استوضعنا شيئا، وَقَالَ قد أخذته، ثم أخذ برأس الجمل، حَتَّى دخل المدينة، فتوارى عنا، فتلاومنا بيننا، وقلنا أعطيتم جملكم منْ لا تعرفونه، فقالت الظعينة: لا تَلاوموا، فقد رأيت وجه رجل، ما كَانَ ليُخفِركم (١) ما رأيت، وجه رجل أشبه بالقمر ليلة البدر، منْ وجهه، فلما كَانَ العشاء أتانا رجل، فَقَالَ: السلام عليكم أنا رسول رسول الله ﷺ إليكم، وإنه أمركم أن تأكلوا منْ هَذَا، حَتَّى تشبعوا، وتكتالوا حَتَّى تستوفوا، قَالَ: فأكلنا حَتَّى شبعنا، واكتلنا حَتَّى استوفينا. وذكر الْحَدِيث الزهريّ عن عمارة بن خزيمة، أن عمه حدثه، وهو منْ أصحاب النبيّ ﷺ ، أن النبيّ ﷺ ابتاع فرسا منْ أعرابي، الْحَدِيث، وفيه: فطفق الأعرابيّ يقول: هلم شاهدا يشهد أني بعتك، قَالَ خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك قد بعته، فأقبل النبيّ ﷺ عَلَى خزيمة، فَقَالَ بم تشهد؟ فَقَالَ: بتصديقك يا رسول الله، قَالَ: فجعل رسول الله ﷺ شهادة خزيمة بشهادة رجلين". أخرجه النسائيّ وغيره. انتهى "الجامع لأحكام القرآن" ٣/ ٤٠٢ - ٤٠٥.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأرجح قول منْ حمل الأمر فِي الآية عَلَى الاستحباب؛ للأدلّة المذكورة فِي استدلال القرطبيّ رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
…
٨٢ - (اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي الثَّمَنِ)
٤٦٥٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِي عُمَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الأَشْعَثِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَهُوَ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلْعَةِ، أَوْ يَتْرُكَا").
رجال هَذَا الإسناد: ثمانية:
١ - (محمد بن إدريس) أبو حاتم الرازيّ الإِمام الحافظ الحجة الكبير الناقد البصير، إمام الجرح والتعديل [١١] ١١٢/ ٢٨٧٩.
٢ - (عمر بن حفص بن غياث) أبو حفص الكوفيّ، ثقة، ربما وهم [١٠] ٥/ ٥٠١.
стр. 17012
٣ - (أبوه) حفص بن غياث، أبو عمر النخعيّ الكوفيّ القاضي، ثقة فقيه، تغيّر حفظه قليلاً فِي الآخر [٨] ٨٦/ ١٠٥.
٤ - (أبو عميس) عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الهذليّ المسعوديّ الكوفيّ، ثقة [٧] ٤٠/ ٦٨٤.
٥ - (عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث) كذا وقع نسبه عند المصنّف، ووقع عند يعقوب بن سفيان: "عبد الرحمن بن محمد بن قيس بن محمد بن الأشعث"، ووقع فِي "سنن أبي داود": "عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث بن قيس"، وكذا ذكره ابن أبي حاتم، قَالَ فِي "تهذيب التهذيب": وهو الصواب. قيل: إن الحجاج قتله بعد سنة (٩٠).
وَقَالَ فِي "التقريب": عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث بن قيس، الكنديّ الكوفيّ، مجهول الحال [٦]. روى له المصنّف، وأبو داود هَذَا الْحَدِيث فقط.
٦ - (أبوه) قيس بن محمد بن الأشعث الكنديّ الكوفيّ، مقبول [٦].
رَوى عن جدّه الأشعث، وأبيه محمد، وعديّ بن حاتم، وكثير بن شهاب. وعنه ابناه: عبد الرحمن، وعثمان، وأبو إسحاق الشيباني. ذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ الهيثم بن عَديّ: كَانَ ضرير البصر، وكان يتنسّك. روى له المصنّف، وأبو داود هَذَا الْحَدِيث فقط.
٧ - (جدّه) محمد بن الأشعث بن قيس الكنديّ، أبو القاسم الكوفيّ، مقبول [٢]، ووهم منْ ذكره فِي الصحابة.
وفي "تهذيب التهذيب": أمه أخت أبى بكر الصديق، روى عن أبيه، وعمر، وعثمان، وابن مسعود، وعائشة، روى عنه ابنه قيس، والشعبي، ومجاهد، والزهري، وغيرهم، قَالَ ابن سعد: أمه فَرْوة بنت أبي قُحافة، أخت أبي بكر، وأما ابن منده، فذكر أنه وُلد عَلَى عهد رسول الله ﷺ ، وهذا لا يصح؛ لأن الأشعث، إنما تزوج أم فروة فِي خلافة أبي بكر، وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ: قتله المختار سنة (٦٦)، وَقَالَ خليفة: قُتل سنة (٧) مع مصعب بن الزبير أيام المختار، وله عند أبي داود حديث فِي عبد الرحمن بن قيس، وعند النسائيّ (١) آخر، يتعلق بالصائم. قَالَ الحافظ: وفي سنة سبع أرخه عامة أهل التاريخ, وكذا هو فِي النسخة التي وقفت عليها منْ "ثقات ابن حبّان". انتهى. وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط.
стр. 17013
٨ - (عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه ٣٥/ ٣٩. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ ثمانيات المصنّف رحمه الله تعالى وهو سند نازل. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن جدّه. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي عُمَيْسٍ) عتبة بن عبد الله، أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن قيس (بْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ الْأَشْعَثِ، عَنْ أَبِيهِ) قيس بن محمد (عَنْ جَدِّهِ) محمد الأشعث بن قيس، أنه قَالَ (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود ﵁ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ) بتشديد الياء: أي البائع والمشتري، ولم يذكر الأمر الذي فيه الاختلاف، وحذف المتعلّق مشعر بالتعميم فِي مثل هَذَا المقام، عَلَى ما تقرّر فِي علم المعاني، فيعمّ الاختلاف فِي المبيع، والثمن، وفي كلّ أمر يرجع إليهما، وفي سائر الشروط المعتبرة، والتصريح بالاختلاف فِي الثمن فِي بعض الروايات، لا ينافي هَذَا العموم المستفاد منْ الحذف. قاله فِي "نيل الأوطار" ٥/ ٢٣٨ (وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ) جملة فِي محلّ نصب عَلَى الحال (فَهُوَ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلْعَةِ) أي صاحب السلعة، وهو البائع (أَوْ يَتْرُكَا) أي يتفاسخان العقد. قاله الخطّابيّ.
وفي الْحَدِيث قصّة، ساقها أبو داود فِي "سننه":
٣٥١١ - حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، عن أبي عميس، أخبرني عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث، عن أبيه، عن جده، قَالَ: اشترى الأشعث رقيقا منْ رقيق الخمس، منْ عبد الله، بعشرين ألفا، فأرسل عبد الله إليه فِي ثمنهم، فَقَالَ: إنما أخذتهم بعشرة آلاف، فَقَالَ عبد الله: فاختر رجلا يكون بيني وبينك، قَالَ الأشعث: أنت بيني وبين نفسك، قَالَ عبد الله: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا اختلف البيعان، وليس بينهما بينة، فهو ما يقول رب السلعة، أو يتتاركان". و"عبد الله": هو ابن مسعود ﵁. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيحٌ بمجموع طرقه.
[تنبيه]: هَذَا الْحَدِيث روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ منْ طرق بألفاظ، فقد أخرجه أيضا الشافعيّ، منْ طريق سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن إسماعيل بن
стр. 17014
أمية، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي عبيدة، عن أبيه، عبد الله بن مسعود، وَقَدْ اختلف فيه عَلَى إسماعيل بن أمية، ثم عَلَى ابن جريج، وَقَدْ اختُلف فِي صحة سماع أبي عبيدة، منْ أبيه، ورواه منْ طريق أبي عبيدة أحمد، والنسائي، والدارقطني، وَقَدْ صححه الحاكم، وابن السكن.
ورواه أيضا الشافعيّ منْ طريق سفيان عن ابن عجلان، عن عون بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود، عن ابن مسعود، وفيه أيضا انقطاع لأن عونا لم يدرك ابن مسعود. ورواه الدارقطنيّ، منْ طريق القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن جده، وفيه إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة.
ورواه أبو داود منْ طريق عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث بن قيس، عن أبيه، عن جده، عن ابن مسعود. وأخرجه أبو داود أيضا منْ طريق محمد بن أبي ليلى، عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن ابن مسعود، ومحمد ابن أبي ليلى لا يحتج به، وعبد الرحمن لم يسمع منْ أبيه، ورواه ابن ماجه، والترمذي منْ طريق عون بن عبد الله أيضا، عن ابن مسعود، وَقَدْ سبق أنه منقطع، قَالَ البيهقي: وأصح إسناد رُوي فِي هَذَا الباب، رواية أبي العميس، عن عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث بن قيس، عن أبيه، عن جده -يعني التي أخرجها النسائيّ هنا-. ورواه أيضا الدارقطنيّ، منْ طريق القاسم بن عبد الرحمن، قَالَ الحافظ: ورجاله ثقات، إلا أن عبد الرحمن اختلف فِي سماعه منْ أبيه.
قَالَ الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: قد أثبت سماعه منه إمام الأئمة البخاريّ، والمثبت مقدّم عَلَى النافي، ومن علم حجة عَلَى منْ لم يعلم، لاسيما إذا كَانَ مثل البخاريّ. انتهى. "إرواء الغليل" ٥/ ١٦٧.
ورواية الترادّ -يعني قول: "أو يترادّان البيع"- رواها أيضا مالك بلاغا، والترمذي، وابن ماجه بإسناد منقطع.
وَقَالَ الطبراني فِي "الكبير": نا محمد بن هشام المستملي، نا عبد الرحمن بن صالح، نا فضيل ابن عياض، نا منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود، مرفوعًا: "البيعان إذا اختلفا فِي البيع ترادا"، قَالَ قَالَ الحافظ: رواته ثقات، لكن اختلف فِي عبد الرحمن بن صالح، وما أظنه حفظه، فقد جزم الشافعيّ: أن طرق هَذَا الْحَدِيث، عن ابن مسعود، ليس فيها شيء موصول، وذكره الدارقطنيّ فِي "عللَّه"، فلم يُعرّج عَلَى هذه الطريق.
ورواه أيضا النسائيّ، والحاكم، والبيهقي، منْ طريق عبد الرحمن بن قيس بالإسناد
стр. 17015
الذي رواه عنه أبو داود كما سلف وصححه منْ هَذَا الوجه الحاكم، وحسنه البيهقي.
