← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 16626–16665 · переход к 16631.

стр. 16626

أصواف الماشية وشعورها: إنها للمشتري، ويردّ الماشية إلى البائع، فأما أولادها، فإنه يردّها مع الأمهات. واختلفوا فِي المبيع إذا كَانَ جارية، فوطئها المشتري، ثم وجد بها عيبًا، فَقَالَ أصحاب الرأي: تلزمه، ويرجع عَلَى البائع بأرش العيب، وكذلك قَالَ الثوريّ، وإسحاق بن راهويه. وَقَالَ ابن أبي ليلى: يردها، ويردّ معها مهر مثلها. وَقَالَ مالك: إن كانت ثيبا ردّها، ولا يردّ معها شيئا، وإن كانت بكرًا، فعليه ما نقص منْ ثمنها. وَقَالَ الشافعيّ: إن كانت ثيّبًا ردّها، ولا شيء عليه، وإن كانت بكرًا لم يكن له ردّها، ويرجع بما نقصها العيب منْ أصل الثمن. وَقَالَ (١) أصحاب الرأي: الغصوب عَلَى البيوع، منْ أجل ضمانها عَلَى الغاصب، فلم يجعلوا عليه ردّ الغلّة، واحتجّوا بالحديث، وعمومه. قَالَ الخطّابيّ: والحديث إنما جاء فِي البيع، وهو عقد يكون بين المتعاتدين بالتراضي، وليس الغصب بعقد عن تراض منْ المتعاقدين، وإنما هو عدوان، وأصله، وفروعه سواء فِي وجوب الردّ، ولفظ الْحَدِيث مبهم؛ لأن قوله: "الخراج بالضمان" يحتمل أن يكون المعنى: أن ضمان الخراج بضمان الأصل، واقتضاء العموم منْ اللفظ المبهم ليس بالبيّن الجواز، والحديث فِي نفسه ليس بالقويّ، إلا أن أكثر العلماء قد استعملوه فِي البيوع، فالأحوط أن يُتوقّف عنه فيما سواه. انتهى "معالم السنن" ٥/ ١٥٩ - ١٦٠. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وهذا الذي ردّ به الخطابيّ رحمه الله تعالى عَلَى أصحاب الرأي قياسهم المغصوب عَلَى المبيع، فِي كون غلته لا تردّ إلى البائع، حسنٌ جدًّا، فالحقّ أن المغصوب يجب ردّه، وردّ غلته معه؛ لأن يد الغاصب يد ظالمة، فلا تستحقّ شيئًا منْ فوائد المغصوب، بخلاف المشتري، فإن يده محقّةٌ أمينة، فيستحقّ لذلك الغلّة، فافهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". …

стр. 16627

١٦ - (بَيْعِ الْمُهَاجِرِ لِلأَعْرَابِيِّ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: المراد بالمهاجر هنا هو الحاضر، المقابل للباد، لا خصوص المهاجر الذي خرج منْ بلده إلى بلد آخر، وإنما ذكره بلفظ المهاجر؛ نظرًا إلى واقع أهل المدينة فِي ذلك الوقت، وذلك لأن المهاجرين هم الذين كانوا يشتغلون بالتجارة فِي ذلك الوقت، وأما الأنصار فكانوا أهل زرع، ليس لهم علاقةٌ بالتجارة، كما بيّن ذلك أبو هريرة ﵁، فيما أخرجه الشيخان منْ طريق الأعرج، عنه، قَالَ: "إن النَّاس يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان فِي كتاب الله، ما حدثت حديثا، ثم يتلو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ إلى قوله: ﴿الرَّحِيمِ﴾، إن إخواننا منْ المهاجرين، كَانَ يشغلهم الصَّفْقُ بالأسواق، وإن إخواننا منْ الأنصار، كَانَ يشغلهم العمل فِي أموالهم، وإن أبا هريرة، كَانَ يلزم رسول الله ﷺ ، بشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون". والمراد بالأعرابيّ: هنا هو الباد، والأعرابيّ فِي الأصل واحد الأعراب، قَالَ الفيّوميّ رحمه الله تعالى: وأما الأعراب بالفتح: فأهل البدو منْ العرب، الواحد أعرابيّ بالفتح أيضًا، وهو الذي يكون صاحب نُجْعَة، وارتياد للكلإ، وزاد الأزهريّ، فَقَالَ: سواء كَانَ منْ العرب، أو منْ مواليهم، قَالَ: فمن نزل البادية، وجاور العبادتين، وظَعَنَ بظَعْنهم، فهم أعرابٌ، ومن نزل بلاد الريف، واستوطن المدن، والقرى العربيّة، وغيرها ممن ينتمي إلى العرب، فهم عَرَبٌ، وإن لم يكونوا فصحاء، ويقال: سُمُّوا عربًا؛ لأن البلاد التي سكنوها تُسمّى العرَبَات، ويقال: العرب العاربة: هم الذين تكلّموا بلسان يَعْرُب بن قَحْطان، وهو اللسان القديم، والعرب المستعربة: هم الذين تكلّموا بلسان إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وهي لغات الحجاز، وما والاها. انتهى. وتقدّم هَذَا غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا، حيث طال به العهد. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٤٩٣ - (أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ تَمِيمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّلَقِّي، وَأَنْ يَبِيعَ مُهَاجِرٌ لِلأَعْرَابِيِّ، وَعَنِ التَّصْرِيَةِ وَالنَّجْشِ، وَأَنْ يَسْتَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَأَنْ تَسْأَلَ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا"). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ تَمِيمٍ) أبو حميد المصّيصيّ، ثقة [١١] ٢٠٠/ ٣١٩.

стр. 16628

٢ - (حجاج) بن محمّد الأعور المصيصيّ، ثقة ثبت، اختلط بآخره [٩] ٢٨/ ٣٢. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإِمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧. ٤ - (عديّ بن ثابت) الأنصاريّ الكوفيّ، ثقة رُمي بالتشيع [٤] ٤٩/ ٦٠٥. ٥ - (أبو حازم) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقة [٣] ١١٠/ ١٤٩. ٦ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ رأس المكثرين منْ الرواية. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنِ التَّلَقِّي) أي تلقّي الركبان، وسيأتي البحث عنه قريبًا (وَأَنْ يَبِيعَ مُهَاجِرٌ لِلأَعْرَابِيِّ) تقدم أن معناه: أن يبيع حاضر لباد، وَقَدْ وقع عند مسلم بهذا اللفظ (وَعَنِ التَّصْرِيةِ) مضى البحث عنها مستوفًى قبل باب (وَالنَّجْشِ) بفتح، فسكون، أو بفتحتين، يقال: نجش الرجل نَجْشًا، منْ باب قتل: إذا زاد فِي سلعة أكثر منْ ثمنها، وليس قصده أن يشتريها، بل ليغرّ غيره، فيوقعه فيه، وكذلك فِي النكاح، وغيره، والاسم النَّجَشُ -بفتحتين- والفاعل ناجشٌ، ونَجّاشٌ مبالغة، ولا تناجشوا: أي لا تفعلوا ذلك، وأصل النجش الاستتار؛ لأنه يستُرُ قصده، ومنه يقال: للصائد: ناجشٌ؛ لاستتاره. قاله الفيّوميّ (وَأَنْ يَسْتَامَ) ولفظ "الكبرى": "وأن يُسَاوِم" (الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ) أي يطلب منْ شخص أن يبيعه شيئًا طلبه غيره قبله، قَالَ الفيّوميّ: وسام البائع السِّلْعة سَومًا، منْ باب قَالَ: عَرَضَها للبيع، وسامها المشتري، واستامها: طلب بيعها، ومنه: "لا يسوم عَلَى سوم أخيه": أي يشتري، ويجوز حمله عَلَى البائع أيضًا، وصورته أن يَعرِضَ رجل عَلَى المشتري سلعته بثمن، فيقول آخر: عندي مثلها بأقلّ منْ هَذَا الثمن، فيكون النهي عامًّا فِي البائع والمشتري، وَقَدْ تزاد الباء فِي المفعول، فيقال: سُمْتُ به، والتساوم بين اثنين أن يعرض البائع السلعة بثمن، ويطلبها صاحبه بثمن دون الأول. انتهى (وَأَنْ تَسْأَلَ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا) قيل: هو نهي للمخطوبة عن أن تسأل الخاطب طلاق زوجته، وللمرأة أيضًا منْ أن تسأل طلاق ضرتها، والمراد منْ الأخت الأختُ فِي الدين، وفي التعبير باسم الأخت تشنيعٌ لفعلها، وتأكيد لنهيها عن ذلك، وتحريض لها عَلَى تركه، وكذا التعبير باسم الأخ

стр. 16629

فِي الذي قبله، وَقَدْ تقدّم البحث فِي هَذَا فِي "كتاب الطلاق" مستوفًى، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أبي هريرة ﵁ رضي الله تعالى عنه هَذَا متَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٦/ ٤٤٩٣ - وفي "الكبرى" ١٥/ ٦٠٨٢. وأخرجه (خ) فِي "كتاب الشروط" ٢٧٢٧ (م) فِي "البيوع" ٣٧٩٣ و٣٧٩٥. وَقَدْ تقدّم تخريجه فِي "كتاب الطلاق" بأكثر منْ هَذَا. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان النهي عن بيع الحاضر للباد، وهو المراد بقوله: "بيع المهاجر للأعرابيّ، وسيأتي تمام البحث فيه فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى. (ومنها): تحريم تلقّي الجلب، وسيأتي بباب مفرد، بعد باب، إن شاء الله تعالى. (ومنها): تحريم النجش، وهو الزيادة فِي ثمن سلعة، لا يريد شراءها، وإنما يريد تغرير غيره، وسيأتي تمام البحث فيه، بعد أربعة أبواب، إن شاء الله تعالى. (ومنها): تحريم السوم عَلَى سوم غيره، إذا لم يأذن له صاحبه، وسيأتي بعد بابين، إن شاء الله تعالى. (ومنها): تحريم طلب المرأة منْ الرجل أن يطلّق زوجته، وَقَدْ سبق البحث عنه، مستوفًى فِي "كتاب الطلاق"، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ١٧ - (بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِ) ٤٤٩٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، نَهَى أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَإِنْ كَانَ أَبَاهُ، أَوْ أَخَاهُ").

стр. 16630

رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (محمّد بن بشار) بن عثمان العبدي بندار، أبو بكر البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٢٤/ ٢٧. ٢ - (محمد بن الزبرقان) -بكسر الزاي، وسكون الموحدة، وكسر الراء- أبو همّام الأهوازيّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٨]. قَالَ ابن المدينيّ، والدارقطنيّ: ثقة. وَقَالَ أبو زرعة: صالح، وسط. وَقَالَ أبو حاتم. صالح الْحَدِيث، صدوقٌ. وَقَالَ البخاريّ: معروف الْحَدِيث. وَقَالَ النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ ربّما أخطأ. وَقَالَ ابن شاهين فِي "الثقات": قَالَ ابن معين: لم يكن صاحب حديث، ولكن لا بأس به. روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط. ٣ - (يونس بن عُبيد) بن دينار العبدي، أبو عبيد البصريّ، ثقة ثبت فاضل ورع [٥] ٨٨/ ١٠٩. ٤ - (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ، ثقة فقيه فاضل، يدلس [٣] ٣٢/ ٣٦. ٥ - (أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه ٦/ ٦. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين. (ومنها): أن شيخه أحد المشايخ التسعة الذين أخذ عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ منْ المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر منْ مات منْ الصحابة رضي الله تعالى عنهم بالبصرة، مات سنة (٢) أو (٩٣) وَقَدْ جاوز مائة. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عن أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، نَهَى أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ) هو المقيم بالبلد (لِبَادٍ) هو البدويّ، ومعناه: عَلَى ما فسّره به الشافعيّة، والحنبليّة: أن يقدم غريبٌ، بدويًا كَانَ، أو قرويًا بسلعته إلى البلد، يريد بيعها بسعر الوقت؛ ليرجع إلى وطنه، فيأتيه بلديّ، فيقول: ضَعْ متاعك عندي، لأبيعه عَلَى التدريج بأغلى منْ هَذَا السعر، فلم يعتدّوا الحكم بالبادي، وجعلوه منوطًا بمن ليس منْ أهل البلد، سواء كَانَ باديًا، أو حاضرًا؛ لأن المعنى فِي إضرار أهل البلد يتناول الصورتين، وذكر البادي

