بهذه الترجمة إلى أن ابتداءه الخروج منْ السوق؛ أخذًا منْ قول الصحابيّ: "إنهم كانوا يتبايعون الطعام فِي أعلى السوق، فيبيعونه فِي مكانه، فنهاهم النبيّ ﷺ أن يبيعوه فِي مكانه، حَتَّى ينقلوه"، ولم ينههم عن التبايع فِي أعلى السوق، فدل عَلَى أن التلقّي إلى أعلى السوق جائز، فإن خرج عن السوق، ولم يخرج منْ البلد، فقد صرح الشافعيّة بأنه لا يدخل فِي النهي، وحدُّ ابتداء التلقّي عندهم الخروج منْ البلد، والمعنى فيه: أنهم إذا قدموا البلد أمكنهم معرفة السعر، وطلب الحظ لأنفسهم، فإن لم يفعلوا ذلك فهو منْ تقصيرهم، وأما إمكان معرفتهم ذلك قبل دخول البلد فنادر، والمعروف عند المالكية اعتبار السوق مطلقا، كما هو ظاهر الْحَدِيث، وهو قول أحمد، وإسحاق، وعن الليث كراهة التلقّي ولو فِي الطريق، ولو عَلَى باب البيت، حَتَّى تدخل السلعة السوق. انتهى.
ثم أورد البخاريّ حديث ابن عمر منْ طريق جُويرية عن نافع، بلفظ: "كنا نتلقّى الركبان، فنشتري منهم الطعام، فنهانا النبيّ ﷺ أن نبيعه حَتَّى يُبلغ به سوق الطعام"، ثم قَالَ: قَالَ أبو عبد الله: هَذَا فِي أعلى السوق، ويُبيّنه حديث عُبيد الله، ثم ساق طريق عبيد الله، عن نافع، بلفظ: "كانوا يبتاعون الطعام فِي أعلى السوق، فيبيعونه فِي مكانه، فنهاهم رسول الله ﷺ أن يبيعوه حَتَّى ينقلوه".
وقوله: قَالَ أبو عبد الله: "هَذَا فِي أعلى السوق" أي حديث جويرية، عن نافع، بلفظ: "كنا نتلقى الركبان، فنشتري منهم الطعام"، الْحَدِيث، قَالَ: وبينه حديث عبيد الله بن عمر يعني عن نافع أي حيث قَالَ كانوا يتبايعون الطعام فِي أعلى السوق الْحَدِيث مثله وأراد البخاريّ بذلك الرد عَلَى منْ استدل به عَلَى جواز تلقي الركبان؛ لإطلاق قول ابن عمر: "كنا نتلقى الركبان"، ولا دلالة فيه؛ لأن معناه إنهم كانوا يتلقونهم فِي أعلى السوق كما فِي رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع، وَقَدْ صرح مالك فِي روايته عن نافع، بقوله: "ولا تَلَقَّوُا السلع حَتَّى يُهبَط بها السوقُ"، فدلّ عَلَى أن التلقّي الذي لم يُنهَ عنه إنما هو ما بلغ السوق، والحديث يفسر بعضه بعضا، وادَّعَى الطحاوي التعارضَ فِي هاتين الروايتين، وجمع بينهما بوقوع الضرر لأصحاب السلع وعدمه، قَالَ: فيُحمل حديث النهي عَلَى ما إذا حصل الضرر، وحديث الإباحة عَلَى ما إذا لم يحصل. قَالَ الحافظ: ولا يخفى رجحان الجمع الذي جمع به البخاريّ. انتهى. "فتح" ٥/ ١١٥ - ١١٦ وهو بحث نفس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٠٩ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُمْ: "أَنَّهُمْ كَانُوا يَبْتَاعُونَ الطَّعَامَ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الرُّكْبَانِ، فَنَهَاهُمْ أَنْ يَبِيعُوا فِي مَكَانِهِمُ
стр. 16872
الَّذِي ابْتَاعُوا فِيهِ، حَتَّى يَنْقُلُوهُ إِلَى سُوقِ الطَّعَامِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه فإنه منْ أفراده، وهو أبو القاسم المصريّ، ثقة [١١] ١٥٢/ ٢٩٤٤.
و"محمد بن عبد الرحمن": هو ابن غَنَج -بفتح المعجمة، والنون، بعدها جيم- المدنيّ، نزيل مصر، مقبول [٧] ٣/ ٣٩٥٧.
والحديث متّفق عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦١٠ - (أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ النَّاسَ يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِذَا اشْتَرَوُا الطَّعَامَ جُزَافًا، أَنْ يَبِيعُوهُ حَتَّى يُئْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
و"يزيد": هو ابن زُريع. و"شيخ المصنّف": هو أحد مشايخ الأئمة الستة الذين رووا عنهم بلا واسطة، وهم تسعة، وَقَدْ تقدّموا غير مرّة.
وقوله: "رأيت النَّاس يُضربون الخ" بالبناء للمجهول، ويُستفاد منه جواز تأديب منْ خالف الأمر الشرعيّ، فتعاطى العقود الفاسدة بالضرب، ومشروعيّة إقامة المحتسب فِي الأسواق. قاله فِي "الفتح" ١٤/ ١٥٥. "كتاب الحدود" رقم ٦٨٥٣.
وَقَالَ النوويّ: هَذَا دليلٌ عَلَى أن وليّ الأمر يعزّر منْ تعاطى بيعًا فاسدًا، ويعزّره بالضرب وغيره، مما يراه منْ العقوبات فِي البدن عَلَى ما تقرّر فِي كتب الفقه. انتهى. "شرح مسلم" ١٠/ ٤١١ - ٤١٢.
وقوله: "أن يبيعوه": أي لبيعه، أو عَلَى بيعه، والمراد بيعه قبل قبضه.
[تنبيه]: أخرج مسلم رحمه الله تعالى فِي "صحيحه" ٣/ ١١٦٢ قَالَ:
حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الله بن الحارث المخزومي، حدثنا الضحاك ابن عثمان، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة، أنه قَالَ لمروان: أحللت بيع الربا، فَقَالَ مروان: ما فعلت، فَقَالَ أبو هريرة: أحللت بيع الصكاك، وَقَدْ نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام، حَتَّى يُستَوفَى، قَالَ: فخطب مروان النَّاس، فنهى عن بيعها، قَالَ سليمان: فنظرت إلى حَرَس يأخذونها منْ أيدي النَّاس.
قَالَ النوويّ فِي "شرحه": قوله: "قَالَ أبو هريرة لمروان: أحللت بيج الصكاك الخ": الصكاك جمع صَكّ، وهو الورقة المكتوبة بدين، ويجمع أيضًا عَلَى صكوك، والمراد هنا الورقة التي تخرج منْ وليّ الأمر بالرزق لمستحقه، بأن يكتب فيها للإنسان كذا وكذا، منْ
стр. 16873
طعام أو غيره، فيبيع صاحبها ذلك لإنسان قبل أن يقبضه.
وَقَدْ اختلف العلماء فِي ذلك، والأصح عند أصحابنا وغيرهم: جواز بيعها، والثانى: منعها، فمن منعها أخذ بظاهر قول أبى هريرة ﵁، وبحجته، ومن أجازها تأول قضية أبى هريرة، عَلَى أن المشتري ممن خرج له الصك باعه لثالث قبل أن يقبضه المشتري، فكان النهي عن البيع الثاني، لا عن الأول؛ لأن الذي خرجت له مالك لذلك ملكا مستقرا, وليس هو بمشتر، فلا يمتنع بيعه قبل القبض، كما لا يمتنع بيعه ما ورثه قبل قبضه، قَالَ القاضي عياض بعد أن تأوله عَلَى نحو ما ذكرته: وكانوا يتبايعونها، ثم يبيعها المشترون قبل قبضها، فنهوا عن ذلك، قَالَ: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فرده عليه، وَقَالَ لا تبع طعاما ابتعته حَتَّى تستوفيه. انتهى.
هَذَا تمام الْحَدِيث فِي "الموطإ"، وكذا جاء الْحَدِيث مفسرا فِي "الموطإ" أن صكوكا خرجت للناس فِي زمن مروان بطعام، فتبايع النَّاس تلك الصكوك، قبل أن يستوفوها، وفي "الموطإ"، ما هو أبين منْ هَذَا، وهو أن حكيم بن حزام ﵁ ابتاع طعاما أَمر به عمرُ بن الخطاب ﵁، فباع حكيم الطعام الذي اشتراه قبل قبضه. والله أعلم. انتهى "شرح مسلم" ١٠/ ٤١٢.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا التأويل الذي ذكره النوويّ رحمه الله تعالى وغيره لأثر أبي هريرة ﵁ المذكور حسنٌ جدًّا، يشهد له ما مرّ آنفًا عن "الموطّإ". والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ وما توفيقى إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٥٨ - (الرَّجُلُ يَشْتَرِي الطَّعَامَ إِلَى أَجَلٍ، وَيَسْتَرْهِنُ الْبَائِعُ مِنْهُ بِالثَّمَنِ رَهْنًا)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الرهن" -بفتح أوله وسكون الهاء- فِي اللغة: الاحتباس، منْ قولهم: رَهَنَ الشيءُ منْ باب قعد: إذا دام، وثبت، ومنه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا
стр. 16874
كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ الآية [المدّثّر: ٣٨]، وفي الشرع: جعلُ مال وثيقة عَلَى دين، ويطلق أيضا عَلَى العين المرهونة؛ تسميةً للمفعول باسم المصدر، وأما الرُّهُن بضمتين، فجمع رَهن، كفلس وفُلُوس، ويجمع أيضا عَلَى رِهان بكسر الراء، ككتب وكتاب، وقُرىء بهما. أفاده فِي "الفتح" ٥/ ٤٣٨.
وَقَالَ فِي "المغني": "الرهن" فِي اللغة: الثبوت والدوام، يقال: ماء راهن: أي راكد، ونعمة راهنة: أي ثابتة دائمة، وقيل: هو منْ الحبس، قَالَ الله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]، وَقَالَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]، وَقَالَ الشاعر [منْ البسيط]:
وَفَارَقَتْكِ بِرَهْنٍ لَا فَكَاكَ لَهُ … يَوْمَ الْوَدَاعِ فَأَضْحَى الرَّهْنُ قَدْ غَلِقَا
شَبَهّ لزوم قلبه لها، واحتباسه عندها لشدة وجده بها، بالرهن الذي يلزمه المرتهن، فيُبقيه عنده، ولا يفارقه، وغَلَقُ الرهن: استحقاق المرتهن إياه؛ لعجز الراهن عن فكاكه.
والرهن فِي الشرع: المال الذي يُجعل وثيقة بالدين؛ ليُستَوفَى منْ ثمنه، إن تعذر استيفاؤه ممن هو عليه. وهو جائز بالكتاب، والسنة، والإجماع:
أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٣]، وتُقرأ ﴿فَرُهُن﴾ والرهان جمع رهن، والرُّهُن جمع الجمع، قاله الفراء. وَقَالَ الزجاج: يحتمل أن يكون جمع رَهْن، مثل سقف وسقف.
وأما السنة: فروت عائشة ﵂: "أن رسول الله ﷺ ، اشترى منْ يهودي طعاما، ورهنه درعه" متَّفقٌ عليه، ورَوَى أبو هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "الظهر يُركب بنفقته، إذا كَانَ مرهونا, ولبن الدر يشرب بنفقته، إذا كَانَ مرهونا، وعلى الذي يركب، ويشرب النفقة"، رواه البخاريّ. وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قَالَ: "لا يَغلَقُ الرهنُ" (١).
وأما الإجماع: فأجمع المسلمون عَلَى جواز الرهن فِي الجملة. انتهى "المغني" ٦/ ٤٤٣ - ٤٤٤. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٦١١ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتِ: "اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ).
стр. 16875
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن آدم) بن سليمان الجهنيّ المصّيصيّ، صدوق [١٠] ٩٣/ ١١٥.
٢ - (حفص بن غياث) بن طلق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقة فقيه، تغير قليلاً فِي الآخر [٨] ٨٦/ ١٠٥.
٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران الإِمام الحجة الثبت الكوفيّ، يدلس [٥] ١٧/ ١٨.
٤ - (إبراهيم) بن يزيد النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقة فقيه، يرسل كثيرًا [٥] ٢٩/ ٣٣.
٥ - (الأسود) بن يزيد النخعيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة مخضرم فقيه [٢] ٢٩/ ٣٣.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين، غير شيخه، فإنه مِصّيصيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة منْ التابعين الكوفيين، يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، وأن الأسود خال لإبراهيم، فإن أمه هي مُليكة بنت يزيد أخت الأسود. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النخعيّ، وفي رواية للبخاريّ منْ طريق عبد الواحد عن الأعمش، قَالَ: "ذكرنا عند إبراهيم الرهن فِي السلم، فَقَالَ: حدّثني الأسود، عن عائشة ﵂"، فذكره (عَنِ الْأَسْوَدِ) بن يزيد النخعيّ (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، أنها (قَالَتِ: "اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ يَهُودِيٍّ) هَذَا اليهودي: هو أبو الشَّحْم، بَيّنه الشافعيّ، ثم البيهقي، منْ طريق جعفر بن محمد، عن أبيه: "أن النبيّ ﷺ ، رهن درعا له، عند أبي الشحم اليهودي، رجل منْ بني ظَفَر فِي شعير". انتهى.
و"أبو الشَّحْم" -بفتح المعجمة وسكون المهملة-: اسمه كنيته، و"ظَفَر" -بفتح الظاء والفاء- بطن منْ الأوس، وكان حليفا لهم. وضبطه بعض المتأخرين بهمزة ممدودة، وموحّدة مكسورة، اسم فاعل منْ الإباء، وكأنه التبس عليه بـ"أبي اللحم" الصحابيّ المشهور.
стр. 16876
(طَعَامًا) المراد به هنا الشعير؛ لما يأتي فِي الباب التالي، منْ حديث أنس ﵁: "ولقد رهن درعًا له، عند يهوديّ بالمدينة، وأخذ منه شعيرًا لأهله".
وكان قدر الشعير المذكور ثلاثين صاعا، كما هو عند البخاريّ منْ حديث عائشة فِي "الجهاد"، وأواخر "المغازي"، وكذلك رواه أحمد، والنسائيّ، وابن ماجه، والطبراني وغيرهم منْ طريق عكرمة، عن ابن عباس، وأخرجه الترمذيّ، منْ هَذَا الوجه، فَقَالَ: "بعشرين".
قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: ولعله كَانَ دون الثلاثين، فجبر الكسر تارة، وأُلغي أخرى، ووقع لابن حبّان منْ طريق شيبان، عن قتادة، عن أنس: أن قيمة الطعام كانت دينارا، وزاد أحمد منْ طريق شيبان فِي آخره: "فما وجد ما يفتكّها به حَتَّى مات".
