قال الجامع عفا الله عنه:
الراجح عندي ما ذهب إليه معظم العلماء من أن من بعد الصحابة لا يساوي فضلهم، فضلا عن أن يفضل عليهم، وإن عمل ما عمل لحديث عمران ﵁ أن النبي ﷺ قال: خير القرون قرني … الحديث" متفق عليه. وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: "لا تسبوا أصحابي، هو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه". رواه مسلم ج ١ ص ١٩٦٧. وأما الأحاديث الدالة على تفضيل من أتى بعد الصحابة ﵃، كحديث أبي ثعلبة الخُشَني ﵁ لما سئل عن هذه الآية ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا … الحديث، وفيه "فإن من ورائكم أيامًا، الصبرُ فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم". أخرجه أبو داود، والترمذي، فإنها لا تعارض الأحاديث التي أخرجها الشيخان، ولا تقوى قوتها (١)، والله أعلم.
(وإخواني) ولمسلم "وإخواننا"، فإخواني مبتدأ خبره قوله (الذين لم يأتوا بعد) أي لم يوجدوا الآن معي، وكلمة "بعد" قد يراد بها الآن كما في قول بعضهم: (من الطويل)
كَمَا قَدْ دَعَاني في ابْن مَنْصُورَ قَبْلَهَا … وَمَاتَ فَمَا حَانَتْ مَنيَّتُهُ بَعْدُ
أي الآن، قاله في التاج ٢ ص ٣٠٤.
ويحتمل أن تكون على معناها، ويكون الظرف حالا، أي حال كون وقتهم بعد وقتنا هذا.
قال الزرقاني ﵀: ودل بإثبات الأخوة لهؤلاء على علو
стр. 1717
مرتبتهم، وأنهم حازوا فضيلة الآخرية كما حاز ﷺ وأصحابه فضيلة الأولية، وهم الغرباء المشار إليهم بقوله "بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا، فطوبى للغرباء" وهم الخلفاء الذين أفادهم بقوله "رحم الله خلفائي" (١)، وهم القابضون على دينهم عند الفتن المشار إليهم بقوله: "القابض على دينه كالقابض على الجمر" وهم المؤمنون بالغيب إلى غير ذلك مما لا يعسر على الفطن استخراجه من الأحاديث.
وأُوردَ كيف يتمنى رؤيتهم، وهو حي، وهم حينئذ في علم الله تعالى، لا وجود لهم في الخارج، والمعدوم لا يرى، وأيضا هو من تمني ما لا يكون؛ لأن عمره لا يمتد حتى يرى آخرهم؟ وأجيب بأن الرؤية بمعنى العلم، وهو يتعلق بالمعدوم، أو رؤية تمثيل بمعنى أن يمثلوا له كما مثلت له الجنة في عُرض الحائط، أو أن هذا من رؤية الكون كما زويت له الأرض حتى رأى مشارقها ومغاربها كرامة من الله له.
وأورد على أن المراد بعد الموت أنه يلزم منه تمني الموت، وقد قال: "لا يتمنين أحدكم الموت"، وأجيب بمنع الملزومية، وإن سلمت فالمنع لما قال "لضر نزل به".
قال الأُبيّ: وهذا كله على أنه تمن حقيقي، وقد لا يكون حقيقة، وإنما هو تشريف لقدر أولئك الإخوان. اهـ ما قاله الزرقاني باختصار وتغيير يسير. ج ١ ص ٦٣ - ٦٤.
(وأنا فرطهم) بفتحتين أي فرط أولئك الإخوان، أي متقدمهم (على الحوض) أي إليه. قال العلامة ابن منظور: والفارط والفَرَط، بالتحريك: المتقدم إلى الماء، يتقدم الواردة، فيهيء لهم الأرْسَان، والدِّلاء، ويملأ الحياض، ويستقي لهم، وهو فَعَل بمعنى فاعل، مثل تَبَع بمعنى تابع، ورجل فَرَط وقوم فَرَط ورجل فارط وقوم فُرَّاط اهـ باختصار لسان ج ٧ ص ٣٦٦.
стр. 1718
وقال العلامة الفيومي رحمه الله تعالى: الفرط بفتحتين: المتقدم في طلب الماء، يهيء الدلاء والأرشَاء، يقال: فَرَط القوم فُرُوطا من باب قَعَد: إذا تقدم لذلك، يستوي فيه الواحد والجمع. يقال: رجل فرط، وقوم فرط، ومنه يقال للطفل الميت: "اللهم اجعله فرطا"، أي أجرا متقدما. اهـ المصباح ج ٢ ص ٤٦٩.
والحوض: الماء، جمعه أحواض، وحياض، وأصل حياض الواو لكن قلبت ياء للكسر قبلها، مثل ثوب، وأثواب وثياب، اهـ المصباح جـ ١ ص ١٥٦.
شبه النبي ﷺ نفسه الشريفة بالرائد الذي يسبق على أصحابه ليهيء لهم ما يحتاجون إليه، ففيه بشارة لهذه الأمة، هنيئا لمن كان النبي ﷺ فرطه. قاله في أوجز المسالك ج ١ ص ٢٢٣.
(قالوا) أي الصحابة المخاطبون بما تقدم (يا رسول الله كيف تعرف) أي في يوم القيامة (من يأتي بعدك من أمتك) أي من يولد بعد وفاتك، أو ولد ولكن لم تره في الدنيا، قال العلامة السندي ﵀: كأنهم فهموا من تمني الرؤية، وتسميتهم باسم الأخوة دون الصحبة أنه لا يراهم في الدنيا، فإن ما يتمنى عادة ما لم يمكن حصوله، ولو حصل اللقاء في الدنيا لكانوا صحابة، وفهموا من قوله: وأنا فرطهم أنه يعرفهم في الآخرة فسألوه عن كيفية ذلك. اهـ ج ١ ص ٩٤ - ٩٥.
(قال) ﷺ مجيبا عن سؤالهم هذا (أرأيت) أي أخبرني، والخطاب مع كل من يصلح له من الحاضرين. أو السائلين. قاله السندي ج ١ ص ٩٥.
وقال ابن منظور ﵀: قال الفَرَّاء: العرب لها في أرأيت لغتان، ومعنيان أحدهما: أن يسأل الرجل الرجل: أرأيت زيدا بعينك؟ فهذه مهموزة، فهذا أوقعتها على الرجل منه قلت: أرأيتك على
стр. 1719
غير هذه الحال؟ يريد هل رأيت نفسك على غير هذه الحالة، ثم تثنى وتجمع فتقول: للرجلين: أرأيتماكما، وللقوم أرأيتموكم، وللنسوة أرأيتكُنَّ، وللمرأة أرأيتك بخفض التاء لا يجوز إلا ذلك.
والمعنى الآخر أن تقول: أرأيتك وأنت تقول: أخبرني، فتهمزهما وتنصب التاء منها، وتترك الهمز إن شئت، وهو أكثر كلام العرب، وتترك التاء موحدة مفتوحة للواحد، والواحدة، والجمع في مؤنثه،
ومذكره، فتقول للمرأة: أرأيتك زيدا هل خرج، وللنسوة أرأيتكن زيدا ما فعل؟، وإنما تركت العرب التاء واحدة لأنهم لم يريدوا أن يكون الفعل منها واقعا على نفسها فاكتفوا بذكرها في الكاف، ووجهوا التاء إلى المذكر والوحيد إذا لم يكن الفعل واقعا، قال: ونحو ذلك قال الزجاج في جميع ما قال، ثم قال: واختلف النحويون في هذه الكاف التي في أرأيتكم، فقال الفراء والكسائي: لفظها لفظ نصب، وتأويلها تأويل رفع، قال: ومثلها الكاف التي في دونك زيدا؛ لأن المعنى خذ زيدا، قال أبو إسحاق: وهذا خطأ؛ لأن قولك: أرأيتك زيدا ما شأنه؟ يصير أرأيت قد تعدت إلى الكاف وإلى زيد، فتنصب أرأيت اسمين فيصير المعنى أرأيت نفسك زيدا ما حاله؟، قال: وهذا محال، والذي يذهب إليه النحويون الموثوق بعلمهم أن الكاف لا موضع لها، وإنما المعنى أرأيت زيدا ما حاله؟، وإنما الكاف زيادة في بيان الخطاب، وهي المعتمد عليها في الخطاب. اهـ لسان ج ١٤ ص ٢٩٤.
(لو كان لرجل خيل) قال في المصباح: الخيل معروفة، وهي أنثى، ولا واحد لها من لفظها، والجمع خيول، قال بعضهم: وتطلق الخيل على العراب وعلى البراذين، وعلى الفرسان، وسميت خيلا لاختيالها، وهو إعجابها بنفسها مَرَحًا ومنه يقال: اختال الرجل، وبه خيلاء، وهو الكبر والإعجاب. اهـ ج ١ ص ١٨٦.
стр. 1720
(غر) بضم الغين المعجمة وتشديد الراء المهملة جمع أغر، وهو الأبيض الوجه، والغرة بضم الغين في الجبهة: بياض فوق الدرهم. أفاده في المصباح ج ٢ ص ٤٤٥ وقال ابن منظور رحمه الله تعالى: والغرة بالضم بياض في الجبهة، وفي الصحاح في جبهة الفرس، فرس أغر وغراء، وقيل: الأغر من الخيل الذي غرته كبر من الدرهم قد وَسَطَت جبهته ولم تصب واحدة من العينين، ولم تمل على واحد من الخدين ولم تَسل سُفْلا، وهي أفشى من القُرْحَة، والقرحة فدر الدرهم، فما دونه وقال بعضهم: بل يقال للأغر أغر أقرح لأنك إذا قلت: أغر فلابد من أن تصف الغرة بالطول، والعَرْض، والصِّغر، والعظم، والدقة، وكلهن غُرَر، فالغرة جامعة لهن لأنه يقال: أغر أقرح، وأغر مُشَمْرَخ الغرة، وأغر شادخ الغرة، فالأغر ليس بضرب واحد، بل هو جنس جامع لأنواع من قرحة وشمراخ (١) ونحوهما. وغزة الفرس: البياض الذي يكون في وجهه، فإن كانت مدورة فهي وَتيرة، وإن كانت طويلة فهي شادخة قال ابن سيده: وعندي أن الغرة نفس القدر الذي يشغله البياض من الوجه لا أنه البياض. اهـ لسان ج ٥ ص ١٤.
