أخرجه هنا -٦٨/ ٤٦٢٧ وفي الباب الماضي ٦٧/ ٤٦٢٥ و٤٦٢٦ - وفي "الكبرى" ٦٨/ ٦٢١٧ و٦٢١٨ و٦٢١٩ و٦٢٢٠ و٦٩/ ٦٢٢١. وأخرجه (خ) فِي "البيوع" ٢١٤٣ (م) فِي "البيوع" ١٥١٤ (د) فِي "البيوع" ٣٣٨٠ (ت) فِي "البيوع" ١٢٢٩ (أحمد) فِي "مسند العشرة" ٣٩٦ و"مسند المكثرين" ٤٤٧٧ و٥٢٨٢ و٥٤٤٣ و٥٨٢٨ و٦٢٧١ و٦٤٠١ (الموطأ) فِي "البيوع" ١٣٥٧. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي تفسير "حَبَلِ الْحَبَلَة":
قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى فِي "شرح مسلم": واختلف العلماء، فِي المراد بالنهى عن بيع حبل الحبلة، فَقَالَ جماعة: هو البيع بثمن مؤجل إلى أن تلد الناقة، ويلد ولدها، وَقَدْ ذكر مسلم فِي هَذَا الْحَدِيث هَذَا التفسير، عن ابن عمر، وبه قَالَ مالك، والشافعي، ومن تابعهم. وَقَالَ آخرون: هو بيع ولد الناقة الحامل فِي الحال، وهذا تفسير أبي عبيدة، معمر بن المثنى، وصاحبه: أبي عبيد، القاسم بن سَلّام، وآخرين، منْ أهل اللغة، وبه قَالَ أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وهذا أقرب إلى اللغة، لكن الراوى هو ابن عمر، وَقَدْ فسره بالتفسير الأول، وهو أعرف، ومذهب الشافعيّ، ومحققي الأصوليين، أن تفسير الراوي مقدم إذا لم يخالف الظاهر.
وهذا البيع باطل عَلَى التفسيرين: أما الأول، فلأنه بيع بثمن إلى أجل مجهول، والأجل يأخذ قسطا منْ الثمن. وأما الثاني فلأنه بيع معدوم، ومجهول، وغير مملوك للبائع، وغير مقدور عَلَى تسليمه. والله أعلم. انتهى "شرح مسلم" ١٠/ ٣٩٧.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما فسّر به الأولون للنهي عن بيع حَبَل الْحَبَل بأنه بيع الشيء بثمن مؤجّل إلى هَذَا الأجل، هو الأرجح؛ لموافقته تفسير الراوي؛ لأنه أعلم بتفسير ما روى، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
وَقَالَ فِي "الفتح": ما حاصله قَالَ بظاهر هذه الرواية سعيد بن المسيب، فيما رواه عنه مالك، وَقَالَ به مالك، والشافعي، وجماعة، وهو أن يبيع بثمن إلى أن يلد ولد الناقة، وَقَالَ بعضهم: أن يبيع بثمن إلى أن تحمل الدابة، وتلد ويحمل ولدها، وبه جزم أبو إسحاق فِي "التنبيه"، فلم يشترط وضع حمل الولد، كرواية مالك.
قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: ولم أر منْ صرّح بما اقتضته رواية جويرية المتقدّمة، وهو الوضع فقط، وهو فِي الحكم مثل الذي قبله.
والمنع فِي الصور الثلاث للجهالة فِي الأجل، ومن حقه عَلَى هَذَا التفسير، أن يُذْكَر فِي "السلم".
وَقَالَ أبو عبيدة، وأبو عبيد، وأحمد، وإسحاق، وابن حبيب، المالكي، وأكثر أهل
стр. 16942
اللغة، وبه جزم الترمذيّ: هو بيع ولد نتاج الدابة، والمنع فِي هَذَا منْ جهة أنه بيع معدوم، ومجهول، وغير مقدور عَلَى تسليمه، فيدخل فِي بيوع الغرر، ولذلك صَدَّر البخاريّ بذكر الغرر، فِي الترجمة، حيث قَالَ: "باب بيع الغرر، وحَبَل الْحَبَلَة"، لكنه أشار إلى التفسير الأول، بإيراد الْحَدِيث فِي كتاب "السلم" أيضا، ورجح الأول؛ لكونه موافقا للحديث، وإن كَانَ كلام أهل اللغة، موافقا للثانى، لكن قد رَوَى الإِمام أحمد، منْ طريق ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ما يوافق الثاني، ولفظه: "نهى رسول الله ﷺ ، عن بيع الغرر، قَالَ: إن أهل الجاهلية، كانوا يتبايعون ذلك البيع، يبتاع الرجل بالشارف، حبل الحبلة، فنهوا عن ذلك".
وَقَالَ ابن التين: مُحَصَّل الخلاف، هل المراد البيع إلى أجل، أو بيع الجنين، وعلى الأول، هل المراد بالأجل ولادة الأم، أو ولادة ولدها، وعلى الثاني، هل المراد ببيع الجنين الأول، أو بيع جنين الجنين، فصارت أربعة أقوال. انتهى.
وحَكَى صاحب "المحكم" قولا آخر: إنه بيع ما فِي بطون الأنعام، وهو أيضا منْ بيوع الغرر، لكن هَذَا إنما فَسَّر به سعيدُ بنُ المسيب، كما رواه مالك فِي "الموطإ" بيعَ المضامين، وفسر به غيره بيعَ الملاقيح، واتفقت هذه الأقوال عَلَى اختلافها، عَلَى أن المراد بالحبلة جمع حابل، أو حابلة، منْ الحيوان، إلا ما حكاه صاحب "المحكم" وغيره عن ابن كيسان أن المراد بالْحَبلة: الكَرْمَة، وأن النهي عن بيع حَبلها: أي حملها قبل أن تبلغ، كما نُهِيَ عن بيع ثمر النخلة، قبل أن تُزْهِي، وعلى هَذَا، فالْحَبْلَة بإسكان الموحدة، وهو خلاف ما ثبتت به الروايات، لكن حُكِي فِي الْكَرْمَة فتح الباء.
وادّعَى السهيلي تفرد ابن كيسان به، وليس كذلك، فقد حكاه ابن السَّكِّيت فِي "كتاب الألفاظ"، ونقله القرطبيّ فِي "المفهم" عن أبي العبّاس المبرد، والهاء عَلَى هَذَا للمبالغة، وجها واحدًا. قاله فِي "الفتح" ٥/ ٩٣ - ٩٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٦٩ - (بَيْعُ السِّنِينَ)
٤٦٢٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ،
стр. 16943
قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن منصور": هو الجوّاز. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"أبو الزبير": هو محمد بن مسلم بن تَدْرُس. والسند منْ رباعيات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (٢٢٥) منْ رباعيات الكتاب.
والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم فِي ٣١/ ٤٥٣٣ - ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك، فليُراجع. ومعنى قوله: "بيع السنين": هو أن يبيع ثمرة حائطه مدّةَ سنتين، أو أكثر، وإنما نهى عنه؛ لتضمّنه الغرر، حيث إنه باع شيئًا لا وجود له حال العقد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٢٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حُمَيْدٍ الأَعْرَجِ، عَنْ سُلَيْمَانَ -وَهُوَ ابْنُ عَتِيقٍ- عَنْ جَابِرٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "إسحاق بن منصور": هو الْكَوْسج. و"سفيان": هو ابن عُيينة. و"حميد الأعرج": هو ابن قيس، أبو صفوان المكيّ القارىء، ليس به بأس [٦] ١٨٩/ ٢٩٩٥. و"سليمان بن عتيق": هو المدنيّ، صدوقٌ [٤] ٣٠/ ٤٥٣١. وتقدّم أنه يقال فيه: عتيك بالكاف، والصواب بالقاف، كما هنا، والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم القول فيه فِي الْحَدِيث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٧٠ - (الْبَيْعُ إِلَى الأَجَلِ الْمَعْلُومِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: أرد به بيانَ جواز البيع إلى الأجل المعلوم، وَقَدْ ترجم الإِمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه" بقوله: "باب شراء النبيّ ﷺ بالنسيئة"، قَالَ فِي "الفتح": بكسر السين المهملة، والمدّ: أي بالأجل. قَالَ ابن بطال: الشراء بالنسيئة جائز بالإجماع. قَالَ الحافظ: لعل البخاريّ تخيّل أن أحدًا يتخيّل أنه ﷺ لا يشتري بالنسيئة؛ لأنها دينٌ، فأراد أن يدفع ذلك التخيّل. انتهى "فتح" ٥/ ٢٢. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٦٣٠ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عِكْرِمَةُ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بُرْدَيْنِ قِطْرِيَّيْنِ، وَكَانَ إِذَا جَلَسَ، فَعَرِقَ فِيهِمَا، ثَقُلَا عَلَيْهِ، وَقَدِمَ لِفُلَانٍ الْيَهُودِيِّ بَزٌّ مِنَ الشَّأْمِ، فَقُلْتُ: لَوْ أَرْسَلْتَ إِلَيْهِ، فَاشْتَرَيْتَ مِنْهُ ثَوْبَيْنِ إِلَى الْمَيْسَرَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُ
стр. 16944
مَا يُرِيدُ مُحَمَّدٌ، إِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِمَالِي، أَوْ يَذْهَبَ بِهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَذَبَ، قَدْ عَلِمَ أَنِّي مِنْ أَتْقَاهُمْ لِلَّهِ، وَآدَاهُمْ لِلأَمَانَةِ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (عُمارة بن أبي حفصة) الأزديّ العتكيّ مولاهم، أبو روح البصريّ، واسم أبيه ثابت بالنون، ثقة [٦] ٣٤/ ٣٤٩١.
٢ - (عكرمة) مولى ابن عباس، أبو عبد الله البربري، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢/ ٣٢٥.
٣ - (عائشة) رضي الله تعالى عنها ٥/ ٥، وعمرو بن علي الفلّاس، ويزيد بن زريع تقدما قريبًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح وأن شيخه أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما منْ العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
[فائدة]: قَالَ الإِمام الترمذيّ رحمه الله تعالى فِي "جامعه" بعد أن روى الْحَدِيث عن عمرو بن عليّ، شيخ المصنّف: ما نصّه: وَقَدْ رواه شعبة أيضًا عن عُمارة بن أبي حفصة، سمعت محمد بن فِرَاس البصريّ، يقول: سمعت أبا داود الطيالسيّ يقول: سُئل شعبة يومًا عن هَذَا الْحَدِيث؟ فَقَالَ: لستُ أُحدّثكم حتّى تقوموا إلى حَرَميّ بن عُمارة، فتُقبّلوا رأسه، قَالَ: وحرميّ فِي القوم. انتهى.
وإنما قَالَ شعبة هَذَا إعزازًا وإكرامًا لحرميّ؛ لأنه ابن شيخه عمارة بن أبي حفصة فِي هَذَا الْحَدِيث. أفاده فِي "تحفة الأحوذيّ" ٤/ ٤٠٥. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَائِشَةَ) أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: كَانَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بُرْدَيْنِ قِطْرِيَّيْنِ) هكذا النسخ كلّها بالياء، وكذا وقع عند الترمذيّ، ولفظه: "كَانَ عَلَى رسول الله ﷺ ثوبين قِطْريين"، قَالَ المباركفوريّ رحمه الله تعالى: كذا فِي بعض النسخ، وفي بعضها: "ثوبان قِطريّان"، وهو القياس. انتهى. ووجه الأول أن يكون منْ باب حذف المضاف، وإبقاء المضاف إليه مقامه، وأصله ثوبا بردين، ويكون منْ إضافة العامّ إلى الخاصّ، كشجر أراك، لكن شرط حذف المضاف، وإبقاء المضاف إليه عَلَى حاله لم يوجد هنا؛ لأن شرطه أن يُعطف عَلَى مماثل له،
стр. 16945
كما فِي قول الشاعر [منْ المتقارب]:
أَكُلَّ امْرِىءٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً … وَنَارٍ تَوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نَارَا
حيث عطف "ونار" بالجرّ عَلَى "امرىء"، وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك رحمه الله تعالى فِي "خلاصته"، حيث قَالَ:
وَمَا يَلِي الْمُضَافَ يَأْتِي خَلَفَا … عَنْهُ فِي الاعْرَابِ إِذَا مَا حُذِفَا
وَرُبَّمَا جَرُّوا الَّذِي أَبْقَوَا كَمَا … قَدْ كَانَ قَبْلَ حَذْفِ مَا تَقَدَّمَا
لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَا حُذِفْ … مُمَاثِلاً لِمَا عَلَيْهِ قَدْ عُطِفْ
لكن ذكر الأشمونيّ فِي "شرح الخلاصة" ٢/ ٢٧٣ - : ما يُفيد أن الجر بدون عطف جائز، وإن لم يكن قياسًا، وذكر الصبّان فِي "حاشيته" عليه أن الكوفيين قاسوه، وعلى هَذَا فلما وقع فِي هذه الرواية وجه صحيح -والحمد لله عَلَى ذلك-.
وقوله: "بردين": تثنية بُرد بضم، فسكون، قَالَ فِي "القاموس": البُرد بالضمّ: ثوبٌ مُخطّطٌ، جمعه أَبْرادٌ، وأَبْرُدٌ، وبُرُودٌ، وأكسية يُلْتَحف بها. انتهى.
وقوله: "قِطْرِيين" تثنية " قِطريّ" بكسر، القاف، وسكون الطاء، قَالَ فِي "القاموس": القطر بالكسر: ضرب منْ البرود، كالقِطْريّة. انتهى باختصار. وَقَالَ الفيّوميّ: القطر وزان حِمْل: نوع منْ البرود، والقطريّة مثله، نسبة إليه. انتهى. وَقَالَ فِي "النهاية" ٤/ ٨٠ - : "ثوب قِطريّ": هو ضربٌ منْ البرود، فيه حُمرةٌ، ولها أعلامٌ، فيها بعض الْخُشُونة. وقيل: هي حُلَلٌ جياد، تُحمل منْ قِبل البحرين. وَقَالَ الأزهريّ: فِي أَعْرَاض البحرين قريةٌ، يقال لها: قَطَر، وأحسب الثياب القِطْريّة نُسبت إليها، فكسروا القاف للنسبة، وخفّفوا. انتهى.
