مختص بالناجش، إن لم يعلم به البائع، فإن واطأه عَلَى ذلك، أثما جميعًا، ولا خيار للمشترى، إن لم يكن منْ البائع مواطأة، وكدا إن كانت فِي الأصح؛ لأنه قصر فِي الاغترار، وعن مالك رواية أن البيع باطل، وجعل النهى عنه مقتضيا للفساد. انتهى.
وَقَالَ الإِمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه": "باب النجش، ومن قَالَ: لا يجوز ذلك البيع، وَقَالَ ابن أبي أوفى ﵁: "الناجش آكل ربًا، خائنٌ" وهو خِداع باطلٌ، لا يحلّ. قَالَ النبيّ ﷺ : "الخديعة فِي النار" (١)، و"منْ عمل عملًا ليس عليه أمرنا، فهو ردّ (٢) ". ثم أورد حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما المذكور فِي الباب.
قَالَ فِي "الفتح": قوله: "ومن قَالَ: لا يجوز ذلك البيع": كأنه يشير إلى ما أخرجه عبد الرزاق، منْ طريق عمر بن عبد العزيز، أن عاملا له، باع سبيا، فَقَالَ له: لولا أني كنت أزيد، فأنفقه لكان كاسدا، فَقَالَ له عمر: هَذَا نجش، لا يحل، فبعث مناديا ينادي أن البيع مردود، وأن البيع لا يحل.
قَالَ ابن بطال: أجمع العلماء عَلَى أن الناجش عاص بفعله، واختلفوا فِي البيع، إذا وقع عَلَى ذلك، ونقل ابن المنذر، عن طائفة منْ أهل الْحَدِيث، فساد ذلك البيع، وهو قول أهل الظاهر، ورواية عن مالك، وهو المشهور عند الحنابلة، إذا كَانَ ذلك بمواطاة البائع، أو صنعه، والمشهور عند المالكية فِي مثل ذلك، ثبوت الخيار، وهو وجه للشافعية، قياسا عَلَى المصراة، والأصح عندهم صحة البيع، مع الإثم، وهو قول الحنفية.
وَقَالَ الرافعي: أطلق الشافعيّ فِي المختصر تعصية الناجش، وشرط فِي تعصية منْ باع عَلَى بيع أخيه، أن يكون عالمًا بالنهي، وأجاب الشارحون، بأن النجش خديعة، وتحريم الخديعة واضح لكل أحد، وإن لم يعلم هَذَا الْحَدِيث بخصوصه، بخلاف البيع عَلَى بيع أخيه، فقد لا يشترك فيه كل أحد.
واستشكل الرافعي الفرق بأن البيع عَلَى بيع أخيه إضرار، والإضرار يشترك فِي علم
стр. 16662
تحريمه كل أحد، قَالَ: فالوجه تخصيص المعصية فِي الموضعين بمن علم التحريم. انتهى.
وَقَدْ حكى البيهقي فِي "المعرفة"، و"السنن" عن الشافعيّ تخصيص المعصية فِي النجش أيضًا بمن أعلم النهي، فظهر أن ما قاله الرافعي بحثا منصوص، ولفظ الشافعيّ: النجشُ أن يَحضُر الرجلُ السلعةَ، تُباع، فيُعطِي بها الشيءَ، وهو لا يريد شراءها؛ ليقتدي به السُّوّام، فيعطون بها أكثر مما كانوا يعطون، لو لم يسمعوا سومه، فمن نجش فهو عاص بالنجش، إن كَانَ عالمًا بالنهي، والبيع جائز لا يفسده معصية رجل نجش عليه. انتهى.
قَالَ: وَقَدْ اتفق أكثر العلماء، عَلَى تفسير النجش فِي الشرع بما تقدم، وقيد ابن عبد البرّ، وابن العربي، وابن حزم التحريم، بأن تكون الزيادة المذكورة فوق ثمن المثل، قَالَ ابن العربي: فلو أن رجلًا رأى سلعة رجل، تباع بدون قيمتها، فزاد فيها؛ لتنتهى إلى قيمتها، لم يكن ناجشا عاصيا، بل يؤجر عَلَى ذلك بنيته، وَقَدْ وافقه عَلَى ذلك بعض المتأخرين منْ الشافعيّة، وفيه نظر؛ إذ لم تتعين النصيحة فِي أن يُوهم أنه يريد الشراء، وليس منْ غرضه، بل غرضه أن يزيد عَلَى منْ يريد الشراء، أكثر مما يريد أن يشتري به، فللذى يريد النصيحة مندوحة عن ذلك، بأن يُعلم البائع بأن قيمة سلعتك أكثر منْ ذلك، ثم هو باختياره بعد ذلك. ويحتمل أن لا يتعين عليه إعلامه بذلك حَتَّى يسأله؛ لحديث: "دعو النَّاس يرزق الله بعضهم منْ بعض، فإذا استَنصَحَ أحدكم أخاه، فلينصحه"، رواه مسلم. والله أعلم. انتهى "الفتح" ٥/ ٩٠ - ٩١.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول ببطلان البيع بالنجش كما هو ظاهر مذهب البخاريّ، وجماعة منْ أهل الْحَدِيث، وأهل الظاهر، هو الأظهر؛ لظاهر النهي؛ إذ هو يقتضي الفساد، إلا لصارف، كما فِي بيع المصرّاة، وتلقي الجلب، كما سبق، ولم يوجد فِي نهي النجش صارف، فتنبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٠٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ شُعَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "لَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَزِيدُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ الأُخْرَى، لِتَكْتَفِىءَ مَا فِي إِنَائِهَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح.
و"محمّد بن يحيى": هو الذهليّ الحافظ النيسابوريّ. و"شعيب": هو ابن أبي حمزة
стр. 16663
الحمصيّ.
وقوله: "ولا تناجشوا" بحذف إحدى التاءين، وأصله: ولا تتناجشوا، وذكره بصيغة التفاعل؛ لأن التاجر إذا فعل لصاحبه ذلك، كَانَ بصدد أن يفعل له مثله. قاله فِي "الفتح".
والحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق شرحه، وبيان مسائله فِي "كتاب النكاح" ٢٠/ ٣٢٤٠. فما بقي هنا إلا ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وَقَدْ سبق فِي الْحَدِيث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٠٩ - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَزِيدُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا؛ لِتَسْتَكْفِىءَ بِهِ مَا فِي صَحْفَتِهَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"يزيد": هو ابن زُريع.
وقوله: "لتستكفىء" السين، والتاء زائدان، أي لتكفىء، وتقلب. وقوله: "ما فِي "صحفتها" -بفتح الصاد، وسكون الحاء المهملتين-: إناء، كالقَصْعة، والجمع صِحَاف، مثلُ كلبة وكِلاب، وَقَالَ الزمخشريّ: الصَّحْفَة: قصعة مستطيلة. قاله الفيّوميّ. وهو بمعنى قوله فِي الرواية السابقة: "ما فِي إنائها"، وهو كناية عن صرف ما لها عند الزوج منْ الحظوة، والكرامة عنها إليها.
والحديث متَّفقٌ عليه، كما سبق بيانه فِي الْحَدِيث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٢٢ - (الْبَيْعِ فِيمَنْ يَزِيدُ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: يحتمل أن تكون "فِي" بمعنى "منْ"، ويحتمل أن تكون بمعنى اللام. والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 16664
٤٥١٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ، قَالَا: حَدَّثَنَا الأَخْضَرُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْحَنَفِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَاعَ قَدَحًا، وَحِلْسًا فِيمَنْ يَزِيدُ").
رجال هَذَا الإسناد. ستة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظليّ ابن راهويه المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢.
(٢) (المعتمر) بن سليمان بن طرخان التيميّ، أبو محمّد البصريّ، ثقة، منْ كبار [٩] ١٠/ ١٠.
٣ - (عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطاً، وهو أخو إسرائيل، ثقة مأمون [٨] ٨/ ٨.
٤ - (الأخضر بن عجلان) الشيبانيّ البصريّ، صدوقٌ [٤].
قَالَ ابن معين: صالح. وَقَالَ مرّة: ليس به بأس. وَقَالَ أبو حاتم: يُكتب حديثه. وَقَالَ النسائيّ: ثقة. وَقَالَ الأزديّ: ضعيف، لا يصحّ يعني حديثه. وفي "العلل الكبير" للترمذيّ: قَالَ البخاريّ: أخضر ثقة. وذكره ابن حبّان، وابن شاهين فِي "الثقات". روى له الأربعة، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب حديث الباب فقط.
٥ - (أبي بكر الحنفيّ) عبد الله البصريّ، لا يعرف حاله [٤].
روى عن أنس هَذَا الْحَدِيث فقط، وعنه الأخضر بن عجلان، رواه الأربعة، وحسّنه الترمذيّ، وَقَالَ البخاريّ: لا يصحّ حديثه. وَقَالَ ابن القطّان الفاسيّ: عدالته لم تثبت، فحاله مجهولة.
٦ - (أنس بن مالك) الأنصاريّ الخادم رضي الله تعالى عنه ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، بَاعَ قَدَحًا) -بفتحتين-: آنية معروفة، والجمع أَقداح، مثلُ سبب وأسباب. قاله الفيّوميّ. وفي "اللسان": الْقَدَح منْ الآنية -بالتحريك- واحد الأقداح التي للشرب، معروف، قَالَ أبو عبيد: يُروي الرجلين، وليس لذلك وقتٌ، وقيل: هو اسمٌ يجمع صغارها، وكبارها، والجمع: أقداح، ومتّخِذها قَدّاح، وصِناعَتُهُ: القِدَاحة. انتهى. (وَحِلْسًا) -بكسر الحاء المهملة، وسكون اللام، أو بفتحتين-: قَالَ فِي "القاموس": الْحِلْسُ بالكسر: كساء
стр. 16665
عَلَى ظهر البعير، تحت الْبَرْذَعَة، ويُبسَط فِي البيت تحت حُرِّ الثياب، ويُحَرَّك، جمعه أحلاسٌ، وحُلُوسٌ، وحِلَسَةٌ. انتهى. وَقَالَ فِي "اللسان": الْحِلْسُ، والْحَلَسُ، مثلُ شِبْهٍ، وشَبَهِ، ومِثْلٍ، ومَثَلٍ: كلُّ شيء وَلِيَ ظهر البعير، والدابّة، تحت الرحل، والْقَتَبِ، والسَّرْجِ، وهي بمنزلة الْمِرْشَحَة، تكون تحت اللِّنْد. وقيل: هو كساء رقيقٌ يكون تحت الْبَرْذَعَةِ، والجمع أَحْلاس، وحُلُس. قَالَ: وحِلْسُ البيت: ما يُبسط تحت حُرِّ المتاع، منْ مِسْحٍ ونحوه، والجمع أحلاس. وَقَالَ ابن الأعرابيّ: يقال لبساط البيت: الْحِلْسُ، ولِحُصُرِه: الْفُحُول. انتهى.
(فِيمَنْ يَزِيدُ) الظاهر أن فِي بمعنى "منْ". قاله السنديّ.
وهذا الْحَدِيث فيه قصّة، وَقَدْ ساقها أبو داود رحمه الله تعالى فِي "سننه"، فَقَالَ:
١٦٤١ - حدثنا عبد الله بن مسلمة، أخبرنا عيسى بن يونس، عن الأخضر بن عجلان، عن أبي بكر الحنفي، عن أنس بن مالك، أن رجلًا منْ الأنصار، أتى النبيّ ﷺ يسأله، فَقَالَ: "أما فِي بيتك شيء؟ "، قَالَ: بلى، حِلْسٌ نلبس بعضه، ونبسط بعضه، وقَعْبٌ (١)، نشرب فيه منْ الماء، قَالَ: "ائتني بهما"، قَالَ: فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله ﷺ بيده، وَقَالَ: "منْ يشتري هذين؟ "، قَالَ رجل: أنا آخذهما بدرهم، قَالَ: "منْ يزيد عَلَى درهم؟ " مرتين، أو ثلاثًا، قَالَ رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين، وأعطاهما الأنصاريّ، وَقَالَ: "اشتر بأحدهما طعاما، فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قَدُّوما، فأتني به"، فأتاه به، فَشَدَّ فيه رسول الله ﷺ عُودا بيده، ثم قَالَ له: "اذهب، فاحتطب، وبع، ولا أرينك خمسة عشر يوما"، فذهب الرجل يحتطب، ويبيع، فجاء، وَقَدْ أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبا، وببعضها طعاما، فَقَالَ رسول الله ﷺ : "هَذَا خير لك، منْ أن تجيء المسألة، نكتة فِي وجهك، يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح، إلا لثلاثة: لذي فَقْر مُدْقِع (٢)، أو لذي غُرْم مُفْظِع (٣)، أو لذي دم مُوجِع" (٤). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 16666
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه هَذَا ضعيف؛ لجهالة أبي بكر الحنفيّ.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٢/ ٤٥١٠ - وفي "الكبرى" ٢١/ ٦٠٩٩. وأخرجه (د) فِي "الزكاة" ١٦٤١ (ت) فِي "البيوع" ١٢١٨ (ق) فِي "التجارات" ٢١٩٨ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١١٥٥٧. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): أنّ المصنّف رحمه الله تعالى استدلّ به عَلَى جواز البيع لمن يزيد، وأنه لا يكون منْ باب بيع عَلَى بيع أخيه؛ لكن الْحَدِيث ضعيف، كما مرّ آنفاً، إلا أن ابن قُدامة رحمه الله تعالى ذكر فِي "المغني" ٦/ ٣٠٧ أنه إجماع المسلمين، يبيعون فِي أسواقهم بالمزايدة. انتهى، فإن صحّ هَذَا الإجماع، فهو الحجة فِي المسألة، فافهم. والله تعالى أعلم.
