← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 16976–17015 · переход к 16981.

стр. 16976

٧٧ - (الْبَيْعُ يَكُونُ فِيهِ الشَّرْطُ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: المراد بالشرط هنا الشرط الصحيح، بدليل قوله فِي الترجمة التالية: "البيع يكون فيه الشرط الفاسد، فيصحّ البيع، ويبطل الشرط، فمعنى كلامه هنا: أن البيع إذا شُرط فيه شرط صحيح، مثل اشتراط الرهن، أو الضمين، أو مثل ركوب الدابّة إلى مسافة معلومة، كما وقع لجابر ﵁، صحّ البيع، ولزم الشرط معًا، وهكذا جزم رحمه الله تعالى بصحة البيع والشرط معًا، مع أن المسألة فيها خلاف؛ لرجحان دليله عنده، ونحوه صنيع الإِمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه"، حيث قَالَ: "بابٌ إذا اشترط البائع ظهر الدابة، إلى مكان مسمى جاز": قَالَ فِي "الفتح": هكذا جزم بهذا الحكم لصحة دليله عنده، وهو مما اختُلِف فيه، وفيما يشبهه، كاشتراط سكنى الدار، وخدمة العبد، فذهب الجمهور إلى بطلان البيع؛ لأن الشرط المذكور ينافي مقتضى العقد، وَقَالَ الأوزاعي، وابن شبرمة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وطائفة، يصح البيع، ويتنزل فيه الشرط منزلة الاستثناء؛ لأن المشروط إذا كَانَ قدره معلوما، صار كما لو باعه بألف إلا خمسين درهما مثلا، ووافقهم مالك فِي الزمن اليسير، دون الكثير، وقيل: حده عنده ثلاثة أيام، وحجتهم حديث الباب، وَقَدْ رجح البخاريّ فيه الاشتراط، كما سيأتي آخر كلامه. وأجاب عنه الجمهور، بأن ألفاظه أختلفت، فمنهم: منْ ذكر فيه الشرط، ومنهم منْ ذكر فيه ما يدل عليه، ومنهم منْ ذكر ما يدل عَلَى أنه كَانَ بطريق الهبة، وهي واقعة عين، يطرُقها الاحتمال، وَقَدْ عارضه حديث عائشة، فِي قصة بريرة، ففيه بطلان الشرط المخالف لمقتضى العقد، كما تقدم بسطه فِي آخر العتق، وصح منْ حديث جابر أيضا: النهي عن بيع الثنيا، أخرجه أصحاب "السنن"، وإسناده صحيح، وورد النهي عن بيع وشرط. وأجيب بأن الذي ينافي مقصود البيع، ما إذا اشترط مثلا فِي بيع الجارية أن لا يطأها، وفي الدار أن لا يسكنها، وفي العبد أن لا يستخدمه، وفي الدابة أن لا يركبها، أما إذا اشترط شيئا معلوما لوقت معلوم، فلا بأس به. وأما حديث النهي عن الثنيا، ففي نفس الْحَدِيث "إلا أن تعلم"، فعُلم أن المراد أن النهي إنما وقع عما كَانَ مجهولا. وأما حديث النهي عن بيع وشرط، ففي إسناده مقال، وهو قابل للتأويل، وسيأتي مزيد بسط لذلك فِي آخر الكلام عَلَى هَذَا الْحَدِيث إن شاء الله تعالى. انتهى ما فِي "الفتح" ٥/ ٦٥٧.

стр. 16977

قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن ما ذهب إليه المصنّف، والبخاريّ، وهو مذهب الأوزاعيّ، وابن شبرمة، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وطائفة منْ أن الشرط الصحيح فِي البيع يصحّ البيع معه هو الحقّ؛ لقوّة دليله، فتأمل. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٦٣٩ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سَعْدَانُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ زَكَرِيَّا، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَعْيَا جَمَلِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أُسَيِّبَهُ، فَلَحِقَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَدَعَا لَهُ، فَضَرَبَهُ، فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ، فَقَالَ: "بِعْنِيهِ بِوُقِيَّةٍ"، قُلْتُ: لَا، قَالَ: "بِعْنِيهِ"، فَبِعْتُهُ بِوُقِيَّةٍ، وَاسْتَثْنَيْتُ حُمْلَانَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا بَلَغْنَا الْمَدِينَةَ، أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ، وَابْتَغَيْتُ ثَمَنَهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ، فَقَالَ: "أَتُرَانِي إِنَّمَا مَاكَسْتُكَ لآخُذَ جَمَلَكَ، خُذْ جَمَلَكَ، وَدَرَاهِمَكَ"). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (عليّ بن حجر) السعديّ المروزي، ثقة حافظ، منْ صغار [٩] ١٣/ ١٣. ٢ - (سعدان بن يحيى) هو سعيد بن يحيى بن صالح اللَّخْميّ، أبو يحيى الكوفيّ، نزيل دمشق، و"سعدان" لقبه، صدوقٌ وسطٌ [٩]. رَوَى عن أبيه، وإسماعيل بن أبي خالد، وهشام بن عروة، والأعمش، وموسى بن عُبيدة الرَّبَذِيّ، وإسرائيل، وزكرياء بن أبي زائدة، وجعفر بن بُرْقان، وصدقة بن أبي عمران، وعبد الحميد بن جعفر، وابن إسحاق، ومحمد بن أبي حفصة، ومحمد بن عمرو بن علقمة، ويونس بن يزيد الأيلي، وشعبة، وحماد بن سلمة، وابن جريج، وأبي هلال الراسبي، وورقاء، وهمام، وغيرهم. وعنه أبو النضر الْفَرَادِيسِيّ، وسليمان بن عبد الرحمن، وعلي بن حجر، وهشام بن عمار، وغيرهم. قَالَ عثمان الدارمي، عن دُحَيم: ما هو عندي ممن يُتَّهم بالكذب. وَقَالَ أبو حاتم: محله الصدق. وَقَالَ ابن حبّان: ثقة، مأمون، مستقيم الأمر فِي الْحَدِيث. وَقَالَ الدارقطنيّ: ليس بذاك. روى له البخاريّ، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط، قَالَ الحافظ: وله فِي "صحيح البخاريّ" حديث واحد، فِي غزوة الفتح، رواه عن سليمان بن عبد الرحمن، عنه، عن محمد بن أبي حفصة، عن الزهريّ، وأصل الْحَدِيث عنده، منْ طريق أخرى عن الزهريّ. [تنبيه]: وقع فِي النسخ المطبوعة منْ "المجتبى"، و"الكبرى" فِي هَذَا الاسم تصحيف، ونصّه: "قَالَ: أنبأنا سعدٌ أنّ ابن يحيى الخ"، وهو غلط فاحش، والصواب ما هنا: "سعدان بن يحيى"، كما هو فِي النسخة "الهنديّة"، فتنبّه. والله تعالى أعلم.

стр. 16978

٣ - (زكريّا) بن أبي زائدة خالد، ويقال: هبيرة بن ميمون بن فيروز الهمدانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة، يدلس [٦] ٩٣/ ١١٥. ٤ - (عامر) بن شراحيل الشعبيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة فقيه فاضل [٣] ٦٦/ ٨٢. ٥ - (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السلميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزيّ، وجابر ﵁، فمدنيّ. (ومنها): أن فيه جابرًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) منْ الْحَدِيث. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ) كذا أبهم السفر، ولم يعيّنه، وكذا وقع فِي رواية للبخاريّ منْ طريق أبي المتوكل، عن جابر ﵁، بلفظ: "فِي بعض أسفاره"، قَالَ فِي "الفتح": وكذا أبهمه أكثر الرواة عن جابر، ومنهم منْ قَالَ: "كنت فِي سفر"، ومنهم منْ قَالَ: "كنت فِي غزوة تبوك"، ولا منافاة بينهما، وفي رواية أبي المتوكل فِي "الجهاد": "لا أدري غزوة، أو عمرة"، ويؤيد كونه كَانَ فِي غزوة، قوله فِي آخر رواية أبي عوانة، عن مغيرة: "فأعطاني الجمل وثمنه، وسهمي مع القوم"، لكن جزم ابن إسحاق، عن وهب بن كيسان، بأن ذلك كَانَ فِي غزوة ذات الرقاع، منْ نخل، وكذا أخرجه الواقدي، منْ طريق عطية بن عبد الله بن أنيس، عن جابر، قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: وهي الراجحة فِي نظري؛ لأن أهل المغازي أضبط لذلك، منْ غيرهم، وأيضا فقد وقع فِي رواية الطحاوي: أن ذلك وقع فِي رجوعهم منْ طريق مكة إلى المدينة، وليست طريقُ تبوك ملاقية لطريق مكة، بخلاف طريق غزوة ذات الرقاع، وأيضا فإن فِي كثير منْ طرقه: أنه ﷺ سأله فِي تلك القصة: "هل تزوجت؟ "، قَالَ: نعم، قَالَ: "أتزوجت بكرا، أم ثيبا؟ "، الْحَدِيث، وفيه اعتذاره بتزوجه الثيب، بأن أباه استُشهِد بأحد، وترك أخواته، فتزوج ثيبا لتمشطهن، وتقوم عليهن، فأشعر بأن ذلك كَانَ بالقرب منْ وفاة أبيه، فيكون وقوع القصة فِي ذات الرقاع أظهر، منْ وقوعها فِي تبوك؛ لأن ذات الرقاع كانت بعد أحد بسنة واحدة، عَلَى الصحيح، وتبوك كانت بعدها بسبع سنين، والله أعلم، لا جرم جزم البيهقي فِي

стр. 16979

"الدلائل" بما قَالَ ابن إسحاق. انتهى "فتح" ٥/ ٦٦٤ - ٦٦٥. (فَأَعْيَا جَمَلِي) أي تعب، وعجز عن السير، قَالَ الفيّوميّ: عَيِيَ بالأمر، وعن حُجّته يَعْيَا، منْ باب تَعِب عِيّا: عجز عنه، وَقَدْ يُدغم الماضي، فيقال: عَيَّ، فالرجل عَيٌّ، وعَيِيٌّ، عَلَى فَعْلٍ، وفَعِيلٍ، وعَيِيَ لم يَهتد لوجهه، وأعياني كذا بالألف: أتعبني، فأعييت، يُستعمل لازمًا، ومتعدِّيًا، وأعيا فِي مشيه، فهو مُعْيٍ، منقوص. انتهى. (فَأَرَدْتُ أَنْ أُسَيِّبَهُ) بضم الهمزة، وتشديد الياء، منْ التسييب: أي أطلقه، وأتركه فِي مكان، وليس المراد أن يجعله سائبة، لا يركبه أحد، كما كانوا يفعلون فِي الجاهلية؛ لأنه لا يجوز فِي الإِسلام، ففي أول رواية مغيرة، عن الشعبي عند البخاريّ فِي "الجهاد": "غزوت مع رسول الله ﷺ ، فتلاحق بي، وتحتي ناضح لي، قد أعيا، فلا يكاد يسير": والناضح -بنون، ومعجمة، ثم مهملة-: هو الجمل الذي يُستقي عليه سُمّي بذلك لنضحه بالماء، حال سقيه. ووقع عند البزار، منْ طريق أبي المتوكل، عن جابر ﵁: أن الجمل كَانَ أحمر. قاله فِي "الفتح" ٥/ ٦٥٨. (فَلَحِقَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَدَعَا لَهُ، فَضَرَبَهُ) وفي رواية مغيرة، عن الشعبيّ التالية لهذه الرواية: "فأُزحِف الجملُ، فزجره النبيّ ﷺ ، فانتشط، حَتَّى كَانَ أمام الجيش"، فَقَالَ النبيّ ﷺ : يا جابر، ما أرى جملك إلا قد انتشط، قلت: ببركتك يا رسول الله"، وفي رواية البخاريّ: "فمر النبيّ ﷺ ، فضربه، فدعا له"، قَالَ فِي "الفتح": كذا فيه بالفاء فيهما، كأنه عقب الدعاء له بضربه، ولمسلم، وأحمد منْ هَذَا الوجه: "فضربه برجله، ودعا له"، وفي رواية يونس بن بكير، عن زكريا عند الإسماعيلي: "فضربه رسول الله ﷺ ، ودعا له، فمشا مِشْيَةً، ما مشى قبل ذلك مثلها"، وفي رواية مغيرة: "فزجره، ودعا له"، وفي رواية عطاء وغيره، عن جابر، عند البخاريّ فِي "الوكالة": "فمرّ بي النبيّ ﷺ ، فَقَالَ: منْ هَذَا؟ قلت: جابر بن عبد الله، قَالَ: مالك؟ قلت: إني عَلَى جمل ثِفَال، قَالَ: أمعك قضيب؟ قلت: نعم، قَالَ: "أعطنيه، فأعطيته، فضربه، فزجره، فكان منْ ذلك المكان منْ أول القوم"، وفي رواية وهب بن كيسان، عن جابر، عند البخاريّ فِي "البيوع": "فتخلف، فنزل، فحجنه بِمِحْجَنِهِ، ثم قَالَ: اركب، فركبت، فقد رأيته أكفه عن رسول الله ﷺ ". وعند أحمد منْ هَذَا الوجه: "فقلت: يا رسول الله، أبطأ بي جملي هَذَا، قَالَ: أَنِخْهُ، وأناخ رسول الله ﷺ ، ثم قَالَ: أعطني هذه العصا، أو اقطع لي عصا منْ شجرة، ففعلت، فأخذها، فنخسه بها نخسات، فَقَالَ: اركب، فركبت"، وللطبراني منْ رواية زيد بن أسلم، عن جابر، فأبطأ عليّ، حَتَّى ذهب النَّاس، فجعلت أرقبه، ويهمني شأنه، فإذا النبيّ ﷺ ، فَقَالَ: أجابر، قلت:

стр. 16980

نعم، قَالَ: ما شأنك؟ قلت: أبطأ علي جملي، فنَفَث فيها، أي العصا، ثم مَجَّ منْ الماء فِي نحره، ثم ضربه بالعصا، فوثب"، ولابن سعد منْ هَذَا الوجه: "ونضح ماء فِي وجهه، ودبره، وضربه بعُصية، فانبعث، فما كدت أمسكه"، وفي رواية أبي الزبير، عن جابر، عند مسلم: "فكنت بعد ذلك أحبس خطامه؛ لأسمع حديثه"، وله منْ طريق أبي نضرة، عن جابر: "فنخسه، ثم قَالَ: اركب بسم الله"، زاد فِي رواية مغيرة المذكورة: "فَقَالَ: كيف ترى بعيرك؟ قلت: بخير، قد أصابته بركتك". أفاده فِي "الفتح" ٥/ ٦٥٨. (فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ) أي فِي الإسراع (فَقَالَ) ﷺ (بِعْنِيهِ بِوُقِيَّةٍ، قُلْتُ: لَا) وفي رواية مغيرة التالية: "وكانت لي إليه حاجة شديدة"، وفي رواية أحمد: "فكرهت أن أبيعه"، وفي رواية للبخاريّ: "قَالَ: أتبيعنيه؟، فاستحييت، ولم يكن لنا ناضح غيره، فقلت: نعم"، ولأحمد منْ رواية نُبَيح وهو بالنون والموحدة والمهملة، مصغرًا- وفي رواية أبي الزبير الآتية: "قَالَ: ما فَعَل جملك؟ بعنيه، قلت: لا، بل هو لك يا رسول الله، قَالَ: لا، بل بعنيه، قلت: لا، بل هو لك يا رسول الله، قَالَ: لا، بل بعنيه، قد أخذته بوقيّة"، وفي رواية أبي الزبير أيضًا التي بعدها: "تبيعنيه يا جابر؟ قلت: لا، بل هو لك يا رسول الله، قَالَ: اللَّهم اغفر له، اللَّهم ارحمه، قد أخذته بكذا وكذا"، وفي رواية أبي نضرة، عن جابر الأخيرة: "أتبيعنيه بكذا وكذا، والله يغفر لك، قلت: نعم، هو لك يا نبيّ الله، قَالَ: أتبيعنيه بكذا وكذا، والله يغفر لك، قلت: نعم، هو لك يا نبيّ الله، قَالَ: أتبيعنيه بكذا وكذا؟ والله يغفر لك، قلت: نعم، قَالَ أبو نضرة: وكانت كلمة يقولها المسلمون افعل كذا وكذا، والله يغفر لك"، ولأحمد: قَالَ سليمان -يعني بعض رواته- فلا أدري كم منْ مرة -يعني قَالَ له: والله يغفر لك، وللمصنّف فِي "المناقب" رقم ٨٢٤٨ - منْ طريق أبي الزبير، عن جابر: "استغفر لي رسول الله ﷺ ليلة البعير، خمسا وعشرين مرة"، وفي رواية وهب بن كيسان، عن جابر، عند أحمد: "أتبيعني جملك هَذَا يا جابر؟ قلت: بل أهبه لك، قَالَ: لا, ولكن بعنيه". قَالَ الحافظ: وفي كل ذلك رَدّ لقول ابن التين: إن قوله: "لا"، ليس بمحفوظ فِي هذه القصة انتهى. (قَالَ: "بِعْنِيهِ"، فَبِعْتُهُ بِوُقِيَّةٍ) وفي رواية سالم بن أبي الجعد، عن جابر الآتية فِي هَذَا الباب: "قد أخذته بوقية"، ولابن سعد، وأبي عوانة، منْ هَذَا الوجه: "فلما أكثر علي قلت: إن لرجل عليّ أوقية منْ ذهب، هو لك بها، قَالَ: نعم". و"الوقيّة" بضم الواو، لغة فِي "الأُوقيّة" بضم الهمزة، قَالَ الفيّوميّ: "الأُوقيّة" بضمّ الهمزة، وبالتشديد، وهي عند العرب: أربعون درهمًا، وهي فِي تقدير أُفْعُولةٍ،

