مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أنس بن مالك ﵁ هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٩/ ٤٥٢٨ - وفي "الكبرى" ٢٨/ ٦١١٧. وأخرجه (خ) فِي "الزكاة" ١٤٨٨ و"البيوع" ٢١٩٥ و٢١٩٧ و٢١٩٩ و٢٢٠٨ (م) فِي "البيوع" ١٥٥٥ (د) فِي "البيوع" ٣٢٧١ (ت) فِي "البيوع" ٦٢٢٨ (ق) فِي "التجارات" ٢٢١٧ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١١٧٢٨ و١٢٢٢٧ و١٢٩٠١ و١٣٢٠١ (الموطأ) فِي "البيوع" ١٣٠٤. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز شراء الثمار قبل بدوّ صلاحها، بشرط القطع، وهو قول الجمهور.
قَالَ فِي "الفتح" ٥/ ١٣٩: وَقَدْ اختُلف فِي ذلك عَلَى أقوال، فقيل يبطل مطلقًا، وهو قول ابن أبي ليلى، والثوريّ، ووهم منْ نقل الإجماع عَلَى البطلان. وقيل: يجوز مطلقًا، ولو شرط التبقية، وهو قول يزيد بن أبي حبيب، ووهم منْ نقل الإجماع فيه أيضًا. وقيل: إن شرط القطع لم يبطل، وإلا بطل، وهو قول الشافعيّ، وأحمد، والجمهور، ورواية عن مالك. وقيل: يصحّ إن لم يشترط التبقية، والنهي فيه محمول عَلَى بيع الثمار قبل أن توجد أصلًا، وهو قول أكثر الحنفيّة. وقيل: هو عَلَى ظاهره، لكن النهي فيه للتنزيه. انتهى. وَقَدْ تقدّم تمام البحث فِي هَذَا فِي الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
(ومنها): أن فيه إجراء الحكم عَلَى الغالب؛ لأن تطرق التلف إلى ما بدا صلاحه ممكن، وعدم الطرق إلى ما لم يبد صلاحه ممكن، فأنيط الحكم بالغالب فِي الحالتين. قاله فِي "الفتح" ٥/ ١٤٥.
(ومنها): أن فيه جواز بيع الثمار بعد بدوّ صلاحها، وذهاب العاهة، وهو مما لا خلاف فيه.
(ومنها): أنه استدل به عَلَى وضع الجوائح فِي الثمر، يُشتَرى بعد بُدُوّ صلاحه، ثم تصيبه جائحة، وَقَدْ اختلف فيه العلماء، وسيأتي بيانه فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى.
(المسألة الرابعة): قَالَ فِي "الفتح": قوله: وَقَالَ رسول الله ﷺ : "أرأيت إذا منع الله الثمرة" الْحَدِيث، هكذا صرح مالك، برفع هذه الجملة، وتابعه محمّد بن عَبّاد، عن
стр. 16697
الدَّرَاوردي، عن حميد، مقتصرًا عَلَى هذه الجملة الأخيرة، وجزم الدارقطنيّ، وغير واحد، منْ الحفاظ، بأنه أخطأ فيه، وبذلك جزم ابن أبي حاتم فِي "العلل" عن أبيه، وأبي زرعة، والخطأ فِي رواية عبد العزيز، منْ محمّد بن عباد، فقد رواه إبراهيم بن حمزة، عن الدراوردي، كرواية إسماعيل بن جعفر الآتي ذكرها، ورواه معتمر بن سليمان، وبشر بن المفضل، عن حميد، فَقَالَ فيه: قَالَ: "أفرأيت" الخ، قَالَ: فلا أدري، أنس قَالَ: "بم يستحل؟ "، أو حَدّث به عن النبيّ ﷺ ، أخرجه الخطيب، فِي "المدرج"، ورواه إسماعيل بن جعفر، عن حميد، فعطفه عَلَى كلام أنس، فِي تفسير قوله: "تُزهي"، وظاهره الوقف، وأخرجه الجوزقي منْ طريق يزيد بن هارون، والخطيب منْ طريق أبي خالد الأحمر، كلاهما عن حميد، بلفظ: قَالَ أنس: "أرأيت إن منع الله الثمرة" الْحَدِيث، ورواه ابن المبارك، وهشيم، كما تقدم آنفاً عن حميد، فلم يذكر هَذَا القدر المختلف فيه، وتابعهما جماعة منْ أصحاب حميد عنه، عَلَى ذلك.
قَالَ الحافظ: وليس فِي جميع ما تقدم، ما يمنع أن يكون التفسير مرفوعًا؛ لأن مع الذي رفعه زيادة، عَلَى ما عند الذي وقفه، وليس فِي رواية الذي وقفه، ما ينفي قول منْ رفعه، وَقَدْ روى مسلم منْ طريق أبي الزبير، عن جابر ﵁، ما يُقَوّي رواية الرفع فِي
حديث أنس ﵁، ولفظه: قَالَ رسول الله ﷺ : "لو بعت منْ أخيك ثمرا، فأصابته عاهة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك، بغير حق". انتهى فتح ٥/ ١٤٥ وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٣٠ - (وَضْعِ الْجَوَائِحِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الجوائح" جمع جائحة، قَالَ الفيّوميّ رحمه الله تعالى: الجائحة: الآفة، يقال: جاحت الآفةُ المال تَجُوحه جَوْحًا، منْ باب قَالَ: إذا أهلكته، وتَجِيحه جِيَاحَةً لغةٌ، فهي جائحة، والجمع الجوائح، والمالُ مجوحٌ، ومَجِيحٌ، وأجاحته بالألف لغة ثالثة، فهو مجاحٌ، واجتاحت المالَ، مثلُ جاحته. قَالَ الشافعيّ: الجائحة: ما أذهب الثمر بأمر سماويّ، وفي حديثٍ: "أمر بوضع الجوائح": والمعنى: بوضع صدقات ذات الجوائح، يعني ما أُصيب منْ الثمار بآفة سماويّة، لا يؤخذ منه صدقة فيما بقي. انتهى.
وَقَالَ فِي "اللسان": الْجَوْحةُ، والجائحةُ: الشدّةُ، والنازلةُ العظيمة التي تجتاح المال
стр. 16698
منْ سنة، أو فتنة، وكلّ ما استأصله، فقد جاحه، واجتاحه، وجاح الله ماله، وأجاحه بمعنى: أي أهلكه بالجائحة. وَقَالَ الأزهريّ، عن أبي عُبيد: الجائحة: المصيبة تُحلّ بالرجل فِي ماله، فتجتاحه كلَّه. قَالَ: والجائحة تكون بالبَرَد يقع منْ السماء، إذا عظُم حَجمه، فأكثر ضرره، وتكون بالْبَرْد المحرِق، أو الحرّ المفرط، حَتَّى يَبطُل الثمر. انتهى. باختصار. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٥٢٩ - (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ، بِغَيْرِ حَقٍّ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (إبراهيم بن الحسن) أبو إسحاق المصَيصيَ الْمِقْسميَ، ثقة [١١] ٥١/ ٦٤.
٢ - (حجّاج) بن محمّد الأعور المصَيصيَ، ترمذيّ الأصل، ثقة ثبت، اختلط آخرًا [٩] ٢٨/ ٣٢.
٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلس [٦] ٢٨/ ٣٢.
٤ - (أبو الزبير) محمّد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، ثقة يُدلّس [٤] ٣١/ ٣٥.
٥ - (جابر) بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده، وأبي داود، وابن ماجه فِي "التفسير". (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، منْ ابن جريج، والباقيان مصيصيان. (ومنها): أن فيه جابرًا ﵁ منْ المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
عن ابن جُريج أنه قَالَ (أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ) محمّد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا) رضي الله تعالى عنه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ) مفعول أول لـ"بعت"، دخلت عليه "منْ" توكِيدًا؛ لأنه يتعدّى بنفسه إلى مفعولين، قَالَ الفيّوميّ: وبعتُ زيدًا الدار يتعدّى إلى مفعولين، قَالَ: وَقَدْ تدخل "منْ" عَلَى المفعول الأول عَلَى وجه التوكيد، فيقال: بعت منْ زيد الدار، كما يقال: كتمته الْحَدِيث،
стр. 16699
وكتمت منه الْحَدِيث، وربّما دخلت اللام مكان "منْ"، فيقال: بعتك الشيء، وبعته لك، فاللام زائدة، زيادتها فِي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ الآية [الحج: ٢٦]، والأصل بوّنا إبراهيم.
وقوله (ثَمَرًا) هو المفعول الثاني لـ"بعت" (فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ) أي أصابت ذلك الثمر آفة، قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى فِي "المفهم" ٣/ ٨٧: الجائحة ما اجتاحت المالَ، وأتلفته إتلافًا ظاهرًا، كالسيل، والمطر، والحرق، والسرق، وغلبة العدوّ، وغير ذلك، مما يكون إتلافه للمال ظاهرًا (١).
وَقَالَ أيضًا فِي موضع آخر ٤/ ٤٢٦: واختلف أصحابنا -يعني المالكيّة- فِي حدّها، فرُوي عن ابن القاسم أنها ما لا يمكن دفعه، وعلى هَذَا الخلاف، فلا يكون السارق جائحة، وكذا فِي كتاب محمّد، وفي الكتاب: إنه جائحة. وَقَالَ مطرّفٌ، وابن الماجشون: الجائحة: ما أصاب الثمرة منْ السماء، منْ عَفَنٍ، أو برد، أو عطش، أو حرّ، أو كسر الشجر بما ليس بصنع آدميّ، والجيش ليس بجائحة. وفي رواية ابن القاسم: إنه جائحة. انتهى "المفهم" ٤/ ٤٢٦ "كتاب البيوع".
وَقَالَ ابن قُدامة رحمه الله تعالى: الجائحة كل آفة، لا صُنع للآدمي فيها، كالريح، والبرد، والجراد، والعطش؛ لما روى الساجي بإسناده، عن جابر: أن النبيّ ﷺ ، قضى فِي الجائحة، والجائحة تكون فِي البرد، والجراد، وفي الحبق (٢)، والسيل، وفي الريح، وهذا تفسير منْ الراوي لكلام النبيّ ﷺ ، فيجب الرجوع إليه (٣).
وأما ما كَانَ بفعل آدمي، فَقَالَ القاضي: المشتري بالخيار، بين فسخ العقد، ومطالبة البائع بالثمن، وبين البقاء عليه، ومطالبة الجاني بالقيمة؛ لأنه أمكن الرجوع ببدله، بخلاف التالف بالجائحة. انتهى "المغني" ٦/ ١٧٩.
(فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ) أي منْ أخيك (شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ) أي فِي مقابلة الثمر الذي أصابته الجائحة. وقوله (بِغَيْرِ حَقٍّ") تأكيد للإنكار فِي أخذه، وذلك أن أخذه للثمن فِي مقابلة الثمر الهالك يكون أخذًا بغير حق، إذ لم يأخذ هو مقابله. وظاهره حرمة الأخذ، ووجوب وضع الجائحة، وبه يقول أحمد، وأصحاب الْحَدِيث، قالوا: وضع الجائحة لازم بقدر ما هلك. وَقَالَ الخطّابيّ: هي لندب الوضع منْ طريق المعروف، والإحسان عند الفقهاء. ولا يخفى أن هذه الرواية تبطل هَذَا التأويل. وقيل:
стр. 16700
هو محمول عَلَى ما هلك قبل تسليم المبيع إلى المشتري، فإنه فِي ضمان البائع، بخلاف ما هلك بعد التسليم؛ لأن المبيع قد خرج عن عُهْدة البائع بالتسليم إلى المشتري، فلا يلزمه ضمان ما يَعتريه بعده. واستُدلّ عَلَى ذلك بحديث أبي سعيد ﵁ الآتي؛ لأنه لو كانت الجوائح موضوعةً، لم يصر مديونًا بسببها. وسيأتي تمام البحث فِي المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث جابر ﵁ هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٠/ ٤٥٢٩ و٤٥٣٠ و٤٥٣١ - وفي "الكبرى" ٢٩/ ٦١١٨ و٦١١٩ و٦١٢٠. وأخرجه (م) فِي "البيوع" ١٥٥٤ (د) فِي "البيوع" ٣٣٧٤ و٣٤٧٠ (ق) فِي "التجارات" ٢٢١٩ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١٣٩٠٨ (الدارمي) فِي "البيوع" ٢٤٤٣. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم وضع الجوائح، والظاهر أنه يرى وجوبه، حيث أورد حديث جابر ﵁، وفيه قوله ﷺ : "فلا يحلّ لك أن تأخذ منه شيئاً"، فإنه يدلّ عَلَى وجوب وضع الجائحة، وبه قَالَ بعض أهل العلم، وهو الراجح، كما سيأتي بيانه فِي المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
(ومنها): جواز بيع الثمار، ولا خلاف فيه فِي الجملة، وإنما الخلاف فيما إذا كَانَ قبل بدوّ الصلاح، وَقَدْ تقدّم بيان ذلك مستوفًى فِي الباب الماضي. (ومنها): تحريم أخذ مال المسلم بغير حقّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة) فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم وضع الجائحة:
قَالَ فِي "الفتح": استُدِلَّ بهذا الْحَدِيث عَلَى وضع الجوائح فِي الثمر يُشتَرى بعد بُدُوّ صلاحه، ثم تصيبه جائحة، فَقَالَ مالك: يضع عنه الثلث، وَقَالَ أحمد، وأبو عبيد: يضع الجميع، وَقَالَ الشافعيّ، والليث، والكوفيون: لا يرجع عَلَى البائع بشيء، وقالوا: إنما ورد وضع الجائحة، فيما إذا بيعت الثمرة، قبل بُدُوّ صلاحها بغير شرط القطع، فيُحمل مطلق الْحَدِيث، فِي رواية جابر، عَلَى ما قُيِّد به فِي حديث أنس. والله أعلم.
стр. 16701
واستدل الطحاوي، بحديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ الآتي، قَالَ: فلما لم يبطل دينُ الغرماء بذهاب الثمار، وفيهم باعتها، ولم يؤخذ الثمن منهم، دلَّ عَلَى أن الأمر بوضع الجوائح، ليس عَلَى عمومه. والله تعالى أعلم. الهى.
