بالكسر، نحو كفّة اللِّثَة، وهو ما انحدر منها، وكفّة الصائد، وهي حِبَالته، وكلُّ مستطيل، فهو بالضمّ، نحو كُفّة الثوب، وهي حاشيته، وكُفّة الرمل. انتهى.
وَقَالَ فِي "اللسان": قَالَ ابن سِيده: والكفّة بالكسر: كلّ شيء مستدير، كدارة الوشم، وعُود الدُّفّ، وحِبالة الصيد، والجمع كِفَفٌ، وكِفَافٌ، قَالَ: وكِفّةُ الميزان الكسر فيها أشهر، وَقَدْ حُكي فيه الفتح، وأباها بعضهم. والكُفّة: كل شيء مستطيل، ككُفّة الرمل، والثوب، والشجر، قَالَ: وكفّة كلّ شيء بالضمّ: حاشيته، وطرّته. انتهى باختصار.
وقوله: "ولم يذكر يعقوب الخ" هَذَا يقتضي أن يعقوب ذكر لفظة "الذهب" فقط، وليس كذلك، بل المراد أنه ذكر بدل لفظ الكفّة غيره، فإن الْحَدِيث مختصر منْ روايات عبادة ﵁ المتقدّمة بطولها.
وقوله: "إن هَذَا لا يقول شيئا" تقدّم توجيه إنكار معاوية ﵁ عَلَى عبادة ﵁ فِي حديثه هَذَا، فلا تغفل.
وقوله: "يقول ذلك" زاد فِي "الكبرى": ما: نصّه: "اللفظ لهارون".
والحديث صحيح (١)، تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى بهذا السياق، أخرجه هنا -٤٤/ ٤٥٦٨ - وفي "الكبرى" ٤٥/ ٦١٥٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٤٥ - (بَيْعِ الدِّينَارِ بِالدِّينَارِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الدينار": معروفٌ، والمشهور فِي الكتب أن أصله دِنّار بالتضعيف، فأُبدل حرفَ علّة للتخفيف، ولهذا يُردّ فِي الجمع إلى أصله، فيقال: دَنَانير، وبعضهم يقول: هو فِيعالٌ، وهو مردود بأنه لو كَانَ كذلك لوُجدت الياء فِي الجمع، كما ثبتت فِي دِيماس ودَيَاميس، ودِيباج ودَيَابيج، وشبهه، والدينار وزنُ إحدى
стр. 16802
وسبعين شَعِيرة ونصفَ شعيرة تقريباً، بناءً عَلَى أن الدانِق ثماني حبّات وخمسا حبّة، وإن قيل: الدانِقُ ثماني حبّات فالدينار ثمانِ وستّون وأربعة أسباع حبّة. والدينار: هو المثقال. قاله فِي "المصباح".
وَقَالَ ابن منظور رحمه الله تعالى: الدينار فارسيّ مُعرّبٌ، وأصله دِنّارٌ بالتشديد، بدليل قولهم: دنانير، ودُنَينير، فقُلبت إحدى النونين ياء؛ لئلا يلتبس بالمصادر التي تجيء عَلَى فِعّال، كقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ [النبأ: ٢٨] إلا أن يكون بالهاء، فيُخرّج عَلَى أصله، مثلُ الصِّنّارة، والدِّنّامة (١)؛ لأنه مأمون الآن منْ الالتباس، ولذلك جُمع عَلَى دنانير، ومثله قيراط، ودِيبَاجٌ، وأصله دِبّاجٌ. قَالَ أبو منصور: دينارٌ، وقيراطٌ، ودِيباجٌ أصلها أعجميّةٌ، غير أن العرب تكلّمت بها قديمًا، فصارت عربيّةً. انتهى. "لسان العرب" ٤/ ٢٩٢. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٥٦٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي تَمِيمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ، لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة بن سعيد) الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس الإِمام الحجة الثبت المدنيّ [٧] ٧/ ٧.
٣ - (موسى بن أبي تميم) المدنيّ، ثقة [٦].
روى عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة ﵁ فِي الصرف. وعنه مالك، وزُهير بن محمد العنبريّ، وسليمان بن بلال. قَالَ أبو حاتم: ثقة ليس به بأس. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". تفرّد به مسلم، والمصنّف، وله عندهما هَذَا الْحَدِيث فقط.
٤ - (سعيد بن يسار) أبو الْحُبَاب المدنيّ، ثقة متقنٌ [٣] ٤٦/ ٧٤٠.
٥ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين، غير شيخه، فإنه بغلانيّ، إلا أن الظاهر أنه دخل المدينة للأخذ عن مالك وغيره. (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ منْ
стр. 16803
المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: "الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ) يجوز فِي "الدينار" الرفع والنصب، فالرفع عَلَى أنه نائب فاعل لفعل محذوف: أي يباع الدينار، أو مبتدأ عَلَى حذف مضاف، والخبر محذوف: أي بيع الدينار جائز، والنصب بفعل مقدّر: أي بيعوا الدينار (وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ، لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا) أي لا يجوز تفضيل أحدهما عَلَى الآخر. ولفظ مسلم: "الدينار بالدينار لا فضل بينهما، والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤٥/ ٤٥٦٩ و٤٦/ ٤٥٧٠ - وفي "الكبرى" ٤٦/ ٦١٦٠ و٤٨/ ٦١٦٢. وأخرجه (م) فِي "البيوع" ١٥٨٨ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ٨٧١٤ (الموطأ) فِي "البيوع" ١٣٢٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٤٦ - (بَيْعِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الدّرهم" كمنبر، ومِحراب، وزِبْرِج: معروف، جمعه: دراهمُ ودراهيمُ. قاله فِي "القاموس".
وَقَالَ الفيّوميّ رحمه الله تعالى: الدرهم الإسلاميّ: اسم للمضروب منْ الفضّة، وهو معرَّبٌ وَزْنه فِعْلَلٌ، بكسر الفاء، وفتح اللام فِي اللغة المشهورة، وَقَدْ تُكسر هاؤه، فيقال: دِرْهِمٌ؛ حملاً عَلَى الأوزان الغالبة. والدرهم ستّة دَوَانِقَ، والدرهم نصف دينار وخُمُسُهُ. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 16804
٤٥٧٠ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرَ: "الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ، لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا، هَذَا عَهْدُ نَبِيِّنَا ﷺ إِلَيْنَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و"حُميد بن قيس المكيّ": هو الأعرج، أبو صفوان القارىء، لا بأس به [٦] ١٨٩/ ٢٩٩٥.
[تنبيه]: وقع فِي جميع نسخ "المجتبى"، وكذا فِي نسخة "الكبرى" التي عندي: "قَالَ عمر"، وهو تصحيف فاحشٌ، والصواب "ابن عمر"، كما فِي "تحفة الأشراف" ٦/ ٣٢.
وأشار فِي الهامش إلى أنه وقع فِي نسخة "الكبرى" "ابن عمر" عَلَى الصواب. فتنبّه. والله تعالى أعلم.
وقوله: "عهد نبينا ﷺ إلينا": أي وصيّته، يقال: عهد إليه، منْ باب علم: إذا أوصاه.
والحديث صحيح (١)، وَقَدْ سبق شرحه فِي الباب الماضي، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى أخرجه هنا -٤٦/ ٤٥٧٠ - وفي "الكبرى" ٤٧/ ٦١٦١. وأخرجه (أحمد) فِي "مسند العشرة" ٣١٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٧١ - (أَخْبَرَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، فَمَنْ زَادَ، أَوِ ازْدَادَ، فَقَدْ أَرْبَى").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا قبل ثلاثة أبواب، سوى "ابن أبي نعم": وهو عبد الرحمن بن أبي نُعم بضم، فسكون البجليّ، أبو الحكم الكوفيّ العابد، صدوقٌ عابد [٣] ٧٩/ ٢٥٧٨. وشرح الْحَدِيث واضح، وفيه مسألتان:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هَذَا أخرجه مسلم.
стр. 16805
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤٦/ ٤٥٧١ - وفي "الكبرى" ٤٧/ ٦١٦٢. وأخرجه (م) فِي "البيوع" ٤٠٤٤ (ق) فِي "التجارات" ٢٢٥٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٤٧ - (بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الذَّهَب" التبر، ويؤنّث، واحدته بهاء، جمعه أَذهابٌ، وذُهُوبٌ، وذُهْبانٌ بالضمّ. انتهى. وَقَالَ الفيّوميّ رحمه الله تعالى: الذهب معروفٌ، ويؤنّث، فيقال: هي الذهب الحمراء، ويقال: إن التأنيث لغة الحجاز، وبها نزل القرآن، وَقَدْ يؤنّث بالهاء، فيقال: ذَهَبةٌ. وَقَالَ الأزهريّ: الذهب مذكّرٌ، ولا يجوز تأنيثه، إلا أن يُجعل جمعًا لذهبة، والجمع أَذهاب، مثلُ أسباب، وذُهْبانٌ، مثلُ رُغْفانٍ، وأذهبته بالألف: مَوَّهته بالذهب. قاله فِي "القاموس". والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٥٧٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، إِلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ، إِلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا شَيْئًا غَائِبًا بِنَاجِزٍ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة، والسند منْ رباعيّات المصنّف، وهو (٢٢٢) منْ رباعيات الكتاب، وهو مسلسل بثقات المدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ.
وقوله: "إلا مثلاً بمثل" فِي موضع الحال: أي الذهب يباع بالذهب موزونا بموزون.
وقوله: "ولا تُشفّوا" بضم أوله، وكسر الشين المعجمة، وتشديد الفاء: أي لا تفضّلوا، وهو رباعيّ منْ أشفّ: إذا أعطى زائدًا، والشَّفّ بالكسر الزيادة، وتُطلق عَلَى النقص، فهو منْ الأضداد، يقال: شَفّ الدرهم بفتح الشين يَشِفّ بكسرها: إذا زاد، وإذا نقص، وأشفّه غيره يُشفّه .. قاله النوويّ فِي "شرح مسلم" ١١/ ١٢.
وقوله: "ولا تبيعوا غائبًا بناجز" بنون، وجيم، وزاي: أي مؤجّلاً بحال. والمراد
стр. 16806
بالغائب أعم منْ المؤجّل، كالغائب عن المجلس مطلقًا، مؤجّلاً كَانَ، أو حالاً، والناجز الحاضر.
قَالَ النوويّ: وَقَدْ أجمع العلماء عَلَى تحريم بيع الذهب بالذهب، أو بالفضّة مؤجّلاً، وكذلك الحنطة بالحنطة، أو بالشعير، وكذلك كلّ شيئين اشتركا فِي علّة الربا، أما إذا باع دينارًا بدينار كلاهما فِي الذّمّة، ثم أخرج كلّ واحد الدينار، أو بعث منْ أحضر له دينارًا منْ بيته، وتقابضا فِي المجلس، فيجوز بلا خلاف عند الشافعيّة؛ لأن الشرط أن لا يتفرّقا بلا قبض، وَقَدْ حصل، ولهذا قَالَ ﷺ : "ولا تبيعوا شيئًا غائبًا منه بناجز، إلا يدًا بيد".
وأما قول القاضي عياض: اتّفق العلماء عَلَى أنه لا يجوز بيع أحدهما بالآخر إذا كَانَ أحدهما مؤجّلاً، أو غاب عن المجلس، فليس كما قَالَ، فإن الشافعيّ وأصحابه، وغيرهم متّفقون عَلَى جواز الصور التي ذكرتها. والله أعلم. انتهى "شرح مسلم" ١١/ ١٢ - ١٣.
وَقَالَ ابن بطال: فيه حجة للشافعي فِي قوله: منْ كَانَ له عَلَى رجل دراهم، ولآخر عليه دنانير، لم يجز أن يقاص أحدهما الآخر بما له؛ لأنه يدخل فِي معنى بيع الذهب بالورق دينا؛ لأنه إذا لم يجز غائب بناجز، فأحرى أن لا يجوز غائب بغائب. وأما الْحَدِيث الذي أخرجه أصحاب السنن, عن ابن عمر، قَالَ: كنت أبيع الإبل بالبقيع، أبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك؟، فَقَالَ: "لا بأس به إذا كَانَ بسعر يومه، ولم تفترقا وبينكما شيء"، فلا يدخل فِي بيع الذهب بالورق دينا؛ لأن النهي بقبض الدراهم عن الدنانير، لم يقصد إلى التأخير فِي الصرف. انتهى.