стр. 16631

مثال، لا قيدٌ. وجعله مالك قيدًا، فحكى ابن عبد البرّ أنه قيل له: منْ أهل البادية؟ قَالَ: أهل العمود، قيل له: القرى المسكونة التي لا يفارقها أهلها فِي نواحي المدينة، يقدم بعضهم بالسلع، فيبيعها لهم أهل المدينة؟ قَالَ: نعم، إنما معنى الْحَدِيث أهل العمود. وحكى ابن عبد البرّ أيضًا عن مالك أنه قَالَ: تفسير ذلك أهل البادية، وأهل القرى، فأما أهل المدائن، منْ أهل الريف، فإنه ليس بالبيع لهم بأس، ممن يرى أنه يعرف السوم، إلا منْ كَانَ منهم يشبه أهل البادية، فإني لا أحبّ أن يبيع لهم حاضر، قَالَ: وبه قَالَ ابن حبيب، قَالَ: والبادي الذي لا بيع لهم الحاضر هم أهل العمود، وأهل البوادي، والبراري، مثل الأعراب، قَالَ: وجاء النهي فِي ذلك؛ إرادة أن يُصيب النَّاس ثمرتهم، ثم ذكر حديث جابر ﵁ الآتي بعد حديثين: "لا يبيع حاضر لباد، دَعُوا النَّاس يرزق الله بعضهم منْ بعض"، قَالَ: فأما أهل القرى الذين يعرفون أثمان سلعتهم، وأسواقها، فلم يُعْنَوا بهذا الْحَدِيث. وحكى ابن عبد البرّ أيضًا، عن ابن القاسم أنه قَالَ: ثم قَالَ -يعني مالكًا- بعد ذلك: ولا يبيع مصريّ لمدنيّ، ولا مدنيّ لمصريّ، ولكن يشير عليه. وحكى ابن الحاجب فِي "مختصره" الخلاف فِي ذلك عن مالك، فَقَالَ: وفي "الموطّإ" يحمله عَلَى أهل العمود؛ لجهلهم بالأسعار، وقيل: بعمومه؛ لقوله: ولا يبيع مدنيّ لمصريّ، ولا مصريّ لمدنيّ. انتهى. وفسّر الحنفيّة بيع الحاضر للبادي بصورة أخرى، وهي أن يبيع الحضريّ شيئًا مما يَحتاج إليه أهل الحضر لأهل البادية؛ لطلب زيادة السعر، فَقَالَ صاحب "الهداية" بعد ذكره هَذَا الْحَدِيث: وهذا إذا كَانَ أهل البلد فِي قحط، وعوز، وهو يبيع منْ أهل البدو؛ طمعًا فِي الثمن الغالي؛ لما فيه منْ الإضرار بهم، أما إذا لم يكن كذلك، فلا بأس به؛ لانعدام الضرر. انتهى. قَالَ الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: ويردّ حمل الْحَدِيث عَلَى هذه الصورة قول ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، لَمّا سئِل عن تفسيره: لا يكون له سِمْسَارًا، والحديثُ الذي رواه أبو داود منْ طريق ابن إسحاق، عن سالم المكيّ، أن أعرابيّا حدّثه أنه قدم بجلوبة (١) له، عَلَى عهد النبيّ ﷺ ، فنزل عَلَى طلحة بن عُبيد الله، فَقَالَ: إن النبيّ ﷺ نهى أن يبيع حاضرٌ لباد، ولكن اذهب إلى السوق، فانظر منْ يبايعك، فشاورني حَتَّى آمرك، وأنهاك. انتهى "طرح التثريب" ٦/ ٧٢ - ٧٦. وَقَالَ ابن قدامة رحمه الله تعالى فِي "المغني" ج: ٤ ص: ١٥٠: بيع الحاض للباد:

стр. 16632

هو أن يخرج الحضريّ، إلى البادي، وَقَدْ جلب السلعة، فيُعَرِّفه السعر، ويقول: أنا أبيع لك، فنهى النبيّ ﷺ عن ذلك، فَقَالَ: "دعوا النَّاس، يرزق الله بعضهم منْ بعض"، والبادي هاهنا: منْ يدخل البلدة، منْ غير أهلها، سواء كَانَ بدويا، أو منْ قرية، أو بلدة أخرى، نَهَى النبيّ ﷺ الحاضر، أن يبيع له، قَالَ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: "نهى النبيّ ﷺ ، أن تتلقى الركبان، وأن يبيع حاضر لباد"، قَالَ: فقلت لابن عباس: ما قوله: "حاضر لباد"، قَالَ: لا يكون له سمسارا، متَّفقٌ عليه. وعن جابر ﵁، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "لا يبيع حاضر لباد، دعوا النَّاس يرزق الله بعضهم منْ بعض"، رواه مسلم، وروى مثله ابنُ عمر، وأبو هريرة، وأنس ﵃. والمعنى فِي ذلك: أنه متى تُرك البدوي، يبيع سلعته، اشتراها النَّاس برخص، ويوسع عليهم السعر، فإذا تولى الحاضر بيعها، وامتنع منْ بيعها، إلا بسعر البلد، ضاق عَلَى أهل البلد، وَقَدْ أشار النبيّ ﷺ ، فِي تعليله إلى هَذَا المعنى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكر أن أقرب التفاسير لبيع الحاضر للبادي، هو الذي فسّر به الشافعية، والحنبليّة؛ لأنه الموافق لإطلاق الْحَدِيث. وحاصله أن يقدم غريب بدويًّا، أو قرويًّا بسلعة إلى البلد يريد بيعها بسعر الوقت؛ ليرجع إلى وطنه، فيأتيه بلديّ، فيطلب منه أن يضع سلعته عنده، حَتَّى يتربّص بها غلاء السعر، فيبيعها. والله تعالى أعلم. (وَإِنْ كَانَ أَبَاهُ، أَوْ أَخَاهُ) أي وإن الذي يبيع لأجله منْ أقرب النَّاس إليه؛ وإنما جعله غاية؛ تأكيدًا للنهي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أنس رضي الله تعالى عنه هَذَا متَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٧/ ٤٤٩٤ و٤٤٩٥ و٤٤٩٦ - وفي "الكبرى" ١٦/ ٦٠٨٣ و٦٠٨٤ و٦٠٨٥. وأخرجه (خ) دون قوله: "وإن أباه، أو أخاه" فِي "البيوع" ٢١٦١ (م) فِي "البيوع" ١٥٢٣ (د) فِي "البيوع" ٢٤٤٠. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي النهي عن بيع الحاضر للبادي: ذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، والأكثرون إلى أنه للتحريم، وذهب بعضهم إلى أنه للتنزيه، وذهبت طائفة إلى جوازه؛ لحديث: "الدين النصيحة"، وقالوا: حديث

стр. 16633

النهي عن بيع الحاضر للبادي منسوخ، وحُكي ذلك عن عطاء، ومجاهد، وأبي حنيفة. وردّه الجمهور بأن النهي الذي هنا خاصّ، فيُقدّم عَلَى عموم الأمر بالنصيحة، ويكون هَذَا كالمستثنى منها. قَالَ النوويّ: والصحيح الأول، ولا يُقبل النسخ، ولا كراهة التنزيه بمجرّد الدعوى. قَالَ القفّال منْ الشافعيّة: والإثم عَلَى البلديّ، دون البدويّ. ذكره وليّ الدين فِي "طرحه" ٦/ ٧٢. وَقَالَ ابن قُدامة فِي "المغني" ٦/ ٣٠٩ - ٣١٠ - : وممن كره بيع الحاضر للبادي طلحة ابن عبيد الله، وابن عمر، وأبو هريرة، وأنس، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، والليث، والشافعي، ونقل أبو إسحاق بن شاقلا، فِي جملة سماعاته، أن الحسن بن علي المصريّ، سأل أحمد عن بيع حاضر لباد؟، فَقَالَ: لا بأس به، فَقَالَ له: فالخبر الذي جاء بالنهي؟ قَالَ: كَانَ ذلك مرة، فظاهرُ هَذَا صحة البيع، وأن النهي اختص بأول الإِسلام، لِمَا كَانَ عليهم منْ الضيق فِي ذلك، وهذا قول مجاهد، وأبي حنيفة، وأصحابه، والمذهبُ: الأول؛ لعموم النهي، وما يثبت فِي حقهم، يثبت فِي حقنا، ما لم يقم عَلَى اختصاصهم به دليل. انتهى "المغني" ٦/ ٣٠٩ - ٣١٠. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبين بهذا أن الصواب قول الجمهور، وهو أن بيع الحاضر للبادي حرام مطلقًا؛ لعموم الأدلّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فيما ذكره العلماء منْ الشروط لتحريم بيع الحاضر للبادي: قَالَ ابن قدامة رحمه الله تعالى: ظاهر كلام الخرقيّ أنه يحرم بثلاثة شروط: [أحدهما]: أن يكون الحاضر قصد البادي، ليتولى البيع له. [والثاني]: أن يكون البادي جاهلا بالسعر؛ لقوله: فيعرّفه السعر، ولا يكون التعريف إلا لجاهل، وَقَدْ قَالَ أحمد، فِي رواية أبي طالب: إذا كَانَ البادي، عارفا بالسعر لم يحرم. [والثالث]: أن يكون قد جلب السلع للبيع؛ لقوله: وَقَدْ جلب السلع، والجالب هو الذي يأتي بالسلع ليبيعها، وذكر القاضي شرطين، آخرين: [أحدهما]: أن يكون مريدا لبيعها بسعر يومها. [الثاني]: أن يكون بالناس حاجة إلى متاعه، وضيق فِي تأخير بيعه. وَقَالَ أصحاب الشافعيّ: إنما يحرم بشروط أربعة، وهي ما ذكرنا، إلا حاجة النَّاس إلى متاعه، فمتى اختل منها شرط، لم يحرم البيع. انتهى "المغني" ٦/ ٣٠٩ - ٣١٠. وَقَالَ الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: قَالَ أصحابنا -يعني الشافعية-: إنما يحرم بشروط: [أحدها]: أن يكون عالمًا بالنهي فيه، وهذا شرط يعمّ جميع المناهي. [والثاني]: أن يكون المتاع المجلوب مما تعمّ الحاجة إليه، كالأطعمة، ونحوها، فأما

стр. 16634

ما لا يحتاج إليه إلا نادرًا، فلا يدخل فِي النهي. [والثالث]: أن يظهر ببيع ذلك المتاع سعة فِي البلد، فإن لم يظهر لكبر البلد، أو قلّة ما معه، أو لعموم وجوده، ورخص السعر، فوجهان: أوفقهما للحديث التحريم. [والرابع]: أن يعرِض الحضري ذلك عَلَى البدويّ، ويدعوه إليه، أما إذا التمس البدويّ منه بيعه تدريجيًّا، أو قصد الإقامة فِي البلد لبيع ذلك، فسأل البدوي تفويضه إليه، فلا بأس به؛ لأنه لم يضرّ بالناس، ولا سبيل إلى منع المالك منه. ولو أن البدويّ استشار البلديّ فيما فيه حظّه، فهل يرشده إلى الادّخار، أو البيع عَلَى التدريج؟ وجهان، حكى القاضي ابن كجّ، عن أبي الطيّب بن سلمة، وأبي إسحاق المروزي أنه يجب عليه إرشاده إليه؛ أداءً للنصيحة، وعن أبي حفص بن الوكيل: أنه لا يرشده إليه؛ توسيعًا عَلَى النَّاس، وكذا اعتبر الحنابلة هذه الشروط، وعبارة ابن تيميّة فِي "المحرّر": وبيع الحاضر للبادي منهيّ عنه بخمسة شروط: أن يحضر البادي لبيع شيء بسعر يومه، وهو جاهلٌ بسعره، وبالناس إليه حاجةٌ، ويقصده الحاضر. وَقَالَ مالك فِي البدوي يَقْدَمُ، فيسأل الحاضر عن السعر، أكره له أن يُخبره. وَقَالَ أيضًا: لا أرى أن يبيع مصريّ لمدنيّ، ولا مدنيّ لمصريّ، ولكن يُشير عليه. وَقَالَ أيضًا: لا يبيع أهل القرى لأهل البادية سِلَعَهم، قيل له: فإن بعث بالسلعة إلى أخ له منْ أهل القرى، لم يقدم معه سلعته؟ قَالَ: لا ينبغي له ذلك، حكى ذلك كله عنه ابن عبد البرّ، ثم حكى عن ابن حبيب أنه قَالَ: لا يبعث البدويّ إلى الحضريّ بمتاع يبيعه له، ولا يُشير عليه فِي البيع، إن قدم عليه، ثم حكى عن الليث بن سعد أنه قَالَ: لا يشير الحاضر عَلَى البادي؛ لأنه إذا أشار عليه، فقد باع له؛ لأن منْ شأن أهل الباديه أن يرخصوا إلى أهل الحضر؛ لقلّة معرفتهم بالسوق. وَقَالَ الأوزاعيّ: لا يبيع حاضر لباد، ولكن لا بأس أن يُخبره بالسعر. وَقَالَ الشيخ تقيّ الدين ابن دقيق العيد فِي "شرح العمدة": [واعلم]: أن أكثر هذه الأحكام تدور بين اتّباع المعنى، واتباع اللفظ، ولكن ينبغي أن يُنظر فِي المعنى إلى الظهور والخفاء، فحيث يظهر ظهورًا كثيرًا، فلا بأس باتّباعه، وتخصيص النصّ به، أو تعميمه عَلَى قواعد القياس، وحيث يخفى، أو لا يظهر ظهورًا قويًّا، فاتباع اللفظ أولى، وأما ما ذكره فِي اشتراط أن يلتمس البدويّ ذلك، فلا يقوى؛ لعدم ظهور دلالة اللفظ عليه، وعدم ظهور المعنى فيه، فإن المذكور الذي علّل به النهي، لا يفترق الحال فيه، بين سؤال البلديّ وعدمه ظاهرًا. وأما اشتراط أن يكون الطعام مما تدعوا الحاجة إليه، فمتوسّط فِي الظهور وعدمه؛ لاحتمال أن يراعى مجرّد ربح النَّاس عَلَى ما أشعر به

стр. 16635

التعليل، منْ قوله: "دعوا النَّاس، يرزق الله بعضهم منْ بعض. وأما اشتراط أن يظهر لذلك المتاع المجلوب سعة فِي البلد، فكذلك أيضًا، أي أنه متوسّطٌ فِي الظهور؛ لما ذكرناه، منْ احتمال أن يكون المقصود مجرّد تقريب الربح، والرزق عَلَى أهل البلد، وهذه الشروط [منها]: ما يقوم الدليل الشرعيّ عليه، كشرطنا العلم بالنهي، ولا إشكال فيها. [ومنها]: ما يؤخذ باستنباط المعنى، فيخرّج عَلَى قاعدة أصوليّة، وهي أن النصّ إذا استُنبط منه معنى يعود عليه بالتخصيص، هل يصحّ، أم لا. انتهى. وَقَالَ الحافظ العراقيّ فِي "شرح الترمذيّ": جواز الإشارة عليه هو الصواب؛ لأنه إنما نُهي عن البيع له، وليس فيه بيع له، وَقَدْ أُمر بنصحه فِي بعض طرق هَذَا الْحَدِيث، وهو قوله ﷺ : "وإذا استنصح أحدكم أخاه، فلينصح له". انتهى. وبه قَالَ ابن حزم. ذكره فِي "طرح التثريب" ٦/ ٧٣ - ٧٥. وَقَالَ فِي "المغني" ٦/ ٣١١ - : وأما إن أشار الحاضر عَلَى البادي، منْ غير أن يباشر البيع له، فقد رخص فيه طلحة بن عبيد الله، والأوزاعي، وابن المنذر، وكرهه مالك، والليث، وقول الصحابيّ حجة ما لم يثبت خلافه. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بجواز الإشارة عليه، إذا استشاره هو الأرجح؛ لعدم تناول النصّ له، مع أن النصيحة له واجبة عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): فِي اختلاف أهل العلم فِي بطلان بيع الحاضر للبادي، إذا وُجدت الشروط المذكورة: قَالَ ابن قدامة رحمه الله تعالى: وإن اجتمعت هذه الشروط، فالبيع حرام، وَقَدْ صرح الخرقي ببطلانه، ونص عليه أحمد فِي رواية إسماعيل بن سعيد، قَالَ: سألت أحمد عن الرجل الحضري، ببيع للبدوي؟، فَقَالَ: أكره ذلك، وأَرُدُّ البيع فِي ذلك، وعن أحمد رواية أخرى أن البيع صحيح، وهو مذهب الشافعيّ؛ لكون النهي لمعنى فِي غير المنهي عنه، ولنا إنه منهي عنه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه. انتهى كلام ابن قدامة. وَقَالَ الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: لو خالف الحاضر، وباع للبادي، حيث منعناه منه، كَانَ البيع صحيحًا، عند الشافعيّ، وطائفة؛ لجمعه الأركان، والشرائط، والخلل فِي غيره، واختلف المالكيّة فِي ذلك، فَقَالَ بعضهم بالصحّة، وبعضهم بالبطلان، ما لم يفت، والقولان عن ابن القاسم، وممن قَالَ بالبطلان ابن حبيب، وابن حزم الظاهريّ. وَقَالَ سحنون: وَقَالَ لي غير ابن القاسم: إنه يردّ البيع. وعن أحمد فِي

