يرفعه، ورفعه لنا سماك بن حرب، وأنا أفرقه. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: فتبيّن بهذا أن سماكًا خالف منْ هو أحفظ منه، وهو داود ابن أبي هند، حيث رواه عن سعيد بن جبير، فوقفه عَلَى ابن عمر، مع أن الأثبات الثلاثة، منْ أصحاب ابن عمر ﵄ عَلَى وقفه، وهم نافع، وابن المسيّب، وسالم.
والحاصل أن الْحَدِيث موقوفًا صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٥٠/ ٤٥٨٤ و٥١/ ٤٥٨٥ و٤٥٨٦ و٤٥٨٨ و٥٢/ ٤٥٩١ - وفي "الكبرى" ٥٢/ ٦١٧٥ و٦١٧٦ و٦١٧٧ و٦١٧٨ و٦١٧٩ و٦١٨٠ و٦١٨١. وأخرجه (د) فِي "البيوع" ٣٣٥٤ (ت) فِي "البيوع" ١٢٤٢ (ق) فِي "التجارات" ٢٢٦٢ (أحمد) فِي "مسند المكثرين" ٤٨٦٨ و٥٥٣٠ و٥٧٣٩ و٦٢٠٣ و٦٣٩١ (الدارمي) فِي "البيوع" ٢٤٦٨. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي جواز اقتضاء أحد النقدين منْ الآخر:
قَالَ الإِمام الخطّابيّ رحمه الله تعالى: وَقَدْ اختلف النَّاس فِي اقتضاء الدراهم منْ الدنانير، فذهب أكثر أهل العلم إلى جوازه، ومنع منْ ذلك أبو سلمة بن عبد الرحمن، وابن شُبْرُمة. وكان ابن أبي ليلى يكره ذلك إلا بسعر يومه، ولم يَعتبر غيره السعر، ولم يتأولوا، كَانَ ذلك بأغلى، أو بأرخص منْ سعر يومه، والصواب ما ذهب إليه، وهو منصوص فِي الْحَدِيث، ومعناه ما بيّنته لك، فلا تذهب عنه، فإنه لا يجوز غير ذلك. والله أعلم. انتهى "معالم السنن" ٥/ ٢٥ - ٢٦.
وَقَالَ الموفّق رحمه الله تعالى فِي "المغني" ٦/ ١٠٧ - ١٠٨: يجوز اقتضاء أحد النقدين منْ الآخر، ويكون صرفا بعين وذمة، فِي قول أكثر أهل العلم، ومنع منه ابن عباس، وأبو سلمة بِن عبد الرحمن، وابن شبرمة، وروي ذلك عن ابن مسعود؛ لأن القبض شرط، وَقَدْ تَخَلّف، ولنا ما روى أبو داود، والأثرم فِي "سننهما" عن ابن عمر، قَالَ: كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه منْ هذه، وأعطي هذه منْ هذه، فأتيت النبيّ ﷺ فِي بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله، رُويدك أسألك، إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير أخذ هذه منْ هذه، وأعطي هذه منْ هذه؟ فَقَالَ رسول الله ﷺ : "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها، ما لم تفترقا وبينكما شيء".
стр. 16837
قَالَ أحمد: إنما يقضيه إياها بالسعر، لم يختلفوا أنه يقضيه إياها بالسعر، إلا ما قَالَ أصحاب الرأي: إنه يقضيه مكانها ذهبا عَلَى التراضي؛ لأنه بيع فِي الحال، فجاز ما تراضيا عليه, إذا اختلف الجنس كما لو كَانَ العوض عرضا، ووجه الأول قول النبيّ ﷺ : "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها"، وروي عن ابن عمر، أن بكر بن عبد الله الْمُزَنيّ، ومسروقا العجليّ، سألاه عن كَرِيّ لهما، له عليهما دراهم، وليس معهما إلا دنانير، فَقَالَ ابن عمر: أعطوه بسعر السوق، ولأن هَذَا جرى مجرى القضاء، فَقُيّد بالمثل، كما لو قضاه منْ الجنس، والتماثل هاهنا منْ حيث القيمة؛ لتعذر التماثل منْ حيث الصورة.
قيل لأبي عبد الله: فإن أهل السوق يتغابنون بينهم بالدانق فِي الدينار، وما أشبهه؟ فَقَالَ: إذا كَانَ مما يتغابن النَّاس به، فسهل فيه ما لم يكن حيلة، ويزاد شيئا كثيرا. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن قول منْ قَالَ بجواز اقتضاء أحد النقدين مكان الآخر بشرط أن يكون بسعر يومه، يدًا بيد هو الصواب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا. ونعم الوكيل.
…
٥١ - (أَخْذِ الْوَرِقِ مِنَ الذَّهَبِ، وَالذَّهَبِ مِنَ الْوَرِقِ، وَذِكْرِ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ النَّاقِلِينَ لِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا فِيهِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه الاختلاف فيه واضح، حيث إن سماكًا رواه عن سعيد بن جبير، مرفوعًا، وخالفه أبو هاشم الرّمانيّ، فرواه عنه موقوفًا عَلَى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وخالفهما موسى بن نافع، فوقفه عَلَى سعيد. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٥٨٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنْتُ أَبِيعُ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ، أَوِ الْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: "إِذَا بَايَعْتَ صَاحِبَكَ، فَلَا تُفَارِقْهُ وَبَيْنَكَ وَبَيْنَهُ لَبْسٌ").
стр. 16838
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أبو الأحوص": هو سلاّم بن سُليم الحنفيّ الكوفيّ. وقوله: "لبسٌ" بفتح اللام، وسكون الباء الموحّدة: أي خلط بسبب أن يبقى بينكما بقيّة.
والحديث ضعيف مرفوعًا كما سبق تمام البحث فيه فِي الْحَدِيث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٨٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُوسَى بْنُ نَافِعٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَأْخُذَ الدَّنَانِيرَ مِنَ الدَّرَاهِمِ، وَالدَّرَاهِمَ مِنَ الدَّنَانِيرِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "موسى بن نافع" الأسَديّ، ويقال: الْهُذليّ، أبو شهاب الحنّاط بمهملة، فنون -مشهور بكنيته، وهو الأكبر الكوفيّ، ويقال: البصريّ، صدوق [٦].
رَوَى عن مجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، وأبي علي النعمان بن علي الوالبي. وعنه الثوري، وعيسى بن يونس، ووكيع، والقطان، والمحاربي، وأبو أسامة، ومحمد ابن عبيد الطنافسي، وأبو نعيم، وغيرهم. قَالَ علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد، عن موسى بن نافع؟ فَقَالَ: أفسدوه علينا. وَقَالَ أبو حاتم: قَالَ عثمان بن أبي شيبة: أثنى أبو نعيم عَلَى موسى بن نافع خيرا. وَقَالَ أيضا: قَالَ أبو جعفر الحمال: قَالَ أحمد بن حنبل: موسى بن نافع منكر الْحَدِيث. وَقَالَ إسحاق بن منصور، عن بن معين: ثقة. وَقَالَ ابن أبي حاتم، عن أبيه: يكتب حديثه، قَالَ: وغيري يحكي عن أبي، أنه قَالَ: ثقة. وَقَالَ ابن عدي: وموسى بن نافع هَذَا بصري، ليس بالمعروف، ولم يحضرني له شيء. وَقَالَ البخاريّ: قَالَ عثمان بن أبي شيبة: هو أسدي، وأثنى عليه خيرا. وَقَالَ ابن سعد: كَانَ مولى بني أسد، وكان ثقة، قليل الْحَدِيث، وَقَالَ ابن شاهين: فِي "الثقات": قَالَ ابن عمار: هو ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، له فِي "الصحيحين" حديثه عن عطاء، عن جابر، فِي حجة الوداع. روى له البخاريّ، ومسلم، والمصنّف، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط، ذكره فِي هَذَا الباب مرَّتين.
[تنبيه]: موسى هَذَا هو المعروف بأبي شهاب الحنّاط الأكبر، ولهم أبو شهاب الحنّاط الأصغر، واسمه: عبد ربّه بن نافع الكنانيّ الحنّاط، نزيل المدائن، صدوقٌ يهم [٨] مات سنة (١٧١) أو (١٧٢)، وسيأتي له فِي "كتاب الزينة" برقم ١٠/ ٥٠٦٤ حديث أبي وائل قَالَ: خطبنا ابن مسعود، فَقَالَ: كيف تأمروني أقرأ عَلَى قراءة زيد بن ثابت، بعدما قرأت منْ فِي رسول الله ﷺ بضعا وسبعين سورة، وإن زيدا مع الغلمان له ذؤابتان. وليس له فِي هَذَا الكتاب غيره. والله أعلم.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: أثر سعيد بن جبير رحمه الله تعالى هَذَا مما تفرّد به
стр. 16839
المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا ٥١/ ٤٥٨٦ و٤٥٨٩ - وفي "الكبرى" ٥٢/ ٦١٧٦ و٦١٨٠. وهو مقطوعٌ صحيح الإسناد، لكن سيأتي آخر الباب بهذا السند نفسه خلافه، وهو أصحّ مما هنا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٨٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُؤَمَّلٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا -يَعْنِي- فِي قَبْضِ الدَّرَاهِمِ مِنَ الدَّنَانِيرِ، وَالدَّنَانِيرِ مِنَ الدَّرَاهِمِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "مؤمّل": هو ابن إسماعيل، أبو عبد الرحمن البصريّ، نزيل مكة، صدوقٌ سيّء الحفظ، منْ صغار [٩] ٢٢/ ٤٠٩٤. و"سفيان": هو الثوريّ. و"أبو هاشم": هو الرُّمّانيّ الواسطيّ، اسمه يحيى بن دينار، وقيل: بن الأسود، وقيل: ابن نافع، ثقة [٦] ١٨٨/ ٢٩٦.
والحديث موقوف صحيحٌ، وتقدّم تخريجه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٨٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الْهُذَيْلِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فِي قَبْضِ الدَّنَانِيرِ مِنَ الدَّرَاهِمِ، أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُهَا، إِذَا كَانَ مِنْ قَرْضٍ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"سفيان": هو الثوريّ. و"أبو الْهُذَيل" غالب بن الْهُذيل الأَوديّ الكوفيّ، صدوقٌ، رُمي بالرفض [٥].
رَوَى عن أنس، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وكليب الأودي، وابن رَزِين، وروى عنه الثوري، وإسرائيل، وشريك، وعلي بن صالح بن حي. قَالَ ابن أبي حاتم، عن أبيه: لا بأس به، قلت: يحتج بحديثه؟ قَالَ: وأيُّ شيء عنده؟ قليل، وَقَالَ ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة. وعن أبي سعيد الأشج، عن عبد الله بن إدريس، عن أبيه، حدثنا غالب أبو الهذيل، وكان رافضيا. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". تفرد به المصنّف بهذا الأثر فقط.
و"إبراهيم": هو النخعيّ.
وقوله: "إذا كَانَ منْ قرض" وإنما كرهه إذا كَانَ منْ قرض؛ لئلا يؤدّي إلى جرّ نفع، والقرض إذا جرّ النفع يكون مكروهًا.
والأثر مقطوعٌ صحيح، تفرّد به المصنّف، أخرجه هنا -٥١/ ٤٥٨٨ - وفي "الكبرى" ٥٢/ ٦١٧٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 16840
٤٥٨٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُوسَى أَبِي شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا، وَإِنْ كَانَ مِنْ قَرْضٍ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "عن موسى أبي شهاب" كذا وقع فِي "الهنديّة"، وبعض نسخ "الكبرى"، وهو الصواب، ووقع فِي معظم النسخ "عن موسى بن شهاب"، وهو غلطٌ فاحش، ولا يوجد فِي الرواة منْ اسمه موسى بن شهاب أصلاً، وموسى هَذَا هو ابن نافع المذكور قبل حديثين، والآتي فِي السند التالي، وهو أبو شهاب الأكبر. فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
٤٥٩٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ نَافِعٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِمِثْلِهِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: كَذَا وَجَدْتُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الإسناد تقدّم قبل ثلاثة أحاديث.
وقوله: "كذا وجدته الخ" أشار به إلى المخالفة بينه وبين الرواية السابقة، حيث إن فيها أن سعيدًا كَانَ يكره أن يأخذ الدنانير منْ الدراهم، والدراهم منْ الدنانير، وهذه الرواية أرجح منْ تلك؛ لموافقتها لرواية الثوريّ التي قبلها.
والأثر صحيح، منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٥١/ ٤٥٨٩ - وفي "الكبرى" ٥٢/ ٦١٨٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٥٢ - (أَخْذِ الْوَرِقِ مِنَ الذَّهَبِ)
٤٥٩١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعَافَى، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقُلْتُ: رُوَيْدَكَ أَسْأَلُكَ، إِنِّي أَبِيعُ الإِبِلَ بِالْبَقِيعِ بِالدَّنَانِيرِ، وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ؟ قَالَ: "لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَ بِسِعْرِ يَوْمِهَا، مَا لَمْ تَفْتَرِقَا، وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن عبد الله بن عمّار": هو الْمُخَرِّميّ الأزديّ، أبو جعفر، نزيل الموصل، ثقة حافظ [١٠] ٢٠/ ١٢٢٠ منْ أفراد المصنّف. و"المعافى": هو ابن عمران الأزديّ الفهميّ، أبو مسعود الموصِليّ، ثقة فقيه عابدٌ، منْ كبار [٩] ٣٦/ ١٢٧١.
стр. 16841
وقوله: "رُويدك" بضم أوله، بصيغة المصغّر: بمعنى أمهلني.
والحديث ضعيفٌ، لما سبق منْ مخالفة سماك للثقات فِي رفعه، وَقَدْ سبق تمام البحث فيه قبل باب، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٥٣ - (الزِّيَادَةِ فِي الْوَزْنِ)
٤٥٩٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، دَعَا بِمِيزَانٍ، فَوَزَنَ لِي، وَزَادَنِي).
رجال هَذَا الإسناد. خمسة:
١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ، ثم البصريّ، ثقة [١٠] ٥/ ٥.
٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإِمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧.
٤ - (محارب بن دِثَار) السدوسيّ الكوفيّ القاض، ثقة إمام زاهد [٤] ١٦/ ٦٥٢.
