قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"سفيان": هو ابن عيينة. و"مالك بن أوس بن الْحَدَثَان" -بفتح الحاء، والدال المهملتين، بعدها مثلّثة-: هو النصريّ، أبو سعيد المدنيّ، له رؤية، مات سنة (٩٢)، وقيل (٩١) ١/ ٤١٤٢. والسند مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وسفيان، فمكيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، ورواية صحابيّ، عن صحابيّ؛ لأن مالك بن أوس صحابيّ رؤية، وتابعيّ رواية. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ) النصريّ المدنيّ (أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) هذه الرواية مختصرة، فإن الْحَدِيث فيه قصّة، وَقَدْ ساقها البخاريّ فِي "صحيحه"، ٢/ ٧٦١ - فَقَالَ: ٢٠٦٥ حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس أخبره، أنه التمس صرفا (١) بمائة دينار، فدعاني طلحة بن عبيد الله، فتراوضنا (٢)، حَتَّى اصطرف مني، فأخذ الذهب يُقَلِّبها فِي يده، ثم قَالَ: حَتَّى يأتي خازني منْ الغابة، وعمر يسمع ذلك، فَقَالَ: والله لا تفارقه حَتَّى تأخذ منه، قَالَ رسول الله ﷺ : "الذهب بالذهب ربا" الْحَدِيث. ونحوه لمسلم.
(الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا) قَالَ ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: لم يُختَلَف عَلَى مالك فيه، وحمله عنه الحفاظ، حَتَّى رواه يحيى بن أبي كثير، عن الأوزاعي، عن مالك، وتابعه معمر، والليث، وغيرهما، وكذلك رواه الحفاظ عن ابن عيينة، وشذ أبو نعيم عنه، فَقَالَ: "الذهب بالذهب"، وكذلك رواه ابن إسحاق، عن الزهريّ.
ويجوز فِي قوله: "الذهب بالورق" الرفع: أي بَيْعُ الذهب بالورق، فحُذف المضاف للعلم به، أو المعنى الذهب يُباع بالذهب، ويجوز النصب: أي بيعوا الذهب.
والذهب يُطلق عَلَى جميع أنواعه المضروبة وغيرها، والوَرِقُ: الفضة، وهو بفتح الواو، وكسر الراء، وبإسكانها عَلَى المشهور، ويجوز فتحهما، وقيل: بكسر الواو المضروبة، وبفتحها: المال، والمراد هنا، جميع أنواع الفضة، مضروبة، وغير مضروبة.
стр. 16767
(إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ) بالمد فيهما، وفتح الهمزة، وقيل: بالكسر، وقيل: بالسكون، وحُكِي القصر بغير همز، وخَطأها الخطابيّ، وردّ عليه النوويّ، وَقَالَ: هي صحيحة، لكن قليلة، والمعنى: خذ، وهات، وحُكِي "هاكِ"، بزيادة كاف مكسورة، ويقال: "هاء" بكسر الهمزة بمعنى هات، وبفتحها بمعنى خذ، بغير تنوين.
وَقَالَ ابن الأثير: "هاء وهاء": هو أن يقول كل واحد منْ البَيِّعَين: هاء، فيعطيه ما فِي يده، كالحديث الآخر: "إلا يدا بيد"، يعني مقابضة فِي المجلس، وقيل: معناه خذ، وأعط، قَالَ: وغيرُ الخطّابيّ يُجيز فيها السكون عَلَى حذف العوض، وَيتَنَزّل منزلة "ها" التي للتنبيه.
وَقَالَ ابن مالك: "ها" اسم فعل، بمعنى خذ، وإن وقعت بعد "إلا" فيجب تقدير قول قبله، يكون به محكيا، فكأنه قيل: ولا الذهب بالذهب، إلّا مقولا عنده منْ المتبايعين: هاء وهاء. وَقَالَ الخليل: كلمة تُستعمل عند المناولة، والمقصود منْ قوله: "هاء وهاء" أن يقول كل واحد منْ المتعاقدين لصاحبه: هاء، فيتقابضان فِي المجلس. قَالَ ابن مالك: حقها أن لا تقع بعد "إلا" كما لا يقع بعدها "خذ"، قَالَ: فالقدير: لا تبيعوا الذهب بالورق، إلا مقولا بين المتعاقدين: هاء وهاء.
(وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا، إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بالْبُرِّ) بضم الموحدة ثم راء منْ أسماء الحنطة (رِبَا، إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ) والشعير بفتح أوله معروف وحكى جواز كسره (رِبَا، إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ") واستدل به عَلَى أن البر والشعير صنفان، وهو قول الجمهور، وخالف فِي ذلك مالك، والليث، والأوزاعي، فقالوا: هما صنف واحد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عمر بن الخطاب ﵁ هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤١/ ٤٥٦٠ - وفي "الكبرى" ٤١/ ٦١٥٠. وأخرجه (خ) فِي "البيوع" ٢١٣٤ و٢١٧٠ و٢١٧٤ (م) فِي "البيوع" ١٥٨٦ (د) فِي "البيوع" ٣٣٤٨ (ت) فِي "البيوع" ١٢٤٢ (ق) فِي " التجارات" ٢٢٥٣ و٢٢٥٩ (أحمد) فِي "مسند العشرة" ١٦٣ و٢٤٠ و٣١٦ و١٣٣٣ (الدارمي) فِي "البيوع" ٢٤٦٥. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم بيع التَّمْر بالتمر،
стр. 16768
متفاضلاً، وهو التحريم. (ومنها): أن الكبير يلي البيع والشراء لنفسه، وإن كَانَ له وكلاء، وأعوان يكفونه. (ومنها): أن فيه المماكسة فِي البيع، والمراوضة، وتقليب السلعة، وفائدته الأمن منْ الغبن. (ومنها): أن مِن العلم ما يَخفى عَلَى الرجل الكبير القدر، حَتَّى يُذكّره غيره. (ومنها): أن الإمام إذا سمع، أو رأى شيئا لا يجوز، ينهى عنه، ويرشد إلى الحق. (ومنها): أن منْ أَفتَى بحكم حَسُن أن يذكر دليله. (ومنها): أن عَلَى الإمام أن يتفقد أحوال رعيته، ويَهتَمّ بمصالحهم. (ومنها): أن فيه اليمين لتأكيد الخبر. (ومنها): أن فيه الحجةَ بخبر الواحد.
(ومنها): أن النسيئة لا تجوز فِي بيع الذهب بالورق، وإذا لم يجز فيهما مع تفاضلهما بالنسيئة، فأحرى أن لا يجوز فِي الذهب بالذهب، وهو جنس واحد، وكذا الورق بالورق. وَقَدْ نقل ابن عبد البرّ وغيره الإجماع عَلَى هَذَا الحكم، أي التسوية فِي المنع بين الذهب بالذهب، وبين الذهب بالورق، فيُستغنَى حينئذ بذلك عن القياس.
(ومنها): أنه استُدِلَّ به عَلَى اشتراط التقابض فِي الصرف فى المجلس، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وعن مالك: لا يجوز الصرف إلا عند الإيجاب بالكلام، ولو انتقلا منْ ذلك الموضع إلى آخر، لم يصح تقابضهما، ومذهبه أنه لا يجوز عنده تراخي القبض فِي الصرف، سواء كانا فِي المجلس أو تفرقا، وحَمَلَ قول عمر: "لا تُفارقه" عَلَى الفور، حَتَّى لو أخّر الصيرفي القبض، حَتَّى يقوم إلى قعو دُكّانه، ثم يفتح صدوقه لَمَا جاز. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حيث إن أحاديث الأبواب الآتية منْ أحاديث الربا، فيحسن بي أن أتكلّم فِي معنى الربا لغةً وشرعًا، وبعض مسائله؛ لشدّة الحاجة إلى ذلك، فأقول:
(المسألة الرابعة): فِي معنى الربا لغةً وشرعًا:
قَالَ الفيّوميّ رحمه الله تعالى: الربا: الفضل، والزيادة، وهو مصدر عَلَى الأشهر، ويُثنّى رِبَوَان بالواو عَلَى الأصل، وَقَدْ يقال: رِبيان عَلَى التخفيف، ويُنسب إليه عَلَى لفظه، فيقال: رِبويّ. قاله أبو عُبيد وغيره: وزاد الْمُطرِّزِيّ، فَقَالَ: الفتح فِي النسبة خطأ، وَرَبَا الشيءُ يربو: إذا زاد، وأربى الرجل بالألف: دخل فِي الربا. انتهى.
وَقَالَ أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى فِي "تفسيره" ٣/ ٣٤٨: والربا فِي اللغة: الزيادة مطلقا، يقال: ربا الشيء يربو: إذا زاد، ومنه حديثُ مسلم: "فلا والله ما أخذنا منْ لقمة، إلا ربا منْ تحتها": يعني الطعام الذي دعا فيه النبيّ ﷺ بالبركة.
стр. 16769
قَالَ: وقياس كتابته بالياء؛ للكسرة فِي أوله، وَقَدْ كتبوه فِي القرآن بالواو. وَقَالَ أيضًا: اختلف النحاة فِي لفظ "الربا"، فَقَالَ البصريون: هو منْ ذوات الواو؛ لأنك تقول فِي تثنيته: ربوان، قاله سيبويه، وَقَالَ الكوفيون: يكتب بالياء، وتثنيته بالياء؛ لأجل الكسرة التي فِي أوله، قَالَ الزجاج: ما رأيت خطأ أقبح منْ هَذَا، ولا أشنع، لا يكفيهم الخطأ فِي الخط، حَتَّى يخطئوا فِي التثنية، وهم يقرءون: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ [الروم: ٣٩]، قَالَ محمد بن يزيد: كتب الربا فِي المصحف بالواو؛ فرقا بينه وبين الزنا، وكان الربا أولى منه بالواو؛ لأنه منْ ربا يربو.
قَالَ: ثم إن الشرع قد تصرف فِي هَذَا الإطلاق، فقصره عَلَى بعض موارده، فمرة أطلقه عَلَى كسب الحرام، كما قَالَ الله تعالى فِي اليهود: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ الآية [النِّساء: ١٦١]، ولم يرد به الربا الشرعي، الذي حكم بتحريمه علينا، وإنما أراد المال الحرام، كما قَالَ تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] يعني به المال الحرام، منْ الرشا، وما استحلوه منْ أموال الأميين، حيث قالوا: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥]، وعلى هَذَا فيدخل فيه النهي عن كل مال حرام، بأيّ وجه اكتُسب.
والربا الذي عليه عرف الشرع شيئان: تحريم النِّساء، والتفاضل فِي العقود، وفي المطعومات عَلَى ما نبينه، وغالبه ما كانت العرب تفعله، ومن قولها للغريم: أتقضي، أم تربي؟، فكان الغريم يزيد فِي عدد المال، ويصبر الطالب عليه، وهذا كله محرم باتفاق الأمة.
قَالَ: أكثر البيوع الممنوعة، إنما تجد منعها لمعنى زيادة، إما فِي عين مال، وإما فِي منفعة لأحدهما، منْ تأخير، ونحوه، ومن البيوع ما ليس فيه معنى الزيادة، كبيع الثمرة قبل بُدُوّ صلاحها، وكالبيع ساعة النداء يوم الجمعة، فإن قيل لفاعلها: آكل الربا، فتجوُّز وتشبيه. انتهى "الجامع لأحكام القرآن" ٣/ ٣٤٨.
وَقَالَ الموفّق ابن قُدامة رحمه الله تعالى: الربا فِي اللغة هو: الزيادة، قَالَ الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ الآية [الحج: ٥]، وَقَالَ: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٩٢]: أي أكثر عددا، يقال: أربى فلان عَلَى فلان: إذا زاد عليه. وهو فِي الشرع: الزيادة فِي أشياء مخصوصة. وهو محرم بالكتاب، والسنة، والإجماع: أما الكتاب، فقول الله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وما بعدها منْ الآيات. وأما السنة: فما أخرجه الشيخان عن النبيّ ﷺ ، أنه قَالَ: "اجتنبوا السبع الموبقات"، قيل: يا رسول الله، ما هي؟، قَالَ: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله، إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف
стр. 16770
المحصنات المؤمنات الغافلات" (١)، وأخرجا أيضًا عن النبيّ ﷺ : "أنه لعن آكله الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه". فِي أخبار سوى هذين كثيرة، وأجمعت الأمة عَلَى أن الربا محرم. أفاده فِي "المغني" ٦/ ٥١ - ٥٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: الربا عَلَى ضربين: ربا الفضل، وربا النسيئة، وأجمع أهل العلم عَلَى تحريمهما، وَقَدْ كَانَ فِي ربا الفضل اختلاف بين الصحابة، فحُكي عن ابن عباس، وأسامة بن زيد، وزيد بن أرقم، وابن الزبير ﵃، أنهم قالوا: إنما الربا فِي النسيئة؛ لقوله ﷺ : "لا ربا إلا فِي النسيئة"، رواه البخاريّ، والمشهور منْ ذلك قول ابن عباس، ثم إنه رجع إلى قول الجماعة، روى ذلك الأثرم بإسناده، وقاله الترمذيّ، وابن المنذر، وغيرهم، وَقَالَ سعيد، بإسناده عن أبي صالح، قَالَ: صحبت ابن عباس حَتَّى مات، فوالله ما رجع عن الصرف. وعن سعيد بن جبير قَالَ: سألت ابن عباس قبل موته بعشرين ليلة عن الصرف؟ فلم ير به بأسا، وكان يأمر به، والصحيح قول الجمهور؛ لحديث أبي سعيد الخدريّ: إن رسول الله ﷺ ، قَالَ: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تُشِفُّوا بعضها عَلَى بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها عَلَى بعض، ولا تبيعوا غائبا بناجز"، ولحديث أبي سعيد ﵁ أيضا فِي قصّة بلال ﵁ المذكور فِي الباب، متَّفقٌ عليهما. قَالَ الترمذيّ رحمه الله تعالى: عَلَى حديث أبي سعيد ﵁ العملُ عند أهل العلم، منْ أصحاب النبيّ ﷺ وغيرهم، وقولُ النبيّ ﷺ : "لا ربا إلا فِي النسيئة" محمول عَلَى الجنسين. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى أيضًا: وَقَدْ رُوي عن النبيّ ﷺ فِي الربا أحاديث كثيرة، ومن أتمها ما رَوَى عبادة بن الصامت ﵁ عن النبيّ ﷺ ، أنه قَالَ: "الذهب بالذهب مثلا بمثل، والفضة بالفضة مثلا بمثل، والتمر بالتمر مثلا بمثل، والبر بالبر مثلا بمثل، والملح بالملح مثلا بمثل، والشعير بالشعير مثلا بمثل، فمن زاد، أو ازداد فقد أربى، بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا الشعير بالتمر، كيف شئتم يدا بيد"، رواه مسلم، وسيأتي للنسائيّ بعد باب.