стр. 16636

ذلك روايتان، ومستند البطلان اقتضاء النهي الفساد، قَالَ أصحابنا، وغيرهم: ولا خيار للمشتري، وروى سحنون، عن ابن القاسم أنه يؤدّب الحاضر إذا باع للبادي، وروى عيسى عنه إن كَانَ معتادًا لذلك، وروى عن ابن وهب أنه لا يؤدّب، سواء كَانَ عالمًا، أو جاهلًا. انتهى "طرح" ٦/ ٧٥. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: أن القول ببطلان البيع هو الأرجح؛ لأن النهي يقتضي الفساد، ولم يوجد فِي النصّ ما يصرفه عنه، كما وُجد فِي بيع المصرّاة، حيث قَالَ ﷺ : "فمن ابتاع مصرّاة، فهو بخير النظرين" الْحَدِيث، فإن تخييره البائع يصرف النهي فيه عن اقضائه الفساد، فافهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): فِي اختلاف أهل العلم فِي الشراء لأهل البدو: قَالَ الإِمام ابن قُدامة رحمه الله تعالى: فأما الشراء لهم، فيصح عند أحمد، وهو قول الحسن، وكرهت طائفة الشراء لهم، كما كرهت البيع، يُروَى عن أنس ﵁، قَالَ: كَانَ يقال: هي كلمة جامعة، يقول: "لا تبيعنّ له شيئًا، ولا تبتاعنّ له شيئًا"، وعن مالك فِي ذلك روايتان، ووجه القول الأول، أن النهي غير متناول للشراء بلفظه، ولا هو فِي معناه، فإن النهي عن البيع؛ للرفق بأهل الحضر؛ ليتسع عليهم السعر، ويزول عنهم الضرر، وليس ذلك فِي الشراء لهم، إذ لا يتضررون؛ لعدم الغبن للبادين، بل هو دفع الضرر عنهم، والخلق فِي نظر الشارع عَلَى السواء، فكما شَرَع ما يدفع الضرر عن أهل الحضر، لا يلزم أن يلزم أهل البدو الضرر. انتهى "المغني" ٦/ ٣١١. وَقَالَ وليّ الدين رحمه الله تعالى: أما شراء الحاضر للبادي، فاختلف فيه قول مالك، فمرّة منعه، ومرّة قَالَ: لا بأس به، وَقَالَ ابن حبيب: الشراء للبادي مثل البيع، ألا ترى قوله ﷺ : "لا يبيع بعضكم عَلَى بيع بعض"، إنما هو لا يشتري أحدكم عَلَى شراء بعض، قَالَ: فلا يجوز للحضريّ أن يشتري للبدويّ، ولا أن يبيع له، وبه قَالَ ابن حزم الظاهريّ، وَقَدْ عرفت الردّ عليه فِي حمل البيع فِي ذلك الْحَدِيث عَلَى الشراء قريبًا، ولم يتعرّض أصحابنا لمنع شراء الحاضر للبادي. انتهى. "طرح" ٦/ ٧٥. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بجواز الشراء هو الأرجح؛ إذ الظاهر عدم تناول قوله: "ولا يبع حاضر لباد" للشراء هنا؛ لأن علّة منع البيع هو التوسعة لأهل المدينة ببيع سلعته بسعر يومه، وهذا لا يوجد فِي الشراء. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): بوّب الإِمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه"، بقوله: "هل يبيع الحاضر للبادي بغير أجر، وهل يُعينه، أو ينصحه، قَالَ رسول الله ﷺ : "إذا

стр. 16637

استنصح أحدكم أخاه، فلينصح له"، قَالَ: ورخّص فيه عطاء، ثم روى حديث جرير ﵁: "بايعت رسول الله ﷺ عَلَى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ﷺ ، والسمع والطاعة، والنصح لكلّ مسلم"، ثم روى حديث ابن عباس ﵄: "لا يبيع حاضر لباد"، فقيل لابن عباس: ما قوله: "لا يبيع حاضر لباد؟ "، قَالَ: لا يكون له سمسارًا". ثم بوّب "منْ كره أن يبيع حاضر لباد بأجر"، وروى فيه حديث ابن عمر ﵄: "نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضر لباد"، قَالَ: وبه قَالَ ابن عبّاس، ثم بوّب: "لا يبيع حاضر لباد بالسمسرة" قَالَ: وكره ابن سيرين، وإبراهيم للبائع والمشتري، وَقَالَ إبراهيم: إن العرب تقول: بع لي ثوبًا، وهي تعني الشراء، ثم روى حديث أبي هريرة ﵁: "لا يبيع حاضر لباد". وَقَالَ ابن بطّال: أراد البخاريّ أن يُجيز بيع الحاضر للبادي بغير أجر، ويمنعه إذا كَانَ بأجر، واستدلّ عَلَى ذلك بقول ابن عبّاس: لا يكون له سمسارًا، فكأنه أجاز ذلك لغير السمسار، إذا كَانَ منْ طريق النصح، قَالَ: ولم يراع الفقهاء فِي السمسار أجرًا، ولا غيره، والناس فِي هَذَا عَلَى قولين: فمن كره بيع الحاضر للبادي كرهه بأجر، وبغير أجر، ومن أجازه أجازه بأجر، وبغير أجر. انتهى. ذكره فِي "طرح التثريب" ٦/ ٧٥ - ٧٦. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بتحريم بيع الحاضر للبادي مطلقًا -كما هو مذهب الجمهور- هو الحقّ عندي؛ لإطلاق النصوص الواردة فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٩٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ نُوحٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا يُونُسُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: نُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ، أَوْ أَبَاهُ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا، غير: ١ - (سالم بن نوح) بن أبي عطاء البصريّ، أبي سعيد العطّار، صدوق، له أوهامٌ [٩]. وفي "تهذيب التهذيب" ١/ ٦٧٧ - ٦٧٨: سالم بن نوح بن أبي عطاء البصريّ الجزري، أبو سعيد العطار، روى عن سعيد بن إياس الجريري، وابن جريج، وابن أبي عروبة، وعمر بن عامر السلمي، وعمر بن جابر الحنفي، وابن عون، وغيرهم، وعنه أحمد بن حنبل، وعمر بن علي، وقتيبة، وأبو موسى، وبندار، وأبو هشام الرفاعي، وعقبة بن مكرم، ويزيد بن سنان القزاز، وعبد الرحمن بن منصور الحارثي، وغيرهم. قَالَ عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ما بحديثه بأس. وَقَالَ الدوري، عن ابن معين:

стр. 16638

ليس بشيء. وَقَالَ أبو زرعة: لا بأس به، صدوق، ثقة. وَقَالَ أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به. وَقَالَ عمرو بن علي: قلت ليحيى بن سعيد: قَالَ سالم بن نوح: ضاع مني كتاب يونس -يعني ابن عبيد- والجزري، فوجدتهما بعد أربعين سنة، قَالَ يحيى: وما بأس بذلك. وَقَالَ النسائيّ: ليس بالقوي، وَقَالَ ابن عدي: عنده غرائب، وأفراد، وأحاديثه محتملة، متقاربة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ الساجي: صدوق، ثقة، وأهل البصرة أعلم به، منْ ابن معين. وذكره ابن شاهين فِي "الثقات"، وَقَالَ: قَالَ ابن معين: ليس بحديثه بأس. قَالَ البخاريّ، عن الجراح بن مخلد: مات بعد المائتين. وَقَالَ الدارقطني: ليس بالقوي. وَقَالَ ابن قانع: مات سنة (٢٠٠)، وهو بصري ثقة. انتهى. روى له البخاريّ فِي "الأدب المفرد"، والباقون، سوى ابن ماجه، وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط. والسند مسلسلٌ بالبصريين، كسابقه، ولاحقه، وشيخه هو أحد مشايخ الأئمة الستة، كما سبق فيما قبله. [تنبيه]: زاد فِي "الكبرى" ٤/ ١٢ رقم ٦٠٨٤ عقب هَذَا الْحَدِيث: ما نصّه: قَالَ أبو عبد الرحمن: سالم بن نوح ليس بالقويّ، ومحمد بن الزبرقان قَالَ (١): أحبّ إلينا منه. انتهى. وقوله: "نُهينا الخ" هكذا رواية ابن سيرين بإبهام الناهي، وَقَدْ تقدم فِي رواية الحسن: "أن النبيّ ﷺ نهى أن يبيع حاضر لباد"، فعرف أن المبهم هنا هو المفسّر هناك، قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: وهو يقوّي المذهب الصحيح أن لقول الصحابيّ: نُهينا عن كذا حكم الرفع، وأنه فِي قوّة قوله: قَالَ النبيّ ﷺ . انتهى. "فتح" ٥/ ١١٣. والحديث متَّفقٌ عليه، كما سبق فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٩٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: نُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"خالد": هو ابن الحارث الهجيميّ. و"ابن عون": هو عبد الله. والحديث متَّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،

стр. 16639

ونعم الوكيل. ٤٤٩٧ - (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ، دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ"). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (إبراهيم بن الحسن) بن الهيثم الخثعميّ، أبو إسحاق المصّيصيّ المِقسَميّ، ثقة [١١]. ٢ - (حجاج) بن محمّد الأعور، أبو محمّد المصّيصيّ، ترمذيّ الأصل، نزل بغداد، ثم المصّيصة، ثقة ثبت، اختلط فِي آخره [٩] ٢٨/ ٣٢. ٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز منْ جريج المكيّ، نسب لجده، وله كنيتان اشتهر بهما: أبو خالد، وأبو الوليد. ثقة فقيه فاضل يدلس [٦] ٢٨/ ٣٢. ٤ - (أبو الزبير) محمّد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوق يدلّس [٤] ٣١/ ٣٥. ٥ - (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام السَّلَمي الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو وأبو داود، وابن ماجه فِي "التفسير". (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فمصّيصيان. (ومنها): أن فيه جابرا رضي الله تعالى عنه منْ المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثا. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث عن ابن جريج، أنه قَالَ: (أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ) محمّد بن مسلم (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا) هو ابن عبد الله رضي الله تعالى عنهما (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا) نافية، ولذا رُفع الفعل بعده، والمراد بالنفي النهي (يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ) تقدّم تفسيره فِي شرح حديث أنس ﵁ أول الباب (دَعُوا النَّاسَ) أي اتركوهم عَلَى ما هم عليه منْ التعامل فيما بينهم بالتسامح (يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ) بجزم "يرزق" عَلَى أنه جواب للطلب، كما قَالَ ابن مالك رحمه الله تعالى فِي "خلاصته": وَبَعْدَ غَيْرِ النَّفْيِ جَزْمًا اعْتَمِدْ … إِنَّ تَسْقُطِ الْفَا وَالْجَزَاءُ قَدْ قُصِدْ ويحتمل أن يكون بالرفع عَلَى الاستئناف، مرادًا به التعليل؛ أي لأن الله تعالى يرزق

стр. 16640

بعضهم منْ بعض. ومعنى رزق الله تعالى بعضهم منْ بعض هو أن يتبايعوا فيما بينهم بأسعار رخيصة، فتحصل لهم الفائدة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث جابر رضي الله تعالى عنه هَذَا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٧/ ٤٤٩٧ - وفي "الكبرى" ١٦/ ٦٠٨٦. وأخرجه (م) ٣٨٠٥ و٣٨٠٦ (د) ٣٤٤٢ (ت) فِي "البيوع" ١٢٢٣ (ق) فِي "التجارت" ٢١٧٦. وفوائده تقدّمت قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٩٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "لَا تَلَقُّوا الرُّكْبَانَ لِلْبَيْعِ، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"أبو الزناد": هو عبد الله بن ذكوان. و"الأعرج": هو عبد الرحمن بن هُرْمُز. والسند مسلسل بثقات المدنيين، غير شيخه، فإنه بغلانيّ، وهو منْ أصح أسانيد أبي هريرة ﵁، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه راويان مشهوران باللقب: أبو الزناد، والأعرج، فأبو الزناد لقب بصورة الكنية، وكنيته أبو عبد الرحمن، وفيه أبو هريرة ﵁ أكثر الصحابة رواية للحديث، روى (٥٣٧٤) حديثاً. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "لَا تَلَقُّوا الرُّكْبَانَ) "لا" ناهية، ولذا جُزم الفعل بعدها، و"تلقوا" -بفح أوله، وتشديد القاف المفتوحة، وضمّ الواو- أصله تتلقّوا، فحُذفت منه إحدى التاءين. و"الركبان": جمع راكب، والمراد به هنا التجار الذين يأتون إلى البلد بالسلع ليبيعوها فيها. قَالَ فِي "الفتح": هَذَا خرج مخرج الغالب فِي أن منْ يجلُب الطعام يكونون عددًا ركبانًا، ولا مفهوم له، بل لو كَانَ الجالب عددًا، مشاةً، أو واحدًا، راكبًا، أو ماشيًا لم يختلف الحكم. انتهى. وسيأتي تمام البحث عن التلقّي فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى (لِلْبَيْعِ) يشمل البيع