٥ - (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَمِيّ رضي الله تعالى عنهما ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين، غير محارب، فكوفي، وجابر، فمدنيّ. (ومنها): أن فيه جابرًا ﵁ منْ المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ جَابِر) بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ) منْ غزوه، لا قدومه فِي الهجرة، فإن هذه القصّة وقعت فِي غزوة تبوك، وقيل: فِي غزوة ذات الرقاع، ورحجه الحافظ فِي "الفتحِ" ٥/ ٦٦٥ - (دَعَا بِمِيزَانٍ) بكسر الميم، وأصله مِوْزان؛ لأنه واويّ، وجمعه موازين (فَوَزَنَ لِي، وَزَادَنِي) أي أمر بأن يوزن لي، لا
стр. 16842
أنه هو الذي وزن بنفسه؛ لما سيأتي فِي ٧٧/ ٤٦٤١ - مطوّلاً، وفيه: "فلما قدمت المدينة جئته، فَقَالَ لبلال: زن له أُوقيّةً، وزده قِيراطًا". وفيه جواز الزيادة فِي الثمن عند الوزن للأداء، وهو محلّ الترجمة هنا، لكن يشترط فيه رضا المالك، وهل هي هبة مستأنفة، حَتَّى لو رُدّت السلعة بعيب مثلاً، لم يجب ردّها، أو هي تابعة للثمن حَتَّى تردّ معه؟ فيه احتمال، والظاهر الثاني.
والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي تمام شرحه، وتخريجه بعد ثلاثة وعشرين بابا ٧٧ - "البيع يكون فيه الشرط، فيصحّ البيع، والشرط"، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٩٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَضَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَزَادَنِي).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن منصور": هو الجوّاز المكيّ، منْ أفراد المصنّف. و"محمد بن عبد الله بن يزيد": هو أبو يحيى المكيّ, منْ أفراد المصنّف، وابن ماجه. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"مِسعر": هو ابن كِدام بن ظُهير الهلاليّ مولاهم، أبو سلمة الكوفيّ الثقة الثبت الفاضل [٧].
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٥٤ - (الرُّجْحَانُ فِي الْوَزْنِ)
" الرُّجحان" بضم الراء، وسكون الجيم: مصدر رَجَح الشيءُ يَرْجَحُ، بفتح الجيم فِي الماضي، وتثليثها فِي المضارع رُجُوحًا، ورُجحانًا. أفاده فِي "القاموس"، وفي "المصباح": رجح الشيء يرجح بفتحتين، ورَجَح رُجوحًا منْ باب قعد لغةٌ، والاسم الرجحان: إذا زاد وزنه، ويُستعمل متعدّيًا أيضًا، فيقال: رَجَحْته، ورجح الميزانُ يرجَح، ويرجُحُ: إذا ثقلت كفّته بالموزون، ويتعدّى بالألف، فيقال: أرجحته، ورجّحت الشيء بالتثقيل: فضّلتُهُ، وقوّيته، وأرجحتُ الرجلَ بالألف: أعطيته راجحًا. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 16843
٤٥٩٤ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: جَلَبْتُ أَنَا، وَمَخْرَفَةُ الْعَبْدِيُّ بَزًّا، مِنْ هَجَرَ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَنَحْنُ بِمِنًى، وَوَزَّانٌ يَزِنُ بِالأَجْرِ، فَاشْتَرَى مِنَّا سَرَاوِيلَ، فَقَالَ لِلْوَزَّانِ: "زِنْ، وَأَرْجِحْ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (يعقوب بن إبراهيم) الدورقيّ، أبو يوسف البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] ٢١/ ٢٢.
٢ - (عبد الرحمن) بن مهديّ العنبريّ مولاهم البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤٢/ ٤٩.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة ثبت حجة [٧] ٣٣/ ٣٧.
٤ - (سماك) بن حرب بن أوس بن خالد الذهليّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوق، تغير بآخره، فكان ربما يلقّن [٤] ٢/ ٣٢٥.
٥ - (سُويد بن قيس) أبو صفوان، ويقال: أبو مرحب، صحابيّ نزل الكوفة، وروى أن رسول الله ﷺ اشترى منه رجل سراويل، وروى عنه سماك بن حرب، واختُلف فيه عَلَى سماك. روى له الأربعة حديث السراويل فقط. انتهى "تهذيب الكمال". وَقَالَ الحافظ: ما جزم به منْ أنَّ كنيته أبو صفوان فيه نظر، والذي يُكنى أبا صفوان اسمه مالك انتهى "تهذيب التهذيب" ٢/ ١٣٦.
وَقَالَ فِي "الإصابة" فِي "حرف السين" ٤/ ٣٠٢ - : سُويد بن قيس العبديّ، أبو مرحب، روى سماك بن حرب عنه أن النبيّ ﷺ اشترى منه رجل سَراويل، أخرجه أحمد، وأصحاب السنن فيه، واختُلف فيه عَلَى سماك، فقيل: عنه، عن أبي صفوان مالك بن عَمِيرة، وسيأتي فِي ترجمته، وكلام المزّيّ يوهم أن سويدًا يُكنى أبا صفوان، وليس كذلك. اهـ. وَقَالَ فِي "حرف الميم" ٩/ ٦٣ - : مالك بن عَمِيرة، أبو صفوان، وأبوه بفتح العين، وحَكَى فيه البغويّ عُميرًا، مصغّرًا بلا هاء فِي آخره، حديثه يشبه حديث سُويد بن قيس، فقيل: إنهما واحد، اختُلف فِي اسمه عَلَى سماك بن حرب، وقيل: هما اثنان. وأخرجه البغويّ منْ رواية أبي داود الطيالسيّ، عن شعبة، عن سماك: سمعت أبا صفوان مالك بن عمير، ومن طريق شبابة، عن شعبة، قَالَ: مالك ابن عمير به. انتهى. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، سوى الصحابيّ، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فبغداديّ، وعبد الرحمن، فبصريّ. (ومنها): أن صحابيه منْ
стр. 16844
المقلّين منْ الرواية, فليس له إلا حديث الباب. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ سُوَيْدِ بْنِ قَيْسٍ) ﵁ أنه (قَالَ: جَلَبْتُ) بفتح اللام، يقال: جلبَ الشيءَ يجلبه منْ بابي ضرب، ونصر جَلْبًا، وجَلَبًا بالتحريك، واجتلبه: ساقه منْ موضع إلى آخر، فجلب هو، وانجلب. أفاده فِي "القاموس" وقوله (أَنَا) أتى به ليكون عطف ما بعده عليه فصيحًا، كما قَالَ ابن مالك رحمه الله تعالى فِي "خلاصته":
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
أَوْ فَاصِلِ مَا وِبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
(وَمَخْرَفَةُ الْعَبْدِيُّ) قيل: مخرفة -بفتح الميم، وسكون الخاء المعجمة، وبعدها راء مهملة، وفاء، وتاء تأنيث، وقيل: مَخْرَمة بالميم، بدل الفاء، والأول أصحّ، قَالَ ابن حبّان: له صحبة. (بَزًّا) بفتح الموحّدة، وتشديد الزاي: الثياب، أو متاع البيت، منْ الثياب، ونحوها، وبائعه البَزّاز، وحرفته الْبِزَازة بالكسر. أفاده فِي "القاموس"، وَقَالَ الفيّوميّ: البزّ بالفتح: نوع منْ الثياب، وقيل: الثياب خاصّةً منْ أمتعة البيت. وقيل: أمتعة التاجر منْ الثياب. انتهى (مِنْ هَجَرَ) بفتحتين: قَالَ فِي "القاموس": هجرٌ محرّكةً بلد باليمن، بينه وبين عَثَّرَ يومٌ وليلةٌ، مذكّرٌ مصروفٌ، وَقَدْ يؤنّث، ويُمنع، والنسبة هَجَريٌّ، وهاجِرِيّ، واسم لجميع أرض البحرين، ومنه المثل: "كمُبْضِعِ تمرِ إلى هجر". قَالَ: وقرية كانت قرب المدينة، إليها تُنسب القِلال، أو تُنسب إلى هجر اليمن. انتهى. وَقَالَ فِي "المصباح": هجر بفتحتين: بلد بقرب المدينة، يذكّر، فيُصرف، وهو الأكثر، ويؤنّث، فيُمنع، وإليها تُنسب القِلال عَلَى لفظها، فيُقال: هَجَريّةٌ، وقِلالُ هَجَر بالإضافة إليها، وهجرٌ أيضًا بالوجهين منْ بلاد نجد، والنسبة إليها هاجِرِيّ بزيادة الألف، وكسر الجيم عَلَى غير قياس، فرقًا بين البلدين، وربّما نُسب إليها عَلَى لفظها، وَقَدْ أُطلقت عَلَى الإقليم، وهو المراد بالحديث أنه ﷺ أخذ الجزية منْ مجوس هَجَر. انتهى (فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَنَحْنُ بِمِنًى) بكسر الميم، مقصورًا المكان المعروف بمكة، والغالب فيه التذكير، فيُصرف، ويقال: بينه وبين مكة ثلاثة أميال، وسمّي مني لِمَا يُمنى به منْ الدماء: أي يُراق. قاله الفيّوميّ (وَوَزَّانٌ يَزِنُ بِالأَجْرِ) مضارع وزن، منْ باب وعد، حُذفت الواو منه لوقوعها بين الياء والكسرة، والجملة فِي محلّ نصب عَلَى الحال، أي والحال أن هناك رجلٌ يزن الأثمان بأجرة يأخذها ممن يزن لهم (فَاشْتَرَى مِنَّا سَرَاوِيلَ) قَالَ المجد: السراويل: فارسيّةٌ معرّبة، وَقَدْ تُذكّر، جمعه سَراويلات، أو جمع
стр. 16845
سِرْوال، وسِرْوالة، أو سِرْوِيل، بكسرهنّ، وليس فِي الكلام فِعْويلٌ غيرها، والسراوينُ بالنون لغةٌ، والشَّرْوال بالشين لغة. انتهى. وَقَالَ الفيّوميّ: السراويل أُنثى، وبعض العرب يظنّ أنها جمعٌ؛ لأنها عَلَى وزن الجمع، وبعضهم يذكّر، فيقول: هي السراويل، وهو السراويل، وفرّق فِي "المجرّد بين صيغتى التذكير والتأنيث، فيقال: هي السراويل، وهو السروال، والجمهور أن السراويل أعجميّة، وقيل: عربيّة، جمع سِرْوالة، تقديرًا، والجمع سَرَاويلات. انتهى.
(فَقَالَ) ﷺ (لِلْوَزَّانِ: "زِنْ، وَأَرْجِحْ) أي أعط راجحا، وتقدّم فِي أول الباب أنه يقال: أرجحتُ الرجلَ بالألف: أعطيته راجحًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث سويد بن قيس ﵁ هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٥٤/ ٤٥٩٤ و٤٥٩٥ - وفي "الكبرى" ٥٥/ ٦١٨٤ و٦١٨٥. وأخرجه (د) فِي "البيوع" ٣٣٣٦ (ت) فِي "البيوع" ١٣٠٥ (ق) فِي "التجارات" ٢٢٢٠ و"اللباس" ٣٥٧٩ (أحمد) فِي "مسند الكوفيين" ١٨٦١٩ (الدارمي) فِي "البيوع" ٢٤٧٢. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعية الرجحان فِي الوزن. (ومنها): ما قاله الخطّابيّ رحمه الله تعالى: فيه دليلٌ عَلَى جوز أخذ الأجرة عَلَى الوزن والكيل، وفي معناهما أجرة القسّام، والحاسب، وكان سعيد بن المسيّب ينهى عن أجرة القسّام، وكرهها أحمد بن حنبل. (ومنها): أن فِي مخاطبة النبيّ ﷺ ، وأمره إياه بالوزن، والإرجاح دليل عَلَى أن وزن الثمن عَلَى المشتري، وإذا كَانَ الوزن عليه؛ لأن الإيفاء يلزمه، فيكون أجرة الوزن عليه، وإذا كَانَ ذلك عَلَى المشتري، فقياسه فِي السلعة المبيعة أن يكون عَلَى البائع. قاله الخطابيّ. (ومنها): أن فيه استحباب لبس السراويل؛ لأنه ﷺ اشتراه، قَالَ ابن القيّم رحمه الله تعالى فِي "الهدي": واشترى ﷺ سراويل، والظاهر أنه إنما اشتراها ليلبسها، وَقَدْ رُوي فِي غير حديث أنه لبس السراويل، وكانوا يلبسون السراويلات بإذنه. انتهى "زاد المعاد" ١/ ١٣٩.
وأخرج الطبرانيّ فِي "الأوسط"، وأبو يعلى فِي "مسنده" منْ طريق يوسف بن زياد
стр. 16846
الواسطيّ، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعُم الإفريقيّ القاضي، عن الأغرّ أبي مسلم، عن أبي هريرة ﵁، قَالَ: دخلت يومًا السوق مع رسول الله ﷺ ، فجلس إلى البزّازين، فاشترى سراويل بأربعة دراهم، وكان لأهل السوق وزّان، قَالَ: فَقَالَ له رسول الله ﷺ : "اتّزن، وأرجح"، فَقَالَ الوزّان: إن هذه الكلمة ما سمعتها قط منْ أحد، قَالَ أبو هريرة ﵁: فقلت له: كفى بك منْ الجفاء فِي دينك أن لا تعرف نبيّك ﷺ ، فطرح الميزان, ووثب إلى يد رسول الله ﷺ ، فقبّلها، فجذب النبيّ ﷺ يده منه، وَقَالَ: "هَذَا إنما تفعله الأعاجم بملوكها، إنما أنا رجلٌ منكم، فزن، وأرجح"، وأخذ رسول الله ﷺ السراويل، قَالَ أبو هريرة ﵁: فذهبت لأحمله عنه، فَقَالَ: "صاحب الشيء أحقّ بشيئه أن يحمله، إلا أن يكون ضعيفًا يعجز عنه، فيُعينه أخوه المسلم"، قَالَ: قلت: يا رسول الله، وإنك لتلبس السراويل؟ قَالَ: "نعم، بالليل والنهار، وفي السفر والحضر، فإني أُمرت بالستر، فلم أجد شيئًا أستر منه". قَالَ الطبرانيّ: لم يروه عن أبي هريرة إلا الأغرّ، ولا عنه إلا عبد الرحمن. انتهى (١).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث ضعيفٌ؛ لأن يوسف بن زياد، وعبد الرحمن الإفريقيّ ضعيفان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٩٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَفْوَانَ، قَالَ: بِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، سَرَاوِيلَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، فَأَرْجَحَ لِي).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد": هو ابن جعفر غندر.