(إِلَى أَجَلٍ) قد تبيّن مدة الأجل عند ابن حبّان فِي "صحيحه" منْ طريق عبد الواحد بن زياد، عن الأَعمش: أنه سنة (وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ) وفي رواية للبخاريّ: "ورهنه درعًا منْ حديد". وهو -بكسر الدال المهملة، وسكون الراء- قَالَ الفيّوميّ: درع الحديد مؤنّثة فِي الأكثر، وتُصغّر عَلَى دُريع، بغير هاء عَلَى غير قياس، وجاز أن يكون التصغير عَلَى لغة منْ ذكّر، وربما قيل: دُريعةٌ بالهاء، وجمعها أدرُعٌ، ودُرُوعٌ، وأَدْراعٌ. قَالَ ابن الأثير: وهي الزَّرَدِيَّةُ. انتهى.
واستدل به عَلَى جواز بيع السلاح منْ الكافر، ووقع عند البخاريّ فِي أواخر "المغازي" منْ طريق الثوري، عن الأعمش، بلفظ: "تُوفّي رسول الله ﷺ ، ودرعه مرهونة"، وفي حديث أنس، عند أحمد: "فما وجد ما يَفتَكُّها به".
وفيه دليل عَلَى أن المراد بقوله ﷺ ، فِي حديث أبي هريرة ﵁: "نفس المؤمن معلقة بدينه، حَتَّى يُقضَى عنه"، وهو حديث صححه ابن حبّان وغيره، محله فِي غير نفس الأنبياء، فإنها لا تكون معلقة بدين، فهي خصوصية، أو لمن لم يترك عند صاحب الدين ما يحصل له به الوفاء، وإليه جنح الماوردي.
وذكر ابن الطلاع فِي "الأقضية النبوية": أن أبا بكر افْتَكّ الدرع بعد النبيّ ﷺ . لكن رَوَى ابن سعد عن جابر ﵁ أن أبا بكر ﵁ قضى عِدَات النبيّ ﷺ ، وأن عليا قضى ديونه. وروى إسحاق بن راهويه فِي "مسنده" عن الشعبي، مرسلا أن أبا بكر افْتَكّ الدرع، وسلمها لعلي بن أبي طالب.
وأما منْ أجاب بأنه ﷺ افتكها قبل موته، فمعارض بحديث عائشة ﵂ المذكور. أفاده فِي "الفتح" ٥/ ٤٤١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 16877
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٥٨/ ٤٦١١ و٨٣/ ٤٦٥٢ - وفي "الكبرى" ٥٩/ ٦٢٠٢ و٨٤/ ٦٢٤٦. وأخرجه (خ) فِي "البيوع" ٢٠٦٨ (م) فِي "البيوع" ١٦٠٣ (ق) فِي "الأحكام" ٢٤٣٦ (أحمد) فِي "باقي مسند الأنصار" ٢٤٧٤٦ و٢٥٤٠٣. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعيّة الرهن عند الشراء إلى أجل. قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: فيه منْ الفقه جواز أخذ الدين عند الحاجة، وجواز الاستيثاق بالرهن، والكفالة فِي الدين والسلم، وَقَدْ منع الرهن فِي السلم زُفرُ، والأوزاعيّ، وهذا الْحَدِيث أعني حديث عائشة رضي الله تعالى عنها حجة عليهم؛ إذ لا فرق بين الدين والسلم، وكذلك عموم قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]. انتهى "المفهم" ٤/ ٥١٨.
(ومنها): جواز معاملة الكفار فيما لم يتحقق تحريم عين المتعامل فيه، وعدم الاعتبار بفساد معتقدهم، ومعاملاتهم فيما بينهم. قاله فِي "الفتح".
وَقَالَ القرطبيّ: فيه دليلٌ عَلَى جواز معاملة أهل الذمّة مع العلم بأنهم يبيعون الخمر، ويأكلون الربا؛ لأنا قد أقررناهم عَلَى ما بأيديهم منْ ذلك، وكذلك لو أسلموا لطاب لهم ذلك، وليس كذلك المسلم الذي يعمل بشيء منْ ذلك، لا يُقرّ عَلَى ذلك، ولا يُترك بيده، ولا يجوز أن يعامل منْ كَانَ كسبه منْ ذلك، وإذا تاب تصدّق بما بيده منه.
وأما أهل الحرب، فيجوز أن يعاملوا، ويُشترى منهم كلّ ما يجوز لنا شرؤه، وتملّكه، ويباع لهم كلّ شيء منْ العروض، والحيوان، ما لم يكن ذلك مُضرّا بالمسلمين، مما يحتاجون إليه، وما خلا آلة الحرب، وعُدّته، وما يُخاف أن يَتقَوّوا به عَلَى المسلمين، فلا يُباع منهم شيء منه، ولا يُباع منهم، ولا منْ أهل الذّمّة مسلم، ولا مصحف. وَقَالَ ابن حبيب: لا يُباع منْ أهل الحرب الحرير، ولا الكتّان، ولا البُسُط؛ لأنهم يتجمّلون بذلك فِي حروبهم، ولا الطعام، لعلهم أن يضعفوا. انتهى "المفهم" ٤/ ٥١٨.
وسيعقد المصنّف رحمه الله تعالى بعد نحو ستة وعشرين بابًا لذلك بقوله: ٨٤ - "معاملة أهل الكتاب". (ومنها): أنه استُنبِط منه جواز معاملة منْ أكثر ماله حرام.
стр. 16878
(ومنها): جواز بيع السلاح، ورهنه، وإجارته، وغير ذلك منْ الكافر، ما لم يكن حربيا. (ومنها): ثبوت أملاك أهل الذمة فِي أيديهم. (ومنها): جواز الشراء بالثمن المؤجل. (ومنها): اتخاذ الدروع والْعُدَد، وغيرها منْ آلات الحرب، وأنه غير قادح فِي التوكل. (ومنها): أن قنية آلة الحرب لا تدل عَلَى تحبيسها قاله ابن المنير. (ومنها): أن أكثر قوت ذلك العصر الشعير. قاله الداودي. (ومنها): أن القول قول المرتهن فِي قيمة المرهون مع يمينه، حكاه ابن التين. (ومنها): أن فيه بيان ما كَانَ عليه النبيّ ﷺ منْ التواضع، والزهد فِي الدنيا، والتقلل منها، مع قدرته عليها، والكرم الذي أفضى به إلى عدم الادّخار، حَتَّى احتاج إلى رهن درعه، والصبر عَلَى ضيق العيش، والقناعة باليسير. (ومنها): أنه فيه فضيلةَ أزواجه ﷺ لصبرهن معه عَلَى ذلك رضي الله تعالى عن جميعهنّ.
[فائدة]: قَالَ العلماء رحمهم الله تعالى: الحكمة فِي عدوله ﷺ عن معاملة مياسير الصحابة، إلى معاملة اليهود، إما لبيان الجواز، أو لأنهم لم يكن عندهم إذا ذاك طعام فاضل عن حاجة غيرهم، أو خَشِي أنهم لا يأخذون منه ثمنا، أو عوضا، فلم يُرِد التضييق عليهم؛ فإنه لا يبعد أن يكون فيهم إذ ذاك منْ يقدر عَلَى ذلك، وأكثر منه، فلعله ﷺ لم يُطلِعهم عَلَى ذلك، وإنما أطلع عليه منْ لم يكن موسرا به ممن نقل ذلك. والله تعالى أعلم. قاله فِي "الفتح" ٥/ ٤٤٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): فيما قاله أهل العلم فِي أحوال الرهن:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: الرهن غير واجب، لا نعلم فيه مخالفا؛ لأنه وثيقة بالدين، فلم يجب، كالضمان، والكفالة، وقول الله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] إرشاد لنا، لا إيجاب علينا، بدليل قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، ولأنه أمر به عند إعواز الكتابة، والكتابة غير واجبة، فكذلك بدلها. انتهى. وهو تحقيق حسن، وسيأتي أن الامر بالكتابة للندب لا للوجوب برقم ٨٥/ ٤٦٥٧٠ إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي أحوال الرهن:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى أيضًا: ولا يخلو الرهن منْ ثلاثة أحوال: [أحدها]: أن يقع بعد الحق، فيصح بالإجماع؛ لأنه دين ثابت تدعو الحاجة إلى أخذ الوثيقة به، فجاز أخذها به، كالضمان، ولأن الله تعالى قَالَ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ فجعله بدلا عن الكتابة، فيكون فِي محلها، ومحلها بعد وجوب الحق، وفي
стр. 16879
الآية ما يدل عَلَى ذلك، وهو قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فجعله جزاء للمداينة، مذكورا بعدها بفاء التعقيب.
[الحال الثاني]: أن يقع الرهن مع العقد الموجب للدين، فيقول: بعتك ثوبي هَذَا بعشرة إلى شهر، ترهنني بها عبدك سعدا، فيقول: قبلت ذلك، فيصح أيضا، وبه قَالَ مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأن الحاجة داعية إلى ثبوته، فإنه لو لم يعقده مع ثبوت الحق، ويشترط فيه لم يتمكن منْ إلزام المشتري عقده، وكانت الخيرة إلى المشتري، والظاهر أنه لا يبذله، فتفوت الوثيقة بالحق.
[الحال الثالث]: أن يرهنه قبل الحق، فيقول: رهنتك عبدي هَذَا بعشرة تقرضنيها، فلا يصح فِي ظاهر المذهب، وهو اختيار أبي بكر، والقاضي، وذكر القاضي أن أحمد نص عليه فِي رواية ابن منصور، وهو مذهب الشافعيّ، واختار أبو الخطاب أنه يصح، فمتى قَالَ: رهنتك ثوبي هَذَا بعشرة، تقرضنيها غدا، وسلمه إليه، ثم أقرضه الدراهم، لزم الرهن، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة؛ لأنه وثيقة بحق، فجاز عقدها قبل وجوبه، كالضمان، أو فجاز انعقادها عَلَى شيء، يحدث فِي المستقبل، كضمان الدرك.
قَالَ: ولنا أنه وثيقة لحق لا يلزم قبله، فلم تصح قبله، كالشهادة، ولأن الرهن تابع للحق، فلا يسبقه كالشهادة، والثمن لا يتقدم البيع، وأما الضمان فيحتمل أن يمنع صحته، وإن سلمنا فالفرق بينهما أن الضمان التزام مال، تبرعا بالقول، فجاز منْ غير حق ثابت، كالنذر، بخلاف الرهن. انتهى "المغني" ٦/ ٤٤٤ - ٤٤٥. وهو بحث نفيس والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٥٩ - (الرَّهْنُ فِي الْحَضَرِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "فِي الحضر" إشارة إلى أن التقييد بالسفر فِي الآية، خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له؛ لدلالة الْحَدِيث عَلَى مشروعيته فِي الحضر. قاله فِي "الفتح" جـ ٥/ ص ٤٣٨. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٦١٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ
стр. 16880
حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: "أَنَّهُ مَشَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، بِخُبْزِ شَعِيرٍ، وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ، قَالَ: وَلَقَدْ رَهَنَ دِرْعًا لَهُ، عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِالْمَدِينَةِ، وَأَخَذَ مِنْهُ شَعِيرًا لأَهْلِهِ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (إسماعيل بن مسعود) الْجَحْدريّ، أبو مسعود البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧ منْ أفراد المصنّف.
٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧.
٣ - (هشام) بن أبي عبد الله سنبر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت، وَقَدْ رمي بالقدر، منْ كبار [٧] ٣٠/ ٣٤.
٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسيّ البصريّ، ثقة ثبت، يدلس [٤] ٣٠/ ٣٤.
٥ - (أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين. (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر منْ مات بالبصرة منْ الصحابة ﵃، مات سنة (٩٣) وقيل: غير ذلك، وَقَدْ جاوز المائة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) ﵁ (أَنَّهُ مَشَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، بِخُبْزِ شَعِيرِ، وَإهَالَةٍ) بكسر الهمزة، وتخفيف الهاء: ما أُذيب منْ الشحم، والأَلية (١) وقيَل: هو كل دَسَم جامد. وقيل: ما يُؤتدم به منْ الأدهان.
(سَنِخَةٍ) بفتح المهملة، وكسر النون، بعدها معجمة مفتوحة: أي متغيرة الريح، ويقال فيها: بالزاي أيضا. ووقع لأحمد منْ طريق شيبان، عن قتادة، عن أنس: "لقد دُعي نبي الله ﷺ ، ذات يوم عَلَى خبز شعير، وإهالة سَنِخة"، فكأن اليهوديّ دعا النبيّ ﷺ عَلَى لسان أنس ﵁، فلهذا قَالَ: "مشيت إليه"، بخلاف ما يقتضيه ظاهره أنه أحضر ذلك إليه.
(قَالَ) أنس ﵁ (وَلَقَدْ رَهَنَ دِرْعًا لَهُ) تقدّم معناه فِي الْحَدِيث الماضي (عِنْدَ يهُودِيٍّ)
стр. 16881
تقدّم أنه أبو الشحم (بِالْمَدِينَةِ) هَذَا محلّ الترجمة، فإنه يدلّ عَلَى أنه ﷺ رهن فِي الحضر (وَأَخَذَ) ﷺ (مِنْهُ) أي منْ ذلك اليهوديّ (شَعِيرًا لِأَهْلِهِ) تقدّم أنها ثلاثون صاعًا، وفي رواية عشرون صاعًا، وتقدّم أيضًا وجه الجمع بين الروايتين.
زاد فِي رواية البخاريّ: "قَالَ: ولقد سمعته يقول: ما أصبح لآل محمد ﷺ إلا صاع، ولا أمسى، وإنهم لتسعة".
قَالَ فِي "الفتح": قوله: "ولقد سمعته": فاعل "سمعت" أنس، والضمير للنبي ﷺ ، وهو فاعل "يقول"، وجزم الكرماني بأنه أنس، وفاعل سمعت قتادة، وَقَدْ أشرت إلى الرد عليه فِي أوائل البيوع، وَقَدْ أخرجه أحمد، وابن ماجه، منْ طريق شيبان المذكورة، بلفظ: "ولقد سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "والذي نفس محمد بيده"، فذكر الْحَدِيث، لفظ ابن ماجه، وساقه أحمد بتمامه.
وقوله: "ما أصبح لآل محمد، إلا صاع، ولا أمسى"، وفي أبي نعيم فِي "المستخرج" منْ طريق الكجي، عن مسلم بن إبراهيم، شيخ البخاريّ فيه، بلفظ: "ما أصبح لآل محمد، ولا أمسى إلا صاع".
وقوله: "وإنهم لتسعة أبيات"، فِي رواية: "وإن عنده يومئذ لتسع نسوة".
