الصلوات كلّها، كانت الوسطى بذلك أولى، وحقّها فِي ذلك أكثر، وأوفى، فمن اجترأ بعدها عَلَى اليمين الغموس التي يأكل بها مال الغير، كَانَ إثمه أشدّ، وقلبه أفسد. والله تعالى أعلم.
قَالَ: وهذا الذي ظهر لي أولى مما قاله القاضي أبو الفضل، فإنه قَالَ: إنما كَانَ ذلك لاجتماع ملائكة الليل وملائكة النهار فِي ذلك الوقت؛ لوجهين:
[أحدهما]: أن هَذَا المعنى موجود فِي صلاة الفجر؛ لأن النبيّ ﷺ قَالَ: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ثم يجتمعون فِي صلاة العصر، وصلاة الفجر"، متّفقٌ عليه، وعلى هَذَا فتبطل خصوصيّة العصر؛ لمساواة الفجر لها فِي ذلك.
[وثانيهما]: أن حضور الملائكة، واجتماعهم إنما فِي حال فعل هاتين الصلاتين، لا بعدهما، كما قد نصّ عليه فِي الْحَدِيث، حين قَالَ: "يجتمعون فِي صلاة الفجر، وصلاة العصر، وتقول الملائكة: أتيناهم، وهم يصلّون، وتركناهم، وهم يصلّون"، وهذا يدلّ دلالة واضحةً عَلَى أن هؤلاء الملائكة لا يشاهدون منْ أعمال العباد إلا الصلوات فقط، وبها يشهدون، فتدبّر ما ذكرته، فإنه الأنسب الأسلم. والله تعالى أعلم. انتهى "المفهم" ١/ ٣٠٧ - ٣٠٨.
(فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ، لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا كَذَا وَكَذَا) بضمّ همزة "أُعطي"، وكسر الطاء، مبنيًا للمفعول: أي أعطاه غيره ثمنًا معيّنًا، ويجوز أن يكون مبنيًا للفاعل، والضمير للحالف: أي دفع هو ثمنًا معيّنًا، ورجّح فِي "الفتح" ١٥/ ١١٤ - هَذَا الثاني، قَالَ: ووقع فِي رواية عبد الواحد بلفظ: "لقد أعطيتُ بها"، وفي رواية أبي معاوية: "فحلف له بالله لأخذها بكذا": أي لقد أخذها. وفي رواية عمرو بن دينار، عن أبي صالح: "لقد أَعطى بها أكثر مما أُعطي"، بفتح الهمزة والطاء، وفي بعضها بضمّ أوله، وكسر الطاء، والأول أرجح. انتهى.
стр. 16557
وَقَالَ القرطبيّ: يعني أنه كذب، فزاد فِي الثمن الذي اشترى به، فكذب، واستخفّ باسم الله تعالى، حين حلف به عَلَى الكذب، وأخذ مال غيره ظلمًا، فقد جمع بين كبائر، فاستحقّ هَذَا الوعيد الشديد. انتهى.
(فَصَدَّقَهُ الآخَرُ) أي وهو المشتري. وفي رواية البخاريّ: "فصدّقه، فأخذها، ولم يُعطِ بها": أي لم يعط القدر الذي حلف أنه أعطى عوضها. وفي رواية: "فصدّقه، وهو عَلَى غير ذلك". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث.
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٦/ ٤٤٦٤ - وفي "الكبرى" ٦/ ٦٠٥٤. وأخرجه (خ) فِي "المساقاة" ٢٣٥٨ و٢٣٦٩ و"الشهادات" ٢٦٧٢ و"الأحكام" ٧٢١٢ و"التوحيد" ٧٤٤٦ (م) فِي "الإيمان" ١٠٨ (ت) فِي "السير" ١٥٩٥ (ق) فِي "التجارات" ٢٢٠٧ و"الجهاد" ٢٨٧٠ و"الفتن" ٤٠٣٧ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ٧٢٩٢ و٩٨٦٦. والله تعالى أعلم.
[تنبيهان]:
(أحدهما): خالف الأعمش فِي سياق هَذَا المتن، عمرو بن دينار، عن أبي صالح، فقد أخرجه البخاريّ فِي "الشرب" و"التوحيد" منْ طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة نحوَ صدر حديث الباب، وَقَالَ فيه: "ورجل عَلَى سلعة" الْحَدِيث، "ورجل منع فضل ماء" الْحَدِيث، "ورجل حلف عَلَى يمين كاذبة، بعد العصر؛ ليقتطع بها مال رجل مسلم"، قَالَ الكرماني: ذَكَرَ عوض الرجل الثاني، وهو المبايع للإمام آخر، وهو الحالف ليقتطع مال المسلم، وليس ذلك باختلاف؛ لأن التخصيص بعدد، لا ينفى ما زاد عليه. انتهى.
وَقَالَ الحافظ: ويحتمل أن يكون كل منْ الراويين، حفظ ما لم يحفظ الآخر؛ لأن المجتمع منْ الحديثين أربع خصال، وكل منْ الحديثين مُصَدَّر بـ"ثلاثة"، فكأنه كَانَ فِي الأصل أربعة، فاقتصر كل منْ الراويين عَلَى واحد، ضمه مع الاثنين الذين توافقا عليهما، فصار فِي رواية كل منهما ثلاثة، ويؤيده ما سيأتي فِي التنبيه الثاني.
[ثانيهما]: أخرج مسلم هَذَا الْحَدِيث منْ رواية الأعمش أيضاً، لكن عن شيخ له آخر، بسياق آخر، فذكر منْ طريق أبي معاوية، ووكيع جميعًا، عن الأعمش، عن أبي
стр. 16558
حازم، عن أبي هريرة، كصدر حديث الباب، لكن قَالَ: "شيخ زانٍ، ومَلِكٌ كذاب، وعائل مستكبر". والظاهر أن هَذَا حديث آخر، أخرجه منْ هَذَا الوجه، عن الأعمش، فَقَالَ: عن سليمان بن مسهر، عن خَرَشَة بن الْحُرّ، عن أبي ذر، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة: المنان الذي لا يعطي شيئاً، إلا مَنَّهُ، والمنفق سلعته بالحلف الفاجر، والمسبل إزاره"، وهو الْحَدِيث الذي مضى للنسائيّ فِي الباب الماضي.
قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: وليس هَذَا الاختلاف عَلَى الأعمش فيه، بقادح؛ لأنها ثلاثة أحاديث عنده، بثلاثة طرق، ويجتمع منْ مجموع هذه الأحاديث تسع خصال، ويحتمل أن تبلغ عشرا؛ لأن المنفق سلعته بالحلف الكاذب، مغاير للذي حلف لقد أعطي بها كذا؛ لأن هَذَا خاص بمن يكذب، فِي أخبار الشراء، والذي قبله أعمّ منه، فتكون خصلة أخرى. أفاده فِي "الفتح" ١٥/ ١١٥. "كتاب الأحكام" رقم ٧٢١٢. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان الوعيد الشديد لمن خدع مسلمًا فِي البيع بحلفه الكاذب. (ومنها): أن فيه الوعيد الشديد لمن نكث بيعة إمام، وخرج عليه؛ وذلك لما فيه منْ تفريق الكلمة، وشقّ العصى، ونشر الفساد والظلم والفحشاء بين الأمة، وفي الوفاء بالعهد تحصين للفروج، والأموال، وحقن للدماء. (ومنها): أن كلّ عمل لا يراد وجه الله تعالى، بل العرض الدنيويّ، فإنه وبالٌ عَلَى صاحبه، وخسران مبين. (ومنها): الوعيد الشديد لمن منع فضل الماء المسافر المحتاج إلى الماء، قَالَ النوويّ: لكن يُستثنى منْ ذلك الحربيّ، والمرتدّ، إذا أصرّا عَلَى الكفر، فلا يجب بذل الماء لهما. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٧ - (الأَمْرِ بِالصَّدَقَةِ لِمَنْ لَمْ يَعْتَقِدِ الْيَمِينَ بِقَلْبِهِ فِي حَالِ بَيْعِهِ)
٤٤٦٥ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ قَيْسِ
стр. 16559
بْنِ أَبِي غَرَزَةَ، قَالَ: كُنَّا بِالْمَدِينَةِ نَبِيعُ الأَوْسَاقَ، وَنَبْتَاعُهَا، وَنُسَمِّي أَنْفُسَنَا السَّمَاسِرَةَ، وَيُسَمِّينَا النَّاسُ، فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَسَمَّانَا بِاسْمٍ هُوَ خَيْرٌ لَنَا، مِنَ الَّذِي سَمَّيْنَا بِهِ أَنْفُسَنَا، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ، إِنَّهُ يَشْهَدُ بَيْعَكُمُ الْحَلِفُ، وَاللَّغْوُ، فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث صحيح، وَقَدْ تقدّم فِي "كتاب الأيمان والنذور" ٢٢/ ٣٨٢٤ بنفس الترجمة المذكورة هنا، وَقَدْ استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
و"جرير": هو ابن عبد الحميد. و"منصور": هو ابن المعتمر. و"أبو وائل": هو شقيق بن سلمة.
وقوله: "نبيع الأوساق" جمع وسق بكسر الواو، وفتحها: مكيلة معلومة، وقيل: حمل بعير. والظاهر أنهم كانوا يبيعون نفس الوسق، ويحتمل أن يكون المراد ما يكال بالوسق، منْ الحبوب.
وقوله: "السماسرة" جمع سمسار بكسر أوله، وهو الذي يتوسط بين البائع والمشتري فِي إمضاء البيع.
وقوله: "باسم هو خير لنا" إنما كَانَ خيرًا لهم؛ لأن التجارة منْ الألفاظ العربيّة، "وبخلاف السمسرة، فإنها كلمة عجميّة، تلقّوها منْ العجم، وذلك لأن أكثر منْ يعالج البيع والشراء كانوا عجمًا.
وقوله: "إنه يشهد بيعكم الخ" الضمير المنصوب بـ"إن" للشأن.
وقوله: "فشوبوه" أمر منْ الشوب بمعنى الخلط، أمرهم به ليكون كفّارة لما يجري بينهم منْ الكذب وغيره، والمراد بها صدقة غير معيّنة، حسب تضاعيف الآثام. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
…
٨ - (وُجُوبِ الْخِيَارِ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ قَبْلَ افْتِرَاقِهِمَا)
٤٤٦٦ - (أَخْبَرَنَا أَبُو الأَشْعَثِ، عَنْ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ -وَهُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ- عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَالِحٍ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، أَنَّ
стр. 16560
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ، مَا لَمْ يَفْتَرِقَا، فَإِنْ بَيَّنَا، وَصَدَقَا، بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا، وَكَتَمَا، مُحِقَ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث متّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم قبل ثلاثة أبواب، ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك.
و"أبو الأشعث": هو أحمد بن المقدام العجليّ البصريّ، صدوق [١٠] ١٣٨/ ٣١٩.
و"خالد": هو ابن الحارث الهجيميّ البصريّ الحافظ الثبت [٨].
ودلالة الْحَدِيث عَلَى الترجمة واضحة، حيث يدلّ عَلَى ثبوت الخيار للمتبايعين ما داما فِي المجلس، وسيأتي بيان اختلاف العلماء فيه فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٩ - (ذِكْرِ الاِخْتِلَافِ عَلَى نَافِعٍ فِي لَفْظِ حَدِيثِهِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الاختلاف عَلَى نافع فِي لفظ هَذَا الْحَدِيث واضحٌ، فإنه رواه عنه سبعة أنفس، وهم: مالك، وعبد الله العمريّ، واسماعيل بن أميّة، وابن جريج، وأيوب السختيانيّ، وله روايان: شعبة، وابن عليّة، والليث بن سعد، ويحيى ابن سعيد الأنصاريّ، وله راويان: عبد الوهّاب الثقفيّ، وهُشيم بن بشير، وكلهم رووه بألفاظ مختلفة، كما سيتّضح فِي رواياتهم الآتية، إن شاء الله تعالى.
٤٤٦٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ، عَلَى صَاحِبِهِ، مَا لَمْ يَفْتَرِقَا، إِلاَّ بَيْعَ الْخِيَارِ").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن سلمة) بن أبي فاطمة المراديّ الجمليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة [١١] ١٩/ ٢٠.
стр. 16561
٢ - (الحارث بن مسكين) بن محمد، أبو عمرو المصريّ القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩.
٣ - (ابن القاسم) هو عبد الرحمن الْعُتَقي المصريّ الفقيه، ثقة، منْ كبار [١٠] ١٩/ ٢٠.
٤ - (مالك) بن أنس، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين [٧] ٧/ ٧.
٥ - (نافع) مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/ ١٢.
٦ - (عبد الله بن عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخيه وابن القاسم، فمصريون. (ومنها): أن هَذَا السند هو الذي قيل فيه: إنه أصحّ الأسانيد مطلقًا، كما نُقِلَ ذلك عن الإِمام البخاريّ رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ : قَالَ: "الْمُتَبَايِعَانِ) أي البائع والمشتري، وتسمية المشتري بائعًا جائز كما سبق، وَقَالَ وليّ الدين رحمه الله تعالى: قوله: "المتبايعان" كذا فِي أكثر الروايات، وفي بعضها: "البيّعان"، وكلاهما فِي "الصحيحين"، ولم يرد فِي شيء منْ طرقه فيما أعلم: "البائعان"، وإن كَانَ استعمال لفظ البائع أغلب، وَقَدْ استُعمل فِي اللغة الأمران، كما فِي ضَيِّقٍ، وضائق، وَصَيِّنٍ، وصائن، انتهى "طرح التثريب" ٦/ ١٤٨.
(كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ) أي فِي إمضاء البيع (عَلَى صَاحِبِهِ، مَا لَمْ يَفْتَرِقَا) وفي رواية: "يتفرّفا" بتقديم التاء عَلَى الفاء، وتقدّم الكلام فِي الفرق بينهما قريباً (إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ) أي فلا يحتاج إلى التفرّق، وفي الرواية الآتية: "إلا أن يكون البيع كَانَ عن خيار، فإن كَانَ البيع عن خيار، فقد وجب البيع"، وفي رواية: "أو يقول أحدهما للآخر: اختر".
وَقَدْ اختلف العلماء فِي المراد بقوله: "إلا بيع الخيار"، فَقَالَ الجمهور، وبه جزم الشافعيّ: هو استثناء منْ امتداد الخيار إلى التفرق، والمراد أنهما إن اختارا إمضاء البيع
стр. 16562
قبل التفرق، لزم البيع حينئذ، وبطل اعتبار التفرق، فالتقدير: إلا البيع الذي جرى فيه التخاير.
