(ومنها): أنه استُدِلّ به عَلَى جواز البيع، بشرط الخيار، وعلى جواز شرط الخيار للمشترى وحده. (ومنها): أن فيه ما كَانَ أهل ذلك العصر عليه، منْ الرجوع إلى الحق، وقبول خبر الواحد، فِي الحقوق وغيرها. قاله فِي "الفتح" ٥/ ٦٧ - ٦٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قَالَ الإِمام ابن القيم رحمه الله تعالى فِي كتابه "إعلام الموقّعين عن ربّ العالمين": أحدث بعض المتأخرين حِيَلا، لم يصح القول بها عن أحد منْ الأئمة، ومن عَرَف سيرة الشافعيّ، وفضله، عَلِم أنه لم يكن يأمر بفعل الحيل، التي تبنى عَلَى الخداع، وان كَانَ يُجري العقود عَلَى ظاهرها، ولا ينظر الى قصد العاقد، إذا خالف لفظه، فحاشاه أن يُبيح للناس المكر والخديعة، فان الفرق بين إجراء العقد عَلَى ظاهره، فلا يعتبر القصد فِي العقد، وبين تجويز عقد، قد عُلم بناؤه عَلَى المكر، مع العلم بأن باطنه بخلاف ظاهره ظاهر، ومن نسب حِلَّ الثاني إلى الشافعيّ، فهو خصمه عند الله، فان الذي جوزه بمنزلة الحاكم يُجري الحكم عَلَى ظاهره، فِي عدالة الشهود، فيحكم بظاهر عدالتهم، وان كانوا فِي الباطن شهود زور، وكذا فِي مسألة الْعِينَةِ، إنما جوز أن يبيع السلعة ممن يشتريها، جريا منه عَلَى أن ظاهر عقود المسلمين سلامتها منْ المكر والخديعة، ولم يجوّز قط أن المتعاقدين يتواطآن عَلَى ألف، بألف ومائتين، ثم يُحضران سلعة، تُحلل الربا، ولاسيما إن لم يقصد البائع بيعها، ولا المشتري شراءها، ويتأكد ذلك، إذا كانت ليست ملكا للبائع، كأن يكون عنده سلعة لغيره، فيوقع العقد، ويَدَّعي أنها ملكه، ويصدقه المشتري، فيوقعان العقد عَلَى الأكثر، ثم يستعيدها البائع بالأقل، ويترتب الأكثر فِي ذمة المشتري فِي الظاهر، ولو عَلِمَ الذي جَوَّز ذلك بذلك، لبادر إلى إنكاره؛ لأن لازم المذهب ليس بمذهب، فقد يذكر العالم الشيء، ولا يستحضر لازمه، حَتَّى إذا عرفه أنكره، وأطال فِي ذلك جِدًّا، وهذا ملخصه.
قَالَ الحافظ: والتحقيق أنه لا يلزم منْ الإثم فِي العقد بطلانه، فِي ظاهر الحكم، فالشافعية يجوزون العقود عَلَى ظاهرها، ويقولون مع ذلك: إن منْ عَمِلَ الحيل بالمكر والخديعة، يأثم فِي الباطن، وبهذا يحصل الانفصال عن إشكاله. والله أعلم. انتهى "الفتح" ١٤/ ٣٥٣ - ٣٥٤.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا عجيب منْ مثل الحافظ، فأين الانفصال الذي زعمه، وبأي دليل انفصل عما أورده الإِمام ابن القيّم رحمه الله تعالى، منْ هَذَا الكلام المفصّل الذي إذا سمعه منْ أنصف لا يتأخّر عن الاعتراف به، واعتقاد صحّته، وأنه لا مفرّ عن القول به، فهذه الحيل التي ذكرها، لا نعتقد أحدًا ممن له علم بالكتاب والسنة
стр. 16592
يُجيزها، فإن عُثر عَلَى أن بعض أهل العلم قالوا بجوازها، فيُعتذر عنهم بما اعتذر به هو، وذلك أنهم جوّزوا نوعًا منها إجمالاً، ولو استُفصلوا بجميع لوازم المسألة، لبادروا بالإنكار، فضلاً عن القول بجوازها، وهذا هو الذي ندين الله تعالى به فِي حقّ علماء الإِسلام، فإن هذه الحيل هي التي دخل بها تحريف الأديان السابقة، فكان أحبارهم يحتالون فِي مخالفة ما فِي كتابهم، منْ التكاليف، فيجيزون للعوامّ ما هو حرام صرف، فيشترون بذلك عرض الدنيا الفانية، كما ذمّهم الله فِي كتابه العزيز، فَقَالَ : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٨٧ - (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلاً كَانَ فِي عُقْدَتِهِ ضَعْفٌ، كَانَ يُبَايِعُ، وَأَنَّ أَهْلَهُ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ احْجُرْ عَلَيْهِ، فَدَعَاهُ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ، فَنَهَاهُ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي لَا أَصْبِرُ عَنِ الْبَيْعِ، قَالَ: "إِذَا بِعْتَ، فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ) الْمَعْنيّ -بفتح الميم، وسكون المهملة- أبو يعقوب البصريّ، ثقة [١٠] ٢٥/ ١٧٨٣.
٢ - (عبد الأعلى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقة [٨] ٢٠/ ٣٨٦.
٣ - (سعيد) بن أبي عروبة مِهْران البصريّ، ثقة ثبت، لكنه يدلس، واختلط [٦] ٣٤/ ٣٨.
٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسيّ البصريّ، ثقة ثبت يدلس [٤] ٣٠/ ٣٤.
٥ - (أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين. (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر منْ مات منْ الصحابة بالبصرة، مات سنة (٢) أو (٩٣ هـ)، وَقَدْ جاوز المائة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَنَسٍ) رضي الله تعالى عنه (أَنَّ رَجُلاً) هو حَبّان بن منقذ بن عمرو الأنصاريّ
стр. 16593
-﵁، وقيل: والده منقذ ﵁، كما تقدّم فِي الْحَدِيث الماضي (كَانَ فِي عُقْدَتِهِ) -بضم العين، وفتح الدال المهملتين، بينهما قاف ساكنة-: أي فِي رأيه، ونظره فِي مصالح نفسه وعقله. وقيل: هي العقدة فِي اللسان لما فِي بعض الروايات منْ أنه أصابته مأمومة، فكسرت لسانه، حَتَّى كَانَ يقول: لا خيابة، بالياء، كما فِي "صحيح مسلم"، أو "لا خذابة" بالذال، كما عند غيره (ضَعْفٌ) بفتح الضاد المعجمة، وضمها، قرىء بهما فِي السبع، وَقَالَ الفيّوميّ: الضَّعف بفتح الضاد فِي لغة تميم، وبضمّها فِي لغة قريش: خلاف القوّة، والصحّة، فالمضموم مصدرُ ضَعُفَ، مثالُ قرُب قُرْبًا، والمفتوح مصدر ضَعَفَ ضَعْفًا، منْ باب قَتَلَ، ومنهم منْ يجعل المفتوح فِي الرأي، والمضموم فِي الجسد. انتهى (كَانَ يُبَايعُ) بالبناء للفاعل، أي يبيع للناس، ويشتري منهم، أو بالبناء للمفعول: أي يبيع له النَّاس، ويشترون منه (وَأَنَّ أَهْلَهُ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ الله احْجُرْ عَلَيهِ) بضم الجيم: أمر منْ الحجر، يقال: حجر عليه حَجْرًا، منْ باب قتل: إذا منعه منْ التصرّف، فهو محجور عليه، والفقهاء يحذفون الصلة؛ تخفيفًا لكثرة الاستعمال، ويقولون: محجورٌ، وهو سائغ. قاله الفيّوميّ (فَدَعَاهُ نَبِيُّ اللهِ ﷺ ، فَنَهَاهُ) أي منعه منْ التبايع مع النَّاس؛ لئلا يقع فِي الغبن (فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنِّي لَا أَصْبِرُ) بكسر الباء، منْ الصبر، وهو الحبس، والفعل منْ باب ضرب (عَنِ الْبَيْعِ) يعني أنه مُغرَم بحبّ البيع، فلا يقدر عَلَى حبس نفسه عنه (قَالَ) ﷺ (إِذَا بعْتَ، فَقُل: لَا خِلَابَةَ") أي لا خديعة، وفي رواية أبي داود: "إن كنت غير تارك للبيع، فقل: هاء، وهاء، ولا خلابة"، فقوله: "هاء" بالمدّ، وفتح الهمزة، وقيل: بالكسر، وقيل: بالسكون. قَالَ فِي "المجمع": هو أن يقول كلّ منْ المتبايعين: هاء، فيعطيه ما فِي يده، كحديث "إلا يداً بيد". وقيل: معناه: هاك، وهات: أي خذ، وأعط.
قَالَ فِي "النيل": اختلف العلماء فِي هَذَا الشرط، هل كَانَ خاصًا بهذا الرجل، أم يدخل فيه جميع منْ شرط هَذَا الشرط، فعند أحمد، ومالك فِي رواية عنه أنه يثبت الردّ لكل منْ شرط هَذَا الشرط، ويُثبتون الرد بالغبن لمن لم يعرف قيمة السلع. وأجيب بأن النبيّ ﷺ إنما جعل لهذا الرجل الخيار للضعف الذي كَانَ فِي عقله، كما فِي حديث أنس ﵁، فلا يُلحق به إلا منْ كَانَ مثله فِي ذلك بشرط أن يقول هذه المقالة، ولهذا روي أنه كَانَ إذا غُبن يشهد له رجل منْ الصحابة أن النبيّ ﷺ قد جعله بالخيار ثلاثاً، فيرجع فِي ذلك، وبهذا يتبيّن أنه لا يصحّ الاستدلال بمثل هذه القصّة عَلَى ثبوت الخيار لكلّ مغبون، وإن كَانَ صحيح العقل، ولا عَلَى ثبوت الخيار لمن كَانَ ضعيف العقل إذا غُبن، ولم يقل هذه المقالة، وهذا مذهب الجمهور، وهو الحقّ. انتهى ملخّصًا.
стр. 16594
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنّ ما ذهب إليه الإِمام أحمد ﵀ منْ إثبات خيار الغَبْنِ هو الأرجح، كما سيأتي قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أنس رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٢/ ٤٤٨٧ - وفي "الكبرى" ١١/ ٦٠٧٧. وأخرجه (د) فِي "البيوع" ٣٥٠٠ (ت) فِي "البيوع" ١٢٥٠ (ق) فِي "الأحكام" ٢٣٥٤.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم الخديعة فِي البيع، وهو التحريم. (ومنها): مشروعيّة خيار الغبن لمن كَانَ ضعيف العقل، فباع، أو اشترى، ثم ظهر الغبن له، وفيه خلاف بين العلماء، قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: واختلف العلماء فِي هَذَا الْحَدِيث، فجعله بعضهم خاصًا فِي حقّه، وأن المغابنة بين المتبايعين لازمة، ولا خيار للمغبون بسببها، سواء قلّت، أو كثُرت، وهذا مذهب الشافعيّ، وأبي حنيفة، وآخرين، وهي أصحّ الروايتين عن مالك، وَقَالَ البغداديّون منْ المالكيّة: للمغبون الخيار لهذا الْحَدِيث، بشرط أن يبلغ الغبن ثلث القيمة، فإن كَانَ دونه فلا، والصحيح الأول؛ لأنه لم يثبت أن النبيّ ﷺ أثبت له الخيار، وإنما قَالَ له: قل: "لا خلابة": أي لا خديعة، ولا يلزم منْ هَذَا ثبوت الخيار، ولأنه لو ثبت، أو أثبت له الخيار، كانت قضيّة عين، لا عموم لها، فلا ينفذ منه إلى غيره إلا بدليل. انتهى "شرح مسلم" ١٠/ ١٧١.
وَقَالَ ابن قُدامة رحمه الله تعالى فِي "المغني": ويثبت الخيار فِي البيع للغبن فِي مواضع: [أحدها]: تلقي الركبان، إذا تلقاهم، فاشترى منهم، وباعهم، وغبنهم. [الثاني]: بيع النجش، ويذكران فِي مواضعهما. [الثالث]: المسترسِل إذا غُبن غبنا يخرج عن العادة، فله الخيار بين الفسخ والإمضاء، وبهذا قَالَ مالك، وَقَالَ ابن أبي موسى: وَقَدْ قيل: قد لزمه البيع، وليس له فسخه، وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعي؛ لأن نقصان قيمة السلعة مع سلامتها، لا يمنع لزوم العقد، كبيع غير المسترسل، وكالغبن اليسير. ولنا أنه غبن حصل لجهله بالمبيع، فأثبت الخيار كالغبن فِي تلقي الركبان، فأما غير المسترسل، فإنه دخل عَلَى بصيرة بالغبن، فهو كالعالم بالعيب، وكذا لو استعجل، فجهل ما لو تثبت لعلمه، لم يكن له خيار؛ لأنه انبنى عَلَى تقصيره وتفريطه، والمسترسل: هو الجاهل بقيمة السلعة، ولا يُحسِن المبايعة، قَالَ أحمد:
стр. 16595
المسترسل: الذي لا يحسن أن يُماكِس، وفي لفظ: الذي لا يماكس، فكأنه استرسل إلى البائع، فأخذ ما أعطاه، منْ غير مماسكة، ولا معرفة بغبنه، فأما العالم بذلك، والذي لو توقف لعرف، إذا استعجل فِي الحال، فغُبِن فلا خيار لهما. ولا تحديد للغبن فِي المنصوص عن أحمد، وحَدَّه أبو بكر فِي "التنبيه"، وابن أبي موسى فِي "الإرشاد" بالثلث، وهو قول مالك؛ لأن الثلث كثير، بدليل قول النبيّ ﷺ : "والثلث كثير"، وقيل: بالسدس، وقيل: ما لا يتغابن النَّاس به فِي العادة؛ لأن ما لا يَرِدُ الشرع بتحديده، يُرجَع فيه إلى العرف. انتهى كلام ابن قدامة.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه أحمد رحمه الله تعالى منْ إثبات الخيار فِي الغبن للمسترسل هو الظاهر؛ لأن الشارع أثبت الخيار فِي مواضع كثيرة، منْ مواضع الغرر، مثل تلقّي الركبان، والمصرّاة، والنجش، وغيرها، فدلّ ذلك عَلَى أن ما كَانَ بمعناها مثلها فِي الحكم، وهو الغبن. والله تعالى أعلم.
(ومنها): مشروعيّة الحجر عَلَى السفيه، قَالَ الإِمام الترمذيّ رحمه الله تعالى بعد أن أخرج الْحَدِيث: والعمل عَلَى هَذَا الْحَدِيث عند بعض أهل العلم، وقالوا: الحجر عَلَى الرجل الحرّ فِي البيع والشراء، إذا كَانَ ضعيف العقل، وهو قول أحمد، وإسحاق، ولم ير بعضهم أن يُحجر عَلَى الحرّ البالغ. انتهى. وحجة الأولين هَذَا الْحَدِيث، ووجهه أن أهل ذلك الرجل لما طلبوا منه ﷺ الحجر عليه، لم ينكر عليهم، بل منعه منْ البيع، إلا أنه لمّا رأى أنه لا يترك ذلك، عَلَّمَهُ أن يقول: "لا خلابة". واحتجّ المانعون أيضاً بهذا الْحَدِيث، ووجهه أنه ﷺ لم يحجر عليه، فلو كَانَ الحجر جائزًا لحجر عليه. وتُعقّب بأنه حجر عليه، لكنه لما رأى أنه لا ينفع الحجر فيه، لكونه لا يترك البيع علّمه ما يرفع عنه الضرر، إن لحقه، كما مرّ آنفًا، والحاصل أن دلالة الْحَدِيث عَلَى ما قاله الأولون واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
١٣ - (الْمُحَفَّلَةُ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الْمُحَفَّلَةُ" بتشديد الفاء: اسم مفعول، منْ التحفيل: يقال: حَفَل اللبن وغيرُهُ، منْ باب ضرب، حَفْلاً،، وحُفُولاً: إذا اجتمع، وحفّلتُ الشاةَ
стр. 16596
بالتثقيل: إذا تركتَ حلبها حَتَّى اجتمع اللبن فِي ضرعها، فهي مُحفّلة، وكان الأصل: حفّلتُ لبن الشاة؛ لأنه هو المجموع، فهي مُحفّل لبنها. قاله الفيّوميّ.