وَقَالَ ابن قُدامة رحمه الله تعالى: ما تهلكه الجائحة منْ الثمار، منْ ضمان البائع، وبهذا قَالَ أكثر أهل المدينة، منهم: يحيى بن سعيد الأنصاريّ، ومالك، وأبو عبيد، وجماعة منْ أهل الْحَدِيث، وبه قَالَ الشافعيّ فِي القديم.
وَقَالَ أبو حنيفة، والشافعي فِي الجديد: هو منْ ضمان المشتري؛ لما رُوي: أن امرأة أتت النبيّ ﷺ فقالت: إن ابني اشرى ثمرة منْ فلان، فأذهبتها الجائحة، فسأله أن يضع عنه، فتألى أن لا يفعل، فَقَالَ النبيّ ﷺ : "تألّى فلان أن لا يفعل خيرا؟ " (١)، ولو كَانَ واجبا لأجبره عليه، ولأن التخلية يتعلق بها جواز التصرف، فتعلق بها الضمان، كالنقل، والتحويل، ولأنه لا يضمنه إذا أتلفه آدمي، كذلك لا يضمنه بإتلاف غيره.
ولنا ما رَوَى مسلم فِي "صحيحه" عن جابر ﵁: أن النبيّ ﷺ أمر بوضع الجوائح، وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "إن بعت منْ أخيك ثمرا، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك، بغير حق؟ "، رواه مسلم، وأبو داود، ولفظه: "منْ باع ثمرا، فأصابته جائحة، فلا يأخذ منْ مال أخيه شيئًا، علام يأخذ أحدكم، منْ مال أخيه المسلم؟ "، وهذا صريح فِي الحكم، فلا يعدل عنه. قَالَ الشافعيّ: لم يثبت عندي أن رسول الله ﷺ أمر بوضع الجوائح، ولو ثبت لم أَعْدُهُ، ولو كنت قائلا بوضعها، لوضعتها فِي القليل والكثير.
قلنا: الْحَدِيث ثابت، رواه الأئمة، منهم الإِمام أحمد، ويحيى بن معين، وعلي بن حرب، وغيرهم، عن ابن عيينة، عن حميد الأعرج، عن سليمان بن عتيق، عن جابر، ورواه مسلم فِي "صحيحه" وأبو داود فِي "سننه"، وابن ماجه، والنسائيّ، وغيرهم. ولا حجة لهم فِي حديثهم، فإن فعل الواجب خير، فإذا تألى أن لا يفعل الواجب، فقد تألى ألا يفعل خيرا، فأما الإجبار فلا يفعله النبيّ ﷺ ، بمجرد قول المدعي، منْ غير إقرار منْ البائع، ولا حضور، ولأن التخلية ليست بقبض تام، بدليل ما لو تلفت بعطش، عند بعضهم، ولا يلزم منْ إباحة التصرف تمام القبض، بدليل المنافع فِي الإجارة، يباح التصرف فيها، ولو تلفت كانت منْ ضمان المؤجر، كذلك الثمرة، فإنها فِي شجرها
стр. 16702
كالمنافع قبل استيفائها، توجد حالًا فحالًا، وقياسهم يبطل بالتخلية فِي الإجارة. انتهى "المغني" ٦/ ١٧٧ - ١٧٩.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بوجوب وضع الجائحة هو الأرجح؛ لقوّة دليله. وأما الاحتجاج بحديث أبي سعيد ﵁ الآتي فِي الرجل الذي أصيب فِي الثمار التي ابتاعها، فيجاب عنه بجوابين:
[أحدهما]: أن أحاديث وضع الجائحة ذُكرت لبيان القاعدة، وحكمِها، وهذا الْحَدِيث واقعة عين، فتكون هي أولى منه.
[الثاني]: أنه يحتمل أن يكون اشتراؤه تلك الثمرة بعد تناهي طيبها، ودخول أوان جذاذها، فلا تحتاج إلى تبقية، ولا إلى سقي، فيكون المشتري مفرّطًا فِي تركها بعد ذلك عَلَى الشجر، فتكون منْ ضمانه، لا منْ ضمان البائع، ولهذا قَالَ ﷺ فِي آخر الْحَدِيث: "ليس لكم إلا ذلك" فلو كانت الجوائح لا توضع، لكان لهم طلب بقيّة الدين. وجوابهم عن هَذَا بأن معناه: ليس لكم الآن إلا هَذَا، ولا يحلّ لكم مطالبته ما دام معسرًا، بل ينظر إلى ميسرة، خلاف الظاهر.
والحاصل أن وجوب وضع الجوائح هو الحق؛ لما ذُكر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): فِي اختلاف أهل العلم فِي مقدار الجوائح التي توضع:
قَالَ ابن قُدامة رحمه الله تعالى: إن ظاهر المذهب، أنه لا فرق بين قليل الجائحة وكثيرها، إلا أنّ ما جرت العادة بتلف مثله، كالشيء اليسير، الذي لا ينضبط، فلا يلتفت إليه، قَالَ أحمد: إني لا أقول فِي عشر ثمرات، ولا عشرين ثمرة، ولا أدري ما الثلث؟، ولكن إذا كانت جائحةً تُعرَفُ، الثلث، أو الربع، أو الخمس توضع.
وفيه رواية أخرى: أن ما كَانَ دون الثلث، فهو منْ ضمان المشتري، وهو مذهب مالك، والشافعي فِي القديم؛ لأنه لابُدَّ أن يأكل الطير منها، وتَنْثُرَ الريحُ، ويسقط منها، فلم يكن بد منْ ضابط واحد، فاصل بين ذلك، وبين الجائحة، والثلث قد رأينا الشرع اعتبره فِي مواضع، منها: الوصية، وعطايا المريض، وتساوي جراح المرأة وجراح الرجل إلى الثلث. قَالَ الأثرم: قَالَ أحمد: إنهم يستعملون الثلث فِي سبع عشرة مسألة، ولأن الثلث فِي حد الكثرة، وما دونه فِي حد القلة، بدليل قول النبيّ ﷺ فِي الوصية: "الثلث، والثلث كثير"، متَّفقٌ عليه، فيدل هَذَا عَلَى أنه آخِرُ حد الكثرة، فلهذا قدر به.
ووجه الأول عموم الأحاديث، فإن النبيّ ﷺ أمر بوضع الجوائح، وما دون الثلث داخل فيه، فيجب وضعه، ولأن هذه الثمرة لم يتم قبضها، فكان ما تَلِف منها منْ مال
стр. 16703
البائع، وإن كَانَ قليلًا، كالتي عَلَى وجه الأرض، وما أكله، أو سقط، لا يؤثر فِي العادة، ولا يسمى جائحة، فلا يدخل فِي الخبر، ولا يمكن التحرز منه، فهو معلوم الوجود بحكم العادة، فكأنه مشروط. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول بوضع الجائحة مطلقًا، سواء كَانَ قليلًا، أو كثيرًا، إلا ما جرى العرف بالتسامح فِي تلف مثله، هو الأرجح؛ عملاً بإطلاق النصّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: إذا ثبت هَذَا، فإنه إذا تلف شيء، له قدر خارج عن العادة، وُضِع منْ الثمن بقدر الذاهب، فإن تلف الجميع بطل العقد، ويرجع المشتري بجميع الثمن، وأما عَلَى الرواية الأخرى، فإنه يعتبر ثلث المبلغ، وقيل ثلث القيمة، فإن تلف الجميع، أو أكثر منْ الثلث رجع بقيمة التالف كله منْ الثمن، وإذا اختلفا فِي الجائحة، أو قدر ما أُتْلِف، فالقول قول البائع؛ لأن الأصل السلامة، ولأنه غارم، والقول فِي الأصول قول الغارم. قاله فِي "المغني" ٦/ ١٧٩ - ١٨٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٣٠ - (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ جُرَيْجٍ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ بَاعَ ثَمَرًا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ أَخِيهِ"، وَذَكَرَ "شَيْئًا": "عَلَى مَا يَأْكُلُ أَحَدُكُمْ، مَالَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. وهذا السند نصفه الأول شاميّون، والثاني مكيون، فجابر ﵁ ممن سكن مكة.
وقوله: "وذكر شيئًا" أي ذكر لفظ "شيئا" بعد قوله: "فلا يأخذ منْ أخيه"، والظاهر أنه حصل تردّد منْ بعض الرواة فِي ذكر هَذَا اللفظ، ثم تأكّد منْ ذلك، فبيّنه. والله تعالى أعلم.
وقوله: "عَلَى ما يأكل الخ" هي "ما" الاستفهامية، ثبت ألفها مع الجارّ عَلَى خلاف المشهور، فإن المشهور حذفها، كما قَالَ ابن مالك:
و"مّا" فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ … أَلِفُهَا وَأَوْلِهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ
والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٣١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حُمَيْدٍ، وَهُوَ الأَعْرَجُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، وَضَعَ الْجَوَائِحَ).
стр. 16704
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وهو مكيّ ثقة [١٠].
و"سفيان": هو ابن عيينة. و"حميد الأعرج": هو ابن قيس، أبو صفوان القارىء المكيّ، لا بأس به [٦] ١٨٩/ ٢٩٩٥.
و"سليمان بن عَتِيق" المدنيّ، ومن قَالَ فيه: ابن عتيك، فقد وهم، صدوق [٤].
قَالَ النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ البخاريّ: لا يصحّ حديثه.
وَقَالَ ابن عبد البرّ: لا يُحتجّ بما تفرّد به. روى له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف حديث جابر أخرجه هنا، وفي الباب التالي، وفي الباب ٦٩/ ٤٦٢٨ و٤٦٢٩. وله عند الثلاثة حديث جابر المذكور، وعند مسلم، وأبي داود أيضًا حديث عبد الله ابن مسعود ﵁: "هلك المتنطّعون"، قالها ثلاثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ جَابِرٍ) بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَضَعَ الْجَوَائِحَ) ولفظ مسلم: "أمر بوضع الجوائح"، و"الجوائح جمع جائحة: وهي الآفة، وتقدم البحث عنها فِي أول الباب، ومعنى قوله: "وضع الجوائح": أي أمر بوضعها، وإسقاطها، وعدم المطالبة بها، يعني أن منْ اشترى ثمارًا، فأصابتها آفة سماوية، كالبرد -بفتحتين-، والبرد -بفتح، فسكون- والحرّ الشديدين، والجراد، ونحو ذلك، منْ الآفات التي تعرض للثمار، فإنه لا يحلّ للبائع أن يُطالب بثمنها، وَقَدْ تقدّم بيان اختلاف العلماء فِي وضع الجوائح قريبًا، فلا تنسَ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث جابر رضي الله تعالى عنه هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٠/ ٤٥٣١ - وفي "الكبرى" ٢٩/ ٦١٢٠. وأخرجه (م) فِي "البيوع" ٣٩٥٧ (د) فِي "البيوع" ٣٣٧٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٣٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فِي ثِمَارٍ
стр. 16705
ابْتَاعَهَا، فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ"، فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلاَّ ذَلِكَ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة بن سعيد) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد الإِمام المصريّ، ثقة ثبت [٧] ٣١/ ٣٥.
٣ - (بكير) بن عبد الله بن الأشجّ المدنيّ، نزيل مصر، ثقة [٥] ١٣٥/ ٢١١.
٤ - (عِيَاض بن عبد الله) بن سعد بن أبي سَرْح القرشيّ العامريّ المكيّ، ثقة [٣] ٢٦/ ١٤٠٨.
٥ - (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان رضي الله تعالى عنهما ١٦٩/ ٢٦٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين، غير الصحابيّ، فمدنيّ، وكلّ منْ قتيبة، وبكير، وعياض، ممن دخل مصر أيضًا. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد ﵁ منْ المكثرين السبعة، روى (١١٤٠) حديثا. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ) قيل: هو معاذ بن جبل ﵁. قاله النوويّ فِي "شرح مسلم" ١٠/ ٤٦١ (فِي عَهْدِ) أي زمان (رَسُولِ الله ﷺ ، فِي ثِمَارٍ) متعلق بـ"أُصيب" (ابْتَاعَهَا) أي اشتراها، يعني أنه لحقه خسران، بسبب إصابة آفة ثمارًا اشتراها، ولم ينقُد ثمنها (فَكَثُرَ) بضم الثاء المثلثة (دَيْنُهُ) أي فطالبه
البائع بثمن تلك الثمرة، وكذا طالبه بقية غرمائه، وليس له مال يؤديه (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ"، فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ) فيه أن المسألة تحلّ لمثله (فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ) أي ما تصدّقوا عليه (وَفَاءَ دَيْنِهِ) أي لكثرته (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي لغرمائه (خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ) أي مما تصدّق النَّاس عليه (وَلَيْسَ لَكُمْ إِلاَّ ذَلِكَ) أي إلا أخذ ما وجدتم، والمعنى: أنه ليس لكم مطالبته بالباقي، بل الواجب عليكم مسامحته، أو إنظاره إلى الميسرة، كما قَالَ : ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٠].
وَقَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: ظاهره أنه وضع الجائح، بمعنى أنه لا يؤخذ منه ما عجز عنه. ويحتمل أن المعنى ليس لكم فِي الحال إلا ذلك؛ لوجوب الإنظار فِي غيره؛
стр. 16706
لقوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾، وحينئذ فلا وضع أصلًا، وبالجملة، فهذا الْحَدِيث دليل لمن يقول بعدم الوضع، والله تعالى أعلم. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد عرفت فيما سبق أن هَذَا الْحَدِيث محمول عَلَى أنها تلفت بعد أوان الجذاذ، وتفريط المشتري فِي تركها بعد ذلك عَلَى الشجر، فإنها حينئذ تكون منْ ضمان المشتري، وليس له حقّ فِي الوضع، فلا يكون الْحَدِيث معارضًا لتلك الأحاديث الكثيرة الموجبة وضع الجوائح، وعلى تقدير عدم حمله عَلَى هذه الصورة، فتلك الأحاديث ترجّح عليه؛ لقوّتها.