(محجلة) اسم مفعول من التحجيل، وهو الذي ابيضت قوائمه، وجاوز البياض الأرساغ إلى نصف الوظيف، أو نحو ذلك، وذلك موضع التحجيل فيه. قاله في المصباح ج ١ ص ١٢٢.
وقال ابن منظور ﵀: قال الجوهري: التحجيل: بياض في قوائم الفرس، أو في ثلاث منها، أو رجليه، قل أو كثر، بعد أن يتجاوز الأرساغ، ولا يجاوز الركبتين والعُرْقُوبين لأنها مواضع الأحجال، وهي الخلاخل، والقيود. يقال: فرس محجل، وقد
стр. 1721
حجلت قوائمه تحجيلا، وإنها لذات أحْجَال، فإن كان في الرجلين، فهو محجل الرجلين، وإن كان بإحدى رجليه، وجاوز الأرساغ فهو محجل الرجل اليمنى، أواليسرى، فإن كان محجل يد ورجل من شق فهو مُمْسَك الأيامن مُطلق الأياسر، أو ممسك الأياسر مطلق الأيامن، وإن كان من خلاف قل، أو كثر، فهو مشكول. قال الأزهري: وأخذ تحجيل الخيل من الحجْل، وهي حَلْقَة القَيد، جعل ذلك البياض في قوائمها بمنزلة القيود.
وقال أبو عبيد: إذا بلغ البياض من التحجيل ركبة اليد وعرقوب الرجل فهو فرس مُجَبَّب، فإن كان البياض برجليه دون اليد فهو محجل إن جاوز الأرساغ، وإن كان البياض بيديه دون رجليه فهو أعْصَم، فإن كان في ثلاث قوائم دون رجل أو يد فهو محجل الثلاث مطلق اليد، أو الرجل، ولا يكون واقعا بيد ولا يدين إلا أن يكون معها أو معهما رجل أو رجلان. اهـ لسان بتصرف ج ١١ ص ١٤٥ - ١٤٦.
(في خيل) أي مختلطة بها (بُهْم) بالجر صفة لخيل، وهو بضمتين، أو سكون الثاني، وهو الأشهر للازداوج قاله السندي ج ١ ص٩٥. وفي نسخة تقديم دهم على بهم، وهو الذي في شرح السيوطي، والسنن الكبرى، ومسلم، والموطأ.
وقال النووي ﵀ بعد تفسير البهم ما نصه: وأما البُهْم: فقيل السود أيضا، وقيل البهم: الذي لا يخالط لونُه لونًا سواه، سواء كان أسود أو أبيض، أو أحمر، بل يكون لونه خالصا، وهذا قول ابن السكيت، وأبي حاتم السجستاني، وغيرهما، اهـ شرح مسلم ج ٣ ص ١٣٩.
وقال ابن منظور ﵀: ولون بهيم لا يخالطه غيره، وقيل البهيم: الأسود، والبهيم من الخيل: الذي لا شية فيه، الذكر والأنثى
стр. 1722
في ذلك سواء، والجمع بُهُم مثل رغيف ورَغُف، ويقال: هذا فرس جواد وبهيم، وهذه فرس جواد وبهيم بغير هاء، وهو الذي لا يخالط لونه شيء سوى معظم لونه. اهـ لسان ج ١٢ ص ٥٩.
(دهم) بالجر أيضا صفة بعد صفة لخيل، وهو جمع أدهم، وهو الأسود، والدهمة السواد، قاله النووي في شرح مسلم ج ٣ ص ١٣٩.
وفي المصباح: الدُّهْمَة: السواد، يقال: فرس أدهم وبعير أدهم وناقة دهماء: إذا اشتد وُرْقَتُهُ حتى ذهب بياضه، وشاة دهماء خالصة الحمرة. اهـ ١ ص ٢٠٢.
وفي اللسان: بعد ذكر نحو عبارة المصباح: فإن زاد على ذلك حتى اشتد السواد، فهو جَون، وقيل: الأدهم من الإبل نحو الأصفر إلا أنه أقل سوادا. اهـ ج ١٢ ص ٢١٠.
قال الجامع: فعلى تفسير البهم بالسود يكون ذكر الدهم تأكيدا، وعلى تفسيره بما لا يخالط لونه لون آخر، وأريد غير السواد، يكون مغايرا له فيكون المعنى أن بعض تلك الخيل سود، وبعضها ألوانها إما أحمر خالص، أو أبيض خالص، أو نحو ذلك. والحاصل أن خيله مختلطة بخيل مغاير ألوانها لألوان خيله.
(ألا يعرف) ذلك الرجل (خيله) الغر المحجلة فالهمزة للتقرير، ولذا قالوا (بلى) أي يعرف خيله، فإن "بلى" حرف إيجاب لا تقع إلا بعد نفي، فترفع حكم النفي، وتوجب نقيضه، وهو الإثبات، فهذا قيل: ما قام زيد، وقلت: بلى فمعناه إثبات القيام له، وإذا قيل: أليس كان كذا، وقلت: بلى، فمعناه التقرير والإثبات. وقد تقدم تمام البحث في ذلك في ٥٤ - ٦٨ (قال) ﷺ (فإنهم) أي الإخوان الذين يأتون بعده، وإنما خصهم بذلك وإن كان هذا لا يخص هؤلاء، بل الصحابة كذلك،
стр. 1723
لكونه ساقه لبيان معرفته لهم (يأتون يوم القيامة) أي يوم البعث، وفي التهذيب: القيامة: يوم البعث، يقوم فيه الخلق بين يدي الحي القيوم. وفي الحديث ذكر يوم القيامة في غير موضع، قيل: أصله مصدر قام الخلق من قبورهم قيامة، وقيل هو تعريب قيمثا، وهو بالسريانية بهذا المعنى. اهـ لسان ج ١٢ ص ٥٠٦.
(غرا محجلين) تقدم الكلام عليهما قريبا والمراد بهما هنا النور الكائن في مواضع وضوئهم بخلاف سائر الناس، فليسوا كذلك، إما لاختصاص الوضوء بهذه الأمة، أو لاختصاصهم بالغرة والتحجيل (من الوضوء) بضم الواو، ويجوز فتحها على أنه الماء قاله ابن دقيق العيد، وظاهره أن السِّيمَا إنما تكون لمن توضأ في الدنيا، وبه جزم الأنصاري في شرح البخاري، ففيه رد على من زعم أنها تكون حتى لمن لم يتوضأ كما يقال لهم: أهل القبلة، من صلى ومَن لا، وفي قياسه على الإيمان نظر؛ لأنه التصديق والشهادة وإن ترك الواجب، وفَعَلَ الحرام، بخلاف الغرة والتحجيل، فمجرد فضيلة وتشريف لمن توضأ بالفعل، لا لسواه، والذي يظهر أن المراد المتوضئ في حياته، لا من وضأه الغاسل.
ولو تيمم لعذر طول حياته حصلت له السيما لقيامه مقام الوضوء، وقد سماه النبي ﷺ وَضُوءا فقال: "الصعيد الطيب وَضُوء المؤمن". أخرجه النسائي بسند قوي عن أبي ذر ﵁. اهـ زرقاني ج ١ ص ٦٤.
(وأنا فرطهم على الحوض) تقدم تفسيره قريبا، وإنما كرره تأكيدا. والله أعلم. وبه المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: هذا الحديث. أخرجه مسلم.
стр. 1724
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: لم يذكره المصنف إلا في الطهارة -١١٠/ ٣ - المجتبى، وفي ٩٦/ ١٦٧ - السنن الكبرى. عن قتيبة عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم:
أخرجه (م د) فأخرجه (م) في الطهارة، ١٢/ ٧، عن إسحاق بن موسى، عن معن بن عيسى، عن مالك به. وأخرجه (د) في الجنائز، ٨٣، عن القعنبي، عن مالك، به.
وأخرجه مالك ١/ ٢٨، وأحمد، ٢/ ٣٠٠، ٣٧٥، ٤٠٨، وابن السني ١٨٩، أفاده في إرواء الغليل ج ١ ص ٢٣٥.
المسألة الرابعة: في فوائده:
يستفاد من هذا الحديث مشروعية زيارة القبور على الوجه المشروع، والسلام على أهلها، والدعاء لهم، وسيأتي تمام البحث في هذا الموضوع في كتاب الجنائز في باب "زيارة القبور" [١٠٠] إن شاء الله تعالى.
وفيه تمني لقاء الصالحين، وذكر محاسنهم.
وفيه فضل هذه الأمة المحمدية، وإثبات الحوض، وأنه ﷺ فرط لأمته، وكفى بهذا شرفا وفخرا، فهنيئا لمن كان ﷺ فرطه.
وفيه فضل الغرة والتحجيل في الوضوء حيث يكون حلية للمؤمن، يعرف بها يوم القيامة من بين سائر الأمم.
المسألة الخامسة: أنه استدل الحليمي ﵀ بهذا الحديث، وبحديث الصحيحين "إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء" على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة.
