والأولى ما ذكرنا. قَالَ القاضي والذي يجمع أخلاطا عَلَى أربعة أضرب: [أحدها]: مختلط مقصود متميز، كالثياب المنسوجة منْ قطن وكتان، أو قطن وإبريسم، فيصح السلم فيها؛ لأن ضبطها ممكن. [الثاني]: ما خلطه لمصلحته، وليس بمقصود فِي نفسه، كالإنفحة فِي الجبن، والملح فِي العجين والخبز، والماء فِي خل التمر والزبيب، فيصح السلم فيه؛ لأنه يسير لمصلحته. [الثالث]: أخلاط مقصودة غير متميزة، كالغالية والند والمعاجين، فلا يصح السلم فيها؛ لأن الصفة لا تأتي عليها. [الرابع]: ما خلطه غير مقصود، ولا مصلحة فيه، كاللبن المشوب بالماء، فلا يصح السلم فيه. انتهى "المغني" ٦/ ٣٨٥ - ٣٨٦. وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): مما يتفرّع عَلَى الشرط المذكور مما اختلف فيه أهل العلم السلم فِي الحيوان:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: واختلفت الرواية -أي عن أحمد- فِي السلم فِي الحيوان، فرُوي لا يصح السلم فيه، وهو قول الثوري، وأصحاب الرأي، وروي ذلك عن عمر، وابن مسعود، وحذيفة، وسعيد بن جبير، والشعبي، والجوزجاني؛ لما روي عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه قَالَ: إن منْ الربا أبوابا، لا تخفى وإن منها السلمَ فِي السنّ، ولأن الحيوان يختلف اختلافا متباينا، فلا يمكن ضبطه، وإن استقصى صفاته التي يختلف بها الثمن مثل أزج الحاجبين، أكحل العينين، أقنى الأنف، أشم العرنين، أهدب الأشفار، أَلْمَى الشفة (١) بديع الصفة، تعذر تسليمه؛ لندرة وجوده عَلَى تلك الصفة. وظاهر المذهب صحة السلم فيه، نص عليه فِي رواية الأثرم. قَالَ ابن المنذر: وممن روينا عنه أنه لا بأس بالسلم فِي الحيوان: ابنُ مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وسعيد بن المسيب، والحسن، والشعبي، ومجاهد، والزهري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وحكاه الجوزجاني عن عطاء، والحكم؛ لأن أبا رافع ﵁، قَالَ: "استسلف النبيّ ﷺ منْ رجل بكرا"، رواه مسلم، ورَوَى عبد الله بن عمرو بن العاص، قَالَ: "أمرني رسول الله ﷺ ، أن أبتاع البعير بالبعيرين وبالأبعرة، إلى مجيء الصدقة"، ولأنه ثبت فِي الذمة صداقا، فثبت فِي السلم، كالثياب، فأما حديث عمر فلم يذكره أصحاب الاختلاف (٢)، ثم هو محمول
стр. 16907
عَلَى أنهم يشترطون منْ ضراب فحل بني فلان، قَالَ الشعبي: إنما كره ابن مسعود السلف فِي الحيوان؛ لأنهم اشترطوا نتاج فحل معلوم رواه سعيد. وَقَدْ رُوي عن علي ﵁ أنه باع جملا له يُدعى عُصيفيرا بعشرين بَعيرًا إلى أجل، ولو ثبت قول عمر، فِي تحريم السلم فِي الحيوان، فقد عارضه قول منْ سمينا ممن وافقنا. انتهى "المغني" ٦/ ٣٨٨ - ٣٨٩. وهو بحث مفيد جدًّا والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): مما اختلفوا فيه أيضًا السلم فِي غير الحيوان مما لا يكال، ولا يوزن:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: واختلفت الرواية -أي عن أحمد- فِي غير الحيوان، مما لا يكال، ولا يوزن، ولا يذرع، فنقل إسحاق بن إبراهيم، عن أحمد: أنه قَالَ: لا أرى السلم إلا فيما يكال، أو يوزن، أو يوقف عليه، قَالَ أبو الخطاب: معناه: يوقف عليه بحد معلوم، لا يختلف كالذرع، فأما الرمان، والبيض، فلا أرى السلم فيه، وحكى ابن المنذر عنه، وعن إسحاق: أنه لا خير فِي السلم فِي الرمان، والسفرجل، والبطيخ، والقثاء، والخيار؛ لأنه لا يكال، ولا يوزن، ومنه الصغير والكبير، فعلى هذه الرواية لا يصح السلم فِي كل معدود مختلف، كالذي سميناه، وكالبقول؛ لأنه يختلف، ولا يمكن تقدير البقل بالحزم؛ لأن الحزم يمكن فِي الصغير والكبير، فلم يصح السلم فيه كالجواهر، ونقل إسماعيل بن سعيد، وابن منصور: جواز السلم فِي الفواكه، والسفرجل، والرمان، والموز، والخضروات ونحوها؛ لأن كثيرا منْ ذلك، مما يتقارب، وينضبط بالصغر والكبر، وما لا يتقارب ينضبط بالوزن، كالبقول ونحوها، فصح السلم فيه، كالمذروع، وبهذا قَالَ أبو حنيفة، والشافعي، والأوزاعي، وحكى ابن المنذر عن الشافعيّ المنع منْ السلم فِي البيض، والجوز، ولعل هَذَا قول آخر، فيكون له فِي ذلك قولان. انتهى "المغني" ٦/ ٣٨٨ - ٣٨٩.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الثاني عندي أرجح؛ لإمكان ضبطها بما ذُكر، ضبطًا تقريبيّا، وهو كاف فِي مثل هَذَا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): فِي الكلام عَلَى الشرط الثاني: وهو أن يضبطه بصفاته التي يختلف الثمن بها ظاهرا، فإن السلم فيه عوض فِي الذمة، فلابد منْ كونه معلوما بالوصف، كالثمن، ولأن العلم شرط فِي المبيع، وطريقه إما الرؤية، وإما الوصف، والرؤية ممتنعة ههنا، فتعين الوصف، والأوصاف عَلَى ضربين: متَّفقٌ عَلَى اشتراطها، ومختلف فيها، فالمتفق عليها ثلاثة أوصاف: الجنس، والنوع، والجودة والرداءة، فهذه
стр. 16908
لابد منها فِي كل مسلم فيه، ولا نعلم بين أهل العلم خلافا فِي اشتراطها، وبه يقول أبو حنيفة، ومالك، والشافعي.
الضرب الثاني: ما يختلف الثمن باختلافه، مما عدا هذه الثلاثة الأوصاف، وهذه تختلف باختلاف المسلم فيه، وذكرها شرط فِي السلم عند إمامنا، والشافعي، وَقَالَ أبو حنيفة: يكفي ذكر الأوصاف الثلاثة؛ لأنها تشتمل عَلَى ما وراءها منْ الصفات.
ولنا إنه يبقى منْ الأوصاف منْ اللون، والبلد، ونحوهما ما يختلف الثمن، والغرض لأجله، فوجب ذكره كالنوع، ولا يجب استقصاء كل الصفات؛ لأن ذلك يتعذر، وَقَدْ ينتهي الحال فيها إلى أمر يتعذر تسليم المسلم فيه، إذ يبعد وجود المسلم فيه عند المحل بتلك الصفات كلها، فيجب الاكتفاء بالأوصاف الظاهرة، التي يختلف الثمن بها ظاهرا، ولو استقصى الصفات حَتَّى انتهى إلى حال يندر وجود المسلم فيه بتلك الأوصاف، بطل السلم؛ لأن منْ شرط السلم أن يكون المسلم فيه عامَّ الوجود عند المحل، واستقصاء الصفات يمنع منه. انتهى "المغني" ٦/ ٣٩١ - ٣٩٢. وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): فِي الكلام عَلَى الشرط الثالث: وهو معرفة مقدار المسلم فيه بالكيل، إن كَانَ مكيلا، وبالوزن إن كَانَ موزونا، وبالعدد إن كَانَ معدودا؛ لقول النبيّ ﷺ : "منْ أسلم فِي شيء، فليسلف فِي كيل معلوم، أو وزن معلوم، إلى أجل معلوم"، متّفقٌ عليه، ولأنه عوض غير مشاهَد يثبت فِي الذمة، فاشتُرط معرفة قدره، كالثمن، قَالَ الموفّق: ولا نعلم فِي اعتبار معرفة المقدار خلافا، ويجب أن يقدره بمكيال، أو أرطال معلومة عند العامة، فإن قدره بإناء معيّن، أو صنجة معينة، غير معلومة لم يصح؛ لأنه يهلك، فيتعذر معرفة قدر المسلم فيه، وهذا غرر، لا يحتاج إليه العقد، قَالَ ابن المنذر: أجمع كل منْ نحفظ عنه منْ أهل العلم، عَلَى أن المسلم فِي الطعام، لا يجوز بقفيز لا يعلم عياره، ولا فِي ثوب بذرع فلان؛ لأن المعيار لو تَلِف، أو مات فلان بطل السلم، منهم: الثوري، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأبو ثور. وإن عين مكيال رجل، أو ميزانه، وكانا معروفين عند العامة جاز، ولم يختص بهما، وإن لم يعرفا لم يجز. انتهى "المغني" ٦/ ٣٩٩ - ٤٠٠. وهو بحث نفيس أيضًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): مما يتفرّع عَلَى الشرط الثالث المذكور اختلافهم، فيما إذا أسلم فيما يكال وزنا، أو فيما يوزن كيلا، قَالَ الموفّق: نقل الأثرم أنه سأل أحمد، عن السلم فِي التمر وزنا؟، فَقَالَ: لا إلا كيلا، قلت: إن النَّاس هاهنا لا يعرفون الكيل، قَالَ: وإن كانوا لا يعرفون الكيل، فيحتمل هَذَا أنه لا يجوز فِي المكيل إلا كيلا, ولا فِي الموزون
стр. 16909
إلا وزنا، وهكذا ذكره القاضي، وابن أبي موسى؛ لأنه مبيع يشترط معرفة قدره، فلم يجز بغير ما هو مقدر به فِي الأصل، كبيع الرطوبات بعضها ببعض، ولأنه قدر المسلم بغير ما هو مقدر به فِي الأصل، فلم يجز، كما لو أسلم فِي المذروع وزنا، ونقل المروذي عن أحمد: أنه يجوز السلم فِي اللبن إذا كَانَ كيلا أو وزنا، وهذا يدل عَلَى إباحة السلم فِي المكيل وزنا، وفي الموزون كيلا؛ لأن اللبن لا يخلو منْ كونه مكيلا، أو موزونا، وَقَدْ أجاز السلم فيه بكل واحد منهما، وهذا قول الشافعيّ، وابن المنذر، وَقَالَ مالك: ذلك جائز، إذا كَانَ النَّاس يتبايعون التمر وزنا، قَالَ الموفّق: وهذا أصح إن شاء الله تعالى؛ لأن الغرض معرفة قدره، وخروجه منْ الجهالة، وإمكان تسليمه منْ غير تنازع، فبأي قدر قدره جاز، ويفارق بيع الربويات، فإن التماثل فيها فِي المكيل كيلا، وفي الموزون وزنا شرط، ولا نعلم هَذَا الشرط إذا قدرها بغير مقدارها الأصلي. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي صححه الموفّق رحمه الله تعالى هو الصواب عندي؛ لوضوح حجته، كما بينه فِي كلامه المذكور آنفًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): فِي الكلام عَلَى الشرط الرابع: وهو أن يكون مؤجلا أجلا معلومًا، وَقَدْ اختلف أهل العلم فِي ثلاثة مواضع منْ هَذَا الشرط:
[أحدها]: أنه يشترط لصحة السلم كونه مؤجلا, ولا يصح السلم الحالّ، قَالَ أحمد فِي رواية المروذي: لا يصح حَتَّى يشترط الأجل، وبهذا قَالَ أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي، وَقَالَ الشافعيّ، وأبو ثور، وابن المنذر: يجوز السلم حالًّا؛ لأنه عقد يصح مؤجلا، فصح حالًّا، كبيوع الأعيان، ولأنه إذا جاز مؤجلا، فحالا أجوز، ومن الغرر أبعد.
واحتجّ الأولون بقول النبيّ ﷺ : "منْ أسلف فِي شيء، فليسلف فِي كيل معلوم، أو وزن معلوم، إلى أجل معلوم"، فأمر بالأجل، وأمره يقتضي الوجوب، ولأنه أمر بهذه الأمور؛ تبيينا لشروط السلم، ومنعا منه بدونها، وكذلك لا يصح إذا انتفى الكيل والوزن، فكذلك الأجل، ولأن السلم إنما جاز رخصة للرفق، ولا يحصل الرفق إلا بالأجل، فإذا انتفى الأجل انتفى الرفق، فلا يصح كالكتابة، ولأن الحلول يخرجه عن اسمه ومعناه: أما الاسم فلأنه يسمى سَلَمًا وسَلَفًا؛ لتعجل أحد العوضين، وتأخر الآخر، ومعناه ما ذكرناه فِي أول الباب، منْ أن الشارع أرخص فيه للحاجة الداعية إليه، ومع حضور ما يبيعه حالاً لا حاجة إلى السلم، فلا يثبت، ويفارق بيوع الأعيان، فإنها
стр. 16910
لم تثبت عَلَى خلاف الأصل، لمعنى يختص بالتأجيل، وما ذكروه منْ التنبيه غير صحيح؛ لأن ذلك إنما يجزىء فيما إذا كَانَ المعنى المقتضي موجودا فِي الْفَرَع بصفة التأكيد، وليس كذلك هاهنا، فإن البعد منْ الضرر، ليس هو المقتضي لصحة السلم المؤجل، وإنما المصحح له شيء آخر، لم نذكر اجتماعهما فيه، وَقَدْ بينا افتراقهما.
إذا ثبت هَذَا، فإنه إن باعه ما يصح السلم فيه حالا فِي الذمة صح، ومعناه معنى السلم، وإنما افترقا فِي اللفظ.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أرجح الأقوال ما ذهب إليه الجمهور منْ اشتراط كونه مؤجّلاً؛ لظاهر قوله ﷺ : "إلى أجل معلوم". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب ..
[الموضع الثاني]: مما اختلفوا فيه أيضًا: أنه لابد منْ كون الأجل معلوما؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]، وقول النبيّ ﷺ : "إلى أجل معلوم"، قَالَ الموفّق: ولا نعلم فِي اشتراط العلم فِي الجملة اختلافا، فأما كيفيته، فإنه يحتاج أن يعلمه بزمان بعينه لا يختلف، ولا يصح أن يؤجله بالحصاد، والجذاذ، وما أشبهه، وكذلك قَالَ ابن عباس، وأبو حنيفة، والشافعي، وابن المنذر، وعن أحمد رواية أخرى: أنه قَالَ: أرجو أن لا يكون به بأس، وبه قَالَ مالك، وأبو ثور، وعن ابن عمر: أنه كَانَ يبتاع إلى العطاء، وبه قَالَ ابن أبي ليلى، وَقَالَ أحمد: إن كَانَ شيء يُعرف، فأرجو، وكذلك إن قَالَ: إلى قُدُوم الغزاة، وهذا محمول عَلَى أنه أراد وقت العطاء, لأن ذلك معلوم، فأما نفس العطاء، فهو فِي نفسه مجهول، يختلف، ويتقدم، ويتأخر، ويحتمل أنه أراد نفس العطاء؛ لكونه يتفاوت أيضا، فأشبه الحصاد، واحتج منْ أجاز ذلك، بأنه أجل يتعلق بوقت منْ الزمن، يعرف فِي العادة، لا يتفاوت فيه تفاوتا كثيرا، فأشبه إذا قَالَ: إلى رأس السنة.