стр. 16981

كالأُعْجُوبة، والأُحْدُوثة، والجمع الأَوَاقييُّ بالتشديد، وبالتخفيف للتخفيف، وَقَالَ ثَعْلَبٌ فِي باب المضموم أوّلُهُ: وهي الأوقيّة، والْوُقِيّة، لغة، وهي بضمّ الواو، هكذا هي مضبوطة فِي كتاب ابن السّكّيت، وَقَالَ الأزهريّ: قَالَ الليث: الوقيّة: سبعة مثاقيل، وهي مضبوطة بالضمّ أيضًا، قَالَ الْمُطَرَّزيّ: وهكذا هي مضبوطة فِي "شرح السنّة" فِي عدّة مواضع، وجرى عَلَى ألسنة النَّاس بالفتح، وهي لغة حكاها بعضهم، وجمعها وَقَايَا، مثلُ عطيّة وعَطَايَا. وَقَالَ فِي "الفتح": والْوُقِيّة منْ الفضة كانت فِي عرف ذلك الزمان أربعين درهما، وفي عرف النَّاس بعد ذلك عشرة دراهم، وفي عرف أهل مصر اليوم اثنا عشر درهما، وسيأتي بيان الاختلاف فِي قدر الثمن فِي آخر الكلام عَلَى هَذَا الْحَدِيث، إن شاء الله تعالى. (وَاسْتَثْنَيْتُ حُمْلَانَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ) الحُمْلان -بضم الحاء المهملة، وسكون الميم-، والمفعول محذوف: أي استثنيتُ حمله إياي، وَقَدْ رواه الإسماعيلي بلفظ: "واستثنيت ظهره إلى أن نَقْدَم"، ولأحمد منْ طريق شريك، عن مغيرة: "اشترى مني بعيرًا، عَلَى أن يُفْقِرَني ظهره سفري ذلك"، وَقَدْ ذكر البخاريّ رحمه الله تعالى الاختلاف فِي ألفاظه عن جابر، وسيأتي بيانه قريبًا، إن شاء الله تعالى. وَقَالَ السنديّ: وبظاهره أخذ أحمد، اشتراط ركوب الدابّة فِي بيعها مطلقًا، وَقَالَ مالك: بجوازه، إن كانت المسافة قريبة، كما كانت فِي قضيّة جابر، ومن لا يجوّز ذلك مطلقًا يقول: ما كَانَ ذلك شرطا فِي العقد، بل أعطاه النبيّ ﷺ تكرّمًا، وسمّاه بعض الرواة شرطًا، وبعض روايات الْحَدِيث يفيد أنه كَانَ إعارة. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: جواز الاشتراط هو الحقّ، كما سبق، ويأتي تمام البحث فيه قريبًا، إن شاء الله تعالى. (فَلَمَّا بَلَغْنَا الْمَدِينَةَ) وفي رواية البخاريّ: "فلما قَدِمنا" زاد مغيرة عن الشعبي فِي الرواية الآتية: "فلما قضينا غزاتنا، ودنونا، استأذنته بالتعجيل، فقلت: يا رسول الله، إني حديث عهد بعُرْس، قَالَ: أبكرا تزوجت، أم ثيبا؟ قلت: بل ثيبا يا رسول الله، إن عبد الله بن عمرو أصيب، وترك جواري أبكارًا، فكرهت أن آتيهن بمثلهن، فتزوجت ثيبا، تُعَلِّمهن، وتؤدبهن، فأذن لي، وَقَالَ لي: ائت أهلك عِشاء، فلما قَدِمت أخبرت خالي ببيعي الجمل، فلامني". ووقع عند أحمد، منْ رواية نُبَيح: "فأتيت عمتي بالمدينة، فقلت لها: ألم تري أني بعت ناضحنا، فما رأيتها أعجبها ذلك"، وجزم بعضهم بأن اسم خاله جَدّ بفتح الجيم، وتشديد الدال- ابن قيس، وأما عمته فاسمها

стр. 16982

هند بنت عمرو، ويحتمل أنهما جميعا لم يعجبهما بيعه؛ لما تقدم منْ أنه لم يكن عنده ناضح غيره. وفي رواية للبخاريّ فِي "الجهاد": "ثم قَالَ: ائت أهلك، فتقدمت النَّاس إلى المدينة"، وفي رواية وهب بن كيسان فِي أوائل "البيوع": "وقدم رسول الله ﷺ المدينة قبلي، وقَدِمت بالغداة، فجئت إلى المسجد، فوجدته، فَقَالَ: الآن قدمت؟، قلت: نعم، قَالَ: فَدَعِ الجمل، وادخل، فَصَلّ ركعتين". قَالَ الحافظ: وظاهرهما التناقض؛ لأن فِي إحداهما أنه تقدم النَّاس إلى المدينة، وفي الأخرى أن النبيّ ﷺ قدم قبله، فيحتمل فِي الجمع بينهما، أن يقال: إنه لا يلزم منْ قوله: فتقدمت النَّاس، أن يستمر سبقه لهم؛ لاحتمال أن يكونوا لحقوه بعد أن تقدمهم، إما لنزوله لراحة، أو نوم، أو غير ذلك، ولعله امتثل أمره ﷺ ، أن لا يدخل ليلا، فبات دون المدينة، واستمر النبيّ ﷺ إلى أن دخلها سحرًا, ولم يدخلها جابر حَتَّى طلع النهار، والعلم عند الله تعالى. انتهى. (أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ) وفي رواية مغيرة الآتية: "فلما قَدِم رسول الله ﷺ ، غدوت بالجمل"، وللبخاريّ فِي "الجهاد" منْ طريق أبي المتوكل، عن جابر ﵁: "فدخلت -يعني المسجد- إليه، وعقلت الجمل، فقلت: هَذَا جملك، فخرج، فجعل يُطيف بالجمل، ويقول: جملنا فبعث إليّ أواق منْ ذهب، ثم قَالَ: استوفيتَ الثمن؟ قلت: نعم". (وَابْتَغَيْتُ ثَمَنَهُ) أي طلبت أن يوفيني ثمن الجمل، فأوفاني (ثُمَّ رَجَعْتُ) وفي رواية للبخاريّ: "ونقدني ثمنه، ثم انصرفت"، وفي رواية مغيرة الآتية: "فأعطاني ثمن الجمل، والجمل، وسهمًا مع النَّاس"، وفي روايته عند البخاريّ فِي "الجهاد": "فأعطاني ثمنه، ورَدّه عليّ". وكلّها -كما قَالَ الحافظ- بطريق المجاز؛ لأن العطية إنما وقعت له بواسطة بلال ﵁، كما سيأتي فِي رواية سالم بن أبي الجعد، عن جابر: "فلما قدمت المدينة، جئته به، فَقَالَ لبلال: يا بلال، زن له أوقية، وزده قيراطًا، قلت: هَذَا شيء زادني رسول الله ﷺ ، فلم يفارقني، فجعلته فِي كيس، فلم يزل عندي، حَتَّى جاء أهل الشام يوم الْحَرّة، فأخذوا منّا ما أخذوا"، الْحَدِيث، ولأحمد، وأبي عوانة، منْ طريق وهب ابن كيسان: "فوالله ما زال يَنمِي، ويزيد عندنا، ونرى مكانه منْ بيتنا، حَتَّى أُصيب أمس فيما أصيب للناس يوم الحرة"، وفي رواية أبي الزبير، عن جابر، فِي هَذَا الباب: "فَقَالَ: يا بلال، أعطه ثمنه، فلما أدبرت دعاني، فخِفْتُ أن يرده عليّ، فَقَالَ: هو لك"، وفي رواية وهب بن كيسان، عند البخاريّ فِي "النكاح": "فأمر بلالا أن يزن لي أوقية، فوزن بلال، وأرجح لي فِي الميزان, فانطلقت حَتَّى وليت، فَقَالَ: ادع جابرا،

стр. 16983

فقلت: الآن يَرُدّ عليّ الجمل، ولم يكن شيء أبغض إليّ منه، فَقَالَ: خذ جملك، ولك ثمنه". قَالَ فِي "الفتح": وهذه الرواية مشكلة، مع قوله المتقدم: "ولم يكن لنا ناضح غيره"، وقوله: "وكانت لي إليه حاجة شديدة، ولكني استحييت منه"، ومع تنديم خاله له عَلَى بيعه. ويمكن الجمع بأن ذلك كَانَ فِي أول الحال، وكان الثمن أوفر منْ قيمته، وعَرَفَ أنه يمكن أن يشتري به أحسن منه، ويبقى له بعض الثمن، فلذلك صار يكره رَدّه عليه. ولأحمد منْ طريق أبي هبيرة، عن جابر: "فلما أتيته دفع إلى البعير، وَقَالَ هو لك، فمررت برجل منْ اليهود، فأخبرته، فجعل يعجب، ويقول اشترى منك البعير، ودفع إليك الثمن، ثم وهبه لك؟ قلت: نعم". (فَأَرْسَلَ إِلَيَّ، فَقَالَ: "أَتُرَانِي) بضم حرف المضارعة، والهمزة للاستفهام: أي أتظنني (إِنَّمَا مَا كَسْتُكَ) أي ناقصتك فِي الثمن، وهو مفاعلة منْ الْمَكْس، يقال: مَكَسَ فِي البيع مَكْسًا، منْ باب ضرب: نقص الثمن، وماكس مماكسةً، ومِكَاسًا مثله. قاله الفيّوميّ، وأشار بالمماكسة إلى ما وقع بينهما منْ المساومة عند البيع، كما تقدم. (لآخُذَ جَمَلَكَ) اللام للتعليل، متعلّقة بـ"ماكستك"، وبعدها همزة ممدودة (خُذْ جَمَلَكَ، وَدَرَاهِمَكَ") وفي رواية لأحمد، عن يحيى القطّان، عن زكريا، بلفظ: "قَالَ: أظننت حين ما كستك، أذهب بجملك؟، خذ جملك وثمنه، فهما لك". قَالَ ابن الجوزي رحمه الله تعالى: هَذَا منْ أحسن التكرم, لأن منْ باع شيئا، فهو فِي الغالب محتاج لثمنه، فإذا تعوض منْ الثمن، بقي فِي قلبه منْ المبيع أَسَفٌ عَلَى فراقه، كما قيل [منْ الطويل]: وَقَدْ تَخْرُجُ الْحَاجَاتُ يَا أُمَّ مَالِكٍ … نَفَائِسَ مِنْ رَبِّ بهِنَّ ضَنِينِ فإذا رُدّ عليه المبيع مع ثمنه، ذهب الهم عنه، وثبت فرحه، وقُضيت حاجته، فكيف مع ما انضم إلى ذلك منْ الزيادة فِي الثمن؟. ذكره فِي "الفتح" ٥/ ٦٦٠ - ٦٦١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٧٧/ ٤٦٣٩ و٤٦٤٠ و٤٦٤١ و٤٦٤٢ و٤٦٤٣ وتقدّم فِي ٥٣/ ٤٥٩٢

стр. 16984

و٤٥٩٣ مختصرًا- وفي "الكبرى" ٧٨/ ٦٢٣٣ و٦٢٣٤ و٦٢٣٥ و٦٢٣٦ و٦٢٣٧. وأخرجه (خ) فِي "الصلاة" ٤٤٣ و"البيوع" ٢٠٩٧ و"الوكالة" ٢٣٠٩ و"الهبة" ٢٦٠٤ (م) فِي "البيوع" ٣٨٨٥ و٣٨٨٦ و٣٨٨٧ و٣٨٨٨ و٣٨٩٠ (د) فِي "البيوع" ٣٣٤٧ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١٢٧٨٠ (الدارمي) فِي "البيوع" ٢٤٧١. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان أنه إذا باع بشرط لا يتنافى مع مقصود العقد، جاز البيع والشرط. (ومنها): جواز المساومة لمن يُعَرِّض سلعته للبيع. (ومنها): جواز المماكسة فِي المبيع قبل استقرار العقد، وابتداء المشتري بذكر الثمن. (ومنها): أن القبض ليس شرطا فِي صحة البيع. (ومنها): أن إجابة الكبير بقول "لا" جائز فِي الأمر الجائز. (ومنها): جواز التحدث بالعمل الصالح؛ للإتيان بالقصة عَلَى وجهها, لا عَلَى وجه تزكية النفس، وإرادة الفخر. (ومنها): أن فيه تفقدَ الإِمام، والكبير لأصحابه، وسؤاله عما ينزل بهم، وإعانتهم بما تيسر منْ حال، أو مال، أو دعاء. (ومنها): تواضعه ﷺ . (ومنها): جواز ضرب الدابة للسير، وإن كانت غير مكلفة، ومحله ما إذا لم يتحقق أن ذلك منها، منْ فَرْط تعب، وإعياء. (ومنها): أن فيه توقيرَ التابع لرئيسه. (ومنها): أن فيه الوكالةَ فِي وفاء الديون، والوزن عَلَى المشتري، والشراء بالنسيئة. (ومنها): أن فيه ردَّ العطية قبل القبض؛ لقول جابر: هو لك، قَالَ: "لا، بل بعنيه". (ومنها): أن فيه جوازَ إدخال الدوابّ، والأمتعة إلى رحاب المسجد، وحواليه. (ومنها): أنه استدلّ به بعضهم عَلَى طهارة أبوال الإبل، وتعقّبه الحافظ بأنه لا حجة فيه، وَقَدْ تقدّم فِي "الطهارة" أن الحقّ طهارة أبوال الإبل، وغيرها، فراجعه تستفد. (ومنها): أن فيه المحافظة عَلَى ما يُتبرك به؛ لقول جابر ﵁: "لا تفارقني الزيادة". (ومنها): أن فيه جوازَ الزيادة فِي الثمن، عند الأداء، والرجحان فِي الوزن، لكن برضى المالك، وهي هبة مستأنفة، حَتَّى لو رُدّت السلعة بعيب مثلا، لم يجب ردها، أو هي تابعة للثمن، حَتَّى ترد، فيه أحتمال، والأظهر الأول. (ومنها): أن فيه فضيلةً لجابر ﵁ حيث ترك حظ نفسه، وامتثل أمر النبيّ ﷺ له ببيع جمله، مع احتياجه إليه. (ومنها): أن فيه معجزةً ظاهرةً للنبي ﷺ . (ومنها): جواز إضافة الشيء إلى منْ كَانَ مالكه قبل ذلك، باعتبار ما كَانَ. (ومنها): أنه استدَلّ به بعضهم عَلَى صحة البيع بغير تصريح بإيجاب، ولا قبول؛ لقوله فيه: "قَالَ بعنيه بأوقية، فبعته"، ولم يذكر صيغة.

