← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 16731–16770 · переход к 16736.

стр. 16731

وَقَالَ القرطبيّ؛ الخِرص بكسر الخاء: هو اسم للمخروص، وبفتح الخاء هو: المصدر، والرواية هنا بالكسر. انتهى "المفهم" ٤/ ٣٩٤. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وَقَدْ تقدّم إنكار ابن العربيّ الفتح، وجزمه بالكسر، لكن جوّز النوويّ الوجهين، وَقَالَ: الفتح أشهر، والظاهر أن الأشهر هنا بالكسر، عكس ما قاله النوويّ؛ لأنه المشهور فِي اللغة، والرواية، كما أشار إليه القرطبيّ آنفاً. والحاصل أن المكسور اسم للمخروص، والمفتوح مصدر بمعنى التخمين، لكن لو أريد به المفعول، كالخلق بمعنى المخلوق لكان وجيهًا. هَذَا كله إن جُعلت الباء فِي "بخرصها" للمقابلة، هو المتبادر الشائع، والمعنى: أنها تباع بقدر المخروص، وأما إذا كانت للسببيّة، فالخرص يكون مصدرًا بمعنى التخمين. أفاده السنديّ. والله تعالى أعلم. ومعنى الْحَدِيث أنه ﷺ رخّص فِي العرايا أن يباع ثمرها بعد أن يُخرَص، ويُعرَف قدره بقدر ذلك منْ التمر، كما سيأتي البحث فيه. قَالَ ابن المنذر رحمه الله تعالى: ادّعى الكوفيون أن بيع العرايا منسوخ بنهيه ﷺ ، عن بيع الثمر بالتمر، وهذا مردود؛ لأن الذي روى النهي عن بيع الثمر بالتمر، هو الذي روى الرخصة فِي العرايا، فأثبت النهي والرخصة معا. ورواية سالم الماضية قبل بابين، تدل عَلَى أن الرخصة فِي بيع العرايا، وقع بعد النهي عن بيع الثمر بالتمر، ولفظه عن ابن عمر، مرفوعًا: "أن النبيّ ﷺ نهى عن بيع الثمر بالتمر"، قَالَ: وَقَالَ ابن عمر: حدّثني زيد بن ثابت، "أنه ﷺ رخّص فِي العرايا"، ولفظ البخاريّ "أنه ﷺ رخص بعد ذلك فِي بيع العرية"، وهذا هو الذي يقتضيه لفظ الرخصة، فإنها تكون بعد منع، وكذلك بقية الأحاديث، التي وقع فيها استثناء العرايا، بعد ذكر بيع الثمر بالتمر، وَقَدْ تقدم إيضاح ذلك كله، مطولًا فِي الباب الماضي، فلا تنس. والله تعالى أعلم. (فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ) متعلّق بـ"رخّص"، و"الأوسق": جمع وَسْق، بفتح، فسكون، ويُجمع عَلَى وُسُوق أيضًا، كفلس وأفلس، وفُلُوس، ويقال: الوسق بكسر الواو أيضًا، والجمع أوْساقٌ، كحِمْل وأَحمال. قَالَ ابن منظور: الوَسْق، والوِسْق -أي بالفتح، والكسر-: مِكْيلة معلومة، وقيل: هو حِمْل بعير، وهو ستّون صاعًا بصاع النبيّ ﷺ ، وهو خمسة أرطال وثلث، فالوسق عَلَى هَذَا الحساب: مائة وستّون مَناً، قَالَ الزجّاج: خمسة أوسق: هي خمسة وعشرون قَفِيزًا، قَالَ: وهو قَفيزنا الذي يُسمّى الْمُعدّل، وكلُّ وسق بالْمُلَجّم ثلاثة أقفزة، قَالَ: وستّون صاعًا أربعة وعشرون مَكُّوكًا بالْمُلَجّم، وذلك

стр. 16732

ثلاثة أَقْفِزة. وَقَالَ فِي "التهذيب": الوسق بالفتح: ستّون صاعًا، وهو ثلاثة وعشرون رِطلًا، عند أهل الحجاز، وأربعمائة وثمانون رطلًا عند أهل العراق عَلَى اختلافهم فِي مقدار الصالح والمدّ، والأصل فِي الوَسق: الْحَمْلُ، وكلُّ شيء وَسَقْته، فقد حَمَلته. انتهى "لسان العرب" ١٠/ ٣٧٨ - ٣٧٩. [فائدة]: قد عرفت مما سبق آنفاً أن الوسق ستون صاعًا بصاع النبيّ ﷺ ، والصاع النبويّ بالموازين المعاصرة عَلَى ما قدّره العلماء المتأخّرون هو ٣٠٠٠ (ثلاثة آلاف غرام)، فالخمسة الأوسق تكون ثلاثمائة صاع، فتكون الثلاثمائة الصاع ٩٠٠٠ (تسعة آلاف غرام). انظر ما كتبه الشيخ البسّام فِي "توضيح الأحكام، شرح بلوغ المرام" ٣/ ٤٥. والله تعالى أعلم. (أَوْ مَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ") شكّ منْ الراوي، وَقَدْ بيّن مسلم رحمه الله تعالى فِي روايته أن الشكّ منْ داود بن الحصين، وللبخاريّ فِي آخر "كتاب الشرب" منْ وجه آخر عن مالك مثله. [تنبيه]: قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: قوله: "أو ما دون خمسة" شكّ منْ الراوي، أو هو تعميم فِي طرف النقصان؛ لئلا يُتوهّم أن خمسة أوسق ذُكرت تحديدًا لمنع النقصان، ففيه بيان أن خمسة أوسق حدّ لمنع الزيادة فقط. انتهى ٧/ ٢٦٨ - ٢٦٩. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الاحتمال الذي ذكره السنديّ ﵀ غلطٌ، بل الصواب أن "أو" للشكّ كما بيّن ذلك مسلم رحمه الله تعالى فِي "صحيحه"، أن الشكّ منْ داود بن الحصين، ولفظه: "رخَص رسول الله ﷺ فِي بيع العرايا بخِرصها فيما دون خمسة أوسُق، أو فِي خمسة -يشكّ داود، قَالَ: خمسة، أو دون خمسة". انتهى. فتبيّن أن "أو" هنا للشكّ منْ الراوي، لا غير. فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث حديث أبي هريرة ﵁ هَذَا متَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٣٥/ ٤٥٤٣ - وفي "الكبرى" ٣٥/ ٦١٣٢. وأخرجه (خ) فِي "البيوع" ٢٩٠ و"المساقاة" ٢٣٨٢ (م) فِي "البيوع" ٣٨٦٩ (د) فِي "البيوع" ٣٣٦٤ (ت) فِي "البيوع" ١٣٠١. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: ساق البخاريّ رحمه الله تعالى حديث أبي هريرة ﵁ هَذَا، فَقَالَ: حدّثنا

стр. 16733

عبد الله بن عبد الوهّاب، قَالَ: سمعت مالكًا، وسأله عُبيد الله بن الربيع: أحدّثك داود، عن أبي سفيان، عن أبي هريرة ﵁: "أن النبيّ ﷺ رخّص فِي بيع العرايا فِي خمسة أوسق، أو دون خمسة أوسق؟، قَالَ: نعم"، ونحوه لمسلم، إلا أن السائل عنده هو يحيى بن يحيى شيخ مسلم فيه. قَالَ فِي "الفتح": قوله: قَالَ: نعم، القائل: هو مالك، وكذلك أخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى، قَالَ: قلت لمالك: أحدثك داود، فذكره، وَقَالَ فِي آخره: نعم، وهذا التحمل يسمى عرض السماع، وكان مالك يختاره عَلَى التحديث منْ لفظه، واختلف أهل الْحَدِيث هل يشترط أن يقول الشيخ: نعم، أم لا؟، والصحيح أن سكوته ينزل منزلة إقراره، إذا كَانَ عارفا، ولم يمنعه مانع، وإذا قَالَ: نعم فهو أولى بلا نزاع. انتهى. وَقَدْ تقدّم هَذَا البحث فِي هَذَا الشرح غير مرّة. وفوائد الْحَدِيث تقدّمت قريبًا أيضًا. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قَالَ فِي "الفتح": وَقَدْ اعتبر منْ قَالَ بجواز بيع العرايا بمفهوم هَذَا العدد، ومنعوا ما زاد عليه، واختلفوا فِي جواز الخمسة؛ لأجل الشكّ المذكور، والخلاف عند المالكية، والشافعية، والراجح عند المالكية: الجواز فِي الخمسة، فما دونها، وعند الشافعيّة الجواز فيما دون الخمسة، ولا يجوز فِي الخمسة، وهو قول الحنابلة، وأهل الظاهر. فمأخذ المنع: أن الأصل التحريم، وبيع العرايا رخصة، فيؤخذ منه بما يتحقق منه الجواز، ويُلغى ما وقع فيه الشك. وسبب الخلاف: أن النهي عن بيع المزابنة، هل ورد متقدما، ثم وقعت الرخصة فِي العرايا، أو النهي عن بيع المزابنة، وقع مقرونا بالرخصة، فِي بيع العرايا، فعلى الأول لا يجوز فِي الخمسة؛ للشك فِي رفع التحريم، وعلى الثاني يجوز؛ للشك فِي قدر التحريم، ويُرَجِّح الأول روايةُ سالم المذكورة، قبل بابين. واحتج بعض المالكية بأن لفظه "دون" صالحة لجميع ما تحت الخمسة، فلو عملنا بها للزم رفع هذه الرخصة. وتعقب بأن العمل بها ممكن، بأن يحمل عَلَى أقل ما تصدق عليه، وهو المفتى به فِي مذهب الشافعيّ، وَقَدْ روى الترمذيّ، حديث الباب منْ طريق زيد بن الحباب، عن مالك، بلفظ: "أرخص فِي بيع العرايا، فيما دون خمسة أوسق"، ولم يتردد فِي ذلك. وزعم المازري أن ابن المنذر ذهب إلى تحديد ذلك بأربعة أوسق؛ لوروده فِي حديث

стр. 16734

جابر منْ غير شك فيه، فتعين طرح الرواية التي وقع فيها الشك، والأخذ بالرواية المتيقنة، قَالَ: وألزم المزنيُّ الشافعىَّ القولَ به. انتهى. وفيما نقله نظر، أما ابن المنذر فليس فِي شيء منْ كتبه ما نقله عنه، وإنما فيه ترجيح القول الصائر إلى أن الخمسة لا تجوز، وإنما يجوز ما دونها، وهو الذي ألزم المزنيُّ أن يقول به الشافعيُّ، كما هو بَيِّن منْ كلامه. وَقَدْ حكى ابن عبد البرّ هَذَا القول عن قوم، قَالَ: واحتجوا بحديث جابر، ثم قَالَ: ولا خلاف بين الشافعيّ، ومالك، ومن اتبعهما فِي جواز العرايا فِي أكثر منْ أربعة أوسق، مما لم يبلغ خمسة أوسق، ولم يثبت عندهم حديث جابر. قَالَ الحافظ: حديث جابر الذي أشار إليه، أخرجه الشافعيّ، وأحمد، وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم، أخرجوه كلهم منْ طريق ابن إسحاق: حدثني محمّد بن يحيى بن حبّان، عن عمه واسع بن حبّان، عن جابر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول -حين أذِن لأصحاب العرايا، أن يبيعوها بخرصها- يقول: "الوسق، والوسقين، والثلاثة، والأربع"، لفظ أحمد، وترجم عليه ابن حبّان: "الاحتياط أن لا يزيد عَلَى أربعة أوسق"، وهذا الذي قاله يتعين المصير إليه، وأما جعله حَدًّا لا يجوز تجاوزه، فليس بالواضح. واحتج بعضهم لمالك، بقول سهل بن أبي حثمة: إن العرية تكون ثلاثة أوسق، أو أربعة، أو خمسة"، ولا حجة فيه؛ لأنه موقوف. ومن فروع هذه المسألة: ما لو زاد فِي صفقة عَلَى خمسة أوسق، فإن البيع يبطل فِي الجميع. وخرّج بعض الشافعيّة، منْ جواز تفريق الصفقة، أنه يجوز، وهو بعيد؛ لوضوح الفرق، ولو باع ما دون خمسة أوسق فِي صفقة، ثم باع مثلها البائع بعينه للمشترى بعينه فِي صفقة أخرى، جاز عند الشافعيّة، عَلَى الأصح، ومنعه أحمد، وأهل الظاهر، والله أعلم. انتهى "فتح" ٥/ ١٣٢. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم فِي مسائل حديث الباب الماضي ترجيح عدم الجواز فِي خمسة أوسق، وإنما يجوز فيما دونها، كما هو مذهب الشافعيّة، والحنبليّة، وأهل الظاهر، وترجيح عدم الجواز أيضًا فِي أكثر منْ خمسة أوسق فيما إذا تفرّقت الصفقة، كما هو مذهب الحنبلية، وأهل الظاهر قريبًا، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٤٤ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثَمَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ

стр. 16735

حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا، أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا، يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا"). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (عبد الله بن محمّد بن عبد الرحمن) بن المسور بن مخرمة الزهريّ البصريّ، صدوق، منْ صغار [١٠] ٤٢/ ٤٨. ٢ - (سفيان) بن عيينة المذكور قبل باب. ٣ - (يحيى) بن سعيد بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقة ثبت [٥] ٢٢/ ٢٣. ٤ - (بُشير -بضمّ أوله، مصغّرًا- ابن يسار) الحارثيّ مولى الأنصار المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ١٢٤/ ١٨٦. [تنبيه]: قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى فِي "شرح مسلم" ١٥/ ٤٢٦: أما بُشير، فبضم الموحدة، وفتح الشين، وأما يسار، فبالمثناة تحتُ، والسين مهملة، وهو بُشير بن يسار المدنيّ، الأنصاريّ، الحارثي مولاهم، قَالَ يحيى بن معين: ليس هو بأخي سليمان بن يسار. وَقَالَ محمّد بن سعد: كَانَ شيخا، كبيرًا، فقيها، قد أدرك عامة أصحاب رسول الله ﷺ ، وكان قليل الْحَدِيث. انتهى. ٤ - (سهل بن أبي حَثْمَة) -بفتح الحاء المهملة، وإسكان الثاء المثلّثة- ابن ساعدة بن عامر الأنصاريّ الخزرجيّ المدنيّ، صحابيّ صغير، وُلد سنة ثلاث منْ الهجرة، وَقَالَ النوويّ: كنيته أبو يحيى، وقيل: أبو محمّد، تُوفّي النبيّ ﷺ ، وهو ابن ثمان سنين. قيل: اسم أبيه عبد الله، وقيل: عامر، وقيل: غير ذلك، وهو صحابيّ أيضًا، ومات سهل ﵁ فِي خلافة معاوية ﵁. تقدّمت ترجمته فِي ٥/ ٧٤٨. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبصريّ، وسفيان، فمكيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثةً أنصاريين، مدنيّين، يروي بعضهم عن بعض، وهذا -كما قَالَ النوويّ- نادر جِدًّا، وهم: يحيى بن سعيد الأنصارى، وبُشير بن يسار، الأنصاريّ، وسهل بن أبي حثمة الأنصاريّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثَمَةَ) وفي رواية البخاريّ: "سمعت سهل بن أبي حثمة"، وفي الرواية التالية: "أن رافع بن خدِيج، وسهل بن أبي حَثْمة حدّثاه" (أَنَّ النَّبِيّ ﷺ ، نَهَى عَنْ