واحتجّ الأولون بما رُوي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه قَالَ: لا تتبايعوا إلى الحصاد والدياس، ولا تتبايعوا إلا إلى شهر معلوم، ولأن ذلك يختلف، ويقرب ويبعد، فلا يجوز أن يكون أجلاً، كقدوم زيد.
[فإن قيل]: فقد رُوي عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: "إن رسول الله ﷺ ، بَعَث إلى يهودي: أن ابعث إلى بثوبين إلى الميسرة".
[قلنا]: قَالَ ابن المنذر: رواه حَرَمِيّ بن عُمارة، قَالَ أحمد: فيه غفلة، وهو صدوق، قَالَ ابن المنذر: فأخاف أن يكون منْ غفلاته، إذ لم يتابع عليه، ثم لا خلاف فِي أنه لو جعل الأجل إلى الميسرة لم يصح. انتهى.
стр. 16911
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الْحَدِيث المذكور سيأتي للمصنّف رحمه الله تعالى بعد ستّة أبواب، فِي ٧٠/ ٤٦٣٠ - "البيع إلى الأجل المعلوم"، وهو حديث صحيح، كما سيأتي بيانه هناك، فالظاهر أن الْحَدِيث يدلّ لمن قَالَ بجواز السلم إلى العطاء، ونحوه، مما يعلم عادة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: إذا جعل الأجل إلى شهر، تعلق بأوله، وإن جعل الأجل اسما يتناول شيئين: كجمادى، وربيع، ويوم النفر، تعلق بأولهما، وإن قَالَ إلى ثلاثة أشهر: إلى انقضائها؛ لأنه إذا ذكر ثلاثة أشهر مبهمة، وجب أن يكون ابتداؤها منْ حين لفظه بها، وكذلك لو قَالَ: إلى شهر كَانَ آخره، وينصرف ذلك إلى الأشهر الهلالية، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ الآية [التوبة: ٣٦]، وأراد الهلالية، وإن كَانَ فِي أثناء شهر، كملنا شهرين بالهلال، وشهرا بالعدد ثلاثين يوما، وقيل: تكون الثلاثة كلها عددية. انتهى "المغني" ٦/ ٤٠٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[الأمر الثالث]: فِي كون الأجل معلوما بالأهلة، وهو أن يُسلم إلى وقت يُعلم بالهلال، نحو أول الشهر، أو أوسطه، أو آخره، أو يوم معلوم منه؛ لقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ الآية [البقرة: ١٨٩]، ولا خلاف فِي صحة التأجيل بذلك، ولو أسلم إلى عيد الفطر، أو النحر، أو يوم عرفة، أو عاشوراء، أو نحوها جاز؛ لأنه معلوم بالأهلة، وإن جعل الأجل مقدرا بغير الشهور الهلالية، فذلك قسمان: [أحدهما]: ما يعرفه المسلمون، وهو بينهم مشهور، ككانون، وشباط، أو عيد لا يختلف، كالنيروز، والمهرجان عند منْ يعرفهما، فظاهر كلام الخرقي، وابن أبي موسى، أنه لا يصح؛ لأنه أسلم إلى غير الشهور الهلالية، أشبه إذا أسلم إلى الشعانين، وعيد الفطير؛ لأن هذه لا يعرفها كثير منْ المسلمين، أشبه ما ذكرنا. وَقَالَ القاضي: يصح، وهو قول الأوزاعي، والشافعي، قَالَ الأوزاعي: إذا أسلم إلى فصح النصارى، وصومهم جاز؛ لأنه معلوم لا يختلف، أشبه أعياد المسلمين، وفارق ما يختلف، فإنه لا يعلمه المسلمون
[القسم الثاني]: ما لا يعرفه المسلمون، كعيد الشعانين، وعيد الفطير، ونحوهما، فهذا لا يجوز السلم إليه؛ لأن المسلمين لا يعرفونه، ولا يجوز تقليد أهل الذمة فيه؛ لأن قولهم غير مقبول، ولأنهم يقدمونه ويؤخرونه عَلَى حساب لهم، لا يعرفه المسلمون، وإن أسلم إلى ما لا يختلف، مثل كانون الأول، ولا يعرفه المتعاقدان، أو أحدهما لم يصح؛ لأنه مجهول عنده. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
стр. 16912
المرجع والمآب ..
(المسألة الثانية عشرة): فِي الكلام عَلَى الشرط الخامس: وهو كون المسلم فيه عام الوجود فِي محله، قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: ولا نعلم فيه خلافا، وذلك لأنه إذا كَانَ كذلك، أمكن تسليمه عند وجوب تسليمه، وإذا لم يكن عام الوجود، لم يكن موجودا عند المحل بحكم الظاهر، فلم يمكن تسليمه، فلم يصح بيعه، كبيع الآبق، بل أولى، فإن السلم احتُمِل فيه أنواعٌ منْ الغرر للحاجة، فلا يُحتَمل فيه غرر آخر؛ لئلا يكثر الغور فيه، فلا يجوز أن يسلم فِي العنب، والرطب، إلى شباط أو آذار، ولا إلى محل لا يعلم وجوده فيه، كزمان أول العنب، أو آخره، الذي لا يوجد فيه إلا نادرا، فلا يؤمن انقطاعه.
ولا يجوز أن يُسلم فِي ثمرة بستان بعينه، ولا قرية صغيرة؛ لكونه لا يؤمن تلفه وانقطاعه. قَالَ ابن المنذر: إبطال السلم إذا أسلم فِي ثمرة بستان بعينه، كالإجماع منْ أهل العلم، وممن حفظنا عنه ذلك الثوري، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي، وإسحاق، قَالَ: ورَوينا عن النبيّ ﷺ : أنه أسلف إليه رجل منْ اليهود دنانير، فِي تمر مسمى، فَقَالَ اليهودي: منْ تمر حائط بني فلان، فَقَالَ النبيّ ﷺ : "أما منْ حائط بني فلان فلا, ولكن كيلٌ مسمى، إلى أجل مسمى"، رواه ابن ماجه (١) وغيره، ورواه أبو إسحاق الجوزجاني فِي "المترجم"، وَقَالَ: أجمع النَّاس عَلَى الكراهة لهذا البيع، ولأنه إذا أسلم فِي ثمرة بستان بعينه، لم يؤمن انقطاعه وتلفه، فلم يصح كما لو أسلم فِي شيء، قدّره بمكيال معين، أو صنجة معينة، أو أحضر خرقة، وَقَالَ أسلمت إليك فِي مثل هذه.
[تنبيه]: لا يشترط كون المسلم فيه موجودا، حال السلم، بل يجوز أن يسلم فِي الرُّطَب فِي أوان الشتاء، وفي كل يوم معدوم، إذا كَانَ موجودا فِي المحل، وهذا قول مالك، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر. وَقَالَ الثوري، والأوزاعي، وأصحاب الرأي: لا يجوز حَتَّى يكون جنسه موجودا حال العقد إلى حين المحل؛ لأن كل زمن يجوز أن يكون محلا للمسلم فيه؛ لموت المسلم إليه، فاعتبر وجوده فيه كالمحل.
واحتجّ الأولون بأن النبيّ ﷺ ، قدم المدينة، وهم يسلفون فِي الثمار السنة والسنتين، فَقَالَ: "منْ أسلف فليسلف فِي كيل معلوم"، ولم يذكر الوجود، ولو كَانَ شرطا لذكره، ولنهاهم عن السلف سنتين؛ لأنه يلزم منه انقطاع المسلم فيه أوسط السنة، ولأنه يثبت
стр. 16913
فِي الذمة، ويوجد فِي محله غالبا، فجاز السلم فيه كالموجود، ولا نسلم أن الدين يحل بالموت، وإن سلمنا فلا يلزم أن يشترط ذلك الوجود، إذ لو لزم أفضى إلى أن تكون آجال السلم مجهولة، والمحل ما جعله المتعاقدان محلا، وهاهنا لم يجعلاه.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الأولون هو الحقّ؛ لأن النبيّ ﷺ حينما بيّن لهم التعامل الصحيح فِي السلم لم يستفصلهم ذلك، فدلّ عَلَى أنه يجوز، ولو كَانَ ينقطع فِي بعض الأحيان، فإن الشرط وجوده وقت حلول الأجل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه آخر]: إذا تعذر تسليم المسلم فيه عند المحل، إما لغيبة المسلم إليه، أو عجزه عن التسليم، حَتَّى عُدم المسلم فيه، أو لم تحمل الثمار تلك السنة، فالْمُسْلِم بالخيار بين أن يصبر إلى أن يوجد، فيطالب به، وبين أن يَفسخ العقد، ويرجع بالثمن، إن كَانَ موجودا، أو بمثله إن كَانَ مثليا، وإلا بقيمته، وبه قَالَ الشافعيّ، وإسحاق، وابن المنذر. وقيل: إنه ينفسخ العقد بنفس التعذر؛ لكون المسلم فيه منْ ثمرة العام، بدليل وجوب التسليم منها، فإذا هلكت انفسخ العقد، كما لو باعه قفيزا منْ صبرة، فهلكت، والأول هو الصحيح، فإن العقد قد صح، وإنما تعذر التسليم، فهو كما لو اشترى عبدا، فأبق قبل القبض. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة عشرة): فِي الكلام عَلَى الشرط السادس: وهو أن يقبض رأس مال السلم فِي مجلس العقد، فإن تفرقا قبل ذلك بطل العقد، وبهذا قَالَ أبو حنيفة، والشافعي، وَقَالَ مالك: يجوز أن يتأخر قبضه يومين وثلاثة، وأكثر ما لم يكن ذلك شرطا؛ لأنه معاوضة لا يخرج بتأخير قبضه منْ أن يكون سلما، فأشبه ما لو تأخر إلى آخر المجلس.
وحجة الأولين: أنه عقد معاوضة لا يجوز فيه شرط تأخير العوض المطلق، فلا يجوز التفرق فيه قبل القبض كالصرف، ويفارق المجلس ما بعده بدليل الصرف.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي ما قاله مالك رحمه الله تعالى هو الظاهر؛ لأنه لم يرد نصّ باشتراط القبض، وما ذكروه منْ الاستدلال ليس بواضح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة عشرة): فِي اختلافهم فِي اشتراط معرفة صفة الثمن المعيّن:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: لا خلاف فِي اشتراط معرفة صفته، إذا كَانَ فِي الذمة؛ لأنه أحد عوضي السلم، فإذا لم يكن معينا اشترط معرفة صفته كالمسلم فيه، إلا أنه إذا أطلق، وفي البلد نقد معين، انصرف الإطلاق إليه، وقام مقام وصفه، فأما إن كَانَ الثمن
стр. 16914
معينا، فَقَالَ القاضي وأبو الخطاب: لابد منْ معرفة وصفه، واحتجا بقول أحمد: يقول: أسلمت إليك كذا وكذا درهما، ويصف الثمن، فاعتبر ضبط صفته، وهذا قول مالك، وأبي حنيفة؛ لأنه عقد لا يملك إتمامه فِي الحال، ولا تسليم المعقود عليه، ولا يؤمن انفساخه، فوجب معرفة رأس المسلم فيه ليرد بدله كالقرض والشركة، ولأنه لا يؤمن أن يظهر بعض الثمن مستحقا، فينفسخ العقد فِي قدره، فلا يدري فِي كم بقي، وكم انفسخ.
وقيل: لا يشترط؛ لأنه لم يُذكر فِي شرائط السلم، وهو أحد قولي الشافعيّ؛ لأنه عوض مشاهد، فلم يحتج إلى معرفة قدره، كبيوع الأعيان.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول الثاني أرجح؛ لقول النبيّ ﷺ : "منْ أسلم فليسلم فِي كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم"، ولم يذكر معرفة ذلك، فلو كَانَ لازمًا لما تركه ﷺ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة عشرة): فِي اختلافهم فِي اشتراط تعيين مكان الإيفاء:
ذهب بعضهم إلى أنه ليس بشرط، وحكاه ابن المنذر عن أحمد، وإسحاق، وطائفة منْ أهل الْحَدِيث، وبه قَالَ أبو يوسف، ومحمد، وهو أحد قولي الشافعيّ؛ لقول النبيّ ﷺ : "منْ أسلم فليسلم فِي كيل معلوم، أو وزن معلوم، إلى أجل معلوم"، ولم يذكر مكان الإيفاء، فدل عَلَى أنه لا يشترط، وفي الْحَدِيث الذي فيه: أن اليهودي أسلم إلى النبيّ ﷺ ، فَقَالَ النبيّ ﷺ : "أما منْ حائط بني فلان فلا, ولكن كيل مسمى إلى أجل مسمى"، ولم يذكر مكان الإيفاء، ولأنه عقد معاوضة، فلا يشترط فيه ذكر مكان الإيفاء، كبيوع الأعيان. وَقَالَ الثوري: يشترط ذكر مكان الإيفاء، وهو القول الثاني للشافعي، وَقَالَ الأوزاعي: هو مكروه؛ لأن القبض يجب بحلوله، ولا يعلم موضعه حينئذ، فيجب شرطه؛ لئلا يكون مجهولا. وَقَالَ أبو حنيفة، وبعض أصحاب الشافعيّ: إن كَانَ لحمله مؤنة وجب شرطه، وإلا فلا يجب؛ لأنه إذا كَانَ لحمه مؤنة، اختلف فيه الغرض، بخلاف ما لا مؤنة فيه. وَقَالَ ابن أبي موسى: إن كانا فِي برية لزم ذكر مكان الإيفاء، وإن لم يكونا فِي برية، فذِكْرُ مكان الإيفاء حسن، وإن لم يذكراه كَانَ الإيفاء مكان العقد؛ لأنه متى كانا فِي برية، لم يمكن التسليم فِي مكان العقد، فإذا ترك ذكره كَانَ مجهولا، وإن لم يكونا فِي برية اقتضى العقد التسليم فِي مكانه، فاكتفى بذلك عن ذكره، فإن ذكره كَانَ تأكيدا فكان حسنا، فإن شرط الإيفاء فِي مكان سواه صح؛ لأنه عقد بيع، فصح شرط ذكر الإيفاء فِي غير مكانه، كبيوع الأعيان.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول الأول وهو عدم اشتراط مكان الإيفاء
стр. 16915
أرجح؛ لقوّة أدلته، كما سبق آنفًا.