стр. 16985

وتعقّبه فِي "الفتح"، بأنه لا حجة فيه؛ لأن عدم الذكر لا يستلزم عدم الوقوع، وَقَدْ وقع فِي رواية عطاء عند البخاريّ فِي "الوكالة": "قَالَ: بعنيه، قَالَ: قد أخذته بأربعة دنانير"، قَالَ: فهذا فيه القبول، ولا إيجاب فيه، وفي رواية له فِي "الجهاد": "قَالَ: بل بعنيه، قلت: لرجل عليّ أوقية ذهب، فهو لك بها، قَالَ: قد أخذته"، ففيه الإيجاب والقبول معا، وأبين منها رواية ابن إسحاق، عن وهب بن كيسان، عند أحمد: "قلت: قد رضيت، قَالَ: نعم، قلت: فهو لك بها، قَالَ: قد أخذته، فيستدل بها عَلَى الاكتفاء فِي صيغ العقود بالكنايات. انتهى. "فتح" ٥/ ٦٦٦. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: اشتراط الإيجاب والقبول قول لا دليل عليه، لا منْ الكتاب، ولا منْ السنّة، ولا منْ الإجماع، فالحقّ أن البيع ينعقد بكلّ ما تعارفه النَّاس، منْ الأقوال، أو الأفعال، كالمعاطاة، وَقَدْ تقدّم تحقيق ذلك فِي أوائل "البيوع"، فراجعه تستفد. والله تعالى وليّ التوفيق. [تكميل]: قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: آل أمرُ جمل جابر ﵁ هَذَا؛ لِمَا تقدم له منْ بركة النبيّ ﷺ ، إلى مآل حسن، فرأيت فِي ترجمة جابر ﵁ منْ "تاريخ ابن عساكر"، بسنده إلى أبي الزبير، عن جابر ﵁، قَالَ: فأقام الجمل عندي زمانَ النبيّ ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، فعجز، فأتيت به عمر ﵁، فعرف قصته، فَقَالَ: اجعله فِي إبل الصدقة، وفي أطيب المراعي، ففعل به ذلك، إلى أن مات. انتهى "فتح" ٥/ ٦٦٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فِي بيان اختلاف الروايات فِي وقوع الاشتراط فِي قصّة بيع جمل جابر ﵁ المذكورة: قَالَ البخاريّ رحمه الله تعالى: الاشتراط أكثر وأصح عندي: أي أكثر طرقا، وأصح مخرجا، وأشار بذلك إلى أن الرواة اختلفوا عن جابر، فِي هذه الواقعة، هل وقع الشرط فِي العقد عند البيع، أو كَانَ ركوبه للجمل بعد بيعه إباحةً منْ النبيّ ﷺ بعد شرائه، عَلَى طريق العارية، وأصرح ما وقع فِي ذلك رواية النسائيّ منْ طريق ابن عُيينة، عن أيوب، بلفظ: وَقَدْ أعرتك ظهره إلى المدينة"، لكن اختلف فيها حماد بن زيد، وسفيان ابن عيينة، وحماد أعرف بحديث أيوب، منْ سفيان. والحاصل أن الذين ذكروه بصيغة الاشتراط أكثر عددا، منْ الذين خالفوهم، وهذا وجه منْ وجوه الترجيح، فيكون أصح، ويترجح أيضا بأن الذين رووه بصيغة الاشتراط، معهم زيادة، وهم حفاظ، فتكون حجة، وليست رواية منْ لم يذكر الاشتراط، منافية لرواية منْ ذكره؛ لأن قوله: "لك ظهره، وأفقرناك ظهره، وتبلغ عليه"، لا يمنع وقوع

стр. 16986

الاشتراط قبل ذلك. وَقَدْ رواه عن جابر بمعنى الاشتراط أيضا أبو المتوكل، عند أحمد، ولفظه: "فبعني، ولك ظهره إلى المدينة"، لكن أخرجه البخاريّ فِي "الجهاد" منْ طريق أخرى، عن أبي المتوكل، فلم يتعرض للشرط إثباتا ولا نفيا، ورواه أحمد منْ هَذَا الوجه، بلفظ: "أتبيعني جملك؟ قلت: نعم، قَالَ: أقدم عليه المدينة". ورواه أحمد منْ طريق أبي هبيرة، عن جابر، بلفظ: "فاشترى مني بعيرا، فجعل لي ظهره حَتَّى أقدم المدينة". ورواه ابن ماجه، وغيره، منْ طريق أبي نضرة، عن جابر، بلفظ: "فقلت: يا رسول الله، هو ناضحك، إذا أتيت المدينة". ورواه أيضا عن جابر نُبَيحٌ الْعَنَزِيّ، عند أحمد، فلم يذكر الشرط، ولفظه: "قد أخذته بوقية، قَالَ: فنزلت إلى الأرض، فَقَالَ: مالك؟ قلت: جملك، قَالَ: اركب، فركبت حَتَّى أتيت المدينة". ورواه أيضا منْ طريق وهب بن كيسان، عن جابر، فلم يذكر الشرط، قَالَ فيه: "حَتَّى بلغ أوقية، قلت: قد رضيتَ؟ قَالَ: نعم، قلت: فهو لك، قَالَ: قد أخذته، ثم قَالَ يا جابر: هل تزوجت؟، الْحَدِيث. قَالَ الحافظ: وما جنح إليه البخاريّ، منْ ترجيح رواية الاشتراط، هو الجاري عَلَى طريقة المحققين، منْ أهل الْحَدِيث؛ لأنهم لا يتوقفون عن تصحيح المتن، إذا وقع فيه الاختلاف، إلا إذا تكافأت الروايات، وهو شرط الاضطراب، الذي يُرَدُّ به الخبر، وهو مفقود هنا، مع إمكان الترجيح. قَالَ ابن دقيق العيد: إذا اختلفت الروايات، وكانت الحجة ببعضها دون بعض، تَوَقَّف الاحتجاجُ بشرط تعادل الروايات، أما إذا وقع الترجيح لبعضها، بأن تكون رُواتُها أكثر عددا، أو أتقن حفظا، فيتعين العمل بالراجح، إذ الأضعف لا يكون مانعا منْ العمل بالأقوى، والمرجوحُ لا يمنع التمسك بالراجح. وَقَدْ جنح الطحاوي إلى تصحيح الاشتراط، لكن تأوله بأن البيع المذكور، لم يكن عَلَى الحقيقة؛ لقوله فِي آخره: "أتُراني ما كستك الخ"، قَالَ: فإنه يُشعر بأن القول المتقدم، لم يكن عَلَى التبايع حقيقة. ورده القرطبيّ بأنه دعوى مجردة، وتغيير، وتحريف، لا تأويل، قَالَ: وكيف يَصنَع قائله فِي قوله: "بعته منك بأوقية"، بعد المساومة، وقوله: "قد أخذته"، وغير ذلك منْ الألفاظ المنصوصة فِي ذلك. واحتج بعضهم بأن الركوب، إن كَانَ منْ مال المشتري، فالبيع فاسد؛ لأنه شَرَطَ لنفسه ما قد ملكه المشتري، وإن كَانَ منْ ماله ففاسد؛ لأن المشتري لم يملك المنافع بعد البيع منْ جهة البائع، وإنما ملكها؛ لأنها طرأت فِي ملكه. وتُعُقّب بأن المنفعة المذكورة، قُدَّرت بقدر منْ ثمن المبيع، ووقع البيع بما عداها،

стр. 16987

ونظيره مَن باع نخلا، قد أُبرت، واستثنى ثمرتها، والممتنع إنما هو استثناء شيء مجهول للبائع والمشتري، أما لو علماه معا، فلا مانع، فيحمل ما وقع فِي هذه القصة عَلَى ذلك. وأغرب ابن حزم، فزعم أنه يؤخذ منْ الْحَدِيث أن البيع لم يتم؛ لأن البائع بعد عقد البيع، غير قبل التفرق، فلما قَالَ فِي آخره: "أتُراني ما كستك"، دَلّ عَلَى أنه كَانَ اختار ترك الأخذ، وإنما اشترط لجابر ركوب جمل نفسه، فليس فيه حجة، لمن أجاز الشرط فِي البيع. قَالَ الحافظ: ولا يخفى ما فِي هَذَا التأويل منْ التكلف. وَقَالَ الإسماعيلي: قوله "ولك ظهره"، وَعْدٌ قام مقام الشرط؛ لأن وعده لا خلف فيه، وهبته لا رجوع فيها؛ لتنزيه الله تعالى له عن دناءة الأخلاق، فلذلك ساغ لبعض الرواة أن يعبر عنه بالشرط، ولا يلزم أن يجوز ذلك فِي حق غيره. وحاصله أن الشرط لم يقع فِي نفس العقد، وإنما وقع سابقا، أو لاحقا، فتبرع بمنفعته أولا، كما تبرع برقبته أخرا. ووقع فِي كلام القاضي أبي الطيب الطبري، منْ الشافعيّة: أن فِي بعض طرق هَذَا الخبر، فلما نقدني الثمن شرطت حُمْلاني إلى المدينة، واستُدل بها عَلَى أن الشرط تأخر عن العقد. قَالَ الحافظ: لكن لم أقف عَلَى الرواية المذكورة، وإن ثبتت، فيتعين تأويلها عَلَى أن معنى "نقدني الثمن": أي قرره لي، واتفقنا عَلَى تعيينه؛ لأن الروايات الصحيحة صريحة، فِي أن قبضه الثمن إنما كَانَ بالمدينة، وكذلك يتعين تأويل رواية الطحاوي: "أتبيعني جملك هَذَا؟ إذا قدمنا المدينة بدينار"، الْحَدِيث، فالمعنى: أتبيعنى بدينار أوفيكه، إذا قدمنا المدينة. وَقَالَ المهلب: ينبغي تأويل ما وقع فِي بعض الروايات، منْ ذكر الشرط، عَلَى أنه شرط تفضل، لا شرط فِي أصل البيع؛ ليوافق رواية منْ رَوَى: "أفقرناك ظهره"، و"أعرتك ظهره"، وغير ذلك مما تقدم، قَالَ: ويؤيده أن القصة جرت كلها عَلَى وجه التفضل والرفق بجابر، ويؤيده أيضا قول جابر: "هو لك، قَالَ: لا، بل بعنيه"، فلم يقبل منه إلا بثمن؛ رفقا به، وسبق الإسماعيلي إلى نحو ذلك، وزعم أن النكتة فِي ذكر البيع، أنه ﷺ ، أراد أن يَبَرّ جابرا عَلَى وجه، لا يحصل لغيره طمع فِي مثله، فبايعه فِي جمله، عَلَى اسم البيع؛ ليتوفر عليه بره، ويبقى البعير قائما عَلَى ملكه، فيكون ذلك أهنأ لمعروفه، قَالَ: وعلى هَذَا المعنى أَمْرُهُ بلالا، أن يزيده عَلَى الثمن، زيادة مبهمة فِي الظاهر، فإنه قصد بذلك زيادة الإحسان إليه، منْ غير أن يحصل لغيره تأميل فِي نظير ذلك.

стр. 16988

وتُعُقّب بأنه لو كَانَ المعنى ما ذكر، لكان الحال باقيا فِي التأميل المذكور، عند رده عليه البعير المذكور، والثمن معا. وأجيب بأن حالة السفر غالبا تقتضي قلة الشيء، بخلاف حالة الحضر، فلا مبالاة عند التوسعة منْ طمع الآمل. قَالَ الحافظ: وأقوى هذه الوجوه فِي نظري، ما تقدم نقله عن الإسماعيلي، منْ أنه وَعْدٌ حَلَّ محل الشرط. وأبدى السُّهَيلي فِي قصة جابر ﵁ مناسبة لطيفة، غير ما ذكره الإسماعيلي، مُلَخَّصها: أنه ﷺ ، لَمّا أخبر جابرا بعد قتل أبيه بأحد، أن الله أحياه، وَقَالَ: ما تشتهي فأزيدك؟، أكد ﷺ الخبر بما يشتهيه، فاشترى منه الجمل، وهو مطيته بثمن معلوم، ثم وَفّر عليه الجمل والثمن، وزاده عَلَى الثمن، كما اشترى الله منْ المؤمنين أنفسهم، بثمن هو الجنة، ثم رَدَّ عليهم أنفسهم، وزادهم، كما قَالَ الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. انتهى ملخّصًا منْ "الفتح" ٥/ ٦٦١ - ٦٦٣. وهو بحث نفيس جدًّا، وحاصله ترجيح الاشتراط لجابر ﵁ ليركب جمله إلى المدينة، كما صنع ذلك إمام أهل هذه الصناعة البخاريّ رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): فِي بيان اختلاف الروايات فِي مقدار ثمن الجمل: قد أشار البخاريّ أيضًا فِي كلامه السابق إلى هَذَا الاختلاف، وحاصل الاختلاف عنده: أوقية، وهي رواية الأكثر، كما أشار إليه البخاريّ، وأربعة دنانير، وهي لا تخالفها كما تقدم، وأوقية الذهب، وأربع أواق، وخمس أواق، ومائتا درهم، وعشرون دينارا، هَذَا ما ذكر البخاريّ. ووقع عند أحمد، والبزار، منْ رواية علي بن زيد، عن أبي المتوكل: ثلاثة عشر دينارا، وَقَدْ جمع عياض وغيره، بين هذه الروايات، فَقَالَ: سبب الاختلاف أنهم رووا بالمعنى، والمراد أوقيةُ الذهب، والأربعُ أواق، والخمسُ بقدر ثمن الأوقية الذهب، والأربعة دنانير، مع العشرين دينارا، محمولة عَلَى اختلاف الوزن والعدد، وكذلك رواية الأربعين درهما، مع المائتي درهم، قَالَ: وكأن الإخبار بالفضة عما وقع عليه العقد، وبالذهب عما حصل به الوفاء، أو بالعكس. انتهى، ملخصًا. وَقَالَ الداودي: المراد أوقية ذهب، ويُحمَل عليها قول منْ أطلق، ومن قَالَ: خمس أواق، أو أربع، أراد منْ فضة، وقيمتها يومئذ أوقية ذهب، قَالَ: ويحتمل أن يكون سبب الاختلاف، ما وقع منْ الزيادة عَلَى الأوقية، قَالَ الحافظ: ولا يخفى ما فيه منْ