стр. 16736

بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ) قد تقدّم تمام البحث فيه قبل ستّة أبواب (وَرَخَّصَ فِى الْعَرَايَا) أي فِي بيعِ ثمر العرايا (أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا) تقدّم ضبطها بالكسر، والفتح (يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا) منصوب عَلَى التمييز، وهو تمييز محوّل عن المفعول، والأصل يأكل أهلها رُطَباً. وزاد البخاريّ منْ رواية عليّ بن المديني، عن ابن عيينة، فِي آخره قصّة ٢/ ٧٦٤: وَقَالَ سفيان مرة أخرى: إلا أنه رَخَّصَ فِي العرية، يبيعها أهلها بخرصها، يأكلونها رطبا، قَالَ هو سواء، قَالَ سفيان: فقلت ليحيى، وأنا غلام: إن أهل مكة يقولون: إن النبيّ ﷺ ، رَخَّص فِي بيع العرايا، فَقَالَ: وما يدري أهل مكة؟ قلت: إنهم يروونه عن جابر، فسكت، قَالَ سفيان: إنما أردت أن جابرا منْ أهل المدينة، قيل لسفيان: وليس فيه: نهى عن بيع الثمر حَتَّى يبدو صلاحه؟، قَالَ: لا. انتهى. قَالَ فِي "الفتح": وقوله: "وأنا غلام" جملة حاليّة، والغرض الإشارة إلى قدم طلبه، وتقدّم فطنته، وأنه كَانَ فِي سنّ الصبا يُناظر شيوخه، ويباحثهم. وقوله: "رخّص لهم فِي بيع العرايا الخ" محل الخلاف بين رواية يحيى بن سعيد، ررواية أهل مكة، أن يحيى بن سعيد، قَيَّد الرخصة فِي بيع العرايا بالخرص، وأن يأكلها أهلها رُطبًا، وأما ابن عيينة فِي روايته عن أهل مكة، فأطلق الرخصة فِي بيع العرايا، ولم يقيدها بشيء مما ذكر. وقوله: قلت: إنهم يروونه عن جابر، فِي رواية أحمد فِي "مسنده" عن سفيان، قلت: أخبرهم عطاء، أنه سمع منْ جابر. وقوله: قَالَ سفيان: أي بالإسناد المذكور، إنما أردت: أي الحاملُ لي عَلَى قولي ليحيى بن سعيد: إنهم يروونه عن جابر، أن جابرا منْ أهل المدينة، فيرجع الْحَدِيث إلى أهل المدينة، وكان ليحيى بن سعيد أن يقول له: وأهل المدينة رووا أيضًا فيه التقييد، فيحمل المطلق عَلَى المقيد، حَتَّى يقوم الدليل عَلَى العمل بالإطلاق، والتقييد بالخرص زيادة حافظ، فتعين المصير إليها، وأما التقييد بالأكل، فالذي يظهر أنه لبيان الواقع، لا أنه قيد، وعن أبي عبيد، أنه شرطه، والله أعلم. وقوله: "أليس فيه" -أي فِي الْحَدِيث المذكور- "نهى عن بيع الثمر حَتَّى يبدو صلاحه"، قَالَ: لا، أي ليس هو فِي حديث سهل بن أبي حثمة، وإن كَانَ هو صحيحا منْ رواية غيره. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: لعلّ سفيان نسي ذلك فِي ذلك الوقت، وإلا فقد ثبت عند المصنّف فِي هَذَا الْحَدِيث أن عبد الله بن محمّد بن عبد الرحمن رواه عنه، وَقَدْ

стр. 16737

تابعه كما قَالَ فِي "الفتح" ٥/ ١٣٤ - عليه عبد الجبار بن العلاء، فرواه عنه، بهذا اللفظ الذي نفاه سفيان، وحكى الإسماعيلي، عن ابن صاعد، أنه أشار إلى أنه وَهِمَ فيه عبد الجبّار، ورواية عبد الله بن محمّد هذه تردّ هَذَا، وتبين أن عبد الجبار، لم ينفرد بذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (مسألتان): تتعلّقان بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث سهل بن أبي حثْمَة ﵁ هَذَا متَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٥/ ٤٥٤٤ و٤٥٤٥ و٤٥٤٦ - وفي "الكبرى" ٣٥/ ٦١٣٣ و٦١٣٤ و٦١٣٥. وأخرجه (خ) فِي "البيوع" ٢١٩١ وفي "المساقاة" ٢٣٨٤ (م) فِي "البيوع" ٣٨٦٤ و٣٨٦٥ و٣٨٦٦ و٣٨٦٧ و٣٨٦٨ (د) فِي "البيوع" ٣٣٦٣ (ت) فِي "البيوع" ١٣٠٣. وفوائد الْحَدِيث تقدّمت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٤٥ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ، أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، وَسَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ حَدَّثَاهُ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ، بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ، إِلاَّ لأَصْحَابِ الْعَرَايَا، فَإِنَّهُ أَذِنَ لَهُمْ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"الحسين بن عيسى": هو البسطاميّ الْقُومَسيّ، نزيل نيسابور، صدوقٌ، صاحب حديث [١٠] ٦٩/ ٨٦. و"أبو أسامة": هو حمّاد بن أُسامة الكوفيّ الحافظ. و"الوليد بن كثير": هو المخزوميّ، أبو محمّد المدنيّ، ثم الكوفيّ، صدوقٌ، عارفٌ بالمغازي، رمي برأي الخوارج [٦] ٤٤/ ٥٢. وقوله: "بيع الثمر بالتمر" بالجرّ بدل منْ "المزابنة"، أو عطف بيان له، ويجوز قطعه إلى الرفع بتقدير مبتدإ: أي هو بيع الثمر، وإلى النصب بتقدير فعل: أي أعني بيع الثمر. والحديث صحيح وَقَدْ مضى شرحه، وتخريجه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٤٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّهُمْ قَالُوا: "رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا").

стр. 16738

قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"الليث": هو ابن سعد. و"يحيى": هو ابن سعيد الأنصاريّ المذكور قبل حديث. وقوله: "عن أصحاب رسول الله ﷺ "، وفي رواية مسلم منْ طريق سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن بُشير بن يسار، عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، منْ أهل دارهم، منهم سهل بن أبي حثْمة: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمر بالتمر، وَقَالَ: "ذلك الربا، تلك المزابنة"، إلا أنه رخّص فِي بيع العريّة: النخلة، والنخلتين، يأخذها أهل البيت، بخِرْصها تَمْرًا، يأكلونها". وقوله: "منْ أهل دراهم": يعني بني حارثة، والمراد بالدار المحلة. وقوله: "عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ : أي جماعةٍ منهم، ثم ذكر بعضهم، فَقَالَ: منهم سهل ابن أبي حثمة، والبعض يُطلق عَلَى القليل والكثير. قَالَ النوويّ: قوله: "عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، منهم سهل بن أبي حثمة": فيه أنه إذا سمع منْ جماعة ثقات، جاز أن يحذف بعضهم، ويروي عن بعض. انتهى "شرح مسلم" ١٠/ ٤٢٧. والحديث بهذا السياق أخرجه مسلم، وأصله متَّفقٌ عليه، كما سبق الكلام عليه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٣٦ - (اشْتِرَاءِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ) ٤٥٤٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ سَعْدٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ؟ فَقَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟ "، قَالُوا: نَعَمْ، فَنَهَى عَنْهُ). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلّاس البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان المذكور قبل باب. ٣ - (مالك) إمام دار الهجرة المذكور فِي الباب الماضي.

стр. 16739

٤ - (عبد الله بن يزيد) المخزوميّ المدنيّ المقرىء الأعور، مولى الأسود بن سفيان، ثقة [٦] ٥١/ ٩٦١. ٥ - (زيد بن عيّاش) -بتحتانيّة، ومعجمة- أبو عيّاش المدنيّ، صدوق [٣]. وفي "تهذيب التهذيب" ١/ ٦٧٠: زيد بن عياش، أبو عياش الزُّرَقي، ويقال: المخزومي، ويقال: مولى بني زهرة، المدنيّ، روى عن سعد بن أبي وقاص، وعنه عبد الله بن يزيد، مولى الأسود بن سفيان، وعمران بن أبي أنيس السلمي، وروى له الأربعة حديثا واحدا فِي النهي، عن بيع الرطب بالتمر. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وصحح الترمذيّ، وابن خزيمة، وابن حبّان، حديثه المذكور، وَقَالَ فيه الدارقطنيّ: ثقة. وَقَالَ ابن عبد البرّ: وأما زيد، فقيل: إنه مجهول، وَقَدْ قيل: إنه أبو عياش الزُّرَقي. وَقَالَ الطحاوي: قيل فيه: أبو عياش الزرقي، وهو محال؛ لأن أبا عياش الزرقي منْ جِلَّة الصحابة، لم يدركه ابن يزيد. قَالَ الحافظ: وَقَدْ فرق أبو أحمد الحاكم، بين زيد أبي عياش الزرقي الصحابيّ، وبين زيد أبي عياش الزرقي التابعي. وأما البخاريّ، فلم يذكر التابعي جملة، بل قَالَ: زيد أبو عياش، هو زيد بن الصامت، منْ صغار الصحابة. وَقَالَ الحاكم فِي "المستدرك": هَذَا حديث صحيح؛ لإجماع أئمة أهل القتل، عَلَى إمامة مالك، وأنه محكم فِي كل ما يرويه؛ إذ لم يوجد فِي روايته إلا الصحيح، خصوصا فِي حديث أهل المدينة، إلى أن قَالَ: والشيخان لم يخرجاه؛ لِمَا خشيا منْ جهالة زيد بن عياش. وَقَالَ أبو حنيفة: مجهول. وتعقبه الخطابي، وكذا قَالَ: ابن حزم: إنه مجهول. انتهى. تفرد به الأربعة بحديث الباب فقط. [تنبيه]: وقع فِي نسخ "المجتبى" غير الهنديّة، وكذا فِي "الكبرى" غلط فِي هَذَا الاسم، فإنه وقع فيها "زيد بن أبي عياش" بزيادة كلمة "أبي"، وهو غلط فاحش، والصواب ما فِي الهنديّة: "زيد بن عيّاش"، وكنيته أبو عيّاش، فتنبّه. والله تعالى أعلم. ٦ - (سعد) بن أبي وقّاص رضي الله تعالى عنه ٩٦/ ١٢١. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير زيد بن عياش، فإنه منْ رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين، إلا شيخه، ويحيى، فبصريّان، وفيه أن شيخه هو أحد مشايخ الأئمة أصحاب الأصول الذين رووا عنهم بلا واسطة، وهم تسعة، وتقدّموا غير مرّة. والله تعالى أعلم.

стр. 16740

شرح الْحَدِيث (عَنْ سَعْد) بن أبي وقّاص ﵁، أنه (قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ؟) أي عن شرائه به، ففي رواية أبي داود: "سئل عن شراء التمر بالرُّطَب" (فَقَالَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (لِمَنْ حَوْلَهُ) أي للصحابة الجالسين حوله (أَيَنْقُصُ) بفتح أوله، وضم ثالثه، منْ النقص، ثلاثيّا، وهو يتعدّى، ويلزم، والمناسب هنا اللزوم، قَالَ الفيّوميّ: نقص نقصًا، منْ باب قتل، ونُقصاناً، وانتقص: ذهب منه شيء بعد تمامه، ونقصته يتعدّى، ولا يتعدّى، هذه هي اللغة الفصيحة، وبها جاء القرآن فِي قوله تعالى: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١]، وقوله: ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩]، وفي لغة ضعيفة يتعدّى بالهمزة، والتضعيف، ولم يأت فِي كلام فصيح، ويتعدّى أيضًا بنفسه إلى مفعولين، فيقال: نقصتُ زيدًا حقّه، وانتقصته مثله، ودرهم ناقصٌ: غير تام الوزن. انتهى. كلام الفيّوميّ (الرُّطَبُ) بالرفع عَلَى الفاعليّة (إِذَا يَبِسَ؟) بكسر الباء الموحّدة، منْ باب تعب، وفي لغة بكسر الماضي والمضارع: أي إذا جفّ، وذهبت رطوبته. قَالَ الخطّابيّ رحمه الله تعالى: لفظه لفظ استفهام، ومعناه التقرير، والتنبيه فيه عَلَى نكتة الحكم، وعلّتِهِ؛ ليعتبروها فِي نظائرها وأخواتها، وذلك أنه لا يجوز أن يخفى عليه ﷺ أن الرطب إذا يبس نقص وزنه، فيكونَ سؤاله عنه سؤال تعرّف، واستفهام، وإنما هو عَلَى الوجه الذي ذكرته، وهذا كقول جرير [منْ الوافر]: أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا … وَأَنْدَى الْعَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ؟ ولو كَانَ هَذَا استفهامًا، لم يكن فيه مدحٌ، وإنما معناه: أنتم خير منْ ركِب المطايا. وهذا الْحَدِيث أصلٌ فِي أبواب كثيرة، منْ مسائل الربا، وذلك أن كلّ شيء منْ المطعوم، مما له نداوة، ولجفافه نهايةٌ، فإنه لا يجوز رَطْبه بيابسه، كالعنب، بالزبيب، واللحم النيء بالقديد، ونحوهما، وكذلك لا يجوز عَلَى هَذَا المعنى منه الرُّطَب بالرطب؛ لأن اعتبار المماثلة إنما يصحّ فيهما عند أوان الجفاف، وهما إذا تناهى جفافهما، كانا مختلفين؛ لأن أحدهما قد يكون أرَقّ رِقّةً، وأكثر مائيّة منْ الآخر، فالجفاف ينال منه أكثر، وتتفاوت مقاديرهما فِي الكيل عند المماثلة. انتهى "معالم السنن" ٥/ ٣٢ - ٣٣. وَقَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: قوله: "أينقص الرُّطَب": تنبيه عَلَى علّة المنع بعد اتحاد الجنس، فيجري المنع فِي كلّ ما تَجري فيه هذه العلة، قَالَ القاضي رحمه الله تعالى فِي "شرح المصابيح": ليس المراد منْ الاستفهام استفهام القضيّة، فإنها جليّةٌ