واستدل بقوله: "مثلا بمثل" عَلَى بطلان البيع بقاعدة مُدّ عَجْوَة، وهو أن يبيع مد عجوة ودينارا، بدينارين مثلا، وأصرح منْ ذلك فِي الاستدلال عَلَى المنع، حديث فَضَالة بن عبيد عند مسلم، فِي رد البيع فِي القلادة التي فيها خَرَزٌ وذهب، حَتَّى تُفَصَّل، أخرجه مسلم، وفي رواية أبي داود: "فقلت: إنما أردت الحجارة، فَقَالَ: "لا حَتَّى يتميز بينهما". قاله فِي "الفتح" ٥/ ١٢٢. وسيأتي حديث فَضالة ﵁ فِي الباب التالي، وسنتكلّم عليه هناك، إن شاء الله تعالى.
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ مضى البحث عنه قبل بابين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٧٣ - (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ
стр. 16807
ابْنُ زُرَيْعٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: بَصُرَ عَيْنِي، وَسَمِعَ أُذُنِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ النَّهْيَ عَنِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَالْوَرِقِ بِالْوَرِقِ، إِلاَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَلَا تَبِيعُوا غَائِبًا بِنَاجِزٍ، وَلَا تُشِفُّوا أَحَدَهُمَا عَلَى الآخَرِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه إسماعيل، فإنه منْ أفراده، وهو ثقة. و"ابن عون": هو عبد الله.
وقوله: "بصُر عيني، وسمع أذني"، قَالَ ابن الأثير: البصَرُ بمعنى الإبصار، وَقَدْ تكرّر هَذَا اللفظ فِي الْحَدِيث، واختُلف فِي ضبطه، فرُوي بَصُرَ، وسَمِعَ، وبَصَّرَ، وسَمَّع أي بالتشديد- وبَصَرٌ، وسَمْعٌ عَلَى أنهما اسمان. انتهى "النهاية" ١/ ١٣١.
وقوله: "إلا سواء بسواء، مثلاً بمثل": قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: يحتمل أن يكون الجمع بين هذه الألفاظ توكيدًا، ومبالغةً فِي الإيضاح. انتهى. "شرح مسلم" ١١/ ١٤.
وهذا الْحَدِيث فيه قصّة لأبي سعيد الخدريّ مع ابن عمر ﵃، وَقَدْ ساقها مسلم، منْ طريق الليث، عن نافع، ولفظه: أن ابن عمر قَالَ له رجل، منْ بني ليث: إن أبا سعيد الخدريّ، يَأْثُر هَذَا عن رسول الله ﷺ ، قَالَ نافع: فذهب عبد الله، وأنا معه، والليثيّ، حَتَّى دخل عَلَى أبي سعيد الخدريّ، فَقَالَ: إن هَذَا أخبرني أنك تخبر أن رسول الله ﷺ ، نهى عن بيع الورق بالورق، إلا مثلاً بمثلٍ، وعن بيع الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، فأشار أبو سعيد بإصبعه إلى عينيه وأذنيه، فَقَالَ أبصرت عيناي، وسمعت أذناي رسول الله ﷺ يقول: "لا تبيعوا الورق بالورق، إلا مثلا بمثل"، الْحَدِيث، ولمسلم أيضًا منْ طريق أبي نضرة، فِي هذه القصة لابن عمر مع أبي سعيد، أن ابن عمر نهى عن ذلك، بعد أن كَانَ أفتى به لَمّا حدثه أبو سعيد بنهي النبيّ ﷺ .
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ مضى البحث عنه فيما قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٧٤ - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ بَاعَ سِقَايَةً مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ وَرِقٍ، بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهَا، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذَا، إِلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ).
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (زيد بن أسلم) العدويّ مولى عمر، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة فقيه يرسل [٣] ٦٤/ ٨٠.
стр. 16808
٢ - (عطاء بن يسار) الهلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة، ثقة فاضل، صاحب مواعظ وعبادة، منْ صغار [٣] ٦٤/ ٨٠.
٣ - (أبو الدرداء) عويمر بن زيد بن قيس الأنصاريّ، مختلف فِي اسمه، وإنما هو مشهور بكنيته، وقيل: اسمه عامر، وعُويمر لقبه، صحابيّ جليل، أول مشاهده أحد، مات فِي خلافة عثمان ﵁، وقيل: عاش بعد ذلك، تقدم فِي ٤٨/ ٨٤٧، والباقيان ترجما فِي الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، كما سبق قريبًا. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: زيد، عن عطاء. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) مولى ميمونة رضي الله تعالى عنها (أَنَّ مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان بن حرب رضي الله تعالى عنهما (بَاعَ سِقَايَةً) بكسر السين المهملة، وتخفيف القاف: هو الإناء الذي يُسقَى به، قاله فِي "القاموس" (مِنْ ذَهَبٍ) أي مصنوع منْ ذهب (أَوْ وَرِقٍ) ولا يلزم منْ هَذَا أنه كَانَ يشرب به، إذ يحتمل أن يكون مصنوعًا قبل النهي، وبقي عندهم، أو لعلهم يستعملونه للزينة والجمال، والله تعالى أعلم (بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهَا) هَذَا محمولٌ عَلَى أن معاوية ﵁ كَانَ يرى أن الصناعة لها قسط منْ الثمن، وسيأتي تحقيق الخلاف فِي ذلك فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى (فَقَال أَبُو الدَّرْدَاءِ) عُويمر بن زيد ابن قيس الأنصاريّ، مختلف فِي اسم أبيه، وهو مشهور بكنيته، وقيل: اسمه عامر، وعُويمر لقبه، الصحابيّ الجليل ﵁ أول مشاهده أحدٌ، وكان عابدًا، مات فِي آخر خلافة عثمان ﵁، وقيل: عاش بعد ذلك (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذَا، إِلَّا مِثْلاً بِمِثْلٍ) يعني أنه لا يجوز بيع الأشياء المصنوعة منْ الذهب، أو الفضة بجنسها، إلا إذا تساوت فِي الوزن، ولا قيمة للصناعة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي الدرداء ﵁ هَذَا صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٤٧/ ٤٥٧٤ - وفي "الكبرى" ٤٨/ ٦١٦٤. وأخرجه (أحمد) فِي "مسند القبائل" ٢٦٩٨٣ (الموطأ) فِي "البيوع" ١٣٢٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 16809
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٤٨ - (بَيْعِ الْقِلَادَةِ فِيهَا الْخَرَزُ، وَالذَّهَبُ بِالذَّهَبِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "القِلادة" بالكسر: ما جُعل فِي العنق، يكون للإنسان، والفرس، والكلب، والبدنة التي تهُدى، ونحوها، وقلّدتُ المرأةَ، فتقلّدت هي. قَالَ ابن الأعرابيّ: قيل لأعرابيّ: ما تقول فِي نساء بني فلان؟ قَالَ: قلائد الخيل: أي هنّ كرامٌ، ولا يُقلّد منْ الخيل إلا سابقٌ كريم. قاله فِي "اللسان" ٣/ ٣٦٦.
و"الْخَرَز" بخاء معجمة، فراء مفتوحتين، وآخره زاي، واحدته خرزة، مثل قصبة وقصب. قَالَ فِي "اللسان": الْخَرَز بالتحريك: الذي يُنْظَمُ، الواحدة خَرَزة، وَقَالَ أيضاً: الخَرَز: فُصُوص منْ حجارة، واحدتها خَرَزَةٌ. وقيل: الْخَرَزُ: فصوص منْ جيّد الجوهر، ورديئه، منْ الحجارة، ونحوه. انتهى.
وقوله: "بالذهب" متعلّقٌ بـ "بيع"، ومعنى الترجمة: هَذَا باب فِي ذكر الْحَدِيث الدالّ عَلَى حكم بيع القِلادة المنظومة منْ الخرز، والذهب بالذهب. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٥٧٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي شُجَاعٍ، سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ حَنَشٍ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: اشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً، فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فَفَصَّلْتُهَا، فَوَجَدْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ ﷺ ، فَقَالَ: "لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفَصَّلَ").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور قريبًا.
٢ - (الليث) بن سعد الإِمام المصريّ، ثقة ثبت حجة [٧] ٣١/ ٣٥.
٣ - (أبو شجاع سعيد بن يزيد) الحميريّ القِتبانيّ الإسكندرانيّ، ثقة عابد [٧] ١٤٦/ ٢٣٧.
٤ - (خالد بن أبي عمران) التجيبيّ، أبو عمر، قاضي إفريقية، فقيه صدوق [٥] ٧٨/ ١٣٤٤.
стр. 16810
٥ - (حنَش) -بفتح الحاء المهملة، والنون الخفيفة، بعدها شين معجمة- ابن عبد الله، ويقال: ابن عليّ بن عمرو بن حنظلة السَّبَئيّ -بفتح المهملة، والموحّدة، بعدها همزة- أبو رِشدِين الصنعانيّ، منْ صنعاء دمشق، نزيل إفريقية، ثقة [٣].
رَوَى عن علي، وابن مسعود، ورُويفع بن ثابت، وفَضَالة بن عبيد، وأبي سعيد، وابن عباس، وكعب الأحبار، وغيرهم، وعنه ابنه الحارث، وخالد بن أبي عمران، وبكر بن سَوَادة، والْجُلاح أبو كثير، وقيس بن الحجاج، وعامر بن يحيى المعافري، وأبو مرزوق التجيبي، وغيرهم. قَالَ العجليّ، وأبو زرعة: ثقة. وَقَالَ أبو حاتم: صالح. وَقَالَ ابن المديني: حنش الذي رَوَى عن فضالة، هو حنش بن علي الصنعاني، وليس هو حنش بن المعتمر الكناني، صاحب علي، ولا حنش ابن ربيعة الذي صلى خلف علي، ولا حنش صاحب التيمي. وَقَالَ ابن يوسف: كَانَ مع علي بالكوفة، وقدم مصر، وغزا المغرب، مع رُويفع بن ثابت، توفي بإفريقية سنة مائة. وَقَالَ أبو عبد الله الحميدي: يقال: إن جامع سرقسطة منْ بنائه. وذكر أبو الوليد الوقشي أن قبره بها. ووثقه يعقوب بن سفيان، وابن حبّان. وَقَالَ الآجري، عن أبي داود: هو حنش بن علي. روى له مسلم، والأربعة، وله فِي هَذَا الكتاب حديث فضالة ﵁ هَذَا فقط.
٦ - (فضالة بن عُبيد) بن نافذ بن قيس الأنصاريّ الأوسيّ، الصحابيّ المشهور، أول مشاهده أحدٌ، ثم نزل دمشق، وولي قضاءها، ومات ﵁ بها سنة (٥٨) وقيل: قبلها، تقدّمت ترجمته فِي ٤٨/ ١٢٨٤. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين، غير شيخه، والظاهر أنه دخلها. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ فَضَالَةَ) -بفتح الفاء، وتخفيف الضاد المعجمة- (ابْنِ عُبَيْدٍ) -بصيغة التصغير- رضي الله تعالى عنه (قَالَ: اشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ) أي يوم فتح خيبر (قِلَادَةً) بكسر القاف تقدم معناها أول الباب (فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ) بفتحتين تقدم معناها (بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فَفَصَّلْتُهَا) يحتمل أن يكون بتخفيف الصاد، منْ الفصل: يقال: فصلته فصلاً، منْ باب ضرب: نحّيته، أو قطعته، فانفصل. ويحتمل أن يكون بتشديدها، منْ التفصيل: يقال: فصّلتُ الشيء تفصيلاً: جعلته فُصولاً متمايزة، قاله الفيّوميّ.
стр. 16811
والمعنى هنا: أنه فرَزَ ما فيها منْ خرز وذهب، كلَّ نوع لحاله (فَوَجَدْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا) أي أكثر منْ الثمن الذي اشتراها به (فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيَّ ﷺ ) ببناء الفعل للمفعول، ويحتمل أن يكون بالبناء للفاعل، ويكون فيه التفات، إذا الظاهر أن يقول: "فذكرت الخ"، وفي رواية مسلم: "فذكرت ذلك للنبيّ ﷺ " (فَقَالَ) ﷺ (لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفَصَّلَ) بالبناء للمفعول: أي لا يجوز بيع هذه القلادة إلا بعد التمييز بين الذهب والخرز؛ لكونه بيع مال ربويّ بجنسه، فيشترط فيه التماثل، ولا يتحقّق ذلك إلا بالفصل.