ورواه عبد الله بن أحمد، فِي "زيادات المسند" منْ طريق القاسم بن عبد الرحمن، عن جده بلفظ: "إذا اختلف المتبايعان، والسلعة قائمة، ولا بينة لأحدهما تحالفا"، ورواه منْ هَذَا الوجه الطبراني، والدارمي، وَقَدْ انفرد بقوله: "والسلعة قائمة" محمد بن أبي ليلى، وهو ضعيفٌ سيّء الحفظ.
قَالَ الخطّابيّ: إن هذه اللفظة -يعني والسلعة قائمة- لا تصح منْ طريق النقل، مع احتمال أن يكون ذكرها منْ التغليب؛ لأن أكثر ما يَعرِض النزاع حال قيام السلعة، كقوله تعالى: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ الآية [سورة النِّساء: ٢٣]، ولم يفرق أكثر الفقهاء فِي البيوع الفاسدة بين القائم والتالف انتهى.
وأما قوله فيه: "تحالفا"، فَقَالَ الحافظ: لم يقع عند أحد منهم، وإنما عندهم: "والقول قول البائع، أو يترادان البيع". انتهى.
قَالَ ابن عبد البرّ: إن هَذَا الْحَدِيث منقطع، إلا أنه مشهور الأصل عند جماعة، تلقوه بالقبول، وبنوا عليه كثيرا منْ فروعه، وأعله ابن حزم بالانقطاع، وتابعه عبد الحق، وأعله هو وابن القطّان بالجهالة، فِي عبد الرحمن، وأبيه، وجده.
وَقَالَ الخطّابيّ: هَذَا حديث قد اصطلح الفقهاء عَلَى قبوله، وذلك يدل عَلَى أن له أصلا، وإن كَانَ فِي إسناده مقال، كما اصطلحوا عَلَى قبول: "لا وصية لوارث"، وإسناده فيه ما فيه. انتهى.
قَالَ الشوكانيّ رحمه الله تعالى: وَقَدْ استدل بالحديث منْ قَالَ: إن القول قول البائع، إذا وقع الاختلاف بينه وبين المشتري، فِي أمر منْ الأمور المتعلقة بالعقد، ولكن مع يمينه، كما وقع فِي الرواية الآخرة، وهذا إذا لم يقع التراضي بينهما عَلَى التراد، فإن تراضيا عَلَى ذلك جاز بلا خلاف، فلا يكون لهما خلاص عن النزاع، إلا التفاسخ، أو حلف البائع، والظاهر عدم الفرق بين بقاء المبيع وتلفه؛ لما عرفت منْ عدم انتهاض الرواية المصرح فيها باشتراط بقاء المبيع للاحتجاج، والترادُّ مع التلف ممكن، بأن يرجع كل واحد منهما بمثل المثليّ، وقيمة القيميّ.
إذا تقرر لك ما يدل عليه هَذَا الْحَدِيث، منْ كون القول قول البائع منْ غير فرق، فاعلم أنه لم يذهب إلى العمل به، فِي جميع صور الاختلاف أحد، فيما أعلم، بل اختلفوا فِي ذلك اختلافا طويلا، عَلَى حسب ما هو مبسوط فِي الفروع، ووقع الاتفاق فِي بعض الصور، والاختلاف فِي بعض، وسبب الاختلاف فِي ذلك، ما سيأتي منْ قوله ﵌: "البينة عَلَى المدعِي، واليمين عَلَى المدعَى عليه"؛ لأنه يدل
стр. 17016
بعمومه عَلَى أن اليمين عَلَى المدعَى عليه، والبينة عَلَى المدعِي، منْ غير فرق بين أن يكون أحدهما بائعا، والآخر مشتريا، أو لا، وحديث الباب يدل عَلَى أن القول قول البائع مع يمينه، والبينة عَلَى المشتري، منْ غير فرق بين أن يكون البائع مدعيا، أو مُدّعًى عليه، فبين الحديثين عموم وخصوص منْ وجه، فيتعارضان باعتبار مادة الاتفاق، وهي حيث يكون البائع مدعيا، فينبغي أن يرجع فِي الترجيح إلى الأمور الخارجية، وحديث: "اليمين عَلَى المدعى عليه"، متّفقٌ عليه.
وأخرجه الطبراني بلفظ: "البينة عَلَى المدعي، واليمين عَلَى المدعى عليه"، وأخرجه الإسماعيلي بلفظ: "ولكن البينة عَلَى الطالب، واليمين عَلَى المطلوب"، وأخرجه البيهقي بلفظ: "لو يُعطى النَّاس بدعواهم، لادّعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة عَلَى المدعي، واليمين عَلَى منْ أنكر"، وهذه الألفاظ كلها فِي حديث ابن عباس، فمن رام الترجيح بين الحديثين، لم يصعب عليه ذلك، بعد هَذَا البيان، ومن أمكنه الجمع بوجه مقبول فهو المتعين. انتهى كلام الشوكاني "نيل الأوطار" ٥/ ٢٣٧ - ٢٣٩.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث: "اليمين عَلَى المدّعى عليه" سيأتي للمصنّف رحمه الله تعالى فِي "كتاب آداب القضاء" ٣٦/ ٥٤٢٧ - وسأستوفي البحث عنه هناك، إن شاء الله تعالى.
وخلاصة حديث الباب أنه حديث صحيح بمجموع طرقه، كما تبيّن منْ التفصيل المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٨٢/ ٤٦٥٠ و٤٦٥١ - وفي "الكبرى" ٨٣/ ٦٢٤٤ و٦٢٤٥. وأخرجه (د) فِي "البيوع" ٢٥١١ (ت) فِي "البيوع" ١٢٧٠ (الدارمي) فِي "البيوع" ٢٤٣٦. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم اختلاف المتبايعين فِي الثمن، وهو أنه إذا لم يكن لهم بينة فالقول قول البائع، إن رضي المشتري، أو يفسخان العقد، وسيأتي فِي المسألة التالية اختلاف العلماء فيه، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أن ظاهر الْحَدِيث تعميم الاختلاف فِي كلّ شيء، ليس الثمن فقط؛ لأن المتعلّق محذوف. (ومنها): أن الرواية التالية تدلّ عَلَى أن اختيار المشتري بين الأخذ والترك بعد أن يحلف البائع، لا قبله، وَقَدْ سبق أن لفظة "تحالفا" لا تثبت رواية. والله
стр. 17017
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي اختلاف المتبايعين:
قَالَ الإِمام الخطّابيّ رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم فِي هذه المسألة، فَقَالَ مالك، والشافعيّ: يقال للبائع: احلف بالله ما بعتَ سلعتك إلا بما قلت، فإن حلف البائع قيل: إما أن تأخذ السلعة بما قَالَ البائع، وإما أن تحلف ما اشتريتها إلا بما قلت، فإن حلف برىء، ورُدّت السلعة عَلَى البائع، وسواء عند الشافعيّ كانت السلعة قائمة، أو تالفة، فإنهما يتحالفان، ويتردّان، وكذلك قَالَ محمد بن الحسن. ومعنى "يترادّان": أي قيمة السلعة عن الاستهلاك.
وَقَالَ النخعيّ، والثوريّ، وأبو حنيفة، وأبو يوسف: القول قول المشتري مع يمينه بعد الاستهلاك، وقول مالك قريب منْ قولهم بعد الاستهلاك فِي أشهر الروايتين عنه. واحتُجّ لهم بأنه قد روي فِي بعض الأخبار: "إذا اختلف المتبايعان، والسلعة قائمة، فالقول ما يقول البائع، أو يترادّان"، قالوا: فدلّ اشتراطه قيام السلعة عَلَى أن الحكم عند استهلاكها بخلاف ذلك. قَالَ الخطّابىّ: وهذه اللفظة لا تصحّ منْ طريق النقل، إنما جاء بها ابن أبي ليلى، وقيل: إنها منْ قول بعض الرواة. وَقَدْ يحتمل أن يكون إنما ذكر قيام السلعة بمعنى التغليب، لا منْ أجل التفريق؛ لأن أكثر ما يَعرِض فيه النزاع، ويجب معه التحالف، هو حال قيام السلعة، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ الآية [النِّساء: ٢٣]، فذكره الحجور ليس بشرط يتغيّر به الحكم، ولكنه غالب الحال، وكقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٩]، ولم يجر ذكر الخوف منْ مذهب أكثر الفقهاء للفرق، ولكن لأنه الغالب، ولم يفرّقوا فِي البيوع الفاسدة بين القائم والتالف منها فيما يجب منْ ردّ السلعة، إن كانت قائمةً، والقيمة إن كانت تالفة، وهذا البيع مصيره إلى الفساد؛ لأنا نرفعه منْ أصله إذا تحالفا، ونجعله كأنه لم يقع، ولسنا نُثبته، ثم نفسخه، ولو كنا فعلنا ذلك لكان فِي ذلك تكذيب أحد الحالفين، ولا معنى لتكذيبه مع إمكان تصديقه، ويخرّج ذلك عَلَى وجه يُعذر فيه، مثل أن يُحمل أمره عَلَى الوهم، وغلبة الظنّ، ونحو ذلك.
واحتجّوا فيه أيضا بقوله ﷺ : "اليمين عَلَى المدّعَى عليه"، وهذا لا يخالف حديث التحالف؛ لأن كلّ واحد منهما مُدّع منْ وجه، ومدّعًى عليه منْ وجه آخر، وليس اقتضاء أحد الحكمين منه بأولى منْ الآخر.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: فِي دعواه مخالفته للحديث المذكور نظرٌ لا يخفى.
стр. 17018
والله تعالى أعلم.
قَالَ: وَقَدْ يُجمع بين الخبرين أيضًا بأن يُجعل اليمين عَلَى المدّعى عليه، إذا كانت يمين نفي، وهذه يمين فيها إثبات. قَالَ: وأبو حنيفة لا يرى اليمين فِي الإثبات، وَقَدْ قَالَ به هنا مع قيام السلعة.
وَقَدْ خالف أبو ثور جماعة الفقهاء فِي هذه المسألة، فَقَالَ: القول قول المشتري مع قيام السلعة. ويقال: إن هَذَا خلاف الإجماع، مع مخالفته الْحَدِيث. والله أعلم. وَقَدْ اعتذر له بعضهم بأن فِي إسناد الْحَدِيث مقالاً، فمن أجل ذلك عدل عنه. قَالَ الخطابيّ: هَذَا حديث قد اصطلح الفقهاء عَلَى قبوله، وذلك يدلّ عَلَى أن له أصلاً، كما اصطلحوا عَلَى قبول قوله ﷺ : "لا وصيّة لوارث"، وفي إسناده مقال.
قَالَ: وسواء عند الشافعيّ كَانَ اختلافهما فِي الثمن، أو فِي الأجل، أو فِي خيار الشرط، أو فِي الرهن، أو فِي الضمين، فإنهما يتحالفان، قولاً بعموم الخبر، وظاهره، إذ ليس فيه ذكر حال منْ الاختلاف، دون حال.