(وَكَانَ) ﷺ (إِذَا جَلَسَ، فَعَرِقَ فِيهِمَا) بفتح، فكسر، يقال: عَرِق عَرَقًا، منْ باب تَعِب، فهو عَرْقان. قاله الفيّوميّ (ثَقُلَا عَلَيْهِ) بضم القاف (وَقَدِمَ لِفُلَانٍ الْيَهُودِيِّ) لم يُذكر اسمه (بَزٌّ) بفتح الموحّدة، وتشديد الزاي: نوع منْ الثياب، وقيل: الثياب خاصّة منْ أمتعة البيت، وقيل: أمتعة التاجر منْ الثياب. قاله الفيّوميّ (مِنَ الشَّأْمِ) بهمزة ساكنة، ويجوز تركها تخفيفًا: البلد المعروف (فَقُلْتُ: لَوْ أَرْسَلْتَ إِلَيْهِ) "لو" شَرطيّة، وجوابها محذوفٌ: أي لكان خيرًا لك، أو هي هنا للتمنّي، فلا تحتاج إلى تقدير (فَاشْتَرَيْتَ مِنْهُ ثَوْبَيْنِ إِلَى الْمَيْسَرَةِ) بضم السين المهملة، وفتحها: بمعنى اليُسر، أي مؤجّلاً إلى وقت اليُسْر. وَقَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: أي إلى وقت معلوم، يُتوقّع فيه انتقال الحال منْ العسر إلى اليسر، وكأنه كَانَ وقتًا معيّنًا، يُتوقّع فيه ذلك، فلا يرد الإشكال بجهالة
стр. 16946
الأجل. انتهى (فَأَرْسَلَ) ﷺ (إِلَيْهِ) أي إلى ذلك اليهوديّ (فَقَالَ) اليهوديّ (قَدْ عَلِمْتُ مَا يُرِيدُ مُحَمَّدٌ) ﷺ ، و"ما" استفهاميّة، عُلّق بها "علمت"، أو هي موصولة، مفعول "علمت" بمعنى عرفت، ولذا تعدّت إلى مفعول واحد، كما قَالَ ابن مالك رحمه الله تعالى:
لِعِلْمِ عِرْفَانِ وَظَنِّ تَهُمَهْ … تَعْدِيَةٌ لِوَاحِدٍ مُلْتَزَمَهْ
(إِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِمَالِي، أَوْ) للشكّ منْ الراوي: أي أو قَالَ: أن (يَذْهَبَ بهِمَا) أي بالبردين (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَذَبَ) فِي دعواه هَذَا الباطلِ (قَدْ عَلِمَ أَنَّي مِنْ أَتْقَاهُمْ لله) أي أشدّ النَّاس فِي تقوى الله (وَآدَاهُمْ لِلأَمَانَةِ) بمدّ الألف: أي أحسنهم أداءً للأمانة، ووفاء بالعهد. يقال: هو أَدّى للأمانة منْ غيره بمدّ الألف، وَقَالَ ابن سِيدَهْ: وَقَدْ لَهِجَ العامّة بالخطإ، فقالوا: فلان أَدّى للأمانة بتشديد الدال، وهو لحن، غير جائز. وَقَالَ الأزهريّ: ما علمت أحدًا منْ النحويين أجاز "آدى"؛ لأن أفعل فِي باب التعجّب لا يكون إلا فِي الثلاثيّ، ولا يقال: أَدَى بالتخفيف، بمعنى أَدّى بالتشديد. أفاده المرتضى. "تاج العروس" ١٠/ ١٢.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: فيما قاله الأزهريّ نظر؛ لأنه يلزم منه تلحين هَذَا الْحَدِيث، فِي قوله: "وآداهم للأمانة"، فالحقّ جواز استعمال "هو آدى للأمانة"، كما أثبته فِي "الصحاح" و"القاموس" فافهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٧٠/ ٤٦٣٠ - وفي "الكبرى" ٧١/ ٦٢٢٤. وأخرجه (ت) فِي "البيوع" ١٢١٣. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز البيع إلى الأجل المعلوم. (ومنها): ما كَانَ عليه النبيّ ﷺ منْ الصبر عَلَى قلّة العيش، مع أن الله تعالى خيّره أن يكون نبيّا ملكًا، أو نبيّا عبدًا، فاختار أن يكون نبيّا عبدًا؛ لأن ما له عند الله تعالى خيرٌ، وأبقى، فلم يلتفت إلى ملك الدنيا، قَالَ الله : ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٤، ٥]، وَقَالَ :
стр. 16947
﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. (ومنها): بيان سعة أخلاقه ﷺ ، وحسن معاشرته لأزواجه، حيث يشرن عليه ببعض المصالح، فيعمل بإشارتهنّ، ولا يخالفهنّ. (ومنها): بيان كونه ﷺ أتقى الخلق جميعًا، وأكثرهم وفاء بالعهود، وأداء للأمانات. (ومنها): جواز التعامل مع اليهود، مع أنهم أكالون للسحت. (ومنها): أن فيه دلالة عَلَى جواز تعامل منْ كَانَ ماله حرامًا، إذا لم يُعلم كونه عين الحرام. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٧١ - (سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَهُوَ أَنْ يَبِيعَ السِّلْعَةَ عَلَى أَنْ يُسْلِفَهُ سَلَفًا)
أي يقرضه قرضًا، وَقَدْ تقدّم تمام البحث فِي هَذَا قريبًا ٦٠/ ٤٦١٣. ولله الحمد، والمنّة.
٤٦٣١ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَهَى عَنْ سَلَفٍ وَبَيْعٍ، وَشَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ، وَرِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه فإنه منْ أفراده، وهو ثقة. و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجيميّ. و"حسين المعلّم": هو ابن ذكوان. والسند مسلسل بالبصريين إلى عمرو.
وقوله: "وربح ما لم يُضمن" ببناء الفعل للمفعول: هو أن يبيع ما اشتراه قبل أن ينتقل إلى ضمانه بالقبض، فما ربح منْ ذلك البيع، فهو حرام؛ لأنه ربح مبيع لم يقبضه، بل بقي فِي ضمان البائع؛ لأنه لو هلك فِي تلك الحال، فإنه يكون عَلَى ضمانه، لا عَلَى ضمان المشتري.
والحديث صحيح، وَقَدْ تقدّم فِي ٦٠/ ٤٦١٣، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
стр. 16948
٧٢ - (شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَبِيعُكَ هَذِهِ السِّلْعَةَ إِلَى شَهْرٍ بِكَذَا، وَإِلَى شَهْرَيْنِ بِكَذَا)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم تفسير قوله ﷺ : "وشرطان فِي بيع"، بتفاسير، ومنها هَذَا الذي قاله المصنّف رحمه الله تعالى، لكن الأقرب إلى معنى الْحَدِيث ما تقدّم ترجيح ابن القيّم رحمه الله تعالى له، وهو أن يقول له: بعتك هذه السلعة بعشرة نقدًا، وآخذها منك بعشرين نسيئةً، وهذه هي صورة بيع العينة، وأما الصورة التي فسر بها المصنّف وغيره، فإنها جائزة؛ لأنها منْ ترديد الأثمان، كما تقدّم تمام البحث فِي ذلك فِي المسألة الرابعة منْ مسائل الْحَدِيث ٤٦١٣، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
٤٦٣٢ - (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، حَتَّى ذَكَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "زياد بن أيوب": هو المعروف بدلّويه. و"أيوب": هو السختيانيّ. وقوله: "حدّثني أبي": هو شعيب بن محمد. وقوله: "عن أبيه": هو محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص. وقوله: "حَتَّى ذكر عبد الله بن عمرو" يعني أن عمرًا ذكر جدّه الأدنى، وهو محمد، وجدّه الأعلى، وهو عبد الله بن عمرو، فيكون الْحَدِيث مما رواه شعيب، عن أبيه، محمد، عن جدّه عبد الله بن عمرو، وهو قليل، فأكثر روايات شعيب عن جده عبد الله بن عمرو، وَقَدْ تقدّم أن الصحيح أنه سمع منه. والله تعالى أعلم.
والحديث صحيح، وَقَدْ تقدّم الكلام عليه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٣٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ سَلَفٍ وَبَيْعٍ، وَعَنْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ وَاحِدٍ، وَعَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ، وَعَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الإسناد مخالف لما مضى؛ لأنه منْ رواية شعيب عن جدّه عبد الله بن عمرو، والظاهر أن شعيبًا رواه عن أبيه، عن جدّه، ثم سمعه منْ
стр. 16949
جدّه، فرواه بالوجهين. والحديث صحيح، وَقَدْ سبق القول فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٧٣ - (بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَبِيعُكَ هَذِهِ السِّلْعَةَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ نَقْدًا، وَبِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ نَسِيئَةً)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا التفسير قريب منْ التفسير الذي ذكره فِي الباب الماضي، وَقَدْ تقدّم تحقيقه هناك، فلا تغفل. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٦٣٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ").
رجال هَذَا الإسناد: سبعة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلّاس البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (يعقوب بن إبراهيم) الدورقيّ، أبو يوسف البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] ٢١/ ٢٢.
٣ - (محمد بن المثنّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٦٤/ ٨٠.
٤ - (يحيى بن سعيد) القطّان البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤/ ٤.
٥ - (محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقّاص الليثيّ المدنيّ، صدوقٌ، له أوهام [٦] ١٦/ ١٧.
٦ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ الفقيه الثبت [٣] ١/ ١.
٧ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، منْ محمد بن عمرو، ويعقوب بغداديّ، والباقون بصريون. (ومنها): أن مشايخ المصنّف الثلاثة قد اتفق الأئمة الستّة
стр. 16950
بالرواية عنهم بلا واسطة، وَقَدْ تقدم ذلك غير مرّة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ) تقدّم فِي الترجمة تفسير المصنّف له، ونحوه ما ذكره ابن الأثير رحمه الله تعالى فِي "النهاية" -١/ ١٧٣ - : هو أن يقول: بعتك هَذَا الثوب نقدا بعشرة، ونسيئة بخمسة عشر، فلا يجوز؛ لأنه لا يُدرى أيهما الثمن الذي يختاره؛ ليقع عليه العقد، ومن صوره أن يقول: بعتك هَذَا بعشرين، عَلَى أن تبيعني ثوبك بعشرة، فلا يصح للشرط الذي فيه، ولأنه يسقط بسقوطه بعض الثمن، فيصير الباقي مجهولا، وَقَدْ نُهيَ عن بيع وشرط، وعن بيع وسلف، وهما هذان الوجهان. انتهى.
وفي رواية أبي داود، منْ طريق يحيى بن زكريّا، عن محمد بن عمرو بلفظ: "منْ باع بيعتين فِي بيعة، فله أوكسهما، أو الربا".
قَالَ الخطّابيّ رحمه الله تعالى: لا أعلم أحدا منْ الفقهاء، قَالَ بظاهر هَذَا الْحَدِيث، أو صحح البيع بأوكس الثمنين، إلا شيء يُحكى عن الأوزاعي، وهو مذهب فاسد، وذلك لما يتضمنه هَذَا العقد منْ الغرر والجهل.
وتعقّبه الشوكانيّ فِي "نيل الأوطار" ٥/ ١٦٢ - فَقَالَ: ولا يخفى أن ما قاله، هو ظاهر الْحَدِيث؛ لأن الحكم له بالأوكس، يستلزم صحة البيع به.
قَالَ الخطّابيّ: وإنما المشهور، منْ طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ : "أنه نهى عن بيعتين فِي بيعة"، قَالَ: حدّثنا الأصمّ، قَالَ: حدّثنا الربيع، قَالَ: حدثنا الشافعيّ، قَالَ: حدّثنا الدراوردي، عن محمد بن عمرو. وحدّثونا عن محمد بن إدريس الحنظليّ، حدّثنا الأنصاريّ، عن محمد بن عمرو. فأما رواية يحيى بن زكريا، عن محمد بن عمرو، عَلَى الوجه الذي ذكره أبو داود، فيشبه أن يكون ذلك فِي حكومة فِي شيء بعينه، كأنه أسلفه دينارا، فِي قفيز بر إلى شهر، فلما حل الأجل، وطالبه بالبر، قَالَ له: بعني القفيز الذي لك علي بقفيزين إلى شهرين، فهذا بيع ثان، وَقَدْ دخل عَلَى البيع الأول، فصار بيعتين فِي بيعة، فيردان إلى أوكسهما: أي أنقصهما، وهو الأصل، فإن تبايعا البيع الثاني، قبل أن يتقابضا الأول كانا مُرْبيين.
قَالَ صاحب "العون": وَقَدْ نقل هَذَا التفسير الإِمام ابن الأثير فِي "النهاية"، وابن رسلان فِي "شرح السنن".
ثم قَالَ الخطّابيّ: وتفسير ما نَهَى عنه منْ بيعتين فِي بيعة عَلَى وجهين: [أحدهما]: أن يقول: بعتك هَذَا الثوب نقدا بعشرة، ونسيئة بخمسة عشر، فهذا لا يجوز؛ لأنه لا
стр. 16951
يُدري أيهما الثمن الذي يختاره منهما، فيقعَ به العقد، وإذا جهل الثمن بطل البيع.
قَالَ صاحب "العون": وبمثل هَذَا فسر سماك، رواه أحمد، ولفظه: قَالَ سماك: هو الرجل يبيع البيع، فيقول: هو بنساء بكذا، وهو بنقد بكذا وكذا، وكذلك فسره الشافعيّ ﵀، فَقَالَ: بأن يقول بعتك بألف نقدا، وبألفين إلى سنة، فخذ أيهما شئت أنت، وشئت أنا.
ونقل ابن الرفعة عن القاضي: أن المسألة مفروضة عَلَى أنه قَبِل عَلَى الإبهام، أما لو قَالَ قبلت بألف نقدا، أو بألفين بالنسيئة، صح ذلك، كذا فِي النيل.
ثم قَالَ الخطّابيّ: والوجه الآخر: أن يقول: بعتك هَذَا العبد بعشرين دينارا، عَلَى أن تبيعني جاريتك بعشرة دنانير، فهذا أيضا فاسد؛ لأنه جعل ثمن العبد عشرين دينارا، وشرط عليه أن يبيعه جاريته بعشرة دنانير، وذلك لا يلزمه، وإذا لم يلزمه ذلك سقط بعض الثمن، فإذا سقط بعضه، صار الباقي مجهولا.
ومن هَذَا الباب أن يقول: بعتك هَذَا الثوب بدينارين، عَلَى أن تعطيني بهما دراهم صرف عشرين، أو ثلاثين بدينار. فأما إذا باعه شيئين بثمن واحد، كدار وثوب، أو عبد وثوب، فهذا جائز، وليس منْ باب البيعتين فِي البيعة الواحدة، وإنما هي صفقة واحدة، جمعت شيئين بثمن معلوم.
وعقد البيعتين فِي بيعة واحدة، عَلَى الوجهين الذين ذكرناهما، عند أكثر الفقهاء فاسد، وحُكي عن طاووس: أنه قَالَ: لا بأس أن يقول له: بعتك هَذَا الثوب نقدا بعشرة، وإلى شهرين بخمسة عشر، فيذهب به إلى أحدهما. وَقَالَ الحكم، وحمّاد: لا بأس به ما لم يفترقا. وَقَالَ الأوزاعيّ: لا بأس بذلك، ولكن لا يفارقه حَتَّى يُباتّه لأحد المعنيين، فقيل له: فإنه ذهب بالسلعة عَلَى ذينك الشرطين؟ فَقَالَ: هي بأقلّ الثمنين إلى أبعد الأجلين. قَالَ الخطّابيّ: هَذَا ما لا يُشكّ فِي فساده، فأما إذا باتّه عَلَى أحد الأمرين فِي مجلس العقد، فهو صحيح، لا خلف فيه، وذِكرُ ما سواه لغوٌ، لا اعتبار به. انتهى كلام الخطابيّ "معالم السنن" ٥/ ٩٧ - ٩٩.
