الأصول وغيرهم: أخرج هذا الحديث (م د س ق) فأخرجه (م) في الطهارة عن محمَّد بن حاتم بن ميمون، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة ابن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن عقبة بن عامر، عن عمر ﵁، وعن معاوية بن صالح، عن أبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر، عن عمر، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن زيد بن الحباب، عن معاوية، عن أبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر، الجهني، أن رسول الله ﷺ قال … الحديث. وأخرجه المصنف هنا، وفي عمل اليوم والليلة عن محمَّد بن علي بن

стр. 1695

حرب، عن زيد بن حباب، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، وأبي عثمان عن عقبة بن عامر، عن عمر. وفي الطهارة في الكبرى، واليوم والليلة عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن حيوة بن شريح، عن زهرة بن معبد، أن ابن عمه ابن أخي أبيه حدثه، قال: قال له عمر … ذكر نحوه. وعن الربيع بن سليمان، عن أسد بن موسى، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس عن عقبة بن عامر، وأبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عقبة ابن عامر- وساق الحديث. وأخرجه ابن ماجه في الطهارة ٦٠/ ٢ عن علقمة بن عمرو الدارمي، عن أبي بكر ابن عياش، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر به. قال أبو الحجاج المزي من زياداته على ابن عساكر رواه أبو داود في الطهارة عن الحسين بن عيسى، ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، عن حيوة ابن شريح- فلم يذكر فيه عمر. اهـ تحفة الأشراف ج ٨ ص ٩٠. وقال الحافظ: قلت: إنما وقع ذلك في رواية أبي داود، وقد رواه الدارمي في سننه في الصلاة عن المقرئ بسنده … فذكره، وكذلك رويناه في فوائد الفاكهي، عن ابن أبي مرة، عن المقرئ كرواية معاوية ابن صالح. اهـ النكت الظراف. وقال أبو الحجاج المزي: وقال أبو داود الطيالسي عن شعبة: سألنا أبا إسحاق عن عبد الله بن عطاء الذي روى عن عقبة: كنا نتناوب رعية الإبل؟ فقال: شيخ من أهل الطائف حدثنيه. قال شعبة: فلقيت عبد الله ابن عطاء فقلت: سمعته من عقبة؟ قال: لا، بل حدثنيه سعد بن إبراهيم فلقيت سعدا، فسألته؟ فقال: حدثني زياد بن مخْراق، فلقيت زياد بن مخراق فسألته؟ فقال: حدثني رجل، عن شهر بن حوشب يعني عن

стр. 1696

عقبة بن عامر. اهـ كلام المزي ﵀. تحفة ج ٨ ص ٩٠. وأخرج هذا الحديث أحمد، والبيهقي من عدة طرق، وابن أبي شيبة في المصنف. المسألة الثالثة: في فوائده: من فوائد هذا الحديث: فضل إحسان الوضوء، واستحباب الشهادتين بعده، وإثبات الجنة، وأن لها أبوابا، وهي ثمانية، وأن بعض الناس تفتح له كلها تكريما، وإن كان دخوله من أحدها. المسألة الرابعة: أنه لم يثبت من أحاديث الأذكار في الوضوء غير التسمية في أوله، وقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده الخ في آخره. قال العلامة الشوكاني: ولم يصح من أحاديث الدعاء في الوضوء غيره، وأما ما ذكره أصحابنا، والشافعية في كتبهم من الدعاء عند كل عضو، كقولهم عند غسل الوجه: اللهم بيض وجهي الخ، فقال الرافعي وغيره ورد بهذه الدعوات الأثر عن الصالحين اهـ نيل ج ١ ص ٢٦١. وقال الحافظ في التلخيص: قال النووي: في الروضة: هذا الدعاء لا أصل له، ولم يذكره الشافعي، والجمهور، وقال في شرح المهذب: لم يذكره المتقدمون، وقال ابن الصلاح: لم يصح فيه حديث. قلت: روي فيه عن علي من طرق ضعيفة جدًا أوردها المستغفري في الدعوات، وابن عساكر في أماليه، وهو من رواية أحمد بن مصعب المروزي، عن حبيب بن أبي حبيب الشيباني، عن أبي إسحاق السبيعي، عن علي، وفي إسناده من لا يعرف. ورواه صاحب مسند الفردوس من طريق أبي زرعة الرازي، عن

стр. 1697

أحمد بن عبد الله بن داود، ثنا محمود بن العباس، ثنا المغيث بن بديل، عن خارجة بن مصعب، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن علي نحوه. ورواه ابن حبان في الضعفاء من حديث أنس نحو هذا، وفيه عباد بن صهيب، وهو متروك. وَرَوَى المستغفري من حديث البراء بن عازب، وليس بطوله، وإسناده وَاه. اهـ تلخيص ج ١ ص ١٠٠. المسألة الخامسة: في إعراب الاسم الكريم من "لا إله إلا الله": اختلف المعربون في إعرابه على خمسة أقوال: القول الأول: أنه مرفوع على البدلية، وهذا القول هو الجاري على ألسنة المعربين، وهو رأي ابن مالك، ثم عليه اختلفوا: في خبر لا فمنهم من قال: يقدر فبعضهم قدره عاما كموجود (١)، وبعضهم قدره خاصا، كَلَنَا، أو للخلق، ومنهم من قال: لا خبر لها. والقول الثاني: أن لفظ الجلالة خبر "لا". ورد بأن "لا" لا تعمل في المعارف، وأجيب بأنها لا عمل لها في الخبر عند سيبويه. والقول الثالث: أن "إلا" ليست أداة استثناء، بل هى بمعنى "غير"، وهي مع لفظ الجلالة، صفة لاسم "لا" باعتبار المحل، والتقدير لا إله غير الله ويقدر خبر "لا" كما تقدم. القول الرابع: ونسب إلى الزمخشري: أنّ "لا إله" في موضع الخبر، و"إلا الله" في موضع المبتدإ، والأصل: الله إله، فلما أريد قصر الصفة على الموصوف قدم الخبر، وقرن المبتدأ بإلا، إذ المقصور عليه هو الذي يلي "إلا"، والمقصور هو الواقع في سياق النفي، والمبتدأ إذا اقترن بإلا وجب تقديم الخبر عليه كما قرر في محله. القول الخامس: أن ما بعد "إلا" مرفوع بـ "إله" كما هو حال المبتدإ إذا كان