стр. 16641

لهم، والبيع منهم، ويُفهم منه اشتراط قصد ذلك بالتلقّي، فلو تلقّى الركبان أحد للسلام عليهم، أو الفرجة، أو خرج لحاجة له، فوجدهم، فبايعهم، هل يتناوله النهي؟ فيه احتمال، فمن نظر إلى المعنى لم يفترق عنده الحكم بذلك، وهو الأصحّ عند الشافعية، وشرط بعض الشافعيّة فِي النهي أن يبتديء المتلقّي، فيطلب منْ الجالب البيع، فلو ابتدأ الجالب بطلب البيع، فاشترى منه المتلقّي لم يدخل فِي النهي. وذكر إمام الحرمين فِي صورة التلقّي المحرّم أن يكذب فِي سعر البلد، ويشتري منهم بأقلّ منْ ثمن المثل. وذكر المتولّي فيها أن يُخبرهم بكثرة المؤنة عليهم فِي الدخول. وذكر أبو إسحاق الشيرازيّ أن يخبرهم بكساد ما معهم ليغبنهم. وَقَدْ يؤخذ منْ هذه التقييدات إثبات الخيار لمن وقعت له، ولو لم يكن هناك تلقّ، لكن صرح الشافعيّة أن كون إخباره كذبًا ليس شرطًا لثبوت الخيار، وإنما يثبت له الخيار إذا ظهر الغبن، فهو المعتبر وجودًا وعدمًا. قاله فِي "الفتح" ٥/ ١١٤ - ١١٥. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن هذه القيود التي ذكروها مما لا دليل عليه، فالذي يظهر أن إطلاق نصّ تحريم التلقّي عَلَى إطلاقه، حَتَّى يظهر نصّ يقيده بهذه القيود، أو غيرها. والله تعالى أعلم. (وَلَا يَبِعْ) بالجزم لأن "لا" ناهية، وفي بعض النسخ: "ولا يبيع"، فعلى هَذَا فـ"لا" نافية، والفعل مرفوع (بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ) سيأتي البحث عنه مستوفًى بعد بابين، إن شاء الله تعالى (وَلَا تَنَاجَشُوا) جيء بلفظ التفاعل؛ لأن التجّار يتعارضون، فيفعل هَذَا بصاحبه عَلَى أن يكافئه بمثل ما فعل، فنُهوا عن أن يفعلوا معارضة، فضلًا عن أن يفعلوا بدءًا، وسيأتي البحث فيه بعد ثلاثة أبواب، إن شاء الله تعالى (وَلَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ) تقدم شرحه مستوفًى أول الباب، فلا تغفل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعيه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٧/ ٤٤٩٨ - وفي "الكبرى" ١٦/ ٦٠٨٧. وأخرجه (خ) فِي "البيوع" ٢١٥٠ (م) فِي "البيوع" ٣٧٩٤ (د) فِي "البيوع" ٣٤٤٣. وفوائد الْحَدِيث تقدمت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٩٩ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ بْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: حَدَّثَنَا

стр. 16642

شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّهُ: "نَهَى عَنِ النَّجْشِ، وَالتَّلَقِّي، وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده، وهو مصريّ ثقة [١١] ١٥٢/ ٢٩٤٤. و"أبو شعيب": هو الليث ابن سعد، إمام أهل مصر. و"كثير بن فرقد": هو المدنيّ الثقة، نزيل مصر [٧] ٣٠/ ١٥٨٩. و"عبد الله": هو ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. والحديث متَّفقٌ عليه، ويأتي شرحه، وبيان مسائله فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ١٨ - (التَّلَقِّي) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "التّلقّي" مصدر: تلقّي يتلقّى، قَالَ فِي "اللسان": قَالَ الأزهريّ: التلقّي: هو الاستقبال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصّلت: ٣٥]، قَالَ الفرّاء: يريد ما يلقّى دفع السيئة بالحسنة، إلا منْ هو صابرٌ، أو ذو حظّ عظيم، فأنثها لتأنيث إرادة الكلمة. وقيل: أي ما يُعلَّمها، ويوفَّقُ لها إلا الصابر. وتلقّاه: أي استقبله، وفلان يتلقّى فلانًا: أي يستقبله. انتهى. وَقَالَ فِي "المصباح": لقِيته ألقاه، منْ باب تَعِبَ، لُقيّا، والأصل عَلَى فُعُول، ولُقًى بالضمّ، مع القصر، ولِقَاءً بالكسر، مع المدّ والقصر، وكلُّ شيء استقبل شيئًا، أو صادفه: فقد لقيه، ومنه لقاءُ البيتِ، وهو استقباله. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٥٠٠ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ التَّلَقِّي"). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (عبيد الله بن سعيد) أبو قُدامة السرخسيّ، ثقة ثبت [١٠] ١٥/ ١٥. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤/ ٤. ٣ - (عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمريّ، أبو

стр. 16643

عثمان المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٥] ١٥/ ١٥. ٤ - (نافع) مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/ ١٢. ٥ - (ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فسرخسيّ، ويحيى، فبصريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عبيد الله، عن نافع. (ومنها): أن فيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، منْ المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) منْ الأحاديث، وهو أحد العبادلة الأربعة، المجموعين فِي قول السيوطيّ فِي "ألفية الْحَدِيث": وَالْبَحْرُ وَابْنَا عُمَرٍ وَعَمْرِو … وَابْنُ الزُّبَيْرِ فِي اشْتِهَارٍ يَجْرِي دُونَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَهُمْ عَبَادِلَهْ … وَغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذَا مَالَ لَه والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ التَّلَقِّي) أي تلقّي الركبان، وفي الرواية التالية: "عن تلقّي الجلب، حَتَّى يُدخل بها السوق". و"الْجَلَب" -بفتحتين، أو بفتح، فسكون-: بمعنى الشيء المجلوب. وفي رواية مسلم: "نهى أن تتلقّى السِّلَع حَتَّى تبلغ الأسواق"، و"السلع" -بكسر، ففتح-: جمع سِلعة -بكسر، فسكون-: بمعنى المتاع. قَالَ الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: فسّر أصحابنا تلقّي الركبان بأن يتلقّى طائفةً يحملون طعامًا إلى البلد، فيشتريه منهم، قبل قدومهم البلد، ومعرفة سعره، ومقتضى هَذَا التفسير أن التلقّي لشراء غير الطعام، ليس حكمه كذلك، ولم أر هَذَا التقييد فِي كلام غيرهم. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: التقييد المذكور مما لا دليل عليه، فالصواب المنع مطلقاً، فتنبّه. والله تعالى أعلم. والشرط فِي التحريم -كما قالوا- أن يعلم النهي عن التلقّي، وهذا شرط فِي سائر المناهي، وروى سحنون عن ابن القاسم أنه يؤدّب، إلا أن يُعذر بالجهل، وروى عيسى ابن دينار، عن ابن القاسم أنه يؤدب إذا كَانَ معتادًا لذلك. واختلفوا فِي قصد التلقّي،

стр. 16644

فلو لم يقصده، بل خرج لشغل، فاشترى منهم، ففي تحريمه خلاف عند الشافعيّة، والمالكيّة، والأصح عند الشافعيّة تحريمه؛ لرجود المعنى، وهو الحقّ. وَقَالَ وليّ الدين رحمه الله تعالى: وشرط بعض أصحابنا للتحريم شرطًا آخر، وهو أن يبتدىء المتلقي القافلة بطلب الشراء منهم، فلو ابتدؤوه، فالتمسوا منه الشراء منهم، وهم عالمون بسعر البلد، أو غير عالمين، فجعلوه عَلَى الخلاف فيما لو بأن أن الشراء بسعر البلد، أو أكثر، والأصحّ أنه لا خيار فِي هذه الصورة. انتهى. وَقَالَ فِي "الفتح": وظاهر الْحَدِيث منع التلقّي مطلقًا، سواء كَانَ قريبًا، أم بعيدًا، وسواء كَانَ لأجل الشراء منهم، أم لا. انتهى. وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٧/ ٤٤٩٩ و١٨/ ٤٥٠٠ و٢١/ ٤٥٠٧ - وفي "الكبرى" ١٦/ ٦٠٨٨ و١٧/ ٦٠٨٩ و٦٠٩٠ و٢٠/ ٦٠٩٦. وأخرجه (خ) فِي "البيوع" ٢١٤٢ و٢١٥٩ و"الحيل" ٦٩٦٣ (م) فِي "البيوع" ١٥١٦ (د) فِي "البيوع" ٣٤٣٦ (ق) فِي "التجارات" ٢١٧٣ (أحمد) فِي "مسند المكثرين" ٤٥١٧ و٤٩٩٠ و٥٢٨٢ و٥٨٢٨ (الموطأ) فِي "البيوع" ١٣٩٢ (الدارمي) فِي "البيوع" ٢٤٥٤. (المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم تلقّي الركبان: ذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، والجمهور إلى تحريمه. وذهب أبو حنيفة، والأوزاعيّ إلى جوازه، إذا لم يضرّ بالناس، فإن أضرّ كُره، كذا حكاه النوويّ، وَقَالَ: والصحيح الأول؛ للنهي الصريح. قَالَ وليّ الدين: والذي فِي كتب الحنفيّة الكراهة فِي حالتين: [إحداهما]: أن يضرّ بأهل البلد. [والثانية]: أن يلبّس السعر عَلَى الواردين، فإن أراد النوويّ ضرر أهل البلد، فيرد عليه الحالة الثانية، وان أراد مطلق النَّاس، تناول الصورتين، ثم إن الكراهة عند بعضهم للتحريم، فإن أرادوا ذلك هنا كَانَ مذهبهم موافقا لمذهب الجمهور، لكن قَالَ ابن حزم: إن أبا حنيفة كرهه، إن أضرّ بأهل البلد، دون أن يحظره، قَالَ: وما نعلم أحدًا قاله قبله، وحكى ابن حزم عن مالك أنه لا يجوز فعله للتجارة، ولا بأس به لابتياع

стр. 16645

القوت منْ الطعام، والأضحية، قَالَ: ولا نعلمه عن أحد قبل مالك. انتهى. "طرح" ٦/ ٦٤ - ٦٥. وَقَالَ فِي "المغني": وكره التلقّي أكثر أهل العلم، منهم: عمر بن عبد العزيز، ومالك، والليث، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وحكي عن أبي حنيفة، أنه لم ير بذلك بأسا، وسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع. انتهى. ٦/ ٣١٢. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكر أن الجمهور عَلَى تحريم تلقّي الركبان، وهو الحقّ؛ للأحاديث الصحيحة المذكورة فِي هَذَا الباب وغيره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي بطلان البيع بالتلقّي: قَالَ الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: واختلفوا، فِي أن البيع هل يبطل، أم لا؟، فَقَالَ الشافعيّ، وأحمد: لا يبطل، فإن النهي لا يرجع إلى نفس العقد، ولا يُخلّ هَذَا الفعل بشيء منْ أركانه، وشرائطه، وإنما هو لأجل الإضرار بالركبان، وذلك لا يقدح فِي نفس البيع. وَقَالَ آخرون: يبطل؛ لأن النهي يقتضي الفساد، وحكاه الشيخ تقيّ الدين فِي "شرح العمدة" عن غير الشافعيّ منْ العلماء، وهذه الصيغة، لا عموم فيها، وليس المراد أن جميع العلماء غير الشافعيّ قائلون بالبطلان، وإن كانت العبارة توهم ذلك، وهذا قول فِي مذهب مالك، حكاه سحنون عن غير ابن القاسم، وَقَالَ ابن خويز منداد: البيع صحيح عَلَى قول الجميع، وإنما الخلاف فِي أن المشتري لا يفوز بالسلعة، ويشركه فيها أهل الأسواق، ولا خيار للبائع، أو أن البائع بالخيار. وَقَالَ ابن عبد البرّ: ما حكاه ابن خويز منداد عن الجميع فِي جواز البيع هو الصحيح، لا ما حكاه سحنون عن غير ابن القاسم أنه يُفسخ البيع، قَالَ: وكان ابن حبيب يذهب إلى فسخ البيع فِي ذلك، فإن لم يوجد، عُرضت السلعة عَلَى أهل السوق، واشتركوا فيها، إن أحبوا، وإن أبوها رُدّت عَلَى مبتاعها. انتهى "طرح" ٦/ ٦٥. وَقَالَ الإِمام ابن قُدامة رحمه الله تعالى: فإن خالف، وتلقى الركبان، واشترى منهم، فالبيع صحيح، فِي قول الجميع، وقاله ابن عبد البرّ: وحُكي عن أحمد، رواية أخرى، أن البيع فاسد؛ لظاهر النهي، والأول أصح؛ لأن أبا هريرة ﵁، روى أن رسول الله ﷺ ، قَالَ: "لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه، واشترى منه، فإذا أتى السوق، فهو بالخيار"، رواه مسلم، والخيار لا يكون إلا فِي عقد صحيح؛ ولأن النهي لا لمعنى فِي البيع، بل يعود إلى ضرب منْ الخديعة، يمكن استدراكها بإثبات الخيار، فأشبه بيع المصراة،