стр. 16989

التعسف. وَقَالَ القرطبيّ: اختلفوا فِي ثمن الجمل، اختلافا لا يقبل التلفيق، وتَكَلُّفُ ذلك بعيد عن التحقيق، وهو مبني عَلَى أمر، لم يصح نقله، ولا استقام ضبطه، مع أنه لا يتعلق بتحقيق ذلك حكم، وإنما تحصل منْ مجموع الروايات، أنه باعه البعير، بثمن معلوم بينهما، وزاده عند الوفاء، زيادة معلومة، ولا يضر عدم العلم بتحقيق ذلك. قَالَ الإسماعيلي: ليس اختلافهم فِي قدر الثمن بضارّ؛ لأن الغرض الذي سيق الْحَدِيث لأجله، بيان كرمه ﷺ ، وتواضعه، وحُنُوّه عَلَى أصحابه، وبركة دعائه، وغير ذلك، ولا يلزم منْ وَهم بعضهم فِي قدر الثمن، توهينه لأصل الْحَدِيث. قَالَ الحافظ: وما جنح إليه البخاريّ منْ الترجيح أقعد، وبالرجوع إلى التحقيق أسعد, فليعتمد ذلك، وبالله التوفيق. انتهى ملخّصًا منْ "الفتح"، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا، وحاصله ترجيح منْ قَالَ بأن الثمن كَانَ أوقيّة، كما مرّ بيانه آنفًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم الشرط فِي البيع: قد تكلّم الموفّق رحمه الله تعالى فِي "المغني" فِي هذه المسألة، وفصّلها تفصيلاً حسنًا، أحببتُ إيراده هنا ملخّصًا؛ تتميمًا للفائدة، ونشرًا للعائدة: قَالَ رحمه الله تعالى: ما خلاصته: ثبت عن أحمد ﵀، أنه قَالَ: الشرط الواحد لا بأس به، إنما نهُي عن الشرطين فِي البيع، ذهب أحمد إلى ما رَوَى عبد الله بن عمرو، عن النبيّ ﷺ أنه قَالَ: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان فِي بيع، ولا تبع ما ليس عندك" أخرجه أبو داود، والنسائيّ، والترمذي، وَقَالَ: حديث حسن صحيح. قَالَ الأثرم: قيل لأبي عبد الله: إن هؤلاء يكرهون الشرط فِي البيع؟، فنفض يده، وَقَالَ الشرط الواحد، لا بأس به فِي البيع، إنما نَهَى رسول الله ﷺ عن شرطين فِي البيع، وحديث جابر ﵁ يدل عَلَى إباحة الشرط، حين باعه جمله، وشرط ظهره إلى المدينة، واختلف فِي تفسير الشرطين المنهي عنهما، فرُوي عن أحمد أنهما شرطان صحيحان، ليسا منْ مصلحة العقد، فحكى ابن المنذر عنه، وعن إسحاق فيمن اشترى ثوبا، واشترط عَلَى البائع خياطته، وقصارته، أو طعاما، واشترط طحنه وحمله، إن اشترط أحد هذه الأشياء، فالبيع جائز، وإن اشترط شرطين فالبيع باطل، وكذلك فسر القاضي فِي "شرحه" الشرطين المبطلين بنحو منْ هَذَا التفسير. وروى الأثرم عن أحمد تفسير الشرطين أن يشتريها عَلَى أنه لا يبيعها منْ أحد، وأنه يطؤها، ففسره بشرطين فاسدين. وروى عنه إسماعيل بن سعيد فِي الشرطين فِي البيع: أن يقول إذا بعتكها، فأنا أحق بها بالثمن، وأن تخدُمني سنة.

стр. 16990

وظاهر كلام أحمد، أن الشرطين المنهي عنهما، ما كَانَ منْ هَذَا النحو، فأما إن شرط شرطين، أو أكثر منْ مقتضى العقد، أو مصلحته، مثل أن يبيعه بشرط الخيار، والتأجيل، والرهن، والضمين، أو بشرط أن يُسَلِّم إليه المبيع، أو الثمن، فهذا لا يؤثر فِي العقد، وإن كثر. وَقَالَ القاضي فِي "المجرد": ظاهر كلام أحمد أنه متى شرط فِي العقد شرطين بطل، سواء كانا صحيحين، أو فاسدين، لمصلحة العقد، أو لغير مصلحته؛ أخذا منْ ظاهر الْحَدِيث، وعملا بعمومه، ولم يفرق الشافعيّ، وأصحاب الرأي، بين الشرط والشرطين، ورووا أن النبيّ ﷺ ، نَهَى عن بيع وشرط؛ ولأن الصحيح لا يؤثر فِي البيع وإن كثر، والفاسد يؤثر فيه وإن اتحد، والحديث الذي رويناه يدل عَلَى الفرق، ولأن الغرر اليسير إذا احتمل فِي العقد، لا يلزم منه احتمال الكثير، وحديثهم لم يصح، وليس له أصل، وَقَدْ أنكره أحمد، ولا نعرفه مرويا فِي مسند، ولا يعول عليه، وقول القاضي: إن النهي يبقى عَلَى عمومه فِي كل شرطين، بعيد أيضا، فإن شرط ما يقتضيه العقد، لا يؤثر فيه بغير خلاف، وشرط ما هو منْ مصلحة العقد، كالأجل، والخيار، والرهن، والضمين، وشرط صفة فِي المبيع، كالكتابة، والصناعة، فيه مصلحة العقد، فلا ينبغي أن يؤثر أيضا فِي بطلانه، قَلَّت، أو كثرت، ولم يذكر أحمد فِي هذه المسألة شيئا منْ هَذَا القسم، فالظاهر أنه غير مراد له. قَالَ: والشروط تنقسم إلى أربعة أقسام: [أحدها]: ما هو منْ مقتضى العقد، كاشتراط التسليم، وخيار المجلس، والتقابض فِي الحال، فهذا وجوده كعدمه، لا يفيد حكما، ولا يؤثر فِي العقد. [الثاني]: تتعلق به مصلحة العاقدين، كالأجل، والخيار، والرهن، والضمين، والشهادة، أو اشتراط صفة مقصودة فِي المبيع، كالصناعة، والكتابة، ونحوها، فهذا شرط جائز، يلزم الوفاء به، ولا نعلم فِي صحة هذين القسمين خلافا. [الثالث]: ما ليس منْ مقتضاه، ولا منْ مصلحته، ولا ينافي مقتضاه، وهو نوعان: أحدهما: اشتراط منفعة البائع فِي المبيع، فهذا قد مضى ذكره. الثاني: أن يشترط عقدا فِي عقد، نحو أن يبيعه شيئا بشرط أن يبيعه شيئا آخر، أو يشتري منه، أو يُؤَجّره، أو يزوجه، أو يُسلفه، أو يصرف له الثمن أو غيره، فهذا شرط فاسد، يفسد به البيع، سواء اشترطه البائع، أو المشتري. [الرابع]: اشتراط ما ينافي مقتضى البيع، وهو عَلَى ضربين: [أحدهما]: اشتراط ما بني عَلَى التغليب والسراية، مثل أن يشترط البائع عَلَى

стр. 16991

المشتري عتق العبد، فهل يصح عَلَى روايتين: إحداهما: يصح، وهو مذهب مالك، وظاهر مذهب الشافعيّ؛ لأن عائشة ﵂، اشترت بريرة، وشَرَط أهلها عليها عتقها، وولاءها، فأنكر النبيّ ﷺ شرط الولاء، دون العتق. والثانية: الشرط فاسد، وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنه شرط ينافي مقتضى العقد؛ لأنه شرط عليه إزالة ملكه عنه، فأشبه ما لو شرط أن لا يبيعه، وليس فِي حديث عائشة، أنها شرطت لهم العتق، وإنما أخبرتهم بإرادتها لذلك منْ غير شرط، فاشترطوا الولاء. [الضرب الثاني]: أن يشترط غير العتق، مثل أن يشترط أن لا يبيع، ولا يهب، ولا يُعتق، ولا يطأ، أو يشترط عليه أن يبيعه، أو يقفه، أو متى نفق المبيع، وإلا رده، أو إن غصبه غاصب رجع عليه بالثمن، وإن أعتقه فالولاء له، فهذه وما أشبهها شروط فاسدة، وهل يفسد بها البيع عَلَى روايتين: قَالَ القاضي المنصوص عن أحمد: أن البيع صحيح، وهو ظاهر كلام الخرقي هاهنا، وهو قول الحسن، والشعبي، والنخعي، وابن أبي ليلى، وأبي ثور. والثانية: البيع فاسد، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي؛ لأن النبيّ ﷺ ، نهى عن بيع وشرط، ولأنه شرط فاسد، فأفسد البيع، كما لو شرط فيه عقدا آخر، ولأن الشرط إذا فسد وجب الرجوع بما نقصه الشرط منْ الثمن، وذلك مجهول، فيصير الثمن مجهولا, ولأن البائع إنما رضي بزوال ملكه عن المبيع بشرطه، والمشتري كذلك، إذا كَانَ الشرط له، فلو صح البيع بدونه لزال ملكه بغير رضاه، والبيع منْ شرطه التراضي. قَالَ: ولنا ما روت عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: جاءتني بريرة، فقالت: كاتبت أهلي عَلَى تسع أواق، فِي كل عام أوقية، فأعينيني، فقلت: إن أحب أهلك، أن أَعُدَّها لهم عَدَّةً واحدة، ويكون لي ولاؤك فعلت، فذهبت بريرة إلى أهلها، فقالت لهم: فأبوا عليها، فجاءت منْ عندهم، ورسول الله ﷺ جالس، فقالت: إني عرضت عليهم، فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم، فسمع النبيّ ﷺ ، فأخبرت عائشة النبيّ ﷺ ، فَقَالَ: "خذيها، واشترطي الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق"، ففعلت عائشة، ثم قام رسول الله ﷺ فِي النَّاس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قَالَ: "أما بعدما بال رجال، يشترطون شروطا ليست فِي كتاب الله، ما كَانَ منْ شرط ليس فِي كتاب الله، فهو باطل، وإن كَانَ مائة شرط، قضاء الله أحقّ, وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق"، متَّفقٌ عليه، فأبطل الشرط، ولم يبطل العقد، قَالَ ابن المنذر: خبر بريرة ثابت، ولا نعلم خبرا يعارضه، فالقول به يجب. [فإن قيل]: المراد بقوله: "اشترطي لهم الولاء": أي عليهم، بدليل أنه أمرها به،

стр. 16992

ولا يأمرها بفاسد. [قلنا]: لا يصح هَذَا التأويل لوجهين: [أحدهما]: أن الولاء لها بإعتاقها، فلا حاجة إلى اشتراطه. [الثاني]: أنهم أبوا البيع، إلا أن يشترط الولاء لهم، فكيف يأمرها بما يعلم أنهم لا يقبلونه منها، وأما أمره بذلك، فليس هو أمرا عَلَى الحقيقة، وإنما هو صفة الأمر، بمعنى التسوية بين الاشتراط وتركه، كقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٨٠]، وقوله: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ الآية [الطور: ١٦]، والتقدير: واشترطي لهم الولاء، أو لا تشترطي، ولهذا قَالَ عقيبه: "فإنما الولاء لمن أعتق"، وحديثهم لا أصل له، عَلَى ما ذكرنا، وما ذكروه منْ المعنى فِي مقابلة النص، غير مقبول. انتهى كلام الموفّق رحمه الله تعالى "المغني" ٦/ ٣٢١ - ٣٢٦. وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، وَقَدْ تقدّم بأطول مما هنا فِي بحث الإِمام ابن القيّم رحمه الله تعالى فِي ٦٠/ ٤٦١٣، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٤٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ الطَّبَّاعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، عَلَى نَاضِحٍ لَنَا، ثُمَّ ذَكَرْتُ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامًا مَعْنَاهُ: فَأُزْحِفَ الْجَمَلُ، فَزَجَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَانْتَشَطَ حَتَّى كَانَ أَمَامَ الْجَيْشِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا جَابِرُ مَا أَرَى جَمَلَكَ إِلاَّ قَدِ انْتَشَطَ"، قُلْتُ: بِبَرَكَتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "بِعْنِيهِ، وَلَكَ ظَهْرُهُ حَتَّى تَقْدَمَ"، فَبِعْتُهُ، وَكَانَتْ لِي إِلَيْهِ حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، وَلَكِنِّي اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ، فَلَمَّا قَضَيْنَا غَزَاتَنَا، وَدَنَوْنَا اسْتَأْذَنْتُهُ بِالتَّعْجِيلِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، قَالَ: "أَبِكْرًا تَزَوَّجْتَ أَمْ ثَيِّبًا؟ " قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبًا يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، أُصِيبَ، وَتَرَكَ جَوَارِيَ أَبْكَارًا، فَكَرِهْتُ أَنْ آتِيَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا، تُعَلِّمُهُنَّ، وَتُؤَدِّبُهُنَّ، فَأَذِنَ لِي، وَقَالَ لِي: "ائْتِ أَهْلَكَ عِشَاءً"، فَلَمَّا قَدِمْتُ أَخْبَرْتُ خَالِي بِبَيْعِيَ الْجَمَلَ، فَلَامَنِي، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، غَدَوْتُ بِالْجَمَلِ، فَأَعْطَانِي ثَمَنَ الْجَمَلِ، وَالْجَمَلَ وَسَهْمًا مَعَ النَّاسِ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"محمد بن يحيى بن عبد الله": هو الذُّهْليّ النيسابوريّ الإِمام الحافظ [١١]. و"محمد بن عيسى بن الطبّاع": هو البغداديّ، نزيل أَذَنَةَ، ثقة فقيه، أعلم النَّاس بحديث هُشيم [١٠]. و"أبو عَوَانة": هو الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ. و"مغيرة": هو ابن مِقْسَم الضبيّ الكوفيّ. و"الشعبيّ": هو عامر بن شَرَاحيل المذكور فِي السند الماضي. وقوله: "عَلَى ناضح لنا": الناضح: اسم فاعل منْ نضَح البعير الماءَ، منْ بابي

стр. 16993

ضرب، ونَفَع: إذا حمله منْ نهر، أو بئر؛ ليسقي الزرع، فهو ناضح، والأُنثى ناضحةٌ بالهاء، سُمّي ناضحًا؛ لأنه ينضح العطشَ: أي يبُلُّهُ بالماء الذي يحمله، هَذَا أصله، ثم استُعمل الناضح فِي كلّ بعير، وإن لم يحمل الماء. أفاده الفيّوميّ. وقوله: "ثم ذكر الْحَدِيث بطوله": الظاهر كون الفاعل ضمير شيخ المصنّف، ويحتمل أن يكون لغيره. ووقع فِي النسخ المطبوعة، "ثم ذكرت الْحَدِيث بطوله" بضمير المتكلّم، وهو غلط، والصواب ما هنا، كما هو فِي النسخة "الهنديّة"، ولا توجد هذه الجملة فِي "الكبرى"، بل فيه قوله: "وذكر كلامًا: معناه فأُزحف الخ". وقوله: "فأُزحف الجمل": بزاي، وحاء مهملة، وفاء: أي أعيا، ووقف. قَالَ الخطّابيّ: المحدثون يقولونه مفتوح الألف، أي علي بناء الفاعل، والأجود ضمّ الألف، أي علي بناء المفعول، يقال: زحف البعير: إذا قام منْ الإعياء، وأزحفه السير. انتهى. وَقَالَ فِي "المصباح": وزَحَفَ البعيرُ: إذا أَعْيَا فَجَرَّ فِرْسِنَهُ، فهو زَاحِفَةٌ، الهاء للمبالغة، والجمع زَوَاحِفُ، وأزْحَفَ بالألف لغة. انتهى. قَالَ الجامع: يتبين بهذا أن ما قاله المحدثون منْ فتح ألف أَزْحَفَ هو الذي أثبته اللغويون أيضًا، فلا وجه لما قاله الخطّابيّ، فتبصر، والله تعالى أعلم. وقوله: "فانتشط": افتعل، منْ النشاط، يقال: نشِطَ فِي عمله ينشَط، منْ باب تعب نَشَاطًا: خفّ، وأسرع. ووقع فِي "الكبرى" فِي الموضعين بلفظ "انبسط"، والمعنى متقارب. وقوله: "حَتَّى تقدَم" بفتح الدال، منْ باب تعِبَ: أي إلى أن تدخل المدينة. وقوله: "استأذنته بالتعجيل": أي طلبت منه أن يأذن لي فِي التعجّل إلى المدينة، فالباء بمعنى "فِي"، يقال: أذنت له فِي كذا، منْ باب تعب: إذا أطلقت له فعله، وأما أذن بكذا بالباء، فمعناه: علم به، يقال: أذِنت بالشيء: علمت به، ولا يناسب هنا. وقوله: "حديث عهد بعرس": العرس بضم، فسكون: الزِّفَاف، ويذكّر، ويؤنّث، فيقال: هو العُرْس، والجمع أَعراس، مثلُ قُفل وأقفال، وهي العرس، والجمع عُرُسات، ومنهم منْ يقتصر عَلَى إيراد التأنيث. قاله الفيّوميّ. وقوله: "وترك جواري أبكارًا": أي بنات صغارًا. وقوله: "ائت أهلك عِشاء": المراد فِي آخر النهار، وليس المراد أنه يأتيهم ليلاً. وقوله: "وسهمًا مع النَّاس"، ولفظ "الكبرى": "وسهمي مع النَّاس". والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه فِي الْحَدِيث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٤١ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمِ

стр. 16994

بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، وَكُنْتُ عَلَى جَمَلٍ، فَقَالَ: "مَا لَكَ فِي آخِرِ النَّاسِ؟ " قُلْتُ: أَعْيَا بَعِيرِي، فَأَخَذَ بِذَنَبِهِ، ثُمَّ زَجَرَهُ، فَإِنْ كُنْتُ إِنَّمَا أَنَا فِي أَوَّلِ النَّاسِ، يُهِمُّنِي رَأْسُهُ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ، قَالَ: "مَا فَعَلَ الْجَمَلُ؟ بِعْنِيهِ"، قُلْتُ: لَا، بَلْ هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "لَا، بَلْ بِعْنِيهِ"، قُلْتُ: لَا، بَلْ هُوَ لَكَ، قَالَ: "لَا، بَلْ بِعْنِيهِ، قَدْ أَخَذْتُهُ بِوُقِيَّةٍ، ارْكَبْهُ، فَإِذَا قَدِمْتَ الْمَدِينَةَ فَائْتِنَا بِهِ"، فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ جِئْتُهُ بِهِ، فَقَالَ لِبِلَالٍ: "يَا بِلَالُ زِنْ لَهُ أُوقِيَّةً، وَزِدْهُ قِيرَاطًا"، قُلْتُ: هَذَا شَيْءٌ زَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ يُفَارِقْنِي، فَجَعَلْتُهُ فِي كِيسٍ، فَلَمْ يَزَلْ عِنْدِي، حَتَّى جَاءَ أَهْلُ الشَّامِ يَوْمَ الْحَرَّةِ، فَأَخَذُوا مِنَّا مَا أَخَذُوا). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"أبو معاوية": هو محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، أحفظ منْ روى عن الأعمش. و"سالم بن أبي الجعد": هو الأشجعيّ الغطفانيّ الكوفيّ الثقة، واسم أبيه رافع. والسند مسلسل بثقات الكوفيين، وفيه محمد بن العلاء أحد مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. وقوله: "فإن كنت إنما أنا فِي أول النَّاس": أي فإن الشأن كنت الخ. وقوله: "يُهمّني رأسه" بضم حرف المضارعة: أي أخاف أن يتقدّم رأسه عَلَى جمال النَّاس، لشدة إسراعه، فيُهمّني ذلك، وإنما أهمه؛ خوفًا أن لا يتقدّم عَلَى رسول الله ﷺ ، كما بينته الروايات الأخرى. وقوله: "فلم يفارقني"، وفي رواية مسلم: "فقلت: لا تفارقني زيادة رسول الله ﷺ . وقوله: "حَتَّى جاء أهل الشام الخ"، وفي رواية مسلم: "فأخذه أهل الشام يوم الحرّة": يعني حرّة المدينة، أي يوم حارب أهل الشام أهل المدينة فِي الحرّة بفتح الحاء المهملة، وتشديد الراء: موضع بالمدينة، فيه حجارة سُودٌ، ويُطلق عَلَى كلّ أرض، ذات حجارة سُود، والمعنى أن تلك الزيادة أخذها أهل الشام فِي ذلك اليوم الذي كَانَ فيه هناك قتالٌ، ونهبٌ، منهم، وذلك سنة (٦٣) منْ الهجرة. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٤٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أَدْرَكَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَكُنْتُ عَلَى نَاضِحٍ لَنَا، سَوْءٍ، فَقُلْتُ: لَا يَزَالُ لَنَا نَاضِحُ سَوْءٍ، يَا لَهْفَاهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "تَبِيعُنِيهِ يَا جَابِرُ"، قُلْتُ: بَلْ هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، قَدْ أَخَذْتُهُ بِكَذَا وَكَذَا، وَقَدْ أَعَرْتُكَ ظَهْرَهُ إِلَى

стр. 16995

الْمَدِينَةِ"، فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ هَيَّأْتُهُ، فَذَهَبْتُ بِهِ إِلَيْهِ، فَقَالَ: "يَا بِلَالُ أَعْطِهِ ثَمَنَهُ"، فَلَمَّا أَدْبَرْتُ دَعَانِي، فَخِفْتُ أَنْ يَرُدَّهُ، فَقَالَ: "هُوَ لَكَ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، سوى شيخه وهو الجوّاز المكيّ، وهو ثقة. و"سفيان": هو ابن عيينة. والسند منْ رباعيّات المصنّف، وهو (٢٢٧) منْ رباعيات الكتاب، وهو مسلسلٌ بثقات المكيين. وقوله: "ناضح سوء" بفتح السين، وسكون الواو، أو بضم، فسكون، قَالَ الفيّوميّ: وهو رجلُ سوء بالفتح، والإضافة، وعَمَلُ سَوْءِ، فإن عرّفت الأول قلت: الرجلُ السَّوْءُ عَلَى النعت. انتهى. وَقَالَ المجد فِي "القاموس": ساءه سَوْءًا، وسَواءً، وسَواءَةً، وسَوَايَةً، وسَوَائيةً، ومساءَةً، ومَسَائِيَةً، مقلوبًا، وأصله مَسَاوِئَةً، ومَسَايةً، ومَسَاءً، ومَسَاءيةً: فَعَل به ما يُكرَه، فاستاء هو، والسُّوءُ بالضم الاسم منه، قَالَ: ولا خير فِي قول السوء بالفتح والضمّ، إذا فتحت فمعناه: فِي قول قبيح، وإذا ضممت فمعناه: فِي أن تقول سُوءًا، وقُرىء: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ بالوجهين: أي الهزيمة، والشرّ، والرَّدَى، والفساد، وكذا: ﴿أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾، أو المضموم الضرر، والمفتوح الفساد، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ فِي قراءة، ورجلُ سَوْءٍ، ورجل السوء بالفتح، والإضافة. انتهى. وقوله: "يا لهفاه": قَالَ المجد: لَهِفَ، كفرِحَ: حزِن، وتحسّر، كتلهّف عليه، ويا لهفه: كلمة يُتحسّر بها عَلَى فائت، ويقال: يا لَهْفي عليك، ويا لَهْفَ، ويا لَهْفَا، ويا لَهْفَ أرضي وسَمَئي عليك، ويا لَهْفاهُ، ويا لَهْفتاه، ويا لَهْفَتِياه. انتهى "قاموس". وقوله: "هيّأته": أي أعددت ذلك الناضح لأذهب به إلى النبيّ ﷺ . والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق الكلام فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٤٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَنَا عَلَى نَاضِحٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتَبِيعُنِيهِ بِكَذَا وَكَذَا، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَكَ"، قُلْتُ: نَعَمْ هُوَ لَكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَالَ: "أَتَبِيعُنِيهِ بِكَذَا وَكَذَا، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَكَ"، قُلْتُ: نَعَمْ هُوَ لَكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ: قَالَ: "أَتَبِيعُنِيهِ بِكَذَا وَكَذَا، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَكَ"، قُلْتُ: نَعَمْ هُوَ لَكَ، قَالَ أَبُو نَضْرَةَ: وَكَانَتْ كَلِمَةً يَقُولُهَا الْمُسْلِمُونَ، افْعَلْ كَذَا وَكَذَا، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَكَ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وَقَدْ تقدّموا غير مرّة.

стр. 16996

و"أبو المعتمر": هو سليمان بن طَرْخان التيميّ البصريّ الثقة العابد [٤]. و"أبو نضرة": هو المنذر بن مالك بن قُطَعَةَ البصريّ الثقة [٣]. والسند مسلسلٌ بثقات البصريين، وفيه رواية الابن، عن أبيه، ورواية تابعيّ، عن تابعيّ. وقوله: "وكانت كلمة الخ": أي قوله ﷺ : "والله يغفر لك كلمة اعتاد المسلمون قولها عند ما يأمر بعضهم بعضًا، فالكلمة المراد بها الكلام، كما قَالَ ابن مالك: وَكِلْمَةٌ بِهَا كَلَامٌ قَدْ يُؤَمْ والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ, وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٧٨ - (الْبَيْعِ يَكُونُ فِيهِ الشَّرْطُ الْفَاسِدُ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ، وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ) ٤٦٤٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتِ: اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ، فَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا وَلَاءَهَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "أَعْتِقِيهَا، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْطَى الْوَرِقَ"، قَالَتْ: فَأَعْتَقْتُهَا، قَالَتْ: فَدَعَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَخَيَّرَهَا مِنْ زَوْجِهَا، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وَقَدْ تقدّموا غير مرّة. و"جرير": هو ابن عبد الحميد. و"منصور": هو ابن المعتمر. و"إبراهيم": هو ابن يزيد النخعيّ. و"الأسود": هو ابن يزيد النخعيّ، خال إبراهيم. والسند مسلسل بثقات الكوفيين، غير شيخه، فإنه بَغْلانيّ، وفيه ثلاثة منْ التابعين يروي بعضهم عن بعض: منصورٌ، عن إبراهيم، عن الأسود، وفيه رواية الراوي عن خاله، إبراهيم، عن الأسود. وقولها: "اشتريت بريرة": أي أردت شراءها، بدليل الراوية التالية. وقوله: "فإن الولاء لمن أعطى الورِق" الفاء للتعليل، والورق: بفتح، فكسر: الفضّة، والمراد به هنا الثمن، سواء كَانَ فضّةً، أو غيره.

стр. 16997

وقولها: "فخيّرها": أي فِي زوجها، وفيه تخيير الأمة إذا أُعتقت، وإن كَانَ زوجها حرًّا، وهو الصحيح؛ لهذا الْحَدِيث، وَقَالَ الحنفية: لا تُخيّر إلا إذا كَانَ زوجها عبدًا، وَقَدْ تقدّم البحث فِي هَذَا مستوفًى فِي "كتاب الطلاق"، فراجعه تستفد. والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدم فِي "كتاب الزكاة" ٩٩/ ٢٦١٤ وفي "كتاب الطلاق" ٢٩/ ٣٤٧٤. وتقدم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه، تستفد، واستدلال المصنّف عَلَى ما ترجم له واضح؛ لأن البيع صححه النبيّ ﷺ مع أنهم اشترطوا شرطًا باطلاً، فدلّ أن الشرط الباطل لا يبطل البيع، بل يبطل هو بنفسه، فإنه ﷺ أبطل شرطهم، مع تصحيحه العقد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٤٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ، قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ، يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ لِلْعِتْقِ، وَأَنَّهُمُ اشْتَرَطُوا وَلَاءَهَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اشْتَرِيهَا فَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ"، وَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلَحْمٍ، فَقِيلَ: هَذَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: "هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ"، وَخُيِّرَتْ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. والسند مسلسل بثقات البصريين إلى شعبة، والباقون مدنيون، وفيه رواية الراوي عن أبيه، عن عمّته، وفيه القاسم أحد الفقهاء السبعة، وفيه شيخ المصنّف أحد مشايخ الستّة بلا واسطة. و"محمد": هو ابن جعفر غُندر. وقوله: "هو لها صدقة الخ": يشير إلى أن تبدّل الأسماء يبدّل الأحكام، فإنه لما كَانَ فِي يدها كَانَ صدقة، فحرم عَلَى رسول الله ﷺ ، وأهل بيته، فلما أهدته إليهم، فصار هديّة، تغير حكمه، فصار حلالاً لهم. وقولها: "وخُيّرت": أي خيّرها النبيّ ﷺ فِي البقاء مع زوجها، أو فراقها له. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه فيما قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٤٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ عَائِشَةَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً تَعْتِقُهَا، فَقَالَ أَهْلُهَا: نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ الْوَلَاءَ لَنَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.

стр. 16998

و"مالك": هو ابن أنس الإِمام المدنيّ. والسند منْ رباعيّات المصنّف، وهو (٢٢٨) منْ رباعيات الكتاب، وهو أصح أسانيد ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أو أصحّ الأسانيد مطلقًا، عَلَى ما نُقل عن البخاريّ رحمه الله تعالى. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٧٩ - (بَيْعُ الْمَغَانِمِ قَبْلَ أَنْ تُقْسَمَ) ٤٦٤٧ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْمَغَانِمِ، حَتَّى تُقْسَمَ، وَعَنِ الْحَبَالَى أَنْ يُوطَأْنَ، حَتَّى يَضَعْنَ مَا فِي بُطُونِهِنَّ، وَعَنْ لَحْمِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ"). رجال هَذَا الإسناد: ثمانية: ١ - (أحمد بن حفص بن عبد الله) السلميّ النيسابوريّ، أبو عليّ بن أبي عمرو، صدوق [١١] ٧/ ٤٠٩. ٢ - (أبوه) حفص بن عبد الله بن راشد السلميّ، أبو عمر النيسابوريّ، قاضيها، صدوقٌ [٩] ٧/ ٤٠٩. ٣ - (إبراهيم) بن طهمان الخراسانيّ، أبو سعيد، سكن بيسابور، ثم مكة، ثقة يُغْرب، وتُكلّم فيه للإرجاء، ويقال: رجع عنه [٧] ٧/ ٤٠٩. ٤ - (يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقة ثبت [٥] ٢٢/ ٢٣. ٥ - (عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص المدنيّ، أو الطائفيّ، صدوق [٥] ١٠٥/ ١٤٠. ٦ - (عبد الله بن أبي نَجيح) أبو يسار الثقفيّ مولاهم المكيّ، واسم أبيه يسار، ثقة رُمي بالقدر، وربما دلّس [٦] ١١٢/ ١٥٥. ٧ - (مجاهد) بن جبر، أبو الحجاج المخزومي المكيّ الإمام الثقة المشهور [٣] ٢٧/ ٣١.

стр. 16999

٨ - (ابن عباس) عبد الله البحر الحبر رضي الله تعالى عنهما ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ ثمانيات المصنّف رحمه الله تعالى فهو منْ الأسانيد النازلة. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير عمرو بن شعيب، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أن رواية عمرو بن شعيب عن عبد الله بن أبي نجيح منْ رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن عمرًا منْ التابعين منْ الطبقة الخامسة، وعبد الله منْ تابعيّ التابعين منْ الطبقة السادسة، ورواية يحيى عن عمرو منْ رواية الأقران؛ لأنهما منْ الطبقة الخامسة. (ومنها): أن فيه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما منْ العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْمَغَانِمِ) بفتح الميم: جمع مغنم بفتح، فسكون: بمعنى الغنيمة، وهي ما نِيل منْ أهل الشرك عَنْوةً، والحرب قائمةٌ، والفيء: ما نِيل منهم بعد أن تضع الحرب أوزارها. قاله الفيّوميّ (حَتَّى تُقْسَمَ) بالبناء للمفعول، وإنما نهى عن بيعها؛ لعدم تمام ملك صاحبها قبل القسمة، إذ لا يدري كلّ غانم قبل القسمة ما يدخل فِي سهمه، فلو باع سهمه قبل ذلك، فقد باع المجهول (وَعَنِ الْحَبَالَى) بفتح الحاء المهملة، وتخفيف الموحّدة: جمع حُبْلى بضم، فسكون، يقال: حَبِلت المرأة حَبَلاً، منْ باب تعِب: إذا حَمَلت بالولد، فهي حُبْلَى، والجمع حُبْلَياتٌ، وحَبَالَى (أَنْ يُوطَأْنَ، حَتَّى يَضَعْنَ مَا فِي بُطُونهِنَّ) فيه تحريم وطأ المرأة المسبيّة، ونحوها إذا كانت حاملاً حَتَّى تلد، وَقَدْ أخرج أبو داود بإسناد صحيح، منْ طريق حنش الصنعانيّ، عن رويفع ابن ثابت الأنصاريّ، قَالَ: قام فينا خطيبا، قَالَ: أما إني لا أقول لكم إلا ما سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: يوم حنين، قَالَ: "لا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر، أن يسقي ماءه زرع غيره يعني إتيان الحبالى- ولا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر، أن يقع عَلَى امرأة منْ السبي، حَتَّى يستبرئها, ولا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر، أن يبيع مَغْنَمًا حَتَّى يقسم". وأخرج الترمذيّ، منْ طريق بسر بن عبيد الله، عن رويفع بن ثابت، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "منْ كَانَ يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يِسقِ ماءه ولد غيره". قَالَ أبو عيسى: هَذَا حديث حسن، وَقَدْ رُوي منْ غير وجه، عن رويفع بن ثابت، والعمل عَلَى هَذَا، عند أهل العلم، لا يرون للرجل إذا اشترى جارية، وهي حامل أن يطأها حَتَّى تضع.