زاد فِي "الكبرى" ٤/ ٣٥ - رقم ٦١٨٥ - بعد هَذَا الْحَدِيث: ما نصّه: قَالَ أبو عبد الرحمن: وحديث سفيان أشبه بالصواب منْ حديث شعبة. انتهى. يعني قوله: "عن سُويد بن قيس"، أصوب منْ قول شعبة: "سمعت أبا صفوان".
وَقَالَ أبو داود فِي "سننه" بعدما أخرج الْحَدِيث منْ طريق سفيان، عن سماك بن حرب: ٣/ ٢٤٥ - حدثنا حفص بن عمر، ومسلم بن إبراهيم -المعنى قريب- قالا: ثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن أبي صفوان بن عَمِيرة، قَالَ: أتيت رسول الله ﷺ بمكة، قبل أن يهاجر، بهذا الْحَدِيث، ولم يذكر يزن بأجر، وَقَدْ رواه قيس -يعني ابن الربيع- كما قَالَ سفيان، والقول قول سفيان.
стр. 16847
حدثنا ابن أبي رزمة (١)، سمعت أبي، يقول: قَالَ رجل لشعبة: خالفك سفيان، قَالَ: دَمَغْتَني. وبلغني عن يحيى بن معين، قَالَ: كلُّ منْ خالف سفيان، فالقول قول سفيان.
حدثنا أحمد بن حنبل، ثنا وكيع، عن شعبة قَالَ: كَانَ سفيان أحفظ مني.
وقوله: "القول قول سفيان": أي القول الأصح، والأوثق هو قول سفيان. وَقَالَ البيهقي فِي "السنن الكبرى" بعدما ذكر حديث سفيان: وكذا رواه قيس بن الربيع، عن سماك، وخالفهما شعبة، ثم أخرجه منْ طريقه، عن سماك، سمعت أبا صفوان، مالك ابن عَمِيرة الْحَدِيث، ثم ذكر البيهقي، عن أبي داود، أنه قَالَ: القول قول سفيان، لكن أخرجه الحاكم فِي "المستدرك" منْ طريق شعبة، عن سماك، سمعت أبا صفوان، يقول: سمعت منْ النبيّ ﷺ الْحَدِيث، ثم قَالَ الحاكم: أبو صفوان كنيته سُوَيد بن قيس، هما واحد صحابي منْ الأنصار، والحديث صحيح عَلَى شرط مسلم. انتهى.
قَالَ المنذري: وأخرجه النسائيّ، وابن ماجه، ووقع فِي حديث النسائيّ، وابن ماجه: سمعت مالكا أبا صفوان، وَقَالَ النسائيّ: حديث سفيان أشبه بالصواب -يعني الْحَدِيث الأول، الذي فيه سُويد بن قيس، وَقَالَ أبو داود: والقول قول سفيان.
وَقَالَ الحاكم أبو أحمد الكرابيسي: أبو صفوان مالك بن عَمِيرة، ويقال: سُويد بن قيس، باع منْ النبيّ ﷺ ، فأرجح له. وَقَالَ أبو عمر النمري: أبو صفوان، مالك بن عميرة، ويقال: سويد بن قيس، وذكر له هَذَا الْحَدِيث، وهذا يدل عَلَى أنه عندهما رجل واحد، كنيته أبو صفوان، واختلف فِي اسمه. والله أعلم. انتهى "عون المعبود" ٩/ ١٨٥ - ١٨٨.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل مما تقدّم أن المصنّف، وأبا داود رحمهما الله تعالى رجّحا رواية سفيان الثوريّ عَلَى أن الصحابيّ سُويد بن قيس، وليس أبا صفوان مالك بن عَميرة، كما رواه شعبة؛ وسبب ترجيحهما كون سفيان أحفظ منْ شعبة، كما اعترف به هو نفسه، وغيره، وأيضًا تابعه فِي ذلك قيس بن الربيع، فكانت روايته أرجح، لكن الظاهر أنه لا خلاف بين الروايتين، كما أشار إليه أبو أحمد الحاكم، وابن عبد البرّ، بأن كنيته أبو صفوان، واختُلف فِي اسمه، فهو رجل واحد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٩٦ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْمُلَائِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ ح وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
стр. 16848
إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْمِكْيَالُ عَلَى مِكْيَالِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالْوَزْنُ عَلَى وَزْنِ أَهْلِ مَكَّةَ".
وَاللَّفْظُ لإِسْحَاقَ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن إسماعيل بن إبراهيم": هو المعروف أبوه بابن عُليّة البصريّ، نزيل دمشق، وقاضيها، ثقة [١١] ٢٢/ ٤٨٩ منْ أفراد المصنّف.
[تنبيه]: وقع فِي النسخ المطبوعة منْ "المجتبى"، و"الكبرى": "محمد بن إبراهيم"، وهو غلط، والصواب "محمد بن إسماعيل بن إبراهيم"، كما هو فِي "النسخة الهنديّة"، وَقَالَ فِي "تحفة الأشراف" ٥/ ٤٣٩: "ومحمد بن إسماعيل ابن عُليّة". فتنبّه. والله تعالى أعلم.
و"إسحاق": هو ابن راهويه. و"الملائيّ": بضمّ الميم: هو الفضل بن دُكين، أبو نعيم الكوفيّ الحافظ الحجة [٩]. و"سفيان": هو الثوريّ. و"حنظلة": هو ابن سُفيان الجمحيّ المكيّ، الثقة الحجة [٦]. و"طاوس": هو ابن كيسان الإِمام المشهور. والسند كله رجال الصحيح، غير شيخه الثاني. والله تعالى أعلم.
وقوله: "المكيال عَلَى أهل المدينة": أي المكيال الذي يتعلّق به وجوب الكفّارات، وصدقات الفطر مقدّر بمكيال أهل المدينة؛ لأنهم أصحاب زراعات، فهم أعلم بأحوال المكاييل.
وقوله: "والوزن عَلَى وزن أهل مكّة": أي الوزن المعتبر وزن أهل مكة؛ لأنهم أهل تجارات، فعهدهم بالموازين، وعلمهم بالأوزان أكثر.
قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى فِي "شرحه" ٧/ ٢٨٤ - ٢٨٥: قوله: "المكيال عَلَى مكيال أهل المدينة": أي الصاع الذي يتعلق به وجوب الكفارات، ويجب إخراج صدقة الفطر به صاع المدينة، وكانت الصيعان مختلفة فِي البلاد. والمراد بالوزن وزن الذهب والفضة فقط: أي الوزن المعتبر فِي باب الزكاة، وزن أهل مكة، وهي الدراهم التي العشرةُ منها بسبعة مثاقيل، وكانت الدراهم مختلفة الأوزان فِي البلاد، وكانت دراهم أهل مكة هي الدراهم المعتبرة فِي باب الزكاة، فأرشد ﷺ إلى ذلك بهذا الكلام، كما أرشد إلى بيان الصاع المعتبر فِي باب الكفارات، وصدقة الفطر بما سبق. انتهى.
وَقَالَ فِي "شرح السنة": الْحَدِيث فيما يتعلق بالكيل والوزن منْ حقوق الله تعالى، كالزكوات، والكفارات ونحوها، حَتَّى لا تجب الزكاة فِي الدراهم، حَتَّى تبلغ مائتي درهم بوزن مكة، والصاع فِي صدقة الفطر، صاع أهل المدينة، كُلُّ صاع خمسة أرطال
стр. 16849
وثلث رطل. كذا فِي المرقاة.
وَقَالَ فِي "نيل الأوطار": والحديث فيه دليل عَلَى أنه يُرجع عند الاختلاف فِي الكيل، إلى مكيال المدينة، وعند الاختلاف فِي الوزن إلى ميزان مكة، أما مقدار ميزان مكة، فَقَالَ ابن حزم: بحثت غاية البحث، عن كل منْ وثِقت بتمييزه، فوجدت كلاًّ يقول: إن دينار الذهب بمكة وزنه اثنتان وثمانون حبَّة، وثلاثة أعشار حبَّة، بالحب منْ الشعير، والدرهم سبعة أعشار المثقال، فوزن الدرهم سبع وخمسون حبَّة، وستة أعشار حبَّة، وعشر عشر حبَّة، فالرطل مائة وثمانية وعشرون درهما بالدرهم المذكور. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
والحديث صحيح، وَقَدْ تقدّم فِي "كتاب الزكاة" ٤٤/ ٢٥٢٠ "كم الصاع؟ " وتقدم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: اختُلف فِي هَذَا الْحَدِيث هل هو منْ مسند ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، كما هو عند المصنّف، أم هو منْ مسند ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما:
قَالَ الإِمام أبو داود رحمه الله تعالى بعد أن أخرجه عن عثمان بن أبي شيبة، عن الفضل بن دُكين، عن الثوريّ بسند المصنّف: ما نصّه: وكذا رواه الفريابيّ، وأبو أحمد، عن سفيان، وافقهما فِي المتن، وَقَالَ أبو أحمد: عن ابن عبّاس، مكان ابن عمر، ورواه الوليد بن مسلم، عن حنظلة، فَقَالَ: "وزن المدينة، ومكيال مكة". انتهى.
قَالَ فِي "عون المعبود": حديث طاوس، عن ابن عمر سكت عنه المؤلف، والمنذري، وأخرجه أيضا البزار، وصححه ابن حبّان، والدارقطني.
(وكذا رواه الفريابي) بكسر الفاء منسوب إلى فرياب، مدينة ببلاد الترك، كذا فِي "جامع الأصول"، هو محمد بن يوسف، ثقة فاضل عابد، منْ أجلة أصحاب الثوري. (وأبو أحمد) الزبيري، الكوفيّ، ثقة (وافقهما) أي وافق فضلُ بنُ دُكين فِي هَذَا المتن الفريابي، وأبا أحمد الزبيري (وَقَالَ أبو أحمد: عن ابن عباس) والمعنى: أي رواه فضل بن دكين عن سفيان الثوري، بلفظ: "الوزنُ وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة"، وهكذا رواه محمد ابن يوسف الفريابي، وأبو أحمد الزبيري، عن الثوري، فهؤلاء الثلاثة اتفقوا فِي روايتهم عن الثوري، عَلَى هَذَا اللفظ، أما أبو أحمد الزبيري، فجعله منْ مسند ابن عباس، وأما فضل ابن دكين، والفريابي فجعلاه منْ مسند ابن عمر.
قلت: وكذا جعله أبو نعيم، عن الثوري، منْ حديث ابن عمر، وروايته عند النسائيّ.
стр. 16850
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: وكذا جعله أبو نعيم الخ هَذَا عجيب، منْ صاحب "العون" فإن أبا نعيم هو فضل بن دُكين الذي فِي سند أبي داود، فكأنه توهّمه غيره. سبحان منْ لا يغفل.
قَالَ المحدثون: طريق سفيان الثوري، عن حنظلة، عن طاوس، عن ابن عمر هي أصح الروايات، وروى الدارقطنيّ منْ طريق أبي أحمد الزبيري، عن سفيان، عن حنظلة، عن طاوس، عن ابن عباس، ورواه منْ طريق أبي نعيم، عن الثوري، عن حنظلة، عن سالم بدل طاوس، عن ابن عباس، قَالَ الدارقطنيّ: أخطأ أبو أحمد فيه. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أرجح الروايات رواية أبي نعيم، والفريابيّ، كلاهما عن الثوريّ، عن حنظلة بن أبي سفيان، عن طاوس، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، بلفظ: "المكيال مكِيال أهل المدينة، والوزن وزن أهل مكة". وأما جعل أبي أحمد الزبيريّ منْ مسند ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، وكذا رواية الوليد بلفظ: "وزن المدينة، ومكيال مكة"، فمنكران. فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٥٥ - (بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "يُسْتَوْفَى" بالبناء للمفعول أي يَقْبِضَهُ وافيًا، يقال: أوفى فلانًا حقّه: أعطاه وافيًا، كوفّاه، ووافاه، فاستوفاه، وتوفّاه. قاله فِي "القاموس". والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٥٩٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن سلمة) المراديّ المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠.
٢ - (الحارث بن مسكين) القاضي المصريّ، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩.
стр. 16851
٣ - (ابن القاسم) عبد الرحمن الْعُتَقيّ المصريّ الفقيه، ثقة، منْ كبار [١٠] ١٩/ ٢٠.
٤ - (مالك) بن أنس الإِمام المدنيّ الحجة الثبت [٧] ٧/ ٧.
٥ - (نافع) مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/ ١٢.
٦ - (ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فتفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين منْ مالك، والباقون مصريون. (ومنها): أن فيه ابن عمر منْ العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنِ ابْتَاعَ) أي اشترى (طَعَامًا، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ) وفي الرواية التالية: "حَتَّى يقبضه"، وفيها زيادة معنى؛ لأنه قد يستوفيه بالكيل بأن يكيله البائع، ولا يُقبِضه للمشتري، بل يَحبسه عنده لينقُده الثمن مثلاً، ويُستفاد منه أنه لو استوفى المبيع المفصول منْ البائع، وأبقاه فِي منزل البائع، لا يكون قبضًا شرعيّا حَتَّى ينقله المشتري إلى مكان لا اختصاص للبائع به، كما نُقل عن الشافعيّ رحمه الله تعالى. أفاده فِي "الفتح" ٥/ ٨٣ - ٨٤.