стр. 16646

وفارق بيع الحاضر للبادي، فإنه لا يمكن استدراكه بالخيار، إذ ليس الضرر عليه، إنما هو عَلَى المسلمين. انتهى "المغني" ٦/ ٣١٣. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بهذا أن الجمهور عَلَى أن البيع صحيح؛ لأن الشارع خيّر البائع، بين إمضاء البيع، وفسخه، وإنما يكون الخيار بينهما فِي عقد صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): فِي اختلاف أهل العلم فِي معنى الخيار الذي ثبت فِي هذه المسألة: قَالَ الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: قَالَ الشافعيّة: لا خيار للبائع قبل أن يقدم، ويعلم السعر، فإذا قدم، فإن كَانَ الشراء بأرخص منْ سعر البلد، ثبت له الخيار، سواء أخبر المتلقّي بالسعر كاذبًا، أم لم يخبر، وإن كَانَ الشراء بسعر البلد، أو أكثر، فوجهان: [أصحهما] عندهم أنه لا خيار له؛ لعدم الغبن. [والثاني]: ثبوته؛ لإطلاق الْحَدِيث، حيث قَالَ ﷺ : "فمن تلقّاه، فاشترى منه، فإذا أتى سيّده السوق، فهو بالخيار". وَقَالَ الحنابلة أيضًا بثبوت الخيار، لكنهم قيّدوه بأن يُغبن بما لا يُغبن به عادةً، واختلفوا فِي تقديره، فقدّره بعضهم بالثلث، وبعضهم بالسدس. واختلف المالكيّة القائلون بأن البيع لا يبطل عَلَى قولين: [أحدهما]: أن السلعة تُعرض عَلَى أهل السلع فِي السوق، فيشتركون فيها بذلك الثمن، بلا زيادة، فإن لم يوجد لها سوقٌ، عُرضت عَلَى النَّاس فِي العصر، فيشتركون فيها، إن أحبّوا، فإن نقصت عن ذلك الثمن، لزمت المشتري، قاله ابن القاسم، وأصبغ. [والثاني]: يفوز بها المشتري. وَقَالَ الليث بن سعدة إن كَانَ بائعها لم يذهب رُدّت إليه، حَتَّى تباع فِي السوق، وإن كَانَ قد ذهب، ارتُجعت منه، وبيعت فِي السوق، ودفع إليه ثمنها. انتهى "طرح" ٦/ ٦٥ - ٦٦. وَقَالَ الإِمام ابن قدامة رحمه الله تعالى -بعد أن ذكر ما تقدم فِي المسألة السابقة منْ الخلاف: فإذا تقرر هَذَا، فللبائع الخيار، إذا علم أنه قد غبن، وَقَالَ أصحاب الرأي: لا خيار له، وَقَدْ روينا قول رسول الله ﷺ فِي هَذَا، ولا قول لأحد مع قوله. وظاهر المذهب، أنه لا خيار له إلا مع الغبن؛ لأنه إنما ثبت لأجل الخديعة، ودفع الضرر، ولا ضرر مع عدم الغبن، وهذا ظاهر مذهب الشافعيّ، ويحمل إطلاق الْحَدِيث فِي إثبات الخيار، عَلَى هَذَا، لعلمنا بمعناه ومراده؛ لأنه معنى يتعلق الخيار بمثله، ولأن النبيّ ﷺ جعل له الخيار، إذا أتى السوق، فيفهم منه أنه أشار إلى معرفته بالغبن فِي

стр. 16647

السوق، ولولا ذلك لكان الخيار له، منْ حين البيع. قَالَ: وينبغي أن يتقيد الغبن المثبت للخيار بما يخرج عن العادة؛ لأن ما دون ذلك لا ينضبط. وَقَالَ أصحاب مالك: إنما نُهي عن تلقي الركبان؛ لما يفوت به منْ الرفق لأهل السوق؛ لئلا يُقطع عنهم ماله جلسوا، منْ ابتغاء فضل الله تعالى، قَالَ ابن القاسم: فإن تلقاها مُتَلَقّ، فاشتراها، عُرِضت عَلَى أهل السوق، فيشتركون فيها. وَقَالَ الليث بن سعد: تباع فِي السوق، وهذا مخالف لمدلول الْحَدِيث، فإن النبيّ ﷺ ، جعل الخيار للبائع، إذا دخل السوق، ولم يجعلوا له خيارا، وجَعْلُ النبيّ ﷺ الخيار له، يدل عَلَى أن النهي عن تلقي الركبان؛ لحقه، لا لحق غيره، ولأن الجالس فِي السوق، كالمتلقي فِي أن كل واحد منهما، مبتغ لفضل الله تعالى، فلا يليق بالحكمة فسخ عقد أحدهما، وإلحاق الضرر به، دفعا للضرر عن مثله، وليس رعاية حق الجالس، أولى منْ رعاية حق المتلقي، ولا يمكن اشتراك أهل السوق كلهم فِي سلعته، فلا يُعرَّجُ عَلَى مثل هَذَا. والله أعلم. انتهى "المغني" ٦/ ٣١٣ - ٣١٤. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي حقّقه ابن قدامة رحمه الله تعالى فِي الردّ عَلَى أصحاب مالك، رحمهم الله تعالى فيما قالوه؛ لمخالفته صريح الْحَدِيث، حسن جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): فيما ذكره أهل العلم فِي سبب النهي عن التلقّي المذكور: قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: قَالَ العلماء: وسبب التحريم إزالة الضرر عن الجالب، وصيانته ممن يخدعه، قَالَ الإمام، أبو عبد الله المازريّ: [فإن قيل]: المنع منْ بيع الحاضر للبادى سببه الرفق بأهل البلد، واحتُمِل فيه غبن البادي، والمنع منْ التلقي أن لا يُغبَن البادي، ولهذا قَالَ ﷺ : "فإذا أتى سيدُهُ السوق، فهو بالخيار". [فالجواب]: أن الشرع ينظر فِي مثل هذه المسائل، إلى مصلحة النَّاس، والمصلحة تقتضي أن يُنظر للجماعة عَلَى الواحد، لا للواحد عَلَى الواحد، فلما كَانَ البادي، إذا باع بنفسه، انتفع جميع أهل السوق، واشتروا رخيصا، فانتفع به جميع سكان البلد، نظر الشرع لأهل البلد عَلَى البادي، ولما كَانَ فِي التلقي، إنما ينتفع المتلقي خاصة، وهو واحد فِي قُبالة واحد، لم يكن فِي إباحة التلقي مصلحة، لاسيما وينضاف إلى ذلك علة ثانية، وهي لحوق الضرر بأهل السوق، فِي انفراد المتلقي عنهم بالرخص، وقطع الموادّ عنهم، وهم أكثر منْ المتلقي، فنظر الشرع لهم عليه، فلا تناقض بين المسئلتين، بل هما متفقتان فِي الحكمة، والمصلحة. والله أعلم. انتهى "شرح مسلم" ١٠/ ٤٠٣.

стр. 16648

وَقَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: واختُلف فِي وجه النهي عن التلقي، فقيل: ذلك لحقّ الله تعالى، وعلى هَذَا، فيُفسخ البيع أبدًا، وَقَالَ به بعض أصحابنا، وهذا إنما يليق بأصول أهل الظاهر. والجمهور: عَلَى أنه لحقّ الآدمي؛ لما يدخل عليه منْ الضرر، ثم اختلفوا فمن يرجع إليه هَذَا الضرر، فَقَالَ الشافعيّ: هو البائع، فيدخل عليه ضرر الغبن، وعلى هَذَا، فلو وقع لم يُفسخ، ويكون صاحبه بالخيار، وعلى هَذَا يدلّ ظاهر الْحَدِيث، فإنه قَالَ فيه: "إذا أتى سيده السوق، فهو بالخيار". وَقَالَ مالك: بل هم أهل السوق بما يدخل عليهم منْ غلاء السلع، ومقصود الشرع الرفقُ بأهل الحاضرة، كما قد قَالَ: "دع النَّاس يرزق الله بعضهم منْ بعض"، وكأن مالكًا لم تبلغه هذه الزيادة، أو لم تثبت عنده أنها منْ قول النبيّ ﷺ ، وعلى قول مالك فلا يُفسخ، ولكن يخيّر أهل السوق، فإن لم يكن سوقٌ، فأهل العصر بالخيار، وهل يدخل المتلقّي معه، أو لا؟ قولان، سبب المنع عقوبته بنقيض قصده. وَقَدْ أجاز أبو حنيفة، والأوزاعي التلقّي إلا أن يضرّ بالناس، فيكره، وهذه الأحاديث حجةٌ عليهما. انتهى "المفهم" ٤/ ٣٦٦ - ٣٦٧. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق أن الصواب ما قاله الشافعيّ رحمه الله تعالى منْ أن النهي لحقّ البائع، وأن له الخيار؛ لموافقته للنصّ الصحيح الصريح: "فإذا أتى سيّده السوق، فهو بالخيار"، فإنه يدلّ عَلَى أن البائع هو سبب النهي، وأن البيع إذا أجازه جاز، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): فِي اختلاف أهل العلم هل يُقدّر النهي عن التلقّي بمسافة، أم لا: قَالَ وليّ الدين العراقيّ رحمه الله تعالى: ظاهر الْحَدِيث أنه لا فرق فِي النهي عن التلقّي بين أن تكون المسافة التي يُتلقّى إليها قريبة، أو بعيدة، وهو الذي يقتضيه إطلاق أصحابنا، وغيرهم، وقيد المالكية محل النهي بحدّ مخصوص، واختلفوا فِي ذلك الحدّ، فَقَالَ بعضهم: ميل. وَقَالَ بعضهم: فرسخان. وَقَالَ بعضهم: يومان، وهو معنى ما رواه أبو قرّة، عن مالك أنه قَالَ: إني لأكره تلقي السلع، وأن يُبلغ به أربعة برود. انتهى. فإن زادت المسافة عَلَى ذلك لم تدخل تحت النهي، وقيل لمالك: أرأيت إن كَانَ ذلك عَلَى رأس ستة أميال؟ فَقَالَ: لا بأس بذلك، وكأن ذلك جاز عَلَى طريقته فِي أن النظر لأهل البلد، وإنما تتشوّف أطماعهم لمن قرُب منهم، وأما البعيد، فلا تشوّف لهم إليه، ولعلّ النظر فِي تحديد القرب للعرف. وحكى ابن حزم عن سفيان الثوريّ أنه منهيّ عنه إذا كَانَ بحيث لا تقصر الصلاه إليه، فإن تلقّاها بحيث تقصر الصلاة، فصاعدًا، فلا بأس بذلك. انتهى "طرح التثريب" ٦/ ٦٧ - ٦٨. وَقَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: وَقَدْ اختلف أصحابنا -يعني المالكية-

стр. 16649

فِي مسافة منع التلقّي، فقيل: يومان، وقيل ستة أميال، وقيل: قرب المصر. قلت: هذه التحديدات متعارضةٌ، لا معنى لها؛ إذ لا توقيف، وإنما محلّ المنع أن ينفرد المتلقّي بالقادم خارج السوق بحيث لا يعرف ذلك أهل السوق غالبًا، وعلى هَذَا، فيكون ذلك فِي القريب والبعيد، حَتَّى يصحّ قول بعض أصحابنا: لو تلقّى الجلب فِي أطراف البلد، أو أقاصيه، لكان تلقّيًا منهيًّا عنه، وهو الصحيح؛ لنهيه ﷺ فِي الرواية الأخرى عن تلقّي السلع حَتَّى تورد الأسواق، فلو لم يكن للسلعة سوقٌ، فلا يخرج إليها؛ لأنه التلقّي المنهيّ عنه، غير أنه يجوز أن يشتري فِي أطراف البلد؛ لأن البلد كلّه سوقها. انتهى "المفهم" ٤/ ٣٦٦. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق أن الصواب هو ما عليه الجمهور منْ أن التلقيّ حرام مطلقًا، سواء كانت المسافة قريبة، أم بعيدة، إذا كَانَ خارج السوق؛ لإطلاق النصوص فِي ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): قد عقد الإِمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه"، بابًا لمنتهى التلقّي، فَقَالَ: "باب منتهى التلقّي"، ثم أورد فيه حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. "كنّا نتلقّى الركبان، فنشتري منهم الطعام، فنهانا النبيّ ﷺ أن نبيعه، حَتَّى نبلغ به سوق الطعام"، وحديثه: "كانوا يتبايعون الطعام فِي أعلى السوق، فيبيعونه فِي مكانه، فنهاهم النبيّ ﷺ أن يبيعوه فِي مكانه، حَتَّى ينقلوه"، فبيّن بالرواية الثانية أن التلقّي كَانَ إلى أعلى السوق منْ غير خروج عن البلد، فإن خرج منها، وقع فِي التلقّي المنهيّ عنه، قَالَ وليّ الدين: وكلام أصحابنا يوافق هَذَا، حيث قالوا فِي تعريفه الذي قدّمت ذكره "قبل قدومهم البلد"، والمعنى فيه أنهم إذا قدموا البلد أمكنهم معرفة السعر، وطلب الحظّ لأنفسهم، فإن لم يفعلوا ذلك، فهو بتقصيرهم، وأما قبل دخول البلد، فإنهم لا يعرفون السعر، ولو أمكنهم تعرّفه، فنادرٌ، لا يترتب عليه حكم. وذكر ابن بطّال أن ما كَانَ خارجًا عن السوق فِي الحاضرة، أو قريبًا منها بحيث يجد منْ يسأله عن سعرها أنه لا يجوز الشراء هنالك؛ لأنه داخل فِي معنى التلقّي، وأما الموضع البعيد الذي لا يقدر فيه عَلَى ذلك، فيجوز فيه البيع، وليس بتلقّ. قَالَ مالك: وأكره أن يشتري فِي نواحي المصر حَتَّى يهبط به السوق. قَالَ ابن المنذر: وبلغني هَذَا القول عن أحمد، وإسحاق أنهما نهيا عن التلقّي خارج السوق، ورخّصا فِي ذلك فِي أعلى السوق إلى آخر كلامه، فرد تبويب البخاريّ إلى مذهبه، والمعنى الذي ذكره فِي أنه إذا وجد منْ يسأله عن السعر كَانَ الشراء حرامًا، وإن لم يجد منْ يسأله عن السعر، كَانَ جائزًا غير ملائم، والذي يقتضيه النظر عكسه. والله أعلم.