стр. 17000

(وَعَنْ لَحْمِ كُلِّ ذِي نَابٍ) الناب السنّ الذي خلف الرباعية (مِنَ السَّبَاعِ) كالأسد، والذئب، والفهد، وأمثالها، مما يعدو عَلَى النَّاس بأنيابه، وَقَدْ تقدم البحث فِي هَذَا مستوفًى فِي "كتاب الصيد والذبائح" ٢٨/ ٤٣٢٦ - فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. والحديث صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٧٩/ ٤٦٤٧ - وفي "الكبرى" ٨٠/ ٦٢٤١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. … ٨٠ - (بَيْعُ الْمُشَاعِ) ٤٦٤٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ: رَبْعَةٍ، أَوْ حَائِطٍ، لَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ بَاعَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤْذِنَهُ"). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (عمرو بن زُرارة) بن واقد الكلابيّ، أبو محمد النيسابوريّ ثقة ثبت [١٠] ٧/ ٣٦٨. ٢ - (إسماعيل) بن إبراهيم بن مقسم المعروف بابن عُليّة البصريّ، ثقة ثبت [٨] ١٨/ ١٩. ٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلس [٦] ٢٨/ ٣٢. ٤ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوق، يدلّس [٤] ٣١/ ٣٥. ٥ - (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام رضي الله تعالى عنهما ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين منْ ابن جريج، وشيخُهُ، نيسابوريّ، وإسماعيلُ بصريّ. (ومنها): أن فيه جابرًا ﵁ منْ المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.

стр. 17001

شرح الْحَدِيث (عَنْ جَابِرٍ) ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ) جملة منْ مبتدإ وخبر، و"الشفعة": بضم الشين المعجمة، وسكون الفاء، وغلط منْ حرّكها: لغةً مأخوذة منْ الشَّفْع، وهو الزوج، وقيل: منْ الزيادة، وقيل: منْ الإعانة، وشرعًا: انتقال حصّة شريك إلى شريك، كانت انتقلت إلى أجنبيّ بمثل العوض المسمّى، ولم يختلف العلماء فِي مشروعيّتها، إلا ما نقل عن أبي بكر الأصمّ منْ إنكارها. قاله فِي "الفتح" ٥/ ١٩٢. وقوله: "فِي كلّ شرك" بكسر أوله، وسكون الراء: أي مشترَك، وقوله (رَبْعَةٍ) بالجرّ بدلٌ منْ "شرك"، و"الربعة": بفتح، فسكون: المسكن، والدار. وَقَالَ القرطبيّ: الربعة تأنيث الرَّبْع، وهو المنزل، وإنما قيل للمنزل: رَبْعٌ؛ لأن الإنسان يربع فيه: أي يقيم، يقال: هذه ربع، وهذه ربعة، كما يقال: دارٌ، ودارةٌ. انتهى "المفهم" ٤/ ٥٢٤. (أَوْ حَائِطٍ) أي بستان النخل (لَا يَصْلُحُ) بضم اللام، وفتحها، منْ باب كرُم، ونفع، وفي الرواية الآتية فِي ١٠٨/ ٤٧٠٣ - : "لا يحلّ له أن يبيعه حَتَّى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك" (لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ) بضم حرف المضارعة، منْ الإيذان، وهو الإعلام: أي حَتَّى يُعلمه، قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: هو محمول عَلَى الإرشاد إلى الأولى، بدليل قوله: "فإن باع، ولم يؤذنه الخ"، ولو كَانَ ذلك عَلَى التحريم لذمّ البائع، ولفسخ البيع، لكنه أجازه، وصححه، ولم يذمّ الفاعل، فدلّ عَلَى ما قلناه، وَقَدْ قَالَ بعض شيوخنا: إن ذلك يجب عليه. انتهى "المفهم" ٤/ ٥٢٧. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله بعض المشايخ هو الحقّ، فيجب عليه أن يعلمه، ولا يستلزم ترك الواجب عَلَى بطلان البيع، كما مرّ تقريره فِي بيع المصرَّاة، وتلقّي الجلب، فلا تغفل. والله تعالى أعلم. (شَرِيكَهُ) قَالَ القرطبيّ: هو عموم فِي المسلم، والذميّ، وهو قول مالك، والشافعيّ، وأبي حنيفة، وحكي عن الشعبيّ، والثوريّ: أنه لا شفعة للذميّ؛ لأنه صاغرٌ، وهو قول أحمد، والصواب الأول؛ للعموم، ولأنه حقّ جرى بسببه، فيترتّب عليه حكمه منْ استحقاق طلبه، وأخذه، كالدين، وأرش الجناية. انتهى. (فَإِنْ بَاعَ) أي منْ غير أن يُعلمه (فَهُوَ) أي الشريك (أَحَقُّ بِهِ) يعني أن الشريك أحقّ بأخذ المبيع بالثمن الذي اشتراه به المشتري، منْ عين، أو عَرض، نقدًا، أو إلى أجل، وهو قول مالك، وأصحابه. وذهب أبو حنيفة، والشافعيّ: إلى أنه لا يشفع إلى الأجل، وأنه إن شاء شفع بالنقد، وإن شاء صبر إلى الأجل، فيشفع عنده. قاله فِي "المفهم" ٤/ ٥٢٨.

стр. 17002

(حَتَّى يُؤْذِنَهُ) الظاهر أن الضمير المرفوع للشريك، والمنصوب للبائع، أي حَتَّى يُعلم الشريك البائع بتركه، يعني أنه أحق بالشفعة، إلى أن يعلن بالترك، فإذا ترك، فالبيع ثابت للمشتري. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث جابر ﵁ هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٨٠/ ٤٦٤٨ و١٠٧/ ٤٧٠٢ و١٠٨/ ٤٧٠٣ و١٠٩/ ٤٧٠٧ - وفي "الكبرى" ٨١/ ٦٢٤٢ و١٠٩/ ٦٢٩٩ و١١٠/ ٦٣٠٠ و١١١/ ٦٣٠٤. وأخرجه (خ) فِي "البيوع" ٢٢١٤ و"الشفعة" ٢٢٥٧ و"الشركة" ٢٤٩٥ و٢٤٩٦ و"الحيل" ٦٩٧٦ (م) فِي "البيوع" ١٦٠٨ (د) فِي "البيوع" ٣٥١٢ و٣٥١٤ (ت) فِي "الأحكام" ١٣٧٠ (ق) فِي "الأحكام" ٢٤٩٩ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١٣٧٤٢ و١٣٨٤١ و١٣٩١٥ و١٣٩٢٩ و١٣٩٩٤ و١٤٤٤٠ و١٤٥٨١ و١٤٦٧٥ (الدارمي) فِي "البيوع" ٢٥١٤. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم بيع المشاع، وهو أنه يجب عَلَى الشريك إذا أراد أن يبيع نصيبه استئذان شريكه، فإن باع بدون استئذان، فلشريكه أن يأخذه بالعوض المسمّى. (ومنها): ثبوت الشفعة للشريك، وهذا مما لا خلاف فيه، إلا قولاً شاذًّا، كما تقدّم. (ومنها): مراعاة الشرع حقوق المسلمين، وحرمتهم، فجعل للشريك عَلَى شريكه حقّا فِي ملكه، بحيث لا يحلّ له بيعه إلا بإذنه؛ لأن فيه إدخال ضرر عليه إذا باعه ممن لا يراعي حقوق الجوار. وسيأتي البحث عن أحكام الشفعة فِي بابها مستوفًى، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". ***

стр. 17003

٨١ - (التَّسْهِيلُ فِي تَرْكِ الإِشْهَادِ عَلَى الْبَيْعِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه استدلال المصنّف رحمه الله تعالى بحديث الباب عَلَى الترجمة، منْ حيث أنه ﷺ اشترى منْ ذلك الأعرابيّ فرسه، ولم يُشهد عَلَى ذلك، ولذا لما جحده البيع، طالبه بالإشهاد، لظنه أنه لا يجد منْ يشهد له عَلَى ذلك؛ لعدم إشهاده حال البيع، وسيأتي تحقيق الخلاف فِي وجوب الإشهاد فِي المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. ٤٦٤٩ - (أَخْبَرَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ مَرْوَانَ بْنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عِمْرَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى -وَهُوَ ابْنُ حَمْزَةَ- عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، أَنَّ الزُّهْرِيَّ أَخْبَرَهُ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ، أَنَّ عَمَّهُ حَدَّثَهُ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، ابْتَاعَ فَرَسًا مِنْ أَعْرَابِيٍّ، وَاسْتَتْبَعَهُ لِيَقْبِضَ ثَمَنَ فَرَسِهِ، فَأَسْرَعَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبْطَأَ الأَعْرَابِيُّ، وَطَفِقَ الرِّجَالُ يَتَعَرَّضُونَ لِلأَعْرَابِيِّ، فَيَسُومُونَهُ بِالْفَرَسِ، وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ابْتَاعَهُ، حَتَّى زَادَ بَعْضُهُمْ فِي السَّوْمِ عَلَى مَا ابْتَاعَهُ بِهِ مِنْهُ، فَنَادَى الأَعْرَابِيُّ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ مُبْتَاعًا هَذَا الْفَرَسَ، وَإِلاَّ بِعْتُهُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ ، حِينَ سَمِعَ نِدَاءَهُ، فَقَالَ: "أَلَيْسَ قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ؟ "، قَالَ: لَا، وَاللَّهِ مَا بِعْتُكَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ"، فَطَفِقَ النَّاسُ يَلُوذُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَبِالأَعْرَابِيِّ، وَهُمَا يَتَرَاجَعَانِ، وَطَفِقَ الأَعْرَابِيُّ يَقُولُ: هَلُمَّ شَاهِدًا يَشْهَدُ أَنِّي قَدْ بِعْتُكَهُ، قَالَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ: أَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بِعْتَهُ، قَالَ: فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خُزَيْمَةَ، فَقَالَ: "لِمَ تَشْهَدُ؟ " قَالَ: بِتَصْدِيقِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ، شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ). رجال هَذَا الإسناد: سبعة: ١ - (الهيثم بن مروان بن الهيثم) العنسيّ، أبو الحكم الدمشقيّ، مقبول [١١] ٣/ ٣٧٢٢ منْ أفراد المصنّف. ٢ - (محمد بن بكّار) أبو عبد الله الدمشقيّ القاضي، صدوقٌ [٩] ٣/ ٣٧٢٢. ٣ - (يحيى بن حمزة) أبو عبد الرحمن الدمشقيّ القاضي، ثقة رمي بالقدر [٨] ٦٠/ ١٧٦٨. ٤ - (الزُّبيديّ) محمد بن الوليد، أبو الهذيل الحمصيّ القاضي، ثقة ثبت حافظ، منْ أثبت أصحاب الزهريّ [٧] ٤٥/ ٥٦. ٥ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإِمام الحجة الثبت المدنيّ [٤] ١/ ١.

стр. 17004

٦ - (عمارة بن خزيمة) بن ثابت الأنصاريّ الأوسيّ، أبو عبد الله، أو أبو محمد المدنيّ، ثقة [٣]، مات سنة (١٠٥) وهو ابن (٧٥) سنة، تقدّم فِي ١٦/ ١٦. ٧ - (عمه) رضي الله تعالى عنه، سيأتي الكلام عليه قريبًا. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين إلى الزبيديّ، وبالمدنيين بعده. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ) الأنصاريّ رحمه الله تعالى (أَنَّ عَمَّهُ حَدَّثَهُ) قَالَ ابن سعد رحمه الله تعالى فِي "الطبقات": لم يسم لنا أخو خزيمة بن ثابت، الذي رَوَى هَذَا الْحَدِيث، وكان له أخوان، يقال لأحدهما: وَحْوَح، وللآخر عبد الله انتهى (وَهُوَ) أي عمه الذي حدّثه (مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ابتاع) أي اشترى (فرسا منْ أعرابي) اسمه سواء بن قيس المحاربي، واسم الفرس الْمُرْتَجِز، قَالَ ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، سألت محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حثمة، عن المرتجز؟ فَقَالَ: هو الفرس الذي اشتراه رسول الله ﷺ منْ الأعرابيّ، الذي شهد فيه خزيمة بن ثابت، وكان الأعرابيّ منْ بني مرة. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: محمد بن عمر هو الواقديّ، وهو ضعيف. وَقَالَ الحافظ المنذري رحمه الله تعالى: وهذا الأعرابيّ: هو سواء بن الحارث، وقيل: سواء بن قيس المحاربي، ذكره غير واحد فِي الصحابة. وقيل: إنه جحد البيع بأمر بعض المنافقين. وقيل: إن هَذَا الفرس هو المرتجز المذكور، فِي أفراس رسول الله ﷺ انتهى كلام المنذري. قَالَ فِي "القاموس": فِي باب الزاي، وفصل الراء: الْمُرْتَجِز بن الْمُلاءَة: فرس للنبي ﷺ ، سُمي به لحسن صَهِيله، اشتراه منْ سَوَاء بن الحارث بن ظالم. انتهى. (وَاسْتَتْبَعَهُ) ولأبي داود: "فاستتبعه" بالفاء: أي طلب النبيّ ﷺ منْ ذلك الأعرابيّ أن يتبعه إلى بيته (لِيَقْبِضَ ثَمَنَ فَرَسِهِ) ويحتمل أن يكون الفاعل ضمير الأعرابيّ، والمفعول ضمير النبيّ ﷺ : يعني أن ذلك الأعرابيّ طلب منه ﷺ أن يتبعه إلى بيته حَتَّى يقبض منه ثمن ذلك الفرس، والأول أقرب (فَأَسْرَعَ النَّبِيُّ ﷺ ) أي فِي المشي (وَأَبْطَأَ الْأَعْرَابِيُّ) أي تأخّر عنه، وهذا هو السبب فِي مساومة الرجال فرسه، حيث لم يروا النبيّ ﷺ معه، ولم