стр. 16741

مستغنية عن الاستكشاف، بل التنبيه عَلَى أن المطلوب تحقّق المماثلة حال اليبوسة، فلا يكفي تماثل الرطب والتمر عَلَى رطوبته، ولا عَلَى فرض اليبوسة؛ لأنه تخمين وخرص، لا تعيين فيه، فلا يجوز بيع أحدهما بالآخر، وبه قَالَ أكثر أهل العلم، وجوّزه أبو حنيفة، إذا تساويا كيلًا؛ حملًا للحديث عَلَى النسيئة؛ لما روى هَذَا الراوي أنه ﷺ : نهى عن بيع الرطب بالتمر نسيئة، وضعفُهُ بيّنٌ؛ لأن النهي عن بيعه نسيئةً لا يستدعي الإذن فِي بيعه يدًا بيد، إلا منْ طريق المفهوم، وهو عنده غير منظور إليه، فضلًا عن أن يسلّط عَلَى المنطوق؛ ليُبطل إطلاقه، ثم هَذَا التقييد يُفسد السؤال والجواب، وترتيب النهي عليهما بالكلّيّة؛ إذ كونه نسيئة يكفي فِي عدم الجواز، ولا دخل معه للجفاف. قَالَ السنديّ: المشهور عند الحنفيّة فِي الجواب جهالة زيد بن عيّاش، وردّه الجمهور بأن عدم معرفة بعضٍ لا يضرّ فِي معرفة غيره، فالأقرب قول الجمهور، ولذلك خالف الإِمام صاحباه، فذهبا إلى قول الجمهور. والله تعالى أعلم. انتهى "شرح السنديّ" ٧/ ٢٦٩. (قَالُوا: نَعَمْ) أي ينقص الرطب إذا يبس (فَنَهَى عَنْهُ) أي عن شراء التمر بالرطب. وفي الْحَدِيث قصّة فِي أوله، ساقها أبو داود، فأخرج بسنده، عن عبد الله بن يزيد، أن زيدًا، أبا عيّاش أخبره، أنه سأل سعد بن أبي وقّاص ﵁ عن البيضاء بالسُّلت؟ فَقَالَ له سعد: أيهما أفضل؟، قَالَ: البيضاء، قَالَ: فنهاه عن ذلك، وَقَالَ: سمعت رسول الله ﷺ يسأل عن شراء التمر بالرُّطَب؟ فَقَالَ رسول الله ﷺ : "أينقص إذا يبس؟، قالوا: نعم، فنهاه رسول الله ﷺ عن ذلك. قَالَ الخطّابيّ: البيضاء نوع منْ البرّ، أبيض اللون، وفيه رخاوة، يكون ببلاد مصر، والسُّلْتُ: نوع غير البرّ، وهو أدقّ حبا منه. وَقَالَ بعضهم: البيضاء هو الرَّطْب منْ السلت، والأول أعرف، إلا أن هَذَا القول أليق بمعنى الْحَدِيث، وعليه يتبيّن موضع التشبيه منْ الرُّطَب بالتمر، وإذا كَانَ الرَّطْب منها جنسًا، واليابس جنسًا آخر لم يصحّ التشبيه. انتهى. "معالم السنن" ٥/ ٣٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁ هَذَا صحيح. [تنبيه]: قَالَ الخطّابيّ رحمه الله تعالى: وَقَدْ تكلّم بعض النَّاس فِي إسناد حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁ هَذَا، وَقَالَ: زيد أبو عيّاش راويه ضعيفٌ، ومثل هَذَا

стр. 16742

الْحَدِيث عَلَى أصل الشافعيّ لا يجوز أن يُحتجّ به. قَالَ الخطابيّ: وليس الأمر عَلَى ما توهّمه، وأبو عيّاش هَذَا مولى لبني زهرة، معروفٌ، وَقَدْ ذكره مالكٌ فِي "الموطّإ"، وهو لا يروي عن رجل متروك الْحَدِيث بوجه، وهذا منْ شأن مالك، وعادته معلوم. انتهى كلام الخطّابيّ "معالم السنن" ٥/ ٣٥. وَقَالَ المنذريّ رحمه الله تعالى -بعد ذكر كلام الخطّابيّ- وَقَدْ حُكي عن بعضهم أنه قَالَ. زيد أبو عيّاش مجهول، وكيف يكون مجهولا؟ وَقَدْ روى عنه اثنان ثقتان: عبد الله بن يزيد، مولى الأسود بن سفيان، وعمران بن أبي أنس، وهما ممن احتجّ به مسلم فِي "صحيحه"، وَقَدْ عرفه أئمة هَذَا الشان، هَذَا الإِمام مالك قد أخرج حديثه فِي "موطئه"، مع شدّة تحرّيه فِي الرجال، ونقده، وتتبعه لأحوالهم، والترمذيّ قد أخرج حديثه، وصححه، وصحح حديثه أيضًا الحاكم أبو عبد الله النيسابوريّ، وَقَدْ ذكره مسلم بن الحجّاج فِي "كتاب الكنى"، وذكر أنه سمع منْ سعد بن أبي وقاص ﵁، وذكره أيضًا الحافظ أبو أحمد الكرابيسيّ، فِي "كتاب الكنى"، وذكر أنه سمع منْ سعد ابن أبي وقّاص ﵁، وذكره أيضًا النسائيّ فِي "كتاب الكنى"، وما علمت أحدًا ضعّفه، والله أعلم. انتهى كلام المنذريّ رحمه الله تعالى "مختصر السنن" ٥/ ٣٣ - ٣٥. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن زيد بن عياش ثقة معروف، وحديثه هَذَا صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه آخر]: أخرج أبو داود رحمه الله تعالى فِي "سننه" حديث سعد ﵁ هَذَا منْ طريق يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن يزيد، مولى الأسود بن سفيان، أن أبا عيّاش أخبره، أنه سمع سعد بن أبي وقّاص ﵁ يقول: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الرُّطَب بالتمر نسيئة" انتهى. فزاد "نسيئة"، قَالَ أبو الحسن الدارقطنيّ رحمه الله تعالى: خالفه مالك، وإسماعيل بن أُميّة، والضحّاك بن عثمان، وأُسامة بن زيد، رووه عن عبد الله ابن يزيد، ولم يقولوا فيه: "نسيئة"، واجتماع هؤلاء الأربعة عَلَى خلاف ما رواه يحيى -يعني ابن أبي كثير- يدلّ عَلَى ضبطهم للحديث. وَقَالَ أبو بكر البيهقيّ رحمه الله تعالى: ورواه عمران بن أبي أنس، عن أبي عيّاش، نحو رواية مالك، وليست فيه هذه الزيادة. انتهى "مختصر السنن" للمنذريّ ٥/ ٣٥ - ٣٦. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ أن هذه الزيادة شاذّة مطّرحه؛ لمخالفتها الأحاديث الصحيحة فِي منع بيع الرطب بالتمر مطلقًا، قَالَ البيهقيّ رحمه الله تعالى: وهذا يخالف رواية الجماعة، وإن كَانَ محفوظًا، فهو حديث آخر، والخبر يصرّح بأن

стр. 16743

المنع إنما كَانَ لنقصان الرطب فِي البعض، وحصول الفضل بينهما بذلك، وهذا المعنى يمنع منْ أن يكون النهي لأجل النسيئة، فلذلك لم تُقبل هذه الزيادة ممن خالف الجماعة بروايتها فِي هَذَا الْحَدِيث. وَقَدْ روينا فِي الْحَدِيث عن ابن المسيّب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قَالَ: "لا تبتاعوا الثمر حَتَّى يبدو صلاحه، ولا تبتاعوا الثمر بالتمر". وفي الْحَدِيث الثابت عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ : "لا تبيعوا ثمر النخل بتمر النخل"، وفي رواية إبراهيم بن سعد، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ : "لا تبايعوا الثمر بالتمر"، هكذا روي مقيّدًا. انتهى. وحديث أبي هريرة ﵁ المذكور رواه مسلم. وحديث ابن عمر رصي الله عنهما متَّفقٌ عليه، ولفظ "الصحيحين": "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الثمر حَتَّى يبدو صلاحه، وعن بيع الرُّطب بالتمر". انتهى "تهذيب السنن" لابن القيّم، منْ هامش "إعلاء السنن" ٥/ ٣٢ - ٣٣. والحاصل أن الْحَدِيث بدون هذه الزيادة هو الذي يوافق هذه الأحاديث الصحاح، وأما معها فإنه يخالفها، فهي إذًا شاذّة منكرة، فافهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر "المصنّف" له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٣٦/ ٤٥٤٧ و٤٥٤٨ - وفي "الكبرى" ٣٦/ ٦١٣٦ و٦١٣٧. وأخرجه (د) فِي "البيوع" ٣٣٥٩ (ت) فِي "البيوع" ١٢٢٥ (ق) فِي "التجارات" ٢٢٦٤ (أحمد) فِي "مسند العشرة" ١٥١٨ و١٥٤٧ (الموطأ) فِي "البيوع" ١٣١٦. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم اشتراء التمر بالرطب، وهو المنع؛ لعدم المماثلة مع اتحاد الجنس. (ومنها): أن فيه بيان تحريم الربا، وأن علة تحريمه هو ظلم أحد المتابيعين، بسبب نقص يلحقه. (ومنها): بيان اهتمام الشارع ببيان علّة التحريم، حَتَّى يكون المكلّفون عَلَى بصيرة منْ المنهيات، وأنه إنما نُهي عنها للضرر اللاحق ببعصهم ببخس حقّه. (ومنها): أن فيه تحريم أكل أموال النَّاس بالباطل، كالربا، ونحوه، كما قَالَ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ الآية [النِّساء: ٢٩]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي بيع الرَّطْب باليابس منْ جنس واحد: قَالَ ابن قُدامة رحمه الله تعالى: ما حاصله: ولا يباع الرَّطْب مما يجري فيه الربا،

стр. 16744

بيابس منْ جنسه، إلا العرايا، وذلك: كالرُّطَب بالتمر، والعنب بالزبيب، واللبن بالجبن، والحنطة المبلولة، أو الرطبة باليابسة، أو المقلية بالنيئة، ونحو ذلك، وبهذا قَالَ سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن المسيّب، والليث، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو يوسف، ومحمد. وَقَالَ ابن عبد البرّ: جمهور علماء المسلمين، عَلَى أن بيع الرُّطَب بالتمر لا يجوز، بحال منْ الأحوال. وَقَالَ أبو حنيفة: يجوز ذلك؛ لأنه لا يخلو: إما أن يكون منْ جنسه، فيجوز؛ لقوله ﷺ : "التمر بالتمر، مثلا بمثل"، أو منْ غير جنسه، فيجوز لقوله ﷺ ": "فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم؟ "، ولنا قوله ﷺ : "لا تبيعوا الثمر بالتمر"، وفي لفظ: "نهى عن بيع الثمر بالتمر، ورَخّص فِي العرية، أن تباع بخِرْصها، يأكلها أهلها رُطَبًا"، متَّفقٌ عليه، وعن سعد ﵁: أن النبيّ ﷺ ، سئل عن بيع الرُّطَب بالتمر؟ فَقَالَ: "أينقص الرطب إذا يبس؟، قالوا: نعم، فنهى عن ذلك"، رواه مالك، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، والأثرم، ولفظ رواية الأثرم، قَالَ: "فلا إذن"، نَهَى، وعَلَّل بأنه ينقص إذا يبس. وروى مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ ، نهى عن المزابنة، والمزابنة بيع الرطب بالتمر كيلا، وبيع العنب بالزبيب كيلا"، ولأنه جنس فيه الربا، بِيعَ بعضه ببعض، عَلَى وجه ينفرد أحدهما بالنقصان، فلم يَجُز، كبيع المقلية بالنيئة، ولا يلزم الحديثُ بالْعَتِيق؛ لأن التفاوت يسير. انتهى "المغني" ٦/ ٦٧ - ٦٨. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبين بما ذُكر أن ما عليه الجمهور منْ عدم جواز بيع الرطب بالتمر هو الحق؛ لصحة الأحاديث بذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم بيع الرُّطَب بالرُّطَب، ونحوه: ذهب أكثر أهل العلم إلى جواز بيع الرطب بالرطب، والعنب بالعنب، ونحوه منْ الرَّطْب بمثله. وذهب الشافعيّ إلى منعه فيما ييبس، أما ما لا ييبس، كالقثاء، والخيار ونحوه، فعلى قولين؛ لأنه لا يُعلم تساويهما حالة الإدّخار، فأشبه الرطب بالتمر. واحتجّ بنهيه ﷺ عن بيع الثمر بالتمر؛ فإن مفهومه إباحة بيع كل واحد منهما بمثله؛ ولأنهما تساويا فِي الحال، عَلَى وجه لا ينفرد أحدهما بالنقصان، فجاز كبيع اللبن باللبن، والتمر بالتمر، ولأن قوله تعالى: ﴿وأحَلَّ اللهُ البَيْعَ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٥] عام خرج منه المنصوص عليه، وهو بيع الثمر بالتمر، وليس هَذَا فِي معناه، فبقي عَلَى العموم، وما ذكره الشافعيّ لا يصح، فإن التفاوت كثير، وينفرد أحدهما بالنقصان،

стр. 16745

بخلاف مسألتنا، ولا بأس ببيع الْحَدِيث بالعتيق؛ لأن التفاوت فِي ذلك يسير، ولا يمكن ضبطه، فيُعفى عنه. أفاده فِي "المغني" ٦/ ٦٨ - ٦٩. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبين بما ذكر أن القول بجواز بيع الرُّطَبِ بالرُّطَبِ، والعنب بالعنب، ونحو ذلك هو الأرجح؛ لقوّة دليله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٤٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ؟ فَقَالَ: "أَيَنْقُصُ إِذَا يَبِسَ؟ "، قَالُوا: نَعَمْ، فَنَهَى عَنْهُ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمّد بن عليّ بن ميمون": هو أبو العبّاس العطّار الرَّقْيّ، ثقة [١١] ١٤/ ٤١٨ منْ أفراد المصنّف. و"محمّد بن يوسف الفريابيّ": هو الضبيّ مولاهم، نزيل قيسارية، منْ ساحل الشام، ثقة فاضل، يقال: أخطأ فِي حديث سفيان، وهو مقدّم فيه مع ذلك عندهم عَلَى عبد الرزّاق [٩] ١٤/ ٤١٨. و"سفيان": هو الثوريّ. و"إسماعيل بن أُميّة": هو ابن عمرو بن سعيد بن العاص بن أميّة الأمويّ، الثقة الثبت [٦] ١٦/ ٢٤٦٨. و"زيد": هو ابن عيّاش المذكور فِي السند الماضي. و"سعد بن مالك": هو سعد بن أبي وقّاص ﵁. والحديث صحيح، وَقَدْ سبق تمام البحث فيه فِي الْحَدِيث السابق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٣٧ - (بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنَ التَّمْرِ، لَا يُعْلَمُ مَكِيلُهَا بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّى مِنَ التَّمْرِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الصبرة" -بضم الصاد المهملة، وسكون الموحّدة-: جمعها صُبَرٌ، -بضم، ففتح- كغُرْفة وغُرَف، يقال: اشتريتُ الشيء صُبْرةً: أي بلا