فهذه الأعيان المنصوص عليها، يثبت الربا فيها بالنصّ، والإجماع، واختلف أهل
стр. 16771
العلم فيما سواها، فحُكي عن طاوس وقتادة: أنهما قصرا الربا عليها، وقالا: لا يجري فِي غيرها، وبه قَالَ داود، ونفاة القياس، وقالوا: ما عداها عَلَى أصل الإباحة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٥]، واتفق القائلون بالقياس، عَلَى أن ثبوت الربا فيها بعلة، وأنه يثبت فِي كل ما وُجدت فيه علتها؛ لأن القياس دليل شرعي، فيجب استخراج علة هَذَا الحكم، وإثباته فِي كل موضع وُجدت علته فيه، وقول الله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] يقتضي تحريم كل زيادة، إذ الربا فِي اللغة الزيادة، إلا ما أجمعنا عَلَى تخصيصه، وهذا يعارض ما ذكروه، ثم اتفق أهل العلم عَلَى أن ربا الفضل، لا يجري إلا فِي الجنس الواحد، إلا سعيد بن جبير، فإنه قَالَ: كل شيئين يتقارب الانتفاع بهما، لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا، كالحنطة بالشعير، والتمر بالزبيب، والذُّرة بالدُّخْن؛ لأنهما يتقارب نفعهما، فجريا مجرى نوعي جنس واحد، وهذا يخالف قول النبيّ ﷺ : "بيعوا الذهب بالفضة، كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا البر بالتمر، كيف شئتم"، فلا يعول عليه، ثم يَبْطُل بالذهب بالفضة، فإنه يجوز التفاضل فيهما، مع تقاربهما، واتفق المعلِّلُون عَلَى أن علة الذهب والفضة واحدة، وعلة الأعيان الأربعة واحدة، ثم اختلفوا فِي علة كل واحد منهما:
فروي عن أحمد فِي ذلك ثلاث روايات: أشهرهنّ: أن علة الربا فِي الذهب والفضة كونه موزونَ جنسٍ، وعلةُ الأعيان الأربعة مكيلَ جنسٍ، نقلها عن أحمد الجماعة، وذكرها الخرقي، وابن موسى، وأكثر الأصحاب، وهو قول النخعي، والزهري، والثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي، فعلى هذه الرواية يجري الربا فِي كل مكيل، أو موزون بجنسه، مطعوما كَانَ، أو غير مطعوم، كالحبوب، والأشنان، والنُّورة، والقطن، والصوف، والكتّان، والوَرْس، والحنّاء، والعصفر، والحديد، والنحاس، ونحو ذلك، ولا يجري فِي مطعوم، لا يكال ولا يوزن؛ لما رَوَى ابنُ عمر ﵄ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين، ولا الصاع بالصاعين، فإني أخاف عليكم الرَّمَاء"، وهو الربا، فقام إليه رجل، فَقَالَ: يا رسول الله، أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس، والنجيبة بالإبل، فَقَالَ: "لا بأس إذا كَانَ يدا بيد"، رواه الإمام أحمد فِي "المسند"، عن أبي جناب، عن أبيه، عن ابن عمر (١).
стр. 16772
وعن أنس ﵁ أن النبيّ ﷺ قَالَ: "ما وُزن مثلا بمثل، إذا كَانَ نوعا واحدا، وما كيل مثلا بمثل، إذا كَانَ نوعا واحدا"، رواه الدارقطنيّ (١)، رواه عن ابن صاعد، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أحمد بن محمد بن أيوب، عن أبي بكر بن عياش، عن الربيع بن صَبِيح، عن الحسن، عن عبادة، وأنس، عن النبيّ ﷺ ، وَقَالَ: لم يروه غير أبي بكر عن الربيع هكذا، وخالفه جماعة، فرووه عن الربيع، عن ابن سيرين، عن عبادة، وأنس، عن النبيّ ﷺ ، بلفظ غير هَذَا اللفظ.
وعن عمار: أنه قَالَ: "العبد خير منْ العبدين، والثوب خير منْ الثوبين، فما كَانَ يدا بيد، فلا بأس به، إنما الربا فِي النسَاء، إلا ما كيل أو وزن"، ولأن قضية البيع المساواة، والمؤثر فِي تحقيقها الكيل والوزن والجنس، فإن الوزن أو الكيل، يُسَوّي بينهما صورة، والجنس يسوى بينهما معنى، فكانا علة، ووجدنا الزيادة فِي الكيل محرّمة، دون الزيادة فِي الطعم، بدليل بيع الثقيلة بالخفيفة، فإنه جائز إذا تساويا فِي الكيل.
[الرواية الثانية عن أحمد]: أن العلة فِي الأثمان الثمنية، وفيما عداها كونه مطعوم جنس، فيختص بالمطعومات، ويخرج منه ما عداها، قَالَ أبو بكر: رَوَى ذلك عن أحمد جماعةٌ، ونحوَ هَذَا قَالَ الشافعيّ، فإنه قَالَ: العلة الطعم، والجنس شرط، والعلة فِي الذهب والفضة جوهرية الثمنيِة غالبا، فيختص بالذهب والفضة؛ لما رَوَى معمر بن عبد الله ﵁: "أن النبيّ ﷺ ، نَهَى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل"، رواه مسلم، ولأن الطعم وصفُ شَرَفٍ؛ إذ به قوام الأبدان، والثمنية وصف شرف، إذ بها قوام الأموال، فيقتضي التعليل بهما، ولأنه لو كانت العلة فِي الأثمان الوزن، لم يجز إسلامهما فِي الموزونات؛ لأن أحد وصفي علة ربا الفضل يكفي فِي تحريم النِّساء.
[والرواية الثالثة عنه]: العلة فيما عدا الذهب والفضة، كونه مطعومَ جنسٍ، مكيلا، أو موزونا، فلا يجري الربا فِي مطعوم، لا يكال ولا يوزن، كالتفاح، والرمان، والخوخ، والبطيخ، والكُمَّثْرَى، والأترج، والسفرجل، والإجّاص، والخيار، والجوز، والبيض، ولا فيما ليس بمطعوم، كالزعفران، والأشنان، والحديد، والرصاص، ونحوه، ويروى ذلك عن سعيد بن المسيب، وهو قديم قولي الشافعيّ؛ لما رُوي عن سعيد بن المسيب، عن رسول الله ﷺ ، أنه قَالَ: "لا ربا إلا فيما كيل، أو وُزن مما يؤكل أو يشرب"، أخرجه الدارقطنيّ، وَقَالَ: الصحيح أنه منْ قول سعيد، ومن رفعه فقد وهم، ولأن لكل واحد منْ هذه الأوصاف أثرا، والحكم مقرون بجميعها
стр. 16773
فِي المنصوص عليه، فلا يجوز حذفه، ولأن الكيل والوزن والجنس، لا يقتضي وجوب المماثلة، وإنما أثره فِي تحقيقها فِي العلة ما يقتضي ثبوت الحكم، لا ما تحقق شرطه، والطعم بمجرده لا تتحقق المماثلة به؛ لعدم المعيار الشرعي فيه، وإنما تجب المماثلة فِي المعيار الشرعي، وهو الكيل والوزن، ولهذا وجبت المساواة فِي المكيل كيلا، وفي الموزون وزنا، فوجب أن يكون الطعم معتبرا فِي المكيل والموزون، دون غيرهما.
والأحاديث الواردة فِي هَذَا الباب يجب الجمع بينها، وتقييد كل واحد منها بالآخر، فنَهيُ النبيّ ﷺ عن بيع الطعام، إلا مثلا بمثل، يتقيد بما فيه معيار شرعي، وهو الكيل والوزن، ونهيه عن بيع الصاع بالصاعين، يتقيد بالمطعوم المنهي عن التفاضل فيه.
وَقَالَ مالك رحمه الله تعالى: العلة القوت، أو ما يصلح به القوت، منْ جنس واحد منْ المدخرات. وَقَالَ ربيعة: يجري الربا فيما تجب فيه الزكاة، دون غيره. وَقَالَ ابن سيرين: الجنس الواحد علة، وهذا القول لا يصح؛ لقول النبيّ ﷺ ، فِي بيع الفرس بالأفراس، والنجيبة بالإبل: "لا بأس به إذا كَانَ يدا بيد" (١)، ورُوي أن النبيّ ﷺ ، ابتاع عبدا بعبدين، رواه أبو داود، والترمذي، وَقَالَ: هو حديث حسن صحيح (٢).
وقول مالك يَنتقض بالحطب والإدام، يُستصلَح به القوت، ولا ربا فيه عنده، وتعليل ربيعة ينعكس بالملح، والعكس لازم عند اتحاد العلة.
والحاصل أن ما اجتمع فيه الكيل والوزن والطعم منْ جنس واحد، ففيه الربا رواية واحدة، كالأرز، والدخن، والذرة، والقطنيات، والدهن، والخل، واللبن، واللحم ونحوه، وهذا قول أكثر أهل العلم، قَالَ ابن المنذر: هَذَا قول علماء الأمصار، فِي القديم والحديث، سوى قتادة، فإنه بلغني أنه شَذّ عن جماعة النَّاس، فقصر تحريم التفاضل عَلَى ستة أشياء، وما انعدم فيه الكيل والوزن والطعم، واختلف جنسه فلا ربا فيه، رواية واحدة، وهو قول أكثر أهل العلم، كالتين، والنوى، والقَتّ، والماء، والطين الأرمني، فإنه يؤكل دواءً، فيكون موزونا مأكولا، فهو إذا منْ القسم الأول، وما عداه إنما يؤكل سَفَهًا، فجرى مجرى الرَّمْل، والحصى. وَقَدْ روي عن النبيّ ﷺ أنه قَالَ لعائشة: "لا تأكلي الطين، فإنه يصفر اللون" (٣)، وما وجد فيه الطعم وحده، أو الكيل أو الوزن منْ جنس واحد، ففيه روايتان، واختلف أهل العلم فيه، والأولى -إن شاء الله
стр. 16774
تعالى- حله؛ إذ ليس فِي تحريمه دليل موثوق به، ولا معنى يُقَوِّي التمسك به، وهى مع ضعفها يعارض بعضها بعضا، فوجب اطّراحها، أو الجمع بينها، والرجوع إلى أصل الحل، الذي يقتضيه الكتاب والسنة والإعتبار.
ولا فرق فِي المطعومات، بين ما يؤكل قوتا، كالأرز، والذرة، والدخن، أو أدما كالقطنيات، واللبن، واللحم، أو تفكها، كالثمار، أو تداويا، كالأهليلج، والسقمونيا، فإن الكل فِي باب الربا واحد. انتهى. كلام ابن قدامة رحمه الله تعالى "المغني" ٦: ٥٣ - ٥٨.
وَقَالَ شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى: فِي تحريم التفاضل فِي الأصناف الستة: الذهب، والفضّة، والحنطة، والشعير، والتمر، والملح، هل هو التماثل؟، وهو الكيل والوزن، أو هو الثمنيّة والطعم، أو هو الثمنيّة، والتماثل مع الطعم، والقوت، وما يصلحه؟، أو النهي غير معلّل، والحكم مقصور عَلَى مورد النصّ؟ عَلَى أقوال مشهورة:
[الأول]: مذهب أبي حنيفة، وأحمد فِي أشهر الروايات عنه. [والثاني]: قول الشافعيّ، وأحمد فِي رواية. [والثالث]: قول أحمد فِي رواية ثالثة، اختارها أبو محمد، وقول مالك قريب منْ هَذَا، وهذا القول أرجح منْ غيره. [والرابع]: قول داود، وأصحابه، ويُروَى عن قتادة، ورجّح ابن عقيل هَذَا القول فِي "مفرداته"، وضعّف الأقوال المتقدّمة. وفيها قولٌ شاذّ: أن العلّة الماليّة، وهو مخالف للنصوص، ولإجماع السلف. والاتّحاد فِي الجنس شرط عَلَى كلّ قول منْ ربا الفضل.
قَالَ: والأظهر أن علّة تحريم الربا فِي الدنانير والدراهم هو الثمنيّة، لا الوزن، كما قاله جمهور العلماء، ولا يحرم التفاضل فِي سائر الموزونات، كالرصاص، والحديد، والحرير، والقطن، والكتّان، ومما يدلّ عَلَى ذلك اتّفاق العلماء عَلَى جواز إسلام النقدين فِي الموزونات، وهذا بيع موزون بموزون إلى أجل، فلو كانت العلة الوزن لم يجز هَذَا.
قَالَ: والتعليل بالثميّة تعليل بوصف مناسب، فإن المقصود منْ الأثمان أن تكون معيارًا للأموال، يُتوسل بها إلى معرفة مقادير الأموال، ولا يقصد الانتفاع بعينها. انتهى منْ "مجموع الفتاوى" ٢٩/ ٤٧٠ - ٤٧٢ باختصار.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي أشار إليه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فِي كلامه السابق منْ أن الربا يجري بين كلّ ما يصلح ثمنا للأشياء، وكل ما يكال، أو يوزن منْ الطعم، أو القتوت، إذا بيع بجنسه متفاضلا، أو مثلاً بمثل منْ غير قبض فِي
стр. 16775
المجلس، هو الأرجح عندي؛ لقوّة مدركه، كما بيّنه رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): قَالَ الموفّق أيضاً: الجيد والرديء، والتبر والمضروب، والصحيح والمكسور، سواء فِي جواز البيع مع التماثل وتحريمه مع التفاضل، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم أبو حنيفة، والشافعي، وحكي عن مالك جواز بيع المضروب بقيمته منْ جنسه، وأنكر أصحابه ذلك ونفوه عنه، وحكى بعض أصحابنا عن أحمد رواية لا يجوز بيع الصحاح بالمكسرة، ولأن للصناعة قيمة، بدليل حالة الإتلاف، فيصير كأنه ضم قيمة الصناعة إلى الذهب. ولنا قول النبيّ ﷺ : "الذهب بالذهب مثلا بمثل، والفضة بالفضة مثلا بمثل"، وعن عبادة، عن النبيّ ﷺ أنه قَالَ: "الذهب بالذهب تبرها وعينها، والفضة بالفضة تبرها وعينها"، رواه أبو داود، وروى مسلم عن أبي الأشعث، أن معاوية أمر ببيع آنية منْ فضة، فِي أعطيات النَّاس، فبلغ عبادة، فَقَالَ: "سمعت رسول الله ﷺ ، ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والملح بالملح، إلا سواء بسواء، عينا بعين، فمن زاد أو ازداد، فقد أربى". وروى الأثرم عن عطاء بن يسار، أن معاوية، باع سقاية منْ ذهب، أو ورق بأكثر منْ وزنها، فَقَالَ أبو الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ ، ينهى عن مثل هَذَا إلا مثلا بمثل، ثم قدم أبو الدرداء عَلَى عمر بن الخطاب ﵄، فذكر له ذلك، فكتب عمر إلى معاوية: لا تبع ذلك إلا مثلا بمثل، وزنا بوزن، ولأنهما تساويا فِي الوزن، فلا يؤثر اختلافهما فِي القيمة، كالجيد والرديء، فأما إن قَالَ لصائغ: طبع لي خاتما وزنه درهم، وأعطيك مثل وزنه، وأجرتك درهما، فليس ذلك ببيع درهم بدرهمين، وَقَالَ أصحابنا: للصائغ أخذ الدرهمين: أحدهما فِي مقابلة الخاتم، والثاني أجرة له. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(المسألة الثامنة): قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: لا خلاف فِي جواز التفاضل فِي الجنسين، نعلمه إلا عن سعيد بن جبير، أنه قَالَ: ما يتقارب الانتفاع بهما لا يجوز التفاضل فيهما، وهذا يرده قول النبيّ ﷺ : "بيعوا الذهب بالفضة، كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا الشعير بالشعير كيف شئتم يدا بيد"، وفي لفظ "إذا اختلفت هذه الأشياء فبيعوا كيف شئتم، إذا كَانَ يدا بيد" رواه مسلم، وأبو داود، ولأنهما جنسان، فجاز التفاضل فيهما، كما لو تباعدت منافعهما. ولا خلاف فِي إباحة التفاضل فِي الذهب بالفضة، مع تقارب منافعهما.