стр. 17005

يعلموا بشرائه منه (وَطَفِقَ) بكسر الفاء، وفتحها، منْ بابي فرِحَ، وضرب، يقال: طفق يفعل كذا طَفْقًا، وطُفُوقًا: إذا واصل الفعل، خاصّ بالإثبات، فلا يقال: ما طفق، وطفق بمراده: ظفِر به، وأطفقه الله به، وطفق الموضعَ، كفرح: لزمه. قاله فِي "القاموس"، والمعنى هنا: أخذ، وشرع (الرِّجَالُ) ولأبي داود: "رجال" بالتنكير (يَتَعَرَّضُونَ لِلْأَعْرَابِيِّ) أي يتصدّون له، يقال: تعرّض للمعروف، وتعرّضه، يتعدّى بنفسه، وبالحرف: إذا تصدّى له، وطلبه. قاله فِي "المصباح" (فَيَسُومُونَهُ بالْفَرَسِ) أي يطلبون أن يبيعه لهم، قَالَ الفيّوميّ: وسام البائع السلعةَ سَوْمًا، منْ باب قَالَ: عرَضَها للبيع، وسامها المشتري، واستامها: طلب بيعها، قَالَ: وَقَدْ تزاد الباء فِي المفعول، فيقال: سُمْتُ به. انتهى. ولفظ أبي داود: "فيساومونه بالفرس" (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) أي لا يعلمون (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ابْتَاعَهُ) أي اشترى ذلك الفرس، منْ الأعرابيّ، ولذا ساوموه (حَتَّى زَادَ بَعْضُهُمْ فِي السَّوْمِ عَلَى مَا ابْتَاعَهُ بِهِ مِنْهُ) أي عَلَى الثمن الذي اشترى به رسول الله ﷺ الفرس منْ الأعرابيّ (فَنَادَى الأَعْرَابِيُّ النَّبِيَّ ﷺ ) يعني أنه لما وجد منْ زاده فِي الثمن ناداه ﷺ ، كأنه سامه قبل هَذَا, ولم يشتره منه (فَقَالَ) الأعرابيّ (إِنْ كُنْتَ مُبْتَاعًا) أي مريدًا أن تشتري (هَذَا الْفَرَسَ) وجواب "إن" محذوف، دلّ عليه السياق: أي فعجّل بالشراء (وَإِلَّا بِعْتُهُ) أي منْ غيرك (فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ ، حِينَ سَمِعَ نِدَاءَهُ، فَقَالَ: "أَلَيْسَ قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ؟ ") ولفظ أبي داود: "أو ليس قد ابتعته منك" (قَالَ) الأعرابيّ (لَا، وَاللَّهِ مَا بِعْتُكَهُ) أي لم أبعه منك قبل هَذَا (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ") ولأبي داود: "بلى قد ابتعته منك" (فَطَفِقَ النَّاسُ يَلُوذُونَ) أي يتعلّقون (بالنَّبِيِّ ﷺ ، وَبِالْأَعْرَابِيِّ) ليسمعوا مكالمتهما (وَهُمَا يَتَرَاجَعَانِ، وَطَفِقَ الْأَعْرَابِيُّ يَقُولُ: هَلُمَّ) أي هات، وأحضر (شَاهِدًا، يَشْهَدُ أَنِّي قَدْ بِعْتُكَهُ) وزاد ابن سعد: "فمن جاء منْ المسلمين قَالَ للأعرابيّ: ويلك إن رسول الله ﷺ لم يكن ليقول إلا حقًّا" (قَالَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِت) بن الفاكه بن ثعلبة بن ساعدة الأنصاريّ الْخَطْميّ، أبو عمارة المذنيّ، ذو الشهادتين، قَالَ ابن سعد: كَانَ هو وعُمير بن عدىّ بن خَرَشَة يكسران أصنام بني خَطْمة. وَقَالَ أبو معشر المدنيّ، عن محمد بن عُمارة بن خُزيمة بن ثابت: ما زال جدّي كافًّا سلاحه يوم صِفّين حَتَّى قُتل عمّار ﵁، فسلّ سيفه، وقاتل حَتَّى قُتل، وذلك سنة (٣٧). وذكر ابن عبد البرّ، والترمذيّ قبله، واللالكائيّ أنه شهد بدرًا، وأما أصحاب المغازي، فلم يذكروه فِي البدريين، وَقَالَ العسكريّ: وأهل المغازي لا يُثبتون أنه شهد أحدًا، وشهد المشاهد بعدها (أَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بِعْتَهُ) أي بعت الفرس للنبيّ ﷺ (قَالَ: فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خُزَيْمَةَ، فَقَالَ: "لِمَ تَشْهَدُ؟) ولأبي داود: "بم تشهد؟ "، وزاد ابن سعد: "ولم تكن معنا"

стр. 17006

(قَالَ) خزيمة ﵁ (بِتَصْدِيقِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) أي بمعرفتي أنك صادق فِي كلّ ما تقول، أو بسبب أني صدّقتك فِي أنك رسول، ومعلومٌ منْ حال الرسول عدم الكذب فيما يُخبر، ولاسيّما فِي أمر الدنيا الحقيرة. وزاد ابن سعد: "أنا أصدّقك بخبر السماء، ولا أصدّقك بما تقول؟ "، وفي لفظ: "أعلم أنك لا تقول إلا حقّا، قد آمناك عَلَى أفضل منْ ذلك عَلَى ديننا". (قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ، شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ) قَالَ السنديّ: أي فحكم بذلك، وشرع فِي حقّه، إما بوحي جديد، أو بتفويض مثل هذه الأمور إليه منه تعالى، والمشهور أنه ردّ الفرس بعد ذلك عَلَى الأعرابيّ، فمات منْ ليلته عنده. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: مات منْ ليلته، هَذَا يخالف ما تقدّم فِي كلام المنذريّ، وغيره منْ أنه قيل: إنه هو المرتجز الفرس المعروف فِي أفراس رسول الله ﷺ . والله تعالى أعلم. وَقَالَ الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: قد حصل لذلك تأثير فِي مُهِمّ ديني، وقع بعد وفاته ﷺ ، وذلك فيما رَوَى ابن أبي شيبة فِي "المصاحف" عن الليث بن سعد، قَالَ: أول منْ جمع القرآن أبو بكر، وكتبه زيد بن ثابت، وكان النَّاس يأتون زيد بن ثابت، فكان لا يكتب آية، إلا بشاهدي عدل، وإن آخر سورة براءة، لم توجد إلا مع خزيمة بن ثابت، فَقَالَ: اكتبوها، فإن رسول الله ﷺ جعل شهادته بشهادة رجلين، فكَتَبَ، وإن عمر أَتَى بآية الرجم، فلم يكتبها؛ لأنه كَانَ وحده. انتهى. وَقَالَ الخطّابيّ رحمه الله تعالى: هَذَا حديث يضعفه كثير منْ النَّاس غيرَ موضعه، وَقَدْ تَذَرَعّ به قوم منْ أهل البدع، إلى استحلال الشهادة، لمن عرف عنده بالصدق، عَلَى كل شيء ادعاه، وإنما وجه الْحَدِيث، ومعناه أن النبيّ ﷺ ، إنما حكم عَلَى الأعرابيّ بعلمه، إذ كَانَ النبيّ ﷺ صادقًا بارا فِي قوله، وجرت شهادة خزيمة فِي ذلك، مجرى التوكيد لقوله، والاستظهار بها عَلَى خصمه، فصارت فِي التقدير شهادته له، وتصديقه إياه عَلَى قوله، كشهادة رجلين فِي سائر القضايا. انتهى. قَالَ صاحب "العون": شهادة خزيمة، قد جعلها رسول الله ﷺ بشهادتين، دون غيره ممن هو أفضل منه، وهذا لِمُخَصِّص اقتضاه، وهو مبادرته، دون منْ حضره منْ الصحابة، إلى الشهادة لرسول الله ﷺ ، وَقَدْ قَبِل الخلفاء الراشدون شهادته وحده، وهي خاصة له. انتهى. وَقَالَ العلّامة ابن القيّم رحمه الله تعالى: وَقَدْ احتجّ بحديث خزيمة منْ يرى أن للحاكم أن يحكم بعلمه، قَالَ: وجرت شهادة خزيمة فِي ذلك مجرى التوكيد،

стр. 17007

والاستظهار، ولهذا لم يكن معها يمين. وهذا القول باطلٌ، والنبيّ ﷺ إنما أمضى البيع بشهادة خزيمة، وجعلها بمنزلة شاهدين؛ لأن شهادة خزيمة عَلَى البيع، ولم يره، استندت إلى أمر هو أقوى منْ الرؤية، وهو تصديق رسول الله ﷺ بالبراهين الدّالّة عَلَى صدقه، وأن كلّ ما يُخبر به حقّ، وصدقٌ قطعًا، فلما كَانَ منْ المستقرّ عنده أنه الصادق فِي خبره، البارّ فِي كلامه، وأنه يستحيل عليه غير ذلك البتّة، كَانَ هَذَا منْ أقوى التحمّلات، فجزم بأنه بايعه، كما يجزم لو رآه، وسمعه، بل هذه الشهادة مستندة إلى محض الإيمان, وهي منْ لوازمه، ومقتضاه، ويجب عَلَى كلّ مسلم أن يشهد بما شهد به خزيمة، فلما تميّزت عن شهادة الرؤية والحسّ التي يشترك فيها العدول وغيره، أقامها النبيّ ﷺ مقام شهادة رجلين. انتهى "تهذيب السنن" ٥/ ٢٢٣ - ٢٢٤. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي قاله ابن القيّم رحمه الله تعالى هو عين التحقيق، وحاصله أن شهادة خزيمة ﵁ شهادة حقيقيّة، أقامها الشارع مقام شهادة رجلين، لتوفّر شروطها عَلَى الوجه الأكمل، فليس حكمه ﷺ بثبوت هَذَا البيع لمجرّد علمه، بل لوجود الشهادة المعتبرة التي طلبها منه خصمه اللدود. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث عم عمارة بن خزيمة ﵁ هَذَا صحيح. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٨١/ ٤٦٤٩ - وفي "الكبرى" ٨٢/ ٦٢٤٣. وأخرجه (د) فِي "الأقضية" ٢٦٠٧. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان التسهيل فِي ترك الشهادة عَلَى البيع التي أمر الله تعالى بها فِي كتابه العزيز بقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ الآية, [البقرة: ٢٨٢] فإنه أمر بالإشهاد، والأمر يقتضي الوجوب، فأراد المصنّف رحمه الله تعالى أن هَذَا الْحَدِيث يصرفه عن الوجوب إلى الاستحباب، حيث إن النبيّ ﷺ اشترى منْ هَذَا الأعرابيّ الفرس بغير إشهاد، ولذلك طالبه أن يُشهد عَلَى البيع، حيث تأكّد أنه لم يُشهد عليه، إلا أن خزيمة ﵁ بادر بنصره، وتعزيره؛ أداءا لما أوجب الله تعالى عليه، بقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٨، ٩]، وَقَالَ سبحانه

стр. 17008

وتعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. (ومنها): أن فيه منقبة عظيمة لخزيمة بن ثابت ﵁، حيث عدلت شهادته وحده بشهادة رجلين منْ المسلمين، وليس ذلك لأحد غيره منْ الصحابة الكرام ﵃، فضلاً عن غيرهم منْ الأنام، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. (ومنها): ما كَانَ عليه النبيّ ﷺ منْ مزاولة أمور الدنيا بنفسه الشريفة، مع أن أصحابه يتسابقون فِي قضائها, ولكنه لا يريد ذلك، بل يتولاها بنفسه، تواضعًا، وتشريعًا لأمته ﷺ . (ومنها): تأدّب الصحابة ﵃ مع علمهم بأنه ﷺ قد اشتراه حقّا، إلا أنهم ما أقدموا عَلَى الشهادة له؛ لما يعلمون منْ أن الشهادة يشترط فيها حضور الشاهد القضيّة التي يشهد بها، معاينة، لا علمًا، وهذا هو الأصل، إلا أن خزيمة ﵁ أُلهم ما هو أفضل منْ ذلك، وهو أن تصديقه بما قَالَ ﷺ ، أشدّ ثبوتًا، وتحقّقًا مما يشاهده هو بنفسه، فكان الحقّ معه ﵃ جميعًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي وجوب الإشهاد عَلَى البيع: قَالَ أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى فِي "تفسيره": ما حاصله: اختلف النَّاس هل الإشهاد عَلَى البيع عَلَى الوجوب، أو الندب، فَقَالَ أبو موسى الأشعري، وابن عمر، والضحاك، وسعيد بن المسيب، وجابر بن زيد، ومجاهد، وداود بن علي، وابنه أبو بكر: هو عَلَى الوجوب، ومن أشدهم فِي ذلك عطاء، قَالَ: أَشْهِد إذا بعت، وإذا اشتريت بدرهم، أو نصف درهم، أو ثلث درهم، أو أقل منْ ذلك، فإن الله ، يقول: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾، وعن إبراهيم قَالَ: أَشهِد إذا بعت، واشتريت، ولو دَسْتَجَة (١) بَقْل، وممن كَانَ يذهب إلى هَذَا، ويرجحه الطبري، وَقَالَ: لا يحل لمسلم إذا باع، وإذا اشترى، إلا أن يُشهد، وإلا كَانَ مخالفا كتاب الله ، وكذا إن كَانَ إلى أجل، فعليه أن يكتب، ويشهد إن وجد كاتبا. وذهب الشعبي، والحسن، إلى أن ذلك عَلَى الندب والإرشاد، لا عَلَى الحتم، ويحكى أن هَذَا قول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، وزعم ابن العربي: أن هَذَا قول الكافة، قَالَ: وهو الصحيح، ولم يُحكَ عن أحد، ممن قَالَ بالوجوب، إلا الضحاك، قَالَ: وَقَدْ باع النبيّ ﷺ ، وكتب، قَالَ: ونسخةُ كتابه: "بسم الله الرحمن الرحيم، هَذَا ما اشترى العَدّاء بن خالد بن هَوْذَة

стр. 17009

منْ محمد رسول الله ﷺ ، اشترى منه عبدا، أو أمة، لا داء، ولا غائلة، ولا خِبْثة، بيع المسلم المسلمَ". وَقَدْ باع، ولم يُشهد، واشترى، ورَهَن درعه عند يهودي، ولم يُشهِد، ولو كَانَ الإشهاد أمرا واجبا، لوجب مع الرهن؛ لخوف المنازعة. قَالَ القرطبيّ: قد ذكرنا الوجوب عن غير الضحاك، وحديثُ العَدّاء هَذَا، أخرجه الدارقطنيّ، وأبو داود، وكان إسلامه بعد الفتح وحنين، وهو القائل: قاتلنا رسول الله ﷺ يوم حنين، فلم يظهرنا الله، ولم ينصرنا، ثم أسلم، فحسن إسلامه، ذكره أبو عمر، وذكر حديثه هَذَا، وَقَالَ فِي آخره: قَالَ الأصمعي: سألت سعيد بن أبي عروبة، عن الغائلة؟ فَقَالَ: الإباق، والسرقة، والزنا، وسألته عن الخبثة؟ فَقَالَ: بيع أهل عهد المسلمين. وَقَالَ الإِمام أبو محمد بن عطية: والوجوب فِي ذلك قَلِقٌ، أما فِي الدقائق، فصعب شاقّ، وأما ما كثر، فربما يقصد التاجر الاستئلاف بترك الإشهاد، وَقَدْ يكون عادة فِي بعض البلاد، وَقَدْ يستحيي منْ العالم، والرجل الكبير الموقر، فلا يُشهد عليه، فيدخل ذلك كله فِي الائتمان، ويبقي الأمر بالإشهاد ندبا؛ لما فيه منْ المصلحة فِي الأغلب، ما لم يقع عذر، يمنع منه كما ذكرنا. وحكى المهدوي، والنحاس، ومكي، عن قوم: أنهم قالوا: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢] منسوخ بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ الآية [البقرة: ٢٨٣]، وأسنده النحاس عن أبي سعيد الخدريّ، وأنه تلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾، إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾، قَالَ: نسخت هذه الآية ما قبلها، قَالَ النحاس: وهذا قول الحسن، والحكم، وعبد الرحمن بن زيد، قَالَ الطبري: وهذا لا معنى له؛ لأن هَذَا حكم غير الأول، وإنما هَذَا حكم منْ لم يجد كاتبا، قَالَ الله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾: أي فلم يطالبه برهن، فليؤد الذي ائتمن أمانته، قَالَ: ولو جاز أن يكون هَذَا ناسخا للأول، لجاز أن يكون قوله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ الآية ناسخا لقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية، ولجاز أن يكون قوله : ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ ناسخا لقوله : ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. وَقَالَ بعض العلماء: إن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ لم يتبين تأخر نزوله عن صدر الآية، المشتملة عَلَى الأمر بالإشهاد، بل وردا معا, ولا يجوز أن يرد الناسخ والمنسوخ معا جميعا فِي حالة واحدة، قَالَ: وَقَدْ روي عن ابن عباس، أنه قَالَ، لما قيل له: إن آية الدين منسوخة قَالَ: لا والله، إن آية الدين محكمة، ليس فيها نسخ، قَالَ: والإشهاد إنما جعل للطمأنينة، وذلك أن الله تعالى