قَالَ النوويّ: اتفق أصحابنا عَلَى ترجيح هَذَا التأويل، وأبطل كثير منهم ما سواه، وغَلَّطُوا قائله. انتهى. ورواية الليث الآتية فِي -٤٤٧٤ ظاهرة جدًّا فِي ترجيحه.
وقيل. هو استثناء منْ انقطاع الخيار بالتفرق. وقيل: المراد بقوله: "أو يُخيّر أحدهما الآخر": أي فيشترط الخيار مدة معينة، فلا ينقضي الخيار بالتفرق، بل يبقى حَتَّى تمضى المدة. حكاه ابن عبد البرّ، عن أبي ثور، ورجح الأول، بأنه أقل فِي الإضمار، وتُعَيِّنُه رواية النسائيّ الآتية بعد حديث، منْ طريق إسماعيل، قيل: هو ابن أمية، وقيل: غيره، عن نافع، بلفظ: "إلا أن يكون البيع، كَانَ عن خيار، فإن كَانَ البيع عن خيار، وجب البيع".
وقيل: هو استثناء منْ إثبات خيار المجلس، والمعنى: أو يخير أحدهما الآخر، فيختار فِي خيار المجلس، فينتفى الخيار. وهذا أضعف الاحتمالات.
وقيل: قوله: "إلا أن يكون بيع خيار": أي هما بالخيار، ما لم يتفرقا، إلا أن يتخايرا، ولو قبل التفرق، وإلا أن يكون البيع بشرط الخيار، ولو بعد التفرق، وهو قول يجمع التأويلين الأولين، ويؤيده رواية عبد الرزاق، عن سفيان، بلفظ: "إلا بيع الخيار، أو يقول لصاحبه: اختر"، إن حملنا "أو" عَلَى التقسيم، لا عَلَى الشك. قاله فِي "الفتح" ٥/ ٦١ - ٦٢.
وَقَالَ الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: اختُلف فِي قوله: "إلا بيع الخيار" عَلَى أقوال:
[أحدها]: أنه استثناء منْ امتداد الخيار إلى التفرّق، والمراد ببيع الخيار أن يتخايرا فِي المجلس، ويختارا إمضاء البيع، فيلزم بنفس الخيار، ولا يدوم إلى التفرّق، ويدلّ لهذا قوله فِي رواية أيوب السختيانيّ، وهي فِي "الصحيح": "ما لم يتفرّقا، أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر"، وربّما قَالَ: "أو يكون بيع الخيار"، فلما وَضَع قوله: "أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر"، موضع "بيع الخيار"، دلّ عَلَى أنه بمعناه، ويدلّ لذلك قوله فِي رواية أخرى: "ما لم يتفرّقا، أو يختارا"، وكذا قوله فِي رواية أخرى: "ما لم يتفرقا، وكانا جميعًا، أو يخيّر أحدهما الآخر".
وَقَدْ رجّح الشافعيّ ﵀ هَذَا المعنى، فَقَالَ فيما رواه البيهقيّ فِي "المعرفة": واحتمل قول رسول الله ﷺ : "إلا بيع الخيار" معنيين: [أظهرهما]: عند أهل العلم باللسان، وأولاهما بمعنى السنّة، والاستدلال بها، والقياس أن رسول الله ﷺ ، إذ جعل الخيار للمتبايعين، والمتبايعان اللذان عقدا البيع، حَتَّى يتفرّقا، إلا بيع الخيار، فإن الخيار إذا كَانَ لا ينقطع بعد عقد البيع فِي السنة حَتَّى يتفرّقا، وتفرّقهما هو أن يتفرقا عن
стр. 16563
مُقامهما الذي تبايعا فيه، كَانَ بالتفرّق، أو بالتخيير، وكان موجودًا فِي اللسان، والقياس إذا كَانَ البيع يجب بشيء بعد البيع، وهو الفراق أن يجب بالثاني بعد البيع، فيكون إذا خيّر أحدهما صاحبه بعد البيع، كَانَ الاختيار تحديد شيء يوجبه، كما كَانَ التفرّق تحديد شيء يوجبه، ولو لم يكن فيه سنة تبيّنه بمثل ما ذهبت إليه كَانَ ما وصفنا أولى المعنيين أن يؤخذ به؛ لما وصفت منْ القياس، مع أن سفيان بن عيينة أخبرنا عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، قَالَ: خيّر رسول الله ﷺ رجلاً بعد البيع، فَقَالَ الرجل: عمرك الله، ممن أنت؟ فَقَالَ رسول الله ﷺ : "امرؤ منْ قريش"، قَالَ: فكان أبي يحلف ما كَانَ الخيار إلا بعد البيع. قَالَ الشافعيّ: وبهذا نقول (١). وكذا حكاه الترمذيّ عن الشافعيّ، وغيره، وحكاه ابن المنذر عن الثوريّ، والأوزاعيّ، وابن عيينة، وعبيد الله بن الحسن العنبريّ، والشافعيّ، وإسحاق بن راهويه. وَقَالَ النوويّ فِي "شرح مسلم": اتّفق أصحابنا عَلَى ترجيح هَذَا القول، وأبطل كثير منهم ما سواه، وغلّطوا قائله. وممن رجحه منْ المحدّثين البيهقيّ، ثم بسط دلائله، وبيّن ضعف ما يعارضها.
[القول الثاني]: أنه استثناء منْ انقطاع الخيار بالتفرّق، والمراد إلا بيعًا شُرِط فيه خيار الشرط، ثلاثة أيام، أو دونها، فلا ينقضي الخيار فيه بالتفرّق، بل يبقى حَتَّى تنقضي المدّة المشروطة. حكى ابن عبد البرّ هَذَا عن الشافعيّ، وأبي ثور، وجماعة.
[القول الثالث]: أنه استثناء منْ إثبات الخيار، والمعنى: إلا بيعًا شُرِط فيه نفي خيار المجلس، فيلزم البيع، ولا يكون فيه خيار. انتهى "طرح التثريب" ٦/ ١٥٦ - ١٥٧.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجح عندي هو القول الأول الذي رجحه الشافعيّ رحمه الله تعالى؛ لقوة حجته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٩/ ٤٤٦٧ و٤٤٦٨ و٤٤٦٩ و٤٤٧٠ و٤٤٧١ و٤٤٧٢ و٤٤٧٣ و٤٤٧٤ و٤٤٧٥ و٤٤٧٦ و١٠/ ٤٤٧٧ و٤٤٧٨ و٤٤٧٩ و٤٤٨٠ و٤٤٨١ و٤٤٨٢ و٤٤٨٣ و٤٤٨٤ - وفي "الكبرى" ٨/ ٦٠٥٦ و٦٠٥٧ و٦٠٥٨ و٦٠٥٩ و٦٠٦٠ و٦٠٦١
стр. 16564
و٦٠٦٢ و٦٠٦٣ و٦٠٦٤ و٦٠٦٥ و٦٠٦٦ و٩/ ٦٠٦٧ و٦٠٦٨ و٦٠٦٩ و ٠٧٠ و٦٠٧١ و٦٠٧٢. وأخرجه (خ) فِي "البيوع" ٢١٠٧ و٢١٠٩ و٢١١١ و٢١١٢ و٢١١٣ (م) فِي "البيوع" ١٥٣١ (د) فِي "البيوع" ٣٤٥٤ (ت) فِي "البيوع" ١٢٤٥ (ق) فِي "التجارات" ٢١٨١ (أحمد) فِي "مسند العشرة" ٣٩٥ و٤٤٧٠ و٤٥٥٢ و٥١٣٦ و٥٣٩٥ و٥٩٧٠ و٦١٥٨ (الموطأ) فِي "البيوع" ١٣٧٤. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): بيان ثبوت الخيار للمتبايعين. (ومنها): جواز البيع بشرط الخيار. (ومنها): ثبوت خيار المجلس فِي البيع، وهو قول الجمهور، وسيأتي تحقيق الخلاف فيه فِي المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): بيان عظم ما جاءت به الشريعة الغرّاء، حيث تكفّلت مصالح العباد فِي كلّ شؤون حياتهم، فشرعت التروّي فِي أبواب كثيرة منْ أبواب المعاملات، كباب البيع، فمثلاً شرعت الخيار فِي هَذَا الباب لكلّ منْ المتبايعين، حَتَّى لا يقع واحد منهما فِي ندم لا يمكنه تلافيه، فإنه إذا أتيح له وقت واسع يتروّى فيه، ويفكّر فيما يؤول إليه أمره، يسلم منْ هَذَا الندم، ويُقدِم عَلَى هَذَا الفعل، وهو عَلَى بصيرة منْ أمره، والعكس بالعكس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم خيار المجلس:
ذهب الجمهور، منْ السلف، والخلف إلى ثبوته، وممن قَالَ به عليّ بن أبي طالب، وابن عمر، وابن عبّاس، وأبو هريرة، وأبو برزة الأسلميّ، وطاوس، وسعيد بن المسيّب، وعطاء، وشُريح القاضي، والحسن البصريّ، والشعبيّ، والزهريّ، وابن جريج، والأوزاعيّ، وابن أبي ذئب، والليث بن سعد، وسفيان بن عيينة، والشافعيّ، ويحيى القطّان، وعبد الرحمن بن مهديّ، وعبيد الله بن الحسن العنبريّ، وسوّار القاضي، ومسلم بن خالد الزنجيّ، وابن المبارك، وعلي بن المدينيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وأبو عبيد، والبخاريّ، وسائر المحدّثين، وآخرون، وَقَالَ به منْ المالكيّة عبد الملك بن حبيب.
وذهب مالك، وأبو حنيفة، وأصحابهما إلى إنكار خيار المجلس، وقالوا: إنه يلزم البيع بنفس الإيجاب والقبول، وبه قَالَ إبراهيم النخعيّ، واختُلف فِي ذلك عن ربيعة، وسفيان الثوريّ، قَالَ ابن حزم: ما نعلم لهم منْ التابعين سلفًا، إلا إبراهيم وحده، ورواية مكذوبة عن شريح، والصحيح عنه موافقة الحقّ. وكذا قَالَ ابن عبد البرّ: لا أعلم أحدًا ردّه غير هذين الاثنين، إلا ما روي عن إبراهيم النخعيّ. انتهى. هكذا ذكر
стр. 16565
ولي الدين رحمه الله تعالى فِي "طرحه" ٦/ ١٤٩.
وَقَالَ فِي "الفتح" فِي شرح هَذَا الْحَدِيث: وفيه دليل عَلَى إثبات خيار المجلس، وَقَدْ مضى قبل بباب أن ابن عمر، حصله عَلَى التفرق بالأبدان، وكذلك أبو برزة الأسلمي، ولا يعرف لهما مخالف منْ الصحابة، وخالف فِي ذلك إبراهيم النخعي، فروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه: قَالَ: البيع جائز، وإن لم يتفرقا. ورواه سعيد بن منصور عنه، بلفظ: إذا وجبت الصفقة، فلا خيار. وبذلك قَالَ المالكية، إلا ابن حبيب، والحنفية كلهم، قَالَ ابن حزم: لا نعلم لهم سلفا، إلا إبراهيم وحده. وَقَدْ ذهبوا فِي الجواب عن هَذَا الْحَدِيث فِرَقًا:
فمنهم منْ رده؛ لكونه معارضا لما هو أقوى منه. وردّ بأنه لا يوجد ما هو أقوى، بل ولا ما يساويه. ومنهم منْ صححه، ولكن أوّله عَلَى غير ظاهره، وهؤلاء المأولون عَلَى أقوال، نلخّصها فيا يلي:
[أحدها]: قالت طائفة منهم: هو منسوخ، بحديث: "المسلمون عَلَى شروطهم"، والخيار بعد لزوم العقد، يفسد الشرط، وبحديث التحالف عند اختلاف المتبايعين؛ لأنه يقتضى الحاجة إلى اليمين، وذلك يستلزم لزوم العقد، ولو ثبت الخيار، لكان كافيا فِي رفع العقد. وبقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ الآية، والإشهاد إن وقع بعد التفرق، لم يطابق الأمر، وإن وقع قبل التفرق، لم يصادف محلا.
ولا حجة فِي شيء منْ ذلك؛ لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، والجمع بين الدليلين مهما أمكن، لا يصار معه! إلى الترجيح، والجمع هنا ممكن بين الأدلة المذكورة، بغير تعسف، ولا تكلف.
[ثانيها]: قَالَ بعضهم: هو منْ رواية مالك، وَقَدْ عمل بخلافه، فَدَلّ عَلَى أنه عارضه ما هو أقوى منه، والراوي إذا عمل بخلاف ما رَوَى، دلّ عَلَى وَهْن المروي عنده.
وتعقب بأن مالكا لم يتفرد به، فقد رواه غيره، وعمل به، وهم أكثر عددا، رواية، وعملاً، وَقَدْ خص كثير منْ محققى أهل الأصول الخلاف المشهور، فيما إذا عمل الراوي بخلاف ما روى بالصحابة، دون منْ جاء بعدهم، ومن قاعدتهم: أن الراوي أعلمُ بما روى، وابن عمر هو راوي الخبر، وكان يفارق إذا باع ببدنه، فاتباعه أولى منْ غيره.
[ثالثها]: قالت طائفة: هو معارض بعمل أهل المدينة، ونقل ابن التين عن أشهب، بأنه مخالف لعمل أهل مكة أيضًا.
стр. 16566
وتعقب بأنه قَالَ به ابن عمر، ثم سعيد بن المسيب، ثم الزهريّ، ثم ابن أبي ذئب، كما مضى، وهؤلاء منْ أكابر علماء أهل المدينة، فِي أعصارهم، ولا يحفظ عن أحد منْ علماء المدينة القول بخلافه، سوى عن ربيعة، وأما أهل مكة، فلا يَعرف أحد منهم القول بخلافه، فقد سبق عن عطاء، وطاوس، وغيرهما منْ أهل مكة. وَقَدْ اشتد إنكار ابن عبد البرّ، وابن العربي عَلَى منْ زعم منْ المالكية، أن مالكا ترك العمل به، لكون عمل أهل المدينة عَلَى خلافه.