وعند أصحاب الرأي لا يتحالفان إلا عند الاختلاف فِي الثمن. انتهى كلام الخطابيّ "معالم السنن" ٥/ ١٦٢ - ١٦٥.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم أن زيادة التحالف فِي الْحَدِيث لا تثبت، وإنما الثابت أن القول قول البائع، أو يترادّان البيع، كما أن زيادة "والسلعة قائمة" غير ثابتة، فالحقّ أن القول قول البائع، إن رضي المشتري، وإلا يفسخ العقد؛ وأيضًا أن العمل بالتحالف معارض للحديث المتّفق عليه أن اليمين عَلَى المدعى عليه، لا عَلَى المدّعي، فتأمّل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٥١ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، وَيُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، وَاللَّفْظُ لإِبْرَاهِيمَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَضَرْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَتَاهُ رَجُلَانِ تَبَايَعَا سِلْعَةً، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَخَذْتُهَا بِكَذَا وَبِكَذَا، وَقَالَ هَذَا: بِعْتُهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أُتِيَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي مِثْلِ هَذَا، فَقَالَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أُتِيَ بِمِثْلِ هَذَا، فَأَمَرَ الْبَائِعَ أَنْ يَسْتَحْلِفَ، ثُمَّ يَخْتَارَ الْمُبْتَاعُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ").
رجال هَذَا الإسناد: تسعة:
١ - (إبراهيم بن الحسن) أبو إسحاق المصّيصيّ الثقة [١١] ٥١/ ٦٤.
٢ - (يوسف بن سعيد) المصّيصيّ الثقة الحافظ [١١] ١٣١/ ١٩٨ منْ أفراد المصنّف.
стр. 17019
٣ - (عبد الرحمن بن خالد) الواسطيّ، ثم الرَّقّيّ، صدوق [١١] ٧/ ٧٥٣.
٤ - (حجّاج) بن محمد الأعور المصيصيّ، ثقة ثبت، اختلط فِي آخره [٩] ٢٨/ ٣٢.
٥ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلس [٦] ٢٨/ ٣٢.
٦ - (إسماعيل بن أُميّة) الأمويّ الثقة الثبت [٦] ١٦/ ٢٤٦٨.
٧ - (عبد الملك بن عُبيد) أو ابن عبيدة، روى عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وخُرَينق بنت حُصين أخت عمران. وعنه إسماعيل بن أُميّة، ويزيد بن عياض بن جُعْدُبة، وفي "التقريب": مجهول الحال [٥]. تفرّد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط.
٨ - (أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود) مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر، كوفيّ ثقة، منْ كبار [٣]، والراجح أنه لا يصحّ سماعه منْ أبيه، مات سنة (٨٠) ٥٥/ ٦٢٢.
٩ - (ابن مسعود) عبد الله رضي الله تعالى عنه ٣٥/ ٣٩. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدٍ) أنه (قَالَ: حَضَرْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَتَاهُ رَجُلَانِ) جملة فِي محلّ نصب عَلَى الحال، أي حال كونه قد أتاه رجلان (تَبَايَعَا سِلْعَةً) بكسر، فسكون: أي متاعًا، والجملة فِي محل رفع صفة لـ"رجلان" (فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَخَذْتُهَا بكَذَا وَبِكَذَا، وَقَالَ هَذَا) الآخر (بِعْتُهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أُتِيَ ابْنُ مَسْعُودٍ) ﵁ ببناء الفعل للمفعول (فِي مِثْلِ هَذَا) الأمر منْ الاختلاف فِي الثمن (فَقَالَ) ابن مسعود ﵁ (حضَرْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، أُتِيَ) بالبناء للمفعول أيضًا (بِمِثْلِ هَذَا، فَأَمَرَ الْبَائِعَ أَنْ يَسْتَحْلِفَ) بالبناء للفاعل، والسين والتاء زائدتان: أي أمره أن يحلف عَلَى أنه ما باع هَذَا الشيء إلا بالثمن الذي ادّعاه (ثُمَّ يَخْتَارَ الْمُبْتَاعُ) أي المشتري (فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ) أي بما حلف عليه البائع منْ الثمن (وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ) أي فسخ العقد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
والحديث صحيح بمجموع طرقه، كما سبق تمام البحث فيه فِي الْحَدِيث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
***
стр. 17020
٨٣ - (مُبَايَعَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ)
٤٦٥٢ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتِ: "اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا بِنَسِيئَةٍ، وَأَعْطَاهُ دِرْعًا لَهُ رَهْنًا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أحمد بن حرب": هو الطائيّ الموصليّ، صدوقٌ [١٠] منْ أفراد المصنّف، والباقون كلهم منْ رجال الصحيح، و"أبو معاوية": هو محمد بن خازم الضرير. والسند مسلسل بثقات الكوفيين، سوى شيخه، وفيه ثلاثة منْ التابعين يروي بعضهم عن بعض.
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق فِي ٥٨/ ٤٦١١ - وسبق شرحه، وبيان مسائله، واستدلال المصنّف رحمه الله تعالى به عَلَى الترجمة واضح، حيث إن النبيّ ﷺ بايع رجلاً يهوديًّا، فدلّ عَلَى جواز التعامل مع اليهود والنصارى، وإن كانت أموالهم يكثر فيها الحرام، حيث إنهم يأكلون الربا، ويتعاملون بالباطل، إلا أن الشرع جوز التعامل معهم تيسيرًا عَلَى المسلمين، وتسهيلاً لهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٥٣ - (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ، بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ لأَهْلِهِ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (يوسف بن حمّاد) الْمَعْنيّ، أبو يعقوب البصريّ ثقة [١٠] ٢٥/ ١٧٨٣.
٢ - (سفيان بن حبيب) البزّاز، أبو محمد البصريّ، ثقة [٩] ٦٧/ ٨٢.
٣ - (هشام) بن حسَان القردوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقة [٦] ١٨٨/ ٣٠٠.
٤ - (عكرمة) مولى ابن عباس المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢/ ٣٢٥.
٥ - (ابن عباس) عبد الله البحر الحبر رضي الله تعالى عنهما ٢٧/ ٣١.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، سوى سفيان بن حبيب، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. والله تعالى أعلم.
стр. 17021
شرح الْحَدِيث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَ) للحال (دِرْعُهُ) بكسر، فسكون، قَالَ الفيّوميّ: دِرْع الحديد مؤنّثة فِي الأكثر، وتُصغّر عَلَى دُرَيع بغير هاء، عَلَى غير قياس، وجاز أن يكون التصغير عَلَى لغة منْ ذكّر، وربّما قيل: دُرَيعةٌ بالهاء، وجمعها أَدْرُعٌ، ودُرُوعٌ، وأَدْراعٌ، قَالَ ابن الأثير: وهي الزَّرَدِيّة، ودِرعُ المرأة: قميصها، مذكّرٌ. انتهى (مَرْهُونَةٌ) أي محبوسة بسبب الدين، يقال: رهنته المتاعَ بالدين: إذا حبسته به، فهو مرهون، والأصل مرهون بالدين، فحُذف للعلم به، وأرهنته بالدين بالألف لغة قليلة، ومنعها الأكثر. قاله الفيّوميّ (عِنْدَ يَهُودِيٍّ) وتقدّم أن هَذَا اليهوديّ هو أبو الشحم، رجل منْ بني ظَفَر، بطن منْ الأوس، وكان حليفًا لهم (بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ لِأَهْلِهِ) أي بسبب أنه ﷺ أخذ منه ثلاثين صاعا منْ شعير لأجل أن ينفقه عَلَى أهل بيته، وفيه ما كَانَ عليه النبيّ ﷺ منْ التقلّل منْ الدنيا، وإيثار الآخرة، مع أن الله تعالى خيّره أن يجعل له الجبال ذهبًا، فأبى ذلك؛ لعلمه بحقارة الدنيا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٨٣/ ٤٦٥٣ - وفي "الكبرى" ٨٤/ ٦٢٤٧. وأخرجه (ت) فِي "البيوع" ١٢١٤ (ق) فِي "الأحكام" ٢٤٣٩ (أحمد) فِي "مسند بني هاشم" ٢١١٠ و٢٧١٩ و٢٧٣٨ و٣٣٩٩ (الدارمي) فِي "البيوع" ٢٤٦٩. وفوائد الْحَدِيث تقدّمت فِي ٥٨/ ٤٦١١ - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٨٤ - (بَيْعُ الْمُدَبَّرِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "المدبّر": اسم مفعول، منْ دبَر الرجل عبده تدبيرًا: إذا أعتقه بعد موته، ويقال: أعتق عبده عن دُبُر: أي بعد دُبُر، أي فِي آخر أمره. وَقَالَ
стр. 17022
فِي "الفتح": المدبّر: هو الذي علّق مالكه عتقه بموته، سُمّي بذلك لأن الموت دُبُر الحياة، أو لأن فاعله دَبّر أمر دنياه وآخرته، أما دنياه، فباستمراره عَلَى الانتفاع بخدمة عبده، وأما آخرته فبتحصيل ثواب العتق، وهو راجع إلى الأول؛ لأن تدبير الأمر مأخوذ منْ النظر فِي العاقبة، فيرجع إلى دبر الأمر، وهو آخره. انتهى "فتح" ٥/ ١٧٢ - ١٧٣. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٦٥٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ، عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "أَلَكَ مَالٌ غَيْرُهُ؟ "، قَالَ: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ "، فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيُّ، بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَجَاءَ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "ابْدَأْ بِنَفْسِكَ، فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ، فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ، فَهَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا"، يَقُولُ: بَيْنَ يَدَيْكَ، وَعَنْ يَمِينِكَ، وَعَنْ شِمَالِكَ).
رجال هَذَا الإسناد: أربعة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد الإِمام الحجة الثبت المصريّ [٧] ٣١/ ٣٥.
٣ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تدرس المكيّ، صدوق [٤] ٣١/ ٣٥.