стр. 1725
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وفيه نظر لأنه ثبت عند البخاري في قصة سارة ﵂ مع الملك الذي أعطاها هاجر أن سارة لما هم المَلك بالدنوّ منها قامت تتوضأ، وتصلي، وفي قصة جريج الراهب أنه قام فتوضأ، وصلى، ثم كَلّم الغلام، فالظاهر أن الذي اختصت به هذه الأمة هو الغرة والتحجيل، لا أصل الوضوء، وقد صرح بذلك في رواية لمسلم عن أبي هريرة أيضا مرفوعا: قال: "سيما ليست لأحد غيركم"، وله من حديث حذيفة نحوه، وسيما بكسر السين المهملة وإسكان الياء الأخيرة: أي علامة، وقد اعترض بعضهم على الحليمي بحديث "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي" وهو حديث ضعيف، لا يصح الاحتجاج به، لضعفه، ولاحتمال أن يكون الوضوء من خصائص الأنبياء دون أممهم إلا هذه الأمة.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاحتمال الثاني يبعده ما تقدم من قصة سارة، وجريج، والله أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 1726
١١١ - بَابُ ثَواب مَنْ أحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على بيان أجر من أحسن في وضوئه بمراعات واجباته وسننه كما ثبت عن النبي ﷺ ، ثم صلى بعده ركعتين بالصفة الآتية. وليس هذا الباب في الكبرى، وكان الأحسن للمصنف أن يذكر هذا الحديث في باب، ١٠٨ (ثواب من توضأ كما أمر) والله أعلم.
١٥١ - أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْرُوقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، وَأَبِي عُثْمَانَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يُقْبِلُ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ".
رجال الإسناد: ثمانية
كلهم تقدموا في ١٠٩/ ١٤٨ إلا موسى بن عبد الرحمن فتقدم في ٧٤/ ٩١ وإلا جبير بن نفير الحضرمي: فهو جبير بن نفير بالتصغير فيهما- بن مالك بن عامر الحضرمي الحمصي، ثقة جليل مخضرم من
стр. 1727
الثانية، ولأبيه صحبة، فكأنه هو ما وقد إلا في عهد عمر رضي الله، ت سنة -٨٠ - ، وقيل: بعدها.
وفي (تت): أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله الحمصي، أدرك زمان النبي ﷺ ، وروى عنه، وعن أبي بكر الصديق ﵁ مرسلا، وعن عمر بن الخطاب ﵁، وفي سماعه منه نظر، وعن أبيه، وأبي ذر، وأبي الدرداء، والمقداد بن الأسود، وخالد بن الوليد، وعبادة بن الصامت، وابن عمر، ومعاوية، والنَّوَاس بن سمعان، وثوبان، وعقبة بن عامر الجهني، وخلق.
وعنه ابنه عبد الرحمن، ومكحول، وخالد بن معدان، وأبو الزاهرية، وأبو عثمان، وليس بالنهدي، وحبيب بن عبيد، وصفوان ابن عمرو، وغيرهم.
قال أبو حاتم: ثقة، من كبار تابعي أهل الشام، وقال أبو زرعة: ثقة، وقال أبو زرعة الدمشقي: رفع دُحَيم من شأن جبير بن نفير، وقدم أبا إدريس عليه، وقال النسائي: ليس أحد من كبار التابعين أحسن
رواية عن الصحابة من ثلاثة، قيس بن أبي حازم، وأبي عثمان النهدي، وجبير بن نفير. قال أبو حسان الزيادي مات سنة ٧٥، وكان جاهليا أسلم في خلافة أبي بكر، ويقال: مات سنة ٨٠.
وقال ابن حبان في ثقات التابعين أدرك الجاهلية، ولا صحبة له وقال سليم بن عامر، عن جبير: استقبلت الإسلام من أوله، وقال أبو زرعة: هو أسن من (١) إدريس لأنه قد ثبت له إدراك عمر، وسمع كتابه يقرأ بحمص، وقال ابن سعد: كان ثقة فيما يروي من الحديث، وقال ابن خراش: هو من أجل تابعي بالشام، وكذا قال الآجري عن أبي داود، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة، وقال يعقوب ابن شيبة: مشهور بالعلم، وذكره الطبري في طبقات الفقهاء. وقال معاوية بن صالح:
стр. 1728
أدرك إمارة الوليد بن عبد الملك. انتهى، فإن صح ذلك فيكون عاش إلى سنة بضع؛ لأن الوليد ولي سنة -٨٦ - ، والله أعلم. اهـ تت ج ٢ ص ٦٤ - ٦٥.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف، وأن رواته ثقات غير زيد بن الحباب، ومعاوية بن صالح، فصدوقان، وأنهم ما بين كوفيين: وهما زيد، وموسى، وشاميين: وهم من بعد زيد إلى عقبة، ومصري وهو عقبة ﵁.
الشرح
(عن عقبة بن عامر الجهني) بضم ففتح نسبة إلى جهينة قبيلة من قضاعة، قاله في اللباب ج ١ ص ٣١٧.أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : من) شرطية (توضأ، فأحسن الوضوء) بالإسباغ مع مراعات الآداب بلا إسراف، قاله السندي (ثم صلى ركعتين، يقبل عليهما) الجملة صفة لركعتين، وعند مسلم "مقبل عليهما"، أي متوجه على الركعتين (بقلبه ووجهه) قال النووي ﵀: جمع ﷺ بهاتين اللفظتين أنواع الخضوع والخشوع؛ لأن الخضوع في الأعضاء، والخشوع في القلب، على ما قاله جماعة من العلماء. اهـ شرح مسلم ج ٣ ص ١٢١.
وقال السندي ﵀: الإقبال بالقلب أن لا يغفل عنهما، ولا يتفكر في أمر لا يتعلق بهما، ويصرف نفسه عنه مهما أمكن، والإقبال بالوجه أن لا يلتفت به إلى جهة لا يليق بالصلاة الالتفات إليها، ومرجعه الخشوع والخضوع، فإن الخشوع في القلب، والخضوع في الأعضاء.
قال: يمكن أن يكون هذا الحديث بمنزلة التفسير لحديث عثمان، وهو "من توضأ نحو وضوئي" الخ، وعلى هذا فقوله "أحسن الوضوء" هو
стр. 1729
أن يتوضأ نحو ذلك الوضوء، وقوله في حديث عثمان: "لا يحدث نفسه فيهما" هو أن يقبل عليهما بقلبه ووجهه، وقوله في ذلك الحديث: "غفر له" الخ أريد به أنه يجب له الجنة، ولا شك أن ليس المراد دخول الجنة مطلقا، فإنه يحصل بالإيمان، بل المراد دخولا أوليا، وهذا يتوقف على مغفرة الصغائر والكبائر جميعا، بل مغفرة ما يفعل بعد ذلك أيضا، نعم لابد من اشتراط الموت على حسن الخاتمة، وقد يجعل هذا الحديث بشارة بذلك أيضا والله أعلم. اهـ كلام السندي ج ١ ص ٩٥ - ٩٦.
وقوله: (وجبت له الجنة) جواب "من" أي ثبتت له، من قولهم: وجب البيع، والحق، يجب، وُجُوبا، وجبَةً، كعدَة: لزم وثبت. أفاده في المصباح ج ٢ ص ٦٤٨. والله المستعان، عليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث عقبة حديث صحيح.
المسألة الثانية: في بيان موضعه عند المصنف: لم يذكره المصنف إلا في هذا الموضع، المجتبى، ١١١/ ١٥١.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م د) فأخرجه (م) في الطهارة ٦/ ١، عن محمَّد بن حاتم، عن ابن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة بن عامر، قال معاوية: وحدثني أبو عثمان، عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر، قال: كانت علينا رعاية الإبل، فجاءت نوبتي فروّحتها بعشي، فأدركت رسول الله ﷺ قائما يحدث الناس فأدركت من قوله: "ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة". وفيه حديث عقبة بن عامر، عن عمر بن الخطاب
стр. 1730
في فضل إسباغ الوضوء، والتشهد بعده. و -٦/ ١ - عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن زيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، وأبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ بهذا.
وأخرجه (د) ني الطهارة -٦٥/ ١ - عن أحمد بن سعيد الهمداني، ووهيب بن بيان، كلاهما عن ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن أبي عثمان -قال أبو القاسم: وأظنه- سعيد بن هانئ، عن جبير بن نفير به. قال معاوية: وحدثني ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة بن عامر به- وفيه حديث عمر، وفي الصلاة -١٦٣/ ٢ - عن عثمان بن أبي شيبة، عن زيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن جبير بن نفير به وليس في حديث عمر. أفاده الحافظ المزي ﵀ -تحفة- ج ٧ ص ٣٠٤ وأخرجه الدارمي، وأحمد.
المسألة الرابعة: في بعض فوائده. يستفاد من هذا الحديث: الاعتناء بالإحسان في الوضوء، واستحباب ركعتين بعده، وأداؤهما بالخشوع والخضوع، وأن ذلك سبب لوجوب الجنة، وأن من فعل هكذا له البشارة بالموت على الإيمان؛ لأن الجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة، وهذا هو مأمول كل عاقل، وهو الذي فتت أكباد عباد الله الصالحين، فكل متمنياتهم الموت على الإيمان، فينبغي الحرص على هذا العمل الذي هو سبب الفلاح الأبدي، والنجاح السرمدي، نسأل الله تعالى أن يلهمنا ما فيه الفوز والرشاد، والفلاح في دار المعاد، إنه غني كريم، رؤوف رحيم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
ولما أنهى الكلام على الوضوء ومتعلقاته، شرع يبين نواقضه، فقال:
стр. 1731
بَابُ مَا يَنْقُضُ الوُضُوءَ، ومَا لا يَنْقُضُ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على الأشياء التي تُخرج الوضوء الشرعي عن كونه مفتاح الصلاة، ومبيحا لها.