وأيضاً فإن إجماعهم عَلَى تقدير صحته ليس حجة، قَالَ الشيخ تقيّ الدين ابن دقيق العيد ﵀ فِي "شرح العمدة": الحقّ الذي لا شكّ فيه أن إجماعهم لا يكون حجة فيما طريقه الاجتهاد والنظر؛ لأن الدليل العاصم للأمة منْ الخطإ فِي الاجتهاد لا يتناول بعضهم، ولا مستند للعصمة سواه، وكيف يمكن أن يقال: بأن منْ كَانَ بالمدينة منْ الصحابة يُقبل خلافه ما دام مقيما بها، فإذا خرج عنها لم يقبل خلافه، هَذَا محال، فإن قبول قوله باعتبار صفات قائمة به، حيث حلّ، وَقَدْ خرج منها عليّ ﵁، وهو أفضل أهل زمانه بإجماع أهل السنّة، وَقَالَ أقوالاً بالعراق، كيف يمكن أن تهدر إذا خالفها أهل المدينة، وهو كَانَ رأسهم، وكذلك ابن مسعود ﵁، ومحلّه منْ العلم معلوم، وغيرهما قد خرجوا، وقالوا أقوالاً، عَلَى أن بعض النَّاس يقولون: إن المسائل المختلف فيها خارج المدينة، مختلف فيها بالمدينة، وادّعى العموم فِي ذلك. انتهى. ذكره فِي "الطرح" ٦/ ١٥٠.
وَقَالَ ابن العربي: إنما لم يأخذ به مالك؛ لأن وقت التفرق غير معلوم، فأشبه بيوع الغرر، كالملامسة.
وتعقب بأنه يقول بخيار الشرط، ولا يحده بوقت معين، وما ادّعاه منْ الغرر موجود فيه، وبأن الغرر فِي خيار المجلس معدوم؛ لأن كلا منهما متمكن منْ إمضاء البيع، أو فسخه بالقول، أو بالفعل، فلا غرر.
(رابعها): قالت طائفة: هو خبر واحد، فلا يُعمل به إلا فيما تعم به البلوي. ورد بأنه مشهور، فيعمل به كما ادعوا نظير ذلك فِي خبر القهقهة فِي الصلاة، وإيجاب الوتر.
(خامسها): قَالَ آخرون: هو مخالف للقياس الجلي، فِي إلحاق ما قبل التفرق بما بعده. وتعقب بأن القياس مع النص فاسد الاعتبار.
(سادسها): قَالَ آخرون: التفرق بالأبدان محمول عَلَى الاستحباب، تحسينا للمعاملة مع المسلم، لا عَلَى الوجوب.
(سابعها): قَالَ آخرون: هو محمول عَلَى الاحتياط؛ للخروج منْ الخلاف، وهذا
стр. 16567
والذي قبله عَلَى خلاف الظاهر، ولا يُعدل عن الظاهر إلا بدليل، ولا يوجد.
(ثامنها): قالت طائفة: المراد بالتفرق فِي الْحَدِيث، التفرق بالكلام، كما فِي عقد النكاح، والإجارة، والعتق. وتعقب بأنه قياس مع ظهور الفارق؛ لأن البيع يُنقل فيه ملك رقبة المبيع، ومنفعته، بخلاف ما ذُكر.
وَقَالَ ابن حزم: سواء قلنا: التفرق بالكلام، أو بالأبدان، فإن خيار المجلس بهذا الْحَدِيث ثابت، أما حيث قلنا: التفرق بالأبدان فواضح، وحيث قلنا: بالكلام فواضح أيضاً؛ لأن قول أحد المتبايعين مثلا: بعتكه بعشرة، وقول الآخر: بل بعشرين مثلا: افتراق فِي الكلام بلا شك، بخلاف ما لو قَالَ: اشتريته بعشرة، فإنهما حينئذ متوافقان، فيتعين ثبوت الخيار لهما حين يتفقان، لا حين يتفرقان، وهو المدَّعَى.
(تاسعها): قيل: المراد بالمتبايعين المتساومان. ورد بأنه مجاز، والحمل عَلَى الحقيقة، أو ما يقارب منها أولى.
واحتج الطحاوي بآيات، وأحاديث، استعِمل فيها المجاز، وَقَالَ: منْ أنكر استعمال لفظ البائع فِي السائم، فقد غفل عن اتساع اللغة.
وتعقب بأنه لا يلزم منْ استعمال المجاز فِي موضع، طرده فِي كل موضع، فالأصل منْ الإطلاق الحقيقة، حَتَّى يقوم الدليل عَلَى خلافه.
وقالوا أيضاً: وقت التفرق فِي الْحَدِيث، هو ما بين قول البائع: بعتك هَذَا بكذا، وبين قول المشترى: اشتريت، قالوا: فالمشتري بالخيار فِي قوله: اشتريت، أو تركه، والبائع بالخيار إلى أن يوجب المشتري، وهكذا حكاه الطحاوي عن عيسى بن أبان منهم، وحكاه ابن خويزمنداد عن مالك، قَالَ عيسى بن أبان: وفائدته تظهر فيما لو تفرقا قبل القبول، فإن القبول يتعذر. وتعقب بأن تسميتهما متبايعين، قبل تمام العقد مجاز أيضاً. فأجيب بأن تسميتهما متبايعين بعد تمام العقد مجاز أيضاً؛ لأن اسم الفاعل فِي الحال حقيقة، وفيما عداه مجاز، فلو كَانَ الخيار بعد انعقاد البيع، لكان لغير البيعين، والحديث يرده، فتعين حمل التفرق عَلَى الكلام.
وأجيب: بأنه إذا تعذر الحمل عَلَى الحقيقة، تعين المجاز، وإذا تعارض المجازان، فالأقرب إلى الحقيقة أولى، وأيضاً فالمتبايعان، لا يكونان متبايعين حقيقة، إلا فِي حين تعاقدهما، لكن عقدهما لا يتم إلا بأحد أمرين: إما بإبرأم العقد، أو التفرق عَلَى ظاهر الخبر، فصحّ أنهما متعاقدان ما داما فِي مجلس العقد، فعلى هَذَا تسميتهما متبايعين حقيقة، بخلاف حمل المتبايعين عَلَى المتساومين، فإنه مجاز باتفاق.
(عاشرها): قالت طائفة: التفرق يقع بالأقوال، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ
стр. 16568
كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ الآية [النِّساء: ١٣٠].
وأجيب: بأنه سُمي بذلك لكونه يفضى إلى التفرق بالأبدان. قَالَ البيضاوي: ومن نفى خيار المجلس، ارتكب مجازين: بحمله التفرق عَلَى الأقوال، وحمله المتبايعين عَلَى المتساومين، وأيضاً فكلام الشارع يصان عن الحمل عليه؛ لأنه يصير تقديره أن المتساومين إن شاءا عقدا البيع، وإن شاءا لم يعقداه، وهو تحصيل الحاصل؛ لأن كل أحد يعرف ذلك، ويقال لمن زعم أن التفرق بالكلام، ما هو الكلام الذي يقع به التفرق، أهو الكلام الذي وقع به العقد، أم غيره؟، فإن كَانَ غيره فما هو؟ فليس بين المتعاقدين كلام غيره، وإن كَانَ هو ذلك الكلام بعينه، لزم أن يكون الكلام الذي اتّفقا عليه، وتم بيعهما به، هو الكلامَ الذي افترقا به، وانفسخ بيعهما به، وهذا فِي غاية الفساد.
(حادي عشرها): قَالَ آخرون: العمل بظاهر الْحَدِيث متعذر، فيتعين تأويله، وبيان تعذره أن المتبايعين، إن اتفقا فِي الفسخ، أو الإمضاء، لم يثبت لواحد منهما عَلَى الآخر خيار، وإن اختلفا فالجمع بين الفسخ والإمضاء جمع بين النقيضين، وهو مستحيل.
وأجيب: بان المراد أن لكل منهما الخيار فِي الفسخ، وأما الإمضاء، فلا احتياج إلى اختياره، فإنه مقتضى العقد، والحال يفضي إليه مع السكوت، بخلاف الفسخ.
(ثاني عشرها): قَالَ آخرون: حديث ابن عمر هَذَا، وحكيم بن حزام، معارَض بحديث عبد الله بن عمرو، وذلك فيما أخرجه أبو داود وغيره (١)، منْ طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، مرفوعاً: "البيعان بالخيار، ما لم يتفرقا، إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارق صاحبه، خشية أن يستقيله". قَالَ ابن العربي: ظاهر هذه الزيادة، مخالف لأول الْحَدِيث فِي الظاهر، فإن تأولوا الاستقالة فيه عَلَى الفسخ، تأولنا الخيار فيه عَلَى الاستقالة، وإذا تعارض التأويلان، فُزِع إلى الترجيح، والقياس فِي جانبنا، فيرجح.
وتعقب: بأن حمل الاستقالة عَلَى الفسخ، أوضح منْ حمل الخيار عَلَى الاستقالة؛ لأنه لو كَانَ المراد حقيقة الاستقالة، لم تمنعه منْ المفارقة؛ لأنها لا تختص بمجلس العقد، وَقَدْ أثبت فِي أول الْحَدِيث الخيار، ومَدَّه إلى غاية التفرق، ومن المعلوم أن منْ له الخيار، لا يحتاج إلى الاستقالة، فتعين حملها عَلَى الفسخ، وعلى ذلك حمله الترمذي وغيره، منْ العلماء، فقالوا: معناه: لا يحل له أن يفارقه بعد البيع، خشية أن يختار فسخ البيع؛ لأن العرب تقول: استقلت ما فات عني، إذا استدركته، فالمراد بالاستقالة، فسخ النادم منهما للبيع، وحملوا نفى الحل عَلَى الكراهة؛ لأنه لا يليق
стр. 16569
بالمروءة، وحسن معاشرة المسلم، لا أَنَّ اختيار الفسخ حرام، قَالَ ابن حزم: احتجاجهم بحديث عمرو بن شعيب، عَلَى التفرق بالكلام، لقوله فيه: "خشية أن يستقيله"؛ لكون الاستقالة لا تكون إلا بعد تمام البيع، وصحةُ انتقال الملك، تستلزم أن يكون الخبر المذكور، لا فائدة له؛ لأنه يلزم منْ حمل التفرق عَلَى القول، إباحة المفارقة، خشي أن يستقيله، أو لم يخش.
(ثالث عشرها): قَالَ بعضهم: التفرق بالأبدان فِي الصرف، قبل القبض يبطل العقد، فكيف يثبت العقد ما يبطله؟.
وتعقب باختلاف الجهة، وبالمعارضة بنظيره، وذلك أن النقد، وترك الأجل شرط لصحة الصرف، وهو يفسد السلم عندهم.
واحتج بعضهم بحديث ابن عمر الآتي بعد بابين فِي قصة البكر الصعب (١) وسيأتي توجيهه وجوابه (٢).
واحتج الطحاوي بقول ابن عمر: ما أدركت الصفقة، حيّا مجموعا، فهو منْ مال المبتاع. وتُعقب بأنهم يخالفونه، أما الحنفية، فقالوا: هو منْ مال البائع، ما لم يره المبتاع، أو ينقله. والمالكية قالوا: إن كَانَ غائبا غيبة بعيدة، فهو منْ البائع، وأنه لا حجة فيه؛ لأن الصفقة فيه محمولة عَلَى البيع الذي انبرم، لا عَلَى ما لم ينبرم، جمعا بين كلاميه.
(رابع عشرها): قَالَ بعضهم: معنى قوله: "حَتَّى يتفرقا": أي حَتَّى يتوافقا، يقال للقوم: عَلَى ماذا تفارقتم: أي عَلَى ماذا اتفقتم.
وتعقب بما ورد فِي بقية حديث ابن عمر فِي جميع طرقه، ولاسيما فِي طريق الليث الآتية فِي الباب الذي بعد هَذَا. يعني الآتي للنسائيّ برقم ٤٤٧٣ و٤٤٧٤.
(خامس عشرها): قَالَ بعضهم: حديث "البيعان بالخيار" جاء بألفاظ مختلفة، فهو
стр. 16570
مضطرب، لا يحتج به. وتعقب بأن الجمع بين ما اختلف منْ ألفاظه، ممكن بغير تكلف، ولا تعسف، فلا يضره الاختلاف، وشرط المضطرب أن يتعذر الجمع بين مختلف ألفاظه، وليس هَذَا الْحَدِيث منْ ذلك.
(سادس عشرها): قَالَ بعضهم: لا يتعين حمل الخيار فِي هَذَا الْحَدِيث عَلَى خيار الفسخ، فلعله أريد به خيار الشراء، أو خيار الزيادة فِي الثمن، أو المثمن.
وأجيب بأن المعهود فِي كلامه ﷺ ، حيث يُطلق الخيار إرادة خيار الفسخ، كما فِي حديث المصراة، وكما فِي حديث الذي يُخدَع فِي البيوع، وأيضاً فإذا ثبت أن المراد بالمتبايعين المتعاقدان، فبعد صدور العقد، لا خيار فِي الشراء، ولا فِي الثمن.
(سابع عشرها): تمسّك بعضهم فِي ردّ ذلك بالعمومات، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ الآية [المائدة: ١]، قالوا: وفي الخيار إبطال الوفاء بالعقد، ومثل قوله ﷺ : "منْ ابتاع طعامًا، فلا يبعه حَتَّى يستوفيه"، قالوا: فقد أباح بيعه بعد قبضه، ولو كَانَ قبل التفرّق.
وأجيب بأن هَذَا مسلك ضعيف؛ لأن العمومات لا تردّ بها النصوص الخاصّة، وإنما يُقضى للخاصّ عَلَى العامّ. ذكره فِي "طرح التثريب" ٦/ ١٥٣ - ١٥٤.
(ثامن عشرها): حكى ابن السمعاني فِي "الاصطلام" عن بعض الحنفية، قَالَ: البيع عقد مشروع بوصف، وحكم، فوصفه اللزوم، وحكمه الملك، وَقَدْ تم البيع بالعقد، فوجب أن يتم بوصفه وحكمه، فأما تأخير ذلك، إلى أن يفترقا فليس عليه دليل؛ لأن السبب إذا تم يفيد حكمه، ولا ينتفى إلا بعارض، ومن ادّعاه فعليه البيان. وأجاب أن البيع سبب للإيقاع فِي الندم، والندم يحوج إلى النظر، فأثبت الشارع خيار المجلس، نظرا للمتعاقدين؛ ليسلما منْ الندم، ودليله خيار الرؤية عندهم، وخيار الشرط عندنا، قَالَ: ولو لزم العقد بوصفه وحكمه، لَمَا شُرعت الإقالة، لكنها شُرعت نظرا للمتعاقدين، إلا أنها شرعت لاستدراك ندم، ينفرد به أحدهما، فلم تجب، وخيار المجلس شرع لاستدراك ندم، يشتركان فيه، فوجب. انتهى ما فِي "الفتح" ٥/ ٥٧ - ٦٠. بتصرّف.