стр. 1698

وصفا لأن إلها بمعنى مألوه، فيكون قائما مقام الفاعل، وسادا مسد الخبر كما في ما مضروب العمران. والمعول عليه من هذه الأقوال القولان الأولان، وأما بقية الأقوال فلا اعتماد عليها. وقد بسط الكلام على هذه الأقوال، ومالها وما عليها العلامة الألوسي في روح المعاني عند تفسير آية الكرسي بسطا حافلا كافلا فأرجع إليه، تزدد بصيرة. ج ٣ ص ٥ - ٦. المسألة السادسة قد عقد العلامة ابن القيم في كتابه النفيس "جلاء الأفهام" فصولا نفيسة فيما يتعلق باسم النبي ﷺ واشتقاقه، وأنه كان يسمى به في التوراة، وأنا أنقلها بالاختصار لنفاستها، قال رحمه الله تعالى: الفصل الثالث: في معنى اسم النبي ﷺ واشتقاقه: هذا الاسم، هو أشهر أسمائه ﷺ ، هو اسم منقول من الحمد، هو في الأصل اسم مفعول من الحمد، وهو يتضمن الثناء على المحمود، ومحبته، وإجلاله، وتعظيمه، هذا هو حقيقة الحمد، وبُني على زنة مُفَعَّل مثل مُعَظّم، ومُحَبّب، ومسوّد، ومبجل، ونظائرها لأن هذا البناء موضوع للتكثير، فإن اشتق منه اسم فاعل فمعناه من كثر صدور الفعل منه مرة بعد مرة، كمُعَلِّم، وُمفهّم، وُمبيّن، ومُخلّص، ومُفرّج ونحوها، وإن اشتق منه اسم مفعول فمعناه من كثر تكرر وفوع الفعل عليه مرة بعد أخرج إما استحقاقا أو وقوعا، فمحمد هو الذي كثر حمد الحامدين له مرة بعد أخرج، أو الذي يستحق أن يحمد مرة بعد أخرج. ويقال: حُمَّد فهو محمَّد، كما يقال: عُلِّمَ فهو مُعَلَّم، وهذا علم وصفة اجتمع فيه الأمران في حقه ﷺ ، وإن كان علمًا محضا في حق كثير ممن تسمى به غيره.

стр. 1699

وهذا شأن أسماء الرب تعالى، وأسماء كتابه، وأسماء نبيه، هي أعلام دالة على معان هي بها أوصاف فلا تُضادُّ فيها العلميةُ الوصفَ بخلاف غيرها من أسماء المخلوقين، فهو الله الخالق البارئ المصور القهار، فهذه أسماء له دالة على معان هي صفاته، وكذلك القرآن، والفرقان، والكتاب البين، وغير ذلك من أسمائه. وكذلك أسماء النبي ﷺ محمَّد، وأحمد، والماحي، وفي حديث جبير ابن مطعم عن النبي ﷺ أنه قال: "إن لي أسماء أنا محمَّد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر". فذكر رسول الله ﷺ هذه الأسماء مبينا ما خصه الله به من الفضل، وأشار إلى معانيها، وإلا فلو كانت أعلاما محضة لا معنى لها لم تدل على مدح، ولهذا قال حسان ﵁: (من الطويل) وَشَقَّ لهُ مِنِ اسمه ليُجلَّهُ … فَذُو العَرْش مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ وكذلك أسماء الرب تعالى كلها أسماء مدح، فلو كانت ألفاظا مجردة لا معاني لها لم تدل على المدح، وقد وصفها الله سبحانه بأنها حسنى كلها فقال: " ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] الآية، فهي لم تكن حسنى لمجرد اللفظ بل لدلالتها على أوصاف الكمال، ولهذا لما سمع بعض الأعراب قارئا يقرأ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨] قال: ليس هذا كلام الله تعالى، فقال القارئ: أتكذب بكلام الله تعالى؟ فقال: لا، ولكن ليس هذا بكلام الله، فعاد إلى حفظه، وقرأ ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فقال الأعرابي: صَدقْتَ، عَزَّ، فَحكَمَ، فَقَطعَ، ولو غفر ورحم، لما قطع. ولهذا إذا ختمت آية الرحمة باسم العذاب أو بالعكس ظهر تنافر الكلام وعدم انتظامه.

стр. 1700

وفي السنن من حديث أبي بن كعب حديث قراء القرآن على سبعة أحرف، ثم قال: "ليس منها إلا شاف كاف إن قلت: سميعا عليما عزيزا حكيما، ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب". ولو كانت هذه الأسماء أعلاما محضة لا معنى لها لم يكن فرق بين ختم الآية بهذا أو بهذا. وساق على ذلك أدلة كثيرة إلى أن. قال: إذا ثبت هذا فتسميته ﷺ بهذا الاسم لما اشتمل عليه من مسماه، وهو الحمد، فإنه ﷺ محمود عند الله، ومحمود عند الملائكة، ومحمود عند إخوانه من المرسلين ومحمود عند كل عاقل، وإن كابر عقله جحودا وعنادا وجهلا باتصافه بها، ولو علم اتصافه بها لحمده، فإنه يحمد من اتصف بصفات الكمال، وإن جهل وجودها فيه، فهو في الحقيقة حامد له وهو ﷺ اختص من مسمى الحمد بما لم يجتمع لغيره، فإن اسمه محمَّد، وأحمد، وأمته الحمادون يحمدون الله في السراء والضراء، وصلاته وصلاة أمته مفتتحة بالحمد، وخطبته مفتتحة بالحمد، وكتابه مفتتح بالحمد، وهكذا كان عند الله في اللوح المحفوظ أن خلفاءه وأصحابه يكتبون المصحف مفتتحا بالحمد، وبيده ﷺ لواء الحمد يوم القيامة، ولما يسجد بين يدي ربه للشفاعة، ويؤذن له فيها يحمد ربه بمحامد يفتحها عليه حينئذ، وهو صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧١]. ثم أطال في هذا البحث بكلام لا تجده في غير كتابه. إلى أن قال: فلما كان رسول الله ﷺ مشتملا على ما يقتضي أن يحمد مرة بعد مرة سمي محمدا، وهو اسم موافق لمسماه، ولفظ مطابق لمعناه. والفرق بين محمَّد، وأحمد، من وجهين:

стр. 1701

أحدهما: أن محمدا هو المحمود حمدا بعد حمد، فهو دال على كثرة حمد الحامدين له، وذلك يستلزم كثرة موجبات الحمد فيه، وأحمد أفعل تفضيل من الحمد يدل على أن الحمد الذي يستحقه أفضل مما يستحقه غيره، فمحمد زيادة حمد في الكمية، وأحمد زيادة في الكيفية فيحمد أكثر حمد، وأفضل حمد حمده البشر. الوجه الثاني: أن محمدا هو المحمود حمدا متكررا كما تقدم، وأحمد هو الذي حمده لربه أفضل من حمد الحامدين غيره فدل أحد الاسمين وهو محمَّد على كونه محمودا، ودل الاسم الثاني وهوأحمد على كونه أحمد الحامدين لربه، وهذا هو القياس (١) ثم ذكر الخلاف بين النحاة هل يبنى أفعل التفضيل والتعجب من المتعدى، أم لا؟ ثم رجح بأن محمدا وأحمد كلاهما واقعان على المفعول لأن ذلك أبلغ. ثم قال ﵀: "فصل": وقد ظن طائفة مهم أبو القاسم السهيلي، وغيره أن تسميته ﷺ بأحمد كانت قبل تسميته بمحمد، قالوا: ولهذا بشر به المسيح باسم أحمد، وفي حديث طويل في حديث موسى "لما قال لربه يا رب إني أجد أمة من شأنها كذا وكذا، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد يا موسى فقال: اللهم اجعلني من أمة أحمد". قالوا: وإنما جاء تسميته بمحمد في القرآن خاصة، لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ [محمد: ٢] وقوله ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩]، ثم ناقش الأدلة التي أوردها أتم

стр. 1702

مناقشة ورجح أن محمدا اسمه في التوراة، وذكر له أدلة، إلى أن قال: والمقصود أن اسم النبي ﷺ في التوراة محمد، كما هو في القرآن، وأما المسيح: فإنما سماه أحمد كما حكاه الله عنه في القرآن، فإذن تسميته بأحمد وقعت متأخرة عن تسميته محمدا في التوراة، ومتقدمة علي تسميته محمدا في القرآن فوقعت بين التسميتين محفوفة بهما. اهـ كلام العلامة ابن القيم مختصرا من جلاء الأفهام من ص ٩٢ - ١١٤. المسألة السابعة: أخرج البخاري في عمحيحه عن جبير بن مطعم، قال: قال رسول الله ﷺ : "لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحوا الله بي الكفر، وأنا الحاشر يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب". والذي استظهره الحافظ في الفتح: أنه أراد أن لي خمسة أسماء أختص بها لم يسم بها أحد قبلي، أو معظمة، أو مشهورة في الأمم الماضية، لا أنه أراد الحصر فيها. قاله في الفتح. ج ٦ ص ٦٤٢. وقال العلامة العيني: إن مفهوم العدد لا اعتبار له فلا ينفي الزيادة، وقيل: إنما اقتصر عليها لأنها الموجودة في الكتب القديمة، ومعلومة للأمم السالفة، وزعم بعضهم أن العدد ليس من قول النبي ﷺ ، وإنما ذكره الراوي بالمعنى، ورُدَّ عليه لتصريحه في الحديث بذلك، وقيل معناه ولي خمسة أسماء لم يسم بها أحد قبلي، وقيل: معناه إن معظم أسمائي خمسة. اهـ عمدة ج ١٦ ص ٩٦. وقد ذكر الحافظ أبو الفضل العراقي في ألفية السيرة بعض أسماء النبي ﷺ فقال:

стр. 1703

مُحَمَّد مَعَ المُقَفِّي أحَمْدَا … الحَاشرُ العَاقبُ وَالمَاحي الرَّدا وَهُوَ المُسَمَّى بنَبيِّ الرَّحْمَة … في مُسْلم وَبنَبيِّ التَوْبَة وَفيه أيْضًا بنَبيِّ المَلْحَمَهْ … وفي روَايَة نَبيُّ المَرْحَمَهْ طهَ وَيس مَعَ الرَّسُولِ … كَذَاك عَبْد الله في التَّنَزيل وَالمُتَوكِّلُ النَّبِّيُّ الأمِّي … والرَّوُؤفُ الرَّحيمُ أيَّ رُحْمِ وَشَاهدًا مُبَشَّرًا نَذيرَا … كَذَا سرَاجًا صل به مُنيرًا كَذَا به المُزَّمِّلَ المُدثَّرِّا … وَدَاعيًا لله وَالمُذَكِّرَا وَرَحْمَةٌ وَنعْمَةٌ وَهَادي … وَغَيرُهَا تَجلُّ عَنْ تَعْدَادِ وَقَدْ وَعَىَ ابْنُ العَرَبيِّ سَبْعَهْ … منْ بَعْد ستّين وَقيلَ تسْعَهْ منْ بَعْدَ تسْعينَ ولابْن دحْيَةِ … الفَحْصُ يُوَفيهَا ثَلَاثَمائةِ وَكَوْنُهَا ألفًا فَفي العَارضَة … نَقَلَهُ عَنْ بَعْض ذي الصُّوفيَّةِ اهـ قال الجامع: وفي بعض ما ذكره من الأسماء "كطه ويس" نظر، وكذا فيما نقله من الأعداد؛ لأنه لا دليل يصح فيها. والله أعلم. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 1704

١١٠ - حِلْيةُ الوُضُوءِ الحلية بالكسر جمعه حُلَى بالكسر والضم وهو ما يتزين به من مصوغ المعدنيات، أو الحجارة، والراد به هنا التحجيل في القيامة من آثار الوضوء.، وسيأتي مزيد بسط له، إن شاء الله تعالى. ١٤٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ خَلَفٍ -وَهُوَ ابْنُ خَلِيفَةَ- عَنْ أَبي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَكَانَ يَغْسِلُ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْلُغَ إِبْطَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا هَذَا الْوُضُوءُ؟ فَقَالَ لِي: يَا بَنِي فَرُّوخَ أَنْتُمْ هَا هُنَا، لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ هَا هُنَا مَا تَوَضَّأْتُ هَذَا الْوُضُوءَ، سَمِعْتُ خَلِيلِي ﷺ يَقُولُ: "تَبْلُغُ حِلْيَةُ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ". رجال الإسناد: خمسة ١ - (قتيية) بن سعيد أبو رجاء البغلاني ثقة ثبت١٠ تقدم في ١/ ١. ٢ - (خلف بن خليفة) بن صاعد الأشجعي مولاهم، أبو أحمد الكوفي، نزيل واسط، ثم بغداد، صدوق اختلط في الآخر، وادعى أنه رأى عمرو بن حريث الصحابي فأنكر عليه ذلك ابن عيينة وأحمد،