وَقَالَ الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: قوله: "حَتَّى يستوفيه"، وقوله: "حَتَّى يقبضه" بمعنى واحد، فإن الاستيفاء هو القبض، كما دلّت عليه الرواية الأخرى، والقبض فِي المنقولات يكون بالنقل، والمراد بالنقل تحويله إلى مكان، لا يختصّ بالبائع، أو يختصّ بالبائع بإذنه. انتهى "طرح التثريب" ٥/ ١٥٥٥.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي قاله وليّ الدين ﵀ منْ أن الاستيفاء والقبض بمعنى واحد أظهر مما سبق فِي عبارة "الفتح" منْ الفرق بينهما، فتأمل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٥٥/ ٤٥٩٧ و٤٥٩٨ و٥٦/ ٤٦٠٦ و٥٧/ ٤٦٠٧ و٤٦٠٨ و٤٦٠٩
стр. 16852
و٤٦١٠ - وفي "الكبرى" ٥٦/ ٦١٨٧ و٥٧/ ٦١٨٨ و٦١٩٧ و٥٨/ ٦١٩٨ و٦١٩٩ و٦٢٠٠ و٦٢٠١. وأخرجه (خ) فِي "البيوع" ٢١٢٤ و٢١٢٦ و٢١٣١ و٢١٣٣ و٢١٣٦ و٢١٣٧ و٢١٦٦ و٢١٦٧ و"الحدود" ٦٨٥٢ (م) فِي "البيوع" ١٥٢٦ و١٥٢٧ (د) فِي "البيوع" ٣٤٩٢ و٣٤٩٣ و٣٤٩٤ و٣٤٩٥ و٣٤٩٨ (ق) فِي "التجارات" ٢٢٢٦ و٢٢٢٩ (أحمد) فِي "مسند العشرة" ٣٩٧ و"مسند المكثرين" ٤٦٢٥ و٤٧٠٢ و٥٢١٣ و٥٢٧٢ و٤٤٠٣ و٥٤٧٦ و٥٨٢٧ (الموطأ) فِي "البيوع" ١٣٣٥ و١٣٣٦. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي النهي عن بيع الطعام قبل القبض:
اختلفوا فِي هذه المسألة عَلَى سبعة أقوال:
(القول الأول): اختصاص ذلك بالمطعومات، كما هو مقتضى الْحَدِيث، فأما غيره، فيجوز بيعه قبل قبضه، وهذا مذهب مالك، وحَكَى عنه ابن عبد البرّ استثناء أمرين منْ المطعوم يجوز بيعهما قبل القبض:
[أحدهما]: الماء، وحكى ابن حزم عنه فِي الماء روايتين.
[الأمر الثاني]: الطعام المشترى جزافًا، فالمشهور منْ مذهب مالك جواز بيعه قبل القبض، وبه قَالَ الأوزاعيّ، ثم قَالَ: ولا أعلم أحدًا تابع مالكًا منْ جماعة فقهاء الأمصار عَلَى تفرقته بين ما اشتُري جِزافًا منْ الطعام، وبين ما اشتُري منه كيلاً إلا الأوزاعيّ، فإنه قَالَ: منْ اشترى طعامًا جزافًا، فهلك قبل القبض فهو منْ المشتري، وإن اشتراه مكايلةً، فهو منْ البائع، وهو نصّ قول مالك، وَقَدْ قَالَ الأوزاعيّ: منْ اشترى ثمرة لم يجز له بيعها قبل القبض، وهذا تناقض، ثم استدلّ ابن عبد البرّ لمالك برواية القاسم، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ : "نهى أن يبيع أحدٌ طعامًا اشتراه بكيل حَتَّى يستوفيه"، قَالَ: فقوله: "بكيل" دليل عَلَى أن ما خالفه بخلافه.
وتُعُقّب بأن الرويات الآتية فِي نهي الَّذين يبتاعون الطعام جزافًا عن بيعه حَتَّى ينقلوه منْ مكانه صريحٌ فِي الرّدّ عَلَى منْ جوّز بيع الطعام قبل قبضه، إذا كَانَ اشتراه جزافًا. والله تعالى أعلم.
(القول الثاني): اختصاص ذلك بالمطعوم، سواء اشتُري جزافًا، أو مقدّرًا بكيل، أو وزن، أو غيرهما، وبه قَالَ بعض المالكيّة، وحكاه عن مالك، واختاره أبو بكر الوقار، وصححه أبو عمرو بن الحاجب، وحكاه ابن عبد البرّ عن أحمد، وأبي ثور، قَالَ: وهو الصحيح عندي؛ لثبوت الخبر بذلك، عن النبيّ ﷺ ، وعمل أصحابه، وعليه جمهور أهل العلم، قَالَ: وحجّتهم عموم قوله ﷺ : "منْ ابتاع طعامًا"، لم يقل: جزافًا, ولا كيلاً، بل ثبت عنه فيمن ابتاع طعامًا جزافًا أن لا يبيعه حَتَّى ينقله، ويقبضه، قَالَ: وضعّفوا الزيادة فِي قوله: "طعاما بكيل".
стр. 16853
(القول الثالث): اختصاص ذلك بما اشتُري مقدّرًا بكيل، أو وزن، أو ذرع، أو عدد، سواء كَانَ مطعومًا، أم لا؟ فإن اشتُري بغير تقدير جاز بيعه قبل قبضه، وهذا هو المشهور عن أحمد، كما قَالَ الشيخ مجد الدين ابن تيميّة فِي "المحرّر"، وَقَالَ ابن عبد البرّ: رُوي عن عثمان بن عفّان، وسعيد بن المسيّب، والحسن البصريّ، والحكم بن عُتيبة، وحمّاد بن أبي سُليمان، وبه قَالَ إسحاق بن راهويه، ورُوي عن أحمد بن حنبل، والأول أصحّ عنه. انتهى. والمعتمد فِي ذلك قول ابن تيميّة، فإنه أعرف بمذهبه. قَالَ ابن عبد البرّ: وحجتهم أن الطعام المنصوص عليه أصله الكيل، أو الوزن، فكلّ مكيل، أو موزون، فذلك حكمه.
وتُعُقّب بأن النهي الوارد عن بيع المشترَى جزافًا قبل قبضه يردّ هَذَا، كما تقدّم بيانه. وعن أحمد رواية أخرى: أن صبر المكيل والموزون خاصّة كبيعهما كيلاً، ووزنًا.
(القول الرابع): طرد ذلك فِي جميع الأشياء، المطعوم، وغيره، والمقدّر، وغيره، فلا يجوز بيعها قبل قبضها، إلا العقار، وبهذا قَالَ أبو حنيفة، وأبو يوسف.
(القول الخامس): منع المبيع قبل القبض مطلقًا، حَتَّى فِي العقار، وبهذا قَالَ الشافعيّ، ومحمد بن الحسن، وهو روايةٌ عن أحمد، وحكاه ابن عبد البرّ عن عبد الله ابن عباس، وجابر بن عبد الله ﵃، وسفيان الثوريّ، وسفيان بن عُيينة، ويدلّ لذلك أن ابن عبّاس ﵄، لَمّا روى عن النبيّ ﷺ "أنه نهى عن بيع الطعام حَتَّى يُستوفَى"، قَالَ: ولا أحسب كلّ شيء إلا مثله، رواه الأئمة الستّة، وهذا لفظ البخاريّ، ولفظ مسلم: "وأحسب كلّ شيء مثله"، وفي لفظ: "وأحسب كلّ شيء بمنزلة الطعام"، وفي لفظ له: "حَتَّى يكتاله"، وكذلك قَالَ جابر ﵁ أي أن غير الطعام مثله، قَالَ ابن عبد البرّ: فدلّ عَلَى أنهما فَهِما عن النبيّ ﷺ المراد والمغزى. وعن حكيم بن حِزام ﵁ قَالَ: قلت: يا رسول الله إني أشتري بيوعًا، فما يحلّ لي منها، وما يحرم؟ قَالَ: "إذا اشتريت بيعًا، فلا تبعه حَتَّى تقبضه"، رواه النسائيّ باختلاف فِي إسناده، ومتنه، وصححه ابن حزم، وَقَالَ ابن عبد البرّ: هَذَا الإسناد، وإن كَانَ فيه مقالٌ، ففيه لهذا المذهب استظهار. وروى أبو داود وغيره عن عبد الله بن عمرو، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "لا يحلّ بيعٌ وسلف، ولا بيع ما لم يُضمن، ولا بيع ما ليس عندك"، وهو حديث صحيح، وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبيّ ﷺ : "أنه نهى أن تباع السَّلَعُ حيث تُشترى حَتَّى يحوزها الذي اشتراها إلى رحله"، رواه الحاكم، وَقَالَ: صحيح عَلَى شرط مسلم، لكن فيه عنعنة ابن إسحاق.
فهذه الأحاديث حجة لهذا المذهب، وللذي قبله إلا أن صاحب المذهب الذي قبله
стр. 16854
استثنى منْ ذلك العقار؛ لانتفاء الغرر فيه، فإن الهلاك فيه نادر بخلاف غيره.
(القول السادس): جواز البيع قبل القبض مطلقًا فِي كلّ شيء، وبهذا قَالَ عثمان البتّيّ، قَالَ ابن عبد البرّ: هَذَا قول مردود بالسنّة، والحجة المجمعة عَلَى الطعام فقط، وأظنّه لم يبلغه الْحَدِيث، ومثل هَذَا لا يُلتفت إليه. وَقَالَ النوويّ: وحكاه المازريّ، والقاضي عياض، ولم يحكه الأكثرون، بل نقلوا الإجماع عَلَى بطلان بيع الطعام المبيع قبل قبضه، قالوا: وإنما الخلاف فيما سواه، فهو شاذّ متروك. قَالَ وليّ الدين: وحكاه ابن حزم عن عطاء بن أبي رباح.
(القول السابع): منع البيع قبل القبض فِي القَمْح مطلقًا، وفي غيره إن ملكه بالشراء خاصّةً، ويُعتبر أيضًا فِي القمح خاصَّةً مع القبض، وهو إطلاق اليد عليه، وعدم الحيلولة بينه وبين أن ينقله عن موضعه الذي هو فيه إلى مكان آخر، فإن اشتراه بكيل لم يحلّ له بيعه حَتَّى يكتاله، فإذا اكتاله حلّ له بيعه، وإن لم ينقله عن موضعه، وبهذا قَالَ ابن حزم الظاهريّ، وتمسّك فِي القمح بحديث ابن عبّاس ﵄: "أما الذي نهى رسول الله ﷺ أن يُباع حَتَّى يُقبض، فهو الطعام"، وَقَالَ: فهذا تخصيص للطعام فِي البيع خاصّة، وعموم له بأيّ وجه مُلك، واسم الطعام فِي اللغة لا يُطلق إلا عَلَى القمح وحده، وإنما يُطلق عَلَى غيره بإضافة، وتمسّك فِي غير القمح بحديث حكيم بن حزام ﵁ المتقدّم، وَقَالَ: هَذَا عموم لكلّ بيع، ولكلّ ابتياع، والمذكور فِي حديثي ابن عمر، وابن عبّاس ﵃ بعض ما فِي حديث حكيم بن حزام ﵁، فهو أعمّ، ثم حكى مثل قوله عن ابن عبّاس، وجابر، والحسن، وابن شُبْرُمة ﵃. هكذا ذكر هذه الأقوال فِي "طرح التثريب" ٥/ ١٥٥٥ - ١٥٥٨.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أرجح الأقوال هو القول الخامس، وهو منع البيع قبل القبض، مطلقًا، حَتَّى فِي العقار، فهو أرجح؛ لثبوت النصوص بذلك:
(فمنها): ما يأتي للمصنّف رحمه الله تعالى منْ حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "لا يحلّ سلَفٌ، وبيعٌ، ولا شرطان فِي بيع، ولا ربح ما لم يُضمَن"، وهو حديث صحيحٌ، فمعنى "ربح ما لم يُضمن" هو ربح مبيع اشتراه، فباعه، قبل أن ينتقل منْ ضمان البائع، وهو يعمّ كل شيء، الطعام، وسائر المنقولات، وغيرها.
(ومنها): حديث حكيم بن حزام ﵁ الذي أخرجه أحمد فِي "مسنده" بلفظ: "إذا اشتريت بيعًا، فلا تبعه حَتَّى تقبضه"، فهو وإن كَانَ فِي سنده راو مبهم، إلا أنه يشهد له حديث ابن عمرو هَذَا.
стр. 16855
(ومنها): ما أخرجه أبو داود، والحاكم، وابن حبّان، وصحّحاه، منْ حديث زيد بن ثابت ﵁ بلفظ: "أن النبيّ ﷺ نهى أن تباع السِّلع حيث تبتاع حَتَّى يحوزها التجّار إلى رحالهم"، فهو وإن كَانَ فيه محمد بن إسحاق، وَقَدْ عنعنه، لكنه يشهد له ما تقدّم، فهذه الأحاديث كما رأيت صالحة للحجيّة، ولاسيّما حديث عبد الله بن عَمْرِو رضي الله تعالى عنهما، فإنه بمفرده كاف للحجيّه، وأيضًا قول ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما فيما يأتي: "فأحسب أن كل شيء بمنزلة الطعام"، وفي رواية البخاريّ: "ولا أحسب كل شيء إلا مثله".
والحاصل أن أرجح الأقوال هو القول الخامس، وهو مذهب الشافعيّ رحمه الله تعالى وجماعة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي التصرّف فِي المبيع قبل القبض بغير البيع:
اختلفوا فِي ذلك عَلَى أربعة أقوال:
(القول الأول): قصر المنع عَلَى البيع، وتجويز غيره منْ التصرّفات قبل القبض، قاله ابن حزم، قَالَ: والشركة، والتولية، والإقالة كلّها بيوعٌ مبتدأة لا يجوز فِي شيء منها إلا ما يجوز فِي سائر البيوع.
(القول الثاني): أن سائر التصرّفات فِي المنع قبل القبض كالبيع، قَالَ وليّ الدين: وهذا هو الذي فهمته منْ مذهب الحنابلة؛ لإطلاق ابن تيميّة فِي "المحرّر" التصرّف منْ غير استثناء شيء منه.