وقوله: "فله أوكسهما": أي أنقصهما، "أو الربا": قَالَ فِي "النيل": يعني أو يكون قد دخل هو وصاحبه فِي الربا المحرم، إذا لم يأخذ الأوكس، بل أخذ الأكثر، وذلك ظاهر فِي التفسير الذي ذكره ابن رسلان وغيره، وأما فِي التفسير الذي ذكره أحمد، عن سماك، وذكره الشافعيّ، ففيه مُتَمَسَّكٌ لمن قَالَ: يحرم بيع الشيء بأكثر منْ سعر يومه؛ لأجل النِّساء، وقالت الشافعيّة، والحنفية، والجمهور: إنه يجوز؛ لعموم الأدلة القاضية بجوازه، وهو الظاهر؛ لأن ذلك المتمسك، هو الرواية الأولى -يعني رواية: "منْ باع بيعتين فِي بيعة، فله أوكسهما، أو الربا"- منْ حديث أبي هريرة، وَقَدْ عرفت ما فِي
стр. 16952
راويها منْ المقال، ومع ذلك، فالمشهور عنه اللفظ الذي، رواه غيره، وهو النهي عن بيعتين فِي بيعة، ولا حجة فيه عَلَى المطلوب، ولو سلمنا أن تلك الرواية التي تفرد بها ذلك الراوي، صالحة للاحتجاج، لكان احتمالها لتفسير خارج عن محل النزاع، كما سلف عن ابن رسلان قادحا فِي الاستدلال بها عَلَى المتنازع فيه، عَلَى أن غاية ما فيها الدلالة عَلَى المنع منْ البيع، إذا وقع عَلَى هذه الصورة، وهي أن يقول: نقدا بكذا، ونسيئة بكذا، إلا إذا قَالَ منْ أول الأمر نسيئة بكذا فقط، وكان أكثر منْ سعر يومه، مع أن المتمسكين بهذه الرواية, يمنعون منْ هذه الصورة، ولا يدل الْحَدِيث عَلَى ذلك، فالدليل أخص منْ الدعوى، وَقَدْ جمعنا رسالة فِي هذه المسألة، وسميناها "شِفاء الغُلَل، فِي حكم زيادة الثمن لمجرد الأجل"، وحققناها تحقيقا، لم نُسبق إليه.
والعلة فِي تحريم بيعتين فِي بيعة، عدم استقرار الثمن، فِي صورة بيع الشيء الواحد بثمنين، والتعليق بالشرط المستقبل، فِي صورة بيع هَذَا عَلَى أن يبيع منه ذاك، ولزوم الربا فِي صورة قفيز الحنطة. انتهى كلام الشوكانيّ رحمه الله تعالى. "نيل الأوطار" ٥/ ١٦١ - ١٦٣.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدم أن الأشبه فِي معنى النهي عن بيعتين فِي بيعة أن يقول: بعتك هذه السلعة بعشرة نقدًا، وآخذها منك بعشرين نسيئة، وهي المسألة المشهورة ببيع العينة والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٧٣/ ٤٦٣٣ - وفي "الكبرى" ٧٤/ ٦٢٢٨. وأخرجه (د) فِي "البيوع" ٣٤٦١ (ت) فِي "البيوع" ١٣٣١ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ٩٣٠١ و٢٧٢٤٥. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي البحث عن بيع العينة:
أخرج الإِمام أبو داود رحمه الله تعالى فِي "سننه" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قَالَ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلّط الله عليكم ذُلّا، لا ينزعه حَتَّى ترجعوا إلى دينكم". والحديث صحيح بمجموع طرقه، كما بينه الشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى فِي "السلسلة الصحيحة" ١/ ١٥ - ١٧ رقم ١١.
стр. 16953
قَالَ الرافعيّ: بيع العينة: هو أن يبيع شيئًا منْ غيره بثمن مؤجّل، ويسلمه إلى المشتري، ثم يشتريه قبل قبض الثمن بثمن نقد أقلّ منْ ذلك القدر. انتهى. وَقَدْ ذهب إلى عدم جواز بيع العينة مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وجوّز ذلك الشافعيّ، وأصحابه. كذا فِي "النيل".
وَقَدْ كتب الإِمام ابن قيّم الجوزيّة رحمه الله تعالى بحثًا نفيسًا فِي هَذَا الْحَدِيث، فِي كتابه "تهذيب السنن"، ولنفاسته أحببت إيراده بطوله؛ تتميمًا للفائدة، وتكثيرًا للعائدة:
قَالَ رحمه الله تعالى: وفي الباب حديث أبي إسحاق السبيعيّ، عن امرأته، أنها دخلت عَلَى عائشة رضي الله تعالى عنها، فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم، قالت: يا أم المؤمنين، إني بعت غلاما منْ زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة، وإني ابتعته منه بستمائة نقدًا، فقالت لها عائشة: بئسما اشتريتِ، أخبري زيدًا أن جهاده مع رسول الله ﷺ قد بطل إلى أن يتوب". هَذَا الْحَدِيث رواه البيهقيّ، والدارقطنيّ، وذكره الشافعيّ، وأعلّه بالجهالة بحال امرأة أبي إسحاق، وَقَالَ: لو ثبت، فإنما عابت عليها بيعًا إلى العطاء؛ لأنه أجلٌ غير معلوم، ثم قَالَ: ولا يثبت مثل هَذَا عن عائشة، وزيد بن أرقم لا يبيع إلا ما يراه حلالاً. قَالَ البيهقيّ: ورواه يونس بن أبي إسحاق، عن أمه العالية بنت أنفع: أنها دخلت عَلَى عائشة مع أم محمد (١). وَقَالَ غيره: هَذَا الْحَدِيث حسنٌ، ويُحتجّ بمثله؛ لأنه قد رواه عن العالية ثقتان ثبتان: أبو إسحاق زوجها، ويونس ابنها, ولم يُعلم فيها جرحٌ، والجهالة ترتفع عن الراوي بمثل ذلك، ثم إن هَذَا مما ضُبطت فيه القصّة، ومن دخل معها عَلَى عائشة، وَقَدْ صدّقها زوجها، وابنها، وهما منْ هما؟ فالحديث محفوظ.
وقوله فِي الْحَدِيث المتقدّم: "منْ باع بيعتين فِي بيعة، فله أوكسهما، أو الربا" هو منزل عَلَى العينة بعينها، قاله شيخنا يعني ابن تيميّة- لأنه بيعان فِي بيع واحد، فأوكسهما الثمن الحالّ، وإن أخذ بالأكثر، وهو المؤجّل أخذ بالربا، فالمعنيان لا ينفكّان منْ أحد الأمرين: إما الأخذ بأوكس الثمنين، أو الربا، وهذا لا يتنزّل إلا عَلَى العينة.
[فصل]: قَالَ المحرّمون للعينة: الدليل عَلَى تحريمها منْ وجوه:
[أحدها]: أن الله تعالى حرّم الربا، والعينة وسيلة إلى الربا، بل هي منْ أقرب وسائله، والوسيلة إلى الحرام حرام، فهنا مقامان: أحدهما: بيان كونها وسيلة، والثاني: بيان أن الوسيلة إلى الحرام حرام.
стр. 16954
فأما الأول: فيشهد له به النقل، والعرف، والنيّة والقصد، وحال المتعاقدين، فأما النقل، فبما ثبت عن ابن عبّاس: "أنه سئل عن رجل باع منْ رجل حريرة بمائة، ثم اشتراها بخمسين؟ فَقَالَ: دراهم بدراهم متفاضلة، دخلت بينهما حريرة". وفي كتاب محمد بن عبد الله الحافظ المعروف بمطيّن، عن ابن عبّاس أنه قَالَ: "اتّقوا هذه العينة، لا تبيعوا دراهم بدراهم بينهما حريرة". وفي كتاب أبي محمد النجشيّ الحافظ، عن ابن عباس أنه سئل عن العينة، يعني بيع الحريرة فَقَالَ: "إن الله لا يُخدع، هَذَا مما حرّم الله ورسوله"، وقول الصحابيّ: حرّم رسول الله كذا، أو أمر بكذا، وقضى بكذا، وأوجب كذا فِي حكم المرفوع اتفاقًا عند أهل العلم، إلا خلافًا شاذًّا لا يُعتدّ به، ولا يؤبه له.
وشُبهة المخالف أنه لعله رواه بالمعنى، فظنّ ما ليس بأمر، ولا تحريم كذلك، وهذا فاسدٌ جدًّا، فإن الصحابة أعلم بمعاني النصوص، وَقَدْ تلقوها منْ فِي رسول الله ﷺ ، فلا يظنّ بأحد منهم أن يقدم عَلَى قول: أمر رسول الله ﷺ ، أو حرّم، أو فرض إلا بعد سماع ذلك، ودلالة اللفظ عليه، واحتمال خلاف هَذَا كاحتمال الغلط، والسهو فِي الرواية, بل دونه، فإن رُدّ قوله: "أمر" ونحوه بهذا الاحتمال، وجب ردّ روايته؛ لاحتمال السهو والغلط، وإن قُبلت روايته، وجب قبول الآخر.
وأما شهادة العرف بذلك، فأظهر منْ أن تحتاج إلى تقرير، بل قد علم الله، وعباده منْ المتبايعين ذلك قصدهما أنهما لم يعقدا عَلَى السلعة عقدًا يقصدان به تملكها, ولا غرض لهما فيها بحال، وإنما الغرض، والمقصود بالقصد الأول مائة بمائة وعشرين، وإدخال السلعة فِي الوسط تلبيس وعبث، وهي بمنزلة الحرف الذي لا معنى له فِي نفسه، بل جيء به لمعنى فِي غيره، حَتَّى لو كانت تلك السلعة تُساوي أضعاف ذلك الثمن، أو تساوي أقلّ جزء منْ أجزائه، لم يبالوا بجعلها موردًا للعقد؛ لأنهم لا غرض لهم فيها، وأهل العرف لا يكابرون أنفسهم فِي هَذَا.
وأما النيّة والقصد، فالأجنبيّ المشاهد لهما يقطع بأنه لا غرض لهما فِي السلعة، وإنما القصد الأول مائة بمائة وعشرين، فضلاً عن علم المتعاقدين، ونيّتهما, ولهذا يتواطأ كثير منهم عَلَى ذلك قبل العقد، ثم يُحضران تلك السلعة، محللاً لما حرّم الله ورسوله.
وأما المقام الثاني، وهو أن الوسيلة إلى الحرام حرام، فبانت بالكتاب والسنّة، والفطرة، والمعقول، فإن الله مسخ اليهود قردةً وخنازير لَمّا توسّلوا إلى الصيد الحرام بالوسيلة التي ظنّوها مباحةً، وسمَّى أصحاب رسول الله ﷺ ، والتابعون
стр. 16955
مثل ذلك مخادعةً، كما تقدّم، وَقَالَ أيوب السختيانيّ: يخادعون الله كما يخادعون الصبيان، لو أتوا الأمر عَلَى وجهه كَانَ أسهل. والرجوع إلى الصحابة فِي معاني الألفاظ متعيّنٌ، سواء كانت لغويّة، أو شرعيّة، والخداع حرام.
وأيضًا، فإن هَذَا العقد يتضمّن إظهار صورة مباحة، وإضمار ما هو منْ أكبر الكبائر، فلا تنقلب الكبيرة مباحةً بإخراجها فِي صورة البيع الذي لم يُقصد نقل الملك فيه أصلاً، وإنما قصده حقيقة الربا.
وأيضًا فإن الطريق متى أفضت إلى الحرام، فإن الشريعة لا تأتي بإباحتها أصلاً؛ لأن إباحتها، وتحريم الغاية جمع بين النقيضين، فلا يُتصوّر أن يُباح شيء، ويحرم ما يُفضي إليه، بل لابدّ منْ تحريمهما، أو إباحتهما، والثاني باطلٌ قطعًا، فيتعيّن الأول.
وأيضًا، فإن الشارع إنما حرّم الربا، وجعله منْ الكبائر، وتوعّد آكله بمحاربة الله ورسوله؛ لما فيه منْ أعظم الفساد والضرر، فكيف يُتصوّر مع هَذَا أن يبيح هَذَا الفساد العظيم بأيسر شيء يكون منْ الحيل؟، فيا لله العجب، أترى هذه الحيلة أزالت تلك المفسدة العظيمة، وقلبتها مصلحة، بعد أن كانت مفسدة؟.
وأيضًا فإن الله عاقب أهل الجنة الذين أقسموا ليصرمنّها مصبحين، وكان مقصودهم منع حقّ الفقراء، منْ الثمر المتساقط وقت الحصاد، فلما قصدوا منع حقّهم منعهم الله الثمرة جملة.
ولا يقال: فالعقوبة إنما كانت عَلَى ردّ الاستثناء وحده؛ لوجهين. أحدهما: أن العقوبة منْ جنس العمل، وترك الاستثناء عقوبته أن يعوق وينسى، لا إهلاك ماله، بخلاف عقوبة ذنب الحرمان، فإنها حرمان كالذنب.
الثاني: أن الله تعالى أخبر عنهم أنهم قالوا: ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ [القلم: ٢٤]، وذنب العقوبة عَلَى ذلك، فلو لم يكن لهذا الوصف مدخل فِي العقوبة لم يكن لذكره فائدة، فإن لم يكن هو العلّة التامة كَانَ جزءًا منْ العلّة، وعلى التقديرين يحصل المقصود.
وأيضًا فإن النبيّ ﷺ قَالَ: "الأعمال بالنيات"، والمتوسّل بالوسيلة التي صورتها مباحة إلى المحرّم إنما نيّته المحرم، ونيته أولى به منْ ظاهر عمله.
وأيضًا فقد روى ابن بطّة وغيره بإسناد حسن عن أبي هريرة ﵁ أن النبيّ ﷺ قَالَ: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلّوا محارم الله بأدنى الحيل"، وإسناده مما يصححه الترمذيّ.
وأيضًا فإن النبيّ ﷺ قَالَ: "لعن الله اليهود حُرّمت عليهم الشحوم، فجملوها،
стр. 16956
وباعوها، وأكلوا أثمانها"، و"جملوها": يعني أذابوها، وخلطوها، وإنما فعلوا ذلك ليزول عنها اسم الشحم، ويحدُث لها اسم آخر، وهو الودَكُ، وذلك لا يفيد الحلّ، فإن التحريم تابع للحقيقة، وهي لا تتبدّل بتبدّل الاسم، وهذا الربا تحريمه تابع لمعناه وحقيقته، فلا يزول بتبدّل الاسم بصورة البيع، كما لم يزل تحريم الشحم بتبديل الاسم بصورة الجمل والإذابة، وهذا واضحٌ بحمد الله.
وأيضًا، فإن اليهود لم ينتفعوا بعين الشحم، إنما انتفعوا بثمنه، فيلزم منْ وقف مع صورة العقود والألفاظ، دون مقاصدها، وحقائقها أن لا يحرّم ذلك؛ لأن الله تعالى لم ينصّ عَلَى تحريم الثمن، وإنما حرّم عليهم نفس الشحم، ولَمّا لعنهم عَلَى استحلالهم الثمن، وإن لم ينصّ عَلَى تحريمه، دلّ عَلَى أن الواجب النظر إلى المقصود، وإن اختلفت الوسائل إليه، وأن ذلك يوجب أن لا يقصد الانتفاع بالعين، ولا ببدلها.
ونظير هَذَا أن يقال: لا تقرب مال اليتيم، فتبيعه، وتأكل عوضه، وأن يقال: لا تشرب الخمر، فتغيّر اسمه، وتشربه، وأن يقال: لا تزن بهذه المرأة، فتعقد عليها عقد إجارة، وتقول: إنما أستوفي منافعها، وأمثال ذلك.