стр. 16746

كيل، ولا وزن. أفاده الفيّوميّ. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٥٤٩ - (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنَ التَّمْرِ، لَا يُعْلَمُ مَكِيلُهَا، بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّى مِنَ التَّمْرِ"). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (إبراهيم بن الحسن) بن الهيثم الخَثْعَمِيُّ، أبو إسحاق المصّيصيّ، ثقة [١١] ٥١/ ٦٤. ٢ - (حجاج) بن محمّد الأعور المصيصي، ثقة ثبت، اختلط فِي الآخر [٩] ٢٨/ ٣٢. ٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلس [٦] ٢٨/ ٣٢. ٤ - (أبو الزبير) محمّد بن مسلم بن تدرُس المكيّ، صدوق، يدلس [٤] ٣١/ ٣٥. ٥ - (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَمِيّ رضي الله تعالى عنهما ٣١/ ٣١. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو وأبو داود، وابن ماجه فِي "التفسير". (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، وحجاج، فمصّيصيّان. (ومنها): أن فيه جابرًا ﵁ منْ المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث عن ابن جريج، أنه قَالَ (أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ) محمّد بن مسلم (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) رضي الله تعالى عنهما (يَقُولُ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ) بضم، فسكون: هي الطعام المجتمع، كالكُومة، جمعها صُبَر، كغُرَف (مِنَ التَّمْرِ، لَا يُعْلَمُ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله (مَكِيلُهَا) بفتح الميم مصدر قَالَ، يقال: قَالَ الطعام يكيله كيلًا، ومَيِكلًا ومَكَالًا، واكتاله بمعنى، والاسم الكِيلة بالكسر. قاله فِي "القاموس"، والمراد هنا أنه لا يُعلم مقدار قيل تلك الصُّبْرة. قَالَ الشوكانيّ رحمه الله تعالى: قوله: "لا يُعلم مكيلها" صفة كاشفة للصبرة؛ لأنه لا يقال لها: صُبرة، إلا إذا كانت مجهولة الكيل. انتهى "نيل الأوطار" ٥/ ٢٠٨ (بِالْكَيْلِ) متعلّقٌ بـ"بيع"، والباء للمقابلة (الْمُسَمَّى مِنَ التَّمْرِ) قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: هَذَا

стр. 16747

تصريحٌ بتحريم بيع التمر بالتمر حَتَّى يُعلم المماثلة، قَالَ العلماء: لأنّ الجهل بالمماثلة فِي هَذَا الباب كحقيقة المفاضلة؛ لقوله ﷺ : "إلا سواءً بسواءٍ"، ولم يحصُل تحقّق المساواة مع الجهل، وحكم الحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، وسائر الرّبويّات إذا بيع بعضها ببعض حكم التمر بالتمر. انتهى. "شرح مسلم" ١٠/ ٤١٣. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه؛ هَذَا الذي قاله النوويّ منْ الحنطة، والشعير، وسائر الربويات، قياسًا عَلَى التمر قد جاء منصوصًا عليه فِي حديث الباب التالي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث جابر ﵁ هَذَا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٣٧/ ٤٥٤٩ و٣٨/ ٤٥٥٠ - وفي "الكبرى" ٣٧/ ٦١٣٨ و٣٨/ ٦١٣٩. وأخرجه (م) فِي "البيوع" ١٥٣١. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم بيع الصبرة المجهولة المقدار بالمعلوم المقدار، وهو التحريم. (ومنها): أنه يدلّ عَلَى أنه لا يجوز أن يباع جنس بجنسه، وأحدهما مجهول المقدار؛ لأن العلم بالتساوي مع اتفاق الجنس شرط، لا يجوز البيع بدونه، ولا شكّ أن الجهل بكلا البدلين، أو بأحدهما فقط، مظِنّة للزيادة والنقصان، وما كَانَ مظنّةً للحرام وجب تجنّبه، وتجنّب هذه المظنّة إنما يكون بكيل المكيل، ووزن الموزون منْ كلّ منْ البدلين. قاله فِي "النيل" ٥/ ٢٠٨. (ومنها): أنه يدل بمفهومه عَلَى أنه لو باع الصبرة بغير جنسها لجاز. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". ***

стр. 16748

٣٨ - (بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنَ الطَّعَامِ بِالصُّبْرَةِ مِنَ الطَّعَامِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدّم معنى الصبرة فِي الباب الماضي، وأما الطعام -فهو كما قَالَ الأزهريّ- أن أهل الحجاز إذا أطلقوه عَنَوا به البُرّ خاصّة، وفي العرف: اسم لما يُؤكل، مثل الشراب: اسم لما يُشرب. انتهى "المصباح". وَقَالَ ابن منظور: الطعام: اسم جامعٌ لكلّ ما يؤكل. وَقَالَ ابن الأثير: الطعام عامّ فِي كلّ ما يُقتات، منْ الحنطة، والشعير، والتمر، وغير ذلك. انتهى. وهذا الإطلاق هو المراد فِي هَذَا الباب. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٥٥٠ - (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، "لَا تُبَاعُ الصُّبْرَةُ مِنَ الطَّعَامِ، بِالصُّبْرَةِ مِنَ الطَّعَامِ، وَلَا الصُّبْرَةُ مِنَ الطَّعَامِ، بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّى مِنَ الطَّعَامِ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الإسناد هو الإسناد المذكور فِي الباب الماضي. والحديث صحيح، وَقَدْ تقدّم شرحه، وتخريجه فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٣٩ - (بَيْعِ الزَّرْعِ بِالطَّعَامِ) ٤٥٥١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنِ الْمُزَابَنَةِ، أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ، وَإِنْ كَانَ نَخْلاً بِتَمْرٍ كَيْلاً، وَإِنْ كَانَ كَرْمًا أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلاً، وَإِنْ كَانَ زَرْعًا أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ، نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. والسند منْ رباعيات المصنّف، وهو (٢٢١) منْ رباعيات الكتاب. وقوله: "وإن كَانَ زرعا، أن يبيعه بكيل طعام": المراد إذا كَانَ منْ جنسه، وإلا فلا نهي.

стр. 16749

قَالَ ابن بطال رحمه الله تعالى: أجمع العلماء عَلَى أنه لا يجوز بيع الزرع، قبل أن يُقَطع بالطعام؛ لأنه بيع مجهول بمعلوم، وأما بيع رَطْبِ ذلك بيابسه، بعد القطع، وإمكان المماثلة، فالجمهور لا يجيزون بيع شيء منْ ذلك بجنسه، لا متفاضلا، ولا متماثلا. انتهى. وَقَدْ تقدم البحث فِي ذلك مستوفًى قبل بابين. وَقَالَ فِي "الفتح" ٥/ ١٥١: واحتج الطحاوي لأبي حنيفة، فِي جواز بيع الزرع الرَّطْبِ بالحب اليابس، بأنهم أجمعوا عَلَى جواز بيع الرطب بالرطب، مِثْلا بمثل، مع أن رطوبة أحدهما ليست كرطوبة الآخر، بل تختلف اختلافا متباينا. وتعقب بأنه قياس فِي مقابلة النص، فهو فاسد، وبأن الرطب بالرطب، وإن تفاوت، لكنه نقصان يسير، فعُفِي عنه؛ لقلته، بخلاف الرطب بالتمر، فإن تفاوته تفاوت كثير. انتهى، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم فِي ٣٢/ ٤٣٣ والباب الذي بعده، وسبق تمام البحث فيه، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٥٢ - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَهَى عَنِ الْمُخَابَرَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ، وَالْمُحَاقَلَةِ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ قَبْلَ أَنْ يُطْعَمَ، وَعَنْ بَيْعِ ذَلِكَ، إِلاَّ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده، وهو حرّانيّ ثقة [١١] ٢٢/ ٩٣٢. و"مخلد بن يزيد": هو القرشيّ الحرّانيّ، صدوقٌ له أوهام، منْ كبار [٩] ١٤١/ ٢٢٢. و"عطاء": هو ابن أبي رباح. وقوله: "المخابرة": هي كراء الأرض ببعض ما يخرج، وقيل: غير ذلك. و"المزابنة": هي بيع الرطب عَلَى رؤوس النخل بالتمر. و"المحاقلة": هي بيع الحنطة فِي سنبلها بحنطة صافيه. وقوله: "قبل أن يُطعِم" بالبناء للفاعل: أي يَصلُحَ للأكل، يقال: أَطعمتِ الشجرةُ بالألف: إذا أدرك ثمرها. قاله الفيّوميّ. وَقَدْ تقدّم البحث عن هذه الأشياء كلّها مستوفًى. والحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم فِي ٢٨/ ٤٥٢٥ و٤٥٢٦ - ومحلّ الشاهد للترجمة قوله: "وعن بيع ذلك إلا بالدنانير والدراهم"، فإنه يدلّ عَلَى أنه لا يجوز بيعها بطعام منْ جنسها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 16750

"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٤٠ - (بَيْعِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: سُنْبُلُ الزرع: فُنْعُلٌ -بضم الفاء والعين، الواحدة سُنْبُلة، والسَّبَلُ مثله، الواحدة سَبَلة، مثلُ قصب وقصَبَة، وسَنْبَل الزرعُ: أخرج سُنبُله، وأسبل بالألف: أخرج سَبَلَه. قاله فِي "المصباح". والسنبلة: -عَلَى ما تفيده عبارة البيضاويّ فِي "تفسيره" عند قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١]-هي الشعبة التي تتفرّع عن ساق الزرع. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٥٥٣ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلَةِ، حَتَّى تَزْهُوَ، وَعَنِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ، وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِىَ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"إسماعيل": هو ابن عليّة. و"أيوب": هو السختيانيّ. وقوله: "عن بيع النخلة": أي ثمارها التي عليها، منفردة عنها. وقوله: "حتّى تزهو" بفتح المثنّاة الفوقيّة، منْ زها النخل يزهو: إذا ظهرت ثمرته، ويقال: أيضًا أزهى بالألف، قَالَ ابن الأعرابيّ: يقال: زها النخل يزهو: إذا ظهرت ثمرته، وأزهى يُزهِي: إذا احمر، أو اصفر. وَقَالَ الأصمعي: لا يقال فِي النخل: أزهى، إنما يقال: زها، وحكاهما أبو زيد لغتين. وَقَالَ الخليل: أزهى النخل بدا صلاحه. وَقَالَ الخطّابيّ: هكذا يُروَى "حَتَّى يزهو"، قَالَ: والصواب فِي العربية: حَتَّى يُزهِي، والإزهاء فِي الثمر: أن يحمرّ، أو يصفرّ، وذلك علامة الصلاح فيها، ودليل خلاصها منْ الآفة. وَقَالَ ابن الأثير: منهم منْ أنكر يُزهِي، كما أن منهم منْ أنكر يَزهُو. وَقَالَ الجوهرى: الزَّهْو -بفتح الزاى- وأهل الحجاز يقولون بضمها: وهو البسر الْمُلَوَّن، يقال: إذا ظهرت الحمرة، أو الصفرة فِي النخل، فقد ظهر فيه الزهو، وَقَدْ زها النخل زهوا، وأزهى لغة.

стр. 16751

قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: فهذه أقوال أهل العلم فيه، ويحصل منْ مجموعها جواز ذلك كله، فالزيادة منْ الثقة مقبولة، ومن نقل شيئا لم يعرفه غيره، قبلناه إذا كَانَ ثقة. انتهى. "شرح مسلم" ١٠/ ٤١٩ - ٤٢٠. وقوله: حَتَّى يبيضّ" -بتشديد الضاد المعجمة-: معناه: حَتَّى يشتدّ حبّه، وهو بُدُوّ صلاحه. وقوله: "ويأمن العاهة": هي الآفة، تُصيب الزرع، أو الثمر، ونحوه، فتُفسده. والحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ مضى تمام شرحه، وبيان مسائله فِي ٢٨/ ٤٥٢١ - فراجعه تستفد. ودلالته لما ترجم له المصنّف واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٥٤ - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَهُ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَا نَجِدُ الصَّيْحَانِيَّ، وَلَا الْعِذْقَ بِجَمْعِ التَّمْرِ، حَتَّى نَزِيدَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بِعْهُ بِالْوَرِقِ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حقّ هَذَا الْحَدِيث أن يذكر فِي الباب التالي، وهذا الصنيع، مما يتكرر للمصنّف رحمه الله تعالى، فقد تقدّم فِي غير موضع أنه قدّم بعض الأحاديث التي لا تطابق الترجمة بل إنما تطابق الترجمة التالية، فيوردها آخر الباب الأول، ولعله كالتنبيه عَلَى المناسبة بين البابين، والله تعالى أعلم. رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة بن سعيد) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (أبو الأحوص) سلّام بن سليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة متقن [٧] ٧٩/ ٩٦. ٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران الكاهليّ مولاهم، أبو محمّد الكوفيّ، ثقة ثبت فاضل ورع، لكنه يدلس [٥] ١٧/ ١٨. ٤ - (حبيب بن أبي ثابت) قيس، ويقال. هند بن دينار الأسديّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة فقيه جليل، لكنه كثير الإرسال والتدليس [٣] ١٢١/ ١٧٠. ٥ - (أبو صالح) ذكوان السمان الزيات المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ٣٦/ ٤٠. ٦ - (رجل منْ أصحاب النبيّ ﷺ ) لم يُسمّ، ولكن جهالة الصحابيّ لا تضرّ؛ لأنهم كلهم عدول. والله تعالى أعلم.