(ومنها): ما قاله الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى: يُستدلّ به عَلَى بيع الحاكم عَلَى المعسر، ولكن لم يُنقل هنا أنه كَانَ عليه دين، حَتَّى يبيع الحاكم عليه، وَقَدْ يقال: كانت نفقة أهله واجبة عليه، فهي كالدين، وأراد الاكتساب بالسؤال، فكره له النبيّ ﷺ السؤال، مع القدرة عَلَى الكسب، فباع عليه بعض ما يملكه، واشترى له به آلة يكتسب بها، وَقَدْ يقال: هَذَا تصرّفٌ فِي ماله برضاه، مع أن النبيّ ﷺ يجوز له التصرّف فِي أموال أمّته بما شاء، فتصرّف له عَلَى وجه المصلحة. والله أعلم. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا كلّه مبنيّ عَلَى صحة الْحَدِيث، وَقَدْ عرفت ما فيه. فتأمّل. والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): أخرج الدارقطنيّ رحمه الله تعالى فِي "سننه" منْ رواية عبد الله بن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، قَالَ: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع المزايدة، ولا يبع أحدكم عَلَى بيع أخيه، إلا الغنائم، والمواريث"، ومن رواية عمر بن مالك، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن زيد بن أسلم، قَالَ: سمعت رجلًا، يقال له: شهر، كَانَ تاجرًا، وهر يسأل عبد الله بن عمر، عن بيع المزايدة؟ فَقَالَ: "نهى رسول الله ﷺ أن يبيع أحدكم عَلَى بيع أحد، حَتَّى يذر، إلا الغنائم، والمواريث"، ومن طريق الواقديّ، عن أسامة بن زيد الليثيّ، عن عبيد الله بن أبي
стр. 16667
جعفر به مثله.
قَالَ وليّ الدين: عبد الله بن لهيعة ضعيف عند الأكثر، وعمر بن مالك هو الشرعبيّ، موثّق، وأخرج له مسلم، والواقديّ ضعيف عند المحدّثين، وأسامة بن زيد مختلف فيه، فالإسناد الثاني منْ أسانيد الدارقطنيّ هذه لا بأس به (١).
قَالَ: تقدّم الكلام عَلَى البيع عَلَى بيع أخيه، وفي رواية الدارقطنيّ استثناء الغنائم، والمواريث، ومقتضاها جواز البيع عَلَى البيع فيهما خاصة. وحكى الترمذيّ فِي "جامعه" عن أهل العلم أنهم لم يروا بأسًا ببيع منْ يزيد فِي الغنائم، والمواريث. وَقَالَ القاضي أبو بكر ابن العربيّ: الباب واحد، والمعنى مشترك، لا يختصّ به غنيمة، ولا ميراث. وَقَالَ العراقيّ: فِي "شرح الترمذيّ": وإنما قيّد ذلك بالغنيمة، والميراث، تبعًا للحديث الوارد فِي ذلك، فأورد هَذَا الْحَدِيث، ثم قَالَ: والظاهر أن الْحَدِيث خرج عَلَى الغالب، وعلى ما كانوا يعتادون البيع فيه مزايدة، وهي الغنائم، والمواريث، فإن وقع البيع فِي غيرهما مزايدة، فالمعنى واحد، كما قَالَ ابن العربي.
قَالَ وليّ الدين: وَقَدْ يكون الميراث لواحد، أو لجماعة، ويتفقون عَلَى بيعه لشخص بثمن معيّن، منْ غير طلب زيادة، فلا تجوز الزيادة حينئذ، وكذلك فِي الغنيمة، فظهر أن هَذَا الاستثناء لا يصحّ التمسّك به فِي جميع الصور، لا عكسًا، ولا طرادًا، وإنما خرج عَلَى الغالب. والله أعلم. انتهى. "طرح التثريب" ٦/ ١٠٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٢٣ - (بَيْعِ الْمُلَامَسَةِ)
٤٥١١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ، وَأَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "نَهَى عَنِ الْمُلَامَسَةِ، وَالْمُنَابَذَةِ").
стр. 16668
رجال هَذَا الإسناد: ثمانية:
١ - (محمّد بن سلمة) المرادي الجملي، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠.
٢ - (الحارث بن مسكين) بن محمّد القاضي المصريّ، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩.
٣ - (ابن القاسم) عبد الرحمن العُتَقيّ المصريّ الفقيه، ثقة، منْ كبار [١٠] ١٩/ ٢٠.
٤ - (مالك) بن أنس الإِمام المدنيّ، ثقة ثبت حجة [٧] ٧/ ٧.
٥ - (محمّد بن يحيى بن حَبّان) الأنصاريّ المدنيّ، ثقة فقيه [٤] ٢٢/ ٢٣.
٦ - (أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان المدنيّ الفقيه، ثقة [٥] ١٧/ ١٨.
٧ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ١٧/ ١٨.
٨ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين منْ مالك، ومن قبله مصريون. (ومنها): أن فيه رواية تابعيين عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة أكثر منْ روى الْحَدِيث فِي دهره. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "نَهَى عَنِ الْمُلَامَسَةِ) مفاعلة، مصدر لامس، ولا يكون إلا بين اثنين، وأصلها منْ لمس الشيء باليد، وسيأتي تفسيره فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى، والمراد أن يُجعل العقد لمس المبيع، ويكون ذلك قاطعًا للخيار عند البيع، أو قاطعا للخيار بعد البيع، أو قاطعًا لكل خيار، أقوال (وَالْمُنَابَذَةِ) مفاعلة، فهو مصدر نابذ، منْ النبذ، وهو الرمي، وسيأتي تفسيره بعد بابين، والمراد أن يُجعل العقد نبذ المبيع، كسابقه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٣/ ٤٥١٠ و٢٦/ ٤٥١٥ و٤٥١٩ - وفي "الكبرى" ٢٢/ ٦١٠٠ و٢٥/
стр. 16669
٦١٠٥ و٦١٠٨. وأخرجه (خ) فِي "الصلاة" ٢٦٨٥ و"البيوع" ٢١٤٥ و٢١٤٦ و"اللباس" ٥٨٢١ (م) فِي "البيوع" ١٥١١ (ت) فِي "البيوع" ١٣١٠ (ق) فِي "التجارات" ٢١٦٩ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ٢٧٦١٩ و٢٧٢٤٥ و٩٨١٣ و٩٨٦٨ و١٠٠٦٤ "الموطأ" فِي "البيوع" ١٣٧١.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تحريم بيع الملامسة، لما فيها منْ الغرر. (ومنها): تحريم بيع المنابذة؛ لما ذُكر. (ومنها): حرص الشارع عَلَى إبعاد ما يكون سببًا للمنافرة، والمشاحنة، منْ التعامل التي كانت بين النَّاس، فِي أيام الجاهلية، ومنها بيع الملامسة، والمنابذة، وبيع الحصاة، وكلّ بيع يؤدّي إلى الغرر، حَتَّى لا يكون بين المسلمين ما كَانَ فِي أهل الجاهلية، منْ التدابر، والتقاطع، والتخاذل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٢٤ - (تَفْسِيرِ ذَلِكَ)
٤٥١٢ - (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "نَهَى عَنِ الْمُلَامَسَةِ، لَمْسِ الثَّوْبِ، لَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَعَنِ الْمُنَابَذَةِ، وَهِيَ طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ، إِلَى الرَّجُلِ بِالْبَيْعِ، قَبْلَ أَنْ يُقَلِّبَهُ، أَوْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ").
رجال هَذَا الإسناد: سبعة:
١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ) الجوزجانيّ، نزيل دمشق، ثقة حافظ رمي بالنصب [١١] ١٢٢/ ١٧٤.
٢ - (عبد الله بن يوسف) التنّيسيّ، أبو محمّد الكلاعيّ، دمشقيّ الأصل، ثقة متقن، منْ أثبت النَّاس فِي "الموطإ"، منْ كبار [١٠] ١٧/ ١٥٤٠.
٣ - (الليث) بن سعد الإِمام المصريّ الحجة الثبت [٧] ٣١/ ٣٥.
стр. 16670
٤ - (عُقيل) -بالضم- بن خالد بن عقيل -بالفتح- الأمويّ مولاهم، أبو خالد الأيليّ، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر، ثقة ثبت [٦] ١٢٥/ ١٨٧.
٥ - (ابن شهاب) محمّد بن مسلم الزهريّ المدنيّ الإِمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١.
٦ - (عامر بن سعد بن أبي وقّاص) الزهريّ المدنيّ، ثقة [٣] ٣٨/ ٦٧٩.
٧ - (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما ١٦٩/ ٢٦٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو وأبو داود، والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين منْ ابن شهاب، والباقون مصريون، غير شيخه، فدمشقيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد منْ المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا.
والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك رضي الله تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "نَهَى عَنِ الْمُلَامَسَةِ، لَمْسِ الثَّوْبِ) بالجرّ بدل مما قبله، أو بالرفع خبر لمحذوف: أي هو لمس الثوب، ويؤيّد هَذَا قوله الآتي: "وهو طرح الرجل"، ويحتمل النصب عَلَى أنه مفعول لفعل مقدّر: أي يعني (لا يَنْظُرُ إِلَيْهِ) يعني أنه لا يرى باطن الثوب بعينيه، حَتَّى يعلم ما فيه منْ العيب، وإنما يكون تمام العقد بمجرّد لمسه بيده (وَعَنِ الْمُنَابَذَةِ، وَهِيَ طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ، إِلَى الرَّجُلِ بِالْبَيْعِ) أي بسبب بيعه له (قَبْلَ أَنْ يُقَلِّبَهُ) يحتمل أن يكون بفتح أوله، وتخفيف اللام، منْ القلب، منْ باب ضرب، ويحتمل أن يكون بتشديد اللام، منْ التقليب (أَوْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ) الظاهر أن "أو" للشك منْ الراوي. وفي حديث أبي هريرة ﵁ الآتي بعد باب: منْ رواية ابن المسيب، عنه: "وَالْمُلَامَسَةُ أَنْ يَتَبَايَعَ الرَّجُلَانِ بِالثَّوْبَيْنِ، تَحْتَ اللَّيْلِ، يَلْمِسُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمَا ثَوْبَ صَاحِبِهِ بِيَدِهِ، وَالْمُنَابَذَةُ أَنْ يَنْبِذَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ الثَّوْبَ، وَيَنْبُذَ الآخَرُ إِلَيْهِ الثَّوْبَ، فَيَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ".
وفي رواية حفص بن عاصم، عنه: "وزعم أَنّ الملامسة أن يقول الرجل للرجل: أبيعك ثوبي بثوبك، ولا ينظر واحد منهما إلى ثوب الآخر، ولكن يَلْمُسُه لمسا، والمنابذة أن يقول: أنبِذُ ما معي، وتَنبِذُ ما معك، ليشتري كل واحد منهما منْ الآخر، ولا يَدرِي كل واحد منهما، كم مع الآخر؟، ونحو منْ هَذَا الوصف.
стр. 16671
قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: وهذا التفسير الذي فِي حديث أبي هريرة ﵁، أقعد بلفظ الملامسة والمنابذة؛ لأنها مفاعلة، فتستدعي وجود الفعل منْ الجانبين.
واختلف العلماء فِي تفسير الملامسة، عَلَى ثلاث صور: وهي أوجه للشافعية، [أصحها]: أن يأتي بثوب مَطْوِيّ، أو فِي ظلمة، فيَلمِسَهُ المستام، فيقول له صاحب الثوب: بعتكه بكذا، بشرط أن يقوم لَمْسُك مقام نظرك، ولا خيار لك، إذا رأيته، وهذا موافق للتفسيرين اللذين فِي الْحَدِيث. [الثاني]: أن يجعلا نفس اللمس بيعا، بغير صيغة زائدة. [الثالث]: أن يجعلا اللمس شرطا فِي قطع خيار المجلس وغيره، والبيعُ عَلَى التأويلات كلها باطل، ومأخذ الأول عدم شرط رؤية المبيع، واشتراط نفي الخيار، ومأخذ الثاني اشتراط نفى الصيغة، فِي عقد البيع، فيؤخذ منه بطلان بيع المعاطاة مطلقا، لكن منْ أجاز المعاطاة قيدها بالمحقرات، أو بما جرت فيه العادة بالمعاطاة، وأما الملامسة، والمنابذة عند منْ يستعملهما، فلا يخصهما بذلك، فعلى هَذَا يجتمع بيع المعاطاة مع الملامسة والمنابذة، فِي بيع صور المعاطاة، فلمن يجيز بيع المعاطاة أن يخص النهي فِي بعض صور الملامسة والمنابذة، عما جرت العادة فيه بالمعاطاة، وعلى هَذَا يُحمل قول الرافعي: إن الأئمة أجروا فِي بيع الملامسة والمنابذة الخلاف الذي فِي المعاطاة. والله أعلم.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم فِي أوائل البيوع أن اشتراط الصيغة فِي العقد، قول لا يؤيده دليلٌ، فلا يُلتفت إليه، ثم إن تفسير الملامسة بهذا التفسير الثاني غير صحيح؛ لأنه بعيد عن التفسير المذكور فِي الْحَدِيث، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
قَالَ: ومأخذ الثالث شرط نفي خيار المجلس، وهذه الأقوال، هي التي اقتصر عليها الفقهاء، ويخرج مما ذكرناه منْ طريق الْحَدِيث زيادة عَلَى ذلك.
وأما المنابذة، فاختلفوا فيها أيضًا عَلَى ثلاثة أقوال، وهي أوجه للشافعية: [أصحها]: أن يجعلا نفس النبذ بيعا، كما تقدم فِي الملامسة، وهو الموافق للتفسير فِي الْحَدِيث المذكور. [والثاني]: أن يجعلا النبذ بيعا بغير صيغة.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد عرفت ما فيه فيما ذكرته آنفاً.