وَقَالَ ابن الأثير رحمه الله تعالى: المحفّلة: الشاة، أو البقرة، أو الناقة، لا يَحلُبها صاحبها أيامًا، حَتَّى يجتمع لبنها فِي ضرعها، فإذا احتلبها المشتري حسبها غزيرة، فزاد فِي ثمنها، ثم يظهر له بعد ذلك نقص لبنها عن أيام تحفيلها، سُمّيت مُحفّلة؛ لأن اللبن حُفّل فِي ضرعها: أي جمع. انتهى "النهاية" ١/ ٤٠٨ - ٤٠٩.
والظاهر أن المصنّف رحمه الله تعالى يرى أن المحفّلة أعمّ منْ المصرّاة، حيث فسر المصرّاة فِي الباب التالي بأنها التي رُبط ضرعها حَتَّى يجتمع لبنها، فكلّ مصرّاة محفّلة، ولا عكس، ولكن المشهور أنهما بمعنى واحد، قَالَ فِي "اللسان": المحفّلة، والمصرّاة واحدة، وسُمّيت محفّلة؛ لأن اللبن حُفّل فِي ضرعها: أي جُمع، والتحفيل مثلُ التصرية، وهو أن لا تُحلب الشاة أيامًا ليجتمع اللبن فِي ضرعها للبيع، والشاة مُحفّلة، ومصرّاة، وأنشد الأزهريّ للْقَطَاميّ، يذكر إبلاً اشتدّ عليها حَفْلُ اللبن فِي ضروعها حَتَّى آذاها [منْ الطويل]:
ذَوَارِفُ عَيْنَيْهَا مِنَ الْحَفْلِ بِالضُّحَى … سُجُومٌ كَنَضَّاحِ الشِّنَانِ الْمُشَرَّبِ
وسيأتي معنى التصرية مستوفًى فِي الباب التالي، إن شاء اللهَ تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٤٨٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو كَثِيرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا بَاعَ أَحَدُكُمُ الشَّاةَ، أَوِ اللَّقْحَةَ، فَلَا يُحَفِّلْهَا").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبرَاهِيمَ) الحنظليّ المعروف بابن راهويه المروزيّ، ثم النيسابوريّ، ثقة ثبت إمام [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (عبد الرزاق) بن همام، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة مصنف مشهور، عمي بآخره، فتغير، وكان يتشيع [٩] ٦١/ ٧٧.
٣ - (معمر) بن راشد، أبو عروة اليمنيّ، بصري الأصل، ثقة ثبت [٧] ١٠/ ١٠.
٤ - (يحيى بن أبي كثير) الطائي مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقة ثبت، يدلس، ويرسل [٥] ٢٣/ ٢٤.
٥ - (أبو كثير السُّحَيميّ) -بمهملتين، مصغّرًا- الْغُبَريّ -بضم المعجمة، وفتح الموحّدة- اليماميّ الأعمى، قيل: هو يزيد بن عبد الرحمن الضرير، وقيل: عبد الله بن
стр. 16597
أُذَينة، أو ابن غُفَيلة -بمعجمة، وفاء، مصغّرًا- قَالَ أبو عوانة الإسفراينيّ: إنه أصحّ منْ أُذينة، ثقة [٣].
روى عن أبيه، وأبي هريرة، وعنه ابنه زُفر، ويحيى بن أبي كثير، وعكرمة بن عمار، وغيرهم. قَالَ أبو حاتم، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وفرّق بين يزيد بن أذينة، وبين يزيد بن غُفيلة الشاميّ. روى له البخاريّ فِي "الأدب المفرد"، والباقون، أخرج له المصنّف فِي أربعة مواضع منْ هَذَا الكتاب: هَذَا، وفي "كتاب الأشربة" ١٧/ ٥٥٧٢ حديث أبي هريرة ﵁:"نهى رسول الله ﷺ أن يُخلط البسر" الْحَدِيث، و١٩/ ٥٥٧٤ - حديثه: "الخمر منْ هاتين" الْحَدِيث، و٥٥٧٥ - حديثه: "الخمر منْ هاتين الشجرتين: النخلة، والعنبة".
٦ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ منْ المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِير) أنه (قالَ: حَدَّثَنِي أَبُو كَثِير) السُّحيميّ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا بَاعَ) أي إذا أراد أن مع (أَحَدُكُمُ الشَّاةَ، أَوِ اللَّقْحَةَ) بفتح اللام، وكسرها، وسكون القاف: الناقة القريبة العهد بالنتاج، وفي "الصحاح": اللِّقْحَة، كالْقِرْبة، والجمع لِقَح، كقِرَب. وَقَالَ الفيّوميّ: اللقحة بالكسر: الناقة ذات لبن، والفتح لغةٌ، والجمع لِقَحٌ، مثل سدرةٍ، وسِدَر، أو مثلُ قَصْعَة، وقِصَعٍ، واللقوح بفتح اللام، مثل اللقحة، والجمع لِقَاح، مثل قَلُوص وقِلَاص. وقال ثعلب: اللقاح جمع لِقْحَة، وان شئت لَقُوحٌ، وهي التي نُتِجت، فهي لَقُوحُ شهرين، أو ثلاثة، ثم هي لَبُونٌ بعد ذلك. انتهى (فلَا يُحَفِّلْهَا) بضمّ أوله، وتشديد الفاء، منْ التحفيل: أي فلا يحبس لبنها فِي الضرع؛ ليخدع بها المشتري. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا ١٣/ ٤٤٨٨ - وفي "الكبرى" ١٢/ ٦٠٧٨. وأخرجه (أحمد) فِي "مسند المكثرين" ٧٦٤٢. والمسائل المتعلّقة به ستأتي فِي الباب
стр. 16598
التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
١٤ - (النَّهْي عَنِ الْمُصَرَّاةِ، وَهُوَ أَنْ يَرْبِطَ أَخْلَافَ النَّاقَةِ، أَوِ الشَّاةِ، وَتُتْرَكُ مِنَ الْحَلْبِ، يَوْمَيْنِ، وَالثَّلَاثَةَ، حَتَّى يَجْتَمِعَ لَهَا لَبَنٌ، فَيَزِيدَ مُشْتَرِيهَا؛ فِي قِيمَتِهَا؛ لِمَا يَرَى مِنْ كَثْرَةِ لَبَنِهَا)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "النهي عن المصرّاة" -بصيغة اسم المفعول، وظاهر كلام المصنّف رحمه الله تعالى أنه أراد به التصرية، فيكون مصدرًا ميميًا لـ"صَرَّى"، وليس اسم مفعول صفة للشاة، أو نحوها، وذلك لأنه فسّره بقوله: "وهو أن يربط الخ"، فلو أراد كونه اسم مفعول لقال: وهي الشاة، أو الناقة المربوطة أخلافها، وأيضاً فإن الإخبار به عن قوله: "النهي" لا يصلح؛ لأن اسم الذات لا يكون خبرًا عن اسم المعنى، إلا بتأويل، كأن يقال هنا: "النهي عن بيع المصرّاة، أو نحو ذلك، وهو لا يتناسب مع تفسير المصنّف.
ولفظ "الكبرى": "النهي عن التصرية"، وهو واضح، وتذكير الضمير فِي قوله: "وهو" أن يربط باعتبار الخبر".
وقوله: "أن يربط" بالبناء للمفعول، و"أخلاف الناقة" نائب فاعله، و"الأخلاف" -بفتح الهمزة: جمع خِلْف، بكسر، فسكون، مثل حِمْل وأَحْمَال، وهو لذوات الخفّ كالثدي للإنسان، وقيل: الحِلْف: طرف الضرع.
وقوله: "أن تُترك" بالبناء للمفعول أيضاً. وقوله: "يومين، والثلاثة" بالنصب عَلَى الظرفيّة، متعلّق بـ"تترك". وقوله: "لما يرى" بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير المشتري، ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول، والأول أولى.
ثم إن تفسير المصنّف رحمه الله تعالى للمصرّاة بربط الأخلاف هو التفسير المنقول عن الإِمام الشافعيّ رحمه الله تعالى، قَالَ الخطّابيّ رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم، واللغة فِي تفسير المصرّاة، ومن أين أُخذت، واشتُقّت؟، فَقَالَ الشافعيّ رحمه
стр. 16599
الله تعالى: التصرية: أن تربط أخلاف الناقة، أو الشاة، ويُترك حلبها اليومين، والثلاثة، حَتَّى يجتمع لها لبن، فيراه مشتريها كثيرًا، ويزيد فِي ثمنها؛ لما يرى منْ كثرة لبنها، فإذا حلبها بعد تلك الحلبة حلبةً، أو اثنتين عَرَف أن ذلك ليس بلبنها، وهذا غرور للمشتري. وَقَالَ أبو عبيد: "المصرّاة": الناقة، أو الشاة التي قد صُرّي اللبن فِي ضرعها: يعني حُقِن فيه، وجُمع أيامًا، فلم يُحلب، وأصل التصرية: حبس الماء، وجمعه، يقال منه: صَرَيتُ الماءَ، ويقال: إنما سُمّيت المُصَرَّاة، كأنها مياه اجتمعت، قَالَ أبو عبيد: ولو كَانَ منْ الربط، لكانت مصرورةً، أو مصرّرة. قَالَ الخطّابيّ: كأنه يريد به ردًّا عَلَى الشافعيّ، قَالَ: قول أبي عبيد حسنٌ، وقول الشافعيّ صحيح، قَالَ: والعرب تصُرّ ضروع الحلوبات، إذا أرسلتها تَسرح، ويسمّون ذلك الرباط صِرَارًا، فإذا راحت حُلّت تلك الأصرّة، وحُلبت، وهذا حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁: أن رسول الله ﷺ قَالَ: "لا يحلّ لرجل يؤمن بالله، واليوم الآخر أن يحُلّ صِرَارَ ناقة بغير إذن صاحبها، فإنه خاتم أهلها عليها" (١)، ومن هَذَا قول عنترة: العبد لا يُحسن الكرّ، إنما يُحسن الحلب والصرّ، وبقول مالك بن نُويرة، وكان بنو يربوع جمعوا صدقاتهم ليوجّهوها إلى أبي بكر ﵁، فمنعهم منْ ذلك، وردّ عَلَى كلّ رجل منهم صدقته، وَقَالَ: أنا جنة لكم مما تكرهون، وَقَالَ [منْ الطويل]:
وَقُلْتُ خُذُوهَا هَذِهِ صَدَقَاتُكُمْ … مُصَرَّرَةٌ أَخْلَافُهَا لَمْ تُجَرَّدِ
سَأَجْعَلُ نَفْسِي دُونَ مَا تجِدُونَهُ … وَأَرْهَنُكُمْ يَوْمًا بِمَا قُلْتُهُ يَدِي
قَالَ: ويحتمل أن تكون المصرّاة أصله المصرورة، أُبدلت إحدى الراءين ياءً، كقولهم: تقضّى الباز، وأصله تقضضَ، كرهوا اجتماع ثلاثة أحرف منْ جنس واحد فِي كلمة واحدة، فأبدلوا حرفًا منها بحرف آخر، ليس منْ جنسها. قَالَ العجاج [منْ مشطور الرجز]:
تَقَضِّيَ الْبَازِي إِذَا الْبَازِ كَسَرْ
ومن هَذَا الباب قول الله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠]: أي أخملها بمنع الخير، وأصله منْ دسسها، ومثل هَذَا فِي الكلام كثير. انتهى كلام الخطابيّ "معالم السنن" ٥/ ٨٤ - ٨٦.
وَقَالَ ابن الأثير رحمه الله تعالى: "المصرّاة": الناقة، أو البقرة، أو الشاة، يُصَرَّى اللبن فِي ضرعها: أي يُجمع، ويُحبس. قَالَ الأزهريّ: ذكر الشافعيّ ﵁ المصرّاة، وفسّرها أنها التي تُصرّ أخلافها، ولا تُحلب أيامًا، حَتَّى يجتمع اللبن فِي ضرعها، فإذا حلبها المشتري استغزرها. وَقَالَ الأزهريّ: جائز أن تكون سُمّيت مصرّاة منْ صرّ
стр. 16600
أخلافها، كما ذكر، إلا أنهم لما اجتمع لهم فِي الكلمة ثلاث راآت قُلبت أحداها ياء، كما قالوا: تظنّيت فِي تظنّنت، ومثله تقضى البازي فِي تقضّض، وتَصَدَّى فِي تصدّد، وكثير منْ أمثال ذلك، أبدلوا منْ أحد الأحرف المكرّرة ياء، كراهية لاجتماع الأمثال، قَالَ: وجائز أن تكون سُمّيت مصرّاة منْ الصَّرْيِ، وهو الجمع، كما سبق، وإليه ذهب الأكثر. انتهى "النهاية" ٣/ ٢٧.
وَقَالَ ابن قُدامة فِي "المغني" ٦/ ٢١٥ - : التصرية: جمع اللبن فِي الضرع، يقال: صَرَّى الشاة، وصَرَى اللبن فِي ضرع الشاة، بالتشديد، والتخفيف، ويقال: صَرَى الماءَ فِي الحوض، وصَرَى الطعامَ فِي فيه، وصَرَى الماءَ فِي ظهره: إذا ترك الجماع، وأنشده أبو عبيد [منْ الرجز]:
رَأَتْ غُلَامًا قَدْ صَرَى فِي فِقْرَتِهْ … مَاءَ الشَّبَابِ عُنْفُوَانَ شِرَّتِه
وماء صَرى، وصَرِ: إذا طال استنقاعه. قَالَ البخاريّ: أصل التصرية: حبس الماء، يقال: صَرَّيتُ الماءَ، ويقال للمصراة: الْمُحَفَّلة، وهو منْ الجمع ايضا، ومنه سُمّيت مجامع النَّاس محافل، والتصرية حرام، إذا أراد بذلك التدليس عَلَى المشتري؛ لقول النبيّ ﷺ : "لا تُصَرُّوا"، وقوله: "منْ غَشّنا فليس منا"، وروى ابن ماجه فِي "سننه"، عن النبيّ ﷺ ، أنه قَالَ: "بيع المحفّلات خِلابة، ولا تحل الخلابة لمسلم"، ورواه ابن عبد البرّ: "ولا يحل خِلابة لمسلم". انتهى "المغني" ٦/ ٢١٥ - ٢١٦. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٤٨٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "لَا تَلَقُّوا الرُّكْبَانَ لِلْبَيْعِ، وَلَا تُصَرُّوا الإِبِلَ، وَالْغَنَمَ، مَنِ ابْتَاعَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، فَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَرُدَّهَا رَدَّهَا، وَمَعَهَا صَاعُ تَمْرٍ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن منصور) الجوّاز المكيّ، ثقة [١٠] ٢٠/ ٢١. منْ أفراد الصنف.