قالوا: ولهذا الأصل، وهو تحريم الحيل المتضمّنة إباحة ما حرّم الله، أو إسقاط ما أوجبه الله عليه أكثر منْ مائة دليل، وَقَدْ ثبت أن النبيّ ﷺ : "لعن المحلّل، والمحلّل له"، مع أنه أتى بصورة عقد النكاح الصحيح؛ لما كَانَ مقصوده التحليل، لا حقيقة النكاح، وَقَدْ ثبت عن الصحابة أنهم سمّوه زانيًا, ولم ينظروا إلى صورة العقد.
[الدليل الثاني]: عَلَى تحريم العينة: ما رواه أحمد فِي "مسنده": حدثنا أسود بن عامر، حدثنا أبو بكر هو ابن عياش، عن الأعمش، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر، قَالَ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا ضَنّ النَّاس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتّبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد فِي سبيل الله، أنزل الله بهم بلاءً، فلا يرفعه عنهم حَتَّى يُراجعوا دينهم" (١)، ورواه أبو داود بإسناد صحيح إلى حيوة بن شُريح المصريّ، عن إسحاق أبي عبد الرحمن الخراسانيّ، أنّ عطاء الخراسانيّ حدّثه، أن نافعا حدّثه، عن ابن عمر، قَالَ: سمعت رسول الله ﷺ يقول- فذكره، وهذان إسنادان حسنان، يشدّ أحدهما الآخر، فأما رجال الأول، فأئمة مشاهير، وإنما يُخاف أن لا يكون الأعمش سمعه منْ عطاء، أو أن عطاء لم يسمعه منْ ابن عمر. والإسناد الثاني
стр. 16957
يبيّن أن للحديث أصلاً محفوظًا عن ابن عمر، فإن عطاء الخراسانيّ ثقة مشهور، وحيوة كذلك، وأما إسحاق أبو عبد الرحمن، فشيخ روى عنه أئمة المصريين، مثل حيوة، والليث، ويحيى بن أيوب، وغيرهم.
وله طريق ثالث، رواه السريّ بن سهل، حدّثنا عبد الله بن رشيد، حدثنا عبد الرحمن بن محمد، عن ليث، عن عطاء، عن ابن عمر، قَالَ: لقد أتى علينا زمان، وما منّا رجلٌ يرى أنه أحقّ بديناره ودرهمه منْ أخيه المسلم، ولقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا ضنّ النَّاس بالدينار، والدرهم، وتبايعوا بالعِينة، وتركوا الجهاد، واتّبعوا أذناب البقر، أدخل الله عليهم ذُلّا لا ينزعه حَتَّى يتوبوا، ويرجعوا إلى دينهم"، وهذا يبيّن أن للحديث أصلاً، وأنه محفوظ.
[الدليل الثالث]: ما تقدّم منْ حديث أنس ﵁، أنه سئل عن العينة؟ فَقَالَ: "إن الله لا يُخدع، هَذَا مما حرّم الله ورسوله"، وتقدّم أن هَذَا اللفظ فِي حكم المرفوع.
[الدليل الرابع]: ما تقدّم منْ حديث ابن عباس، وقوله: "هَذَا مما حرّم الله ورسوله".
[الدليل الخامس]: ما رواه الإِمام أحمد، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن العالية، ورواه حرب منْ حديث إسرائيل، حدّثني أبو إسحاق، عن جدّته العالية يعني جدّة إسرائيل -فإنها امرأة أبي إسحاق، قالت: دخلت عَلَى عائشة فِي نسوة، فقالت: ما حاجتكنّ؟ فكان أول منْ سألها أم محبة (١)، فقالت: يا أم المؤمنين، هل تعرفين زيد بن أرقم؟ قالت: نعم، قالت: فإني بعته جارية لي بثمانمائة درهم إلى العطاء، وإنه أراد أن يبيعها، فابتعتها بستمائة درهم نقدًا، فأقبلت عليها، وهي غضبى، فقالت: بئسما شريت، وبئسما اشتريت، أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله
стр. 16958
- ﷺ ، إلا أن يتوب، وأفحمت صاحبتنا، فلم تتكلّم طويلاً، ثم إنه سهل عنها، فقالت: يا أم المؤمنين، أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي؟ فتلت عليها: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٥].
فلولا أن عند أم المؤمنين علمًا لا تستريب فيه أن هَذَا محرّم، لم تستجز أن تقول مثل هَذَا بالاجتهاد، ولاسيّما إن كانت قد قصدت أن العمل يُحبط بالردّة، وأن استحلال الربا كفرٌ، وهذا منه، ولكن زيدًا معذورٌ؛ لأنه لم يعلم أن هَذَا محرم، ولهذا قالت: "أبلغيه".
ويحتمل أن تكون قد قصدت أن هَذَا منْ الكبائر التي يقاوم إثمها ثواب الجهاد، فيصير بمنزلة منْ عمل حسنة وسيّئةً بقدرها، فكأنه لم يعمل شيئًا.
وعلى التقديرين لجزم أم المؤمنين بهذا دليلٌ عَلَى أنه لا يسوغ فيه الاجتهاد، ولو كانت هذه منْ مسائل الاجتهاد، والنزاع بين الصحابة لم تُطلق عائشة ذلك عَلَى زيد، فإن الحسنات لا تبطل بمسائل الاجتهاد.
ولا يقال: فزيد منْ الصحابة، وَقَدْ خالفها؛ لأن زيدًا لم يقل: هَذَا حلالٌ، بل فعله، وفعل المجتهد لا يدلّ عَلَى قوله، عَلَى الصحيح؛ لاحتمال سهو، أو غفلة، أو تأويل، أو رجوع، ونحوه، وكثيرًا ما يفعل الرجل الشيء، ولا يعلم مفسدته، فإذا نُبّه له انتبه، ولاسيّما أم ولده، فإنها دخلت عَلَى عائشة تستفتيها، وطلبت الرجوع إلى رأس مالها، وهذا يدلّ عَلَى الرجوع عن ذلك العقد، ولم يُنقل عن زيد أنه أصرّ عَلَى ذلك.
[فإن قيل]: لا نسلّم ثبوت الْحَدِيث، فإن أم ولد زيد مجهولة؟.
[قلنا]: أم ولده لم ترو الْحَدِيث، وإنما كانت هي صاحبة القصّة، وأما العالية، فهي امرأة أبي إسحاق السبيعيّ، وهي منْ التابعيّات، وَقَدْ دخلت عَلَى عائشة، وروى عنها أبو إسحاق، وهو أعلم بها، وفي الْحَدِيث قصّة، وسياق يدلّ عَلَى أنه محفوظ، وأن العالية لم تختلق هذه القصّة، ولم تضعها، بل يغلب عَلَى الظنّ غلبةً قويّة صدقها فيها، وحفظها لها, ولهذا رواها عنها زوجها ميمون (١) ولم ينهها, ولاسيّما عند منْ يقول: رواية العدل عن غيره تعديل له، والكذب لم يكن فاشيًا فِي التابعين فشوّه فيمن بعدهم، وكثير منهم كَانَ يروي عن أمه، وامرأته ما يُخبرن به أزواج رسول الله ﷺ ، ويحتجّ به.
فهذه أربعة أحاديث تبيّن أن رسول الله ﷺ حرّم العينة: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما الذي فيه تغليظ العينة. وحديث أنس، وابن عباس ﵃ أنها مما حرّم الله
стр. 16959
ورسوله. وحديث عائشة رضي الله تعالى عنها هَذَا المرسل، والمرسل منها له ما يوافقه، وَقَدْ عمل به بعض الصحابة منْ السلف، وهذا حجة بإتفاق الفقهاء.
[الدليل السادس]: ما رواه أبو داود منْ حديث أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "منْ باع بيعتين، فله أوكسهما، أو الربا"، وللعلماء فِي تفسيره قولان:
[أحدهما]: أن يقول: بعتك بعشرة نقدًا، وعشرين نسيئة، وهذا هو الذي رواه أحمد عن سماك، ففسّره فِي حديث ابن مسعود ﵁، قَالَ: "نهى رسول الله ﷺ عن صفقتين فِي صفقة"، قَالَ سماك: الرجل يبيع البيع، فيقول: هو عَلَى نساء بكذا، وبنقد بكذا. وهذا التفسير ضعيف؛ فإنه لا يدخل الربا فِي هذه الصورة، ولا صفقتين هنا، وإنما هي صفقة واحدة بأحد الثمنين.
[والتفسير الثاني]: أن يقول: أبيعكها بمائة إلى سنة عَلَى أن أشتريها منك بثمانين حالة، وهذا معنى الْحَدِيث، الذي لا معنى له غيره، وهو مطابق لقوله: "فله أوكسهما، أو الربا"، فإنه إما أن يأخذ الثمن الزائد، فيُربي، أو الثمن الأول، فيكون هو أوكسهما، وهو مطابق لصفقتين فِي صفقة، فإنه قد جمع صفقتي النقد والنسيئة فِي صفقة واحدة، ومبيع واحد، وهو قد قصد بيع دراهم عاجلة بدراهم مؤجّلة، أكثر منها, ولا يستحقّ إلا رأس ماله، وهو أوكس الصفقتين، فإن أبى إلا الأكثر، كَانَ قد أخذ الربا، فتدبّر مطابقة هَذَا التفسير لألفاظه ﷺ ، وانطباقه عليها. ومما يشهد لهذا التفسير: ما رواه الإِمام أحمد، عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ : "أنه نهى عن بيعتين فِي بيعة، وعن سلف وبيع"، فجمعه بين هذين العقدين فِي النهي لأن كلا منهما يؤول إلى الربا؛ لأنهما فِي الظاهر بيع، وفي الحقيقة ربا.
ومما يدلّ عَلَى تحريم العِينة: حديث ابن مسعود ﵁ يرفعه: "لعن الله آكل الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه، والمحلّل، والمحلّل له". ومعلوم أن الشاهدين، والكاتب إنما يكتب، ويشهد عَلَى عقد صورته جائزة الكتابة، والشهادة، لا يشهد بمجرّد الربا، ولا يكتبه، ولهذا قرنه بالمحلّل والمحلّل له، حيث أظهرا صورة النكاح، ولا نكاح، كما أظهر الكاتب والشاهدان صورة البيع، ولا بيع.
وتأمّل كيف لعن فِي الْحَدِيث الشاهدين، والكاتب، والآكل، والموكل، فلعن المعقود له، والمعين له عَلَى ذلك العقد، ولعن المحلّل، والمحلّل له، فالمحلل له هو الذي يُعقد التحليل لأجله، والمحلّل هو المعين له بإظهار صورة العقد، كما أن المرابي هو المعان عَلَى أكل الربا بإظهار صورة العقد المكتوب المشهود به، فصلوات الله عَلَى منْ أوتي جوامع الكلم.
стр. 16960
[الدليل السابع]: ما صحّ عن ابن عبّاس أنه قَالَ: "إذا استقمت (١) بنقد، فبعت بنقد، فلا بأس، وإذا استقمت بنقد، فبعت بنسيئة، فلا خير فيه، تلك ورق بورق". رواه سعيد وغيره. ومعنى كلامه: أنك إذا قوّمت السلعة بنقد، ثم بعتها بنسيئة كَانَ مقصود المشتري شراء دراهم معجّلة بدراهم مؤجّلة، وإذا قوّمتها بنقد، ثم بعتها به فلا بأس، فإن ذلك بيع المقصود منه السلعة، لا الربا.
[الدليل الثامن]: ما رواه ابن بطّة، عن الأوزاعيّ، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "يأتي عَلَى النَّاس زمان، يستحلّون الربا بالبيع". يعني العينة. وهذا، وإن كَانَ مرسلاً، فهو صالحٌ للاعتضاد به، ولاسيّما وَقَدْ تقدّم منْ المرفوع ما يؤكّده، ويشهد له أيضًا، قوله ﷺ : "ليشربنّ ناسٌ منْ أمتي الخمر، يسمّونها بغير اسمها"، وقوله أيضًا، فيما رواه إبراهيم الحربيّ منْ حديث أبي ثعلبة ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "أول دينكم نبوّة ورحمة، ثم خلافة ورحمة، ثم ملك ورحمة، ثم ملك وجبرية، ثم ملك عَضُوض (٢)، يُستحلّ فيه الحِرُ والحرير"، و"الحِر" بكسر الحاء، وتخفيف الراء-: هو الفرج، فهذا إخبار عن استحلال المحارم، ولكنه بتغيير أسمائها، وإظهارها فِي صورة تجعل وسيلة إلى استباحتها، وهي الربا، والخمر، والزنا، فيُسمّى كلّ منها بغير اسمها، ويستباح الاسم الذي سمي به، وَقَدْ وقعت الثلاثة.
وفي قول عائشة: "بئسما شريت، وبئسما اشتريت" دليلٌ عَلَى بطلان العقدين معًا، وهذا هو الصحيح منْ المذهب -يعني الحنبلية-؛ لأن الثاني عقد ربا، والأول وسيلة إليه. وفيه قول آخر فِي المذهب أن العقد الأول صحيح؛ لأنه تمّ بأركانه وشروطه، فطريان الثاني عليه لا يبطله، وهذا ضعيف؛ فإنه لم يكن مقصودًا لذاته، وإنما جعله وسيلة إلى الربا، فهو طريق إلى المحرّم، فكيف يحكم بصحّته؟ وهذا القول لا يليق بقواعد المذهب.
[فإن قيل]: فما تقولون فيمن باع سلعة بنقد، ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة؟.
[قلنا]: قد نصّ أحمد فِي رواية حرب عَلَى أنه لا يجوز إلا إن تغيّرت السلعة؛ لأن هَذَا يتخذ وسيلة إلى الربا، فهو كمسألة العينة سواءً، وهي عكسها صورة، وفي الصورتين قد ترتّب فِي ذمّته دراهم مؤجّلة بأقلّ منها نقدًا، لكن فِي إحدى الصورتين البائع هو الذي اشتغلت ذمته، وفي الصورة الأخرى المشتري هو الذي اشتغلت ذمته، فلا فرق بينهما.
стр. 16961
وَقَالَ بعض أصحابنا أي الحنبليّة-: يحتمل أن تجوز الصورة الثانية، إذا لم يكن ذلك حيلة، ولا مواطأةً، بل وقع اتّفاقًا. وفرق بينها وبين الصورة الأولى بفرقين: [أحدهما]: أن النصّ ورد فيها، فيبقى ما عداها عَلَى أصل الجواز. [والثاني]: أن التوسّل إلى الربا بتلك الصورة أكثر منْ التوسّل بهذه. والفرقان ضعيفان، أما الأول، فليس فِي النصّ ما يدلّ عَلَى اختصاص العينة بالصورة الأولى، حَتَّى تتقيّد به نصوص مطلقة عَلَى تحريم العينة، والعِينة فِعْلة منْ العين: النقد، قَالَ الشاعر [منْ الطويل]:
أَنَدَّانُ أَمْ نَعْتَانُ أَمْ يَنْبَرِي لَنَا … فَتًى مِثْلُ نَصْلِ السَّيْفِ مِيزَتْ مَضَارِبُهْ
قَالَ الجوزجانيّ: أنا أظنّ أن العينة إنما اشتقّت منْ حاجة الرجل إلى العين منْ الذهب والورق، فيشتري السلعة، ويبيعها بالعين الذي احتاج إليها, وليست به إلى السلعة حاجة.