ومناسبة ذكر أنس لهذا القدر، مع ما قبله، الإشارةُ إلى سبب قوله ﷺ هَذَا، وأنه لم يقله مُتضجّرًا, ولا شاكيًا، معاذ الله منْ ذلك، وإنما قاله معتذرا عن إجابته دعوة اليهودي، ولرهنه عنده درعه، ولعل هَذَا هو الحامل للذي زعم بأن قائل ذلك هو أنس؛ فرارًا منْ أن يُظَنّ أن النبيّ ﷺ ، قَالَ ذلك بمعنى التضجر. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أنس بن مالك ﵁ هَذَا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٥٩/ ٤٦١٢ - وفي "الكبرى" ٦٠/ ٦٢٠٣. وأخرجه (خ) فِي "البيوع" ٢٠٦٩ (ت) فِي "البيوع" ١٢١٥ (ق) فِي "الأحكام" ٢٤٣٧ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١١٩٥٢. وفوائد الْحَدِيث تقدّمت فِي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها الماضي. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي الرهن فِي الحضر:
ذهب الجمهور إلى مشروعيته فِي الحضر؛ لحديث الباب، واحتجوا له أيضًا منْ حيث المعنى، بأن الرهن شُرع توثقة عَلَى الدين؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ
стр. 16882
بَعْضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فإنه يشير إلى أن المراد بالرهن الاستيثاق، وإنما قيده بالسفر؛ لأنه مظنة فقد الكاتب، فأخرجه مخرج الغالب.
وخالف فِي ذلك مجاهد، والضحاك، فيما نقله الطبري عنهما، فقالا: لا يُشرع إلا فِي السفر، حيث لا يوجد الكاتب، وبه قَالَ داود وأهل الظاهر، وَقَالَ ابن حزم: إن شَرَط المرتهن الرهن فِي الحضر، لم يكن له ذلك، وإن تبرع به الراهن جاز، وحمل حديث الباب عَلَى ذلك. قاله فِي "الفتح" ٥/ ٤٣٨.
وَقَالَ فِي "المغني" -٦/ ٤٤٤ - : ويجوز الرهن فِي الحضر، كما يجوز فِي السفر، قَالَ ابن المنذر: لا نعلم أحدا خالف فِي ذلك، إلا مجاهدا، قَالَ: ليس الرهن إلا فِي السفر؛ لأن الله تعالى شرط السفر فِي الرهن بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾.
واحتجّ الجمهور بأن النبيّ ﷺ ، اشترى منْ يهودي طعاما، ورهنه درعه، وكانا بالمدينة، ولأنها وثيقة تجوز فِي السفر، فجازت فِي الحضر، كالضمان، فأما ذكر السفر، فإنه خرج مخرج الغالب؛ لكون الكاتب يُعدم فِي السفر غالبا, ولهذا لم يشترط عدم الكاتب، وهو مذكور معه أيضا. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: فثبت بما ذُكر أن الحقّ مشروعيّة الرهن فِي الحضر، كما هو مشروع فِي السفر بلا خلاف؛ لصحة الأحاديث بذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
…
٦٠ - (بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْبَائِعِ)
٤٦١٣ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَحُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ").
رجال هَذَا الإسناد: سبعة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلّاس البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (حُميد بن مسعدة) الساميّ الباهليّ البصريّ، صدوقٌ [١٠] ٥/ ٥.
٣ - (ويزيد) بن زُريع، أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥.
стр. 16883
٤ - (أيوب) بن أبي تميمة/ كيسان السختيانيّ البصريّ، ثقة ثبت فقيه [٥] ٤٢/ ٤٨.
٥ - (عمرو بن شعيب) بن محمد الطائفيّ، صدوق [٥] ١٠٥/ ١٤٠.
٦ - (أبوه) شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو الطائفيّ، صدوق [٣] ١٠٥/ ١٤٠.
٧ - (جدّه) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما ٨٩/ ١١١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): مسلسل بالبصريين إلى أيوب، والباقون طائفيّون، وفيه رواية ثلاثة منْ التابعين، بعضهم منْ بعض: أيوب، وعمرو، وشعيب، وفيه رواية الراوي عن أبيه، عن جدّه، والكلام فِي هَذَا الإسناد مشهور، وَقَدْ تقدّم غير مرّة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ) شعيب بن محمد (عَنْ جَدِّهِ) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ) السلف بفتحتين: القرض، ويُطلق عَلَى السلم، والمراد هنا القرض: أي لا يحلّ بيع مع شرط قرض، بأن يقول: بعتك هَذَا العبد عَلَى أن تُسلفني ألفًا. وقيل: هو أن تُقرضه، ثم تبيع منه شيئًا بأكثر منْ قيمته، فإنه حرام؛ لأنه قرضٌ جرّ نفعًا، أو المراد السلم، بأن أسلم إليه فِي شيء، فيقول: فإن لم يتهيّأ عندك، فهو بيعٌ عليك.
وَقَالَ الخطّابيّ رحمه الله تعالى: هو مثل أن يقول: أبيعك هَذَا العبد بخمسين دينارًا عَلَى أن تُسلفني ألف درهم فِي متاع أبيعه منك إلى أجل، أو يقول: أبيعكه بكذا عَلَى أن تُقرضني ألف درهم، ويكون معنى السلف: القرض، وذلك فاسد؛ لأنه إنما يُقرضه عَلَى أن يُحابيه فِي الثمن، فيدخل الثمن فِي حدّ الجهالة، ولأن كلّ قرض جرّ منفعةً، فهو ربا. انتهى.
(وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ) قيل: معناه مثل أن يقول: بعتك هَذَا الثوب نقدًا بدينار، ونسيئةً بدينارين، وهو بيعان فِي بيع، وهذا عند منْ لا يُجَوّز الشرط فِي البيع أصلاً، كالجمهور، وأما منْ يُجوّز الشرط الواحد، دون اثنين يقول: هو أن يقول: أبيعك هَذَا الثوب، وعليّ خياطته، وقِصَارته، وهذا لا يجوز، ولو قَالَ: أبيعك وعليّ خياطته، فلا بأس به.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا فسّره الخطّابيّ وغيره، وأحسن منْ هَذَا،
стр. 16884
وأولى تفسير ابن القيّم رحمه الله تعالى الآتي قريبًا، وحاصله أن معناه: أن يقول له: بعتك هذه السلعة بعشرة نقدًا، وآخذها منك بعشرين نسيئةً، وهذه هي صورة المسألة المشهورة ببيع العِينة، كما تقدّم البحث عنها، وهذا أشبه المعنى بالحديث، وأما الصورة التي ذكروها منْ ترديد الثمن، فإنها جائزة، كما سيأتي الكلام عليها فِي بحثه الآتي فِي المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى.
(وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ) قَالَ الخطّابيّ ﵀: يريد بيع العين، دون بيع الصفة، ألا ترى أنه أجاز السلم إلى الآجال، وهو بيع ما ليس عند البائع فِي الحال، وإنما نُهي عن بيع ما ليس عند البائع منْ قِبَل الغرر، وذلك مثل أن يبيعه عبده الآبق، أو جمله الشارد، ويدخل فِي ذلك كلّ شيء ليس بمضمون عليه، مثل أن يشتري سلعة، فيبيعها قبل أن يقبضها، ويدخل فيه أيضًا بيع الرجل مال غيره موقوفًا عَلَى إجازة المالك؛ لأنه بيع ما ليس عنده، ولا فِي ملكه، وهو غرر؛ لأنه لا يُدرَى، هل يُجيزه صاحبه، أم لا؟ انتهى "معالم السنن" ٥/ ١٤٣.
زاد فِي الرواية الآتية فِي ٧١/ ٤٦٣٢ و٧٢/ ٤٦٣٣ و٤٦٣٤ - : "ولا ربح ما لم يُضمن" ببناء الفعل للمجهول: ومعناه: أن يبيعه سلعة قد اشتراها, ولم يكن قبضها، فهي منْ ضمان البائع الأول، وليست منْ ضمانه، فهذا لا يجوز بيعه حَتَّى يقبضه، فيكونَ منْ ضمانه. وللإمام ابن القيّم رحمه الله تعالى بحث مطوّل فِي هَذَا الْحَدِيث سيأتي قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٦٠/ ٤٦١١ و٤٦١٢ و٧١/ ٤٦٣١ و٧٢/ ٤٦٣٢ و٤٦٣٣ - وفي "الكبرى" ٦١/ ٦٢٠٤ و٦٢٠٥. وأخرجه (د) فِي "البيوع" ٣٥٠٣ (ت) فِي "البيوع" ١٢٣٢ و١٢٣٣ و١٢٣٤ و١٢٣٥ (ق) فِي "التجارات" ٢١٨٧ (أحمد) فِي "مسند المكيين" ١٤٨٨٨ و١٥١٤٥. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم بيع ما ليس عند الإنسان، وهو التحريم. (ومنها): أن يدلّ عَلَى تحريم كلّ غرر فِي تعامل المسلم لأخيه،
стр. 16885
فلا يجوز له أن يعامله بما فيه غشّ، أو خِداع. (ومنها): البيع بشرط السلف. (ومنها): تحريم اشتراط شرطين فِي بيع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي البحث القيّم الذي كتبه الإِمام ابن القيّم رحمه الله تعالى عَلَى هَذَا الْحَدِيث فِي كتابه "تهذيب السنن"، وهو بحث طويلٌ مفيدٌ، أحببت إيراده لنفاسته:
قَالَ رحمه الله تعالى: هَذَا الْحَدِيث أصلٌ منْ أصول المعاملات، وهو نصّ فِي تحريم الحيل الرِّبويّة، وَقَدْ اشتمل عَلَى أربعة أحكام:
[الحكم الأول]: تحريم الشرطين فِي البيع، وَقَدْ أشكل عَلَى أكثر الفقهاء معناه، منْ حيث إن الشرطين، إن كانا فاسدين، فالواحد حرام، فأيّ فائدة لذكر الشرطين؟ وإن كانا صحيحين لم يحرُما.
فَقَالَ ابن المنذر: قَالَ أحمد، وإسحاق فيمن اشترى ثوبًا، واشترط عَلَى البائع خياطته، وقِصَارته، أو طعامًا، واشترط طحنه، وحمله-: إن شرط أحد هذه الأشياء، فالبيع جائز، وإن شرط شرطين، فالبيع باطل. وهكذا فسّره القاضي أبو يعلى، وغيره.
وعن أحمد فِي تفسيره رواية ثانية، حكاها الأثرم، وهو أن يشتريها -يعني الجارية- عَلَى أن لا يبيعها منْ أحد، ولا يطأها، ففسّره بالشرطين الفاسدين.
وعنه رواية ثالثة، حكاها إسماعيل بن سعيد الشالنجيّ عنه، وهو أن يقول: إذا بعتها فأنا أحقّ بها بالثمن، وأن تخدمني سنة. ومضمون هذه الرواية أن الشرطين يتعلّقان بالبائع، فيبقى له علقتان، علقة قبل التسليم، وهي الخدمة، وعلقة بعد التسليم، وهي كونه أحقّ بها، فأما اشتراط الخدمة، فيصحّ، وهو استثناء منفعة المبيع مدّة، كاستثناء ركوب الدابّة، ونحوه. وأما شرط كونه أحقّ بها بالثمن، فَقَالَ فِي رواية المروزيّ: هو فِي معنى حديث النبيّ ﷺ : "لا شرطان فِي بيع"، يعني لأنه شرط أن يبيعه إياه، وأن يكون البيع بالثمن الأول، فهما شرطان فِي بيع. وروى عنه إسماعيل بن سعيد: جواز هَذَا البيع، وتأوله بعض أصحابنا عَلَى جوازه مع فساد الشرط، وحمل رواية المروزيّ عَلَى فساد الشرط وحده، وهو تأويل بعيد، ونصّ أحمد يأباه. قَالَ إسماعيل بن سعيد: ذكرت لأحمد حديث ابن مسعود ﵁ أنه قَالَ: "ابتعت منْ امرأتي زينب الثقفيّة جاريةً، وشرطت لها أني إن بعتها، فهي لها بالثمن الذي ابتعتها به، فذكرت ذلك لعمر ﵁، فَقَالَ: لا تقربها, ولأحمد فيها شرط"، فَقَالَ أحمد: البيع جائزٌ، ولا تقربها، لأنه كَانَ فيها شرط واحد للمرأة، ولم يقل عمر فِي ذلك البيع: إنه فاسد.
فهذا يدلّ عَلَى تصحيح أحمد للشرط منْ ثلاثة أجه:
стр. 16886
[أحدها]: أنه قَالَ: "لا تقربها"، ولو كَانَ الشرط فاسدًا لم يمنع منْ قربانها.
[الثاني]: أنه علّل ذلك بالشرط، فدلّ عَلَى أن المانع منْ القربان هو الشرط، وأن وطئها يتضمّن إبطال ذلك الشرط؛ لأنها قد تحمل، فيمتنع عودها إليها.
[الثالث]: أنه قَالَ: "كَانَ فيها شرط واحد للمرأة"، فذكِرُهُ وحدةَ الشرط يدلّ عَلَى أنه صحيحٌ عنده؛ لأن النهي إنما هو عن الشرطين.
وَقَدْ حكى عنه بعض أصحابنا رواية صريحة، أن البيع جائزٌ، والشرط صحيحٌ، ولهذا حمل القاضي منعه منْ الوطء عَلَى الكراهة؛ لأنه لا معنى لتحريمه عنده، مع فساد الشرط. وحمله ابن عقيل عَلَى الشبهة؛ للاختلاف فِي صحّة هَذَا العقد. وَقَالَ القاضي فِي "المجرّد": ظاهر كلام أحمد أنه متى شرط فِي العقد شرطين بطل، سواء كانا صحيحين، أو فاسدين، لمصلحة العقد، أو لغير مصلحته؛ أخذًا بظاهر الْحَدِيث، وعملاً بعمومه.
وأما أصحاب الشافعيّ، وأبي حنيفة: فلم يفرّقوا بين الشرط والشرطين، وقالوا: يبطل البيع بالشرط الواحد؛ لنهي النبيّ ﷺ عن بيع وشرط، وأما الشروط الصحيحة, فلا تؤثّر فِي العقد، وإن كثُرت، وهؤلاء ألغوا التقييد بالشرطين، ورأوا أنه لا أثر له أصلاً.
وكلّ هذه الأقوال بعيدة عن مقصود الْحَدِيث، غير مرادة منه.
فأما القول الأول: وهو أن يشترط حمل الحطب، وتكسيره، وخياطة الثوب، وقِصَارته، ونحو ذلك، فبعيد، فإن اشتراط منفعة البائع فِي المبيع، إن كَانَ فاسدًا فسد الشرط والشرطان، وإن كَانَ صحيحًا، فأيّ فرق بين منفعة، ومنفعتين، أو منافع؟ لاسيّما والمصححون لهذا الشرط قالوا: هو عقد قد جمع بيعًا، وإجارةً، وهما معلومان لم يتضمّنا غررًا، فكانا صحيحين، وإذا كَانَ كذلك، فما الموجب لفساد الإجارة عَلَى منفعتين، وصحّتها عَلَى منفعة؟ وأيُّ فرق بين أن يشترط عَلَى بائع الحطب حمله، أو حمله ونقله، أو حمله وتكسيره؟.