وَقَالَ الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى بعد إيراد نحو ما تقدّم منْ الأقوال: ما حاصله: وَقَدْ ظهر بما بسطناه أنه ليس لهم متعلّق صحيح فِي ردّ هَذَا الْحَدِيث، ولذلك قَالَ ابن عبد البرّ: أكثر المتأخّرون منْ المالكية، والحنفية منْ الاحتجاج لمذهبنا، فِي رد هَذَا الْحَدِيث، بما يطول ذكره، وأكثره تشغيب، لا يُحصَل منه عَلَى شيء لازم لا مدفع له.
وَقَالَ النوويّ فِي "شرح مسلم": الأحاديث الصحيحة ترُدّ عليهم، وليس لهم عليها
стр. 16571
جواب صحيح، فالصواب ثبوته، كما قاله الجمهور.
وانتصر ابن العربيّ فِي ذلك لمذهبه بما لا يقبله منصف، ولا يرتضيه لنفسه عاقل، فَقَالَ: الذي قصد مالك هو أن النبيّ ﷺ لَمّا جعل العاقدين بالخيار بعد تمام البيع، ما لم يتفرّقا، ولم يكن لفرقتهما، وانفصال أحدهما عن الآخر وقتٌ معلوم، ولا غاية معروفة، إلا أن يقوما، أو يقوم أحدهما عَلَى مذهب، وهذه جهالة يقف معها انعقاد البيع، فيصير منْ باب بيع المنابذة، والملامسة، بان يقول: إذا لمسته، فقد وجب البيع، وإذا نبذته، أو نبذت الحصاة، فقد وجب البيع، وهذه الصفة مقطوع بفسادها فِي العقد، فلم يتحصّل المراد منْ الْحَدِيث مفهومًا، وإن فسّره ابن عمر راويه بفعله، وقيامه عن المجلس، ليجب البيع، فإنما فسّره بما يثبت الجهالة فيه، فيدخل تحت النهي عن الغرر، كما يوجبه النهي عن الملامسة، والمنابذة، وليس منْ قول النبيّ ﷺ ، ولا تفسيره، وإنما هو منْ فهم ابن عمر، وأصل الترجيح الذي هو قضيّة الأصول أن يقدّم المقطوع به عَلَى المظنون، والأكثر رواةً عَلَى الأقلّ، فهذا هو الذي قصده مالك، مما لا يدركه إلا مثله، ولا يتفطّن له أحد قبله، ولا بعده، وهو إمام الأئمة، غير مدافع له فِي ذلك. انتهى.
وهو عجيب، أيُتَمَعْقَلُ عَلَى الشارع، ويقال له: هَذَا الذي حكمت به غرر، وَقَدْ نهيت عن الغرر، فلا نقبل هَذَا الحكم، ونتمسّك بقاعدة النهي عن الغرر، وأيّ غرر فِي ثبوت الخيار، رفقا بالمتعاقدين؛ لاستدراك ندم، وهذا المخالف يُثبت خيار الشرط، عَلَى ما فيه منْ الغرر بزعمه، وحديث خيار المجلس أصحّ منه، ويعتبر التفرّق فِي إبطاله للبيع، إذا وُجد قبل التقابض فِي الصرف، ولا يرى تعليق ذلك بالتفرّق بالأبدان غررًا، مبطلاً للعقد، ثم بتقدير أن يكون فيه غررٌ، فقد أباح الشارع الغرر فِي مواضع معروفة، كالسلم، والإجارة، والحوالة، وغيرها، ثم بتقدير أن يكون لحكمة اقتضت ذلك، بل ولو لم يظهر لنا حكمته، فإنه يجب علينا الأخذ به تعبّدًا، والمسلك الذي نفاه عن إمامه أقلّ مفسدة منْ الذي سلكه، فإن ذاك تقديم للإجماع فِي اعتقاده، إن صحّ عَلَى خبر الواحد، وأما ما سلكه ففيه ردّ السنن بالرأي، وذلك قبيحٌ بالعلماء. انتهى كلام وليّ الدين رحمه الله تعالى "طرح التثريب" ٦/ ١٥٤ - ١٥٥.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: فقد أجاد الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى فِي هَذَا الردّ عَلَى ابن العربي، فإن ما ذهب إليه الجمهور هو الحقّ، والانتصار للحقّ هو الواجب عَلَى العلماء.
والحاصل أنه قد اتّضح بما سبق منْ إيراد أدلّة الفريقين أن الحقّ هو ما عليه
стр. 16572
الجمهور، منْ إثبات خيار المجلس؛ لوضوح أدلّته، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالتقليد والاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): لم يُذكر فِي الْحَدِيث للتفرق ضابطٌ، فيكون مرجعه إلى العرف، وَقَدْ كَانَ ابن عمر، راوي الْحَدِيث، إذا اشترى شيئاً يعجبه فارق صاحبه، وفي رواية: إذا ابتاع بيعًا، وهو قاعد، قام ليجب له، وفي رواية: كَانَ إذا بايع رجلاً، فأراد أن لا يقيله قام، فمشى هُنيّةً، ثم رجع إليه. قَالَ وليّ الدين: قَالَ أصحابنا -يعني الشافعيّة-: ما عدّه النَّاس تفرّقًا، لزم به العقد، فلو كانا فِي دار صغيرة، فالتفرق أن يخرج أحدهما منها، أو يصعد السطح، وكذا لو كانا فِي مسجد صغير، أو سفينة صغيرة، فالتفرّق أن يخرج أحدهما منها، فإن كانت الدار كبيرة، حصل التفرّق بأن يخرج أحدهما منْ البيت إلى الصحن، أو منْ الصحن إلى بيت، أو صفّة، وإن كانا فِي صحراء، أو سوق، فإذا ولّى أحدهما ظهره، ومشى قليلاً، حصل التفرّق عَلَى الصحيح، وَقَالَ الإصطخريّ: يشترط أن يبعد عن صاحبه، بحيث لو كلّمه عَلَى العادة منْ غير رفع صوت لم يسمع كلامه، ولا يحصل التفرّق بأن يُرخَى بينهما سترٌ، أو يُشقّ نهرٌ، وهل يحصل ببناء جدار بينهما، فيه وجهان، أصحّهما لا، وصحن الدار، والبيت الواحد إذا تفاحش اتساعهما كالصحراء، فلو تناديا متباعدين، وتبايعا، فلا شكّ فِي صحّة البيع. ثم قَالَ إمام الحرمين: يحتمل أن لا يقال: لا خيار لهما؛ لأن التفرّق الطارىء يقطع الخيار، فالمقارن يمنع ثبوته، ويحتمل أن يقال: يثبت ما داما فِي موضعهما، وبهذا قطع المتولّي، ثم إذا فارّق أحدهما موضعه بطل خياره، وهل يبطل خيار الآخر، أم يدوم إلى أن يفارق مكانه، فيه احتمالان للإمام، قَالَ النوويّ: الأصح ثبوت الخيار، وأنه متى فارق أحدهما موضعه، بطل خيار الآخر. وحكى ابن عبد البرّ عن الأوزاعيّ، قَالَ: حدّ التفرقة أن يتوارى كلّ واحد منهما عن صاحبه، وهو قول أهل الشام، قَالَ: وَقَالَ الليث ابن سعد: التفرّق أن يقوم أحدهما. انتهى. "طرح التثريب" ٦/ ١٥٥ - ١٥٦.
وَقَالَ ابن حزم رحمه الله تعالى فِي "المحلّى": فإن تبايعا فِي بيت، فخرج أحدهما عن البيت، أو دخل حنية فِي البيت، فقد تفرّقا، وتمّ البيع، أو تبايعا فِي حنية، فخرج أحدهم إلى البيت، فقد تفرّقا، وتمّ البيع، فلو تبايعا فِي صحن دار، فدخل أحدهما البيت، فقد تفرّقا، وتمّ البيع، فلو تبايعا فِي دار، أو خصّ، فخرج أحدهما إلى الطريق، أو تبايعا فِي طريق، فدخل أحدهما دارًا، أو خصّا، فقد تفرّقا، وتمّ البيع، فإن تبايعا فِي سفينة، فدخل أحدهما البليج، أو الخزانة، أو مضى إلى الفندقوق، أو صعِد الصاري، فقد تفرّقا، وتمّ البيع، وكذلك لو تبايعا فِي أحد هذه الواضع، فخرج أحدهما
стр. 16573
إلى السفينة، فقد تمّ البيع، إذ تفرّقا، فإن تبايعا فِي دكّان، فزال أحدهما إلى دكان آخر، أو خرج إلى الطريق، فقد تمّ البيع، وتفرّقا، ولو تبايعا فِي الطريق، فدخل أحدهما الدكان، فقد تمّ البيع، وتفرّقا، فلو تبايعا فِي سفر، أو فِي فضاء، فإنهما لا يفترقان إلا بأن يصير بينهما حاجز يسمّى تفريقًا فِي اللغة، أو بأن يغيب عن بصره فِي الرفقة، أو خلف ربوة، أو خلف شجرة، أو فِي حفرة، وإنما يُرعَى ما يُسمّى فِي اللغة تفريقًا فقط. وبالله تعالى التوفيق. انتهى "المحلَّى" ٨/ ٣٦٦ - ٣٦٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٦٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ، مَا لَمْ يَفْتَرِقَا، أَوْ يَكُونَ خِيَارًا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
و"عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"يحيى": هو القطّان. و"عبيد الله": هو ابن عمر العمريّ. والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم شرحه، وبيان مسائله فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٦٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحْرِزُ بْنُ الْوَضَّاحِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ، مَا لَمْ يَفْتَرِقَا، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ كَانَ عَنْ خِيَارٍ، فَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ عَنْ خِيَارٍ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن عليّ المروزيّ": هو المعروف بالتُّرْك، وَقَدْ ينسب لجدّه، ثقة [١١] ١٠٩/ ١٤٨ منْ أفراد المصنّف.
و"مُحرز بن الوضّاح": هو المروزيّ، مقبول [٩] ١٦/ ٢٤٦٨.
و"إسماعيل": هو ابن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية الأمويّ، ثقة ثبت [٦] ١٦/ ٢٤٨.
[تنبيه]: كون إسماعيل هَذَا هو ابن أمية هو الذي جزم به الحافظ المزّيّ رحمه الله تعالى فِي "تحفة الأشراف" ٦/ ٥٩ - ٦٠، لكن كتب الحافظ رحمه الله تعالى فِي "النكت الظراف": ما نصّه: قلت: لم يقع إسماعيل عند النسائيّ هنا منسوباً، وَقَدْ جزم أبو العبّاس الطرقيّ بأنه إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة. وجزم ابن حزم بأنه إسماعيل بن جعفر، وهو خطأ منه. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ومهما كَانَ الأمر، فكلّ هؤلاء الثلاثة ثقات، فلا يضرّ الاختلاف. والله تعالى أعلم.
стр. 16574
وقوله: "فإن كَانَ البيع عن خيار": أي إذا قَالَ أحدهما للآخر: اختر البيع، فَقَالَ: اخترت، فقد انتهى خيار المجلس، وثبت البيع، فلا خيار لأحدهما بعده، وهذا ظاهر فِي أن الاستثناء فِي قوله فِي الْحَدِيث الماضي: "إلا بيع الخيار" منْ نفس الحكم، أي إلا أن يكون البيع جرى فيه التخاير بأن قَالَ أحدهما للآخر فِي المجلس: اختر، فَقَالَ: اخترت، فلا خيار قبل التفرّق، وهذا هو الذي ذهب إليه الجمهور، وهو الحقّ، كما سبق تحريره قريباً. والله تعالى أعلم.
والحديث صحيح، وهو بهذا السياق منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى. وقوله: "فقد وجب البيع": أي لزم، وانبرم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٧٠ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا تَبَايَعَ الْبَيِّعَانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مِنْ بَيْعِهِ، مَا لَمْ يَفْتَرِقَا، أَوْ يَكُونَ بَيْعُهُمَا عَنْ خِيَارٍ، فَإِنْ كَانَ عَنْ خِيَارٍ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عليّ بن ميمون": هو العطّار الرقيّ، ثقة [١٠] ٢٨/ ٤٣٥. و"سفيان": هو ابن عيينة.
وقوله: "أملى عليّ الخ": أي ألقى عليّ، فكتبته. قَالَ الفيّوميّ: وأمللت الكتاب عَلَى الكاتب إملالاً: ألقيته عليه، وأميته عليه إملاءً، والأولى لغة الحجاز، وبني أسد، والثانية لغة تميم، وقيس، وجاء الكتاب العزيز بهما، قَالَ : ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]، وَقَالَ: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]. انتهى. وَقَالَ المجد فِي "القاموس": وأملّه: قَالَ له: فكتب عنه. انتهى.
وقوله: "أو يكون الخ" بالنصب، بـ"أن" مقدّرة بعد "أو" التي هي بمعنى "إلا"، كما قَالَ ابن مالك فِي "خلاصته":
كَذَاكَ بَعْدَ "أَو" إِذَا يَصْلُحُ فِي … مَوْضِعِهَا "حَتَّى" أَوِ "الَّا" أَنْ" خَفِي
يعني أن الفعل يُنصب بـ"أن" مضمرة وجوبًا بعد "أو" التي بمعنى "حَتَّى"، أو "إلا"، فالأول إذا كَانَ الفعل الذي قبلها ينقضي شيئاً، فشيئًا، والثاني إن لم يكن كذلك، فالأول كقول الشاعر [منْ الطويل]:
لأَسْتَسْهِلَنَّ الصَّعْبَ أَوْ أُدْرِكَ الْمُنَى … فَمَا انْقَادَتِ الآمَالُ إِلَّا لِصَابِرِ
والثاني كقوله [منْ الطويل]:
وَكُنْتُ إِذَا غَمَزْتُ قَنَاةَ قَوْمٍ … كَسَرْتُ كُعُوبَهَا أَوْ تَسْتَقِيمَا
стр. 16575
وليس قوله: "يكون" معطوفًا عَلَى "يفترقا"؛ لأنه لو كَانَ كذلك لكان مجزوما.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه قريباً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٧١ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَة، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ، مَا لَمْ يَفْتَرِقَا، أَوْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ: اخْتَرْ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
و"عبد الأعلى": هو ابن عبد الأعلى الساميّ البصريّ. و"أيوب": هو السختيانيّ.