[والثالث]: أن يجعلا النبذ قاطعا للخيار، واختلفوا فِي تفسير النبذ، فقيل: هو طرح الثوب، كما وقع تفسيره فِي الْحَدِيث المذكور. وقيل: هو نبذ الحصاة، والصحيح أنه غيره، وَقَدْ روى مسلم النهي عن بيع الحصاة، منْ حديث أبي هريرة.
قَالَ الجامع: وسيأتي للمصنّف بعد بابين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 16672
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٤/ ٤٥١٢ و٢٥/ ٤٥١٣ و٤٥١٤ و٢٦/ ٤٥١٦ و٤٥١٧ - وفي "الكبرى" ٢٣/ ٦١٠١ و٢٤/ ٦١٠٢ و٢٥/ ٦١٠٣/ ٦١٠٥ و٦١٠٦. وأخرجه (خ) فِي "الصلاة" ٣٦٧ و"الصوم" ١٩٩٢ و"البيوع" ٢١٤٤ و٢١٤٧ و"اللباس" ٥٨٢٠ و٥٨٢٢ و"الاستئذان" ٦٢٨٤ (م) فِي "البيوع" ١٥١٢ (د) فِي "البيوع" ٣٣٧٧ (ق) فِي "التجارات" ٢١٧٠ و"اللباس" ٢٥٥٩ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١٠٦٣٩ و١٠٧١٠ و١١٠٢٩ و١١٢٣٧ و١١٤٨٩ و٢٤٤٩.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تفسير الملامسة. (ومنها): ما قيل: أنه يُستدلّ بقوله: "لمس الثوب، لا ينظر إليه" عَلَى بطلان بيع الغائب، وهو قول الشافعيّ فِي الجديد، وعن أبي حنيفة يصح مطلقا، ويثبت الخيار إذا رآه، وحُكي عن مالك، والشافعي أيضًا، وعن مالك يصح إن وصفه، وإلا فلا، وهو قول الشافعيّ فِي القديم، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأهل الظاهر، واختاره البغوي، والروياني منْ الشافعيّة، وإن اختلفوا فِي تفاصيله، ويؤيده قوله، فِي رواية أبي عوانة، التي قدمتها، لا ينظرون إليها، ولا يخبرون عنها، وفي الاستدلال لذلك وفاقا، وخلافا طول. قاله فِي "الفتح".
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الاستدلال بهذا الْحَدِيث عَلَى بطلان بيع الغائب فيه نظر لا يخفى، فإن الغائب يعلم بالوصف، فإن لم يتّفق مع الوصف يكون له الخيار، بخلاف الملامسة، فإنه لا يُخبره بما فيه، ولا يأذن له أن ينظر بنفسه، قَالَ الإِمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى فِي "شرح العمدة"، لما ذكر الاستدلال به عَلَى بطلان بيع الغائب: ومن يشترط الوصف فِي بيع الأعيان الغائبة لا يكون الْحَدِيث دليلًا عليه؛ لأنه لم يذكر وصفًا.
وذكر أبو محمّد ابن حزم رحمه الله تعالى أن الشافعيّة استدلّوا عَلَى منع الغائب بنهيه ﷺ عن بيع الغرر، وعن الملامسة، والمنابذة، قَالَ: ولا حجة لهم فيه؛ لأن بيع الغائب إذا وُصف عن رؤية، وخبرة، ومعرفة، قد صحّ ملكه لمّا اشترى، فأين الغرر؟ قَالَ: ومما يبطله أنه لم يزل المسلمون يتبايعون الضياع بالصفة، وهي فِي البلاد البعيدة، وَقَدْ
стр. 16673
باع عثمان ابنَ عمر ﵃ مالًا لعثمان بخيبر بمال لابن عمر بوادي القرى. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي قاله ابن حزم رحمه الله تعالى منْ صحّة بيع الغائب بالوصف هو الحقّ، وَقَدْ تعقّب وليّ الدين كلام ابن حزم هَذَا، بما هو دفاع بَحْتٌ عن مذهبه، تركت ذكره لكونه خَلْفًا، فتبصّر بالدليل السديد، ولا تكن أسير التقليد. والله تعالى أعلم.
(ومنها): ما قيل: أيضًا إنه يُستَدلّ به عَلَى بطلان بيع الأعمى مطلقا، وهو قول معظم الشافعيّة، حَتَّى منْ أجاز منهم بيع الغائب؛ لكون الأعمى لا يراه بعد ذلك، فيكون كبيع الغائب، مع اشتراط نفي الخيار. وقيل: يصح إذا وصفه له غيره، وبه قَالَ مالك، وأحمد، وعن أبي حنيفة يصح مطلقا، عَلَى تفاصيل عندهم أيضًا. قاله فِي "الفتح" أيضًا.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي ما ذهب إليه مالك، وأحمد، وأبو حنيفة، منْ جواز بيع الأعمى، وشرائه، إذا وُصف المتاع له؛ لأن حكمه فِي المعاملات كحكم غيره ممن يُبصر، دون فرق، وليس نصّ، ولا إجماع يميّزه عنهم، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(تنبيهان): [الأول]: قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: وقع عند ابن ماجه أن التفسير منْ قول سفيان بن عيينة، وهو خطأ منْ قائله، بل الظاهر أنه قول الصحابيّ، كما هو ظاهر السياق، ولاسيّما حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁.
[الثاني]: حديث أبي سعيد ﵁، اختُلف فيه عَلَى الزهريّ، فرواه معمر، وسفيان، وابن أبي حفصة، وعبد الله بن بُديل، وغيرهم، عنه، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد، ورواه عقيل، ويونس، وصالح بن كيسان، وابن جريج، عن الزهريّ، عن عامر بن سعد، عن أبي سعيد، وروى ابن جريج بعضه، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي سعيد، وهو محمول عند البخاريّ، عَلَى أنها كلها عند الزهريّ، واقتصر مسلم عَلَى طريق عامر بن سعد وحده، وأعرض عما سواها.
وَقَدْ خالفهم كلهم الزُّبيدي، فرواه عن الزهريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة.
وخالفهم أيضًا جعفر بن بُرقان، فرواه عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، وزاد فِي آخره: "وهي بيوع، كانوا يتبايعون بها فِي الجاهلية"، أخرجها النسائيّ، وخطّأ رواية جعفر. قاله فِي "الفتح" ٥/ ٩٦.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: تخطئة النسائيّ لرواية جعفر مذكورة فِي "الكبرى"، وسأبينها عند شرح روايته الآتية بعد باب، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم
стр. 16674
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٢٥ - (بَيْعِ الْمُنَابَذَةِ)
٤٥١٣ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنِ الْمُلَامَسَةِ، وَالْمُنَابَذَةِ فِي الْبَيْعِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة، وهم مصريّون إلى يونس، والباقون مدنيون.
والحديث متَّفقٌ عليه، وهو طريق آخر لحديث أبي سعيد ﵁ المذكور فِي الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥١٤ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ بَيْعَتَيْنِ: عَنِ الْمُلَامَسَةِ، وَالْمُنَابَذَةِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد عندهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"سفيان": هو ابن عيينة. والحديث طريق ثالث لحديث أبي سعيد ﵁، وَقَدْ سبق شرحه، وبيان مسائله فِي الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
…
٢٦ - (تَفْسِيرُ ذَلِكَ)
٤٥١٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى بْنِ بُهْلُولٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدًا، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ
стр. 16675
- ﷺ ، عَنِ الْمُلَامَسَةِ، وَالْمُنَابَذَةِ وَالْمُلَامَسَةُ أَنْ يَتَبَايَعَ الرَّجُلَانِ بِالثَّوْبَيْنِ، تَحْتَ اللَّيْلِ، يَلْمِسُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمَا ثَوْبَ صَاحِبِهِ بِيَدِهِ، وَالْمُنَابَذَةُ أَنْ يَنْبِذَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ الثَّوْبَ، وَيَنْبُذَ الآخَرُ إِلَيْهِ الثَّوْبَ، فَيَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير شيخه، وهو حمصيّ صدوق، له أوهام، وكان يدلّس [١٠] ٣/ ٣٦٣.
و"محمّد بن حرب": هو الأبرش الحمصيّ. و"الزبيديّ": هو محمّد بن الوليد الحمصيّ. و"سعيد": هو المسيّب.
وقوله: "أن يتبايع الرجلان بالثوبين" الظاهر أن الباء زائدة. وقوله: "تحت الليل" أي تحت ظلام الليل، وليس كونه ليلًا شرطًا، ففي حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ عند مسلم: "والملامسة: لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل، أو بالنهار، ولا يقلبه إلا بذلك" الْحَدِيث.
وقوله: "يلمس" بضمّ الميم، وكسرها منْ بابي نصر، وضرب. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق قبل بابين. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: حديث أبي هريرة ﵁، أخرجه البخاريّ عنه منْ طُرُق، ثالثها طريق حفص بن عاصم، عنه، -يعني الآتي للنسائي فِي هَذَا الباب ٤٥١٩ - وهو فِي "مواقيت الصلاة"، ولم يذكر فِي شيء منْ طرقه عنه، تفسير المنابذة والملامسة، وَقَدْ وقع تفسيرهما فِي رواية مسلم، والنسائي، وظاهر الطرق كلها، أن التفسير منْ الْحَدِيث المرفوع، لكن وقع فِي رواية النسائيّ -يعني رواية حفص الآتية- ما يُشعر بأنه منْ كلام منْ دون النبيّ ﷺ ، ولفظه: "وزعم أن الملامسة أن يقول الخ"، فالأقرب أن يكون ذلك منْ كلام الصحابيّ؛ لبعد أن يُعَبّر الصحابيّ عن النبيّ ﷺ ، بلفظ "زعم"، ولوقوع التفسير فِي حديث أبي سعيد الخدريّ. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥١٦ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عَامِرَ بْنَ سَعْدٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُلَامَسَةِ، وَالْمُلَامَسَةُ لَمْسُ الثَّوْبِ، لَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَعَنِ الْمُنَابَذَةِ، وَالْمُنَابَذَةُ طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ إِلَى الرَّجُلِ، قَبْلَ أَنْ يُقَلِّبَهُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، أبي داود، سليمان بن سيف، وهو حرّانيّ، ثقة. و"أبو يعقوب": هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ. و"صالح": هو ابن كيسان المدنيّ.
стр. 16676
والحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق قبل باب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥١٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ لُبْسَتَيْنِ، وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ، أَمَّا الْبَيْعَتَانِ: فَالْمُلَامَسَةُ، وَالْمُنَابَذَةُ، وَالْمُنَابَذَةُ: أَنْ يَقُولَ إِذَا نَبَذْتُ هَذَا الثَّوْبَ، فَقَدْ وَجَبَ -يَعْنِي الْبَيْعَ- وَالْمُلَامَسَةُ: أَنْ يَمَسَّهُ بِيَدِهِ، وَلَا يَنْشُرَهُ، وَلَا يُقَلِّبَهُ، إِذَا مَسَّهُ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلّهم تقدّموا غير مرّة.
وقوله: "بيعتين" بفتح أوله، والمراد به المرّة منْ البيع. قاله فِي "الطرح" ٦/ ١٠٠. وَقَالَ فِي "الفتح" ٢/ ٢٨: بفتح الموحدة، ويجوز كسرها، عَلَى إرادة الهيئة. انتهى. وَقَالَ السنديّ: المشهور فتح الباء، والأقرب الكسر عَلَى الهيئة. انتهى.
وقوله: "عن لبستين" قَالَ فِي "النهاية" ٤/ ٢٢٦: هي بكسر اللام: الهيئة، والحالة، وروي بالضمّ عَلَى المصدر، والأول الوجه. انتهى. والمراد باللبستين: اشتمال الصمّاء، والاحتباء بثوب واحد، ليس عَلَى فرجه منه شيء.
أما "اشتمال الصماء": فهو بالصاد المهملة، والمد، قَالَ أهل اللغة؛ هو أن يُخَلِّل جسده بالثوب، لا يرفع منه جانبا، ولا يُبقي ما يُخرج منه يده، قَالَ ابن قتيبة: سميت صماء؛ لأنه يَسُدُّ المنافذ كلها، فتصير كالصخرة الصماء، التي ليس فها خرق. وَقَالَ الفقهاء: هو أن يلتحف بالثوب، ثم يرفعه منْ أحد جانبيه، فيضعه عَلَى منكبه، فيصير فرجه باديا، قَالَ النوويّ: فعلى تفسير أهل اللغة، يكون مكروها؛ لئلا يَعرِض له حاجة، فيتعسر عليه إخراج يده، فيلحقه الضرر، وعلى تفسير الفقهاء يحرم، لأجل انكشاف العورة. قَالَ الحافظ: ظاهر سياق البخاريّ، منْ رواية يونس، فِي "اللباس": أن التفسير المذكور فيها مرفوع، وهو موافق لما قَالَ الفقهاء، ولفظه: "والصماء أن يجعل ثوبه عَلَى أحد عاتقيه، فيبدو أحد شقيه"، وعلى تقدير أن يكون موقوفًا، فهو حجة عَلَى الصحيح؛ لأنه تفسير منْ الراوي، لا يخالف ظاهر الخبر.
وأما "الاحتباء": فهو أن يقعد عَلَى ألْيَتيه، وينصب ساقيه، ويَلُفّ عليه ثوبا، ويقال له الْحَبْوَة، وكانت منْ شأن العرب، وفسرها فِي رواية يونس المذكورة بنحو ذلك. أفاده فِي "الفتح" ٢/ ٢٨ "كتاب الصلاة" رقم ٣٦٩.
والحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق قبل باب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 16677
٤٥١٨ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِي الزَّرْقَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، قَالَ: بَلَغَنِي عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ لُبْسَتَيْنِ، وَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ بَيْعَتَيْنِ، عَنِ الْمُنَابَذَةِ، وَالْمُلَامَسَةِ، وَهِيَ بُيُوعٌ، كَانُوا يَتَبَايَعُونَ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "هارون بن زيد بن أبي الزرقاء": هو أبو محمّد الْمَوْصليّ، نزيل الرملة، صدوقٌ [١٠] ٥٠/ ٨٥١ منْ رجال المصنّف، وأبي داود. و"أبوه": هو أبو محمّد الموصليّ، نزيل الرملة، اسم أبيه يزيد، ثقة [٩] ٥٠/ ٨٥١ منْ رجال المصنّف، وأبي داود أيضًا. و"جعفر بن بُرقان" -بضمّ الموحدة، وسكون الراء-: هو أبو عبد الله الرقّيّ، صدوقٌ يهم فِي حديث الزهريّ [٧] ٩٤/ ٢٠٢٥.
وهذا الْحَدِيث تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٢٦/ ٤٥١٨ - وفي "الكبرى" ٢٥/ ٦١٠٧، وَقَدْ تكلم فيه فِي "الكبرى"، فَقَالَ بعد إخراجه: قَالَ أبو عبد الرحمن: هَذَا خطأٌ، وجعفر بن بُرقان ليس بالقويّ فِي الزهريّ خاصة، وفي غيره لا بأس به، وكذلك سفيان بن حُسين، وسليمان بن كثير. انتهى.
وحاصل ما أشار إليه أن المحفوظ فِي رواية الزهريّ كون الْحَدِيث منْ مسند أبي سعيد الخدريّ ﵁، كما رواه الحفّاظ، منْ أصحابه، فيما سبق، كعقيل، ويونس، وسفيان بن عيينة، وصالح بن كيسان، ومعمر، وأما كونه منْ مسند ابن عمر، فخطأ، أخطأ فيه جعفر بن برقان، عَلَى أنه منقطعٌ؛ حيث قَالَ: بلغني عن الزهريّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥١٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ، عَنْ خُبَيْبٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ: أَمَّا الْبَيْعَتَانِ، فَالْمُنَابَذَةُ وَالْمُلَامَسَةُ، وَزَعَمَ أَنَّ الْمُلَامَسَةَ، أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: أَبِيعُكَ ثَوْبِي بِثَوْبِكَ، وَلَا يَنْظُرَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إِلَى ثَوْبِ الآخَرِ، وَلَكِنْ يَلْمِسُهُ لَمْسًا، وَأَمَّا الْمُنَابَذَةُ: أَنْ يَقُولَ: أَنْبُذُ مَا مَعِي، وَتَنْبُذُ مَا مَعَكَ، لِيَشْتَرِىَ أَحَدُهُمَا مِنَ الآخَرِ، وَلَا يَدْرِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، كَمْ مَعَ الآخَرِ، وَنَحْوًا مِنْ هَذَا الْوَصْفِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلّهم تقدّموا.
و"المعتمر": هو ابن سليمان. و"عبيد الله": هو ابن عمر العمريّ. و"خُبيب": هو ابن عبد الرحمن بن خُبيب بن يساف الأنصاريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقة [٤] ١٠/ ٦٤٠. و"حفص بن عاصم": هو ابن عمر بن الخطاب العَدويّ المدنيّ، ثقة [٣] ٦٠/ ٨٦٧.
стр. 16678
وقوله: "نهي عن بيعتين، أما البيعتان الخ" هكذا نسخ "المجتبى"، و "الكبرى" بلفظ: "أما البيعتان"، والظاهر أن فِي رواية المصنّف اختصارًا، والأصل نَهَى عن بيعتين، ولبستين"، أما البيعتان الخ، يدلّ عَلَى ذلك ما فِي رواية البخاريّ، منْ طريق أيوب، عن محمّد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁: نُهي عن لبستين، أن يحتبي الرجل فِي الثوب الواحد، ثم يرفعه، عَلَى منكبه، وعن بيعتين: اللِّمَاس، والنِّباذ".
وفي رواية أحمد، منْ طريق هشام بن حسّان، عن محمّد، عن أبي هريرة، قَالَ: "نهى رسول الله ﷺ ، عن لبستين، وبيعتين: أن يحتبي الرجل فِي ثوب واحد، ليس عَلَى فرجه منه شيء، وأن يرتدي فِي ثوب، يرفع طرفيه عَلَى عاتقه، وأما البيعتان: فاللَّمْس، والإلقاء".
وقوله: "وزعم أن الملامسة" تقدم أن الأقرب أن يكون هَذَا الزعم منْ أبي هريرة ﵁، لبعد أن يعبّر الصحابيّ عن النبيّ ﷺ بلفظ "زعم"، ولوقوع التفسير فِي حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ منْ قوله أيضًا، كما تقدّم. أفاده فِي "الفتح" ٥/ ٩٧.
وقوله: "يلمسه" -بضم الميم، وكسرها، منْ بابي نصر، وضرب، كما تقدّم.
والحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدم تمام البحث فيه فِي ٢٣/ ٤٥١١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٢٧ - (بَيْعُ الْحَصَاةِ)
٤٥٢٠ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (عبيد الله بن سعيد) أبو قُدامة السرخسيّ، ثقة ثبت سنّيّ [١٠] ١٥/ ١٥.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤/ ٤.
٣ - (عبيد الله) بن عمر بن حفص العمريّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٥] ١٥/ ١٥.
стр. 16679
٤ - (أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان المدنيّ، ثقة فقيه [٥] ١٧/ ١٨.
٥ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ١٧/ ١٨.
٦ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين، غير شيخه، فسرخسيّ، ثم نيسابوريّ، ويحيى، فبصريّ. (ومنها): أنه منْ أصحّ أسانيد أبي هريرة ﵁، كما سبق غير مرّة، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ) بفتح الحاء المهملة، واحدة الحصى، قيل: هو منْ إضافة المصدر إلى نوعه، وليس منْ إضافة المصدر إلى مفعوله، وصفته أن يقول البائع للمشتري: أرم هذه الحصاة، فأيُّ ثوب تقع عليه، فعليك بكذا، أو أن يبيعه منْ أرضه ما انتهى إليه رمي الحصاة.
وَقَالَ النوويّ رحمه الله تعالى فِي "شرح مسلم" ١٠/ ٣٩٥ - ٣٩٦ - : أما بيع الحصاه، ففيه ثلاث تأويلات: [أحدها]: أن يقول: بعتك منْ هذه الأثواب، ما وقعت عليه الحصاة التي أرميها، أو بعتك منْ هذه الأرض منْ هنا، إلى ما انتهت إليه هذه الحصاة. [والثاني]: أن يقول: بعتك عَلَى أنك بالخيار، إلى أن أرمي بهذه الحصاة. [والثالث]: أن يجعلا نفس الرمي بالحصاة بيعا، فيقول: إذا رميت هَذَا الثوب بالحصاة، فهو مبيع منك بكذا. انتهى.
وَقَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: اختُلف فيه عَلَى أقوال: [أوّلها]: أن يبيعه منْ أرضه قدرَ ما انتهت إليه رميةُ الحصاة. [وثانيها]: أيُّ ثوب وقعت عليه الحصاة، فهو المبيع. [وثالثها]: أن يقبض عَلَى الحصى، فيقول: ما خرج كَانَ لي بعدده دراهم، أو دنانير. [ورابعها]: أيَّ زمن وقعت الحصاة منْ يده وجب البيع. فهذا إيقافُ لزوم عَلَى زمن مجهول، وهذه كلّها فاسدةٌ؛ لما تضمّنته منْ الخطر، والجهل، وأكل المال بالباطل. انتهى "المفهم" ٤/ ٣٦٢.
(وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ") -بفتحتين-: هو الخَطَر. قيل: هو أيضًا منْ إضافة المصدر إلى نوعه، منْ غَرّ يغُرُّ بالضمّ، منْ باب قعد.
стр. 16680
وَقَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: هو البيع المشتمل عَلَى غَرَرٍ مقصود، كبيع الأجِنّة، والسمك فِي الماء، والطير فِي الهواء، وما أشبه ذلك، فأما الغرر اليسير الذي ليس بمقصود، فلم يتناوله هَذَا النهي؛ لإجماع المسلمين عَلَى جواز إجارة العبد، والدار مشاهرةً، ومساناةً، مع جواز الموت، وهدم الدار قبل ذلك، وعلى جواز إجارة الدخول فِي الْحَمّام، مع تفاوت النَّاس فيما يتناولون منْ الماء، وفي قدر الْمُقام فيه، وكذلك الشرب منْ السقاء، مع اختلاف أحوال النَّاس فِي قدر المشروب، وأيضًا، فإن كلَّ بيع لابدّ فيه منْ نوع منْ الغرر، لكنه لَمّا كَانَ يسيرًا، غير مقصود، لم يلتفت الشرع إليه. ولَمّا انقسم الغرر عَلَى هذين الضربين، فما تبيّن أنه منْ الضرب الأول مُنع، وما كَانَ منْ الضرب الثاني، أُجيز، وما أشكل أمره، اختُلف فيه، منْ أيّ القسمين هو، فيُلحقَ به. انتهى "المفهم" ٤/ ٣٦٢.
وَقَالَ النوويّ رحمه الله تعالى فِي "شرح مسلم": وأما النهي عن بيع الغرر، فهو أصل عظيم، منْ أصول "كتاب البيوع"، ولهذا قدّمه مسلم، ويدخل فيه مسائل كثيرة، غير منحصرة، كبيع الآبق، والمعدوم، والمجهول، وما لا يُقْدَر عَلَى تسليمه، وما لم يتم ملك البائع عليه، وبيع السمك فِي الماء الكثير، واللبن فِي الضرع، وبيع الحمل فِي البطن، وبيع بعض الصُّبْرَة مبهما، وبيع ثوب منْ أثواب، وشاة منْ شياه، ونظائر ذلك، وكل هَذَا بيعه باطل؛ لأنه غرر منْ غير حاجة، وَقَدْ يُحتَمَل بعضُ الغرر بيعا، إذا دعت إليه حاجة، كالجهل بأساس الدار، وكما إذا باع الشاة الحامل، والتي فِي ضرعها لبن، فإنه يصح البيع؛ لأن الأساس تابع للظاهر منْ الدار، ولأن الحاجة تدعو إليه، فإنه لا يمكن رؤيته، وكذا القول فِي حمل الشاة ولبنها، وكذلك أجمع المسلمون عَلَى جواز أشياء فيها غرر حقير، منها: أنهم أجمعوا عَلَى صحة بيع الْجُبّة المحشوة، وإن لم يُر حشوها، ولو بيع حشوها بإنفراده لم يجز، وأجمعوا عَلَى جواز إجارة الدار، والدابة، والثوب، ونحو ذلك شهرا، مع أن الشهر، قد يكون ثلاثين يوما، وَقَدْ يكون تسعة وعشرين، وأجمعوا عَلَى جواز دخول الحمّام بالأجرة، مع اختلاف النَّاس فِي استعمالهم الماء، وفي قدر مكثهم، وأجمعوا عَلَى جواز الشرب منْ السقاء بالعوض، مع جهالة قدر المشروب، واختلاف عادة الشاربين، وعكس هَذَا. وأجمعوا عَلَى بطلان بيع الأجِنّة فِي البطون، والطير فِي الهواء.
قَالَ العلماء: مدارُ البطلان بسبب الغرر، والصحةِ مع وجوده، عَلَى ما ذكرناه، وهو أنه إن دعت حاجة إلى ارتكاب الغرر، ولا يمكن الاحتراز عنه، إلا بمشقة، وكان الغرر حقيرا، جاز البيع، وإلا فلا، وما وقع فِي بعض مسائل الباب، منْ اختلاف العلماء فِي
стр. 16681
صحة البيع فيها، وفساده، كبيع العين الغائبة، مبنيّ عَلَى هذه القاعدة، فبعضهم يَرَى أن الغرر حقير، فيجعله كالمعدوم، فيصح البيع، وبعضهم يراه ليس بحقير، فيبطل البيع. والله أعلم.
[واعلم]: أن بيع الملامسة، وبيع المنابذة، وبيع حَبَل الْحَبَلة، وبيع الحصاة، وعَسْبَ الفحل، وأشباهها، منْ البيوع التي جاء فيها نصوص خاصة، هي داخلة فِي النهي عن بيع الغرر، ولكن أُفردت بالذكر، ونهُي عنها؛ لكونها منْ بياعات الجاهلية المشهورة. والله أعلم. انتهى "شرح مسلم" ١٠/ ٣٩٦.
وَقَالَ شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وأما الغرر، فالأصل فِي ذلك أن الله تعالى حرّم فِي كتابه أكل أموالنا بالباطل، وهذا يعمّ كلّ ما يؤكل بالباطل، والنبيّ ﷺ نهى عن بيع الغرر، والغرر هو المجهول العاقبة، فمن أنواعه: بيع حَبَل الحَبَلة، وبيع الملاقيح، وبيع المضامين، وبيع الثمار قبل بدوّ صلاحها، وبيع الملامسة، والمنابذة، ونحو ذلك، منْ أنواعه، وصوره. والغرر ثلاثة أنواع: بيع المعدوم، كحبل الحبلة، وبيع المعجوز عن تسليمه، كالجمل الشارد. وبيع المجهول المطلق، أو المجهول الجنس، أو المجهول القدر.