وأما التفسير الثاني: وهو الشرطان الفاسدان، فأضعف وأضعف؛ لأن الشرط الواحد الفاسد منهيّ عنه، فلا فائدة فِي التقييد بشرطين فِي بيع، وهو يتضمّن زيادة فِي اللفظ، وإيهامًا لجواز الواحد، وهذا ممتنع عَلَى الشارع مثله؛ لأنه زيادة مخلّة بالمعنى.
وأما التفسير الثالث، وهو أن يشترط أنه إن باعها، فهو أحقّ بها بالثمن، وأن ذلك يتضمّن شرطين: أن لا يبيعها لغيرها، وأن يبيعها إياها بالثمن، فكذلك أيضًا، فإن كل واحد منهما إن كَانَ شرطًا فاسدًا، فلا أثر للشرطين، وإن كَانَ صحيحًا لم يفسُد
стр. 16887
بانضمامه إلى صحيح مثله، كاشتراط الرهن والضمين، واشتراط التأجيل والرهن، ونحو ذلك.
وعن أحمد فِي هذه المسألة ثلاث روايات:
[إحداهنّ]: صحّة البيع والشرط. [والثانية]: فسادهما. [والثالثة]: صحّة البيع، وفساد الشرط، وهو ﵁ إنما اعتمد فِي الصحّة عَلَى اتفاق عمر وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما عَلَى ذلك، ولو كَانَ هَذَا هو الشرطان فِي البيع لم يُخالفه لقول أحد، عَلَى قاعدة مذهبه، فإنه إذا كَانَ عنده فِي المسألة حديث صحيح لم يتركه لقول أحد، ويَعجَب ممن يخالفه منْ صاحب، أو غيره.
وقوله فِي رواية المروزيّ: هو فِي معنى حديث النبيّ ﷺ : "لا شرطان فِي بيع"، ليس تفسيرًا منه صريحًا، بل تشبيه، وقياس عَلَى معنى الْحَدِيث، ولو قُدّر أنه تفسيره، فليس بمطابق لمقصود الْحَدِيث، كما تقدّم.
وأما تفسير القاضي فِي "المجرّد": فمن أبعد ما قيل فِي الْحَدِيث، وأفسده، فإن شرط ما يقتضيه العقد، أو ما هو منْ مصلحته، كالرهن، والتأجيل، والضمين، ونقد كذا جائزٌ، بلا خلاف، تعددت الشروط، أم اتّحدت.
فإذا تبيّن ضعف هذه الأقوال، فالأولى تفسير كلام النبيّ ﷺ بعضه ببعض، فنفسّر كلامه بكلامه، فنقول: نظير هَذَا نهيه ﷺ عن صفقتين فِي صفقة، وعن بيعتين فِي بيعة، فروى سماك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه ﵁، قَالَ: "نهى رسول الله ﷺ عن صفقتين فِي صفقة"، وفي "السنن" عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ : "منْ باع بيعتين فِي بيعة، فله أوكسهما، أو الربا".
وَقَدْ فُسّرت البيعتان فِي البيعة بأن يقول: أبيعك بعشرة نقدًا، وبعشرين نسيئة، وهذا بعيد منْ معنى الْحَدِيث منْ وجهين:
[أحدهما]: أنه لا يدخل الربا فِي هَذَا العقد. [الثاني]: أن هَذَا ليس بصفقتين، إنما هو صفقة واحدة بأحد الثمنين، وَقَدْ ردّده بين الأوليين، أو الربا، ومعلوم أنه إذا أخذ بالثمن الأزيد فِي هَذَا العقد لم يكن ربا، فليس هَذَا معنى الْحَدِيث.
وفُسّر بأن يقول: خذ هذه السلعة بعشرة نقدًا، وآخذها منك بعشرين نسيئة، وهي مسألة العينة بعينها، وهذا هو المعنى المطابق للحديث، فإنه إذا كَانَ مقصوده الدراهم العاجلة بالآجلة، فهو لا يستحقّ إلا رأس ماله، وهو أوكس الثمنين، فإن أخذه أخذ أوكسهما، وإن أخذ الثمن الأكثر، فقد أخذ الربا، فلا مَحِيد له عن أوكس الثمنين، أو الربا, ولا يحتمل الْحَدِيث غير هَذَا المعنى، وهذا هو بعينه الشرطان فِي بيع، فإن
стр. 16888
الشرط يُطلق عَلَى العقد نفسه؛ لأنهما تشارطا عَلَى الوفاء به، فهو مشروط، والشرط يُطلق عَلَى المشروط كثيرًا، كالضرب يُطلق عَلَى المضروب، والخلق يطلق عَلَى المخلوق، والنسخ يُطلق عَلَى المنسوخ، فالشرطان كالصفقتين سواءً، فشرطان فِي بيع كصفقتين فِي صفقة.
وإذا أردت أن يتّضح لك هَذَا المعنى، فتأمل نهيه ﷺ فِي حديث ابن عمر ﵄ عن بيعتين فِي بيعة، و"عن سلف وبيع، رواه أحمد، ونهيه فِي هَذَا الْحَدِيث عن شرطين فِي بيع، وعن سلف وبيع، فجمع السلف والبيع، مع الشرطين فِي البيع، ومع البيعتين فِي البيعة.
وسرّ ذلك أن كلا الأمرين يؤول إلى الربا، وهو ذريعة إليه، أما البيعتان فِي بيعة، فظاهرٌ، فإنه إذا باعه السلعة إلى شهر، ثم اشتراها منه بما شرطه له، كَانَ قد باع بما شرطه له بعشرة نسيئةً، ولهذا المعنى حرّم الله، ورسوله العينة. وأما السلف والبيع، فلأنه إذا أقرضه مائة إلى سنة، ثم باعه ما يُساوي خمسين بمائة، فقد جعل هَذَا المبيع ذريعة إلى الزيادة فِي القرض الذي موجبه ردّ المثل، ولولا هَذَا البيع لما أقرضه، ولولا عقد القرض لما اشترى ذلك، فظهر سرّ قوله ﷺ : "لا يحلّ سلف وبيعٌ، ولا شرطان فِي بيع"، وقول ابن عمر: "نُهي عن بيعتين فِي بيعة، وعن سلف وبيع"، واقتران إحدى الجملتين بالأخرى لما كانا سلّمًا إلى الربا. ومن نظر فِي الواقع، وأحاط به علمًا فهم مراد الرسول ﷺ منْ كلامه، ونزّله عليه، وعلم أنه كلام منْ جُمعت له الحكمة، وأُوتي جوامع الكلم، فصلوات الله وسلامه عليه، وجزاه أفضل ما جزى نبيّا عن أمته.
وَقَدْ قَالَ بعض السلف: اطلبوا الكنوز تحت كلمات رسول الله ﷺ .
ولما كَانَ موجب عقد القرض ردّ المثل منْ غير زيادة، كانت الزيادة ربا.
قَالَ ابن المنذر: أجمعوا عَلَى أن المسلف إذا شرط عَلَى المستسلف زيادةً، أو هديّةً، فأسلف عَلَى ذلك، أن أخذه الزيادة عَلَى ذلك ربا. وَقَدْ رُوي عن ابن مسعود، وأُبيّ بن كعب، وابن عبّاس ﵃ "أنهم نهوا عن قرض جرّ منفعةً"، وكذلك إن شرط أن يؤجره داره، أو يبيعه شيئًا، لم يجز؛ لأنه سُلّمٌ إلى الربا, ولهذا نهى عنه النبيّ ﷺ ، ولهذا منع السلف ﵃ منْ قبول هديّة المقترض، إلا أن يحتسبها المقرض منْ الدين.
فروى الأثرم: أن رجلاً كَانَ له عَلَى سمّاك عشرون درهمًا، فجعل يُهدي إليه السمك، ويقوّمه، حَتَّى بلغ ثلاثة عشر درهمًا، فسأل ابن عبّاس، فَقَالَ: أعطه سبعة دراهم. ورُوي عن ابن سيرين أن عمر أسلف أبي بن كعب عشرة آلاف درهم، فأهدى إليه أُبيّ منْ ثمرة أرضه، فردّها عليه، ولم يقبلها، فأتاه أبيّ، فَقَالَ: لقد علم أهل
стр. 16889
المدينة أنّي منْ أطيبهم ثمرةً، وأنه لا حاجة لنا، فبم منعت هديّتنا؟ ثم أهدى إليه بعد ذلك، فقبل. فكان ردّ عمر لَمّا توهّم أن تكون هديّته بسبب القرض، فلما تيقّن أنها ليست بسبب القرض قبلها، وهذا فصل النزاع فِي مسألة هديّة المقترض.
وَقَالَ زرّ بن حُبيش: قلت لأبيّ بن كعب: إني أريد أن أسير إلى أرض الجهاد، إلى العراق، فَقَالَ: إنك تأتي أرضًا فاش بها الربا، فإن أقرضت رجلاً قرضًا، فأتاك بقرضك ليؤدّي إليك قرضك، ومعه هديّة، فاقبض قرضك، واردد عليه هديّته. ذكرهنّ الأثرم.
وفي "صحيح البخاريّ" (١) عن أبي بردة بن أبي موسى، قَالَ: قدمت المدينة، فلقيت عبد الله بن سلام ﵁، فذكر الْحَدِيث، وفيه: ثم قَالَ لي: إنك بأرض فيها الربا فاش، فإذا كَانَ لك عَلَى رجل دينٌ، فأهدى إليك حمل تِبْن، أو حِمل قَتّ، أو حمل شعير، فلا تأخذه، فإنه ربا. قَالَ ابن أبي موسى: ولو أقرضه قرضًا، ثم استعمله عملاً، لم يكن يستعمله مثله قبل القرض، كَانَ قرضًا جرّ منفعة، قَالَ: ولو استضاف غريمه، ولم تكن العادة جرت بينهما بذلك حسب له ما أكله. واحتجّ له صاحب "المغني" بما روى ابن ماجه فِي "سننه" عن أنس ﵁، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "إذا أقرض أحدكم قرضًا، فأَهدى إليه، أو حمله عَلَى دابته، فلا يركبها, ولا يقبله، إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك" (٢).
واختلفت الروايات عن أحمد فيما لو أقرضه دراهم، وشرط عليه أن يوفيه إياها ببلد آخر، ولا مؤنة لحملها، فروي عنه أنه لا يجوز، وكرهه الحسن، وجماعة، ومالكٌ، والأوزاعيّ، والشافعيّ. وروي عنه الجواز، نقله ابن المنذر؛ لأنه مصلحة لهما، فلم ينفرد المقترض بالمنفعة، وحكاه عن عليّ، وابن عباس، والحسن بن عليّ، وابن الزبير، وابن سيرين، وعبد الرحمن بن الأسود، وأيوب، والثوريّ، وإسحاق، واختاره القاضي.
ونظير هَذَا ما لو أفلس غريمه، فأقرضه دراهم يوفيه كلّ شهر شيئًا معلومًا منْ ربحها جاز؛ لأن المقترض لم ينفرد بالمنفعة. ونظيره ما لو كَانَ عليه حنطةٌ، فأقرضه دراهم يشتري بها حنطة، ويوفيه إياها. ونظير ذلك أيضًا إذا أقرض فلّاحه ما يشتري به بقرًا يعمل بها فِي أرضه، أو بذرًا يبذره فيها. ومنعه ابن أبي موسى، والصحيح جوازه، وهو اختيار صاحب "المغني"، وذلك لأن المستقرض إنما يقصد نفع نفسه، ويحصل انتفاع
стр. 16890
المقترض ضمنًا، فأشبه أخذ السفتجة به، وإيفاءه إياه فِي بلد آخر، منْ حيث إنه مصلحة لهما جميعًا.
والمنفعة التي تجرّ إلى الربا فِي القرض هي التي تخصّ المقرض، كسكنى دار المقترض، وركوب دوابّه، واستعماله، وقبول هديّته، فإنه لا مصلحة له فِي ذلك، بخلاف هذه المسائل، فإن المنفعة مشتركة بينهما، وهما متعاونان عليها، فهي منْ جنس التعاون والمشاركة.
وأما "نهيه ﷺ عن ربح ما لم يُضمن": فهو كما ثبت عنه فِي حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، حيث قَالَ له: إني أبيع الإبل بالبقيع بالدراهم، وآخذ الدنانير، وأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم؟ قَالَ: "لا بأس إذا أخذتها بسعر يومها، وتفرّقتما, وليس بينكما شيء"، فجوّز ذلك بشرطين: [أحدهما]: أن يأخذ بسعر يوم الصرف؛ لئلا يربح فيها, وليستقرّ ضمانه. [والثاني]: أن لا يتفرّقا إلا عن تقابض؛ لأنه شرط فِي صحّة الصرف؛ لئلا يدخله ربا النسيئة.
والنهي عن ربح ما لم يُضمن قد أشكل عَلَى بعض الفقهاء علّته، وهو منْ محاسن الشريعة، فإنه لم يتمّ عليه استيلاء، ولم تنقطع علق البائع عنه، فهو يطمع فِي الفسخ، والامتناع منْ الإقباض، إذا رأى المشتري قد ربح فيه، وإن أقبضه إياه، فإنما يُقبضه عَلَى إغماض، وتأسّف عَلَى ذوات الربح، فنفسه متعلّقة به، لم ينقطع طمعها منه. وهذا معلوم بالمشاهدة، فمن كمال الشريعة، ومحاسنها النهي عن الربح فيه، حَتَّى يستقرّ عليه، ويكون منْ ضمانه، فييأس البائع منْ الفسخ، وتنقطع علقه عنه. وَقَدْ نصّ أحمد عَلَى ذلك فِي الاعتياض عن دين القرض وغيره أنه إنما يعتاض عنه بسعر يومه؛ لئلا يربح فيما لم يضمن.
[فإن قيل]: هَذَا ينتقض عليكم بمسألتين:
[إحداهما]: بيع الثمار بعد بدُوّ صلاحها، فإنكم تجوّزون لمشتريها أن يبيعها عَلَى رؤوس الأشجار، وأن يربح فيها, ولو تلفت بجائحة لكانت منْ ضمان البائع، فيلزمكم أحد أمرين: إما أن تمنعوا بيعها، وإما أن لا تقولوا بوضع الجوائح، كما يقول الشافعيّ، وأبو حنيفة، بل تكون منْ ضمانه، فكيف تجمعون بين هَذَا وهذا؟.