فأما النَّسَاء، فكل جنسين يجري فيهما الربا بعلة واحدة، كالمكيل بالمكيل،
стр. 16776
والموزون بالموزون، والمطعوم بالمطعوم عند منْ يُعلل به، فإنه يحرم بيع أحدهما بالآخر نساء بغير خلاف نعلمه، وذلك قوله ﵇: "فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم؟ يدا بيد"، وفي لفظ: "لا بأس ببيع الذهب بالفضة، والفضةُ أكثرهما يدا بيد، وأما نسيئة فلا, ولا بأس ببيع البر بالشعير، والشعيرُ أكثرهما يدا بيد، وأما النسيئة فلا"، رواه داود، إلا أن يكون أحد العوضين ثمنا، والآخر مثمنا، فإنه يجوز النّساء بينهما بغير خلاف؛ لأن الشرع أرخص فِي السلم، والأصل فِي رأس المال الدراهم والدنانير، فلو حرم النّساء ههنا لا نسد باب السلم فِي الموزونات فِي الغالب.
فأما إن اختلفت علتهما كالمكيل بالموزون، مثل بيع اللحم بالبر ففيهما روايتان:
[إحداهما]: يحرم النسَاء فيهما، وهو الذي ذكره الْخِرَقي هاهنا؛ لأنهما مالان منْ أموال الربا، فحرم النسَاء فيهما، كالمكيل بالمكيل. [والثانية]: يجوز النسَاء فيهما، وهو قول النخعي؛ لأنهما لم يجتمعا فِي أحد وصفي علة ربا الفضل، فجاز النسَاء فيهما، كالثياب بالحيوان. انتهى "المغني" ٦/ ٦١ - ٦٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): فِي البحث عن مسائل عصريّة، ابتُلي بها المسلمون فِي هذه الأعصار المتأخّرة، ينبغي أن أتكلّم فيها لمسيس الحاجة إليها، وهي أنواع، نلخّص ما تيسّر منها، وهي مما كتبه الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن آل بسّام حفظه الله تعالى فِي كتابه "الاختيارات الجلية" التي كتبها فِي هامش كتابه "نيل المآرب فِي تهذيب شرح عمدة الطالب"، فقد لخّصها، وأحسن فِي ذلك:
(فمنها): حكم الآمر بالشراء، وهو أن يتقدّم شخص إلى بنك أو غيره، فيطلب منه شراء سلعة معيّنة، أو سلعة موصوفة؛ ليشتريها البنك لنفسه، ثم يبيعها عَلَى الآمر بالشراء بثمن مؤجّل زائد عَلَى الثمن الذي اشتراها به، فهذه الصورة إن كَانَ شراء الأول شراء صحيحًا بمعنى أن السلعة دخلت فِي ملكه، وتحمّل مسؤوليّة الشراء، وتبعات الملك، منْ تلف، أو خسارة إن قُدّر ذلك، وإن الآمر بالشراء لو عدل عن وعده بالشراء، للزمت المشتري الأول، فهذا بيع صحيحٌ فِي العقد الأول، وفي العقد الثاني. وأما إن كَانَ الشراء الأول صوريّا فقط، فالمشتري الأول لم يشتر حقيقة، وإنما سلّم ثمن السلعة حاضرةً؛ ليربَح الزيادة المقابلة للأجل، فهذا ليس بيعًا، وإنما هو قرض جرّ نفعاً، وهو محرّم بالإجماع.
(ومنها): خيار الشرط الممنوع، وصورته أن يكون لرجل عَلَى آخر دينٌ، لا يستطيع وفاءه إلا ببيع عقاره الذي لا يرغب فِي بيعه حقيقةً، والدائن يريد استيفاء دينه، فيعمِد
стр. 16777
الدائن والمدين إلى بيع صوريّ، فيه خيار شرط صوريّ أيضاً، وذلك بأن يبيع المدين عقاره عَلَى الدائن، ويجعلان خيار شرط فِي البيع إلى أجل، فيقبض المشتري المبيع، وينتفع به بسكن، أو استثمار، ويتجمّد الدين مدّة الخيار، فهذا البيع، والخيار فيه ما هو إلا ربا الجاهليّة، وهذا يسمّيه الحنفيّة بيع الوفاء، ويجيزونه.
ولذا فإن المشتري لا يتحقّق غالبًا عن حال البيع، وإنما تحقّقه منْ أن قيمته لو بيع لغطّت الدين الذي عَلَى البائع، والمشتري قد يبيعه هَذَا البيع بنصف ثمنه؛ لعلمه أنه ليس بيعًا حقيقةً.
(ومنها): ودائع البنوك:
الودائع البنكيّة قسمان: [أحدهما]: ودائع بلا فائدة، وحالّة غير مؤجّلة، فهي طلب المودِع -بكسر الدال- وهذا ما يُسمّى بالحساب الجاري، فالبنك ملزَم بالسداد الفوريّ عند طلب صاحب النقود، فهذا فِي حقيقته عقد قرض، لا وديعة بمعناها الفقهيّ، وليس هو القرض الحسن، وإنما هو قرض مباح. فالغرض منه لصاحب المال حفظ نقوده بمؤسّسة أمينة، والسحب منه عَلَى طريقة منتظمة منضبطة. وغرض البنك منْ قبضه هو استثمار هذه الودائع لصالحه، وهذه صورة مباحة، لا محذور فيها، إلا أنه ينبغي للمودِع إذا وجد مصرفًا لا يتعاطى المعاملات الربويّة أن يؤثره بهذا القرض، ليُعينه عَلَى أعماله، ويشجّعه عَلَى نهجه، وإن لم يجد إلا بنكًا ربويًّا أودع عنده للحاجة.
[الثاني]: ودائع مؤجّلة بفائدة، وذلك بأن يضع صاحب النقود نقوده عند البنك بفائدة يتلقّاها مقابل استثمار البنك نقوده مدّة معلومة، قد حدّد البنك حسب نظامه مدّتها، وقدر الفائدة المقابلة لأجلها، فهذه الفوائد هي عين الربا، وَقَدْ حرّمها علماء العصر، كما حرّمها أعضاء المجامع الفقهية التي منها:
١ - مجمع البحوث الإِسلامية فِي القاهرة. ٢ - مجلس هيئة كبار العلماء فِي المملكة العربيّة السعوديّة. ٣ - مجلس المجمع الفقهي التابع لمؤتمر المنظّمة الإِسلاميّة. ٤ - مجلس المجمع الفقهيّ التابع لرابطة العالم الإسلاميّ.
(ومنها): قروض البنوك:
صورتها أن يقرض المصرف، أو غيره شخصًا محتاجًا للقرض بفائدة محدّدة معلومة، ويَخضع المقترض لنظام المصرف منْ حيث مدّة أجل القرض، ومن قدر الفائدة الذي يقدّرها المصرف.
والقرض نوعان: [أحدهما]: القرض الاستهلاكيّ، ومعناه أن غرض المقترض هو سداد حاجته بهذا القرض لبناء مسكن، أو مهر زواج، أو شراء ما هو منْ ضروراته، أو
стр. 16778
حاجته.
[الثاني]: القرض الاستثماريّ، ومعناه أن يقصد المقترض استثمار نقود القرض فِي مشروع إنتاجيّ استثماريّ. وفي كلا الحالين يأخذ المصرف منْ المقترض فوائد مقابل أجل الدين، وبقاء النقود عند المقترض للاستفادة منها استهلاكًا، أو إنتاجًا.
والمجامع الفقهيّة، والمحقّقون منْ فقهاء العصر اعتبروا هذه الفوائد فوائد ربويّة فِي كلا القرضين محرّمة، وأن هذه صفقة جمعت بين ربا الفضل منْ حيث زيادة أحد العوضين عن الآخر، وربا النسيئة منْ حيث تأجيل الوفاء. وهذا هو القول المعتبر شرعًا الصحيح دليلاً وتعليلاً.
وحصل وَهمٌ لأفراد منْ كتّاب العصر، فقالوا: إن التحريم هو فِي الفوائد المأخوذة منْ المقترضين المستهلكين المحتاجين لهذا الغرض، أما المستقرضون للاستثمار فجائزٌ أخذ الفائدة منهم؛ لأنهم مستفيدون، منتجون لهذا القرض.
وهذا قولٌ مردود، رفضه العلماء، وردوا عليه، واعتبروه منْ الأغلاط عَلَى الشرع، وأنه معارض لعموم النصوص التي حرّمت الربا بجميع أنواعه، وأشكاله، وصوره.
(ومنها): دفتر التوفير:
هَذَا النوع منْ أعمال البنوك يشبه "الحساب الجاري" منْ حيث عدم التقيّد بمدّة معيّنة للسحب منْ الرصيد، غير أنه يخضع لقيود لا يخضع لها الحساب الجاري، فنسبة السحب منْ دفاتر التوفير أقلّ منْ الحساب الجاري، ولذلك تستخدم البنوك منْ أرصدة هذه الدفاتير نسبة أكثر منْ الحسابات الجارية، وتدفع فوائد عَلَى هذه الأرصدة بشروط معيّنة. ومعنى هَذَا أن البنك تنتقل إليه ملكيّة الأرصدة، يتصرّف فيها، ويستفيد منها فِي عمليّات الإقراض، وفي مشروعاته المختلفة، ويتعهّد بردّ المثل للمودِعين -المقرضين- والمصرف ضامنٌ فِي جميع الحالات، وهذا فِي حقيقته عقد قرض، ثم تأتي الفوائد، وهي النسبة الزائدة عَلَى القرض مقابل الزمن الذي يستغرقه هَذَا القرض. وهذا هو الربا المحرّم.
(ومنها): خصم الأوراق التجاريّة:
الأوراق التجاريّة تتضمن التزامًا بدفع مبلغ منْ النقود، وتقبل التداول بطريق التظهير، ويقبلها العرف التجاريّ. ويُقصد بالخصم دفع البنك قيمة الورقة قبل ميعاد استحقاقها بعد خصم مبلغ معيّن بفائدة عن المدّة التي بين تاريخ الوفاء، وتاريخ ميعاد الاستحقاق، وبهذا يُعلم أن هَذَا الخصم عمليّة ربويّة.
(ومنها): السندات: صورة منْ صور عقد القرض، وذلك حينما يحتاج البنك مثلاً
стр. 16779
إلى مبلغ مائة مليون ريال، فيُصدر عشرة آلاف سند، قيمة كلّ سند مائة ألف ريال، ويُحدّد لها فائدة، فيُصبح البنك بهذا السند مدينًا بقيمة السند، والزيادة الربويّة، أما مشتري هَذَا السند فهو الدائن، فهذه منْ الصور الممنوعة.
(ومنها): الأسهم: السهم جزء منْ الشركة المساهمة، والمساهم فيها يملك أجزاء منْ الشركة بقدر أسهمه، والشركاء يشتركون فِي الْغُنْم والْغُرْم، كلّ بقدر ما يملك، والمساهم تارة يملك الأسهم منْ أجل استثمارها، وتارة يتّخذها للتجارة، فيبيع فيها ويشتري. والأسهم تكون حلالاً إذا أُسّست الشركة لأعمال مباحة، وتكون حرامًا إذا أسست لأعمال محرّمة، كتعاطيها الأعمال الربويّة، أو تكون شركة خمور، وغير ذلك.
(ومنها): شهادة الاستثمار: هي شهادة يُصدرها البنك لمدّة مؤجّلة محدّدة، فيشتريها الراغب فيها، وفوائدها مختلفة كثرةً وقلّةً، حسب طول المدّة وقصرها، والبنك يستلم ثمن الشهادة، فيستثمرها لمصلحته الخاصّة، أما استثمار مشتري الشهادة فهو الزيادة الربويّة التي يأخذها مقابل بقاء نقوده عند البنك، يستثمرها لمصلحته الخاصّة.
وإذا تأملنا هذه الشهادة وجدناها لا تخرج عن كونها عقد قرض بفائدة، فهي الربا المحرّم. وذلك لأنه لا يمكن تخريج النقود عَلَى أنها مؤجّرة عند البنك، ولا عَلَى أنها وديعة تحفظ بعينها عنده، أما إذا كانت شهادة الاستثمار صادرة منْ مصرف إسلاميّ، فشهادة الاستثمار تعني وحدة استثمار، يقوم باستثمارها المصرف الإسلاميّ لصالح مالك هذه الوحدة عَلَى سبيل المضاربة، فهذه جائزة.
(ومنها): الحساب الجاري:
الحساب الجاري يُعتبر وديعة تحت الطلب، فمن حقّ صاحبه أن يأخذ رصيده كلّه، أو جزءًا منه متى شاء، فإن البنك ملتزم بالسداد الفوريّ متى طلب المودع، وتسميته وديعةً اصطلاحٌ بنكيّ عرفيّ، وإلا فهو فِي حقيقة الأمر قرضٌ، وذلك أنه يختلف فِي
أحكامه عن الوديعة، كما عرّفها الفقهاء، ويختلفان بأمور، منها:
١ - أن المودعَ -بفتح الدال- لا يجوز له الانتفاع بالوديعة، واستعمالها، وهذا البنك يتصرّف بالنقود التي وُضعت عنده.
٢ - إذا تلفت الوديعة بدون تعدّ، ولا تفريط منْ المودَع -بفتح الدال- لم يضمن، أما البنك لو حصل عليه كارثة أتلفت موجوداته، ولو بلا تفريط، فإنه ضامنٌ لما وضعه النَّاس عنده.
٣ - ملكيّة النقود انتقلت إلى البنك، بخلاف الوديعة، فملكيّتها باقية بعينها لصاحبها.
(ومنها): السحب عَلَى المكشوف:
معنى السحب عَلَى المكشوف أن البنك يسمح أحيانًا لبعض عملائه أن يكتبوا
стр. 16780
شيكات يسحبون بموجبها أكثر مما لهم منْ رصيد فِي البنك، والبنك يصرف الشيك؛ لأنه يثق فِي عميله ثقة تامّةً، أو لأن عنده ضمانات أُخر للسداد، والبنك يقيّد عليه المبلغ الذي سحبه، ويقيّد عليه زيادة هي الفائدة الربوية، فالساحب أخذ منْ البنك قرضًا ربويًا، وهذا ما أجمع علماء المسلمين عَلَى تحريمه؛ لأنه منْ الربا.