стр. 16650

وحكى ابن عبد البرّ عن الليث بن سعد أنه قَالَ: أكره تلقي السلع، وشراءها فِي الطريق، أو عَلَى بابك، حَتَّى تقف السلعة فِي سوقها التي تباع فيها، قَالَ: وإن كَانَ عَلَى بابه، أو فِي طريقه، فمرّت به سلعة، يريد صاحبها سوق تلك السلعة، فلا بأس أن يشتريها، إذا لم يقصد التلقّي، إنما التلقّي أن يقصد لذلك. انتهى "طرح التثريب" ٦/ ٦٨ - ٦٩. وذكر ابن حزم أن حديث ابن عمر هَذَا استدلّ به منْ أجاز التلقّي، قَالَ: ولا حجة لهم فيه؛ لستّة أوجه: [أحدها]: أن المحتجّين به هم القائلون بأن الصاحب إذا روى خبرًا، ثم خالفه، فقوله حجة فِي ردّ الخبر، وَقَدْ صحّ عن ابن عمر الفتيا بترك التلقّي. [ثانيها]: أنه لا كراهة عندهم فِي بيع الطعام حيث ابتاعه. [ثالثها]: أن معنى قوله: "فنهانا أن نبيعه": أن نبتاعه. [رابعها]: أن هَذَا منسوخ بالنهي. [خامسها]: أنه محمول عَلَى أن البائعين أجازوا البيع. [سادسها]: ما قدّمته منْ أن الرواية الأخرى بيّنت أن التلقّي كَانَ إلى أعلى السوق منْ غير خروج عنه. انتهى منْ "المحلى" ٨/ ٤٥١ باختصار. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٠١ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: قُلْتُ لأَبِي أُسَامَةَ: أَحَدَّثَكُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ تَلَقِّي الْجَلَبِ، حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا السُّوقَ؟، فَأَقَرَّ بِهِ أَبُو أُسَامَةَ، وَقَالَ: نَعَمْ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"أبو أسامة": هو حماد بن أُسامة. وقوله: "قلت لأبي أسامة الخ" هَذَا طريق منْ طرق تحمّل الْحَدِيث، يسمّى العَرْض، وهو القراءة عَلَى الشيخ، وهو صحيح، بلا خلاف بين الجمهور، إذا أقرّ الشيخ بذلك لفظا، كما فِي هذه الرواية، حيث قَالَ أبو أسامة: نعم، وإنما الخلاف فيما إذا سكت، والأكثرون عَلَى صحة الرواية بها. قَالَ فِي "تدريب الراوي": إذا قرأ عَلَى الشيخ، قائلا: أخبرك فلان، أو نحوه، كقلت: أخبرنا فلان، والشيخ مصغ إليه، فاهم له، غير منكر، ولا مُقِرّ لفظا، صح السماع، وجازت الرواية به؛ اكتفاء بالقرائن الظاهرة، ولا يشترط نطق الشيخ بالإقرار، كقوله: نعم عَلَى الصحيح الذي قطع به جماهير أصحاب الْحَدِيث، والفقه، والأصول، وشرط بعض الشافعيين، كالشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وابن الصباغ، وسُلَيم الرازي، وبعض الظاهريين نطقه به، وَقَالَ ابن الصباغ: ليس له إذا رواه عنه، أن يقول: حدثني،

стр. 16651

ولا أخبرني، وله أن يعمل به، وأن يرويه قائلا: قرات عليه، أو قرىء عليه، وهو يسمع، وصححه الغزالي، والآمدي، وحكاه عن المتكلمين، وحكى تجويز ذلك عن الفقهاء والمحدثين، وحكاه الحاكم عن الأئمة الأربعة، وصححه ابن الحاجب، وَقَالَ الزركشي: يشترط أن يكون سكوته، لا عن غفلة، أو إكراه، وفيه نظر. ولو أشار الشيخ برأسه، أو أصبعه للإقرار، ولم يتلفظ، فجزم فِي المحصول، بأنه لا يقول: حدثني، ولا أخبرني، قَالَ العراقي: وفيه نظر. انتهى. وإلى هَذَا أشار السيوطي رحمه الله تعالى فِي "ألفية الْحَدِيث" بقوله: إِذَا قُرِي وَلَمْ يُقِرَّ الْمُسْمَعُ … لَفْظًا كَفَى وَقِيلَ لَيْسَ يَنْفَعُ ثَالِثُهَا يَعْمَلُ أَوْ يَرْوِيهِ … بِقَدْ قَرَأْتُ أَوْ قُرِي عَلَيْهِ وقوله: "تلقّي الجلب": هو بفتحتين فَعَلٌ، بمعنى مفعول: وهو ما تجلُبُه منْ بلد إلى بلد. قاله الفيّوميّ. وَقَالَ فِي "القاموس": جلبه يجلبه، منْ بأبي ضرب، ونصر، جَلْبًا -بالسكون-، وجَلَبًا -بفتحتين- واجتلبه: ساقه منْ موضع إلى آخر، فجلب هو، وانجلب. انتهى بإيضاح. فعلم منْ هَذَا أن الجلب هنا بفتحتين، فقول السنديّ فِي "شرحه": هو بفتح اللام، وسكونها، لا وجه له؛ لأن جواز الوجهين فِي المصدر، لا فِي الجلب بمعنى المجلوب. فتنبّه. والحديث سبق تخريجه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٠٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنْ يُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ، وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ"، قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدموا غير مرّة. و"عبد الرزاق": هو ابن همّام الصنعانيّ. و"معمر": هو ابن راشد. و"ابن طاوس": هو عبد الله. والسند مسلسل باليمنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، حبر الأمة، وبحرها، وأحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم. وقوله: (أَنْ يُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ) ببناء الفعل للمفعول. وقوله: "مَا قَوْلُهُ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ ": أي ما المراد بقوله ﷺ : "لا يبيع حاضر لباد؟. وقوله: "لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا" هكذا فِي النسخة الهندية بالنصب، خبرًا لـ"يكون"، ووقع فِي النسخ المطبوعة، و"الكبرى"

стр. 16652

سمسار"، والأول أولى، وللثاني أيضًا وجه، وهو أن يكون كتب عَلَى لغة ربيعة، حيث إنهم يقفون عَلَى المنصوب المنون بالسكون، كالمرفوع، والمجرور، أو أنَّ "يكون" عملت فِي ضمير الشأن، وجملة "له سمسار" خبرها. و"السمسار" -بمهملتين، الأولى مكسورة: قَالَ فِي "الفتح": هو فِي الأصل: القيّم بالأمر، والحافظ له، ثم استُعمل فِي متولّي البيع والشراء لغيره. انتهى. وَقَالَ فِي "اللسان": السمسار الذي يبيع البرّ للناس. وَقَالَ الليث: السمسار: فارسيّة معرّبة، والجمع السماسرة. قَالَ: وقيل: السمسار: القيّم بالأمر الحافظ له، وهو فِي البيع اسم للذي يدخل بين البائع والمشتري، متوسّطًا لإمضاء البيع. قَالَ: والسمسرة البيع والشراء. انتهى باختصار ٤/ ٣٨٠ - ٣٨١. وفي هَذَا التفسير تعقب عَلَى منْ فسّر قوله: "لا يبيع حاضر لباد" بأن المراد نهي الحاضر أن يبيع للبادي فِي زمن الغلاء شيئًا يحتاج إليه أهل البلد، وهو مذكور فِي كتب الحنفيّة. أفاده فِي "الفتح" ٥/ ١١٠. مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هَذَا متَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٨/ ٤٥٠٢ - وفي "الكبرى" ١٧/ ٦٠٩١. وأخرجه (خ) فِي "البيوع" ٢١٥٨ و٢١٦٣ و"الإجارة" ٢٢٧٤ (م) فِي "البيوع" ١٥٢١ (د) فِي "البيوع" ٣٤٣٩ (ق) فِي "التجارات" ٢١٧٧ (أحمد) فِي "مسند بني هاشم" ٣٤٧٢. وفوائد الْحَدِيث تقدّمت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٠٣ - (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ الْقُرْدُوسِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ سِيرِينَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَلَقُّوا الْجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّاهُ، فَاشْتَرَى مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الإسناد إلى ابن جريج، سبق فِي الباب الماضي. و"هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ الْقُرْدُوسِيُّ": هو الأزدي، أبو عبد الله البصريّ، ثقة، منْ أثبت النَّاس فِي ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن، وعطاء مقالٌ؛ لأنه قيل: كَانَ يرسل عنهما [٦] ١٨٨/ ٣٠٠. [تنبيه]: "القردوسيّ": بضم القاف والدال، وإسكان الراء بينهما: منسوب إلى

стр. 16653

القراديس، قبيلة معروفة. قاله النوويّ فِي "شرح مسلم" ١٠/ ٤٠٣. وقوله: "فإذا أتى سيده السوق، فهو بالخيار": المراد بالسيّد: هو الجالب. قَالَ النوويّ: قَالَ أصحابنا: لا خيار للبائع قبل أن يَقدَم، ويَعلَم السعر، فإذا قَدِم، فإن كَانَ الشراء بأرخص منْ سعر البلد، ثبت له الخيار، سواء أخبر الْمُتَلَقّي بالسعر كاذبًا، أم لم يخبر، وإن كَانَ الشراء بسعر البلد، أو أكثر فوجهان: الأصح لا خيار له؛ لعدم الغبن، والثانى ثبوته؛ لإطلاق الْحَدِيث. والله أعلم. انتهى. "شرح مسلم" ١٠/ ٤٠٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هَذَا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٨/ ٤٥٠٣ - وفي "الكبرى" ١٧/ ٦٠٩٢. وأخرجه (م) فِي "البيوع" ٣٨٠٢. وبقية المسائل تقدّمت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ١٩ - (سَوْمِ الرَّجُلِ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ) ٤٥٠٤ - (حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَبِيعَنَّ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يُسَاوِمِ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَلَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا، لِتَكْتَفِىءَ مَا فِي إِنَائِهَا، وَلِتُنْكَحَ، فَإِنَّمَا لَهَا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهَا"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"إسماعيل": هو ابن عليّة. وقوله: "ولا تسأل المرأة طلاق أختها": أي لا تطلب المرأة المخطوبة أن يطلّق الخاطب امرأته الموجودة فِي بيته، يعني أنه لا تقول: لا أقبل النكاح، ولا أرضى به إلا بطلاقك زوجتك التي معك.

стр. 16654

وقوله: "لتكفىء" بالبناء للفاعل، افتعال منْ كفأ بالهمزة: أي لتكبّ ما فِي إنائها منْ الخير، وهو علّة للسؤال، والمراد أنها لا تسأل طلاقها لتصرف به ما لها منْ النفقة، والكسوة منْ الزوج عنها إليها. وقوله: "ولتُنكح" بالباء للمفعول، وهو منصوب بالعطف عَلَى "تكفىءَ"، وَقَدْ تقدّم بيان ما يتعلّق به، وبالخطبة عَلَى خِطبة أخيه، مستوفًى فِي "كتاب النكاح"، فراجعه تستفد. والحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم فِي "كتاب النكاح" ٢٠/ ٣٢٤٠ - وتقدّم شرحه، وبيان مسائله، فما بقي إلا أن أتكلّم عَلَى ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو السوم عَلَى سوم أخيه، فأقول: (مسألة): فِي أقوال أهل العلم فِي معنى السوم عَلَى سوم أخيه، وحكمه: قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: ما حاصله: معنى "سوم الرجل عَلَى سوم أخيه"، هو أن يكون، قد اتفق مالك السلعة، والراغب فيها عَلَى البيع، ولم يعقداه، فيقول الآخر للبائع: أنا أشتريه، وهذا حرام بعد استقرار الثمن، وأما السوم فِي السلعة التي تباع فيمن يزيد، فليس بحرام. انتهى "شرح مسلم" ١٠/ ٣٩٨. وَقَالَ فِي "الفتح": قَالَ العلماء: البيع عَلَى البيع حرام، وكذلك الشراء عَلَى الشراء، وهو أن يقول لمن اشترى سلعة، فِي زمن الخيار: افسَخْ لأبيعك بأنقص، أو يقول للبائع: افسخ لأشتري منك بأزيد، وهو مجمع عليه. وأما السوم، فصورته أن يأخذ شيئًا لشتريه، فيقول له: رُدّه لأبيعك خيرا منه بثمنه، أو مثله بأرخص، أو يقول للمالك: استَرِدَّه لأشتريه منك بأكثر، ومحله بعد استقرار الثمن، وركون أحدهما إلى الآخر، فإن كَانَ ذلك صريحا، فلا خلاف فِي التحريم، وإن كَانَ ظاهرا ففيه وجهان للشافعية. ونقل ابن حزم اشتراط الركون عن مالك، وَقَالَ: إن لفظ الْحَدِيث لا يدل عليه. وتعقب بأنه لابد منْ أمر مبين لموضع التحريم فِي السوم؛ لأن السوم فِي السلعة التي تباع فيمن يزيد، لا يحرم اتفاقا، كما نقله ابن عبد البرّ، فتعين أن السوم المحرم ما وقع فيه قدر زائد عَلَى ذلك. وَقَدْ استثنى بعض الشافعيّة، منْ تحريم البيع والسوم عَلَى الآخر، ما إذا لم يكن المشترى مغبونا غبنا فاحشا، وبه قَالَ ابن حزم، واحتج بحديث: "الدينُ النصيحة"، لكن لم تنحصر النصيحة فِي البيع والسوم، فله أن يُعَرّفه أن قيمتها كذا، وأنك إن بعتها بكذا مغبون، منْ غير أن يزيد فيها، فيجمع بذلك بين المصلحتين.