وفي رواية لمسلم منْ طريق عامر بن يحيى المعافري، عن حنش، أنه قَالَ: كنا مع فَضَالة بن عبيد فِي غزوة، فطارت لي ولأصحابي قلادة فيها ذهب، وورق، وجوهر، فأردت أن أشتريها، فسألت فضالة بن عبيد، فَقَالَ انزع ذهبها، فاجعله فِي كِفّة، واجعل ذهبك فِي كفة، ثم لا تأخذن إلا مثلا بمثل، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "منْ كَانَ يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يأخذن إلا مثلا بمثل". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث فضالة بن عُبيد ﵁ هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤٨/ ٤٥٧٥ و٤٥٧٦ - وفي "الكبرى" ٤٩/ ٦١٦٥ و٦١٦٦. وأخرجه (م) فِي "البيوع" ١٥٩١ (د) فِي "البيوع" ٣٣٥١ و٣٣٥٢ (ت) فِي "البيوع" ١٢٥٥ (أحمد) فِي "باقي مسند الأنصار" ٢٣٤٢١ و٢٢٤٤٢ و٢٣٤٤٨. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم بيع القلادة المشتملة عَلَى الذهب والخرز بالذهب، وهو التحريم إلا إذا فُصِّلَت، ومُيّزت، وعُلِمَ الوزنُ. (ومنها): أنه لا يجوز بيع ذهب مع غيره بذهب، حَتَّى يُفصل، فيباع الذهب بوزنه ذهبا، ويباع الآخر بما أراد، وكذا لا تباع فضة مع غيرها بفضة، وكذا الحنطة مع غيرها بحنطة، والملح مع غيره بملح، وكذا سائر الربويات، بل لابد منْ فصلها، وسواء كَانَ الذهب فِي الصورة المذكورة أولا قليلا أو كثيرا، وكذلك باقي الربويات، وهذا القول هو الراجح، وسيأتي تحقيق الخلاف فِي ذلك فِي المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 16812
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فيمن باع شيئا مما فيه الربا بعضه ببعض، ومعهما، أو مع أحدهما منْ غير جنسه:
قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: وهذه هي المسألة المشهورة فِي كتب الشافعيّ، وأصحابه وغيرهم، المعروفة بـ"مسألة مُدّ عجوة"، وصورتها: باع مُدّ عجوة ودرهما، بمدي عجوة، أو بدرهمين، لا يجوز؛ لهذا الْحَدِيث، وهذا منقول عن عمر بن الخطاب، ﵁ وابنه، وجماعة منْ السلف، وهو مذهب الشافعيّ، وأحمد، وإسحق، ومحمد بن عبد الحكم المالكي.
وَقَالَ أبو حنيفة، والثوري، والحسن بن صالح: يجوز بيعه بأكثر مما فيه منْ الذهب، ولا يجوز بمثله، ولا بدونه.
وَقَالَ مالك، وأصحابه، وآخرون: يجوز بيع السيف المحلَّى بذهب وغيره، مما هو فِي معناه، مما فيه ذهب، فيجوز بيعه بالذهب، إذا كَانَ الذهب فِي المبيع تابعا لغيره، وقدّرُوه بأن يكون الثلث، فما دونه.
وَقَالَ حماد بن أبي سليمان: يجوز بيعه بالذهب مطلقا، سواء باعه بمثله منْ الذهب، أو أقل، أو أكثر، وهذا غلط، مخالف لصريح الْحَدِيث.
واحتج أصحاب القول الأول بحديث القلادة، وأجابت الحنفية بأن الذهب كَانَ فيها أكثر منْ اثني عشر دينارا، وَقَدْ اشتراها باثني عشر دينارا، قالوا: ونحن لا نجيز هَذَا، وإنما نجيز البيع إذا باعها، بذهب أكثر مما فيها، فيكون ما زاد منْ الذهب المنفرد، فِي مقابلة الخرز ونحوه، مما هو مع الذهب المبيع، فيصير كعقدين، وأجاب الطحاوي، بأنه إنما نُهِي عنه؛ لأنه كَانَ فِي بيع الغنائم؛ لئلا يُغبن المسلمون فِي بيعها، قَالَ الشافعيّة: وهذان الجوابان ضعيفان، لاسيما جواب الطحاوي، فإنه دعوى مجردة، قالوا: ودليل صحة قولنا، وفساد التأويلين، أن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "لا يباع حَتَّى يفصل"، وهذا صريح فِي اشتراط فصل أحدهما عن الآخر فِي البيع، وأنه لا فرق بين أن يكون الذهب المبيع قليلا، أو كثيرا، وأنه لا فرق بين بيع الغنائم وغيرها. انتهى "شرح مسلم" ١١/ ٢٠ - ٢١. ببعض تصرّف.
وَقَالَ الموفق رحمه الله تعالى: فِي "المغني": وإن باع شيئا فيه الربا، بعضه ببعض، ومعهما أو مع أحدهما منْ غير جنسه، كمدّ ودرهم، بمد ودرهم، أو بمدين أو بدرهمين، أو باع شيئا مُحَلّى بجنس حليته، فهذه المسألة تُسمّى "مسألة مُدّ عَجْوَة"، والمذهب أنه لا يجوز ذلك، نص عَلَى ذلك أحمد فِي مواضع كثيرة، وذكره قدماء الأصحاب، قَالَ ابن أبي موسى فِي السيف الْمُحَلّى، والمِنطقة، والمراكب المحلاة
стр. 16813
بجنس ما عليها, لا يجوز قولا واحدا، وروي هَذَا عن سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وشُريح، وابن سيرين، وبه قَالَ الشافعيّ، وإسحاق، وأبو ثور. وعن أحمد رواية أخرى، تدل عَلَى أنه يجوز، بشرط أن يكون المفرد أكثر منْ الذي معه غيره، أو يكون مع كل واحد منهما منْ غير جنسه، فإن مُهَنّا نقل عن أحمد، فِي أن بيع الزُّبْد باللبن يجوز، إذا كَانَ الزبد المنفرد أكثر منْ الزبد، الذي فِي اللبن. ورَوَى حرب، قَالَ: قلت لأحمد: دفعتُ دينارا كوفيا ودرهما، وأخذت دينارا شاميا، وزنهما سواء، لكن الكوفيّ أوضع؟، قَالَ: لا يجوز إلا أن ينقص الدينار، فيعطيه بحسابه فضة، وكذلك روى عنه محمد بن أبي حرب الجرجرائي، وروى الميموني أنه سأله: لا يشتري السيف، والمنطقة حَتَّى يفصلها؟ فَقَالَ: لا يشتريها حَتَّى يفصلها، إلا أن هَذَا أهون منْ ذلك؛ لأنه قد يشتري أحد النوعين بالآخر يفصله، وفيه غير النوع الذي يشتري به، فإذا كَانَ منْ فضل الثمن، إلا أن مَن ذهب إلى ظاهر القلادة لا يشتريه حَتَّى يفصله، قيل له: فما تقول أنت؟ قَالَ: هَذَا موضع نظر. وَقَالَ أبو داود: سمعت أحمد، سئل عن الدراهم الْمُسَيَّبِيّة (١) بعضها صفر، وبعضها فضة بالدراهم؟ قَالَ: لا أقول فيه شيئا. قَالَ أبو بكر: روى هذه المسألة عن أبي عبد الله خمسة عشرة نفسا، كلهم اتفقوا عَلَى أنه لا يجوز حَتَّى يفصل، إلا الميموني، ونقل مهنا كلاما آخر.
وَقَالَ حماد بن أبي سليمان، وأبو حنيفة: يجوز، هَذَا كله إذا كَانَ المفرد أكثر منْ الذي معه غيره، أو كَانَ مع كل واحد منهما منْ غير جنسه. وَقَالَ الحسن: لا بأس ببيع السيف المحلى بالفضة بالدراهم، وبه قَالَ الشعبي، والنخعي.
واحتج منْ أجاز ذلك، بأن العقد إذا أمكن حمله عَلَى الصحة، لم يحمل عَلَى الفساد؛ لأنه لو اشترى لحما منْ قَصّاب جاز، مع احتمال كونه ميتة، ولكن وجب حمله عَلَى أنه مُذَكّى؛ تصحيحا للعقد، ولو اشترى منْ إنسان شيئا جاز، مع احتمال كونه غير ملكه، ولا إذن له فِي بيعه؛ تصحيحا للعقد أيضا، وَقَدْ أمكن التصحيح هاهنا بجعل الجنس فِي مقابلة غير الجنس، أو جعل غير الجنس فِي مقابلة الزائد عَلَى المثل.
واحتجّ الأولون بحديث فضالة بن عبيد ﵁ المذكور فِي الباب. ولأن العقد إذا جمع عوضين مختلفي الجنس، وجب أن ينقسم أحدهما عَلَى الآخر عَلَى قدر قيمة الآخر فِي نفسه، فإذا اختلفت القيمة اختلف ما يأخذه منْ العوض، بيانه أنه إذا اشترى عبدين قيمة أحدهما مثل نصف قيمة الآخر بعشرة، كَانَ ثمن أحدهما ثلثي العشرة والآخر
стр. 16814
ثلثها، فلو رد أحدهما بعيب رده بقسطه منْ الثمن، ولذلك إذا اشترى شِقْصًا وسيفا بثمن أخذ الشفيع الشقص بقسطه منْ الثمن، فإذا فعلنا هَذَا فيمن باع درهما ومُدًا، قيمته درهمان بمدين قيمتهما ثلاثة، حصل الدرهم فِي مقابلة ثلثي مُدّ، والمد الذي مع الدرهم فِي مقابلة مد وثلث، فهذا إذا تفاوتت القيم، ومع التساوي يُجهَل ذلك؛ لأن التقويم ظنّ وتخمينٌ، والجهل بالتساوي كالعلم بعدمه، فِي باب الربا, ولذلك لم يجز بيع صبرة بصبرة بالظن والخرص.
وقولهم: يجب تصحيح العقد، ليس كذلك، بل يُحمل عَلَى ما يقتضيه منْ صحة وفساد، ولذلك لو باع بثمن، وأطلق وفي البلاد نقود بطل، ولم يُحمل عَلَى نقد أقرب البلاد إليه، أما إذا اشترى منْ إنسان شيئا فإنه يصح؛ لأن الظاهر أنه ملكه؛ لأن اليد دليل الملك، وإذا باع لحما، فالظاهر أنه مُذَكّى؛ لأن المسلم فِي الظاهر لا يبيع الميتة. انتهى "المغني" ٦/ ٩٢ - ٩٥.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر منْ الحجج أن الأرجح فِي "مسألة مدّ عجوة" هو المذهب الأول، وهو عدم الجواز؛ لما ذكر منْ الحجج، وأقواها حديث فضالة ﵁ المذكور فِي الباب، وتأويله بأنه للجهالة، غير صحيح؛ لأنه ﷺ نصّ عَلَى عدم الجواز حَتَّى تفصّل، ثم يقابل المثل بالمثل، لا بأزيد منه، فَقَالَ ﷺ : "الذهب بالذهب وزنًا بوزن". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٧٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ حَنَشٍ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: أَصَبْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ، قِلَادَةً فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهَا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ ﷺ ، فَقَالَ: "افْصِلْ بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ، ثُمَّ بِعْهَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عمرو بن منصور": هو أبو سعيد النسائيّ، ثقة ثبت [١١] ١٠٨/ ١٤٧ منْ أفراد المصنّف. و"محمد بن محبوب" البُنانيّ بضمّ الموحّدة، وتخفيف النون، أبو عبد الله البصريّ، ثقة [١٠].
وفي "تهذيب التهذيب" ٣/ ٦٨٨ - ٦٨٩ - : روى عن الحمادين، وحفص بن غياث، وعبد الواحد بن زياد، وهشيم، وأبي عوانة، وغيرهم. وعنه البخاريّ، وأبو داود، وروى النسائيّ، عن عمرو بن منصور عنه، وأحمد بن يوسف السلمي، ومحمد بن يحيى الذهلي، ويعقوب بن سفيان، وعيسى بن شاذان، وآخرون.