والحلّ لهذه المعاملة المحرّمة، وأمثالها هو تطبيق الشريعة الإِسلاميّة فِي معاملاتنا كما نطبّقها فِي عباداتنا. والله تعالى وليّ التوفيق.
البديل الإسلاميّ منْ أعمال الربا:
الحلال بيّن، والحرام بيّن، ولكن المشكل هو فِي الأمور المشبهة التي لا يعلمها كثير منْ النَّاس، فمن الحلاد البيّن البيع، قَالَ الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ومن الحرام البيّن الربا، قَالَ تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، أما الأمور المشكلة المشبهة، فعلى علماء المسلمين أن يدرسوها دراسة دقيقة عميقة وافيةً، فإذا اتّضح جانب الحلال أخذوا به، وإذا اتّضح جانب الحرام اجتنبوه. أما إذا أظلمت الأمور، واشتبهت، ولم تتضح، فعلينا أن نستبرىء لديننا وعرضنا, ولا نحوم حول الحمى، فنقع فيه، وحمى الله تعالى محارمه، والواجب عَلَى المسلمين أن يكون لهم شخصيّة مستقلّة فِي دينهم، ولا يكونوا إمّعةً لأنظمة بنوك، أنشأتها أفكار يهوديّة، ولا يهمها منْ الأعمال إلا جمع المال بأيّ طريق كَانَ، وبأيّ وسيلة توصّل بها، وإنما واجب المسلمين منْ علماء، ورجال الاقتصاد أن يُخضعوا البنوك لاقتصاد إسلاميّ مستقلّ متميّز، والبديل الإسلاميّ ليس نظريّة منْ النظريّات، وإنما هو حقيقة ثابتة مدركة، فالإِسلام عاش أزهى عصور اقتصاده قرونًا طويلة، بلغت شعوبه منْ الثروة الطائلة، والرفاهية والرخاء ما لم تبلغه دولة منْ الدول القديمة والجديدة، وها هي التجربة الثابتة فِي دولة باكستان التي أعلنت منع التعامل بنظام الفائدة الربويّة فِي جميع البنوك، فأصبحت تجربة ناجحة رائدة.
وإن منْ البدائل التي يقدّمها الإِسلام المعاملاتِ الآتية:
١ - باب السلم الذي فتحه الإِسلام فِي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]، وَقَالَ ﷺ : "منْ أسلف فِي شيء، فليُسلف فِي كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم"، فبالسلم يستفيد البائع بتعجيل الثمن للقيام بلوازمه، ويستفيد المشتري لشرائه السلعة برخص.
٢ - بيع السلع بالتقسيط بآجال معلومة، وأقساط معلومة، فيستفيد البائع بزيادة الثمن فِي سلعته، ويستفيد المشتري بدفع الثمن بأقساط ميسّرة.
стр. 16781
٣ - مشاركة البنك المستفيد المستثمر فِي نشاطه الاقتصاديّ، فالبنك يمون المستثمر، ويقدّم له الخبرة، والتوجيه فِي مشروعه التجاريّ، أو الزراعيّ، أو الصناعيّ، والمستفيد يقوم بالعمل والجهد، ويكون رأس المال للبنك، أما الربح فهو بينهما عَلَى ما شرطاه.
٤ - إن منْ عنده مالٌ، فإنه يوظّف ماله فِي البنك عَلَى أساس الشركة مما يحصل منْ الربح فِي استثمار البنك له استثمارًا شرعيًا، أو أن البنك يكون وكيلاً باستثمار المال، أما الربح الذي يحصل منْ استثمار البنك له، فكلّه لصاحب رأس المال.
٥ - شركة المضاربة يكون منْ أحد الرجلين تقديم رأس المال، ويكون منْ الآخر العمل، فيعمل المضارب فِي المال، ويكون رأس المال لصاحبه، وأما الربح فهو شركة بينهما عَلَى حسب ما اتّفقا عليه.
٦ - يقوم البنك بمساعدة التجّار عَلَى توريد السلع، وذلك عن طريق فتح الاعتماد، فإن كَانَ للعميل رصيد يغطّي ثمن السلعة كلّها، فالبنك فِي هذه الحال وسيط بأجر عَلَى وساطته فيما بين العميل والمصدر، وإن لم يكن للعميل رصيد يغطّي الثمن، فالمصرف يكون شريكًا فِي هذه الصفقة، ويتمّ بيع البضاعة لحساب الشريكين.
وهناك طرقٌ شرعيّة أخرى، يكون فيها الكفاية والبديل عن الربا الذي قَالَ الله تعالى عنه: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ الآية [البقرة: ٢٧٦]، وَقَالَ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٩]، فالذي يجب عَلَى المسلمين الابتعاد عنه، وأن يُخضعوا معاملاتهم للأحكام الشرعيّة، فإن الدين عند الله الإِسلام، والإِسلام ليس فقط عبادات، وإنما عادات، ومعاملات، وعبادات، فكلها جميعًا لابدّ أن تكون خاضعة لأحكامه، ونظامه، والله تعالى وليّ التوفيق.
(اعلم): أن الأصل فِي المعاملات الإباحة، وأنه لا يحرم منها إلا ما حرّمه الله ورسوله ﷺ ، وأن منْ ادّعى تحريم تعامل، أو عقد، فعليه إقامة الدليل عَلَى حكم التحريم.
وهذه القاعدة مبنيّة عَلَى نصوص كثيرة منْ الكتاب والسنّة، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ الآية [البقرة: ٢٩]، وكقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ الآية [الملك: ١٥]، والأحاديث فِي هَذَا الباب كثيرة مشهورة، ولكن هناك مسائل فيها إشكالٌ، ويكثر السؤال عنها، أحببنا إيضاحها لمن يُشكل عليه حقيقتها، فمن تلك المشكلات أربع صور منْ المعاملات نذكرها، ونبيّن حكمها:
стр. 16782
[الأولى]: مسألة التورّق، والتورّق هو أن يشتري الإنسان السلعة بثمن مؤجّل، لا لذات السلعة، وإنما ليبيعها عَلَى غير بائعها عليه، وينتفع بثمنها، والراجح منْ قولي العلماء جوازها؛ لأن الأصل فِي الشرع حلّ جميع المعاملات، وأنه لا يحرم منها إلا ما قام الدليل عَلَى تحريمه، وأنه لا يُعلم حجة شرعيّة تمنع منْ هذه المعاملة، بل عموم الْحَدِيث المتّفق عليه، منْ حديث أبي سعيد الخدريّ، وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ استعمل رجلاً عَلَى خيبر الْحَدِيث الذي تقدّم للنسائيّ فِي أول هَذَا الباب أقوى حجة عَلَى صحّته.
[الثانية]: البيع بالتقسيط، وهذا البيع منْ البيوع المنتشرة فِي عصرنا انتشارًا كبيرًا، وكثر التعامل به، واحتاج النَّاس إليه فِي شراء مراكبهم، وتأثيث منازلهم، والحصول عَلَى حاجاتهم، وضروراتهم، وصفته أن يشتري السلعة منْ التاجر بثمن مؤجّل مقسّط، زائد عَلَى ثمنها لو عُجّل حال الشراء، فيستفيد الطرفان -البائع والمشتري- فالبائع يستفيد الربح منْ الزيادة فِي الثمن، والمشتري يستفيد تسهيل دفع الثمن عليه أقساطًا معلومة الأجل والمقدار، فشرط حلّها العلم بالآجال، والعلم بقدر القسط الذي يحل فِي كل وقت، وهو بيع جائز، لا شبهة فيه، داخل تحت قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢].
[الثالثة]: السُّفْتَجَة:
وهي أن يكتب الإنسان لمن دفع إليه مالاً عَلَى سبيل التمليك لكي يقبض بدلاً عنه فِي بلد آخر معيّن، والقصد منها تفادي أخطار الطريق بنقل المال عيناً، وفي هذه الطريقة مصلحة مشتركة للطرفين، وَقَدْ اختلف العلماء فِي حكمها، فمنعها الحنفيّة، والشافعيّة؛ لأنها عندهم منْ القرض الذي جرّ نفعاً، وأجازها الحنابلة، ومنهم شيخ الإِسلام ابن تيميّة؛ لأنهم يرونها حوالةً، والمنفعة الحاصلة منها لا تخصّ المقرض، بل ينتفع بها الطرفان، والأصل فِي المعاملات الحلّ، ولا يوجد محذور شرعيّ يمنع منها، وهي مما اضطرّ النَّاس إليها فِي هَذَا العصر، والأخذ باليسر، منْ مقاصد الشريعة.
وكان عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما فِي مكة، وأخوه مصعب فِي العراق، فكان الرجل يسلّم نقوده عبد الله، فيرسل معه ورقةً إلى مصعب، فيسلم الرجل مثل نقوده، ولم ينكر ذلك عليهما منْ عاصرهما منْ الصحابة ﵃.
[الرابعة]: تحويلات البنوك، وصورته أن يستلم البنك نقود الرجل فِي بلد، ويُعطيه بها شيكًا ليستلمها فِي بلد آخر، وَقَدْ يكون التحويل منْ بنك لآخر فِي بلد واحد، وفائدة ذلك إذا كَانَ التحويل بين بلدين أنه مخرج حينما تمنع دولة البلد المحال إليها دخول
стр. 16783
النقود إليها، أو تمنع الدولة المحال خروج النقود منها، أو يكون فِي نقلها خطر، وهي شبيهة بالسفتجة، إلا أن بينهما ثلاثةَ فروق (١):
الأول: أن السفتجة لابدّ أن تكون بين بلدين، وأما التحويل البنكيّ، فتارة يكون كذلك، وتارة يكون بين بنكين فِي بلد واحد. [الثاني]: أن فِي السفتجة اتحاد جنس النقد المدفوع عند العقد، والمؤدّى عند الوفاء، وأما التحويل المصرفيّ، فلا يقتصر عَلَى هَذَا، فإن المصرف فِي أغلب الأحيان يأخذ النقود منْ جنس، ويكتب المصرف منْ جنس آخر، وهذه ليست قرضًا محضًا. [الثالث]: أن السفتجة لا يؤخذ عليها أجر، أما المصرف فيتقاضى أجرًا يُسمّى عمولةً، والحنابلة، وشيخ الإِسلام أجازوا السفتجة، والتحويل المصرفيّ إذا كانت العمولة بقدر أتعاب المصرف، فإنه لا يوجد مانع شرعيّ منها.
قَالَ شيخ الإِسلام: وإذا أقرضه دراهم ليستوفي منه فِي بلد آخر، مثل أن يكون المقترض له دراهم فِي ذلك البلد، وهو محتاج إلى دراهم فِي بلد المقرض، فيكتب المقترض ورقة إلى بلد المقترض، فقد اختلف العلماء فِي جوازه، والصحيح الجواز. انتهى. وكلامه يشمل السفتجة والتحويل المصرفيّ.
وَقَالَ الشيخ عبد العزيز ابن باز: إذا دعت الضرورة إلى التحويل عن طريق البنوك الربويّة، فلا حرج فِي ذلك، إن شاء الله، ولا شكّ أن التحويل عن طريقها منْ الضرورات العامّة فِي هَذَا العصر، وهكذا الإيداع فيها للضرورة بدون الفائدة.
وكلام الشيخ ابن باز هنا ليس عن جواز التحويل، فهو جائز عنده، وإنما كلامه فِي التحويل عن طريق البنوك الربوية. والله أعلم. انتهى ما كتبه الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن آل بسام. "الاختيارات الجليّة" ٣/ ٨٨ - ٩٦.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه البحوث التي ذكره الشيخ البسّام جزاه الله تعالى خيرًا بحوث نفيسة نافعة جدًّا ينبغي الاهتمام بها؛ لكثرة تداول هذه المعاملات فِي عصرنا الحاضر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
стр. 16784
٤٢ - (بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن المصنّف رحمه الله تعالى أراد بهذه الترجمة بيان حكم بيع التمر بالتمر مثلاً بمثل، وهو الجواز، كما أن الترجمة السابقة بيان حكم بيعه متفاضلاً، وهو التحريم.
قَالَ الفيّوميّ رحمه الله تعالى: التمر: منْ ثمر النخل، كالزبيب منْ العِنَب، وهو اليابس بإجماع أهل اللغة؛ لأنه يُترك عَلَى النخل بعد إرطابه حَتَّى يجفّ، أو يقارب، ثم يُقطع، ويُترك فِي الشمس حَتَّى يَيْبَس، قَالَ أبو حاتم: وربّما جُدَّت النخلةُ، وهي باسرة، بعدما أخلّت؛ ليُجَفّف عنها، أو لخوف السرقة، فتُترك حَتَّى تكون تمراً، الواحدة تمرة، والجمع تمورٌ، وتُمْرانٌ بالضمّ. والتمر يُذكّر فِي لغة، ويؤنّث فِي لغة، فيقال: هو التمر، وهي التمر، وتَمَرْتُ القومَ تَمْرًا، منْ باب ضرب: أطعمتهم التمر. ورجلٌ تامر، ولابنٌ: ذو تمر ولبنٍ. قَالَ ابن فارس: التامر: الذي عنده التمر، والتمّار: الذي يبيعه، وتمّرته تتميرًا: يَبَّسْتُه، فتَتَمّر هو، وأتمر الرُّطَبُ: حان له أن يصير تمرًا. انتهى.
وقوله: "أَخَلّت" بشديد اللام: أي صار بَلَحُها خَلالاً بالفتح، قَالَ الفيّوميّ فِي مادّة بلح: البلَح: ثمر النخل ما دام أخضر، قريبًا إلى الاستدارة، إلى أن يغلُظ النوى، وهو كالْحِصْرَم منْ العنب، وأهل البصرة يُسمّونه الْخَلالَ، الواحدة بَلَحَةٌ، وخَلالةٌ، فإذا أخذ فِي الطول، والتلوّن إلى الحمرة، أو الصُّفْرة، فهو بُسْرٌ، فإذا خَلَصَ لونه، وتكامل إرطابه، فهو الزَّهْوُ. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٥٦١ - (أَخْبَرَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "التَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ، أَوِ ازْدَادَ، فَقَدْ أَرْبَى، إِلاَّ مَا اخْتَلَفَتْ أَلْوَانُهُ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (واصل بن عبد الأعلى) الأسديّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ٣٩/ ٨٣١.
٢ - (ابن فُضيل) محمد، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوق عارفٌ، رُمي بالتشيّع [٩] ١٨/ ٧٩٩.
٣ - (أبوه) فُضيل بن غَزْوان -بفتح المعجمة، وسكون الزاي- ابن جرير الضبّيّ
стр. 16785
مولاهم، أبو الفضل الكوفيّ، ثقة، منْ كبار [٧].