٢ - (سفيان) بن عيينة الإِمام الحجة الثبت المكيّ [٨] ١/ ١.
٣ - (أبو الزناد) عبد الله بن ذكران المدنيّ، ثقة ثبت [٥] ٧/ ٧.
٤ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هُرْمُز المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ٧/ ٧.
٥ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
стр. 16601
رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المكيين، والمدنيين، فشيخه، وسفيان مكيّان، والباقون مدنيّون. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. (ومنها): أنه منْ أصحّ أسانيد أبي هريرة ﵁، كما سبق قريباً، وفيه أبو هريرة ﵁ أحفظ منْ روى الْحَدِيث فِي دهره. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قالَ: "لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ لِلْبَيْعِ) منْ التلقي: أي لا تستقبلوا القافلة الجالبة للطعام قبل أن يَقْدَمُوا الأسواق، وسيعقد المصنّف رحمه الله تعالى لهذا بابًا مستقلاً بعد ثلاثة أبواب، ويأتي تمام البحث فيه هناك، إن شاء الله تعالى (وَلَا تُصَرُّوا) -بضم أوله، وفتح ثانيه، بوزن تُزَكُوا، يقال: صَرَّى يُصَرِّى تَصْرِيَةً، كزَكَّى يزكى تزكية، و"الإبل" بالنصب عَلَى المفعولية، وقيده بعضهم -بفتح أوله، وضم ثانيه- والأول أصح؛ لأنه منْ صَرَّيتُ اللبن فِي الضرع: إذا جمعته، وليس منْ صَرَرتُ الشيءَ: إذا ربطته، إذ لو كَانَ منه، لقيل: مصرورة، أو مُصَرَّرَة، ولم يُقَل: مُصَرّاة، عَلَى أنه قد سمع الأمران فِي كلام العرب، قَالَ الأغلب العجليّ [منْ الرجز]:
رَأَتْ غُلَامًا قَدْ صَرَى فِي فِقْرَتِه … مَاءَ الشَّبَابِ عُنْفُوَانَ شِرَّتِهْ
وَقَالَ مالك بن نويرة [منْ الطويل]:
فَقُلْتُ لِقَوْمِي (١) هَذِهِ صَدَقَاتُكُمْ … مُصَرَّرَةً أَخْلَافُهَا لمْ تُجَرَّدِ
وضبطه بعضهم بضم أوله، وفتح ثانيه، لكن بغير واو، عَلَى البناء للمجهول، والمشهور الأول. قاله فِي "الفتح".
(الإِبِلَ، وَالْغَنَمَ) لم يذكر البقر؛ لغلبتهما عندهم، وإلا فحكمها كحكمهما سواء، خلافًا لداود الظاهريّ، قاله فِي "الفتح". وَقَالَ وليّ الدين: الظاهر أن ذكر الغنم والإبل، دون غيرهما خرج مخرج الغالب فيما كانت العرب تصرّيه، وتبيعه، تدليساً، وغشًا، فإن البقر قليل ببلادهم، وغير الأنعام لا يُقصد لبنها غالبًا، فلم يكونوا يُصَرُّون غير الإبل والغنم، وما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له، كيف وهو مفهوم لقب، وليس حجةً عند الجمهور. وروى الترمذيّ، منْ رواية محمد بن زياد، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "منْ اشترى مُصَرّاةً"، وهو يتناول كلّ مصرّاة، لكن فِي "صحيح مسلم"،
стр. 16602
وغيره منْ رواية محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁: "منْ اشترى شاةً مصرّاةً"، فصرّح بذكر الموصوف، وَقَدْ صرّح الشافعيّة بأن تحريم التصرية عامّ فِي كلّ مصرّاة، سواء فِي ذلك الأنعام، وغيرها، مما هو مأكول اللحم، وغير مأكول اللحم مما يحلّ بيعه، وأما ثبوت الخيار، وردّ الصاع فسيأتي ذكره بعد هَذَا، إن شاء الله تعالى. انتهى "طرح التثريب" ٦/ ٧٧ - ٧٨.
[تنبيه]: قَالَ فِي "الفتح": وظاهر النهى تحريم التصرية، سواء قصد التدليس، أم لا، وفي رواية البخاريّ فِي "الشروط"، منْ طريق أبي حازم، عن أبي هريرة: "نهى عن التصرية"، وبهذا جزم بعض الشافعية، وعلَّله بما فيه منْ إيذاء الحيوان، لكن أخرج النسائيّ، حديث الباب منْ طريق سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، بلفظ: "لا تُصَرُّوا الإبلَ، والغنم للبيع"، وله منْ طريق أبي كثير السُّحَيمي، عن أبي هريرة: "إذا باع أحدكم الشاة، أو اللِّقْحَة، فلا يُحَفِّلْهَا"، وهذا هو الراجح، وعليه يدل تعليل الأكثر بالتدليس، ويجاب عن التعليل بالإيذاء، بأنه ضرر يسير، لا يستمر، فيُغتَفَر؛ لتحصيل المنفعة. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عزوه الْحَدِيث الأول إلى النسائي خطأ، فإنه ليس فِي نسخ "المجتبى"، ولا "الكبرى" زيادة لفظة "للبيع" هنا أصلاً، وإنما هي فِي قوله: "لا تلقوا الركبان للبيع"، وإنما هذه الزيادة فِي رواية المزنيّ، عن الشافعيّ، عن سفيان بن عيينة، أوردها البيهقيّ فِي "المعرفة" ٤/ ٣٥٤ رقم ٣٤٧٠ - و٣٤٧١. نبّه عَلَى ذلك الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى، وعبارته فِي "الطرح" ٦/ ٧٧ - : فيه تحريم التصرية، وظاهره أنه لا فرق بين أن يفعل ذلك للبيع، أو غيره، وهو ظاهر إطلاق الرافعيّ، والنوويّ، وغيرهما، لكنّهما علّلاه بما فيه منْ التدليس، وذلك يقتضي اختصاصه بما إذا فعل ذلك لأجل البيع، وصرّح المتولّي فِي "التّتمّة" بتحريم التصرية مطلقًا للبيع وغيره، وعلّله بما فيه منْ إيذاء الحيوان، لكن روى المزنيّ، عن الشافعيّ، عن سفيان، ومالك، كلاهما عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "لا تصرّوا الإبل، والغنم للبيع"، ورواه البيهقيّ فِي "المعرفة" منْ طريقه، وهذا يقتضي اختصاص التحريم بحالة البيع، فلو حفّلها، وجمع لبنها لولدها، أو لضيف، يَقدَم عليه لم يحرُم، ويُجاب عن التأذي بأنه يسير، لا يحصل منه ضرر مستمرٌ، فيُغتفر؛ لأجل تحصيل المصلحة المتعلّقة به، كما يُغتفر تأذّي الدّابّة فِي الركوب والحمل، حيث لا يكون فيه ضرر، ومحظور. انتهى كلام وليّ الدين.
(مَنِ ابْتَاعَ منْ ذَلِكَ شَيْئًا) أي منْ اشترى شيئًا منْ مصرّاة الإبل، أو الغنم. وفي رواية
стр. 16603
البخاريّ: "فمن ابتاعها بعدُ"، أي منْ اشتراها بعد التحفيل.
وفي رواية محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ الآتية بعد حديث: "منْ ابتاع محفّلة، أو مصرّاة، فهو بالخيار ثلاثة أيام"، والصحيح أن ابتداء هذه المدة، منْ وقت بيان التصرية، وهو قول الحنابلة، وعند الشافعية: أنها منْ حين العقد، وقيل: منْ التفرق، ويلزم عليه أن يكون الغرر أوسع منْ الثلاث، فِي بعض الصور، وهو ما إذا تأخر ظهور التصرية، إلى آخر الثلاث، ويلزم عليه أيضاً أن تُحسَب المدة قبل التمكن منْ الفسخِ، وذلك يُفَوِّت مقصود التوسع بالمدة.
(فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ) أي أحسن الرأيين، وفي رواية موسى بن يسار، عن أبي هريرة التالية: "فإن رضيها إذا حلبها، فليمسكها". وظاهره، أن الخيار لا يثبت، إلا بعد الحلب، والجمهور عَلَى أنه إذا علم بالتصرية، ثبت له الخيار، ولو لم يَحلُب، لكن لما كانت التصرية، لا تعرف غالبا إلا بعد الحلب، ذُكِر قيدًا فِي ثبوت الخيار، فلو ظهرت التصرية بغير الحلب، فالخيار ثابت. قاله فِي "الفتح". ثم بين النظرين بقوله (فَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا) وفي رواية ابن يسار المذكورة: "فإن رضيها إذا حلبها فليُمسكها": أي ليبقها عَلَى ملكه، وهو يقتضى صحة بيع المصراة، وإثبات الخيار للمشترى، فلو اطلع عَلَى عيب، بعد رضاه بالتصرية، فردها، هل يلزم الصاع؟ فيه خلاف، والأصح عند الشافعية وجوب الرد، ونقلوا نص الشافعيّ عَلَى أنه لا يرد، وعند المالكية قولان.
(وَإِنْ شَاءَ أن يَرُدَّهَا رَدَّهَا) وفي رواية مالك: "وإن سَخِطها ردها"، وظاهره اشتراط الفور، وقياسا عَلَى سائر العيوب، لكن الرواية التي فيها: أن له الخيار ثلاثة أيام، مقدمة عَلَى هَذَا الإطلاق، ونقل أبو حامد، والروياني، فيه نص الشافعيّ، وهو قول الأكثر، وأجاب منْ صحح الأول، بان هذه الرواية، محمولة عَلَى ما إذا لم يَعلَم أنها مصراة، إلا فِي الثلاث؛ لكون الغالب أنها لا تُعلَم فيما دون ذلك، قَالَ ابن دقيق العيد: والثاني أرجح؛ لأن حكم التصرية، قد خالف القياس فِي أصل الحكم؛ لأجل النص، فيطرد ذلك، ويتبع فِي جميع موارده.
قَالَ الحافظ: ويؤيده أن فِي بعض روايات أحمد، والطحاوي، منْ طريق ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁: "فهو بأحد النظرين، بالخيار إلى أن يحوزها، أو يردها"، وسيأتي. انتهى.
(وَمَعَهَا صَاعُ تَمْرٍ) جملة فِي محلّ نصب عَلَى الحال منْ المفعول .. وفي رواية البخاريّ: "وصاع تمر"، وفي رواية مالك: "وصاعا منْ تمر"، قَالَ فِي "الفتح": والواو عاطفة للصّاع عَلَى الضمير فِي "ردها"، ويجوز أن تكون الواو بمعنى "مع"، ويستفاد منه
стр. 16604
فورية الصاع مع الرد، ويجوز أن يكون مفعولا معه، ويَعكُر عليه قول جمهور النحاة: إن شرط المفعول معه أن يكون فاعلا.
[فإن قيل]: التعبير بالرد فِي المصراة واضح، فما معنى التعبير بالرد فِي الصالح؟.
[فالجواب]: أنه مثل قول الشاعر:
عَلَفتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا
أي علفتها تبنا، وسقيتها ماء باردا، أو يُجعَل "علفتها" مجازا عن فعل شامل للأمرين: أي ناولتها، فيُحمل الرد فِي الْحَدِيث عَلَى نحو هَذَا التأويل.
واستُدِلّ به عَلَى وجوب رد الصاع مع الشاة، إذا اختار فسخ البيع، فلو كَانَ اللبن باقيا، ولم يتغير، فأراد رده، هل يلزم البائع قبوله، فيه وجهان: أصحهما لا؛ لذهاب طراوته، ولاختلاطه بما تجدد عند المبتاع. والتنصيص عَلَى التمر، يقتضى تعيينه كما سيأتي.
[تنبيه]: أشار الإِمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه" إلى أنه اختُلف فِي قوله. "وصاعا منْ تمر"، فرواه بعضهم: "وصاعًا منْ طعام"، فَقَالَ بعد إيراد هَذَا الْحَدِيث منْ طريق جعفر بن ربيعة، عن الأعرج: ما نصه: ويُذكر عن أبي صالح، ومجاهد، والوليد بن رَبَاح، وموسى بن يسار، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ : "صاع تمر". وَقَالَ بعضهم، عن ابن سيرين: "صاعا منْ طعام، وهو بالخيار ثلاثاً"، وَقَالَ بعضهم عن ابن سيرين: "صاعاً منْ تمر"، ولم يذكر "ثلاثاً"، والتمر أكثر. انتهى.
وَقَدْ بيّن ما أشار إليه الحافظ فِي "الفتح"، فَقَالَ: قوله: "ويذكر عن أبي صالح، ومجاهد، والوليد بن رباح، وموسى بن يسار الخ": يعني أن أبا صالح، ومن بعده وقع فِي رواياتهم، تعيين التمر:
فأما رواية أبي صالح، فوصلها أحمد، ومسلم، منْ طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، بلفظ: "منْ ابتاع شاة مصراة، فهو فيها بالخيار، ثلاثة أيام، فإن شاء أمسكها، وإن شاء ردّها، ورد معها صاعا منْ تمر".
وأما رواية مجاهد، فوصلها البزار، قَالَ مغلطاي: لم أرها إلا عنده، قَالَ الحافظ: قد وصلها أيضاً الطبراني فِي "الأوسط" منْ طريق محمد بن مسلم الطائفي، عن ابن أبي نجيح، والدارقطنيُّ منْ طريق الليث بن أبي سليم، كلاهما عن مجاهد، وأولُ رواية ليث: "لا تبيعوا المصراة، منْ الإبل، والغنم" الْحَدِيث، وليث ضعيف، وفي محمد بن مسلم أيضاً لين.
وأما رواية الوليد بن رباح، وهو -بفتح الراء، وبالموحدة-، فوصلها أحمد بن
стр. 16605
منيع، فِي "مسنده" بلفظ: "منْ اشترى مصراة، فليرد معها صاعا منْ تمر".
وأما رواية موسى بن يسار، وهو -بالتحتانية، والمهملة- فوصلها مسلم بلفظ: "منْ اشترى شاة مصراة، فلينقلب بها، فليحلبها، فإن رضي بها أمسكها، وإلا ردها، ومعها صاع منْ تمر"، وسياقه يقتضي الفورية.
وقوله: "وَقَالَ بعضهم، عن ابن سيرين: "صاعا منْ طعام، وهو بالخيار ثلاثاً"، وَقَالَ بعضهم، عن ابن سيرين: "صاعا منْ تمر"، ولم يذكر "ثلاثاً".
أما رواية منْ رواه بلفظ "الطعام"، و"الثلاث"، فوصلها مسلم، والترمذي، منْ طريق قُرَّة بن خالد، عنه، بلفظ: "منْ اشترى مصراة، فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردها، رد معها صاعا منْ طعام، لا سمراء"، وأخرجه أبو داود، منْ طريق حماد بن سلمة، عن هشام، وحبيب، وأيوب، عن ابن سيرين نحوه.
وأما رواية منْ رواه بلفظ التمر، دون ذكر الثلاث، فوصلها أحمد، منْ طريق معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، بلفظ: "منْ اشترى شاة مصراة، فإنه يحلبها، فإن رضيها أخذها، وإلا ردّها ورد معها صاعا منْ تمر"، وَقَدْ رواه سفيان، عن أيوب، فذكر الثلاث، أخرجه مسلم منْ طريقه، بلفظ: "منْ اشترى شاة مصراه، فهو بخير النظرين، ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها، وصاعا منْ تمر، لا سمراء".
قَالَ الجامع: ورواية سفيان هذه هي الآتية للنسائيّ بعد حديث، بنحوها.