قَالَ أبو داود: سمعت ابن معين يثني عليه، ويقول: هو كَيّس صادق كثير الْحَدِيث،
стр. 16815
قَالَ يحيى: وكان أكيس فِي الْحَدِيث منْ مُسَدَّد، وكان مسدد خيرا منه. وَقَالَ الآجري: قلت لأبي داود: كَانَ يرى شيئا منْ القدر؟ فَقَالَ ضعيف القول فيه. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". قَالَ البخاريّ: مات قريبا منْ سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وَقَالَ غيره: مات سنة اثنتين، وجزم بثلاث ابنُ أبي عاصم، وابنُ قانع، وغيرهما. تفرّد به البخاريّ، قيل. روى له سبعة أحاديث، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف هَذَا الْحَدِيث فقط.
والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٤٩ - (بَيْعِ الْفِضَّةِ بِالذَّهَبِ نَسِيئَةً)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "النَّسِيئة": بفتح النون، وكسر السين المهملة-: فَعِيلة، منْ النسأ، وهو التأخير، قَالَ الفيّوميّ: والنسيء مهموزٌ عَلَى فَعِيل، ويجوز الإدغام؛ لأنه زائد، وهو التأخير، والنسيئة عَلَى فَعِيلة مثله، وهما اسمان، منْ نسأ الله أجله، منْ باب نَفَعَ، وأنسأه بالألف: إذا أخّره، ويتعدّى بالحرف أيضًا، فيقال: نَسَأَ اللهُ فِي أجله، وأنسأ فيه، ونسأته البيع، وأنسأته فيه أيضًا، وأنسأته الدينَ: أخّرته. انتهى.
وفي "اللسان": نَسَأَ الشيءَ ينسؤه نَسْأً، وأنسأه: أخّره، فَعَلَ، وأفعلَ بمعنًى، والاسم النسيئة، والنسيء، ونسأ الله فِي أجله، وأنسأ أجله: أخّره. قَالَ: والنَّسْءُ: التأخير يكون فِي العُمْرِ والدَّيْنِ. قَالَ: ونَسَأَ الشيءَ: باعه بتأخير، والاسم النسيئة، تقول: نسأته البيع، وأنسأته، وبعته بنُسْأَةٍ، وبِعته بكُلأَةٍ، وبعته بنسيئة: أي بتأخير. انتهى.
[تنبيه]: قَالَ فِي "الفتح" ٥/ ١٢٤ - ١٢٥: البيع كلّه إما بالنقد، أو بالعرْضِ، حالاً، أو مؤجّلاً، فهي أربعة أقسام: فبيع النقد إما بمثله، وهو المراطلة، أو بنقد غيره، وهو الصرف، وبيعُ الْعَرْضِ بنقد يُسمّى النقد ثمنًا، والعرضُ عِوَضًا، وبيعُ العرض بالعرض يُسمّى مقايضةً، والحلول فِي جميع ذلك جائزٌ، وأما التأجيل، فإن كَانَ النقد بالنقد مؤخّرًا، فلا يجوز، وإن كَانَ العرض جاز، وإن كَانَ العرض مؤخّرًا، فهو السلم، وإن كانا مؤخّرين، فهو بيع الدين بالدين، وليس بجائز، إلا فِي الحوالة عند منْ يقول: إنها
стр. 16816
بيع. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٥٧٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ، قَالَ: بَاعَ شَرِيكٌ لِي، وَرِقًا بِنَسِيئَةٍ، فَجَاءَنِي، فَأَخْبَرَنِي، فَقُلْتُ: هَذَا لَا يَصْلُحُ، فَقَالَ: قَدْ وَاللَّهِ بِعْتُهُ فِي السُّوقِ، وَمَا عَابَهُ عَلَيَّ أَحَدٌ، فَأَتَيْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَنَحْنُ نَبِيعُ هَذَا الْبَيْعَ، فَقَالَ: "مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ، فَلَا بَأْسَ، وَمَا كَانَ نَسِيئَةً، فَهُوَ رِبًا"، ثُمَّ قَالَ لِي: "ائْتِ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، فَأَتَيْتُهُ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ).
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن منصور) الجوّاز المكيّ، ثقة [١٠] ٢٠/ ٢١.
٢ - (سفيان) بن عيينة الإِمام الحجة الثبت المكيّ [٨] ١/ ١.
٣ - (عمرو) بن دينار الأثرم الْجُمَحيّ المكيّ، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤.
٤ - (أبو المنهال) -بكسر الميم- عبد الرحمن بن مُطعم البُنَانيّ بضم الباء، ونونين، الأولى خفيفة- البصريّ، نزيل مكة، ثقة [٣].
قَالَ أبو زرعة: مكيّ ثقة. ووثقه ابن معين، والدارقطنيّ، والعجليّ، وأبو حاتم. وَقَالَ ابن سعد: كَانَ ثقة قليل الْحَدِيث. وَقَالَ البخاريّ فِي "تاريخه": أثنى عليه ابن عيية. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". روى له الجماعة، أخرج له المصنّف فِي سبعة مواضع: فِي هَذَا الباب ثلاث مرّات، وفي ٦٣/ ٤٦١٨ حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قدم رسول الله ﷺ المدينة" الْحَدِيث، و٨٨/ ٤٦٦٣ حديث إياس بن عمر ﵁ فِي النهي عن بيع الماء، وفي ٨٩/ ٤٦٦٤ و٤٦٦٥ حديثه أيضًا فِي النهي عن بيع فضل الماء.
[تنبيه]: أبو المنهال المذكور فِي هَذَا الإسناد، غير أبي المنهال، صاحب أبي برزة الأسلميّ ﵁ المذكور فِي "كتاب المواقيت" ٢/ ٤٩٥ "أول وقت الظهر"، فاسم هَذَا عبد الرحمن بن مطعم، واسم صاحب أبي برزة سيّار بن سلَامة. قاله فِي "الفتح" ٥/ ١٦ "كتاب البيوع" رقم ٢٠٦١.
٥ - (البراء بن عازب) بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ المدنيّ، نزل الكوفة، مات ﵁ سنة (٧٢) وتقدم فِي ٨٦/ ١٠٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أنه مسلسل ثقات المكيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عمرو، عن أبي المنهال. والله تعالى أعلم.
стр. 16817
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ) عبد الرحمن بن مطعِم، أنه (قالَ: بَاعَ) وفي رواية للبخاريّ: "قَالَ: كنت أتّجر فِي الصرف، فسألت زيد بن أرقم ﵁، فَقَالَ: قَالَ النبيّ ﷺ " (شَرِيكٌ لِي) قَالَ الحافظ: لم أقف عَلَى اسمه (وَرِقًا بِنَسِيئَةٍ) أي بتأخير، ولفظ البخاريّ فِي "المناقب": "باع شريك لي دراهم فِي السوق نسيئة" (فَجَاءَنِي، فَأَخْبَرَنِي، فَقُلْتُ: هَذَا لَا يَصْلُحُ) وفي رواية للبخاريّ: "فقلت: سبحان الله، أيصلح هَذَا؟ " (فَقَالَ: قَدْ وَاللهِ بِعْتُهُ فِي السُّوقِ) وفي رواية البخاريّ: "فَقَالَ: سبحان الله والله الخ" (وَمَا عَابَهُ عَلَيَّ أَحَدٌ، فَأَتَيْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ) رضي الله تعالى عنهما (فَسَأَلْتُهُ) أي عن حكم البيع الذي باعه شريكه (فَقَالَ) زيد ﵁ (قَدِمَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَنَحْنُ نَبِيعُ هَذَا الْبَيْعَ) أي بيع الدرهم بالدرهم نسيئة (فَقَالَ) ﷺ (مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ) أي مقابضةً (فَلَا بَأْسَ) أي فلا حرج، ولا إثم فيه (وَمَا كَانَ نسِيئَةً) أي مؤخّرًا (فَهُوَ رِبًا) فيه إثبات ربا النسيئة، وهو محلّ إجماع (ثُمَّ قَالَ لِي: ائْتِ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ) ﵁، زاد فِي الرواية التالية: "فإنه خيرٌ منّي، وأعلم" (فَأَتَيْتُهُ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ) وفي الرواية التالية: "فسألت زيدًا، فَقَالَ: سل البراء، فإنه خيرٌ منّي، وأعلم، فقالا جميعًا: نهى رسول الله ﷺ عن الورق بالذهب دينًا". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤٩/ ٤٥٧٧ و٤٥٧٨ و٤٥٧٩ - وفي "الكبرى" ٥٠/ ٦١٦٧ و٦١٦٨ و٦١٦٩. وأخرجه (خ) فِي "البيوع" ٢٠٦١ و٢١٨١ و"الشركة" ٢٤٩٨ و"المناقب" ٣٩٤٠ (م) فِي "البيوع" ١٥٨٩ (أحمد) فِي "مسند الكوفيين" ١٨٧٨٨ و١٨٨٢٠ و١٨٨٣٠. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم بيع الفضّة بالذهب نَسِيئةً، وهو التحريم. (ومنها): أن فيه ما كَانَ عليه الصحابة ﵃ منْ التواضع، وإنصاف بعضهم بعضًا، ومعرفة أحدهم حقّ الآخر. (ومنها): استظهار العالم فِي الفتيا
стр. 16818
بنظيره فِي العلم. (ومنها): أن فيه جواز بيع الربويّات بعضها ببعض إذا كَانَ يدًا بيد. (ومنها): ما قيل: إنه يُستدلّ به عَلَى جواز تفريق الصفقة، فيصحّ الصحيح منها، ويبطل ما لا يصحّ. وفيه نظر؛ لاحتمال أن يكون أشار إلى عقدين مختلفين. قاله فِي "الفتح" ٥/ ٤٣٢ "كتاب الشركة". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي اشتراط التقابض فِي الصرف قبل التفرّق:
قَالَ فِي "المغني" ٦/ ١١٢ - ١١٣: قَالَ ابن المنذر رحمه الله تعالى: أجمع كل منْ نحفظ عنه منْ أهل العلم، عَلَى أن المتصارفين إذا افترقا، قبل أن يتقابضا أن الصرف فاسد، والأصل فيه قول النبيّ ﷺ : "الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء"، وقوله ﵇: "بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد"، ونهى النبيّ ﷺ عن بيع الذهب بالورق دَينًا، ونهى أن يباع غائب منها بناجز"، وكلها أحاديث صحاح، ويجزىء القبض فِي المجلس وإن طال، ولو تماشيا مصطحبين إلى منزل أحدهما، أو إلى الصرّاف فتقابضا عنده جاز، وبهذا قَالَ الشافعيّ، وَقَالَ مالك: لا خير فِي ذلك؛ لأنهما فارقا مجلسهما.
والأصحّ أنهما لم يفترقا قبل التقابض، فأشبه ما لو كانا فِي سفينة، تسير بهما، أو راكبين عَلَى دابة واحدة تمشي بهما، وَقَدْ دل عَلَى ذلك حديث أبي برزة الأسلمي ﵁ فِي قوله للذين مشيا إليه منْ جانب العسكر: وما أراكما افترقتما. وإن تفرقا قبل التقابض بطل الصرف؛ لفوات شرطه، وإن قبض البعض، ثم افترقا بطل فيما لم يقبض، وفيما يقابله منْ العوض، وهل يصح فِي المقبوض عَلَى وجهين، بناء عَلَى تفريق الصفقة، ولو وكل أحدهما وكيلا فِي القبض، فقبض الوكيل قبل تفرقهما جاز، وقام قبض وكيله مقام قبضه، سواء فارق الوكيل المجلس قبل القبض، أو لم يفارقه، وإن افترقا قبل قبض الوكيل بطل؛ لأن القبض فِي المجلس شرط، وَقَدْ فات، وإن تخايرا قبل القبض فِي المجلس، لم يبطل العقد بذلك؛ لأنهما لم يفترقا قبل القبض، ويحتمل أن يبطل، إذا قلنا بلزوم العقد، وهو مذهب الشافعيّ؛ لأن العقد لم يبق فيه خيار قبل القبض، أشبه ما لو افترقا، والصحيح الأول؛ فإن الشرط التقابض فِي المجلس، وَقَدْ وُجد واشتراط التقابض قبل اللزوم، تحكم بغير دليل، ثم يبطل بما إذا تخايرا قبل الصرف، ثم اصطرفا، فإن الصرف يقع لازما صحيحا قبل القبض، ثم يشترط القبض فِي المجلس. انتهى ما فِي "المغني"، وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
стр. 16819
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٧٨ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَعَامِرُ بْنُ مُصْعَبٍ، أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا الْمِنْهَالِ، يَقُولُ: سَأَلْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، فَقَالَا: كُنَّا تَاجِرَيْنِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَسَأَلْنَا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ، عَنِ الصَّرْفِ؟ فَقَالَ: "إِنْ كَانَ يَدًا بِيَدٍ، فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ نَسِيئَةً فَلَا يَصْلُحُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "إبراهيم بن الحسن": هو المصّيصيّ الثقة. و"حجاج": هو ابن محمد الأعور. و"عامر بن مصعب"، ويقال: مصعب بن عامر، وَقَالَ الدارقطنيّ: عامر بن مصعب ليس بالقويّ. وَقَدْ وثّقه ابن حبّان عَلَى عادته [٣].