٤ - (جابر) بن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ رباعيات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (٢٢٩) منْ رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بمصريين، فمكيين. (ومنها): أن فيه جابرًا ﵁ منْ المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ جَابِر) بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ) بضم العين المهملة، وسكون الذال المعجمة، بعدها راء: نسبة إلى قبيلة منْ قُضاعة، وَقَدْ سبق بيانه فِي ٦٠/ ٢٥٤٦ منْ "كتاب الزكاة"، وفي رواية أيوب التالية: "أن رجلاً منْ الأنصار، يقال له: أبو مذكور، أعتق غلامًا له عن دبر، يقال له: يعقوب" (عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ) بضمتين: أي بعد موته (فَبَلَغَ ذَلِكَ) أي عتقه المذكور (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ)
стр. 17023
- ﷺ (أَلَكَ مَالٌ غَيْرُهُ؟، قَالَ: لَا) أي ليس لي مالٌ غير هَذَا العبد، وفيه بيان سبب بيع العبد، وهو كونه لا يملك غيره، وقيل: سببه الدين، وقيل: سببه الدين والحاجة معًا، وتقدم بيان ذلك مفصّلاً فِي الباب المذكور (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي) فيه جواز بيع المدبّر، وهو محل الترجمة هنا، وفيه خلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه قريبًا، إن شاء الله تعالى (فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيُّ) هو نعيم بن عبد الله بن أَسيد بن عَبد بن عوف بن عَبيد بن عَويج بن عَدي بن كعب بن لؤي، وأَسيد وعَبيد وعَويج فِي نسبه مفتوحٌ أول كل منها، قرشي، عدوي، أسلم قديمًا قبل عمر، فكتم إسلامه، وأراد الهجرة، فسأله بنو عدي أن يُقيم عَلَى أي دين شاء؛ لأنه كَانَ يُنفق عَلَى أراملهم وأيتامهم، ففعل، ثم هاجر عام الحديبية، ومعه أربعون منْ أهل بيته، واستُشهد فِي فتوح الشام، زمنَ أبي بكر، أو عمر، وروى الحارث فِي "مسنده" بإسناد حسن: أن النبيّ ﷺ سماه صالحا، وكان اسمه الذي يعرف به نُعيما.
وكان يُعرف بـ"النحام" بالنون والحاء المهملة الثقيلة، عند الجمهور، وضبطه ابن الكلبي بضم النون، وتخفيف الحاء، ومنعه الصغاني، وهو لقب نُعيم، وظاهر الرواية أنه لقب أبيه، قَالَ النوويّ: وهو غلط؛ لقول النبيّ ﷺ : "دخلت الجنة فسمعت فيها نَحْمَةً منْ نعيم". انتهى، وكذا قَالَ ابن العربي، وعياض، وغير واحد، قَالَ الحافظ ﵀: لكن الْحَدِيث المذكور منْ رواية الواقدي، وهو ضعيف، ولا تُرَدُّ الروايات الصحيحة بمثل هَذَا، فلعل أباه أيضا، كَانَ يقال له: النحام، و"النَّحْمَة" -بفتح النون، وإسكان المهملة-: الصوت، وقيل: السَّعْلَة، وقيل: النحنحة. قاله فِي "الفتح" ٥/ ٤٧١.
(بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ) قَالَ فِي "الفتح": اتفقت الطرق عَلَى أن ثمنه ثمانمائة درهم، إلا ما أخرجه أبو داود، منْ طريق هشيم، عن إسماعيل، قَالَ: "سبعمائة، أو تسعمائة". انتهى.
(فَجَاءَ بِهَا) أي جاء نعيم بتلك الدراهم (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ) أي دفع ﷺ تلك الدراهم إلى صاحب المدبّر المذكور (ثُمَّ قَالَ: "ابْدَأْ بِنَفْسِكَ، فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا) وفي رواية: "إذا كَانَ أحدكم فقيرًا فليبدأ بنفسه". وفي رواية لأَبي داود: "أنت أحقّ بثمنه، والله أغنى عنه" (فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ، فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ، فَهَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا") أي تتصدّق به فِي وجوه الخير (يَقُولُ: بَيْنَ يَدَيْكَ، وَعَنْ يَمِينِكَ، وَعَنْ شِمَالِكَ) هَذَا تفسير منْ بعض الرواة.
[تنبيه]: قَالَ فِي "الفتح": ما حاصله: اتفقت الروايات عَلَى أن بيع المدبر كَانَ فِي
стр. 17024
حياة الذي دبره، إلا ما رواه شريك، عن سلمة بن كهيل، عن عطاء، عن جابر: "أن رجلا مات، وترك مدبرا، ودينا، فأمرهم النبيّ ﷺ ، فباعه فِي دينه بثمانمائة درهم"، أخرجه الدارقطنيّ، ونقل عن شيخه أبي بكر النيسابوري، أن شريكا أخطأ فيه، والصحيح ما رواه الأعمش وغيره، عن سلمة، وفيه: "ودفع ثمنه إليه"، وفي رواية النسائيّ منْ وجه آخر، عن إسماعيل بن أبي خالد: "ودفع ثمنه إلى مولاه"، وَقَدْ رواه أحمد، عن أسود بن عامر، عن شريك بلفظ: "أن رجلا دبر عبدا له، وعليه دين، فباعه النبيّ ﷺ فِي دين مولاه"، وهذا شبيه برواية الأعمش، وليس فيه للموت ذكر، وشريك كَانَ تغير حفظه، لَمّا ولي القضاء، وسماع منْ حمله عنه قبل ذلك أصح، ومنهم أسود المذكور. انتهى "فتح" ٥/ ١٧٣ - ١٧٤ "باب بيع المدبّر" منْ "كتاب البيوع" رقم ٢٢٣٠.
وَقَالَ أيضًا فِي "كتاب العتق" "باب بيع المدبّر": ما حاصله: وَقَدْ اتفقت طرق رواية عمرو بن دينار، عن جابر أيضًا عَلَى أن البيع وقع فِي حياة السيد، إلا ما أخرجه الترمذيّ، منْ طريق ابن عيينة عنه، بلفظ: "أن رجلا منْ الأنصار دَبّر غلاما له، فمات، ولم يترك مالا غيره" الْحَدِيث، وَقَدْ أعله الشافعيّ بأنه سمعه منْ ابن عيينة مرارا، لم يذكر قوله: "فمات"، وكذلك رواه الأئمة: أحمد، وإسحاق، وابن المديني، والحميدي، وابن أبي شيبة، عن ابن عيينة، ووَجَّهَ البيهقي الرواية المذكورة، بأن أصلها: أن رجلا منْ الأنصار، أعتق مملوكه، إن حدث به حادث فمات، فدعا به النبيّ ﷺ ، فباعه منْ نعيم، كذلك رواه مَطَرٌ الوراق، عن عمرو، قَالَ البيهقي: فقوله: "فمات" منْ بقية الشرط: أي فمات منْ ذلك الحدث، وليس إخبارا عن أن المدبر مات، فحذف منْ رواية ابن عيينة قوله: "إن حدث به حدث"، فوقع الغلط بسبب ذلك. والله أعلم. انتهى. "فتح" ٥/ ٤٧٢ "باب بيع المدبّر" منْ "كتاب العتق" رقم ٢٥٣٤.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث جابر رضي الله تعالى عنه هَذَا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٨٤/ ٤٦٥٤ و٤٦٥٥ و٤٦٥٦ - وتقدّم فِي "الزكاة" ٦٠/ ٢٥٤٦ - وفي "الكبرى" ٨٥/ ٦٢٤٨ و٦٢٤٩. وأخرجه (خ) فِي "البيوع" ١٩٩٧ (م) فِي "الزكاة" ١٦٦٣ وفي "الأيمان" ٣١٥٥ (د) فِي "العتق" ٣٤٤٥ و٣٤٤٦ (ت) فِي "البيوع" ١١٤٠ (ق) فِي "الأحكام" ٢٥٠٤ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١٣٦١٩. والله تعالى أعلم.
стр. 17025
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز بيع المدبّر، وهو مذهب الشافعيّ، وأهل الْحَدِيث، وهو الحقّ، وسيأتي تحقيق الخلاف فِي ذلك فِي المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): مشروعيّة تدبير المملوك، قَالَ القرطبيّ وغيره: اتفقوا عَلَى مشروعية التدبير، واتفقوا عَلَى أنه منْ الثلث، غير الليث، وزفر، فإنهما قالا: منْ رأس المال، واختلفوا هل هو عقد جائز، أو لازم، فمن قَالَ: لازم منع التصرف فيه، إلا بالعتق، ومن قَالَ: جائز أجاز، وبالأول قَالَ مالك، والأوزاعي، والكوفيون، وبالثاني قَالَ الشافعيّ، وأهل الْحَدِيث، وحجتهم حديث الباب، ولأنه تعليق للعتق بصفة، انفرد السيد بها، فيتمكن منْ بيعه، كمن علق عتقه بدخول الدار مثلا, ولأن منْ أوصى بعتق شخص، جاز له بيعه باتفاق، فيلحق به جواز بيع المدبر؛ لأنه فِي معنى الوصية، وقيد الليث الجواز بالحاجة، وإلا فيكره، وأجاب الأول بأنها قضية عين، لا عموم لها، فيحمل عَلَى بعض الصور، وهو اختصاص الجواز بما إذا كَانَ عليه دين، وهو مشهور مذهب أحمد، والخلاف فِي مذهب مالك أيضا، وأجاب بعض المالكية عن الْحَدِيث، بأنه ﷺ ، رَدَّ تصرف هَذَا الرجل؛ لكونه لم يكن له مال غيره، فيستدل به عَلَى رد تصرف منْ تصدق بجميع ماله، وادعى بعضهم أنه ﷺ ، إنما باع خدمة المدبر، لا رقبته، واحتَجَّ بما رواه ابن فضيل، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر: أنه ﷺ قَالَ: "لا بأس ببيع خدمة المدبر"، أخرجه الدارقطنيّ، ورجال إسناده ثقات، إلا أنه اختُلف فِي وصله وإرساله، ولو صح لم يكن فيه حجة، إذ لا دليل فيه عَلَى أن البيع الذي وقع فِي قصة المدبر، الذي اشتراه نعيم بن النحام، كَانَ فِي منفعته، دون رقبته. قاله فِي "الفتح" ٥/ ١٧٤ - ١٧٥. وسيأتي تمام البحث فِي المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
(ومنها): أنّ الحقوق إذا تزاحمت قُدّم الأوكد، فالأوكد (ومنها): أن الأفضل فِي صدقة التطوّع أن ينوّعها فِي جهات الخير، ووجوه البرّ، بحسب المصلحة، ولا ينحصر فِي جهة بعينها. (ومنها): أن الدين مقدّم عَلَى التبرّع بالتدبير (ومنها): أن للإمام أن يبيع أموال النَّاس بسبب ديونهم. (ومنها): أنه يُحجر عَلَى السفيه، ويُردّ عليه تصرّفه، وَقَدْ اختلف العلماء فِي ذلك، وَقَدْ تقدم تمام البحث فيه فِي شرح ١٢/ ٤٤٨٦ "حديث الرجل الذي كَانَ يُخدَع فِي البيع"، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي بيع المدبّر:
стр. 17026
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: ظاهر كلام الخرقي أنه يباع فِي الدين، وَقَدْ أومأ إليه أحمد. وَقَالَ مالك: لا يباع إلا فِي دين، يغلب رقبة العبد، فإذا كَانَ العبد يساوي ألفا، فكان عليه خمسمائة لم يبع العبد. وروي عن أحمد أنه قَالَ: أنا أرى بيع المدبر فِي الدين، وإذا كَانَ فقيرا لا يملك شيئا، رأيت أن أبيعه؛ لأن النبيّ ﷺ ، قد باع المدبر لَمّا علم أن صاحبه لا يملك شيئا غيره، باعه النبيّ ﷺ ، لما علم حاجته. وهذا قول إسحاق، وأبي أيوب، وأبي خيثمة (١)، وقالا: إن باعه منْ غير حاجة أجزأناه. ونقل جماعة عن أحمد، جواز بيع المدبر مطلقا، فِي الدين وغيره، مع الحاجة وعدمها، قَالَ إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عن بيع المدبر، إذا كَانَ بالرجل حاجة إلى ثمنه؟ قَالَ: له أن يبيعه محتاجا كَانَ إلى ذلك، أو غير محتاج، وهذا هو الصحيح، وروي مثل هَذَا عن عائشة، وعمر بن عبد العزيز، وطاوس، ومجاهد، وهو قول الشافعيّ.