وَقَالَ أيضًا رخّص الشارع فيما تدعو الحاجة إليه منْ الغرر، كبيع العقار بأساسه، والحيوان الحامل، والثمرة بعد بُدُوّ صلاحها، وبيع ما المقصود منه مغيّب فِي الأرض، كالبصل، والفجل، ونحوهما قبل قلعه، وتختلف مشارب الفقهاء فِي هَذَا، فأبو حنيفة، والشافعيّ أشدّ النَّاس قولًا فِي الغرر، وأصول الشافعيّ المحرّمة أكثر منْ أصول أبي حنيفة، أما مالك، فمذهبه أحسن المذاهب فِي هَذَا، فإنه يجوّز بيع هذه الأشياء، وجمع ما تدعو الحاجة إليه، أو يَقِلّ غرره، فيجوز بيع المقاثي جملة، وبيع المغيّبات فِي الأرض، كالجزر، والفجل، والبصل، ونحو ذلك، وأحمد قريب منه في ذلك، والناس محتاجون إلى هذه البيوع، والشارع لا يُحرّم ما يحتاج النَّاس إليه منْ البيع؛ لأجل نوع منْ الغرر، وهذا أصح الأقوال، وعليه يدلّ غالب معاملات السلف، ولا يستقيم أمر النَّاس فِي معاشهم إلا به، وكلّ منْ شدّد فِي تحريم ما يعتقده غررًا، فإنه لابد أن يضطرّ إلى إجازة ما حرّمه الله، فإما أن يخرج عن مذهبه الذي يقلّده فِي هذه المسألة، وإما أن يحتال، ومفسدة التحريم لا تزول بالحيلة. انتهى. "مجموع الفتاوى" ٢٩/ ٢٢٧ و٤٨٦.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي قاله شيخ الإِسلام رحمه الله تعالى منْ ترجيح مذهب مالك فِي جواز ما تدعو الحاجة إليه منْ الأشياء التي فيها الغرر هو
стр. 16682
الأرجح؛ لقوّة مستدركه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٧/ ٤٥٢٠ - وفي "الكبرى" ٢٦/ ٦١٠٩، وأخرجه (م) فِي "البيوع" ٢١٥١ (د) فِي "البيوع" ٣٣٧٦ (ت) فِي "البيوع" ١٢٣٠ (ق) فِي "التجارات" ٢١٩٤ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ٧٣٦٣ و٨٦٦٧ و٩٣٤٥ و٩٣٧٥ و١٠٠٦٢ (الدارمي) فِي "البيوع" ٢٤٤١ و٢٤٥٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): مما يتعلّق بالغرر ما يسمّى الآن بالتأمين التجاريّ، فأذكر هنا آراء العلماء منْ المعاصرين، وغيرهم:
وتعريفه: هو عقدٌ يُلزِم أحد الطرفين، وهو المؤمّن -بالكسر- أن يؤدّي إلى الطرف الآخر، وهر المؤمّن له -بالفتح- عِوضًا مادّيًا، يُتّفق عليه، يُدفع عند وقوع الخطر، وتحقّق الخسارة المبيّنة فِي العقد، وذلك نظير رسم، يسمّى "قسط التأمين"، يدفعه المؤمّن له حسبما ينصّ عليه عقد التأمين، إذًا فالمتعاقدان هما: المؤَمِّن، شركةٌ، أو هيئةٌ، والمؤمَّن له، دافع أقساط التأمين.
قَالَ الشيخ محمّد بن إبراهيم آل الشيخ: التأمين مخالف للشريعة الإِسلاميّة؛ لما يشتمل عليه منْ أمور، هي: غرر، وجهالة، ومخاطرة، مما يكون منْ قبل أكل أموال النَّاس بالباطل، ويشبه الميسر؛ لأنه يستلزم المقامرة. وبالجملة فكلّ منْ تأمل هَذَا العقد وجده لا ينطبق عَلَى شيء منْ العقود الشرعية، ولا عبرة بتراضي الطرفين، ولكن العبرة بتراضيهما، إذا كانت معاملتهما قائمة عَلَى أساس منْ العدالة الشرعيّة.
قرار هيئة كبار العلماء:
أصدر مجلس هيئة كبار العلماء فِي المملكة العربية السعوديّة قرارًا عن التأمين التجاريّ برقم ٥٥ وتاريخ ٤/ ١٣٩٧/٤ هـ مطوّلًا، لا يتّسع المقام لنقله كله، بل نكتفي بنقل فقرات منه، فمن أراده فليرجع إليه، جاء فيه ما يلي:
١ - عقد التأمين التجاريّ منْ عقود المعاوضات الماليّة الاجتماعيّة المشتملة عَلَى الغرر الفاحش، وَقَدْ نهى ﷺ عن بيع الغرر.
стр. 16683
٢ - هو ضرب منْ ضروب المقامرة؛ لما فيه منْ المخاطرة فِي معاوضاة ماليّة، ومن الْغُرْم بلا جناية، ومن الْغُنْم بلا مقابل، أو مقابل غير مكافيء.
٣ - منْ الرهبان المحرم الذي لم يُبَحْ منه إلا ما فيه نصرة للإسلام، وَقَدْ حصر النبيّ ﷺ الرهبان فِي الخفّ، والحانر، والنصل، وليس التأمين منْ ذلك. اهـ ملخصًا.
وأما مجلس مجمع الفقه الإِسلامي المنبثق عن منظّمة المؤتمر الإِسلاميّ، فأصدر قرار برقم ٢ فِي دورته الثانية بجدّة فِي ١٠/ ٦/ ١٤٠٦ هـ جاء فيه:
إن عقد التأمين التجاريّ ذي القسط الثابت الذي تتعامل به شركات التأمين التجاريّ عقدٌ فيه غرر كبير، مفسد للعقد، ولذا فهو حرام شرعًا.
أما مجلس المجمع الفقهيّ بمكة المكرمة، فأصدر قرارًا برقم ٥ الذي جاء فيه ما يلي:
بعد الدراسة الوافية، وتداول الرأي فِي ذلك قرر مجلس المجمع الفقهيّ بالإجماع عدا فضيلة الشيخ مصطفى الزرقاء تحريم التأمين التجاريّ بجميع أنواعه، سواء كَانَ عَلَى النفس، أو البضائع التجارية، أو غير ذلك.
فهذه هي المجامع العلمية الفقهية الشرعيّة، حرّمت التأمين التجاريّ؛ لأنه باب كبير منْ أبواب الغرر.
والمجالس الثلاثة كلها أجازت البديل الشرعيّ، وهو "التأمين التعاونيّ"، فعبارة مجمع الفقه الإِسلاميّ منْ منظّمة المؤتمر الإِسلاميّ هي:
إن العقد البديل الذي يحترم أصول التعامل الإِسلاميّ، هو عقد التأمين التعاونيّ القائم عَلَى أساس التبرّع والتعاون.
وقالت هيئة كبار العلماء فِي قرارها رقم (٥١) فِي ٤/ ١٣٩٧/٤ هـ: إن التأمين التعاونيّ منْ عقود التبرّعات التي يقصد بها أصالة التعاون عَلَى تفتيت الأخطار، والاشتراك فِي تحمّل المسؤوليّة عند نزول الكوارث، وذلك عن طريق إسهام أشخاص بمبالغ نقديّة، تُخصّص لتعويض منْ يُصيبه ضرر، وإمكان الاكتفاء به عن التأمين التجاريّ. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
стр. 16684
٢٨ - (بَيْعِ الثَّمَرِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الثّمَرُ -بفتحتين-، والثَّمَرَة مثله، فالأول مذكّرٌ، ويُجمع عَلَى ثِمار، مثلُ جَبَل وجِبال، ثم يُجمع الثمارُ عَلَى ثُمُر مثلُ كتاب وكُتُب، ثم يُجمع عَلَى أثمار، مثلُ عُنُق وأَعناق. والثاني مؤنّث، والجمع ثَمَرَات، مثلُ قَصَبَة وقَصَبَات، والثمر: هو الْحَمْلُ الذي تُخرجه الشجرة، سواء أُكل، أو لا، فيقال: ثَمَر الأراكِ، وثمر الْعَوْسَج، وثمرُ الدَّوْمِ، وهو الْمُقْلُ، كما يُقال: ثمر النحل، وثمر العِنَب. قَالَ الأزهريّ: وأثمر الشجر: أطلع ثمر أوّلَ ما يُخرجه، فهو مُثْمِرٌ، ومن هنا قيل لِمَا لا نفع فيه: ليس له ثَمَرَة. قاله فِي "المصباح".
وقوله: حَتَّى يبدو" معنى "يبدو": يَظهَر، وهو بلا همز، قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: ومما ينبغي أن يُنبّه عليه ما يقع فِي كثير منْ كتب المحدّثين، وغيرهم "حَتَّى يبدوا" بالألف فِي الخطّ، وهو خطأ، والصواب حذفها منْ مثل هَذَا للناصب، وإنما اختلفوا فِي إثباتها إذا لم يكن ناصبٌ، مثل زيدٌ يبدو، والاختيار حذفها أيضًا، ويقع مثله فِي "حَتَّى يزهو"، وصوابه حذف الألف كما ذُكر. انتهى "شرح مسلم" ١/ ٤١٩. والله تعالى أعلم.
٤٥٢١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ").
رجال هَذَا الإسناد: أربعة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد الإِمام المصريّ الثقة الثبت الفقيه [٧] ٣١/ ٣٥.
٣ - (نافع) مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/ ١٢.
٤ - (ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ رباعيات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (٢١٩) منْ رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه ما بين مصريين، ومدنيين. (ومنها): أن فيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما منْ العبادلة الأربعة،
стр. 16685
والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ) ذكر الإِمام البخاريّ رحمه الله تعالى سبب هَذَا النهي، فَقَالَ فِي "صحيحه" ٢/ ٧٦٥: وَقَالَ الليث، عن أبي الزناد، كَانَ عروة بن الزبير، يحدث عن سهل بن أبي حثمة الأنصاريّ، منْ بني حارثة، أنه حدثه عن زيد بن ثابت، ﵁، قَالَ: كَانَ النَّاس فِي عهد رسول الله ﷺ ، يتبايعون الثمار، فإذا جَدَّ الناسُ وحضر تقاضيهم، قَالَ المبتاع: إنه أصاب الثمر الدُّمَان، أصابه مِرَاضٌ، أصابه قُشَام (١)، عاهات، يحتجون بها، فَقَالَ رسول الله ﷺ ، لما كثرت عنده الخصومة فِي ذلك، فإِمّا لا، فلا تتبايعوا حَتَّى يبدو صلاح الثمر، كالمشورة، يشير بها؛ لكثرة خصومتهم. انتهى.
قَالَ فِي "الفتح": قَالَ الداودي الشارح: قول زيد بن ثابت: "كالمشورة يشير بها عليهم"، تأويل منْ بعض نقلة الْحَدِيث، وعلى تقدير أن يكون منْ قوله زيد بن ثابت، فلعل ذلك كَانَ فِي أول الأمر، ثم ورد الجزم بالنهي، كما بينه حديث ابن عمر وغيره. انتهى "فتح" ٥/ ١٤٣.
(حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ) قد جاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما تفسير بدوّ صلاحه، ففي رواية مسلم منْ طريق شعبة، عن عبد الله بن دينار: فقيل لابن عمر: ما صلاحه؟ قَالَ تذهب عاهته. و"العاهة": الآفة.
قَالَ فِي "الفتح" ٥/ ١٤١: والمعنى فيه أن تُؤمن فيها العاهة، وتغلب السلامة، فَيَثِق المشتري بحصولها، بخلاف ما قبل بدو الصلاح، فإنه بصدد الغرر، وَقَدْ أخرج مسلم (٢) الْحَدِيث، منْ طريق أيوب، عن نافع، فزاد فِي الْحَدِيث: "حَتَّى يأمن العاهة"، وفي رواية يحيى بن سعيد، عن نافع، بلفظ: "وتذهب عنه الآفة، يبدو صلاحه، حمرته، وصفرته"، وهذا التفسير منْ قول ابن عمر، بينه مسلم، فِي روايته منْ طريق شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، فقيل لابن عمر: ما صلاحه؟ قَالَ: تذهب عاهته. انتهى.
стр. 16686
وَقَالَ الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: قَالَ أصحابنا بدوّ الصلاح بظهور النّضج، ومبادىء الحلاوة، وزوال العُفُوصة (١)، أو الحموضة المفرطتين، وذلك فيما لا يتلوّن بأن يتموّه، ويَلين، وفيما يتلوّن بأن يحمرّ، أو يصفرّ، أو يسودّ، قالوا: وهذه الأوصاف، وإن عُرف بها بدوّ الصلاح، فليس واحد منها شرطًا فيه؛ لأن القثّاء لا يُتصوّر فيه شيء منها، بل يُستطاب أكله صغيرًا وكبيرا، وإنما بدوّ صلاحه أن يكبر، بحيث يُجنى فِي الغالب، ويؤكل، وإنما يؤكل الصغير عَلَى الندور، وكذا الزرع لا يُتصوّر فيه شيء منها باشتداد الحبّ. وَقَالَ البغويّ: بيع أوراق التوت قبل تناهيها لا يجوز إلا بشرط القطع، وبعده يجوز مطلقًا، وبشرط القطع. والعبارة الشاملة أن يُقال: بدوّ الصلاح فِي هذه الأشياء صيرورتها إلى الصفة التي تطلب غالبًا لكونها عَلَى تلك الصفة. انتهى "طرح" ٦/ ١٢٩.