تفرّد به البخاريّ، والمصنّف، أخرجا له هَذَا الْحَدِيث فقط، مقرونًا بعمرو بن دينار.
وقوله: "عن الصرف": الصرف: بيع الدراهم بالذهب، أو عكسه، وسمّي به لصرفه عن مقتضى البِياعات، منْ جواز التفاضل فيه. وقيل: منْ الصريف، وهو تصويتهما فِي الميزان. قاله فِي "الفتح" ٥/ ١٢٥.
وقوله: "فلا يصلح": يقال: صَلَحَ الشيءُ صُلُوحًا، منْ باب قعد، وصلاحًا أيضًا، وصَلُحَ بالضمّ لغةٌ، وهو خلاف فَسَدَ، وصَلَحَ يَصْلَحُ بفتحتين لغةٌ ثالثة، فهو صالح.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٧٩ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حَبِيبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْمِنْهَالِ، قَالَ: سَأَلْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، عَنِ الصَّرْفِ؟ فَقَالَ: سَلْ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، فَإِنَّهُ خَيْرٌ مِنِّي وَأَعْلَمُ، فَسَأَلْتُ زَيْدًا؟ فَقَالَ: سَلِ الْبَرَاءَ، فَإِنَّهُ خَيْرٌ مِنِّي وَأَعْلَمُ، فَقَالَا جَمِيعًا: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنِ الْوَرِقِ بِالذَّهَبِ دَيْنًا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أحمد بن عبد الله بن الحكم": هو المعروف بابن الكرديّ، أبو الحسين البصريّ، ثقة [١٠] ٣٩/ ٥٨٣. و"محمد": هو ابن جعفر، غندر. و"حبيب": هو ابن أبي ثابت البصريّ، والسند مسلسل بالبصريين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ مضى شرحه وبيان مسائله قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
قَالَ الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير، محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم بن موسى
стр. 16820
الإِتْيُوبيّ الولّويّ، نزيل مكة المكرّمة، عفا الله تعالى عنه وعن والديه ومشايخه آمين:
قد انتهيت منْ كتابة الجزء الرابع والثلاثين منْ شرح سنن الإِمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائيّ رحمه الله تعالى، المسمّى "ذخيرةَ العُقْبَى فِي شرح المجتبى"، أو "غاية المنى فِي شرح المجتنى".
وذلك بحيّ الزهراء، مخطّط الأمير طلال، فِي مكة المكرمة زادها الله تعالى تشريفًا وتعظيمًا، وجعلني منْ خيار أهلها حيًّا وميتًا، وأَعْظِمْ به تكريمًا.
وأخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
"اللَّهم صلّ عَلَى محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت عَلَى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللَّهم بارك عَلَى محمد، وعلى آل محمد، كما باركت عَلَى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام عَلَى النبيّ، ورحمة الله، وبركاته".
ويليه -إن شاء الله تعالى- الجزء الخامس والثلاثون مفتتحًا بالباب ٥٠ - "بيعُ الفضّة بالذهب، وبيع الذهب بالفضّة" الْحَدِيث رقم ٤٥٨٠.
"سبحانك اللهمّ، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".
***
стр. 16821
شرح
سنن النسائي
المسَمَّى
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى
لجامعة الفقير إلى مولاه الغني القدير
محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الأتيوبي الوَلَّوِي
المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة
عفا الله عنه وعن والديه آمين
الجُزْءُ الخامس والثلاثون
стр. 16822
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م
دَار آل بروم للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية - مكة المكرمة - المكتب الرئيسي التنعيم
صَ بُ: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - جوال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)
стр. 16823
شرح
سنن النسائيّ
стр. 16824
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 16825
٥٠ - (بَيْعِ الْفِضَّةِ بِالذَّهَبِ، وَبَيْعِ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ)
٤٥٨٠ - (وَفِيمَا قَرَأَ عَلَيْنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ بَيْعِ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، إِلاَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَبْتَاعَ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ، كَيْفَ شِئْنَا، وَالْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كَيْفَ شِئْنَا").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (أحمد بن منيع) أبو جعفر البغويّ، نزيل بغداد الثقة الحافظ [١٠] تقدم فِي ٨٠/ ١٠١١.
[تنبيه]: قوله: "وفيما قرأ علينا أحمد بن منيع": وقع فِي مُعظم نسخ "المجتبى"، والكبرى" قرىء بالبناء للمجهول، وعليه فالجارّ والمجرور خبر مقدّم، وقوله: "أحمد ابن منيع قَالَ الخ" مبتدأ مؤخّرٌ محكيٌّ لقصد لفظه، ويكون القارىء مجهولاً، وأن المصنّف لم يسمعه منْ أحمد بن منيع، وأشار فِي هامش "الهنديّة" إلى أن فِي بعض النسخ بلفظ "قرأ" مبنيّا للفاعل، وعليه يكون قوله: "أحمد بن منيع" فاعلاً، ويكون المصنّف سمع قراءته.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه النسخة عندي هي الصحيحة؛ لأن أحمد بن منيع منْ شيوخه الذين روى عنهم بلا واسطة، فقد روى عنه فِي خمسة مواضع، وهذا آخرها، فروى عنه:
١ - فِي "كتاب الصلاة" ٣٢/ ٥٦٢ حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما فِي النهي عن الصلاة بعد الصبح. ٢ - وفيه أيضًا ٨٠/ ١٠١١ حديث ابن عبّاس أيضًا فِي قوله : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ الآية. ٣ - وفي "كتاب الصيام" ٧٦/ ٢٣٨٨ حديث عبد الله ابن عمرو رضي الله تعالى عنهما فِي أفضل الصيام. ٤ - وفي "كتاب الصيد" ١٨/ ٤٣٠٠ حديث عديّ بن حاتم ﵁ فِي السؤال عن الصيد. وفي كلها يقول: أخبرنا أحمد منيع، إلا فِي "الصيام"، فَقَالَ: فيه: "وفيما قرأ علينا أحمد بن منيع الخ"، فالظاهر أن ما هنا مثله، فيكون المصنّف رحمه الله تعالى سمع منه قراءته. والله تعالى أعلم.
٢ - (عبّاد بن العوّام) بن عمر الكلابيّ مولاهم، أبو سهل الواسطيّ، ثقة [٨] ٢/ ٣٩٠٧.
٣ - (يحيى بن أبي إسحاق) الحضرميّ مولاهم البصريّ النحويّ، صدوقٌ ربما أخطأ
стр. 16826
[٥] ١/ ١٤٣٨.
٤ - (عبد الرحمن بن أبي بكرة) نُفيع بن الحارث الثقفيّ البصريّ، أول مولود فِي الإِسلام بالبصرة، ثقة [٢] ١٤/ ٤٣٩١.
٥ - (أبوه) نُفيع بن الحارث بن كَلَدَة بن عمرو الثقفيّ الصحابيّ المشهور بكنيته، وقيل: اسمه مسروح -بمهملات- أسلم بالطائف، ثم نزل البصرة، ومات بها سنة (٥١) أو (٥٢) وتقدم فِي ٤١/ ٨٣٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبغداديّ، وعباد، فواسطيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وفيه أبو بكرة ممن اشتهر بهذه الكنية، وهي لقب بصورة الكنية، لقّب بها لكونه نزل منْ حصن الطائف ببكرة البئر، فأسلم، وكنيته أبو عبد الرحمن. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبي بكرة) نُفيع بن الحارث رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ بَيْعِ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، إِلاَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ) أي إلا متماثلين فِي الوزن (وَأَمَرَنَا أَنْ نَبْتَاعَ الذَّهَبَ بالْفِضَّةِ، كَيْفَ شِئْنَا) أي منْ حيث الكمّية، لا منْ حيث تأخير التقابض، فإنه منْ شرطه؛ لما فِي الرواية التالية بلفظ: "إلا عينًا بعين، سواء بسواء"، والعين خلاف الدين، قَالَ فِي "التهذيب": العين: النقد، يقال: اشتريت بالدين، أو بالعين. ذكره الفيّوميّ. وزاد فِي رواية مسلم فِي آخره: "قَالَ: فسأله رجلٌ، فَقَالَ: يدًا بيد؟، فَقَالَ: هكذا سمعت"، وأخرج منْ طريق يحيى بن أبي كثير، عن يحيى بن أبي إسحاق، ولم يسق لفظه، وساقه أبو عوانة فِي "مستخرجه"، فَقَالَ فِي آخره: "والفضّة بالذهب، كيف شئتم يدًا بيد"، فدلّ عَلَى أن التقابض فِي المجلس شرط، قَالَ فِي "الفتح" ٥/ ١٢٥ - : واشتراط القبض فِي الصرف متّفقٌ عليه، وإنما وقع الاختلاف فِي التفاضل بين الجنس الواحد انتهى (وَالْفِضَّةَ بِالذَّهَب كَيْفَ شِئْنَا) أي فِي الكمّ، لا فِي التقابض، كما بيّنّاه آنفًا. والله تعالى أعلم بالصَواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
стр. 16827
حديث أبي بكرة ﵁ هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٥٠/ ٤٥٨٠ و٤٥٨١ - وفي "الكبرى" ٥١/ ٦١٧٠ و٦١٧١. وأخرجه (خ) فِي "البيوع" ٢١٧٥ و٢١٨٢ (م) فِي "البيوع" ١٥٩٠ (أحمد) فِي "مسند البصريين" ١٩٨٨٢. والله تعالي أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم بيع الفضّة بالذهب، وبالعكس، وهو الجواز وإن تفاضلا، لكن بشرط التقابض فِي المجلس. (ومنها): وجوب التساوي فِي بيع الفضّة بالفضّة، والذهب بالذهب. (ومنها): جواز بيع الربويّات بعضها ببعض، إذا كَانَ يدًا بيد، وأصرح منه حديث عبادة بن الصامت ﵁ عند مسلم بلفظ: "فإذا اختلفت الأصناف، فبيعوا كيف شئتم". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٨١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ الْحَرَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلاَّمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنْ نَبِيعَ الْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ، إِلاَّ عَيْنًا بِعَيْنٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَلَا نَبِيعَ الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، إِلاَّ عَيْنًا بِعَيْنٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ"، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَبَايَعُوا الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ، كَيْفَ شِئْتُمْ، وَالْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كَيْفَ شِئْتُمْ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن يحيى بن محمد بن كثير": هو الكلبيّ الحرّانيّ, الملقّب لؤلؤ، ثقة [١١] ٤/ ٤٠٣ منْ أفراد المصنّف. و"أبو توبة": هو الربيع بن نافع الحلبيّ، نزيل طَرَسُوس، ثقة حجة عابد [١٠] ٢/ ٣٩٠٩. و"معاوية بن سلَّام" بتشديد اللام: هو الدمشقيّ الثقة [٧] ١٣/ ١٤٧٩.
[تنبيه]: ظاهر هَذَا الإسناد أنه ليس بين يحيى بن أبي كثير وبين عبد الرحمن بن أبي بكرة، واسطة، ولكن قَالَ فِي "الكبرى" بعد إيراد هذه الرواية: ما نصّه: قَالَ أبو عبد الرحمن: خبر أبي توبة، أدخل بين يحيى بن أبي كثير، وبين عبد الرحمن بن أبي بكرة يحيى بنَ أبي إسحاق" انتهى. وهذا يدلّ عَلَى أن يحيى بن أبي كثير لم يسمعه منْ عبد الرحمن، وإنما رواه عنه بواسطة يحيى بن أبي إسحاق، وهذا هو الذي فِي "صحيح مسلم"، فقد رواه عن إسحاق بن منصور، عن يحيى بن صالح، عن معاوية بن سلّام، عن يحيى بن أبي كثير، عن يحيى بن إسحاق: أن عبد الرحمن بن أبي بكرة أخبره -الْحَدِيث.