قَالَ: ورواه بعضهم عن ابن سيرين بذكر الطعام، ولم يقل: ثلاثاً، أخرجه أحمد، والطحاوي، منْ طريق عون (١)، عن ابن سيرين، وخِلاس بن عمرو، كلاهما عن أبي هريرة، بلفظ: "منْ اشترى لِقحة مصراة، أو شاة مصراة، فحلبها، فهو بأحد النظرين، بالخيار إلى أن يحوزها، أو يردها، وإناء منْ طعام".
قَالَ الحافظ: فحصلنا عن ابن سيرين عَلَى أربع روايات، ذكر التمر والثلاث، وذكر التمر، بدون الثلاث، والطعام بدل التمر كذلك.
والذي يظهر فِي الجمع بينها، أن منْ زاد الثلاث، معه زيادة علم، وهو حافظ، ويحمل الأمر فيمن لم يذكرها، عَلَى أنه لم يحفظها، أو اختصرها، وتحمل الرواية التي فيها الطعام عَلَى التمر، وَقَدْ روى الطحاوي، منْ طريق أيوب، عن ابن سيرين أن المراد بالسمراء الحنطة الشامية. وروى ابن أبي شيبة، وأبو عوانة منْ طريق هشام بن حسان، عن ابن سيرين: "لا سمراء" يعني الحنطة. وروى ابن المنذر منْ طريق ابن عون، عن
стр. 16606
ابن سيرين، أنه سمع أبا هريرة، يقول: "لا سمراء" تمر ليس ببر. فهذه الروايات تبين أن المراد بالطعام التمر، ولما كَانَ المتبادر إلى الذهن، أن المراد بالطعام القمح، نفاه بقوله: "لا سمراء"، لكن يعكُر عَلَى هَذَا الجمع، ما رواه البزار، منْ طريق أشعث بن عبد الملك، عن ابن سيرين، بلفظ: "إن ردها ردها، ومعها صاع منْ بر، لا سمراء"، وهذا يقتضي أن المنفي فِي قوله: "لا سمراء"، حنطة مخصوصة، وهي الحنطة الشامية، فيكون المثبت قوله: "منْ طعام": أي منْ قمح.
ويحتمل أن يكون راويه رواه بالمعنى، الذي ظنه مساويا، وذلك أن المتبادر منْ الطعام البر، فظن الراوي أنه البر، فعبر به، وإنما أطلق لفظ الطعام عَلَى التمر؛ لأنه كَانَ غالب قوت أهل المدينة، فهذا طريق الجمع، بين مختلف الروايات، عن ابن سيرين فِي ذلك، لكن يعكُر عَلَى هَذَا، ما رواه أحمد، بإسناد صحيح، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن رجل منْ الصحابة، نحو حديث الباب، وفيه: "فإن ردها رد معها صاعا منْ طعام، أو صاعا منْ تمر"، فإن ظاهره يقتضي التخيير، بين التمر والطعام، وأن الطعام غير التمر.
ويحتمل أن تكون "أو" شكا منْ الراوي، لا تخييرا، وإذا وقع الاحتمال فِي هذه الروايات، لم يصح الاستدلال بشيء منها، فَيُرجَع إلى الروايات التي لم يختلف فيها، وهي التمر، فهي الراجحة، كما أشار إليه البخاريّ.
وأما ما أخرجه أبو داود، منْ حديث ابن عمر، بلفظ: "إن ردها رد معها مثل، أو مثلي لبنها قمحا"، ففي إسناده ضعف، وَقَدْ قَالَ ابن قدامة: إنه متروك الظاهر بالاتفاق.
وقوله: "والتمر أكثر": أي أن الروايات الناصة عَلَى التمر أكثر عددا، منْ الروايات التي لم تنص عليه، أو أبدلته بذكر الطعام، فقد رواه بذكر التمر غير منْ تقدم ذكره، ثابت بن عياض عند البخاريّ، وهمام بن منبه عند مسلم، وعكرمة، وأبو إسحاق عند الطحاوي، ومحمد بن زياد، عند الترمذي، والشعبي عند أحمد، وابن خزيمة، كلهم عن أبي هريرة ﵁. وأما رواية منْ رواه بذكر الإناء، فيفسرها رواية منْ رواه بذكر الصاع، وَقَدْ تقدم ضبطه فِي الزكاة. انتهى "الفتح" ٥/ ١٠٠ - ١٠١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
стр. 16607
أخرجه هنا -١٤/ ٤٤٨٩ و٤٤٩٠ و٤٤٩١ و١٦/ ٤٤٩٣ - وفي "الكبرى" ١٣/ ٦٠٧٩ و٦٠٨٠ و١٥/ ٦٠٨٢. وأخرجه (خ) فِي "البيوع" ٢١٤٨ و٢١٥٠ و٢١٥١ (م) فِي "البيوع" ٣٨٠٩ و٣٨١٠ و٣٨١١ و٣٨١٢ و٣٨١٣ و٣٨١٤ (د) فِي "البيوع" ٣٤٤٣ و٣٤٤٤ و٣٤٤٥ و٣٤٤٦ (ت) فِي "البيوع" ١٢٢٢ و١٣٠٤ (ق) فِي "التجارات" ٢١٧٢ و٢١٧٤ و٢١٧٥ (أحمد) فِي "مسند المكثرين" ٧٢٠٧ و٧٢٧٠ و٧٤٠٦ و٧٦٤١ (الموطأ) فِي "البيوع" ١٣٩١. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان النهي عن التصرية، وأنه محرم، وأن منْ اشترى مصرّاة، فله الخيار بعد حلبها بين إمساكها، وردّها مع صاع تمر. (ومنها): ما قاله الحافظ ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: هَذَا الْحَدِيث أصل فِي النهى عن الغشّ، وأصل فِي ثبوت الخيار لمن دُلس عليه بعيب، وأصل فِي أنه لا يَفسُد أصل البيع، وأصل فِي أن مدة الخيار ثلاثة أيام، وأصل فِي تحريم التصرية، وثبوت الخيار بها انتهى. وَقَدْ روى أحمد، وابن ماجه عن ابن مسعود ﵁ مرفوعا: "بيع المحفلات خِلابة، ولا تحل الخلابة لمسلم"، وفي إسناده ضعيف. وَقَدْ رواه ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، موقوفاً، بإسناد صحيح. وروى ابن أبي شيبة، منْ طريق قيس بن أبي حازم، قَالَ: كَانَ يقال: التصرية خِلابة، وإسناده صحيح. قاله فِي "الفتح" ٥/ ١٠٥.
(ومنها): أن بيع المصرّاة صحيحٌ؛ لقوله ﷺ : "إن رضيها أمسكها"، وهو مجمع عليه، وأنه يثبت للمشتري الخيار، إذا علم بالتصرية، وبه قَالَ الجمهور، وخالف فيه أبو حنيفة، فَقَالَ: لا يردّها، بل يرجع بنقصان العيب، وسيأتي الردّ عليه.
(ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: إن العقد المنهي عنه المحرّم، إذا كَانَ لأجل الآدميّ، لم يدلّ عَلَى الفساد، ولا يُفسخ به العقد، ألا ترى أن التصرية غش، محرّم، ثم إن النبيّ ﷺ لم يفسخ به العقد، لكن جعل للمشتري الخيار. انتهى "المفهم" ٤/ ٣٧٢.
(ومنها): ما قاله أيضاً: إن الغرر بالفعل معتبر شرعًا؛ لأنه صار كالتصريح باشتراط نفي العيب، ولا يختلف فِي الغرر الفعليّ، وإنما اختُلف فِي الغرر بالقول، هل هو معتبر، أم لا؟، فيه قولان.
[فرع]: لو كَانَ الضرع كثير اللحم، فظنه المشتري لبنًا، لم يجب له الخيار؛ إذ لا غرور، ولا تدليس، لا بالفعل، ولا بالقول. انتهى "المفهم". ٤/ ٣٧٢.
(ومنها): أن التصرية عيب يوجب الخيار، وهو حجة عَلَى أبي حنيفة، ومحمد بن
стр. 16608
الحسن، حيث قالا: إن التصرية ليست بعيب، ولا توجب خيارًا، وَقَدْ روي عن أبي خيفة أنها عيب توجب الأرش، وَقَالَ زفر منْ أصحابه: يردّ صاعاً منْ تمر، أو نصف صاع منْ برّ. قاله فِي "المفهم" ٤/ ٣٧٣.
(ومنها): أن بيع الخيار موضوعٌ لتمام البيع، واستقراره، لا للفسخ، وهو أحد القولين عند المالكية. وقيل: هو موضوع للفسخ. قَالَ القرطبيّ: والأول أولى؛ لقوله ﷺ : "إن شاء أمسكها"، والإمساك: استدامة التمسّك، لما قد ثبت وجوده، كما قَالَ ﷺ لغيلان: "أمسك أربعًا، وفارق سائرهنّ": أي استدم حكم العقود السابقة. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم منْ اشترى مصرّاة:
ذهب عامّة أهل العلم إلى أن منْ اشترى مصراة منْ بهيمة الأنعام، لم يعلم تصريتها، ثم علم، فله الخيار فِي الرد والإمساك، رُوي ذلك عن ابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة، وأنس ﵃، وإليه ذهب مالك، وابن أبي ليلى، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو يوسف.
وذهب أبو حنيفة، ومحمد، إلى أنه لا خيار له؛ لأن ذلك ليس بعيب، بدليل أنها لو لم تكن مصراة، فوجدها أقل لبنا منْ أمثالها، لم يملك ردها، والتدليل بما ليس بعيب، لا يثبت الخيار، كما لو علفها فانتفخ بطنها، فظن المشتري أنها حامل.
واحتجّ الأولون بحديث أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ ، أنه قَالَ: "لا تصروا الإبل، والغنم، فمن ابتاعها بعدُ، فإنه بخير النظرين بعد أن يحتلبها، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها وصاعا منْ تمر"، متَّفقٌ عليه.
قَالَ ابن قُدامة رحمه الله تعالى: ولأن هَذَا تدليس بما يختلف الثمن باختلافه، فوجب به الرد، كما لو كانت شمطاء، فسوّد شعرها، وقياسهم يبطل بتسويد الشعر، فإن بياضه ليس بعيب كالكِبَر، وإذا دلسه ثبت له الخيار، وأما انتفاخ البطن، فقد يكون منْ الأكل والشرب، فلا معنى لحمله عَلَى الحمل، ثم إن هَذَا القياس مخالف للنص، واتباع قول رسول الله ﷺ أوجب منْ غيره. أفاده فِي "المغني" ٦/ ٢١٦ - ٢١٧.
وَقَالَ الحافظ رحمه الله تعالى فِي "الفتح": وَقَدْ أخذ بظاهر هَذَا الْحَدِيث جمهور أهل العلم، وأفتى به ابن مسعود، وأبو هريرة، ولا مخالف لهما منْ الصحابة، وَقَالَ به منْ التابعين، ومن بعدهم منْ لا يحصى عدده، ولم يفرقوا بين أن يكون اللبن الذي احتُلِب قليلاً، أو كثيرًا، ولا بين أن يكون التمر قوت تلك البلد، أم لا.
وخالف فِي أصل المسألة أكثر الحنفية، وفي فروعها آخرون، أما الحنفية، فقالوا: لا
стр. 16609
يُرَدّ بعيب التصرية، ولا يجب رد صاع منْ التمر، وخالفهم زفر، فَقَالَ بقول الجمهور، إلا أنه قَالَ: يتخير بين صاع تمر، أو نصف صاع بر، وكذا قَالَ ابن أبي ليلى، وأبو يوسف فِي رواية، إلا إنهما قالا: لا يتعين صاع التمر، بل قيمته، وفي رواية عن مالك، وبعض الشافعية كذلك، لكن قالوا: يتعين قوت البلد؛ قياسا عَلَى زكاة الفطر، وحكى البغوي أن لا خلاف فِي المذهب، أنهما لو تراضيا بغير التمر، منْ قوت، أو غيره كفى، وأثبت ابن كجّ الخلاف فِي ذلك، وحكى الماوردي وجهين، فيما إذا عجز عن التمر، هل تلزمه قيمته يلده، أو بأقرب البلاد التي فيها التمر إليه؟، وبالثاني قَالَ الحنابلة.
واعتذر الحنفية عن الأخذ بحديث المصراة، بأعذار شَتَّى، فمنهم منْ طعن فِي الْحَدِيث؛ لكونه منْ روايه أبي هريرة، ولم يكن كابن مسعود، وغيره، منْ فقهاء الصحابة، فلا يؤخذ بما رواه مخالفا للقياس الجلي، وهو كلام آذى قائله به نفسه، وفي حكايته غِنًى عن تكلف الرد عليه، وَقَدْ ترك أبو حنيفة القياس الجلي لرواية أبي هريرة ﵁ وأمثاله، كما فِي الوضوء بنبيذ التمر، ومن القهقهة فِي الصلاة، وغير ذلك، قَالَ الحافظ: وأظن أن لهذه النكتة أورد البخاريّ حديث ابن مسعود، عقب حديث أبي هريرة، إشارةً منه، إلى أن ابن مسعود قد أفتي بوفق حديث أبي هريرة، فلولا أن خبر أبي هريرة فِي ذلك ثابت، لما خالف ابن مسعود القياس الجلي فِي ذلك.
وَقَالَ ابن السمعاني فِي "الاصطلام" التعرض إلى جانب الصحابة، علامة عَلَى خذلان فاعله، بل هو بدعة وضلالة، وَقَدْ اختص أبو هريرة بمزيد منْ الحفظ؛ لدعاء رسول الله ﷺ له -يعني الذي أخرجه البخاريّ فِي "كتاب العلم"، وفي أول "البيوع" أيضاً: وفيه قوله: "إن إخواني منْ المهاجرين، كَانَ يشغلهم الصفق بالأسواق، وكنت ألزم رسول الله ﷺ ، فأشهد إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا" الْحَدِيث، ثم مع ذلك، لم ينفرد أبو هريرة، برواية هَذَا الأصل، فقد أخرجه أبو داود، منْ حديث ابن عمر، وأخرجه الطبراني منْ وجه آخر عنه، وأبو يعلى منْ حديث أنس، وأخرجه البيهقي فِي "الخلافيات" منْ حديث عمرو بن عوف المزني، وأخرجه أحمد، منْ رواية رجل منْ الصحابة، لم يُسَمّ. وَقَالَ ابن عبد البرّ: هَذَا الْحَدِيث مجمع عَلَى صحته، وثبوته منْ جهة النقل، واعتل منْ لم يأخذ به بأشياء، لا حقيقة لها.
ومنهم منْ قَالَ: هو حديث مضطرب؛ لذكر التمر فيه تارة، والقمح أخرى، واللبن أخرى، واعتباره بالصاع تارة، وبالمثل أو المثلين تارة، وبالإناء أخرى.
والجواب أن الطرق الصحيحة، لا اختلاف فيها، كما تقدم، والضعيف لا يُعِلّ الصحيح. ومنهم منْ قَالَ: هو معارض لعموم القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ
стр. 16610
فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الآية [النحل: ١٢٦].
وأجيب بأنه منْ ضمان المتلفات، لا العقوبات، والمتلفات تضمن بالمثل، وبغير المثل.
ومنهم منْ قَالَ: هو منسوخ. وتُعُقّب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، ولا دلالة عَلَى النسخ مع مدعيه؛ لأنهم اختلفوا فِي الناسخ، فقيل: حديث النهي عن بيع الدين بالدين، وهو حديث أخرجه ابن ماجه وغيره، منْ حديث ابن عمر، ووجه الدلالة منه، أن لبن المصراة، يصير دينا فِي ذمة المشترى، فإذا أُلزم بصاع منْ تمر، نسيئة صار دينا بدين، وهذا جواب الطحاوي.