وأما الفرق الثاني، فكذلك؛ لأن المعتبر فِي هَذَا الباب هو الذريعة، ولو اعتبر فيه الفرق منْ الاتّفاق والقصد لزم طرد ذلك فِي الصورة الأولى، وأنتم لا تعتبرونه.
[فإن قيل]: فما تقولون: إذا لم تعد السلعة إليه، بل رجعت إلى ثالث، هل تسمّون ذلك عينة؟.
[قيل]: هذه مسألة التورّق؛ لأن المقصود منها الورق، وَقَدْ نصّ أحمد فِي رواية أبي داود عَلَى أنها منْ العينة، وأطلق عليها اسمها. وَقَدْ اختلف السلف فِي كراهتها، فكان عمر بن عبد العزيز يكرهها، وكان يقول: "التورّق آخية الربا" (١). ورخّص فيها إياس بن معاوية. وعن أحمد فيها روايتان منصوصتان، وعلّل الكراهة فِي إحداهما بأنه بيع مضطرّ، وَقَدْ روى أبو داود عن عليّ ﵁: أن النبيّ ﷺ نهى عن بيع المضطرّ، وفي "المسند" عن عليّ ﵁ قَالَ: "سيأتي عَلَى النَّاس زمان يعض المؤمن عَلَى ما فِي يده، ولم يؤمر بذلك، قَالَ تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ويباع المضطرّون، وَقَدْ نهى رسول الله ﷺ عن بيع المضطرّ"، وذكر الْحَدِيث. فأحمد رحمه الله تعالى أشار إلى أن العينة إنما تقع منْ رجل مضطرّ إلى نقد؛ لأن الموسر يضنّ عليه بالقرض، فيضطرّ إلى أن يشتري منه سلعة، ثم يبيعها، فإن اشتراها منه بائعها كانت عِينة، وإن باعها منْ غيره فهي التورّق، ومقصوده فِي الموضعين الثمن، فقد حصل فِي ذمته ثمن مؤجّل مقابل لثمن حالّ، أنقص منه، ولا معنى للربا إلا هَذَا، لكنه ربا بسلّم، لم يحصل له مقصوده إلا بمشقّة، ولو لم يقصده كَانَ ربا بسهولة.
стр. 16962
وللعينة صورة رابعة، وهي أخت صورها، وهي أن يكون عند الرجل المتاع، فلا يبيعه إلا نسيئة، ونصّ أحمد عَلَى كراهة ذلك، فَقَالَ: العينة أن يكون عنده المتاع، فلا يبيعه إلا بنسيئة، فإن باع بنسيئة ونقد فلا بأس. وَقَالَ أيضًا: أكره للرجل أن لا يكون له تجارة غير العينة، فلا يبيع بنقد. قَالَ ابن عقيل: إنما كره ذلك لمضارعته الربا، فإن البائع بنسيئة يقصد الزيادة غالبًا. وعللَّه شيخنا ابن تيميّة ﵀ بأنه يدخل فِي بيع المضطرّ، فإن غالب منْ يشتري بنسيئة إنما يكون لتعذّر النقد عليه، فإذا كَانَ الرجل لا يبيع إلا بنسيئة كَانَ ربحه عَلَى أهل الضرورة والحاجة، وإذا باع بنقد ونسيئة، كَانَ تاجرًا منْ التجّار.
وللعينة صورة خامسة، وهي أقبح صورها، وأشدّها تحريمًا، وهي أن المترابيين يتواطآن عَلَى الربا، ثم يعمدان إلى رجل عنده متاع، فيشتريه منه المحتاج، ثم يبيعه للمرابي بثمن حالّ، ويقبضه منه، ثم يبيعه إياه للمرابي بثمن مؤجّل، وهو ما اتّفقا عليه، ثم يُعيد المتاع إلى ربّه، ويعطيه شيئًا، وهذه تسمّى الثلاثيّة؛ لأنها بين ثلاثة، وإذا كانت السلعة بينهما خاصّة فهي الثنائيّة، وفي الثلاثية قد أدخلا بينهما محلّلاً يزعمان أنه يحلّل لهما ما حرّم الله منْ الربا، وهو كمحلّل النكاح، فهذا محلّل الربا، وذلك محلّل الفروج، والله تعالى لا تخفى عليه خافية، بل يعلم خائنة الأعين، وما تُخفي الصدور. انتهى كلام ابن القيّم رحمه الله تعالى بطوله منْ "تهذيب السنن" ٥/ ٩٩ - ١٠٩. وهو بحث نفيسٌ مفيد جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٧٤ - (النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الثُّنْيَا حَتَّى تُعْلَمَ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الثّنيا" بالضمّ، والقصر، قَالَ الفيّوميّ: "والثُّنْيَا" بضم الثاء، مع الياء، و"الثَّنْوَى" بالفتح، مع الواو: اسم منْ الاستثناء، وفي الْحَدِيث: "منْ استثنى فله ثُنْياه": أي ما استثناه. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٦٣٥ - (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ
стр. 16963
حُسَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، نَهَى عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ، وَعَنِ الثُّنْيَا إِلاَّ أَنْ تُعْلَمَ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح.
و"عبّاد بن العوّام": هو أبو سهل الواسطيّ الثقة [٨]. و"سفيان بن حسين" الواسطيّ، ثقة فِي غير الزهريّ باتفاقهم [٧]. و"يونس": هو ابن عُبيد الثقة الثبت العابد الفاضل البصريّ [٥]. و"عطاء": هو ابن أبي رباح.
وقوله: "عن المحاقلة": هو بيع الطعام فِي سنبله بالبرّ، مأخوذ منْ الحقل، وهو الزرع، إذا تشعّب منْ قبل أن يغلُظ سوقه، وقيل: المحاقلة كراء الأرض ببعض ما يخرج منها، وقيل: غير ذلك.
وقوله: "والمزابنة": هو أن يبيع ثمر حائطه، إن كَانَ نخلاً بتمر كيلاً، وإن كرمًا أن يبيعه بزبيب كيلاً، وإن كَانَ زرعًا أن يبيعه بكيل طعام. مشتق منْ الزبن، وهو الدفع.
وقوله: "والمخابرة": هي والمزارعة متقاربتان، وهما المعاملة عَلَى الأرض ببعض ما يخرج منها منْ الزرع، وقيل: غير ذلك.
وقوله: "وعن الثّنيا إلا أن تُعلم": الثنيا -بضم المثلثة، وسكون النون-: المراد بها الاستثناء فِي البيع، نحو أن يبيع الرجل شيئا، ويستثني بعضه، فإن كَانَ الذي استثناه معلوما، نحو أن يستثني واحدة منْ الأشجار، أو منزلا منْ المنازل، أو موضعا معلوما منْ الأرض، صح بالاتفاق، وإن كَانَ مجهولا، نحو أن يستثني شيئا غير معلوم، لم يصح البيع، وَقَدْ قيل: إنه يجوز أن يستثني مجهول العين، إذا ضرب لاختياره مدة معلومة؛ لأنه بذلك صار كالمعلوم، قَالَ الشوكانيّ: وبه قالت الهادوية، وَقَالَ الشافعيّ: لا يصح؛ لما فِي الجهالة حال البيع منْ الغرر، وهو الظاهر؛ لدخول هذه الصورة تحت عموم الْحَدِيث، وإخراجها يحتاج إلى دليل، ومجرد كون مدة الاختيار معلومة، وإن صار به عَلَى بصيرة فِي التعيين بعد ذلك، لكنه لم يصر به عَلَى بصيرة حال العقد، وهو المعتبر.
والحكمة فِي النهي عن استثناء المجهول، ما يتضمنه منْ الغرر، مع الجهالة. انتهى "نيل الأوطار" ٥/ ١٦١.
وَقَالَ النوويّ فِي "شرح مسلم": الثنيا المبطلة للبيع قوله: بعتك هذه الصبرة، إلا بعضها، وهذه الأشجار، أو الأغنام، أو الثياب، ونحوها إلا بعضها، فلا يصح البيع؛ لأن المستثنى مجهول، فلو قَالَ: بعتك هذه الأشجار، إلا هذه الشجرة، أو هذه الشجرة إلا ربعها، أو الصبرة إلا ثلثها، أو بعتك بألف إلا درهما، وما أشبه ذلك منْ الثنيا
стр. 16964
المعلومة، صح البيع بإتفاق العلماء، ولو باع الصبرة إلا صاعا منها، فالبيع باطل، عند الشافعيّ، وأبى حنيفة، وصحح مالك أن يستثنى منها ما لا يزيد عَلَى ثلثها، أما إذا باع ثمرة نخلات، فاستثنى منْ ثمر عشرة آصع مثلا للبائع، فمذهب الشافعيّ، وأبي حنيفة، والعلماء كافة بطلان البيع، وَقَالَ مالك، وجماعة منْ علماء المدينة: يجوز ذلك ما لم يزد عَلَى قدر ثلث الثمرة. انتهى "شرح مسلم" ١٠/ ٤٣٧.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه كافّة العلماء منْ عدم صحّة الاستثناء المجهول، ولو كَانَ أقلّ منْ الثلث، هو الأرجح؛ لإطلاق الْحَدِيث، فتبصّر.
والحديث أخرجه مسلم، وَقَدْ تقدم سندًا، ومتنًا فِي "كتاب المزارعة" ٤٥/ ٣٩٠٦ و٣٩٠٧ - وتقدّم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٣٦ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، وَأَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ، وَالْمُعَاوَمَةِ، وَالثُّنْيَا، وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
و"إسماعيل بن إبراهيم": هو ابن عليّة المذكور فِي السند الثاني. و"زياد بن أيوب": هو المعروف بدلّويه. و"أيوب": هو السختيانيّ.
وقوله: "والمعاومة" وهو بيع السنين، ومعناه: أن يبيع ثمر الشجرة عامين، أو ثلاثةً، أو أكثر، فيُسمّى بيع المعاومة، وبيع السنين، وهو باطلٌ بالإجماع، نقل الإجماع فيه ابن المنذر، وغيره؛ لهذا الْحَدِيث؛ ولأنه بيع غرر؛ لأنه بيع معدوم، ومجهول، غير مقدور عَلَى تسليمه، وغير مملوك للعاقد. قاله النوويّ فِي "شرح مسلم" ١٠/ ٤٣٤.
وقوله: "إلا العرايا": تقدم أنها فُسّرت بتفاسير، منها: انها نخل كانت توهب للمساكين، فلا يستطيعون أن ينتظروا بها، فرُخّص لهم أن يبيعوها بخرصها منْ التمر.
والحديث أخرجه مسلم، كما تقدّم بيانه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
***
стр. 16965
٧٥ - (النَّخْلُ يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَيَسْتَثْنِي الْمُشْتَرِي ثَمَرَهَا)
٤٦٣٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: "أَيُّمَا امْرِىءٍ أَبَّرَ نَخْلاً، ثُمَّ بَاعَ أَصْلَهَا، فَلِلَّذِي أَبَّرَ ثَمَرُ النَّخْلِ، إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ").
رجال هَذَا الإسناد: أربعة:
١ - (قتيبة) بن سعيد البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد الإِمام الحجة الثبت الفقيه المصريّ [٧] ٣١/ ٣٥.
٣ - (نافع) مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت ١٢/ ١٢.
٤ - (ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ رباعيات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (٢٢٦) منْ رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه فيه مصريين، ومدنيين. (ومنها): أن فيه ابن عمر أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: "أَيُّمَا امْرِىءٍ أَبَّرَ نَخْلاً) اسم جنس، يُذكّر، ويؤنث، والجمع نخيل. والتأبير: هو التلقيح، يقال: أَبَرْتُ النخل آبُرُه أَبْرًا، بوزن أكلت الشيء آكله أكلاً، ويقال: أَبَّرْتُهُ بالتشديد أؤَبِّرت تأبيرا، بوزن عَلَّمتُهُ أُعَلَّمه تعليما، والتأبير: التشقيق، والتلقيح، ومعناه: شَقُّ طلع النخلة الأنثى، ليُذَرّ فيه شيء منْ طلع النخلة الذكر، والحكم مستمر بمجرد التشقيق، ولو لم يَضَعْ فيه شيئا. قاله فِي "الفتح".
وَقَالَ الموفّق: أصل الإِبَار عند أهل العلم: التلقيح، قَالَ ابن عبد البرّ: إلا أنه لا يكون حَتَّى يتشقق الطلع، وتظهر الثمرة، فعبر به عن ظهور الثمرة؛ للزومه منه، والحكم متعلق بالظهور، دون نفس التلقيح، بغير اختلاف بين العلماء، يقال: أَبَرْتُ النخلة بالتخفيف، والتشديد، فهي مُؤَبَّرة، ومأبورة، ومنه قول النبيّ ﷺ : "خير المال
стр. 16966
سِكَّة مأبورة" (١)، والسكة النخل المصفوف، وأَبَرت النخلة آبُرها أَبْرًا، وِإبارًا، وأَبَّرتها تأبيرًا، وتأبرت النخلة، وائتبرت، ومنه قول الشاعر [منْ الرجز]:
تَأَبَّرِي يَا خَيْرَةَ الْفَسِيلِ … إِذْ ضَنَّ أَهْلُ النَّخْلِ بِالْفُحُولِ
يقول: تلقّحي منْ غير تأبير.
وفسر الخرقي المؤبر بما قد تشقق طلعه؛ لتعلق الحكم بذلك، دون نفس التأبير، قَالَ القاضي: وَقَدْ يشقه الصَّعَّاد، فيظهر، وأيهما كَانَ، فهو التأبير المراد هاهنا. انتهى "المغني" ٦/ ١٣٠ بزيادة منْ "اللسان".
(ثُمَّ بَاعَ أَصْلَهَا) أي النخل، دون ذكر الثمر (فَلِلَّذِي أَبَّرَ) وهو البائع (ثَمَرُ النَّخْلِ) قد استدل بمنطوقه، عَلَى أن منْ باع نخلا، وعليها ثمرة مؤبرة، لم تدخل الثمرة فِي البيع، بل تستمر عَلَى ملك البائع، وبمفهومه عَلَى أنها، إذا كانت غير مؤبرة، تدخل فِي البيع، وتكون للمشتري، وبذلك قَالَ جمهور العلماء، وخالفهم الأوزاعي، وأبو حنيفة، فقالا: تكون للبائع قبل التأبير وبعده، وعكس ابن أبي ليلى، فَقَالَ: تكون للمشتري مطلقا، وهذا كله عند إطلاق بيع النخل، منْ غير تعرض للثمرة، فإن شرطها المشتري، بأن قَالَ: اشتريت النخل بثمرتها، كانت للمشتري، وإن شرطها البائع لنفسه قبل التأبير، كانت له، وخالف مالك، فَقَالَ: لا يجوز شرطها للبائع.
فالحاصل أنه يستفاد منْ منطوقه حكمان، ومن مفهومه حكمان: أحدهما: بمفهوم الشرط، والآخر بمفهوم الاستثناء.
قَالَ القرطبيّ: القول بدليل الخطاب، يعني بالمفهوم فِي هَذَا ظاهر؛ لأنه لو كَانَ حكم غير المؤبرة حكم المؤبرة، لكان تقييده بالشرط لغوا، لا فائدة فيه.