стр. 16828
فكأن المصنّف رحمه الله تعالى أشار بكلامه السابق أن يحيى بن أبي كثير دلّسه فِي هذه الرواية, وهو معروف بالتدليس، لكن الْحَدِيث صحيح، لثبوته منْ الطريق السابقة، ولأن الواسطة هنا معروف، فلا يضرّ تدليسه، فتبصّر. والله تعالى أعلم.
وقوله: "عينًا بعين": معناه يدًا بيد، كما سبق قريبًا. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٨٢ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا رِبًا إِلاَّ فِي النَّسِيئَةِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وَقَدْ تقدّموا.
و"سفيان": هو ابن عُيينة. و"عُبيد الله بن أبي يزيد": هو المكيّ، مولى آل قارظ بن شيبة، ثقة كثير الْحَدِيث [٤] ٧٠/ ٢٣٧٠.
والسند فِي حكم رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، فإن ابن عبّاس، وأسامة ﵃ صحابيّان، فهما فِي درجة واحد، فكأنهما راو واحد. وشرح الْحَدِيث سيأتي فِي الْحَدِيث التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٨٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، يَقُولُ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ، أَرَأَيْتَ هَذَا الَّذِي تَقُولُ، أَشَيْئًا وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، أَوْ شَيْئًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: مَا وَجَدْتُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَلَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَكِنْ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ أَخْبَرَنِي، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد: خمسة، وَقَدْ تقدمت تراجمهم قريبًا، وكلهم منْ رجال الصحيح، و"سفيان": هو ابن عيينة. و"عمرو": هو ابن دينار. و"أبو صالح": هو ذكوان السمّان. والسند مسلسل ببغلانيّ، فمكيّينِ، فمدنيَّيْن. وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد الخدريّ ﵁ أحد المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السمّان والزيّات، أنه (سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ) سعد بن مالك ابن سِنَان الصَحابيّ المشهور ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما (يَقُولُ: قُلْتُ
стр. 16829
لِابْنِ عَبَّاسِ) وفي رواية البخاريّ، منْ طريق ابن جريج، عن عمرو بن دينار أن أبا صالح أخبره أنه سمع أبا سعيد الخدريّ ﵁ يقول: "الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم"، زاد فِي رواية مسلم: "مثلاً بمثل، منْ زاد، أو ازداد، فقد أربى"، فقلت له: فإن ابن عبّاس لا يقوله، فَقَالَ أبو سعيد: سألته، فقلت: سمعته منْ النبيّ ﷺ ، أو وجدته فِي كتاب الله؟ الْحَدِيث.
(أَرَأَيْتَ) أي أخبرني (هَذَا الَّذِي تَقُولُ) بحذف ضمير النصب، وهو جائز، لكونه فضلة، كما قَالَ ابن مالك فِي خلاصته:
وَحَذْفَ فَضْلَةِ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ … كَحَذْفِ مَا سِيقَ جَوَابًا أوْ حُصِرْ
أي تقوله، والذي يقوله: هو أنه لا ربا فِي الفضل فإما كَانَ يدًا بيد، وهكذا ابن عمر ﵃ يقول، فقد أخرج مسلم فِي "صحيحه" ج: ٣ ص: ١٢١٧ منْ طريق أبي نضرة، قَالَ: سألت ابن عمر وابن عباس، عن الصرف؟ فلم يريا به بأسا، فإني لقاعد عند أبي سعيد الخدريّ، فسألته عن الصرف؟ فَقَالَ: ما زاد فهو ربا، فأنكرت ذلك لقولهما، فَقَالَ: لا أحدثك إلا ما سمعتُ منْ رسول الله ﷺ ، جاءه صاحب نخله بصاع منْ تمر طيب، وكان تمر النبيّ ﷺ هَذَا اللون، فَقَالَ له النبيّ ﷺ : "أَنَّى لك هَذَا؟ "، قَالَ: انطلقت بصاعين، فاشتريت به هَذَا الصاع، فإن سعر هَذَا فِي السوق كذا، وسعر هَذَا كذا، فَقَالَ رسول الله ﷺ : "ويلك أربيت، إذا أردت ذلك، فبع تمرك بسلعة، ثم اشتر بسلعتك أَيَّ تمر شئت؟ "، قَالَ أبو سعيد: فالتمر بالتمر أحق أن يكون ربا، أم الفضة بالفضة؟، قَالَ: فأتيت ابن عمر بعد ذلك، فنهاني، ولم آت ابن عباس، قَالَ: فحدثني أبو الصهباء، أنه سأل ابن عباس عنه بمكة؟ فكرهه. انتهى.
قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى فِي "شرحه": ١١/ ٢٣: معنى ما ذكره أوّلا عن ابن عمر وابن عباس ﵃ أنهما كانا يعتقدان أنه لا ربا فيما كَانَ يدا بيد، وأنه يجوز بيع درهم بدرهمين، ودينار بدينارين، وصاع تمر بصاعين منْ التمر، وكذا الحنطة، وسائر الربويات، كانا يريان جواز بيع الجنس بعضه ببعض متفاضلا، وأن الربا لا يحرم فِي شيء منْ الأشياء، إلا إذا كَانَ نسيئة، وهذا معنى قوله: إنه سألهما عن الصرف، فلم يريا به بأسا، يعني الصرف متفاضلا، كدرهم بدرهمين، وكان مُعتَمَدهما حديث أسامة بن زيد: "إنما الربا فِي النسيئة"، ثم رجع ابن عمر وابن عباس ﵃ عن ذلك، وقالا: بتحريم بيع الجنس بعضه ببعض متفاضلا، حين بلغهما حديث أبي سعيد، كما ذكره مسلم منْ رجوعهما صريحا.
وهذه الأحاديث التي ذكرها مسلم، تدل عَلَى أن ابن عمر وابن عباس ﵃ لم يكن
стр. 16830
بلغهما حديث النهي عن التفاضل فِي غير النسيئة، فلما بلغهما رجعا إليه. انتهى كلام النوويّ. فِي "شرحه" ١١/ ٢٦ - ٢٧.
(أَشَيْئًا) قَالَ السنديّ: أي أيكون شيئًا، واعتباره منصوبًا عَلَى الإضمار بشرط التفسير بعيدٌ؛ نظراً إلى المعنى. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: لا بعد فيه، بل هو واضح؛ فإن النصب عَلَى الاشتغال هكذا طريقته، فتبصّر. والله تعالى أعلم.
(وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، أَوْ شَيْئًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: مَا وَجَدْتُهُ فِى كِتَابِ اللَّهِ ، وَلَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية البخاريّ: "قَالَ: كلَّ ذلك لا أقول". قَالَ فِي "الفتح": بنصب "كل" عَلَى أنه مفعول مقدم، وهو فِي المعنى نظير قوله ﵊، فِي حديث ذي اليدين: "كل ذلك لم يكن"، فالمنفيّ هو المجموع. وفي رواية مسلم: "فَقَالَ: لم أسمعه منْ رسول الله ﷺ ، ولا وجدته فِي كتاب الله "، ولمسلم أيضًا منْ طريق عطاء: أن أبا سعيد، لقي ابن عباس فذكر نحوه، وفيه: "فَقَالَ: كل ذلك لا أقول، أما رسول الله، فأنتم أعلم به، وأما كتاب الله، فلا أعلمه"، أي لا أعلم هَذَا الحكم فيه، وإنما قَالَ لأبي سعيد: أنتم أعلم برسول الله ﷺ مني؛ لكون أبي سعيد وأنظاره، كانوا أسن منه، وأكثر ملازمة لرسول الله ﷺ . انتهى.
(وَلَكِنْ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) حبّ رسول الله ﷺ ، وابنُ حبّه رضي الله تعالى عنهما (أَخْبَرَنِي، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ") وفي الرواية السابقة: "لا ربا إلا فِي النسيئة"، وهي رواية البخاريّ، وفي رواية مسلم: "الربا فِي النسيئة"، وله منْ طريق عبيد الله بن أبي يزيد، وعطاء جميعا، عن ابن عباس: "إنما الربا فِي النسيئة"، زاد فِي رواية عطاء: "ألا إنما الربا"، وزاد فِي رواية طاوس، عن ابن عباس: "لا ربا فيما كَانَ يدا بيد". وروى مسلم منْ طريق أبي نضرة، قَالَ: سألت ابن عباس، عن الصرف؟ فَقَالَ: "أيدًا بيد؟ " قلت: نعم، قَالَ: فلا بأس، فأخبرت أبا سعيد، فَقَالَ: أَوَ قَالَ ذلك؟ إنّا سنكتب إليه، فلا يفتيكموه". وله منْ وجه آخر، عن أبي نضرة: "سألت ابن عمر، وابن عباس ﵃ عن الصرف؟ فلم يريا به بأسا، فإني لقاعد عند أبي سعيد، فسألته عن الصرف؟ فَقَالَ: ما زاد فهو ربا، فأنكرت ذلك؛ لقولهما، فذكر الْحَدِيث، قَالَ: فحدثني أبو الصهباء، أنه سأل ابن عباس عنه بمكة؟ فكرهه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
стр. 16831
حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٥٠/ ٤٥٨٢ و٤٥٨٣ - وفي "الكبرى" ٥١/ ٦١٧٢ و٦١٧٣ و٦١٧٤. وأخرجه (خ) فِي "البيوع" ٢١٧٩ (م) فِي "البيوع" ١٥٩٦ (ق) فِي "التجارات" ٢٢٥٧ (أحمد) فِي "مسند الأنصار" ٢١٢٣٦ و٢١٢٥٠ و٢١٢٥٥ و٢١٢٨٨ و٢١٣٠٨ و٢٣١٠ (الدارمي) فِي "البيوع" ٢٤٦٧. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم بيع الفضّة بالذهب، وعكسه، وهو الجواز إذا كَانَ يدًا بيد. (ومنها): أن فِي قصة أبي سعيد، مع ابن عمر، ومع ابن عباس ﵃ المتقدّمة أن العالم يناظر العالم، ويوقفه عَلَى معنى قوله، ويرده منْ الاختلاف إلى الاجتماع، ويحتج عليه بالأدلة. (ومنها): أن فيه إقرارَ الصغير للكبير بفضل التقدم. (ومنها): أن فِي السياق دليلاً عَلَى أن أبا سعيد، وابن عباس متفقان، عَلَى أن الأحكام الشرعية، لا تطلب إلا منْ الكتاب، أو السنة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي أقوال أهل العلم فِي الصرف:
الصرفُ -بفتح المهملة -: دفع ذهب، وأخذ فضة وعكسه، وله شرطان: منع النسيئة مع اتفاق النوع، واختلافه، وهو المجمع عليه، ومنع التفاضل فِي النوع الواحد منهما، وهو قول الجمهور، وخالف فيه ابن عمر، ثم رجع، وابن عباس، واختُلف فِي رجوعه، وَقَدْ رَوَى الحاكم منْ طريق حيان العدوي -وهو بالمهملة، والتحتانية- سألت أبا مِجْلَز عن الصرف؟ فَقَالَ: كَانَ ابن عباس، لا يرى به بأسا زمانا منْ عمره، ما كَانَ منه عينا بعين، يدا بيد، وكان يقول: إنما الربا فِي النسيئة، فلقيه أبو سعيد، فذكر القصة والحديث، وفيه: "التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة، يدا بيد، مِثْلا بمثل، فمن زاد فهو ربا"، فَقَالَ ابن عباس: أستغفر الله، وأتوب إليه، فكان ينهى عنه أشد النهي. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: فتبيّن بما تقدّم أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ثبت رجوعه، كما ثبت رجوع ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فتكون المسألة إجماعية، فلا يجوز ربا الفضل، كما لا يجوز ربا النسيئة بالإجماع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): فِي اختلاف أهل العلم فِي تأويل حديث أسامة ﵃: "لا ربا
стр. 16832
إلا فِي النسيئة":
قَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: ما حاصله: هَذَا الخلاف شاذّ متقدّم، مرجوع عنه، كما قد نصّ عليه هنا منْ رجوع ابن عمر، وابن عبّاس ﵃ عنه، وممن قَالَ بقولهما منْ السلف: عبد الله بن الزبير، وزيد بن أرقم، وأُسامة بن زيد، ولا شكّ فِي معارضة هَذَا الْحَدِيث لحديث عبادة، وأبي سعيد، وغيرهما، فإنها نصوصٌ فِي إثبات ربا الفضل، ولَمّا كَانَ كذلك اختلف العلماء فِي كيفيّة التخلّص منْ ذلك عَلَى أوجه، أشبهها وجهان:
[أحدهما]: أن حديث ابن عبّاس منسوخٌ بحديث عبادة، وأبي سعيد، غير أنهم لم ينقلوا التاريخ صريحًا، وإنما أخذوه منْ رجوع ابن عبّاس عن ذلك، ومن عمل الجمهور منْ الصحابة، وغيرهم، منْ علماء المدينة عَلَى خلاف فِي ذلك.