[تنبيه]: وقع هنا فِي نسخ "المجتبى" التي بين يديّ: "حدثنا شعبة"، والذي فِي "الكبرى" ٤/ ٨، و"تحفة الأشراف" ٦/ ٦٢: "حدثنا سعيد" بدل شعبة، ولم يتبيّن لي المراد منهما، إذ كلاهما يرويان عن أيوب، ويروي عنهما عبد الأعلى، فليُحرّر، و"سعيد": هو ابن أبي عروبة. والله تعالى أعلم.
وقوله: "أو يقول الخ" بالنصب، بـ"أن" مضمرة بعد "أو" التي بمعنى "إلا"، كما تقدّم نظيره فِي الْحَدِيث الماضي. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٧٢ - (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ، حَتَّى يَفْتَرِقَا، أَوْ يَكُونَ بَيْعَ خِيَارٍ"، وَرُبَّمَا قَالَ نَافِعٌ: "أَوْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ: اخْتَرْ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
و"زياد بن أيوب": هو المعروف بدلّويه، وكان أحمد يلقبه شعبة الصغير؛ لحفظه، وإتقانه.
وقوله: "أو يكون بيع خيار" معناه أن المتبايعين إذا قَالَ أحدهما لصاحبه: اختر إمضاء البيع، أو فسخه، فاختار إمضاء البيع مثلاً أن البيع يتمّ، وإن لم يفترقا، وبهذا قَالَ الثوريّ، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وإسحاق، وآخرون. وَقَالَ أحمد: لا يتمّ البيع حَتَّى يتفرّقا، وقيل: إنه تفرّد بذلك. وقيل: معنى: "أو يكون بيع خيار" أي أن يشترطا الخيار مطلقا، فلا يبطل بالتفرّق. وهذا ضعيف، وَقَدْ تقدّم بيانه مفصّلاً قريبًا، فلا تغفل.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
стр. 16576
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٧٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ، حَتَّى يَفْتَرِقَا، أَوْ يَكُونَ بَيْعَ خِيَارٍ، وَرُبَّمَا قَالَ نَافِعٌ: "أَوْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ: اخْتَرْ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
والحديث متّفقٌ عليه، كما مضى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٧٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ، حَتَّى يَفْتَرِقَا"، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: "مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وَكَانَا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيِّرَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ، فَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا، وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا السند هو السند الماضي قبله.
وقوله: "ما لم يتفرقا": أي فينقطع الخيار. وقوله: "وكانا جميعاً" تأكيد لذلك.
وقوله: "أو يخير أحدهما الآخر": أي فينقطع الخيار. و"يخير" بالجزم عطفًا عَلَى "يفترقا"، أو بالنصب بـ"أن" مضمرة بعد "أو"، كما سبق نظيره فِي قوله: "أو يكون بيعهما عن خيار".
وَقَالَ وليّ الدين: والمراد أن يخيّر أحدهما الآخر، فيختار إمضاء البيع، وَقَدْ دلّ عَلَى ذلك قوله بعدُ: "فإن خيّر أحدهما الآخر، فتبايعا عَلَى ذلك"، أما لو خيّر أحدهما، فلم يختر الآخر الإمضاء، فخيار ذلك الساكت باق، وأما خيار المتكلّم، فإنه ينقطع عَلَى الأصحّ عند أصحابنا يعني الشافعيّة- وَقَالَ النوويّ: إنه ظاهر لفظ الْحَدِيث، وفيه نظر، فإنه قد دلّ بتمامه عَلَى أن الكلام فيما إذا خيّره، فاختار الإمضاء، إلا أن يعتمد فِي ذلك لفظ الرواية الأخرى التي اقتصر فيها عَلَى قوله: "أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر"، لكن الروايات يفسّر بعضها بعضًا، فلابد منْ النظر فِي مجموعها، وَقَدْ اعتمد أصحابنا فِي انقطاع خيار القائل أن تخييره لصاحبه دالّ عَلَى رضاه بإمضاء البيع. انتهى "طرح التثريب" ٦/ ١٥٨.
وقوله: "فتبايعا عَلَى ذلك، فقد وجب البيع": أي لزم البيع، وانبرم، وبطل الخيار. وقوله: "فإن تفرقا بعد أن تبايعا، ولم يترك واحد منهما البيع": أي لم يفسخه "فقد وجب البيع". وهذا الكلام تأكيد لما فُهم منْ قوله أوّلاً: "ما لم يتفرّقا"، مصرّحٌ بأنهما إذا تفرّقا منْ غير ترك أحدهما للبيع وجب البيع: أي لزم، والمراد بترك البيع فسخه،
стр. 16577
وهذه الرواية صريحة فِي أنه يُكتَفَى فِي حصول الفسخ بفسخ أحدهما، ولو لم يوافقه الآخر عليه، بل اختار الإمضاء، وهو الذي صرّح به الفقهاء القائلون بخيار المجلس، منْ الشافعيّة، وغيرهم. أفاده فِي "طرح التثريب" ٦/ ١٥٨.
وَقَالَ فِي "الفتح" ٥/ ٦١ - : قوله: "فقد وجب البيع" أي بعد التفرّق، وهذا ظاهر جدًّا فِي انفساخ البيع بفسخ أحدهما، قَالَ الخطابي: هَذَا أوضح شيء فِي ثبوت خيار المجلس، وهو مبطل لكل تأويل، مخالف لظاهر الْحَدِيث، وكذلك قوله فِي آخره: "وإن تفرقا بعد أن تبايعا": فيه البيان الواضح أن التفرق بالبدن، هو القاطع للخيار، ولو كَانَ معناه التفرق بالقول، لخلا الْحَدِيث عن فائدة. انتهى.
وَقَدْ أقدم الداودي عَلَى ردّ هَذَا الْحَدِيث، المتفق عَلَى صحته، بما لا يُقبَل منه، فَقَالَ: قول الليث فِي هَذَا الْحَدِيث: "وكانا جميعاً الخ": ليس بمحفوظ؛ لأن مقام الليث فِي نافع، ليس كمقام مالك، ونظرائه. انتهى. وهو رَدٌّ لما اتفق الأئمة عَلَى ثبوته، بغير مُستَنَد، وأيُّ لَوْم عَلَى منْ روى الْحَدِيث، مُفَسَّرًا لأحد محتملاته، حافظاً منْ ذلك، ما لم يحفظه غيره، مع وقوع تعدد المجلس، فهو محمول عَلَى أن شيخهم حدثهم به تارة مفسرا، وتارة مختصرا. قاله فِي "الفتح" ٥/ ٦١.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٧٥ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ نَافِعًا، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالْخِيَارِ فِي بَيْعِهِمَا، مَا لَمْ يَفْتَرِقَا، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ خِيَارًا"، قَالَ نَافِعٌ: فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ، إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ، فَارَقَ صَاحِبَهُ).
قَالَ الجامع عفاَ الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
و"عبد الوهاب": هو ابن عبد المجيد الثقفيّ البصريّ. و"يبيح بن سعيد": هو الأنصاريّ المدنيّ.
وقوله: "قَالَ نافع: فكان عبد الله الخ" موصول بالإسناد المذكور، وَقَدْ ذكره مسلم أيضاً منْ طريق ابن جريج، عن نافع، وهو ظاهر فِي أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كَانَ يذهب إلى أن التفرّق المذكور بالأبدان، كما سبق بيانه. والحديث دليلٌ فِي ثبوت الخيار لكلّ منْ المتبايعين ما داما فِي المجلس. أفاده فِي "الفتح" ٥/ ٥٤.
وقوله: "فارق صاحبه" أي خوفًا منْ أن يردّ البائع البيع بما له منْ الخيار، قَالَ السنديّ: فانظر إلى ما فهم عبد الله منْ الْحَدِيث، وهو راويه، هل هو الذي يقول
стр. 16578
المثبت للخيار فِي المجلس، أم هو الذي يقول النافي له. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: أراد السنديّ ﵀ بهذا الكلام الإشارة إلى تأييد قول منْ يقول: إن المراد بالحديث إثبات خيار المجلس، حيث إن راوي الْحَدِيث ﵁ فهم منه هَذَا المعنى، وعمل به، حيث كَانَ يفارق صاحبه الذي باع له؛ لئلا يفسخ البيع بناء عَلَى أن له خيار المجلس، فلما فارقه تمّ البيع، ولا يستطيع أن يفسخ، وهذا إنصاف منْ السنديّ رحمه الله تعالى مخالفًا لمذهبه الحنفيّ القائل: إن التفرّق هو التفرّق بالأقوال، لا بالأبدان؛ لوضوح دليله، وهكذا ينبغي للعالم أن يكون مع الدليل، لا مع آراء الرجال، كما فعل منْ قدّمنا قوله، ممن ردّ ما دلّ عليه ظاهر هَذَا الْحَدِيث بتأويلات سخيفة، قاتل الله التعصّب، والله المستعان عَلَى منْ خالف ظواهر الأدلّة بتأويلات مُبْتَذَلَة.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٧٦ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْمُتَبَايِعَانِ، لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا، حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إِلاَّ بَيْعَ الْخِيَارِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
وقوله: "لا بيع بينهما"، قَالَ وليّ الدين رحمه الله تعالى: أي ليس بينهما بيع لازم، وليس المراد نفي أصل البيع، وكيف يَنفِي أصلَ البيع، وَقَدْ أثبته أوّلاً بقوله: "المتبايعان"، وَقَدْ تمسّك ابن حزم بظاهر هذه اللفظة، وَقَالَ: إن البيع غير صحيح، ما لم يتفرّقا، أو يتخيّرا، والمعروف صحّته، إلا أنه عقد جائزٌ، ما لم يوجد أحد الأمرين. انتهى "طرح" ٦/ ١٥٨ - ١٥٩ ببعض تصرّف.
وَقَالَ السنديّ: وَقَدْ يقال: هذه الرواية ناظرة إلى قول منْ يفسّر الافتراق بالافتراق بالأقوال، فليتأمل. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي قالوه دعوى بغير بيّنة، فأين الدلالة المزعومة؟ بل هذه الرواية كسائر الروايات السابقة، بلا فرق، فتبصّر، ولا تتحيّر. والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق غير مرّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
стр. 16579
١٠ - (ذِكْرِ الاِخْتِلَافِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ فِي لَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الاختلاف الواقع فِي ألفاظ الْحَدِيث فِي رواية عبد الله بن دينار ليس مئل الاختلاف الواقع فِي رواية نافع المتقدّمة فِي الباب الماضي، فإن كلّ الرواة عنه رووه بلفظ: "كلّ بيّعين لا بيع بينهما حَتَّى يتفرّقا، إلا بيع الخيار"، إلا سفيان ابن عيينة، فإنه رواه بلفظ: "البيّعان بالخيار ما لم يتفرّقا، أو يكون بينهما عن خيار"، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٤٧٧ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُلُّ بَيِّعَيْنِ، لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا، حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إِلاَّ بَيْعَ الْخِيَارِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
و"إسماعيل": هو ابن جعفر ابن أبي كثير الأنصاريّ الزرقيّ المدنيّ الثقة الثبت [٨].
و"عبد الله بن دينار": هو أبو عبد الرحمن العدويّ مولاهم، المدنيّ مولى ابن عمر الثقة المدنيّ [٤]. والسند منْ رباعيّات المصنّف، وهو (٢١٤) منْ رباعيات الكتاب، وهو أعلى الأسانيد عنده كما سبق غير مرّة.
وقوله: "البيّعان": بتشديد التحتانيّة: تثنية بيّع، بمعنى البائع، كضيّق وضائق، وصيّن وصائن، وليس كبيّن وبائن، فإنهما متغايران، كقيّم وقائم، واستعمال البيع فِي المشتري إما عَلَى سبيل التغليب، أو لأن كلاً منهما بائع. قاله فِي "الفتح" ٥/ ٥٣ - ٥٤.
وقوله: "لا بيع بينهما": أي لازم. وقوله: "حَتَّى يتفرّقا": أي فيلزم البيع حينئذ بالتفرّق. وقوله: "إلا بيع الخيار": أي فيلزم باشتراطه، كما تقدّم البحث فيه مستوفًى، وظاهره حصر لزوم البيع فِي التفرّق، أو فِي شرط الخيار، والمعنى أن البيع عقدٌ جائزٌ، فإذا وُجد أحد هذين الأمرين كَانَ لازمًا. قاله فِي "الفتح" ٥/ ٦٢.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٧٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "كُلُّ بَيِّعَيْنِ فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا، حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إِلاَّ بَيْعَ الْخِيَارِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير
стр. 16580
شيخه، فإنه منْ أفراده، وهو مصريّ ثقة، فقيه [١١].
و"شعيب": هو ابن الليث بن سعد، شيخه فِي هَذَا السند. و"ابن الهاد": هو يزيد بن عبد الله بن أسامة الليثيّ المدنيّ، ثقة [٥].
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٧٩ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُلُّ بَيِّعَيْنِ لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا، حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إِلاَّ بَيْعَ الْخِيَارِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه عبد الحميد بن محمد بن الْمُسْتَام، أبي عمرو الحرّانيّ، إمام مسجدها، فإنه منْ أفراده، وهو ثقة [١١] ٢٢/ ٩٣٢.
و"مخلد": هو ابن يزيد القرشيّ الْحَرّانيّ، صدوق له أوهام، منْ كبار [١٠] ١٤١/ ٢٢٢.
و"سفيان": هو الثوريّ.