وكره بيعه ابن عمر، وسعيد بن المسيب، والشعبي، والنخعي، وابن سيرين، والزهري، والثوري، والأوزاعي، والحسن بن صالح، وأصحاب الرأي، ومالك؛ لأن ابن عمر ﵄، رَوَى أن النبيّ ﷺ قَالَ: "لا يباع المدبر، ولا يُشترى" (٢)، ولأنه استحق العتق بموت سيده، فأشبه أم الولد.
قَالَ: ولنا ما روى جابر ﵁: أن رجلا أعتق مملوكا له عن دبر، فاحتاج، فَقَالَ رسول الله ﷺ : "منْ يشتريه مني"، فباعه منْ نعيم بن عبد الله، بثمانمائة درهم، فدفعها إليه، وَقَالَ: "أنت أحوج منه"، متَّفقٌ عليه، قَالَ جابر: عبد قبطي مات عام أول، فِي إمارة ابن الزبير. وَقَالَ أبو إسحاق الْجُوزجاني: صحت أحاديث بيع المدبر، باستقامة الطرق، والخبر إذا ثبت، استغني به عن غيره، منْ رأي النَّاس. ولأنه عتق بصفة، ثبت بقول المعتق، فلم يمنع البيع، كما لو قَالَ: إن دخلت الدار فأنت حر، ولأنه تبرع بمال بعد الموت، فلم يمنع البيع فِي الحياة كالوصية، قَالَ أحمد: هم يقولون: منْ قَالَ غلامي حر رأسَ الشهر، فله بيعه قبل رأس الشهر، وإن قَالَ: غدا فله بيعه اليوم، وإن قَالَ: إذا مت قَالَ: لا يبيعه، فالموت أكثر منْ الأجل، ليس هَذَا قياسا، إن جاز يبيعه قبل رأس الشهر، فله أن يبيعه قبل مجيء الموت، وهم يقولون فيمن قَالَ: إن مت منْ مرضي هَذَا، فعبدي حر، ثم لم يمت منْ مرضه ذلك، فليس بشيء، وإن قَالَ: إن مت فهو حر، لا يباع، هَذَا متناقض، إنما أصله الوصية منْ الثلث، فله أن يغير وصيته، ما دام حيا، فأما خبرهم فلم يصح عن النبيّ ﷺ ، إنما هو منْ قول ابن عمر،
стр. 17027
وَقَالَ الطحاوي: هو عن ابن عمر، وهو ليس بمسند عن النبيّ ﷺ ، ويحتمل أنه أراد بعد الموت، أو عَلَى الاستحباب. انتهى "المغني" ١٤/ ٤١٩ - ٤٢١.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث: "لا يباع المدبر، ولا يُشترى" أخرجه الدارقطنيّ فِي "سننه" ٤/ ١٣٨، والبيهقي فِي "السنن الكبرى" ١٠/ ٣١٤، وهو حديث واه، بل حكم الشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى بوضعه، راجع "الإرواء" ٦/ ١٧٧. والله تعالى أعلم.
وَقَالَ فِي "الفتح": ما حاصله: مذهب الشافعيّ، وأهل الْحَدِيث جواز بيع المدبّر، وَقَدْ نقله البيهقي فِي "المعرفة" عن أكثر الفقهاء، وحكى النوويّ عن الجمهور مقابله، وعن الحنفية، والمالكية أيضا تخصيص المنع بمن دبر تدبيرا مطلقا، أما إذا قيده، كأن يقول إن متُّ منْ مرضي هَذَا ففلان حر، فإنه يجوز بيعه؛ لأنها كالوصية، فيجوز الرجوع فيها. وعن أحمد يمتنع بيع المدبرة دون المدبر. وعن الليث يجوز بيعه إن شَرَط عَلَى المشتري عتقه، وعن ابن سيرين: لا يجوز بيعه، إلا منْ نفسه.
ومال ابن دقيق العيد إلى تقييد الجواز بالحاجة، فَقَالَ: منْ منع بيعه مطلقا، كَانَ الْحَدِيث حجة عليه؛ لأن المنع الكلي يناقضه الجواز الجزئي، ومن أجازه فِي بعض الصور، فله أن يقول: قلت بالحديث فِي الصورة التي ورد فيها، فلا يلزمه القول به فِي غير ذلك منْ الصور. وأجاب منْ أجازه مطلقا، بأن قوله: "وكان محتاجا"، لا مدخل له فِي الحكم، وإنما ذُكر لبيان السبب فِي المبادرة لبيعه؛ ليتبين للسيد جواز البيع، ولولا الحاجة لكان عدم البيع أولى، وأما منْ ادعى أنه إنما باع خدمته، فقد أجيب عنه بأنه لا تعارض بين الحديثين، وبأن المخالفين لا يقولون بجواز بيع خدمة المدبر. أفاده فِي "الفتح" ٥/ ٤٧١ - ٤٧٢.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى هو الأرجح، وحاصله جواز بيعه للحاجة؛ عملاً بظاهر الْحَدِيث، قَالَ الشوكانيّ رحمه الله تعالى -بعد أن أذكر الخلاف المذكور-: ولا يخفى أن فِي الْحَدِيث إيماءً إلى المقتضي لجواز البيع بقوله: "فاحتاج"، وبقوله: "اقض دينك، وأنفق عَلَى عيالك"، لا يقال: الأصل جواز البيع، والمنع منه يحتاج إلى دليل، ولا يصلح لذلك حديث الباب؛ لأن غايته أن البيع فيه وقع للحاجة، ولا دليل عَلَى اعتبارها فِي غيره، بل مجرّد ذلك الأصل كاف فِي الجواز؛ لأنا نقول: قد عارض ذلك الأصل إيقاع العتق المعلّق، فصار الدليل بعده عَلَى مدّعي الجواز، ولم يَرِد الدليل إلا فِي صورة الحاجة، فيبقى ما عداها عَلَى أصل المنع. انتهى "نيل الأوطار" ٦/ ٩٦ - ٩٧. وهو كلام نفيسٌ جدًّا.
стр. 17028
والحاصل أن الحقّ جواز بيع المدبّر عند حاجة صاحبه، وأما بدونها فلا؛ لما عرفت منْ الحجة الواضحة، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٥٥ - (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ، يُقَالُ لَهُ: أَبُو مَذْكُورٍ، أَعْتَقَ غُلامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، يُقَالُ لَهُ: يَعْقُوبُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَدَعَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "مَنْ يَشْتَرِيهِ؟ "، فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، وَقَالَ: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فَقِيرًا، فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ فَضْلاً، فَعَلَى عِيَالِهِ، فَإِنْ كَانَ فَضْلاً، فَعَلَى قَرَابَتِهِ"، أَوْ "عَلَى ذِي رَحِمِهِ، فَإِنْ كَانَ فَضْلاً، فَهَاهُنَا وَهَاهُنَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
و"إسماعيل": هو ابن عليّة. و"أيوب": هو السختياني.
وقوله: "فإن كَانَ فضلاً الخ": هكذا النسخ كلها، وهو صحيح، فيكون اسم "كَانَ" ضميرًا يعود إلى المال المفهوم منْ المقام، و"فضلاً" بمعنى فاضلاً: والمعنى: فإن كَانَ المال فاضلاً: أي زائدًا عَلَى حاجة نفسه، فلينفقه عَلَى عياله، إلى آخره.
والحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق شرحه، وتخريجه فِي الْحَدِيث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٥٦ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، وَابْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَاعَ الْمُدَبَّرَ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
و"سفيان": هو الثوريّ. و"ابن أبي خالد": هو إسماعيل. و"عطاء": هو ابن أبي رباح. وفي الإسناد ثلاثة منْ التابعين فِي نسق: إسماعيل، وسلمة، وعطاء، فإسماعيل وسلمة قرينان، منْ صغار التابعين، وعطاء منْ أوساطهم. والله تعالى أعلم.
وقوله: "باع المدبّر": هكذا رواه بهذا السند مختصرًا، وكذا أورده البخاريّ أيضًا، مختصرًا, ولفظه: "باع النبيّ ﷺ المدبر"، قَالَ فِي "الفتح": هكذا أورده مختصرا، وأخرجه ابن ماجه منْ طريق وكيع كذلك، وأخرجه أحمد عن وكيع كذلك، لكن زاد عن سفيان، وإسماعيل جميعا عن سلمة، وأخرجه الإسماعيلي، منْ طريق أبي بكر بن خالد، عن وكيع، ولفظه: "فِي رجل أعتق غلاما له عن دبر، وعليه دين، فباعه رسول
стр. 17029
الله ﷺ ، بثمانمائة درهم"، وَقَدْ أخرجه البخاريّ فِي "الأحكام" عن ابن نمير شيخه فيه هنا، لكن قَالَ، عن محمد بن بشر، بدل وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، ولفظه: "بلغ النبيّ ﷺ ، أن رجلا منْ أصحابه، أعتق غلاما له عن دبر، لم يكن له مال غيره، فباعه بثمانمائة درهم، ثم أرسل بثمنه إليه"، وترجم عليه: "بيع الإِمام عَلَى النَّاس أموالهم"، وَقَالَ فِي الترجمة: "وَقَدْ باع النبيّ ﷺ مدبرا، منْ نعيم بن النحام، وأشار بذلك إلى ما أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي منْ طريق أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر: "أن رجلا منْ الأنصار، يقال له: أبو مذكور، أعتق غلاما له، يقال له: يعقوب عن دبر، لم يكن له مال غيره، فدعا به رسول الله ﷺ ، فَقَالَ: "منْ يشتريه؟ "، فاشتراه نعيم بن عبد الله النحام، بثمانمائة درهم، فدفعها إليه" الْحَدِيث، وعند البخاريّ فِي "باب بيع المزايدة" منْ وجه آخر، عن عطاء بلفظ: "أن رجلا أعتق غلاما له عن دبر، فاحتاج، فأخذه النبيّ ﷺ ، فَقَالَ: منْ يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله"، فأفاد فِي هذه الرواية سبب بيعه، وهو الاحتياج إلى ثمنه، وفي رواية ابن خلاد زيادة فِي تفسير الحاجة، وهو الدين، فقد ترجم له فِي "الاستقراض" "منْ باع مال المفلس، فقسمه بين الغرماء، أو أعطاه حَتَّى ينفق عَلَى نفسه"، وكأنه أشار بالأول إلى ما تقدم منْ رواية وكيع، عند الإسماعيلي، فِي قوله: "وعليه دين"، وإلى ما أخرجه النسائيّ، منْ طريق الأعمش، عن سلمة بن كهيل، بلفظ: "أن رجلا منْ الأنصار أعتق غلاما له عن دبر، وكان محتاجا، وكان عليه دين، فباعه رسول الله ﷺ ، بثمانمائة درهم، وأعطاه، وَقَالَ: اقض دينك"، وبالثاني إلى ما أخرجه مسلم، والنسائي، منْ طريق الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، قَالَ: "أعتق رجل منْ بني عُذرة عبدا له عن دبر، فبلغ ذلك النبيّ ﷺ ، فَقَالَ: ألك مال غيره، فَقَالَ لا"، الْحَدِيث، وفيه: "فدفعها إليه، ثم قَالَ: ابدأ بنفسك، فتصدق عليها"، الْحَدِيث، وفي رواية أيوب المذكورة نحوه، ولفظه: "إذا كَانَ أحدكم فقيرا، فليبدأ بنفسه، فإن كَانَ فضل فعلى عياله" الْحَدِيث. انتهى "فتح" ٥/ ١٧٣.
والحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق شرحه، وتخريجه قبل حديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
***
стр. 17030
٨٥ - (بَيْعُ الْمُكَاتَبِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "المُكَاتَبُ" بفتح المثنّاة الفوقيّة: اسم مفعول، منْ كاتب، قَالَ الأزهريّ: الكتاب، والمكاتبة: أن يُكاتب الرجل عبده، أو أمته عَلَى مال مُنَجَّم، ويَكتُب العبد عليه أنه يَعتِقُ إذا أدّى النجوم، وَقَالَ غيره: بمعناه، وتكاتبا كذلك، فالعبد مُكاتَبٌ بالفتح، اسم مفعول، وبالكسر اسم فاعل؛ لأنه كاتب سيّده، فالفعل منهما، والأصل فِي باب المفاعلة أن يكون منْ اثنين، فصاعدًا، يفعل أحدهما بصاحبه ما يَفعل هو به، وحينئذ، فكلّ واحد فاعل ومفعول منْ حيث المعنى. قاله الفيّوميّ.
وَقَالَ فِي "الفتح": المكاتب بالفتح: منْ تقع له الكتابة، وبالكسر منْ تقع منه، وكاف الكتابة تكسر، وتفتح، كعين العتاقة، قَالَ الراغب: اشتقاقها منْ كتب بمعنى أوجب، ومنه قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النِّساء: ١٠٣]، أو بمعنى جَمَعَ، وضَمَّ، ومنه كتبت الخط، وعلى الأول تكون مأخوذة منْ معنى الالتزام، وعلى الثاني تكون مأخوذة منْ الخط؛ لوجوده عند عقدها غالبا، قَالَ الروياني: الكتابة إسلامية، ولم تكن تُعرَف فِي الجاهلية، كذا قَالَ، وكلام غيره يأباه، ومنه قول ابن التين: كانت الكتابة متعارفة قبل الإِسلام، فأقرها النبيّ ﷺ . وَقَالَ ابن خزيمة فِي كلامه عَلَى حديث بريرة: قيل: إن بَرِيرة أول مُكاتبة فِي الإِسلام، وَقَدْ كانوا يكاتبون فِي الجاهلية بالمدينة، وأول منْ كوتب منْ الرجال فِي الإِسلام سلمان ﵁. وحكى ابن التين أن أول منْ كوتب أبو المؤمل، فَقَالَ النبيّ ﷺ : "أعينوه"، وأول منْ كوتب منْ النِّساء بريرة، وأول منْ كوتب بعد النبيّ ﷺ ، أبو أمية مولى عمر ﵁، ثم سيرين مولى أنس ﵁.
واختلف فِي تعريف الكتابة، وأحسنه: تعليق عتقٍ بصفة، عَلَى معاوضة مخصوصة. والكتابة خارجة عن القياس، عند منْ يقول: إن العبد لا يملك، وهي لازمة منْ جهة السيد، إلا إن عجز العبد، وجائزة له عَلَى الراجح منْ أقوال العلماء فيها. انتهى "فتح" ٥/ ٤٩٣.
وَقَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: الكتابة إعتاق السيد عبده عَلَى مال فِي ذمته، يُؤَدَّى مؤجلا، سميت كتابة؛ لأن السيد يكتب بينه وبينه كتابا، بما اتفقا عليه، وقيل: سميت كتابة منْ الكَتْب، وهو الضم؛ لأن المكاتب يضم بعض النجوم إلى بعض، ومنه سمي الْخَرْزُ كتابا لأنه يضم أحد الطرفين إلى الآخر بِخَرْزِة، وَقَالَ الحريري [منْ البسيط]:
وَكَاتِبِينَ وَمَا خَطَّتْ أَنَامِلُهُمْ … حَرْفًا وَلَا قَرَؤُوا مَا خُطَّ فِي الْكُتُبِ
стр. 17031
وَقَالَ ذو الرُّمَّة فِي ذلك المعنى [منْ البسيط أيضًا]:
وَفْرَاءَ غَرْفِيَّةٍ أَثْأَى خَوَارِزُهَا … مُشَلْشَلٌ ضَيَّعَتهُ بَيْنَهَا الْكُتَبُ (١)
يصف قِربة يَسيل الماء منْ بين خرزها، وسميت الكتيبة كتيبة لانضمام بعضها إلى بعض، والمكاتب يضم بعض نجومه إلى بعض، والنجوم هنا الأوقات المختلفة؛ لأن العرب كانت لا تعرف الحساب، وإنما تعرف الأوقات بطلوع النجوم، كما قَالَ بعضهم [منْ الرجز]:
إِذَا سُهَيْلٌ أَوَّلَ اللَّيْلِ طَلَعْ … فَابْنُ اللَّبُونِ الْحِقُّ وَالْحِقُّ جَذَعْ
فسميت الأوقات نجوما، والأصل فِي الكتابة: الكتابُ والسنة، والإجماع: أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ الآية [النور: ٣٣]، وأما السنة: فما رَوَى سعيد، عن سفيان، عن الزهريّ، عن نبهان مولى أم سلمة، عن أم سلمة: أن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إذا كَانَ لإحداكن مكاتب، فملك ما يؤدي، فلتحتجب منه" (٢)، ورَوَى سهل بن حُنيف ﵁: أن النبيّ ﷺ قَالَ: "منْ أعان غارما، أو غازيا، أو مكاتبا فِي كتابته، أظله الله يوم لا ظل إلا ظله" (٣)، أخرجه أحمد فِي "مسنده" ٣/ ٤٨٧ والبيهقيّ فِي "السنن الكبرى" ١٠/ ٣٢٠ فِي أحاديث كثيرة سواهما، وأجمعت الأمة عَلَى مشروعية الكتابة. انتهى "المغني" ١٤/ ٤٤١. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٦٥٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَخْبَرَتْهُ أَنَّ بَرِيرَةَ، جَاءَتْ عَائِشَةَ، تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا شَيْئًا، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ، فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ، وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ لأَهْلِهَا، فَأَبَوْا، وَقَالُوا: إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ، فَلْتَفْعَلْ، وَيَكُونَ لَنَا وَلَاؤُكِ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ابْتَاعِي، وَأَعْتِقِي، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا، لَيْسَتْ
стр. 17032
فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَمَنِ اشْتَرَطَ شَيْئًا، لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
والسند مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فبغلانيّ، والليث بن سعد، فمصريّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، ورواية الراوي عن خالته، وفيه عائشة رضي الله تعالى عنها منْ المكثرين السبعة، وَقَدْ تقدّم هَذَا غير مرّة.
قوله: "بريرة" بفتح الموحّدة، وكسر الراء: بنت صفوان مولاة عائشة رضي الله تعالى عنهما.
وقولها: "أن أقضي عنك كتابتك": أي أشتريك، وأُعتقك، وسُمي ذلك قضاء للكتابة مجازًا، ثم فيه بيع المكاتب، ومن لا يراه يحمله عَلَى أنه كَانَ بعد فسخ الكتابة، وتعجيزها برضا الطرفين، والصواب الأول، كما سيأتي تحقيقه فِي المسألة الثانية، إن شاء الله تعالى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث متّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق فِي "الزكاة" ٢٦١٤ و"الطلاق" ٣٤٤٧ و٣٤٥١ ومضى شرحه مستوفى هناك، وكذا بيان مسائله، وَقَدْ بقي البحث هنا فيما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، فأقول: فيه مسألتان:
(المسألة الأولى): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم الكتابة:
ذهب عامّة أهل عامة أهل العلم إلى أن الكتابة مستحبّة، إذا سأل العبد سيده مكاتبته، وعلم مولاه فيه خيرًا، وممن قَالَ بهذا: الحسن، والشعبي، ومالك، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي.
وعن أحمد أنها واجبة، إذا دعا العبد المكتسب الصدوق سيده إليها، فعليه إجابته، وهو قول عطاء، والضحاك، وعمرو بن دينار، وداود، وَقَالَ إسحاق أخشى: أن يأثم إن لم يفعل، ولا يُجبر عليه، ووجه ذلك قول الله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، وظاهر الأمر الوجوب، وروي أن سيرين أبا محمد بن سيرين، كَانَ عبدا لأنس بن مالك ﵁، فسأله أن يكاتبه فأبى، فأخبر سيرين عمر بن الخطاب ﵁ بذلك، فرفع الدَّرَّة عَلَى أنس، وقرأ عليه: ﵁ ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، فكاتبه أنس ﵁.
واحتجّ الأولون بأنه إعتاق بعوض، فلم يجب كالاستسعاء، والآية محمولة عَلَى الندب، وقول عمر ﵁ يخالف فعل أنس.
стр. 17033
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي هو القول بوجوب الكتابة، إذا طلب العبد ذلك؛ لظاهر الآية، حيث إن الأمر للوجوب، إذا لم يوجد له صارف، ولم يذكروا هنا صارفًا مقنعًا. والله تعالى أعلم.