стр. 1705

من الثامنة، مات سنة -١٨١ - على الصحيح. بخ م ٤. وفي الخلاصة: بعد ذكر نحو ما تقدم روى عن أبيه، وحميد الأعرج، وأبي بشر. وعنه هشيم، وسعيد بن منصور، وقتيبة. قال أحمد: لم ير عمرو ابن حريث، ومن كتب عنه قديما فسماعه صحيح. وكتب في الهامش ما نصه: لفظ التهذيب: عن عبد الله بن أحمد سمعت أبي يقول: قال رجل لسفيان ابن عيينة: يا أبا محمَّد عندنا رجل يقال له: خلف بن خليفة يزعم أنه رأى عمرو بن حريث، فقال: كذب، لعله رأى جعفر ابن عمرو بن حريث. وقال الحسن الميموني: سمعت أبا عبد الله يسأل رأى خلف بن خليفة عمرو بن حريث؟ قال: لا، ولكنه عندي شبه عليه. وقال موضع آخر: رأيت خلف بن خليفة وهو مفلوج سنة -١٨٧ - قد حمل وكان لا يفهم، فمن كتب عنه قديما فسماعه صحيح. اهـ. صة ١ ص ٢٩٢. ومثله في "تت". ٣ - (أبو مالك الأشجعي) سعد بن طارق، الكوفي، ثقة، من الرابعة، مات في حدود الأربعين ومائة وثقه أحمد، وابن معين، والعجلي، وابن سعد، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، يكتب حديثه. وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن عبد البر: لا أعلمهم يختلفون في أنه ثقة عالم، علق عنه البخاري، وأخرج له الباقون. ٤ - (أبو حازم) سلمان الأشجعي، الكوفي، ثقة، من الثالثة، مات على رأس المائة. (ع) وفي الخلاصة: أنه جالس أبا هريرة خمس سنين، ويروي عن الحسين والحسن، وابن عمر. وعنه فضيل بن غزوان، ومحمد بن جحادة والأعمش، وثقه أحمد وابن معين. مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. اهـ. ٥ - (أبو هريرة) الدوسي الصحابي الجليل ﵁. تقدم في ١/ ١.

стр. 1706

لطائف الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات إلا خلفًا فصدوق اختلط بآخرة، وأنهم كوفيون إلا قتيبة فبغلاني، وأبا هريرة فمدني، وأن فيه رواية تابعي، عن تابعي: أبو مالك، عن أبي حازم، وأن صحابيه أحد المكثرين السبعة، بل هو رئيسهم روى -٥٣٧٤ - . بيان النسبة: "الأشجعي" بفتح الهمزة وسكون الشين وفتح الجيم نسبة إلى أشجع ابن ريث بن غَطَفَان بن سعد بن قيس عيلان، قبيلة مشهورة. أفاده في اللباب ج ١ ص ٦٤. شرح الحديث (عن أبي حازم) سلمان الأشجعي، أنه (قال: كنت خلف أبي هريرة) أي وراءه (وهو يتوضأ للصلاة) جملة حالية من أبي هريرة (وكان) أبو هريرة (يغسل يديه حتى يبلغ إبطيه) غاية للغسل، يعني أنه يبالغ في مد الغسل إلى أن يبلغ إلى الإبط. وعند مسلم: فكان يمد يده حتى تبلغ إبطه. والإبط: بكسر فسكون ما تحت الجناح، ويذكر ويؤنث، فيقال: هو الإبط وهي الإبط، ومن كلامهم رفع السوط حتى بَرَقت إبطه، والجمع آباط مثل حمْل وأحمال، ويزعم بعض المتأخرين أن كسر الباء لغة، وهو غير ثابت؛ لأن سيبويه قال: لم يجىء على فعل بكسر الفاء والعين من الأسماء إلا حرفان إبل وحبر، هو القَلَح (١) ومن الصفات إلا حرف وهي امرأة بلز وهي الضخمة. أفاده في المصباح. ج ١ ص ٢. قال الجامع: لكن في "ق" ما يفيد أن كسر الباء لغة. قال أبو حازم (فقلت: يا أبا هريرة ما هذا الوضوء؟) "ما" استفهامية مبتدأ أو خبر مقدم، و"هذا " خبره، أو مبتدأ مؤخر، و"الوضوء" نعت لاسم الإشارة، أو بدل منه، أو عطف بيان، كما قال بعضهم:

стр. 1707

مُعَرَّفٌ بَعْدَ إشَارَة بألْ … يُعْرَبُ نَعْتًا أوْ بَيَانًا أوْ بَدَلْ يقول: أيُّ شيء هذا الوضوء الذي يخالف صفة الوضوء التي كنا نراها منك قبل هذا. وكان أبوهريرة لا يتوضأ مثل هذا الوضوء إذا كان بين الناس، كما يدل عليه كلامه الآتي (فقال) أبو هريرة (يا بني فروخ) بفتح الفاء وتشديد الراء: قال النووي رحمه الله تعالى: قال صاحب كتاب العين: فروخ بلغنا أنه كان من ولد إبراهيم ﷺ من ولد كان بعد إسماعيل، وإسحاق كثر نسله، ونما عدده، فولد العجم الذين هم في وسط البلاد قال القاضي عياض: أراد أبو هريرة هنا الموالي، وكان خطابه لأبي حازم. اهـ شرح مسلم ج ٣ ص ١٤٠. وفي "ق" وشرحه: وفروخ كتنور أخو إسماعيل، وإسحاق أبو العجم الذين هم في وسط البلاد، وهو فارسي، ومعناه السعيد طالعه، وقد تسقط واوه في الاستعمال، وهو غير منصرف للعجمة والعلمية. اهـ بتغيير يسير. ج ٢ ص ٢٧٢. (أنتم ههنا؟ لو علمت أنكم ها هنا ما توضأت هذا الوضوء) أي لئلا يعتقدوا أنه من واجبات الوضوء. قال القاضي عياض: أراد أبو هريرة بكلامه هذا أنه ينبغي لمن يُقتَدَى به إذا ترخص في أمر لضرورة، أو تشدد لوسوسة، أو لاعتقاده في ذلك مذهبا شذ به عن الناس أن لا يفعله بحضرة العامة الجهلة لئلا يترخصوا برخصته لغير ضرورة، أو يعتقدوا أن ما تشدد فيه هو الفرض اللازم اهـ. شرح مسلم. للنووي. قال الجامع عفا الله عنه: في قول القاضي لوسوسة نظر لا يخفى لأنه ليس التشدد للوسوسة مشروعا به، بل الواجب على الإنسان أن لا يلتفت إلى الوسواس، ويبتعد عنه. ثم قال أبو هريرة مبينا مستنده في هذا الوضوء (سمعت خليلي ﷺ )