[تنبيه]: زاد المصنّف رحمه الله تعالى فِي "الكبرى" بعد إيراده حديث أبي سعيد ﵁ هَذَا: ما نصّه: قَالَ أبو عبد الرحمن: هَذَا أصلح منْ حديث سليمان بن عَتِيق. انتهى.
وأشار به إلى ما تقدم منْ الكلام فِي سليمان بن عتيق، فقد ضعّفه بعضهم، إلا أن مسلمًا أخرج له الْحَدِيث المذكور، وغيره، كما سبق بيانه، ويشهد لحديثه حديث أنس ﵁ المتقدِّم فِي الباب الماضي، وحديثا جابر ﵁ المذكوران فِي هَذَا الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٩/ ٤٥٣٢ و٩٥/ ٤٦٨٠ - وفي "الكبرى" ٢٨/ ٦١٢١ و٩٦/ ٦٢٧٤.
وأخرجه (م) فِي "البيوع" ١٥٥٦ (د) فِي "البيوع" ٣٤٦٩ (ت) فِي "الزكاة" ٦٥٥ (ق) فِي "الأحكام" ٢٣٥٦ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١٠٩٢٤ و١١١٥٧. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): بيان ما كَانَ عليه النبيّ ﷺ منْ الرأفة، والرحمة بأمته، حيث يهتمّ بتدبير شؤونهم، فيقوم بمساعدة الفقراء، والمحتاجين، إذا كَانَ عنده شيء منْ المال، وإلا أمر أصحابه المياسير ﵃ أن يساعدوهم حَتَّى يقضوا ديونهم، ويسدّوا حاجاتهم. (ومنها): التعاون عَلَى البرّ، والتقوى، ومواساة المحتاج، ومن عليه دين، والحثّ عَلَى الصدقة. (ومنها): جواز المسألة لمن أصاب ماله جائحة، بقدر ما يؤدّي به دينه، ويسدّ حاجته. (ومنها): أن المعسر لا تحلّ مطالبته، ولا ملازمته، ولا سَجْنه، وبه قَالَ الشافعيّ،
стр. 16707
ومالك، وجمهور العلماء، وحكي عن ابن شريح حبسه حَتَّى يقضي الدين، وإن كَانَ قد ثبت إعساره. وعن أبي حنيفة: تجوز ملازمته. (ومنها): أنه يسلم إلى الغرماء جميع مال المفلس، ما لم يَقضِ دينهم، ولا يُترك للمفلس سوى ثيابه، ونحوها. قاله النوويّ فِي "شرح مسلم" ١٠/ ٤٦١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٣١ - (بَيْعِ الثَّمَرِ سِنِينَ)
٤٥٣٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حُمَيْدٍ الأَعْرَجِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيكٍ -قَالَ قُتَيْبَةُ: عَتِيكٌ بِالْكَافِ، وَالصَّوَابُ عَتِيقٌ- عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ سِنِينَ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا السند تقدّم الكلام فيه فِي الباب الماضي.
وقوله: "نهى عن بيع الثمر سنين": معناه أن يبيع ثمرة نخلة، أو نخلات بأعيانها سنتين، أو ثلاثا، مثلًا، وإنما نهى عنه؛ لأنه بيع شيء لا وجود له حال العقد.
قَالَ الخطّابيّ رحمه الله تعالى: هو أن يبيع الرجل ما تثمره النخلة، أو النخلات بأعيانها سنين، ثلاثًا، أو أربعًا، أو أكثر منها، وهذا غررٌ؛ لأنه بيع شيء غير موجود، ولا مخلوق حال العقد، ولا يُدرى هل يكون ذلك، أم لا، وهل يُثمر النخل، أم لا، وهذا فِي بيوع الأعيان، وأما فِي بيوع الصفات، فهو جائز، مثل أن يُسلف فِي شيء إلى ثلاث سنين، أو أربع، أو أكثر، ما دامت المدّة معلومة فِي قيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم، بعيد، أو قريب، إذا كَانَ الشيء المسلف فيه غالبًا وجوده عند وقت محل السلف. انتهى "معالم السنن" ٥/ ٤٤.
والحديث أخرجه مسلم، وَقَدْ تقدّم تخريجه فِي الباب الماضي فِي حديث جابر ﵁: "أن النبيّ ﷺ وضع الجوائح"؛ لأنه حديث واحد فرقه المصنّف، ساقه أبو داود، فِي "سننه"، مساقًا واحدًا، ولفظه: "أن النبيّ ﷺ نهى عن بيع السنين، ووضع الجوائح". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
***
стр. 16708
٣٢ - (بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الأول بالثاء المثلّثة، والثاني بالتاء المثنّاة الفوقانيّة. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٥٣٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا).
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة بن سعيد) الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (سفيان) بن عيينة الإِمام الحجة الثبت المكيّ [٨] ١/ ١.
٣ - (الزهريّ) محمّد بن مسلم الإِمام الحجة الثبت المدنيّ [٤] ١/ ١.
٤ - (سالم) بن عبد الله بن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٢٣/ ٤٩٠.
٥ - (أبوه) عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وسفيان، فمكيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه سالم أحد الفقهاء السبعة، وفيه ابن عمر منْ العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ) بمثلّثة، وميم مفتوحتين، وفي رواية مسلم: "ثمر النخل"، وهو المراد هنا، وليس المراد الثمر منْ غير النخل، فإنه يجوز بيعه بالتمر -بالمثنّاة، والسكون- وإنما وقع النهي عن الرطب بالتمر؛ لكونه متفاضلًا منْ جنسه (بِالتَّمْرِ) بفتح المثنّاة، وسكون الميم (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما، وفي رواية البخاريّ: قَالَ سالم: وأخبرني عبد الله، عن زيد بن ثابت ﵁ وهو موصول بالإسناد المذكور، وأفرد المصنّف حديث زيد بن ثابت فِي الباب التالي منْ طريق سالم أيضًا، وفي الباب
стр. 16709
الذي يليه منْ طريق نافع. وأخرجه الترمذيّ منْ طريق محمّد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت، ولم يفَصّل حديث ابن عمر منْ حديث زيد بن ثابت، وأشار الترمذيّ إلى أنه وَهِمَ فيه، والصواب التفصيل، ولفظ الترمذيّ: "عن زيد بن ثابت، أن النبيّ ﷺ نهى عن المحاقلة، والمزابنة، إلا أنه قد أَذِن لأهل العرايا أن يبيعوها بمثل خرصها"، ومراد الترمذيّ أن التصريح بالنهي عن المزابنة لم يَرِد فِي حديث زيد بن ثابت، وإنما رواه ابن عمر بغير واسطة، وروى ابن عمر استثناء العرايا بواسطة زيد بن ثابت، فإن كانت رواية ابن إسحاق محفوظةً احتَمَل أن يكون ابن عمر حمل الْحَدِيث كله عن زيد بن ثابت، وكان عنده بعضه بغير واسطة.
(حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) الصحابيّ المشهور ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا) وفي رواية البخاريّ: "رخّص بعد ذلك فِي بيع العرايا بالرُّطَب، أو بالتمر، ولم يرخّص فِي غير ذلك". وقوله: "رخّص بعد ذلك" أي بعد النهي عن بيع الثمر بالتمر، وهذا منْ أصرح ما ورد فِي الردّ عَلَى منْ حمل منْ الحنفيّة النهي عن بيع الثمر بالتمر عَلَى عمومه، ومنع أن يكون بيع العرايا مستثنًى منه، وزعم أنهما حكمان مختلفان، وردا فِي سياق واحد، وكذلك منْ زعم منهم كما حكاه ابن المنذر عنهم أن بيع العرايا منسوخٌ بالنهي عن بيع الثمر بالتمر؛ لأن المنسوخ لا يكون بعد الناسخ. قاله فِي "الفتح" ٥/ ١٢٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٢/ ٤٥٣٤ و٤٥٣٥ و٣٣/ ٤٥٣٦ و٤٥٣٨ و٤٥٣٩ و٣٤/ ٤٥٤٠ و٤٥٤١ و٣٥/ ٤٥٤٢ و٣٩/ ٤٥٥١ - وفي "الكبرى" ٣١/ ٦١٢٣ و٦١٢٤ و٣٢/ ٦١٢٥ و٣٣/ ٦١٢٧ و٦١٢٨ و٣٩/ ٦١٤٠. وأخرجه (خ) فِي "البيوع" ٢١٧١ و٢١٧٢ و٢١٨٥ و٢١٨٨ و٢١٩٢ و٢٢٠٥ و"المساقاة" ٢٣٨٠ (م) فِي "البيوع" ١٥٣٩ و١٥٤٢ (أحمد) فِي "مسند المكثرين" ٤٥١١. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم بيع الثمر بالتمر، وهو المنع؛ لوقوع التفاضل فيه مع كونهما جنسًا واحدًا. (ومنها): جواز ذلك فِي العرايا، وسيأتي بيانها بعد باب، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أنه يدلّ عَلَى تحريم بيع
стр. 16710
الرطب باليابس منه، ولو تساويا فِي الكيل والوزن؛ لأن الاعتبار بالتساوي إنما يصحّ حالة الكمال، والرطب قد ينقص عن اليابس إذا جفّ نقصًا لا يتقدّر، وهذا قول الجمهور، وعن أبي حنيفة الاكتفاء بالمساواة حالة الرطوبة، وخالفه صاحباه فِي ذلك؛ لصحّة الأحاديث الواردة فِي النهي عن ذلك، وأصرح منْ ذلك حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁: أن النبيّ ﷺ سئل عن بيع الرُّطَب بالتمر؟ فَقَالَ: "أينقص الرُّطَب إذا جفّ؟ قالوا: نعم، قَالَ: فلا إذًا"، أخرجه مالكٌ، وأصحاب "السنن"، وصححه الترمذيّ، وابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم، وسيأتي للمصنف بعد ثلاثة أبواب -٤٥٤٨ - بلفظ: سئل رسول الله ﷺ عن التمر بالرطب؟ فَقَالَ لمن حوله: "أينقص الرُّطَب إذا يبس؟ "، قالوا: نعم، فنهى عنه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٣٥ - (أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ، وَالْمُزَابَنَةُ أَنْ يُبَاعَ مَا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ، بِتَمْرٍ بِكَيْلٍ مُسَمًّى، إِنْ زَادَ لِي، وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيَّ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (زياد بن أيوب) البغداديّ، طوسي الأصل المعروف بدلّويه البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] ١٠١/ ١٣٢.
٢ - (ابن علية) إسماعيل بن إبراهيم، أبو بشر البصريّ، ثقة ثبت [٨] ١٨/ ١٩.
٣ - (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت عابد فقيه [٥] ٤٢/ ٤٨.
٤ - (نافع) مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/ ١٢، والصحابي ذُكر فِي السند الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه ما بين مدنيين، وهما ابن عمر، ونافع، وبصريين، وهما أيوب، وابن علية، وبغدادي، وهو شيخه. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ) -بميم
стр. 16711
مضمومة، وزاي، وباء موحّدة، ونون: مفاعلة منْ الزَّبْن -بفتح الزاي، وسكون الموحّدة-: وهو الدفع الشديد، ومنه سُمّيت الحرب الزَّبُون؛ لشدّة الدفع فيها، وقيل للبيع المخصوص المزابنة؛ لأن كلّ واحد منْ المتبايعين يدفع صاحبه عن حقّه، أو لأن أحدهما إذا وقف عَلَى ما فيه منْ الغبن أراد دفع البيع بفسخه، وأراد الآخر دفعه عن هذه الإرادة بإمضاء البيع، هَذَا هو تفسير المزابنة لغة، وأما التفسير الشرعيّ، فهو ما بيّنه بقوله (وَالْمُزَابَنَةُ أَنْ يُبَاعَ مَا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ) أي منْ الثمار (بِتَمْرٍ، بِكَيْلٍ مُسَمًّى) بدل منْ الجارّ والمجرور قبله.
ثم إن ذِكْرَ الكيل ليس بقيد، فِي هذه الصورة، بل لأنه صورة المبايعة التي وقعت إذ ذاك، فلا مفهوم له؛ لخروجه عَلَى سبب، أو له مفهوم، لكنه مفهوم الموافقة؛ لأن المسكوت عنه أولي بالمنع منْ المنطوق، ويستفاد منه أن معيار التمر والزبيب الكيل. أفاده فِي "الفتح" ٥/ ١٢٩.
(إِنْ زَادَ لِي، وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيَّ) يعني أن البائع يقول للمشتري: إن زاد ما فِي رؤوس النخل فِي الكيل عَلَى التمر، فالزائد لي، وإن نقص عنه، فالخسارة عليّ. وسيأتي فِي الباب التالي تفسير المزابنة بقوله: "والمزابنة: بيع الثمر بالتمر كيلًا، وبيع الكرم بالزبيب كيلًا".
قَالَ فِي "الفتح": وهذا أصل المزابنة، وألحق الشافعيّ بذلك كل بيع مجهول بمجهول، أو بمعلوم منْ جنس يجري الربا فِي نقده، قَالَ: وأما منْ قَالَ: أضمن لك صبرتك هذه، بعشرين صاعا مثلا، فما زاد فلي، وما نقص فعليّ، فهو منْ القمار، وليس منْ المزابنة.
لكن فيه نظر؛ لأن هَذَا التفسير، قد سمّاه فِي هَذَا الْحَدِيث مزابنة، قَالَ الحافظ: فثبت أن منْ صور المزابنة أيضًا، هذه الصورة منْ القمار، ولا يلزم منْ كونها قمارا، أن لا تسمى مزابنة. ومن صور المزابنة أيضًا بيع الزرع بالحنطة كيلا، وَقَدْ رواه مسلم منْ طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، بلفظ: "والمزابنة بيع ثمر النخل بالتمر كيلا، وبيع العنب بالزبيب كيلا، وبيع الزرع بالحنطة كيلا".
وَقَالَ مالك: المزابنة كلُّ شيء منْ الجزاف، لا يُعلم كيله، ولا وزنه، ولا عدده، إذا بيع بشيء مسمى منْ الكيل وغيره، سواء كَانَ منْ جنس يجري الربا فِي نقده، أم لا، وسبب النهي عنه، ما يدخله منْ القمار والغرر، قَالَ ابن عبد البرّ: نظر مالك إلى معنى المزابنة لغة، وهي المدافعة، ويدخل فيها القمار، والمخاطرة.