стр. 16655

وذهب الجمهور إلى صحة البيع المذكور، مع تأثيم فاعله، وعند المالكية، والحنابلة فِي فساده روايتان، وبه جزم أهل الظاهر. والله أعلم. انتهى ما فِي "الفتح" ٥/ ٨٨. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه المالكية، والحنابلة، وأهل الظاهر منْ فساد البيع هو الأرجح؛ لأن النهي للفساد. والله تعالى أعلم. وَقَالَ ابن قُدامة رحمه الله تعالى: ما حاصله: سوم الرجل عَلَى سوم أخيه؛ لا يخلو منْ أربعة أقسام: [أحدها]: أن يوجد منْ البائع تصريح بالرضا بالبيع، فهذا يحرم السوم عَلَى غير ذلك المشتري، وهو الذي تناوله النهي. [الثاني]: أن يظهر منه ما يدل عَلَى عدم الرضا، فلا يحرم السوم؛ لأن النبيّ ﷺ ، باع فيمن يزيد، كما سيأتي حديث أنس ﵁ بعد بابين، إن شاء الله تعالى، قَالَ: وهذا أيضًا إجماع المسلمين، يبيعون فِي أسواقهم بالمزايدة. [الثالث]: أن لا يوجد منه ما يدل عَلَى الرضا، ولا عَلَى عدمه، فلا يجوز له السوم أيضًا، ولا الزيادة؛ استدلالًا بحديث فاطمة بنت قيس، حين ذكرت للنبي ﷺ ، أن معاوية، وأبا جهم خطباها، فأمرها أن تنكح أسامة، وَقَدْ نهى عن الخطبة عَلَى خطبة أخيه، كما نهى عن السوم عَلَى سوم أخيه، فما أبيح فِي أحدهما، أبيح فِي الآخر. [الرابع]: أن يظهر منه ما يدل عَلَى الرضا، منْ غير تصريح، فَقَالَ القاضي: لا تحرم المساومة، وذكر أن أحمد نص عليه فِي الخِطبة، استدلالا بحديث فاطمة، ولأن الأصل إباحة السوم، والخطبة، فحرم منع ما وجد فيه التصريح بالرضا، وما عداه يبقى عَلَى الأصل، ولو قيل بالتحريم هاهنا: لكان وجهًا حسنًا، فإن النهي عامّ، خرجت منه الصور المخصوصة بأدلتها، فتبقى هذه الصورة عَلَى مقتضى العموم، ولأنه وجد منه دليل الرضا، فأشبه ما لو صرح به، ولا يضر اختلاف الدليل بعد التساوي فِي الدلالة، وليس فِي حديث فاطمة ما يدل عَلَى الرضا؛ لأنها جاءت مستشيرة للنبي ﷺ ، وليس ذلك دليلًا عَلَى الرضا، فكيف ترضى، وَقَدْ نهاها النبيّ ﷺ بقوله: "لا تفوتينا بنفسك"، فلم تكن تفعل شيئًا، قبل مراجعة النبيّ ﷺ ، والحكم فِي الفساد كالحكم فِي البيع عَلَى بيع أخيه، فِي الموضع الذي حكمنا بالتحريم فيه. انتهى "المغني" ٦/ ٣٠٦ - ٣٠٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". ***

стр. 16656

٢٠ - (بَيْعِ الرَّجُلِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ) ٤٥٠٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: "لَا يَبِيعُ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. والسند منْ رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (٢١٧) منْ رباعيات الكتاب، وهو منْ أصحّ أسانيد ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. وقوله: "لا يبيع" "لا" نافيه، والفعل مرفوع، والمراد منْ النفي النهي، وهو أبلغ، كما تقدّم غير مرّة. والحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم تخريجه فِي "كتاب النكاح" ٢٠/ ٣٢٣٨، وبقي هنا الكلام عَلَى ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه مسائل: (مسألة): فِي أقوال أهل العلم فِي معنى بيع الرجل عَلَى بيع أخيه، وحكمه: قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: ما حاصله: معنى "بيع الرجل عَلَى بيع أخيه": هو أن يقول لمن اشترى شيئًا فِي مدة الخيار: افسَخْ هَذَا البيع، وأنا أبيعك مثله، بأرخصَ منْ ثمنه، أو أجود منه بثمنه، ونحو ذلك، وهذا حرام، ويحرم أيضًا الشراء عَلَى شراء أخيه، وهو أن يقول للبائع، فِي مدة الخيار: افسخ هَذَا البيع، وأنا أشتريه منك، بأكثر منْ هَذَا الثمن، ونحو هَذَا. قَالَ: وأجمع العلماء عَلَى منع البيع عَلَى بيع أخيه، والشراء عَلَى شرائه، والسوم عَلَى سومه، فلو خالف، وعَقَد فهو عاص، وينعقد البيع، هَذَا مذهب الشافعيّ، وأبي حنيفة وآخرين. وَقَالَ داود: لا ينعقد، وعن مالك روايتان، كالمذهبين، وجمهورهم عَلَى إباحة البيع والشراء، فيمن يزيد، وَقَالَ الشافعيّ: وكرهه بعض السلف. انتهى "شرح مسلم" ١٠/ ٣٩٨. وَقَالَ ابن قُدامة رحمه الله تعالى: معنى قوله ﷺ : "لا يبع بعضكم عَلَى بيع بعض": أن الرجلين إذا تبايعا، فجاء آخر إلى المشتري فِي مدة الخيار، فَقَالَ: أنا أبيعك مثل هذه السلعة، دون هَذَا الثمن، أو أبيعك خيرا منها بثمنها، أو دونه، أو عرض عليه سلعة، رغب فيها المشتري، ففسخ البيع، واشترى هذه، فهذا غير جائز؛ لنهي النبيّ ﷺ عنه، ولما فيه منْ الإضرار بالمسلم، والإفساد عليه، وكذلك إن اشترى عَلَى شراء أخيه، وهو أن يجيء

стр. 16657

إلى البائع، قبل لزوم العقد، فيدفع فِي المبيع أكثر منْ الثمن، الذي اشتُري به، فهو محرّم أيضًا؛ لأنه فِي معنى المنهي عنه، ولأن الشراء يسمى بيعا، فيدخل فِي النهي، ولأن النبيّ ﷺ ، نهى أن يخطب عَلَى خطبة أخيه، وهو فِي معنى الخاطب. فإن خالف، وعقد فالبيع باطل؛ لأنه منهي عنه، والنهي يقتضي الفساد. ويحتمل أنه صحيح؛ لأن المحرم هو عرض سلعته عَلَى المشتري، أو قوله الذي فَسَخَ البيع منْ أجله، وذلك سابق عَلَى البيع، ولأنه إذا صح الفسخ الذي حصل به الضرر، فالبيع المحصل للمصلحة أولى، ولأن النهي لحق آدمي، فأشبه بيع النجش، وهذا مذهب الشافعيّ. انتهى "المغني" ٦/ ٣٠٥ - ٣٠٦. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الأرجح هو القول ببطلان البيع؛ لأن النهي يقتضي الفساد، إلا إذا صرفه صارف إلى غيره، كبيع المصرّاة، وتلقّي الجلب، عَلَى ما تقدّم بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): قَالَ القاضي ابن كجّ منْ الشافعيّة: تحريم البيع عَلَى بيع أخيه أن لا يكون المشتري مغبونًا غبنًا مُفْرطًا، فإن كَانَ فله أن يُعرّفه، ويبيع عَلَى بيعه؛ لأنه ضرب منْ النصيحة. قَالَ النوويّ: هَذَا الشرط انفرد به ابن كجّ، وهو خلاف ظاهر إطلاق الْحَدِيث، والمختار أنه ليس بشرط. والله أعلم. قَالَ وليّ الدين: ووافقه ابن حزم، فَقَالَ: وأما منْ منْ رأى المساوم، أو البائع لا يريد الرجوع إلى القيمة، لكن يريد غبن صاحبه بغير علمه، فهذا فرض عليه نصيحة المسلم، فقد خرج عن هَذَا النهي بقول رسول الله ﷺ : "الدين النصيحة". انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي قاله ابن كج، ووافقه عليه ابن حزم هو الذي لا يتّجه عندي غيره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): محلّ التحريم ما لم يأذن البائع فِي البيع عَلَى بيعه، فإن أذن فِي ذلك ارتفع التحريم عَلَى الصحيح، وَقَدْ ورد التصريح بذلك فيما أخرجه مسلم فِي "صحيحه" منْ طريق عبيد الله، عن نافع: "لا يبيع الرجل عَلَى بيع أخيه، ولا يخطب عَلَى خطبة أخيه، إلا أن يأذن له". قَالَ فِي "الفتح": قوله: "إلا أن يأذن له" يحتمل أن يكون استثناء منْ الحكمين، كما هو قاعدة الشافعيّ. ويحتمل أن يختصّ بالأخير، ويؤيّد الثاني رواية البخاريّ فِي "النكاح" منْ طريق ابن جريج، عن نافع، بلفظ: "نهى أن يبيع الرجل عَلَى بيع أخيه، ولا يخطب الرجل عَلَى خطبة أخيه، حَتَّى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له الخاطب"، ومن ثم نشأ خلافٌ للشافعية: هل يختصّ ذلك بالنكاح، أو يلتحق به البيع فِي ذلك؟، والصحيح عدم الفرق. انتهى "الفتح" ٥/ ٨٧.

стр. 16658

قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عدم الفرق هو الذي يظهر لي؛ لأن النهي كَانَ لحقه، فإذا أذن فقد زال المانع، وَقَدْ أخرجه المصنّف فِي الرواية التالية ٤٥٠٦ بلفظ: "لا يبيع الرجل عَلَى بيع أخيه، حَتَّى يبتاع، أو يذر". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): ظاهر قوله: "عَلَى بيع أخيه" اختصاص ذلك بالمسلم، وبه قَالَ الأوزاعيّ، وأبو عبيد بن حربويه، منْ الشافعيّة، وأصرح منْ ذلك رواية مسلم، منْ طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: "لا يسوم المسلم عَلَى سوم المسلم، وَقَالَ الجمهور: لا فرق فِي ذلك بين المسلم والذميّ، وذكر الأخ خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له. أفاده فِي "الفتح" ٥/ ٨٨. وَقَالَ فِي "الطرح" ٦/ ٧١ - بعدما ذكر خلاف أبي عبيد المذكور-: والصحيح خلافه؛ لأن هَذَا خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له. وَقَالَ ابن عبد البرّ: أجمع الفقهاء عَلَى أنه لا يجوز دخول المسلم عَلَى الذميّ فِي سومه، إلا الأوزاعيّ وحده، فإنه قَالَ: لا بأس به. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٠٦ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : قَالَ "لَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، حَتَّى يَبْتَاعَ، أَوْ يَذَرَ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه؛ رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"إسحاق": هو ابن راهويه. و"أبو معاوية": هو محمّد بن خازم الضرير. و"عبيد الله": هو ابن عمر العمريّ. وقوله: "حَتَّى يبتاع": أي يشتري، وهو غاية لما يُفهم أي لينتظر حَتَّى يبتاع، وإلا لا تستقيم الغاية، ثم هذه الغاية تؤيّد القول إن المراد بالبيع المغيّا هو الشراء، والسوم. قاله السنديّ. قَالَ الجامع: حمل البيع هنا عَلَى الشراء خلاف ما عليه الجمهور، ولا داعي إليه؛ لأنه خلاف ظاهر اللفظ، بل الصواب ما عليه الجمهور، قَالَ فِي "الطرح" ٦/ ٦٩ - ٧٠: ذهب ابن حبيب منْ المالكيّة، وأبو عبيدة معمر بن المثنّى، وأبو عبيد القاسم بن سلّام، وأبو زيد الأنصاريّ إلى حمل البيع عَلَى بيع أخيه عَلَى الشراء عَلَى شراء أخيه؛ لأن العرب تقول: بعتُ بمعنى اشتريتُ، قالوا: لأنه لا يبيع أحد عَلَى بيع أحد فِي العادة.

стр. 16659

قَالَ وليّ الدين: وما أدري أيّ موجب لصرف اللفظ عن ظاهره، والاستعمال الذي ذكروه فِي تسمية الشراء بيعًا، وإن كَانَ صحيحًا، ولكن عكسه أشهر منه، وَقَدْ ردّ ذلك ابن عبد البرّ، وكون البيع عَلَى البيع لا يغلب وقوعه مردود، وبتقدير ذلك، فهذا لا يقتضي أنه لا يُنهى عنه. انتهى. وقوله: "أو يذَرَ": أي يترك البيع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٢١ - (النَّجْشُ) بفتح، فسكون، أو بفتحتين، سيأتي معناه قريبًا. ٤٥٠٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : "نَهَى عَنِ النَّجْشِ"). هَذَا السند سبق البحث فيه فِي الباب الماضي، وهو (٢١٨) منْ رباعيات الكتاب. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : "نَهَى عَنِ النَّجْشِ") قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: -بنون مفتوحة، ثم جيم ساكنة، ثم شين معجمة-: هو أن يزيد فِي ثمن السلعة، لا لرغبة فيها، بل ليخدَع غيره، ويَغُرَّه ليزيد، ويشتريها. وأصل النجش: الاستثارة، ومنه نَجَشت الصيد أَنجُشُه بضم الجيم، نَجْشًا: إذا استثرته، سُمِّي الناجش فِي السلعة ناجشا؛ لأنه يُثير الرغبة فيها، ويرفع ثمنها. وَقَالَ ابن قتيبة: أصل النجش: الْخَتْلُ، وهو الخداع، ومنه قيل للصائدة ناجش؛ لأنه يَختِل الصيد، ويختال له، وكلُّ منْ استثار شيئًا، فهو ناجش. وَقَالَ الهروي: قَالَ أبو بكر: النجش المدح، والإطراء، وعلى هَذَا معنى الْحَدِيث: لا يمدح أحدكم السلعة، ويزيد فِي ثمنها بلا رغبة، والصحيح الأول. انتهى "شرح مسلم" ١٠/ ٣٩٩. وَقَالَ فِي "الفتح" ٥/ ٩٠ - بعد ذكر ما تقدّم: ما نصه: ويقع ذلك بمواطاة البائع،

стр. 16660

فيشتركان فِي الإثم، ويقع ذلك بغير علم البائع، فيختص بذلك الناجش، وَقَدْ يختص به البائع، كمن يخبر بأنه اشترى سلعة بأكثر، مما اشترها به؛ ليغر غيره بذلك. انتهى. وَقَالَ وليّ الدين رحمه الله تعالى: فسّره أصحابنا الشافعيّة بأن يزيد فِي ثمن السلعة، لا لرغبة فيها، بل ليخدع غيره، ويغرّه؛ ليزيد، ويشتريها، وكذا فسّره به الحنفيّة، والمالكيّة، والحنابلة، كما رأيته فِي "الهداية"، وكتاب ابن الحاجب، و"المحرّر" لابن تيميّة، وعبارة "الهداية": هو أن يزيد فِي الثمن، ولا يريد الشراء، ليرغّب غيره. وعبارة ابن الحاجب: هو أن يزيد ليغُرّ. وعبارة صاحب "المحرّر": إن النجش مزايدة منْ لا يريد الشراء، تغريرًا له. وقيّد الترمذيّ ذلك فِي "جامعه" بأن تكون الزيادة بأكثر مما يسوى، وكذا قيّده ابن عبد البرّ، وابن العربيّ بأن تكون الزيادة فوق ثمنها، وَقَالَ ابن العربيّ: إنه لو زاد فيها حَتَّى ينتهي إلى قيمتها، فهو مأجور بذلك، وكذا ذكر هَذَا التقييد ابن الرفعة منْ متأخري الشافعيّة. انتهى "طرح" ٦/ ٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢١/ ٤٥٠٧ - وفي "الكبرى" ٢٠/ ٦٠٩٦. وأخرجه (خ) فِي "البيوع" ٢١٤٢ و"الحيل" ٦٩٦٣ (م) فِي "البيوع" ٣٧٩٧ (ق) فِي "التجارات" ٢١٧٣. [تنبيه]: قَالَ وليّ الدين رحمه الله تعالى: اتّفق عليه الشيخان، والنسائيّ، وابن ماجه منْ طريق مالك، ورواه النسائيّ أيضًا منْ رواية كثير بن فرقد، كلاهما عن نافع، وَقَالَ ابن عبد البرّ: هكذا رواه جماعة أصحاب مالك، وزاد فيه القعنبيّ: قَالَ: وأحسبه قَالَ: "وأن تُتلقّى السِّلَعُ حَتَّى يُهبط بها الأسواق"، ولم يذكر غيره هذه الزيادة. ورواه يعقوب بن إسماعيل بن محمّد، قاضي المدائن، قَالَ: أنا يحيى بن موسى، أنا عبد الله ابن نافع، حدثني مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ نهى عن التحبير، قَالَ: والتحبير أن يمدح الرجل سلعته بما ليس فيها". قَالَ ابن عبد البرّ: هكذا قَالَ: التحبير، وفسّره، ولم يتابع عَلَى هَذَا اللفظ، وإنما المعروف "النجش". انتهى. "طرح التثريب" ٦/ ٦١. (المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم النجش: قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: النجش حرام بالإجماع، والبيع صحيح، والإثم