стр. 16752

لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وأبي صالح، فمدنيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: حبيب عن أبي صالح، وهو منْ رواية الأقران. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ أَبِى صَالِحٍ) ذكوان السمّان، الزيّات (أَنَّ رَجُلاً) لم أر منْ سماه (مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَهُ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَا نَجِدُ) وفي نسخة: "إني لا أجد" (الصَّيْحَانِيَّ) -بفتح الصاد المهملة، وسكون المثنّاة التحتانيّة-: نوعٌ منْ التمر، قَالَ الفيّوميّ: الصَّيْحانيّ: تمر معروفٌ بالمدينة، ويقال: كَانَ كَبْشٌ اسمه صَيْحَان، شُدّ بنخلة، فنُسبت إليه، وقيل: صَيْحانيّة. قاله ابن فارس، والأزهريّ. وَقَالَ المجد فِي "القاموس": والصَّيْحانيّ: منْ تمر المدينة، نُسب إلى صَيْحَان، لكبش كَانَ يُربط إليها، أو اسم الكبش الصَّيَّاح، وهو منْ تغيير النسب، كصَنْعَانيّ. انتهى. وَقَالَ فِي "اللسان": الصّيْحانيّ: ضرب منْ تمر المدينة، قَالَ الأزهريّ: الصيحانيّ: ضرب منْ التمر أسود صُلْبُ الْمَمْضَغَة، وسُمّي صحانيّا؛ لأن صَيْحان اسم كبش، كَانَ يُربط إلى نخلة بالمدينة، فأثمرت تمرًا، فنُسب إلى صيحان. انتهى. (وَلَا الْعِذْقَ) قَالَ الفيّوميّ: العِذق -بكسر، فسكون-: الْكِبَاسة، وهو جامع الشماريخ، والجمع أَعْذاقٌ، مثلُ حِمْل وأحمال، والْعَذْق -بفتح، فسكون-، مثال فلس: النخلة نفسها، ويُطلق العَذْقُ عَلَى أنواع منْ التمر، ومنه عَذْق ابن الْحُبَيق، وعَذْق ابن طاب، وعَذق ابن زيد. قاله أبو حاتم. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أنَّ الْعَذْقَ هنا بفتح فسكون، وأنه أراد به نوعًا خاصًّا منْ التمر، كما فِي الصَّيْحَانيّ. والله تعالى أعلم. (بِجَمْعِ التَّمْرِ) أي بتمر مختلط منْ أنواع متفرّقة، وليس موغوبًا فيه، ولا يكون غالبًا إلا رديئًا. وَقَالَ الفيّوميّ: الجمع: الدّقَلُ؛ لأنه يُجمع، ويُخلط، ثم غلب عَلَى التمر الرديء، وأُطلق عَلَى كل لون منْ النخل، لا يُعرف اسمه. انتهى. (حَتَّى نَزِيدَهُمْ) أي ندفع لأصحاب الصيحانيّ، والعذق أكثر مما نأخذ منهم (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بِعْهُ) أي الجمع (بِالْوَرِقِ) بفتح، فكسر، أو بفتح، فسكون: الفضّة، قَالَ الفيّوميّ: الورق بكسر الراء، والإسكان للتخفيف: النُّقْرة المضروبة، ومنهم منْ يقول: النقرة مضروبة كانت، أو غير مضروبة، قَالَ الفاربيّ: الورق: المال، منْ

стр. 16753

الدراهم، ويُجمع عَلَى أوراق، والرِّقَة، مثلُ عِدَة: الروق. انتهى. و"النقرة": القطعة المذابة منْ الفضّة (ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ) أي اشتر بذلك الورق ما تشاء منْ أنواع التمر الجيّد. ومعنى الْحَدِيث: أن أهل التمر الجيّد لا يُعطون منْ الجيّد فِي مقابلة الرديء بقدره، ولا يرضون به، فكيف نفعل إذا بعنا الجيّد، هل نزيد لهم منْ الرديء، فبيّن له النبيّ ﷺ أن منْ أراد تحصيل الجيّد، ينبغي له أن يبيع الرديء بالدنانير، والدراهم، ثم يشتري به الجيّد. قَالَ السنديّ: وليس فيه أنه يبيع الرديء منْ صاحب الجيّد، لكن بإطلاقه يشمل ما إذا باع منه، فكأنه لهذا استدلّ به بعضهم عَلَى جواز حيلة الربا، لكن ردّه غير واحد. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٤٠/ ٤٥٥٤ - وفي "الكبرى" ٤٠/ ٦١٤٤. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده الأعمش، وحبيب بن أبي ثابت، وهما معروفان بالتدليس، وَقَدْ عنعناه؟. [قلت]: إنما يصح بحديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ الآتي فِي الباب التالي، فإنه يشهد له، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٤١ - (بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ مُتَفَاضِلاً) ٤٥٥٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، اسْتَعْمَلَ رَجُلاً، عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ "، قَالَ: لَا، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِصَاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَفْعَلْ، بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا"). رجال هَذَا الإسناد: ثمانية: ١ - (محمّد بن سلمة) المراديّ الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠.

стр. 16754

٢ - (الحارث بن مسكين) بن محمّد الأمويّ مولاهم، أبو عمرو المصريّ القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩. ٣ - (ابن القاسم) عبد الرحمن العُتَقيّ، أبو عبد الله المصريّ، ثقة فقيه، منْ كبار [١٠] ١٩/ ٢٠. ٤ - (مالك) بن أنس الإِمام المدنيّ، ثقة ثبت حجة [٧] ٧/ ٧. ٥ - (عبد المجيد بن سُهيل) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبي وهب، أو أبي محمّد، ثقة [٦]. قَالَ إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وكذا قَالَ النسائيّ. وَقَالَ أبو حاتم: صالح الْحَدِيث. وذكره ابن حِبّان فِي "الثقات". وَقَالَ ابن الْبَرْقيّ: ثقة. وَقَالَ الحاكم: شيخ منْ ثقات المدنيين، عزيز الْحَدِيث. روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وابن ماجه، وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط. ٦ - (سعيد بن المسيّب) المخزوميّ المدنيّ، ثقه ثبت فقيه، منْ كبار [٣] ٩/ ٩. ٧ - (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن الصحابيّ، رضي الله تعالى عنهما ٦٧/ ١٣١٥. ٨ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين منْ مالك، ومن قبله مصريون. (ومنها): أن فيه سعيد بن المسيّب منْ الفقهاء السبعة. (ومنها): أن صحابييه كانا منْ المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ) بميم مفتوحة، بعدها جيم، ومن قاله بالمهملة، ثم الميم، فقد صحف. قاله فِي "الفتح" (ابْنِ سُهَيْلٍ) زاد فِي رواية للبخاريّ: "ابن عوف" (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) وفي رواية للبخاري، منْ طريق سليمان بن بلال، عن عبد المجيد: أنه سمع سعيد بن المسيب (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنهما. وفي رواية سليمان المذكورة: أن أبا سعيد، وأبا هريرة حدثاه. قَالَ ابن عبد البرّ: ذكر أبي هريرة ﵁ لا يوجد فِي هَذَا الْحَدِيث، إلا لعبد المجيد، وَقَدْ رواه قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد وحده، وكذلك رواه جماعة، منْ أصحاب أبي سعيد عنه.

стр. 16755

قَالَ الجامع: رواية قتادة هي التي تأتي للنسائي بعد هَذَا، منْ طريق سعيد بن أبي عروبة، عنه، ولكن سياقها مغاير لسياق قصة عبد المجيد. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، اسْتَعْمَلَ رَجُلاً عَلَى خَيْبَرَ) فِي رواية سليمان المذكورة: "بعث أخا بني عدي منْ الأنصار، إلى خيبر، فأمَّرَه عليها"، وأخرجه أبو عوانة، والدارقطني، منْ طريق الدراوردي، عن عبد المجيد، فسماه سَوَاد بن غَزِيّة -وهو بفتح السين المهملة، وتخفيف الواو، وفي آخره دال مهملة- وغزية -بغين معجمة، وزاي، وتحتانية ثقيلة، بوزن عطية- (فَجَاءَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ) بجيم، ونون، وتحتانية، وموحدة، وِزان عظيم، قَالَ مالك: هو الكبيس، وَقَالَ الطحاوي: هو الطيب، وقيل: الصلب، وقيل: الذي أُخرج منه حَشَفُه، ورديئه، وَقَالَ غيرهم: هو الذي لا يُخلط بغيره، بخلاف الجمع. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ ") الهمزة للاستفهام (قَالَ) ذلك الرجل (لَا، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِصَاعَيْنِ) ولفظ "الكبرى" "بالصاعين" بالتعريف، وهو الذي فِي "الصحيح"، وزاد فِي رواية سليمان المذكورة عند البخاريّ: "منْ الجمع"، وهو -بفتح الجيم، وسكون الميم-: التمر المختلط، كما سبق (وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلاثِ) هكذا نسخ "المجتبى"، ولفظ "الكبرى": "بالثلاثة"، قَالَ فِي "الفتح": قوله: "بالثلاث": كذا للأكثر، وللقابسي: "بالثلاثة"، وكلاهما جائز؛ لأن الصاع يُذكَّر، ويؤنث. انتهى. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَفْعَلْ) أي لا تأخذ الجنيب بدفع الزيادة؛ لأنه ربا، فإن احتجت إلى الأخذ (بعِ الْجَمْعَ) أي التمر الرديء (بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا) وفي رواية سليمان المذكورة: "ولكن مثلا بمثل": أي بيع المثل بالمثل، وزاد فِي آخره: "وكذلك الميزان": أي فِي بيع ما يوزن منْ المقتات بمثله. قَالَ ابن عبد البرّ: كل منْ روى عن عبد المجيد هَذَا الْحَدِيث، ذكر فيه الميزان، سوى مالك. وتعقبه الحافظ، ولم يتبيّن لي سبب اعتراضه. والله تعالى أعلم. قَالَ: وهو أمر مجمع عليه، لا خلاف بين أهل العلم فيه، كلٌّ يقول عَلَى أصله: إن كل ما دخله الربا، منْ جهة التفاضل، فالكيل والوزن فيه واحد، ولكن ما كَانَ أصله الكيل، لا يباع إلا كيلا، وكذا الوزن، ثم ما كَانَ أصله الوزن، لا يصح أن يباع بالكيل، بخلاف ما كَانَ أصله الكيل، فإن بعضهم يُجيز فيه الوزن، ولقول: إن المماثلة تُدرك بالوزن فِي كل شيء. قَالَ: وأجمعوا عَلَى أن التمر بالتمر، لا يجوز بيع بعضه ببعض، إلا مثلًا بمثل، وسواء فيه الطَّيِّب والدُّون، وأنه كله عَلَى اختلاف أنواعه جنس واحد. قَالَ:

стр. 16756

وأما سكوت منْ سكت منْ الرواة، عن فسخ البيع المذكور، فلا يدل عَلَى عدم الوقوع، إما ذُهولا، وإما اكتفاء، بأن ذلك معلوم. وَقَدْ ورد الفسخ منْ طريق أخرى، كأنه يشير إلى ما أخرجه مسلم، منْ طريق أبي نضرة، عن أبي سعيد، نحو هذه القصّة، وفيه: فَقَالَ: "هَذَا الربا، فردّوه"، قَالَ: ويحتمل تعدد القصة، وأن القصة التي لم يقع فيها الرد، كانت قبل تحريم ربا الفضل. والله أعلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أبي سعيد الخدريّ، وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما هَذَا متَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤١/ ٤٥٥٥ و٤٥٥٦ و٤٥٥٧ و٤٥٥٨ و٤٥٥٩ - وفي "الكبرى" ٤١/ ٦١٤٥ و٦١٤٦ و٦١٤٧ و٦١٤٨ و٦١٤٩. وأخرجه (خ) فِي "البيوع" ٢٠٨٠ و ٢٢٠٢ و"الوكالة" ٢٣١٢ (م) فِي "المساقاة" ١٥٩٣ و١٥٩٤ و١٥٩٥ (أحمد) فِي "مسند المكثرين" ١٠٦٠٩ و١٠٦٩١ و١١٠٢٠ و١١٠٦٥ و١١٠٨٣ و١١١٦١ و١١١٨٨ (الدارمي) فِي "البيوع" ٢٤٦٤. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم بيع التمر بالتمر، مفاضلًا، وهو التحريم. (ومنها): قيام عذر منْ لا يعلم التحريم، حَتَّى يعلمه. (ومنها): أن فيه جوازَ الرفق بالنفس، وترك الحمل عَلَى النفس؛ لاختيار أكل الطيب عَلَى الرديء، خلافا لمن منع ذلك، منْ المتزهدين. (ومنها): البحث عما يستريب به الشخص، حَتَّى ينكشف حاله. (ومنها): النصّ عَلَى تحريم ربا الفضل. (ومنها): اهتمام الإِمام بأمر الدين، وتعليمه لمن لا يعلمه، وإرشاده إلى التوصّل إلى المباحات، وغيرها. (ومنها): أن فيه أن صفقة الربا لا تصحّ. (ومنها): أن بعضهم استدل به عَلَى جواز بيع العِينة، وهو: أن يبيع السلعة منْ رجل بنقد، ثم يشتريها منه بأقل منْ الثمن؛ لأنه لم يَخُصّ بقوله: "ثم اشتر بالدراهم جنيبا" غير الذي باع له الجمع. وتعقب بأنه مطلق، والمطلق لا يشمل، ولكن يَشِيع، فإذا عُمل به فِي صورة، سقط الاحتجاج به فيما عداها، ولا يصح الاستدلال به عَلَى جواز الشراء، ممن باعه تلك السلعة بعينها. وقيل: إن وجه الاستدلال به لذلك، منْ جهة ترك الاستفصال، ولا