قَالَ أحمد، وابن معين: ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". ووثقه محمد بن عبد الله بن عمّار، ويعقوب بن سفيان. وَقَالَ أبو بكر بن أبي خيثمة: حدثنا أبي، حدّثنا ابن فُضيل، عن أبيه، قَالَ: كنّا نجلس أنا وابن شُبْرُمة، والقعقاع بن يزيد، والحارث العكليّ، نتذاكر الفقه، فربّما لم نقُم حَتَّى نسمع النداء لصلاة الفجر. وذكر الخالديّ الشاعر أنه قتل فِي أيام المنصور. روى له الجماعة، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب ثلاثة أحاديث، هَذَا الْحَدِيث، وحديث أبي هريرة ﵁ الآتي فِي ٤٦/ ٤٥٧١ "الذهب بالذهب وزنا بوزن" الْحَدِيث. وحديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما الآتي فِي ٤٨/ ٤٨٧٠ "لا يزني العبد حين يزني، وهو مؤمن" الْحَدِيث.
٤ - (أبو زرعة) هَرِم بن عمرو بن جرير، وقيل فِي اسمه غير هَذَا البجليّ الكوفيّ، ثقة [٣] ٤٣/ ٥٠.
٥ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير الصحابيّ، فمدنيّ. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه راويان اشتهرا بالكنية: أبو زرعة، وأبو هريرة ﵁. وفيه أبو هريرة ﵁ أكثر منْ روى الْحَدِيث فِي دهره، روى (٥٣٧٤) حديثاً. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وَالحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ) بكسر الحاء المهملة، وسكون النون-: هو والقَمْح -بفتح فسكون- والبرّ والطعام ألفاظ مترادفة (وَالشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ) بفتح الشين المعجمة، وتكسر، وكسر العين المهملة: حبّ معروف، قَالَ الزجّاج: وأهل نجد تؤنّثه، وغيرهم يذكّره، فيقال: هي الشعير، وهو الشعير. انتهى (وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ) بكسر، فسكون، يذكّر ويؤنّث، قَالَ الصغانيّ: والتأنيث أكثر، واقتصر الزمخشريّ عليه، وَقَالَ ابن الأنباريّ: الملح مؤنّثة، وتصغيرها مُليحة، والجمع ملاحٌ بالكسر، مثلُ بئرٍ وبئار انتهى (يَدًا بِيَدٍ) أي ومثلاً بمثل، ولذلك فرّع عليه قوله: "فمن زاد الخ"، وهذا التفريع لا يظهر إلا بملاحظة "مثلاً بمثل"، ففي الْحَدِيث اختصار، ويحتمل أن يكون منْ باب صنعة الاحتباك، وهو الحذف منْ الأول
стр. 16786
لدلالة الثاني عليه وبالعكس، فذكر هنا فِي الحكم "يدًا بيد"، وترك "مثلاً بمثل"، ثم ذكر فِي التفريع تفريع "مثلاً بمثل"، وترك تفريع "يدًا بيد"، فتأمّل. أفاده السنديّ.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الأول هو الأولى؛ لما فِي رواية مسلم عن أبي كريب، وواصل بن عبد الأعلى، كلاهما عن ابن فضيل، بسند المصنّف، بلفظ: "التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مثلاً بمثل، يداً بيد"، الْحَدِيث، فقد ذكر "مثلاً بمثل"، ثم أخرجه عن أبي سعيد الأشجّ، عن المحاربيّ، عن فضيل بن غَزْوان به، قَالَ: ولم يذكر "يدًا بيد"، فدل عَلَى أنه اختصار منْ بعض الرواة، فبعضهم ذكر "يدًا بيد"، وترك "مثلاً بمثل"، كما فِي رواية المصنّف، وبعضهم ذكر "مثلاً بمثل"، وترك "يدًا بيد"، كما فِي رواية مسلم الثانية. والله تعالى أعلم.
(فَمَنْ زَادَ) فِي الدفع (أَوِ ازْدَادَ) بأخذ الزيادة (فَقَدْ أَرْبَى) أي أتى بالربا، فصار عاصيًا، يريد أن الربا لا يتوقّف عَلَى أخذ الزيادة، بل يتحقّق بإعطائها أيضاً، فكلّ منْ المعطي والآخذ عاص. وَقَالَ النوويّ: معناه فعل الربا المحرّم، فدافع الزيادة، وآخذها عاصيان مربيان. انتهى (إِلَّا مَا اخْتَلَفَتْ أَلْوَانُهُ") يعني أجناسه، كما صرّح به فِي الروايات الباقية. قاله النوويّ.
وَقَالَ السنديّ: أي أربى فِي تمام تلك البيوع، إلا فِي بيع اختلفت ألوان بدليه: أي أجناسه، وبهذا ظهر أن الاستثناء منقطع، مع كون المستثنى منه محذوفًا، وأنه لابدّ منْ تقدير حرف الجرّ عَلَى خلاف القياس، وأما تقدير المستثنى منه عامًا، حَتَّى يكون الاستثناء متّصلاً، بأن يقال: فقد أربى فِي كلّ بيع، سواء كَانَ منْ المذكورات، أو غيرها، إلا فِي بيع اختلفت ألوان بدليه لا يخلو عن إشكال معنى؛ لأدائه إلى ثبوت الربا إذا اتّحد الجنس فِي كلّ بيع، فليُتأمّل. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤٢/ ٤٥٦١ - وفي "الكبرى" ٤٢/ ٦١٥١. وأخرجه (م) فِي "البيوع" ١٥٨٨ (ق) فِي "التجارات" ٢٢٥٥ (أحمد) فِي باقي "مسند المكثرين" ٧١٣١.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم بيع التمر بالتمر،
стр. 16787
وهو الجواز إذا كَانَ مثلاً بمثل، يدًا بيد. (ومنها): جواز بيع هذه الأشياء المذكورة فِي الْحَدِيث بعضها ببعض بشرط المماثلة، والتقابض فِي المجلس. (ومنها): أن الربا لا يختصّ بالآخذ، بل المعطي مثله فِي الإثم. (ومنها): أنه إذا اختلفت الأجناس جاز التفاضل. (ومنها): ما قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: فيه حجة للعلماء كافّة فِي وجوب التقابض، وإن اختلف الجنس، وجوّز إسماعيل ابن عليّة التفرّق عند اختلاف الجنس، وهو محجوج بالأحاديث والإجماع، ولعله لم يبلغه الْحَدِيث، فلو بلغه لما خالفه. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٤٣ - (بَابُ بَيْعِ الْبُرَّ بِالْبُرَّ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "البُرّ" بضمّ الموحّدة، وتشديد الراء-: الحنطة، قَالَ المنتخل الْهُذليّ [منْ البسيط]:
لَا دَرَّ دَرِّيَ إنْ أَطْعَمْتُ نَازِلَكُمْ … قِرْفَ الْحَتِيِّ (١) وَعِنْدِي الْبُرُّ مَكْنُوزُ
ورواه ابن دُريد: رائدهم. قَالَ ابن دُريد: الْبُرّ أفصح منْ قولهم: الْقَمْحُ، والْحِنْطَة، واحدته بُرّة. قَالَ سيبويه: ولا يقال لصاحبه بَرّارٌ عَلَى ما يغلب فِي هَذَا النحو؛ لأن هَذَا الضرب إنما هو سماعيّ، لا اطّراديّ. قَالَ الجوهريّ: ومنع سيبويه أن يُجمع البرّ عَلَى أبرار، وجوّزه الْمُبَرّد قياسًا. قاله فِي "لسان العرب". والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٥٦٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ -وَهُوَ ابْنُ عَلْقَمَةَ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتِيكٍ، قَالَا: جَمَعَ الْمَنْزِلُ بَيْنَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَمُعَاوِيَةَ، حَدَّثَهُمْ عُبَادَةُ، قَالَ: "نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَالْوَرِقِ بِالْوَرِقِ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ" قَالَ أَحَدُهُمَا: "وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ"، وَلَمْ يَقُلْهُ الآخَرُ، "إِلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَبِيعَ الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ، وَالْوَرِقَ بِالذَّهَبِ، وَالْبُرَّ بِالشِّعِيرِ، وَالشَّعِيرَ بِالْبُرِّ، يَدًا بِيَدٍ، كَيْفَ شِئْنَا"، قَالَ أَحَدُهُمَا: "فَمَنْ زَادَ، أَوِ ازْدَادَ، فَقَدْ أَرْبَى").
стр. 16788
رجال هَذَا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن عبد الله بن بزيع) -بفتح الموحّدة، وكسر الزاي، آخره عين مهملة: هو البصريّ، ثقة [١٠] ٤٣/ ٥٨٨.
٢ - (يزيد) بن زُريع، أبو معاوية البصريّ ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥.
٣ - (سلمة بن علقمة) التميميّ، أبو بشر البصريّ، ثقة [٦] ٣٤/ ١٨٨٩.
٤ - (محمد بن سيرين) الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر ابن أبي عمرة البصريّ، ثقة ثبت عابد فقيه [٣] ٤٦/ ٥٧.
٥ - (مسلم بن يسار) البصريّ، نزيل مكّة، أبو عبد الله الفقيه، مولى بني أمية، وقيل: مولى طلحة، وقيل: مولى مُزَينة، ويقال له: مسلم سكرة، ومسلم المصبّح، ثقة عابد [٤].
رَوَى عن أبيه، وابن عباس، وابن عمر، وأبي الأشعث الصنعاني، وحمران ابن أبان، وأرسل عن عبادة بن الصامت، وغيرهم. رَوَى عنه ابنه عبد الله، وثابت البناني، ويعلي بن حكيم، ومحمد بن سيرين، وأيوب السختياني، وأبو نضرة بن البختريّ، وقتادة، وصالح أبو الخليل، ومحمد بن واسع، وعمرو بن دينار، وأبان بن أبي عياش، وعدة. قَالَ أبو طالب، عن أحمد: ثقة. وَقَالَ أبو داود، عن ابن معين رجل صالح قديم. وَقَالَ العجليّ: تابعيّ ثقة. وَقَالَ الآجري، عن أبي داود: كَانَ يقال له: مسلم الْمُصْبح؛ لأنه كَانَ يُسْرِج المسجد. وَقَالَ: روى ابن سعد، عن ابن عون: كَانَ مسلم ابن يسار، لا يُفَضَّل عليه أحد فِي ذلك الزمان. وَقَالَ القطّان: لم يسمع قتادة عنه. وَقَالَ ابن سعد: قالوا: كَانَ ثقة فاضلا عابدا ورعا، توفي فِي خلافة عمر بن عبد العزيز، سنة مائة، أو إحدى ومائة. وَقَالَ خليفة ابن خياط: كَانَ يُعَدُّ خامس خمسة، منْ فقهاء أهل البصرة، مات سنة مائة، له ذكر فِي "اللباس" منْ "صحيح مسلم".
قَالَ الحافظ: ووقع فِي "صحيح مسلم" عن محمد بن عباد، أمرت مسلم بن يسار، مولى نافع بن عبد الحارث، أن يسأل ابن عمر، فهذا هو المكيّ، وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ: كَانَ منْ عباد أهل البصرة، وزهادها، أدرك جماعة منْ الصحابة، وأكثر روايته عن أبي الأشعث، وأبي قلابة، وشهد الجماجم، وفرق بينه وبين المكيّ، ثم قَالَ. مسلم المصبح الكوفيّ، كَانَ رجلاً صالحا، وكذا فرق البخاريّ بين البصريّ والمكي، وَقَالَ فِي ترجمة المكيّ المصبح: قَالَ ابن عيينة: كَانَ رجلاً صالحا، وَقَالَ ابن سعد: قالوا: كَانَ أرفع عندهم منْ الحسن، حَتَّى خرج مع ابن الأشعث، فوضعه ذلك عند النَّاس. وذكر ابن أبي خيثمة فِي "تاريخه الكبير" عن مكحول، قَالَ: رأيت سيدا منْ
стр. 16789
ساداتكم -يعني مسلم بن يسار-. وعن ابن سلام، قَالَ: كَانَ مسلم مفتي أهل البصرة قبل الحسن. وعن حميد بن هلال، قَالَ: كَانَ مسلم إذا قام يصلي، كأنه نورٌ مُلْقًى. وعن ابن عون، قَالَ: كَانَ مسلم بن يسار، إذا كَانَ فِي غير صلاة، كأنه كَانَ فِي صلاة، وإذا كَانَ فِي صلاة، كأنه وتد لا يتحرك شيء منه. روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب حديث عبادة هَذَا كرّره أربع مرَّات (١).
٦ - (عبد الله بن عتيك) ويقال: ابن عتيق بالقاف، ويقال: ابن عُبيد بالتصغير، وهو الأرجح، ويُدعى ابن هُرْمز، مقبول [٣].
رَوَى عن معاوية، وعبادة بن الصامت، وعنه محمد بن سيرين، ذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، رَوى له النسائيّ، وابن ماجه حديثا واحدا، فِي بيع الذهب بالذهب. يعني حديث الباب، وكرّره المصنّف ثلاث مرَّات.
وذكر ابن عساكر فِي رواية ابن علية، وبشر بن المفضل، عبد الله بن عبيد، وفي رواية يزيد بن زريع عبد الله بن عتيك انتهى. والصواب ابن عبيد، وبذلك جزم المزّيّ فِي "الأطراف" تبعاً لابن عساكر، فَقَالَ: رواية ابن زريع وَهَمٌ، وقفت عَلَى قبره، وعليه بلاطة، فيها اسمه ونسبه، وليس فيها تاريخ وفاته، وهكذا ذكره البخاريّ، وابن أبي حاتم، وابن أبي خيثمة، ويعقوب بن سفيان، وابن حبّان، وهكذا وقع فِي "السنن الكبرى" رواية ابن الأحمر، عن النسائيّ فِي جميع طرقه.
٧ - (عبادة بن الصامت) بن قيس الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو الوليد المدنيّ، أحد النقباء البدريّ، مات ﵁ بالرملة سنة (٣٤) وله (٧٢) سنة، وقيل: عاش إلى خلافة معاوية ﵁، تقدم فِي ٦/ ٤١١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات غير عبد الله بن عتيك، وَقَدْ وثقه ابن حبّان. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّين. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ مُسْلِم بْنِ يَسَارٍ، وَعَبدِ اللهِ بْنِ عَتِيكٍ) تقدّم آنفًا أن قوله: "ابن عتيك" فِي هذه الرواية وَهَمٌ، والصواب أنه ابن عُبيد، كما يأتي فِي رواية ابن عليّة، وبشر بن المفضّل، وكما هو فِي جميع طرق "الكبرى" (قَالَا: جَمَعَ الْمَنْزِلُ) بالرفع فاعل "جمع": يعني أنهما
стр. 16790
اجتمعا فِي منزل واحد، والمراد فِي بلدة واحدة، لا فِي بيت واحد.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا قَالَ السنديّ، ولا حاجة لحمل المنزل عَلَى البلد، بل الصواب حمله عَلَى المكان الواحد, لأن ظاهر القصّة التي فِي رواية مسلم الآتية قريبًا ظاهرة فِي كون المراد به المكان الواحد، فإن معاوية ﵁ خطب النَّاس منكرًا عَلَى عبادة، فبعد خطبته قام عبادة ﵁ رادًّا عليه، فتفطّن. والله تعالى أعلم.
(بَيْنَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) ﵁ (وَمُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان بن حرب ﵁ (حَدَّثَهُمْ عُبَادَةُ) هكذا هنا، وفي "الكبرى" بدون واو، ولا فاء، فتكون الجملة مستأنفة. زاد فِي رواية قتادة، عن مسلم بن يسار الآتية: "وَكَانَ بَدْرِيًّا، وَكَانَ بَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ ، أَنْ لَا يَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ".
وسبب هَذَا التحديث هو ما رواه مسلم فِي "صحيحه" منْ طريق حماد بن زيد، عن أيوب السختيانيّ، عن أبي قلابه، قَالَ: كنت بالشام فِي حلقة فيها مسلم بن يسار، فجاء أبو الأشعث، قَالَ: قالوا: أبو الأشعث، أبو الأشعث، فجلس، فقلت له: حَدِّث أخانا حديث عبادة بن الصامت، قَالَ: نعم غزونا غَزَاةً، وعلى النَّاس معاوية، فغَنِمنا غنائم كثيرة، فكان فيما غَنِمنا آنية منْ فضة، فأمر معاوية رجلاً أن يبيعها فِي أعطِيَات النَّاس، فتسارع النَّاس فِي ذلك، فبلغ عبادة بن الصامت، فقام، فَقَالَ: "إني سمعت رسول الله ﷺ ، ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواء بسواء، عينا بعين، فمن زاد، أو ازداد، فقد أربى"، فرد النَّاس ما أخذوا، فبلغ ذلك معاوية، فقام خطيبا، فَقَالَ: ألا ما بال رجال، يتحدثون عن رسول الله ﷺ أحاديث، قد كنا نشهده، ونصحبه، فلم نسمعها منه، فقام عبادة بن الصامت، فأعاد القصة، ثم قَالَ: لنحدثن بما سمعنا منْ رسول الله ﷺ ، وإن كره معاوية، أو قَالَ: وإن رَغِمَ، ما أبالي أن لا أصحبه فِي جنده ليلة سوداء. انتهى.
(قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) جملة القول تفسير لمعنى التحديث (عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَالْوَرِقِ بالْوَرِقِ) تقدّم أنه بفتح الواو، وكسر الراء، وتسكّن تخفيفًا: هي الفضّة المضروبة، وقيل: هي الفضّة مضروبة كانت، أم لا (وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ، قَالَ أَحَدُهُمَا) أي مسلم بن يسار، أو عبد الله بن عتيق (وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ، وَلَمْ يَقُلْهُ الآخَرُ) يعني أن أحدهما اقتصر عَلَى ذكر غير الملح (إِلاَّ مِثْلاً بِمِثْلِ) أي إلا متماثلين (يَدًا بِيَدٍ) أي إلا متقابضين (وَأَمَرَنَا أن نَبيعَ الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ، وَالْوَرِقَ بِالذَّهَبِ، وَالْبُرَّ بِالشَّعِيرِ، وَالشَّعِيرَ بِالْبُرِّ، يَدًا بيَدِ، كَيْفَ شِئْنَا) أي منْ حيث الكمّيّة، وإلا فلابدّ منْ مراعاة التقابض، كما بيّنه بقوله: "يدَا بيد" (قَالَ أَحَدُهُمَا: فَمَنْ زَادَ، أَوِ ازْدَادَ) متعلّق
стр. 16791
بقوله: "مثلاً بمثل" (فَقَدْ أَرْبَى) أي أخذ الربا، وأكله، فيدخل تحت الوعيد الوارد فِي آكل الربا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عبادة بن الصامت ﵁ هَذَا أخرجه مسلم.
[تنبيه]: رواية مسلم بن يسار عن عبادة ﵁ منقطعة، كما سبق الإشارة إلى هَذَا فِي ترجمته، وَقَالَ الحافظ المزيّ رحمه الله تعالى فِي "تحفة الأشراف" ٤/ ٢٥٨ - : مسلم ابن يسار البصريّ، عن عبادة بن الصامت، ولم يلقه. انتهى. ويدلّ عَلَى هَذَا رواية قتادة، الآتية برقم (٤٥٦٥) عن مسلم، عن أبي الأشعث الصنعانيّ، وأصرح منه رواية مسلم المتقدّمة، منْ طريق أيوب، عن أبي قلابة، قَالَ: كنت بالشام فِي حلقة فيها مسلم بن يسار، فجاء أبو الأشعث، قَالَ: قالوا: أبو الأشعث، أبو الأشعث، فجلس، فقلت له: حدّث أخانا حديث عبادة بن الصامت … الْحَدِيث.
والحاصل أن الْحَدِيث صحيح, لأنه تبيّن بما يأتى أن مسلم بن يسار رواه عن أبي الأشعث، عن عبادة ﵁، ومن طريقه أخرجه مسلم فِي "صحيحه"، وأما رواية عبد الله بن عبيد، فالظاهر أنها متصلة، ويحتمل أن تكون مثل رواية مسلم. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤٣/ ٤٥٦٢ و٤٥٦٣ و٤٤/ ٤٥٦٤ و٤٥٦٥ و٤٥٦٦ و٤٥٦٨ - وفي "الكبرى" ٤٣/ ٦١٥٢ و٦١٥٣ و٤٤/ ٦١٥٤ و٦١٥٥ و٦١٥٦ و٤٥/ ٦١٥٧ و٦١٥٩. وأخرجه (م) فِي "البيوع" ١٥٨٧ (د) فِي "البيوع" ٣٣٤٩ (ت) فِي "البيوع" ١٢٤٠ (ق) فِي "التجارات" ٢٢٥٤ (أحمد) فِي "باقي مسند الأنصار" ٢٢١٧٥ و٢٢٢١٧ و٢٢٢٢٠ (الدارمي) فِي "البيوع" ٢٤٦٦.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده (١):
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم بيع البرّ بالبر، وهو أنه يجب المماثلة، والتقابض فِي المجلس. (ومنها): ما كَانَ عليه الصحابة ﵃ منْ المحافظة عَلَى الوفاء بما بايعوا عليه رسول الله ﷺ ، وان أدّى ذلك إلى كراهة أميرهم،
стр. 16792
وذلك أن عبادة ﵁ كَانَ ممن بايع النبيّ ﷺ أن لا يخاف فِي الله لومة لائم، فلما أنكر عليه معاوية، لم يسكت، بل أعاد الْحَدِيث، وواجهه بما يكرهه، فَقَالَ: وإن رَغِم معاوية. قَالَ القاضي عياض رحمه الله تعالى: فيه ما يجب مما أخذ الله عَلَى العلماء ليبيّنُنّه للناس، ولا يكتمونه، وليكوننّ قوامين بالقسط، شهداء لله، وإغلاظه فِي اللفظ لمعاوية؛ لمقابلته له عَلَى إنكاره تحريمه، مع تحققه حلم معاوية، وصبره. انتهى "إكمال المعلم" ٥/ ٢٦٩. (ومنها): الاهتمام بتبليغ السنن, ونشر العلم، وإن كرهه منْ كرهه. (ومنها): القول بالحقّ، وإن كَانَ المقول له كبيرًا. (ومنها): جواز بيع هذه الأشياء بشرط المماثلة، والتقابض. (ومنها): جواز التفاضل بينها إذا اختلفت الأجناس، بشرط التقابض فِي المجلس. (ومنها): أن إعطاء الربا مثل أكله فِي الإثم. (ومنها): أن فيه الردّ عَلَى منْ قَالَ: إن البرّ والشعير جنس واحد, لأنه ﷺ نصّ عَلَى جواز بيع البرّ بالشعير كيف شاءوا، وبهذا قَالَ الشافعيّ، وأبو حنيفة، والثوريّ، وفقهاء المحدثين، وآخرون. وَقَالَ مالك، والليث، والأوزاعيّ، ومعظم علماء المدينة، والشام منْ المتقدّمين: إنهما صنف واحد. قاله النوويّ فِي "شرح مسلم" ١١/ ١٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٦٣ - (أَخْبَرَنَا الْمُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ- عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدٍ، وَقَدْ كَانَ يُدْعَى ابْنَ هُرْمُزَ، قَالَ: جَمَعَ الْمَنْزِلُ بَيْنَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَهُمْ عُبَادَةُ، قَالَ: "نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ"، قَالَ أَحَدُهُمَا: "وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ"، وَلَمْ يَقُلْهُ الآخَرُ، "إِلاَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، مِثْلاً بِمِثْلٍ"، قَالَ أَحَدُهُمَا: "مَنْ زَادَ، أَوِ ازْدَادَ، فَقَدْ أَرْبَى"، وَلَمْ يَقُلْهُ الآخَرُ، "وَأَمَرَنَا أَنْ نَبِيعَ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ، وَالْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ، وَالْبُرَّ بِالشَّعِيرِ، وَالشَّعِيرَ بِالْبُرِّ، يَدًا بِيَدٍ، كَيْفَ شِئْنَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "المؤمّل بن هشام": هو اليشكريّ، أبو هشام البصريّ، ثقة [١٠] ٢٤/ ٢٦. و"إسماعيل ابن عُليّة": هو الإِمام الحجة الثبت إسماعيل بن إبراهيم، وعُليّة أمه، وكان يَكره النسبة إليها. والباقون هم المذكورون فِي السند الماضي.
وقوله: "وكان يُدعى ابن هُرمز": أي كَانَ عبد الله بن عُبيد يسمّى بابن هرمز بضمّ الهاء، والميم بينهما راء ساكنة، آخره زاي، ولعله أحد أجداده.
وقوله: "مثلًا بمثل" تأكيد لقوله: "سواء بسواء".
والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله فِي الْحَدِيث الماضي. والله
стр. 16793
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٤٤ - (بِيْعُ الشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الشَّعِير" حبّ معروفٌ، قَالَ الزجّاج: وأهل نجد تؤنّثه، وغيرهم يُذكّره، فيقال: هي الشعير، وهو الشعير. قاله الفيّوميّ. وَقَالَ ابن منظور: "الشعير" جنس منْ الحبوب معروف، واحدته شَعيرة، وبائعه شَعِيريٌّ، قَالَ سيبويه: وليس مما بُني عَلَى فاعل، ولا فَعّال، كما يغلب فِي هَذَا النحو، وأما قول بعضهم: شِعِير، وبِعِير، ورِغِيف، وما أشبه ذلك -يعني بكسر أولها، وثانيها- لتقريب الصوت منْ الصوت -يعني للمناسبة- فلا يكون هَذَا إلا مع حروف الحلق. انتهى. "لسان". والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٥٦٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَا: جَمَعَ الْمَنْزِلُ بَيْنَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ عُبَادَةُ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنْ نَبِيعَ الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَالْوَرِقَ بِالْوَرِقِ، وَالْبُرَّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرَ بِالتَّمْرِ"، قَالَ أَحَدُهُمَا: "وَالْمِلْحَ بِالْمِلْحِ"، وَلَمْ يَقُلِ الآخَرُ، "إِلاَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، مِثْلاً بِمِثْلٍ"، قَالَ أَحَدُهُمَا: "مَنْ زَادَ، أَوِ ازْدَادَ، فَقَدْ أَرْبَى"، وَلَمْ يَقُلِ الآخَرُ، "وَأَمَرَنَا أَنْ نَبِيعَ الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ، وَالْوَرِقَ بِالذَّهَبِ، وَالْبُرَّ بِالشَّعِيرِ، وَالشَّعِيرَ بِالْبُرِّ، يَدًا بِيَدٍ، كَيْفَ شِئْنَا"، فَبَلَغَ هَذَا الْحَدِيثُ مُعَاوِيَةَ، فَقَامَ، فَقَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يُحَدِّثُونَ أَحَادِيثَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَدْ صَحِبْنَاهُ، وَلَمْ نَسْمَعْهُ مِنْهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، فَقَامَ، فَأَعَادَ الْحَدِيثَ، فَقَالَ: لَنُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعْنَاهُ، مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنْ رُغِمَ مُعَاوِيَةُ.
خَالَفَهُ قَتَادَةُ، رَوَاهُ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ، عَنْ عُبَادَةَ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "إسماعيل بن مسعود": هو الْجحدريّ البصريّ الثقة، منْ أفراد المصنّف. و"بشر بن المفضّل": هو أبو إسماعيل البصريّ الثقة الثبت. و"محمد": هو ابن سيرين.
وقوله: "فَقَالَ عبادة" أي بعد أن ارتكب معاوية ﵃ بعض العقود الفاسدة، كما تقدّم فِي رواية مسلم.
стр. 16794
وقوله: "ما بال رجال الخ": أي ما حالهم، وما شأنهم، وهذا إنكار منْ معاوية ﵁ عَلَى عبادة ﵁، والظاهر أنه منْ باب الخوف عليه أن ينسى بعض الْحَدِيث، فيخطىء عَلَى رسول الله ﷺ .
[تنبيه]: قَالَ السنديّ: قوله: "فَقَالَ: ما بال رجال" استدلال بالنفي عَلَى ردّ الْحَدِيث الصحيح بعد ثبوته، مع اتّفاق العقلاء عَلَى بطلان الاستدلال بالنفي، وظهور بطلانه بأدنى نظر، بل بديهة، فهذا جراءة عظيمة يغفر الله لنا وله. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وأنا أقول: سامح الله السنديّ فِي هذه الجراءة العظيمة عَلَى هَذَا الصحابيّ الجليل ﵁، ولو أن إمام مذهبه خالف الْحَدِيث الصحيح، لما استجاز أن يقول هَذَا الكلام فِي حقه، بل يعتذر عنه بأعذار، لا تسمن، ولا تغني منْ جوع، فكيف استجاز هَذَا الكلام البَشِع عَلَى هَذَا الصحابيّ الجليل ﵁، بل الصواب أن مثل هَذَا كثيرًا ما يصدر عن غيره منْ الصحابة ﵃، إذا سمعوا بعض الأحاديث التي كانوا يظنون أن حكم الشرع بخلافها، ظنّا منهم أن الذي حدّث بها ربما يهم، وربما يحذف نسيانًا بعض القيود، أو الشروط التي ذكرها النبيّ ﷺ ، فتنبيهًا عَلَى هَذَا يصدر منهم إنكارٌ، لا لردّ ما ثبت عنه ﷺ ، فحاشا معاوية ﵁ أن يتّهم بمثل هَذَا، فقد أنكر عمر ﵁ عَلَى عمّار حديث التيمم للجنب، وأنكر عَلَى فاطمة بنت قيس حديثها ليس للمطلقة البائن نفقة، ولا سكنى، وأنكرت عائشة عَلَى ابن عمر وغيره أحاديث كثيرة، فالواجب علينا إذا سمعنا مثل هَذَا صدر عن الصحابة ﵃ أن نعتذر عنهم، ولا نطوّل ألسنتنا، بل نقول: ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]، والله تعالى المستعان عَلَى منْ تطاول عَلَى الصحابة الكرام ﵃، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم.