стр. 1708

فعيل بمعنى فاعل، هو الصديق، من الخَلة بالفتح، وهي الصداقة، والضم لغة. كما في المصباح. وفي اللسان: قال ابن دريد: الذي سمعت به أن معنى الخليل الذي أصفى المودةَ وأصحها، قال: ولا أزيد فيها شيئا لأنها في القرآن، يعني قوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، والجمع أخلَّاء وخُلَّان، والأنثى خليلة، والجمع خليلات وقال الزجاج: الخليل المحب الذي ليس في محبته خلل. وقوله : ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، أي أحبه محبة تامة لا خلل فيها، قال: وجائز أن يكون معناه الفقير، أي اتخذه محتاجا فقيرا إلى ربه، قال: وقيل للصداقة خلة لأن كل واحد منهما يسد خلل صاحبه في المودة والحاجة إليه. اهـ ج ١١ ص ٢١٨. يعني أنه سمع النبي ﷺ (يقول: تبلغ حلية المؤمن) وفي نسخة يبلغ بالياء، وفي أخرى تبلغ الحلية من المؤمن. والحلية: بكسر المهملة وسكون اللام وياء مخففه تطلق على السِّيمَا، والمراد به هنا التحجيل من أثر الوضوء يوم القيامة، وعلى الزينة، والمراد به ما يشير إليه قوله تعالى ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ﴾ [الكهف: ٣١]، أفاده السندي. ج ١ ص ٩٥. وقال ابن منظور: والحَلْي -أي بفتح الحاء وسكون اللام- ما تُزُيِّنَ به من مصوغ المعدنيات أو الحجارة، والجمع حُليّ -يعني بالضم- وقال الجوهري: الحَلْي -يعني بفتح فسكون حَلْي المرأة. وجمعه حُليّ مثل ثدى وثدي، وهو فعول، وقد تكسر الحاء لمكان الياء، مثل عصي، وقرىء ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا﴾ [الأعراف: ١٤٨] بالضم والكسر وحلية السيف جمعها حلَى مثل لحْية ولحى وربما ضم. اهـ لسان ج ١٤ ص ١٩٥.

стр. 1709

والمعنى أن زينة المؤمن التي يزينه الله تعالى بها في القيامة تبلغ (حيث ييلغ الوضوء) أي الكان الذي كان يبلغ إليها ماء الوضوء في الدنيا، فحيث ظرف لتبلغ. والله تعالى أعلم، وبه المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولي: في درجته: هذا الحديث، أخرجه مسلم. فإن قيل: إن في سنده خلف بن خليفة، أجيب بأنه تابعه عليٌّ بن مسهر عند ابن حبان، وابنُ إدريس عند ابن خزيمة. المسألة الثانية: في بيان موضعه من هذا لكتاب: لم يذكره المصنف إلا في هذا الموضع ١١٠/ ١٤٩ وأخرجه أيضا في الكبرى -٩٦/ ١٤٢ بهذا السند. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم: أخرجه مسلم في الطهارة ١٣ عن شيخ المصنف. وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه ٧/ ٧ عن أبي طاهر، عن أبي بكر، عن إبراهيم بن يوسف الصيرفي، عن ابن إدريس، عن أبي مالك الأشجعي، عن أبي حازم قال رأيت أبا هريرة يتوضأ فجعل يبلغ بالوضوء قريبا من إبطه فقلت له؟ فقال إني سمعت رسول الله ﷺ يقول "إن الحلية تبلغ مواضع الوضوء". وأخرجه ابن حبان في صحيحه ج ١ رقم ١٠٤٢ عن أحمد بن علي بن المثنى، عن عبد الغفار بن عبد الله الزبيري، عن علي بن مسهر، عن سعد بن طارق، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "تبلغ حلية أهل الجنة مبلغ الوضوء". وأخرجه أحمد ج ٢ ص ٣٧١. المسألة الرابعة: في فوائده: من فائدة هذا الحديث: أنه ينبغي للعالم أن لا يفعل عند العوام ما لا

стр. 1710

يعرفون، إذا خاف عليهم أن يعتقدوا ذلك واجبا، وفيه فضل إطالة الوضوء بمجاوزة محل الفرض، وفيه بيان شرف المؤمن من هذه الأمة حيث خصت بالغرة والتحجيل، كما سيأتي في الحديث التالي، وسيأتي مزيد بسط لذلك في المسائل الآتية في الحديث التالي إن شاء الله تعالى. ١٥٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْمَقْبُرَةِ، فَقَالَ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ إِخْوَانَنَا"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَسْنَا إِخْوَانَكَ؟ قَالَ: "بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانِي الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَكَ مِنْ أُمَّتِكَ؟ قَالَ: "أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ فِي خَيْلٍ بُهْمٍ دُهْمٍ، أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟ " قَالُوا: بَلَى، قَالَ: "فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ".

стр. 1711

رجال الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد أبو رجاء الثقفي البغلاني ثقة ثبت -١٠ - تقدم في ١/ ١. ٢ - (مالك) بن أنس الإمام العَلَم الشهير ثقة حجة -٧ - تقدم في ٧/ ٧. ٣ - (العلاء بن عبد الرحمن) بن يعقوب، الحرقي -بضم المهملة وفتح الراء بعدها قاف- أبو شبل -بكسر المعجمة وسكون الموحدة- المدني، صدوق ربما وهم، من الخامسة، مات سنة بضع وثلاثين ومائة تقدم في ١٠٧/ ١٤٣. ٤ - (عبد الرحمن) بن يعقوب الجُهَني المدني، مولى الحُرَقَة، ثقة، من الثالثة. اهـ ت ٢١٢. تقدم في ١٠٧/ ١٤٣. ٥ - (أبو هريرة) الدوسي الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ١/ ١. لطائف الإسناد منها: أنه من خماسياته. ومنها: أن رواته كلهم ثقات، إلا العلاء فصدوق. ومنها أنهم مدنيون إلا شيخه، فبغلاني. ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه. ومنها: أنهم ممن اتفق الستة عليهم إلا العلاء، وأباه فلم يخرج لهما البخاري، وإلا في جزء القراءة. ومنها: أن صحابيه أحد المكثرين السبعة، وتقدم غير مرة.