стр. 16757

يخفى ما فيه. (ومنها): ما قَالَ القرطبيّ: استدل بهذا الْحَدِيث، منْ لم يقل بسد الذرائع؛ لأن بعض صور هَذَا البيع، يؤدي إلى بيع التمر بالتمر متفاضلا، ويكون الثمن لغوا، قَالَ: ولا حجة فِي هَذَا الْحَدِيث؛ لأنه لم ينص عَلَى جواز شراء التمر الثاني، ممن باعه التمر الأول، ولا يتناوله ظاهر السياق بعمومه، بل بإطلاقه، والمطلق يحتمل التقييد إجمالا، فوجب الاستفسار، وإذا كَانَ كذلك، فتقييده بأدنى دليل كاف، وَقَدْ دل الدليل عَلَى سد الذرائع، فلتكن هذه الصورة ممنوعة. واستدل بعضهم عَلَى الجواز، بما أخرجه سعيد بن منصور، منْ طريق ابن سيرين، أن عمر خطب، فَقَالَ: إن الدرهم بالدرهم، سواء بسواء، يدا بيد، فَقَالَ له ابن عوف: فنعطي الجنيب، ونأخذ غيره؟ قَالَ: لا، ولكن ابتع بهذا عَرْضًا، فإذا قبضته، وكان له فيه نية، فاهضم ما شئت، وخذ أيّ نقد شئت. واستدل أيضًا بالاتفاق، عَلَى أن منْ باع السلعة التي اشتراها، ممن اشراها منه بعد مدة، فالبيع صحيح، فلا فرق بين التعجيل فِي ذلك، والتأجيل، فدل عَلَى أن المعتبر فِي ذلك وجود الشرط، فِي أصل العقد وعدمه، فإن تشارطا عَلَى ذلك فِي نفس العقد، فهو باطل، أو قبله، ثم وقع العقد بغير شرط، فهو صحيح، ولا يخفى الورع. وَقَالَ بعضهم: ولا يضر إرادة الشراء، إذا كَانَ بغير شرط، وهو كمن أراد أن يزني بامرأة، ثم عدل عن ذلك، فخطبها، وتزوجها، فإنه عدل عن الحرام إلى الحلال، بكلمة الله التي أباحها، وكذلك البيع، والله أعلم. (ومنها): جواز اختيار طيب الطعام، وجواز الوكالة فِي البيع وغيره. (ومنها): أن البيوع الفاسدة كلّها تُفسخ، وتردّ، إذا لم تفت. (ومنها): ما قاله القرطبيّ أيضًا: إنه يدلّ عَلَى وجوب فسخ صفقة الربا، وأنها لا تصحّ بوجه، وهو حجةٌ للجمهور عَلَى أبي حنيفة حيث يقول: إن بيع الربا جائز بأصله، منْ حيث إنه بيع، ممنوع بوصفه، منْ حيث إنه ربا، فيُسقَطُ الربا، ويصح البيع. ولو كَانَ عَلَى ما ذكر لما فسخ النبيّ ﷺ هذه الصفقة، ولأمره برد الزيادة عَلَى الصاع، ولصحّح الصفقة فِي مقابلة الصاع انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): مما يتعلّق بهذا البحث الكلام عَلَى بيع العِينة: صورة بيع العينة -كما قَالَ ابن الأثير رحمه الله تعالى فِي "النهاية" ٣/ ٣٣٤ - : أن يبيع منْ رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمّى، ثم يشتريها منه بأقلّ منْ الثمن الذي باعها، فإن اشترى بحضرة طالب العِينة سلعة منْ آخر بثمن معلوم، وقبضها، ثم باعها منْ طالب العينة بثمن أكثر مما اشتراها إلى أجل مسمّى، ثم باعها المشتري منْ البائع

стр. 16758

الأول بالنقد بأقلّ منْ الثمن، فهذه أيضًا عِينة، وهي أهون منْ الأولى، وسُمّيت عِينة لحصول النقد لصاحب العينة؛ لأن العين هو المال الحاضر منْ النقد، والمشتري إنما يشتريها ليبيعها بعين حاضرة، تَصِلُ إليه معجّلةً. انتهى. وَقَالَ ابن قُدامة رحمه الله تعالى فِي "المغني": منْ باع سلعة بثمن مؤجل، ثم اشتراها بأقل منه نقدًا، لم يجز فِي قول أكثر أهل العلم، رُوي ذلك عن ابن عباس، وعائشة، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، والنخعي، وبه قَالَ أبو الزناد، وربيعة، وعبد العزيز بن أبي سلمة، والثوري، والأوزاعي، ومالك، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وأجازه الشافعيّ؛ لأنه ثمن يجوز بيعها به، منْ غير بائعها، كما لو باعها بمثل ثمنها. ولنا ما روى غندر، عن شعبة، عن أبي إسحاق السبيعي، عن امرأته العالية بنت أيفع ابن شُرَحبيل، أنها قالت: دخلت أنا وأم ولد زيد بن أرقم، وامرأته عَلَى عائشة ﵂، فقالت أم ولد زيد بن أرقم: إني بعت غلاما منْ زيد بن أرقم، بثمانمائة درهم إلى العطاء، ثم اشتريته منه بستمائة درهم، فقالت لها: بئسما شريت، وبئسما اشتريت، أبلغي زيد بن أرقم، أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ ، إلا أن يتوب، رواه الإِمام أحمد، وسعيد بن منصور، والظاهر أنها لا تقول مثل هَذَا التغليظ، وتُقْدِم عليه، إلا بتوقيف، سمعته منْ رسول الله ﷺ ، فجرى مجرى روايتها ذلك عنه؛ ولأن ذلك ذريعة إلى الربا، فإنه يُدخِل السلعة ليستبيح بيع ألف بخمسمائة، إلى أجل معلوم. وكذلك روي عن ابن عباس فِي مثل هذه المسألة، أنه قَالَ: أرى مائة بخمسين، بينهما حريرة -يعني خرقة حرير، جعلاها فِي بيعهما، والذرائع معتبرة؛ لما قدمناه، فأما بيعها بمثل الثمن، أو أكثر فيجوز؛ لأنه لا يكون ذريعة، وهذا إذا كانت السلعة لم تنقص عن حالة البيع، فإن نقصت، مثل أن هُزِلَ العبد، أو نَسِي صناعة، أو تخرق الثوب، أو بَلِي جاز له شراؤها بما شاء؛ لأن نقص الثمن لنقص المبيع، لا للتوسل إلى الربا. وإن نقص سعرها، أو زاد لذلك، أو لمعنى حدث فيها، لم يجز بيعها بأقل منْ ثمنها، كما لو كانت بحالها، نص أحمد عَلَى هَذَا كله. قَالَ: وإن اشتراها بعَرْض، أو كَانَ بيعها الأول بعرض، فاشتراها بنقد جاز، وبه قَالَ أبو حنيفة، ولا نعلم فيه خلافا؛ لأن التحريم إنما كَانَ لشبهة الربا، ولا ربا بين الأثمان والعروض، فأما إن باعها بنقد، ثم اشتراها بنقد آخر، مثل أن يبيعها بمائتي درهم، ثم اشتراها بعشرة دنانير، فَقَالَ أصحابنا -الحنبلية-: يجوز؛ لأنهما جنسان، لا يحرم التفاضل بينهما، فجاز كما لو اشتراها بعرض، أو بمثل الثمن. وَقَالَ أبو حنيفة: لا

стр. 16759

يجوز؛ استحسانا؛ لأنهما كالشيء الواحد فِي معنى الثمنية، ولأن ذلك يُتَّخَذُ وسيلةً إلى الربا، فأشبه ما لو باعها بجنس الثمن الأول، وهذا أصح، إن شاء الله تعالى. قَالَ: وهذه المسألة تسمى مسألة العينة، قَالَ الشاعر [منْ الطويل]: أنَدَّانُ أَمْ نعْتَانُ أَمْ يَنْبَرِي لَنَا … فَتًى مِثْلُ نَصْلِ الْسَّيْفِ مِيزَتْ مَضَارِبُهْ فقوله: "نَعْتَان": أي نشتري عِينة مثل ما وصفنا، وَقَدْ روى أبو داود بإسناده، عن ابن عمر: قَالَ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا تبايعتم بالعِينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سَلَّطَ اللهُ عليكم ذُلًّا لا ينزعه حَتَّى ترجعوا إلى دينكم"، وهذا وعيد يدل عَلَى التحريم. وَقَدْ رُوي عن أحمد، أنه قَالَ: العينة أن يكون عند الرجل المتاع، فلا يبيعه إلا بنسيئة، فإن باعه بنقد، ونسيئة فلا بأس، وَقَالَ: أكره للرجل أن لا يكون له تجارة، غير العينة، لا يبيع بنقد، وَقَالَ ابن عقيل: إنما كره النسيئة لمضارعتها الربا، فإن الغالب أن البائع بنسيئة، يقصد الزيادة بالأجل. ويجوز أن تكون العِينة اسما لهذه المسألة، وللبيع بنسيئة جميعًا، لكن البيع بنسيئة، ليس بمحرم اتفاقا، ولا يكره، إلا أن لا يكون له تجارة غيره. انتهى "المغني" ٦/ ٢٦٠ - ٢٦٢. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي تحريم بيع العِينة؛ لحديث أبي داود المذكور، فإنه حديث صحيح، صححه جماعة منْ المحققين، بمجموع طرقه انظر ما كتبه الشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى فِي "السلسلة الصحيحة" ١/ ١٥ - ١٧ رقم ١١ - وفيه الوعيد الشديد لمن يتعاطى هَذَا الأمر، ولا يكون الوعيد إلا عَلَى شيء محرّم شرعًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة)؛ إن باع سلعة بنقد، ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة، فَقَالَ أحمد فِي رواية حرب: لا يجوز ذلك، إلا أن يغير السلعة؛ لأن ذلك يتخذه وسيلة إلى الربا، فأشبه مسألة العينة، فإن اشتراها بنقد آخر، أو بسلعة أخرى، أو بأقل منْ ثمنها نسيئة جاز؛ لما ذكرناه فِي مسألة العينة، ويحتمل أن يجوز له شراؤها بجنس الثمن بأكثر منه، إلا أن يكون ذلك عن مواطأة، أو حيلة فلا يجوز، وإن وقع ذلك اتفاقا منْ غير قصد جاز؛ لأن الأصل حل البيع، وإنما حرم فِي مسألة العينة بالأثر الوارد فيه، وليس هَذَا فِي معناه، ولأن التوسل بذلك أكثر، فلا يلتحق به ما دونه. انتهى "المغني" ٦/ ٢٦٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): منْ باع طعاما إلى أجل، فلما حل الأجل، أخذ منه بالثمن الذي فِي ذمته طعاما قبل قبضه لم يجز، رُوي ذلك عن ابن عمر، وسعيد بن المسيب، وطاوس، وبه قَالَ مالك، وأحمد، وإسحاق. وأجازه جابر بن زيد، وسعيد بن جبير،

стр. 16760

وعلي بن حسين، والشافعي، وابن المنذر، وأصحاب الرأي، قَالَ علي بن حسين: إذا لم يكن لك فِي ذلك رأي، ورُوي عن محمّد بن عبد الله بن أبي مريم، أنه قَالَ: بعت تمرا منْ التمارين، كُلَّ سبعة آصع بدرهم، ثم وجدت عند رجل منهم تمرا، يبيعه أربعة آصع بدرهم، فاشتريت منه، فسألت عكرمة عن ذلك؟، فَقَالَ: لا بأس أخذت أنقص مما بعت، ثم سألت سعيد بن المسيب عن ذلك؟ وأخبرته بقول عكرمة، فَقَالَ: كذب، قَالَ عبد الله بن عباس: ما بعت منْ شيء، مما يكال بمكيال، فلا تأخذ منه شيئًا، مما يكال بمكيال إلا ورقا أو ذهبا، فإذا أخذت ورقك، فابتع ممن شئت، منه أو منْ غيره، فرجعت، فإذا عكرمة قد طلبني، فَقَالَ: الذي قلت لك هو حلال، هو حرام، فقلت لسعيد بن المسيب: إن فضل لي عنده فضل؟ قَالَ: فأعطه أنت الكسر، وخذ منه الدرهم، ووجه ذلك أنه ذريعة إلى بيع الطعام بالطعام نسيئة، فحرم كمسألة العينة، فعلى هَذَا كل شيئين، حرم النَّساء فيهما، لا يجوز أن يأخذ أحدهما عوضا عن الآخر قبل قبض ثمنه، إذا كَانَ البيع نساء، نص أحمد عَلَى ما يدل عَلَى هَذَا، وكذلك قَالَ سعيد بن المسيب، فيما حكينا عنه. قَالَ ابن قُدامة: والذي يَقْوَى عندي جواز ذلك، إذا لم يفعله حِيلةً، ولا قصد ذلك فِي ابتداء العقد، كما قَالَ علي بن الحسين، فيما يَروي عنه عبد الله بن زيد، قَالَ: قدمت عَلَى علي بن الحسين، فقلت له: إني أَجُدَّ نخلي، وأبيع ممن حضرني التمر إلى أجل، فيقدمون بالحنطة، وَقَدْ حل ذلك الأجل، فيوقفونها بالسوق، فأبتاع منهم، وأُقاصُّهم؟ قَالَ: لا بأس بذلك، إذا لم يكن منك عَلَى رأي، وذلك لأنه اشترى الطعام بالدراهم، التي فِي الذمة بعد انبرام العقد أوّلَ لزومه فصح، كما لو كَانَ المبيع الأول حيوانا، أو ثيابا، ولما ذكرنا فِي الفصل الذي قبل هَذَا، فإنه لم يأخذ بالثمن طعاما، ولكن اشترى منْ المشتري طعاما بدراهم، وسلمها إليه، ثم أخذها منه وفاء، أو لم يسلمها إليه، لكن قاصّه بها، كما فِي حديث علي بن الحسين. انتهى "المغني" ٦/ ٢٦٣ - ٢٦٤. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي صححه ابن قُدامة منْ جواز أخذ الطعام بالثمن الذي فِي ذمّته هو الذي يظهر ليّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٥٦ - (أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنْ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أُتِيَ بِتَمْرٍ رَيَّانٍ، وَكَانَ تَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْلاً، فِيهِ يُبْسٌ، فَقَالَ: "أَنَّى لَكُمْ هَذَا؟ "،

стр. 16761

قَالُوا: ابْتَعْنَاهُ صَاعًا بِصَاعَيْنِ مِنْ تَمْرِنَا، فَقَالَ: "لَا تَفْعَلْ، فَإِنَّ هَذَا، لَا يَصِحُّ، وَلَكِنْ بِعْ تَمْرَكَ، وَاشْتَرِ مِنْ هَذَا حَاجَتَكَ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه إسماعيل فإنه منْ أفراده، وهو بصريّ ثقة. و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجيميّ. و"سعيد": هو ابن أبي عروبة. والسند مسلسل بثقات البصريين، إلى سعيد، فإنه، وأبو سعيد ﵁ مدنيّان، وفيه سعيد أحد الفقهاء السبعة، وفيه شيخه نصر أحد المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول دون واسطة، كما سبق قريبًا، وفيه أبو سعيد الخدريّ ﵁ أحد المكثرين السبعة (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أُتِيَ بِتَمْرِ رَيَّانَ) ببناء الفعل للمفعول، و"رَيّان" بفتح الراء، وتشديد التحتانيّة: هو التمر الذي سُقي نخله ماءً كثيرًا. ذكره السنديّ ٧/ ٢٧٢ (وَكَانَ تَمْرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْلاً) بفتح الموحّدة، وسكون العين المهملة: هو ما شرب منْ النخيل بعروقه منْ الأرض، منْ غير سقي سماء، ولا غيرها، قَالَ الأزهريّ: هو ما ينبت منْ النخل فِي أرض يقرب ماؤها، فرسخت عُروقها فِي الماء، واستغنت عن ماء السماء، والأنهار، وغيرها. قاله فِي "النهاية" ١/ ١٤١ (فِيهِ يُبْسٌ) بضم، فسكون: خلاف الرطوبة، قَالَ الفيّوميّ: يَبِس يَيْبَسُ، منْ باب تَعِب، وفي لغة بكسرتين: إذا جفّ بعد رُطوبة، فهو يابسٌ، وشيءٌ يَبْسٌ ساكنُ الباء: بمعنى يابسٍ أيضًا، وحطبٌ يَبْسٌ، كأنه خِلْقةٌ، ويقال: هو جمع يابس، مثلُ صاحب وصَحْب، ومكان يَبَسٌ بفتحتين: إذا كَانَ فيه ماءٌ، فذهب، وَقَالَ الأزهريّ: طريقٌ يَبَسٌ: لا نُدُوّة فيه، ولا بَلَلَ، واليُبْسُ: نقيض الرُّطوبة، واليَبِيسُ منْ النبات: ما يَبِسَ، فَعيلٌ بمعنى فاعل. وَقَالَ الفارابيّ: مكانٌ يَبَسٌ، ويَبْسٌ، وكذلك غيرُ المكان. انتهى. (فَقَالَ) ﷺ (أَنَّى لَكُمْ هَذَا؟) بفتح الهمزة، وتشديد النون، مقصورًا: منْ أدوات الاستفهام، قَالَ الفيّوميّ: هي استفهام عن الجهة: تقول: أنى يكون هَذَا: أي منْ أيّ وجه، وطريق. اهـ. والمعنى هنا: أي منْ أيِّ، جهة حصل لكم هَذَا التمر الجيّد؟ (قَالُوا: ابْتَعْنَاهُ) أي اشترنا هَذَا الرّيّان (صَاعًا بِصَاعَيْنِ) منصوب عَلَى الحال، وإن كَانَ جامدًا؛ لتأويله بالمشتقّ، أي مُسَعَرّا، كلّ صاع منه بصاعين منْ تمرنا، وإلى هَذَا أشار ابن مالك رحمه الله تعالى فِي "خلاصته"، حيث قَالَ: وَيَكْثُرُ الْجُمُودُ فِي سِعْرٍ وَفِي … مُبْدِ تَأَوُّلِ بِلَا تَكَلُّفِ