وفسر بعضهم المزابنة، بأنها بيع الثمر قبل بدو صلاحه، وهو خطأ، فالمغايرة بينهما
стр. 16712
ظاهرة، منْ أول حديث ابن عمر عند البخاريّ بلفظ: "لا تبيعوا الثمر حَتَّى يبدو صلاحه، ولا تبيعوا الثمر بالتمر"، فقد غاير بينهما. وقيل: هي المزارعة عَلَى الجزء. وقيل غير ذلك والذي تدل عليه الأحاديث فِي تفسيرها أولى.
[تنبيه]: ظاهر هذه الرواية أن تفسير المزابنة منْ المرفوع، ومثله فِي حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ عند البخاريّ، بلفظ: "أن رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة، والمزابنة اشتراء الثمر بالتمر، عَلَى رؤوس النخل". وعند مسلم منْ حديث جابر ﵁، فإن كَانَ هَذَا التفسير مرفوعاً، فلا إشكال فِي وجوب الأخذ به، وان كَانَ موقوفًا عَلَى هؤلاء الصحابة، فهم رواة الْحَدِيث، وأعرف بتفسيره منْ غيرهم، قَالَ ابن عبد البرّ: ولا مخالف لهم علمته، بل قد أجمع العلماء عَلَى أن ذلك مزابنة، وإنما اختلفوا هل يلتحق بذلك، كل ما لا يجوز إلا مثلا بمثل، فلا يجوز فيه قيل بجزاف، ولا جزاف بجزاف، فالجمهور عَلَى الإلحاق، وقيل: يختص ذلك بالنخل والكرم. والله أعلم. أفاده فِي "الفتح" ٥/ ١٢٧ و"الطرح" ٦/ ١٣٣.
والحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ مضى تخريجه فِي الْحَدِيث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٣٣ - (بَيْعِ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ)
٤٥٣٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، رضى الله عنهما: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ، وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلاً، وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلاً").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وَقَدْ تقدّموا غير مرّة. والسند منْ رباعيات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (٢٢٠) منْ رباعيات الكتاب، وهو منْ أصح الأسانيد، عَلَى ما نُقل عن الإِمام البخاريّ رحمه الله تعالى، كما سبق غير مرّة.
وقوله: "الثمر بالتمر" الأول بالثاء المثلثة، والثاني بالتاء المثناة الفوقانيّة، والمراد ثمر النخل: أي رُطَبه، لا كلّ ثمر، إذ يجوز بيع الثمر منْ غير النخل بالتمر كيلاً؛ لجواز التفاضل فيه.
стр. 16713
وقوله: "وبيع الكرم بالزبيب كيلا"، فِي رواية مسلم: "وبيع العنب بالزبيب كيلا"، والكرم -بفتح الكاف، وسكون الراء-: هو شجر العنب، والمراد منه هنا نفس العنب، كما أوضحته روايةُ مسلم.
وفيه: جواز تسمية العنب كرما، وَقَدْ ورد النهي عنه، فقد أخرج الشيخان منْ حديث أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "لا تُسمُّوا العنب كَرْمًا"، وفي رواية: "ويقولون: الكرم، إنما الكرم قلب المؤمن".
ويُجمع بينهما يحمل النهي عَلَى التنزيه، ويكون ذكره هنا؛ لبيان الجواز، وهذا كله بناء عَلَى أن تفسير المزابنة، منْ كلام النبيّ ﷺ ، وعلى تقدير كونه موقوفًا، فلا حجة عَلَى الجواز، فيحمل النهي عَلَى حقيقته.
واختلف السلف: هل يُلحق العنب أو غيره بالرطب فِي العرايا، فقيل: لا، وهو قول أهل الظاهر، واختاره بعض الشافعيّة، منهم المحب الطبري. وقيل: يُلحق العنب خاصة، وهو مشهور مذهب الشافعيّ. وقيل: يلحق كل ما يُدَّخَر، وهو قول المالكية. وقيل: يلحق كل ثمرة، وهو منقول عن الشافعيّ أيضًا.
والحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق تخريجه فِي الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٣٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ طَارِقٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة بن سعيد) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (أبو الأحوص) سلّام بنُ سُليم الحنفيّ الكوفيّ ثقة ثبت [٧] ٧٩/ ٩٦.
٣ - (طارق) بن عبد الرحمن البجليّ الأحمسيّ الكوفيّ، صدوقٌ، له أوهام [٥] ٢، ٣٨٩٠.
٤ - (سعيد بن المسيب) بن حَزْن المخزوميّ المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٩/ ٩.
٥ - (رافع بن خديج) بن عديّ الحارثيّ الأوسيّ الأنصاريّ الصحابيّ الجليل، أول مشاهده أُحد، ثم الخندق، ومات ﵁ سنة (٣) أو (٦٤) وقيل: قبل ذلك. والله تعالى أعلم.
стр. 16714
شرح الْحَدِيث
(عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنِ الْمُحَاقَلَةِ) قَالَ ابن الأثير رحمه الله تعالى: اختُلف فِي معناها، قيل: هي اكتراء الأرض بالحنطة، هكذا جاء مفسّرًا فِي الْحَدِيث، وهو الذي يسمّيه الزرّاعون: المحارثة. وقيل: هي المزارعة عَلَى نصيب معلوم، كالثلث، والربع، ونحوهما. وقيل: هي بيع الطعام فِي سُنْبُله بالبرّ. وقيل: بيع الزرع قبل إدراكه. وإنما نُهي عنها؛ لأنها منْ المكيل، ولا يجوز فيه إذا كانا منْ جنس واحد إلا مثلاً بمثل، ويدًا بيد، وهذا مجهولٌ، لا يُدرى أيهما أكثر. انتهى "النهاية" ١/ ٤١٦.
(وَالْمُزَابَنَةِ) تقدّم معناها فِي الْحَدِيث الماضي.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث رافع بن خديج ﵁ هَذَا صحيح، وَقَدْ تقدّم فِي "كتاب المزارعة" ٤٥/ ٣٩١٧ مطوّلًا. فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٣٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"سفيان": هو ابن عُيينة. والحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم شرحه، وبيان مسائله فِي الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٣٩ - (قَالَ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا، بِالتَّمْرِ وَالرُّطَبِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وهو مصريّ حافظ ثقة.
والحديث، أخرجه المصنّف رحمه الله تعالى هنا -٣٣/ ٤٥٣٩ - وفي "الكبرى" ٣٣/ ٦١٢٨. وأخرجه (م) فِي "البيوع" ٣٣٦٢. وسيأتي شرحه بعد باب، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
***
стр. 16715
٣٤ - (بَابُ بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "العَرَيَا": جمع عريّة، قَالَ الفيّوميّ: "العريّة": النخلة يُعْرِيها صاحبها غيرَهُ ليأكل ثمرتها، فيَعْرُوها: أي يأتيها، فَعِلية بمعنى مفعولة، ودخلت الهاء عليها؛ لأنه ذُهِب بها مذهب الأسماء، مثلُ النَّطِيحة، والأكِيلة، فإذا جيء بها مع النخلة حُذفت الهاء، وقيل: نخلة عَرِيّ، كما يقال: امرأة قَتِيلٌ، والجمع: العَرَايا. انتهى.
وَقَالَ فِي "الفتح": هي عطية ثمر النخل، دون الرقبة، كَانَ العرب فِي الجدب يتطوّع أهل النخل بذلك عَلَى منْ لا ثمر له، كما يتطوّع صاحب الشاة، أو الإبل بالمنيحة، وهي عطيّة اللبن، دون الرقبة، قَالَ حسّان بن ثابت ﵁ فيما ذكر ابن التين، وَقَالَ غيره: هي لسُوَيد بن الصَّامت الأنصاريّ [منْ الطويل]:
فَلَيْسَتْ بِسَنْهَاءَ وَلَا رُجَّبِيَّةٍ (١) … وَلَكِنْ عَرَايَا فِي السِّنِينَ الْجَوَائِحِ
ومعنى "سنهاء": أن تَحمِل سنة دون سنة، والرجبية: التي تُدَعَّم حين تميل منْ الضعف. والعرية: فَعلةٌ بمعنى مفعولة، أو فاعلة، يقال: عَرَى النخلَ -بفتح العين، والراء- بالتعدية يَعرُوها: إذا أفردها عن غيرها، بأن أعطاها لآخر، عَلَى سبيل الْمِنْحَة؛ ليأكل ثمرها، وتَبقَى رقبتها لمعطيها، ويقال: عَرِيت النخلُ -بفتح العين، وكسر الراء- تَعرَى عَلَى أنه قاصر، فكأنها عَرِيت عن حكم أخواتها، واستُثبتت بالعطية، واختلف فِي المراد بها شرعا، وسيأتي بيان ذلك فِي المسائل، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٥٤٠ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا، تُبَاعُ بِخِرْصِهَا").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (عبيد الله بن سعيد) أبو قُدامة السرخسيّ، ثقة ثبت سنّيّ [١٠] ١٥/ ١٥.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤/ ٤.
٣ - (عبيد الله) بن عمر العمريّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٥] ١٥/ ١٥.
٤ - (زيد بن ثابت) بن الضحّاك ابن لوذان الأنصاريّ النّجّاريّ الصحابيّ المشهور،
стр. 16716
كاتب الوحي لرسول الله ﷺ ، قَالَ مسروقٌ: كَانَ منْ الراسخين فِي العلم، مات ﵁ سنة (٥) أو (٤٨) وقيل: بعد (٥). والباقيان ترجما فِي الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين منْ عبيد الله بن عمر، ويحيى بصريّ، وعُبيد الله سرخسيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وصحابيّ عن صحابيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنهما (عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) رضي الله تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، رَخَّصَ) -بتشديد الخاء المعجمة- منْ الترخيص، وهو التسهيل فِي الأمر، والتيسير فيه، يقال: رخّص الشرع لنا فِي كذا ترخيصًا، وأرخص إرخاصًا: إذا يسّره، وسهّله. قاله الفيّوميّ (فِى بَيْعِ الْعَرَايَا) أي فِي بيع ثمر العرايا؛ لأن العرايا جمع عريّة، وهي النخلة، فيكون الكلام منْ باب حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مُقامه (تُبَاعُ) أي يباع ثمرها، كما بيّناه آنفاً، والجملة فِي محل نصب عَلَى الحال، وفي حديث سهل بن أبي حثْمة الآتي: "أن تباع" بزيادة "أن" وعليه فيكون فِي تأويل المصدر بدلًا منْ "بيع العرايا" (بِخِرْصِهَا) هو بفتح الخاء المعجمة، وأشار ابن التين إلى جواز كسرها، وجزم ابن العربيّ بالكسر، وأنكر الفتح، وجوّزهما النوويّ، وَقَالَ الفتح أشهر، قَالَ: ومعناه: تقدير ما فيها إذا صار تمرًا، فمن فتح قَالَ: هو اسم للفعل، ومن كسر قَالَ: اسم للشيء المخروص. انتهى. والخرص: هو التخمين، والْحَدْسُ. وسيأتي مزيد بسط فِي الكلام عليه فِي تفسير العرايا الآتي فِي المسألة الأولى، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم تخريجه فِي ٣٢/ ٤٥٣٤ - وبقيت هنا مسائل تتعلّق به:
(المسألة الأولى): فِي اختلاف أهل العلم فِي تفسير العرايا:
قَالَ الإِمام البخاريّ رحمه الله تعالى ٢/ ٧٦٤ - ٧٦٥:
[باب تفسير العرايا]: وَقَالَ مالك: العرية أن يُعرِي الرجل الرجل النخلة، ثم يتأذى
стр. 16717
بدخوله عليه، فرخص له أن يشتريها منه بتمر. وَقَالَ ابن إدريس: العرية، لا تكون إلا بالكيل منْ التمر، يدا بيد، لا يكون بالْجِزاف. ومما يقويه: قول سهل بن أبي حثمة: "بالأوسق الموسقة". وَقَالَ ابن إسحاق فِي حديثه، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: كانت العرايا، أن يُعري الرجل فِي ماله النخلة والنخلتين. وَقَالَ يزيد، عن سفيان بن حسين: العرايا نخل، كانت توهب للمساكين، فلا يستطيعون أن ينتظروا بها، فرُخِّص لهم أن يبيعوها بما شاؤوا منْ التمر.
ثم أخرج بسنده عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت ﵃، أن رسول الله ﷺ ، رَخَّص فِي العرايا أن تباع بخرصها كيلا، قَالَ موسى بن عقبة: والعرايا نخلات معلومات، تأتيها فتشتريها. انتهى.
قَالَ فِي "الفتح": قوله: وَقَالَ مالك: العرية أن يُعريَ الرجل الرجل النخلة: أي يهبها له، أو يهب له ثمرها، ثم يتأذى بدخوله عليه، فرُخص له: أي للواهب أن يشتريها: أي يشتري رُطَبَها منه: أي منْ الموهوبة له بتمر: أي يابس.
وهذا التعليق وصله ابن عبد البرّ منْ طريق ابن وهب، عن مالك. وروى الطحاوي منْ طريق ابن نافع، عن مالك: أن العرية: النخلة للرجل فِي حائط غيره، وكانت العادة أنهم يخرُجون بأهليهم فِي وقت الثمار إلى البساتين، فيَكرَه صاحب النخل الكثير، دخول الآخر عليه، فيقول له: أنا أعطيك بخرص نخلتك تمرا، فرُخِّص له فِي ذلك.
ومن شرط العرية عند مالك: أنها لا تكون بهذه المعاملة، إلا مع الْمُعرِي خاصة؛ لما يدخل عَلَى المالك منْ الضرر، بدخول حائطه، أو ليدفع الضرر عن الآخر بقيام صاحب النخل بالسقي، والكُلَف، ومن شرطها أن يكون البيع بعد بُدُوّ الصلاح، وأن يكون بتمر مؤجل، وخالفه الشافعيّ فِي الشرط الأخير، فَقَالَ: يشترط التقابض.