[تنبيه]: لا يشترط فِي التأبير أن يؤبره أحد، بل لو تأبر بنفسه لم يختلف الحكم، عند جميع القائلين به. قاله فِي "الفتح" ٥/ ١٥٠.
(إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ) المراد بالمبتاع المشتري، بقرينه الإشارة إلى البائع، بقوله: "منْ باع"، وَقَدْ استُدِلّ بهذا الإطلاق، عَلَى أنه يصح اشتراط بعض الثمرة، كما يصح اشتراط جميعها، وكأنه قَالَ: إلا أن يشترط المبتاع شيئا منْ ذلك، وهذه هي النكتة فِي حذف المفعول، وانفرد ابن القاسم، فَقَالَ: لا يجوز له شرط بعضها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 16967
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا متّفقٌ عليه.
[تنبيه]: اختُلف فِي إسناد هَذَا الْحَدِيث عَلَى نافع، وسالم، قَالَ الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى فِي "التقريب": عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قَالَ: "منْ باع نخلاً، قد أُبّرت، فثمرتها للبائع، إلا أن يشترط المبتاع".
وعن سالم، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ : "منْ باع عبدًا، وله مالٌ، فماله للبائع، إلا أن يشترط المبتاع، ومن باع نخلاً مؤبّرًا، فالثمرة للبائع، إلا أن يشترط المبتاع".
قَالَ البيهقيّ هكذا رواه سالم، وخالفه نافع، فروى قصّة النخل عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ ، وقصّة العبد عن ابن عمر، عن عمر، قَالَ مسلم، والنسائيّ، والدارقطنيّ: القول ما قَالَ نافعٌ، وإن كَانَ سالِمٌ أحفظ منه. وذكر الترمذيّ عن البخاريّ أن حديث سالم أصحّ، وذكر فِي "العلل" أنه سأل البخاريّ عنه؟ فكأنه رأى الحديثين صحيحين، وأنه يُحتَمل عنهما جميعًا. ورواه النسائيّ منْ رواية نافع، ورفع القصّتين، ورواه أيضًا منْ رواية نافع، وسالم، عن ابن عمر، عن عمر، مرفوعًا بالقصّتين". انتهى.
قَالَ وليّ الدين رحمه الله تعالى فِي "شرحه": أخرجه منْ الطريق الأولى الأئمّة الستّة، خلا الترمذيّ منْ هَذَا الوجه منْ طريق مالك، وأخرجه منْ الطريق الثانية الأئمة الستّة، فرواه منْ هَذَا الوجه مسلم، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، منْ طريق سفيان بن عيينة، وأخرجه الشيخان، والترمذيّ، وابن ماجه منْ حديث الليث بن سعد، وأخرجه مسلم فقط منْ رواية يونس بن يزيد، والنسائيّ، منْ رواية معمر، أربعتهم عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه.
(واعلم): أن قصّة العبد رواها نافع، عن ابن عمر، عن عمر منْ قوله، كذا روى عنه مالك فِي "الموطإ"، ومن طريقه أبو داود فِي "سننه". قَالَ ابن عبد البرّ: وهذا أحد الأربعة التي اختلف فيها سالمٌ ونافع عن ابن عمر. وَقَالَ البيهقيّ: هكذا رواه سالم، وخالفه نافع، فروى قصّة النخل، عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ ، وقصّة العبد عن ابن عمر، عن عمر، ثم رواه منْ طريق مالك كذلك، قَالَ: وكذلك رواه أيوب السختيانيّ وغيره عن نافع. انتهى.
واختلف الأئمة فِي الأرجح منْ روايتي نافع وسالم عَلَى أقوال:
[أحدها]: ترجيح رواية نافع، روى البيهقيّ فِي "سننه" عن مسلم، والنسائيّ أنهما سُئلا عن اختلاف سالم ونافع فِي قصّة العبد؟ فقالا: القول ما قَالَ نافع، وإن كَانَ سالم
стр. 16968
أحفظ منه. وَقَالَ النوويّ فِي "شرح مسلم": أشار النسائيّ، والدارقطنيّ إلى ترجيح رواية نافع، وهذه إشارة مردودة.
[القول الثاني]: ترجيح رواية سالم، قَالَ الترمذيّ فِي "جامعه": قَالَ محمد بن إسماعيل: وحديث الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ أصحّ. قَالَ الحافظ العراقيّ ﵀ فِي "شرح الترمذيّ": وسبقه إليه شيخه عليّ بن المدينيّ. وَقَالَ ابن عبد البرّ فِي "التمهيد": إنه الصواب، فإنه كذلك رواه عبد الله بن دينار، عن ابن عمر برفع القصّتين معًا، وهذا مرجّح لرواية سالم.
[القول الثالث]: تصحيحهما معًا، قَالَ الترمذيّ فِي "العلل": سألت محمدًا عن هَذَا الْحَدِيث، وقلت له: حديث الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ : "منْ باع عبدًا"، وَقَالَ نافع، عن ابن عمر، عن عمر، أيّهما أصحّ؟ قَالَ: إن نافعًا خالف سالمًا فِي أحاديث، وهذا منْ تلك الأحاديث، روى سالم، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ، وَقَالَ نافع، عن ابن عمر، عن عمر، كأنه رأى الحديثين صحيحين، وأنه يحتمل عنهما جميعًا.
قَالَ العراقيّ فِي "شرح الترمذيّ": وليس بين ما نقله عنه فِي "الجامع"، وما نقله عنه فِي "العلل" اختلافٌ، فحكمه عَلَى الحديثين بالصحّة، لا ينافي حكمه فِي "الجامع" بأن حديث سالم أصحّ، بل صيغة "أفعل" تقتضي اشتراكهما فِي الصحّة.
قَالَ وليّ الدين: المفهوم منْ كلام المحدّثين فِي مثل هَذَا، والمعروف منْ اصطلاحهم فيه أن المراد ترجيح الرواية التي قالوا: إنها أصحّ، والحكم للراجح، فتكون تلك الرواية شاذّة ضعيفة، والمرجّحة هي الصحيحة, وحينئذ فبين النقلين تناف، لكن المعتمد ما فِي "الجامع"؛ لأنه مقول بالجزم واليقين، بخلاف ما فِي "العلل"، فإنه عَلَى سبيل الظنّ والاحتمال، والله أعلم، عَلَى أن ما فِي "العلل" هو الذي يمشي عَلَى طريقة الفقهاء؛ لعدم المنافاة، بأن يكون ابن عمر سمعه منْ النبيّ ﷺ ، ومن أبيه، فرفعه تارةً، وسمعه كذلك سالمٌ، ووقفه تارة، وسمعه كذلك نافع.
وَقَالَ النوويّ فِي "شرح مسلم": لم تقع هذه الزيادة، يعني قصّة العبد- فِي حديث نافع، عن ابن عمر، ولا يضرّ ذلك، فسالم ثقة، بل هو أجلّ منْ نافع، فزيادته مقبولة. انتهى.
قَالَ وليّ الدين: وما ذكرته عن سالم، ونافع هو المشهور عنهما، ورُوي عن نافع رفع القصّتين، رواه النسائيّ -أي فِي "العتق، والشروط منْ الكبرى"- منْ رواية شعبة، عن عبد ربّه بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر، فذكر القصّتين، مرفوعتين، قَالَ شعبة:
стр. 16969
فحدّثه بحديث أيوب، عن نافع، أنه حدّثني بالنخل، عن النبيّ ﷺ ، والمملوك عن عمر، فَقَالَ عبد ربّه: لا أعلمهما جميعًا، إلا عن النبيّ ﷺ ، ثم قَالَ مرّةً أخرى: فحدّث عن النبيّ ﷺ ، ولم يشكّ. ورواه ابن ماجه منْ رواية شعبة أيضًا مختصرًا: "منْ باع نخلاً، ومن باع عبدًا"، جميعًا, ولم يذكر قصّة أيوب. ورواه النسائيّ أيضًا -أي فِي "العتق، والشروط منْ الكبرى"- منْ رواية محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، مرفوعًا بالقصّتين، وَقَالَ: هَذَا خطأ، والصواب حديث ليث بن سعد، وعبيد الله، وأيوب: أي عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر بقصّة العبد خاصّة موقوفةً. ورواه النسائيّ أيضًا منْ رواية سفيان بن حسين، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، عن عمر بالقصّتين، مرفوعًا. قَالَ أبو الحجّاج المزيّ: المحفوظ أنه منْ حديث ابن عمر. انتهى "طرح التثريب" ٦/ ١١٦ - ١١٩.
وَقَالَ فِي "الفتح": واختلف عَلَى نافع وسالم، فِي رفع ما عدا النخل، فرواه الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، مرفوعا فِي قصة النخل والعبد معا، هكذا أخرجه الحفاظ عن الزهريّ، وخالفهم سفيان بن حسين، فزاد فيه ابن عمر، عن عمر، مرفوعا لجميع الأحاديث، أخرجه النسائيّ -أي فِي "العتق منْ الكبرى"، وروى مالك، والليث، وأيوب، وعبيد الله بن عمر، وغيرهم، عن نافع، عن ابن عمر قصة النخل، وعن ابن عمر، عن عمر قصة العبد موقوفة، كذلك أخرجه أبو داود، منْ طريق مالك بالإسنادين معا.
وجزم مسلم، والنسائي، والدارقطنيّ، بترجيح رواية نافع المفصلة، عَلَى رواية سالم، ومال علي بن المديني، والبخاري، وابن عبد البرّ، إلى ترجيح رواية سالم. ورُوي عن نافع رفع القصتين، أخرجه النسائيّ -أي فِي "العتق منْ الكبرى"- منْ طريق عبد ربه بن سعيد، عنه، وهو وَهَم، وَقَدْ رَوَى عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، قَالَ: ما هو إلا عن عمر شأن العبد، وهذا لا يدفع قول منْ صحح الطريقين، وجوز أن يكون الْحَدِيث عند نافع، عن ابن عمر عَلَى الوجهين. انتهى المقصود منْ "الفتح" ٥/ ١٤٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٧٥/ ٤٦٣٧ و٧٦/ ٤٦٣٨ - وفي "الكبرى" ٧٦/ ٦٢٣١ و٧٧/ ٦٢٣٢. وأخرجه (خ) فِي "البيوع" ٢٢٠٤ و"المساقاة" ٢٣٧٩ (م) فِي "البيوع" ١٥٤٣ (د) فِي "البيوع" ٣٤٣٣ (ت) فِي "البيوع" ١٢٤٤ (ق) فِي "التجارات" ٢٢١٠ و٢٢١٢ (أحمد) فِي "مسند المكثرين" ٤٤٨٨ و٤٥٣٨ و٥١٤٠ و٥٢٨٤ و٥٤٦٣ و٥٥١٥ (الموطأ) فِي
стр. 16970
"البيوع" ١٣٠٢ (الدارمي) فِي "البيوع" ٢٤٤٨. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو أنه إذا بيعت النخل، وعليها ثمر، فاشترط المشتري ثمرها، فهي له. (ومنها): أنه إذا لم يشترط فإنه تكون للبائع. (ومنها): أنه استُدِلّ به عَلَى أن المؤبر، يخالف فِي الحكم غير المؤبر، وَقَالَ الشافعيّة: لو باع نخلة، بعضها مؤبر، وبعضها غير مؤبر، فالجميع للبائع، وإن باع نخلتين فكذلك يشترط اتحاد الصفقة، فإن أفرد فلكل حكمه، ويشترط كونهما فِي بستان واحد، فإن تعدد فلكل حكمه، ونص أحمد عَلَى أن الذي يؤبَّر للبائع، والذي لا يؤبر للمشتري، وجعل المالكية الحكم للأغلب.
(ومنها): جواز التأبير، وَقَدْ أخرج مسلم فِي "صحيحه" منْ طريق موسى بن طلحة، عن أبيه، قَالَ: مررت مع رسول الله ﷺ بقوم، عَلَى رءوس النخل، فَقَالَ: "ما يصنع هؤلاء؟ "، فقالوا: يُلَقِّحُونه، يجعلون الذكر فِي الأنثى، فيلقح، فَقَالَ رسول الله ﷺ : "ما أظن يغني ذلك شيئا"، قَالَ: فأُخبروا بذلك، فتركوه، فأخبر رسول الله ﷺ بذلك، فَقَالَ: إن كَانَ ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا، فخذوا به، فإني لن أكذب عَلَى الله ".
وأخرج منْ طريق حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وعن ثابت، عن أنس: أن النبيّ ﷺ ، مَرَّ بقوم، يُلَقِّحُون، فَقَالَ: "لو لم تفعلوا لصلح"، قَالَ: فخرج شِيصًا، فمر بهم، فَقَالَ: "ما لنخلكم؟ "، قالوا: قلت: كذا وكذا، قَالَ: "أنتم أعلم بأمر دنياكم".
(ومنها): أن الحكم المذكور مختص بإناث النخل، دون ذكوره، وأما ذكوره فللبائع نظرا إلى المعنى، ومن الشافعيّة منْ أخذ بظاهر التأبير، فلم يفرق بين أنثى وذكر.
واختلفوا فيما لو باع نخلة، وبقيت ثمرتها له، ثم خرج طلع آخر منْ تلك النخلة، فَقَالَ ابن أبي هريرة: هو للمشتري؛ لأنه ليس للبائع، إلا ما وُجد دون ما لم يوجد، وَقَالَ الجمهور: هو للبائع؛ لكونه منْ ثمره المؤبرة دون غيرها.
(ومنها): أنه يستفاد منه أن الشرط الذي لا ينافي مقتضى العقد، لا يفسد البيع، فلا يدخل فِي النهي عن بيع وشرط.
(ومنها): أن الطحاوي استَدَلَّ بهذا الْحَدِيث عَلَى جواز بيع الثمرة قبل بُدُوِّ صلاحها، واحتج به لمذهبه الذي حكيناه فِي ذلك، وَقَدْ تعقبه البيهقي وغيره، بأنه يَستَدِلُّ بالشيء فِي غير ما ورد فيه، حَتَّى إذا جاء ما ورد فيه، استَدَلّ بغيره عليه كذلك، فيُستدل لجواز
стр. 16971
بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بحديث التأبير، ولا يَعمَل بحديث التأبير، بل لا فرق عنده كما تقدم فِي البيع قبل التأبير وبعده، فإن الثمرة فِي ذلك للمشتري، سواء شَرَطها البائع لنفسه، أو لم يشترطها، والجمع بين حديث التأبير، وحديث النهي عن بيع الثمرة قبل بُدُوّ الصلاح سهل، بأن الثمرة فِي بيع النخل تابعة للنخل، وفي حديث النهي مستقلة، وهذا واضح جدًّا، والله أعلم بالصواب. ذكره فِي "الفتح" ٥/ ١٥٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فيمن باع نخلاً عليها ثمر:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: فِي هذه المسألة فصول ثلاثة: [الأول]: أن البيع متى وقع عَلَى نخل مثمر، ولم يشترط الثمرة، وكانت الثمرة مؤبرة، فهي للبائع، وإن كانت غير مؤبرة، فهي للمشتري، وبهذا قَالَ مالك، والليث، والشافعي. وَقَالَ ابن أبي ليلى: هي للمشتري فِي الحالين؛ لأنها متصلة بالأصل اتصال خلقة، فكانت تابعة له، كالأغصان. وَقَالَ أبو حنيفة، والأوزاعي: هي للبائع فِي الحالين؛ لأن هَذَا نماء له حَدٌّ، فلم يتبع أصله فِي البيع، كالزرع فِي الأرض.