стр. 16762

كِبعْهُ مُدًّا بِكَذَا يَدًا بيَدْ … وَكرَّ زَيْدٌ أَسَدًا أَيْ كَأَسَدْ (مِنْ تَمْرِنَا) أي البعل (فَقَالَ) ﵁ (لَا تَفْعَلْ) أي لا تشتر هَذَا الشراء (فَإِنَّ هَذَا، لَا يَصِحُّ) لكونه ربا، وفي قصّة بلال ﵁ الآتية: "أوّهْ عينُ الربا، لا تَقْرَبْه" (وَلَكِنْ بعْ تَمْرَكَ) البعل (وَاشْتَرِ مِنْ هَذَا) الريّان (حَاجَتَكَ) أي ما تحتاج إليه، قليلاً كَانَ، أو كثيرًا. والحديث تقدّم تخريجه، وسائر مسائله فِي الْحَدِيث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٥٧ - (حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، قَالَ: كُنَّا نُرْزَقُ تَمْرَ الْجَمْعِ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَنَبِيعُ الصَّاعَيْنِ بِالصَّاعِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "لَا صَاعَيْ تَمْرٍ بِصَاعٍ، وَلَا صَاعَيْ حِنْطَةٍ بِصَاعٍ، وَلَا دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه كما سبق فِي الذي قبله، و"خالد": هو الْهُجيمي المذكور قبله. و"هشام": هو الدستوائيّ. والسند مسلسل بالبصريين، إلى أبي سلمة، فإنه، وأبا سعيد ﵁ مدنيّان، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو سلمة، أحد الفقهاء السبعة عَلَى بعض الأقوال. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، أنه (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدِ الْخُدْرِيُّ) ﵁ (قَالَ: كُنَّا نُرْزَقُ) بالبناء للمفعول: أي نعطى، وكان هَذَا العطاء مما كَانَ رسول الله ﷺ يَقسمه فيهم مما أفاء الله تعالى عليهم منْ خيبر. قاله فِي "الفتح" ٥/ ٣٤ (تَمْرَ الْجَمْعِ) بفتح, فسكون: هو الْخِلْط منْ التمر، وقيل: هو كلّ لون منْ النخيل، لا يُعرف اسمه، والغالب فِي مثل ذلك أن يكون رديئه أكثر منْ جيّده. قاله فِي "الفتح" ٥/ ٣٤ (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أي فِي زمنه (فَنَبِيِعُ الصَّاعَيْنِ) أي منْ الجمع (بِالصَّاعِ) أي منْ النوع الجيّد، كالْجَنِيب (فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ) ﷺ (لَا صَاعَيْ تَمْرٍ بِصَاعٍ) بنصب "صاعي"؛ لأن "لا" هي النافية للجنس، تعمل عمل "إنّ"، فتنصب اسمها إذا كَانَ مضافًا، كهذا، أو شبه مضاف، كقولك: لا طالبًا للعلم كسلان، كما قَالَ ابن مالك رحمه الله تعالى فِي "خلاصته": عَمَلَ "إِنَّ" اجْعَلْ لِـ"لَا" فِي النَّكِرَهْ … مُفْرَدَةً جَاءَتْكَ أَوْ مُكَرَّرَهْ

стр. 16763

فَانْصِبْ بِهَا مُضَافًا أوْ مُضَارِعَهْ … وَبَعْدَ ذَاكَ الْخَبَرَ اذْكُرْ رَافِعَهْ و"صاعي" أصله "صاعين"، حُذفت نونه لإضافته إلى "تمر"، كما قَالَ ابن مالك أيضًا: نُونًا تَلِي الإِعْرَابَ أَوْ تَنْوِنَا … مِمَّا تُضِيفُ احْذِفْ كَـ"طُورِ سِينَا" والمعنى: لا يحلّ لكم أن تبيعو صاعين منْ تمر بصاع منه، وإن اختلفا فِي الجودة، وَقَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: والمراد: لا يحلّ بيع صاعين منْ تمر بصاع منه، لا أنه لا يتحقّق شرعًا (١)، فيدلّ الْحَدِيث عَلَى بطلان العد فِي الربا. انتهى. وهذا منْ السنديّ إنصافٌ رحمه الله تعالى، حيث خالف فيه مذهبه القائل: إن العقد يصحّ لو أزيل الزائد، كما سبق بيانه، وهكذا ينبغي لمتأخّري أتباع المذاهب أن يكونوا عليه، منْ اتّباع الدليل إذا خالف مذهبهم، ولكن أين المخلصون؟، فإنا لله، وإن إليه راجعون، اللَّهم أرنا الحقّ حقّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، آمين، آمين، آمين. (وَلَا صَاعَيْ حِنْطَةٍ بِصَاعٍ، وَلَا دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ) أي ولا تبيعوا درهما واحدًا بدرهمين، فإنه الربا الذي توعّد الله آكله بقوله : ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ الآية، ولعنه رسول الله ﷺ ، فيما أخرجه مسلم منْ حديث جابر ﵁، قَالَ: لَعَن رسول الله ﷺ ، آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه، وَقَالَ: "هم سواء". والحديث صحيح، وَقَدْ تقدّم تخريجه، وسائر مسائله قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٥٨ - (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ يَحْيَى -وَهُوَ ابْنُ حَمْزَةَ- قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ، قَالَ: كُنَّا نَبِيعُ تَمْرَ الْجَمْعِ، صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا صَاعَيْ تَمْرٍ بِصَاعٍ، وَلَا صَاعَيْ حِنْطَةٍ بِصَاعٍ، وَلَا دِرْهَمَيْنِ بِدِرْهَمٍ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"يحيى" الثاني: هو ابن أبي كثير المذكور فِي السند الماضي. والسند مسلسلٌ بثقات الشاميين إلى الأوزاعيّ، ويحيى يماميّ، وأبو سلمة، وأبو سعيد ﵁ مدنيّان. والحديث صحيح، وَقَدْ سبق البحث عنه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٥٩ - (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ يَحْيَى -وَهُوَ ابْنُ حَمْزَةَ- قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ عَبْدِ الْغَافِرِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو

стр. 16764

سَعِيدٍ، قَالَ: أَتَى بِلَالٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ، فَقَالَ: "مَا هَذَا؟، قَالَ: اشْتَرَيْتُهُ صَاعًا بِصَاعَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوِّهْ عَيْنُ الرِّبَا، لَا تَقْرَبْهُ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الإسناد هو الإسناد الماضي، غير: ١ - (عُقبة بن عبد الغافر) الأزديّ الْعَوْذِيّ، أبو نَهّار البصريّ، ثقة [٤]، قديم الموت. وفي "تهذيب التهذيب" ٣/ ١٢٥: روى عن أبي سعيد، وعبد الله بن مغفل، وأبي أمامة، وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وعنه يحيى بن أبى كثير، وقتادة، ويحيى بن أبي إسحاق الحضرميّ، وسليمان التيمي، وابن عون، وغيرهم. قَالَ العجليّ، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وذكر ابن أبي حاتم فِي "المراسيل": أنه أرسل عن النبيّ ﷺ شيئا. قَالَ البزار: كَانَ منْ أجلة أهل البصرة. وحكى ابن سعد، عن ثابت البناني، قَالَ: ما كَانَ أحد منْ النَّاس، أحبّ إلي أن ألقى الله فِي مِسْلاخه منْ عقبة ابن عبد الغافر، فلما وقعت الفتنة أتيناه، فَقَالَ: ما أعرفكم. وَقَالَ خليفة: قُتل يوم الزاوية سنة (٨٢). وَقَالَ أحمد بن يحيى بن سعيد: قُتل فِي الجماجم سنة (٨٣). روى له البخاريّ، ومسلم، والمصنّف، وله عنده هَذَا الْحَدِيث فقط. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث عن عقبة بن عبد الغافر رحمه الله تعالى أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ) الخدريّ ﵁ (قَالَ: أَتَى) بالبناء للفاعل، والفاعل قوله (بِلَالٌ) هو ابن رَبَاح، مؤذن رسول الله ﷺ ، وهو ابن حَمَامة، وهي أمه، أبو عبد الله، مولى أبي بكر الصدّيق ﵁، منْ السابقين الأولين، شهد بدرًا، والمشاهد كلها، مات ﵁ بالشام سنة (٧) أو (٨) أو (٢٠)، وله بضع وستّون سنةً (رَسُولَ اللهِ ﷺ ) بالنصب عَلَى المفعوليّة لـ"أتى" (بتَمْرٍ بَرْنِيٍّ) بفتح الموحّدة، وسكون الراء، بعدها نون، ثم تحتانيّة مشدّدة: ضرب منْ التمر معروف، قيل له: ذلك؛ لأن كلّ تمرة تشبه البرنيّة (١)، وَقَدْ وَقَدْ وقع عند أحمد، مرفوعًا: "خير تمراتكم الْبَرْنيّ، يُذهب الداء، ولا داء فيه". قاله فِي "الفتح" (فَقَالَ) ﵁ (مَا هَذَا؟) وفي رواية البخاريّ: "منْ أين هَذَا؟ " (قَالَ) بلال ﵁ (اشْتَرَيْتُهُ صَاعًا بِصَاعَيْنِ) وفي رواية البخاريّ: "كَانَ عندي تمرٌ رديء، فبعت منه صاعين بصاع، لنُطعِم النبيّ ﷺ "، ولمسلم: "لمَطعم النبيّ ﷺ " (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوَّهْ عَيْنُ الرَّبَا) وفي رواية البخاريّ: "أَوّه، أوّه عين الربا، عين الربا" مكرّرًا. ومراده بعين الربا أن هَذَا العقد هو

стр. 16765

نفس الربا الذي حرّمه الله تعالى، لا نظيره. و"أَوّه" كلمة تقال عند التوجّع، وهي مشدّدة الواو المفتوحة، وَقَدْ تكسر، والهاء ساكنة، وربّما حذفوها، ويقال: بسكون الواو، وكسر الهاء، وحكى بعضهم مدّ الهمزة، بدل التشديد. قاله فِي "الفتح". وَقَالَ فِي "النهاية" ١/ ٨٢ - : "أَوْهِ" كلمة يقولها الرجل عند الشكاية والتوجّع، وهي ساكنة الواو، مكسورة الهاء، وربّما قلبوا الواو ألفًا، فقالوا: "آهِ" منْ كذا، وربّما شدّدوا الواو، وكسروها، وسكّنوا الهاء، فقالوا: "أَوِّهْ"، وربّما حذفوا الهاء، فقالوا: "أَو"، وبعضهم يفتح الواو مع التشديد، فيقول: "أَوَّهْ". انتهى. قَالَ ابن التين رحمه الله تعالى: إنما تأوّه ﷺ ليكون أبلغ فِي الزجر، وقاله، إمّا للتألّم منْ هَذَا الفعل، وإمّا منْ سوء الفهم. انتهى. (لَا تَقْرَبْهُ) بفتح الراء، منْ باب علم: أي إن قربه يضرّ، فضلاً عن مباشرته. وفي رواية البخاريّ: "لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري، فبع التمر ببيع آخر، ثم اشتر به"، وليس فِي رواية المصنّف، ولا عند البخاريّ أنه أمره بردّه، وَقَدْ ثبت فِي رواية مسلم، منْ طريق أبي نضرة، عن أبي سعيد ﵁ فِي هذه القصّة، فَقَالَ: "هَذَا الربا، فردّه"، وعند الطبريّ منْ طريق سعيد بن المسيّب، عن بلال ﵁، قَالَ: "كَانَ عندي تمر دون، فابتعت منه تمرَا أجود منه" الْحَدِيث، وفيه: "فَقَالَ النبيّ ﷺ : هَذَا الربا بعينه، انطلق، فرّده عَلَى صاحبه، وخذ تمرك، وبعه بحنطة، أو شعير، ثم اشتر به منْ هَذَا التمر، ثم جئني به". وَقَدْ تقدّم عن الحافظ ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى أن هذه القصّة وقعت مرّتين: مرّة لم يقع فيها الأمر بالردّ، وكان ذلك قبل العلم بتحريم الربا، ومرّة وقع فيها الأمر بالردّ، وذلك بعد تحريم الربا، والعلم به. ويدلّ عَلَى التعدّد -كما قَالَ الحافظ- أن الذي تولّى ذلك فِي إحدى القصّتين سَوَاد بن غَزِيّة ﵁، عامل خيبر، وفي الأخرى بلال ﵁. والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم تخريجه، وبيان بقيّة المسائل فِي الْحَدِيث الأول منْ هَذَا الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٦٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ، أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا، إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا، إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا، إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا، إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ").