(القول الثالث): طرد المنع فِي كلّ معاوضة فيها حقّ توفية، منْ كيل، أو شبهه بخلاف القرض، والهبة، والصدقة، وهذا مذهب مالك، وأرخص فِي الإقالة، والتولية، والشركة مع كونها معاوضات فيها حقّ توفية، قَالَ ابن حزم: واحتجّوا بما رويناه منْ طريق عبد الرزّاق، قَالَ ابن جريج: أخبرني ربيعة بن أبي عبد الرحمن، أن رسول الله ﷺ قاله حديثًا مستفيضًا فِي المدينة: "منْ ابتاع طعامًا فلا يبعه حَتَّى يقبضه، ويستوفيه، إلا أن يشرك فيه، أو يوليه، أو يقيله"، وَقَالَ مالك: إن أهل العلم اجتمع رأيهم عَلَى أنه لا بأس بالشركة، والإقالة، والتولية فِي الطعام وغيره -يعني قبل القبض- قَالَ ابن حزم: ما نعلم رُوي هَذَا إلا عن ربيعة، وطاوس فقط، وقوله عن الحسن فِي التولية، قد جاء عنه خلافها، قَالَ ابن حزم: وخبر ربيعة مرسل، ولو استفاضَ عن أصل صحيح، لكان الزهريّ أولى بأن يعرف ذلك منْ ربيعة، والزهريّ مخالف له فِي ذلك، قَالَ: التولية بيع فِي الطعام وغيره، ثم ذكر عن الحسن أنه قَالَ: ليس له أن يولّيه حَتَّى
стр. 16856
يقبضه، فقيل له: أبرأيك تقوله؟ قَالَ: لا, ولكن أخذناه عن سلفنا، وأصحابنا، قَالَ ابن حزم: سلف الحسن هم الصحابة، أدرك منهم خمسمائة وأكثر، وأصحابه أكابر التابعين، فلو أقدم امرؤ عَلَى دعوى الإجماع هنا لكان أصحّ منْ الإجماع الذي ذكره مالك.
(القول الرابع): المنع منْ سائر التصرّفات، كالبيع، إلا العتق، والاستيلاد، والتزويج، والقسمة، هَذَا حاصل الفتوى فِي مذهب الشافعيّ، مع الخلاف فِي أكثر الصور، وأما الوقف، فَقَالَ المتوليّ فِي "التتمّة": إن قلنا: إن الوقف يفتقر إلى القبول، فهو كالبيع، وإلا فهو كالإعتاق، وبه قطع الماورديّ فِي "الحاوي"، وَقَالَ: يصير قابضًا، حَتَّى لو لم يرفع البائع يده عنه، صار مضمونًا عليه بالقيمة، فمن قصر المنع عَلَى البيع، اقتصر عَلَى مورد النصّ، ومن عدّاه إلى غيره، فبالقياس، وذلك متوقّفٌ عَلَى فهم العلّة فِي ذلك، ووجودها فِي الْفَرَع المقيس، والله تعالى أعلم.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح القول الأول، وهو قصر النهي عَلَى البيع فقط؛ عملاً بظواهر النصوص، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): فِي اختلاف أهل العلم فِي بيع ما مُلك بغير البيع قبل القبض:
قَالَ الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: والذي فِي الْحَدِيث المنع فيما مُلك بالبيع، وهو ساكت عما مُلك بغيره، وللعلماء فِي ذلك خلاف أيضًا:
قَالَ الشافعيّة: يلتحق بالمملوك بالبيع ما كَانَ فِي معناه، وهو ما كَانَ مضمونا عَلَى منْ هو فِي يده بعقد معاوضة، كالأجرة، والعوض المصالح عليه عن المال، وكذا الصداق؛ بناءً عَلَى أنه مضمون عَلَى الزوج ضمان عقد، وهو الأظهر، أما ما ليس مضمونًا عَلَى منْ هو تحت يده، كالوديعة، والإرث، أو مضمونًا ضمان يد، وهو المضمون بالقيمة، كالمستام، ونحوه، فيجوز بيعه قبل القبض؛ لتمام الملك فيه. ومذهب أحمد نحوه، قَالَ ابن تيميّة فِي "المحرّر": وكلّ عين مُلكت بنكاح، أو خُلع، أو صلح عن دم عمدًا، أو عتق، فهي كالبيع فِي ذلك كله، لكن يجب بتلفها مثلها، إن كانت مثليّة، وإلا فقيمتها, ولا فسخ لعقدها بحال، فأما ما ملك بإرث، أو وصيّة منْ مكيل، أو غيره، فالتصرّف فيه قبل قبضه جائزٌ. وفرّق ابن حزم فِي ذلك بين القمح وغيره، فَقَالَ فِي القمح: إنه بأيّ وجه ملكه لا يحلّ له بيعه قبل قبضه، وَقَالَ فِي غيره: متى ملكه بغير البيع فله بيعه قبل قبضه. انتهى "طرح التثريب" ٥/ ١٥٥٩.
وَقَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: وكل عوض ملك بعقد ينفسخ بهلاكه قبل القبض، لم
стр. 16857
يجز التصرف فيه قبل قبضه، كالذي ذكرنا، والأجرة، وبدل الصلح، إذا كانا منْ المكيل، أو الموزون، أو المعدود، وما لا ينفسخ العقد بهلاكه، جاز التصرف فيه قبل قبضه، كعوض الخلع، والعتق عَلَى مال، وبدل الصلح عن دم العمد، وأرش الجناية، وقيمة المتلف؛ لأن الْمُطْلِق للتصرف الملكُ، وَقَدْ وُجد، لكن ما يتوهم فيه غررُ الانفساخِ بهلاك المعقود عليه، لم يجز بناء عقد آخر عليه تحرزا منْ الغرر، وما لا يتوهم فيه ذلك الغرر انتفى المانع، فجاز العقد عليه، وهذا قول أبي حنيفة، والمهر كذلك عند القاضي، وهو قول أبي حنيفة؛ لأن العقد لا ينفسخ بهلاكه، وَقَالَ الشافعيّ: لا يجوز التصرف فيه قبل قبضه، ووافقه أبو الخطاب فِي غير المتعين؛ لأنه يخشى رجوعه بانتقاض سببه بالردة قبل الدخول، أو انفساخه بسبب منْ جهة المرأة، أو نصفه بالطلاق، أو انفساخه بسبب منْ غير جهتها، وكذلك قَالَ الشافعيّ فِي عوض الخلع، وهذا التعليل باطل بما بعد القبض، فإن قبضه لا يمنع الرجوع فيه قبل الدخول.
وأما ما مُلك بإرث، أو وصية، أو غنيمة، وتعين ملكه فيه، فإنه يجوز له التصرف فيه بالبيع وغيره قبل قبضه؛ لأنه غير مضمون بعقد معاوضة، فهو كالمبيع المقبوض، وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعي، ولا أعلم عن غيرهم خلافهم، وإن كَانَ لإنسان فِي يد غيره وديعة، أو عارية، أو مضاربة، أو جعله وكيلا فيه جاز له بيعه ممن هو فِي يده ومن غيره؛ لأنه عين مال مقدور عَلَى تسليمها, لا يخشى انفساخ الملك فيها، فجاز بيعها كالتي فِي يده، وإن كَانَ غصبا جاز بيعه ممن هو فِي يده؛ لأنه مقبوض معه فأشبه بيع العارية ممن هي فِي يده، وأما بيعه لغيره فإن كَانَ عاجزا عن استنقاذه، أو ظن أنه عاجز لم يصح شراؤه له؛ لأنه معجوز عن تسليمه إليه، فأشبه بيع الآبق والشارد، وإن ظن أنه قادر عَلَى استنقاذه ممن هو فِي يده صح البيع؛ لإمكان قبضه، فإن عجز عن استنقاذه فله الخيار بين الفسخ والإمضاء؛ لأن العقد صح؛ لكونه مظنون القدرة عَلَى قبضه، ويثبت له الفسخ للعجز عن القبض، فأشبه ما لو باعه فرسا، فشردت قبل تسليمها، أو غائبا بالصفة، فعجز عن تسليمه. انتهى "المغني" ٦/ ١٩١ - ١٩٢. وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): فِي أقوال أهل العلم فِي تفسير القبض:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: وقبض كل شيء بحسبه، فإن كَانَ مكيلا أو موزونا، بيع كيلا أو وزنا، فقبضه بكيله ووزنه، وبهذا قَالَ الشافعيّ. وَقَالَ أبو حنيفة: التخليةُ فِي ذلك قبض، وَقَدْ رَوى أبو الخطاب، عن أحمد رواية أخرى: أن القبض فِي كل شيء بالتخلية مع التمييز؛ لأنه خَلَّى بينه وبين المبيع منْ غير حائل، فكان قبضا له كالعقار.
стр. 16858
ولنا ما رَوَى أبو هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قَالَ: "إذا بعت فكِلْ، وإذا ابتعت فاكتل"، رواه البخاريّ، وعن النبيّ ﷺ : "أنه نهى عن بيع الطعام حَتَّى يجري فيه الصاعان: صاع البائع، وصاع المشتري"، رواه ابن ماجه (١)، وهذا فيما بيع كيلا، وإن بيع جزافا فقبضه نقله, لأن ابن عمر قَالَ: "كانوا يُضرَبون عَلَى عهد رسول الله ﷺ ، إذا اشتروا طعاما جِزافا، أن يبيعوه فِي مكانه، حَتَّى يحولوه"، وفي لفظ: "كنا نبتاع الطعام جِزافا، فبُعِثَ علينا منْ يأمرنا بانتقاله منْ مكانه، الذي ابتعناه إلى مكان سواه، قبل أن نبيعه"، وفي لفظ: "كنا نشتري الطعام منْ الركبان جِزافًا، فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حَتَّى ننقله"، رواهن مسلم. وهذا يبين أن الكيل إنما وجب فيما بيع بالكيل، وَقَدْ دل عَلَى ذلك أيضا قول النبيّ ﷺ : "إذا سميت الكيل فكل" (٢)، رواه الأثرم.
وإن كَانَ المبيع دراهم أو دنانير، فقبضها باليد، هان كَانَ ثيابا باليد فقبضها نقلها، وإن كَانَ حيوانا فقبضه تمشيته منْ مكانه، وإن كَانَ مما لا يُنقل ويحول، فقبضه التخلية بينه وبين مشريه، لا حائل دونه، وَقَدْ ذكره الْخِرَقي فِي "باب الرهن" فَقَالَ: إن كَانَ مما ينقل فقبضه أخذه إياه منْ راهنه منقولا، وإن كَانَ لا ينقل فقبضه تخلية راهنه بينه وبين مرتهنه، لا حائل دونه، ولأن القبض مطلق فِي الشرع، فيجب الرجوع فيه إلى العرف، كالإحراز، والتفرق، والعادة فِي قبض هذه الأشياء ما ذكرنا. انتهى "المغني" ٦/ ١٧٦ - ١٨٨. وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): فِي بيان مَن عليه أجرة الكيل، والوزن:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: وأجرة الكيال والوزان، فِي المكيل والموزون عَلَى البائع؛ لأن عليه تقبيضَ المبيع للمشتري، والقبض لا يحصل إلا بذلك، فكان عَلَى البائع، كما أن عَلَى بائع الثمرة سقيَهَا، وكذلك أجرة الذي يَعُدّ المعدودات، وأما نقل المنقولات وما أشبهه، فهو عَلَى المشتري؛ لأنه لا يتعلق به حق توفية، نص عليه أحمد رحمه الله تعالى.
قَالَ: ويصح القبض قبل نقد الثمن وبعده، باختيار البائع، وبغير اختياره؛ لأنه ليس للبائع حبس المبيع عَلَى قبض الثمن، ولأن التسليم منْ مقتضيات العقد، فمتى وُجد بعده وقع موقعه كقبض الثمن. انتهى "المغني" ٦/ ١٨٨. والله تعالى أعلم بالصواب،
стр. 16859
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٩٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الْحَدِيث متّفقٌ عليه، وسبق تمام البحث فيه فِي الْحَدِيث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٩٩ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَاسِمٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أحمد بن حرب": هو الطائيّ الموصليّ، صدوق [١٠] ١٠٢/ ١٣٥ منْ أفراد المصنّف.
[تنبيه]: وقع فِي نسخ "المجتبى" "محمد بن حرب" بدل "أحمد بن حرب"، والصواب "أحمد بن حرب"، وهو الذي وقع فِي "الكبرى" ٤/ ٣٦ رقم (٦١٨٩)، و"تحفة الأشراف" ٥/ ١١. والله تعالى أعلم.
و"قاسم": هو ابن يزيد الْجَرْميّ، أبو يزيد الموصليّ، ثقة عابد [٩] ١٠٢/ ١٣٥ منْ أفراد المصنّف أيضًا. والباقون كلهم رجال الصحيح. و"سفيان": هو الثوريّ. و"ابن طاوس": هو عبد الله.
وقوله: "حَتَّى يكتاله": كناية عن القبض، أو لكون القبض عادةً بالكيل، فهو فِي معنى الرواية الآتية: "حَتَّى يقبضه"، وتمام شرح الْحَدِيث سبق فِي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وفيه مسألتان:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٥٥/ ٤٥٩٩ و٤٦٠٠ و٤٦٠١ و٤٦٠٢ - وفي "الكبرى" ٥٦/ ٦١٨٩ و٦١٩٠ و٦١٩١ و٦١٩٢ و٦١٩٣. وأخرجه (خ) فِي "البيوع" ٢١٣٢ (م) فِي "البيوع" ١٥٢٥ (د) فِي "البيوع" ٣٤٩٦ و٣٤٩٧ (ت) فِي "البيوع" ١٢٩١ (ق) فِي "التجارات" ٢٢٢٧ (أحمد) فِي "مسند بني هاشم" ٢٥٨٠، وبقية المسائل المتعلّقة بالحديث قد تقدّمت فِي شرح حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فلتُراجَع هناك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 16860
٤٦٠٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِمِثْلِهِ، وَالَّذِي قَبْلَهُ: "حَتَّى يَقْبِضَهُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
و"إسحاق بن منصور": هو الْكَوْسج. و"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"سفيان": هو الثوريّ. و"عمرو": هو ابن دينار.
وقوله: "بمثله، والذي قبله": أي إن لفظ حديث عمرو بن دينار عن طاوس، بمثل لفظ رواية ابن طاوس، عن أبيه، وأيضًا بمثل لفظ الْحَدِيث الذي قبله، وهو حديث ابن عمر، فإن كلا اللفظين واحد: "منْ ابتاع طعامًا فلا يبعه". وقوله: "حَتَّى يقبضه" يعني آخر رواية عمرو بلفظ "حَتَّى يقبضه"، بخلاف رواية ابن طاوس، فإنها بلفظ: "حَتَّى يكتاله"، وَقَدْ سبق أن معنى الروايتين واحد.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٠١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: "أَمَّا الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُسْتَوْفَى الطَّعَامُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
و"سفيان": هو ابن عيينة.