وَنَقَضَ ينقُضُ من باب قتل، يقال: نقضت البناء نقضا: إذا هدمته، والنُّقض مثل قُفل وحمل: بمعنى المنقوض، واقتصر الأزهري على الضم، قال: النقض اسم البناء المنقوض إذا هُدمَ، وبعضهم يقتصر على الكسر، ويمنع الضم، والجمع نقوض، ونقضت الحبل نقضا أيضا حللت بَرْمَه، ومنه يقال: نقضت ما أبرمه: إذا أبطلته، وانتقض هو بنفسه، وانتقضت الطهارة بطلت، وانتقض الجرح بعد برئه، والأمر بعد التئامه: فسد. اهـ المصباح بزيادة يسيرة ج ٢ ص ٦٢٢.
وقال بعضهم: النقض إذا أضيف إلى الأجسام يراد بها إبطال تأليفها، وإذا أضيف إلى المعاني يراد به إخراجها عما هي مطلوبة له.
ثم ذكر النواقض في أبواب متتالية فقال:
стр. 1732
١١٢ - الوُضُوءُ مِنَ المَذْي
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على إيجاب الوضوء من خروج المذي. الوضوء هنا بضم الواو لأن المراد الفعل.
والمذي. ماء رقيق يخرج عند الملاعبة، ويضرب إلى البياض، وفيه ثلاث لغات:
(الأولى) سكون الذال (والثانية) كسرها مع التثقيل (والثالثة) الكسر مع التخفيف، ويعرب في الثالثة إعراب المنقوص. ومَذَى الرجل يَمذي من باب ضرب، فهو مَذَّاء، ويقال: الرجل يَمذي، والمرأة تَقْذي، وأمذى با لألف، ومَذَّى بالتثقيل كذلك. اهـ المصباح ج ٢ ص ٥٦٧.
وفي المنهل: أنه ماء رقيق لَزج يضرب إلى البياض، يخرج من القبل عند ملاعبة من تُشتَهَى، أو تذكّر الجماع، وإرادته، وقد لا يشعر بخروجه، ويكون من الرجل والمرأة، ومن المرأة أكثر، بخلاف الودي
فإنه مماء أبيض ثخين لزج، يخرج من القبل بعد البول غالبا، والمني ماء ثخين يخرج بلذة دفقا غالبا. اهـ ج ٢ ص ٢٥٧.
١٥٢ - أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً، وَكَانَتِ ابْنَةُ النَّبِيِّ ﷺ تَحْتِي، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَهُ، فَقُلْتُ لِرَجُلٍ جَالِسٍ إِلَى جَنْبِي: سَلْهُ، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: "فِيهِ الْوُضُوءُ".
стр. 1733
رجال الإسناد: خمسة
١ - (هناد بن السري) بن مصعب التميمي أبو السري الكوفي، ثقة -١٠ - تقدم. ٨٦/ ١٠٦ - . وتقدم أيضًا في ٢٣/ ٢٥.
٢ - (أبو بكر بن عياش) بتحتانية ومعجمة بن سالم، الأسدي الكوفي، المقرئ الحفاظ -بمهملة ونون- مشهور بكنيته، والأصح أنها اسمه، وقيل: اسمه محمَّد، أو عبد الله، أو سالم، أو شعبة، أو رؤبة، أو مسلم، أو خداش، أو مطرف، أو حماد، أو حبيب. عشرة أقوال ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح، من السابعة، مات سنة -١٩٤ - وقيل: قبل ذلك بسنة، أو سنتين، وقد قارب المائة، وروايته في مقدمة مسلم. اهـ "ت" ص ٣٩٢.
وفي "تت": قال الحسن بن عيسى: ذكر ابن المبارك أبا بكر بن عياش فأثنى عليه، وقال صالح بن أحمد عن أبيه: صدوق صالح صاحب قرآن وخبر. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة، وربما غلط، وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين فأبو الأحوص أحب إليك في أبي إسحاق أو أبو بكر بن عياش؟ قال: ما أقربهما قلت: الحسن بن عياش أخو أبي بكر كيف حديثه؟ قال: هو ثقة، قال عثمان هما من أهل الصدق، والأمانة، وليسا بذاك في الحديث. قال: وسمعت محمَّد بن عبد الله ابن نمير يضعف أبا بكر في الحديث، قلت: كيف حاله في الأعمش؟ قال: هو ضعيف في الأعمش وغيره، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن أبي بكر بن عياش، وأبي الأحوص؟ فقال: ما أقربهما؟ لا أبالي بأيهما بدأت، قال: وسئل أبي عن شريك، وأبي بكر بن عياش أيهما أحفظ؟ فقال: هما في الحفظ سواء، غير أن أبا بكر أصح كتابا، قلت لأبي: أبو بكر، أو عبد الله بن بشر الرَّقّي؟ قال: أبو بكر أحفظ منه
стр. 1734
وأوثق، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن عدي: أبو بكر هذا كوفي مشهور، وهو يروى عن أجلة الناس، وحديثه سنذكره، وهو من مشهوري مشايخ الكوفة وقرائهم، وكان يحيى القطان، وعلي بن المديني يسيئان الرأي فيه، وذلك أنه لما كبر ساء حفظه، فكان يهم إذا روى، والخطأ والوهم شيئان لا ينفك عنهما البشر، فمن كان لا يكثر ذلك منه، فلا يستحق ترك حديثه بعد تقدم عدالته، وكان شريك يقول: رأيت أبا بكر عند أبي إسحاق يأمر وينهى كأنه رب البيت. مات هو وهارون الرشيد في شهر واحد سنة ١٩٣ - ، وكان قد صام سبعين سنة، وقامها، وكان لا يعلم له بالليل نوم. والصواب في أمره مجانبة ما علم أنه أخطأ فيه والاحتجاج بما يرويه، سواء وافق الثقات أو خالفهم، وقال العجلي: كان ثقة قديما صاحب سنة وعبادة، وكان يخطئ بعض الخطأ، تعبد سبعين سنة، وقال ابن سعد: عُمِّرَ حتى كتب عنه الأحداث، وكان من العباد نزل الكوفة في جمادى الأولى في الشهر الذي مات فيه الرشيد، وكان ثقة صدوقا عارفا بالحديث والعلم إلا أنه كثير الغلط، وقال أبو عمر بن عبد البر: إن صح له اسم فهو شعبة، وهو الذي صححه أبو زرعة لرواية أبي سعيد الأشج عن أبي أحمد الزبيري، قال: سمعت سفيان الثوري، يقول للحسن ابن عياش: أقَدمَ شعبة؟ وكان أبو بكر غائبا، قال أبو عمر: كان الثوري وابن المبارك، وابن مهدي يثنون عليه، وهو عندهم في أبي إسحاق مثل شريك، وأبي الأحوص، إلا أنه يهم في حديثه، وفي حفظه شيء. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالحافظ عندهم. قال مهنا: سألت أحمد: أبو بكر بن عياش أحب إليك أو إسرائيل؟ قال: إسرائيل. قلت: لمَ؟ قال: لأن أبا بكر، كثير الخطأ جدا، قلت: كان في كتبه خطأ؟ قال: لا، كان إذا حدث من حفظه، وقال يعقوب بن شيبة:
стр. 1735
شيخ قديم معروف بالصلاح البارع، وكان له فقه كثير، وعلم بأخبار الناس، ورواية للحديث يعرف له سنة وفضل، وفي حديثه اضطراب. وقال الساجي: صدوق يَهم، وقال علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد: لو كان أبو بكر بن عياش حاضرا ما سألته عن شيء، ثم قال: إسرائيل فوق أبي بكر، وكان يحيى بن سعيد إذا ذكر عنده كلح وجهه، وقال أبو نعيم: لم يكن في شيوخنا أحد أكثر غلطا منه، وقال البزار: لم يكن بالحافظ وقد حدث عنه أهل العلم، واحتملوا حديثه، وقال ابن المبارك: ما رأيت أحد أسرع إلى السنة من أبي بكر بن عياش. اهـ (تت) باختصار ج ١٢ ص ٣٤ - ٣٧ أخرج له مسلم في المقدمة، والباقون.
٣ - (أبو حَصين) بفتح المهملة- عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي الكوفي، ثقة ثبت، سني، وربما دلس، من الرابعة، مات سنة -٢٢٧ - ويقال: بعدها، وكان يقول: إن عاصم بن بهدلة أكبر منه بسنة واحدة.
وفي "صة" الكوفي الفقيه أحد الأئمة الأثبات، عن ابن عباس، وابن الزبير، وأبي عبد الرحمن السلمي، وسويد بن غفلة، وخلق. وعنه مسعر، وشعبة، والسفيانان، وأبو عوانة، وخلق. قال العجلي: كان عالما صاحب سنة. وثقه ابن معين. قال أبو شهاب الحنَّاط: سمعت أبا حَصين يقول: إن أحدهم ليفتي في المسألة، ولو وردت على عمر لجمع لها أهل بدر. قال الواقدي: مات سنة -١٢٨ - اهـ ج ٢ ص ٢١٦. أخرج له الجماعة.
٤ - (أبو عبد الرحمن) عبد الله بن حبيب بن رُبَيِّعَةَ السلمي الكوفي المقرئ مشهور بكنيته، ولأبيه صحبة، ثقة ثبت، من الثانية، مات بعد السبعين. اهـ "ت" ص ١٧٠ - ١٧١.
وفي "صة" عبد الله بن حبيب بن ربيعة- بضم المهملة وكسر التحتانية
стр. 1736
بينهما موحدة مفتوحة- السلمي أبو عبد الرحمن المقرئ الكوفي.
عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وطائفة، وعنه إبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، وعلقمة بن مرثد وعاصم بن بهدلة. قال أبو إسحاق: أقرأ القرآن أربعين سنة، وقال أبو عبد الله (١): صمت ثمانين رمضانا، وثقه النسائي. قال ابن قانع: مات سنة -٨٥ - .اهـ ج ٢ ص ٤٨ - ٤٩.أخرج له الجماعة.
٥ - (علي) بن أبي طالب ﵁. تقدم في-٧٤/ ٩١.