стр. 17010

جعل لتوثيق الدين طرقا: منها الكتاب، ومنها الرهن، ومنها الإشهاد، ولا خلاف بين علماء الأمصار، أن الرهن مشروع، بطريق الندب، لا بطريق الوجوب، فيُعلم منْ ذلك مثله فِي الإشهاد، وما زال النَّاس يتبايعون حضرا وسفرا، وبرا وبحرا، وسهلا وجبلا، منْ غير إشهاد، مع علم النَّاس بذلك، منْ غير نكير، ولو وجب الإشهاد، ما تركوا النكير عَلَى تاركه. قَالَ القرطبيّ: هَذَا كله استدلال حسن، وأحسن منه ما جاء منْ صريح السنة، فِي ترك الإستشهاد، وهو ما خرّجه الدارقطنيّ (١)، عن طارق بن عبد الله المحاربي، قَالَ: أقبلنا فِي ركب منْ الرَّبَذَة، وجنوب الربذة، حَتَّى نزلنا قريبا منْ المدينة، ومعنا ظعينة لنا، فبينا نحن قعود، إذ أتانا رجل عليه ثوبان أبيضان، فسلم، فرددنا عليه، فَقَالَ منْ أين أقبل القوم؟ فقلنا: منْ الربذة، وجنوب الربذة، قَالَ: ومعنا جمل أحمر، فَقَالَ تبيعوني جملكم هَذَا؟ فقلنا: نعم، قَالَ بكم؟ قلنا بكذا وكذا صاعا منْ تمر، قَالَ: فما

стр. 17011

استوضعنا شيئا، وَقَالَ قد أخذته، ثم أخذ برأس الجمل، حَتَّى دخل المدينة، فتوارى عنا، فتلاومنا بيننا، وقلنا أعطيتم جملكم منْ لا تعرفونه، فقالت الظعينة: لا تَلاوموا، فقد رأيت وجه رجل، ما كَانَ ليُخفِركم (١) ما رأيت، وجه رجل أشبه بالقمر ليلة البدر، منْ وجهه، فلما كَانَ العشاء أتانا رجل، فَقَالَ: السلام عليكم أنا رسول رسول الله ﷺ إليكم، وإنه أمركم أن تأكلوا منْ هَذَا، حَتَّى تشبعوا، وتكتالوا حَتَّى تستوفوا، قَالَ: فأكلنا حَتَّى شبعنا، واكتلنا حَتَّى استوفينا. وذكر الْحَدِيث الزهريّ عن عمارة بن خزيمة، أن عمه حدثه، وهو منْ أصحاب النبيّ ﷺ ، أن النبيّ ﷺ ابتاع فرسا منْ أعرابي، الْحَدِيث، وفيه: فطفق الأعرابيّ يقول: هلم شاهدا يشهد أني بعتك، قَالَ خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك قد بعته، فأقبل النبيّ ﷺ عَلَى خزيمة، فَقَالَ بم تشهد؟ فَقَالَ: بتصديقك يا رسول الله، قَالَ: فجعل رسول الله ﷺ شهادة خزيمة بشهادة رجلين". أخرجه النسائيّ وغيره. انتهى "الجامع لأحكام القرآن" ٣/ ٤٠٢ - ٤٠٥. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأرجح قول منْ حمل الأمر فِي الآية عَلَى الاستحباب؛ للأدلّة المذكورة فِي استدلال القرطبيّ رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. … ٨٢ - (اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي الثَّمَنِ) ٤٦٥٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِي عُمَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الأَشْعَثِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَهُوَ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلْعَةِ، أَوْ يَتْرُكَا"). رجال هَذَا الإسناد: ثمانية: ١ - (محمد بن إدريس) أبو حاتم الرازيّ الإِمام الحافظ الحجة الكبير الناقد البصير، إمام الجرح والتعديل [١١] ١١٢/ ٢٨٧٩. ٢ - (عمر بن حفص بن غياث) أبو حفص الكوفيّ، ثقة، ربما وهم [١٠] ٥/ ٥٠١.

стр. 17012

٣ - (أبوه) حفص بن غياث، أبو عمر النخعيّ الكوفيّ القاضي، ثقة فقيه، تغيّر حفظه قليلاً فِي الآخر [٨] ٨٦/ ١٠٥. ٤ - (أبو عميس) عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الهذليّ المسعوديّ الكوفيّ، ثقة [٧] ٤٠/ ٦٨٤. ٥ - (عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث) كذا وقع نسبه عند المصنّف، ووقع عند يعقوب بن سفيان: "عبد الرحمن بن محمد بن قيس بن محمد بن الأشعث"، ووقع فِي "سنن أبي داود": "عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث بن قيس"، وكذا ذكره ابن أبي حاتم، قَالَ فِي "تهذيب التهذيب": وهو الصواب. قيل: إن الحجاج قتله بعد سنة (٩٠). وَقَالَ فِي "التقريب": عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث بن قيس، الكنديّ الكوفيّ، مجهول الحال [٦]. روى له المصنّف، وأبو داود هَذَا الْحَدِيث فقط. ٦ - (أبوه) قيس بن محمد بن الأشعث الكنديّ الكوفيّ، مقبول [٦]. رَوى عن جدّه الأشعث، وأبيه محمد، وعديّ بن حاتم، وكثير بن شهاب. وعنه ابناه: عبد الرحمن، وعثمان، وأبو إسحاق الشيباني. ذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ الهيثم بن عَديّ: كَانَ ضرير البصر، وكان يتنسّك. روى له المصنّف، وأبو داود هَذَا الْحَدِيث فقط. ٧ - (جدّه) محمد بن الأشعث بن قيس الكنديّ، أبو القاسم الكوفيّ، مقبول [٢]، ووهم منْ ذكره فِي الصحابة. وفي "تهذيب التهذيب": أمه أخت أبى بكر الصديق، روى عن أبيه، وعمر، وعثمان، وابن مسعود، وعائشة، روى عنه ابنه قيس، والشعبي، ومجاهد، والزهري، وغيرهم، قَالَ ابن سعد: أمه فَرْوة بنت أبي قُحافة، أخت أبي بكر، وأما ابن منده، فذكر أنه وُلد عَلَى عهد رسول الله ﷺ ، وهذا لا يصح؛ لأن الأشعث، إنما تزوج أم فروة فِي خلافة أبي بكر، وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ: قتله المختار سنة (٦٦)، وَقَالَ خليفة: قُتل سنة (٧) مع مصعب بن الزبير أيام المختار، وله عند أبي داود حديث فِي عبد الرحمن بن قيس، وعند النسائيّ (١) آخر، يتعلق بالصائم. قَالَ الحافظ: وفي سنة سبع أرخه عامة أهل التاريخ, وكذا هو فِي النسخة التي وقفت عليها منْ "ثقات ابن حبّان". انتهى. وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط.

стр. 17013

٨ - (عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه ٣٥/ ٣٩. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ ثمانيات المصنّف رحمه الله تعالى وهو سند نازل. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن جدّه. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ أَبِي عُمَيْسٍ) عتبة بن عبد الله، أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن قيس (بْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ الْأَشْعَثِ، عَنْ أَبِيهِ) قيس بن محمد (عَنْ جَدِّهِ) محمد الأشعث بن قيس، أنه قَالَ (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود ﵁ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ) بتشديد الياء: أي البائع والمشتري، ولم يذكر الأمر الذي فيه الاختلاف، وحذف المتعلّق مشعر بالتعميم فِي مثل هَذَا المقام، عَلَى ما تقرّر فِي علم المعاني، فيعمّ الاختلاف فِي المبيع، والثمن، وفي كلّ أمر يرجع إليهما، وفي سائر الشروط المعتبرة، والتصريح بالاختلاف فِي الثمن فِي بعض الروايات، لا ينافي هَذَا العموم المستفاد منْ الحذف. قاله فِي "نيل الأوطار" ٥/ ٢٣٨ (وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ) جملة فِي محلّ نصب عَلَى الحال (فَهُوَ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلْعَةِ) أي صاحب السلعة، وهو البائع (أَوْ يَتْرُكَا) أي يتفاسخان العقد. قاله الخطّابيّ. وفي الْحَدِيث قصّة، ساقها أبو داود فِي "سننه": ٣٥١١ - حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، عن أبي عميس، أخبرني عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث، عن أبيه، عن جده، قَالَ: اشترى الأشعث رقيقا منْ رقيق الخمس، منْ عبد الله، بعشرين ألفا، فأرسل عبد الله إليه فِي ثمنهم، فَقَالَ: إنما أخذتهم بعشرة آلاف، فَقَالَ عبد الله: فاختر رجلا يكون بيني وبينك، قَالَ الأشعث: أنت بيني وبين نفسك، قَالَ عبد الله: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا اختلف البيعان، وليس بينهما بينة، فهو ما يقول رب السلعة، أو يتتاركان". و"عبد الله": هو ابن مسعود ﵁. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيحٌ بمجموع طرقه. [تنبيه]: هَذَا الْحَدِيث روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ منْ طرق بألفاظ، فقد أخرجه أيضا الشافعيّ، منْ طريق سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن إسماعيل بن

стр. 17014

أمية، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي عبيدة، عن أبيه، عبد الله بن مسعود، وَقَدْ اختلف فيه عَلَى إسماعيل بن أمية، ثم عَلَى ابن جريج، وَقَدْ اختُلف فِي صحة سماع أبي عبيدة، منْ أبيه، ورواه منْ طريق أبي عبيدة أحمد، والنسائي، والدارقطني، وَقَدْ صححه الحاكم، وابن السكن. ورواه أيضا الشافعيّ منْ طريق سفيان عن ابن عجلان، عن عون بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود، عن ابن مسعود، وفيه أيضا انقطاع لأن عونا لم يدرك ابن مسعود. ورواه الدارقطنيّ، منْ طريق القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن جده، وفيه إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة. ورواه أبو داود منْ طريق عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث بن قيس، عن أبيه، عن جده، عن ابن مسعود. وأخرجه أبو داود أيضا منْ طريق محمد بن أبي ليلى، عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن ابن مسعود، ومحمد ابن أبي ليلى لا يحتج به، وعبد الرحمن لم يسمع منْ أبيه، ورواه ابن ماجه، والترمذي منْ طريق عون بن عبد الله أيضا، عن ابن مسعود، وَقَدْ سبق أنه منقطع، قَالَ البيهقي: وأصح إسناد رُوي فِي هَذَا الباب، رواية أبي العميس، عن عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث بن قيس، عن أبيه، عن جده -يعني التي أخرجها النسائيّ هنا-. ورواه أيضا الدارقطنيّ، منْ طريق القاسم بن عبد الرحمن، قَالَ الحافظ: ورجاله ثقات، إلا أن عبد الرحمن اختلف فِي سماعه منْ أبيه. قَالَ الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: قد أثبت سماعه منه إمام الأئمة البخاريّ، والمثبت مقدّم عَلَى النافي، ومن علم حجة عَلَى منْ لم يعلم، لاسيما إذا كَانَ مثل البخاريّ. انتهى. "إرواء الغليل" ٥/ ١٦٧. ورواية الترادّ -يعني قول: "أو يترادّان البيع"- رواها أيضا مالك بلاغا، والترمذي، وابن ماجه بإسناد منقطع. وَقَالَ الطبراني فِي "الكبير": نا محمد بن هشام المستملي، نا عبد الرحمن بن صالح، نا فضيل ابن عياض، نا منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود، مرفوعًا: "البيعان إذا اختلفا فِي البيع ترادا"، قَالَ قَالَ الحافظ: رواته ثقات، لكن اختلف فِي عبد الرحمن بن صالح، وما أظنه حفظه، فقد جزم الشافعيّ: أن طرق هَذَا الْحَدِيث، عن ابن مسعود، ليس فيها شيء موصول، وذكره الدارقطنيّ فِي "عللَّه"، فلم يُعرّج عَلَى هذه الطريق. ورواه أيضا النسائيّ، والحاكم، والبيهقي، منْ طريق عبد الرحمن بن قيس بالإسناد

стр. 17015

الذي رواه عنه أبو داود كما سلف وصححه منْ هَذَا الوجه الحاكم، وحسنه البيهقي. ورواه عبد الله بن أحمد، فِي "زيادات المسند" منْ طريق القاسم بن عبد الرحمن، عن جده بلفظ: "إذا اختلف المتبايعان، والسلعة قائمة، ولا بينة لأحدهما تحالفا"، ورواه منْ هَذَا الوجه الطبراني، والدارمي، وَقَدْ انفرد بقوله: "والسلعة قائمة" محمد بن أبي ليلى، وهو ضعيفٌ سيّء الحفظ. قَالَ الخطّابيّ: إن هذه اللفظة -يعني والسلعة قائمة- لا تصح منْ طريق النقل، مع احتمال أن يكون ذكرها منْ التغليب؛ لأن أكثر ما يَعرِض النزاع حال قيام السلعة، كقوله تعالى: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ الآية [سورة النِّساء: ٢٣]، ولم يفرق أكثر الفقهاء فِي البيوع الفاسدة بين القائم والتالف انتهى. وأما قوله فيه: "تحالفا"، فَقَالَ الحافظ: لم يقع عند أحد منهم، وإنما عندهم: "والقول قول البائع، أو يترادان البيع". انتهى. قَالَ ابن عبد البرّ: إن هَذَا الْحَدِيث منقطع، إلا أنه مشهور الأصل عند جماعة، تلقوه بالقبول، وبنوا عليه كثيرا منْ فروعه، وأعله ابن حزم بالانقطاع، وتابعه عبد الحق، وأعله هو وابن القطّان بالجهالة، فِي عبد الرحمن، وأبيه، وجده. وَقَالَ الخطّابيّ: هَذَا حديث قد اصطلح الفقهاء عَلَى قبوله، وذلك يدل عَلَى أن له أصلا، وإن كَانَ فِي إسناده مقال، كما اصطلحوا عَلَى قبول: "لا وصية لوارث"، وإسناده فيه ما فيه. انتهى. قَالَ الشوكانيّ رحمه الله تعالى: وَقَدْ استدل بالحديث منْ قَالَ: إن القول قول البائع، إذا وقع الاختلاف بينه وبين المشتري، فِي أمر منْ الأمور المتعلقة بالعقد، ولكن مع يمينه، كما وقع فِي الرواية الآخرة، وهذا إذا لم يقع التراضي بينهما عَلَى التراد، فإن تراضيا عَلَى ذلك جاز بلا خلاف، فلا يكون لهما خلاص عن النزاع، إلا التفاسخ، أو حلف البائع، والظاهر عدم الفرق بين بقاء المبيع وتلفه؛ لما عرفت منْ عدم انتهاض الرواية المصرح فيها باشتراط بقاء المبيع للاحتجاج، والترادُّ مع التلف ممكن، بأن يرجع كل واحد منهما بمثل المثليّ، وقيمة القيميّ. إذا تقرر لك ما يدل عليه هَذَا الْحَدِيث، منْ كون القول قول البائع منْ غير فرق، فاعلم أنه لم يذهب إلى العمل به، فِي جميع صور الاختلاف أحد، فيما أعلم، بل اختلفوا فِي ذلك اختلافا طويلا، عَلَى حسب ما هو مبسوط فِي الفروع، ووقع الاتفاق فِي بعض الصور، والاختلاف فِي بعض، وسبب الاختلاف فِي ذلك، ما سيأتي منْ قوله ﵌: "البينة عَلَى المدعِي، واليمين عَلَى المدعَى عليه"؛ لأنه يدل
следующие страницы →