وقوله: "أما الذي نهى عنه رسول الله ﷺ الخ"، وفي رواية البخاريّ عن عليّ بن المدينيّ، قَالَ: حدثنا سفيان، قَالَ: الذي حفظناه منْ عمرو بن دينار، سمع طاوسًا يقول: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: "أما الذي نهى عنه النبيّ ﷺ ، فهو الطعام أن يباع حَتَّى يُقبض" الْحَدِيث.
قَالَ فِي "الفتح" ٥/ ٨٢ - ٨٣: وقوله: "الذي حفظناه منْ عمرو": كأن سفيان يشير إلى أن فِي رواية غير عمرو بن دينار، عن طاوس، زيادة عَلَى ما حدثهم به عمرو بن دينار عنه، كسؤال طاوس منْ ابن عباس عن سبب النهي وجوابه، وغير ذلك.
وقوله: "عن ابن عباس أما الذي نهى عنه الخ": أي وأما الذي لم أحفظ نهيه فما سوى ذلك.
وقوله: "فهو الطعام أن يباع حَتَّى يقبض"، فِي رواية مسعر، عن عبد الملك بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عباس: "منْ ابتاع طعاما فلا يبعه حَتَّى يقبضه"، قَالَ
стр. 16861
مسعر: وأظنه قَالَ: "أو عَلَفًا" وهو بفتح المهملة، واللام، والفاء. انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٠٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ"، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَحْسَبُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وَقَدْ تقدّموا غير مرّة.
و"عبد الرزاق": هو ابن همّام الصنعانيّ. و"معمر": هو ابن راشد الصنعانيّ.
وقوله: "فأحسب أن كلّ شيء بمنزلة الطعام"، وفي رواية البخاريّ: "ولا أحسب كلّ شيء إلا مثله". وهذا منْ تفقه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ومال ابن المنذر إلى اختصاص ذلك بالطعام، واحتجّ باتفاقهم عَلَى أن منْ اشترى عبدًا، فأعتقه قبل قبضه أن عتقه جائز، قَالَ: فالبيع كذلك.
وتعقب بالفارق، وهو تشوف الشارع إلى العتق.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وَقَدْ تقدّم ترجيح إطلاق المنع، فِي المسألة الرابعة، فِي شرح حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما الماضي، فلا تغفل.
وفي رواية للبخاريّ منْ طريق وُهيب، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄: "أن رسول الله ﷺ نهى أن يبيع الرجل طعامًا حَتَّى يستوفيه"، قلت لابن عبّاس: كيف ذاك؟ قَالَ: ذاك دراهم بدارهم، والطعام مرجأ".
قَالَ فِي "الفتح" ٥/ ٨١: معناه: أنه استفهام عن سبب هَذَا النهى، فأجابه ابن عباس بأنه إذا باعه المشتري قبل القبض، وتأخر المبيع فِي يد البائع، فكأنه باعه دراهم بدراهم، ويبين ذلك ما وقع فِي رواية سفيان، عن ابن طاوس عند مسلم، قَالَ طاوس: قلت لابن عباس: لِمَ؟ قَالَ: ألا تراهم يتبايعون بالذهب، والطعامُ مرجأ: أي فإذا اشترى طعاما بمائة دينار مثلا، ودفعها للبائع، ولم يقبض منه الطعام، ثم باع الطعام لأخر بمائة وعشرين دينارا، وقبضها والطعام فِي يد البائع، فكأنه باعه مائة دينار بمائة وعشرين دينارا، وعلى هَذَا التفسير لا يختص النهي بالطعام، ولذلك قَالَ ابن عباس: "لا أحسب كل شيء إلا مثله"، ويؤيده حديث زيد بن ثابت ﵁: نهى رسول الله ﷺ أن تباع السِّلَعُ حيث تبتاع، حَتَّى يحوزها التجار إلى رحالهم"، أخرجه أبو داود، وصححه ابن حبّان.
قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذه الأحاديث حجة عَلَى عثمان البتّيّ، حيث أجاز
стр. 16862
بيع كل شيء قبل قبضه. وَقَدْ أخذ بظاهرها مالك، فحمل الطعام عَلَى عمومه، وألحق بالشراء جميع المعاوضات، وألحق الشافعيّ، وابن حبيب، وسحنون بالطعام كل ما فيه حق توفية، وزاد أبو حنيفة، والشافعي فعدياه إلى كل مُشترى، إلا أن أبا حنيفة استثنى العقار، ومالا ينقل، واحتج الشافعيّ بحديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، قَالَ: "نهى النبيّ ﷺ عن ربح ما لم يُضمَن"، أخرجه الترمذيّ.
وفي معناه حديث حكيم بن حزام المتقدّم.
وفي صفة القبض عن الشافعيّ تفصيل: فما يُتناول باليد، كالدراهم والدنانير والثوب، فقبضه بالتناول، وما لا يُنقل كالعقار والثمر عَلَى الشجر، فقبضه بالتخلية، وما ينقل فِي العادة، كالأخشاب، والحبوب والحيوان، فقبضه بالنقل إلى مكان، لا اختصاص للبائع به، وفيه قولُ أنه يكتفي فيه بالتخلية. انتهى عبارة "الفتح" ٥/ ٨٣.
وَقَدْ تقدّم البحث فِي هَذَا مستوفًى فِي شرح حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فِي أول الباب، فأرجع إليه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٠٣ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مَوْهَبٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَيْفِي، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَبِعْ طَعَامًا حَتَّى تَشْتَرِيَهُ، وَتَسْتَوْفِيَهُ").
رجال هَذَا الإسناد: سبعة:
١ - (إبراهيم بن الحسن) بن الهيثم الخثعميّ، أبو إسحاق المصّيصيّ ثقة [١١] ٥١/ ٦٤.
٢ - (حجاج بن محمد) الأعور المصّيصيّ، أبو محمد، ترمذيّ الأصل، ثقة ثبت، لكنه اختلط فِي آخره [٩] ٢٨/ ٣٢.
٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلس [٦] ٢٨/ ٣٢.
٤ - (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشي مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل [٣] ١١٢/ ١٥٤.
٥ - (صفوان بن موهب) الحجازيّ، مقبول [٦].
روى عن عبد الله بن عِصْمة الْجُشَميّ، وعبد الله بن محمد بن صَيفيّ، ومسلم بن عَقيل بن أبي طالب. وعنه عطاء بن أبي رَبَاح، وعمرو بن دينار. ذكره ابن حبّان فِي
стр. 16863
"الثقات"، تفرّد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط.
٦ - (عبد الله بن محمد بن صَيْفيّ) المخزوميّ، مقبول [٣].
روى عن حكيم بن حزام، وعنه صفوان بن موهب، ذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، تفرّد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط.
٧ - (حكيم بن حزام) -بكسر المهملة- ابن خُويلد بن أسد بن عبد العزّي الأسديّ، أبو خالد المكيّ، ابن أخي خديجة الكبرى رضي الله تعالى عنهما، أسلم يوم الفتح، وصحب النبيّ ﷺ ، وله (٧٤) سنة، ثم عاش بعده إلى سنة (٥٤) أو بعدها ﵁. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فمصيصيان. (ومنها): أن رواية عطاء عن صفوان منْ رواية الأكابر عن الأصاغر، فإن عطاء منْ الطبقة الثالثة، وصفوان منْ الطبقة السادسة. (ومنها): أن صحابيه منْ المعمرين، عاش (١٢٠) سنة، نصفها فِي الجاهلية، ونصفها فِي الإِسلام، وولد فِي جوف الكعبة، ولم يُسمع هَذَا لغيره. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ حَكِيم بْنِ حِزَامٍ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَبعْ طَعَامًا حَتَّى تَشْتَرِيَهُ) أي حَتَّى تملكه، فهو بمعنى حديثه الآخر: "نهاني رسول الله ﷺ عن بيع ما ليس عندي"، أخرجه الترمذيّ، وَقَالَ: حسنٌ صحيح، وحديثه الآتي ٦٠/ ٤٦١٥ - بسند صحيح: قَالَ: سألت النبيّ ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، يأتيني الرجل، فيسألني البيع، ليس عندي أبيعه منه، ثم أبتاعه له منْ السوق؟، قَالَ: "لا تبع ما ليس عندك" (وَتَسْتَوْفِيَهُ) أي تقبضه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
والحديث صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا ٥٥/ ٤٦٠٣ و٤٦٠٤ و٤٦٠٥ - وفي "الكبرى" ٥٦/ ٦١٩٤ و٦١٩٥ و٦١٩٦.
[فإن قيل]: هَذَا الْحَدِيث فِي سنده صفوان بن موهب، وعبد الله بن محمد بن صيفي، وهما مقبولان، فكيف يصح؟
[أجيب]: بأنه إنما صح بمجموع الطرق المذكورة فِي الباب. والله تعالى أعلم.
ومحلّ الترجمة منْ الْحَدِيث قوله: "وتستوفيه"، فهو بمعنى قوله: "حَتَّى تقبضه"، وَقَدْ
стр. 16864
تقدّم تمام البحث فيه قريبًا، وأما قوله: "لا تبع طعامًا حَتَّى تشتريه"، فسيأتي البحث عنه بعد أربعة أبواب، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٠٤ - (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي عَطَاءٌ ذَلِكَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِصْمَةَ الْجُشَمِيِّ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الإسناد هو المذكور قبله، غير:
١ - (عبد الله بن عصمة الْجُشَميّ) بضم الجيم، وفتح الشين المعجمة الحجازيّ مقبول [٣].
روى عن حكيم بن حزام، وعنه عطاء بن أبي رباح، ويوسف بن ماهك، وصفوان ابن موهب المكّيّون. ذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ ابن حزم: متروك، وتلقى ذلك عنه عبد الحقّ، فَقَالَ: ضعيف جدّا. وَقَالَ ابن القطّان: بل هو مجهول الحال. وَقَالَ الحافظ العراقيّ: لا أعلم أحدًا منْ أئمة الجرح والتعديل تكلّم فيه، بل ذكره ابن حبّان فِي "الثقات". تفرّد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٠٥ - (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ حِزَامِ بْنِ حَكِيمٍ، قَالَ: قَالَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ: "ابْتَعْتُ طَعَامًا، مِنْ طَعَامِ الصَّدَقَةِ، فَرَبِحْتُ فِيهِ قَبْلَ أَنْ أَقْبِضَهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "لَا تَبِعْهُ حَتَّى تَقْبِضَهُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "سليمان بن منصور": هو البلخي البزّاز الدُّهنيّ الْجَرْميّ، الملقّب زَرْغَنْدَه، لا بأس به [١٠] ٦٠/ ٧٥ منْ أفراد المصنّف. و"أبو الأحوص": هو سلّام بن سُليم الحنفيّ الكوفيّ. و"عبد العزيز بن رُفيع": هو أبو عبد الله المكيّ، نزيل الكوفة، ثقة [٤] ١٩٠/ ٢٩٩٧.
و"حزام بن حكيم" بن حزام بن خُويلد الأسديّ القرشيّ، حجازيّ مقبول [٣].
روى عن أبيه، وعنه عطاء بن أبي رباح، وزيد بن رُفيع، ذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، تفرّد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط. وشرح الْحَدِيث واضح، وهو حديث صحيح، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
***
стр. 16865
٥٦ - (النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ مَا اشْتُرِيَ مِنَ الطَّعَامِ بِكَيْلٍ حَتَّى يُسْتَوْفَى)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "اشتُري" بالبناء للمجهول، وكذا قوله: "يُستوفَى": أي يُقبض.
الظاهر أن المصنّف رحمه الله تعالى أراد بالاستيفاء هنا الاستيفاء كيلاً، فهو أمر زائد عَلَى معنى القبض المذكور فِي الباب الماضي، فيكون هَذَا أخصّ منه، فإذا اشترى طعامًا كيلاً، فلا يكفي مجرد القبض، بل لابدّ منْ استيفائه كيلاً، فلا يجوز أن يبيعه إلا بعد قبضه كيلاً، وهو معنى حديث جابر ﵁: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حَتَّى تجري فيه الصاعان: صاع البائع، وصاع المشتري"، ونحوه للبزّار منْ حديث أبي هريرة ﵁، قَالَ الحافظ: بإسناد حسن.
وفي ذلك دلالة عَلَى اشتراط القبض فِي المكيل بالكيل، وفي الموزون بالوزن، فمن اشترى شيئا مكايلة، أو موازنة، فقبضه جزافا فقبضه فاسد، وكذا لو اشترى مكايلة، فقبضه موازنة وبالعكس، ومن اشترى مكايلة وقبضه، ثم باعه لغيره، لم يجز تسليمه بالكيل الأول، حَتَّى يكيله عَلَى منْ اشتراه ثانيا، وبذلك كله قَالَ الجمهور، وَقَالَ عطاء: يجوز بيعه بالكيل الأول مطلقا، وقيل: إن باعه بنقد جاز بالكيل الأول، وإن باعه بنسيئة، لم يجز بالأول، والأحاديث المذكورة ترد عليه. قاله فِي "الفتح" ٥/ ٨٤ - ٨٥. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٦٠٦ - (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، نَهَى أَنْ يَبِيعَ أَحَدٌ طَعَامًا، اشْتَرَاهُ بِكَيْلٍ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "سليمان بن داود": هو الْمَهْريّ، أبو الربيع المصريّ، ابن أخي رِشدين بن سعد، ثقة [١١] ٦٣/ ٧٩. و"ابن وهب": هو عبد الله. و"عمرو بن الحارث": هو أبو يوب المصريّ الثقة الثبت. و"المنذر بن عُبيد": هو المدنيّ، مقبول [٦] ٤٢/ ٢٢١٤ منْ أفراد المصنّف. و"القاسم بن محمد": هو ابن أبي بكر الصدّيق المدنيّ، هو أحد الفقهاء السبعة.
وقوله: "اشتراه بكيل" خرج مخرج الغالب المعتاد، فلا مفهوم له، فلا يخالف الأحاديث الماضية، وأحاديث الجِزاف الآتية.
стр. 16866
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق بيانه فِي أول أحاديث الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٥٧ - (بَيْعُ مَا يُشْتَرَى مِنَ الطَّعَامِ جِزَافًا قَبْلَ أَنْ يُنْقَلَ مِنْ مَكَانِهِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: المراد بيان حكم بيع ما يُشترى منْ الطعام بدون كيل قبل نقله منْ مكانه، وهو المنع؛ فـ"بيع" مضاف إلى "ما يُشترى" منْ إضافة المصدر إلى مفعوله، و"يُشترى" مبنيٌّ للمفعول، وكذا قوله: "يُنقل".