[المسألة الثانية]: إنكم تجوّزون للمستأجر أن يؤجر العين المستأجرة بمثل الأجرة وزيادة، مع أنها لو تلفت لكانت منْ ضمان المؤجر، فهذا ربح ما لم يُضمن؟
[قيل]: النقض الوارد إما أن يكون بمسألة منصوص عليها، أو مجمع عَلَى حكمها، وهاتان المسألتان غير منصوص عليهما, ولا مجمع عَلَى حكمهما، فلا يردان نقضًا،
стр. 16891
فإن فِي جواز بيع المشتري ما اشتراه منْ الثمار عَلَى الأشجار كذلك روايتان منصوصتان عن أحمد، فإن منعنا البيع بطل النقض، وإن جوّزنا البيع، وهو الصحيح، فلأن الحاجة تدعو إلى ذلك، فإن الثمار قد لا يمكن بيعها إلا كذلك، فلو منعناه منْ بيعها أضررنا به، ولو جعلناها منْ ضمانه إذا تلفت بجائحة أضررنا به أيضًا، فجوّزنا له بيعها؛ لأنها فِي حكم المقبوض بالتخلية بينه وبينها، وجعلناها منْ ضمان البائع بالجائحة؛ لأنها ليست فِي حكم المقبوض منْ جميع الوجوه، ولهذا يجب عليه تمام التسليم بالوجه المحتاج إليه، فلما كانت مقبوضة منْ وجه، غير مقبوضة منْ وجه، رتّبنا عَلَى الوجهين مقتضاهما، وهذا منْ ألطف الفقه.
وأما مسألة الإجارة، فاختلفت الرواية عن أحمد فِي جواز إجارة الرجل ما استأجره بزيادة عَلَى ثلاث روايات:
[إحداهنّ]: المنع مطلقًا؛ لئلا يربح فيما لم يضمن، وعلى هَذَا فالنقض مندفع.
[والثانية]: أنه إن جدّد فيها عمارة، جازت الزيادة، وإلا فلا؛ لأن الزيادة لا تكون ربحًا، بل هي فِي مقابلة ما أحدثه منْ العمارة، وعلى هذه الرواية أيضًا فالنقض مندفع.
[والثالثة]: أنه يجوز أن يؤجرها بأكثر مما استأجرها مطلقًا، وهذا مذهب الشافعيّ، وهذه الرواية أصحّ، فإن المستأجر لو عطل المكان، وأتلف منافعه بعد قبضه لتلفت منْ ضمانه؛ لأنه قبضه القبض التامّ، ولكن لو انهدمت الدار، لتلفت منْ مال المؤجر؛ لزوال محلّ المنفعة، فالمنافع مقبوضة، ولهذا له استيفاؤها بنفسه، وبنظيره، وإيجارها، والتبرّع بها, ولكن كونها مقبوضة مشروط ببقاء العين، فإذا تلفت العين زال محلّ الاستيفاء، فكانت منْ ضمان المؤجر.
وسرّ المسألة أنه لم يربح فيما لم يضمن، وإنما هو مضمون عليه بالأجرة.
وأما قوله ﷺ : "ولا تبع ما ليس عندك": فمطابق لنهيه ﷺ عن بيع الغرر؛ لأنه إذا باع ما ليس عنده، فليس هو عَلَى ثقة منْ حصوله، بل قد يحصل له، وَقَدْ لا يحصل، فيكون غررًا، كبيع الآبق، والشارد، والطير فِي الهواء، وما تحمل ناقته ونحوه. قَالَ حكيم بن حزام ﵁: يا رسول الله، الرجل يأتيني يسألني البيع ليس عندي، فأبيعه منه، ثم أمضي إلى السوق، فأشتريه، وأسلّمه إياه،؟ فَقَالَ: "لا تبع ما ليس عندك".
وَقَدْ ظنّ طائفة أن السلم مخصوص منْ عموم هَذَا الْحَدِيث، فإنه بيع ما ليس عنده، وليس كما ظنّوا، فإن الْحَدِيث إنما تناول بيع الأعيان، وأما السلم، فعقد عَلَى ما فِي الذمّة،، بل شرطه أن يكون فِي الذمّة، فلم أسلم فِي معيّن عنده كَانَ فاسدًا، وما فِي الذمّة مضمون مستقرّ فيها، وبيع ما ليس عنده إنما نُهي عنه لكونه غير مضمون عليه،
стр. 16892
ولا ثابت فِي ذمّته، ولا فِي يده، فالمبيع لابدّ أن يكون ثابتًا فِي ذمّة المشتري، أو فِي يده، وبيع ما ليس عنده ليس بواحد منهما، فالحديث باقٍ عَلَى عمومه.
[فإن قيل]: فأنتم تجوّزن للمغصوب منه أن يبيع المغصوب لمن يقدر عَلَى انتزاعه منْ غاصبه، وهو بيع ما ليس عنده؟.
[قيل]: لَمّا كَانَ البائع قادرًا عَلَى تسليمه بالبيع، والمشتري قادرًا عَلَى تسلّمه منْ الغاصب، فكأنه قد باعه ما هو عنده، وصار كما لو باعه مالاً، وهو عند المشتري، وتحت يده، وليس عند البائع، والعنديّة هنا ليست عنديّة الحسّ والمشاهدة، فإنه يجوز أن يبيعه ما ليس تحت يده، ومشاهدته، وإنما هي عنديّة الحكم والتمكين، وهذا واضحٌ، ولله الحمد. انتهى بحث ابن القيّم رحمه الله تعالى بطوله، وهو بحث نفيسٌ مفيد، ولذا نقلته برمّته تتميمًا للفائدة، وتعميمًا للعائدة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦١٤ - (أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ الْعَوَّامِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، قَالَ عُثْمَانُ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ سَيْفٍ، عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيْسَ عَلَى رَجُلٍ بَيْعٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عثمان بن عبد الله": هو ابن خُرّزاد، أبو عمرو البصريّ، نزيل أنطاكية، ثقة، منْ صغار [١١] ١١٢/ ١٥٥ منْ أفراد المصنّف. و"سعيد بن سُليمان": هو الضبّيّ، أبو عثمان الواسطيّ، نزيل بغداد البزّار، لقبه سَعْدويه، ثقة حافظ، منْ كبار [١٠] ١٥/ ١٨٥٤. و"عبّاد بن الْعَوّام": هو الكلابيّ مولاهم، أبو سهل الواسطيّ، ثقة [٨] ٢/ ٣٩٠٧. و"سعيد بن أبي عروبة" مهران: هو اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقة حافظ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، منْ أثبت النَّاس فِي قتادة [٦] ٣٤/ ٣٨.
و"أبو رجاء/ محمد بن سيف" الأزديّ الْحُدّانيّ -بضمّ المهملة، وتشديد الدال المهملة- البصريّ، ثقة [٦].
أدرك أنسًا، وروى عن الحسن، وابن سيرين، ومطر الورّاق، وعكرمة، وعبد الله ابن بُريدة، وعطاء الخراسانيّ. وروى عنه شعبة، وسعيد بن أبي عروبة، وحماد بن زيد، وابن عُليّة، ونوح بن قيس، ويزيد بن زُريع. قَالَ ابن معين، ومحمد بن سعد، والنسائيّ: ثقة. وَقَالَ أبو حاتم: صالح الْحَدِيث. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وذكره خليفة فيمن مات قبل الطاعون، أو بعده بقليل يعني طاعون سنة (١٣١). روى له أبو
стр. 16893
داود فِي "المراسيل"، والمصنّف، وله عنده فِي هَذَا الكتاب ثلاثة أحاديث: هَذَا، وفي "كتاب الأشربة" ٢٩/ ٥٦٢٥ - حديث الحسن "أن رسول الله ﷺ نهى عن نبيذ الجرّ" الْحَدِيث. وفيه ٥٣/ ٥٧٢٦ - "قَالَ: سألت الحسن عن الطلاء؟ فَقَالَ: لا تشربه".
و"مطر الورّاق": هو ابن طهمان، أبو رجاء السلميّ مولاهم الخراسانيّ، سكن البصرة، صدوقٌ كثير الخطأ [٦] ٣٨/ ٣٢٧٦.
وقوله: "ليس عَلَى رجل الخ": أي لو باع ملك غيره لا يلزم عليه ذلك البيع، حَتَّى يُطلبَ منه تسليم المبيع.
وهذا حديث مختصر منْ حديث طويل، ساقه أبو داود رحمه الله تعالى فِي "سننه" بتمامه، فَقَالَ:
٢١٩٠ - حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام ح وحدثنا ابن الصباح، حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد، قالا: حدثنا مطر الوراق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبيّ ﷺ قَالَ: "لا طلاق إلا فيما تملك، ولا عتق إلا فيما تملك، ولا بيع إلا فيما تملك"، زاد ابن الصباح: "ولا وفاء نذرٍ إلا فيما تملك".
حدثنا محمد بن العلاء، أخبرنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، حدثني عبد الرحمن بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، بإسناده ومعناه، زاد: "منْ حلف عَلَى معصية، فلا يمين له، ومن حلف عَلَى قطيعة رحم، فلا يمين له".
حدثنا ابن السرح، حدثنا ابن وهب، عن يحيى بن عبد الله بن سالم، عن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبيّ ﷺ قَالَ فِي هَذَا الخبر، زاد: "ولا نذر إلا فيما ابتُغِي به وجهُ الله تعالى ذكره". انتهى.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه فِي الْحَدِيث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦١٥ - (حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَأْتِينِي الرَّجُلُ، فَيَسْأَلُنِي الْبَيْعَ لَيْسَ عِنْدِي أَبِيعُهُ مِنْهُ، ثُمَّ أَبْتَاعُهُ لَهُ مِنَ السُّوقِ؟ قَالَ: "لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (زياد بن أيوب) الحافظ البغداديّ المعروف بدلّويه، ثقة ثبت [١٠] ١٠١/ ١٣٢.
٢ - (هشيم) بن بَشير الواسطيّ، ثقة ثبت، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] ٨٨/ ١٠٩.
٣ - (أبو بِشر) بن أبي وَحْشيّة جعفر بن إياس الواسطيّ، بصريّ الأصل، ثقة [٥]
стр. 16894
١٣/ ٥٢٠.
٤ - (يوسف بن ماهَك) بن بُهْزاد الفارسيّ المكيّ ثقة [٣] ١٢٥/ ١٠٨٤.
٥ - (حكيم بن حزام) بن خُوَيلد بن أسد الأسدي، أبو خالد المكيّ، أسلم يوم الفتح، ومات ﵁ سنة ٥٤ أو بعدها، تقدم فِي ١٢٥/ ١٠٨٤. والله تعالى أعلم. رضي الله تعالى عنه المذكور قريبًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ حَكِيم بْنِ حِزَامٍ) ﵁، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، يَأْتِينِي الرَّجُلُ، فَيَسْألُنِيَ الْبَيْعَ) أي المبيع، فهو منْ إطلاق المصدر، وإرادة اسم المفعول، ولفظ "الكبرى": "يسألني بيع ما ليس عندي" (لَيْسَ عِنْدِي) جملة فِي محلّ نصب عَلَى الحال منْ "البيع"، بناء عَلَى القاعدة المشهورة: "الجملة وشبهها بعد المعارف أحوال، وبعد النكرات صفات"، أو صفة له، بناء عَلَى أن ما عُرّف بـ"أل" الجنسيّة كالنكرة، كما فِي قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ الآية [الجمعة: ٥]، وقول الشاعر [منْ الوافر]:
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي … فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي
وقوله (أَبِيعُهُ مِنْهُ) استفهام بتقدير همزته، أي أأبيع ذلك الشيء الذي طلبه منّي، وليس عندي (ثُمَّ أَبْتَاعُهُ لَهُ مِنَ السُّوقِ؟) أي أشتريه منْ النَّاس لأجل أن أوفي له بما التزمته؟ (قَالَ) ﷺ (لَا تَبعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ) قَالَ ابن المنذر رحمه الله تعالى: بيع ما ليس عندك يحتمل معنيين: [أحدهما]: أن يقول أبيعك عبدًا، أو دارًا معيّنةً، وهي غائبةٌ، فيُشبه الغرر؛ لاحتمال أن تتلف، أو لا يرضاها. [ثانيهما]: أن يقول: هذه الدار بكذا عَلَى أن أشتريها لك منْ صاحبها، أو عَلَى أن يسلّمها لك صاحبها. انتهى (١).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قصّة حكيم ﵁ موافقة للاحتمال الثاني، وأما الاحتمال الأول، وهو بيع الغائب، ففيه خلاف للعلماء، والصحيح أنه جائز؛ لإمكان معرفته بالوصف، ومتى خالف الوصف فللمشتري الخيار. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 16895
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث حكيم بن حزام ﵁ هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٦٠/ ٤٦١٤ - وفي "الكبرى" ٦١/ ٦٢٠٦٥. وأخرجه (د) فِي "البيوع" ٣٥٠٣ (ت) فِي "البيوع" ١٢٣٢ و١٢٣٣ و١٢٣٤ و١٢٣٥ (ق) فِي "التجارات" ٢١٨٧ (أحمد) فِي "مسند المكيين" ١٤٨٨٨ و١٥١٤٥. وفوائد الْحَدِيث وبقية المسائل تقدّمت قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٦١ - (السَّلَمُ فِي الطَّعَامِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "السَّلَم" -بفتحتين-: كالسلف وزنا ومعنى، وذكر الماوردي: أن السلف لغةُ أهل العراق، والسلم لغة أهل الحجاز. وقيل: السلف تقديم رأس المال، والسلم تسليمه فِي المجلس، فالسلف أعم.
والسلم شرعا: بيع موصوف فِي الذمة، ومن قيده بلفظ "السلم" زاده فِي الحد، ومن زاد فيه: "ببدل يُعطَى عاجلا" فيه نظر؛ لأنه ليس داخلا فِي حقيقته.
واتفق العلماء عَلَى مشروعيته، إلا ما حُكى عن ابن المسيب، واختلفوا فِي بعض شروطه، واتفقوا عَلَى أنه يُشترط له ما يشترط للبيع، وعلى تسليم رأس المال فِي المجلس، واختلفوا هل هو عقد غرر، جُوّز للحاجة، أم لا؟. قاله فِي "الفتح" ٥/ ١٨١ - ١٨٢.
وَقَالَ فِي "المغني" ٦/ ٣٨٤: "السلم": هو أن يُسلم عِوَضًا حاضرا، فِي عِوَض موصوف فِي الذمة، إلى أجل، ويسمى سَلَمًا، وسَلَفًا، يقال: أسلم، وأسلف, وسَلَّفَ، وهو نوع منْ البيع، ينعقد بما ينعقد به البيع، وبلفظ السلم، والسلف، ويُعتبر فيه منْ الشروط ما يعتبر فِي البيع، وهو جائز بالكتاب، والسنة، والإجماع:
أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]، ورَوَى سعيد بإسناده، عن ابن عباس رضي الله تعالى
стр. 16896
عنهما أنه قَالَ: "أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى، قد أحله الله فِي كتابه، وأذن فيه، ثم قرأ هذه الآية"، ولأن هَذَا اللفظ يَصلح للسلم، ويشمله بعمومه.
وأما السنة: فرَوَى ابنُ عباس رضي الله تعالى عنهما، عن رسول الله ﷺ ، أنهم قَدِمُوا المدينة، وهم يُسلفون فِي الثمار السنتين والثلاث، فَقَالَ: "منْ أسلف فِي شيء، فليُسلِف فِي كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم"، مُتّفق عليه (١)، وروى البخاريّ عن محمد بن أبي المجالد، قَالَ: أرسلني أبو بردة، وعبد الله بن شداد، إلى عبد الرحمن بن أبزى، وعبد الله بن أبي أوفى، فسألتهما عن السلف، فقالا: كنا نُصيب المغانم مع رسول الله ﷺ ، فكان يأتينا أنباط منْ أنباط الشام، فنسلفهم فِي الحنطة، والشعير، والزبيب، فقلت: أكان لهم زرع، أم لم يكن لهم زرع؟، قَالَ: ما كنا نسألهم عن ذلك (٢).