стр. 16766

قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"سفيان": هو ابن عيينة. و"مالك بن أوس بن الْحَدَثَان" -بفتح الحاء، والدال المهملتين، بعدها مثلّثة-: هو النصريّ، أبو سعيد المدنيّ، له رؤية، مات سنة (٩٢)، وقيل (٩١) ١/ ٤١٤٢. والسند مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وسفيان، فمكيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، ورواية صحابيّ، عن صحابيّ؛ لأن مالك بن أوس صحابيّ رؤية، وتابعيّ رواية. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ) النصريّ المدنيّ (أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) هذه الرواية مختصرة، فإن الْحَدِيث فيه قصّة، وَقَدْ ساقها البخاريّ فِي "صحيحه"، ٢/ ٧٦١ - فَقَالَ: ٢٠٦٥ حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس أخبره، أنه التمس صرفا (١) بمائة دينار، فدعاني طلحة بن عبيد الله، فتراوضنا (٢)، حَتَّى اصطرف مني، فأخذ الذهب يُقَلِّبها فِي يده، ثم قَالَ: حَتَّى يأتي خازني منْ الغابة، وعمر يسمع ذلك، فَقَالَ: والله لا تفارقه حَتَّى تأخذ منه، قَالَ رسول الله ﷺ : "الذهب بالذهب ربا" الْحَدِيث. ونحوه لمسلم. (الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا) قَالَ ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: لم يُختَلَف عَلَى مالك فيه، وحمله عنه الحفاظ، حَتَّى رواه يحيى بن أبي كثير، عن الأوزاعي، عن مالك، وتابعه معمر، والليث، وغيرهما، وكذلك رواه الحفاظ عن ابن عيينة، وشذ أبو نعيم عنه، فَقَالَ: "الذهب بالذهب"، وكذلك رواه ابن إسحاق، عن الزهريّ. ويجوز فِي قوله: "الذهب بالورق" الرفع: أي بَيْعُ الذهب بالورق، فحُذف المضاف للعلم به، أو المعنى الذهب يُباع بالذهب، ويجوز النصب: أي بيعوا الذهب. والذهب يُطلق عَلَى جميع أنواعه المضروبة وغيرها، والوَرِقُ: الفضة، وهو بفتح الواو، وكسر الراء، وبإسكانها عَلَى المشهور، ويجوز فتحهما، وقيل: بكسر الواو المضروبة، وبفتحها: المال، والمراد هنا، جميع أنواع الفضة، مضروبة، وغير مضروبة.

стр. 16767

(إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ) بالمد فيهما، وفتح الهمزة، وقيل: بالكسر، وقيل: بالسكون، وحُكِي القصر بغير همز، وخَطأها الخطابيّ، وردّ عليه النوويّ، وَقَالَ: هي صحيحة، لكن قليلة، والمعنى: خذ، وهات، وحُكِي "هاكِ"، بزيادة كاف مكسورة، ويقال: "هاء" بكسر الهمزة بمعنى هات، وبفتحها بمعنى خذ، بغير تنوين. وَقَالَ ابن الأثير: "هاء وهاء": هو أن يقول كل واحد منْ البَيِّعَين: هاء، فيعطيه ما فِي يده، كالحديث الآخر: "إلا يدا بيد"، يعني مقابضة فِي المجلس، وقيل: معناه خذ، وأعط، قَالَ: وغيرُ الخطّابيّ يُجيز فيها السكون عَلَى حذف العوض، وَيتَنَزّل منزلة "ها" التي للتنبيه. وَقَالَ ابن مالك: "ها" اسم فعل، بمعنى خذ، وإن وقعت بعد "إلا" فيجب تقدير قول قبله، يكون به محكيا، فكأنه قيل: ولا الذهب بالذهب، إلّا مقولا عنده منْ المتبايعين: هاء وهاء. وَقَالَ الخليل: كلمة تُستعمل عند المناولة، والمقصود منْ قوله: "هاء وهاء" أن يقول كل واحد منْ المتعاقدين لصاحبه: هاء، فيتقابضان فِي المجلس. قَالَ ابن مالك: حقها أن لا تقع بعد "إلا" كما لا يقع بعدها "خذ"، قَالَ: فالقدير: لا تبيعوا الذهب بالورق، إلا مقولا بين المتعاقدين: هاء وهاء. (وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا، إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بالْبُرِّ) بضم الموحدة ثم راء منْ أسماء الحنطة (رِبَا، إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ) والشعير بفتح أوله معروف وحكى جواز كسره (رِبَا، إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ") واستدل به عَلَى أن البر والشعير صنفان، وهو قول الجمهور، وخالف فِي ذلك مالك، والليث، والأوزاعي، فقالوا: هما صنف واحد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث عمر بن الخطاب ﵁ هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤١/ ٤٥٦٠ - وفي "الكبرى" ٤١/ ٦١٥٠. وأخرجه (خ) فِي "البيوع" ٢١٣٤ و٢١٧٠ و٢١٧٤ (م) فِي "البيوع" ١٥٨٦ (د) فِي "البيوع" ٣٣٤٨ (ت) فِي "البيوع" ١٢٤٢ (ق) فِي " التجارات" ٢٢٥٣ و٢٢٥٩ (أحمد) فِي "مسند العشرة" ١٦٣ و٢٤٠ و٣١٦ و١٣٣٣ (الدارمي) فِي "البيوع" ٢٤٦٥. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم بيع التَّمْر بالتمر،

стр. 16768

متفاضلاً، وهو التحريم. (ومنها): أن الكبير يلي البيع والشراء لنفسه، وإن كَانَ له وكلاء، وأعوان يكفونه. (ومنها): أن فيه المماكسة فِي البيع، والمراوضة، وتقليب السلعة، وفائدته الأمن منْ الغبن. (ومنها): أن مِن العلم ما يَخفى عَلَى الرجل الكبير القدر، حَتَّى يُذكّره غيره. (ومنها): أن الإمام إذا سمع، أو رأى شيئا لا يجوز، ينهى عنه، ويرشد إلى الحق. (ومنها): أن منْ أَفتَى بحكم حَسُن أن يذكر دليله. (ومنها): أن عَلَى الإمام أن يتفقد أحوال رعيته، ويَهتَمّ بمصالحهم. (ومنها): أن فيه اليمين لتأكيد الخبر. (ومنها): أن فيه الحجةَ بخبر الواحد. (ومنها): أن النسيئة لا تجوز فِي بيع الذهب بالورق، وإذا لم يجز فيهما مع تفاضلهما بالنسيئة، فأحرى أن لا يجوز فِي الذهب بالذهب، وهو جنس واحد، وكذا الورق بالورق. وَقَدْ نقل ابن عبد البرّ وغيره الإجماع عَلَى هَذَا الحكم، أي التسوية فِي المنع بين الذهب بالذهب، وبين الذهب بالورق، فيُستغنَى حينئذ بذلك عن القياس. (ومنها): أنه استُدِلَّ به عَلَى اشتراط التقابض فِي الصرف فى المجلس، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وعن مالك: لا يجوز الصرف إلا عند الإيجاب بالكلام، ولو انتقلا منْ ذلك الموضع إلى آخر، لم يصح تقابضهما، ومذهبه أنه لا يجوز عنده تراخي القبض فِي الصرف، سواء كانا فِي المجلس أو تفرقا، وحَمَلَ قول عمر: "لا تُفارقه" عَلَى الفور، حَتَّى لو أخّر الصيرفي القبض، حَتَّى يقوم إلى قعو دُكّانه، ثم يفتح صدوقه لَمَا جاز. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حيث إن أحاديث الأبواب الآتية منْ أحاديث الربا، فيحسن بي أن أتكلّم فِي معنى الربا لغةً وشرعًا، وبعض مسائله؛ لشدّة الحاجة إلى ذلك، فأقول: (المسألة الرابعة): فِي معنى الربا لغةً وشرعًا: قَالَ الفيّوميّ رحمه الله تعالى: الربا: الفضل، والزيادة، وهو مصدر عَلَى الأشهر، ويُثنّى رِبَوَان بالواو عَلَى الأصل، وَقَدْ يقال: رِبيان عَلَى التخفيف، ويُنسب إليه عَلَى لفظه، فيقال: رِبويّ. قاله أبو عُبيد وغيره: وزاد الْمُطرِّزِيّ، فَقَالَ: الفتح فِي النسبة خطأ، وَرَبَا الشيءُ يربو: إذا زاد، وأربى الرجل بالألف: دخل فِي الربا. انتهى. وَقَالَ أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى فِي "تفسيره" ٣/ ٣٤٨: والربا فِي اللغة: الزيادة مطلقا، يقال: ربا الشيء يربو: إذا زاد، ومنه حديثُ مسلم: "فلا والله ما أخذنا منْ لقمة، إلا ربا منْ تحتها": يعني الطعام الذي دعا فيه النبيّ ﷺ بالبركة.

стр. 16769

قَالَ: وقياس كتابته بالياء؛ للكسرة فِي أوله، وَقَدْ كتبوه فِي القرآن بالواو. وَقَالَ أيضًا: اختلف النحاة فِي لفظ "الربا"، فَقَالَ البصريون: هو منْ ذوات الواو؛ لأنك تقول فِي تثنيته: ربوان، قاله سيبويه، وَقَالَ الكوفيون: يكتب بالياء، وتثنيته بالياء؛ لأجل الكسرة التي فِي أوله، قَالَ الزجاج: ما رأيت خطأ أقبح منْ هَذَا، ولا أشنع، لا يكفيهم الخطأ فِي الخط، حَتَّى يخطئوا فِي التثنية، وهم يقرءون: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ [الروم: ٣٩]، قَالَ محمد بن يزيد: كتب الربا فِي المصحف بالواو؛ فرقا بينه وبين الزنا، وكان الربا أولى منه بالواو؛ لأنه منْ ربا يربو. قَالَ: ثم إن الشرع قد تصرف فِي هَذَا الإطلاق، فقصره عَلَى بعض موارده، فمرة أطلقه عَلَى كسب الحرام، كما قَالَ الله تعالى فِي اليهود: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ الآية [النِّساء: ١٦١]، ولم يرد به الربا الشرعي، الذي حكم بتحريمه علينا، وإنما أراد المال الحرام، كما قَالَ تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] يعني به المال الحرام، منْ الرشا، وما استحلوه منْ أموال الأميين، حيث قالوا: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥]، وعلى هَذَا فيدخل فيه النهي عن كل مال حرام، بأيّ وجه اكتُسب. والربا الذي عليه عرف الشرع شيئان: تحريم النِّساء، والتفاضل فِي العقود، وفي المطعومات عَلَى ما نبينه، وغالبه ما كانت العرب تفعله، ومن قولها للغريم: أتقضي، أم تربي؟، فكان الغريم يزيد فِي عدد المال، ويصبر الطالب عليه، وهذا كله محرم باتفاق الأمة. قَالَ: أكثر البيوع الممنوعة، إنما تجد منعها لمعنى زيادة، إما فِي عين مال، وإما فِي منفعة لأحدهما، منْ تأخير، ونحوه، ومن البيوع ما ليس فيه معنى الزيادة، كبيع الثمرة قبل بُدُوّ صلاحها، وكالبيع ساعة النداء يوم الجمعة، فإن قيل لفاعلها: آكل الربا، فتجوُّز وتشبيه. انتهى "الجامع لأحكام القرآن" ٣/ ٣٤٨. وَقَالَ الموفّق ابن قُدامة رحمه الله تعالى: الربا فِي اللغة هو: الزيادة، قَالَ الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ الآية [الحج: ٥]، وَقَالَ: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٩٢]: أي أكثر عددا، يقال: أربى فلان عَلَى فلان: إذا زاد عليه. وهو فِي الشرع: الزيادة فِي أشياء مخصوصة. وهو محرم بالكتاب، والسنة، والإجماع: أما الكتاب، فقول الله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وما بعدها منْ الآيات. وأما السنة: فما أخرجه الشيخان عن النبيّ ﷺ ، أنه قَالَ: "اجتنبوا السبع الموبقات"، قيل: يا رسول الله، ما هي؟، قَالَ: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله، إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف

стр. 16770

المحصنات المؤمنات الغافلات" (١)، وأخرجا أيضًا عن النبيّ ﷺ : "أنه لعن آكله الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه". فِي أخبار سوى هذين كثيرة، وأجمعت الأمة عَلَى أن الربا محرم. أفاده فِي "المغني" ٦/ ٥١ - ٥٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: الربا عَلَى ضربين: ربا الفضل، وربا النسيئة، وأجمع أهل العلم عَلَى تحريمهما، وَقَدْ كَانَ فِي ربا الفضل اختلاف بين الصحابة، فحُكي عن ابن عباس، وأسامة بن زيد، وزيد بن أرقم، وابن الزبير ﵃، أنهم قالوا: إنما الربا فِي النسيئة؛ لقوله ﷺ : "لا ربا إلا فِي النسيئة"، رواه البخاريّ، والمشهور منْ ذلك قول ابن عباس، ثم إنه رجع إلى قول الجماعة، روى ذلك الأثرم بإسناده، وقاله الترمذيّ، وابن المنذر، وغيرهم، وَقَالَ سعيد، بإسناده عن أبي صالح، قَالَ: صحبت ابن عباس حَتَّى مات، فوالله ما رجع عن الصرف. وعن سعيد بن جبير قَالَ: سألت ابن عباس قبل موته بعشرين ليلة عن الصرف؟ فلم ير به بأسا، وكان يأمر به، والصحيح قول الجمهور؛ لحديث أبي سعيد الخدريّ: إن رسول الله ﷺ ، قَالَ: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تُشِفُّوا بعضها عَلَى بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها عَلَى بعض، ولا تبيعوا غائبا بناجز"، ولحديث أبي سعيد ﵁ أيضا فِي قصّة بلال ﵁ المذكور فِي الباب، متَّفقٌ عليهما. قَالَ الترمذيّ رحمه الله تعالى: عَلَى حديث أبي سعيد ﵁ العملُ عند أهل العلم، منْ أصحاب النبيّ ﷺ وغيرهم، وقولُ النبيّ ﷺ : "لا ربا إلا فِي النسيئة" محمول عَلَى الجنسين. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى أيضًا: وَقَدْ رُوي عن النبيّ ﷺ فِي الربا أحاديث كثيرة، ومن أتمها ما رَوَى عبادة بن الصامت ﵁ عن النبيّ ﷺ ، أنه قَالَ: "الذهب بالذهب مثلا بمثل، والفضة بالفضة مثلا بمثل، والتمر بالتمر مثلا بمثل، والبر بالبر مثلا بمثل، والملح بالملح مثلا بمثل، والشعير بالشعير مثلا بمثل، فمن زاد، أو ازداد فقد أربى، بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا الشعير بالتمر، كيف شئتم يدا بيد"، رواه مسلم، وسيأتي للنسائيّ بعد باب. فهذه الأعيان المنصوص عليها، يثبت الربا فيها بالنصّ، والإجماع، واختلف أهل
следующие страницы →