وتعقب بأن الْحَدِيث ضعيف، باتفاق المحدثين، وعلى التنزّل، فالتمر إنما شُرع فِي مقابل الحلب، سواء كَانَ اللبن موجودا، أو غير موجود، فلم يتعين فِي كونه منْ الدين بالدين. وقيل: ناسخه حديث: "الخراجُ بالضمان"، وهو حديث أخرجه أصحاب "السنن" عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وجهه الدلالة منه، أن اللبن فضلة منْ فضلات الشاة، ولو هلكت لكان منْ ضمان المشترى، فكذلك فضلاتها، تكون له، فكيف يُغرّم بدلها للبائع، حكاه الطحاوي أيضاً.
وتعقب بأن حديث المصراة أصح منه باتفاق، فكيف يُقَدّم المرجوح عَلَى الراجح، ودعوى كونه بعده، لا دليل عليها، وعلى التنزل، فالمشتري لم يؤمر بغرامة ما حدث فِي ملكه، بل بغرامة اللبن الذي ورد عليه العقد، ولم يدخل فِي العقد، فليس بين الحديثين عَلَى هَذَا تعارض.
وقيل: ناسخه الأحاديث الواردة فِي رفع العقوبة بالمال، وَقَدْ كانت مشروعة قبل ذلك، كما فِي حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، فِي مانع الزكاة: "فإنا آحذوها وشطر ماله"، وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فِي الذي يَسرِق منْ الجرين، "يغرم مثليه"، وكلاهما فِي "السنن"، وهذا جواب عيسى بن أبان، فحديث المصراة منْ هَذَا القبيل، وهي كلها منسوخة.
وتعقبه الطحاوي بأن التصرية، إنما وجدت منْ البائع، فلو كَانَ منْ ذلك الباب للزمه التغريم، والفرض أن حديث المصراة، يقتضي تغريم المشترى فافترقا.
ومنهم منْ قَالَ: ناسخه حديث: "البيعان بالخيار، ما لم يتفرقا"، وهذا جواب محمّد ابن شجاع، ووجه الدلالة منه، أن الفرقة تقطع الخيار، فثبت أن لا خيار بعدها، إلا لمن استثناه الشارع بقوله: "إلا بيع الخيار".
وتعقبه الطحاوي بأن الخيار الذي فِي المصراة، منْ خيار الرد بالعيب، وخيار الرد
стр. 16611
بالعيب لا تقطعه الفرقة. ومن الغريب أنهم لا يقولون بخيار المجلس، ثم يحتجون به فيما لم يرد فيه.
ومنهم منْ قَالَ: هو خبر واحد، لا يفيد إلا الظن، وهو مخالف لقياس الأصول، المقطوع به، فلا يلزم العمل به.
وتعقب بأن التوقف فِي خبر الواحد، إنما هو فِي مخالفة الأصول، لا فِي مخالفة قياس الأصول، وهذا الخبر إنما خالف قياس الأصول، بدليل أن الأصول الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، والكتاب والسنة فِي الحقيقة، هما الأصل، والآخران مردودان إليهما، فالسنة أصل، والقياس فرع، فكيف يرد الأصل بالفرع؟، بل الْحَدِيث الصحيح أصل بنفسه، فكيف يقال: إن الأصل يخالف نفسه؟، وعلى تقدير التسليم يكون قياس الأصول، يفيد القطع، وخبر الواحد لا يفيد إلا الظن، فتناوُل الأصلِ لمحلّ هَذَا الخبر الواحد، غير مقطوع به؛ لجواز استثناء محله منْ ذلك الأصل.
قَالَ ابن دقيق العيد: وهذا أقوى متمسك به، فِي الرد عَلَى هَذَا المقام. وَقَالَ ابن السمعاني: متى ثبت الخبر صار أصلاً منْ الأصول، ولا يُحتاج إلى عرضه عَلَى أصل آخر؛ لأنه إن وافقه فذاك، وان خالفه فلا يجوز رد أحدهما؛ لأنه رد للخبر بالقياس، وهو مردود باتفاق، فإن السنة مقدمة عَلَى القياس بلا خلاف، إلى أن قَالَ: والأولى عندي فِي هذه المسألة، تسليم الأقيسة، لكنها ليست لازمة؛ لأن السنة الثابتة مقدمة عليها. والله تعالى أعلم.
وعلى تقدير التنزل، فلا نسلم أنه مخالف لقياس الأصول؛ لأن الذي ادَّعَوه عليه منْ المخالفة، بينوها بأوجه:
[أحدها]: أن المعلوم منْ الأصول، أن ضمان المثليات بالمثل، والمتقومات بالقيمة، وهاهنا إن كَانَ اللبن مثليا، فليضمن باللبن، وإن كَانَ متقوما، فليضمن بأحد النقدين، وَقَدْ وقع هنا مضمونا بالتمر، فخالف الأصل.
[والجواب]: منع الحصر، فإن الحر يُضمن فِي ديته بالإبل، وليست مثلا، ولا قيمة، وأيضاً فضمان المثل ليس مطردا، فقد يُضمن المثل بالقيمة، إذا تعذرت المماثلة، كمن أتلف شاة لبونا، كَانَ عليه قيمتها، ولا يجعل بإزاء لبنها لبنا آخر؛ لتعذر المماثلة.
[ثانيها]: أن القواعد تقتضي، أن يكرن المضمون مُقَدَّر الضمان بقدر التالف، وذلك مختلف، وَقَدْ قدرنا هنا بمقدار واحد، وهو الصاع، فخرج عن القياس.
[والجواب]: منع التعميم فِي المضمونات، كالموضحة، فأرشها مُقَدَّر، مع
стр. 16612
اختلافها بالكبر والصغر، والغرةِ مقدرة فِي الجنين، مع اختلافه، والحكمة فِي ذلك، أن كل ما يقع فيه التنازع، فليقدر بشيء معين؛ لقطع التشاجر، وتقدم هذه المصلحة عَلَى تلك القاعدة، فإن اللبن الحادث بعد العقد، اختلط باللبن الموجود وقت العقد، فلم يُعرف مقداره حَتَّى يوجب نظيره عَلَى المشترى، ولو عُرف مقداره، فوُكل إلى تقديرهما، أو تقدير أحدهما، لأفضى إلى النزاع والخصام، فقطع الشارع النزاع والخصام، وقدّره بحد لا يتعديانه؛ فصل للخصومة، وكان تقديره بالتمر أقرب الأشياء إلى اللبن، فإنه كَانَ قوتهم إذ ذاك، كاللبن وهو مكيل كاللبن، ومقتات، فاشتركا فِي كون كل واحد منهما مطعوما، مقتاتا، مكيلا وأشتركا أيضًا فِي أن كلا منهما يُقتات به بغير صنعة، ولا علاج.
[ثالثها]: أن اللبن التالف، إن كَانَ موجودا عند العقد، فقد ذهب جزء منْ المعقود عليه، منْ أصل الخلقة، وذلك مانع منْ الرد، فقد حدث عَلَى ملك المشتري، فلا يضمنه، وإن كَانَ مختلطا، فما كَانَ منه موجودا عند العقد، وما كَانَ حادثا لم يجب ضمانه.
[والجواب]: أن يقال إنما يمتنع الرد بالنقص، إذا لم يكن لاستعلام العيب، وإلا فلا يمتنع، وهنا كذلك.
[رابعها]: أنه خالف الأصول، فِي جعل الخيار فيه ثلاثاً، مع أن خيار العيب، لا يقدر بالثلاث، وكذا خيار المجلس عند منْ يقول به، وخيار الرؤية عند منْ يثبته.
[والجواب]: بأن حكم المصراة انفرد بأصله عن مماثلة، فلا يُستغرب أن ينفرد بوصف زائد عَلَى غيره، والحكمة فيه أن هذه المدة هي التي يتبين بها لبن الخلقة، منْ اللبن المجتمع بالتدليس غالبا، فشُرعت لاستعلام العيب، بخلاف خيار الرؤية والعيب، فلا يتوقف عَلَى مدة، وأما خيار المجلس، فليس لاستعلام العيب، فظهر الفرق بين الخيار فِي المصراة، وغيرها.
[خامسها]: أنه يلزم منْ الأخذ به، الجمع بين العوض والمعوض، فيما إذا كانت قيمة الشاة صاعا منْ تمر، فإنها ترجع إليه منْ الصاع الذي هو مقدار ثمنها.
[والجواب]: أن التمر عوض عن اللبن، لا عن الشاة، فلا يلزم ما ذكروه.
[سادسها]: أنه مخالف لقاعدة الربا، فيما إذا اشترى شاة بصاع، فإذا استرد معها صاعا، فقد استرجع الصاع الذي هو الثمن، فيكون قد باع شاة وصاعا بصاع.
والجواب أن الربا إنما يعتبر فِي العقود، لا الفسوخ، بدليل أنهما لو تبايعا ذهبا بفضة، لم يجز أن يتفرقا قبل القبض، فلو تقايلا فِي هَذَا العقد بعينه، جاز التفرق قبل القبض.
стр. 16613
[سابعها]: أنه يلزم منه ضمان الأعيان مع بقائها، فيما إذا كَانَ اللبن موجودا، والأعيان لا تضمن بالبدلّ، إلا مع فواتها، كالمغصوب.
[والجواب]: أن اللبن، وإن كَانَ موجودا، لكنه تعذر رده؛ لاختلاطه باللبن الحادث بعد العقد، وتعذر تمييزه، فأشبه الآبق، بعد الغصب، فإنه يضمن قيمته مع بقاء عينه؛ لتعذر الرد.
[ثامنها]: أنه يلزم منه إثبات الرد بغير عيب، ولا شرط، أما الشرط فلم يوجد، وأما العيب فنقصان اللبن، لو كَانَ عيبا لثبت به الرد، منْ غير تصرية.
[والجواب]: أن الخيار يثبت بالتدليس، كمن باع رَحًى دائرة، بما جمعه لها بغير علم المشتري، فإذا اطلع عليه المشتري، كَانَ له الرد، وأيضاً فالمشتري لَمّا رأى ضرعا، مملوءا لبنا، ظن أنه عادة لها، فكأنّ البائع شرط له ذلك، فتبين الأمر بخلافه، فثبت له الرد؛ لفقد الشرط المعنوي؛ لأن البائع يُظهر صفة المبيع تارة بقوله، وتارة بفعله، فإذا أظهر المشري عَلَى صفة، فبان الأمر بخلافها، كَانَ قد دلّس عليه، فشرع له الخيار، وهذا هو محض القياس، ومقتضى العدل، فإن المشتري إنما بذل ماله؛ بناء عَلَى الصفة التي أظهرها له البائع، وَقَدْ أثبت الشارع الخيار للركبان، إذا تُلُقُّوا، واشتُرِي منهم قبل أن يَهبِطوا إلى السوق، ويعلموا السعر، وليس هناك عيب، ولا خُلْف فِي شرط، ولكن لما فيه منْ الغش والتدليل.
(ومنهم): منْ قَالَ: الْحَدِيث صحيح، لا اضطراب فيه، ولا علة، ولا نسخ، وإنما هو محمول عَلَى صورة مخصوصة، وهو ما إذا اشترى شاه، بشرط أنها تحلب مثلا خمسة أرطال، وشرط فيها الخيار، فالشرط فاسد، فإن اتفقا عَلَى إسقاطه فِي مدة الخيار، صح العقد، وإن لم يتفقا بطل العقد، ووجب ردّ الصاع منْ التمر؛ لأنه كَانَ قيمة اللبن يومئذ. وتُعُقّب بأن الْحَدِيث ظاهر فِي تعليق الحكم بالتصرية، وما ذكره هَذَا القائل، يقتضى تعليقه بفساد الشرط، سواء وُجدت التصرية، أم لا؟، فهو تأويل مُتعَسَّف، وأيضاً فلفظ الْحَدِيث لفظ عموم، وما ادّعوه عَلَى تقدير تسليمه، فرد منْ أفراد ذلك العموم، فيحتاج منْ ادعى قصر العموم عليه الدليل عَلَى ذلك، ولا وجود له. انتهى ما فِي "الفتح" ٥/ ١٠١ - ١٠٥ بطوله، وهو بحث نفيس جدًّا.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بهذا كلّه أن الحقّ هو ما عليه الجمهور منْ ثبوت الخيار بسبب التصرية، كما نصّ عليه رسول الله ﷺ ، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحير بالتقليد الأعمى والاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): فِي اختلاف العلماء فِي ردّ بدل اللبن:
стр. 16614
ذهب كل منْ جوّز رد المصرّاة بعيب التصرية إلى أنه إذا علم التصرية، واختار الرد بعد أن حلبها، لزمه رد بدل اللبن، وهو مقدر فِي الشرع بصاع منْ تمر، كما فِي الْحَدِيث الصحيح المذكور فِي الباب، ولا فرق فِي ذلك بين الغنم، والإبل، وغيرهما مما أُلحق بهما، ولا بين أن يكون اللبن قليلاً، أو كثيرًا، ولا بين أن يكون التمر قوت البلد، أم لا؟، وهذا مذهب مالك، والشافعيّ، والليث، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور.
وذهب مالك، وبعض الشافعية، إلى أن الواجب صاع، منْ غالب قوت البلد؛ لأن فِي بعض طرق الْحَدِيث: "ورد معها صاعا منْ طعام"، وفي بعضها: "ورد معها مثل أو مثلي لبنها قمحا" (١)، فجمع بين الأحاديث، وجعل تنصيصه عَلَى التمر؛ لأنه غالب قوت البلد فِي المدينة، ونص عَلَى القمح؛ لأنه غالب قوت بلد آخر.
وَقَالَ أبو يوسف: يرد قيمة اللبن؛ لأنه ضمان متلف، فكان مقدرا بقيمته، كسائر المتلفات، وحكي ذلك عن ابن أبي ليلى، وحكي عن زفر: أنه يرد صاعا منْ تمر، أو نصف صاع منْ بر، بناءً عَلَى قولهم فِي الفطرة، والكفارة.
وحجة الأولين الْحَدِيث الصحيح المذكور، وهو المعتمد عليه فِي هذه المسألة، وَقَدْ نص فيه عَلَى التمر، فَقَالَ: "إن شاء ردها وصاعا منْ تمر"، وفي لفظ: "منْ اشترى غنما مصراة، فاحتلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ففي حلبتها صاع منْ تمر"، وفي لفظ: "ورد صاعا منْ تمر، لا سمراء"، وفي لفظ: "طعاما، لا سمراء": يعني لا يرد قمحا، والمراد بالطعام هاهنا التمر؛ لأنه مطلق فِي أحد الحديثين، مقيد فِي الآخر فِي قضية واحدة، والمطلق فيما هَذَا سبيله يحمل عَلَى المقيد، وحديث ابن عمر، مُطرح الظاهر بالإتفاق، إذ لا قائل بإيجاب مثل لبنها، أو مثلي لبنها قمحا، ثم قد شك فيه الراوي، وخالفته الأحاديث الصحاح، فلا يعول عليه. وقياس أبي يوسف مخالف للنص، فلا يلتفت إليه، ولا يبعد أن يقدر الشرع بدل هَذَا المتلف، قطعا للخصومة، ودفعا للتنازع، كما قدر بدل الآدمي، ودية أطرافه، ولا يمكن حمل الْحَدِيث، عَلَى أن
стр. 16615
الصاع كَانَ قيمة اللبن، فلذلك أوجبه؛ لوجوه ثلاثة:
[أحدها]: أن القيمة هي الأثمان، لا التمر. [الثاني]: أنه أوجب فِي المصراة منْ الإبل، والغنم جميعًا، صاعا منْ تمر، مع اختلاف لبنها. [الثالث]: أن لفظه للعموم، فيتناول كل مصراة، ولا يتفق أن تكون قيمة لبن كل مصراة صاعا، وإن أمكن أن يكون كذلك، فيتعين إيجاب الصاع؛ لأنه القيمة التي عين الشارع إيجابها، فلا يجوز أن يعدل عنها.