هذه خلاصة ما يتعلّق بحديث: "منْ أسلف سلفًا، فليُسلف فِي كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم"، فهي تفريعٌ، وتفصيل لهذه الشروط المذكورة فيه، فالكلام، وإن طال إلا أن المقام اقتضى ذلك؛ لأن المقصود منْ الشرح إيضاح معاني الأحاديث المذكورة فِي الكتاب، عَلَى وجه مفيد، وهذا يكون عَلَى حسب مفاهيم الأحاديث، فبهذا أعتذر إلى منْ يقول لي طوّلت، وأسأمت، اللَّهم انفعنا بما علّمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، وزدنا علمًا، إنك جواد كريم، رؤوف رحيم. وصلّى الله، وسلم عَلَى المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحابته أجمعين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيِقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٦٤ - (اسْتِسْلَافِ الْحَيَوَانِ، وَاسْتِقْرَاضِهِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الاستسلاف": طلب السلف، والمراد به هنا القرض، فيكون عطف قوله: "واستقراضه" عطف تفسير.
قَالَ الفيّوميّ رحمه الله تعالى: القرض: ما تُعطيه غيرك منْ المال؛ لتُقضاه، والجمع قُرُوض، مثلُ فلس وفُلُوس، وهو اسم منْ أقرضته المال إقراضًا، واستقرض: طلب القرض، واقترض: أخذه، وتقارضا الثناء: أثنى كلّ واحد عَلَى صاحبه، وقارضه منْ المال قِراضًا، منْ باب قاتل، وهو المضاربة. انتهى.
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: القرض نوع منْ السلف، وهو جائز بالسنة، والإجماع، أما السنة: فحديث أبي رافع ﵁: "أن النبيّ ﷺ ، استسلف منْ رجل بكرا، فقدمت عَلَى النبيّ ﷺ إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بَكْرَه، فرجع إليه أبو رافع، فَقَالَ: يا رسول الله، لم أجد فيها إلا خيارا رباعيا، فَقَالَ: أعطه، فإن خير النَّاس أحسنهم قضاء"، رواه مسلم. وعن ابن مسعود ﵁ أن النبيّ ﷺ قَالَ: "ما منْ مسلم يُقرض مسلما قرضا مرتين، إلا كَانَ كصدقة مرة" (١)، وعن أنس ﵁ قَالَ: قَالَ
стр. 16916
رسول الله ﷺ : "رأيت ليلة أُسري بي عَلَى باب الجنة مكتوبا: الصدقةُ بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر، فقلت: يا جبريل ما بال القرض أفضل منْ الصدقة؟ قَالَ: لأن السائل يسأل وعنده، والمستقرض لا يستقرض إلا منْ حاجة" (١)، رواهما ابن ماجه، وأجمع المسلمون عَلَى جواز القرض. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٦١٩ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَأَتَاهُ يَتَقَاضَاهُ بَكْرَهُ، فَقَالَ لِرَجُلٍ: "انْطَلِقْ، فَابْتَعْ لَهُ بَكْرًا"، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: "مَا أَصَبْتُ إِلاَّ بَكْرًا، رَبَاعِيًّا، خِيَارًا، فَقَالَ: "أَعْطِهِ، فَإِنَّ خَيْرَ الْمُسْلِمِينَ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلّاس الصيرفي، أبو حفص البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (عبد الرحمن) بن مهديّ بن حسّان العنبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت [٩] ٤٢/ ٤٩.
٣ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] ٧/ ٧.
٤ - (زيد بن أسلم) العدويّ مولاهم المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ٦٤/ ٨٠.
٥ - (عطاء بن يسار) الهلاليّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، ثقة عابد فاضل [٣] ٦٤/ ٨٠.
٦ - (أبو رافع) القبطيّ، مولى رسول الله ﷺ ، قيل: اسمه إبراهيم، وقيل: أسلم، وقيل: ثابت، وقيل: هُرْمُز، صحابيّ مشهور، مات ﵁ فِي أول خلافة علي ﵁ عَلَى الصحيح، وتقدّم فِي ٥٨/ ٨٦٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين، غير عمرو بن عليّ الفلّاس، وعبد الرحمن، فإنهما بصريّان، وفيه أن شيخه هو أحد مشايخ الستة بلا واسطة، كما تقدم غير مرّة. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: زيد عن عطاء، وهو منْ رواية الأقران. والله تعالى أعلم.
стр. 16917
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي رَافِعٍ) رضي الله تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، اسْتَسْلَفَ) أي طلب السَّلَف، وهو القرَض (مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا) بفتح الباء الموحّدة: الفتِيّ منْ الإبل، وهو فيها كالغلام فِي الرجال، والْقَلُوص فيها كالجارية فِي النِّساء، قاله فِي "المفهم" ٤/ ٥٠٦ وَقَالَ الفيّوميّ: البَكْرُ بالفتح: الْفَتِيّ منْ الإبل، وبه كُني، ومنه أبو بَكر الصدّيق ﵁، والجمع أبكار، والبكرة: الأنثى، والجمع بِكار، مثل كلبة وكِلاب، وَقَدْ يقال: بِكارةٌ مثل حجارة. انتهى.
(فَأَتَاهُ يَتَقَاضَاهُ) أي يستوفي منه (بَكْرَهُ، فَقَالَ لِرَجُلٍ) هو أبو رافع نفسه، ففي رواية مسلم: "فقدمت عليه إبلٌ منْ إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره"، وفي رواية لابن خُزيمة: "استسلف منْ رجل بكرًا، فَقَالَ: إذا جاءت إبل الصدقة قضيناك، فلما جاءت إبل الصدقة، أمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع، فَقَالَ: لم أجد فيها إلا خيارًا رَباعيًا، فَقَالَ: أعطه إياه" (انْطَلِقْ، فَابْتَعْ) أي اشتر (له بَكْرًا) هَذَا يخالف الرواية المذكورة عند مسلم، وابن خزيمة، ويُجمع بينهما بأنه ﷺ أمره أوّلاً أن يشتري له بكره، ثم أتاه إبل الصدقة قبل أن يُشتري له، فأعطاه منها، أو أنه أمر بالشراء منْ إبل الصدقة ممن استحقّ منها شيئًا، ويؤيّده رواية ابن خزيمة المذكورة: "إذا جاءت الصدقة قضيناك". قاله فِي "الفتح" ٥/ ٣٣٦ (فَأَتَاهُ) أي أتى الرجل المأمور النبيّ ﷺ (فَقَالَ: "مَا أَصَبْتُ إِلَّا بَكْرًا، رَبَاعِيًا) بفتح الراء: هو الذي دخل فِي السنة السابعة؛ لأنه يُلقي فيها رَباعيته، وهي التي تلي الثنايا، وهي أربع رباعيات -مخفّف الياء- والذكر رَبَاعٌ، والأنثى رباعية (خِيَارًا) خيار الشيء: أحسنه، وأفضله، قاله فِي "المفهم"، وَقَالَ فِي "الفتح": والخيار الجيّد، يُطلق عَلَى الواحد والجمع. انتهى (فَقَالَ) ﷺ (أَعْطِهِ) أي أعط الرجل الرباعي، فالهاء عائد عَلَى الرجل، وهو المفعول الأول، والثاني محذوف؛ اختصارًا، كما فِي قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ الآية [الضحى: ٥]، ويحتمل أن يكون الهاء للرباعي، والمحذوف هو المفعول الأول، كما فِي قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ الآية [التوبة: ٢٩].
(فَإِنَّ خَيْرَ الْمُسْلِمِينَ) أي فِي المعاملة، أو "منْ" مقدّرة، كما تدلّ عليه الرواية, فقد ثبت فِي حديث أبي هريرة ﵁ فِي رواية عند البخاريّ، بلفظ: "فإن منْ خيركم"، وفي رواية له: "فإن منْ خيار النَّاس أحسنهم قضاء". وَقَالَ العينيّ: قوله: "فإن خيركم": أي أخيركم، فالخير والشرّ يُستعملان للتفضيل عَلَى لفظهما، بمعنى الأخير والأشرّ. انتهى "عمدة القاري" ١٠/ ٢٤٠ (أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً) أي أداءً لما عليه منْ الدين.
стр. 16918
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي رافع ﵁ هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٦٤/ ٤٦١٩ - وفي "الكبرى" ٦٥/ ٦٢١٠. وأخرجه (م) فِي "البيوع" ١٦٠٠ (د) فِي "البيوع" ٢٣٤٦ (ت) فِي "البيوع" ١٣١٨ (ق) فِي "التجارات" ٢٢٨٥ (أحمد) فِي "مسند القبائل" ٢٦٦٤٠ (موطّأ) فِي "البيوع" ١٣٨٤ (الدارمي) فِي "البيوع" ٢٤٥٢. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز استسلاف الحيوان، واستقراضه، وهو قول أكثر أهل العلم، ومنع منْ ذلك الثوري، والحنفية، وسيأتي البحث فِي ذلك فِي المسألة الخامسة، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أن فيه جوازَ وفاء ما هو أفضل منْ المثل المقترض، إذا لم تقع شرطية ذلك فِي العقد، فيحرم حينئذ اتفاقا، وبه قَالَ الجمهور، وعن المالكية تفصيل فِي الزيادة، إن كانت بالعدد مُنعت، وإن كانت بالوصف جازت. (ومنها): جواز المطالبة بالدين، إذا حَلّ أجله. (ومنها): أن فيه جوازَ الاقتراض فِي البر، والطاعة، وكذا فِي الأمور المباحة، وأنه لا يعاب ذلك. (ومنها): أن للأمام أن يقترض عَلَى بيت المال؛ لحاجة بعض المحتاجين؛ ليوفي ذلك منْ مال الصدقات. (ومنها): أنه استدل به الشافعيّ رحمه الله تعالى عَلَى جواز تعجيل الزكاة، هكذا حكاه ابن عبد البرّ. قَالَ الحافظ: ولم يظهر لي توجهه، إلا أن يكون المراد ما قيل فِي سبب اقتراضه ﷺ ، وأنه كَانَ اقترضه لبعض المحتاجين منْ أهل الصدقة، فلما جاءت الصدقة، أوفى صاحبه منها, ولا يعكر عليه، أنه أوفاه أزيد منْ حقه منْ مال الصدقة؛ لاحتمال أن يكون المقترض منه، كَانَ أيضا منْ أهل الصدقة، إما منْ جهة الفقر، أو التألّف، أو غير ذلك، بجهتين: جهة الوفاء فِي الأصل، وجهة الاستحقاق فِي الزائد.
وقيل: كَانَ اقتراضه فِي ذمته، فلما حل الأجل، ولم يجد الوفاء صار غارما، فجاز له الوفاء منْ الصدقة. وقيل: كَانَ اقتراضه لنفسه، فلما حل الأجل، اشترى منْ إبل الصدقة بعيرا، ممن استحقه، أو اقترضه منْ آخر، أو منْ مال الصدقة؛ ليوفيه بعد ذلك، قَالَ الحافظ: والاحتمال الأول أقوى، ويؤيده سياق حديث أبي رافع. ذكره فِي "الفتح"
стр. 16919
٥/ ٣٣٦ - ٣٣٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي حكم القرض:
قَالَ فِي "المغني" ٦/ ٤٢٩ - ٤٣٠: والقرض مندوب إليه فِي حق المقرض، مباح للمقترض؛ لما روينا منْ الأحاديث؛ ولما رَوَى أبو هريرة ﵁: أن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "منْ نفّس عن مؤمن كربة منْ كرب الدنيا، نفّس الله عنه كربة منْ كرب يوم القيامة، ومن يسّر عَلَى معسر، يسّر الله عليه فِي الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا، ستره الله فِي الدنيا والآخرة، والله فِي عون العبد، ما كَانَ العبد فِي عون أخيه" الْحَدِيث، أخرجه مسلم، وعن أبي الدرداء ﵁ أنه قَالَ: لأن أقرض دينارين، ثم يردان، ثم أقرضهما أحب إلى منْ أن أتصدق بهما, ولأن فيه تفريجا عن أخيه المسلم، وقضاء لحاجته، وعونا له، فكان مندوبا إليه، كالصدقة عليه، وليس بواجب. قَالَ أحمد: لا إثم عَلَى منْ سئل القرض، فلم يقرض، وذلك لأنه منْ المعروف، فأشبه صدقة التطوع، وليس بمكروه فِي حق المقرض، قَالَ أحمد: ليس القرض منْ المسألة -يعني ليس بمكروه- وذلك لأن النبيّ ﷺ ، كَانَ يستقرض بدليل حديث أبي رافع ﵁، ولو كَانَ مكروها كَانَ أبعد النَّاس منه، ولأنه يأخذه بعوضه، فأشبه الشراء بدين فِي ذمته. قَالَ ابن أبي موسى: لا أحب أن يتحمل بأمانته، ما ليس عنده -يعني ما لا يقدر عَلَى وفائه- ومن أراد أن يستقرض، فليعلم منْ يسأله القرض بحاله، ولا يَغُرّه منْ نفسه، إلا أن يكون الشيء اليسير الذي لا يتعذر رد مثله. قَالَ أحمد: إذا اقترض لغيره، ولم يُعلمه بحاله لم يعجبني، وَقَالَ: ما أحب أن يقترض بجاهه لإخوانه، قَالَ القاضي: يعني إن كَانَ منْ يقترض له غير معروف بالوفاء؛ لكونه تغريرا بمال المقرض، وإضرارا به، أما إذا كَانَ معروفا بالوفاء لم يكره؛ لكونه إعانة له، وتفريجا لكربته. انتهى. وهو بحث مفيد جدًّا.
[تنبيه]: لا يصح القرض إلا منْ جائز التصرف؛ لأنه عقد عَلَى المال، فلم يصلح إلا منْ جائز التصرف كالبيع، وحكمه فِي الإيجاب والقبول حكم البيع عَلَى ما مضى، ويصح بلفظ السلف والقرض؛ لورود الشرع بهما، وبكل لفظ يؤدي معناهما، مثل أن يقول: ملكتك هَذَا عَلَى أن تَرُدّ عليّ بدله، أو توجد قرينة دالة عَلَى إرادة القرض. فإن قَالَ: ملكتك، ولم يذكر البدل، ولا وُجد ما يدل عليه، فهو هبة، فإن اختلفا فالقول قول الموهوب له؛ لأن الظاهر معه؛ لأن التمليك منْ غير عوض هبة. قاله فِي "المغني" ٦/ ٤٣٠ - ٤٣١. وهو تحقيق نفيس أيضًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): فِي اختلاف أهل العلم فِي جواز اقتراض الحيوان:
قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: فيه ثلاثة مذاهب: [الأول]: مذهب الشافعيّ،
стр. 16920
ومالك، وجماهير العلماء، منْ السلف والخلف أنه يجوز قرض جميع الحيوانات، إلا الجارية لمن يملك وطأها، فإنه لا يجوز، ويجوز إقراضها لمن لا يملك وطأها، كمحارمها، والمرأة، والخنثى.