[تنبيه]: وقع فِي نسخ "المجتبى" التي عندي "عمرو بن دينار" بدل "عبد الله بن دينار"، وهو غلطٌ، والصواب "عبد الله بن دينار"، كما هو فِي "الكبرى" ٤/ ٩ رقم ٦٠٦٩ وكذا هو فِي "صحيح البخاريّ" رقم ٢١١٣، وكذا فِي "تحفة الأشراف" ٥/ ٤٥٠.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٨٠ - (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "كُلُّ بَيِّعَيْنِ لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا، حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إِلاَّ بَيْعَ الْخِيَارِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه "الربيع بن سليمان"، فقد تفرّد به هو، وأبو داود، وهو المصريّ الجِيزيّ الأعرج، وهو ثقة [١١] ١٢٢/ ١٧٣. و"والد إسحاق": هو بكر بن مضر بن محمد المصريّ، الثقة الثبت [٨] ١٢٢/ ١٧٣. و"يزيد بن عبد الله": هو ابن الهاد المذكور قبل حديث.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٨١ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ، عَنْ بَهْزِ بْنِ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا
стр. 16581
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُلُّ بَيِّعَيْنِ فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا، حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إِلاَّ بَيْعَ الْخِيَارِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده، وهو أبو بُريد الجرميّ البصريّ صدوق [١١] ١٠٠/ ١٣٠. و"بهز بن أسد": هو العمّيّ البصريّ.
والحديث متّفقٌ عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٨٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ يَكُونَ بَيْعُهُمَا عَنْ خِيَارٍ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح.
و"سفيان": هو ابن عيينة، والسند منْ رباعيّات المصنّف، كما سبق فِي السند المذكور أول الباب، وهو (٢١٥) منْ رباعيات الكتاب.
والحديث متّفقٌ عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٨٣ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا، أَوْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْبَيْعِ مَا هَوِيَ، وَيَتَخَايَرَانِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلّاس البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (معاذ بن هشام) الدستوائيّ البصريّ، وَقَدْ سكن اليمن، صدوق ربما وهم [٩] ٣٠/ ٣٤.
٣ - (أبوه) هشام بن أبي عبد الله سنبر الدستوائي، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت، وَقَدْ رمي بالقدر، منْ كبار [٧] ٣٠/ ٣٤.
٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصريّ، ثقة ثبت يدلس [٤] ٣٠/ ٣٧.
٥ - (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ، ثقة فقيه فاضل يدلس ويرسل [٣] ٣٢/ ٣٦.
٦ - (سمرة) بن جندب بن هلال الفزاريّ، حليف الأنصار الصحابيّ المشهور، له أحاديث، ومات بالبصرة سنة (٥٨) وتقدم فِي ٢٥/ ٣٩٣. والله تعالى أعلم.
стр. 16582
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة الذين رووا عنهم بلا واسطة، وتقدّم ذلك غير مرّة. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: قتادة، عن الحسن البصريّ. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ سَمُرَةَ) بن جندب رضي الله تعالى عنه (أَنَّ نَبِيَّ الله ﷺ ، قَالَ: "الْبَيِّعَانِ) بتشديد التحتانيّة: أي البائع والمشتري (بِالْخِيَارِ) أي فِي إمضاء البيع، وفسخه (حَتَّى يَتَفَرَّقَا) أي بأبدانهما منْ مجلس العقد (أَوْ) وفي نسخة بالواو (يَأْخُذَ) قَالَ وليّ الدين رحمه الله تعالى: هو معطوف عَلَى قوله: "يتفرّقا"، وتقدير إدخال "حَتَّى" عليه ممكن، لكن يكون مدلولها غير مدلولها عند الدخول عَلَى قوله: "يتفرّقا"، فهي فِي دخولها عَلَى قوله: "يتفرّقا" للغاية، وفي دخولها عَلَى قوله: "يأخذ" للتعليل: أي إن الخيار ثابت إلى غاية التفرّق، وأن علّة ثبوته أن يأخذ كلُّ واحد منهما منْ البيع ما هوِي، وإذا اختلف مدلول "حتّى" تعذّر عطف أحد الفعلين عَلَى الآخر، فيُقدّر له حينئذ فعلٌ، تقديره: البيّعان بالخيار حَتَّى يأخذ الخ، ودلّ عَلَى هَذَا المقدّر "حتّى" الداخلةُ عَلَى قوله: "يتفرّقا". انتهى. "طرح" ٦/ ١٦٠. وقوله (كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) بالرفع فاعل "يأخذ" (مِنَ الْبَيْعِ) أي مما اشتمل عليه عقد البيع، منْ الثمن، والمثمن، فالبائع بالخيار بين الإجازة، فيأخذ الثمن، والفسخ، فيأخذ المثمن، والمشتري بعكسه (مَا هَوِيَ) -بكسر الواو- كرضي وزنًا ومعنى: أي ما أحبّ، فـ"ما" اسم موصول، مفعول به لـ"يأخذ" (وَيَتَخَايَرَانِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أي يختاران ثلاث مرّات، وهو ندب إلى تكرير التخاير ثلاث مرّات؛ لأنه أطيب للقلب، وأحوط، وهو استحباب بالإجماع، فيما نعلم، ولفظه خبر، ومعناه الأمر. قَالَ وليّ الدين رحمه الله تعالى: قوله: "ثلاث مرّات" يحتمل أن يكون معناها أن النبيّ ﷺ كرّر هَذَا اللفظ ثلاث مرار، ويحتمل أن يكون المراد أن التخاير يكون ثلاث مرار، وعلى هَذَا الاحتمال الثاني، فهو احتياط، واستظهار، فإن التخاير يحصل بمرّة واحدة، لا نعلم فِي ذلك اختلافاً، والظاهر أنه يتعيّن الاحتمال الثاني فِي رواية البخاريّ: "يختار ثلاث مرار". انتهى "طرح التثريب" ٦/ ١٦٠.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن الاحتمال الثاني هو المتعيّن؛ لأنه وقع فِي رواية أحمد، عن عفّان، عن همّام، بلفظ: "وجدت فِي كتابي: الخيار ثلاث مرار". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 16583
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث سمرة رضي الله تعالى عنه هَذَا ضعيفاً، أما عَلَى قول منْ ينفي سماع الحسن منْ سمرة ﵁ مطلقًا، أو يقول: إنه سمع منه حديث العقيقة فقط، فظاهر، وأما عَلَى قول منْ يثبت سماعه مطلقًا، فلشهرته بالتدليس، وَقَدْ عنعنه. وَقَدْ جاء الخيار ثلاثًا فِي حديث حكيم ابن حزام عند أبي داود بلفظ: "البيّعان بالخيار، حَتَّى يتفرّقا، أو يختار ثلاث مرار"، والحديث عند البخاريّ، بلفظ: قَالَ همّام: وجدت فِي كتابي: يختار ثلاث مرار".
[تنبيه]: ردّ أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى هذين الحديثين، فَقَالَ رواية الحسن عن سمرة مرسلة، لم يسمع منه إلا حديث العقيقة وحده، وأما رواية همّام، فإنه لم يحدّث بهذه اللفظة، وإنما أخبر أنه وجدها فِي كتابه، ولم يلتزمها، ولا رواها، ولا أسندها، وما كَانَ هكذا، فلا يجوز الأخذ به، ولا تقوم به حجة. قَالَ: لو ثبت همام عليها منْ روايته، أو غيره منْ الثقات، لقلنا بها؛ لأنها تكون زيادة. انتهى "المحلّى" ٨/ ٣٦٦. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٠/ ٤٤٨٣ و٤٤٨٤ - وفي "الكبرى" ٩/ ٦٠٧٣ و ٦٠٧٤. وأخرجه (ق) فِي "التجارات" ٢١٨٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٨٤ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وَيَأْخُذْ (١) أَحَدُهُمَا مَا رَضِيَ مِنْ صَاحِبِهِ، أَوْ هَوِيَ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه: "محمد بن إسماعيل"، وهو المعروف أبوه بابن عليّة، فإنه منْ أفراده، وهو بصريّ، نزيل دمشق، وقاضيها، ثقة حافظ [١١]. و"يزيد": هو ابن هارون الواسطيّ الحجة المشهور. و"همّام": هو ابن يحيى العَوْذيّ الثقة البصريّ. وقوله: "أو هوي" "أو" للشكّ منْ الراوي. والحديث سبق القول فيه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 16584
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
١١ - (وُجُوبِ الْخِيَارِ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ قَبْلَ افْتِرَاقِهِمَا بِأَبْدَانِهِمَا)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: أشار المصنّف رحمه الله تعالى بهذه الترجمة إلى ترجيح مذهب الجمهور، منْ إثبات خيار المجلس للمتبايعين، وأن ثبوته مقيّدٌ بعدم افتراقهما بأبدانهما، لا بأقوالهما، كما قاله البعض، واستدلاله بحديث الباب عَلَى هَذَا واضح، حيث إن قوله: "ولا يحلّ له أن يفارقه الخ" ظاهر فِي كون التفرّق بالأبدان، لا بالأقوال. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٤٨٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: "الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ؛ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (قتيبة بن سعيد) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد الإِمام الحجة الثبت المصريّ [٧] ٣١/ ٣٥.
٣ - (ابن عجلان) هو محمد القرشيّ، مولى فاطمة بنت الوليد المدنيّ، صدوق [٥] ٣٦/ ٤٠.
٤ - (عمرو بن شعيب) بن محمد المدنيّ، أو الطائفيّ، صدوق [٥] ١٠٥/ ١٤٠.
٥ - (أبوه) شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو الطائفيّ، صدوق [٣] ١٠٥/ ١٤٠.
٦ - (جدّه) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما ٨٩/ ١١١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير عمرو، وأبيه، فإنهما منْ رجال الأربعة. (ومنها): أن فيه ثلاثة منْ
стр. 16585
التابعين يروي بعضهم عن بعض: ابن عجلان، عن عمرو، عن أبيه، ورواية الأوّلين منْ رواية الأقران، وفيه رواية الابن عن أبيه، عن جدّه. والله تعالى أعلم.
"ابن عجلان": هو محمد، أبو عبد الله المدنيّ، صدوق [٥] ٣٦/ ٤٠. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ) شعيب بن محمد بن عبد الله (عَنْ جَدِّهِ) الضمير لشعيب، لا لعمرو، على الصحيح؛ لأنه لو كَانَ له، لكان مرسلاً؛ لأن جده، وهو محمد تابعيّ، وأما جدّ شعيب، فهو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، وهو صحابيّ مشهور، وَقَدْ سبق الكلام عَلَى هَذَا السند غير مرّة، فلا تغفل (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: "الْمُتُبَايِعَانِ بالْخِيَارِ) أي بين إمضاء البيع، وفسخه (مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا) أي بأبدانهما، عَلَى ما عليه الجمهور، وهو الصواب، ويدلّ عليه قوله هنا: "ولا يحلّ له أن يفارقه الخ" (إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ) بفتح الصاد المهملة، وإسكان الفاء، وفتح القاف: أي بيعة خيار، وسُمّي البيع صفقةً؛ لأن المتبايعين يضع أحدهما يده فِي يد الآخر (وَلَا يَحِلُّ لَهُ أنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ؛ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ) قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: أي يُبطل البيع بسبب ما له منْ الخيار، فهذا يفيد وجود خيار المجلس، وإلا فلا خشية. وقيل: بل ينفيه؛ لأن طلب الإقالة إنما يُتصوّر إذا لم يكن له خيار، وإلا فيكفيه ما له منْ الخيار فِي إبطاله البيع عن طلب الإقالة منْ صاحبه. والله تعالى أعلم. انتهى.
وَقَالَ ابن قُدامة رحمه الله تعالى: قوله: "إلا أن تكون صفقة خيار" يحتمل أنه أراد البيع المشروط فيه الخيار، فإنه لا يلزم بتفرّقهما، ولا يكون تفرّقهما غاية للخيار فيه؛ لكونه ثابتًا به تفرّقهما. ويحتمل أنه أراد البيع الذي شَرَطا فيه أن لا يكون بينهما فيه خيار، فيلزم بمجرّد العقد منْ غير تفرّق. وظاهر الْحَدِيث تحريم مفارقة أحد المتبايعين لصاحبه؛ خشيةً منْ فسخ البيع، وهذا ظاهر كلام أحمد فِي رواية الأثرم، فإنه ذُكر له فعل ابن عُمر، وحديث عمرو بن شُعيب، فَقَالَ: هَذَا الآن قول النبيّ ﷺ . وهذا اختيار أبي بكر، وذكر القاضي أن ظاهر كلام أحمد جواز ذلك؛ لأن ابن عمر كَانَ إذا اشترى شيئاً، يُعجبه فارق صاحبه، متّفقٌ عليه. والأول أصحّ؛ لأن قول النبيّ ﷺ يُقدّم عَلَى فعل ابن عمر، والظاهر أن ابن عمر لم يبلغه هَذَا، ولو بلغه لما خالفه. انتهى "المغني" ٨/ ١٤ - ١٥.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول الثاني أرجح، ولا تنافي بينه وبين فعل ابن عمر رضي الله تعالى عنهما؛ لإمكان حمل النهي عَلَى ما إذا علم المفارق أن
стр. 16586
صاحبه سيلحقه بذلك ضررٌ يورثه الندم والأسف، وأما إذا لم يكن كذلك، فلا؛ لأن قوله ﷺ : "ما لم يتفرّقا" شاملٌ لمفارقة أحدهما للآخر، ودليلٌ عَلَى جوازه، فتأمّل. والله تعالى أعلم.
وَقَالَ الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: استدلّ بهذه الزيادة -يعني قوله: "ولايحلّ له الخ" عَلَى عدم ثبوت خيار المجلس منْ حيث إنه لولا أن العقد لازم لما احتاج إلى استقالته، ولا طلب الفرار منْ الاستقالة، وجوابه منْ وجهين:
[أحدهما]: أن قوله: "لا يحلّ" لفظة منكرة، فإن صحّت، فليست عَلَى ظاهرها؛ لإجماع المسلمين عَلَى أنه جائز له أن يفارقه؛ لينفّذ بيعه، ولا يقيله، إلا أن يشاء.