وقوله: "جِزافًا": قَالَ المجد: "الْجِزَاف"، و"الْجِزَافَةُ" -مثلّثتين، و"الْمُجَازفة": الْحَدْسُ فِي البيع والشراء، مُعَرَّبُ "كزاف"، وبيعٌ جزافٌ مثلّثةً، وجَزِيفٌ، كأمير. انتهى "قاموس". وَقَالَ ابن الأثير: "الْجَزْفُ" و"الجزاف": المجهول القدر، مكيلاً كَانَ، أو موزونًا. انتهى "النهاية" ١/ ٢٦٩. وَقَالَ الفيّوميّ: "الجزاف": بيع الشيء، لا يُعلم كيله، ولا وزنه، وهو اسم منْ جازف مُجازفةً، منْ باب قاتل، والْجُزاف بالضمّ خارجٌ عن القياس، وهو فارسيّ قريب "كُزاف"، ومن ثمّ قيل: أصل الكلمة دَخِيلٌ فِي العربيّة. قَالَ ابن القطّاع: جَزَف فِي الكيل جَزْفًا: أكثر منه، ومنه الجِزاف، والمجازفة فِي البيع، وهو المساهلة، والكلمة دَخِيلة فِي العربيّة، ويؤيّده قول ابن فارس" الْجَزْفُ: الأخذُ بكثرة، كلمة فارسيّةٌ، ويقال لمن يُرسل كلامه إرسالاً منْ غير قانون: جازف فِي كلامه، فأُقيم نَهْجُ الصواب مُقام الكيل، والوزن. انتهى.
وَقَدْ ترجم الإِمام البخاريّ ﵀ فِي "صحيحه" بقوله: "باب منْ رأى إذا اشترى طعاما جزافا أن لا يبيعه حَتَّى يؤويه إلى رحله، والأدب فِي ذلك": قَالَ فِي "الفتح" ٥/ ٨٤ - : أي تعزير منْ يبيعه قبل أن يؤويه إلى رحله، ذكر فيه حديث ابن عمر فِي ذلك -يعني المذكور فِي الباب- وهو ظاهر فيما ترجم له، وبه قَالَ الجمهور، لكنهم لم يخصوه بالجزاف، ولا قيدوه بالإيواء إلى الرحال، أما الأول، فلما ثبت منْ النهي عن بيع الطعام قبل قبضه، فدخل فيه المكيل، وورد التنصيص عَلَى المكيل منْ وجه آخر
стр. 16867
عن ابن عمر، مرفوعا، أخرجه أبو داود، وأما الثاني؛ فلأن الإيواء إلى الرحال، خرج مخرج الغالب، وفي بعض طرق حديث ابن عمر عند مسلم، والنسائيّ: "كنا نبتاع الطعام، فيَبعَث إلينا رسول الله ﷺ مَن يأمرنا بانتقاله منْ المكان الذي ابتعناه فيه، إلى مكان سواه، قبل أن نبيعه".
وفرّق مالك فِي المشهور عنه، بين الجزاف والمكيل، فأجاز بيع الجزاف قبل قبضه، وبه قَالَ الأوزاعي، وإسحاق، واحتُجّ لهم بأن الْجَزّاف مربي، فتكفى فيه التخلية، والاستيفاء إنما يكون فِي مكيل أو موزون. انتهى. والله تعالى أعلم.
٤٦٠٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: "كُنَّا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، نَبْتَاعُ الطَّعَامَ، فَيَبْعَثُ عَلَيْنَا مَنْ يَأْمُرُنَا بِانْتِقَالِهِ، مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي ابْتَعْنَا فِيهِ، إِلَى مَكَانٍ سِوَاهُ قَبْلَ أَنْ نَبِيعَهُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الإسناد تقدّم فِي الباب الماضي. وهو أصحّ أسانيد ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وقيل: أصح الأسانيد عَلَى الإطلاق، كما نُقل ذلك عن البخاريّ رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: "كُنَّا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، نَبْتَاعُ الطَّعَامَ) أي جزافًا، بدليل الروايات الآتية.
قَالَ ابن حزم: جمهور الرواة عن مالك لهذا الْحَدِيث فِي "الموطّإ" وغيره ذكروا فيه عنه الجزاف، كما ذكره عبيد الله، عن نافع، والزهريّ عن سالم، وإنما أسقط ذكره القعنبيّ، ويحيى فقط، توهّمًا فيه؛ لأنه خبر واحد. انتهى.
وتعقّبه وليّ الدين، فَقَالَ وفيه نظر، فقد قَالَ ابن عبد البرّ: لم يُختلف عَلَى مالك فيه، ولم يقل: جزافًا. انتهى "طرح التثريب" ٥/ ١٥٥٢.
والحاصل أن ذكر الجزاف ثابت فِي غير رواية مالك، فسيأتي فِي هَذَا الباب منْ روية عبيد الله، عن نافع، والزهريّ، عن سالم. والله تعالى أعلم
(فَيَبْعَثُ عَلَيْنَا) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير رسول الله ﷺ ، ويحتمل أن يكون مبنيّا للمفعول، والنائب عن الفاعل قوله (مَنْ يَأْمُرُنَا بِانْتِقَالِهِ) هكذا رواية المصنّف فِي "المجتبى"، وفي "الكبرى"، وهو مشكلٌ؛ لأن "انتقل" لازم، وإنما المتعدّي نقل الثلاثيّ، قَالَ فِي "المصباح": نقلته نقلاً، منْ باب قتل: حوّلته منْ موضع إلى موضع، وانتقل: تحوّل، والاسم النُّقلة، ونقّلته بالتشديد مبالغةٌ وتكثيرٌ. انتهى. وفي
стр. 16868
"القاموس": نقله: حوّله، فانتقل، والنُّقْلةُ بالضمّ: الانتقال. انتهى، ولعلّه أطلق الانتقال عَلَى النقل مجازًا، منْ إطلاق المسبّب عَلَى السبب. والله تعالى أعلم.
(مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي ابْتَعْنَا فِيهِ) أي اشتريناه (إِلَى مَكَانٍ سِوَاهُ) أي غير مكان الشراء (قَبْلَ أَنْ نَبِيعَهُ) أي ليتمّ القبض عَلَى آكد الوجوه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا متّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم تخريجه قبل باب، والكلام هنا عَلَى ما يتعلق بهذا الباب فقط، وفيه مسائل:
(المسألة الأولى): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم ما يُشترى منْ الطعام جزافًا قبل نقله منْ مكانه، وهو المنع، فلا يجوز أن يبيعه إلا بعد قبضه، ونقله منْ محل الشراء إلى محلّ آخر، وفيه خلاف للعلماء، سيأتي تحقيقه فِي المسألة الثالثة، إن شاء الله تعالى.
(ومنها): أن فيه جواز بيع الصبرة جِزافا، سواءٌ عَلِم البائع قدرها، أم لم يعلم، وعن مالك التفرقة، فلو علم لم يصح، وسيأتي تحقيق ذلك فِي المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أن فيه مشروعيةَ تأديب منْ يتعاطى العقود الفاسدة؛ لقوله فِي الرواية الآتية: "رأيت النَّاس يُضربون عَلَى عهد رسول الله ﷺ إذا اشتروا الطعام جزافًا، أن يبيعوه حَتَّى يؤوه إلى رحالهم". (ومنها): إقامة الإِمام عَلَى النَّاس منْ يراعي أحوالهم فِي ذلك. (ومنها): ما قاله السيوطيّ رحمه الله تعالى: هَذَا أصل إقامة المحتسب عَلَى أهل السوق. (ومنها): أن هَذَا أصلٌ فِي ضرب المحتسب أهل الأسواق إذا خالفوا الحكم الشرعيّ فِي مبايعتهم، ومعاملاتهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): فِي اختلاف أهل العلم فِي جواز بيع الصبرة جزافًا:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: ما حاصله: يجوز بيع الصبرة جزافا، مع جهل البائع والمشتري بقدرها، وبهذا قَالَ أبو حنيفة، والشافعي، ولا نعلم فيه خلافا، وَقَدْ نص عليه أحمد، ودل عليه قول ابن عمر: "كنا نشتري الطعام منْ الركبان جزافا، فنهانا رسول الله ﷺ ، أن نبيعه حَتَّى ننقله منْ مكانه"، مُتّفقٌ عليه، ولأنه معلوم بالرؤية، فصح بيعه كالثياب والحيوان، ولا يضر عدم مشاهدة باطن الصبرة، فإن ذلك يشق؛ لكون الحب بعضه عَلَى بعض، ولا يمكن بسطها حبة حبة، ولأن الحب تتساوى أجزاؤه فِي
стр. 16869
الظاهر، فاكتُفي برؤية ظاهره بخلاف الثوب، فإن نشره لا يَشُقّ، ولم تختلف أجزاؤه، ولا يحتاج إلى معرفة قدرها مع المشاهدة؛ لأنه عَلِمَ ما اشترى بأبلغ الطرق، وهو الرؤية، وكذلك لو قَالَ: بعتك نصف هذه الصبرة، أو ثلثها، أو جزءا منها معلوما جاز؛ لأن ما جاز بيع جملته جاز بيع بعضه، كالحيوان، ولأن جملتها معلومة بالمشاهدة، فكذلك جزؤها، قَالَ ابن عقيل: ولا يصح هَذَا، إلا أن تكون الصبرة متساوية الأجزاء، فإن كانت مختلفة، مثل صبرة بَقّال القرية لم يصح، ويحتمل أن يصح؛ لأنه يشتري منها جزءا مشاعا، فيستحق منْ جيدها ورديئها بقسطه.
ولا فرق بين الأثمان والْمُثْمَنات فِي صحة بيعها جزافا، وَقَالَ مالك: لا يجوز فِي الأثمان؛ لأن لها خطرا, ولا يشق وزنها ولا عددها، فأشبه الرقيق والثياب، ولنا أنه معلوم بالمشاهدة، فأشبه المثمنات، والنقرةَ والْحَلْيَ، ويبطل بذلك ما قاله، أما الرقيق فإنه يجوز بيعهم إذا شاهدهم، ولم يَعُدّهم، وكذلك الثياب إذا نشرها، ورأى جميع أجزائها. انتهى "المغني" ٦/ ٢٠١ - ٢٠٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم بيع ما اشتُري جزافًا قبل نقله منْ مكانه:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى أيضًا: إذا اشترى الصبرة جزافا، لم يجز له بيعها حَتَّى ينقلها، نص عليه أحمد فِي رواية الأثرم، وعنه رواية أخرى، له بيعها قبل نقلها، اختارها القاضي، وهو مذهب مالك؛ لأنه مبيع متعين لا يحتاج إلى حق توفية، فأشبه الثوب الحاضر. ولنا قول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: "إن كنا لنشتري الطعام منْ الركبان جزافا، فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حَتَّى ننقله منْ مكانه"، وعموم قوله ﷺ : "منْ ابتاع طعاما، فلا يبعه حَتَّى يستوفيه"، متّفقٌ عليه، مع ما ذكرنا منْ الأخبار، ورَوَى الأثرم بإسناده عن عُبيد بن حنين، قَالَ قدم زيتٌ، منْ الشام فاشتريت منه أبعرة، وفرغت منْ شرائها، فقام إليّ رجل، فأربحني فيها ربحا، فبسطت يدي لأبايعه، فإذا رجل يأخذني منْ خلفي، فنظرت فإذا زيد بن ثابت ﵁، فَقَالَ: لا تبعه حَتَّى تنقله إلى رحلك؛ فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك (١).
فإذا تقرر هَذَا، فإن قبضها نقلها، كما جاء فِي الخبر، ولأن القبض لو لم يعين فِي الشرع، لوجب رده إلى العرف، كما قلنا فِي الإحياء، والإحراز، والعادةُ فِي قبض الصبرة النقل. انتهى. "المغني" ٦/ ٢٠١ - ٢٠٢.
стр. 16870
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبين بما ذُكر أن الصواب منع بيع المشترى جزافًا، حَتَّى يتمّ القبض بنقله منْ مكانه إلى مكان آخر؛ لصحّة الأحاديث بذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: لا يحل لبائع الصبرة أن يَغُشّها بأن يجعلها عَلَى دَكّة، أو رَبْوَة، أو حجر ينقصها، أو يجعل الرديء فِي باطنها، أو المبلول، ونحو ذلك؛ لما رَوَى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ مَرّ عَلَى صبرة منْ طعام، فأدخل يده، فنالت أصابعه بللا، فَقَالَ: "يا صاحب الطعام ما هَذَا؟ " قَالَ: أصابته السماء يا رسول الله، قَالَ: "أفلا جعلته فوق الطعام، حَتَّى يراه النَّاس؟ "، ثم قَالَ: "منْ غشنا فليس منا"، قَالَ الترمذيّ: هَذَا حديث حسن صحيح.
فإذا وُجد ذلك ولم يكن المشتري علم به، فله الخيار بين الفسخ وأخذ تفاوت ما بينهما؛ لأنه عيب، وإن بان تحتها حُفْرة، أو بان باطنها خيرا منْ ظاهرها، فلا خيار للمشتري؛ لأنه زيادة له، وإن علم البائع ذلك، فلا خيار له؛ لأنه دخل عَلَى بصيرة به، وإن لم يكن علم فله الفسخ، كما لو باع بعشرين درهما، فوزنها بصّنْجَة، ثم وجد الصنجة زائدة، كَانَ له الرجوع، وكذلك لو باع بمكيال، ثم وجده زائدا، ويحتمل أنه لا خيار له؛ لأن الظاهر أنه باع ما يعلم، فلا يثبت له الفسخ بالإحتمال. انتهى "المغني" ٦/ ٢٠٣ وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٠٨ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّهُمْ كَانُوا يَبْتَاعُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فِي أَعْلَى السُّوقِ جُزَافًا، فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِ حَتَّى يَنْقُلُوهُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
و"يحيى": هو القطّان. و"عُبيد الله": هو ابن عمر العمريّ.
وقوله: "يبتاعون": أي يشترون. وفيه أن التلقّي فِي أعلى السوق منْ تلقّي الركبان الذي ورد النهي عنه، وبذلك جمع الإِمام البخاريّ رحمه الله تعالى بين أحاديث النهي عن تلقّي البيوع، وبين هَذَا الْحَدِيث، حيث قَالَ: "باب منتهى التلقّي"، ثم أورد حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا.