وقوله: "وَقَالَ ابن إدريس: العرية لا تكون إلا بالكيل منْ التمر، يدا بيد، ولا تكون بالجزاف"، ابن إدريس هَذَا رجح ابن التين أنه عبد الله الأودي الكوفيّ، وتردد ابن بطال، ثم السبكي، فِي "شرح المهذب"، وجزم المزي فِي "التهذيب" بأنه الشافعيّ، والذي فِي "الأم" للشافعي، وذكره عنه البيهقي، فِي "المعرفة" منْ طريق الربيع عنه، قَالَ: العرايا أن يشتري الرجل ثمر النخلة، فأكثر بخرصه منْ التمر، بأن يُخرَص الرُّطب، ثم يُقَدّر كم ينقص إذا يبس؟، ثم يشتري بخرصة تمرا، فإن تفرقا قبل أن يتقابضا، فسد البيع. انتهى.
وهذا وإن غاير ما علقه البخاريّ لفظا، فهو يوافقه فِي المعنى؛ لأن محصلهما أن لا يكون جزافا، ولا نسيئة.
стр. 16718
قَالَ الحافظ: وَقَدْ جاء عن الشافعيّ، بلفظ آخر، قرأته بخط أبي عَلَى الصدفي بهامش نسخته، قَالَ: لفظ الشافعيّ: ولا تباع العريّة بالتمر، إلا أن تُخرَص العريّة، كما يُخرص المعشّر، فيقال: فيها الآن كذا وكذا، منْ الرُّطب، فإذا يبس كَانَ كذا وكذا، فيَدفَع منْ التمر بكيله خرصا، ويقبض النخلة بثمرها، قبل أن يتفرقا، فإن تفرقا قبل قبضها فسد.
قوله: "ومما يقويه": أي قول الشافعيّ بأن لا يكون جزافا، قول سهل بن أبي حثمة: "بالأوسق الموسقة"، وقول سهل هَذَا أخرجه الطبري، منْ طريق الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عن سهل موقوفًا، ولفظه: "لا يباع الثمر فِي رءوس النخل، بالأوساق الْمُوَسَّقَة، إلا أوسقا: ثلاثة، أو أربعة، أو خمسة يأكلها النَّاس".
وما ذكره البخاريّ عن الشافعيّ، هو شرط العرية عند أصحابه، وضابط العرية عندهم: أنها بيع رُطَب، فِي نخل، يكون خرصه إذا صار تمرا، أقل منْ خمسة أوسق، بنظيره فِي الكيل منْ التمر، مع التقابض فِي المجلس.
ثم إِنَّ صور العرية كثيرة:
[منها]: أن يقول الرجل لصاحب حائط: بعني ثمر نخلات بأعيانها، بخرصها منْ التمر، فيخرصها ويبيعه، ويقبض منه التمر، ويسلم إليه النخلات بالتخلية، فينتفع برطبها.
[ومنها]: أن يهب صاحبُ الحائط لرجل نخلات، أو ثمر نخلات معلومة منْ حائطه، ثم يتضرر بدخوله عليه، فيخرصها، ويشتري منه رطبها، بقدر خرصه بتمر، يعجله له.
[ومنها]: أن يهبه إياها، فيتضرر الموهوب له، بانتظار صيرورة الرطب تمرا، ولا يحب أكلها رطبا؛ لاحتياجه إلى التمر، فيبيع ذلك الرطب بخرصه منْ الواهب، أو منْ غيره، بتمر يأخذه معجلا.
[ومنها]: أن يبيع الرجل ثمر حائطه، بعد بُدُوّ صلاحه، ويستثني منه نخلات معلومة، يُبقيها لنفسه، أو لعياله، وهي التي عُفي له عن خرصها فِي الصدقة، وسُمِّيت عرايا؛ لأنها أعريت منْ أن تُخرَص فِي الصدقة، فرُخّص لأهل الحاجة، الذين لا نقد لهم، وعندهم فضول منْ تمر قوتهم، أن يبتاعوا بذلك التمر منْ رطب تلك النخلات بخرصها.
[ومما يطلق عليه اسم عرية]: أن يُعرِي رجلًا تمر نخلات، يُبِيح له أكلها، والتصرف فيها، وهذه هبة مخصوصة.
[ومنها]: أن يُعري عامل الصدقة لصاحب الحائط، منْ حائطه نخلات معلومة، لا
стр. 16719
يَخرُصها فِي الصدقة، وهاتان الصورتان منْ العرايا لا يبيع فيهما. انتهى "فتح" ٥/ ١٣٤ - ١٣٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم العرايا:
ذهب أكثر أهل العلم إلى إباحتها، منهم: مالك، وأهل المدينة، والأوزاعي، وأهل الشام، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يحل بيعها؛ لأن النبيّ ﷺ : "نهى عن بيع المزابنة، والمزابنة بيع الثمر بالثمر"، متَّفقٌ عليه، ولأنه يبيع الرطب بالتمر، منْ غير كيل فِي أحدهما فلم يجز، كما لو كَانَ عَلَى وجه الأرض، أو فيما زاد عَلَى خمسة أوسق.
واحتجّ الجمهور بالحديث المتّفق عليه: "أن النبيّ ﷺ رخص فِي العرايا، فِي خمسة أوسق، أو دون خمسة أوسق"، فقد رواه جماعة منْ الصحابة: أبو هريرة، وزيد بن ثابت، وسهل بن أبي حثمة، وغيرهم.
قَالَ ابن قُدامة رحمه الله تعالى: خرجه أئمة الْحَدِيث فِي كتبهم، وحديثهم فِي سياقه: "إلا العرايا"، كذلك فِي المتفق عليه، وهذه زيادة يجب الأخذ بها، ولو قُدِّرَ تعارضُ الحديثين وجب تقديم حديثنا؛ لخصوصه، جمعا بين الحديثين، وعملًا بكلا النصين.
وَقَالَ ابن المنذر: الذي نهى عن المزابنة، هو الذي أرخص فِي العرايا، وطاعة رسول الله ﷺ أولى، والقياس لا يُصار إليه مع النص، مع أن فِي الْحَدِيث أنه أرخص فِي العرايا، والرخصة استباحة المحظور، مع وجود السبب الحاظر، فلو منع وجود السبب منْ الاستباحة، لم يبق لنا رخصة بحال. انتهى "المغني" ٦/ ١١٩ - ١٢٠.
وَقَالَ فِي "الفتح" -بعد أن أورد صور العرايا المذكورة فِي المسألة السابقة-: وجميع هذه الصور صحيحة عند الشافعيّ، والجمهور، وقصر مالك العرية فِي البيع عَلَى الصورة الثانية، وقصرها أبو عبيد عَلَى الصورة الأخيرة، منْ صور البيع، وزاد أنه رُخّص لهم أن يأكلوا الرطب، ولا يشتروه لتجارة، ولا ادّخار.
ومنع أبو حنيفة صور البيع كلها، وقصر العرية عَلَى الهبة، وهو أن يُعرِي الرجل تمر نخلة منْ نخله، ولا يسلم ذلك له، ثم يبدو له فِي ارتجاع تلك الهبة، فرُخص له أن يحتبس ذلك، ويعطيه بقدر ما وهبه له منْ الرطب، بخرصه تمرا، وحمله عَلَى ذلك أخذُه بعموم النهي عن بيع الثمر بالتمر.
وتُعُقب بالتصريح باستثناء العرايا، فِي حديث ابن عمر، كما تقدم، وفي حديث غيره. وحكى الطحاوي عن عيسى بن أبان، منْ أصحابهم: أن معنى الرخصة، أن الذي
стр. 16720
وُهِبت له العرية لم يملكها؛ لأن الهبة لا تُملك إلا بالقبض، فلما جاز له أن يُعطي بدلها تمرا، وهو لم يملك المبدل منه، حَتَّى يستحق البدل، كَانَ ذلك مستثنى، وكان رخصة. وَقَالَ الطحاوي: بل معنى الرخصة فيه: أن المرء مأمور بإمضاء ما وعد به، ويعطي بدله، ولر لم يكن واجبا عليه، فلما أُذن له أن يحبس ما وعد به، ويعطي بدلا، ولا يكون فِي حكم منْ أخلَف وعده، ظهر بذلك معنى الرخصة، واحتج لمذهبه بأشياء، تَدُلُّ عَلَى أن العرية العطية، ولا حجة فِي شيء منها؛ لأنه لا يلزم منْ كون أصل العرية العطية، أن لا تُطلق العرية شرعا عَلَى صور أخرى.
قَالَ ابن المنذر: الذي رخص فِي العرية، هو الذي نهى عن بيع الثمر بالتمر، فِي لفظ واحد، منْ رواية جماعة منْ الصحابة، قَالَ: ونظير ذلك: الإذنُ فِي السَّلَم، مع قوله ﷺ : "لا تبع ما ليس عندك"، قَالَ: فمن أجاز السلم، مع كونه مستثنى منْ بيع ما ليس عندك، ومنع العرية، مع كونها مستثناة منْ بيع الثمر بالتمر، فقد تناقض، وأما حملهم الرخصة عَلَى الهبة، فبعيد مع تصريح الْحَدِيث بالبيع، واستثناء العرايا منه، فلو كَانَ المراد الهبة، لما استثنيت العرية منْ البيع، ولأنه عبر بالرخصة، والرخصة لا تكون إلا بعد ممنوع، والمنع إنما كَانَ فِي البيع، لا الهبة، وبأن الرخصة قُيِّدت بخمسة أوسق، أو ما دونها، والهبة لا تتقيد؛ لأنهم لم يفرقوا فِي الرجوع فِي الهبة، بين ذي رحم وغيره، وبأنه لو كَانَ الرجوع جائزا، فليس إعطاؤه بالتمر بدل الرطب، بل هو تجديد هبة أخرى، فإن الرجوع لا يجوز، فلا يصح تأويلهم. انتهى "فتح" ٥/ ١٣٤ - ١٣٧.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبين لك مما ذكر أن الحقّ هو ما عليه الجمهور منْ جواز بيع العرايا؛ لرضوح أدلّته، وتبيّن لك أيضًا أن التأويلات التي ذكرها الحنفيّة لأحاديث العرايا كلها باطلة؛ لمعارضتها النصوص الصريحة. قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى بعد أن ذكر مذهب الحنفيّة فِي تأويل أحاديث العرايا: ما نصّه: وهذا المذهب إبطال لحديث العريّة منْ أصله، فيجب اطّراحه، وذلك أن حديث العرية تضمّن أنه بيعٌ مرخّصٌ فيه فِي مقدار مخصوص، وأبو حنيفة يُلغي هذه القيود الشرعيّة. انتهى "المفهم" ٤/ ٣٩٤.
والحاصل أن الواجب هو الأخذ بما دلّت عليه النصوص الصريحة "الصحيحة، وإلغاء ما خالفها منْ الآراء، التي لا تعتمد إلا عَلَى الأدلة القياسية، ولقد تكرّر إنشاد قول القائل:
إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا … تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
стр. 16721
فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهوَّر بتقليد ذو الاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة) فِي اختلاف أهل العلم القائلين بجواز بيع العرايا فِي مقدارها:
قَالَ ابن قُدامة رحمه الله تعالى: لا تجوز العرايا فِي زيادة عَلَى خمسة أوسق، بغير خلاف نعلمه، وتجوز فيما دون خمسة أوسق، بغير خلاف بين القائلين بجوازها، فأما فِي خمسة أوسق، فلا يجوز عند إمامنا ﵀، وبه قَالَ ابن المنذر، والشافعي فِي أحد قوليه، وَقَالَ مالك، والشافعي فِي قول: يجوز، ورواه إسماعيل بن سعيد، عن أحمد؛ لأن فِي حديث زيد، وسهل أنه رَخّص فِي العرية مطلقا، ثم استثنى ما زاد عَلَى الخمسة فِي حديث أبي هريرة، وشك فِي الخمسة، فاستثنى اليقين، وبقي المشكوك فيه عَلَى مقتضى الإباحة، ولنا أنَّ النبيّ ﷺ ، نهى عن المزابنة، والمزابنة بيع الرطب بالتمر، ثم أرخص فِي العرية، فيما دون خمسة أوسق، وشك فِي الخمسة، فيبقى عَلَى العموم فِي التحريم، ولأن العرية رخصة، بُنيت عَلَى خلاف النص والقياس يقينا فيما دون الخمسة، والخمسة مشكوك فيها، فلا تثبت إباحتها مع الشك. وروى ابن المنذر بإسناده أن النبيّ ﷺ ، رخص فِي بيع العرية، فِي الوسق، والوسقين، والثلاثة، والأربعة، والتخصيص بهذا يدل عَلَى أنه لا تجوز الزيادة فِي العدد عليه، كما اتفقنا عَلَى أنه لا تجوز الزيادة عَلَى الخمسة؛ لتخصيصه إياها بالذكر. وروى مسلم عن سهل: أن رسول الله ﷺ ، رخص فِي بيع العرية النخلة، والنخلتين، ولأن خمسة الأوسق فِي حكم ما زاد عليها، بدليل وجوب الزكاة فيها، دون ما نقص عنها، ولأنها قدر تجب الزكاة فيه، فلم يجز بيعه عرية، كالزائد عليها.