[والمذهب الثاني]: مذهب المزنيّ، وابن جرير، وداود: أنه يجوز قرض الجارية، وسائر الحيوانات لكلّ واحد.
[والمذهب الثالث]: مذهب أبي حنيفة، والكوفيين أنه لا يجوز قرض شيء منْ الحيوانات، وهذه الأحاديث تردّ عليهم، ولا تُقبل دعواهم النسخ بغير دليل. انتهى "شرح مسلم" ١١/ ٣٨.
وَقَالَ فِي "الفتح": ما حاصله: ذهب أكثر أهل العلم إلى جوازه، وذهب الثوري، والحنفية إلى منعه، واحتجوا بحديث النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وهو حديث، قد رُوي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، مرفوعا، أخرجه ابن حبّان، والدارقطني، وغيرهما، ورجال إسناده ثقات، إلا أن الحفاظ رجحوا إرساله، وأخرجه المصنّف فِي الباب التالي، والترمذي، منْ حديث الحسن، عن سمرة ﵁، وفي سماع الحسن منْ سمرة اختلاف، قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: وفي الجملة هو حديث صالح للحجيّة.
وادعى الطحاوي أنه ناسخ لحديث الباب. وتُعُقّب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، والجمع بين الحديثين ممكن، فقد جمع بينهما الشافعيّ، وجماعة، يحمل النهي عَلَى ما إذا كَانَ نسيئة منْ الجانبين، ويتعين المصير إلى ذلك؛ لأن الجمع بين الحديثين أولى منْ إلغاء أحدهما بإتفاق، وإذا كَانَ ذلك المراد منْ الْحَدِيث بقيت الدلالة عَلَى جواز استقراض الحيوان، والسلم فيه.
واعتل منْ منع أيضًا بأن الحيوان يختلف اختلافا متباينا، حَتَّى لا يوقف عَلَى حقيقة المثلية فيه.
وأجيب بأنه لا مانع منْ الإحاطة به بالوصف، بما يدفع التغاير، وَقَدْ جوّز الحنفية التزويج، والكتابة عَلَى الرقيق الموصوف فِي الذمة. قاله فِي "الفتح" ٥/ ٣٣٦ - ٣٣٧.
وَقَالَ ابن المنذر رحمه الله تعالى: أجمع كل منْ نحفظ عنه منْ أهل العلم، عَلَى أن استقراض ماله مثل منْ المكيل والموزون، والأطعمة جائز، ويجوز قرض كل ما يثبت فِي الذمة سَلَمًا، سوى بني آدم، وبهذا قَالَ الشافعيّ، وَقَالَ أبو حنيفة: لا يجوز قرض غير المكيل والموزون؛ لأنه لا مثل له، أشبه الجواهر.
واحتجّ الأولون بأن النبيّ ﷺ ، استسلف بكرا, وليس بمكيل ولا موزون؛ ولأن ما
стр. 16921
يثبت سلما يُملك بالبيع، ويُضبط بالوصف، فجاز قرضه، كالمكيل والموزون، وقولهم: لا مثل له، خلاف أصلهم، فإن عند أبي حنيفة: لو أتلف عَلَى رجل ثوبا، ثبت فِي ذمته مثله، ويجوز الصلح عنه بأكثر منْ قيمته.
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: فأما ما لا يثبت فِي الذمة سلمًا، كالجواهر، وشبهها، فَقَالَ القاضي: يجوز قرضها، ويرد المستقرض القيمة؛ لأن ما لا مثل له يُضمن بالقيمة، والجواهر كغيرها فِي القيم، وَقَالَ أبو الخطاب: لا يجوز قرضها؛ لأن القرض يقتضي رد المثل، وهذه لا مثل لها, ولأنه لم ينقل قرضها, ولا هي فِي معنى ما نُقل القرض فيه؛ لكونها ليست منْ المرافق، ولا يثبت فِي الذمة سلما، فوجب إبقاؤها عَلَى المنع، ويمكن بناء هَذَا الخلاف عَلَى الوجهين فِي الواجب فِي بدل غير المكيل والموزون، فإذا قلنا الواجب رد المثل، لم يجز قرض الجواهر، وما لا يثبت فِي الذمة سلما لتعذر رد مثلها، وإن قلنا الواجب رد القيمة، جاز قرضه لإمكان رد القيمة، ولأصحاب الشافعيّ وجهان كهذين.
قَالَ: فأما بنو آدم، فَقَالَ أحمد: أكره قرضهم، فيحتمل كراهية تنزيه، ويصح قرضهم، وهو قول ابن جريج، والمزني؛ لأنه مال يثبت فِي الذمة سلما، فصح قرضه، كسائر الحيوان، ويحتمل أنه أراد كراهة التحريم، فلا يصح قرضهم، واختاره القاضي؛ لأنه لم ينقل قرضهم، ولا هو منْ المرافق، ويحتمل صحة قرض العبيد دون الإماء، وهو قول مالك، والشافعي، إلا أن يقرضهن منْ ذوي محارمهن؛ لأن الملك بالقرض ضعيف، فإنه لا يمنعه منْ ردها عَلَى المقرض، فلا يستباح به الوطء، كالملك فِي مدة الخيار، وإذا لم يبح الوطء فلم يصح القرض؛ لعدم القائل بالفرق، ولأن الأبضاع مما يحتاط لها, ولو أبحنا قرضهن، أفضي إلى أن الرجل يستقرض أمة، فيطؤها ثم يردها منْ يومه، ومتى احتاج إلى وطئها استقرضها فوطئها ثم ردها، كما يستعير المتاع، فينتفع به ثم يرده.
قَالَ الموفّق: ولنا أنه عقد ناقل للملك، فاستوى فيه العبيد والإماء، كسائر العقود، ولا نسلم ضعف الملك، فإنه مطلق لسائر التصرفات، بخلاف الملك فِي مدة الخيار، وقولهم: متى شاء المقترض ردها ممنوع، فإننا إذا قلنا الواجب رد القيمة لم يملك المقترض رد الأمة، وإنما يرد قيمتها، وإن سلمنا ذلك، لكن متى قصد المقترض هَذَا لم يحل له فعله، ولا يصح اقتراضه، كما لو اشترى أمة ليطأها، ثم يردها بالمقايلة، أو بعيب فيها، وإن وقع هَذَا بحكم الإتفاق لم يمنع الصحة، كما لو وقع ذلك فِي البيع، وكما لو أسلم جارية فِي أخرى، موصوفة بصفاتها، ثم ردها بعينها عند حلول الأجل،
стр. 16922
ولو ثبت أن القرض ضعيف لا يبيح الوطء لم يمنع منه فِي الجواري، كالبيع فِي مدة الخيار، وعدم القائل بالفرق ليس بشيء عَلَى ما عرف فِي مواضعه، وعدم نقله ليس بحجة، فإن أكثر الحيوانات لم ينقل قرضها، وهو جائز. انتهى "المغني" ٦/ ٤٣٣ - ٤٣٤.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه أحمد رحمه الله تعالى منْ جواز اقتراض العبد والأمة هو الأرجح؛ لأنه لم يرد نصّ يمنع منْ ذلك، ولا إجماع، فصار كسائر الحيوانات. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٢٠ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، سِنٌّ مِنَ الإِبِلِ، فَجَاءَ يَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: "أَعْطُوهُ"، فَلَمْ يَجِدُوا إِلاَّ سِنًّا فَوْقَ سِنِّهِ، قَالَ: "أَعْطُوهُ"، فَقَالَ: أَوْفَيْتَنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن منصور) أبو سعيد النسائيّ، وهو ثقة ثبتٌ [١١] ١٠٨/ ١٤٧.
٢ - (أبو نُعيم) الفضل بن دُكين، واسم دُكين عمرو بن حماد بن زُهير التيميّ مولاهم الأحول الكوفيّ، ثقة ثبت [٩] ١١/ ٥١٦.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة ثبت إمام [٧] ٣٣/ ٣٧.
٤ - (سلمة بن كُهيل) الحضرميّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة [٤] ١٩٥/ ٣١٢.
٥ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف المدنيّ الفقيه ثقة ثبت [٣] ١/ ١.
٦ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين، منْ أبي نُعيم، إلى سلمة، وشيخه نسائيّ، كما مرّ آنفًا، وأبو سلمة، وأبو هريرة مدنيّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة عَلَى بعض الأقوال. وفيه أبو هريرة ﵁ رأس المكثرين منْ الرواية, وَقَدْ تقدّم هَذَا كله غير مرّة. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قَالَ فِي "الفتح" ٥/ ٣٣٧ - : هَذَا الْحَدِيث منْ غرائب الصحيح، قَالَ البزار: لا يُروَى عن أبي هريرة ﵁، إلا بهذا الإسناد، ومداره عَلَى سلمة بن كهيل، وَقَدْ
стр. 16923
صرح فِي هَذَا الباب عند البخاريّ، بأنه سمعه منْ أبي سلمة بن عبد الرحمن بمنى، ولفظه: قَالَ: سمعت أبا سلمة بمنى، يُحدّث عن أبي هريرة ﵁، فذكره، وذلك لما حج. انتهى. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيَّ ﷺ ، سِنٌّ مِنَ الْإِبِلِ، فَجَاءَ يَتَقَاضَاهُ) أي يطلب منه قضاء الدين، وفي رواية أحمد عن عبد الرزّاق، عن سفيان: "جاء أعرابيّ، يتقاضى النبيّ ﷺ بعيرًا"، وله عن يزيد بن هارون، عن سفيان: "استقرض النبيّ ﷺ منْ رجل بعيرًا"، وللترمذيّ منْ طريق عليّ بن صالح، عن سلمة: "استقرض النبيّ ﷺ سنّا".
زاد فِي رواية البخاريّ: فأغلظ له، فهمّ به أصحابه، فَقَالَ: "دعوه، فإن لصاحب الحقّ مقالاً".
وقوله: "فأغلظ له": يحتمل أن يكون الإغلاظ بالتشديد فِي المطالبة منْ غير قدر زائد. ويحتمل أن يكون بغير ذلك، ويكون صاحب الدين كافرًا، فقد قيل: إنه كَانَ يهوديًا، والأول أظهر؛ لما تقدّم منْ رواية عبد الرزاق أنه كَانَ أعرابيًّا، وكأنه جرى عَلَى عادته منْ جفاء المخاطبة.
قَالَ الحافظ: ووقع فِي ترجمة بكر بن سهل فِي "معجم الطبراني" عن العرباض بن سارية ﵁ ما يُفهم أنه هو، لكن روى النسائيّ، والحاكم الْحَدِيث المذكور، وفيه ما يقتضي أنه غيره، وأن القصّة وقعت لأعرابيّ، ووقع للعرباض نحوها. انتهى.
وَقَالَ القرطبيّ: هَذَا الرجل كَانَ منْ اليهود، فإنهم كانوا أكثر منْ يُعامل بالدين. وحُكي أن القول الذي قاله، إنما هو: إنكم يا بني عبد المطّلب مُطلٌ، وكذب اليهوديّ، لم يكن هَذَا معروفًا منْ أجداد النبيّ ﷺ ، ولا أعمامه، بل المعروف منهم الكرم، والوفاء، والسخاء، وبعيدٌ أن يكون هَذَا القائل مسلمًا، إذ مقابلة النبيّ ﷺ بذلك أذى للنبيّ ﷺ ، وأذاه كفر. انتهى "المفهم" ٤/ ٥٠٩.
وقوله: "فهمّ به أصحابه": أي أراد أصحاب النبيّ ﷺ أن يؤذوه بالقول، أو الفعل، لكن لم يفعلوا أدبًا مع النبيّ ﷺ . وقوله: "فإن لصاحب الحقّ مقالاً": أي صولة الطلب، وقوّة الحجة، لكن عَلَى منْ يمطُل، أو يسيء المعاملة، وأما منْ أنصف منْ نفسه، فبذل ما عنده، واعتذر عما ليس عنده، فيُقبل عذره، ولا تجوز الاستطالة عليه، ولا كَهْرُه. قاله فِي "الفتح"، و"المفهم".
(فَقَالَ) ﷺ (أَعْطُوهُ) وفي رواية البخاريّ: "واشتروا له بعيرًا، فأعطوه إياه"، وفي
стр. 16924
رواية عبد الرزّاق: "التمسوا له مثل سنّ بعيره".
(فَلَمْ يَجِدُوا إِلَّا سِنًّا فَوْقَ سِنِّهِ) أي أكبر منه، فإنه كَانَ بكرًا، فوجدوا له رباعيًا، كما تقدّم وَقَالَ العينيّ: "السنّ": هي المعروفة، ثم سُمّي بها صاحبها. انتهى "عمدة القاري" ١٠/ ٢٤٠ (قَالَ) ﷺ (أَعْطُوهُ) أي أعطوه السنّ الأكبر (فَقَالَ) ذلك الرجل (أَوْفَيْتَنِي) أي أعطيتني حقّي وافيًا، يقال: أوفى الرجلَ حقَه، ووفّاه إياه: بمعنى أكمله له، وأعطاه وافيًا. قاله فِي "اللسان"، وَقَالَ الفيّوميّ: وفَيتُ بالعهد، والوعد أَفِي به وَفَاءً، والفاعل وَفِيٌّ، والجمع أوفياءُ، مثلُ صَدِيق وأَصدِقاءَ، وأوفيت به إيفاءً، وَقَدْ جمعهما الشاعر، فَقَالَ [منْ البسيط]:
أَمَّا ابْنُ طَوْقٍ فَقَدْ أَوْفَى بِذِمَّتِهِ … كَمَا وَفَى بِقِلَاصِ النَّجْمِ حَادِيهَا
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ خِيَارَكُمْ) قَالَ فِي "الفتح": الخيار: الجيّد، يطلق عَلَى الواحد، والجمع، فيحتمل أن يريد المفرد بمعنى المختار، أو الجمع، والمراد أنه خيرهم فِي المعاملة، أو تكون "منْ" مقدّرةً، ويدلّ عليها الرواية الأخرى، فقد وقع فِي رواية عند البخاريّ: "منْ خياركم". وقوله: (أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً) لمّا أضيف أفعل، والمقصود به الزيادة جاز فيه الإفراد. انتهى "فتح" ٥/ ٣٣٦. وَقَالَ القرطبيّ: قوله: "خيركم أحسنكم قضاء": هَذَا هو اللفظ الفصيح الحسن، وَقَدْ رُوي "أحاسنكم" وهو جمع حسن، ذهبوا به مذهب الأسماء، كأحمد، وأحامد. وَقَدْ وقع فِي "الأمّ" -يعني "صحيح مسلم"- فِي بعض طرقه: "محاسنكم" بالميم، وكأنه جمع محسن، ومطلع، ومطالع، وفيه بُعدٌ، وأحسنها الأول. انتهى "المفهم" ٤/ ٥١٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٦٤/ ٤٦٢٠ و١٠٣/ ٤٦٩٥ - وفي "الكبرى" ٦٥/ ٦٢١١ و١٠٥/ ٦٢٩٢ وأخرجه (خ) فِي "الوكالة" ٢٣٠٥ (م) فِي "البيوع" ١٦٠١ (ت) فِي "البيوع" ١٣١٦ و١٣١٧ (ق) فِي "الأحكام" ٢٤٢٣ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ٨٦٨٠ و٨٨٦٢ و٩٢٨٩ و٩٨١٤ و١٠٢٣١. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز استقراض الحيوان،
стр. 16925
قَالَ القرطبيّ: وهو مذهب الجمهور، ومنع منْ ذلك الكوفيّون، وهذا الْحَدِيث الصحيح حجة عليهم، واستثنى منْ الحيوان أكثر العلماء الجواريَ، فمنعوا قرضهنّ؛ لأنه يؤدّي إلى عارية الفروج، وأجاز ذلك بعض أصحابنا بشرط أن يردّ غيرها، وأجاز ذلك مطلقًا الطبريّ، والمزنيّ، وداود الأصبهانيّ، وقصر بعض الظاهريّة جواز القرض عَلَى ما له مثلٌ منْ المعيّن، والمكيل، والموزون، وهذا الْحَدِيث حجة عليهم. انتهى "المفهم" ٤/ ٥٠٦.