قَالَ فِي "الفتح" -٥/ ١١٥ - ١١٦: قوله: "باب منتهى التلقّي": أي وابتدائه، وَقَدْ ذكرنا أن الظاهر أنه لا حد لانتهائه منْ جهة الجالب، وأما منْ جهة المتلقي، فقد أشار المصنّف
стр. 16871
بهذه الترجمة إلى أن ابتداءه الخروج منْ السوق؛ أخذًا منْ قول الصحابيّ: "إنهم كانوا يتبايعون الطعام فِي أعلى السوق، فيبيعونه فِي مكانه، فنهاهم النبيّ ﷺ أن يبيعوه فِي مكانه، حَتَّى ينقلوه"، ولم ينههم عن التبايع فِي أعلى السوق، فدل عَلَى أن التلقّي إلى أعلى السوق جائز، فإن خرج عن السوق، ولم يخرج منْ البلد، فقد صرح الشافعيّة بأنه لا يدخل فِي النهي، وحدُّ ابتداء التلقّي عندهم الخروج منْ البلد، والمعنى فيه: أنهم إذا قدموا البلد أمكنهم معرفة السعر، وطلب الحظ لأنفسهم، فإن لم يفعلوا ذلك فهو منْ تقصيرهم، وأما إمكان معرفتهم ذلك قبل دخول البلد فنادر، والمعروف عند المالكية اعتبار السوق مطلقا، كما هو ظاهر الْحَدِيث، وهو قول أحمد، وإسحاق، وعن الليث كراهة التلقّي ولو فِي الطريق، ولو عَلَى باب البيت، حَتَّى تدخل السلعة السوق. انتهى.
ثم أورد البخاريّ حديث ابن عمر منْ طريق جُويرية عن نافع، بلفظ: "كنا نتلقّى الركبان، فنشتري منهم الطعام، فنهانا النبيّ ﷺ أن نبيعه حَتَّى يُبلغ به سوق الطعام"، ثم قَالَ: قَالَ أبو عبد الله: هَذَا فِي أعلى السوق، ويُبيّنه حديث عُبيد الله، ثم ساق طريق عبيد الله، عن نافع، بلفظ: "كانوا يبتاعون الطعام فِي أعلى السوق، فيبيعونه فِي مكانه، فنهاهم رسول الله ﷺ أن يبيعوه حَتَّى ينقلوه".
وقوله: قَالَ أبو عبد الله: "هَذَا فِي أعلى السوق" أي حديث جويرية، عن نافع، بلفظ: "كنا نتلقى الركبان، فنشتري منهم الطعام"، الْحَدِيث، قَالَ: وبينه حديث عبيد الله بن عمر يعني عن نافع أي حيث قَالَ كانوا يتبايعون الطعام فِي أعلى السوق الْحَدِيث مثله وأراد البخاريّ بذلك الرد عَلَى منْ استدل به عَلَى جواز تلقي الركبان؛ لإطلاق قول ابن عمر: "كنا نتلقى الركبان"، ولا دلالة فيه؛ لأن معناه إنهم كانوا يتلقونهم فِي أعلى السوق كما فِي رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع، وَقَدْ صرح مالك فِي روايته عن نافع، بقوله: "ولا تَلَقَّوُا السلع حَتَّى يُهبَط بها السوقُ"، فدلّ عَلَى أن التلقّي الذي لم يُنهَ عنه إنما هو ما بلغ السوق، والحديث يفسر بعضه بعضا، وادَّعَى الطحاوي التعارضَ فِي هاتين الروايتين، وجمع بينهما بوقوع الضرر لأصحاب السلع وعدمه، قَالَ: فيُحمل حديث النهي عَلَى ما إذا حصل الضرر، وحديث الإباحة عَلَى ما إذا لم يحصل. قَالَ الحافظ: ولا يخفى رجحان الجمع الذي جمع به البخاريّ. انتهى. "فتح" ٥/ ١١٥ - ١١٦ وهو بحث نفس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٠٩ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُمْ: "أَنَّهُمْ كَانُوا يَبْتَاعُونَ الطَّعَامَ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الرُّكْبَانِ، فَنَهَاهُمْ أَنْ يَبِيعُوا فِي مَكَانِهِمُ
стр. 16872
الَّذِي ابْتَاعُوا فِيهِ، حَتَّى يَنْقُلُوهُ إِلَى سُوقِ الطَّعَامِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه فإنه منْ أفراده، وهو أبو القاسم المصريّ، ثقة [١١] ١٥٢/ ٢٩٤٤.
و"محمد بن عبد الرحمن": هو ابن غَنَج -بفتح المعجمة، والنون، بعدها جيم- المدنيّ، نزيل مصر، مقبول [٧] ٣/ ٣٩٥٧.
والحديث متّفق عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦١٠ - (أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ النَّاسَ يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِذَا اشْتَرَوُا الطَّعَامَ جُزَافًا، أَنْ يَبِيعُوهُ حَتَّى يُئْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
و"يزيد": هو ابن زُريع. و"شيخ المصنّف": هو أحد مشايخ الأئمة الستة الذين رووا عنهم بلا واسطة، وهم تسعة، وَقَدْ تقدّموا غير مرّة.
وقوله: "رأيت النَّاس يُضربون الخ" بالبناء للمجهول، ويُستفاد منه جواز تأديب منْ خالف الأمر الشرعيّ، فتعاطى العقود الفاسدة بالضرب، ومشروعيّة إقامة المحتسب فِي الأسواق. قاله فِي "الفتح" ١٤/ ١٥٥. "كتاب الحدود" رقم ٦٨٥٣.
وَقَالَ النوويّ: هَذَا دليلٌ عَلَى أن وليّ الأمر يعزّر منْ تعاطى بيعًا فاسدًا، ويعزّره بالضرب وغيره، مما يراه منْ العقوبات فِي البدن عَلَى ما تقرّر فِي كتب الفقه. انتهى. "شرح مسلم" ١٠/ ٤١١ - ٤١٢.
وقوله: "أن يبيعوه": أي لبيعه، أو عَلَى بيعه، والمراد بيعه قبل قبضه.
[تنبيه]: أخرج مسلم رحمه الله تعالى فِي "صحيحه" ٣/ ١١٦٢ قَالَ:
حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الله بن الحارث المخزومي، حدثنا الضحاك ابن عثمان، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة، أنه قَالَ لمروان: أحللت بيع الربا، فَقَالَ مروان: ما فعلت، فَقَالَ أبو هريرة: أحللت بيع الصكاك، وَقَدْ نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام، حَتَّى يُستَوفَى، قَالَ: فخطب مروان النَّاس، فنهى عن بيعها، قَالَ سليمان: فنظرت إلى حَرَس يأخذونها منْ أيدي النَّاس.
قَالَ النوويّ فِي "شرحه": قوله: "قَالَ أبو هريرة لمروان: أحللت بيج الصكاك الخ": الصكاك جمع صَكّ، وهو الورقة المكتوبة بدين، ويجمع أيضًا عَلَى صكوك، والمراد هنا الورقة التي تخرج منْ وليّ الأمر بالرزق لمستحقه، بأن يكتب فيها للإنسان كذا وكذا، منْ
стр. 16873
طعام أو غيره، فيبيع صاحبها ذلك لإنسان قبل أن يقبضه.
وَقَدْ اختلف العلماء فِي ذلك، والأصح عند أصحابنا وغيرهم: جواز بيعها، والثانى: منعها، فمن منعها أخذ بظاهر قول أبى هريرة ﵁، وبحجته، ومن أجازها تأول قضية أبى هريرة، عَلَى أن المشتري ممن خرج له الصك باعه لثالث قبل أن يقبضه المشتري، فكان النهي عن البيع الثاني، لا عن الأول؛ لأن الذي خرجت له مالك لذلك ملكا مستقرا, وليس هو بمشتر، فلا يمتنع بيعه قبل القبض، كما لا يمتنع بيعه ما ورثه قبل قبضه، قَالَ القاضي عياض بعد أن تأوله عَلَى نحو ما ذكرته: وكانوا يتبايعونها، ثم يبيعها المشترون قبل قبضها، فنهوا عن ذلك، قَالَ: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فرده عليه، وَقَالَ لا تبع طعاما ابتعته حَتَّى تستوفيه. انتهى.
هَذَا تمام الْحَدِيث فِي "الموطإ"، وكذا جاء الْحَدِيث مفسرا فِي "الموطإ" أن صكوكا خرجت للناس فِي زمن مروان بطعام، فتبايع النَّاس تلك الصكوك، قبل أن يستوفوها، وفي "الموطإ"، ما هو أبين منْ هَذَا، وهو أن حكيم بن حزام ﵁ ابتاع طعاما أَمر به عمرُ بن الخطاب ﵁، فباع حكيم الطعام الذي اشتراه قبل قبضه. والله أعلم. انتهى "شرح مسلم" ١٠/ ٤١٢.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا التأويل الذي ذكره النوويّ رحمه الله تعالى وغيره لأثر أبي هريرة ﵁ المذكور حسنٌ جدًّا، يشهد له ما مرّ آنفًا عن "الموطّإ". والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ وما توفيقى إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٥٨ - (الرَّجُلُ يَشْتَرِي الطَّعَامَ إِلَى أَجَلٍ، وَيَسْتَرْهِنُ الْبَائِعُ مِنْهُ بِالثَّمَنِ رَهْنًا)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الرهن" -بفتح أوله وسكون الهاء- فِي اللغة: الاحتباس، منْ قولهم: رَهَنَ الشيءُ منْ باب قعد: إذا دام، وثبت، ومنه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا
стр. 16874
كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ الآية [المدّثّر: ٣٨]، وفي الشرع: جعلُ مال وثيقة عَلَى دين، ويطلق أيضا عَلَى العين المرهونة؛ تسميةً للمفعول باسم المصدر، وأما الرُّهُن بضمتين، فجمع رَهن، كفلس وفُلُوس، ويجمع أيضا عَلَى رِهان بكسر الراء، ككتب وكتاب، وقُرىء بهما. أفاده فِي "الفتح" ٥/ ٤٣٨.
وَقَالَ فِي "المغني": "الرهن" فِي اللغة: الثبوت والدوام، يقال: ماء راهن: أي راكد، ونعمة راهنة: أي ثابتة دائمة، وقيل: هو منْ الحبس، قَالَ الله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]، وَقَالَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]، وَقَالَ الشاعر [منْ البسيط]:
وَفَارَقَتْكِ بِرَهْنٍ لَا فَكَاكَ لَهُ … يَوْمَ الْوَدَاعِ فَأَضْحَى الرَّهْنُ قَدْ غَلِقَا
شَبَهّ لزوم قلبه لها، واحتباسه عندها لشدة وجده بها، بالرهن الذي يلزمه المرتهن، فيُبقيه عنده، ولا يفارقه، وغَلَقُ الرهن: استحقاق المرتهن إياه؛ لعجز الراهن عن فكاكه.
والرهن فِي الشرع: المال الذي يُجعل وثيقة بالدين؛ ليُستَوفَى منْ ثمنه، إن تعذر استيفاؤه ممن هو عليه. وهو جائز بالكتاب، والسنة، والإجماع:
أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٣]، وتُقرأ ﴿فَرُهُن﴾ والرهان جمع رهن، والرُّهُن جمع الجمع، قاله الفراء. وَقَالَ الزجاج: يحتمل أن يكون جمع رَهْن، مثل سقف وسقف.
وأما السنة: فروت عائشة ﵂: "أن رسول الله ﷺ ، اشترى منْ يهودي طعاما، ورهنه درعه" متَّفقٌ عليه، ورَوَى أبو هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "الظهر يُركب بنفقته، إذا كَانَ مرهونا, ولبن الدر يشرب بنفقته، إذا كَانَ مرهونا، وعلى الذي يركب، ويشرب النفقة"، رواه البخاريّ. وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قَالَ: "لا يَغلَقُ الرهنُ" (١).
وأما الإجماع: فأجمع المسلمون عَلَى جواز الرهن فِي الجملة. انتهى "المغني" ٦/ ٤٤٣ - ٤٤٤. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٦١١ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتِ: "اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ).
стр. 16875
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن آدم) بن سليمان الجهنيّ المصّيصيّ، صدوق [١٠] ٩٣/ ١١٥.
٢ - (حفص بن غياث) بن طلق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقة فقيه، تغير قليلاً فِي الآخر [٨] ٨٦/ ١٠٥.
٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران الإِمام الحجة الثبت الكوفيّ، يدلس [٥] ١٧/ ١٨.
٤ - (إبراهيم) بن يزيد النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقة فقيه، يرسل كثيرًا [٥] ٢٩/ ٣٣.
٥ - (الأسود) بن يزيد النخعيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة مخضرم فقيه [٢] ٢٩/ ٣٣.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين، غير شيخه، فإنه مِصّيصيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة منْ التابعين الكوفيين، يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، وأن الأسود خال لإبراهيم، فإن أمه هي مُليكة بنت يزيد أخت الأسود. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النخعيّ، وفي رواية للبخاريّ منْ طريق عبد الواحد عن الأعمش، قَالَ: "ذكرنا عند إبراهيم الرهن فِي السلم، فَقَالَ: حدّثني الأسود، عن عائشة ﵂"، فذكره (عَنِ الْأَسْوَدِ) بن يزيد النخعيّ (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، أنها (قَالَتِ: "اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ يَهُودِيٍّ) هَذَا اليهودي: هو أبو الشَّحْم، بَيّنه الشافعيّ، ثم البيهقي، منْ طريق جعفر بن محمد، عن أبيه: "أن النبيّ ﷺ ، رهن درعا له، عند أبي الشحم اليهودي، رجل منْ بني ظَفَر فِي شعير". انتهى.
و"أبو الشَّحْم" -بفتح المعجمة وسكون المهملة-: اسمه كنيته، و"ظَفَر" -بفتح الظاء والفاء- بطن منْ الأوس، وكان حليفا لهم. وضبطه بعض المتأخرين بهمزة ممدودة، وموحّدة مكسورة، اسم فاعل منْ الإباء، وكأنه التبس عليه بـ"أبي اللحم" الصحابيّ المشهور.