وإذ قدمت هَذَا، فإنه يجب أن يكون الصاع منْ التمر جيدا، غير معيب؛ لأنه واجب بإطلاق الشارع، فينصرف إلى ما ذكرناه، كالصاع الواجب فِي الفطرة، ولا يجب أن يكون منْ الأجود، بل يجوز أن يكون منْ أدنى ما يقع عليه اسم الجيد، ولا فرق بين أن تكون قيمة التمر، مثل قيمة لبن الشاة، أو أقل، أو أكثر، نص عليه أحمد، وليس هَذَا جمعا بين البدل والمبدل؛ لأن التمر بدل اللبن، قدره الشرع به، كما قدر فِي يدي العبد قيمته، وفي يديه ورجليه قيمته مرتين، مع بقاء العبد عَلَى ملك سيده.
وإن عدم التمر فِي موضعه، فعليه قيمته فِي الموضع الذي وقع عليه العقد؛ لأنه بمثابة عين أتلفها، فيجب عليه قيمتها. أفاده فِي "المغني" ٦/ ٢١٧ - ٢١٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): قَالَ ابن قُدامة رحمه الله تعالى: إن عدم بالتصرية قبل حلبها، مثل أن أقر به البائع، أو شهد به منْ تقبل شهادته، فله ردها، ولا شيء معها؛ لأن التمر إنما وجب بدلا للبن المحتلب، ولذلك قَالَ رسول الله ﷺ : "منْ اشترى غنما مصراة، فاحتلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ففي حلبتها صاع منْ تمر"، ولم يأخذ لها لبنا هاهنا، فلم يلزمه رد شيء معها، وهذا قول مالك، قَالَ ابن عبد البرّ: هَذَا ما لا خلاف فيه.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: فيه أن الخلاف موجود، فقد قَالَ فِي "الفتح" ٥/ ١٠٥: فيه وجه للشافعية، ويرجح أنه لا يثبت، رواية عكرمة، عن أبي هريرة، فِي هَذَا الْحَدِيث عند الطحاوي، فإن لفظه: "منْ اشترى مُصَرّاة، ولم يعلم أنها مصراة" الْحَدِيث. انتهى.
قَالَ الجامع: لكن الْحَدِيث ضعيف؛ لأن فِي إسناده ابن لهيعة، فظهر بهذا أن الصحيح أنه يثبت له الخيار، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
قَالَ ابن قدامة: وأما لو احتلبها، وترك اللبن بحاله، ثم ردها رد لبنها، ولا يلزمه أيضًا بشيء؛ لأن المبيع إذا كَانَ موجودا، فرده لم يلزمه بدله، فإن أبى البائع قبوله،
стр. 16616
وطلب التمر، لم يكن له ذلك، إذا كَانَ بحاله لم يتغير، وقيل: لا يلزمه قبوله لظاهر الخبر، ولأنه قد نقص بالحلب، وكونه فِي الضرع أحفظ له، ولنا إنه قدر عَلَى رد المبدل، فلم يلزمه البدل، كسائر المبدلات مع أبدالها، والحديث المراد به التمر، حالة عدم اللبن؛ لقوله: "ففي حلبتها صاع منْ تمر"، ولما ذكرنا منْ المعنى، وقولهم: إن الضرع أحفظ له لا يصح؛ لأنه لا يمكن إبقاؤه فِي الضرع عَلَى الدوام، وبقاؤه يضر بالحيوان، وإن كَانَ اللبن قد تغير ففيه وجهان: أحدهما لا يلزمه قبوله، وهذا قول مالك؛ للخبر، ولأنه قد نقص بالحموضة، فأشبه ما لو أتلفه. والثاني يلزمه قبوله؛ لأن النقص حصل بإسلام المبيع، وبتغرير البائع، وتسليطه عَلَى حلبه، فلم يمنع الرد كلبن غير المصراة. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي ثبوت التصرية فِي البقرة:
ذهب الجمهور إلى أنه لا فرق فِي التصرية، بين الشاة، والناقة، والبقرة، وشذ داود، فَقَالَ: لا يثبت الخيار بتصرية البقرة؛ لأن الْحَدِيث: "لا تصروا الإبل والغنم"، فدل عَلَى أن ما عداهما بخلافهما، ولأن الحكم ثبت فيهما بالنص، والقياس لا تثبت به الأحكام، واحتجّ الجمهور بعموم قوله: "منْ اشترى مصراة، فهو بالخيار ثلاثة أيام"، وفي حديث ابن عمر: "منْ ابتاع مُحَفَّلة"، ولم يفصل، ولأنه تصرية بلبن منْ بهيمة الأنعام، فأشبه الإبل والغنم، والخبر فيه تنبيه عَلَى تصرية البقر؛ لأن لبنها أغزر، وأكثر نفعا، وقولهم: إن الأحكام لا تثبت بالقياس ممنوع، ثم هو هاهنا ثبت بالتنبيه، وهو حجة عند الجميع. قاله فِي "المغني" ٦/ ٢٢١ - ٢٢٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم مصرّاة غير بهيمة الأنعام:
قَالَ ابن قدامة رحمه الله تعالى: فإن اشترى مصراة منْ غير بهيمة الأنعام، كالأمة، والأتان، والفرس، ففيه وجهان: [أحدهما]: يثبت له الخيار، اختاره ابن عقيل، وهو ظاهر مذهب الشافعيّ؛ لعموم قوله: "منْ اشترى مصراة"، و"منْ اشترى محفلة"، ولأنه تصرية بما يختلف الثمن به، فأثبت الخيار، كتصرية بهيمة الأنعام، وذلك أن لبن الآدمية يراد للرضاع، ويرغب فيها ظئرا، ويُحَسِّن ثديها، ولذلك لو اشترط كثرة لبنها، فبان بخلافه، مَلَك الفسخ، ولو لم يكن مقصودا لما ثبت باشتراطه، ولا ملك الفسخ بعدمه، ولأن الأتان والفريس يرادان لولدهما.
[والثاني]: لا يثبت به الخيار؛ لأن لبنها لا يعتاض عنه فِي العادة، ولا يُقصد قصد لبن بهيمة الأنعام، والخبر ورد فِي بهيمة الأنعام، ولا يصح القياس عليه؛ لأن قصد لبن
стр. 16617
بهيمة الأنعام أكثر، واللفظ العام أريد به الخاص، بدليل أنه أمر فِي ردها بصاع منْ تمر، ولا يجب فِي لبن غيرها، ولأنه ورد عاما وخاصا فِي قضية واحدة، فيحمل العام عَلَى الخاص، ويكون المراد بالعام فِي أحد الحديثين الخاصَّ فِي الْحَدِيث الآخر.
وعلى الوجه الأول، إذا ردها لم يلزم بدل لبنها، ولا يرد معها شيئًا؛ لأن هَذَا اللبن لا يباع عادة، ولا يعاوض عنه. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول الثاني -وهو عدم ثبوت الخيار فِي غير بهيمة الأنعام- أرجح؛ لقوة أدلّته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): قَالَ الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: [إن قلت]: قوله: "بعد أن يحلبها" يقتضي أنه لا يثبت الخيار إلا بعد الحلب، مع أنه ثابتٌ قبله، إذا علم التصرية. [قلت]: قَالَ الشيخ تقيّ الدين فِي "شرح العمدة": جوابه أنه يقتضي إثبات الخيار فِي هذين الأمرين المعنيين، أعني الإمساك والرّدّ مع الصاع، وهذا إنما يكون بعد الحلب؛ لتوقّف هذين المعنيين عَلَى الحلب؛ لأن الصاع عوضٌ عن اللبن، ومن ضرورة ذلك الحلب. انتهى.
قَالَ وليّ الدين: وَقَدْ يجاب عنه بأن التصرية لا تعرف غالبًا إلا بالحلب؛ لأنه إذا حلب أوّلًا لبنا غزيرًا، ثم حلب ثانيًا لبنًا قليلًا، عُرف حينئذ ذلك، فعبّر بالحلب عن معرفة التصرية؛ لأنه ملازم له غالبًا. والله أعلم. انتهى "طرح التثريب" ٦/ ٧٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): فِي اختلاف أهل العلم فِي الردّ، هل هو عَلَى الفور، أم لا؟:
ذهب بعضهم إلى أنه عَلَى الفور؛ كسائر العيوب، وصححه البغويّ، والرافعيّ، والنوويّ. لظاهر قوله: "وإن كرهها ردّها".
وذهب بعضهم إلى أنه يمتد إلى ثلاثة أيام؛ لقوله: "فهو بالخيار ثلاثة أيام"، وصوّبه ابن دقيق العيد فِي "شرح العمدة"، وهو الصحيح، وحكي عن نصّ الشافعيّ، وَقَالَ ابن المنذر: إنه مذهب الشافعيّ، وهو مذهب الحنابلة. وجواب الأولين عن هذه الرواية بحملها عَلَى ما إذا لم يعلم أنها مصرّاة إلا فِي ثلاثة أيام؛ لأن الغالب أنه لا يُعلم فيما دون ذلك، فإنه إذا نقص لبنها فِي اليوم الثاني عن الأول، احتمل كون النقص لعارض، منْ سوء مرعاها فِي ذلك اليوم، أو غير ذلك، فإذا استمرّ كذلك ثلاثة أيام، عُلم أنها مصرّاة، مما لا يُلتفت إليه؛ لكونه خلاف الظاهر. والله تعالى أعلم.
ثم اختلف القائلون بامتداد الخيار ثلاثة أيام فِي ابتدائها، وللشافعيّة فِي ذلك وجهان: [أحدهما]: أن ابتداءها منْ العقد. [الثاني]: أنه منْ التفرّق، وشبّهوا الوجهين
стр. 16618
بالوجهين فِي خيار الشرط، ومقتضى ذلك أن الراجح أن ابتداءها منْ العقد، وَقَالَ الحنابلة: إن ابتداءها منْ حين تبّينت التصرية. قاله فِي "الطرح" ٦/ ٧٩.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الحنابلة هو الأرجح عندي؛ لموافقته لظاهر الْحَدِيث، حيث رتّب ثبوت الخيار بما بعد الحلب، وهو معنى تبيّن التصرية، فافهم. والله تعالى أعلم.
قَالَ الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: رتّب الشافعيّة عَلَى القول بامتداد الخيار ثلاثة أيام فروعًا: [منها]: أنه لو عرف التصرية قبل ثلاثة أيام امتدّ الخيار إلى آخر الثلاثة فقط. [ومنها]: أنه لو عرف التصرية فِي آخر الثلاثة، أو بعدها، فلا خيار عَلَى القول بأن مدّته ثلاثة أيام؛ لامتناع مجاوزة الثلاثة. [ومنها]: أنه لو اشترى عالمًا بالتصرية، ثبت له الخيار ثلاثة أيام، وأما عَلَى القول بأنه عَلَى الفور، فلا يختلف الحكم فِي الفرعين الأولين، ولا خيار فِي الثالث، كسائر العيوب. قَالَ وليّ الدين ﵀: وفيما ذكره أصحابنا فِي هذه الفروع نظر، والظاهر أن الشارع إنما اعتبر المدّة منْ حين معرفة سبب الخيار، وإلا كَانَ يلزم أن يكون الفور متّصلًا بالعقد، ولو لم يعلم به لخيف أنه إذا تأخّر علمه به عن العقد، فات الخيار، وهذا لا يمكن القول به، ويلزم عَلَى ما ذكروه أن يكون الفور أوسع منْ ثلاث فِي الْفَرَع الثاني، وهو بعيد، ويلزم عليه أيضًا أن تُحسب المدة قبل التمكن منْ الفسخ، وذلك يفوّت مقصود التوسيع بالمدّة، ويؤدّي إلى نقصانها فيما إذا لم يعلم به إلا بعد مضيّ بعضها، وهذا مما يقوّي مذهب الحنابلة فِي ذلك، وهو عندي أظهر، وأوفق للحديث، وللمعنى. والله أعلم انتهى "طرح" ٦/ ٧٩.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هذ الذي قاله الحافظ ولي الدين رحمه الله تعالى، منْ ترجيح مذهب الحنابلة؛ لموافقته ظاهر النصّ، إنصاف منه رحمه الله تعالى، وياليت جميع أتباع المذاهب سلكوا هَذَا المسلك؛ فإنه عين اتّباع الحقّ، والحقّ أحقّ أن يتبع، لكننا نرى العجب العجاب، حينما يبذل متأخروهم -إلا منْ عصمه الله- قصارى جهدهم فِي الدفاع عن مذهبهم، إذا خالف النصوص بالتأويلات الزائفة، والتكلّفات الباردة، فإن لله وإنا إليه راجعون.
فيا أيها المسلم الحريص عَلَى دينه، أتبع الحقّ، فكن غيورًا عَلَى النصوص، وابذل جهدك فِي الدفاع عنها، وإن أدّى ذلك إلى مخالفة رأي إمامك، فإنك مسئوول عن الكتاب والسنّة، لا عن آراء الرجال، وآراهم إنما تطلب للاستعانة بها عَلَى فهمهما فقط، فأيّ استعانة إذا خالفتهما؟.
وبالجملة فليس هناك أحد أوجب الله اتباعه، وأناط الهدى والفلاح به، إلا رسول
стр. 16619
الله ﷺ ، فَقَالَ الله : ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وَقَالَ : ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]، وَقَالَ تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. اللَّهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الحادية عشرة): أن ظاهره أنه لا خيار فيما إذا لم يقصد البائع التصرية، بل ترك الحلب، ناسيًا، أو لشغل عرض له، أو تصرّت هي بنفسها؛ لأنه ﷺ نهى عن التصرية لأجل البيع، ثم ذكر أن منْ اشترى ما هو بهذه الصفة تخيّر، وهذه الصورة المذكورة لم يقع فيها تصرية لأجل البيع، وبهذا جزم الغزاليّ، وتبعه عبد الغفّار القزوينيّ فِي "الحاوي الصغير"، وحكى البغويّ فيها وجهين، وصحح ثبوت الخيار لحصول الضرر للمشتري، وإن لم يقصد البائع التدليس. قاله فِي "الطرح".