стр. 1712

شرح الحديث (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ خرج إلى المقبرة) بتثليث الباء والكسر أقلها، أفاده النووي. في شرح مسلم ج ٣ ص ١٣٧ وهي موضع دفن الموتى، قاله في اللسان ج ٥ ص ٦٩، والمراد بالمقبرة هنا مقبرة البقيع لما أخرجه مسلم، والمصنف من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: "كان رسول الله ﷺ كُلَّما كانت ليلتها من رسول الله ﷺ يخرج إلى البقيع فيقول السلام عليكم دار قوم مؤمنين … الحديث (فقال) ليحصل لهم ثواب التحية وبركتها (السلام عليكم) وفي رواية أحمد: "سلام عليكم" قال في المنهل ج ٥ ص ١٠٤: وفيه دلالة على أن السلام على الموتى يقدم فيه المبتدأ على الخبر كالسلام على الأحياء، ويقدم الدعاء على المدعو له فإن السلام متضمن للدعاء، ونظيره قوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] ولا ينافيه ما سيأتي للمصنف -يعني أبا داود- في باب- كراهية أن يقول: عليك السلام من كتاب الأدب عن أبي جُرَيّ الهُجَيمي -بالتصغير فيهما- قال: "أتيت رسول الله ﷺ ، فقلت عليك السلام يا رسول الله، فقال: لا تقل: عليك السلام فإن عليك السلام تحية الموتى" لأن معناه أن هذه الصيغة تختص بالموتى، وأما السلام عليكم فمشترك، وما قاله بعض العلماء من لزوم تقديم المبتدإ على الخبر في السلام على الأحياء والأموات، وإجابته عن حديث أبي جُرَيّ بأنه إخبار عن عادة أهل الجاهلية من تقديم الخبر على المبتدإ في تحية الموتى، كما قال شاعرهم: (من الطويل) عَليْكَ سَلَامُ الله قَيْسَ بْنَ عَاصمِ … وَرَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أنْ يَتَرَحَّمَا بعيد، لأنه ﷺ ما كان يُقرُّ أحدًا على ما يخالف الشريعة. فتحصل أن

стр. 1713

السنة في السلام على الأحياء والأموات تقديم المبتدإ على الخبر، وأنه يجوز في تحية الأموات تقديم الخبر. اهـ عبارة المنهل. (دار قوم مومنين) قال ابن قرقول: بنصب دار على الاختصاص، أو النداء المضاف، والأول أظهر، قال ويصح الجر على البدل من الكاف والميم في "عليكم"، والمراد بالدار على هذين الوجهين الأخيرين: الجماعة، أو الأهل، وعلى الأول مثله، أو أهل المنزل قال الأبيّ: يعني الاختصاص اللغوي لا الصناعي لفقد شرطه، وهو تقديم ضمير المتكلم أو المخاطب اهـ، وتعقب بأنه اصطلاحي أيضا، قال التفتازاني في حاشية الكشاف: المراد بالاختصاص هنا النصب بإضمار فعل، وقد أكثر الكرماني من التعبير بالاختصاص في مثل هذا. قال الباجي وعياض: يحتمل أنهم أحيُوا له حتى سمعوا كلامه كأهل القليب، ويحتمل أن يسلم عليهم مع كونهم أمواتا لامتثال أمته ذلك بعده، قال الباجي: وهو الأظهر. اهـ زرقاني على الموطأ جـ ١ ص ٦٢ - ٦٣. وفي المنهل ج ٥ ص ١٠٤: وسميت القبور دارًا تشبيها لها بمساكن الأحياء لأنهم يجتمعون في القبور. اهـ. (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) قال الزرقاني رحمه الله تعالى: قال النووي وغيره من العلماء: في إتيانه بالاستثناء مع أن الموت لا شك فيه أقوال: أظهرها أنه ليس للشك، وإنما هو للتبرك، وامتثال أمر الله فيه، قال أبو عمر: الاستثناء قد يكون في الواجب لا شكا، كقوله تعالى ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧]، ولا يضاف الشك إلى الله، والثاني: أنه عادة المتكلم يُحَسِّنُ به كلامَهُ، والثالث: أنه عائد إلى اللحوق في هذا المكان والموت بالمدينة، والرابع: أن "إن بمعنى "إذ"، والخامس: أنه راجع إلى استصحاب الإيمان لمن معه، والسادس أنه كان معه من يظن بهم النفاق فعاد الاستثناء إليهم.

стр. 1714

وحكى ابن عبد البر ﵀ أنه عائد إلى معنى مؤمنين، أي لاحقون في حال إيمان؛ لأن الفتنة لا يأمنها أحد، ألا تَرى قول إبراهيم ﷺ : ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] وقول يوسف ﷺ : ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] ولأن نبينا ﷺ كان يقول: "اللهم اقبضني إليك غير مفتون". اهـ. واستبعد الأبي الثالث بقوله ﷺ للأنصار: "المحيا محياكم، والممات مماتكم". قال: إلا أن يكون قال ذلك قبل. اهـ كلام الزرقاني، وقال النووي ﵀ في شرح مسلم ج ٣ ص ١٣٨ بعد ذكر الأقوال الأربعة الأول ما نصه: وقيل أقوال أخر ضعيفة جدا تركتها لضعفها وعدم الحاجة إليها، منها: قول من قال: الاستثناء منقطع راجع إلى استصحاب الإيمان، وقول من قال كان معه ﷺ مؤمنون حقيقة، وآخرون يظن بهم النفاق فعاد الاستثناء إليهم، وهذان القولان وإن كانا مشهورين فهما خطأ ظاهر. والله أعلم. اهـ كلام النووي. (وددت) بكسر الدال، أي تمنيت وأحببت، ووجه اتصال وده برؤية أصحاب القبور أنه جاء تصور اللاحقين بتصور السابقين، وقيل: كشف له ﵊ عالم الأرواح كلها (أني قد رأيت) أي في الدنيا ويحتمل تمنى لقائهم بعد الموت، قال عياض، وقال بعضهم: لعله أراد أن ينقل أصحابه من علم اليقين إلى عين اليقين، ويراهم هو ومن معه، وعند مسلم: "وددت أنا قد رأينا"، بصيغة الجمع، وقال الزرقاني: وفي رواية "أني لقيت". اهـ ج ١ ص ٦٣. (إخواننا) المسلمين (قالوا) أي الصحابة الحاضرون معه (يا رسول الله ألسنا إخوانك) وعند مسلم "أو لسنا إخوانك" (قال: بل أنتم أصحابى) قال الباجي ﵀: لم ينف بذلك أخوتهم، ولكن ذكر مرتبتهم الزائدة بالصحبة، واختصاصهم بها، وإنما منع أن يسموا بذلك لأن