وقوله. "وإن رَغَم معاوية": بفتح الراء، والغين المعجمة، ويقال بكسر الغين، يقال: رَغَمَ أنفه رَغْمًا، منْ باب قتل، ورَغِمَ، منْ باب تَعِبَ لغةٌ: كناية عن الذلّ، كأنه لَصِقَ بالرَّغَام هَوَانًا، والرَّغام بالفتح: التراب، ويتعدّى بالألف، فيقال: أرغم الله أنفه، وفعلته عَلَى رُغْم أنفه بالفتح، والضَّمّ: أي عَلَى كُرْه منه. قاله الفيّوميّ.
وقوله. (خَالَفَهُ قَتَادَةُ) أي خالف محمدَ بنَ سيرين قتادةُ بنُ دعامة فِي روايته لهذا الْحَدِيث فـ (رَوَاهُ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ، عَنْ عُبَادَةَ) ﵁ حاصل ما أشار إليه أن قتادة خالف محمد بن سيرين، حيث رواه عن مسلم يسار، عن عبادة ﵁، فرواه عن مسلم بن يسار، عن أبي الأشعث الصنعانيّ، عن عبادة، فأدخل واسطة بين مسلم، وبين عبادة ﵁، كما بين روايته بقوله:
٤٥٦٥ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ
стр. 16795
يَسَارٍ، عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَكَانَ بَدْرِيًّا، وَكَانَ بَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ ، أَنْ لَا يَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، أَنَّ عُبَادَةَ قَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ قَدْ أَحْدَثْتُمْ بُيُوعًا، لَا أَدْرِي مَا هِيَ: أَلَا إِنَّ الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا، وَإِنَّ الْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا، وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْفِضَّةِ بِالذَّهَبِ يَدًا بِيَدٍ، وَالْفِضَّةُ أَكْثَرُهُمَا، وَلَا تَصْلُحُ النَّسِيئَةُ، أَلَا إِنَّ الْبُرَّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ، مُدْيًا بِمُدْيٍ، وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الشَّعِيرِ بِالْحِنْطَةِ يَدًا بِيَدٍ، وَالشَّعِيرُ أَكْثَرُهُمَا، وَلَا يَصْلُحُ نَسِيئَةً، أَلَا وَإِنَّ التَّمْرَ بِالتَّمْرِ، مُدْيًا بِمُدْيٍ، حَتَّى ذَكَرَ الْمِلْحَ مُدًّا بِمُدٍّ، فَمَنْ زَادَ، أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن آدم": هو الجهنيّ الْمصّيصيّ، صدوقٌ [١٠] ٩٣/ ١١٥ منْ رجال المصنّف، وأبي داود. و"عبدة": هو ابن سليمان الكلابيّ الكوفيّ، الثقة الثبت. و"ابن أبي عروبة": هو سعيد. و"أبو الأشعث الصنعاني": هو شَرَاحيل بن آدة بالمدّ، وتخفيف الدال، ويقال: آدة جدّ أبيه، وهو ابن شُرَحْبِيل بن كُليب، ثقة [٢] ٥/ ١٣٧٤.
[تنبيه]: تقدّم قريبًا أن رواية قتادة هذه بإدخال الواسطة بين مسلم بن يسار، وبين عبادة ﵁ هى الصحيحة, وأما رواية ابن سيرين المتقدّمة بدون واسطة، ففيها انقطاع، ولذلك قدّمها المصنّف رحمه الله تعالى عَلَى عادته أنه يذكر الأخبار المعلّلة أوّلاً، ثم يأتي بالأخبار التي لا علّة فيها، ومثله فِي ذلك الترمذيّ رحمه الله تعالى، كما نبّه عَلَى ذلك الحافظ ابن رَجَب رحمه الله تعالى فِي "شرح علل الترمذيّ"، ونصّه فيها:
وَقَدْ اعتُرض عَلَى الترمذيّ ﵀ بأنه فِي غالب الأبواب يبدأ بالأحاديث الغريبة الإسناد غالباً، وليس ذلك بعيب، فإنه ﵀ يُبيّن ما فيها منْ العلل، ثم يُبيّن الصحيح فِي الإسناد، وكأن قصده ﵀ ذكر العلل، ولهذا تجد النسائيّ إذا استوعب طرق الْحَدِيث بدأ بما هو غلطٌ، ثم يذكر بعد ذلك الصواب المخالف له. انتهى كلامه (١).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي قاله ابن رَجَب رحمه الله تعالى كلام مفيد جدّا، فتنبّه له ينفعك فِي أبواب كثيرة منْ هَذَا الكتاب. والله تعالى أعلم.
وقوله: "وكان بايع الخ" إشارة إلى أن إنكاره عَلَى أميره إنما هو قيامًا بالوفاء بما عاهد النبيّ ﷺ عليه، منْ عدم خوف لومة لائم فِي الله تعالى.
وقوله: "أحدثتم بيوعًا الخ" تقدم فِي رواية مسلم أنهم باعوا مما غنموه آنية منْ فضّة فِي أعطِيات النَّاس، فأنكر ذلك عليهم عبادة ﵁؛ لأنه إن كَانَ البيع بالفضّة، فلابدّ
стр. 16796
منْ المماثلة وزنًا، وأن يكون يدا بيد، وإن كَانَ بالذهب فلابد منْ التقابض فِي المجلس، والبيع بالأعطيات الظاهر أنه هو البيع بما يتقاضونه منْ راتبهم التي يعطيهم أميرهم، فلا يتحقق فيها التساوي، ولا التقابض.
وقوله: "لا أدري ما هي" أي لا أعلم أهي جائزة، أم لا؟ ولعله لم يتبيّن له بيوعهم بالتفصيل، وإلا فما عملوه هو الربا بعينه.
وقوله: "تبرها، وعينها" مبتدأ حذف خبره: أي سواء، و"التبر" بكسر، فسكون: غير المضروب، قَالَ الفيّوميّ رحمه الله تعالى: التبر: ما كَانَ منْ الذهب غيرَ مضروب، فإن ضُرب دنانير، فهو عينٌ، وَقَالَ ابن فارس: التبر: ما كَانَ منْ الذهب والفضّة غير مصوغ، وَقَالَ الزجّاج: التبر: كلُّ جوهر قبل استعماله، كالنحاس، والحديد، وغيرهما. انتهى.
وقوله: "والفضّة أكثرهما" الجملة فِي محلّ نصب عَلَى الحال، وهذا ليس قيدًا، وإنما هو بناء عَلَى المتعارف عادةً، وإلا فلو كَانَ الذهب أكثر فلا يختلف الحكم، كما ثبت فِي الأحاديث الأخرى بلفظ: "وإذا اختلفت الأجناس، فبيعوا كيف شئتم، إذا كَانَ يدًا بيد".
وقوله: "مُدْيًا بمُدْيٍ": أي مكيالاً بمكيال، و"الْمُدْيُ" بضم الميم، وسكون الدال المهملة، كقُفْل: مكيال لأهل الشام، يسع خمسة عشر مَكّوكًا، والْمَكّوك بفتح الميم، وتشديد الكاف: صاع ونصف، وقيل: أكثر منْ ذلك. قاله فِي "النهاية" ٤/ ٣١٠. وَقَالَ الفيّوميّ: الْمُدْيُ وزانُ قفل: مكيال يسع تسعة عشر صاعاً، وهو غير المدَّ. انتهى. وفي نسخة: "مدًّا بمدّ".
وفي الْحَدِيث دلالة عَلَى أن البرّ والشعير جنسان، كما هو مذهب الجمهور، لا جنس واحد، كما قَالَ به مالك.
والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٦٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ مُسْلِمٍ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، تِبْرُهُ وَعَيْنُهُ، وَزْنًا بِوَزْنٍ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، تِبْرُهُ وَعَيْنُهُ وَزْنًا بِوَزْنٍ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، فَمَنْ زَادَ، أَوِ ازْدَادَ، فَقَدْ أَرْبَى".
стр. 16797
وَاللَّفْظُ لِمُحَمَّدٍ، لَمْ يَذْكُرْ يَعْقُوبُ: "وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "ويعقوب بن إبراهيم" هكذا وقع فِي جميع نسخ "المجتبى"، وهو غلط، والصواب: "إبراهيم بن يعقوب"، وهو الْجُوزجانيّ الحافظ الثبت، نبّه عَلَى هَذَا الحافظ المزّيّ رحمه الله تعالى فِي "تحفة الأشراف" ٤/ ٢٥٠، ونصّه: وقع فِي رواية أبي بكر ابن السُّنّيّ، عن النسائيّ، عن محمد بن المثنّى، و"يعقوب بن إبراهيم"، عن عمرو بن عاصم، وهو وَهَمٌ، وإنما هو "إبراهيم بن يعقوب"، كما فِي رواية أبي الحسن بن حيّويه، وأبي عليّ الأسيوطيّ، عن النسائيّ. انتهى.
والحاصل أن للنسائيّ شيخين: أحدهما يعقوب بن إبراهيم، وهو الدورقيّ، والثاني: إبراهيم بن يعقوب، وهو الْجُوزجانيّ، وهذه الرواية له، لا ليعقوب الدورقيّ، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
و"عمرو بن عاصم": هو الكلابيّ القيسيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ فِي حفظه شيء، منْ صغار [٩] ١٧/ ١٥٥٢. و"هَمّام": هو ابن يحيى الْعَوْذيّ البصريّ. و"أبو الخليل": هو صالح بن أبي مريم الضبعيّ مولاهم البصريّ، ثقة [٦] ٥١/ ٣٣٠٨.
وقوله: "الذهب بالذهب": بالرفع نائب فاعل لفعل محذوف: أي يُباع الذهب بالذهب، أو مبتدأ عَلَى حذف مضاف، وخبره محذوف: أي بيع الذهب بالذهب جائز ويحتمل النصب عَلَى أنه مفعولٌ لفعل محذوف: أي بيعوا الذهب بالذهب، وكذا قوله: "والفضّة بالفضّة" وما بعده.
وقوله: "تبره وعينه" بالرفع بدل منْ "الذهبُ".
وقوله: "لم يذكر يعقوب" تقدم آنفًا أن الصواب أنه إبراهيم بن يعقوب، فالصواب هنا: لم يذكر إبراهيم الخ.
والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٦٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ، أَنَّ أَبَا الْمُتَوَكِّلِ، مَرَّ بِهِمْ فِي السُّوقِ، فَقَامَ إِلَيْهِ قَوْمٌ، أَنَا مِنْهُمْ، قَالَ: قُلْنَا أَتَيْنَاكَ لِنَسْأَلَكَ عَنِ الصَّرْفِ؟ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، غَيْرُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؟، قَالَ: لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ غَيْرُهُ، قَالَ: "فَإِنَّ الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَالْوَرِقَ بِالْوَرِقِ"، قَالَ سُلَيْمَانُ: أَوْ قَالَ: "وَالْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرَّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرَ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحَ بِالْمِلْحِ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، فَمَنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ، أَوِ ازْدَادَ، فَقَدْ أَرْبَى، وَالآخِذُ وَالْمُعْطِي فِيهِ سَوَاءٌ").
стр. 16798
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (إسماعيل بن مسعود) الجحدريّ المذكور أول الباب.
٢ - (خالد) بن الحارث الهجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧.
٣ - (سليمان بن عليّ) الرَّبَعيّ الأزديّ، أبو عكاشة البصريّ، ثقة [٥].
قَالَ ابن معين: ثقة. وَقَالَ النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". روى له مسلم، والمصنّف، وابن ماجه، وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط.
٤ - (أبو المتوكّل) عليّ بن داود، وقيل: دؤاد الناجيّ البصريّ، مشهور بكنيته، ثقة [٣] ١٦٩/ ٢٦٢.
٥ - (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك رضي الله تعالى عنهما ١٦٩/ ٢٦٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد ﵁ منْ المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ) الرَّبَعيّ (أَنَّ أَبَا الْمُتَوَكَّلِ) عليّ بن داود (مَرَّ بهِمْ) أي بسليمان، ومن معه (فِي السُّوقِ، فَقَامَ إِلَيْهِ قَوْمٌ، أَنَا مِنْهُمْ) وفي "الكبرى": أنا فيهم، والجملة فِي محلّ رفع صفة لـ"قوم" (قَالَ) سليمان (قُلْنَا: أَتَيْنَاكَ لِنَسْأَلَكَ عَنِ الصَّرْفِ؟) أي عن حكمه، و"الصرف" بفتح، فسكون: المراد به هنا بيع الذهب بالفضّة، وهو فِي الأصل: الفضل والزيادة، قَالَ ابن منظور رحمه الله تعالى: الصرف: فضل الدرهم عَلَى الدرهم، والدينار عَلَى الدينار؛ لأن كلّ واحد منهما يُصرَف عن قيمة صاحبه، والصرف: بيع الذهب بالفضّة، وهو منْ ذلك؛ لأنه يُنصرَف به عن جوهر إلى جوهر. والتصريف فِي جميع البِيَاعات: إنفاق الدراهم، والصرّاف، والصَّيْرف، والصَّيْرَفيّ: النَّقّاد منْ الْمُصارَفة، وهو منْ التصرّف، والجمع صَيَارفُ، وصيارفةٌ، والهاء للنسبة، وَقَدْ جاء فِي الشعر الصيارف. قَالَ: ويقال: صَرَفتُ الدراهم بالدنانير، وبين الدرهمين صَرْفٌ: أي فضلٌ؛ لجودة فضّة أحدهما. انتهى "لسان العرب" ٩/ ١٩٠.
(قَالَ) أي أبو المتوكّل (سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ) ﵁ (قَالَ لَهُ رَجُلٌ) أي قَالَ لأبي
стр. 16799
المتوكّل رجل منْ القوم الذين سألوه عن الصرف (مَا) وفي "الكبرى": "أما" (بَيْنَكَ وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، غَيْرُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؟) يعني أنك لم تسمع هَذَا الْحَدِيث منْ غير أبي سعيد ﵁. ويحتمل أن يكون المراد التأكّد منْ سماعه، أي أنك سمعت هَذَا منْ أبي سعيد، وليس بينك وبينه واسطة، والأول أقرب. والله تعالى أعلم.
(قَالَ) أبو المتوكّل (لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ غَيْرُهُ، قَالَ "فَإنَّ) هكذا نسخ "المجتبى"، وفي "الكبرى": قَالَ: قَالَ الخ، وعلى الأول ففاعل "قَالَ" هو النبيّ ﷺ ، فيكون منْ حذف القول قبله: والتقدير: قَالَ: قَالَ: فإن الذهب الخ"، أي قَالَ أبو سعيد: قَالَ رسول الله ﷺ : "فإن (الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ) قَالَ فِي "الفتح" ٥/ ١٢٢ - : ويدخل فِي الذهب جميع أصنافه، منْ مضروب، ومنقوش، وجيّد، ورديء، وصحيح، ومُكَسَّر، وحليّ، وتبر، وخالص، ومغشوش، ونقل النوويّ، تبعًا لغيره فِي ذلك الإجماع. انتهى.