واحتجّ الأولون بقول النبيّ ﷺ : "منْ ابتاع نخلا بعد أن تؤبر، فثمرتها للذي باعها، إلا أن يشترط المبتاع"، متَّفقٌ عليه، وهذا صريح فِي رَدّ قول ابن أبي ليلى، وحجة عَلَى أبي حنيفة، والأوزاعي، بمفهومه؛ لأنه جعل التأبير حدّا لملك البائع للثمرة، فيكون ما قبله للمشتري، وإلا لم يكن حدا, ولا كَانَ ذكر التأبير مفيدا, ولأنه نماء كامن لظهوره غاية، فكان تابعا لأصله قبل ظهوره، وغير تابع له بعد ظهوره، كالحمل فِي الحيوان، فأما الأغصان، فإنها تدخل فِي اسم النخل، وليس لانفصالها غاية، والزرع ليس منْ نماء الأرض، وإنما هو مودع فيها.
[الثاني]: أنه متى اشترطها أحد المتبايعين، فهي له مُؤَبَّرة كانت، أو غير مؤبرة، البائع فيه والمشتري سواء. وَقَالَ مالك: إن اشترطها المشتري بعد التأبير جاز؛ لأنه بمنزلة شرائها مع أصلها، وإن اشترطها البائع قبل التأبير لم يجز؛ لأن اشتراطه لها بمنزلة شرائه لها قبل بُدُوّ صلاحها بشرط تركها.
قَالَ: ولنا أنه استثنى بعض ما وقع عليه العقد، وهو معلوم، فصح كما لو باع حائطا، واستثنى نخلة بعينها, ولأن النبيّ ﷺ : "نَهَى عن الثنيا، إلا أن تُعلَم"، ولأنه أحد المتبايعين، فصحّ اشتراطه للثمرة كالمشتري، وَقَدْ ثبت الأصل بالإتفاق عليه، وبقوله ﵇: "إلا أن يشترطها المبتاع"، ولو اشترط أحدهما جزءا منْ الثمرة معلوما، كَانَ ذلك كاشتراط جميعها فِي الجواز، فِي قول جمهور الفقهاء، وقول أشهب
стр. 16972
منْ أصحاب مالك. وَقَالَ ابن القاسم: لا يجوز اشتراط بعضها؛ لأن الخبر إنما ورد باشتراط جميعها.
قَالَ: ولنا أن ما جاز اشتراط جميعه، جاز اشتراط بعضه، كمدة الخيار، وكذلك القول فِي ما إذا اشترط بعضه.
[الثالث]: أن الثمرة إذا بقيت للبائع، فله تركها فِي الشجر، إلى أوان الجذاذ، سواء استحقها بشرطه، أو بظهورها، وبه قَالَ مالك، والشافعي. وَقَالَ أبو حنيفة: يلزمه قطعها، وتفريغ النخل منها؛ لأنه مبيع مشغول بملك البائع، فلزم نقله، وتفريغه، كما لو باع دارا فيها طعام، أو قُماش له.
قَالَ: ولنا أن النقل والتفريغ للمبيع عَلَى حسب العرف والعادة، كما لو باع دارا، فيها طعام، لم يجب نقله إلا عَلَى حسب العادة فِي ذلك، وهو أن ينقله نهارا، شيئا بعد شيء، ولا يلزمه النقل ليلاً، ولا جمع دواب البلد لنقله، كذلك هاهنا يُفَرّغ النخل منْ الثمرة فِي أوان تفريغها، وهو أوان جذاذها، وقياسه حجة لنا؛ لما بيناه.
إذا تقرر هَذَا، فالمرجع فِي جذّه إلى ما جرت به العادة، فإذا كَانَ المبيع نخلا، فحين تتناهى حلاوة ثمره، إلا أن يكون مما بُسره خير منْ رُطَبه، أو ما جرت العادة بأخذه بسرا، فإنه يجذّه حين تَستحكم حلاوة بسره؛ لأن هَذَا هو العادة، فإذا استحكمت حلاوته، فعليه نقله، وإن قيل بقاؤه فِي شجره خير له، وأَبقَى فعليه النقل؛ لأن العادة فِي النقل، قد حصلت، وليس له إبقاؤه بعد ذلك، وإن كَانَ المبيع عنبا، أو فاكهة سواه، فأخذه حين يتناهى إدراكه، وتستحكم حلاوته، ويُجذّ مثله، وهذا قول مالك، والشافعي. انتهى "المغني" ٦/ ١٣٠ - ١٣٣. وهو بحث نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٧٦ - (الْعَبْدُ يُبَاعُ، وَيَسْتَثْنِي الْمُشْتَرِي مَالَهُ)
٤٦٣٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ،
стр. 16973
عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنِ ابْتَاعَ نَخْلاً بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ، إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ، وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ، إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (سفيان) بن عيينة الإِمام المكيّ، ثقة ثبت [٨] ١/ ١.
٣ - (الزهريّ) محمد بن مسلم المدنيّ، ثقة ثبت حجة [٤] ١/ ١.
٤ - (سالم) بن عبد الله بن عمر العدويّ المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٣/ ٤٩٠.
٥ - (أبوه) عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمروزيّ، وسفيان، فمكيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة المعروفين بالمدينة، وهو سالم، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أنه منْ أصحّ أسانيد ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وفيه ابن عمر أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ سَالِم) بن عبد الله بن عمر رحمه الله تعالى (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنهما (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنِ ابْتَاَعَ) أي اشترى (نَخْلاً بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ) تقدم ضبطها، ومعناها فِي الباب الماضي (فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ) أي المشتري (وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ) جملة فِي محلّ نصب صفة لـ"عبدًا"، قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: قوله: "وله مال": هي إضافة مجازيّةٌ، عند غالب العلماء، كإضافة الجلّ إلى الفرس؛ لأن العبد لا يملك، ولذلك أُضيف المال إلى البائع فِي قوله: "فماله للبائع"، ولا يمكن مثله مع كون الإضافة حقيقيّة فِي المحلّين. وقيل: المال للعبد، لكن للسيّد حقّ النزع منه. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الثاني هو الحقّ عندي؛ كما سيأتي تمام البحث فيه فِي المسألة الثانية، إن شاء الله تعالى.
(فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبتَاعُ) أي المشتري، وهذا هو معنى قول المصنّف:
стр. 16974
"ويستثني المشتري ماله". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وقوله: "ومن باع عبدًا" الجارية فِي ذلك كالعبد، وهذا متّفقٌ عليه، حَتَّى منْ أهل الظاهر، وَقَالَ ابن حزم: لفظ العبد يقع فِي اللغة العربيّة عَلَى جنس العبد والإماء؛ لأن العرب تقول: عبد، وعبدة، والعبد اسم للجنس، كما تقول: الإنسان، والفرس، والحمار. قاله فِي "طرح التثريب" ٦/ ١٢٤.
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم تخريجه فِي الباب الماضي، وإنما نبحث هنا عما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، فأقول فيه مسألتان:
(المسألة الأولى): فِي اختلاف أهل العلم فيمن باع عبدًا, وله مالٌ:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: إذا باع السيّد عبده، أو جاريته، وله مال، ملّكه إياه مولاه، أو خصه به، فهو للبائع؛ لما رَوَى ابنُ عمر: أن رسول الله ﷺ ، قَالَ: "منْ باع عبدا, وله مال، فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع"، متّفقٌ عليه، ولأن العبد، وماله للبائع، فإذا باع العبد، اختَصّ البيع به دون غيره، كما لو كَانَ له عبدان، فباع أحدهما، وإن اشترطه المبتاع، كَانَ له للخبر، وروى ذلك نافع عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب ﵄، وقضى به شريح، وبه قَالَ عطاء، وطاوس، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وَقَالَ الْخِرَقيّ: إذا كَانَ قصده للعبد لا للمال، هَذَا منصوص أحمد، وهو قول الشافعيّ، وأبي ثور، وعثمان الْبَتّيّ، ومعناه أنه لا يقصد بالبيع شراء مال العبد، إنما يقصد بقاء المال لعبده، وإقراره فِي يده، فمتى كَانَ كذلك صح اشتراطه، ودخل فِي البيع به، سواء كَانَ المال معلوما، أو مجهولا، منْ جنس الثمن، أو منْ غيره، عينا كَانَ أو دينا، وسواء كَانَ مثل الثمن، أو أقل، أو أكثر، قَالَ البتى: إذا باع عبدا بألف درهم، ومعه ألف درهم، فالبيع جائز، إذا كانت رغبة المبتاع فِي العبد، لا فِي الدراهم، وذلك لأنه دخل فِي البيع تبعا غير مقصود، فأشبه أساسات الحيطان، والتمويه بالذهب فِي السقوف، فأما إن كَانَ المال مقصودا بالشراء، جاز اشتراطه، إذا وجدت فيه شرائط البيع منْ العلم به، وأن لا يكون بينه وبين الثمن ربا، كما يعتبر ذلك فِي العينين المبيعتين؛ لأنه مبيع مقصود، فأشبه ما لو ضَمّ إلى العبد عينا أخرى وباعهما، وَقَالَ القاضي: هَذَا ينبني عَلَى كون العبد يملك، أو لا يملك، فإن قلنا: لا يملك فاشترط المشتري ما له صار مبيعا معه، فاشتُرِط فيه ما يشترط فِي سائر المبيعات، وهذا مذهب أبي حنيفة، وإن قلنا: يملك احتُمِلت فيه الجهالةُ وغيرها، مما ذكرنا منْ قبل, لأنه تبع فِي البيع، لا أصل، فأشبه طيّ الآبار، وهذا خلاف نص أحمد، وقولِ الخرقي؛ لأنهما جعلا الشرط الذي يختلف الحكم به، قصد المشتري دون غيره، وهو أصح إن شاء الله تعالى، واحتمال الجهالة فيه؛ لكونه غير مقصود كما ذكرنا، كاللبن
стр. 16975
فِي ضرع الشاة المبيعة، والحمل فِي بطنها، والصوف عَلَى ظهرها، وأشباه ذلك، فإنه مبيع، ويُحتَمَل فيه الجهالة وغيرها؛ لما ذكرنا، وَقَدْ قيل: إن المال ليس بمبيع هاهنا، وإنما استبقاء المشتري عَلَى ملك العبد، لا يزول عنه إلى البائع، وهو قريب منْ الأول. انتهى "المغني" ٦/ ٢٥٧ - ٢٥٨. وهو بحث نفيسٌ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): فِي اختلاف أهل العلم، هل يملك العبد المال، أم لا؟:
ذهب عامّة أهل العلم، إلى أنه لا يملك شيئا، إذا لم يُمَلِّكه سيده، وَقَالَ أهل الظاهر: يملك؛ لدخوله فِي عموم قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ الآية [البقرة: ٢٩]، وقول النبيّ ﷺ : "منْ باع عبدا, وله مال"، فأضاف المال إليه بلام التمليك.
واحتجّ الأولون بقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ الآية [النحل: ٧٥]، ولأن سيده يَملِك عينه ومنافعه، فما حصل بذلك يجب أن يكون لسيده كبهيمته، قَالَ الموفّق: فأما إن ملكه سيده شيئا، ففيه روايتان:
[إحداهما]: لا يملكه، وهو ظاهر قول الخرقي، فإنه قَالَ: والسيد يُزَكّي عما فِي يد عبده؛ لأنه ملكه، وَقَالَ: والعبد لا يرث، ولا مال له، فيورث عنه، وهو اختيار أبي بكر، وقولُ أبي حنيفة، والثوري، وإسحاق، والشافعي فِي الجديد؛ لأنه مملوك، فلم يملك كالبهيمة. [والثانية]: يملك، قَالَ الموفّق: وهي أصح عندي، وهو قول مالك، والشافعي فِي القديم؛ للآية، والخبر، ولأنه آدمي حيّ، فملك كالحر، ولأنه يملك فِي النكاح، فملك فِي المال كالحر، ولأنه يصح الإقرار له، فأشبه الحر، وما ذكروه تعليل بالمانع، ولا يثبت اعتباره، إلا أن يوجد المقتضي فِي الأصل، ولم يوجد فِي البهيمة ما يقتضي ثبوت الملك لها، وإنما انتفى ملكها لعدم المقتضي له، لا لكونها مملوكة، وكونها مملوكة عديم الأثر، فإن سائر البهائم التي ليست مملوكة، منْ الصيود والوحوش، لا تملك، وكذلك الجمادات، وإذا بطل كون ما ذكروه مانعا، وَقَدْ تحقق المقتضي، لزم ثبوت حكمه. والله أعلم. انتهى كلام الموفّق رحمه الله تعالى، "المغني" ٦/ ٢٥٩ - ٢٦٠. وهو تحقيقٌ حسنٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
***
стр. 16976
٧٧ - (الْبَيْعُ يَكُونُ فِيهِ الشَّرْطُ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: المراد بالشرط هنا الشرط الصحيح، بدليل قوله فِي الترجمة التالية: "البيع يكون فيه الشرط الفاسد، فيصحّ البيع، ويبطل الشرط، فمعنى كلامه هنا: أن البيع إذا شُرط فيه شرط صحيح، مثل اشتراط الرهن، أو الضمين، أو مثل ركوب الدابّة إلى مسافة معلومة، كما وقع لجابر ﵁، صحّ البيع، ولزم الشرط معًا، وهكذا جزم رحمه الله تعالى بصحة البيع والشرط معًا، مع أن المسألة فيها خلاف؛ لرجحان دليله عنده، ونحوه صنيع الإِمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه"، حيث قَالَ: "بابٌ إذا اشترط البائع ظهر الدابة، إلى مكان مسمى جاز": قَالَ فِي "الفتح": هكذا جزم بهذا الحكم لصحة دليله عنده، وهو مما اختُلِف فيه، وفيما يشبهه، كاشتراط سكنى الدار، وخدمة العبد، فذهب الجمهور إلى بطلان البيع؛ لأن الشرط المذكور ينافي مقتضى العقد، وَقَالَ الأوزاعي، وابن شبرمة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وطائفة، يصح البيع، ويتنزل فيه الشرط منزلة الاستثناء؛ لأن المشروط إذا كَانَ قدره معلوما، صار كما لو باعه بألف إلا خمسين درهما مثلا، ووافقهم مالك فِي الزمن اليسير، دون الكثير، وقيل: حده عنده ثلاثة أيام، وحجتهم حديث الباب، وَقَدْ رجح البخاريّ فيه الاشتراط، كما سيأتي آخر كلامه.