(ومنها): ما قَالَ القرطبيّ: قوله: "اشتروا له سنّا الخ" دليلٌ عَلَى أن هَذَا الْحَدِيث قضيّة أخرى، غير قضيّة حديث أبي رافع، فإن ذلك الْحَدِيث يقتضي أنه أعطاه منْ إبل الصدقة، وهذا اشتُري له. (ومنها): أن فيه دليلاً عَلَى صحة الوكالة فِي القضاء. (ومنها): أن فيه جوازَ الزيادة فِي القضاء، وَقَدْ تقدّم تفصيله، وذكر الخلاف فيه.
(ومنها): أن فيه بيان حسنِ خلق النبيّ ﷺ ، وعظم حلمه، وتواضعه، وإنصافه، وقوة صبره عَلَى الجفاء، مع القدرة عَلَى الانتقام، وأن منْ عليه دين لا ينبغي له مجافاة صاحب الحق، وأن منْ أساء الأدب عَلَى الإِمام، كَانَ عليه التعزير بما يقتضيه الحال، إلا أن يعفو صاحب الحق. قاله فِي "الفتح". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي تأويل قضائه ﷺ البكر، منْ مال الصدقة:
قَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: واختلف أرباب التأويل فِي استسلاف النبيّ ﷺ هَذَا البكر، وقضائه عنه منْ مال الصدقة، هل كَانَ ذلك السلف لنفسه، أو لغيره؟، فمنهم منْ قَالَ: كَانَ لنفسه، وكان هَذَا قبل أن تحرم عليه الصدقة. وهذا فاسدٌ، فإنه ﷺ لم تزل الصدقة محرّمة عليه، منذ قدُوم المدينة، وكان ذلك منْ خصائصه ﷺ ، ومن جملة علاماته المذكورة فِي الكتب المتقدّمة، بدليل قصّة سلمان الفارسيّ ﵁، فإنه عند قدوم النبيّ ﷺ المدينة، جاءه سلمان بتمر، فقدّمه إليه، وَقَالَ: كل، فَقَالَ: "ما هَذَا؟ "، فَقَالَ: صدقةٌ، فَقَالَ لأصحابه: "كلوا"، ولم يأكل، وأتاه يومًا آخر بتمر، وَقَالَ: هديّة، فأكل، فَقَالَ سلمان ﵁: هذه واحدة، ثم رأى خاتم النبوّة، فأسلم، وهذا واضح.
وقيل: استسلفه لغيره، ممن يستحقّ أخذ الصدقة، فلما جاءت إبل الصدقة دفع منها، وَقَدْ استُبعد هَذَا منْ حيث إنه قضاه أزيد منْ القرض منْ مال الصدقة، وَقَالَ: "إخيركم أحسنكم قضاء"، فكيف يُعطي زيادة منْ مال ليس له، ويجعل ذلك منْ باب
стр. 16926
حسن القضاء؟. وأجيب عن هَذَا بأنه قيل: كَانَ الذي استقرض منه منْ أهل الصدقة، فدفع الرباعي بوجهين: بوجه القرض، وبوجه الاستحقاق.
وقيل: وجه ثالثٌ، وهو أحسنها -إن شاء الله تعالى-، وهو أن يكون استقرض البكر عَلَى ذمّته، فدفعه لمستحقّ، فكان غارمًا، فلما جاءت إبل الصدقة، أخذ منها بما هو غارمٌ جملاً رباعيًا، فدفعه فيما كَانَ غارمًا، فكان أداءً عما فِي ذمّته، وحسن قضاء بما يملكه، وهذا كما رُوي أنه ﷺ أمر ابن عمر أن يجهّز جيشًا، فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ عَلَى قلائد الصدقة، فظاهره أنه أخذ عَلَى ذمّته، فبقي أن يقال: كيف يجوز له أن يؤدّي دينه، ويُبرىء ذمّته مما لا يجوز له أخذه؟.
ويُجاب عنه بأنه لَمّا لم يأخذ لنفسه صار بمنزلة منْ ضمنه فِي ذمّته إلى وقت مجيء الصدقة، فلو لم يجىء منْ إبل الصدقة شيء لضمنه لمقرضه منْ ماله. انتهى "المفهم" ٤/ ٥٠٦ - ٥٠٧. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الجواب الذي قبل هَذَا الثالث، وهو ما تقدّم فِي قوله: وقيل: استسلفه لغيره الخ" أظهر منْ هَذَا، وأقرب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): فيما قيل فِي حكمة شغله ﷺ ذمّته بدين:
قَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: [فإن قيل]: كيف شَغَل النبيّ ﷺ ذمّته بدين، وَقَدْ قَالَ: "إياكم والدين، فإنه شينٌ، الدين همّ بالليل، ومذلّةٌ بالنهار" (١) وَقَدْ كَانَ كثيرًا ما يتعوّذ منه، حَتَّى قيل له: ما أكثر ما تستعيذ منْ المغرم؟ فَقَالَ: "إن الرجل إذا غَرِم، حدّث، فكذب، ووعد، فأخلف" متّفقٌ عليه.
ولا يقال: إنما استقرض عند الحاجة والضرورة؛ لأنا نقول: لم يكن ذلك فِي ضرورة إلى ذلك، فإن الله تعالى خيّره بين أن يجعل له بطحاء مكة ذهبًا، كما رواه الترمذيّ، منْ حديث أبي أمامة ﵁، وحسّنه، ومن كانت هذه حاله لم يكن فِي ضرورة، ولا حاجة، ولذلك قَالَ الله تعالى له: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨].
قَالَ القرطبيّ: أما الأخذ بالدين عند الحاجة، وقصد الأداء عند الوجدان، فلا يُختلف فِي جوازه، وَقَدْ يجب فِي بعض الأوقات عند الضرورات المتعيّنة. وأما النهي عن أخذه -إن صحّ- فإنما ذلك لمن لم تدعه إليه حاجة؛ لما يطرأ منْ تحمّله منْ الأمور التي ذكرتها، منْ الإذلال، والمطالبة، وما يُخاف منْ الكذب فِي الْحَدِيث، والإخلاف
стр. 16927
فِي الوعد، وَقَدْ عصم الله تعالى نبينا ﷺ منْ ذلك كله، فلم يُحوجه إلى شيء منْ ذلك، ولا أجراه عليه.
وأما قولهم: إنه لم يكن فِي ضرورة؛ لأن الله تعالى خيّره. فجوابه أن الله تعالى لَمّا خيّره، فاختار أن يجوع ثلاثًا، ويَشبع يومًا، أجرى الله تعالى عليه ما اختاره لنفسه، وما أشاره إليه به صفيّه، ونصيحه جبريل ﵇، فسلك الله تعالى به منْ ذلك أعلى السبيل؛ ليصبر عَلَى المشقّات والشدائد، كما صبر أولو العزم منْ الرسل، ولينال أعلى المقامات الفاخرة، ألا تسمع قوله لعمر ﵁: "أما ترضى أن تكون لهم الدنيا, ولنا الآخرة؟ ". ثمّ لَمّا أخلص الله تعالى جوهره، وطيّبَ خُبْرَه، وخَبَرَه، أغناه بعد الْعَيْلة، وكثّره بعد الْقِلّة، وأعزّه بعد الذّلّة. ومن تمام الحكمة فِي أخذه ﷺ بالديون لِيَقْتَدِيَ به فِي ذلك المحتاجون. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى. "المفهم" ٤/ ٥٠٨ - ٥٠٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٢١ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ هَانِىءٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ، يَقُولُ: بِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَكْرًا، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: "أَجَلْ، لَا أَقْضِيكَهَا إِلاَّ نَجِيبَةً"، فَقَضَانِي، فَأَحْسَنَ قَضَائِي، وَجَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ، يَتَقَاضَاهُ سِنَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَعْطُوهُ سِنًّا"، فَأَعْطَوْهُ يَوْمَئِذٍ جَمَلاً، فَقَالَ: هَذَا خَيْرٌ مِنْ سِنِّي، فَقَالَ: "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ قَضَاءً").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (عبد الرحمن بن مهديّ) بن حسان البصريّ، ثقة ثبت [٩] ٤٢/ ٤٩.
٣ - (معاوية بن صالح) الحضرميّ الحمصيّ، قاضي الأندلس، صدوقٌ له أوهام [٧] ٥٠/ ٦٢.
٤ - (سعيد بن هانىء) الْخَولانيّ، أبو عثمان المصريّ، ويقال: الشاميّ، ثقة [٣].
قَالَ العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقة. وَقَالَ ابن سعد: كَانَ ثقة، إن شاء الله، مات سنة (١٢٧). وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". تفرّد به المصنّف، وابن ماجه بهذا الْحَدِيث فقط.
٥ - (عرباض بن سارية) -بكسر العين المهملة، وسكون الراء، بعدها موحّدة، آخره ضاد معجمة- السلميّ، أبو نَجيح الصحابيّ، كَانَ منْ أهل الصّفّة، ونزل حمص، ومات ﵁ بعد السبعين. والله تعالى أعلم.
стр. 16928
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير سعيد بن هانىء، فمن رجال المصنّف، وابن ماجه، والصحابي، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالحمصيين. (ومنها): أن صحابيّه منْ المقلّين منْ الرواية, فليس له إلا أحد عشر حديثًا عند أصحاب السنن. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
عن سَعِيدِ بْنِ هَانِىءٍ رحمه الله تعالى، أنه قَالَ: (سَمِعْتُ عِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ) رضي الله تعالى عنه (يَقُولُ: بِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَكْرًا) بفتح، فسكون: الفَتِيّ منْ الإبل، كالغلام منْ الإنسان (فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ) أي أطلب منه أن يعطيني حقّي (فَقَالَ) ﷺ (أَجَلْ) بفتحتين، كنَعَم وزنًا ومعنًى، قَالَ فِي "اللسان": وأجل بفتحتين، بمعنى نَعَمْ، قَالَ الأخفش: إلا أنه أحسن منْ نعم فِي التصديق، ونعم أحسن منه فِي الاستفهام، فإذا قَالَ: أنت سوف تذهب، قلت: أجل، وكان أحسن منْ نعم، وإذا قَالَ: أتذهب؟ قلت: نعم، وكان أحسن منْ أجل. انتهى (لَا أَقْضِيكَهَا إِلَّا نَجِيبَةً) بفتح النون: أي ناقةً نَجيبةً، أي كريمة، وفي "النسخة الهنديّة": إلا بُختيّة"، والبُختيّ بضم، فسكون: واحد البُخت، كرومي ورُوم، وهي -كما فِي "القاموس"-: الإبل الخراسانيّة، فإن صحّت النسخة، يحمل عَلَى أن هَذَا النوع منْ أحسن أنواع الإبل.
ثم ظاهر هَذَا الْحَدِيث أنه إنما باعه البكر بالناقة، فيكون منْ بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وسيأتي النهي عنه فِي الباب التالي، ويمكن أن يجاب بأن النهي إذا كَانَ نسيئة منْ الطرفين، كما قاله بعضهم، أو أنه كَانَ اشتراه بثمن، ولكنه أراد يدفع له ناقة نجيبة، لكونها أفضل منْ الثمن الذي اشتراه به. والله تعالى أعلم.
(فَقَضَانِي، فَأَحْسَنَ قَضَائِي) أي لكون النجيبة أكثر قيمة منْ الثمن الذي وقع به العقد (وَجَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ، يَتَقَاضَاهُ سِنَّهُ) أي بعيره المعروف بسنّه (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَعْطُوهُ سِنًّا) أي أفضل منْ سنّه الذي يطالب به، بدليل قوله (فَأَعْطَوْهُ يَوْمَئِذٍ جَمَلاً) أي وهو أكبر منْ سنّه، قَالَ الفيّوميّ: الجمل منْ الإبل: بمنزلة الرجل، يختصّ بالذكر، قالوا: ولا يُسمّى بذلك إلا إذا بَزَلَ، وجمعه جِمالٌ، وأَجمالٌ، وأجُملٌ، وجمالةُ بالهاء، وجمع الجمال جمالات. انتهى. ومعنى بزل منْ باب قعد: فَطَرَ نابه بدخوله فِي السنة التاسعة.
(فَقَالَ) أي الأعرابيّ (هَذَا) أي الذي أعطيه (خَيْرٌ مِنْ سِنِّي) أي منْ البعير الذي أطالب به (فَقَالَ) ﷺ (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ قَضَاءً) أي خيركم منزلة عند الله تعالى منْ كَانَ خيرًا عند
стр. 16929
قضاء دينه، بأن يُعطي أحسن مما أخذه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عرباض بن سارية ﵁ هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٦٤/ ٤٦٢١ - وفي "الكبرى" ٦٥/ ٦٢١٢. وأخرجه (ق) فِي "التجارات" ٢٢٨٦. وفوائده، وسائر المسائل المتعلّقة به تقدّمت قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٦٥ - (بَيْعُ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً)
٤٦٢٢ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالُوا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، وَأَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً").
رجال هَذَا الإسناد: اثنا عشر:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلّاس المذكور قريبًا.
٢ - (يحيى بن سعيد) القطّان المذكور قريبًا أيضًا.
٣ - (يزيد بن زريع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥.
٤ - (خالد بن الحارث) الْهُجيميّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧.
٥ - (شعبة) بن الحجاج الإِمام الحجة الثبت البصريّ [٧] ٢٤/ ٢٧.
٦ - (أحمد بن فَضالة) -بفتح الفاء- أبو المنذر النسائيّ، صدوقٌ ربما أخطأ [١١] ٢٦/ ٢٦٦ منْ أفراد المصنّف.
٧ - (عبيد الله بن موسى) بن أبي المختار باذام العبسيّ الكوفيّ، ثقة كَانَ يتشيع [٩]
стр. 16930
٧٢/ ٢٦.