فأما قولهم: أرخص فِي العرية مطلقا، فلم يثبت أن الرخصة المطلقة سابقة عَلَى الرخصة المقيدة، ولا متأخرة عنها، بل الرخصة واحدة، رواها بعضهم مطلقة، وبعضهم مقيدة، فيجب حمل المطلق عَلَى المقيد، ويصير القيد المذكور فِي أحد الحديثين، كأنه مذكور فِي الآخر، ولذلك يقيد فيما زاد عَلَى الخمسة اتفاقا. انتهى "المغني" ٦/ ١٢١ - ١٢٢.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إلىه أحمد، وجماعة منْ تقديره بأقل منْ خمسة أوسق، هو الأرجح؛ لوضوح أدلّته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي أنه هل يجوز أن يشتري أكثر منْ خمسة فيما زاد عَلَى صفقة:
стр. 16722
قَالَ ابن قدامة رحمه الله تعالى: لا يجوز أن يشتري أكثر منْ خمسة أوسق، فيما زاد عَلَى صفقة، سواء اشتراها منْ واحد، أو منْ جماعة. وَقَالَ الشافعيّ: يجوز للإنسان بيع جميع ثمر حائطه عرايا، منْ رجل واحد، ومن رجال فِي عقود متكررة؛ لعموم حديث زيد، وسهل، ولأن كل عقد جاز مرة، جاز أن يتكرر، كسائر البيوع. ولنا أن النهي عن المزابنة عامّ، استُثنِي منه العرية، فيما دون خمسة أوسق، فما زاد يبقى عَلَى العموم فِي التحريم؛ ولأن ما لا يجوز عليه العقد مرة، إذا كَانَ نوعا واحدا، لا يجوز فِي عقدين، كالذي عَلَى وجه الأرص، وكالجمع بين الأختين، فأما حديث سهل، فإنه مقيد بالنخلة والنخلتين، بدليل ما روينا، فيدل عَلَى تحريم الزيادة عليهما، ثم إن المطلق يحمل عَلَى المقيد، كما فِي العقد الواحد. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الحنبليّة منْ عدم جواز أكثر منْ خمسة أوسق مطلقًا هو الأرجح؛ لوضوح دليله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: إن باع رجل عريتين منْ رجلين، فيهما أكثر منْ خمسة أوسق جاز، وَقَالَ أبو بكر، والقاضي: لا يجوز؛ لما ذكرنا فِي المشتري، ولنا أنَّ الْمُغَلَّب فِي التجويز حاجة المشتري، بدليل ما روى محمود بن لبيد، قَالَ: قلت لزيد بن ثابت: ما عراياكم هذه؟ فسمى رجالا محتاجين منْ الأنصار، شكوا إلى رسول الله ﷺ ، أن الرُّطَب يأتي، ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطبا يأكلونه، وعندهم فضول منْ التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها منْ التمر، الذي فِي أيديهم، يأكلونه رطبا" (١). وإذا كَانَ سبب الرخصة حاجة المشتري، لم تعتبر حاجة البائع إلى البيع، فلا يتقيد فِي حقه بخمسة أوسق، ولأننا لو اعتبرنا الحاجة منْ المشتري، وحاجة البائع إلى البيع، أفضى إلى أن لا يحصل الإرفاق، إذ لا يكاد يتفق وجود الحاجتين، فتسقط الرخصة، فإن قلنا: لا يجوز ذلك بطل العقد الثاني، وإن اشترى عريتين، أو باعهما، وفيهما أقل منْ خمسة أوسق جاز وجها واحدا. قاله فِي "المغني" ٦/ ١٢٢ - ١٢٣.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول الأول أرجح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): أنه لا يشترط فِي بيع العرية، أن تكون هبة لبائعها، قَالَ ابن قُدامة: هَذَا ظاهر كلام أصحابنا، وبه قَالَ الشافعيّ، وظاهر قول الْخِرَقي أنه شرط. وَقَدْ
стр. 16723
روى الأثرم، قَالَ: سمعت أحمد سئل عن تفسير العرايا؟ فَقَالَ: العريا أن يُعري الرجل الجار، أو القرابة للحاجة، أو المسكنة، فللمُعرَى أن يبيعها ممن شاء. وَقَالَ مالك: بيع العرايا الجائز هو أن يُعري الرجلُ الرجل نخلات منْ حائطه، ثم يكره صاحب الحائط، دخول الرجل المعرَى؛ لأنه ربما كَانَ مع أهله فِي الحائط، فيؤذيه دخول صاحبه عليه، فيجوز أن يشتريها منه.
واحتجوا بأن العرية فِي اللغة: هبة ثمرة النخيل عاما، قَالَ أبو عبيد: الإعراء أن يجعل الرجل للرجل ثمرة نخله عامها ذلك، قَالَ الشاعر الأنصاريّ، يصِف النخل [منْ الطويل]:
فَلَيْسَتْ بِسَنْهَاءَ وَلا رُجَّبِيَّةٍ … وَلَكِنْ عَرَايَا فِي السِّنِينَ الْجَوَائِحِ
يقول: إنا نُعرِيها النَّاس، فتعين صرف اللفظ إلى موضوعه لغة، ومقتضاه فِي العربية ما لم يوجد ما يصرفه عن ذلك.
ولنا حديث زيد بن ثابت، وهو حجة عَلَى مالك، فِي تصريحه بجواز بيعها منْ غير الواهب، ولأنه لو كَانَ لحاجة الواهب، لما اختص بخمسة أوسق؛ لعدم اختصاص الحاجة بها، ولم يجز بيعها بالتمر؛ لأن الظاهر منْ حال صاحب الحائط، الذي له النخيل الكثير، يعريه النَّاس، أنه لا يعجز عن أداء ثمن العرية، وفيه حجة عَلَى منْ اشترط كونها موهوبة لبائعها؛ لأن علة الرخصة حاجة المشتري، إلى أكل الرطب، ولا ثمن معه، سوى التمر، فمتى وجد ذلك جاز البيع، ولأن اشتراط كونها موهوبة، مع اشتراط حاجة المشتري إلى أكلها رطبا، ولا ثمن معه، يفضي إلى سقوط الرخصة؛ إذ لا يكاد يتفق ذلك، ولأن ما جاز بيعه إذا كَانَ موهوبًا، جاز وإن لم يكن موهوبا، كسائر الأموال، وما جاز بيعه لواهبه، جاز لغيره، كسائر الأموال، وإنما سمى عرية؛ لتعريه عن غيره وإفراده بالبيع. قاله فِي "المغني" ٦/ ١٢٣ - ١٢٤.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الأظهر عدم اشتراط كونها موهوبة للبائع؛ لوضوح مستنده. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): أنه إنما يجوز بيعها بخرصها منْ التمر، لا أقل منه، ولا أكثر، ويجب أن يكون التمر الذي يشتري به معلوما بالكيل، ولا يجوز جزافا، قَالَ ابن قُدامة: لا نعلم فِي هَذَا عند منْ أباح بيع العرايا اختلافا؛ لما روى زيد بن ثابت ﵁: "أن رسول الله ﷺ أرخص فِي العرايا، أن تُباع بخرصها كيلا"، متَّفقٌ عليه، ولمسلم: "أن تؤخذ بمثل خرصها تمرا، يأكلها أهلها رطبا"، ولأن الأصل اعتبار الكيل منْ الطرفين، وسقط فِي أحدهما للتعذر، فيجب فِي الآخر بقضية الأصل، ولأن ترك الكيل منْ
стр. 16724
الطرفين، يُكثِرُ الغرر، وفي تركه منْ أحدهما يقلل الغرر، ولا يلزم منْ صحته مع قلة الغرر، صحته مع كثرته.
ومعنى خرصها بمثلها منْ التمر: أن يُطيف الخارص بالعرية، فينظر كم يجيء منها تمرا؟ فيشتريها المشتري بمثلها تمرا، وبهذا قَالَ الشافعيّ، ونقل حنبل عن أحمد أنه قَالَ: يخرصها رُطَبا، ويعطي تمرا رُخصة، وهذا يحتمل الأول، ويحتمل أنه يشتريها بتمر، مثل الرطب الذي عيها؛ لأنه بيعٌ اشتُرطت المماثلة فيه، فاعتبرت حال البيع، كسائر البيوع، ولأن الأصل اعتبار المماثلة فِي الحال، وأن لا يباع الرطب بالتمر، وخولف الأصل فِي بيع الرطب بالتمر، فيبقَى فيما عداه عَلَى قضية الدليل، وَقَالَ القاضي: الأول أصح؛ لأنه يبنى عَلَى خرص الثمار فِي العُشرِ الصحيح، ثم خرصه تمرا، ولأن المماثلة فِي بيع التمر بالتمر معتبرة حالة الادّخار، وبيع الرطب بمثله تمرا يفضي إلى فوات ذلك.
فأما إن اشتراها بخرصها رطبا لم يجز، وهذا أحد الوجوه لأصحاب الشافعيّ، والثاني: يجوز، والثالث: لا يجوز مع اتفاق النوع، ويجوز مع اختلافه، ووجه جوازه ما روى الْجُوزَجاني عن أبي صالح، عن الليث، عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت، عن رسول الله ﷺ : أنه أرخص بعد ذلك فِي بيع العرية بالرطب، أو التمر، ولم يرخص فِي غير ذلك" (١)، ولأنه إذا جاز بيع الرطب بالتمر، مع اختصاص أحدهما بالنقص فِي ثاني الحال، فلأن يجوز مع عدم ذلك أولى.
واحتجّ الأولون بما رَوَى مسلم بإسناده، عن زيد بن ثابت ﵁: "أن رسول الله ﷺ أرخص فِي العرايا، أن تؤخذ بمثل خرصها تمرا"، وعن سهل بن أبي حثمة ﵁: أن رسول الله ﷺ ، نَهَى عن بيع الثمر بالتمر، وَقَالَ: "ذلك الربا، تلك المزابنة"، إلا أنه رخص فِي العرية: النخلة، والنخلتين، يأخذها أهل البيت، بخرصها تمرا، يأكلونها رطبا، رواه مسلم، ولأنه مبيع يجب فيه مثله تمرا، فلم يجز بيعه بمثله رطبا، كالتمر الجافّ، ولأن منْ له رطب، فهو مستغن عن شراء الرطب بأكل ما عنده، وبيع العرايا يشترط فيه حاجة المشتري عَلَى ما أسلفناه، وحديث ابن عمر شك فِي الرطب والتمر، فلا يجوز العمل به مع الشك، سيما وهذه الأحاديث تبينه، وتزيل الشك. قاله فِي "المغني" ٦/ ١٢٤ - ١٢٦ وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 16725
(المسألة السابعة): يشترط فِي بيع العرايا التقابض فِي المجلس، وهذا قول الشافعيّ، قَالَ ابن قُدامة: ولا نعلم فيه مخالفا؛ لأنه بيع تمر بتمر، فاعتبر فيه شروطه، إلا ما استثناه الشرع مما لا يمكن اعتباره فِي بيع العرايا، والقبض فِي كل واحد منهما عَلَى حسبه، ففي التمر اكتياله أو نقله، وفي الثمرة التخليةُ، وليس منْ شروطه حضور التمر عند النخيل، بل لو تبايعا بعد معرفة التمر والثمرة، ثم مضيا جميعًا إلى النخلة، فسلمها إلى مشتريها، ثم مشيا إلى التمر فتسلمه منْ مشتريها، أو تسلم التمر، ثم مضيا إلى النخلة جميعًا، فسلمها إلى مشتريها، أو سلم النخلة، ثم مضيا إلى التمر، فتسلمه جاز؛ لأن التفرق لا يحصل قبل القبض.
إذا ثبت هَذَا، فإن بيع العرية يقع عَلَى وجهين: [أحدهما]: أن يقول بعتك ثمرة هذه النخلة بكذا وكذا، منْ التمر ويصفه.
[والثاني]: أن يكيل منْ التمر بقدر خرصها، ثم يقول: بعتك هَذَا بهذا، أو يقول بعتك ثمرة هذه النخلة بهذا التمر، ونحو هَذَا، وإن باعه بمعين، فقَبضُهُ بنقله وأخذه، وإن باع بموصوف فقبضه باكتياله. انتهى "المغني". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): أنه لا يجوز بيعها إلا لمحتاج إلى أكلها رطبا، ولا يجوز بيعها لغني، وهذا أحد قولي الشافعيّ، وأباحها فِي القول الآخر مطلقا لكل أحد؛ لأن كل بيع جاز للمحتاج، جاز للغني كسائر البياعات، ولأن حديث أبي هريرة، وسهل مطلقان.
ولنا حديث زيد بن ثابت، حين سأله محمود بن لبيد: ما عراياكم هذه؟ فسمى رجالا محتاجين منْ الأنصار، شكوا إلى رسول الله ﷺ ، أن الرُّطَب يأتي، ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطبا يأكلونه، وعندهم فضول منْ التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها منْ التمر، يأكلونه رطبا (١)، ومتى خولف الأصل بشرط، لم تجر مخالفته، بدون ذلك الشرط؛ ولأن ما أبيح للحاجة لم يبح مع عدمها، كالزكاة للمساكين، والترخصِ فِي السفر فعلى هَذَا، متى كَانَ صاحبها غير محتاج إلى أكل الرطب، أو كَانَ محتاجا، ومعه منْ الثمن مما يشتري به العرية، لم يجز له شراؤها بالتمر، وسواء باعها لواهبها، تحرزا منْ دخول صاحب العرية حائطه، كمذهب مالك، أو لغيره، فأنه لا يجوز. وَقَالَ ابن عقيل: يباح، ويحتمله كلام أحمد؛ لأن الحاجة وجدت منْ الجانبين، فجاز كما لو كَانَ المشتري محتاجا إلى أكلها، ولنا حديث زيد الذي ذكرناه، والرخصة
стр. 16726
لمعنى خاص، لا تثبت مع عدمه؛ ولأنه فِي حديث زيد، وسهل: "يأكلها أهلها رطبا"، ولو جاز لتلخيص الْمُعرَي لما شرط ذلك.