стр. 1715

التسمية والوصف على سبيل الثناء والمدح للمسمى يجب أن يكون بأرفع حالاته، وأفضل صفاته، وللصحابة بالصحبة درجة لا يلحقهم فيها أحد، فيجب أن يوصفوا بها. اهـ وقبله عياض. اهـ زرقاني ج ١ ص ٦٣. وقال النووي ﵀: قال الإمام الباجي: قوله ﷺ : "بل أنتم أصحابي" ليس نفيا لأخوتهم ولكن ذكر مرتبتهم الزائدة بالصحبة، فهؤلاء إخوة صحابة والذين لم يأتوا إخوة ليسوا بصحابة، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] قال القاضي عياض رحمه الله: ذهب أبو عمر بن عبد البر ﵀ في هذا الحديث وغيره من الأحاديث في فضل من يأتي آخر الزمان إلى أنه قد يكون فيمن يأتي بعدُ مَن هو أفضل ممن كان من جملة الصحابة، وأن قوله ﷺ : "خير القرون قرني" على الخصوص معناه خير الناس قرني، أي السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، ومن سلك مسلكلهم، فهؤلاء أفضل الأمة، وهم المرادون بالحديث، وأما من خلط في زمنه ﷺ وإن رآه وصحبه، أو لم يكن له سابقة ولا أثر في الدين فقد يكون في القرون التي تأتي بعد القرن الأول من يفضلهم على ما دلت عليه الآثار. قال القاضي ﵀: وقد ذهب إلى هذا أيضا غيره من المتكلمين على المعاني، قال: وذهب معظم العلماء إلى خلاف هذا، وأن من صحب النبي ﷺ ورآه مرة من عمره، وحصلت له مزية الصحبة أفضل من كل من يأتي بعدُ، فإن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل، قالوا: وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، واحتجوا بقوله ﷺ : "لو أنفق أحدكم مثل أحُد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" (١) هذا كلام القاضي. والله أعلم. اهـ كلام النووي في شرح مسلم ج ٣ ص ١٣٨ - ١٣٩.

стр. 1716

قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي ما ذهب إليه معظم العلماء من أن من بعد الصحابة لا يساوي فضلهم، فضلا عن أن يفضل عليهم، وإن عمل ما عمل لحديث عمران ﵁ أن النبي ﷺ قال: خير القرون قرني … الحديث" متفق عليه. وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: "لا تسبوا أصحابي، هو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه". رواه مسلم ج ١ ص ١٩٦٧. وأما الأحاديث الدالة على تفضيل من أتى بعد الصحابة ﵃، كحديث أبي ثعلبة الخُشَني ﵁ لما سئل عن هذه الآية ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا … الحديث، وفيه "فإن من ورائكم أيامًا، الصبرُ فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم". أخرجه أبو داود، والترمذي، فإنها لا تعارض الأحاديث التي أخرجها الشيخان، ولا تقوى قوتها (١)، والله أعلم. (وإخواني) ولمسلم "وإخواننا"، فإخواني مبتدأ خبره قوله (الذين لم يأتوا بعد) أي لم يوجدوا الآن معي، وكلمة "بعد" قد يراد بها الآن كما في قول بعضهم: (من الطويل) كَمَا قَدْ دَعَاني في ابْن مَنْصُورَ قَبْلَهَا … وَمَاتَ فَمَا حَانَتْ مَنيَّتُهُ بَعْدُ أي الآن، قاله في التاج ٢ ص ٣٠٤. ويحتمل أن تكون على معناها، ويكون الظرف حالا، أي حال كون وقتهم بعد وقتنا هذا. قال الزرقاني ﵀: ودل بإثبات الأخوة لهؤلاء على علو

стр. 1717

مرتبتهم، وأنهم حازوا فضيلة الآخرية كما حاز ﷺ وأصحابه فضيلة الأولية، وهم الغرباء المشار إليهم بقوله "بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا، فطوبى للغرباء" وهم الخلفاء الذين أفادهم بقوله "رحم الله خلفائي" (١)، وهم القابضون على دينهم عند الفتن المشار إليهم بقوله: "القابض على دينه كالقابض على الجمر" وهم المؤمنون بالغيب إلى غير ذلك مما لا يعسر على الفطن استخراجه من الأحاديث. وأُوردَ كيف يتمنى رؤيتهم، وهو حي، وهم حينئذ في علم الله تعالى، لا وجود لهم في الخارج، والمعدوم لا يرى، وأيضا هو من تمني ما لا يكون؛ لأن عمره لا يمتد حتى يرى آخرهم؟ وأجيب بأن الرؤية بمعنى العلم، وهو يتعلق بالمعدوم، أو رؤية تمثيل بمعنى أن يمثلوا له كما مثلت له الجنة في عُرض الحائط، أو أن هذا من رؤية الكون كما زويت له الأرض حتى رأى مشارقها ومغاربها كرامة من الله له. وأورد على أن المراد بعد الموت أنه يلزم منه تمني الموت، وقد قال: "لا يتمنين أحدكم الموت"، وأجيب بمنع الملزومية، وإن سلمت فالمنع لما قال "لضر نزل به". قال الأُبيّ: وهذا كله على أنه تمن حقيقي، وقد لا يكون حقيقة، وإنما هو تشريف لقدر أولئك الإخوان. اهـ ما قاله الزرقاني باختصار وتغيير يسير. ج ١ ص ٦٣ - ٦٤. (وأنا فرطهم) بفتحتين أي فرط أولئك الإخوان، أي متقدمهم (على الحوض) أي إليه. قال العلامة ابن منظور: والفارط والفَرَط، بالتحريك: المتقدم إلى الماء، يتقدم الواردة، فيهيء لهم الأرْسَان، والدِّلاء، ويملأ الحياض، ويستقي لهم، وهو فَعَل بمعنى فاعل، مثل تَبَع بمعنى تابع، ورجل فَرَط وقوم فَرَط ورجل فارط وقوم فُرَّاط اهـ باختصار لسان ج ٧ ص ٣٦٦.