٨ - (الحسن بن صالح) بن صالح بن حيّ الهمدنيّ الثوريّ الكوفيّ، ثقة فقيه عابد رُمي بالتشيّع [٧] ١٦٠/ ٢٥٢.
٩ - (ابن أبي عروبة) هو سعيد اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقة حافظ، له تصانيف، كثير التدليس، واختلط، وكان منْ أثبت النَّاس فِي قتادة [٦] ٣٤/ ٣٨.
١٠ - (قتادة) بن دعامة السدوسيّ البصريّ، ثقة ثبت، يدلس [٤] ٣٠/ ٣٤.
١١ - (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ، ثقة فقيه فاضل، يدلس ويرسل [٣] ٣٢/ ٣٦.
١٢ - (سمرة) بن جندب بن هلال الفزاريّ، حليف الأنصار، الصحابيّ المشهور، مات ﵁ بالبصرة سنة (٥٨) وتقدّم فِي ٢٥/ ٣٩٣. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى بالنسبة للسند الأول، ومن سباعياته بالنسبة للثاني. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه أحمد بن فضالة، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعى عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قوله: "وأخبرني أحمد بن فَضالة بن إبراهيم" القائل هو المصنّف، فهو سند آخر لهذا الْحَدِيث، ومُلتقى الإسنادين هو قتادة، فيروي كلّ منْ شعبة، وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ سَمُرَةَ) بن جندب رضي الله تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً) أي منْ الطرفين، أو أحدهما، وبه قَالَ الحنفيّة؛ ترجيحًا للمحرّم عَلَى المبيح، ومن لا يقول به يَحمِل النسيئة منْ الطرفين. قَالَ الخطّابيّ رحمه الله تعالى: وجهه عندي أن يكون إنما نَهَى عما كَانَ منه نسيئة فِي الطرفين، فيكون منْ باب الكاليء بالكاليء، بدليل حديث عبد الله بن عمرو الذي يليه. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث سمرة ﵁ هَذَا ضعيف.
стр. 16931
[اعلم]: أنه اختلف العلماء فِي تصحيح هَذَا الْحَدِيث، وتضعيفه، قَالَ المنذري رحمه الله تعالى: -أخرجه الترمذيُّ، والنسائي، وابن ماجه، وَقَالَ الترمذيّ: حسن صحيح، وسماع الحسن منْ سمرة ﵁ صحيح، هكذا قَالَ علي بن المديني وغيره. هَذَا آخر كلامه. وَقَدْ تقدم اختلاف الأئمة فِي سماع الحسن منْ سمرة ﵁. وَقَالَ الشافعيّ ﵁: وأما قوله: "نهى النبيّ ﷺ ، عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة"، فهو غير ثابت، عن رسول الله ﷺ . وَقَالَ الخطّابيّ: الحسن عن سمرة مختلف فِي اتصاله عند أهل الْحَدِيث، قَالَ الخطابيّ: أخبرنا ابن الأعرابيّ، قَالَ حدثنا عبّاس الدُّوريّ، عن يحيى بن معين: قَالَ: الحسن عن سمرة صحيفة. وَقَالَ محمد بن إسماعيل -يعني البخاريّ-: حديث النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، منْ طريق عكرمة، عن ابن عباس، رواه الثقات، عن ابن عباس موقوفا، أو عكرمة عن النبيّ ﷺ مرسل، قَالَ: وحديث زياد بن جبير، عن ابن عمر، إنما هو زياد بن جبير، عن النبيّ ﷺ مرسل، وطرق هَذَا الْحَدِيث واهية، ليست بالقوية، وتأويله إذا ثبت عَلَى ما قلنا. انتهى "مختصر المنذريّ" ٥/ ٢٧ - ٢٨. بزيادة منْ "معالم السنن" ٥/ ٢٨.
وَقَالَ البيهقيّ: أكثر الحفّاظ لا يثبتون سماع الحسن منْ سمرة ﵁ فِي غير حديث العقيقة. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن الْحَدِيث ضعيفٌ، أما عَلَى قول منْ يقول بعدم سماع الحسن منْ سمرة، سوى حديث العقيقة، فظاهرٌ، وأما عَلَى قول منْ يقول بسماعه منه مطلقًا، فإنه مدلّس، وَقَدْ عنعنه، والمدلّس إذا لم يصرّح بالسماع لا يقبل، مع مخالفته للأحاديث الصحيحة التي تدلّ عَلَى جواز بيع الحيوان بالحيوان متفاضلاً نسيئة:
(منها): ما أخرجه الإِمام مسلم رحمه الله تعالى فِي "صحيحه" عن أنس ﵁: "أن النبيّ ﷺ اشترى صفيّة منْ دحية الكلبيّ بسبعة أرؤس".
(ومنها): ما أخرجه أبو داود رحمه الله تعالى فِي "سننه" عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ أمره أن يجهّز جيشًا، فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ فِي قلاص الصدقة، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة". واختلف فِي إسناده عَلَى محمد بن إسحاق، قَالَ البيهقيّ بعد أن ساقه منْ طريق حماد سلمة، عن ابن إسحاق: وحماد بن سلمة أحسنهم سياقة له، وله شاهد صحيح، ثم ساق بسنده عن ابن جريج، أن عمرو بن شعيب أخبره، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: "أن رسول الله ﷺ أمره أن يُجهّز جيشًا، قَالَ عبد الله بن عمرو: وليس عندنا ظهر، قَالَ:
стр. 16932
فأمره النبيّ ﷺ أن يبتاع ظهرًا إلى خروج المصدّق، فابتاع عبد الله بن عمرو البعير بالبعيرين، وبأبعرة إلى خروج المصدّق بأمر رسول الله ﷺ ".
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وهذا كما قَالَ البيهقيّ حديث صحيح، يشهد للأول، فدلّ هَذَا عَلَى جواز بيع الحيوان متفاضلاً نسيئة.
(ومنها): الْحَدِيث الآتي فِي الباب التالي: أنه ﷺ اشترى عبدًا بعبدين أسودين، وهو حديث صحيح.
فظهر بهذا ضعف حديث الباب، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٦٥/ ٤٦٢٢ - وفي "الكبرى" ٦٦/ ٦٢١٤. وأخرجه (د) فِي "البيوع" ٣٣٥٦ (ت) فِي "البيوع" ١٢٣٧ (ق) فِي "التجارات" ٢٢٧٠ (أحمد) فِي "مسند البصريين" ١٩٦٣٠ و١٩٧٠٣ و١٩٧٢٥ و١٩٧٥١ (الدارمي) فِي "البيوع" ٢٤٥١. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي العمل بحديث الباب:
قَالَ الخطّابيّ رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم فِي بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً، فكره ذلك عطاء بن أبي رَبَاح، ومنع منه سفيان الثوريّ، وهو مذهب أصحاب الرأي، ومنع منه أحمد، واحتجّ بحديث سمرة، وَقَالَ مالك: إذا اختلفت أجناسها جاز بيعها نسيئة، وإن تشابهت لم يجز، وجوّز الشافعيّ بيعها نسيئةً، كانت جنسًا واحدًا، أو أجناسًا مختلفةً، إذا كَانَ أحد الحيوانين نقدًا. انتهى "معالم السنن" ٥/ ٢٩.
وَقَالَ الإِمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه" ٢/ ٧٧٦:
"باب بيع العبيد، والحيوان بالحيوان نسيئة"، واشترى ابن عمر راحلة بأربعة أبعرة، مضمونة عليه، يُوفيها صاحِبَهَا بالربذة. وَقَالَ ابن عباس: قد يكون البعير خيرا منْ البعيرين. واشترى رافع بن خديج بعيرا ببعيرين، فأعطاه أحدهما، وَقَالَ: آتيك بالآخر غدا، رَهْوًا، إن شاء الله، وَقَالَ ابن المسيب: لا ربا فِي الحيوان، البعير بالبعيرين، والشاة بالشاتين إلى أجل. وَقَالَ ابن سيرين: لا بأس بعير ببعيرين نسيئة.
٢١١٥ - حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس ﵁، قَالَ: "كَانَ فِي السبي صفية، فصارت إلى دحية الكلبي، ثم صارت إلى النبيّ ﷺ ". انتهى.
قَالَ فِي "الفتح": قوله: "باب بيع العبد، والحيوان بالحيوان نسيئة": التقدير: بيع
стр. 16933
العبد بالعبد نسيئة، والحيوان بالحيوان نسيئة، وهو منْ عطف العام عَلَى الخاص، وكأنه أراد بالعبد جنس منْ يُستعبد، فيدخل فيه الذكر والأنثى، ولذلك ذكر قصة صفية، أو أشار إلى إلحاق حكم الذكر بحكم الأنثى فِي ذلك؛ لعدم الفرق.
قَالَ ابن بطال: اختلفوا فِي ذلك، فذهب الجمهور إلى الجواز، لكن شرط مالك أن يختلف الجنس، ومنع الكوفيون، وأحمد مطلقا؛ لحديث سمرة المخرج فِي "السنن"، ورجاله ثقات، إلا أنه اختلف فِي سماع الحسن منْ سمرة.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد عرفت فيما سبق ضعف حديث سمرة ﵁، فلا تغفل. قَالَ: وفي الباب: عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عند البزار، والطحاوي، ورجاله ثقات أيضا، إلا أنه اختُلف فِي وصله وإرساله، فرجح البخاريّ، وغير واحد إرساله. وعن جابر ﵁ عند الترمذيّ وغيره، وإسناده لين. وعن جابر بن سمرة ﵁ عند عبد الله فِي زيادات "المسند". وعن ابن عمر عند الطحاوي، والطبراني.
واحتُجّ للجمهور بحديث عبد الله بن عمرو: "أن النبيّ ﷺ ، أمره أن يُجَهّز جيشا، وفيه: فابتاع البعير بالبعيرين، بأمر رسول الله ﷺ "، أخرجه الدارقطنيّ وغيره، وإسناده قوي. واحتج البخاريّ هنا بقصة صفية، واستشهد بآثار الصحابة ﵃.
وقوله: "واشترى ابن عمر راحلة بأربعة أبعرة" الْحَدِيث وصله مالك، والشافعي عنه، عن نافع، عن ابن عمر بهذا، ورواه ابن أبي شيبة منْ طريق أبي بشر، عن نافع: أن ابن عمر اشترى ناقة، بأربعة أبعرة بالربذة، فَقَالَ لصاحب الناقة: اذهب، فانظر، فإن رضيت فقد وجب البيع.
وقوله: "راحلة": أي ما أمكن ركوبه منْ الإبل، ذكرا أو أنثى، وقوله: "مضمونة" صفة "راحلة": أي تكون فِي ضمان البائع حَتَّى يوفيها: أي يسلمها للمشتري، والربذة -بفتح الراء، والموحدة، والمعجمة-: مكان معروف بين مكة والمدينة.
وقوله: وَقَالَ ابن عباس: "قد يكون البعير خيرا منْ البعيرين": وصله الشافعيّ، منْ طريق طاوس: أن ابن عباس سئل عن بعير ببعيرين؟ فقاله.
قوله: "واشترى رافع بن خديج بعيرا ببعيرين، فأعطاه أحدهما، وَقَالَ: آتيك بالآخر غدا، رَهْوًا، إن شاء الله": وصله عبد الرزاق، منْ طريق مُطَرّف بن عبد الله عنه.
وقوله: "رَهْوًا" بفتح الراء، وسكون الهاء-: أي سهلا، والرهو السير السهل، والمراد به هنا أن يأتيه به سريعا، منْ غير مطل.
وقوله: "وَقَالَ ابن المسيب: لا ربا فِي الحيوان البعير بالبعيرين، والشاة بالشاتين،
стр. 16934
إلى أجل": أما قول سعيد: فوصله مالك، عن ابن شهاب عنه، لا ربا فِي الحيوان، ووصله ابن أبي شيبة، منْ طريق أخرى، عن الزهريّ عنه، لا بأس بالبعير بالبعيرين نسيئة.
وقوله: "وَقَالَ ابن سيرين: لا بأس ببعير ببعيرين، ودرهم بدرهم نسيئة": وصله عبد الرزاق، منْ طريق أيوب عنه، بلفظ: "لا بأس بعير ببعيرين، ودرهم بدرهم نسيئة، فإن كَانَ أحد البعيرين نسيئة، فهو مكروه. وروى سعيد بن منصور، منْ طريق يونس عنه، أنه كَانَ لا يرى بأسا بالحيوان بالحيوان يدا بيد، أو الدراهم نسيئة، ويكره أن تكون الدراهم نقدا، والحيوان نسيئة. انتهى "فتح" ٥/ ١٧٠ - ١٧١.
وَقَالَ الإِمام ابن القيّم رحمه الله تعالى: فِي "تهذيب السنن" ٥/ ٢٩: اختلف أهل العلم فِي هذه المسألة عَلَى أربعة أقوال، وهي أربع روايات عن أحمد:
[إحداها]: أن ما سوى المكيل والموزون منْ الحيوان، والنبات، ونحوه يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلاً ومتساويًا، وحالّا، ونساء، وأنه لا يجري فيه الربا بحال، وهذا مذهب الشافعيّ، وأحمد فِي إحدى رواياته، واختارها القاضي، وأصحابه، وصاحب "المغني".
[والرواية الثانية عن أحمد]: أنه يجوز التفاضل فيه يدًا بيد، ولا يجوز نسيئةً، وهي مذهب أبي حنيفة، كما دلّ عليه حديثا جابر وابن عمر ﵃.
[والرواية الثالثة عنه]: أنه يجوز فيه النسَاء إذا كَانَ متماثلاً، ويحرم مع التفاضل، وعلى هاتين الروايتين، فلا يجوز الجمع بين النسيئة والتفاضل، بل إن وجد أحدهما حرم الآخر، وهذا أعدل الأقوال فِي المسألة، وهو قول مالك، فيجوز عبد بعبدين حالا، وعبد بعبد نساء، إلا أن لمالك فيه تفصيلاً، والذي عقد عليه أصل قوله: أنه لا يجوز التفاضل والنساء معًا فِي جنس منْ الأجناس، والجنس عنده معتبر بإتفاق الأغراض والمنافع، فيجوز بيع البعير البختيّ بالبعيرين منْ الحمولة، ومن حاشية إبله إلى أجل؛ لاختلاف المنافع، وإن أشبه بعضها بعضًا، اختلفت أجناسها، أو لم تختلف، فلا يجوز منها اثنان بواحد إلى أجل.
فسِرُّ مذهبه أنه لا يجتمع التفاضل والنسَاء فِي الجنس الواحد عنده، والجنس ما اتفقت منافعه، وأشبه بعضه بعضًا، وإن اختلفت حقيقته، فهذا تحقيق مذاهب الأئمة فِي هذه المسألة المعضلة، ومآخذهم.