فيشترط إذًا فِي بيع العرية شروط خمسة: أن يكون فيما دون خمسة أوسق، وبيعها بخرصها منْ التمر، وقبض ثمنها قبل التفرق، وحاجة المشتري إلى أكل الرطب، وأن لا يكون معه ما يشتري به سوى التمر، واشترط القاضي، وأبو بكر شرطا سادسا، وهو حاجة البائع إلى البيع، واشترط الخرقي كونها موهوبة لبائعها، واشترط أصحابنا لبقاء العقد أن يأكلها أهلها رطبا، فإن تركها حَتَّى تصير تمرا، بطل العقد. انتهى "المغني" ٦/ ١٢٨.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: اشتراط كون المشتري محتاجًا إلى أكلها رطبًا هو الظاهر؛ لما تقدّم منْ رواية مسلم: "أن تؤخذ بمثل خرصها يأكلها أهلها رُطبًا"، وأما الْحَدِيث الذي ذكره ابن قُدامة عن زيد بن ثابت: "أن رجالا منْ المحتاجين شكوا إلى رسول الله ﷺ أن الرطب يأتي الخ"، فليس بثابت؛ إذ لم يوجد له سند، كما نقله الزيلعيّ فِي "نصب الراية" ٤/ ١٣ - ١٤ عن صاحب "التنقيح"، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٤١ - (حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ، بِخِرْصِهَا تَمْرًا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و"عيسى بن حمّاد": المصريّ المعروف بزغبة. و"الليث": هو ابن سعد. و"يحيى ابن سعيد": هو الأنصاريّ. والحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٣٥ - (بَيْعِ الْعَرَايَا بِالرُّطَبِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: أشار المصنّف رحمه الله تعالى بهذه الترجمة إلى
стр. 16727
ترجيح القول بجواز بيع الرطب المخروص، عَلَى رؤوس النخل، بالرطب المخروص أيضًا عَلَى الأرض، وهذا هو الراجح؛ لصحة الْحَدِيث الذي أوردوه فِي الباب، وهو كما قَالَ فِي "الفتح" ٥/ ١٢٥ - رأي ابن خيران منْ الشافعيّة. وقيل: لا يجوز، وهو رأي الإصطخري، وصححه جماعة. وقيل: إن كانا نوعا واحدا لم يجز، إذ لا حاجة إليه، وإن كانا نوعين جاز، وهو رأي أبي إسحاق، وصححه ابن أبي عصرون، وهذا كله فيما إذا كَانَ أحدهما عَلَى النخل، والآخر عَلَى الأرض. وقيل: ومثله ما إذا كانا معا عَلَى النخل. وقيل: إن محله فيما إذا كانا نوعين. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٥٤٢ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سَالِمًا أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: إِنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَخْبَرَهُ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا، بِالرُّطَبِ، وَبِالتَّمْرِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، أبي داود سليمان بن سيف الحرّانيّ، وهو ثقة. و"يعقوب بن إبراهيم": هو الزهريّ. و"أبوه": هو إبراهيم بن سعد الزهريّ المدنيّ. و"صالح": هو ابن كيسان.
والسند مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فحرّانيّ، وفيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وفيه ثلاثة منْ التابعين، يروي بعضهم عن بعض، صالح، وابن شهاب، وسالم، وأن رواية صالح عن الزهريّ منْ رواية الأقران، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وَقَدْ تقدّم هَذَا غير مرّة.
وقوله: "وبالتمر" هكذا رواية المصنّف رحمه الله تعالى "وبالتمر" بالواو، وفي رواية الشيخين: "أو بالتمر" بـ"أو"، قَالَ فِي "الفتح": كذا عند البخاريّ ومسلم، منْ رواية عقيل، عن الزهريّ، بلفظ: "أو"، وهي محتملة أن تكون للتخيير، وأن تكون للشك، وأخرجه النسائيّ، والطبراني، منْ طريق صالح بن كيسان، والبيهقي، منْ طريق الأوزاعي، كلاهما عن الزهريّ، بلفظ: "بالرطب، وبالتمر، ولم يرخص فِي غير ذلك"، هكذا ذكره بالواو، وهذا يؤيد كون "أو" بمعنى التخيير، لا الشك، بخلاف ما جزم به النوويّ، وكذلك أخرجه أبو داود، منْ طريق الزهريّ أيضًا، عن خارجة بن زيد ابن ثابت، عن أبيه، وإسناده صحيح، وليس هو اختلافا عَلَى الزهريّ، فإن ابن وهب رواه عن يونس، عن الزهريّ بالإسنادين، أخرجهما النسائيّ، وفرقهما.
قَالَ فِي "الفتح" ٥/ ١٢٨: وإذا ثبتت هذه الرواية، كانت فيها حجة للوجه الصائر إلى
стр. 16728
جواز بيع الرطب المخروص، عَلَى رؤوس النخل، بالرطب المخروص أيضًا عَلَى الأرض، وهو رأى ابن خيران منْ الشافعيّة إلى آخر ما سبق بيانه أوّل الباب.
والحديث متَّفقٌ عليه، لكن بلفظ: "أو بالتمر"، وَقَدْ تقدّم تخريجه. والله تعالى أعلم.
وقوله: "ولم يُرخّص فِي غير ذلك" فيه أن الترخيص خاصّ فِي العرايا بالرطب، وبالتمر، وَقَدْ اختلف السلف هل يُلحق العنب، أو غيره بالرطب فِي العرايا؟ فقيل: لا، وهو قول أهل الظاهر، واختاره بعض الشافعيّة، منهم المحبّ الطبريّ. وقيل: يُلحق العنب خاصّة، وهو مشهور مذهب الشافعيّ، وقيل: يُلحق كل ما يُدّخر، وهو قوله المالكية. وقيل: يُلحق كلّ ثمرة، وهو منقول عن الشافعيّ أيضًا. قاله فِي "الفتح" ٥/ ١٢٩.
وَقَالَ ابن قُدامة رحمه الله تعالى: فِي "المغني" ٦/ ١٢٨ - ١٢٩: ولا يجوز بيع العرية فِي غير النخل، وهو اختيار ابن حامد، وقول الليث بن سعد، إلا أن يكون مما ثمرته لا يجري فيها الربا، فيجوز بيع رطبها بيابسها؛ لعدم جريان الربا فيها، ويحتمل أن يجوز فِي العنب والرطب دون غيرهما، وهو قول الشافعيّ؛ لأن العنب كالرطب، فِي وجوب الزكاة فيهما، وجواز خرصهما، وتوسيقهما، وكثرة تيبيسهما، واقتياتهما فِي بعض البلدان، والحاجة إلى أكل رطبهما، والتنصيص عَلَى الشيء يوجب ثبوت الحكم فِي مثله، ولا يجوز فِي غيرهما؛ لاختلافهما فِي أكثر هذه المعاني، فإنه لا يمكن خرصها؛ لتفرقها فِي الأغصان، واستتارها بالأوراق، ولا يُقتات يابسها، فلا يحتاج إلى الشراء به.
وَقَالَ القاضي: يجوز فِي سائر الثمار، وهو قول مالك، والأوزاعي؛ قياسا عَلَى ثمرة النخيل. ولنا: ما روى الترمذيّ: أن النبيّ ﷺ ، نهى عن المزابنة: الثمر بالتمر، إلا أصحاب العرايا، فإنه قد أذن لهم، وعن بيع العنب بالزبيب، وكل ثمرة بِخِرْصها، وهذا حديث حسن، وهذا يدل عَلَى تخصيص العرية بالتمر، وعن زيد بن ثابت ﵁، عن رسول الله ﷺ ، أنه رخص بعد ذلك فِي بيع العرية بالرطب، أو بالتمر، ولم يرخص فِي غير ذلك، وعن ابن عمر، قَالَ: نهى رسول الله ﷺ ، عن المزابنة، والمزابنة بيع ثمر النخل بالتمر كيلا، وبيع العنب بالزبيب كيلا، وعن كل ثمرة بخرصه، ولأن الأصل يقتضي تحريم بيع العرية، وإنما جازت فِي ثمرة النخيل رخصة، ولا يصح قياس غيرها عليها؛ لوجهين: [أحدهما]: أن غيرها لا يساويها فِي كثرة الاقتيات بها، وسهولة خرصها، وكون الرخصة فِي الأصل لأهل المدينة، وإنما كانت حاجتهم إلى الرطب
стр. 16729
دون غيره. [الثاني]: أن القياس لا يعمل به، إذا خالف نصا، وقياسهم يخالف نصوصا غير مخصوصة، وإنما يجوز التخصيص بالقياس عَلَى المحل المخصوص، ونَهْيُ النبيّ ﷺ عن بيع العنب بالزبيب، لم يدخله تخصيص، فيقاسَ عليه، وكذلك سائر الثمار، والله أعلم. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بعدم إلحاق غير التمر بالتمر هو الأرجح عندي؛ لظهور أدلته، عملًا بالنصّ؛ لأن الترخيص فِي ذلك عَلَى خلاف الأصل؛ لأن الأصل عدم جواز بيع الرطب بالتمر؛ لعدم تساويهما كيلًا، وهو المسمّى بالمزابنة الذي ورد النهي عنه، كما سيأتي فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى، فما ثبت عَلَى خلاف الأصل يُقتصر عليه، فلا يكون محلًّا للقياس، فتأمل بإنصاف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٤٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا، فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ مَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ").
رجال هَذَا الإسناد: سبعة:
١ - (إسحاق بن منصور) بن بَهْرام الْكَوْسج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقة ثبت [١١] ٧٢/ ٨٨.
٢ - (يعقوب بن إبراهيم) بن كثير بن أفلح العبديّ مولاهم، أبو يوسف الدورقيّ البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] ٢١/ ٢٢.
٣ - (عبد الرحمن) بن مهديّ بن حسّان العنبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت حافظ ٤٢/ ٤٩.
٤ - (مالك) بن أنس، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] ٧/ ٧.
٥ - (داود بن الْحُصين) الأمويّ مولاهم، أبو سليمان المدنيّ، ثقة، إلا فِي عكرمة، ورمي برأي الخوارج [٦] ٢٠/ ١٢٢٦.
٦ - (أبو سفيان) مولى ابن أبي أحمد، قيل اسمه وهب، وقيل: قُزْمان، ثقةٌ [٣] ٢٠/ ١٢٢٦.
[تنبيه]: قَالَ فِي "الفتح" ٥/ ١٢٩: أبو سفيان هَذَا مشهور بكنيته، حَتَّى قَالَ النوويّ، تبعًا لغيره: لا يعرف اسمه، وسبقهم إلى ذلك أبو أحمد الحاكم، فِي "الكنى"، لكن حكى أبو داود فِي "السنن" فِي روايته لهذا الْحَدِيث، عن القعنبي شيخِهِ فيه: أن اسمه قُزْمان. وابن أبي أحمد -الذي نُسب إليه-: هو عبد الله بن أبي أحمد بن
стр. 16730
جحش الأسدي، ابن أخي زينب بنت جحش، أم المؤمنين، وحكى الواقدي: أن أبا سفيان، كَانَ مولى لبني عبد الأشهل، وكان يجالس عبد الله بن أبي أحمد، فنسب إليه. انتهى.
٧ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين منْ مالك، و"إسحاق" مروزيّ، و"يعقوب" بغداديّ، و"عبد الرحمن" بصريّ. (ومنها): أن فيه يعقوب شيخه هو أحد مشايخ أصحاب الكتب الستة الذين رووا عنهم بدون واسطة، وهم تسعة، وَقَدْ تقدّموا غير مرّة، وفيه أبو هريرة ﵁ رأس المكثرين منْ الرواية. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: ذكر ابن التين تبعًا لغيره، أن داود بن الحصين تفرد بهذا الإسناد، قَالَ: وما رواه عنه إلا مالك بن أنس. قاله فِي "الفتح" ٥/ ١٣١ - ١٣٢. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه (أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، رَخَّصَ) بتشديد الخاء المعجمة، منْ الترخيص، ويقال فيه أرخص، والترخيص: هو التيسير، والتسهيل (فِي الْعَرَايَا) جمع عريّة، بتشديد التحتانيّة، كعطيّة وعطايا، وهديّة، وهدايا، مشتقّة منْ التعرّي، وهو التجرّد؛ لأنها عُرّيت عن حكم باقي البستان، قَالَ الأزهريّ: هي فَعيلة بمعنى فاعلة. وَقَالَ الهرويّ وغيره: فعيلة بمعنى مفعولة، منْ عراه يعروه: إذا أتاه، وتردّد إليه؛ لأن صاحبها يتردّد إليها. وقيل: سمّيت بذلك؛ لتخلّي صاحبها الأول عنها منْ بين سائر نخله. وقيل: غير ذلك. قاله النوويّ فِي "شرح مسلم" ١٠/ ٤٢٩. وَقَدْ تقدّم البحث عنها فيما سبق بأتمّ منْ هَذَا.
والمعنى: أنه رخّص فِي بيع ثمر العرايا؛ لأن العريّة هي النخلة، كما تقدّم، فالكلام عَلَى حذف مضاف، وقوله (أَنْ تُبَاعَ) فِي تأويل المصدر بدل منْ "العرايا" (بِخِرْصِهَا) المشهور فِي كتب اللغة أنه بكسر، فسكون: اسم بمعنى المخروص: أي القدر الذي يُعرف بالتخمين، وأما بفتح، فسكون: فهو مصدرٌ بمعنى التخمين. قَالَ فِي "النهاية" ٢/ ٢٢ - ٢٣: خَرَصَ النخلة، والكرمة يخرُصها خَرْصًا أي منْ باب نصر-: إذا حَزَرَ ما عليها تمرًا، ومن العنب زبيبًا، فهو منْ الخرص: أي الظنّ؛ لأن الْحَزْرَ إنما هو تقدير بظنّ، والاسم الْخِرْصُ بالكسر، يقال: كم خِرْصُ أرضك؟ وفاعل ذلك الخارص. انتهى.
стр. 16731
وَقَالَ القرطبيّ؛ الخِرص بكسر الخاء: هو اسم للمخروص، وبفتح الخاء هو: المصدر، والرواية هنا بالكسر. انتهى "المفهم" ٤/ ٣٩٤.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وَقَدْ تقدّم إنكار ابن العربيّ الفتح، وجزمه بالكسر، لكن جوّز النوويّ الوجهين، وَقَالَ: الفتح أشهر، والظاهر أن الأشهر هنا بالكسر، عكس ما قاله النوويّ؛ لأنه المشهور فِي اللغة، والرواية، كما أشار إليه القرطبيّ آنفاً.
والحاصل أن المكسور اسم للمخروص، والمفتوح مصدر بمعنى التخمين، لكن لو أريد به المفعول، كالخلق بمعنى المخلوق لكان وجيهًا.
هَذَا كله إن جُعلت الباء فِي "بخرصها" للمقابلة، هو المتبادر الشائع، والمعنى: أنها تباع بقدر المخروص، وأما إذا كانت للسببيّة، فالخرص يكون مصدرًا بمعنى التخمين. أفاده السنديّ. والله تعالى أعلم.
ومعنى الْحَدِيث أنه ﷺ رخّص فِي العرايا أن يباع ثمرها بعد أن يُخرَص، ويُعرَف قدره بقدر ذلك منْ التمر، كما سيأتي البحث فيه.