لطائف الإسناد
منها أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم كوفيون، وأن فيه أبا حصين مكبرا، ليس في الصحيحين غيره ومن عداه فحصين بالتصغير، كما قال في الألفية:
أَبَا حَصِين اِلأسَديَّ كَبِّر … ثُمَّ رُزَيْقَ بْنَ حُكَيم صَغِّرِ
وأن فيه رواية تابعي، عن تابعي: أبا حصين، عن أبي عبد الرحمن.
وأن الرواة ممن اتفقوا عليهم إلا هنادا، فما أخرج له البخاري إلا في خلق أفعال العباد.
شرح الحديث
(قال علي) بن أبي طالب ﵁ (كنت رجلا مذاء) صيغة مبالغة من المذي، أي كثير المذي، وتقدم تحقيق البحث عن معنى المذي في أول الباب (وكانت ابنة النبي ﷺ ) هي فاطمة الزهراء ﵂ كما يأتي في الرواية آخر الباب (تحتي) أي في عصمتي بالنكاح (فاستحييت أن أسأله) أي انقبضت، وانزويت من سؤاله لأجله، قال في
стр. 1737
المصباح: واستحيا منه، واستحييته، وفيه لغتان، إحداهما لغة الحجاز وبها جاء القرآن بياءين، والثانية لتميم بياء واحدة (فقلت لرجل جالس إلى جنبي) هو المقداد بن الأسود، أو عمار بن ياسر كما يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى (سله) أي اسأل النبي ﷺ عن حكمه (فسأله) عنه (فقال) ﷺ (فيه الوضوء) مبتدأ وخبر، أي الوضوء الشرعي واجب بسببه،
وإنما قلنا الشرعي، لما يأتي قريبا إن شاء الله تعالى من قوله: "ويتوضأ وضوءه للصلاة". والله أعلم. وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث علي ﵁ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: ذكر المصنف ﵀ حديث علي تحت ترجمتين فذكر حديث ١٧٢، ١٧٣، ١٧٥، ١٧٦، ١٧٧ بهذا الترتيب في باب [١١٢]، الوضوء من المذي، وحديث ١٧٤،١٧٨،١٧٩، ١٨٠، ١٨١، ثم ١٧٧ بهذا الترتيب في باب ٢٧٣ باب الوضوء من المذي، وتكرر حديث رقم ١٧٤، ١٧٧ في كلا البابين، وليس حديث ١٧٧، ١٧٨، ١٧٩، ١٨٠، ١٨١ في الكبرى. أفاده محقق السنن الكبرى ج ١ ص ٨٣ - ٨٤، وبقية مسائله تأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى.
١٥٣ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ لِلْمِقْدَادِ: إِذَا بَنَى الرَّجُلُ بِأَهْلِهِ فَأَمْذَى، وَلَمْ يُجَامِعْ، فَسَلِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنِّي اَسْتَحِي أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ
стр. 1738
وَابْنَتُهُ عِنْدِي. فَسَأَلَهُ؟ فَقَالَ: "يَغْسِلُ مَذَاكِيرَهُ، وَيَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ".
رجال الإسناد: خمسة
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المعروف بابن راهويه، ثقة حجة -١٠ - تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (جرر) بن عبد الحميد الضبي أبو عبد الله الكوفي ثقة ثبت -٨ - تقدم في -٢/ ٢.
٣ - (هشام بن عروة) المدني ثقة فقيه -٥ - تقدم في -٤٩/ ٦١ -
٤ - (عروة) بن الزبير بن العوام المدني ثقة فقيه -٣ - تقدم في -٤٩/ ٦١ - .
٥ - (علي) ﵁. تقدم في ٧٤/ ٩١.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم ممن اتفقوا على التخريج لهم، وأنهم ما بين مروزي، وهو إسحاق، وكوفي، وهو جرير، ومدنيين، وهما هشام، وأبوه، وأما علي ﵁ فمدني، كوفي. وأن فيه رواية الابن، عن أبيه.
شرح الحديث
(عن علي ﵁ أنه (قال: قلت للمقداد) بكسر الميم وسكودن القاف وبالمهملتين- ابن عمرو بن ثعلبة، البهراني الكندي، ويقال له: ابن الأسود لأن الأسود بن عبد يغوث رباه، أو تبناه، أو تزوج بأمه، ويقال له: الكندي لأنه أصاب دما في بهراء، فهرب منهم إلى
стр. 1739
كندة، فحالفهم، ثم أصاب فيهم دما، فهرب، إلى مكة فحالف الأسود، وهو قديم الصحبة من السابقين في الإسلام، قيل: إنه سادس ستة، شهد بدرا، ولم يثبت أنه شهد فيه فارس مع رسول الله ﷺ غيره، وقيل إن الزبير ﵁ أيضا كان فارسا، رُوي له عن رسول ﷺ اثنان وأربعون حديثا، اتفقا على حديث واحد، ولمسلم ثلاثة، مات بالجُرُف، وهو على عشرة أميال من المدينة، ثم حُمل على رقاب الرجال إليها سنة -٣٣ - في خلافة عثمان، وصلى عليه عثمان ﵁، وهو ابن [٧٠] سنة، روى له الجماعة (١).
(إذ ابني الرجل بأهله) أي قرب منها، أنه دخل بها، وإن كان أصله لذلك، بدليل قوله: ولم يجامعها.
قال الفيومي ﵀: وَبَنَى على أهله: دخل بها، وأصله أن الرجل كان إذا تزوج بني للعرس خباء جديدا، وعمره بما يحتاج إليه، أو بنى له تكريما، ثم كثر حتى كني به عن الجماع، وقال ابن دريد:
بَنَى عليها وبنى بها، والأول أفصح، هكذا نقله جماعة، ولفظ التهذيب: والعامة تقول: بني بأهله، وليس من كلام العرب، قال ابن السكيت: بني على أهله: إذا زفت إليه. المصباح ج ١ ص ٦٣.
وقال ابن منظور ﵀ بعد حكايته نحو ما تقدم: وقد ورد بَنَى بأهله في شعر جراَن العَوْد، قال: (من الطويل)
بَنَيْتُ بهَا قَبلَ اِلمحَاقِ بلَيْلَةٍ … فَكَانَ محَاقًا كُلُّهُ ذَلكَ الشَهْرُ
قال ابن الأثير: وقد جاء بني بأهله في غير موضع من الحديث وغير الحديث.
وقال الجوهري: لا يقال: بني بأهله، وعاد فاستعمله في كتابه. اهـ لسان ج ١٤ ص ٩٧.
стр. 1740
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن بني بأهله فصيح لمجيئه في شعر العرب الذي هو ديوان لغتها، وفي الأحاديث بكثرة. كما قال ابن الأثير والله أعلم.
وجواب إذا محذوف، تقديره فماذا عليه؟، يدل عليه قوله: فسل النبي ﷺ (فأمذى) أي خرج منه ماء أبيض رقيق لزج (ولم يجامع) زوجته، بل حصل منهما ما يوجب المذي من التقبيل أو غيره
(فسل النبي ﷺ ) الفاء تفريعية على الجواب المذكور.
وسل: أمر من سَال يسال، كخاف يخاف.
قال في المصباح: اسأل بهمزة وصل، فإن كان معه واو جاز الهمز، لأنه الأصل، وجاز الحذف للتخفيف، نحو واسألوا وسلوا، وفيه لغة: سأل يسال من باب خاف، والأمر من هذه: سَلْ، وفي المثنى والمجموع: سَلا وَسَلُوا، على غير قياس وسلته أنا، وهما يتساولان. اهـ ج ١ ص ٢٩٧.
وقوله: على غير قياس: أي لأن القياس يقتضي أن يقال: سالا وسالوا، كقولهم: خافا وخافوا، وقد قال بعضهم: إن هذا الإسناد دليل على أن سأل يسال تخفيف سأل يسأل، ولكن رد عليه بقولهم:
هما يتساولان بالواو، وبقولهم: سلت بكسر السين، ولو كان مخففا عن المهموز لقالوا: يتساءلان، وسَلت بفتح السين. اهـ من هامش المصباح.
وقال العلامة العيني ﵀: يقال: سألته الشيء، وسألته عن الشيء سؤالا، وقد يتعدى بنفسه إلى المفعول الأول، وبعن، وبفي إلى المفعول الثاني، وبالعكس. اهـ عمدة ج ٢ ص ٢١٥ (عن ذلك) أي عن الحكم المذكور. (فإني أستحيي) هكذا بياءين في النسخة الهندية،
стр. 1741
وأستحي بياء واحدة في المصرية، وقد تقدم أنهما لغتان: الأُولى لأهل الحجاز، والثانية لتميم، وهذه الجملة علة لأمره بالسؤال، أي لأني أستحيي (أن أسأله) أي النبي ﷺ عن هذا الحكم، لما بينه بقوله (وابنته تحتي) جملة حالية من المفعول، أي أستحيى عن سؤاله حال كون بنته زوجة لي؛ لأن ذلك مما يستحيى منه عادة (فسأله) أي سأل المقداد النبي ﷺ عن الحكم (فقال) ﷺ (يغسل مذاكيره) قيل: هو جمع ذكر على غير قياس، وقيل: جمع لا واحد له، وقيل: واحده مذْكار. قال ابن خروف: وإنما جمعه مع أنه ليس في الجسد منه إلا واحد بالنظر لما يتصل به، وأطلق على الكل اسمه فكأنه جعل كل جزء من المجموع كالذكر في
حكم الغسل. اهـ زهر ج ١ ص ٩٦ - ٩٨.
وقال ابن منظور: والذكر معروف، والجمع ذُكور، ومَذاكير، على غير قياس، كأنهم فرقوا بين الذكر الذي هو الفحل، وبين الذكر الذي هو العضو. وقال الأخفش: هو من الجمع الذي ليس له واحد مثل العباديد والأبابيل (١) وفي التهذيب: وجمعه الذِّكَارَة، ومن أجله يُسَمَّى ما يليه المذاكير، ولا يفرد، وإن أفرد، فمُذكَّر، مثل مُقَدَّم، ومَقَاديم. اهـ ج ٤ ص ٣١١.