وأما الإجماع: فَقَالَ ابن المنذر: أجمع كُلُّ منْ نَحفظ عنه منْ أهل العلم، عَلَى أن السلم جائز، ولأن المثمن فِي البيع أحد عوضي العقد، فجاز أن يثبت فِي الذمة كالثمن، ولأن بالناس حاجة إليه, لأن أرباب الزروع، والثمار، والتجارات يحتاجون إلى النفقة عَلَى أنفسهم، وعليها؛ لتكمل، وَقَدْ تُعوزهم النفقة، فجُوّز لهم السلم؛ ليرتفقوا، ويَرتفق الْمُسلِم بالاسترخاص. انتهى.
وَقَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: السلم، والسلف عبارتان عن مُعَبَّر واحد، غير أن الاسم الخاصّ بهذا الباب السلم؛ لأن السلف يُقال عَلَى القرض، والسلم فِي عرف الشرع: بيع منْ البيوع الجائزة بالاتفاق، غير أنه مختصّ بشروط، منها متّفقٌ عليها، ومنها مختلف فيها، وَقَدْ حدّه أصحابنا -يعني المالكيّة- بأن قالوا:
هو بيع معلوم فِي الذّمّة، محصور بالصفة، بعين حاضرة، أو ما فِي حكمها، إلى أجل معلوم.
فتقييده بـ"معلوم فِي الذّمّة": يفيد التحرّز منْ المجهول، ومن السلم فِي الأعيان المعيّنة، مثل الذي كانوا يُسلفون فِي المدينة حين قدِم عليهم النبيّ ﷺ ، فإنهم كانوا يُسلفون فِي ثمار بأعيانها، فنهاهم النبيّ ﷺ عن ذلك؛ لما فيه منْ الغرر؛ إذ قد تُخلف تلك النخيل، فلا تُثمر شيئًا.
وقولنا: "محصور بالصفة": تحرّز عن المعلوم عَلَى الجملة، دون التفصيل، كما لو أسلم فِي ثمر، أو ثياب، ولم يُبيّن نوعها, ولا صفتها المعيّنة.
وقولنا: "بعين حاضرة": تحرّز منْ الدين بالدين. وقولنا: "أو ما هو فِي حكمها": تحرّز منْ اليومين، والثلاثة التي يجوز تأخير رأس مال السلم إليها، فإنه يجوز عندنا
стр. 16897
تأخيره ذلك القدر بشرط، وبغير شرط؛ لقرب ذلك، ولا يجوز اشتراط زيادة عليها.
وقولنا: "إلى أجل معلوم": تحرّز منْ الأجل المجهول الذي كانوا فِي الجاهليّة، يُسلمون إليه. انتهى "المفهم" ٤/ ٥١٤.
وقوله: "فِي "الطعام ": المراد به هنا ما يعمّ البرّ وغيره، بدليل ما ذكره فِي الْحَدِيث، وإن كَانَ الطعام كثيرًا ما يُطلق عَلَى الحنطة، كما سبق بيان ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٦١٦ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُجَالِدِ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى عَنِ السَّلَفِ؟ قَالَ: كُنَّا نُسْلِفُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، فِي الْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، إِلَى قَوْمٍ لَا أَدْرِي أَعِنْدَهُمْ، أَمْ لَا؟، وَابْنُ أَبْزَى قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ).
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (عبيد الله بن سعيد) أبو قُدامة السرخسيّ، ثقة ثبت [١٠] ١٥/ ١٥.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ، ثقة ثبت [٩] ٤/ ٤.
٣ - (شعبة) بن الحجاج البصريّ، ثقة ثبت [٧] ٢٤/ ٢٧.
٤ - (عبد الله بن أبي المجالد) بالجيم- مولى عبد الله بن أبي أوفى ﵁، ويقال: محمد بن أبي المجالد الكوفيّ، مولى عبد الله بن أبي أوفى، ثقة [٥].
رَوَى عن مولاه، وعبد الرحمن بن أبزى، وعبد الله بن شداد بن الهاد، وورّاد مولى المغيرة، ومقسم. وعنه شعبة، وأبو إسحاق الشيباني، وإسماعيل السُّدّي، وغيرهم. وَقَالَ البخاريّ، عن علي بن المديني: له نحو عشرة أحاديث. وَقَالَ ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وَقَالَ الآجري، عن أبي داود: يخطىء فيه شعبة، فيقول: محمد بن أبي المجالد. وَقَالَ ابن حبّان فِي "الثقات": عبد الله بن أبي المجالد، خَتَنُ مجاهد. وَقَدْ سماه أيضا محمدًا أبو إسحاق الشيباني، كذا عند البخاريّ، وأبي داود، وأما شعبة، فكان يشك فِي اسمه، ففي البخاريّ عن شعبة مرة: عبد الله، ومرة: محمد، ومرة عبد الله، أو محمد، وكذلك أخرجه البخاريّ، وأبو داود جميعا عن حفص بن عمر، عن شعبة، عن محمد، أو عبد الله بن أبي المجالد، وكذا روى النسائيّ -فِي الباب التالي- عن محمود بن غيلان، عن أبي داود، عن شعبة، عن عبد الله بن أبي المجالد، قَالَ: وَقَالَ مرة: محمد. انتهى. رَوَى له البخاريّ، وأبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند البخاريّ، والمصنّف هَذَا الْحَدِيث فقط.
٥ - (عبد الله بن أبي أوفى) علقمة بن خالد بن الحارث الأسلميّ، صحابيّ شهِد
стр. 16898
الْحُديبية، وعُمّر بعد النبيّ ﷺ دهرًا، ومات ﵁ سنة (٨٧)، وهو آخر منْ مات بالكوفة منْ الصحابة ﵃. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه ما بين سرخسيّ، وهو شيخه، وبصريين، وهما يحيى وشعبة، وكوفيّين، وهما عبد الله بن أبي المجالد والصحابيّ. (ومنها): أن صحابيه آخر منْ مات بالكوفة منْ الصحابة رضي الله تعالى عنهم. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي الْمُجَالِدِ) تقدّم اختلاف الرواة فِي اسمه آنفًا، فلا تغفل، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى) رضي الله تعالى عنه (عَنِ السَّلَفِ؟) أي عن حكم السلم، هل يجوز إلى منْ ليس عنده المسلم فيه فِي تلك الحالة، أم لا؟، وسبب سؤاله عن ذلك هو ما يأتي فِي الباب التالي، قَالَ: تمارى أبو بردة، وعبد الله بن شدّاد فِي السلم، فأرسلوني إلى ابن أبي أوفى، فسألته" الْحَدِيث (قَالَ) ابن أبي أوفى ﵁ (كُنَّا نُسْلِفُ) بضم أوله، منْ الإسلاف، ويحتمل أن يكون منْ التسليف، يقال: أسلف, وسلّف بتشديد اللام: بمعنى أسلم (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ) الصدّيق ﵁ (وَعُمَرَ) بن الخطّاب ﵁ (فِي الْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، إِلَى قَوْمٍ لَا أَدْرِي، أَعِنْدَهُمْ، أَمْ لَا؟) أي لا أعلم هل المسلم فيه موجود وقت العقد، أم لا؟ (وَابْنُ أَبْزَى) بفتح الهمزة، وسكون الموحّدة، بعدها زايٌ، مقصورًا- هو عبد الرحمن بن أبزى الْخُزاعيّ مولاهم، صحابيّ صغيرٌ، وكان ﵁ فِي عهد عمر ﵁ رجلاً، وكان عَلَى خراسان لعليّ ﵁، فقوله: "وابن أبزى" مبتدأ، خبره جملة قوله (قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ) وفي الراوية التالية: "فسألت ابن أبزى؟ فَقَالَ مثل ذلك".
وفي رواية البخاريّ منْ طريق أبي إسحاق الشيباني، عن محمد بن أبي المجالد، قَالَ: بعثني عبد الله بن شداد، وأبو بردة إلى عبد الله بن أبي أوفى، ﵄، فقالا: سله هل كَانَ أصحاب النبيّ ﷺ ، فِي عهد النبيّ ﷺ ، يُسلفون فِي الحنطة؟، قَالَ عبد الله: كنا نُسلف نَبِيط أهل الشام، فِي الحنطة، والشعير، والزيت، فِي كيل معلوم إلى أجل معلوم، قلت: إلى منْ كَانَ أصله عنده؟ قَالَ: ما كنا نسألهم عن ذلك، ثم بعثاني إلى عبد الرحمن بن أبزى، فسألته، فَقَالَ: كَانَ أصحاب النبيّ ﷺ ، يُسلفون عَلَى عهد النبيّ ﷺ ، ولم نسألهم ألهم حرث أم لا؟. انتهى.
стр. 16899
قوله: "نَبِيط أهل الشام": وفي رواية سفيان: "أنباط منْ أنباط الشام": وهم قوم منْ العرب، دخلوا فِي العجم والروم، واختلطت أنسابهم، وفسدت ألسنتهم، وكان الذين اختلطوا بالعجم منهم، ينزلون البطائح بين العراقين، والذين اختلطوا بالروم، ينزلون فِي بوادي الشام، ويقال لهم: "النَّبَط" -بفتحتين-، و"النَّبِيط" بفتح أوله، وكسر ثانيه، وزيادة تحتانية، و"الأنباط"، قيل: سُمُّوا بذلك لمعرفتهم بإنباط الماء: أي استخراجه؛ لكثرة معالجتهم الفِلاحة.
وقوله: "إلى منْ كَانَ أصله عنده": المراد ما أسلم فيه. وقيل: المراد بالأصل أصل الشيء الذي يسلم فيه، فأصل الحب مثلا الزرع، وأصل الثمر مثلا الشجر.
وقوله: "ما كنا نسألهم عن ذلك": كأنه استفاد الحكم منْ عدم الاستفصال، وتقرير النبيّ ﷺ عَلَى ذلك. قاله فِي "الفتح" ٥/ ١٨٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁ هَذَا أخرجه البخاريّ
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٦١/ ٤٦١٦ و٦٢/ ٤٦١٧ - وفي "الكبرى" ٦٢/ ٦٢٠٧ و٦٣/ ٦٢٠٨.
وأخرجه (خ) فِي "السلم" ٢٢٤٣ (د) فِي "البيوع" ٣٤٦٤ (ق) فِي "التجارات" ٢٢٨٢ (أحمد) فِي "مسند الكوفيين" ١٨٦٤٣. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز السلم فِي الطعام. (ومنها): أنه استُدِلّ به عَلَى صحة السلم، إذا لم يذكر مكان القبض، وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وبه قَالَ مالك، وزاد: ويقبضه فِي مكان السلم، فإن اختلفا فالقول قول البائع. وَقَالَ الثوري، وأبو حنيفة، والشافعي: لا يجوز السلم فيما له حَمْل ومُؤنة، إلا أن يشترط فِي تسليمه مكانا معلوما.
(ومنها): أنه استُدِلَ به أيضًا عَلَى جواز السلم، فيما ليس موجودا فِي وقت السلم، إذا أمكن وجوده فِي وقت حلول السلم، وهو قول الجمهور، ولا يضر انقطاعه قبل المحل، وبعده عندهم. وَقَالَ أبو حنيفة: لا يصح فيما ينقطع قبله، ولو أسلم فيما يَعُمّ، فانقطع فِي محله، لم ينفسخ البيع عند الجمهور، وفي وجه للشافعية ينفسخ.
(ومنها): أنه استُدل به أيضًا عَلَى جواز التفرق فِي السلم قبل القبض؛ لكونه لم يُذكر
стр. 16900
فِي الْحَدِيث، وهو قول مالك، إن كَانَ بغير شرط. وَقَالَ الشافعيّ، والكوفيون: يفسد بالافتراق قبل القبض؛ لأنه يصير منْ باب بيع الدين بالدين.
(ومنها): جواز مبايعة أهل الذمة، والسلم إليهم. (ومنها): رجوع المختلفين عند التنازع إلى السنة، والاحتجاج بتقرير النبيّ ﷺ ، وأن السنة إذا وردت بتقرير حكم، كَانَ أصلا برأسه، لا يضره مخالفة أصل آخر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٦٢ - (السَّلَمُ فِي الزَّبِيبِ)
٤٦١٧ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الْمُجَالِدِ، وَقَالَ مَرَّةً: عَبْدُ اللَّهِ، وَقَالَ مَرَّةً: مُحَمَّدٌ، قَالَ: تَمَارَى أَبُو بُرْدَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ فِي السَّلَمِ، فَأَرْسَلُونِي إِلَى ابْنِ أَبِي أَوْفَى، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: "كُنَّا نُسْلِمُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَعَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ، وَعَلَى عَهْدِ عُمَرَ، فِي الْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ، وَالزَّبِيبِ، وَالتَّمْرِ، إِلَى قَوْمٍ، مَا نُرَى عِنْدَهُمْ، وَسَأَلْتُ ابْنَ أَبْزَى، فَقَالَ: مِثْلَ ذَلِكَ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و"أبو داود": هو سليمان بن داود الطيالسيّ.
وقوله: "وَقَالَ مرّة" القائل: هو شعبة، يعني أنه كَانَ يتردّد فِي ابن أبي المجالد، والصحيح -كما تقدّم- أنه عبد الله.
وقوله: "تمارى أبو بُردة، وعبد الله بن شدّاد": أي تخاصم، وتجادل. و"أبو بُردة". ابن أبي موسى الأشعريّ، اختُلف فِي اسمه، فقيل: عامر، وقيل. الحارث، ثقة [٣] ٣/ ٣.
و"عبد الله بن شدّاد": هو ابن الهاد الليثيّ أبو الوليد المدنيّ، وُلد فِي عهد النبيّ ﷺ ، وذكره العجليّ، منْ كبار التابعين الثقات، وكان معدودًا فِي الفقهاء، مات بالكوفة مقتولاً سنة (٨١) وقيل: بعدها، تقدّمت ترجمته فِي ٤٤/ ٧٣٨.
وقوله: "ما نرى" بفتح النون: أي ما نعلم وجود المسلم فيه عندهم. ويحتمل أن
стр. 16901
يكون بضم النون، بصيغة المبنيّ للمفعول، ومعناه معلوم: أي ما نظنّ ذلك.