[ثانيهما]: أنه أراد بالإقالة هنا الفسخ بحكم الخيار، فإنه الذي ينقطع بالمفارقة، أما طلب الإقالة بالاختيار، فلا فرق بين أن يتفرّقا، أو لا، فإن ذلك إنما يكون بالرضا منهما، وهو جائز بعد التفرّق. انتهى. "طرح التثريب" ٦/ ١٥٢.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الجواب الثاني عندي أقرب؛ لأنه أولى منْ دعوى النكارة المذكورة، ويُحمل هَذَا النهي عَلَى ما إذا علم أن صاحبه يتضرّر بمفارقته، حيث يلزمه البيع، فإذا عرف ذلك، فلا يجوز له أن يوقعه فِي الضرر، بل يلازمه، ولا يفارقه حَتَّى يكون له مهلة للتروّي، والتفكّر فِي مصلحته، فيختار الإمضاء، أو الفسخ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه هَذَا حسنٌ، كما قَالَ الترمذيّ رحمه الله تعالى.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١١/ ٤٤٨٥ - وفي "الكبرى" ١٠/ ٦٠٧٥. وأخرجه (د) فِي "البيوع" ٣٤٥٦ (ق) فِي "التجارات" ٢١٨٣. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان ثبوت خيار المجلس للمتبايعين. (ومنها): أن التفرّق يكون بالأبدان، لا بالأقوال، كما قيل. (ومنها): أنه إذا خيّر أحدهما صاحبه فِي المجلس، بأن قَالَ له: اختر، فاختار، انقطع خيار المجلس، ولزم البيع. (ومنها): وجوب النصيحة عَلَى المتبايعين، فلا يجوز لأحدهما أن يوقع الآخر فِي الندم، باستعجاله فِي لزوم البيع، وذلك بالمفارقة لمجلس البيع، بل عليه أن
стр. 16587
يتأنّى، حَتَّى يعطي صاحبه مهلة التروّي، والتفكر فِي مصلحته، فيمضي البيع، أو يفسخه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
١٢ - (الْخَدِيعَةُ فِي الْبَيْعِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الْخَدِيعَةُ" بفتح الخاء المعجمة، وكسر الدال المهملة: اسم منْ الْخَدْعِ -بفتح، فسكون-، قَالَ المجد فِي "قاموسه": خَدَعه، كمنعه خَدْعًا، ويُكسر: خَتَلَهُ، وأراد به المكروه منْ حيث لا يَعلَم، كاختدعه، فانخدع، والاسم الخديعة، و"الحرب خدعة"، مثلّثة، وكهُمَزَة، وروي بهنّ جميعًا: أي تنقضي بخدعة. انتهى.
وترجم الإِمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه" بقوله: "باب ما يكره منْ الْخِدَاع فِي البيع"، فَقَالَ فِي "الفتح": كأنه أشار بهذه الترجمة إلى أن الخداع فِي البيع مكروه ولكنه لا يفسخ البيع، إلا أن شَرَط المشتري الخيار عَلَى ما تُشعِر به القصة المذكورة فِي الْحَدِيث. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٤٨٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلاً ذَكَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبَيْعِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا بِعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ"، فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا بَاعَ، يَقُولُ: لَا خِلَابَةَ").
رجال هَذَا الإسناد: أربعة:
١ - (قتيبة بن سعيد) المذكور فِي الباب السابق.
٢ - (مالك) بن أنس، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] ٧/ ٧.
٣ - (نافع) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/ ١٢.
٤ - (ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ رباعيات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (٢١٦) منْ رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، نسبة إلى "بَغْلان" -بفتح الموحّدة، وسكون الغين المعجمة-: اسم قرية ببلخ. (ومنها): أن فيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما منْ المكثرين السبعة،
стр. 16588
روى (٢٦٣٠) حديثًا، ومن العبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ رَجُلاً) وفي رواية أحمد، منْ طريق محمد ابن إسحاق: حدثني نافع، عن ابن عمر، كَانَ رجل منْ الأنصار، زاد ابن الجارود فِي "المنتقى" منْ طريق سفيان، عن نافع، أنه حَبَّان بن مُنقِذ، وهو -بفتح المهملة، والموحدة الثقيلة-. ورواه الدارقطني، منْ طريق عبد الأعلى، والبيهقي منْ طريق يونس ابن بكير، كلاهما عن ابن إسحاق به، وزاد فيه: قَالَ ابن إسحاقا: فحدثني محمد بن يحيى بن حَبّان، قَالَ: هو جدي مُنقذ بن عمرو، وكذلك رواه ابن منده، منْ وجه آخر، عن ابن إسحاق. قاله فِي "الفتح" ٥/ ٦٧.
وَقَالَ النوويّ فِي "شرحه" ١٠/ ٤١٨: هو حبّان -بفتح الحاء، وبالباء الموحّدة- ابن منقذ بن عمرو الأنصاريّ، والد يحيى، وواسع ابني حَبّان، شَهِدَ أحدًا. وقيل: بل هو والده منقذ بن عمرو، وكان قد بلغ مائة وثلاثين سنة، وكان قد شُجّ فِي بعض مغازيه مع النبيّ ﷺ فِي بعض الحصون بحجر، فأصابته فِي رأسه مأمومة، فتغيّر بها لسانه، وعقله، لكن لم يخرج عن التمييز. وذكر الدارقطنيّ أنه كَانَ ضريرًا. انتهى.
(ذَكَرَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ) وفي رواية ابن إسحاق: "فشكا إلى النبيّ ﷺ ما يلقى منْ الغبن" (أَنَّهُ يُخْدَعُ) بالبناء للمفعول (فِي الْبَيْعِ) ولفظ البخاريّ: "فِي البيوع"، وَقَدْ بَيَّن ابن إسحاق فِي روايته المذكورة سبب شكواه، وهو ما يَلقَى منْ الغبن، وَقَدْ أخرجه أحمد، وأصحاب السنن، وابن حبّان، والحاكم منْ حديث أنس، وهو الْحَدِيث التالي للنسائيّ، بلفظ: "أن رجلاً كَانَ يبايع، وكان فِي عُقدته ضعف"
(فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِذَا بعْتَ، فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ) -بكسر المعجمة، وتخفيف اللام-: أي لا خَدِيعة، و"لا" لنفى الجنس: أي لا خديعة فِي الدين؛ لأن الدين النصيحة.
زاد ابن إسحاق، فِي رواية يونس بن بكير، وعبد الأعلى عنه: "ثم أنت بالخيار فِي كل سلعة ابتعتها، ثلاث ليال، فإن رضيتَ فأمسك، وإن سخطتَ، فاردد"، فبقي حَتَّى أدرك زمان عثمان، وهو ابن مائة وثلاثين سنة، فأكثر النَّاس فِي زمن عثمان، وكان إذا اشترى شيئاً، فقيل له: إنك غُبِنتَ، فيه رجع به، فيَشهَد له الرجلُ، منْ الصحابة بأن النبيّ ﷺ ، قد جعله بالخيار ثلاثاً، فيرد له دراهمه.
قَالَ العلماء: لقنه النبيّ ﷺ هَذَا القول؛ ليتلفظ به عند البيع، فيَطْلع به صاحبه عَلَى أنه ليس منْ ذوي البصائر، فِي معرفة السِّلَع، ومقادير القيمة، فيَرَى له كما يرى لنفسه؛
стр. 16589
لما تقرر منْ حَضّ المتبايعين عَلَى أداء النصيحة، كما تقدم فِي قوله ﷺ ، فِي حديث حكيم بن حزام: "فإن صدقا وبينا، بورك لهما فِي بيعهما" الْحَدِيث.
(فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا بَاعَ، يَقُولُ: لَا خِلَابَةَ) هكذا فِي رواية المصنّف، وفي رواية مسلم: "فكان إذا بايع يقول: لا خيابة"، قَالَ النوويّ فِي "شرحه" ١٠/ ٤١٨: هو بياء مثناة تحتُ، بدل اللام، هكذا هو فِي جميع النسخ، قَالَ القاضي: ورواه بعضهم:
"لا خيانة" بالنون، قَالَ: وهو تصحيف، قَالَ: ووقع فِي بعض الروايات فِي غير مسلم: "خذابة" بالذال المعجمة، والصواب الأول، وكان الرجل ألثغ، فكان يقولها هكذا، ولا يمكنه أن يقول: "لا خلابة"، ومعنى "لا خلابة": لا خديعة: أي لا تحلّ لك خديعتي، ولا يلزمني خديعتك. انتهى.
ونقل فِي "الفتح" ١٤/ ٣٥٣ - ٣٥٤ - فِي "كتاب الحيل" عن المهلب، أنه قَالَ: معنى قوله: "لا خلابة": لا تخلُبوني: أي لا تخدعوني، فان ذلك لا يحل. قَالَ الحافظ: والذي يظهر أنه وارد مورد الشرط: أي إن ظهر فِي العقد خداع، فهو غير صحيح، كأنه قَالَ: بشرط أن لا يكون فيه خديعة، أو قَالَ: لا تلزمني خديعتك. قَالَ المهلب: ولا يدخل فِي الخداع المحرم الثناءُ عَلَى السلعة، والإطناب فِي مدحها، فإنه متجاوز عنه، ولا يَنتقض به البيع. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٢/ ٤٤٨٦ - وفي "الكبرى" ١١/ ٦٠٧٦. وأخرجه (خ) فِي "البيوع" ٢١١٧ و"الاستقراض" ٢٤٠٧ و"الخصومات" ٢٤١٤ و"الحيل" ٦٩٦٤ (م) فِي "البيوع" ١٥٣٣ (د) فِي "البيوع" ٢٥٠٠ (أحمد) فِي "مسند المكثرين" ٥٠١٦ و٥٢٤٩ و٥٣٨٢ و٥٤٩١ و٥٥٣٦ و٥٨٢٠ و٥٩٣٤ و٦٠٩٩ (الموطأ) فِي "البيوع" ١٣٩٣. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم الخديعة فِي البيع، وهو أنها لا تجوز. (ومنها): أنه استُدِلّ به لأحمد، وأحد قولي مالك، أنه يُرَدّ بالغبن الفاحش، لمن لم يَعرف قيمة السلعة.
وتعقب بأنه ﷺ ، إنما جعل له الخيار لضعف عقله، ولو كَانَ الغبن يُملك به الفسخ،
стр. 16590
لما احتاج إلى شرط الخيار.
وَقَالَ ابن العربي: يحتمل أن الخديعة فِي قصة هَذَا الرجل كانت فِي العيب، أو فِي الكذب، أو فِي الثمن، أو فِي الغبن، فلا يُحتج بها فِي مسألة الغبن بخصوصها، وليست قصة عامة، وإنما هي خاصة فِي واقعة عين، فيحتج بها فِي حق منْ كَانَ بصفة الرجل، قَالَ: وأما ما رُوي عن عمر، أنه كُلِّم فِي البيع، فَقَالَ: ما أجد لكم شيئاً أوسع، مما جعل رسول الله ﷺ لحبان بن منقذ، ثلاثة أيام، فمداره على ابن لهيعة، وهو ضعيف. انتهى.
قَالَ الحافظ: وهو كما قَالَ، أخرجه الطبراني، والدارقطني، وغيرهما منْ طريقه، لكن الاحتمالات التي ذكرها، قد تعينت بالرواية التي صُرَح بها، بأنه كَانَ يُغبن فِي البيوع. (ومنها): أنه استُدِلّ به عَلَى أن أمد الخيار المشترط ثلاثة أيام، منْ غير زيادة؛ لأنه حكم ورد عَلَى خلاف الأصل، فيُقتصر به عَلَى أقصى ما ورد فيه، ويؤيده جعل الخيار فِي الْمُصَرّاة ثلاثة أيام، واعتبار الثلاث فِي غير موضع. وأغرب بعض المالكية، فَقَالَ: إنما قصره عَلَى ثلاث؛ لأن معظم بيعه كَانَ فِي الرقيق. وهذا يحتاج إلى دليل، ولا يكفي فيه مجرد الاحتمال.
(ومنها): أنه استُدلّ به عَلَى أن منْ قَالَ عند العقد: لا خلابة، أنه يصير فِي تلك الصفقة بالخيار، سواء وَجَدَ فيه عيبا، أو غبنا، أم لا، وبالغ ابن حزم فِي جموده، فَقَالَ: لو قَالَ: لا خديعة، أو لا غش، أو ما أشبه ذلك، لم يكن له الخيار، حَتَّى يقول: لا خلابة. ومن أسهل ما يُردّ به عليه، أنه ثبت فِي "صحيح مسلم" أنه كَانَ يقول: لا خيابة -بالتحتانية، بدل اللام، وبالذال المعجمة بدل اللام أيضاً (١)، وكأنه كَانَ لا يفصح باللام؛ للثغة لسانه، ومع ذلك لم يتغير الحكم فِي حقه، عند أحد منْ الصحابة، الذين كانوا يشهدون له، بأن النبيّ ﷺ ، جعله بالخيار، فدل عَلَى أنهم اكتفوا فِي ذلك بالمعنى.
(ومنها): أنه استُدِلّ به عَلَى أن الكبير لا يُحجر عليه، ولو تبين سفهه؛ لما فِي بعض طرق حديث أنس: أن أهله أتوا النبيّ ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، احجُر عليه، فدعاه، فنهاه عن البيع، فَقَالَ: لا أصبر عنه، فَقَالَ: "إذا بايعت، فقل: لا خلابة".
وتُعُقّب بأنه لو كَانَ الحجر عَلَى الكبير لا يصح؛ لأنكر عليهم، وأما كونه لم يحجر عليه، فلا يدل عَلَى منع الحجر عَلَى السفيه.
стр. 16591
(ومنها): أنه استُدِلّ به عَلَى جواز البيع، بشرط الخيار، وعلى جواز شرط الخيار للمشترى وحده. (ومنها): أن فيه ما كَانَ أهل ذلك العصر عليه، منْ الرجوع إلى الحق، وقبول خبر الواحد، فِي الحقوق وغيرها. قاله فِي "الفتح" ٥/ ٦٧ - ٦٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قَالَ الإِمام ابن القيم رحمه الله تعالى فِي كتابه "إعلام الموقّعين عن ربّ العالمين": أحدث بعض المتأخرين حِيَلا، لم يصح القول بها عن أحد منْ الأئمة، ومن عَرَف سيرة الشافعيّ، وفضله، عَلِم أنه لم يكن يأمر بفعل الحيل، التي تبنى عَلَى الخداع، وان كَانَ يُجري العقود عَلَى ظاهرها، ولا ينظر الى قصد العاقد، إذا خالف لفظه، فحاشاه أن يُبيح للناس المكر والخديعة، فان الفرق بين إجراء العقد عَلَى ظاهره، فلا يعتبر القصد فِي العقد، وبين تجويز عقد، قد عُلم بناؤه عَلَى المكر، مع العلم بأن باطنه بخلاف ظاهره ظاهر، ومن نسب حِلَّ الثاني إلى الشافعيّ، فهو خصمه عند الله، فان الذي جوزه بمنزلة الحاكم يُجري الحكم عَلَى ظاهره، فِي عدالة الشهود، فيحكم بظاهر عدالتهم، وان كانوا فِي الباطن شهود زور، وكذا فِي مسألة الْعِينَةِ، إنما جوز أن يبيع السلعة ممن يشتريها، جريا منه عَلَى أن ظاهر عقود المسلمين سلامتها منْ المكر والخديعة، ولم يجوّز قط أن المتعاقدين يتواطآن عَلَى ألف، بألف ومائتين، ثم يُحضران سلعة، تُحلل الربا، ولاسيما إن لم يقصد البائع بيعها، ولا المشتري شراءها، ويتأكد ذلك، إذا كانت ليست ملكا للبائع، كأن يكون عنده سلعة لغيره، فيوقع العقد، ويَدَّعي أنها ملكه، ويصدقه المشتري، فيوقعان العقد عَلَى الأكثر، ثم يستعيدها البائع بالأقل، ويترتب الأكثر فِي ذمة المشتري فِي الظاهر، ولو عَلِمَ الذي جَوَّز ذلك بذلك، لبادر إلى إنكاره؛ لأن لازم المذهب ليس بمذهب، فقد يذكر العالم الشيء، ولا يستحضر لازمه، حَتَّى إذا عرفه أنكره، وأطال فِي ذلك جِدًّا، وهذا ملخصه.