قال ابن دقيق العيد ﵀: المشهور في الرواية يَغسلُ بضم اللام على صيغة الإخبار، وهو استعمال لصيغة الإخبار بمعنى الأمر، واستعمال صيغة الإخبار بمعنى الأمر جائز مجازا لما يشتركان فيه من معنى
الإثبات للشيء.
ولو روي: يغسلْ ذكره بجزم اللام على حذف اللام الجازمة، وإبقاء عملها لجاز عند بعضهم على ضعف، ومنهم من منعه إلا لضرورة،
стр. 1742
كقوله (من الوافر):
مُحَمَّدُ تَفْد نَفْسَكَ كُلُّ نَفْس … إذَا ما خفْتَ منْ أمْر تَبَالا
وأجازه الفراء بلا ضعف، وجعل منه قوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١]. اهـ إحكام الأحكام بزيادة من حاشيته العدة. ج ١ ص ٣١٠ - ٣١١.
قال الجامع: قد وقع عند المصنف في روايات الباب هكذا تقديم غسل الذكر على الوضوء، وهو الأولى، ووقع عند البخاري تقديم الأمر بالوضوء على غسله، قال الحافظ ﵀: هكذا وقع في البخاري تقديم الأمر بالوضوء على غسله ووقع في العمدة نسبة ذلك إلى البخاري بالعكس، لكن الواو لا ترتب فالمعنى واحد، وهي رواية الإسماعيلي، فيجوز تقديم غسله على الوضوء، وهو أولى، ويجوز تقديم الوضوء على غسله لكن من يقول بنقض الوضوء بمسه يشترط أن يكون ذلك بحائل، واستدل به ابن دقيق العيد على تعين الماء فيه دون الأحجار ونحوها؛ لأن ظاهره يعين الغسل والمعين لا يقع الامتثال إلا به.
وهذا ما صححه النووي في شرح مسلم، وصحح في باقي كتبه جواز الاقتصار على الأحجار إلحاقا بالبول، وحملا للأمر على الاستحباب، أو على أنه خرج مخرج الغالب، وهذا المعروف في المذهب.
قال الجامع عفا الله عنه: الراجح ما قاله ابن دقيق العيد من تعين الماء عملا بظاهر الحديث والله أعلم.
(يتوضأ وضوءه للصلاة) أي كما يتوضأ إذا قام لها، أنه يجب الوضوء بمجرد خروجه كما قال به قوم، ورد عليهم الطحاوي بما رواه عن علي قال: سئل النبي ﷺ عن المذي؟ فقال: "فيه الوضوء، وفي المني الغسل"، فعرف أنه كالبول وغيره من نواقض الوضوء لا يوجب
стр. 1743
الوضوء بمجرده. قال الرافعي: وفي قوله: "وضوءه للصلاة" قطع احتمال حمل الوضوء على الوضاءة الحاصلة بغسل الفرج فإن غسل العضو الواحد قد يسمى وضوءا كما ورد "إن الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر" (١) والمراد غسل اليد. اهـ زرقاني ج ١ ص ٨٥.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث
أما درجته وبيان مواضعه فقد مر في الحديث الماضي، فنذكر بقية المسائل.
فالمسألة الأولى: فيمن أخرجه: قال العلامة بدر الدين العيني رحمه الله تعالى: أخرجه البخاري في العلم عن مسدد، عن عبد الله بن داود، عن الأعمش، عن منذر الثوري، عن محمَّد بن الحنفية، عن علي ﵁. وأخرجه أيضا في الطهارة عن قتيبة، عن جرير، قال: ورواه شعبة. وأخرجه مسلم في الطهارة عن أبي بكر، عن وكيع وأبي معاوية، وهشيم، وعن يحيى بن حبيب بن عربي، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، خمستهم عن منذر به. وأخرجه النسائي في الطهارة، وفي العلم (في الكبرى) عن محمَّد بن عبد الأعلى، عن خالد ابن الحارث، وهذا الحديث روي بوجوه مختلفة، فأخرجه مسلم من حديث عبد الله ابن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن سليمان ابن يسار، عن ابن عباس، قال: قال علي ﵁: أرسلت المقداد بن الأسود إلى رسول الله ﷺ ، فسأله عن المذي يخرج من الإنسان كيف يفعل به؟ فقال رسول الله ﷺ : "توضأ وانضح فرجك". وأخرج النسائي عن هناد بن السري، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن، قال: قال علي ﵁: كنت رجلا مذاء، وكانت
стр. 1744
ابنة النبي ﷺ تحتي، فاستحييت أن أسأله، فقلت لرجل جالس إلى جنبي سله، فسأله؟ فقال: "فيه الوضوء". وأخرج الترمذي عن محمَّد بن عمرو، حدثنا هشيم، عن يزيد بن أبي زياد، وعن محمود بن غيلان، حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي، قال: سألت النبي ﷺ عن المذي؟ فقال: "من المذي الوضوء، ومن المني الغسل". قال: حديث حسن صحيح. وأخرج أحمد في مسنده عن أسود بن عامر، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن علي ﵁، قال: كنت رجلا مذاء فإذا مذيت اغتسلت، وأمرت المقداد، فسأل النبي ﷺ ؟ فضحك، فقال: "فيه الوضوء". وأخرج أبو داود: حدثنا قتيبة، عن سعيد، حدثنا عَبيدة بن حُمَيد الحذاء، عن أبي بكر بن الربيع، عن حصين بن قبيصة، عن علي رضي الله هـ عنه. قال: كنت رجلا مذاء، فجعلت أغتسل، حتى تشقق ظهري، قال: فذكرت ذلك للنبي ﷺ أو ذكر له؟ فقال: رسول الله ﷺ : "لا تفعل، إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك، وتوضأ وضوءك للصلاة، فإذا نَضَحْت الماء فاغتسل". وأخرجه أحمد، والطبراني أيضا. وأخرج النسائي عن قتيبة، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن عايش بن أنس، قال: سمعت عليا ﵁ على المنبر يقول: كنت رجلا مذاء، فأمرت أن أسأل النبي ﷺ ، فاستحييت عنه؛ لأن ابنته كانت تحتي، فأمرت عمارا، فسأله؟ فقال: "يكفي منه الوضوء". وأخرج الطحاوي عن إبراهيم بن أبي داود، حدثنا أمية بن بسطام، قال: حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا روح بن القاسم، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن إياس ابن خليفة، عن رافع بن خديج: أن عليا ﵁ أمر عمارا أن يسأل رسول الله ﷺ عن المذي؟ قال: "يغسل مذاكيره، ويتوضأ"،
стр. 1745
وأخرج النسائي عن عثمان بن عبد الله، عن أمية بن بسطام، إلى آخره نحوه. اهـ. عمدة بزيادة يسيرة في أوله ج ٢ ص ٢١٤ - ٢١٥.
المسألة الثانية: في بيان الأحكام المستنبطة من هذا الحديث:
قال العلامة بدر الدين العيني رحمه الله تعالى:
الأول: فيه دليل على أن المذي لا يوجب الغسل، بل يوجب الوضوء، فإنه نجس، ولهذا يجب منه غسل الذكر، والمراد منه عند الشافعي غسل ما أصابه منه، واختلف عن مالك في غسل الذكر كله، قال عياض: والخلاف مبني على أنه هل يتعلق الحكم بأول الاسم، أو بآخره، لقوله ﷺ : "يغسل ذكره" واسم الذكر يطلق على البعض، وعلى الكل، واختلف عن مالك أيضا هل يحتاج إلى النية أم لا؟، وعن الزهري: لا يغسل الأنثيين من المذي إلا أن يكون أصابهما شيء، وفي المغني لابن قدامة: المذي ينقض الوضوء، وهو ما يخرج لزجا متسبسبا (١) عند الشهوة فيكون على رأس الذكر، واختلف الرواية في حكمه: فروي أنه يوجب الوضوء، وغسل الذكر، والأنثيين، والرواية الثانية: لا يجب أكثر من الاستنجاء، والوضوء. وقال أبو عمر: المذي عند جميعهم يوجب الوضوء ما لم يكن خارجا عن علة باردة وزَمَانَة، فإن كان كذلك فهو أيضا كالبول عند جمعيهم، فإن كان سلسا لا ينقطع فحكمه حكم سلس البول عند جميعهم أيضا إلا أن طائفة توجب الوضوء على من كانت هذه حاله لكل صلاة قياسا على المستحاضة عندهم، وطائفة تستحبه ولا توجبه، وأما المذي المعهود والمتعارف وهو الخارج عند ملاعبة الرجل أهله لا يجرى من اللذة، أو لطول عُزْبة فعلى
هذا المعنى خروج سؤال علي ﵁، وعليه يقع الجواب، وهو
стр. 1746
موضع إجماع لا خلاف بين المسلمين في إيجاب الوضوء منه، وإيجاب غسله لنجاسته.