قَالَ القرطبيّ: وهذا لا يدلّ عَلَى النسخ، وإنما يدلّ عَلَى الأرجحيّة.
[وثانيهما]: أن قوله: "لا ربا إلا فِي النسيئة" إنما مقصوده نفي الأغلظ الذي حرّمه الله بنصّ القرآن، وتوعّد عليه بالعقاب الشديد، وجعل فاعله محاربًا لله، وذلك بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ إلى آخر الآيات [البقرة: ٢٧٥ - ٢٨١] وما كانت العرب تعرف ربا إلا ذلك، فكانت إذا حلّ دينها قالت للغريم: إما أن تقضي، وإما أن تربي: أي تزيد فِي الدين، وهذا هو الذي نسخه النبيّ ﷺ يوم عرفة، لَمّا قَالَ: "ألا إن كلّ ربا موضوع، وإن أول ربا أضعُهُ ربانا، ربا عباس"، متّفقٌ عليه. وهذا كما تقول العرب: إنما المال الإبل، وإنما الشجاع عليٌّ، وإنما الكريم يوسف ابن نبيّ الله، ولا عالم فِي البلد إلا زيد، ومثله كثير، يعنون بذلك نفي الأكبر والأكمل، لا نفي الأصل، وهذا واضح، ومما يقرب فيه هَذَا التأويل جدًّا رواية منْ روى: "لا ربا فيما كَانَ يدًا بيد": أي لا ربا كثيرٌ، أو عظيمٌ، كما قَالَ: "لا صلاة لجار المسجد، إلا فِي المسجد" (١): أي لا صلاة كاملة.
قَالَ: ويظهر لي وجهٌ آخر، وهو حسنٌ، وذلك أن دلالة حديث ابن عبّاس عَلَى نفي ربا الفضل دلالة بالمفهوم، ودلالة إثباته دلالةٌ بالمنطوق، ودلالة المنطوق راحجة عَلَى دلالة المفهوم، باتّفاق النُّظّار. انتهى كلام القرطبيّ ببعض تصرّف "المفهم" ٤/ ٤٨٤ - ٤٨٥.
وَقَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: فِي "شرح مسلم": أما حديث أسامة: "لا ربا إلا فِي
стр. 16833
النسيئة" فقد قَالَ قائلون بأنه منسوخ بهذه الأحاديث، وَقَدْ أجمع المسلمون عَلَى ترك العمل بظاهره، وهذا يدل عَلَى نسخه. وتأوله آخرون تأويلات: [أحدها]: أنه محمول عَلَى غير الربويات، وهو كبيع الدين بالدين مؤجلا، بأن يكون له عنده ثوب موصوف، فيبيعه بعبد موصوف مؤجلا، فإن باعه به حالّا جاز. [الثاني]: أنه محمول عَلَى الأجناس المختلفة، فإنه لا ربا فيها منْ حيث التفاضل، بل يجوز تفاضلها يدا بيد. [الثالث]: أنه مجمل، وحديث عبادة بن الصامت، وأبي سعيد الخدريّ، وغيرهما مُبَيَّن، فوجب العمل بالمبين، وتنزيل المجمل عليه، هَذَا جواب الشافعيّ رحمه الله تعالى. انتهى كلام النوويّ. فِي "شرحه" ١١/ ٢٦ - ٢٧.
وَقَالَ فِي "الفتح" ٥/ ١٢٤ - : اتفق العلماء عَلَى صحة حديث أسامة، واختلفوا فِي الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد، فقيل: منسوخ، لكن النسخ لا يثبت بالاحتمال. وقيل: المعنى فِي قوله: "لا ربا" الربا الأغلظ الشديد التحريم، المتوعدُ عليه بالعقاب الشديد، كما تقول العرب: لا عالم فِي البلد إلا زيد، مع أن فيها علماء غيره، وإنما القصد نفي الأكمل، لا نفي الأصل، وأيضا فنفي تحريم ربا الفضل، منْ حديث أسامة، إنما هو بالمفهوم، فيقدم عليه حديث أبي سعيد؛ لأن دلالته بالمنطوق، ويُحمَل حديث أسامة عَلَى الربا الأكبر، كما تقدم. والله أعلم. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أقرب التأويلات الترجيح بأن دلالة حديث أسامة بالمفهوم، ودلالة حديث أبي سعيد بالمنطوق، فيرجّح المنطوق عَلَى المفهوم، كما سبق استحسانه فِي كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٨٤ - (أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنْتُ أَبِيعُ الإِبِلَ بِالْبَقِيعِ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ، وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فِي بَيْتِ حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ، إِنِّي أَبِيعُ الإِبِلَ بِالْبَقِيعِ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ، وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ؟ قَالَ: "لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا، مَا لَمْ تَفْتَرِقَا، وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث منْ أحاديث الباب التالي، فكان الأولى إيراده هناك، كما فعل فِي "الكبرى"، فإنه أورده هناك، والله تعالى أعلم.
ورجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (أحمد بن يحيى) الأوديّ، أبو جعفر الكوفيّ العابد، ثقة [١١] ٣٨/ ١٢٧٤.
٢ - (أبو نُعيم) الفضل بن دُكين الحافظ الكوفيّ، ثقة ثبت [٩] ١١/ ٥١٦.
стр. 16834
٣ - حماد بن سلمة) أبو سلمة الربَعِيّ الثقة العابد، من كبار [٨] ١٨١/ ٢٨٨.
٤ - (سماك بن حرب) هو أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ، وروايته عن عكرمة خاصّةً مضطربة، وَقَدْ تغيّر بآخره، فكان ربّما يُلقّن [٤] ٢/ ٣٢٥.
٥ - (سعيد بن جُبير) الأسديّ مولاهم الثقة الثبت الفقيه الكوفيّ [٣] ٢٨/ ٤٣٦.
٦ - (ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح, غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير حماد، فبصريّ، والصحابيّ، فمدنيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عمر منْ العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: كُنْتُ أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ) بالباء الموحّدة هو الموضع المعروف ببقيع الغَرْقد، وهو مقبرة أهل المدينة. وقيل: هو بالنون بدل الماء الموحّدة: موضع قريب منْ المدينة، قَالَ الفيّوميّ فِي مادّة "بقع": والبقيع: المكان المتّسع، ويقال: الموضع الذي فيه شجرٌ، وبقيع الْغَرْقد بمدينة النبيّ ﷺ ، كَانَ ذا شجر، وزال، وبقي الاسم، وهو الآن مقبرة، وبالمدينة أيضًا موضع يقال له: بقيع الزُّبير. انتهى. وَقَالَ فِي مادّة "نقع": نَقيع موضع بقرب مدينة النبيّ ﷺ ، وهو فِي صدر وادي العقيق، وحماه عمر ﵁ لإبل الصدقة، قَالَ فِي "الْعُبَاب": والنقيع موضعٌ فِي بلاد مُزينة عَلَى عشرين فرسخًا منْ المدينة. انتهى.
(فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ، وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ) أي مكان الدنانير، زاد فِي رواية أبي داود: "وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير، آخذ هذه منْ هذه، وأعطي هذه منْ هذه"، يعني أنه تارة يبيع بالدنانير، ويأخذ الدراهم، وتارة يبيع بالدراهم، ويأخذ الدنانير (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فِي بَيْتِ حَفْصَةَ) متعلّق بحال مقدّر: أي حال كونه كائنًا فِي بيت حفصة بنت عمر، أم المؤمنين، وأخته الشقيقة ﵃ (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ، إِنَّي أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ، فَأَبِيعُ بالدَّنَانِيرِ، وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ؟ قَالَ) ﷺ (لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا) "أن" يحتمل أن تكون بفتح الهمزة، عَلَى أنها مصدريّة، والفعل بعدها منصوبٌ بها، ويحتمل أن تكون بالكسر عَلَى أنها شرطيّةٌ، والفعل بعدها مجزوم بها. والمعنى: أنه لا بأس أن تأخذ بدل الدنانير الدراهم، وبالعكس لكن بشرط التقابض، كما يدلّ عليه قوله: "ما لم
стр. 16835
تفترقا الخ" وقوله (بسِعْرِ يَوْمِهَا) قيل: التقييد به عَلَى سبيل الاستحباب، وفيه نظر لا يخفى، بل الحقّ أنه للوجوب، كما سيأتي تحقيقه، إن شاء الله تعالى (مَا لَمْ تَفْتَرِقَا) "ما" مصدريّة ظرفيّة: أي مدةَ عدم افتراقكما (وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ") جملة فِي محلّ نصب عَلَى الحال منْ الفاعل، يعني أنه لا بأس بأخذ الدنانير مكان الدراهم، وبالعكس مدة عدم افتراقكما، والحال أنه لم يبق بينكما شيء منْ البدلين غير مقبوض.
قَالَ الخطّابيّ رحمه الله تعالى: اقتضاء الذهب منْ الفضّة، والفضّة منْ الذهب عن أثمان السلعة، هو فِي الحقيقة بيع ما لم يُقبض، فدلّ جوازه عَلَى أن النهي عن بيع ما لم يُقبض إنما ورد فِي الأشياء التي يُبتغى ببيعها، وبالتصرّف فيها الربح، كما رُوي أنه ﷺ "نهى عن ربح ما لم يُضمن"، واقتضاءُ الذهب منْ الفضة خارجٌ عن هَذَا المعنى؛ لأنه إنما يُراد به التقابض، والتقابض منْ حيث لا يشقّ، ولا يتعذّر، دون التصارف، والترابح.
ويبيّن لك صحّة هَذَا المعنى قوله: "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها": أي لا تطلب فيها ربح ما لم تضمن، واشترط أن لا يفترقا، وبينهما شيء؛ لأن اقتضاء الدراهم منْ الدنانير صرفٌ، وعقد الصرف لا يصحّ إلا بالتقابض. انتهى. "معالم السنن" ٥/ ٢٥ - ٢٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا ضعيف، مرفوعًا، وإنما يصحّ موقوفًا عَلَى ابن عمر، وذلك لتفرّد سماك بن حرب عن سعيد بن جبير برفعه, وَقَدْ خالفه داود ابن أبي هند، وهو أحفظ منه، وأثبت، فرواه عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، موقوفًا عليه، كما لم يرفعه سائر أصحاب ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.
فقد أخرج البيهقيّ فِي "المعرفة" ٤/ ٣٥٣ - بسنده عن علي بن عبد الله، قَالَ: سمعت أبا داود الطيالسيّ، يقول: كنّا عند شعبة، فجاءه خالد بن طليق، وأبو ربيع السمّان، وكان خالد الذي سأله, فَقَالَ: يا أبا بسطام، حدّثنا بحديث سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر فِي اقتضاء الورق منْ الذهب، والذهب منْ الورق، وَقَالَ شعبة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، ولم يرفعه، وحدثنا قتادة، عن سعيد ابن المسيّب، عن ابن عمر، ولم يرفعه، وحدّثنا داود بن أبي هند، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، ولم يرفعه، وحدثنا يحيى بن أبي إسحاق، عن سالم، عن ابن عمر، ولم
стр. 16836
يرفعه، ورفعه لنا سماك بن حرب، وأنا أفرقه. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: فتبيّن بهذا أن سماكًا خالف منْ هو أحفظ منه، وهو داود ابن أبي هند، حيث رواه عن سعيد بن جبير، فوقفه عَلَى ابن عمر، مع أن الأثبات الثلاثة، منْ أصحاب ابن عمر ﵄ عَلَى وقفه، وهم نافع، وابن المسيّب، وسالم.