قَالَ الحافظ: والتحقيق أنه لا يلزم منْ الإثم فِي العقد بطلانه، فِي ظاهر الحكم، فالشافعية يجوزون العقود عَلَى ظاهرها، ويقولون مع ذلك: إن منْ عَمِلَ الحيل بالمكر والخديعة، يأثم فِي الباطن، وبهذا يحصل الانفصال عن إشكاله. والله أعلم. انتهى "الفتح" ١٤/ ٣٥٣ - ٣٥٤.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا عجيب منْ مثل الحافظ، فأين الانفصال الذي زعمه، وبأي دليل انفصل عما أورده الإِمام ابن القيّم رحمه الله تعالى، منْ هَذَا الكلام المفصّل الذي إذا سمعه منْ أنصف لا يتأخّر عن الاعتراف به، واعتقاد صحّته، وأنه لا مفرّ عن القول به، فهذه الحيل التي ذكرها، لا نعتقد أحدًا ممن له علم بالكتاب والسنة
стр. 16592
يُجيزها، فإن عُثر عَلَى أن بعض أهل العلم قالوا بجوازها، فيُعتذر عنهم بما اعتذر به هو، وذلك أنهم جوّزوا نوعًا منها إجمالاً، ولو استُفصلوا بجميع لوازم المسألة، لبادروا بالإنكار، فضلاً عن القول بجوازها، وهذا هو الذي ندين الله تعالى به فِي حقّ علماء الإِسلام، فإن هذه الحيل هي التي دخل بها تحريف الأديان السابقة، فكان أحبارهم يحتالون فِي مخالفة ما فِي كتابهم، منْ التكاليف، فيجيزون للعوامّ ما هو حرام صرف، فيشترون بذلك عرض الدنيا الفانية، كما ذمّهم الله فِي كتابه العزيز، فَقَالَ : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٨٧ - (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلاً كَانَ فِي عُقْدَتِهِ ضَعْفٌ، كَانَ يُبَايِعُ، وَأَنَّ أَهْلَهُ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ احْجُرْ عَلَيْهِ، فَدَعَاهُ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ، فَنَهَاهُ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي لَا أَصْبِرُ عَنِ الْبَيْعِ، قَالَ: "إِذَا بِعْتَ، فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ) الْمَعْنيّ -بفتح الميم، وسكون المهملة- أبو يعقوب البصريّ، ثقة [١٠] ٢٥/ ١٧٨٣.
٢ - (عبد الأعلى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقة [٨] ٢٠/ ٣٨٦.
٣ - (سعيد) بن أبي عروبة مِهْران البصريّ، ثقة ثبت، لكنه يدلس، واختلط [٦] ٣٤/ ٣٨.
٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسيّ البصريّ، ثقة ثبت يدلس [٤] ٣٠/ ٣٤.
٥ - (أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين. (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر منْ مات منْ الصحابة بالبصرة، مات سنة (٢) أو (٩٣ هـ)، وَقَدْ جاوز المائة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَنَسٍ) رضي الله تعالى عنه (أَنَّ رَجُلاً) هو حَبّان بن منقذ بن عمرو الأنصاريّ
стр. 16593
-﵁، وقيل: والده منقذ ﵁، كما تقدّم فِي الْحَدِيث الماضي (كَانَ فِي عُقْدَتِهِ) -بضم العين، وفتح الدال المهملتين، بينهما قاف ساكنة-: أي فِي رأيه، ونظره فِي مصالح نفسه وعقله. وقيل: هي العقدة فِي اللسان لما فِي بعض الروايات منْ أنه أصابته مأمومة، فكسرت لسانه، حَتَّى كَانَ يقول: لا خيابة، بالياء، كما فِي "صحيح مسلم"، أو "لا خذابة" بالذال، كما عند غيره (ضَعْفٌ) بفتح الضاد المعجمة، وضمها، قرىء بهما فِي السبع، وَقَالَ الفيّوميّ: الضَّعف بفتح الضاد فِي لغة تميم، وبضمّها فِي لغة قريش: خلاف القوّة، والصحّة، فالمضموم مصدرُ ضَعُفَ، مثالُ قرُب قُرْبًا، والمفتوح مصدر ضَعَفَ ضَعْفًا، منْ باب قَتَلَ، ومنهم منْ يجعل المفتوح فِي الرأي، والمضموم فِي الجسد. انتهى (كَانَ يُبَايعُ) بالبناء للفاعل، أي يبيع للناس، ويشتري منهم، أو بالبناء للمفعول: أي يبيع له النَّاس، ويشترون منه (وَأَنَّ أَهْلَهُ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ الله احْجُرْ عَلَيهِ) بضم الجيم: أمر منْ الحجر، يقال: حجر عليه حَجْرًا، منْ باب قتل: إذا منعه منْ التصرّف، فهو محجور عليه، والفقهاء يحذفون الصلة؛ تخفيفًا لكثرة الاستعمال، ويقولون: محجورٌ، وهو سائغ. قاله الفيّوميّ (فَدَعَاهُ نَبِيُّ اللهِ ﷺ ، فَنَهَاهُ) أي منعه منْ التبايع مع النَّاس؛ لئلا يقع فِي الغبن (فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنِّي لَا أَصْبِرُ) بكسر الباء، منْ الصبر، وهو الحبس، والفعل منْ باب ضرب (عَنِ الْبَيْعِ) يعني أنه مُغرَم بحبّ البيع، فلا يقدر عَلَى حبس نفسه عنه (قَالَ) ﷺ (إِذَا بعْتَ، فَقُل: لَا خِلَابَةَ") أي لا خديعة، وفي رواية أبي داود: "إن كنت غير تارك للبيع، فقل: هاء، وهاء، ولا خلابة"، فقوله: "هاء" بالمدّ، وفتح الهمزة، وقيل: بالكسر، وقيل: بالسكون. قَالَ فِي "المجمع": هو أن يقول كلّ منْ المتبايعين: هاء، فيعطيه ما فِي يده، كحديث "إلا يداً بيد". وقيل: معناه: هاك، وهات: أي خذ، وأعط.
قَالَ فِي "النيل": اختلف العلماء فِي هَذَا الشرط، هل كَانَ خاصًا بهذا الرجل، أم يدخل فيه جميع منْ شرط هَذَا الشرط، فعند أحمد، ومالك فِي رواية عنه أنه يثبت الردّ لكل منْ شرط هَذَا الشرط، ويُثبتون الرد بالغبن لمن لم يعرف قيمة السلع. وأجيب بأن النبيّ ﷺ إنما جعل لهذا الرجل الخيار للضعف الذي كَانَ فِي عقله، كما فِي حديث أنس ﵁، فلا يُلحق به إلا منْ كَانَ مثله فِي ذلك بشرط أن يقول هذه المقالة، ولهذا روي أنه كَانَ إذا غُبن يشهد له رجل منْ الصحابة أن النبيّ ﷺ قد جعله بالخيار ثلاثاً، فيرجع فِي ذلك، وبهذا يتبيّن أنه لا يصحّ الاستدلال بمثل هذه القصّة عَلَى ثبوت الخيار لكلّ مغبون، وإن كَانَ صحيح العقل، ولا عَلَى ثبوت الخيار لمن كَانَ ضعيف العقل إذا غُبن، ولم يقل هذه المقالة، وهذا مذهب الجمهور، وهو الحقّ. انتهى ملخّصًا.
стр. 16594
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنّ ما ذهب إليه الإِمام أحمد ﵀ منْ إثبات خيار الغَبْنِ هو الأرجح، كما سيأتي قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أنس رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٢/ ٤٤٨٧ - وفي "الكبرى" ١١/ ٦٠٧٧. وأخرجه (د) فِي "البيوع" ٣٥٠٠ (ت) فِي "البيوع" ١٢٥٠ (ق) فِي "الأحكام" ٢٣٥٤.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم الخديعة فِي البيع، وهو التحريم. (ومنها): مشروعيّة خيار الغبن لمن كَانَ ضعيف العقل، فباع، أو اشترى، ثم ظهر الغبن له، وفيه خلاف بين العلماء، قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: واختلف العلماء فِي هَذَا الْحَدِيث، فجعله بعضهم خاصًا فِي حقّه، وأن المغابنة بين المتبايعين لازمة، ولا خيار للمغبون بسببها، سواء قلّت، أو كثُرت، وهذا مذهب الشافعيّ، وأبي حنيفة، وآخرين، وهي أصحّ الروايتين عن مالك، وَقَالَ البغداديّون منْ المالكيّة: للمغبون الخيار لهذا الْحَدِيث، بشرط أن يبلغ الغبن ثلث القيمة، فإن كَانَ دونه فلا، والصحيح الأول؛ لأنه لم يثبت أن النبيّ ﷺ أثبت له الخيار، وإنما قَالَ له: قل: "لا خلابة": أي لا خديعة، ولا يلزم منْ هَذَا ثبوت الخيار، ولأنه لو ثبت، أو أثبت له الخيار، كانت قضيّة عين، لا عموم لها، فلا ينفذ منه إلى غيره إلا بدليل. انتهى "شرح مسلم" ١٠/ ١٧١.
وَقَالَ ابن قُدامة رحمه الله تعالى فِي "المغني": ويثبت الخيار فِي البيع للغبن فِي مواضع: [أحدها]: تلقي الركبان، إذا تلقاهم، فاشترى منهم، وباعهم، وغبنهم. [الثاني]: بيع النجش، ويذكران فِي مواضعهما. [الثالث]: المسترسِل إذا غُبن غبنا يخرج عن العادة، فله الخيار بين الفسخ والإمضاء، وبهذا قَالَ مالك، وَقَالَ ابن أبي موسى: وَقَدْ قيل: قد لزمه البيع، وليس له فسخه، وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعي؛ لأن نقصان قيمة السلعة مع سلامتها، لا يمنع لزوم العقد، كبيع غير المسترسل، وكالغبن اليسير. ولنا أنه غبن حصل لجهله بالمبيع، فأثبت الخيار كالغبن فِي تلقي الركبان، فأما غير المسترسل، فإنه دخل عَلَى بصيرة بالغبن، فهو كالعالم بالعيب، وكذا لو استعجل، فجهل ما لو تثبت لعلمه، لم يكن له خيار؛ لأنه انبنى عَلَى تقصيره وتفريطه، والمسترسل: هو الجاهل بقيمة السلعة، ولا يُحسِن المبايعة، قَالَ أحمد:
стр. 16595
المسترسل: الذي لا يحسن أن يُماكِس، وفي لفظ: الذي لا يماكس، فكأنه استرسل إلى البائع، فأخذ ما أعطاه، منْ غير مماسكة، ولا معرفة بغبنه، فأما العالم بذلك، والذي لو توقف لعرف، إذا استعجل فِي الحال، فغُبِن فلا خيار لهما. ولا تحديد للغبن فِي المنصوص عن أحمد، وحَدَّه أبو بكر فِي "التنبيه"، وابن أبي موسى فِي "الإرشاد" بالثلث، وهو قول مالك؛ لأن الثلث كثير، بدليل قول النبيّ ﷺ : "والثلث كثير"، وقيل: بالسدس، وقيل: ما لا يتغابن النَّاس به فِي العادة؛ لأن ما لا يَرِدُ الشرع بتحديده، يُرجَع فيه إلى العرف. انتهى كلام ابن قدامة.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه أحمد رحمه الله تعالى منْ إثبات الخيار فِي الغبن للمسترسل هو الظاهر؛ لأن الشارع أثبت الخيار فِي مواضع كثيرة، منْ مواضع الغرر، مثل تلقّي الركبان، والمصرّاة، والنجش، وغيرها، فدلّ ذلك عَلَى أن ما كَانَ بمعناها مثلها فِي الحكم، وهو الغبن. والله تعالى أعلم.
(ومنها): مشروعيّة الحجر عَلَى السفيه، قَالَ الإِمام الترمذيّ رحمه الله تعالى بعد أن أخرج الْحَدِيث: والعمل عَلَى هَذَا الْحَدِيث عند بعض أهل العلم، وقالوا: الحجر عَلَى الرجل الحرّ فِي البيع والشراء، إذا كَانَ ضعيف العقل، وهو قول أحمد، وإسحاق، ولم ير بعضهم أن يُحجر عَلَى الحرّ البالغ. انتهى. وحجة الأولين هَذَا الْحَدِيث، ووجهه أن أهل ذلك الرجل لما طلبوا منه ﷺ الحجر عليه، لم ينكر عليهم، بل منعه منْ البيع، إلا أنه لمّا رأى أنه لا يترك ذلك، عَلَّمَهُ أن يقول: "لا خلابة". واحتجّ المانعون أيضاً بهذا الْحَدِيث، ووجهه أنه ﷺ لم يحجر عليه، فلو كَانَ الحجر جائزًا لحجر عليه. وتُعقّب بأنه حجر عليه، لكنه لما رأى أنه لا ينفع الحجر فيه، لكونه لا يترك البيع علّمه ما يرفع عنه الضرر، إن لحقه، كما مرّ آنفًا، والحاصل أن دلالة الْحَدِيث عَلَى ما قاله الأولون واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
١٣ - (الْمُحَفَّلَةُ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الْمُحَفَّلَةُ" بتشديد الفاء: اسم مفعول، منْ التحفيل: يقال: حَفَل اللبن وغيرُهُ، منْ باب ضرب، حَفْلاً،، وحُفُولاً: إذا اجتمع، وحفّلتُ الشاةَ