(وَالْوَرِقَ بِالْوَرِقِ") هو مثل سابقه، يدخل فيه جميع أصنافه (قَالَ سُلَيْمَانُ) بن عليّ (أَوْ قَالَ: "وَالْفِضَّةَ بالْفِضَّةِ) بدل قوله: "والورق بالورق"، وهو بمعناه، كما تقدّم (وَالْبُرَّ بِالْبُرَّ، وَالشَّعِيرَ بَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرَ بالتَّمْرِ، وَالْمِلْحَ بِالْمِلْحِ، سَوَاءً بِسَوَاءِ) منصوب عَلَى الحال: أي متساويين (فَمَنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ) أي أعطى الزيادة (أَوِ ازْدَادَ) أي أخذ الزيادة (فَقَدْ أَرْبَى) أي أكل الربا، قَالَ الفيّوميّ: أربى الرجل بالألف: دخل فِي الربا (وَالآخِذُ) للربا (وَالْمُعْطِي) له (فِيهِ) أي فِي حكمه، ووعيده (سَوَاءٌ) فيه تصريح بأن آكل الربا ومؤكله مستويان فِي الإثم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤٤/ ٤٥٦٧ و٤٧/ ٤٥٧٢ و٤٥٧٣ - وفي "الكبرى" ٤٥/ ٦١٥٨ و٤٨/ ٦١٦٢ و٦١٦٣. وأخرجه (خ) فِي "البيوع" ٢١٧٦ و٢١٧٧ (م) فِي "البيوع" ١٥٨٤ (ت) فِي "البيوع" ١٢٤١ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١٠٦٢٣ و١٠٦٧٨ و١١٠٣٧ و١١٠٨٨ و١١١٠٢ و١١١٩١ و١١٣٠٣ و١١٣٦٢ (الموطأ) فِي "البيوع" ١٣٢٤. وفوائد الْحَدِيث وبقية مسائله تقدّمت، فلا تغفل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٦٨ - (أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: قَالَ إِسْمَاعِيلُ:
стр. 16800
حَدَّثَنَا حَكِيمُ بْنُ جَابِرٍ ح وَأَنْبَأَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَكِيمُ بْنُ جَابِرٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "الذَّهَبُ الْكِفَّةُ بِالْكِفَّةِ"، وَلَمْ يَذْكُرْ يَعْقُوبُ: "الْكِفَّةُ بِالْكِفَّةِ"، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إِنَّ هَذَا لَا يَقُولُ شَيْئًا، قَالَ عُبَادَةُ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا أُبَالِي، أَنْ لَا أَكُونَ بِأَرْضٍ يَكُونُ بِهَا مُعَاوِيَةُ، إِنِّي أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ ذَلِكَ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير:
١ - (حكيم بن جابر) بن طارق بن عوف الأحمسيّ، ثقة [٣].
أرسل عن النبيّ ﷺ ، وروى عن أبيه، وعمر، وعثمان، وابن مسعود، وطلحة، وعبادة بن الصامت. وعنه إسماعيل بن أبي خالد، وبيان، وطارق بن عبد الرحمن. قَالَ ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ: مات فِي آخر إمارة الحجاج. وكذا قَالَ ابن سعد، وزاد: كَانَ ثقة، قليل الْحَدِيث. وأرخه ابن زَبْر سنة (٨٢)، وأرخه أبو يعقوب القَرّاب سنة (٩٥)، وقيل: غير ذلك. وَقَالَ العجليّ: كوفيّ ثقة. وَقَالَ النسائيّ: ثقة. وَقَالَ البخاريّ فِي "التاريخ الكبير": قَالَ حكيم: أخبرت عن عبادة فِي الصرف. قَالَ الحافظ: قلتُ: يُعَلِّل بذلك الْحَدِيث الذي أخرجه النسائيّ له، عن عبادة بالعنعنة. انتهى. روى له المصنّف، وابن ماجه، وأبو داود فِي "المراسيل"، والترمذيّ فِي "الشمائل"، وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط.
و"هارون بن عبد الله": هو الحمّال البغداديّ الحافظ. و"يعقوب بن إبراهيم": هو الدَّورقيّ. و"أبو أُسامة": هو حماد بن أسامة. و"يحيى": هو ابن سعيد القطّان. و"إسماعيل": هو ابن أبي خالد البجليّ الأحمسيّ الثقة الكوفيّ.
وقوله: "الذهب الكفّة بالكفّة" هكذا نسخ "المجتبى" مختصرة عَلَى هذه الجملة فقط، ونصّ "الكبرى": "الذهب الكفّة بالكفّة، والفضّة الكفّة بالكفّة، حَتَّى حصى (١)، قَالَ: "الملح الكفّة بالكفّة"، فَقَالَ معاوية الخ
و"الذهب" مبتدأ، و"الكفّة" بدل منه، و"بالكفة" خبر المبتدإ، والمعنى: أن كفّة الذهب تباع بكفّة مثلها. ويحتمل النصب عَلَى أنه مفعول لفعل محذوف: أي بيعوا كفّة الذهب بكفّة الذهب.
و"الكفّة" بكسر الكاف، وتشديد الفاء: هو كفّة الميزان" قَالَ الفيّوميّ: وكفّة الميزان بالكسر، والضمُّ لغةٌ، وأما الكفّةُ لغير الميزان, فَقَالَ الأصمعيّ: كلُّ مستدير، فهو
стр. 16801
بالكسر، نحو كفّة اللِّثَة، وهو ما انحدر منها، وكفّة الصائد، وهي حِبَالته، وكلُّ مستطيل، فهو بالضمّ، نحو كُفّة الثوب، وهي حاشيته، وكُفّة الرمل. انتهى.
وَقَالَ فِي "اللسان": قَالَ ابن سِيده: والكفّة بالكسر: كلّ شيء مستدير، كدارة الوشم، وعُود الدُّفّ، وحِبالة الصيد، والجمع كِفَفٌ، وكِفَافٌ، قَالَ: وكِفّةُ الميزان الكسر فيها أشهر، وَقَدْ حُكي فيه الفتح، وأباها بعضهم. والكُفّة: كل شيء مستطيل، ككُفّة الرمل، والثوب، والشجر، قَالَ: وكفّة كلّ شيء بالضمّ: حاشيته، وطرّته. انتهى باختصار.
وقوله: "ولم يذكر يعقوب الخ" هَذَا يقتضي أن يعقوب ذكر لفظة "الذهب" فقط، وليس كذلك، بل المراد أنه ذكر بدل لفظ الكفّة غيره، فإن الْحَدِيث مختصر منْ روايات عبادة ﵁ المتقدّمة بطولها.
وقوله: "إن هَذَا لا يقول شيئا" تقدّم توجيه إنكار معاوية ﵁ عَلَى عبادة ﵁ فِي حديثه هَذَا، فلا تغفل.
وقوله: "يقول ذلك" زاد فِي "الكبرى": ما: نصّه: "اللفظ لهارون".
والحديث صحيح (١)، تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى بهذا السياق، أخرجه هنا -٤٤/ ٤٥٦٨ - وفي "الكبرى" ٤٥/ ٦١٥٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٤٥ - (بَيْعِ الدِّينَارِ بِالدِّينَارِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الدينار": معروفٌ، والمشهور فِي الكتب أن أصله دِنّار بالتضعيف، فأُبدل حرفَ علّة للتخفيف، ولهذا يُردّ فِي الجمع إلى أصله، فيقال: دَنَانير، وبعضهم يقول: هو فِيعالٌ، وهو مردود بأنه لو كَانَ كذلك لوُجدت الياء فِي الجمع، كما ثبتت فِي دِيماس ودَيَاميس، ودِيباج ودَيَابيج، وشبهه، والدينار وزنُ إحدى
стр. 16802
وسبعين شَعِيرة ونصفَ شعيرة تقريباً، بناءً عَلَى أن الدانِق ثماني حبّات وخمسا حبّة، وإن قيل: الدانِقُ ثماني حبّات فالدينار ثمانِ وستّون وأربعة أسباع حبّة. والدينار: هو المثقال. قاله فِي "المصباح".
وَقَالَ ابن منظور رحمه الله تعالى: الدينار فارسيّ مُعرّبٌ، وأصله دِنّارٌ بالتشديد، بدليل قولهم: دنانير، ودُنَينير، فقُلبت إحدى النونين ياء؛ لئلا يلتبس بالمصادر التي تجيء عَلَى فِعّال، كقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ [النبأ: ٢٨] إلا أن يكون بالهاء، فيُخرّج عَلَى أصله، مثلُ الصِّنّارة، والدِّنّامة (١)؛ لأنه مأمون الآن منْ الالتباس، ولذلك جُمع عَلَى دنانير، ومثله قيراط، ودِيبَاجٌ، وأصله دِبّاجٌ. قَالَ أبو منصور: دينارٌ، وقيراطٌ، ودِيباجٌ أصلها أعجميّةٌ، غير أن العرب تكلّمت بها قديمًا، فصارت عربيّةً. انتهى. "لسان العرب" ٤/ ٢٩٢. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٥٦٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي تَمِيمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ، لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة بن سعيد) الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس الإِمام الحجة الثبت المدنيّ [٧] ٧/ ٧.
٣ - (موسى بن أبي تميم) المدنيّ، ثقة [٦].
روى عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة ﵁ فِي الصرف. وعنه مالك، وزُهير بن محمد العنبريّ، وسليمان بن بلال. قَالَ أبو حاتم: ثقة ليس به بأس. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". تفرّد به مسلم، والمصنّف، وله عندهما هَذَا الْحَدِيث فقط.
٤ - (سعيد بن يسار) أبو الْحُبَاب المدنيّ، ثقة متقنٌ [٣] ٤٦/ ٧٤٠.
٥ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين، غير شيخه، فإنه بغلانيّ، إلا أن الظاهر أنه دخل المدينة للأخذ عن مالك وغيره. (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ منْ
стр. 16803
المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: "الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ) يجوز فِي "الدينار" الرفع والنصب، فالرفع عَلَى أنه نائب فاعل لفعل محذوف: أي يباع الدينار، أو مبتدأ عَلَى حذف مضاف، والخبر محذوف: أي بيع الدينار جائز، والنصب بفعل مقدّر: أي بيعوا الدينار (وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ، لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا) أي لا يجوز تفضيل أحدهما عَلَى الآخر. ولفظ مسلم: "الدينار بالدينار لا فضل بينهما، والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤٥/ ٤٥٦٩ و٤٦/ ٤٥٧٠ - وفي "الكبرى" ٤٦/ ٦١٦٠ و٤٨/ ٦١٦٢. وأخرجه (م) فِي "البيوع" ١٥٨٨ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ٨٧١٤ (الموطأ) فِي "البيوع" ١٣٢٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٤٦ - (بَيْعِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الدّرهم" كمنبر، ومِحراب، وزِبْرِج: معروف، جمعه: دراهمُ ودراهيمُ. قاله فِي "القاموس".
وَقَالَ الفيّوميّ رحمه الله تعالى: الدرهم الإسلاميّ: اسم للمضروب منْ الفضّة، وهو معرَّبٌ وَزْنه فِعْلَلٌ، بكسر الفاء، وفتح اللام فِي اللغة المشهورة، وَقَدْ تُكسر هاؤه، فيقال: دِرْهِمٌ؛ حملاً عَلَى الأوزان الغالبة. والدرهم ستّة دَوَانِقَ، والدرهم نصف دينار وخُمُسُهُ. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 16804
٤٥٧٠ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرَ: "الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ، لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا، هَذَا عَهْدُ نَبِيِّنَا ﷺ إِلَيْنَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و"حُميد بن قيس المكيّ": هو الأعرج، أبو صفوان القارىء، لا بأس به [٦] ١٨٩/ ٢٩٩٥.
[تنبيه]: وقع فِي جميع نسخ "المجتبى"، وكذا فِي نسخة "الكبرى" التي عندي: "قَالَ عمر"، وهو تصحيف فاحشٌ، والصواب "ابن عمر"، كما فِي "تحفة الأشراف" ٦/ ٣٢.
وأشار فِي الهامش إلى أنه وقع فِي نسخة "الكبرى" "ابن عمر" عَلَى الصواب. فتنبّه. والله تعالى أعلم.
وقوله: "عهد نبينا ﷺ إلينا": أي وصيّته، يقال: عهد إليه، منْ باب علم: إذا أوصاه.
والحديث صحيح (١)، وَقَدْ سبق شرحه فِي الباب الماضي، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى أخرجه هنا -٤٦/ ٤٥٧٠ - وفي "الكبرى" ٤٧/ ٦١٦١. وأخرجه (أحمد) فِي "مسند العشرة" ٣١٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٧١ - (أَخْبَرَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، فَمَنْ زَادَ، أَوِ ازْدَادَ، فَقَدْ أَرْبَى").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا قبل ثلاثة أبواب، سوى "ابن أبي نعم": وهو عبد الرحمن بن أبي نُعم بضم، فسكون البجليّ، أبو الحكم الكوفيّ العابد، صدوقٌ عابد [٣] ٧٩/ ٢٥٧٨. وشرح الْحَدِيث واضح، وفيه مسألتان:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هَذَا أخرجه مسلم.
стр. 16805
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤٦/ ٤٥٧١ - وفي "الكبرى" ٤٧/ ٦١٦٢. وأخرجه (م) فِي "البيوع" ٤٠٤٤ (ق) فِي "التجارات" ٢٢٥٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٤٧ - (بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الذَّهَب" التبر، ويؤنّث، واحدته بهاء، جمعه أَذهابٌ، وذُهُوبٌ، وذُهْبانٌ بالضمّ. انتهى. وَقَالَ الفيّوميّ رحمه الله تعالى: الذهب معروفٌ، ويؤنّث، فيقال: هي الذهب الحمراء، ويقال: إن التأنيث لغة الحجاز، وبها نزل القرآن، وَقَدْ يؤنّث بالهاء، فيقال: ذَهَبةٌ. وَقَالَ الأزهريّ: الذهب مذكّرٌ، ولا يجوز تأنيثه، إلا أن يُجعل جمعًا لذهبة، والجمع أَذهاب، مثلُ أسباب، وذُهْبانٌ، مثلُ رُغْفانٍ، وأذهبته بالألف: مَوَّهته بالذهب. قاله فِي "القاموس". والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٥٧٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، إِلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ، إِلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا شَيْئًا غَائِبًا بِنَاجِزٍ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة، والسند منْ رباعيّات المصنّف، وهو (٢٢٢) منْ رباعيات الكتاب، وهو مسلسل بثقات المدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ.
وقوله: "إلا مثلاً بمثل" فِي موضع الحال: أي الذهب يباع بالذهب موزونا بموزون.
وقوله: "ولا تُشفّوا" بضم أوله، وكسر الشين المعجمة، وتشديد الفاء: أي لا تفضّلوا، وهو رباعيّ منْ أشفّ: إذا أعطى زائدًا، والشَّفّ بالكسر الزيادة، وتُطلق عَلَى النقص، فهو منْ الأضداد، يقال: شَفّ الدرهم بفتح الشين يَشِفّ بكسرها: إذا زاد، وإذا نقص، وأشفّه غيره يُشفّه .. قاله النوويّ فِي "شرح مسلم" ١١/ ١٢.
وقوله: "ولا تبيعوا غائبًا بناجز" بنون، وجيم، وزاي: أي مؤجّلاً بحال. والمراد