والحاصل أن الْحَدِيث موقوفًا صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٥٠/ ٤٥٨٤ و٥١/ ٤٥٨٥ و٤٥٨٦ و٤٥٨٨ و٥٢/ ٤٥٩١ - وفي "الكبرى" ٥٢/ ٦١٧٥ و٦١٧٦ و٦١٧٧ و٦١٧٨ و٦١٧٩ و٦١٨٠ و٦١٨١. وأخرجه (د) فِي "البيوع" ٣٣٥٤ (ت) فِي "البيوع" ١٢٤٢ (ق) فِي "التجارات" ٢٢٦٢ (أحمد) فِي "مسند المكثرين" ٤٨٦٨ و٥٥٣٠ و٥٧٣٩ و٦٢٠٣ و٦٣٩١ (الدارمي) فِي "البيوع" ٢٤٦٨. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي جواز اقتضاء أحد النقدين منْ الآخر:
قَالَ الإِمام الخطّابيّ رحمه الله تعالى: وَقَدْ اختلف النَّاس فِي اقتضاء الدراهم منْ الدنانير، فذهب أكثر أهل العلم إلى جوازه، ومنع منْ ذلك أبو سلمة بن عبد الرحمن، وابن شُبْرُمة. وكان ابن أبي ليلى يكره ذلك إلا بسعر يومه، ولم يَعتبر غيره السعر، ولم يتأولوا، كَانَ ذلك بأغلى، أو بأرخص منْ سعر يومه، والصواب ما ذهب إليه، وهو منصوص فِي الْحَدِيث، ومعناه ما بيّنته لك، فلا تذهب عنه، فإنه لا يجوز غير ذلك. والله أعلم. انتهى "معالم السنن" ٥/ ٢٥ - ٢٦.
وَقَالَ الموفّق رحمه الله تعالى فِي "المغني" ٦/ ١٠٧ - ١٠٨: يجوز اقتضاء أحد النقدين منْ الآخر، ويكون صرفا بعين وذمة، فِي قول أكثر أهل العلم، ومنع منه ابن عباس، وأبو سلمة بِن عبد الرحمن، وابن شبرمة، وروي ذلك عن ابن مسعود؛ لأن القبض شرط، وَقَدْ تَخَلّف، ولنا ما روى أبو داود، والأثرم فِي "سننهما" عن ابن عمر، قَالَ: كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه منْ هذه، وأعطي هذه منْ هذه، فأتيت النبيّ ﷺ فِي بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله، رُويدك أسألك، إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير أخذ هذه منْ هذه، وأعطي هذه منْ هذه؟ فَقَالَ رسول الله ﷺ : "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها، ما لم تفترقا وبينكما شيء".
стр. 16837
قَالَ أحمد: إنما يقضيه إياها بالسعر، لم يختلفوا أنه يقضيه إياها بالسعر، إلا ما قَالَ أصحاب الرأي: إنه يقضيه مكانها ذهبا عَلَى التراضي؛ لأنه بيع فِي الحال، فجاز ما تراضيا عليه, إذا اختلف الجنس كما لو كَانَ العوض عرضا، ووجه الأول قول النبيّ ﷺ : "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها"، وروي عن ابن عمر، أن بكر بن عبد الله الْمُزَنيّ، ومسروقا العجليّ، سألاه عن كَرِيّ لهما، له عليهما دراهم، وليس معهما إلا دنانير، فَقَالَ ابن عمر: أعطوه بسعر السوق، ولأن هَذَا جرى مجرى القضاء، فَقُيّد بالمثل، كما لو قضاه منْ الجنس، والتماثل هاهنا منْ حيث القيمة؛ لتعذر التماثل منْ حيث الصورة.
قيل لأبي عبد الله: فإن أهل السوق يتغابنون بينهم بالدانق فِي الدينار، وما أشبهه؟ فَقَالَ: إذا كَانَ مما يتغابن النَّاس به، فسهل فيه ما لم يكن حيلة، ويزاد شيئا كثيرا. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن قول منْ قَالَ بجواز اقتضاء أحد النقدين مكان الآخر بشرط أن يكون بسعر يومه، يدًا بيد هو الصواب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا. ونعم الوكيل.
…
٥١ - (أَخْذِ الْوَرِقِ مِنَ الذَّهَبِ، وَالذَّهَبِ مِنَ الْوَرِقِ، وَذِكْرِ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ النَّاقِلِينَ لِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا فِيهِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه الاختلاف فيه واضح، حيث إن سماكًا رواه عن سعيد بن جبير، مرفوعًا، وخالفه أبو هاشم الرّمانيّ، فرواه عنه موقوفًا عَلَى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وخالفهما موسى بن نافع، فوقفه عَلَى سعيد. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٥٨٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنْتُ أَبِيعُ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ، أَوِ الْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: "إِذَا بَايَعْتَ صَاحِبَكَ، فَلَا تُفَارِقْهُ وَبَيْنَكَ وَبَيْنَهُ لَبْسٌ").
стр. 16838
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أبو الأحوص": هو سلاّم بن سُليم الحنفيّ الكوفيّ. وقوله: "لبسٌ" بفتح اللام، وسكون الباء الموحّدة: أي خلط بسبب أن يبقى بينكما بقيّة.
والحديث ضعيف مرفوعًا كما سبق تمام البحث فيه فِي الْحَدِيث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٨٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُوسَى بْنُ نَافِعٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَأْخُذَ الدَّنَانِيرَ مِنَ الدَّرَاهِمِ، وَالدَّرَاهِمَ مِنَ الدَّنَانِيرِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "موسى بن نافع" الأسَديّ، ويقال: الْهُذليّ، أبو شهاب الحنّاط بمهملة، فنون -مشهور بكنيته، وهو الأكبر الكوفيّ، ويقال: البصريّ، صدوق [٦].
رَوَى عن مجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، وأبي علي النعمان بن علي الوالبي. وعنه الثوري، وعيسى بن يونس، ووكيع، والقطان، والمحاربي، وأبو أسامة، ومحمد ابن عبيد الطنافسي، وأبو نعيم، وغيرهم. قَالَ علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد، عن موسى بن نافع؟ فَقَالَ: أفسدوه علينا. وَقَالَ أبو حاتم: قَالَ عثمان بن أبي شيبة: أثنى أبو نعيم عَلَى موسى بن نافع خيرا. وَقَالَ أيضا: قَالَ أبو جعفر الحمال: قَالَ أحمد بن حنبل: موسى بن نافع منكر الْحَدِيث. وَقَالَ إسحاق بن منصور، عن بن معين: ثقة. وَقَالَ ابن أبي حاتم، عن أبيه: يكتب حديثه، قَالَ: وغيري يحكي عن أبي، أنه قَالَ: ثقة. وَقَالَ ابن عدي: وموسى بن نافع هَذَا بصري، ليس بالمعروف، ولم يحضرني له شيء. وَقَالَ البخاريّ: قَالَ عثمان بن أبي شيبة: هو أسدي، وأثنى عليه خيرا. وَقَالَ ابن سعد: كَانَ مولى بني أسد، وكان ثقة، قليل الْحَدِيث، وَقَالَ ابن شاهين: فِي "الثقات": قَالَ ابن عمار: هو ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، له فِي "الصحيحين" حديثه عن عطاء، عن جابر، فِي حجة الوداع. روى له البخاريّ، ومسلم، والمصنّف، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط، ذكره فِي هَذَا الباب مرَّتين.
[تنبيه]: موسى هَذَا هو المعروف بأبي شهاب الحنّاط الأكبر، ولهم أبو شهاب الحنّاط الأصغر، واسمه: عبد ربّه بن نافع الكنانيّ الحنّاط، نزيل المدائن، صدوقٌ يهم [٨] مات سنة (١٧١) أو (١٧٢)، وسيأتي له فِي "كتاب الزينة" برقم ١٠/ ٥٠٦٤ حديث أبي وائل قَالَ: خطبنا ابن مسعود، فَقَالَ: كيف تأمروني أقرأ عَلَى قراءة زيد بن ثابت، بعدما قرأت منْ فِي رسول الله ﷺ بضعا وسبعين سورة، وإن زيدا مع الغلمان له ذؤابتان. وليس له فِي هَذَا الكتاب غيره. والله أعلم.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: أثر سعيد بن جبير رحمه الله تعالى هَذَا مما تفرّد به
стр. 16839
المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا ٥١/ ٤٥٨٦ و٤٥٨٩ - وفي "الكبرى" ٥٢/ ٦١٧٦ و٦١٨٠. وهو مقطوعٌ صحيح الإسناد، لكن سيأتي آخر الباب بهذا السند نفسه خلافه، وهو أصحّ مما هنا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٨٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُؤَمَّلٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا -يَعْنِي- فِي قَبْضِ الدَّرَاهِمِ مِنَ الدَّنَانِيرِ، وَالدَّنَانِيرِ مِنَ الدَّرَاهِمِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "مؤمّل": هو ابن إسماعيل، أبو عبد الرحمن البصريّ، نزيل مكة، صدوقٌ سيّء الحفظ، منْ صغار [٩] ٢٢/ ٤٠٩٤. و"سفيان": هو الثوريّ. و"أبو هاشم": هو الرُّمّانيّ الواسطيّ، اسمه يحيى بن دينار، وقيل: بن الأسود، وقيل: ابن نافع، ثقة [٦] ١٨٨/ ٢٩٦.
والحديث موقوف صحيحٌ، وتقدّم تخريجه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٨٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الْهُذَيْلِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فِي قَبْضِ الدَّنَانِيرِ مِنَ الدَّرَاهِمِ، أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُهَا، إِذَا كَانَ مِنْ قَرْضٍ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"سفيان": هو الثوريّ. و"أبو الْهُذَيل" غالب بن الْهُذيل الأَوديّ الكوفيّ، صدوقٌ، رُمي بالرفض [٥].
رَوَى عن أنس، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وكليب الأودي، وابن رَزِين، وروى عنه الثوري، وإسرائيل، وشريك، وعلي بن صالح بن حي. قَالَ ابن أبي حاتم، عن أبيه: لا بأس به، قلت: يحتج بحديثه؟ قَالَ: وأيُّ شيء عنده؟ قليل، وَقَالَ ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة. وعن أبي سعيد الأشج، عن عبد الله بن إدريس، عن أبيه، حدثنا غالب أبو الهذيل، وكان رافضيا. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". تفرد به المصنّف بهذا الأثر فقط.
و"إبراهيم": هو النخعيّ.
وقوله: "إذا كَانَ منْ قرض" وإنما كرهه إذا كَانَ منْ قرض؛ لئلا يؤدّي إلى جرّ نفع، والقرض إذا جرّ النفع يكون مكروهًا.
والأثر مقطوعٌ صحيح، تفرّد به المصنّف، أخرجه هنا -٥١/ ٤٥٨٨ - وفي "الكبرى" ٥٢/ ٦١٧٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 16840
٤٥٨٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُوسَى أَبِي شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا، وَإِنْ كَانَ مِنْ قَرْضٍ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "عن موسى أبي شهاب" كذا وقع فِي "الهنديّة"، وبعض نسخ "الكبرى"، وهو الصواب، ووقع فِي معظم النسخ "عن موسى بن شهاب"، وهو غلطٌ فاحش، ولا يوجد فِي الرواة منْ اسمه موسى بن شهاب أصلاً، وموسى هَذَا هو ابن نافع المذكور قبل حديثين، والآتي فِي السند التالي، وهو أبو شهاب الأكبر. فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
٤٥٩٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ نَافِعٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِمِثْلِهِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: كَذَا وَجَدْتُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الإسناد تقدّم قبل ثلاثة أحاديث.
وقوله: "كذا وجدته الخ" أشار به إلى المخالفة بينه وبين الرواية السابقة، حيث إن فيها أن سعيدًا كَانَ يكره أن يأخذ الدنانير منْ الدراهم، والدراهم منْ الدنانير، وهذه الرواية أرجح منْ تلك؛ لموافقتها لرواية الثوريّ التي قبلها.
والأثر صحيح، منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٥١/ ٤٥٨٩ - وفي "الكبرى" ٥٢/ ٦١٨٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٥٢ - (أَخْذِ الْوَرِقِ مِنَ الذَّهَبِ)
٤٥٩١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعَافَى، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقُلْتُ: رُوَيْدَكَ أَسْأَلُكَ، إِنِّي أَبِيعُ الإِبِلَ بِالْبَقِيعِ بِالدَّنَانِيرِ، وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ؟ قَالَ: "لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَ بِسِعْرِ يَوْمِهَا، مَا لَمْ تَفْتَرِقَا، وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن عبد الله بن عمّار": هو الْمُخَرِّميّ الأزديّ، أبو جعفر، نزيل الموصل، ثقة حافظ [١٠] ٢٠/ ١٢٢٠ منْ أفراد المصنّف. و"المعافى": هو ابن عمران الأزديّ الفهميّ، أبو مسعود الموصِليّ، ثقة فقيه عابدٌ، منْ كبار [٩] ٣٦/ ١٢٧١.