والحديث أخرجه البخاريّ، وَقَدْ سبق شرحه، وبيان مسائله فِي الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٦٣ - (السَّلَمُ فِي الثِّمَارِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الثِّمَارُ" بالكسر جمع ثَمَر بالثاء المثلّثة، هكذا ترجم باللفظ العام، مع أن لفظ الْحَدِيث عنده بلفظ التمر، إشارة إلى أنه لا فرق بين التمر وسائر الثمار فِي جواز السلم فيه، لكن لفظ الْحَدِيث فِي "الصحيحين" بلفظ "الثمار"، وعلى هَذَا فلا يحتاج إلى القياس، بل هو نصّ، ولعله أشار بالترجمة إلى اختلاف الرواة فِي الْحَدِيث، وأن الاختلاف فِي ذلك لا يضرّ. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٦١٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي التَّمْرِ، السَّنَتَيْنِ، وَالثَّلَاثَ، فَنَهَاهُمْ، وَقَالَ: "مَنْ أَسْلَفَ سَلَفًا، فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (قتيبة بن سعيد) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (سفيان) بن عيينة الهلاليّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [٨] ١/ ١.
٣ - (ابن أبي نَجِيح) عبد الله بن يسار الثقفيّ مولاهم، أبو يسار المكيّ، ثقة، رُمي بالقدر، وربّما دلّس [٦] ١١٢/ ١٥٥.
٤ - (عبد الله بن كثير) الداريّ المكيّ، أبو معبد القارىء، أحد الأئمة، مولى عمرو ابن علقمة الكناني، وكان عطارا بمكة، وأهل مكة يقولون للعطار: داريّ، ويقال: بل هو منْ ولد الدار بن هانىء، وهي تميم الداري. وَقَالَ أبو نعيم الأصبهاني: هو مولى بني عبد الدار، صدوقٌ [٦].
رَوَى عن أبي الزبير، ومجاهد، وقرأ عليه القرآن، وأبي المنهال: عبد الرحمن بن
стр. 16902
مطعم، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم. وعنه أيوب، وجرير بن حازم، وابن أبي نجيح، وابن جريج، وحماد بن سلمة، وشِبْل بن عباد، وابن خثيم، وابن عيينة، وجماعة.
قَالَ علي بن المديني: كَانَ ثقة. وَقَالَ ابن سعد: ثقة، وله أحاديث صالحة. وَقَالَ حماد بن سلمة: رأيت أبا عمرو بن العلاء، يقرأ عَلَى عبد الله بن كثير. وَقَالَ ابن عيينة: لم يكن بمكة أقرأ منه، ومن حميد بن قيس. وَقَالَ جرير بن حازم: كَانَ فصيحا بالقرآن. وذكر أبو عمرو الداني: أنه أخذ القراءة عن عبد الله بن السائب المخزومي، والمعروف أنه إنما أخذها عن مجاهد. وَقَالَ ابن المجاهد، عن بشر بن موسى، عن الحميدي، عن سفيان: رأيت قاسم الرحال فِي جنازة عبد الله بن كثير، سنة عشرين ومائة.
وَقَالَ البخاريّ: عبد الله بن كثير المكيّ القرشي، سمع مجاهدا، سمع منه ابن جريج. قَالَ الجياني: وقول البخاريّ: إنه منْ بني الدار وَهَمٌ، وإنما هو سهمي، كذا يقوله النسابون، والمحدثون، وَقَالَ: والذي ذكر ابن عيينة: أنه رأى قاسم الرحال فِي جنازته، هو السهميّ، لا القاريء. وَقَالَ ابن أبي مريم، عن ابن معين: عبد الله بن كثير الرازي القارىء ثقة. وَقَالَ أبو عبيد: إليه صارت قراءة أهل مكة، وبه اقتدى أكثرهم، وصح ابن البادي أن نسبته إلى دارين، قَالَ: لأنه كَانَ عطارًا. روى له الجماعة، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب حديث الباب فقط.
[تنبيه]: مدار هَذَا الْحَدِيث -كما قَالَ فِي "الفتح" ٥/ ١٨٢ - عَلَى "عبد الله بن كثير": وَقَدْ اختُلف فيه، فقيل: هو عبد الله بن كثير بن المطّلب بن أبي وداعة السهميّ، مقبول [٦] ٤/ ٣٩٦٣. وبهذا جزم الكلاباذيّ، وابن طاهر، والدمياطيّ.
وقيل: هو عبد الله بن كثير القارىء المشهور، وبهذا جزم القابسيّ، وعبد الغنيّ، والمزّيّ، قَالَ الحافظ: وهو أرجح، فإنه مقتضى صنيع البخاريّ فِي "تاريخه"، وكلاهما ثقتان (١).
٥ - (أبو المنهال) عبد الرحمن بن مُطعم البُنَانيّ البصريّ، نزيل مكة، ثقة [٣] ٤٩/ ٤٥٧٥.
٦ - (ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
стр. 16903
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المكيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وفيه عبد الله بن كثير أحد القرّاء السبعة، الذي قَالَ عنه الشاطبيّ فِي "حرز الأماني":
وَمَكَّةُ عَبْدُ اللهِ فِيهَا مُقَامُهُ … هُوَ ابْنُ كَثِيرٍ كَاثِرُ الْقَوْمِ مُعْتَلَى
وفيه ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، حبر الأمة، وبحرها، وأحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ) عبد الرحمن بن مطعم، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (قَالَ: قَدِمَ) بكسر الدال المهملة، منْ باب تعب (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُونَ) بضمّ أوله، منْ الإسلاف، أو التسليف، يقال: أسلف إسلافًا، وسلّف تسليفًا، والاسم السّلَف، وهو عَلَى وجهين: [أحدهما]: قرض، لا منفعة للمقرض غير الأجر، والشكر. [والثاني]: أن يُعطي مالاً فِي سلعة إلى أجل معلوم. قاله السنديّ. والمراد هنا الثاني.
(فِي التَّمْرِ) بفتح المثنّاة الفوقيّة، وفي رواية للشيخين: "فِي الثمار"، بالثاء المثلّثة، وفي رواية للبخاريّ "فِي الثمر" بالثاء المثلّثة أيضًا.
وَقَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: إنما جرى ذكر التمر فِي هذه الرواية؛ لأنه غالب ما يُسلم فيه عندهم. انتهى.
(السَّنَتَيْنِ، وَالثَّلَاثَ) منصوب عَلَى الظرفيّة متعلّق بـ"يُسلفون"، وَقَالَ السنديّ: منصوب إما عَلَى نزع الخافض، أي إلى السنتين، أو عَلَى المصدر: أي إسلاف السنتين. انتهى.
(فَنَهَاهُمْ) أي منعهم منْ الإسلاف إلى أجل مجهول، لا أنه منعهم منْ أصل السلف؛ لقوله (وَقَالَ) ﷺ (مَنْ أَسْلَفَ) بالهمز، وفي رواية للبخاريّ منْ طريق ابن عُليّة، عن ابن أبي نَجيح: "منْ سلّف" بتشديد اللام، وهو بمعناه، كما سبق بيانه (سَلَفًا) اسم مصدر لـ "أسلف"، وفي رواية البخاريّ: "منْ أسلف فِي شيء" (فَلْيُسْلِفْ) بضم حرف المضارعة، منْ الإسلاف، أو التسليف (فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنِ مَعْلُومٍ) هكذا الرواية بالواو، وهي هنا بمعنى "أو"؛ لأن المراد اعتبار الكيل فيما يُكال، والوزن فيما يوزن.
وَقَالَ السنديّ: قوله: "ووزن معلوم" بالواو فِي الأصول، فقيل: الواو للتقسيم: أي بمعنى "أو": أي قيل فيما يكال، ووزن فيما يوزن. وقيل: بتقدير شرط: أي فِي كيل معلوم، إن كَانَ كيليّا، ووزن معلوم، إن كَانَ وزنيّا، أو منْ أسلف فِي مكيل، فليُسلف فِي كيل معلوم، ومن أسلف فِي موزون، فليُسلف فِي وزن معلوم. انتهى.
стр. 16904
(إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ) أي وقت محدّد، احترز به عن الأجل المجهول الذي كانوا فِي الجاهليّة يسلفون إليه. قيل: ظاهره اشتراط الأجل فِي السلم، وبه يقول الجمهور، وسيأتي تحقيقه قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٦٣/ ٤٦١٨ - وفي "الكبرى" ٦٤/ ٦٢٠٩. وأخرجه (خ) فِي "السلم" ٢٢٣٩ و٢٢٤١ و٢٢٥٣ (م) فِي "البيوع" ١٦٠٤ (د) فِي "البيوع" ٣٤٦٣ (ت) فِي "البيوع" ١٣١١ (ق) فِي "التجارات" ٢٢٨٠ (أحمد) فِي "مسند بني هاشم" ١٨٧١ و٢٥٤٤ و٢٣٦٠ (الدارمي) فِي "البيوع" ٢٤٧٠. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز السلم فِي الثمار. (ومنها): اشتراط تعيين الكيل فيما يسلم فيه منْ المكيل، منْ أجل اختلاف المكاييل، إلا أن لا يكون فِي البلد سوى كيل واحد، فإنه ينصرف إليه عند الإطلاق. قَالَ فِي "الفتح": واتّفقوا عَلَى اشتراط الكيل فيما يُسلم فيه منْ المكيل، كصاع الحجاز، وقفيز العراق، وإردبّ مصر، بل مكاييل هذه البلاد فِي نفسها مختلفة، فإذا أطلق صُرف إلى الأغلب. انتهى (١). (ومنها): أن ما يوزن لا يُسلم فيه مكيلاً، وبالعكس، قَالَ فِي "الفتح": وهو أحد الوجهين، والأصحّ عند الشافعيّة الجواز، وحمله إمام الحرمين عَلَى ما يُعدّ الكيل فِي مثله ضابطًا. انتهى (٢).
(ومنها): أنه يؤخذ منْ رواية "منْ أسلف فِي شيء" جواز السلم فِي كلّ شيء، منْ الحيوان، وغيره منْ العروض، مما تجتمع شروط السلم فيه، وهو مذهب الجمهور، منْ الصحابة، والتابعين، وأئمة الفتيا، وَقَدْ منع السلم، والقرض فِي الحيوان الأوزاعيّ، والثوريّ، والحنفيّة، وروي عن ابن عمر، وابن مسعود ﵃، قَالَ القرطبيّ: والكتاب، والسنّة حجة عليهم، فمن الكتاب عموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾،
стр. 16905
وقوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ﴾ الآية، ومن السنّة أنه ﷺ استسلف منْ رجل بكرًا" الْحَدِيث رواه مسلم، وسيأتي فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: ذكر العلماء لصحة السلم ستة شروط؛ استنباطًا منْ حديث الباب، وغيره، فمنها ما هو مجمع عليه، ومنها ما هو مختلف فيه، وسأورد هذه الشروط مع بيان بعض ما يتفرّع منها منْ المسائل، ملخّصًا منْ كلام الإِمام العلامة موفّق الدين أبي محمد ابن قُدامة رحمه الله تعالى، فِي كتابه المفيد "المغني"، وأرتّبها فِي مسائل متممة للمسائل الماضية فأقول:
(المسألة الرابعة): فِي الكلام عَلَى الشرط الأول:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: ما حاصله: الشرط الأول أن يكون المسلم فيه، مما ينضبط بالصفات التي يختلف الثمن باختلافها ظاهرا، فيصح فِي الحبوب، والثمار، والدقيق، والثياب، والإبريسم، والقطن، والكتان، والصوف، والشعر، والكاغد، والحديد، والرصاص، والصفر، والنحاس، والأدوية، والطيب، والخلول، والأدهان، والشحوم، والألبان، والزئبق، والشَّبّ، والكبريت، والكحل، وكل مكيل، أو موزون، أو مذروع، وَقَدْ جاء الْحَدِيث فِي الثمار، وحديث بن أبي أوفى ﵁ فِي الحنطة، والشعير، والزبيب، والزيت، وأجمع أهل العلم عَلَى أن السلم فِي الطعام جائز، قاله ابن المنذر، وأجمعوا عَلَى جواز السلم فِي الثياب.
ولا يصح السلم فيما لا ينضبط بالصفة، كالجوهر، منْ اللؤلؤ، والياقوت، والفيروزج، والزبرجد، والعقيق، والبِلَّوْر؛ لأن أثمانها تختلف اختلافا متباينا بالصغر، والكبر، وحسن التدوير، وزيادة ضوئها، وصفائها, ولا يمكن تقديرها ببيض العصفور ونحوه؛ لأن ذلك يختلف، ولا بشيء معين؛ لأن ذلك يَتْلَف، وهذا قول الشافعيّ، وأصحاب الرأي، وحكي عن مالك صحة السلم فيها، إذا اشترط منها شيئا معلوما، وإن كَانَ وزنا فبوزن معروف، والذي قلناه أولى لما ذكرنا.
ولا يصح فيما يَجمع أخلاطا مقصودة، غير متميزة، كالغالية، والنَّدّ، والمعاجين، التي يتداوى بها؛ للجهل بها, ولا فِي الحوامل منْ الحيوان؛ لأن الولد مجهول، غير متحقق، ولا فِي الأواني المختلفة الرؤوس والأوساط؛ لأن الصفة لا تأتي عليه.