وحديث عبد الله بن عمرو ﵁ صريح فِي جواز المفاضلة والنساء، وهو حديث حسن. قَالَ عثمان بن سعيد: قلت ليحيى بن معين: أبو سفيان الذي روى عنه محمد بن
стр. 16935
إسحاق -يعني هَذَا الْحَدِيث ما حاله؟ قَالَ: مشهور ثقة، قلت: عن مسلم بن كثير، عن عمرو بن حُريش الزبيديّ؟ قَالَ: هو حديث مشهور، ولكن مالك يحمله عَلَى اختلاف المنافع والأغراض، فإن الذي كَانَ يأخذه إنما هو للجهاد، والذي جعله عوضه هو منْ إبل الصدقة، قد يكون منْ بني المخاض، ومن حواشي الإبل، ونحوها.
وأما الإِمام أحمد: فإنه كَانَ يُعلّل أحاديث المنع كلّها، قَالَ: ليس فيها حديث يُعتمد عليه، ويُعجبني أن يتوقّاه، وذُكر له حديث ابن عباس، وابن عمر ﵃، فَقَالَ: هما مرسلان، وحديث سمرة عن الحسن، قَالَ الأثرم: قَالَ أبو عبد الله: لا يصحّ سماع الحسن منْ سمرة.
وأما حديث جابر ﵁، منْ رواية حجاج بن أرطاة، عن أبي الزبير، عنه، فَقَالَ الإِمام أحمد: هَذَا حجاج زاد فيه "نساء"، والليث بن سعد سمعه منْ أبي الزبير، لا يذكر فيه "نساء".
وهذه ليست بعلة فِي الحقيقة، فإن قوله: "ولا بأس به يدًا بيد" يدلّ عَلَى أن قوله: "لا يصلح" يعني نساء، فذكر هذه اللفظة زيادة إيضاح، لو سكت عنها لكانت مفهومة منْ الْحَدِيث، ولكنه معلّل بالحجاج، فقد أكثر النَّاس الكلام فيه، وبالغ الدارقطنيّ فِي "السنن" فِي تضعيفه، وتوهينه.
وَقَدْ قَالَ أبو داود: إذا اختلفت الأحاديث عن النبيّ ﷺ نظرنا إلى ما عمل به أصحابه منْ بعده.
وَقَدْ ذكرنا الآثار عن الصحابة بجواز ذلك متفاضلاً ونسيئةً.
وهذا كله مع اتحاد الجنس، وأما إذا اختلف الجنس، كالعبيد بالثياب، والشاء بالإبل، فإنه يجوز عند جمهور الأمة التفاضل فيه والنساء، إلا ما حُكي رواية عن أحمد: أنه لا يجوز بيعه متفاضلاً يدًا بيد، ولا يجوز نساءً، وحَكَى هَذَا أصحابنا عن أحمد رواية رابعةً فِي المسألة، واحتجّوا لها بظاهر حديث جابر ﵁: "الحيوان اثنان بواحد لا يصلح نسيئةً، ولا بأس به يدًا بيد"، ولم يخصّ به الجنس المتّحد، وكما يجوز التفاضل فِي المكيل المختلف الجنس، دون النسَاء، فكذلك الحيوان وغيره، إذا قيل: إنه ربويّ، وهذه الرواية فِي غاية الضعف؛ لمخالفتها النصوص، وقياس الحيوان عَلَى المكيل فاسد؛ إذ فِي محلّ الحكم فِي الأصل أوصاف معتبرة، غير موجودة فِي الْفَرَع، وهي مؤثّرةٌ فِي التحريم.
وحديث جابر ﵁ لو صحّ، فإنما المراد به مع اتحاد الجنس، دون اختلافه، كما هو مذكورٌ فِي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.
стр. 16936
فهذه نُكَت فِي هذه المسألة المعضلة، لا تكاد توجد مجموعةً فِي كتاب، وبالله تعالى التوفيق. انتهى كلام ابن القيّم رحمه الله تعالى فِي "تهذيب السنن" ٥/ ٣٠ - ٣١.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الأرجح هو المذهب الأول الذي قَالَ به الشافعيّ، وأحمد فِي رواية, وهو جواز بيع الحيوان بعضه ببعض، متفاضلاً، ونساءً، لصحة الأحاديث بذلك، كما قدّمناه فِي المسألة الماضية، ولصحة الآثار عن الصحابة ﵃، كما أشار إليه البخاريّ رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٦٦ - (بَيْعُ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ يَدًا بِيَدٍ مُتَفَاضِلاً)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر صنيع المصنّف رحمه الله تعالى أنه يرى ترجيح قول منْ قَالَ: إن بيع الحيوان بعضه ببعض متفاضلاً يجوز بشرط أن يكون يدًا بيد، وَقَدْ تقدّم أنه مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى، لكن سبق فِي الباب الماضي أن الأصحّ جواز ذلك نساءً أيضًا؛ لصحة حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، وضعف حديث سمرة ﵁، وأما حديث الباب فليس فيه النهي عن النسيئة، حَتَّى يُحتجّ به فِي المسألة.
والحاصل أن الأرجح جواز ذلك مطلقًا، متساويًا، أو متفاضلاً، يدًا بيد، أو نساءً؛ لصحة الْحَدِيث بذلك. فتبصّر، ولا تتحيّر. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٦٢٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: جَاءَ عَبْدٌ، فَبَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْهِجْرَةِ، وَلَا يَشْعُرُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ عَبْدٌ، فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "بِعْنِيهِ، فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنِ، ثُمَّ لَمْ يُبَايِعْ أَحَدًا بَعْدُ، حَتَّى يَسْأَلَهُ أَعَبْدٌ هُوَ؟ ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الْحَدِيث كلهم رجال الصحيح، وهو منْ رباعيات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (٢٢٣) منْ رباعيات الكتاب.
стр. 16937
والحديث أخرجه مسلم، وَقَدْ تقدّم فِي ٢١/ ٤١٨٦ - وتقدّم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وأما دلالته لما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى ففيه نظر لا يخفى، كما بيّنته آنفًا، فتأمل بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٦٧ - (بَيْعُ حَبَلِ الْحَبَلَةِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: بفتحتين فِي الكلمتين: ومعناه: محبول المحبولة فِي الحال، عَلَى أنهما مصدران، أريد بهما المفعول، والتاء فِي الثاني للإشارة إلى الأنوثة.
قَالَ الفيّومي رحمه الله تعالى: حَبِلَت المرأة، وكلُّ بهيمة تَلِد حَبَلاً، منْ باب تَعِب: إذا حملت بالولد، فهي حُبلى، وشاةٌ حبلى، وسِنَّوْرةٌ حبلى، والجمع حُبْليات عَلَى لفظها، وحَبَالَى، وحَبَلُ الْحَبَلَة بفتح الجميع: ولدُ الولد الذي فِي بطن الناقة، وغيرها، وكانت الجاهليّة تبيع أولاد ما فِي بطون الحوامل، فنهى الشرع عن بيع حَبَل الحَبَلَة، وعن بيع المضامين، والملاقيح. وَقَالَ أبو عُبيد: حبَلُ الحبلة: ولد الجَنِين الذي فِي بطن الناقة، ولهذا قيل: الحَبَلَة بالهاء؛ لأنها أنثى، فإذا ولدت، فولدها حبلٌ بغير هاء. وَقَالَ بعضهم: الْحَبَلُ مختصّ بالآدميّات، وأما غير الآدميّات منْ البهائم، فيقال فيه: حَمْلٌ بالميم. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٦٢٤ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "السَّلَفُ فِي حَبَلِ الْحَبَلَةِ رِبًا").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (يحيى بن حكيم) الْمُقَوِّم -بتشديد الواو المكسورة- أبو سعيد البصريّ، وهو ثقة حافظ عابد مصنّفٌ [١٠] ٥١/ ٦١٢.
٢ - (محمد بن جعفر) غندر أبو عبد الله البصريّ، ثقة، صحيح الكتاب [٩] ٢١/ ٢٢.
٣ - (شعبة) بن الحجاج المذكور قريبًا.
стр. 16938
٤ - (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت فقيه [٥] ٤٢/ ٤٨.
٥ - (سعيد بن جُبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٨/ ٤٣٦.
٦ - (ابن عباس) عبد الله الحبر البحر رضي الله تعالى عنهما ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو وأبو داود، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير سعيد بن جبير، فكوفيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه غير ذلك، مما سبق بيانه غير مرّة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: (السَّلَفُ فِي حَبَلِ الْحَبَلَةِ رِبًا") قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى ٧/ ٢٩٣ - : هو أن يُسلم المشتري إلى رجل عنده ناقة حُبْلَى، ويقول له: إذا ولدت هذه الناقة، ثم ولدت التي فِي بطنها، فقد اشتريت منك ولدها بهذا الثمن، فهذه المعاملة شبيهة بالربا؛ لكونها حرامًا كالربا، منْ حيث إنه بيع ما ليس عند البائع، وهو لا يقدر عَلَى تسليمه، ففيه غرر. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٦٧/ ٤٦٢٤ - وفي "الكبرى" ٦٨/ ٦٢١٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٢٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه وهو الْجَوّاز المكيّ، فإنه منْ أفراده، وهو ثقة. و"سفيان": هو ابن عيينة.
والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي شرحه فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٢٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
стр. 16939
والسند منْ رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو أعلى ما له منْ الأسانيد، كما تقدّم غير مرّة، وهو (٢٢٤) منْ رباعيات الكتاب.
والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي شرحه فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٦٨ - (تَفْسِيرُ ذَلِكَ)
٤٦٢٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَكَانَ بَيْعًا يَتَبَايَعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ جَزُورًا، إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثُمَّ تُنْتَجَ الَّتِي فِي بَطْنِهَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث وهو مصريّ، ثقة حافظ. وهذا الإسناد يتكرر كثيرًا فِي هَذَا الكتاب، وتكلّمنا عَلَى لطائفه غير مرّة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ) -بفتح المهملة والموحدة، وقيل: فِي الأول بسكون الموحدة، وغلطه عياض، وهو مصدر: حَبِلَت تَحْبَل حَبَلاً، منْ باب تَعِبَ، والْحَبَلَة: جمع حابل، مثل ظَلَمَة وظالم، وكَتَبَة وكاتب، والهاء فيه للمبالغة، وقيل: للإشعار بالأنوثة، وَقَدْ ندر فيه امرأة حابلة، فالهاء فيه للتأنيث. وقيل: حَبَلَة: مصدرٌ يُسَمَّى به المحبول، قَالَ أبو عبيد: لا يقال لشيء منْ الحيوان: حَبِلَت، إلا الآدميات، إلا ما ورد فِي هَذَا الْحَدِيث، وأثبته صاحب "المحكم" قولا: فَقَالَ: اختُلِف: أهى للإناث عامة، أم للآدميات خاصة، وأنشد فِي التعميم قول الشاعر:
أَوْ ذِيخَةٌ حُبْلَى مُجِحٌّ مُقْرِبُ
وفي ذلك تَعَقُّبٌ عَلَى نقل النوويّ اتفاق أهل اللغة عَلَى التخصيص. قاله فِي "الفتح" ٥/ ٩٢.
стр. 16940
(وَكَانَ) أي بيع حبل الحبلة (بَيْعًا يَتَبَايَعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ) كذا وقع هَذَا التفسير فِي "الموطإ" متصلا بالحديث، قَالَ الإسماعيلي: وهو مدرج -يعني أن التفسير منْ كلام نافع- وكذا ذكر الخطيب فِي "المدرج" وعند البخاريّ فِي آخر "السلم" عن موسى بن إسماعيل التبوذكي، عن جُويرية: التصريح بأن نافعا هو الذي فسره، لكن لا يلزم منْ كون نافع فسره لجويرية، أن لا يكون ذلك التفسير مما حمله، عن مولاه ابن عمر، فعند البخاريّ أيضًا فِي "أيام الجاهلية" منْ طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر، قَالَ: كَانَ أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة، وحبلُ الحبلة أن تُنتَج الناقة ما فِي بطنها، ثم تَحْمِل التي نُتجت، فنهاهم رسول الله ﷺ عن ذلك، فظاهر هَذَا السياق، أن هَذَا التفسير منْ كلام ابن عمر، ولهذا جزم ابن عبد البرّ بأنه منْ تفسير ابن عمر، وَقَدْ أخرجه مسلم، والنسائي، منْ رواية الليث، والترمذيُّ، منْ رواية أيوب، كلاهما عن نافع، بدون التفسير، وأخرجه أحمد، والنسائي، وابن ماجه، منْ طريق سعيد بن جبير، عن ابن عمر, بدون التفسير أيضا. قاله فِي "الفتح" ٥/ ٩٢ - ٩٣.
(كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ جَزُورًا) وفي رواية البخاريّ: "الجزور" بالتعريف، وهو -بفتح الجيم، وضم الزاي-: هو البعير ذكرا كَانَ، أو أنثى، إلا أن لفظه مؤنث، تقول: هذه الجزور، وإن أردت ذكرا، فيَحتَمِل أن يكون ذَكَره فِي الْحَدِيث قيدًا فيما كَانَ أهل الجاهلية يفعلونه، فلا يتبايعون هَذَا البيع، إلا فِي الجزور، أو لحم الجزور، ويحتمل أن يكون ذُكِر عَلَى سبيل المثال، وأما فِي الحكم، فلا فرق بين الجزور وغيرها فِي ذلك. قاله فِي "الفتح".
(إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ) -بضم أوله، وفتح ثالثه-: أي تَلِد ولدًا، والناقة فاعل، وهذا الفعل وقع فِي لغة العرب عَلَى صيغة الفعل المسند إلى المفعول، وهو حرف نادر.
(ثُمَّ تُنْتَجُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا) أي ثم تعيش المولودة، حَتَّى تَكْبَر، ثم تلد. قَالَ فِي "الفتح": وهذا القدر زائد عَلَى رواية عبيد الله بن عمر، فإنه اقتصر عَلَى قوله: "ثم تحمل التي فِي بطنها"، ورواية جويرية أخصر منهما, ولفظه: "أن تُنْتَج الناقة ما فِي بطنها". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
стр. 16941
أخرجه هنا -٦٨/ ٤٦٢٧ وفي الباب الماضي ٦٧/ ٤٦٢٥ و٤٦٢٦ - وفي "الكبرى" ٦٨/ ٦٢١٧ و٦٢١٨ و٦٢١٩ و٦٢٢٠ و٦٩/ ٦٢٢١. وأخرجه (خ) فِي "البيوع" ٢١٤٣ (م) فِي "البيوع" ١٥١٤ (د) فِي "البيوع" ٣٣٨٠ (ت) فِي "البيوع" ١٢٢٩ (أحمد) فِي "مسند العشرة" ٣٩٦ و"مسند المكثرين" ٤٤٧٧ و٥٢٨٢ و٥٤٤٣ و٥٨٢٨ و٦٢٧١ و٦٤٠١ (الموطأ) فِي "البيوع" ١٣٥٧. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي تفسير "حَبَلِ الْحَبَلَة":
قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى فِي "شرح مسلم": واختلف العلماء، فِي المراد بالنهى عن بيع حبل الحبلة، فَقَالَ جماعة: هو البيع بثمن مؤجل إلى أن تلد الناقة، ويلد ولدها، وَقَدْ ذكر مسلم فِي هَذَا الْحَدِيث هَذَا التفسير، عن ابن عمر، وبه قَالَ مالك، والشافعي، ومن تابعهم. وَقَالَ آخرون: هو بيع ولد الناقة الحامل فِي الحال، وهذا تفسير أبي عبيدة، معمر بن المثنى، وصاحبه: أبي عبيد، القاسم بن سَلّام، وآخرين، منْ أهل اللغة، وبه قَالَ أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وهذا أقرب إلى اللغة، لكن الراوى هو ابن عمر، وَقَدْ فسره بالتفسير الأول، وهو أعرف، ومذهب الشافعيّ، ومحققي الأصوليين، أن تفسير الراوي مقدم إذا لم يخالف الظاهر.