стр. 16661

مختص بالناجش، إن لم يعلم به البائع، فإن واطأه عَلَى ذلك، أثما جميعًا، ولا خيار للمشترى، إن لم يكن منْ البائع مواطأة، وكدا إن كانت فِي الأصح؛ لأنه قصر فِي الاغترار، وعن مالك رواية أن البيع باطل، وجعل النهى عنه مقتضيا للفساد. انتهى. وَقَالَ الإِمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه": "باب النجش، ومن قَالَ: لا يجوز ذلك البيع، وَقَالَ ابن أبي أوفى ﵁: "الناجش آكل ربًا، خائنٌ" وهو خِداع باطلٌ، لا يحلّ. قَالَ النبيّ ﷺ : "الخديعة فِي النار" (١)، و"منْ عمل عملًا ليس عليه أمرنا، فهو ردّ (٢) ". ثم أورد حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما المذكور فِي الباب. قَالَ فِي "الفتح": قوله: "ومن قَالَ: لا يجوز ذلك البيع": كأنه يشير إلى ما أخرجه عبد الرزاق، منْ طريق عمر بن عبد العزيز، أن عاملا له، باع سبيا، فَقَالَ له: لولا أني كنت أزيد، فأنفقه لكان كاسدا، فَقَالَ له عمر: هَذَا نجش، لا يحل، فبعث مناديا ينادي أن البيع مردود، وأن البيع لا يحل. قَالَ ابن بطال: أجمع العلماء عَلَى أن الناجش عاص بفعله، واختلفوا فِي البيع، إذا وقع عَلَى ذلك، ونقل ابن المنذر، عن طائفة منْ أهل الْحَدِيث، فساد ذلك البيع، وهو قول أهل الظاهر، ورواية عن مالك، وهو المشهور عند الحنابلة، إذا كَانَ ذلك بمواطاة البائع، أو صنعه، والمشهور عند المالكية فِي مثل ذلك، ثبوت الخيار، وهو وجه للشافعية، قياسا عَلَى المصراة، والأصح عندهم صحة البيع، مع الإثم، وهو قول الحنفية. وَقَالَ الرافعي: أطلق الشافعيّ فِي المختصر تعصية الناجش، وشرط فِي تعصية منْ باع عَلَى بيع أخيه، أن يكون عالمًا بالنهي، وأجاب الشارحون، بأن النجش خديعة، وتحريم الخديعة واضح لكل أحد، وإن لم يعلم هَذَا الْحَدِيث بخصوصه، بخلاف البيع عَلَى بيع أخيه، فقد لا يشترك فيه كل أحد. واستشكل الرافعي الفرق بأن البيع عَلَى بيع أخيه إضرار، والإضرار يشترك فِي علم

стр. 16662

تحريمه كل أحد، قَالَ: فالوجه تخصيص المعصية فِي الموضعين بمن علم التحريم. انتهى. وَقَدْ حكى البيهقي فِي "المعرفة"، و"السنن" عن الشافعيّ تخصيص المعصية فِي النجش أيضًا بمن أعلم النهي، فظهر أن ما قاله الرافعي بحثا منصوص، ولفظ الشافعيّ: النجشُ أن يَحضُر الرجلُ السلعةَ، تُباع، فيُعطِي بها الشيءَ، وهو لا يريد شراءها؛ ليقتدي به السُّوّام، فيعطون بها أكثر مما كانوا يعطون، لو لم يسمعوا سومه، فمن نجش فهو عاص بالنجش، إن كَانَ عالمًا بالنهي، والبيع جائز لا يفسده معصية رجل نجش عليه. انتهى. قَالَ: وَقَدْ اتفق أكثر العلماء، عَلَى تفسير النجش فِي الشرع بما تقدم، وقيد ابن عبد البرّ، وابن العربي، وابن حزم التحريم، بأن تكون الزيادة المذكورة فوق ثمن المثل، قَالَ ابن العربي: فلو أن رجلًا رأى سلعة رجل، تباع بدون قيمتها، فزاد فيها؛ لتنتهى إلى قيمتها، لم يكن ناجشا عاصيا، بل يؤجر عَلَى ذلك بنيته، وَقَدْ وافقه عَلَى ذلك بعض المتأخرين منْ الشافعيّة، وفيه نظر؛ إذ لم تتعين النصيحة فِي أن يُوهم أنه يريد الشراء، وليس منْ غرضه، بل غرضه أن يزيد عَلَى منْ يريد الشراء، أكثر مما يريد أن يشتري به، فللذى يريد النصيحة مندوحة عن ذلك، بأن يُعلم البائع بأن قيمة سلعتك أكثر منْ ذلك، ثم هو باختياره بعد ذلك. ويحتمل أن لا يتعين عليه إعلامه بذلك حَتَّى يسأله؛ لحديث: "دعو النَّاس يرزق الله بعضهم منْ بعض، فإذا استَنصَحَ أحدكم أخاه، فلينصحه"، رواه مسلم. والله أعلم. انتهى "الفتح" ٥/ ٩٠ - ٩١. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول ببطلان البيع بالنجش كما هو ظاهر مذهب البخاريّ، وجماعة منْ أهل الْحَدِيث، وأهل الظاهر، هو الأظهر؛ لظاهر النهي؛ إذ هو يقتضي الفساد، إلا لصارف، كما فِي بيع المصرّاة، وتلقي الجلب، كما سبق، ولم يوجد فِي نهي النجش صارف، فتنبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٠٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ شُعَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "لَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَزِيدُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ الأُخْرَى، لِتَكْتَفِىءَ مَا فِي إِنَائِهَا"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"محمّد بن يحيى": هو الذهليّ الحافظ النيسابوريّ. و"شعيب": هو ابن أبي حمزة

стр. 16663

الحمصيّ. وقوله: "ولا تناجشوا" بحذف إحدى التاءين، وأصله: ولا تتناجشوا، وذكره بصيغة التفاعل؛ لأن التاجر إذا فعل لصاحبه ذلك، كَانَ بصدد أن يفعل له مثله. قاله فِي "الفتح". والحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق شرحه، وبيان مسائله فِي "كتاب النكاح" ٢٠/ ٣٢٤٠. فما بقي هنا إلا ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وَقَدْ سبق فِي الْحَدِيث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٠٩ - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَزِيدُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا؛ لِتَسْتَكْفِىءَ بِهِ مَا فِي صَحْفَتِهَا"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"يزيد": هو ابن زُريع. وقوله: "لتستكفىء" السين، والتاء زائدان، أي لتكفىء، وتقلب. وقوله: "ما فِي "صحفتها" -بفتح الصاد، وسكون الحاء المهملتين-: إناء، كالقَصْعة، والجمع صِحَاف، مثلُ كلبة وكِلاب، وَقَالَ الزمخشريّ: الصَّحْفَة: قصعة مستطيلة. قاله الفيّوميّ. وهو بمعنى قوله فِي الرواية السابقة: "ما فِي إنائها"، وهو كناية عن صرف ما لها عند الزوج منْ الحظوة، والكرامة عنها إليها. والحديث متَّفقٌ عليه، كما سبق بيانه فِي الْحَدِيث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٢٢ - (الْبَيْعِ فِيمَنْ يَزِيدُ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: يحتمل أن تكون "فِي" بمعنى "منْ"، ويحتمل أن تكون بمعنى اللام. والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 16664

٤٥١٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ، قَالَا: حَدَّثَنَا الأَخْضَرُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْحَنَفِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَاعَ قَدَحًا، وَحِلْسًا فِيمَنْ يَزِيدُ"). رجال هَذَا الإسناد. ستة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظليّ ابن راهويه المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢. (٢) (المعتمر) بن سليمان بن طرخان التيميّ، أبو محمّد البصريّ، ثقة، منْ كبار [٩] ١٠/ ١٠. ٣ - (عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطاً، وهو أخو إسرائيل، ثقة مأمون [٨] ٨/ ٨. ٤ - (الأخضر بن عجلان) الشيبانيّ البصريّ، صدوقٌ [٤]. قَالَ ابن معين: صالح. وَقَالَ مرّة: ليس به بأس. وَقَالَ أبو حاتم: يُكتب حديثه. وَقَالَ النسائيّ: ثقة. وَقَالَ الأزديّ: ضعيف، لا يصحّ يعني حديثه. وفي "العلل الكبير" للترمذيّ: قَالَ البخاريّ: أخضر ثقة. وذكره ابن حبّان، وابن شاهين فِي "الثقات". روى له الأربعة، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب حديث الباب فقط. ٥ - (أبي بكر الحنفيّ) عبد الله البصريّ، لا يعرف حاله [٤]. روى عن أنس هَذَا الْحَدِيث فقط، وعنه الأخضر بن عجلان، رواه الأربعة، وحسّنه الترمذيّ، وَقَالَ البخاريّ: لا يصحّ حديثه. وَقَالَ ابن القطّان الفاسيّ: عدالته لم تثبت، فحاله مجهولة. ٦ - (أنس بن مالك) الأنصاريّ الخادم رضي الله تعالى عنه ٦/ ٦. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، بَاعَ قَدَحًا) -بفتحتين-: آنية معروفة، والجمع أَقداح، مثلُ سبب وأسباب. قاله الفيّوميّ. وفي "اللسان": الْقَدَح منْ الآنية -بالتحريك- واحد الأقداح التي للشرب، معروف، قَالَ أبو عبيد: يُروي الرجلين، وليس لذلك وقتٌ، وقيل: هو اسمٌ يجمع صغارها، وكبارها، والجمع: أقداح، ومتّخِذها قَدّاح، وصِناعَتُهُ: القِدَاحة. انتهى. (وَحِلْسًا) -بكسر الحاء المهملة، وسكون اللام، أو بفتحتين-: قَالَ فِي "القاموس": الْحِلْسُ بالكسر: كساء

стр. 16665

عَلَى ظهر البعير، تحت الْبَرْذَعَة، ويُبسَط فِي البيت تحت حُرِّ الثياب، ويُحَرَّك، جمعه أحلاسٌ، وحُلُوسٌ، وحِلَسَةٌ. انتهى. وَقَالَ فِي "اللسان": الْحِلْسُ، والْحَلَسُ، مثلُ شِبْهٍ، وشَبَهِ، ومِثْلٍ، ومَثَلٍ: كلُّ شيء وَلِيَ ظهر البعير، والدابّة، تحت الرحل، والْقَتَبِ، والسَّرْجِ، وهي بمنزلة الْمِرْشَحَة، تكون تحت اللِّنْد. وقيل: هو كساء رقيقٌ يكون تحت الْبَرْذَعَةِ، والجمع أَحْلاس، وحُلُس. قَالَ: وحِلْسُ البيت: ما يُبسط تحت حُرِّ المتاع، منْ مِسْحٍ ونحوه، والجمع أحلاس. وَقَالَ ابن الأعرابيّ: يقال لبساط البيت: الْحِلْسُ، ولِحُصُرِه: الْفُحُول. انتهى. (فِيمَنْ يَزِيدُ) الظاهر أن فِي بمعنى "منْ". قاله السنديّ. وهذا الْحَدِيث فيه قصّة، وَقَدْ ساقها أبو داود رحمه الله تعالى فِي "سننه"، فَقَالَ: ١٦٤١ - حدثنا عبد الله بن مسلمة، أخبرنا عيسى بن يونس، عن الأخضر بن عجلان، عن أبي بكر الحنفي، عن أنس بن مالك، أن رجلًا منْ الأنصار، أتى النبيّ ﷺ يسأله، فَقَالَ: "أما فِي بيتك شيء؟ "، قَالَ: بلى، حِلْسٌ نلبس بعضه، ونبسط بعضه، وقَعْبٌ (١)، نشرب فيه منْ الماء، قَالَ: "ائتني بهما"، قَالَ: فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله ﷺ بيده، وَقَالَ: "منْ يشتري هذين؟ "، قَالَ رجل: أنا آخذهما بدرهم، قَالَ: "منْ يزيد عَلَى درهم؟ " مرتين، أو ثلاثًا، قَالَ رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين، وأعطاهما الأنصاريّ، وَقَالَ: "اشتر بأحدهما طعاما، فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قَدُّوما، فأتني به"، فأتاه به، فَشَدَّ فيه رسول الله ﷺ عُودا بيده، ثم قَالَ له: "اذهب، فاحتطب، وبع، ولا أرينك خمسة عشر يوما"، فذهب الرجل يحتطب، ويبيع، فجاء، وَقَدْ أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبا، وببعضها طعاما، فَقَالَ رسول الله ﷺ : "هَذَا خير لك، منْ أن تجيء المسألة، نكتة فِي وجهك، يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح، إلا لثلاثة: لذي فَقْر مُدْقِع (٢)، أو لذي غُرْم مُفْظِع (٣)، أو لذي دم مُوجِع" (٤). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
следующие страницы →