الثاني: فيه جواز الاستنابة في الاستفتاء، وأنه يجوز الاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع لأن عليا ﵁ بعث من يسأل له مع القدرة على المشافهة، قال بعضهم: لعل عليا ﵁ كان حاضرا وقت السؤال، فلا دليل عليه، لكن يضعف هذا قوله في بعض طرقه "فأرسلنا المقداد"، وفي هذا إشارة إلى أنه لم يحضر مجلس السؤال، قال العيني: فيه نظر لأنه يجوز أن يكون قد حضره بعد إرساله المقداد. وقال المازري: لم يتبين في هذا الحديث كيف أمره أن يسأل؟ ولا كيفية سؤال المقداد، هل سأله سؤالا يخص المقداد، أو يعمه وغيره، فإن كان علي ﵁ لم يسأل على أي وجه وقع السؤال ففيه دليل على أن عليا ﵁ كان يرى أن القضايا تتعدى، وقد
اختلف أهل الأصول؛ لأنه لو كان لا يتعدى لأمره أن يسميه، إذ قد يجوز أن يحيى له ما لا يبيح لغيره، لكنه قد جاء مبينا في الصحيح "فسأله المقداد عن المذي يخرج من الإنسان كيف يفعل به؟ فقال: "توضأ، وانضح فرجك" قال العيني: قد جاء مبينا كلاهما: أمر علي، وسؤال المقداد، أما الأول ففي الموطأ "أن عليا ﵁ أمر المقداد أن يسأل له رسول الله ﷺ عن الرجل إذا دنى من أهله، فخرج منه المذي ماذا عليه؟ قال المقداد: فسألته عن ذلك". وجاء أيضا في النسائي ما يثبت الاحتمال المتقدم: "فقلت لرجل جالس إلى جنبي سله؟ فقال: "فيه الوضوء".
الثالث: فيه حسن العشرة مع الأصهار، وأن الزوج ينبغي أن لا يذكر ما يتعلق بالجماع والاستمتاع بحضرة أبوي المرأة وغيرهما من أقاربها، لأن المعنى أن المذي يكون غالبا عند ملاعبة الزوجة.
стр. 1747
الرابع: احتج به أبو حنيفة، والشافعي رحمهما الله على وجوب الوضوء من المذي مطلقا، سواء كان عن ملاعبة أو استنكاح، أو غيره وقال أصحاب مالك: المراد به ما كان عن ملاعبة، واستدل عياض وغيره لذلك بما وقع في الموطأ في الحديث أنه قال في السؤال عن الرجل إذا دنى من أهله، وأمذى ماذا عليه؟ قال: فجواب النبي ﷺ في مثله في المعتاد بخلاف المستنكح، والذي به علة فإنه لا وضوء عليه، قالوا: وإنما يتوضأ مما جرت العادة به أن يخرج من لذة، وقال القاضي عبد الوهاب مؤيدا لمذهبهم: السؤال صدر عن المذي الخارج على وجه اللذة، لقوله "إذا دنى من أهله" وأيضا مما يدل عليه استحياء علي ﵁؛ لأنه لو كان علي مَرضَ أو سَلسَ لم يستح من ذلك.
قال العيني: فيما قالوا نظر؛ لأن سؤال المقداد النبي ﷺ أولا مطلق غير مقيد، فإنه جاء في الصحيح فسأله عن المذي يخرج من الإنسان كيف يفعل به؟ قال: "اغسل ذكرك، وتوضأ" فالحكم متعلق بسؤال المقداد الذي وقع الجواب عنه، فصار أمر علي ﵁ أجنبيا عن الحكم،
وقول القاضي عبد الوهاب حكاية قول علي للمقداد، وهو حاضر، وأما سؤال المقداد فكان عاما، وهو من فقه المقداد، فوقع السؤال من المقداد عاما، والجواب من النبي ﷺ مترتب عليه، والتمسك بقول المقداد فسألته عن ذلك لا يعارض النص بصريح سؤاله، والأول محتمل للتأويل في تعيين ما يرجع الإشارة إليه، وأما ثانيا فإنه قد جاء في سنن أبي داود ما يدل على خلافه وهو من علي ﵁ قال: "كنت رجلا مذاء، فجعلت أغتسل، حتى تشقق ظهري" فهذا يدل على كثرة وقوعه منه ومعاودته، وجاء أيضا أن عليا أمر عمارا أن يسال رسول الله ﷺ ؟ فقال: "يغسل ذكره ويتوضأ". وفي بعضها: "كنت رجلا مذاء فأمرت عمار بن ياسر يسأل رسول الله ﷺ من أجل ابنته عندي". وفي بعض
стр. 1748
طرقه في أبي داود: "فليغسل ذكره وأنثييه" وعن عائشة ﵂ وغيرها أنه يجب غسل أنثييه، وهذا خلاف قول الجمهور، وأول الجمهور، هذه الرواية على الاستظهار، وفي بعض أحوال انتشاره، ويقال: إن الماء البارد إذا أصاب الأنثيين رد المذي وكسره على أن الحديث الذي فيه هذه الزيادة قد علل بالإرسال وغيره. اهـ كلام العيني عمدة جـ ٢ ص ٢١٥ - ٢١٧ ببعض إصلاح لأخطاء وقع في نقل كلام صاحب المغني. والله المستعان، وعليه التكلان.
١٥٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً، فَأَمَرْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ يَسْأَلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ أَجْلِ ابْنَتِهِ عِنْدِي، فَقَالَ: "يَكْفِي مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ".
رجال الإسناد: ستة
١ - (قتيية بن سعيد) أبو رجاء البغلاني ثقة ثبت [١٠] تقدم في ١/ ١، وفي ٨٩/ ١١٠.
٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام العلم الحجة ثقة ثبت [٨] تقدم في ١/ ١، وفي ٢٠/ ٢١.
٣ - (عمرو) بن دينار المكي أبو محمَّد الأثرم الجمحي مولاهم، ثقة ثبت، من الرابعة، مات سنة-١٢٦.
وفي "صة" أحد الأعلام، عن العبادلة، وكريب، ومجاهد، وخلق.
وعنه قتادة، وأيوب، وشعبة، والسفيانان، والحمادان، وخلق. قال
стр. 1749
ابن المديني: له خمسمائة حديث. قال مسعر: كان ثقة ثقة ثقة. قال الواقدي: مات سنة [١١٥] (١) وقال ابن عيينة: في أول سنة -١٦ - اهـ ج ٢ ص ٢٨٤.
٤ - (عطاء) بن أبي رباح -بفتح الراء، والموحدة- واسم أبي رباح: أسلم القرشي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، لكنه كثير الإرسال، من الثالثة، مات سنة -١١٤ - على المشهور، وقيل: إنه تغير بآخره، ولم يكن ذلك منه. اهـ "ت" ص ٢٣٩. وفي "صة" أبو محمَّد الجَنَدي اليماني نزيل مكة، وأحد الفقهاء والأئمة، عن عثمان، وعتاب بن أسيد مرسلا، وعن أسامة بن زيد، وعائشة، وأبي هريرة، وأم سلمة، وعروة بن الزبير، وطائفة. وعنه أيوب، وحبيب بن أبي ثابت، وجعفر بن محمَّد، وجرير بن حازم، وابن جريج، وخلق. قال ابن سعد: كان ثقة عالما كثير الحديث، انتهت إليه الفتوي بمكة، وقال أبو حنيفة: ما لقيت أفضل من عطاء. وقال ابن عباس -وقد سئل عن شيء-: يا أهل مكة تجتمعون علي، وعندكم عطاء. وقيل: إنه حج أكثر من سبعين حجة. قال حماد بن سلمة: حججت سنة مات عطاء سنة -١١٤ - اهـ ج ٢ ص ٢٣٠، أخرج له الجماعة.
٥ - (عائش بن أنس) البكري الكوفي مقبول، من الثالثة، وفي (تت): روى عن علي، وعمار، والمقداد، ﵃. وعنه عطاء بن أبي رباح. ذكره ابن حبان في الثقات. اهـ ج ٥ ص ٨٩.انفرد به المصنف.
٦ - (علي) بن أبي طالب ﵁. تقدم في ٧٤/ ٩١.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته ثقات، غير عائش فمقبول،
стр. 1750
وأنهم ممن اتفقوا على التخريج لهم غير عائش أيضا فقد انفرد به المصنف، وأنهم ما بين بغلاني، وهو قتيبة، ومكيين: وهم سفيان وعمرو، وعطاء، وكوفيين، وهما عائش، وعلي ﵁. وفيه رواية ثلاثة من التابعين، بعضهم، من بعض: عمرو، وعطاء، وعائش.
شرح الحديث
(عن عاش بن أنس) البكري (أن عليا) ﵁ (قال: كنت وجلا مذاء) أي كثير المذي (فأمرت عمار بن ياسر) بن عامر بن الحُصين ابن قيس بن عوف بن يَام بن عَنْس، العنسي -بنون- أبو اليقظان، مولى بني مخزوم، صحابي جليل، شهد بدرا، والمشاهد، وكان أحد السابقين الأولين. له اثنان وستون حديثا، اتفقا على حديثين، وانفرد (خ) بثلاثة، ومسلم بحديث. وعنه ابنه محمَّد، وابن عباس، وأبو وائل. قال علي ﵁: استأذن عمار، فقال النبي ﷺ : "مرحبا بالطيب المطيب". قتل بصفين مع علي ﵄ سنة ٣٧. أخرج له الجماعة.
(يسأل رسول الله ﷺ ) بتقدير "أن" المصدرية مجرور بباء مقدرة؛ لأن أمر يتعدى بالباء، أي أمرته بسؤاله ﷺ عن حكم المذي. وقد تقدم أنه أمر المقداد، ووقع في رواية لابن حبان، والإسماعيلي أنه قال: "سألت" قال الحافظ رحمه الله تعالى: وجمع ابن حبان بين هذا الاختلاف بأن عليا أمر عمارا أن يسأل، ثم أمر المقداد بذلك، ثم سأل بنفسه. وهو جمع جيد إلا بالنسبة إلى آخره لكونه مغايرا لقوله: إنه استحيا عن السؤال بنفسه لأجل فاطمة، فيتعين حمله على المجاز بأن بعض الرواة أطلق أنه سأل، لكونه الآمر بذلك، وبهذا جزم الإسماعيلي، ثم النووي، ويؤيده أنه أمر كلا من المقداد وعمار بالسؤال عن ذلك ما رواه
стр. 1751
عبد الرزاق من طريق عائش بن أنس قال: "تذاكر علي، والمقداد، وعمار المذي، فقال: على إنني رجل مذاء فاسألا عن ذلك النبي ﷺ ، فسأله أحد الرجدين"، وصحح ابن بشكوال أن الذي تولىَّ السؤال عن ذلك هو المقداد، وعلى هذا فنسبة عمار إلى السؤال عن ذلك محمولة على المجاز أيضا لكونه قصده، لكن تولى المقداد الخطاب دونه. والله أعلم. اهـ فتح ج ١ ص ٤٥٢.