وهذا البيع باطل عَلَى التفسيرين: أما الأول، فلأنه بيع بثمن إلى أجل مجهول، والأجل يأخذ قسطا منْ الثمن. وأما الثاني فلأنه بيع معدوم، ومجهول، وغير مملوك للبائع، وغير مقدور عَلَى تسليمه. والله أعلم. انتهى "شرح مسلم" ١٠/ ٣٩٧.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما فسّر به الأولون للنهي عن بيع حَبَل الْحَبَل بأنه بيع الشيء بثمن مؤجّل إلى هَذَا الأجل، هو الأرجح؛ لموافقته تفسير الراوي؛ لأنه أعلم بتفسير ما روى، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
وَقَالَ فِي "الفتح": ما حاصله قَالَ بظاهر هذه الرواية سعيد بن المسيب، فيما رواه عنه مالك، وَقَالَ به مالك، والشافعي، وجماعة، وهو أن يبيع بثمن إلى أن يلد ولد الناقة، وَقَالَ بعضهم: أن يبيع بثمن إلى أن تحمل الدابة، وتلد ويحمل ولدها، وبه جزم أبو إسحاق فِي "التنبيه"، فلم يشترط وضع حمل الولد، كرواية مالك.
قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: ولم أر منْ صرّح بما اقتضته رواية جويرية المتقدّمة، وهو الوضع فقط، وهو فِي الحكم مثل الذي قبله.
والمنع فِي الصور الثلاث للجهالة فِي الأجل، ومن حقه عَلَى هَذَا التفسير، أن يُذْكَر فِي "السلم".
وَقَالَ أبو عبيدة، وأبو عبيد، وأحمد، وإسحاق، وابن حبيب، المالكي، وأكثر أهل
стр. 16942
اللغة، وبه جزم الترمذيّ: هو بيع ولد نتاج الدابة، والمنع فِي هَذَا منْ جهة أنه بيع معدوم، ومجهول، وغير مقدور عَلَى تسليمه، فيدخل فِي بيوع الغرر، ولذلك صَدَّر البخاريّ بذكر الغرر، فِي الترجمة، حيث قَالَ: "باب بيع الغرر، وحَبَل الْحَبَلَة"، لكنه أشار إلى التفسير الأول، بإيراد الْحَدِيث فِي كتاب "السلم" أيضا، ورجح الأول؛ لكونه موافقا للحديث، وإن كَانَ كلام أهل اللغة، موافقا للثانى، لكن قد رَوَى الإِمام أحمد، منْ طريق ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ما يوافق الثاني، ولفظه: "نهى رسول الله ﷺ ، عن بيع الغرر، قَالَ: إن أهل الجاهلية، كانوا يتبايعون ذلك البيع، يبتاع الرجل بالشارف، حبل الحبلة، فنهوا عن ذلك".
وَقَالَ ابن التين: مُحَصَّل الخلاف، هل المراد البيع إلى أجل، أو بيع الجنين، وعلى الأول، هل المراد بالأجل ولادة الأم، أو ولادة ولدها، وعلى الثاني، هل المراد ببيع الجنين الأول، أو بيع جنين الجنين، فصارت أربعة أقوال. انتهى.
وحَكَى صاحب "المحكم" قولا آخر: إنه بيع ما فِي بطون الأنعام، وهو أيضا منْ بيوع الغرر، لكن هَذَا إنما فَسَّر به سعيدُ بنُ المسيب، كما رواه مالك فِي "الموطإ" بيعَ المضامين، وفسر به غيره بيعَ الملاقيح، واتفقت هذه الأقوال عَلَى اختلافها، عَلَى أن المراد بالحبلة جمع حابل، أو حابلة، منْ الحيوان، إلا ما حكاه صاحب "المحكم" وغيره عن ابن كيسان أن المراد بالْحَبلة: الكَرْمَة، وأن النهي عن بيع حَبلها: أي حملها قبل أن تبلغ، كما نُهِيَ عن بيع ثمر النخلة، قبل أن تُزْهِي، وعلى هَذَا، فالْحَبْلَة بإسكان الموحدة، وهو خلاف ما ثبتت به الروايات، لكن حُكِي فِي الْكَرْمَة فتح الباء.
وادّعَى السهيلي تفرد ابن كيسان به، وليس كذلك، فقد حكاه ابن السَّكِّيت فِي "كتاب الألفاظ"، ونقله القرطبيّ فِي "المفهم" عن أبي العبّاس المبرد، والهاء عَلَى هَذَا للمبالغة، وجها واحدًا. قاله فِي "الفتح" ٥/ ٩٣ - ٩٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٦٩ - (بَيْعُ السِّنِينَ)
٤٦٢٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ،
стр. 16943
قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن منصور": هو الجوّاز. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"أبو الزبير": هو محمد بن مسلم بن تَدْرُس. والسند منْ رباعيات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (٢٢٥) منْ رباعيات الكتاب.
والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم فِي ٣١/ ٤٥٣٣ - ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك، فليُراجع. ومعنى قوله: "بيع السنين": هو أن يبيع ثمرة حائطه مدّةَ سنتين، أو أكثر، وإنما نهى عنه؛ لتضمّنه الغرر، حيث إنه باع شيئًا لا وجود له حال العقد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٢٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حُمَيْدٍ الأَعْرَجِ، عَنْ سُلَيْمَانَ -وَهُوَ ابْنُ عَتِيقٍ- عَنْ جَابِرٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "إسحاق بن منصور": هو الْكَوْسج. و"سفيان": هو ابن عُيينة. و"حميد الأعرج": هو ابن قيس، أبو صفوان المكيّ القارىء، ليس به بأس [٦] ١٨٩/ ٢٩٩٥. و"سليمان بن عتيق": هو المدنيّ، صدوقٌ [٤] ٣٠/ ٤٥٣١. وتقدّم أنه يقال فيه: عتيك بالكاف، والصواب بالقاف، كما هنا، والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم القول فيه فِي الْحَدِيث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٧٠ - (الْبَيْعُ إِلَى الأَجَلِ الْمَعْلُومِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: أرد به بيانَ جواز البيع إلى الأجل المعلوم، وَقَدْ ترجم الإِمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه" بقوله: "باب شراء النبيّ ﷺ بالنسيئة"، قَالَ فِي "الفتح": بكسر السين المهملة، والمدّ: أي بالأجل. قَالَ ابن بطال: الشراء بالنسيئة جائز بالإجماع. قَالَ الحافظ: لعل البخاريّ تخيّل أن أحدًا يتخيّل أنه ﷺ لا يشتري بالنسيئة؛ لأنها دينٌ، فأراد أن يدفع ذلك التخيّل. انتهى "فتح" ٥/ ٢٢. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٦٣٠ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عِكْرِمَةُ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بُرْدَيْنِ قِطْرِيَّيْنِ، وَكَانَ إِذَا جَلَسَ، فَعَرِقَ فِيهِمَا، ثَقُلَا عَلَيْهِ، وَقَدِمَ لِفُلَانٍ الْيَهُودِيِّ بَزٌّ مِنَ الشَّأْمِ، فَقُلْتُ: لَوْ أَرْسَلْتَ إِلَيْهِ، فَاشْتَرَيْتَ مِنْهُ ثَوْبَيْنِ إِلَى الْمَيْسَرَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُ
стр. 16944
مَا يُرِيدُ مُحَمَّدٌ، إِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِمَالِي، أَوْ يَذْهَبَ بِهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَذَبَ، قَدْ عَلِمَ أَنِّي مِنْ أَتْقَاهُمْ لِلَّهِ، وَآدَاهُمْ لِلأَمَانَةِ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (عُمارة بن أبي حفصة) الأزديّ العتكيّ مولاهم، أبو روح البصريّ، واسم أبيه ثابت بالنون، ثقة [٦] ٣٤/ ٣٤٩١.
٢ - (عكرمة) مولى ابن عباس، أبو عبد الله البربري، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢/ ٣٢٥.
٣ - (عائشة) رضي الله تعالى عنها ٥/ ٥، وعمرو بن علي الفلّاس، ويزيد بن زريع تقدما قريبًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح وأن شيخه أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما منْ العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
[فائدة]: قَالَ الإِمام الترمذيّ رحمه الله تعالى فِي "جامعه" بعد أن روى الْحَدِيث عن عمرو بن عليّ، شيخ المصنّف: ما نصّه: وَقَدْ رواه شعبة أيضًا عن عُمارة بن أبي حفصة، سمعت محمد بن فِرَاس البصريّ، يقول: سمعت أبا داود الطيالسيّ يقول: سُئل شعبة يومًا عن هَذَا الْحَدِيث؟ فَقَالَ: لستُ أُحدّثكم حتّى تقوموا إلى حَرَميّ بن عُمارة، فتُقبّلوا رأسه، قَالَ: وحرميّ فِي القوم. انتهى.
وإنما قَالَ شعبة هَذَا إعزازًا وإكرامًا لحرميّ؛ لأنه ابن شيخه عمارة بن أبي حفصة فِي هَذَا الْحَدِيث. أفاده فِي "تحفة الأحوذيّ" ٤/ ٤٠٥. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَائِشَةَ) أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: كَانَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بُرْدَيْنِ قِطْرِيَّيْنِ) هكذا النسخ كلّها بالياء، وكذا وقع عند الترمذيّ، ولفظه: "كَانَ عَلَى رسول الله ﷺ ثوبين قِطْريين"، قَالَ المباركفوريّ رحمه الله تعالى: كذا فِي بعض النسخ، وفي بعضها: "ثوبان قِطريّان"، وهو القياس. انتهى. ووجه الأول أن يكون منْ باب حذف المضاف، وإبقاء المضاف إليه مقامه، وأصله ثوبا بردين، ويكون منْ إضافة العامّ إلى الخاصّ، كشجر أراك، لكن شرط حذف المضاف، وإبقاء المضاف إليه عَلَى حاله لم يوجد هنا؛ لأن شرطه أن يُعطف عَلَى مماثل له،
стр. 16945
كما فِي قول الشاعر [منْ المتقارب]:
أَكُلَّ امْرِىءٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً … وَنَارٍ تَوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نَارَا
حيث عطف "ونار" بالجرّ عَلَى "امرىء"، وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك رحمه الله تعالى فِي "خلاصته"، حيث قَالَ:
وَمَا يَلِي الْمُضَافَ يَأْتِي خَلَفَا … عَنْهُ فِي الاعْرَابِ إِذَا مَا حُذِفَا
وَرُبَّمَا جَرُّوا الَّذِي أَبْقَوَا كَمَا … قَدْ كَانَ قَبْلَ حَذْفِ مَا تَقَدَّمَا
لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَا حُذِفْ … مُمَاثِلاً لِمَا عَلَيْهِ قَدْ عُطِفْ
لكن ذكر الأشمونيّ فِي "شرح الخلاصة" ٢/ ٢٧٣ - : ما يُفيد أن الجر بدون عطف جائز، وإن لم يكن قياسًا، وذكر الصبّان فِي "حاشيته" عليه أن الكوفيين قاسوه، وعلى هَذَا فلما وقع فِي هذه الرواية وجه صحيح -والحمد لله عَلَى ذلك-.
وقوله: "بردين": تثنية بُرد بضم، فسكون، قَالَ فِي "القاموس": البُرد بالضمّ: ثوبٌ مُخطّطٌ، جمعه أَبْرادٌ، وأَبْرُدٌ، وبُرُودٌ، وأكسية يُلْتَحف بها. انتهى.
وقوله: "قِطْرِيين" تثنية " قِطريّ" بكسر، القاف، وسكون الطاء، قَالَ فِي "القاموس": القطر بالكسر: ضرب منْ البرود، كالقِطْريّة. انتهى باختصار. وَقَالَ الفيّوميّ: القطر وزان حِمْل: نوع منْ البرود، والقطريّة مثله، نسبة إليه. انتهى. وَقَالَ فِي "النهاية" ٤/ ٨٠ - : "ثوب قِطريّ": هو ضربٌ منْ البرود، فيه حُمرةٌ، ولها أعلامٌ، فيها بعض الْخُشُونة. وقيل: هي حُلَلٌ جياد، تُحمل منْ قِبل البحرين. وَقَالَ الأزهريّ: فِي أَعْرَاض البحرين قريةٌ، يقال لها: قَطَر، وأحسب الثياب القِطْريّة نُسبت إليها، فكسروا القاف للنسبة، وخفّفوا. انتهى.
(وَكَانَ) ﷺ (إِذَا جَلَسَ، فَعَرِقَ فِيهِمَا) بفتح، فكسر، يقال: عَرِق عَرَقًا، منْ باب تَعِب، فهو عَرْقان. قاله الفيّوميّ (ثَقُلَا عَلَيْهِ) بضم القاف (وَقَدِمَ لِفُلَانٍ الْيَهُودِيِّ) لم يُذكر اسمه (بَزٌّ) بفتح الموحّدة، وتشديد الزاي: نوع منْ الثياب، وقيل: الثياب خاصّة منْ أمتعة البيت، وقيل: أمتعة التاجر منْ الثياب. قاله الفيّوميّ (مِنَ الشَّأْمِ) بهمزة ساكنة، ويجوز تركها تخفيفًا: البلد المعروف (فَقُلْتُ: لَوْ أَرْسَلْتَ إِلَيْهِ) "لو" شَرطيّة، وجوابها محذوفٌ: أي لكان خيرًا لك، أو هي هنا للتمنّي، فلا تحتاج إلى تقدير (فَاشْتَرَيْتَ مِنْهُ ثَوْبَيْنِ إِلَى الْمَيْسَرَةِ) بضم السين المهملة، وفتحها: بمعنى اليُسر، أي مؤجّلاً إلى وقت اليُسْر. وَقَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: أي إلى وقت معلوم، يُتوقّع فيه انتقال الحال منْ العسر إلى اليسر، وكأنه كَانَ وقتًا معيّنًا، يُتوقّع فيه ذلك، فلا يرد الإشكال بجهالة