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما صححه البغويّ أرجح؛ نظرًا لتضرّر المشتري. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية عشرة): ظاهر الْحَدِيث أنه إذا تبيّن للمشتري التصرية، لكن درّ اللبن عَلَى الحدّ الذي أشعرت به التصرية، واستمرّ كذلك، ثبت له الخيار؛ لأنه ﷺ أطلق ثبوت الخيار، ولم يفصّل، لكن تغير الحال عما كَانَ عليه، وصيرورتها ذات لبن غزير بعد أن لم تكن كذلك قبل التصرية صورة نادرة، فيظهر أنها مرادة منْ العموم، فلا خيار فيها، وفي المسألة وجهان للشافعية، قَالَ ولي الدين: وينبغي بناؤهما عَلَى أن الْفَرَع النادر هل يدخل فِي العموم، أم لا؟، والصحيح فِي الأصول دخوله، لكن شبّه أصحابنا الوجهين بالوجهين فيما إذا لم يعرف العيب القديم إلا بعد زواله، وبالقولين فيما لو عتقت الأمة تحت عبد، ولم تعلم عتقها حَتَّى عتق العبد، ومقتضى التشبيه تصحيح أنه لا خيار له، كما هو الصحيح فِي تينك الصورتين. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عدم ثبوت الخيار هو الذي يظهر لي؛ لأنه إنما شُرع دفعًا للضرر، وَقَدْ زال. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة عشرة): قَالَ ولي الدين رحمه الله تعالى: أخذ أصحابنا منْ ثبوت الخيار فِي المصرّاة ثبوت الخيار فِي كلّ موضع حصل فيه تدليسٌ، وتغرير منْ البائع، كما لو حبس ماء القناة، أو الرحى، ثم أرسله عند البيع، أو الإجارة، فظنّ المشتري كثرته، ثم تبيّن له الحال، أو حمّر وجه الجارية، أو سوّد شعرها، أو جعّده، أو أرسل الزنبور عَلَى وجهها، فظنها المشتري سمينة، ثم بأن خلافه، فله الخيار فِي هذه الصور
стр. 16620
كلّها. وحكى أصحابنا خلافًا فيما لو لطخ ثوب العبد بمداد، أو ألبسه ثوب الكتّاب، أو الخبّازين، وخيّل كونه كاتبًا، أو خبّازًا، فبان خلافه، أو أكثر علف البهيمة، حَتَّى انتفخ بطنها، فظنها المشتري حاملًا، أو أرسل الزنبور عَلَى ضرعها، فانتفخ، فظنها لبونًا، والأصحّ فِي هذه الصور أنه لا خيار؛ لتقصير المشتري، وأثبت المالكية الخيار فِي تلطيخ الثوب بالمداد. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول بثبوت الخيار فِي هذه الصور كلها أظهر؛ لأن الغرر بها لا يقلّ عن الغرر بالتصرية. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٩٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنِ ابْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً، فَإِنْ رَضِيَهَا إِذَا حَلَبَهَا فَلْيُمْسِكْهَا، وَإِنْ كَرِهَهَا فَلْيَرُدَّهَا، وَمَعَهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و"إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. و"عبد الله بن الحارث": هو المخزوميّ، أبو محمّد المكيّ، ثقة [٨] ٣٩/ ٢١٩٣. و"داود بن قيس": هو الفرّاء الدبّاغ المدنيّ، ثقة فاضل [٥] ٩٦/ ١٢٠. و"ابن يسار": هو موسى بن يسار المطّلبيّ مولاهم المدنيّ، عمّ محمّد بن إسحاق، صاحب المغازي، ثقة [٤] ٦٦/ ٣٣٤٩. والسند مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فإنه نيسابوريّ، وعبد الله بن الحارث، فمكيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ رئيس المكثرين فِي الرواية.
وقوله: "إذا حلبها" ظاهره أن صاع التمر متوقّفٌ عَلَى الحلب، كما تقدّم.
وقوله: "فإن كرهها الخ"، وفي رواية البخاريّ منْ طريق ثابت مولى عبد الرحمن بن زيد، عن أبي هريرة ﵁: "وإن سخطها، ففي حلبتها صاع تمر".
قَالَ فِي "الفتح": قوله: "وفي حلبتها" -بسكون اللام، عَلَى أنه اسم للفعل، ويجوز الفتح، عَلَى إرادة المحلوب، وظاهره أن التمر مقابل للحلبة، وزعم ابن حزم أن التمر فِي مقابلة الحلب، لا فِي مقابلة اللبن؛ لأن الحلبة حقيقة فِي الحلب، مجاز فِي اللبن، والحمل عَلَى الحقيقة أولي، فلذلك قَالَ: يجب رد التمر واللبن معا، وشذَّ بذلك عن الجمهور.
وظاهره أيضًا أن صاع التمر، فِي مقابل المصراة، سواء كانت واحدة، أو أكثر؛ لقوله: "منْ اشترى غنمًا" ثم قَالَ: "ففي حلبتها صاع منْ تمر"، ونقله ابن عبد البرّ عمن استعمل الْحَدِيث، وابن بطال عن أكثر العلماء، وابن قُدامة عن الشافعيّة، والحنابلة،
стр. 16621
وعن أكثر المالكيّة: يردّ عن كل واحدة صاعًا حَتَّى قَالَ المازريّ: منْ المستبشع أن يغرم متلف لبن ألف شاة، كما يغرم متلف لبن شاة واحدة.
وأجيب بأنّ ذلك مغتفر بالنسبة إلى ما تقدّم منْ أن الحكمة فِي اعتبار الصاع قطع النزاع، فجُعل حدًّا يُرجع إليه عند التخاصم، فاستوى القليل والكثير، ومن المعلوم أن لبن الشاة الواحدة، أو الناقة الواحدة، يختلف اختلافا متباينًا، ومع ذلك فالمعتبر الصاع، سواء قلّ اللبن، أم كثُر، فكذلك هو معتبرٌ، سواء قلّت المصرّاة، أو كثُرت. والله تعالى أعلم. انتهى "فتح" ٥/ ١٠٧.
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله فِي الْحَدِيث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٩١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : "مَنِ ابْتَاعَ مُحَفَّلَةً، أَوْ مُصَرَّاةً، فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، إِنْ شَاءَ أَنْ يُمْسِكَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَرُدَّهَا رَدَّهَا، وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ، لَا سَمْرَاءَ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده، وهو الجوّاز المكيّ المذكور قبل حديث. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"أيوب": هو السختيانيّ. و"محمّد": هو ابن سيرين.
وقوله: "لا سمراء": قَالَ وليّ الدين ﵀: فيه تنصيص عَلَى أن السمراء، وهي القمح لا تجزيء فِي هَذَا، وإنما نصّ عليه، دون غيره؛ لفهم غيره منْ طريق الأولى، فإنه أغلى الأقوات، وأنفسها، فإذا لم يجزيء، فغيره أولى بذلك. وفي رواية: "صاعًا منْ طعام، لا سمراء" قَالَ وليّ الدين: يحتمل أن يريد بالطعام فيه التمر، بدليل الرواية الأخرى، وعلى هَذَا مشى البيهقيّ، فَقَالَ: المراد بالطعام المذكور فيه التمر، واستدل عَلَى ذلك بالرواية الأخرى. ويحتمل أن يريد مطلق الطعام، ثم أخرج منه السمراء، وخرج ما هو أدون منها، منْ الأقوات، والخضر للأمر بالتمر، كما فِي الرواية الأخرى، وهذا الاحتمال يعود فِي المعنى للذي قبله، لكنه يخالفه فِي التقدير. انتهى "طرح التثريب" ٦/ ٨٨.
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ مضى البحث عنه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
стр. 16622
١٥ - (الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ)
٤٤٩٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، وَوَكِيعٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ مَخْلَدِ بْنِ خُفَافٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ").
رجال هَذَا الإسناد: سبعة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظليّ المروزي ابن راهويه، ثقة ثبت حجة [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا [٨] ٨/ ٨.
٣ - (وكيع) بن الحرّاح بن مليح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة ثبت عابد [٩] ٢٣/ ٢٥.
٤ - (ابن أبي ذئب) محمّد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي العامريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقة فقيه فاضل [٧] ٤١/ ٦٨٥.
٥ - (مخلد بن خُفاف) -بضمّ الخاء المعجمة، وفاءين خفيفتين- ابن إيماء بن رحضة الغفاريّ، لأبيه، وجده صحبة، مقبول [٣].
روى عن عروة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها: "الخراج بالضمان"، وعنه ابن أبي ذئب، قَالَ أبو حاتم: لم يرو عنه غيره، وليس هَذَا إسنادا تقوم بمثله الحجّة. وَقَالَ ابن عديّ: لا يُعرف له غير هَذَا الْحَدِيث. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَدْ روى حديثه المذكور الهيثم بن جميل، عن يزيد بن عياض، عن مخلد، وَقَالَ البخاريّ: فيه نظر. انتهى. قَالَ الحافظ: وفي سماع ابن أبي ذئب منه عندي نظر. وتابعه عَلَى هَذَا الْحَدِيث مسلم بن خالد الزنجيّ، عن هشام بن عروة، عن أبيه به. وَقَالَ ابن وضّاح: مخلد ثقة. روى له الأربعة حديث الباب فقط.
٦ - (عروة) بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٠/ ٤٤.
٧ - (عائشة) رضي الله تعالى عنها ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير مخلد بن خُفاف، فإنه منْ رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين منْ ابن أبي ذئب، وشيخه مروزي، فنيسابوريّ، وعيسى ووكيع كوفيان.
стр. 16623
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عائشة رضي الله تعالى عنها منْ المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله تعالى عنها، أنها (قالت: "قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْخَرَاجَ) بفح الخاء المعجمة: قَالَ الخطّابيّ رحمه الله تعالى: الخراج: الدَّخل، والمنفعة، ومن هَذَا قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ الآية [المؤمنون: ٧٢]. ويقال للعبد إذا كَانَ لسيّده عليه ضريبة: مُخارج. ومعنى قوله: "الخراج بالضمان": المبيع إذا كَانَ له دخلٌ، وغَلّة، فإن مالك الرقبة الذي هو ضامن الأصل يملك الخراج بضمان الأصل، فإذا ابتاع الرجل أرضًا، فشغلها، أو ماشيةً، فَنَتَجَها، أو دابّةٌ، فركبها، أو عبدًا، فاستخدمه، ثم وجد به عيبًا، فله أن يردّ الرقبة، ولا شيء عليه فيما انتفع به؛ لأنها لو تلفت ما بين مدّة العقد والفسخ، لكانت منْ ضمان المشتري، فوجب أن يكون الخراج منْ حقّه. انتهى. "معالم السنن" ٥/ ١٥٨.
وَقَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: أريد بالخراج ما يخرج، ويحصل منْ غَلّة العين المشتراة، عبدًا كَانَ، أو أمة، أو غيرهما، وذلك بأن يشتريه، فيستغلّه زمانًا، ثم يعثُر منه عَلَى عيب كَانَ فيه عند البائع، فله ردّ العين المبيعة، وأخذ الثمن، ويكون للمشتري ما استغلّه؛ لأن المبيع لو تلِف فِي يده، لكان فِي ضمانه، ولم يكن له عَلَى البائع شيء.
والباء فِي قوله (بِالضَّمَانِ) متعلّقة بمحذوف، تقديره: الخراج مستحقّ بالضمان، أي بسببه، أي ضمان الأصل سبب لملك خراجه. وقيل: الباء للمقابلة، وفيه مضاف محذوف: تقديره: بقاء الخراج فِي مقابلة الضمان: أي منافع المبيع بعد القبض تبقى للمشتري فِي مقابلة الضمان اللازم عليه بتلف المبيع، ومن هَذَا القبيل: الْغُنْمُ بالْغُرْمِ. انتهى كلام السنديّ.
وَقَالَ الفيّوميّ: معنى الْغُنْمُ بالْغُرْم: أي مقابل به، فكما أن المالك يختصّ بالغُنْم، ولا يُشاركه فيه أحد، فكذلك يتحمّل الْغُرْم، ولا يتحمّل معه أحد، وهذا معنى قولهم: الْغُرم مجبورٌ بالغُنْمِ. انتهى.
[تنبيه]: فِي هَذَا الْحَدِيث قصّة، ساقها أبو داود فِي "سننه"، فَقَالَ:
٣٥٠٩ - حدثنا محمود بن خالد، عن سفيان -هو الثوريّ- عن محمّد بن عبد الرحمن، عن مَخْلَد بن خُفَاف الغفاري، قَالَ: كَانَ بيني وبين أناس، شَرِكَة فِي عبد، فاقتويته، وبعضنا غائب، فأغَلّ عليّ غلة، فخاصمني فِي نصيبه، إلى بعض القضاة، فأمرني أن أردّ الغلة، فأتيت عروة بن الزبير، فحدثته، فأتاه عروة، فحدثه عن عائشة،
стр. 16624
رضي الله عنها عن رسول الله ﷺ ، قَالَ: "الخراج بالضمان". ومعنى "اقتويته": استخدمته. وقوله: "فأغلّ العبد" أي أتاني بالدخل.
وأخرجه أيضًا منْ طريق مسلم بن خالد الزنجي، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: ﵂، أن رجلًا ابتاع غلاما، فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم، ثم وجد به عيبا، فخاصمه إلى النبيّ ﷺ ، فرده عليه، فَقَالَ الرجل: يا رسول الله قد استغل غلامي، فَقَالَ رسول الله ﷺ : "الخراج بالضمان". قَالَ أبو داود: هَذَا إسناد ليس بذاك. انتهى. أي لأن فيه الزنجيّ، وَقَدْ ضعّفه البخاريّ.
وأخرجه البيهقيّ فِي السنن الكبرى ج: ٥ ص: ٣٢١ منْ طريق الشافعيّ، قَالَ: أخبرني منْ لا أتّهم، عن ابن أبي ذئب، قَالَ: أخبرني مَخْلَد بن خُفاف، قَالَ: ابتعت غلاما، فاستغللته، ثم ظهرت منه عَلَى عيب، فخاصمت فيه، إلى عمر بن عبد العزيز، فقضى لي برده، وقضى عليَّ برد غلته، فأتيت عروة، فأخبرته، فَقَالَ أَرُوح إليه العشية، فأخبره أن عائشة ﵂، أخبرتني أن رسول الله ﷺ ، قضى فِي مثل هَذَا: "أن الخراج بالضمان"، فعجلت إلى عمر، فأخبرته ما أخبرني عروة، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ ، فَقَالَ عمر: فما أيسر عليّ منْ قضاء قضيته، الله يعلم أني لم أُرد فيه إلا الحقّ، فبلغتني فيه سنة عن رسول الله ﷺ ، فأَرُدُّ قضاء عمر، وأُنفذ سنة رسول الله ﷺ ، فراح إليه عروة، فقضى لي أن آخذ الخراج، منْ الذي قضى به عليّ له. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هَذَا حسنٌ، فقد صححه الترمذيّ، وابن خُزيمة، وابن الجارود، وابن حبّان، والحاكم، وابن القطّان، وضعفه البخاريّ، وأبو داود. قاله الحافظ فِي "بلوغ المرام"، وَقَالَ الحافظ المنذريّ فِي "مختصر السنن" ٥/ ١٦٠ - بعد أن نقل تحسين الترمذيّ للحديث: قَالَ البخاريّ: هَذَا حديث منكر، ولا أعرف لمخلد بن خفاف غير هَذَا الْحَدِيث، قَالَ الترمذيّ: فقلت له: فقد روي هَذَا الْحَدِيث عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة؟ فَقَالَ: إنما رواه مسلم بن خالد الزنجيّ، وهو ذاهب الْحَدِيث. وَقَالَ ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه -يعني مخلد بن خُفاف-؟ فَقَالَ: لم يرو عنه غير ابن أبي ذئب، وليس هَذَا إسنادًا يقوم بمثله الحجة -يعني الْحَدِيث الذي يروي مخلد بن خفاف، عن عروة، عن عائشة، عن النبيّ ﷺ : "أن الخراج بالضمان".
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: زاد فِي "الجرح والتعديل" ٨/ ٣٤٧: ما نصه: غير
стр. 16625
أني أقول به؛ لأنه أصلح منْ آراء الرجال. اهـ.
وَقَالَ الأزديّ: مخلد بن خفاف ضعيف.