وأجاب عنه الجمهور، بأن ألفاظه أختلفت، فمنهم: منْ ذكر فيه الشرط، ومنهم منْ ذكر فيه ما يدل عليه، ومنهم منْ ذكر ما يدل عَلَى أنه كَانَ بطريق الهبة، وهي واقعة عين، يطرُقها الاحتمال، وَقَدْ عارضه حديث عائشة، فِي قصة بريرة، ففيه بطلان الشرط المخالف لمقتضى العقد، كما تقدم بسطه فِي آخر العتق، وصح منْ حديث جابر أيضا: النهي عن بيع الثنيا، أخرجه أصحاب "السنن"، وإسناده صحيح، وورد النهي عن بيع وشرط. وأجيب بأن الذي ينافي مقصود البيع، ما إذا اشترط مثلا فِي بيع الجارية أن لا يطأها، وفي الدار أن لا يسكنها، وفي العبد أن لا يستخدمه، وفي الدابة أن لا يركبها، أما إذا اشترط شيئا معلوما لوقت معلوم، فلا بأس به. وأما حديث النهي عن الثنيا، ففي نفس الْحَدِيث "إلا أن تعلم"، فعُلم أن المراد أن النهي إنما وقع عما كَانَ مجهولا. وأما حديث النهي عن بيع وشرط، ففي إسناده مقال، وهو قابل للتأويل، وسيأتي مزيد بسط لذلك فِي آخر الكلام عَلَى هَذَا الْحَدِيث إن شاء الله تعالى. انتهى ما فِي "الفتح" ٥/ ٦٥٧.
стр. 16977
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن ما ذهب إليه المصنّف، والبخاريّ، وهو مذهب الأوزاعيّ، وابن شبرمة، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وطائفة منْ أن الشرط الصحيح فِي البيع يصحّ البيع معه هو الحقّ؛ لقوّة دليله، فتأمل. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٦٣٩ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سَعْدَانُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ زَكَرِيَّا، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَعْيَا جَمَلِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أُسَيِّبَهُ، فَلَحِقَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَدَعَا لَهُ، فَضَرَبَهُ، فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ، فَقَالَ: "بِعْنِيهِ بِوُقِيَّةٍ"، قُلْتُ: لَا، قَالَ: "بِعْنِيهِ"، فَبِعْتُهُ بِوُقِيَّةٍ، وَاسْتَثْنَيْتُ حُمْلَانَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا بَلَغْنَا الْمَدِينَةَ، أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ، وَابْتَغَيْتُ ثَمَنَهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ، فَقَالَ: "أَتُرَانِي إِنَّمَا مَاكَسْتُكَ لآخُذَ جَمَلَكَ، خُذْ جَمَلَكَ، وَدَرَاهِمَكَ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (عليّ بن حجر) السعديّ المروزي، ثقة حافظ، منْ صغار [٩] ١٣/ ١٣.
٢ - (سعدان بن يحيى) هو سعيد بن يحيى بن صالح اللَّخْميّ، أبو يحيى الكوفيّ، نزيل دمشق، و"سعدان" لقبه، صدوقٌ وسطٌ [٩].
رَوَى عن أبيه، وإسماعيل بن أبي خالد، وهشام بن عروة، والأعمش، وموسى بن عُبيدة الرَّبَذِيّ، وإسرائيل، وزكرياء بن أبي زائدة، وجعفر بن بُرْقان، وصدقة بن أبي عمران، وعبد الحميد بن جعفر، وابن إسحاق، ومحمد بن أبي حفصة، ومحمد بن عمرو بن علقمة، ويونس بن يزيد الأيلي، وشعبة، وحماد بن سلمة، وابن جريج، وأبي هلال الراسبي، وورقاء، وهمام، وغيرهم. وعنه أبو النضر الْفَرَادِيسِيّ، وسليمان بن عبد الرحمن، وعلي بن حجر، وهشام بن عمار، وغيرهم.
قَالَ عثمان الدارمي، عن دُحَيم: ما هو عندي ممن يُتَّهم بالكذب. وَقَالَ أبو حاتم: محله الصدق. وَقَالَ ابن حبّان: ثقة، مأمون، مستقيم الأمر فِي الْحَدِيث. وَقَالَ الدارقطنيّ: ليس بذاك. روى له البخاريّ، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط، قَالَ الحافظ: وله فِي "صحيح البخاريّ" حديث واحد، فِي غزوة الفتح، رواه عن سليمان بن عبد الرحمن، عنه، عن محمد بن أبي حفصة، عن الزهريّ، وأصل الْحَدِيث عنده، منْ طريق أخرى عن الزهريّ.
[تنبيه]: وقع فِي النسخ المطبوعة منْ "المجتبى"، و"الكبرى" فِي هَذَا الاسم تصحيف، ونصّه: "قَالَ: أنبأنا سعدٌ أنّ ابن يحيى الخ"، وهو غلط فاحش، والصواب ما هنا: "سعدان بن يحيى"، كما هو فِي النسخة "الهنديّة"، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
стр. 16978
٣ - (زكريّا) بن أبي زائدة خالد، ويقال: هبيرة بن ميمون بن فيروز الهمدانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة، يدلس [٦] ٩٣/ ١١٥.
٤ - (عامر) بن شراحيل الشعبيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة فقيه فاضل [٣] ٦٦/ ٨٢.
٥ - (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السلميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزيّ، وجابر ﵁، فمدنيّ. (ومنها): أن فيه جابرًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) منْ الْحَدِيث. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ) كذا أبهم السفر، ولم يعيّنه، وكذا وقع فِي رواية للبخاريّ منْ طريق أبي المتوكل، عن جابر ﵁، بلفظ: "فِي بعض أسفاره"، قَالَ فِي "الفتح": وكذا أبهمه أكثر الرواة عن جابر، ومنهم منْ قَالَ: "كنت فِي سفر"، ومنهم منْ قَالَ: "كنت فِي غزوة تبوك"، ولا منافاة بينهما، وفي رواية أبي المتوكل فِي "الجهاد": "لا أدري غزوة، أو عمرة"، ويؤيد كونه كَانَ فِي غزوة، قوله فِي آخر رواية أبي عوانة، عن مغيرة: "فأعطاني الجمل وثمنه، وسهمي مع القوم"، لكن جزم ابن إسحاق، عن وهب بن كيسان، بأن ذلك كَانَ فِي غزوة ذات الرقاع، منْ نخل، وكذا أخرجه الواقدي، منْ طريق عطية بن عبد الله بن أنيس، عن جابر، قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: وهي الراجحة فِي نظري؛ لأن أهل المغازي أضبط لذلك، منْ غيرهم، وأيضا فقد وقع فِي رواية الطحاوي: أن ذلك وقع فِي رجوعهم منْ طريق مكة إلى المدينة، وليست طريقُ تبوك ملاقية لطريق مكة، بخلاف طريق غزوة ذات الرقاع، وأيضا فإن فِي كثير منْ طرقه: أنه ﷺ سأله فِي تلك القصة: "هل تزوجت؟ "، قَالَ: نعم، قَالَ: "أتزوجت بكرا، أم ثيبا؟ "، الْحَدِيث، وفيه اعتذاره بتزوجه الثيب، بأن أباه استُشهِد بأحد، وترك أخواته، فتزوج ثيبا لتمشطهن، وتقوم عليهن، فأشعر بأن ذلك كَانَ بالقرب منْ وفاة أبيه، فيكون وقوع القصة فِي ذات الرقاع أظهر، منْ وقوعها فِي تبوك؛ لأن ذات الرقاع كانت بعد أحد بسنة واحدة، عَلَى الصحيح، وتبوك كانت بعدها بسبع سنين، والله أعلم، لا جرم جزم البيهقي فِي
стр. 16979
"الدلائل" بما قَالَ ابن إسحاق. انتهى "فتح" ٥/ ٦٦٤ - ٦٦٥.
(فَأَعْيَا جَمَلِي) أي تعب، وعجز عن السير، قَالَ الفيّوميّ: عَيِيَ بالأمر، وعن حُجّته يَعْيَا، منْ باب تَعِب عِيّا: عجز عنه، وَقَدْ يُدغم الماضي، فيقال: عَيَّ، فالرجل عَيٌّ، وعَيِيٌّ، عَلَى فَعْلٍ، وفَعِيلٍ، وعَيِيَ لم يَهتد لوجهه، وأعياني كذا بالألف: أتعبني، فأعييت، يُستعمل لازمًا، ومتعدِّيًا، وأعيا فِي مشيه، فهو مُعْيٍ، منقوص. انتهى.
(فَأَرَدْتُ أَنْ أُسَيِّبَهُ) بضم الهمزة، وتشديد الياء، منْ التسييب: أي أطلقه، وأتركه فِي مكان، وليس المراد أن يجعله سائبة، لا يركبه أحد، كما كانوا يفعلون فِي الجاهلية؛ لأنه لا يجوز فِي الإِسلام، ففي أول رواية مغيرة، عن الشعبي عند البخاريّ فِي "الجهاد": "غزوت مع رسول الله ﷺ ، فتلاحق بي، وتحتي ناضح لي، قد أعيا، فلا يكاد يسير": والناضح -بنون، ومعجمة، ثم مهملة-: هو الجمل الذي يُستقي عليه سُمّي بذلك لنضحه بالماء، حال سقيه. ووقع عند البزار، منْ طريق أبي المتوكل، عن جابر ﵁: أن الجمل كَانَ أحمر. قاله فِي "الفتح" ٥/ ٦٥٨.
(فَلَحِقَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَدَعَا لَهُ، فَضَرَبَهُ) وفي رواية مغيرة، عن الشعبيّ التالية لهذه الرواية: "فأُزحِف الجملُ، فزجره النبيّ ﷺ ، فانتشط، حَتَّى كَانَ أمام الجيش"، فَقَالَ النبيّ ﷺ : يا جابر، ما أرى جملك إلا قد انتشط، قلت: ببركتك يا رسول الله"، وفي رواية البخاريّ: "فمر النبيّ ﷺ ، فضربه، فدعا له"، قَالَ فِي "الفتح": كذا فيه بالفاء فيهما، كأنه عقب الدعاء له بضربه، ولمسلم، وأحمد منْ هَذَا الوجه: "فضربه برجله، ودعا له"، وفي رواية يونس بن بكير، عن زكريا عند الإسماعيلي: "فضربه رسول الله ﷺ ، ودعا له، فمشا مِشْيَةً، ما مشى قبل ذلك مثلها"، وفي رواية مغيرة: "فزجره، ودعا له"، وفي رواية عطاء وغيره، عن جابر، عند البخاريّ فِي "الوكالة": "فمرّ بي النبيّ ﷺ ، فَقَالَ: منْ هَذَا؟ قلت: جابر بن عبد الله، قَالَ: مالك؟ قلت: إني عَلَى جمل ثِفَال، قَالَ: أمعك قضيب؟ قلت: نعم، قَالَ: "أعطنيه، فأعطيته، فضربه، فزجره، فكان منْ ذلك المكان منْ أول القوم"، وفي رواية وهب بن كيسان، عن جابر، عند البخاريّ فِي "البيوع": "فتخلف، فنزل، فحجنه بِمِحْجَنِهِ، ثم قَالَ: اركب، فركبت، فقد رأيته أكفه عن رسول الله ﷺ ". وعند أحمد منْ هَذَا الوجه: "فقلت: يا رسول الله، أبطأ بي جملي هَذَا، قَالَ: أَنِخْهُ، وأناخ رسول الله ﷺ ، ثم قَالَ: أعطني هذه العصا، أو اقطع لي عصا منْ شجرة، ففعلت، فأخذها، فنخسه بها نخسات، فَقَالَ: اركب، فركبت"، وللطبراني منْ رواية زيد بن أسلم، عن جابر، فأبطأ عليّ، حَتَّى ذهب النَّاس، فجعلت أرقبه، ويهمني شأنه، فإذا النبيّ ﷺ ، فَقَالَ: أجابر، قلت:
стр. 16980
نعم، قَالَ: ما شأنك؟ قلت: أبطأ علي جملي، فنَفَث فيها، أي العصا، ثم مَجَّ منْ الماء فِي نحره، ثم ضربه بالعصا، فوثب"، ولابن سعد منْ هَذَا الوجه: "ونضح ماء فِي وجهه، ودبره، وضربه بعُصية، فانبعث، فما كدت أمسكه"، وفي رواية أبي الزبير، عن جابر، عند مسلم: "فكنت بعد ذلك أحبس خطامه؛ لأسمع حديثه"، وله منْ طريق أبي نضرة، عن جابر: "فنخسه، ثم قَالَ: اركب بسم الله"، زاد فِي رواية مغيرة المذكورة: "فَقَالَ: كيف ترى بعيرك؟ قلت: بخير، قد أصابته بركتك". أفاده فِي "الفتح" ٥/ ٦٥٨.
(فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ) أي فِي الإسراع (فَقَالَ) ﷺ (بِعْنِيهِ بِوُقِيَّةٍ، قُلْتُ: لَا) وفي رواية مغيرة التالية: "وكانت لي إليه حاجة شديدة"، وفي رواية أحمد: "فكرهت أن أبيعه"، وفي رواية للبخاريّ: "قَالَ: أتبيعنيه؟، فاستحييت، ولم يكن لنا ناضح غيره، فقلت: نعم"، ولأحمد منْ رواية نُبَيح وهو بالنون والموحدة والمهملة، مصغرًا- وفي رواية أبي الزبير الآتية: "قَالَ: ما فَعَل جملك؟ بعنيه، قلت: لا، بل هو لك يا رسول الله، قَالَ: لا، بل بعنيه، قلت: لا، بل هو لك يا رسول الله، قَالَ: لا، بل بعنيه، قد أخذته بوقيّة"، وفي رواية أبي الزبير أيضًا التي بعدها: "تبيعنيه يا جابر؟ قلت: لا، بل هو لك يا رسول الله، قَالَ: اللَّهم اغفر له، اللَّهم ارحمه، قد أخذته بكذا وكذا"، وفي رواية أبي نضرة، عن جابر الأخيرة: "أتبيعنيه بكذا وكذا، والله يغفر لك، قلت: نعم، هو لك يا نبيّ الله، قَالَ: أتبيعنيه بكذا وكذا، والله يغفر لك، قلت: نعم، هو لك يا نبيّ الله، قَالَ: أتبيعنيه بكذا وكذا؟ والله يغفر لك، قلت: نعم، قَالَ أبو نضرة: وكانت كلمة يقولها المسلمون افعل كذا وكذا، والله يغفر لك"، ولأحمد: قَالَ سليمان -يعني بعض رواته- فلا أدري كم منْ مرة -يعني قَالَ له: والله يغفر لك، وللمصنّف فِي "المناقب" رقم ٨٢٤٨ - منْ طريق أبي الزبير، عن جابر: "استغفر لي رسول الله ﷺ ليلة البعير، خمسا وعشرين مرة"، وفي رواية وهب بن كيسان، عن جابر، عند أحمد: "أتبيعني جملك هَذَا يا جابر؟ قلت: بل أهبه لك، قَالَ: لا, ولكن بعنيه". قَالَ الحافظ: وفي كل ذلك رَدّ لقول ابن التين: إن قوله: "لا"، ليس بمحفوظ فِي هذه القصة انتهى.
(قَالَ: "بِعْنِيهِ"، فَبِعْتُهُ بِوُقِيَّةٍ) وفي رواية سالم بن أبي الجعد، عن جابر الآتية فِي هَذَا الباب: "قد أخذته بوقية"، ولابن سعد، وأبي عوانة، منْ هَذَا الوجه: "فلما أكثر علي قلت: إن لرجل عليّ أوقية منْ ذهب، هو لك بها، قَالَ: نعم".
و"الوقيّة" بضم الواو، لغة فِي "الأُوقيّة" بضم الهمزة، قَالَ الفيّوميّ: "الأُوقيّة" بضمّ الهمزة، وبالتشديد، وهي عند العرب: أربعون درهمًا، وهي فِي تقدير أُفْعُولةٍ،