وقوله (نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ") قَالَ وليّ الدين: تأكيد لما فيه منْ بيان أن البيع، وإن كَانَ فيه مصلحة الإنسان، فليس له أن يرتكب المنهيّ عنه فيه، ويقول: أسقطتُ حقّي منْ اعتبار المصلحة، فإن المنع لمصلحة المشتري؛ لأن الثمار قبل بُدُوّ الصلاح مُعَرَّضةٌ لطوارىء العاهات عليها، فإذا طرأ عليها شيء منها حصل الإجحاف للمشتري فِي الثمن الذي بذله، فنهى الشرع المشتري، كما نهى البائع، وكأنه قطع بذلك النزاع، والتخاصم. انتهى "طرح" ببعض تصرّف.
وَقَالَ فِي "الفتح" ٥/ ١٤١: أما البائع؛ فلئلا يأكل مال أخيه بالباطل، وأما المشتري؛ فلئلا يَضِيع ماله، ويساعد البائع عَلَى الباطل، وفيه أيضًا قطع النزاع والتخاصم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٨/ ٤٥٢١ و٤٥٢٢ و٤٥٢٣ و٤٥٢٤ و٤/ ٤٥٥٣ - وفي "الكبرى" ٢٧/ ٦١١٠ و٦١١١ و٦١١٢ و٦١١٣ و٤٠/ ٦١٤٣. وأخرجه (خ) فِي "الزكاة" ١٤٨٦ و"البيوع" ٢١٧١ و٢١٧٣ و٢١٨٤ و٢١٨٨ و٢١٩٣ و٢١٩٤ و٢٢٠٥ و"المساقاة" ٢٣٨٠ (م) فِي "البيوع" ١٥٣٤ و١٥٣٥ و١٥٣٩ (د) فِي "البيوع" ٣٣٦٧ و٣٣٦٨ (ت) فِي
стр. 16687
"البيوع" ١٢٢٦ و١٢٢٧ (ق) فِي "التجارات" ٢٢١٤ (أحمد) فِي "مسند المكثرين" ٤٤٧٩ و٤٥١١ و٤٨٥٤ و٤٩٢٤ و٤٩٧٨ و٥٠٤٠ و٥١١٢ و٥٢٥١ (الموطأ) فِي "البيوع" ١٣٠٣ (الدارمي) فِي "البيوع" ٢٤٤٢. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي هَذَا الْحَدِيث النهي عن بيع الثمار حَتَّى يبدو صلاحها، وهذا يشمل ثلاثة أوجه:
[أحدها]: بيعها بشرط القطع، وهذا صحيح، وَقَدْ حكى غير واحد الإجماع عليه، منهم النوويّ، فخصّ النهي بالإجماع، لكن ذهب ابن حزم إلى منع البيع فِي هذه الصورة أيضًا، قَالَ: وممن منع بيع الثمرة مطلقًا، لا بشرط القطع، ولا بغيره سفيان الثوريّ، وابن أبي ليلى. انتهى. وهذا يقدح فِي دعوى الإجماع.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي ٢٩/ ٤٥٢٨ - ترجيح المصنّف القول بجواز البيع بشرط القطع، حيث يقول: "شراء الثمار قبل أن يبدو صلاحها، عَلَى أن يقطعها، ولا يتركها إلى أوان إدراكها". والله تعالى أعلم.
قَالَ وليّ الدين: قَالَ أصحابنا: فلو شرط القطع، ثم لم يقطع، فالبيع باق عَلَى صحّته، ويُلزمه البائع بالقطع، فإن تراضيا عَلَى إبقائه جاز، قالوا: وإنما يجوز البيع بشرط القطع، إذا كَانَ المقطوع منتفعًا به، فإن لم تكن فيه منفعة، كالجوز، والكُمّثرى، لم يصحّ بيعه بشرط القطع.
[الحالة الثانية]: بيعها بشرط التبقية، وهذا باطلٌ بالإجماع؛ لأنه ربّما تَلِفت الثمرة قبل إدراكها، فيكون البائع قد أكل مال أخيه بالباطل، كما جاءت به الأحاديث، فإذا شُرط القطع، فقد انتفى هَذَا الضرر. وعلّله الحنفية بأنه شرط لا يقتضيه العقد، وهو شُغل ملك الغير، وبأنه جمع بين صفقتين، وهو إعارة، أو إجارة فِي بيع.
[الحالة الثالثة]: بيعها مطلقًا، منْ غير شرط قطع، ولا تبقية، ومقتضى الْحَدِيث فِي هذه الحالة البطلان، وبه قَالَ الشافعيّ، وأحمد، وجمهور العلماء، منْ السلف، والخلف. وذهب أبو حنيفة إلى الصحّة، وعن مالك قولان، كالمذهبين.
وأجاب الحنفيّة عن هَذَا الْحَدِيث بجوابين: (أحدهما): أن المراد به بيع الثمار قبل أن توجد، وتُخلق، فهو كالحديث الوارد فِي النهي عن بيع السنين.
وردّ عليهم بأن هَذَا مخالف لتفسير الصحابيّ بدوّ الصلاح فِي الْحَدِيث بأنه صفرته، وحمرته، وبأنه صلاحه للأكل منه، وبأنه ذهاب عاهته، وبأن ذلك عند طلوع الثُّرَيّا: أي مقارنته للفجر. ورُوي عن عطاء، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "إذا طلع النجم صباحًا رُفعت العاهات عن أهل البلد، والنجم الثريّا"، والمراد -كما قَالَ بعضهم-: فِي
стр. 16688
الحجاز خاصّة؛ لشدّة حرّه. قَالَ البيهقيّ رحمه الله تعالى فِي "المعرفة": وَقَدْ حمل بعض منْ يدّعي تسوية الأخبار عَلَى مذهبه هذه الأخبار عَلَى بيع الثمار قبل أن تكون، واستدلّ عليه بما روينا عن نهيه عن بيع السنين، وما ورد فِي معناه، وَقَدْ عرفنا بتلك الأخبار نهيه عن بيع الثمار قبل أن تكون، وعرفنا بهذه الأخبار نهيه عن بيعها مطلقًا، إذا كانت ما لم يبدُ فيها الصلاح، ألا تراه علّق المنع بغاية توجد بعد أن تكون الثمار بمدّة، فَقَالَ: "حَتَّى تزهو"، وَقَالَ فِي حديث جابر ﵁: "حَتَّى تُشْقِح"، قيل: وما تُشقح؟ قَالَ: تحمارّ، أو تصفارّ، ويؤكل منها، وَقَالَ فِي رواية أخرى، عن جابر: "حَتَّى تَطِيب".
وفي ذلك دلالة عَلَى أن حكم الثمار بعد بُدُوّ الصلاح فيها فِي البيع خلاف حكمها قبل أن يبدو الصلاح فيها، فيجوز بيعها بعد بُدُوّ الصلاح فيها مطلقًا، ولا يجوز قبله إلا بشرط القطع. انتهى "المعرفة" ٤/ ٣٢٣ - ٣٢٤.
(الجواب الثاني): أن النهي فيها ليس للتحريم، وإنما هو عَلَى سبيل التنزيه، والأدب، والمشورة عليهم؛ لكثرة ما كانوا يختصمون إليه فيه.
وهذا مردود عليهم بأن الأصل فِي النهي التحريم، حَتَّى يصرفه عن ذلك صارفٌ.
وَقَدْ وافق بعضُ الحنفيّة الجمهور عَلَى بطلان البيع قبل بدوّ الصلاح منْ غير شرط؛ اتباعا للحديث، وإليه ذهب قاضي خان. أفاده فِي "طرح التثريب" ٦/ ١٢٥ - ١٢٧.
وَقَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: وهل ذلك النهي محمول عَلَى ظاهره منْ التحريم، وهو مذهب الجمهور، أو عَلَى الكراهة، وهو مذهب أبي حنيفة، وعليه فلو وقع بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها، فسخه الجمهور، وصححه أبو حنيفة، إذا ظهرت الثمرة، وبناه عَلَى أصله فِي ردّ أخبار الآحاد للقياس، والصحيح مذهب الجمهور؛ للتمسّك بظاهر النهي، ولقوله ﷺ : "أرأيت إن منع الله الثمرة، بم يأكل أحدكم مالَ أخيه بغير حقّ؟ "، وهذا يدلّ عَلَى أن بيعها قبل بدوّ صلاحها منْ أكل المال بالباطل؛ ولأنه غرر، وبيع الغرر مُحرّم. انتهى "المفهم" ٤/ ٣٨٨.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى، منْ ترجيح مذهب الجمهور فِي تحريم بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وبطلان البيع فيه، هو الحقّ الذي يجب التمسّك به، ورفض ما عداه ممن يعارض النصوص الصحيحة الصريحة لمخالفتها القياس؛ لأن القياس فِي مقابلة النصّ هباءٌ منثور، ولقد أجاد منْ قَالَ، وأحسن فِي المقال [منْ الوافر]:
إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا … تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
стр. 16689
غَدَتْ شُبَهُ الْقِياسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قَالَ وليّ الدين رحمه الله تعالى: حمل الفقهاء منْ المذاهب الأربعة المنع منْ بيع الثمرة قبل بدوّ الصلاح عَلَى ما إذا باعها مفردة عن الأشجار، فإن باعها مع الأشجار صحّ مطلقًا، منْ غير شرط القطع، بل قَالَ أصحابنا: لا يجوز شرط القطع فِي هذه الصورة، وأنكر ذلك ابن حزم، وأبشع فِي إنكاره، وهو مردود، والحقّ ما قاله الجمهور، وأيّ معنى للقطع، والأشجار ليست باقية للبائع، بل هي مبيعة للمشتري. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): مقتضى قوله: "حَتَّى يبدو صلاحها": جواز بيعها بعد بُدُوّ الصلاح مطلقا، سواء اشترط الإبقاء، أم لم يشترط؛ لأن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها، وَقَدْ جعل النهي ممتدا إلى غاية بدو الصلاح.
وإلى الفرق بين ما قبل ظهور الصلاح، وبعده، ذهب الجمهور، وعن أبي حنيفة إنما يصح بيعها فِي هذه الحالة، حيث لا يشترط الإبقاء، فإن شرطه لم يصح البيع. وحكى النوويّ فِي "شرح مسلم" عنه أنه أوجب شرط القطع، فِي هذه الصورة.
وتعقب بأن الذي صرح به أصحاب أبي حنيفة، أنه صحح البيع حالة الإطلاق، قبل بدو الصلاح وبعده، وأبطله بشرط الإبقاء قبله وبعده، وأهل مذهبه أعرف به منْ غيرهم. انتهى "الفتح" ٥/ ١٤١ - ١٤٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): اختلف السلف فِي قوله: "حَتَّى يبدو صلاحها"، هل المراد به جنس الثمار، حَتَّى لو بدا الصلاح فِي بستان، منْ البلد مثلا، جاز بيع ثمرة جميع البساتين، وإن لم يبد الصلاح فيها، أو لابد منْ بدو الصلاح فِي كل بستان، عَلَى حِدَةٍ، أو لابُدّ منْ بدو الصلاح فِي كل جنس عَلَى حدة، أو فِي كل شجرة عَلَى حدة، عَلَى أقوال:
[الأول]: قول الليث، وهو عند المالكية بشرط أن يكون الصلاح متلاحقا.
[والثاني]: قول أحمد، وعنه رواية كالرابع. [والثالث]: قول الشافعيّة، ويمكن أن يؤخذ ذلك منْ التعبير ببدوّ الصلاح؛ لأنه دالّ عَلَى الاكتفاء بمسمى الإزهاء، منْ غير اشتراط تكامله، فيؤخذ منه الاكتفاء، بزَهْو بعض الثمرة، وبزَهْو بعض الشجرة، مع حصول المعنى، وهو الأمن منْ العاهة، ولولا حصول المعنى، لكان تسميتها مُزهية بإزهاء بعضها، قد لا يكتفي به؛ لكونه عَلَى خلاف الحقيقة، وأيضًا فلو قيل بإزهاء الجميع؛ لأدّى إلى فساد الحائط، أو أكثره، وَقَدْ مَنّ الله تعالى بكون الثمار، لا تطيب دفعة واحدة؛ ليطول زمن التفكه بها. قاله فِي "الفتح" ٥/ ١٤٢.
стр. 16690
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أرجح الأقوال ما ذهب إليه أحمد رحمه الله تعالى، وهو أنه لابدّ منْ بُدُوِّ الصلاح فِي كل بستان عَلَى حِدَةٍ؛ لكونه أقرب لظاهر النصّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٢٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ، حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
و"سفيان": هو ابن عيينة.
والحديث متّفق عليه، وَقَدْ سبق شرحه، وبيان مسائله فِي الْحَدِيث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٢٣ - (أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ، وَأَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ، حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَلَا تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ"، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَهَى عَنْ مِثْلِهِ سَوَاءً").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا السند تقدّم قبل أبواب، و"سعيد": هو ابن المسيّب. وقوله: "قَالَ ابن شهاب" موصول بالإسناد السابق، وليس معلّقًا. وقوله: "ولا تبتاعوا الثمر بالتمر" الأول بالثاء المثلّثة، والثاني بالمثناة الفوقانيّة: أي لا تشتروا الرَّطْب باليابس منه، وهو بمعنى المزابنة فِي الرواية الآتية.
والحديث أخرجه المصنّف هنا -٢٨/ ٤٥٢٣ - وفي "الكبرى" ٢٧/ ٦١١٢ وأخرجه (م) فِي "البيوع" ٣٨٥٤ (ق) فِي "التجارات" ٢٢١٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٢٤ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ طَاوُسًا، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده، وهو حرّانيّ، ثقة. [١١] ٢٢/ ٩٣٢.
و"مخلد بن يزيد": هو الحرّانيّ، صدوق له أوهام، منْ كبار [٩] ١٤١/ ٢٢٢. و"حنظلة": هو ابن أبي سفيان الْجُمَحيّ المكيّ الثقة الثبت [٦] ١٢/ ١٢.