قَالَ المنذريّ بعد إيراد طريق مسلم بن خالد الزنجيّ: قَالَ أبو داود: هَذَا إسناد ليس بذاك، يشير إلى ما أشار إليه البخاريّ منْ تضعيف مسلم بن خالد الزنجيّ، وَقَدْ أخرج الْحَدِيث الترمذيّ فِي "جامعه" منْ حديث عمر بن علي الْمُقَدَّميّ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، مختصرًا: "أن النبيّ ﷺ قضى أن الخراج بالضمان"، وَقَالَ: هَذَا حديث حسن صحيح غريب، منْ حديث هشام بن عروة. وَقَالَ أيضًا: استغرب محمّد بن إسماعيل -يعني البخاريّ- هَذَا الْحَدِيث منْ حديث عمر بن عليّ، قلت: تراه تدليسًا؟ قَالَ: لا. وحكى البيهقيّ، عن الترمذيّ: أنه ذكره لمحمد بن إسماعيل البخاريّ، فكأنه أعجبه. هَذَا آخر كلامه. وعمر بن عليّ: هو أبو حفص عمر بن عليّ المقدّميّ البصريّ، وَقَدْ اتفق البخاريّ ومسلم عَلَى الاحتجاج بحديثه. ورواه عن عمر بن علي أبو سلمة يحيى ابن خلف الْجُوَيباريّ، وهو ممن روى عنه مسلم فِي "صحيحه"، وهذا إسناد جيّد، ولهذا صححه الترمذيّ، وهو غريب، كما أشار إليه البخاريّ، والترمذيّ. والله أعلم. انتهى كلام المنذريّ.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وخلاصة الأمر أن الْحَدِيث لا ينقص عن درجة الحسن، فإن مخلد بن خفاف وثقه ابن حبّان، وابن وضّاح، كما سبق فِي ترجمته، وتابعه مسلم بن خالد الزنجيّ، وهو صدوق، كثير الأوهام، كما قَالَ فِي "التقريب"، ومثله يصلح فِي المتابعة، والشواهد، وتابعه أيضًا عمر بن عليّ، وهو وإن كَانَ شديد التدليس، فقد نفى التدليس عنه البخاريّ فِي هَذَا الْحَدِيث، فمتابعته أقوى مما قبله.
والحاصل أن الْحَدِيث حسن بمجموع هذه الطرق. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٥/ ٤٤٩٢ - وفي "الكبرى" ١٤/ ٦٠٨١. وأخرجه (د) فِي "البيوع" ٣٥٠٨ (ت) فِي "البيوع" ١٢٨٥ (ق) فِي "البيوع" ٢٢٤٢ و٢٢٤٣. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي اختلاف العلماء فِي حكم هَذَا الْحَدِيث:
قَالَ الإِمام الخطّابيّ رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم فِي هَذَا، فَقَالَ الشافعيّ: ما حَدَث فِي ملك المشتري، منْ غَلّة، ونتاج ماشية، وولد أمة، فكلّ ذلك سواء، لا يَرُدّ منه شيئًا، ويردّ المبيع، إن لم يكن ناقصًا عما أخذه. وَقَالَ أصحاب الرأي: إذا كَانَ ماشيةً، فحلبها، أو نخلًا، أو شجرًا، فأكل ثمرها، لم يكن له أن يردّ بالعيب، ويرجع بالأرش، وقالوا فِي الدار، والدابّة، والعبد: الغلّة له، ويرد بالعيب. وَقَالَ مالك فِي
стр. 16626
أصواف الماشية وشعورها: إنها للمشتري، ويردّ الماشية إلى البائع، فأما أولادها، فإنه يردّها مع الأمهات.
واختلفوا فِي المبيع إذا كَانَ جارية، فوطئها المشتري، ثم وجد بها عيبًا، فَقَالَ أصحاب الرأي: تلزمه، ويرجع عَلَى البائع بأرش العيب، وكذلك قَالَ الثوريّ، وإسحاق بن راهويه. وَقَالَ ابن أبي ليلى: يردها، ويردّ معها مهر مثلها. وَقَالَ مالك: إن كانت ثيبا ردّها، ولا يردّ معها شيئا، وإن كانت بكرًا، فعليه ما نقص منْ ثمنها. وَقَالَ الشافعيّ: إن كانت ثيّبًا ردّها، ولا شيء عليه، وإن كانت بكرًا لم يكن له ردّها، ويرجع بما نقصها العيب منْ أصل الثمن.
وَقَالَ (١) أصحاب الرأي: الغصوب عَلَى البيوع، منْ أجل ضمانها عَلَى الغاصب، فلم يجعلوا عليه ردّ الغلّة، واحتجّوا بالحديث، وعمومه. قَالَ الخطّابيّ: والحديث إنما جاء فِي البيع، وهو عقد يكون بين المتعاتدين بالتراضي، وليس الغصب بعقد عن تراض منْ المتعاقدين، وإنما هو عدوان، وأصله، وفروعه سواء فِي وجوب الردّ، ولفظ الْحَدِيث مبهم؛ لأن قوله: "الخراج بالضمان" يحتمل أن يكون المعنى: أن ضمان الخراج بضمان الأصل، واقتضاء العموم منْ اللفظ المبهم ليس بالبيّن الجواز، والحديث فِي نفسه ليس بالقويّ، إلا أن أكثر العلماء قد استعملوه فِي البيوع، فالأحوط أن يُتوقّف عنه فيما سواه. انتهى "معالم السنن" ٥/ ١٥٩ - ١٦٠.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وهذا الذي ردّ به الخطابيّ رحمه الله تعالى عَلَى أصحاب الرأي قياسهم المغصوب عَلَى المبيع، فِي كون غلته لا تردّ إلى البائع، حسنٌ جدًّا، فالحقّ أن المغصوب يجب ردّه، وردّ غلته معه؛ لأن يد الغاصب يد ظالمة، فلا تستحقّ شيئًا منْ فوائد المغصوب، بخلاف المشتري، فإن يده محقّةٌ أمينة، فيستحقّ لذلك الغلّة، فافهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
стр. 16627
١٦ - (بَيْعِ الْمُهَاجِرِ لِلأَعْرَابِيِّ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: المراد بالمهاجر هنا هو الحاضر، المقابل للباد، لا خصوص المهاجر الذي خرج منْ بلده إلى بلد آخر، وإنما ذكره بلفظ المهاجر؛ نظرًا إلى واقع أهل المدينة فِي ذلك الوقت، وذلك لأن المهاجرين هم الذين كانوا يشتغلون بالتجارة فِي ذلك الوقت، وأما الأنصار فكانوا أهل زرع، ليس لهم علاقةٌ بالتجارة، كما بيّن ذلك أبو هريرة ﵁، فيما أخرجه الشيخان منْ طريق الأعرج، عنه، قَالَ: "إن النَّاس يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان فِي كتاب الله، ما حدثت حديثا، ثم يتلو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ إلى قوله: ﴿الرَّحِيمِ﴾، إن إخواننا منْ المهاجرين، كَانَ يشغلهم الصَّفْقُ بالأسواق، وإن إخواننا منْ الأنصار، كَانَ يشغلهم العمل فِي أموالهم، وإن أبا هريرة، كَانَ يلزم رسول الله ﷺ ، بشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون".
والمراد بالأعرابيّ: هنا هو الباد، والأعرابيّ فِي الأصل واحد الأعراب، قَالَ الفيّوميّ رحمه الله تعالى: وأما الأعراب بالفتح: فأهل البدو منْ العرب، الواحد أعرابيّ بالفتح أيضًا، وهو الذي يكون صاحب نُجْعَة، وارتياد للكلإ، وزاد الأزهريّ، فَقَالَ: سواء كَانَ منْ العرب، أو منْ مواليهم، قَالَ: فمن نزل البادية، وجاور العبادتين، وظَعَنَ بظَعْنهم، فهم أعرابٌ، ومن نزل بلاد الريف، واستوطن المدن، والقرى العربيّة، وغيرها ممن ينتمي إلى العرب، فهم عَرَبٌ، وإن لم يكونوا فصحاء، ويقال: سُمُّوا عربًا؛ لأن البلاد التي سكنوها تُسمّى العرَبَات، ويقال: العرب العاربة: هم الذين تكلّموا بلسان يَعْرُب بن قَحْطان، وهو اللسان القديم، والعرب المستعربة: هم الذين تكلّموا بلسان إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وهي لغات الحجاز، وما والاها. انتهى. وتقدّم هَذَا غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا، حيث طال به العهد. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٤٩٣ - (أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ تَمِيمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّلَقِّي، وَأَنْ يَبِيعَ مُهَاجِرٌ لِلأَعْرَابِيِّ، وَعَنِ التَّصْرِيَةِ وَالنَّجْشِ، وَأَنْ يَسْتَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَأَنْ تَسْأَلَ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ تَمِيمٍ) أبو حميد المصّيصيّ، ثقة [١١] ٢٠٠/ ٣١٩.
стр. 16628
٢ - (حجاج) بن محمّد الأعور المصيصيّ، ثقة ثبت، اختلط بآخره [٩] ٢٨/ ٣٢.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإِمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧.
٤ - (عديّ بن ثابت) الأنصاريّ الكوفيّ، ثقة رُمي بالتشيع [٤] ٤٩/ ٦٠٥.
٥ - (أبو حازم) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقة [٣] ١١٠/ ١٤٩.
٦ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ رأس المكثرين منْ الرواية. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنِ التَّلَقِّي) أي تلقّي الركبان، وسيأتي البحث عنه قريبًا (وَأَنْ يَبِيعَ مُهَاجِرٌ لِلأَعْرَابِيِّ) تقدم أن معناه: أن يبيع حاضر لباد، وَقَدْ وقع عند مسلم بهذا اللفظ (وَعَنِ التَّصْرِيةِ) مضى البحث عنها مستوفًى قبل باب (وَالنَّجْشِ) بفتح، فسكون، أو بفتحتين، يقال: نجش الرجل نَجْشًا، منْ باب قتل: إذا زاد فِي سلعة أكثر منْ ثمنها، وليس قصده أن يشتريها، بل ليغرّ غيره، فيوقعه فيه، وكذلك فِي النكاح، وغيره، والاسم النَّجَشُ -بفتحتين- والفاعل ناجشٌ، ونَجّاشٌ مبالغة، ولا تناجشوا: أي لا تفعلوا ذلك، وأصل النجش الاستتار؛ لأنه يستُرُ قصده، ومنه يقال: للصائد: ناجشٌ؛ لاستتاره. قاله الفيّوميّ (وَأَنْ يَسْتَامَ) ولفظ "الكبرى": "وأن يُسَاوِم" (الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ) أي يطلب منْ شخص أن يبيعه شيئًا طلبه غيره قبله، قَالَ الفيّوميّ: وسام البائع السِّلْعة سَومًا، منْ باب قَالَ: عَرَضَها للبيع، وسامها المشتري، واستامها: طلب بيعها، ومنه: "لا يسوم عَلَى سوم أخيه": أي يشتري، ويجوز حمله عَلَى البائع أيضًا، وصورته أن يَعرِضَ رجل عَلَى المشتري سلعته بثمن، فيقول آخر: عندي مثلها بأقلّ منْ هَذَا الثمن، فيكون النهي عامًّا فِي البائع والمشتري، وَقَدْ تزاد الباء فِي المفعول، فيقال: سُمْتُ به، والتساوم بين اثنين أن يعرض البائع السلعة بثمن، ويطلبها صاحبه بثمن دون الأول. انتهى (وَأَنْ تَسْأَلَ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا) قيل: هو نهي للمخطوبة عن أن تسأل الخاطب طلاق زوجته، وللمرأة أيضًا منْ أن تسأل طلاق ضرتها، والمراد منْ الأخت الأختُ فِي الدين، وفي التعبير باسم الأخت تشنيعٌ لفعلها، وتأكيد لنهيها عن ذلك، وتحريض لها عَلَى تركه، وكذا التعبير باسم الأخ
стр. 16629
فِي الذي قبله، وَقَدْ تقدّم البحث فِي هَذَا فِي "كتاب الطلاق" مستوفًى، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ رضي الله تعالى عنه هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٦/ ٤٤٩٣ - وفي "الكبرى" ١٥/ ٦٠٨٢. وأخرجه (خ) فِي "كتاب الشروط" ٢٧٢٧ (م) فِي "البيوع" ٣٧٩٣ و٣٧٩٥. وَقَدْ تقدّم تخريجه فِي "كتاب الطلاق" بأكثر منْ هَذَا. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان النهي عن بيع الحاضر للباد، وهو المراد بقوله: "بيع المهاجر للأعرابيّ، وسيأتي تمام البحث فيه فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى. (ومنها): تحريم تلقّي الجلب، وسيأتي بباب مفرد، بعد باب، إن شاء الله تعالى. (ومنها): تحريم النجش، وهو الزيادة فِي ثمن سلعة، لا يريد شراءها، وإنما يريد تغرير غيره، وسيأتي تمام البحث فيه، بعد أربعة أبواب، إن شاء الله تعالى. (ومنها): تحريم السوم عَلَى سوم غيره، إذا لم يأذن له صاحبه، وسيأتي بعد بابين، إن شاء الله تعالى. (ومنها): تحريم طلب المرأة منْ الرجل أن يطلّق زوجته، وَقَدْ سبق البحث عنه، مستوفًى فِي "كتاب الطلاق"، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
١٧ - (بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِ)
٤٤٩٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، نَهَى أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَإِنْ كَانَ أَبَاهُ، أَوْ أَخَاهُ").
стр. 16630
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (محمّد بن بشار) بن عثمان العبدي بندار، أبو بكر البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٢٤/ ٢٧.
٢ - (محمد بن الزبرقان) -بكسر الزاي، وسكون الموحدة، وكسر الراء- أبو همّام الأهوازيّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٨].
قَالَ ابن المدينيّ، والدارقطنيّ: ثقة. وَقَالَ أبو زرعة: صالح، وسط. وَقَالَ أبو حاتم. صالح الْحَدِيث، صدوقٌ. وَقَالَ البخاريّ: معروف الْحَدِيث. وَقَالَ النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ ربّما أخطأ. وَقَالَ ابن شاهين فِي "الثقات": قَالَ ابن معين: لم يكن صاحب حديث، ولكن لا بأس به. روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط.
٣ - (يونس بن عُبيد) بن دينار العبدي، أبو عبيد البصريّ، ثقة ثبت فاضل ورع [٥] ٨٨/ ١٠٩.
٤ - (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ، ثقة فقيه فاضل، يدلس [٣] ٣٢/ ٣٦.
٥ - (أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين. (ومنها): أن شيخه أحد المشايخ التسعة الذين أخذ عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ منْ المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر منْ مات منْ الصحابة رضي الله تعالى عنهم بالبصرة، مات سنة (٢) أو (٩٣) وَقَدْ جاوز مائة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عن أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، نَهَى أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ) هو المقيم بالبلد (لِبَادٍ) هو البدويّ، ومعناه: عَلَى ما فسّره به الشافعيّة، والحنبليّة: أن يقدم غريبٌ، بدويًا كَانَ، أو قرويًا بسلعته إلى البلد، يريد بيعها بسعر الوقت؛ ليرجع إلى وطنه، فيأتيه بلديّ، فيقول: ضَعْ متاعك عندي، لأبيعه عَلَى التدريج بأغلى منْ هَذَا السعر، فلم يعتدّوا الحكم بالبادي، وجعلوه منوطًا بمن ليس منْ أهل البلد، سواء كَانَ باديًا، أو حاضرًا؛ لأن المعنى فِي إضرار أهل البلد يتناول الصورتين، وذكر البادي