قَالَ ابن المنذر رحمه الله تعالى: ادّعى الكوفيون أن بيع العرايا منسوخ بنهيه ﷺ ، عن بيع الثمر بالتمر، وهذا مردود؛ لأن الذي روى النهي عن بيع الثمر بالتمر، هو الذي روى الرخصة فِي العرايا، فأثبت النهي والرخصة معا.
ورواية سالم الماضية قبل بابين، تدل عَلَى أن الرخصة فِي بيع العرايا، وقع بعد النهي عن بيع الثمر بالتمر، ولفظه عن ابن عمر، مرفوعًا: "أن النبيّ ﷺ نهى عن بيع الثمر بالتمر"، قَالَ: وَقَالَ ابن عمر: حدّثني زيد بن ثابت، "أنه ﷺ رخّص فِي العرايا"، ولفظ البخاريّ "أنه ﷺ رخص بعد ذلك فِي بيع العرية"، وهذا هو الذي يقتضيه لفظ الرخصة، فإنها تكون بعد منع، وكذلك بقية الأحاديث، التي وقع فيها استثناء العرايا، بعد ذكر بيع الثمر بالتمر، وَقَدْ تقدم إيضاح ذلك كله، مطولًا فِي الباب الماضي، فلا تنس. والله تعالى أعلم.
(فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ) متعلّق بـ"رخّص"، و"الأوسق": جمع وَسْق، بفتح، فسكون، ويُجمع عَلَى وُسُوق أيضًا، كفلس وأفلس، وفُلُوس، ويقال: الوسق بكسر الواو أيضًا، والجمع أوْساقٌ، كحِمْل وأَحمال. قَالَ ابن منظور: الوَسْق، والوِسْق -أي بالفتح، والكسر-: مِكْيلة معلومة، وقيل: هو حِمْل بعير، وهو ستّون صاعًا بصاع النبيّ ﷺ ، وهو خمسة أرطال وثلث، فالوسق عَلَى هَذَا الحساب: مائة وستّون مَناً، قَالَ الزجّاج: خمسة أوسق: هي خمسة وعشرون قَفِيزًا، قَالَ: وهو قَفيزنا الذي يُسمّى الْمُعدّل، وكلُّ وسق بالْمُلَجّم ثلاثة أقفزة، قَالَ: وستّون صاعًا أربعة وعشرون مَكُّوكًا بالْمُلَجّم، وذلك
стр. 16732
ثلاثة أَقْفِزة. وَقَالَ فِي "التهذيب": الوسق بالفتح: ستّون صاعًا، وهو ثلاثة وعشرون رِطلًا، عند أهل الحجاز، وأربعمائة وثمانون رطلًا عند أهل العراق عَلَى اختلافهم فِي مقدار الصالح والمدّ، والأصل فِي الوَسق: الْحَمْلُ، وكلُّ شيء وَسَقْته، فقد حَمَلته. انتهى "لسان العرب" ١٠/ ٣٧٨ - ٣٧٩.
[فائدة]: قد عرفت مما سبق آنفاً أن الوسق ستون صاعًا بصاع النبيّ ﷺ ، والصاع النبويّ بالموازين المعاصرة عَلَى ما قدّره العلماء المتأخّرون هو ٣٠٠٠ (ثلاثة آلاف غرام)، فالخمسة الأوسق تكون ثلاثمائة صاع، فتكون الثلاثمائة الصاع ٩٠٠٠ (تسعة آلاف غرام). انظر ما كتبه الشيخ البسّام فِي "توضيح الأحكام، شرح بلوغ المرام" ٣/ ٤٥. والله تعالى أعلم.
(أَوْ مَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ") شكّ منْ الراوي، وَقَدْ بيّن مسلم رحمه الله تعالى فِي روايته أن الشكّ منْ داود بن الحصين، وللبخاريّ فِي آخر "كتاب الشرب" منْ وجه آخر عن مالك مثله.
[تنبيه]: قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: قوله: "أو ما دون خمسة" شكّ منْ الراوي، أو هو تعميم فِي طرف النقصان؛ لئلا يُتوهّم أن خمسة أوسق ذُكرت تحديدًا لمنع النقصان، ففيه بيان أن خمسة أوسق حدّ لمنع الزيادة فقط. انتهى ٧/ ٢٦٨ - ٢٦٩.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الاحتمال الذي ذكره السنديّ ﵀ غلطٌ، بل الصواب أن "أو" للشكّ كما بيّن ذلك مسلم رحمه الله تعالى فِي "صحيحه"، أن الشكّ منْ داود بن الحصين، ولفظه: "رخَص رسول الله ﷺ فِي بيع العرايا بخِرصها فيما دون خمسة أوسُق، أو فِي خمسة -يشكّ داود، قَالَ: خمسة، أو دون خمسة". انتهى.
فتبيّن أن "أو" هنا للشكّ منْ الراوي، لا غير. فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث حديث أبي هريرة ﵁ هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٥/ ٤٥٤٣ - وفي "الكبرى" ٣٥/ ٦١٣٢. وأخرجه (خ) فِي "البيوع" ٢٩٠ و"المساقاة" ٢٣٨٢ (م) فِي "البيوع" ٣٨٦٩ (د) فِي "البيوع" ٣٣٦٤ (ت) فِي "البيوع" ١٣٠١. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: ساق البخاريّ رحمه الله تعالى حديث أبي هريرة ﵁ هَذَا، فَقَالَ: حدّثنا
стр. 16733
عبد الله بن عبد الوهّاب، قَالَ: سمعت مالكًا، وسأله عُبيد الله بن الربيع: أحدّثك داود، عن أبي سفيان، عن أبي هريرة ﵁: "أن النبيّ ﷺ رخّص فِي بيع العرايا فِي خمسة أوسق، أو دون خمسة أوسق؟، قَالَ: نعم"، ونحوه لمسلم، إلا أن السائل عنده هو يحيى بن يحيى شيخ مسلم فيه.
قَالَ فِي "الفتح": قوله: قَالَ: نعم، القائل: هو مالك، وكذلك أخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى، قَالَ: قلت لمالك: أحدثك داود، فذكره، وَقَالَ فِي آخره: نعم، وهذا التحمل يسمى عرض السماع، وكان مالك يختاره عَلَى التحديث منْ لفظه، واختلف أهل الْحَدِيث هل يشترط أن يقول الشيخ: نعم، أم لا؟، والصحيح أن سكوته ينزل منزلة إقراره، إذا كَانَ عارفا، ولم يمنعه مانع، وإذا قَالَ: نعم فهو أولى بلا نزاع. انتهى.
وَقَدْ تقدّم هَذَا البحث فِي هَذَا الشرح غير مرّة. وفوائد الْحَدِيث تقدّمت قريبًا أيضًا. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قَالَ فِي "الفتح": وَقَدْ اعتبر منْ قَالَ بجواز بيع العرايا بمفهوم هَذَا العدد، ومنعوا ما زاد عليه، واختلفوا فِي جواز الخمسة؛ لأجل الشكّ المذكور، والخلاف عند المالكية، والشافعية، والراجح عند المالكية: الجواز فِي الخمسة، فما دونها، وعند الشافعيّة الجواز فيما دون الخمسة، ولا يجوز فِي الخمسة، وهو قول الحنابلة، وأهل الظاهر.
فمأخذ المنع: أن الأصل التحريم، وبيع العرايا رخصة، فيؤخذ منه بما يتحقق منه الجواز، ويُلغى ما وقع فيه الشك.
وسبب الخلاف: أن النهي عن بيع المزابنة، هل ورد متقدما، ثم وقعت الرخصة فِي العرايا، أو النهي عن بيع المزابنة، وقع مقرونا بالرخصة، فِي بيع العرايا، فعلى الأول لا يجوز فِي الخمسة؛ للشك فِي رفع التحريم، وعلى الثاني يجوز؛ للشك فِي قدر التحريم، ويُرَجِّح الأول روايةُ سالم المذكورة، قبل بابين.
واحتج بعض المالكية بأن لفظه "دون" صالحة لجميع ما تحت الخمسة، فلو عملنا بها للزم رفع هذه الرخصة.
وتعقب بأن العمل بها ممكن، بأن يحمل عَلَى أقل ما تصدق عليه، وهو المفتى به فِي مذهب الشافعيّ، وَقَدْ روى الترمذيّ، حديث الباب منْ طريق زيد بن الحباب، عن مالك، بلفظ: "أرخص فِي بيع العرايا، فيما دون خمسة أوسق"، ولم يتردد فِي ذلك. وزعم المازري أن ابن المنذر ذهب إلى تحديد ذلك بأربعة أوسق؛ لوروده فِي حديث
стр. 16734
جابر منْ غير شك فيه، فتعين طرح الرواية التي وقع فيها الشك، والأخذ بالرواية المتيقنة، قَالَ: وألزم المزنيُّ الشافعىَّ القولَ به. انتهى.
وفيما نقله نظر، أما ابن المنذر فليس فِي شيء منْ كتبه ما نقله عنه، وإنما فيه ترجيح القول الصائر إلى أن الخمسة لا تجوز، وإنما يجوز ما دونها، وهو الذي ألزم المزنيُّ أن يقول به الشافعيُّ، كما هو بَيِّن منْ كلامه. وَقَدْ حكى ابن عبد البرّ هَذَا القول عن قوم، قَالَ: واحتجوا بحديث جابر، ثم قَالَ: ولا خلاف بين الشافعيّ، ومالك، ومن اتبعهما فِي جواز العرايا فِي أكثر منْ أربعة أوسق، مما لم يبلغ خمسة أوسق، ولم يثبت عندهم حديث جابر. قَالَ الحافظ: حديث جابر الذي أشار إليه، أخرجه الشافعيّ، وأحمد، وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم، أخرجوه كلهم منْ طريق ابن إسحاق: حدثني محمّد بن يحيى بن حبّان، عن عمه واسع بن حبّان، عن جابر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول -حين أذِن لأصحاب العرايا، أن يبيعوها بخرصها- يقول: "الوسق، والوسقين، والثلاثة، والأربع"، لفظ أحمد، وترجم عليه ابن حبّان: "الاحتياط أن لا يزيد عَلَى أربعة أوسق"، وهذا الذي قاله يتعين المصير إليه، وأما جعله حَدًّا لا يجوز تجاوزه، فليس بالواضح.
واحتج بعضهم لمالك، بقول سهل بن أبي حثمة: إن العرية تكون ثلاثة أوسق، أو أربعة، أو خمسة"، ولا حجة فيه؛ لأنه موقوف.
ومن فروع هذه المسألة: ما لو زاد فِي صفقة عَلَى خمسة أوسق، فإن البيع يبطل فِي الجميع.
وخرّج بعض الشافعيّة، منْ جواز تفريق الصفقة، أنه يجوز، وهو بعيد؛ لوضوح الفرق، ولو باع ما دون خمسة أوسق فِي صفقة، ثم باع مثلها البائع بعينه للمشترى بعينه فِي صفقة أخرى، جاز عند الشافعيّة، عَلَى الأصح، ومنعه أحمد، وأهل الظاهر، والله أعلم. انتهى "فتح" ٥/ ١٣٢.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم فِي مسائل حديث الباب الماضي ترجيح عدم الجواز فِي خمسة أوسق، وإنما يجوز فيما دونها، كما هو مذهب الشافعيّة، والحنبليّة، وأهل الظاهر، وترجيح عدم الجواز أيضًا فِي أكثر منْ خمسة أوسق فيما إذا تفرّقت الصفقة، كما هو مذهب الحنبلية، وأهل الظاهر قريبًا، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٤٤ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثَمَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ
стр. 16735
حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا، أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا، يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (عبد الله بن محمّد بن عبد الرحمن) بن المسور بن مخرمة الزهريّ البصريّ، صدوق، منْ صغار [١٠] ٤٢/ ٤٨.
٢ - (سفيان) بن عيينة المذكور قبل باب.
٣ - (يحيى) بن سعيد بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقة ثبت [٥] ٢٢/ ٢٣.
٤ - (بُشير -بضمّ أوله، مصغّرًا- ابن يسار) الحارثيّ مولى الأنصار المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ١٢٤/ ١٨٦.
[تنبيه]: قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى فِي "شرح مسلم" ١٥/ ٤٢٦: أما بُشير، فبضم الموحدة، وفتح الشين، وأما يسار، فبالمثناة تحتُ، والسين مهملة، وهو بُشير بن يسار المدنيّ، الأنصاريّ، الحارثي مولاهم، قَالَ يحيى بن معين: ليس هو بأخي سليمان بن يسار. وَقَالَ محمّد بن سعد: كَانَ شيخا، كبيرًا، فقيها، قد أدرك عامة أصحاب رسول الله ﷺ ، وكان قليل الْحَدِيث. انتهى.
٤ - (سهل بن أبي حَثْمَة) -بفتح الحاء المهملة، وإسكان الثاء المثلّثة- ابن ساعدة بن عامر الأنصاريّ الخزرجيّ المدنيّ، صحابيّ صغير، وُلد سنة ثلاث منْ الهجرة، وَقَالَ النوويّ: كنيته أبو يحيى، وقيل: أبو محمّد، تُوفّي النبيّ ﷺ ، وهو ابن ثمان سنين. قيل: اسم أبيه عبد الله، وقيل: عامر، وقيل: غير ذلك، وهو صحابيّ أيضًا، ومات سهل ﵁ فِي خلافة معاوية ﵁. تقدّمت ترجمته فِي ٥/ ٧٤٨. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبصريّ، وسفيان، فمكيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثةً أنصاريين، مدنيّين، يروي بعضهم عن بعض، وهذا -كما قَالَ النوويّ- نادر جِدًّا، وهم: يحيى بن سعيد الأنصارى، وبُشير بن يسار، الأنصاريّ، وسهل بن أبي حثمة الأنصاريّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثَمَةَ) وفي رواية البخاريّ: "سمعت سهل بن أبي حثمة"، وفي الرواية التالية: "أن رافع بن خدِيج، وسهل بن أبي حَثْمة حدّثاه" (أَنَّ النَّبِيّ ﷺ ، نَهَى عَنْ