قال الجامع عفا الله عنه:
عندي أن جمع ابن حبان بأنه أمرهما، فسأل كل منهما عن ذلك، ثم تولى بنفسه ليتثبت، غير بعيد أيضًا ولا ينافيه قوله: أستحي لأنه استحيا أولا، ثم فكر بأن هذا أمر ديني لا ينبغي الحياء فيه، فتولى السؤال بنفسه، كما قالت أم سليم ﵂: إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة من غسل … الحديث. والله أعلم.
(من أجل ابنته عندي) الجار والمجرور متعلق بأمرت، أي إنما أمرته بذلك لأجل كون ابنته فاطمة ﵂ زوجتي، إذ العادة أن ذلك مما يورث الحياء (فسأله عمار عن ذلك فقال) ﷺ (يكفي من ذلك) أي من المذي (الوضوء) المعهود، وهو الشرعي، لما تقدم من قوله ويتوضأ وضوءه للصلاة، وقوله: يكفي أي بالنسبة للغسل، فلا ينافي ما يأتي من قوله "يغسل مذاكيره" فالواجب على من أمذى غسل الذكر، والوضوء.
والمسائل المتعلقة بهذا الحديث مضى معظمها، ويأتي ما بقي إن شاء الله تعالى. والله المستعان، وعليه التكلان.
стр. 1752
١٥٥ - أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا (١) أُمَيَّةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا (٢) رَوْحَ بْنَ الْقَاسِمِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نُجَيْحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ خَلِيفَةَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أَنَّ عَلِيًّا أَمَرَ عَمَّارًا أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْمَذْيِ، فَقَالَ: "يَغْسِلُ مَذَاكِيرَهُ، وَيَتَوَضَّأُ".
رجال الإسناد: تسعة
١ - (عثمان بن عبد الله) بن محمَّد بن خُرَّزاذ -بضم المعجمة، وتشديد الراء (٣) بعدها زاي-، ثقة، من صغار الحادية عشرة، مات سنة -٢٨١ - وقيل: في أول التي بعدها.
وفي "صة": أبو عمرو الحافظ، البصري، نزيل أنطاكية. عن سليمان بن حرب، ومسدد، وأبي الوليد، وعفان، وخلق. وعنه النسائي. قال الحاكم: ثقة مأمون. قال عمرو بن دحيم: مات سنة- ٢٨٢. اهـ ج ٢ ص ٢١٧.
٢ - (أمية) بن بسطام العيشي -بالياء والشين المعجمة- بصري يكنى أبا بكر، صدوق، من العاشرة، مات سنة- ٢٣١، وفي (تت): أمية ابن بسطام بن المنتشر العيشي، أبو بكر البصري، ابن عم يزيد بن زريع. روى عنه، وعن ابن عيينة، ومعتمر بن سليمان، وبشر بن الفضل،
стр. 1753
وغيرهم، وعنه الشيخان، ورَوَى عنه النسائي بواسطة عثمان بن خرزاذ، وروى عنه أبو زرعة، وأبو حاتم، والبوشنجي، وابن أبي عاصم، والدُّوريّ، وتمتام، والحسن بن سفيان وأبو يعلى، وغيرهم. قال أبو حاتم: محله الصدق، ومحمد بن منهال أحب إليّ منه اهـ ج ١ ص ٣٧٠. أخرج له البخاري، ومسلم، والمصنف.
٣ - (يزيد بن زريع) بتقديم الزاي مصغرا، البصري، أبو معاوية، ثقة ثبت من الثامنة، مات سنة ١٨٢ وتقدم في ٥/ ٥، وفي ٨٧/ ١٠٨، أخرج له الجماعة.
٤ - (روح بن القاسم) التميمي العنبري، أبو غياث -بالمعجمة والمثلثة- البصري، ثقة حافظ، من السادسة، مات سنة -١٤١ - أرخه ابن حبان. رَوَى عن عمرو بن دينار، ومنصور بن المعتمر، وقتادة. وعنه يزيد بن زريع، وابن علية، وعون بن عمارة. قال ابن المديني: له نحو مائة وخمسين حديثا. ووثقه أحمد. مات بعد الخمسين ومائة. أخرج له الجماعة إلا الترمذي.
٥ - (ابن أبي نجيح) بفتح النون مكبرا- هو عبد الله، واسم أبيه يسار المكي، أبو يسار الثقفي، مولاهم، ثقة رمي بالقدر، وربما دلس، من السادسة، مات سنة -١٣١ - أو بعدها.
روى عن طاوس، ومجاهد. وعنه عمرو بن شعيب، أكبر منه وأبو إسحاق الفزاري، وشعبة. وثقه أحمد. روى عنه ابن عيينة. قال: مات سنة -١٣١ - أخرج له الجماعة.
٦ - (عطاء) بن أبي رباح تقدم قريبا. في ١٥٤.
٧ - (إياس بن خليفة) البكري، مكي، صدوق، من الثالثة.
وفي (تت): حجازي. روى عن رافع بن خديج. وعنه عطاء بن أبي رباح. روى له النسائي حديثا واحدا في الطهارة. قال الحافظ ﵀: وذكره ابن حبان في الثقات، وقال العقيلي: في حديثه وهم،
стр. 1754
وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من التابعين من أهل مكة، وقال: كان قليل الحديث. انفرد به المصنف.
٨ - (رافع بن خديج) مكبرًا- بن رافع بن عدي بن تزيد بن جشم ابن حارثة، الأوسي، صحابي شهد أحدا وما بعدها، له ثمانية وسبعون حديثا، اتفقا على خمسة، وانفرد (م) بثلاثة، وعنه ابنه رفاعة، وبشر ابن يسار، وسليمان يسار، وطاوس. قال خليفة: مات سنة -٧٤ - أخرج له الجماعة
وأما علي، وعمار، فقد تقدما قريبًا.
لطائف الإسناد
منها: أنه من تُساعياته، وأن رواته كلهم ثقات غير إياس فصدورق، وأنهم ما بين بصريين، وهم عثمان وأمية، ويزيد، ورَوْح، ومكيين: وهم ابن أبي نجيح، وعطاء، وإياس، وفيه رواية تابعي، عن تابعي.
شرح الحديث
(عن رافع بن خديج) بفتح الخاء المعجمة مكبرا (أن عليا أمر عمارا) ﵃ (أن يسأل رسول الله ﷺ عن) حكم (المذي) تقدم ضبطه، ومعناه أول الباب، أي أمره بالسؤال هل فيه غسل أم لا؟ (فقال) ﷺ (يغسل مذاكيره) تقدم أنه جمع ذكر على غير قياس، وهو برفع "يغسل" على صيغة الإخبار لكن معناه الأمر، واستعمال الإخبار بمعنى الأمر كثير كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أفاده في العدة ج ١ ص ١٠ ثم إن ظاهره يدل على وجوب غسل جميع الذكر، وإليه ذهبت المالكية، قالوا: لأن اسم الذكر حقيقة في العضو كله، وبنوا على ذلك هل يحتاج إلى نية في غسله؟ فذكروا في ذلك قولين، أشهرهما وجوب النية لأنها طهارة تعبدية، والطهارة التعبدية تحتاج إلى
стр. 1755
نية. وعن أحمد روايتان: أحدهما غسل الذكر وحده، والأخرى غسله مع الأنثيين، يدل له حديث الأمر بغسل الذكر والأنثيين. أفاده في المنهل ج ١ ص ٢٥٨.
(ويتوضأ) أي وضوء الصلاة، هكذا هنا بلفظ الغيبة، ووقع عند البخاري في حديث المقداد بلفظ "توضأ" بصيغة أمر الواحد، فقال الحافظ ﵀: يشعر بأن المقداد سأل لنفسه، ويحتمل أن يكون سأل لمبهم، أو لعلي فوجه النبي ﷺ الخطاب إليه، والظاهر أن عليا كان حاضر
السؤال، فقد أطبق أصحاب المسانيد والأطراف على إيراد هذا الحديث في مسند علي، ولو حملوه على أنه لم يحضر لأوردوه في مسند المقداد، ويؤيده ما في رواية النسائي من طريق أبي بكر بن عايش، عن أبي حصين في الحديث عن علي، قال: "فقلت لرجل جالس إلى جنبي: سله، فسأله" ووقع في رواية مسلم: فقال: "يغسل ذكره ويتوضأ" بلفظ الغائب، فيحتمل أن يكون سؤال المقداد وقع على الإبهام وهو الأظهر، ففي مسلم أيضا "فسأله عن المذي يخرج من الإنسان" وفي الموطأ نحوه، ووقع في رواية لأبي داود، والنسائي، وابن خزيمة ذكر سبب ذلك من طريق حصين بن قبيصة عن علي قال: كنت رجلا مذاء، فجعلت أغتسل منه في الشتاء حتى تشقق ظهري، فقال ﷺ : "لا تفعل" ولأبي داود وابن خزيمة من حديث سهل بن حنيف أنه وقع له نحو ذلك، وأنه سأل عن ذلك بنفسه. اهـ فتح ج ١ ص ٤٥٢.
قال الجامع: مسائل هذا الحديث مضى بعضها، ويأتي الباقي إن شاء الله تعالى. والله المستعان، وعليه التكلان.
١٥٦ - أَخْبَرَنَا عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: عَنْ مَالِكٍ -وَهُوَ ابْنُ أَنَسٍ-، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