стр. 1718

وقال العلامة الفيومي رحمه الله تعالى: الفرط بفتحتين: المتقدم في طلب الماء، يهيء الدلاء والأرشَاء، يقال: فَرَط القوم فُرُوطا من باب قَعَد: إذا تقدم لذلك، يستوي فيه الواحد والجمع. يقال: رجل فرط، وقوم فرط، ومنه يقال للطفل الميت: "اللهم اجعله فرطا"، أي أجرا متقدما. اهـ المصباح ج ٢ ص ٤٦٩. والحوض: الماء، جمعه أحواض، وحياض، وأصل حياض الواو لكن قلبت ياء للكسر قبلها، مثل ثوب، وأثواب وثياب، اهـ المصباح جـ ١ ص ١٥٦. شبه النبي ﷺ نفسه الشريفة بالرائد الذي يسبق على أصحابه ليهيء لهم ما يحتاجون إليه، ففيه بشارة لهذه الأمة، هنيئا لمن كان النبي ﷺ فرطه. قاله في أوجز المسالك ج ١ ص ٢٢٣. (قالوا) أي الصحابة المخاطبون بما تقدم (يا رسول الله كيف تعرف) أي في يوم القيامة (من يأتي بعدك من أمتك) أي من يولد بعد وفاتك، أو ولد ولكن لم تره في الدنيا، قال العلامة السندي ﵀: كأنهم فهموا من تمني الرؤية، وتسميتهم باسم الأخوة دون الصحبة أنه لا يراهم في الدنيا، فإن ما يتمنى عادة ما لم يمكن حصوله، ولو حصل اللقاء في الدنيا لكانوا صحابة، وفهموا من قوله: وأنا فرطهم أنه يعرفهم في الآخرة فسألوه عن كيفية ذلك. اهـ ج ١ ص ٩٤ - ٩٥. (قال) ﷺ مجيبا عن سؤالهم هذا (أرأيت) أي أخبرني، والخطاب مع كل من يصلح له من الحاضرين. أو السائلين. قاله السندي ج ١ ص ٩٥. وقال ابن منظور ﵀: قال الفَرَّاء: العرب لها في أرأيت لغتان، ومعنيان أحدهما: أن يسأل الرجل الرجل: أرأيت زيدا بعينك؟ فهذه مهموزة، فهذا أوقعتها على الرجل منه قلت: أرأيتك على

стр. 1719

غير هذه الحال؟ يريد هل رأيت نفسك على غير هذه الحالة، ثم تثنى وتجمع فتقول: للرجلين: أرأيتماكما، وللقوم أرأيتموكم، وللنسوة أرأيتكُنَّ، وللمرأة أرأيتك بخفض التاء لا يجوز إلا ذلك. والمعنى الآخر أن تقول: أرأيتك وأنت تقول: أخبرني، فتهمزهما وتنصب التاء منها، وتترك الهمز إن شئت، وهو أكثر كلام العرب، وتترك التاء موحدة مفتوحة للواحد، والواحدة، والجمع في مؤنثه، ومذكره، فتقول للمرأة: أرأيتك زيدا هل خرج، وللنسوة أرأيتكن زيدا ما فعل؟، وإنما تركت العرب التاء واحدة لأنهم لم يريدوا أن يكون الفعل منها واقعا على نفسها فاكتفوا بذكرها في الكاف، ووجهوا التاء إلى المذكر والوحيد إذا لم يكن الفعل واقعا، قال: ونحو ذلك قال الزجاج في جميع ما قال، ثم قال: واختلف النحويون في هذه الكاف التي في أرأيتكم، فقال الفراء والكسائي: لفظها لفظ نصب، وتأويلها تأويل رفع، قال: ومثلها الكاف التي في دونك زيدا؛ لأن المعنى خذ زيدا، قال أبو إسحاق: وهذا خطأ؛ لأن قولك: أرأيتك زيدا ما شأنه؟ يصير أرأيت قد تعدت إلى الكاف وإلى زيد، فتنصب أرأيت اسمين فيصير المعنى أرأيت نفسك زيدا ما حاله؟، قال: وهذا محال، والذي يذهب إليه النحويون الموثوق بعلمهم أن الكاف لا موضع لها، وإنما المعنى أرأيت زيدا ما حاله؟، وإنما الكاف زيادة في بيان الخطاب، وهي المعتمد عليها في الخطاب. اهـ لسان ج ١٤ ص ٢٩٤. (لو كان لرجل خيل) قال في المصباح: الخيل معروفة، وهي أنثى، ولا واحد لها من لفظها، والجمع خيول، قال بعضهم: وتطلق الخيل على العراب وعلى البراذين، وعلى الفرسان، وسميت خيلا لاختيالها، وهو إعجابها بنفسها مَرَحًا ومنه يقال: اختال الرجل، وبه خيلاء، وهو الكبر والإعجاب. اهـ ج ١ ص ١٨٦.

стр. 1720

(غر) بضم الغين المعجمة وتشديد الراء المهملة جمع أغر، وهو الأبيض الوجه، والغرة بضم الغين في الجبهة: بياض فوق الدرهم. أفاده في المصباح ج ٢ ص ٤٤٥ وقال ابن منظور رحمه الله تعالى: والغرة بالضم بياض في الجبهة، وفي الصحاح في جبهة الفرس، فرس أغر وغراء، وقيل: الأغر من الخيل الذي غرته كبر من الدرهم قد وَسَطَت جبهته ولم تصب واحدة من العينين، ولم تمل على واحد من الخدين ولم تَسل سُفْلا، وهي أفشى من القُرْحَة، والقرحة فدر الدرهم، فما دونه وقال بعضهم: بل يقال للأغر أغر أقرح لأنك إذا قلت: أغر فلابد من أن تصف الغرة بالطول، والعَرْض، والصِّغر، والعظم، والدقة، وكلهن غُرَر، فالغرة جامعة لهن لأنه يقال: أغر أقرح، وأغر مُشَمْرَخ الغرة، وأغر شادخ الغرة، فالأغر ليس بضرب واحد، بل هو جنس جامع لأنواع من قرحة وشمراخ (١) ونحوهما. وغزة الفرس: البياض الذي يكون في وجهه، فإن كانت مدورة فهي وَتيرة، وإن كانت طويلة فهي شادخة قال ابن سيده: وعندي أن الغرة نفس القدر الذي يشغله البياض من الوجه لا أنه البياض. اهـ لسان ج ٥ ص ١٤. (محجلة) اسم مفعول من التحجيل، وهو الذي ابيضت قوائمه، وجاوز البياض الأرساغ إلى نصف الوظيف، أو نحو ذلك، وذلك موضع التحجيل فيه. قاله في المصباح ج ١ ص ١٢٢. وقال ابن منظور ﵀: قال الجوهري: التحجيل: بياض في قوائم الفرس، أو في ثلاث منها، أو رجليه، قل أو كثر، بعد أن يتجاوز الأرساغ، ولا يجاوز الركبتين والعُرْقُوبين لأنها مواضع الأحجال، وهي الخلاخل، والقيود. يقال: فرس محجل، وقد
следующие страницы →