стр. 16691
والحديث متَّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٢٥ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْمُخَابَرَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ، وَالْمُحَاقَلَةِ، وَأَنْ يُبَاعَ الثَّمَرُ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَأَنْ لَا يُبَاعَ إِلاَّ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وهو الجوّاز المكيّ ثقة [١٠].
و"سفيان": هو ابن عيينة. و"عطاء": هو ابن أبي رباح.
وقوله: "عن المخابرة": هي المزارعة ببعض ما يخرج منْ الأرض. وَقَالَ فِي "النهاية" ٢/ ٧ - : قيل: هي المزارعة عَلَى نصيب معيّن، كالثلث، والربع، وغيرهما، والْخُبْرة: النصيب. وقيل: هو منْ الْخَبَار: الأرضِ الليّنة. وقيل: أصل المخابرة منْ خيبر؛ لأن النبيّ ﷺ أقرّ أهلها عَلَى النصف منْ محصولها، فقيل: خابرهم: أي عاملهم فِي خيبر. انتهى. وَقَدْ تقدّم تمام البحث فيه فِي "كتاب المزارعة".
وقوله: "والمزابنة": هي بيع الرُّطَب فِي رؤوس النخل بالتمر، وأصله منْ الزبن، وهو الدفع، كأن كلّ واحد منْ المتبايعين يَزْبِن صاحبه عن حقّه بما يزداد منه. قاله فِي "النهاية" ٢/ ٢٩٤.
وقوله: "والمحاقلة": قَالَ أبو عبيد: هو بيع الطعام فِي سنبله بالبرّ، مأخوذ منْ الحقل. وَقَالَ الليث: الحَقْلُ: الزرع، إذا تشعّب منْ قبل أن يغلُظ سُوقه، والمنهيّ عنه بيع الزرع قبل إدراكه. وقيل: بيع الثمرة قبل بدوّ صلاحها. وقيل: بيع ما فِي رؤوس النخل بالتمر. وعن مالك: هو كراء الأرض بالحنطة، أو بكيل طعام، أو إدام، والمشهور أن المحاقلة كراء الأرض ببعض ما تُنبت.
وقوله: "وأن لا يباع إلا بالدنانير، والدراهم" أي لا يباع الثمر إلا بالدنانير، والدارهم، يعني أنه لا يجوز بيع الرطب بالتمر، والعنب بالزبيب، لشبهة الربا، وإنما يباع بالدنانير، والدراهم.
قَالَ ابن بطّال رحمه الله تعالى: إنما اقتصر عَلَى الذهب والفضّة؛ لأنهما جلّ ما يتعامل به النَّاس، وإلا فلا خلاف بن الأمّة فِي جواز بيعه بالعروض -يعني بشرطه-. قاله فِي "الفتح" ٥/ ١٣١.
وَقَالَ النوويّ ﵀: اتفق العلماء عَلَى تحريم بيع الرطب بالتمر فِي غير العرايا، وأنه ربا، وأجمعوا أيضًا عَلَى تحريم بيع العنب بالزبيب. وأجمعوا أيضًا عَلَى تحريم بيع
стр. 16692
الحنطة فِي سنبلها بحنطة صافية، وهي المحاقلة، مأخوذة منْ الحقل، وهو الحرث، وموضع الزرع، وسواء عند الجمهور كَانَ الرطب، والعنب عَلَى الشجر، أو مقطوعًا. وَقَالَ أبو حنيفة: إن كَانَ مقطوعًا جاز بيعه بمثله منْ اليابس. انتهى.
وقوله: "ورخّص فِي العرايا": جمع عريّة، كعطيّة وعطايا، يعني أنه أجاز بيع الرطب فيها بعد أن يُخرَص، ويُعرف قدره بقدر ذلك منْ الثمر، كما سيأتي البحث فيه بعد خمسة أبواب، إن شاء الله تعالى.
والحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله فِي "كتاب المزارعة" ٤٥/ ٣٩٠٦. فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٢٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، وَأَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، نَهَى عَنِ الْمُخَابَرَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ، وَالْمُحَاقَلَةِ، وَبَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يُطْعَ، مَ إِلاَّ الْعَرَايَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و"المفضّل": هو ابن فضالة بن عُبيد القِتبانيّ، أبو معاوية المصريّ، ثقة فاضل عابد [٨] ٤٢/ ٥٨٦.
وقوله: "حَتَّى يُطعم" بضم أوله، مبنيًا للفاعل منْ الإطعام: أي يصلح للأكل، يقال: أطعمت الشجرة بالألف: إذا أدرك ثمرها. قاله الفيّوميّ.
وقوله: "إلا العرايا" ظاهره أنه استثناء عن الأخير، وليس كذلك، بل هو استثناء منْ الأول، بدليل الروايات الأخرى، فتنبه.
والحديث متَّفقٌ عليه، كما سبق بيانه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٢٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ، حَتَّى يُطْعَمَ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيميّ. و"هشام": هو الدستوائيّ.
وقوله: "عن بيعِ النخل" المراد ثمرها، فهو بمعنى قوله فِي الرواية التي قبل هَذَا: "وبيع الثمر حَتَّى تُطعم".
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
стр. 16693
٢٩ - (شِرَاءِ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا عَلَى أَنْ يَقْطَعَهَا، وَلَا يَتْرُكَهَا إِلَى أَوَانِ إِدْرَاكِهَا)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: أشار المصنّف رحمه الله تعالى بهذه الترجمة إلى ترجيح القول بجواز بيع الثمار قبل بدوّ صلاحها، إن شرط القطع، وأن النهي محمول عَلَى غير ذلك، وهو قول الجمهور، كما سيأتي بيانه فِي المسائل، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٥٢٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ، حَتَّى تُزْهِيَ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا تُزْهِيَ؟ قَالَ: "حَتَّى تَحْمَرَّ", وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (محمّد بن سلمة) المرادي المصريّ، ثقة [١١] ١٩/ ٢٠.
٢ - (الحارث بن مسكين) المذكور فِي الباب الماضي.
٣ - (ابن القاسم) عبد الرحمن العتقيّ المصريّ، ثقة فقيه، منْ كبار [١٠] ١٩/ ٢٠.
٤ - (مالك) بن أنس المذكور الإِمام المدنيّ الحجة الثبت [٧] ٧/ ٧.
٥ - (حميد الطويل) ابن أبي حميد البصريّ، ثقة يدلّس [٥] ٨٧/ ١٠٨.
٦ - (أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أن فيه أنسًا منْ المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ) أي عَلَى الأشجار (حَتَّى تُزْهِيَ) بضم أوله، منْ أزهى: أي تحمرّ، أو تصفرّ، قَالَ فِي "الفتح": قَالَ الخطّابيّ: هذه الرواية هي الصواب، فلا يُقال فِي النخل: تزهو، إنما
стр. 16694
يقال: تُزهي، لا غير، وأثبت غيره ما نفاه، فَقَالَ: زها: إذا طال، واكتمل، وأزهى إذا احمرّ، واصفرّ. انتهى.
وَقَالَ المجد فِي "القاموس": زها النخلُ: طال، كأزهى، وزهى البُسْر: تلوّن، كأزهى، وزَهَّى. انتهى.
وَقَالَ الفيّوميّ فِي "المصباح": زها النخل يزهو زَهْوًا، والاسم الزُّهُوُّ بالضمّ: ظهرت الحمرة، والصُّفرة فِي ثمره. وَقَالَ أبو حاتم: وإنما يُسمّى زهْوًا: إذا خَلَصَ لون الْبُسْرة فِي الحمرة، أو الصفرة. ومنهم منْ يقول: زها النخل: إذا نبت ثمره، وأزهى: إذا احمرّ، أو اصفرّ. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكره صاحبا "القاموس"، و"المصباح" أن ما نفاه الخطّابيّ ثابت لغة، وليس غلطًا، فيقال: زها النخل، وأزهى، وزهّى: إذا احمرّ، أو اصفرّ. والله تعالى أعلم.
(قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ) هَذَا صريح فِي أن التفسير مرفوع، لكن ثبت فِي روايه البخاريّ عن حميد: "قلنا لأنس: ما زهوها؟ قَالَ: تحمرّ"، ولمسلم منْ هَذَا الوجه: "فقلت لأنس"، وكذلك رواه أحمد عن يحيى القطّان، عن حميد، لكن قَالَ: "قيل لأنس: ما تزهو؟ ".
ولا تعارض بينهما؛ لأنه يجوز أن يرويه أنس ﵁ مرفوعا أحيانًا، ويُسْأَل عنه أحيانًا فيفسّره، دون أن يرفعه. والله تعالى أعلم.
(وَمَا تُزْهِيَ؟) أي ما المراد به (قَالَ) ﷺ (حَتَّى تَحْمَرَّ) أي المعنى أنها لا تباع إلى أن يظهر احمرارها.
وفي حديث جابر ﵁ عند البخاريّ منْ طريق سعيد بن ميناء، عنه: "نهى النبيّ ﷺ أن تباع الثمرة حَتَّى تُشْقِحَ، فقيل: وما تشقح؟ قَالَ: تحمارّ، وتصفارّ، ويؤكل منها.
و"تشقح" بضم أوله، منْ الإشقاح رباعيا، يقال: أشقح ثمر النخل إشقاحًا: إذا احمرّ، أو اصفرّ، والاسم الشُّقْحُ بضم المعجمة، وسكون القاف، بعدها مهملة، وذكره مسلم منْ وجه آخر، عن جابر، بلفظ: "حَتَّى تُشْقِهَ"، فأبدل منْ الحاء هاء؛ لقربها منها.
وقوله: فقيل: وما تشقح؟ هَذَا التفسير منْ قول سعيد بن ميناء، راوي الْحَدِيث، بَيّن ذلك أحمد فِي روايته، لهذا الْحَدِيث، عن بهز بن أسد عن سَلِيم بن حَيّان أنه هو الذي سأل سعيد بن ميناء عن ذلك، فأجابه بذلك، وكذلك أخرجه مسلم، منْ طريق بهز، وأخرجه الإسماعيلي منْ طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن سَليم بن حيان، فَقَالَ فِي
стр. 16695
روايته: قلت لجابر: "ما تشقح الخ"؟ فظهر أن السائل عن ذلك، هو سعيد، والذي فسره هو جابر، وَقَدْ أخرج مسلم الْحَدِيث، منْ طريق زيد بن أبي أنيسة، عن أبي الوليد، عن جابر مُطَوّلًا، وفيه: "وأن يشتري النخل، حَتَّى يُشقه، والإشقاه: أن يحمرّ، أو يصفرّ، أو يؤكل منه شيء"، وفي آخره: فَقَالَ زيد: فقلت لعطاء: أسمعت جابرا يذكر هَذَا، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: نعم، وهو يحتمل أن يكون مراده بقوله: هَذَا جميع الْحَدِيث، فيدخل فيه التفسير، ويحتمل أن يكون مراده أصل الْحَدِيث، لا التفسير، فيكون التفسير منْ كلام الراوي، وَقَدْ ظهر منْ رواية ابن مهدي، أنه جابر، والله أعلم.
ومما يقوي كونه مرفوعًا، وقوع ذلك فِي حديث أنس أيضًا -يعني حديث الباب-.
وفيه دليل عَلَى أن المراد ببُدُوّ الصلاح، قدر زائد عَلَى ظهور الثمرة، وسبب النهي عن ذلك خوف الغرر؛ لكثرة الجوائح فيها، وَقَدْ بَيّن ذلك فِي حديث أنس المذكور فِي هَذَا الباب، فإذا احمرت، وأُكل منها، أَمِنت العاهة عليها، غالبا.
وقوله: "تحمارّ، وتصفارّ": قَالَ الخطابي: لم يُرد بذلك اللون الخالص منْ الصفرة والحمرة، وإنما أراد حمرة أو صفرة بكُمُودة، فلذلك قَالَ: "تحمارّ، وتصفارّ"، قَالَ: ولو أراد اللون الخالص لقال تَحمَرّ، وتَصفَرّ. وَقَالَ ابن التين: التشقيح: تغير لونها إلى الصفرة والحمرة، فأراد بقوله: "تحمارّ، وتصفارّ"، ظهور أوائل الحمرة والصفرة، قبل أن تشبع، قَالَ: وإنما يقال: تفعال فِي اللون الغير المتمكن، إذا كَانَ يتلون، وأنكر هَذَا بعض أهل اللغة، وَقَالَ: لا فرق بين تحمرّ وتصفر، وتحمار وتصفار. ويحتمل أن يكون المراد المبالغة فِي احمرارها واصفرارها، كما تقرر أن الزيادة تدل عَلَى التكثير والمبالغة. أفاده فِي "الفتح" ٥/ ١٤٢ - ١٤٣.
(وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ) أي منْ الإدراك، وفي رواية البخاريّ: "إذا منع الله الثمرة" .. وَقَالَ القرطبيّ: أي إذا منع تكاملها، وطيبها؛ لأن الثمرة قد كانت موجودة، مُزهية حين البيع، كما قَالَ فِي الرواية الأخرى: "إن لم يُثمرها الله". أي لم يُكمل ثمرتها. انتهى.
(فَبِمَ) أي بايّ وجه، أي فِي مقابلة أيّ شيء (يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ) أي الثمن الذي يدفعه فِي مقابلة هذه الثمرة التالفة، يعني أنه لو تَلِفَت الثمرة، لا نتَفَى فِي مقابلتها العوضُ، فكيف يأكله بغير عوض.
قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: وهذه العلّة إنما توجد إذا لم يشترط القطع، ومنه أخذ المصنّف جواز البيع قبل بُدُوّ الصلاح بشرط القطع. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 16696
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أنس بن مالك ﵁ هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٩/ ٤٥٢٨ - وفي "الكبرى" ٢٨/ ٦١١٧. وأخرجه (خ) فِي "الزكاة" ١٤٨٨ و"البيوع" ٢١٩٥ و٢١٩٧ و٢١٩٩ و٢٢٠٨ (م) فِي "البيوع" ١٥٥٥ (د) فِي "البيوع" ٣٢٧١ (ت) فِي "البيوع" ٦٢٢٨ (ق) فِي "التجارات" ٢٢١٧ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١١٧٢٨ و١٢٢٢٧ و١٢٩٠١ و١٣٢٠١ (الموطأ) فِي "البيوع" ١٣٠٤. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز شراء الثمار قبل بدوّ صلاحها، بشرط القطع، وهو قول الجمهور.
قَالَ فِي "الفتح" ٥/ ١٣٩: وَقَدْ اختُلف فِي ذلك عَلَى أقوال، فقيل يبطل مطلقًا، وهو قول ابن أبي ليلى، والثوريّ، ووهم منْ نقل الإجماع عَلَى البطلان. وقيل: يجوز مطلقًا، ولو شرط التبقية، وهو قول يزيد بن أبي حبيب، ووهم منْ نقل الإجماع فيه أيضًا. وقيل: إن شرط القطع لم يبطل، وإلا بطل، وهو قول الشافعيّ، وأحمد، والجمهور، ورواية عن مالك. وقيل: يصحّ إن لم يشترط التبقية، والنهي فيه محمول عَلَى بيع الثمار قبل أن توجد أصلًا، وهو قول أكثر الحنفيّة. وقيل: هو عَلَى ظاهره، لكن النهي فيه للتنزيه. انتهى. وَقَدْ تقدّم تمام البحث فِي هَذَا فِي الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
(ومنها): أن فيه إجراء الحكم عَلَى الغالب؛ لأن تطرق التلف إلى ما بدا صلاحه ممكن، وعدم الطرق إلى ما لم يبد صلاحه ممكن، فأنيط الحكم بالغالب فِي الحالتين. قاله فِي "الفتح" ٥/ ١٤٥.
(ومنها): أن فيه جواز بيع الثمار بعد بدوّ صلاحها، وذهاب العاهة، وهو مما لا خلاف فيه.
(ومنها): أنه استدل به عَلَى وضع الجوائح فِي الثمر، يُشتَرى بعد بُدُوّ صلاحه، ثم تصيبه جائحة، وَقَدْ اختلف فيه العلماء، وسيأتي بيانه فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى.
(المسألة الرابعة): قَالَ فِي "الفتح": قوله: وَقَالَ رسول الله ﷺ : "أرأيت إذا منع الله الثمرة" الْحَدِيث، هكذا صرح مالك، برفع هذه الجملة، وتابعه محمّد بن عَبّاد، عن
стр. 16697
الدَّرَاوردي، عن حميد، مقتصرًا عَلَى هذه الجملة الأخيرة، وجزم الدارقطنيّ، وغير واحد، منْ الحفاظ، بأنه أخطأ فيه، وبذلك جزم ابن أبي حاتم فِي "العلل" عن أبيه، وأبي زرعة، والخطأ فِي رواية عبد العزيز، منْ محمّد بن عباد، فقد رواه إبراهيم بن حمزة، عن الدراوردي، كرواية إسماعيل بن جعفر الآتي ذكرها، ورواه معتمر بن سليمان، وبشر بن المفضل، عن حميد، فَقَالَ فيه: قَالَ: "أفرأيت" الخ، قَالَ: فلا أدري، أنس قَالَ: "بم يستحل؟ "، أو حَدّث به عن النبيّ ﷺ ، أخرجه الخطيب، فِي "المدرج"، ورواه إسماعيل بن جعفر، عن حميد، فعطفه عَلَى كلام أنس، فِي تفسير قوله: "تُزهي"، وظاهره الوقف، وأخرجه الجوزقي منْ طريق يزيد بن هارون، والخطيب منْ طريق أبي خالد الأحمر، كلاهما عن حميد، بلفظ: قَالَ أنس: "أرأيت إن منع الله الثمرة" الْحَدِيث، ورواه ابن المبارك، وهشيم، كما تقدم آنفاً عن حميد، فلم يذكر هَذَا القدر المختلف فيه، وتابعهما جماعة منْ أصحاب حميد عنه، عَلَى ذلك.
قَالَ الحافظ: وليس فِي جميع ما تقدم، ما يمنع أن يكون التفسير مرفوعًا؛ لأن مع الذي رفعه زيادة، عَلَى ما عند الذي وقفه، وليس فِي رواية الذي وقفه، ما ينفي قول منْ رفعه، وَقَدْ روى مسلم منْ طريق أبي الزبير، عن جابر ﵁، ما يُقَوّي رواية الرفع فِي
حديث أنس ﵁، ولفظه: قَالَ رسول الله ﷺ : "لو بعت منْ أخيك ثمرا، فأصابته عاهة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك، بغير حق". انتهى فتح ٥/ ١٤٥ وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٣٠ - (وَضْعِ الْجَوَائِحِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الجوائح" جمع جائحة، قَالَ الفيّوميّ رحمه الله تعالى: الجائحة: الآفة، يقال: جاحت الآفةُ المال تَجُوحه جَوْحًا، منْ باب قَالَ: إذا أهلكته، وتَجِيحه جِيَاحَةً لغةٌ، فهي جائحة، والجمع الجوائح، والمالُ مجوحٌ، ومَجِيحٌ، وأجاحته بالألف لغة ثالثة، فهو مجاحٌ، واجتاحت المالَ، مثلُ جاحته. قَالَ الشافعيّ: الجائحة: ما أذهب الثمر بأمر سماويّ، وفي حديثٍ: "أمر بوضع الجوائح": والمعنى: بوضع صدقات ذات الجوائح، يعني ما أُصيب منْ الثمار بآفة سماويّة، لا يؤخذ منه صدقة فيما بقي. انتهى.
وَقَالَ فِي "اللسان": الْجَوْحةُ، والجائحةُ: الشدّةُ، والنازلةُ العظيمة التي تجتاح المال
стр. 16698
منْ سنة، أو فتنة، وكلّ ما استأصله، فقد جاحه، واجتاحه، وجاح الله ماله، وأجاحه بمعنى: أي أهلكه بالجائحة. وَقَالَ الأزهريّ، عن أبي عُبيد: الجائحة: المصيبة تُحلّ بالرجل فِي ماله، فتجتاحه كلَّه. قَالَ: والجائحة تكون بالبَرَد يقع منْ السماء، إذا عظُم حَجمه، فأكثر ضرره، وتكون بالْبَرْد المحرِق، أو الحرّ المفرط، حَتَّى يَبطُل الثمر. انتهى. باختصار. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٥٢٩ - (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ، بِغَيْرِ حَقٍّ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (إبراهيم بن الحسن) أبو إسحاق المصَيصيَ الْمِقْسميَ، ثقة [١١] ٥١/ ٦٤.
٢ - (حجّاج) بن محمّد الأعور المصَيصيَ، ترمذيّ الأصل، ثقة ثبت، اختلط آخرًا [٩] ٢٨/ ٣٢.
٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلس [٦] ٢٨/ ٣٢.
٤ - (أبو الزبير) محمّد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، ثقة يُدلّس [٤] ٣١/ ٣٥.
٥ - (جابر) بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده، وأبي داود، وابن ماجه فِي "التفسير". (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، منْ ابن جريج، والباقيان مصيصيان. (ومنها): أن فيه جابرًا ﵁ منْ المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
عن ابن جُريج أنه قَالَ (أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ) محمّد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا) رضي الله تعالى عنه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ) مفعول أول لـ"بعت"، دخلت عليه "منْ" توكِيدًا؛ لأنه يتعدّى بنفسه إلى مفعولين، قَالَ الفيّوميّ: وبعتُ زيدًا الدار يتعدّى إلى مفعولين، قَالَ: وَقَدْ تدخل "منْ" عَلَى المفعول الأول عَلَى وجه التوكيد، فيقال: بعت منْ زيد الدار، كما يقال: كتمته الْحَدِيث،
стр. 16699
وكتمت منه الْحَدِيث، وربّما دخلت اللام مكان "منْ"، فيقال: بعتك الشيء، وبعته لك، فاللام زائدة، زيادتها فِي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ الآية [الحج: ٢٦]، والأصل بوّنا إبراهيم.
وقوله (ثَمَرًا) هو المفعول الثاني لـ"بعت" (فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ) أي أصابت ذلك الثمر آفة، قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى فِي "المفهم" ٣/ ٨٧: الجائحة ما اجتاحت المالَ، وأتلفته إتلافًا ظاهرًا، كالسيل، والمطر، والحرق، والسرق، وغلبة العدوّ، وغير ذلك، مما يكون إتلافه للمال ظاهرًا (١).
وَقَالَ أيضًا فِي موضع آخر ٤/ ٤٢٦: واختلف أصحابنا -يعني المالكيّة- فِي حدّها، فرُوي عن ابن القاسم أنها ما لا يمكن دفعه، وعلى هَذَا الخلاف، فلا يكون السارق جائحة، وكذا فِي كتاب محمّد، وفي الكتاب: إنه جائحة. وَقَالَ مطرّفٌ، وابن الماجشون: الجائحة: ما أصاب الثمرة منْ السماء، منْ عَفَنٍ، أو برد، أو عطش، أو حرّ، أو كسر الشجر بما ليس بصنع آدميّ، والجيش ليس بجائحة. وفي رواية ابن القاسم: إنه جائحة. انتهى "المفهم" ٤/ ٤٢٦ "كتاب البيوع".
وَقَالَ ابن قُدامة رحمه الله تعالى: الجائحة كل آفة، لا صُنع للآدمي فيها، كالريح، والبرد، والجراد، والعطش؛ لما روى الساجي بإسناده، عن جابر: أن النبيّ ﷺ ، قضى فِي الجائحة، والجائحة تكون فِي البرد، والجراد، وفي الحبق (٢)، والسيل، وفي الريح، وهذا تفسير منْ الراوي لكلام النبيّ ﷺ ، فيجب الرجوع إليه (٣).
وأما ما كَانَ بفعل آدمي، فَقَالَ القاضي: المشتري بالخيار، بين فسخ العقد، ومطالبة البائع بالثمن، وبين البقاء عليه، ومطالبة الجاني بالقيمة؛ لأنه أمكن الرجوع ببدله، بخلاف التالف بالجائحة. انتهى "المغني" ٦/ ١٧٩.
(فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ) أي منْ أخيك (شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ) أي فِي مقابلة الثمر الذي أصابته الجائحة. وقوله (بِغَيْرِ حَقٍّ") تأكيد للإنكار فِي أخذه، وذلك أن أخذه للثمن فِي مقابلة الثمر الهالك يكون أخذًا بغير حق، إذ لم يأخذ هو مقابله. وظاهره حرمة الأخذ، ووجوب وضع الجائحة، وبه يقول أحمد، وأصحاب الْحَدِيث، قالوا: وضع الجائحة لازم بقدر ما هلك. وَقَالَ الخطّابيّ: هي لندب الوضع منْ طريق المعروف، والإحسان عند الفقهاء. ولا يخفى أن هذه الرواية تبطل هَذَا التأويل. وقيل:
стр. 16700
هو محمول عَلَى ما هلك قبل تسليم المبيع إلى المشتري، فإنه فِي ضمان البائع، بخلاف ما هلك بعد التسليم؛ لأن المبيع قد خرج عن عُهْدة البائع بالتسليم إلى المشتري، فلا يلزمه ضمان ما يَعتريه بعده. واستُدلّ عَلَى ذلك بحديث أبي سعيد ﵁ الآتي؛ لأنه لو كانت الجوائح موضوعةً، لم يصر مديونًا بسببها. وسيأتي تمام البحث فِي المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث جابر ﵁ هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٠/ ٤٥٢٩ و٤٥٣٠ و٤٥٣١ - وفي "الكبرى" ٢٩/ ٦١١٨ و٦١١٩ و٦١٢٠. وأخرجه (م) فِي "البيوع" ١٥٥٤ (د) فِي "البيوع" ٣٣٧٤ و٣٤٧٠ (ق) فِي "التجارات" ٢٢١٩ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١٣٩٠٨ (الدارمي) فِي "البيوع" ٢٤٤٣. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم وضع الجوائح، والظاهر أنه يرى وجوبه، حيث أورد حديث جابر ﵁، وفيه قوله ﷺ : "فلا يحلّ لك أن تأخذ منه شيئاً"، فإنه يدلّ عَلَى وجوب وضع الجائحة، وبه قَالَ بعض أهل العلم، وهو الراجح، كما سيأتي بيانه فِي المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
(ومنها): جواز بيع الثمار، ولا خلاف فيه فِي الجملة، وإنما الخلاف فيما إذا كَانَ قبل بدوّ الصلاح، وَقَدْ تقدّم بيان ذلك مستوفًى فِي الباب الماضي. (ومنها): تحريم أخذ مال المسلم بغير حقّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة) فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم وضع الجائحة:
قَالَ فِي "الفتح": استُدِلَّ بهذا الْحَدِيث عَلَى وضع الجوائح فِي الثمر يُشتَرى بعد بُدُوّ صلاحه، ثم تصيبه جائحة، فَقَالَ مالك: يضع عنه الثلث، وَقَالَ أحمد، وأبو عبيد: يضع الجميع، وَقَالَ الشافعيّ، والليث، والكوفيون: لا يرجع عَلَى البائع بشيء، وقالوا: إنما ورد وضع الجائحة، فيما إذا بيعت الثمرة، قبل بُدُوّ صلاحها بغير شرط القطع، فيُحمل مطلق الْحَدِيث، فِي رواية جابر، عَلَى ما قُيِّد به فِي حديث أنس. والله أعلم.