وفيه وجه آخر أنه يصح السلم فيه، إذا ضُبط بارتفاع حائطه، ودور أعلاه وأسفله؛ لأن التفاوت فِي ذلك يسير، ولا يصح فِي القَسِيّ المشتملة عَلَى الخشب، والقرن، والعصب، والتُّوز (١)؛ إذ لا يمكن ضبط مقادير ذلك، وتمييز ما فيه منها. وقيل: يجوز السلم فيها،
стр. 16906
والأولى ما ذكرنا. قَالَ القاضي والذي يجمع أخلاطا عَلَى أربعة أضرب: [أحدها]: مختلط مقصود متميز، كالثياب المنسوجة منْ قطن وكتان، أو قطن وإبريسم، فيصح السلم فيها؛ لأن ضبطها ممكن. [الثاني]: ما خلطه لمصلحته، وليس بمقصود فِي نفسه، كالإنفحة فِي الجبن، والملح فِي العجين والخبز، والماء فِي خل التمر والزبيب، فيصح السلم فيه؛ لأنه يسير لمصلحته. [الثالث]: أخلاط مقصودة غير متميزة، كالغالية والند والمعاجين، فلا يصح السلم فيها؛ لأن الصفة لا تأتي عليها. [الرابع]: ما خلطه غير مقصود، ولا مصلحة فيه، كاللبن المشوب بالماء، فلا يصح السلم فيه. انتهى "المغني" ٦/ ٣٨٥ - ٣٨٦. وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): مما يتفرّع عَلَى الشرط المذكور مما اختلف فيه أهل العلم السلم فِي الحيوان:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: واختلفت الرواية -أي عن أحمد- فِي السلم فِي الحيوان، فرُوي لا يصح السلم فيه، وهو قول الثوري، وأصحاب الرأي، وروي ذلك عن عمر، وابن مسعود، وحذيفة، وسعيد بن جبير، والشعبي، والجوزجاني؛ لما روي عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه قَالَ: إن منْ الربا أبوابا، لا تخفى وإن منها السلمَ فِي السنّ، ولأن الحيوان يختلف اختلافا متباينا، فلا يمكن ضبطه، وإن استقصى صفاته التي يختلف بها الثمن مثل أزج الحاجبين، أكحل العينين، أقنى الأنف، أشم العرنين، أهدب الأشفار، أَلْمَى الشفة (١) بديع الصفة، تعذر تسليمه؛ لندرة وجوده عَلَى تلك الصفة. وظاهر المذهب صحة السلم فيه، نص عليه فِي رواية الأثرم. قَالَ ابن المنذر: وممن روينا عنه أنه لا بأس بالسلم فِي الحيوان: ابنُ مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وسعيد بن المسيب، والحسن، والشعبي، ومجاهد، والزهري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وحكاه الجوزجاني عن عطاء، والحكم؛ لأن أبا رافع ﵁، قَالَ: "استسلف النبيّ ﷺ منْ رجل بكرا"، رواه مسلم، ورَوَى عبد الله بن عمرو بن العاص، قَالَ: "أمرني رسول الله ﷺ ، أن أبتاع البعير بالبعيرين وبالأبعرة، إلى مجيء الصدقة"، ولأنه ثبت فِي الذمة صداقا، فثبت فِي السلم، كالثياب، فأما حديث عمر فلم يذكره أصحاب الاختلاف (٢)، ثم هو محمول
стр. 16907
عَلَى أنهم يشترطون منْ ضراب فحل بني فلان، قَالَ الشعبي: إنما كره ابن مسعود السلف فِي الحيوان؛ لأنهم اشترطوا نتاج فحل معلوم رواه سعيد. وَقَدْ رُوي عن علي ﵁ أنه باع جملا له يُدعى عُصيفيرا بعشرين بَعيرًا إلى أجل، ولو ثبت قول عمر، فِي تحريم السلم فِي الحيوان، فقد عارضه قول منْ سمينا ممن وافقنا. انتهى "المغني" ٦/ ٣٨٨ - ٣٨٩. وهو بحث مفيد جدًّا والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): مما اختلفوا فيه أيضًا السلم فِي غير الحيوان مما لا يكال، ولا يوزن:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: واختلفت الرواية -أي عن أحمد- فِي غير الحيوان، مما لا يكال، ولا يوزن، ولا يذرع، فنقل إسحاق بن إبراهيم، عن أحمد: أنه قَالَ: لا أرى السلم إلا فيما يكال، أو يوزن، أو يوقف عليه، قَالَ أبو الخطاب: معناه: يوقف عليه بحد معلوم، لا يختلف كالذرع، فأما الرمان، والبيض، فلا أرى السلم فيه، وحكى ابن المنذر عنه، وعن إسحاق: أنه لا خير فِي السلم فِي الرمان، والسفرجل، والبطيخ، والقثاء، والخيار؛ لأنه لا يكال، ولا يوزن، ومنه الصغير والكبير، فعلى هذه الرواية لا يصح السلم فِي كل معدود مختلف، كالذي سميناه، وكالبقول؛ لأنه يختلف، ولا يمكن تقدير البقل بالحزم؛ لأن الحزم يمكن فِي الصغير والكبير، فلم يصح السلم فيه كالجواهر، ونقل إسماعيل بن سعيد، وابن منصور: جواز السلم فِي الفواكه، والسفرجل، والرمان، والموز، والخضروات ونحوها؛ لأن كثيرا منْ ذلك، مما يتقارب، وينضبط بالصغر والكبر، وما لا يتقارب ينضبط بالوزن، كالبقول ونحوها، فصح السلم فيه، كالمذروع، وبهذا قَالَ أبو حنيفة، والشافعي، والأوزاعي، وحكى ابن المنذر عن الشافعيّ المنع منْ السلم فِي البيض، والجوز، ولعل هَذَا قول آخر، فيكون له فِي ذلك قولان. انتهى "المغني" ٦/ ٣٨٨ - ٣٨٩.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الثاني عندي أرجح؛ لإمكان ضبطها بما ذُكر، ضبطًا تقريبيّا، وهو كاف فِي مثل هَذَا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): فِي الكلام عَلَى الشرط الثاني: وهو أن يضبطه بصفاته التي يختلف الثمن بها ظاهرا، فإن السلم فيه عوض فِي الذمة، فلابد منْ كونه معلوما بالوصف، كالثمن، ولأن العلم شرط فِي المبيع، وطريقه إما الرؤية، وإما الوصف، والرؤية ممتنعة ههنا، فتعين الوصف، والأوصاف عَلَى ضربين: متَّفقٌ عَلَى اشتراطها، ومختلف فيها، فالمتفق عليها ثلاثة أوصاف: الجنس، والنوع، والجودة والرداءة، فهذه
стр. 16908
لابد منها فِي كل مسلم فيه، ولا نعلم بين أهل العلم خلافا فِي اشتراطها، وبه يقول أبو حنيفة، ومالك، والشافعي.
الضرب الثاني: ما يختلف الثمن باختلافه، مما عدا هذه الثلاثة الأوصاف، وهذه تختلف باختلاف المسلم فيه، وذكرها شرط فِي السلم عند إمامنا، والشافعي، وَقَالَ أبو حنيفة: يكفي ذكر الأوصاف الثلاثة؛ لأنها تشتمل عَلَى ما وراءها منْ الصفات.
ولنا إنه يبقى منْ الأوصاف منْ اللون، والبلد، ونحوهما ما يختلف الثمن، والغرض لأجله، فوجب ذكره كالنوع، ولا يجب استقصاء كل الصفات؛ لأن ذلك يتعذر، وَقَدْ ينتهي الحال فيها إلى أمر يتعذر تسليم المسلم فيه، إذ يبعد وجود المسلم فيه عند المحل بتلك الصفات كلها، فيجب الاكتفاء بالأوصاف الظاهرة، التي يختلف الثمن بها ظاهرا، ولو استقصى الصفات حَتَّى انتهى إلى حال يندر وجود المسلم فيه بتلك الأوصاف، بطل السلم؛ لأن منْ شرط السلم أن يكون المسلم فيه عامَّ الوجود عند المحل، واستقصاء الصفات يمنع منه. انتهى "المغني" ٦/ ٣٩١ - ٣٩٢. وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): فِي الكلام عَلَى الشرط الثالث: وهو معرفة مقدار المسلم فيه بالكيل، إن كَانَ مكيلا، وبالوزن إن كَانَ موزونا، وبالعدد إن كَانَ معدودا؛ لقول النبيّ ﷺ : "منْ أسلم فِي شيء، فليسلف فِي كيل معلوم، أو وزن معلوم، إلى أجل معلوم"، متّفقٌ عليه، ولأنه عوض غير مشاهَد يثبت فِي الذمة، فاشتُرط معرفة قدره، كالثمن، قَالَ الموفّق: ولا نعلم فِي اعتبار معرفة المقدار خلافا، ويجب أن يقدره بمكيال، أو أرطال معلومة عند العامة، فإن قدره بإناء معيّن، أو صنجة معينة، غير معلومة لم يصح؛ لأنه يهلك، فيتعذر معرفة قدر المسلم فيه، وهذا غرر، لا يحتاج إليه العقد، قَالَ ابن المنذر: أجمع كل منْ نحفظ عنه منْ أهل العلم، عَلَى أن المسلم فِي الطعام، لا يجوز بقفيز لا يعلم عياره، ولا فِي ثوب بذرع فلان؛ لأن المعيار لو تَلِف، أو مات فلان بطل السلم، منهم: الثوري، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأبو ثور. وإن عين مكيال رجل، أو ميزانه، وكانا معروفين عند العامة جاز، ولم يختص بهما، وإن لم يعرفا لم يجز. انتهى "المغني" ٦/ ٣٩٩ - ٤٠٠. وهو بحث نفيس أيضًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): مما يتفرّع عَلَى الشرط الثالث المذكور اختلافهم، فيما إذا أسلم فيما يكال وزنا، أو فيما يوزن كيلا، قَالَ الموفّق: نقل الأثرم أنه سأل أحمد، عن السلم فِي التمر وزنا؟، فَقَالَ: لا إلا كيلا، قلت: إن النَّاس هاهنا لا يعرفون الكيل، قَالَ: وإن كانوا لا يعرفون الكيل، فيحتمل هَذَا أنه لا يجوز فِي المكيل إلا كيلا, ولا فِي الموزون
стр. 16909
إلا وزنا، وهكذا ذكره القاضي، وابن أبي موسى؛ لأنه مبيع يشترط معرفة قدره، فلم يجز بغير ما هو مقدر به فِي الأصل، كبيع الرطوبات بعضها ببعض، ولأنه قدر المسلم بغير ما هو مقدر به فِي الأصل، فلم يجز، كما لو أسلم فِي المذروع وزنا، ونقل المروذي عن أحمد: أنه يجوز السلم فِي اللبن إذا كَانَ كيلا أو وزنا، وهذا يدل عَلَى إباحة السلم فِي المكيل وزنا، وفي الموزون كيلا؛ لأن اللبن لا يخلو منْ كونه مكيلا، أو موزونا، وَقَدْ أجاز السلم فيه بكل واحد منهما، وهذا قول الشافعيّ، وابن المنذر، وَقَالَ مالك: ذلك جائز، إذا كَانَ النَّاس يتبايعون التمر وزنا، قَالَ الموفّق: وهذا أصح إن شاء الله تعالى؛ لأن الغرض معرفة قدره، وخروجه منْ الجهالة، وإمكان تسليمه منْ غير تنازع، فبأي قدر قدره جاز، ويفارق بيع الربويات، فإن التماثل فيها فِي المكيل كيلا، وفي الموزون وزنا شرط، ولا نعلم هَذَا الشرط إذا قدرها بغير مقدارها الأصلي. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي صححه الموفّق رحمه الله تعالى هو الصواب عندي؛ لوضوح حجته، كما بينه فِي كلامه المذكور آنفًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): فِي الكلام عَلَى الشرط الرابع: وهو أن يكون مؤجلا أجلا معلومًا، وَقَدْ اختلف أهل العلم فِي ثلاثة مواضع منْ هَذَا الشرط:
[أحدها]: أنه يشترط لصحة السلم كونه مؤجلا, ولا يصح السلم الحالّ، قَالَ أحمد فِي رواية المروذي: لا يصح حَتَّى يشترط الأجل، وبهذا قَالَ أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي، وَقَالَ الشافعيّ، وأبو ثور، وابن المنذر: يجوز السلم حالًّا؛ لأنه عقد يصح مؤجلا، فصح حالًّا، كبيوع الأعيان، ولأنه إذا جاز مؤجلا، فحالا أجوز، ومن الغرر أبعد.
واحتجّ الأولون بقول النبيّ ﷺ : "منْ أسلف فِي شيء، فليسلف فِي كيل معلوم، أو وزن معلوم، إلى أجل معلوم"، فأمر بالأجل، وأمره يقتضي الوجوب، ولأنه أمر بهذه الأمور؛ تبيينا لشروط السلم، ومنعا منه بدونها، وكذلك لا يصح إذا انتفى الكيل والوزن، فكذلك الأجل، ولأن السلم إنما جاز رخصة للرفق، ولا يحصل الرفق إلا بالأجل، فإذا انتفى الأجل انتفى الرفق، فلا يصح كالكتابة، ولأن الحلول يخرجه عن اسمه ومعناه: أما الاسم فلأنه يسمى سَلَمًا وسَلَفًا؛ لتعجل أحد العوضين، وتأخر الآخر، ومعناه ما ذكرناه فِي أول الباب، منْ أن الشارع أرخص فيه للحاجة الداعية إليه، ومع حضور ما يبيعه حالاً لا حاجة إلى السلم، فلا يثبت، ويفارق بيوع الأعيان، فإنها
стр. 16910
لم تثبت عَلَى خلاف الأصل، لمعنى يختص بالتأجيل، وما ذكروه منْ التنبيه غير صحيح؛ لأن ذلك إنما يجزىء فيما إذا كَانَ المعنى المقتضي موجودا فِي الْفَرَع بصفة التأكيد، وليس كذلك هاهنا، فإن البعد منْ الضرر، ليس هو المقتضي لصحة السلم المؤجل، وإنما المصحح له شيء آخر، لم نذكر اجتماعهما فيه، وَقَدْ بينا افتراقهما.
إذا ثبت هَذَا، فإنه إن باعه ما يصح السلم فيه حالا فِي الذمة صح، ومعناه معنى السلم، وإنما افترقا فِي اللفظ.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أرجح الأقوال ما ذهب إليه الجمهور منْ اشتراط كونه مؤجّلاً؛ لظاهر قوله ﷺ : "إلى أجل معلوم". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب ..
[الموضع الثاني]: مما اختلفوا فيه أيضًا: أنه لابد منْ كون الأجل معلوما؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]، وقول النبيّ ﷺ : "إلى أجل معلوم"، قَالَ الموفّق: ولا نعلم فِي اشتراط العلم فِي الجملة اختلافا، فأما كيفيته، فإنه يحتاج أن يعلمه بزمان بعينه لا يختلف، ولا يصح أن يؤجله بالحصاد، والجذاذ، وما أشبهه، وكذلك قَالَ ابن عباس، وأبو حنيفة، والشافعي، وابن المنذر، وعن أحمد رواية أخرى: أنه قَالَ: أرجو أن لا يكون به بأس، وبه قَالَ مالك، وأبو ثور، وعن ابن عمر: أنه كَانَ يبتاع إلى العطاء، وبه قَالَ ابن أبي ليلى، وَقَالَ أحمد: إن كَانَ شيء يُعرف، فأرجو، وكذلك إن قَالَ: إلى قُدُوم الغزاة، وهذا محمول عَلَى أنه أراد وقت العطاء, لأن ذلك معلوم، فأما نفس العطاء، فهو فِي نفسه مجهول، يختلف، ويتقدم، ويتأخر، ويحتمل أنه أراد نفس العطاء؛ لكونه يتفاوت أيضا، فأشبه الحصاد، واحتج منْ أجاز ذلك، بأنه أجل يتعلق بوقت منْ الزمن، يعرف فِي العادة، لا يتفاوت فيه تفاوتا كثيرا، فأشبه إذا قَالَ: إلى رأس السنة.
واحتجّ الأولون بما رُوي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه قَالَ: لا تتبايعوا إلى الحصاد والدياس، ولا تتبايعوا إلا إلى شهر معلوم، ولأن ذلك يختلف، ويقرب ويبعد، فلا يجوز أن يكون أجلاً، كقدوم زيد.
[فإن قيل]: فقد رُوي عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: "إن رسول الله ﷺ ، بَعَث إلى يهودي: أن ابعث إلى بثوبين إلى الميسرة".
[قلنا]: قَالَ ابن المنذر: رواه حَرَمِيّ بن عُمارة، قَالَ أحمد: فيه غفلة، وهو صدوق، قَالَ ابن المنذر: فأخاف أن يكون منْ غفلاته، إذ لم يتابع عليه، ثم لا خلاف فِي أنه لو جعل الأجل إلى الميسرة لم يصح. انتهى.