قَالَ: ولا خلاف بينهم فِي أن منْ لا خير فيه، لا تجب إجابته. قَالَ أحمد: الخير صدق، وصلاح، ووفاء بمال الكتابة، ونحوَ هَذَا قَالَ إبراهيم، وعمرو بن دينار، وغيرهما، وعبارتهم فِي ذلك مختلفة. قَالَ ابن عباس: غَنَاءٌ، وإعطاء للمال. وَقَالَ مجاهد: غَناءٌ، وأداء. وَقَالَ النخعي: صدق، ووفاء. وَقَالَ عمرو بن دينار: مال وصلاح، وَقَالَ الشافعيّ: قوة عَلَى الكسب، وأمانة.
وهل تكره كتابة منْ لا كسب له، أو لا؟ قَالَ القاضي: ظاهر كلام أحمد كراهيته، وكان ابن عمر ﵄ يكرهه، وهو قول مسروق، والأوزاعي. وعن أحمد رواية أخرى: أنه لا يكره، ولم يكرهه الشافعيّ، وإسحاق، وابن المنذر، وطائفة منْ أهل العلم؛ لأن جويرية بنت الحارث، كاتبها ثابت بن قيس بن شماس الأنصاريّ، فأتت النبيّ ﷺ ، تستعينه فِي كتابتها، فأَدَّى عنها كتابتها، وتزوجها.
واحتج ابن المنذر بأن بريرة، كاتبت ولا حرفة لها, ولم ينكر ذلك رسول الله ﷺ .
قَالَ الموفّق: وينبغي أن ينظر فِي المكاتب، فإن كَانَ ممن يتضرر بالكتابة، ويضيع لعجزه عن الإنفاق عَلَى نفسه، ولا يجد منْ يُنفق عليه، كرهت كتابته، وإن كَانَ يجد منْ يكفيه مؤنته، لم تكره كتابته؛ لحصول النفع بالحرية منْ غير ضرر.
فأما جويرية، فإنها كانت ذات أهل ومال، وكانت ابنة سيد قومه، فإذا عتقت رجعت إلى أهلها، فأخلف الله لها خيرا منْ أهلها، فتزوجها رسول الله ﷺ ، وصارت إحدى أمهات المؤمنين، وأعتق النَّاس ما كَانَ بأيديهم منْ قومها، حين بلغهم أن رسول الله ﷺ تزوجها، وقالوا: أصهار رسول الله ﷺ ، فلم يُرَ امرأةٌ أعظم بركة عَلَى قومها منها.
وأما بريرة، فإن كتابتها تدل عَلَى إباحة ذلك، وأنه ليس بمنكر، ولا خلاف فيه، وإنما الخلاف فِي كراهته. وَقَالَ مسروق: إذا سأل العبد مولاه المكاتبة، فإن كَانَ له مكسبة، أو كَانَ له مال، فليكاتبه، وإن لم يكن له مال، ولا مكسبة، فليحسن ملكته، ولا يكلفه إلا طاقته. ذكره فِي "المغني" ١٤/ ٤٤٢ - ٤٤٤.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنَّ القول بعدم كراهة كتابة العبد الذي لا كسب له، إذا كَانَ بطلب منه هو الأرجح؛ لظاهر حديث بريرة، وجويرية رضي الله تعالى عنهما. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم بيع المكاتب:
стр. 17034
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: ما حاصله: ذهب عطاء، والنخعي، والليث، وابن المنذر، إلى جواز بيع المكاتب، وهو قديم قولي الشافعيّ، قَالَ: لا وجه لقول منْ قَالَ: لا يجوز.
وحكى أبو الخطاب عن أحمد، رواية أخرى: أنه لا يجوز بيعه، وهو قول مالك، وأصحاب الرأي، والجديد منْ قولي الشافعيّ؛ لأنه عقد يَمنَع استحقاقَ كسبه، فَمَنَع بيعَه، كبيعه وعتقه.
وَقَالَ الزهريّ، وأبو الزناد: يجوز بيعه برضاه، ولا يجوز، إذا لم يرض. وحكي ذلك عن أبي يوسف؛ لأن بريرة، إنما بيعت برضاها وطلبها, ولأن لسيده استيفاء منافعه برضاه، ولا يجوز بغير رضاه، كذلك بيعه.
وحجة الأولين ما رَوَى عروة عن عائشة: أنها قالت: جاءت بريرة إلى، فقالت: يا عائشة إني كاتبت أهلي عَلَى تسع أواق، فِي كل عام أوقية، فأعينني، ولم تكن قضت منْ كتابتها شيئا، فقالت لها عائشة، ونَفِسَت (١) فيها: ارجعي إلى أهلك، إن أحبوا أن أعطيهم ذلك جميعا فعلت، فذهبت بريرة إلى أهلها، فعرضت عليهم ذلك، فأبوا، وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل، ويكون ولاؤك لنا، فذكرت ذلك عائشة لرسول الله ﷺ ، فَقَالَ: "لا يمنعك ذلك منها، ابتاعي، وأعتقي، إنما الولاء لمن أعتق"، فقام رسول الله ﷺ فِي النَّاس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قَالَ: "ما بال ناس، يشترطون شروطا ليست فِي كتاب الله، ومن اشترط شرطا ليس فِي كتاب الله، فهو باطل، وإن كَانَ مائة شرط، قضاء الله أحق, وشرطه أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق"، مُتَّفقٌ عليه.
قَالَ ابن المنذر: بيعت بريرة بعلم النبيّ ﷺ ، وهي مكاتبة، ولم ينكر ذلك، ففي ذلك أبين البيان، أن بيعه جائز، ولا أعلم خبرا يعارضه، ولا أعلم فِي شيء منْ الأخبار دليلا عَلَى عجزها، وتأوله الشافعيّ عَلَى أنها كانت قد عجزت، وكان بيعها فسخا لكتابتها، وهذا التأويل بعيد، يحتاج إلى دليل، فِي غاية القوة، وليس فِي الخبر ما يدل عليه، بل قولها: "أعينيني عَلَى كتابتي" دليلٌ عَلَى بقائها عَلَى الكتابة، ولأنها أخبرتها أن نجومها فِي كل عام أوقية، فالعجز إنما يكون بمضي عامين، عند منْ لا يرى العجز إلا بحلول نجمين، أو بمضي عام عند الآخرين، والظاهر أن شراء عائشة لها كَانَ فِي أول كتابتها, ولا يصح قياسه عَلَى أم الولد؛ لأن سبب حريتها مستقر، عَلَى وجه لا يمكن
стр. 17035
فسخه بحال، فأشبه الوقف، والمكاتبُ يجوز رده إلى الرق، وفسخ كتابته إذا عجز فافترقا. قَالَ ابن أبي موسى: وهل للسيد أن يبيع المكاتب بأكثر مما عليه عَلَى روايتين، ولأن المكاتب عبد مملوك لسيده، لم يتحتم عتقه فجاز بيعه، كالمعلق عتقه بصفة.
والدليل عَلَى أنه مملوك، قول النبيّ ﷺ : "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم" (١)، وأن مولاته لا يلزمها أن تحتجب منه، بدليل قوله ﵇: "إذا كَانَ لإحداكن مكاتب، فملك ما يؤدي فلتحتجب منه" (٢)، فيدل عَلَى أنها لا تحتجب قبل ذلك، وَقَدْ روينا فِي هَذَا عن نبهان مولى أم سلمة، أنه قَالَ: قالت لي أم سلمة: يا نبهان هل عندك ما تؤدي؟ قلت: نعم، فأرخت الحجاب بيني وبينها، وروت هَذَا الْحَدِيث، قَالَ: فقلت: لا والله ما عندي ما أؤدي، ولا أنا بمؤدّ، وإنما سقط الحجاب عنها منه؛ لكونه مملوكها, ولأنه يصح عتقه، ولا يصح عتق منْ ليس بمملوك، ويرجع عند العجز إلى كونه قنّا, ولو صار حرّا ما عاد إلى الرق، ويفارق إعتاقه؛ لأنه يزيل الرق بالكلية، وليس بعقد، وإنما هو إسقاط للملك فيه، وأما بيعه فلا يمنع مالكه بيعه، وأما البائع فلم يبق له فيه ملك بخلاف مسألتنا. انتهى كلام الموفّق رحمه الله تعالى "المغني" ١٤/ ٥٣٥ - ٥٣٧.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي قول منْ قَالَ بجواز بيع المكاتب بشرط رضاه بذلك، كما هو واقعة بريرة رضي الله تعالى عنها، وهو الذي رجحه الإِمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه"، حيث قَالَ: "باب بيع المكاتب، إذا رضي". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
стр. 17036
٨٦ - (الْمُكَاتَبُ يُبَاعُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَنْ كِتَابَتِهِ شَيْئًا)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر هذه الترجمة أن المصنّف يرى أن جواز بيع المكاتب مشروط بعدم أدائه شيئًا منْ بدل الكتابة، وإلا فلا يجوز، فكأنه يريد تقييد إطلاق الباب الماضي، لكن الظاهر أن هَذَا ليس بشرط؛ لأنه ﷺ لما أجاز بيع بريرة لم يذكر أيَّ قيدٍ، ولا أيَّ شرط، فدلّ عَلَى جوازه مطلقًا. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٦٥٨ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ يُونُسُ، وَاللَّيْثُ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ، أَخْبَرَهُمْ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَتْ بَرِيرَةُ إِلَيَّ، فَقَالَتْ: يَا عَائِشَةُ، إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِي، وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: وَنَفِسَتْ فِيهَا: ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ، فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أُعْطِيَهُمْ ذَلِكَ جَمِيعًا، وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ، فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا، فَعَرَضَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأَبَوْا، وَقَالُوا: إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ، وَيَكُونَ ذَلِكَ لَنَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ عَائِشَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ مِنْهَا، ابْتَاعِي، وَأَعْتِقِي، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ"، فَفَعَلَتْ، وَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ، فَمَا بَالُ النَّاسِ، يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
والسند مسلسلٌ بثقات المصريين إلى ابن شهاب، ومنه بالمدنيين.
وقوله: "ونفست" بكسر الفاء، كرغبت وزنًا ومعنى، والجملة فِي محلّ نصب عَلَى الحال، منْ فاعل "قالت".
وقوله: "أن تحتسب": أي تطلب الأجر منْ الله تعالى، يقال: احتسب الأجر عَلَى الله: ادّخره عنده، لا يرجو ثواب الدنيا. قاله الفيّوميّ.
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق تمام البحث فيه فِي الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
стр. 17037
٨٧ - (بَيْعُ الْوَلَاءِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الوَلاء": بفتح الواو: النصرة، لكنه خُصّ فِي الشرع بولاء العتق. والولاية بالفتح، والكسر: النُّصرة، واستولى غلب عليه، وتمكّن منه، والمولى: ابنُ العمّ، والمولى: العَصَبةُ، والمولى: الناصر، والمولى: الحليف، وهو الذي يقال له: مولى الموالاة، والمولى: المعتِقُ، وهو مَوْلَى النعمة، والمولى: العَتِيقُ، وهم موالي بني هاشم: أي عُتَقاؤهم. أفاده الفيّوميّ. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٦٥٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رضى الله عنه: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ، وَعَنْ هِبَتِهِ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (إسماعيل بن مسعود) الْجَحْدريّ، أبو مسعود البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧ منْ أفراد المصنّف.
٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧.
٣ - (عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمريّ المدنيّ، ثقة ثبت [٥] ١٥/ ١٥.
٤ - (عبد الله بن دينار) العدويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقة [٤] ١٦٧/ ٢٦٠.
٥ - (عبد الله) بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين, غير شيخه, وخالد، فبصريان. (ومنها). أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّن، وفيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة روى (٢٦٣٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما. وفي رواية الإسماعيلي،
стр. 17038
منْ طريق أحمد بن سنان، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة وسفيان، عن ابن دينار، سمعت ابن عمر، وفي مسند الطيالسي، عن شعبة، قلت لعبد الله بن دينار: أنت سمعت هَذَا منْ ابن عمر؟ قَالَ: نعم سأله ابنه عنه، وذكره أبو عوانة عن بهز بن أسد، عن شعبة، قلت لابن دينار: أنت سمعته منْ ابن عمر؟، قَالَ: نعم وسأله ابنه حمزة عنه، وكذا وقع فِي رواية عفان، عن شعبة، عند أبي نعيم. وأخرجه منْ وجه آخر، أن شعبة قَالَ: قلت لابن دينار: آللَّهِ لقد سمعت ابن عمر يقول هَذَا؟ فيحلف له، وقيل لابن عيينة: إن شعبة يستحلف عبد الله بن دينار، قَالَ: لكنا لم نستحلفه، سمعته منه مرارا، رواه الحميدي فِي مسنده عن سفيان، وأخرجه الدارقطنيّ فِي "غرائب مالك" منْ طريق الحسن بن زياد اللؤلؤي، عن مالك، عن ابن دينار، عن حمزة بن عبد الله بن عمر، أنه سأل أباه عن شراء الولاء؟ فذكر الْحَدِيث، فهذا ظاهره أن ابن دينار لم يسمعه منْ ابن عمر، وليس كذلك. قاله فِي "الفتح" ١٢/ ٤٤ - ٤٥.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَهَى عَنْ بَيْع الْوَلَاءِ، وَعَنْ هِبَتِهِ) قَالَ الخطّابيّ رحمه الله تعالى: قَالَ ابن الأعرابيّ، محمد بن زياد (١): كانت العرب تبيع ولاء مواليها:
فَبَاعُوهُ مَمْلُوكًا وَبَاعُهُ مُعْتَقًا … فَلَيْسَ لَهُ حَتَّى الْمَمَاتِ خَلَاصُ
فنهاهم رسول الله ﷺ عن ذلك. وهذا كالإجماع منْ أهل العلم، إلا أنه قد رُوي عن ميمونة ﵂ أنه كانت وهبت ولاء مواليها منْ العبّاس، أو منْ ابن عباس ﵃. قَالَ: وسمعت أبا الوليد حسّان بن محمد يذكر أن الذي وهبته ميمونة منْ الولاء، كَانَ ولاء سابية، وولاء السابية قد اختلف فيه أهل العلم. انتهى "معالم السنن" ٤/ ١٨٧.
وَقَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: ليس المراد به المال بعد موت المعتّق بالفتح، وانتقاله إلى المعتق بالكسر، بل المراد هو السبب الذي بين المعتَق، والمعتَق الذي هو سبب لانتقال هَذَا المال. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٨٧/ ٤٦٥٩ و٤٦٦٠ و٤٦٦١ - وفي "الكبرى" ٨٨/ ٦٢٥٣ و٦٢٥٤ و٦٢٥٥. وأخرجه (خ) فِي "العتق" ٢٥٣٥ (م) فِي "العتق" ١٥٠٦ (د) فِي "الفرائض"
стр. 17039
٢٩١٩ (ت) فِي "البيوع" ١٢٣٦ و"الولاء والهبة" ٢١٢٦ (ق) فِي "الفرائض" ٢٧٤٧ و٢٧٤٨ (أحمد) فِي "مسند المكثرين" ٤٥٤٦ و٥٤٧٢ (الموطأ) فِي "العتق" ١٥٢٢ (الدارمي) فِي "البيوع" ٢٤٥٩ و"الفرائض" ٣٠٢٦. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم المصنّف له، وهو بيان حكم بيع الولاء، وهو المنع، قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: فيه تحريم بيع الولاء وهبته، وأنهما لا يصحّان، وأنه لا ينتقل الولاء عن مستحقّه، بل هو لحمة كلحمة النسب، وبهذا قَالَ جماهير العلماء منْ السلف، والخلف، وأجاز بعض السلف نقله، ولعلهم لم يبلغهم الْحَدِيث. انتهى "شرح مسلم" ١٠/ ٣٨٧.
(ومنها): ما قاله ابن بطال رحمه الله تعالى: أجمع العلماء عَلَى أنه لا يجوز تحويل النسب، فإذا كَانَ حكم الولاء حكم النسب فكما لا ينتقل النسب لا ينتقل الولاء وكانوا فِي الجاهلية ينقلون الولاء بالبيع وغيره فنهى الشرع عن ذلك. ذكره فِي "الفتح" ١٣/ ٤٥.
(ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: إنما لم يجز بيع الولاء، ولا هبته؛ للنهي عن ذلك، ولأنه أمر وجوديّ لا يتأتّى الانفكاك عنه كالنسب، ولذلك قَالَ ﷺ : "الولاء لُحمة كلُحمة النسب" (١)، فكما لا تنتقل الأبوّة، والجدودة، كذلك لا ينتقل الولاء، قَالَ: غير أنه يصحّ فِي الولاء جرّ ما يترتّب عليه الميراث، ومثاله أن يتزوّج عبدٌ مُعتقةً، فيولد له منها ولدٌ، فيكون حرًّا بحرّية أمه، ويكون ولاؤه لمواليها، ما دام أبوه عبدًا، فلو أعتقه سيّده عاد ولاؤه لمعتق أبيه بالاتفاق. انتهى "المفهم" ٤/ ٣٣٩.
قَالَ الحافظ بعد أن ذكر كلام القرطبيّ هَذَا: ما نصّه: وهذا لا يقدح فِي الأصل المذكور: أن الولاء لحمة كلحمة النسب؛ لأن التشبيه لا يستلزم التسوية منْ كل وجه. انتهى "فتح" ١٣/ ٤٦.
[تنبيه]: قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: للولاء أحكام خاصّة ثبتت بالسنّة: [منها]: أنه لا يرث به إلا العصبات الذكور، ولا مدخل للنساء فيه، إلا فيما أعتقن، أو أعتق منْ أعتقن. [ومنها]: أن لا يُورث إلا بالكبر، فلا يستحق البطن الثاني منه شيئًا ما بقي منْ البطن الأول شيء، وتفصيل ذلك فِي الفروع. وَقَدْ حُكي عن بعض السلف أن الولاء ينتقل، ولعله إنما يعني به الجرّ. انتهى "المفهم" ٤/ ٣٣٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فيما قاله أهل العلم فِي هَذَا الْحَدِيث:
стр. 17040
قَالَ فِي "الفتح": وَقَدْ اشتهر هَذَا الْحَدِيث عن عبد الله بن دينار، حَتَّى قَالَ مسلم لما أخرجه فِي "صحيحه": النَّاس فِي هَذَا الْحَدِيث عيال عليه. وَقَالَ الترمذيّ بعد تخريجه: حسن صحيح، لا نعرفه إلا منْ حديث عبد الله بن دينار، رواه عنه سعيد، وسفيان، ومالك، ويروى عن شعبة أنه قَالَ: وددت أن عبد الله بن دينار، لما حدث بهذا الْحَدِيث، أذن لي حَتَّى كنت أقوم إليه، فأقبل رأسه، قَالَ الترمذيّ: وروى يحيى بن سليم، عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الله بن دينار.
قَالَ الحافظ: وصل رواية يحيى بن سليم ابن ماجه، ولم ينفرد به يحيى بن سليم، فقد تابعه أبو ضمرة، أنس بن عياض، ويحيى بن سعيد الأموي، كلاهما عن عبيد الله ابن عمر، أخرجه أبو عوانة، فِي "صحيحه" منْ طريقهما، لكن قرن كل منهما نافعا بعبد الله بن دينار، وأخرجه ابن حبّان فِي "الثقات" فِي ترجمة أحمد بن أبي أوفى، وساقه منْ طريقه عن شعبة، عن عبد الله بن دينار، وعمرو بن دينار جميعا، عن ابن عمر، وَقَالَ: عمرو بن دينار غريب. وَقَدْ اعتنى أبو نعيم الأصبهاني، بجمع طرقه، عن عبد الله بن دينار، فأورده عن خمسة وثلاثين نفسا، ممن حدث به عن عبد الله بن دينار، منهم منْ الأكابر: يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وموسى بن عقبة، ويزيد بن الهاد، وعبيد الله العمري، وهؤلاء منْ صغار التابعين، وممن دونهم: مسعر، والحسن بن صالح بن حي، وورقاء، وأيوب بن موسى، وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، وعبد العزيز بن مسلم، وأبو أويس، وممن لم يقع له ابن جريج، وهو عند أبي عوانة، وسليمان بن بلال، وهو عند مسلم، وأحمد بن حازم المغافري، فِي "جزء الهروي" منْ طريق الطبراني.
وَقَالَ ابن العربي فِي "شرح الترمذيّ": تفرد بهذا الْحَدِيث عبد الله بن دينار، وهو منْ الدرجة الثانية منْ الخبر؛ لأنه لم يذكر لفظ النبيّ ﷺ ، وكأنه نقل معنى قول النبيّ ﷺ : "إنما الولاء لمن أعتق".
قَالَ الحافظ: ويؤيده أن ابن عمر روى هَذَا الْحَدِيث عن عائشة، فِي قصة بريرة، كما مضى فِي "العتق"، لكن جاءت عنه صيغة الْحَدِيث منْ وجه آخر، أخرجه النسائيّ، وأبو عوانة، منْ طريق الليث، عن يحيى بن أيوب، عن مالك، ولفظه: "سمعت النبيّ ﷺ ، ينهى عن بيع الولاء، وعن هبته".
ووقع فِي رواية محمد بن أبي سليمان، بلفظ: "الولاء لا يباع، ولا يوهب"، وفي رواية عتبان بن عبيد، عن شعبة مثله، ذكره أبو نعيم، وزاد محمد بن سليمان فِي السند: "عن ابن عمر، عن عمر"، فوَهِمَ، أخرجه الدارقطنيّ أيضا، وضعفه.
стр. 17041
واتّفق جميع منْ ذكرنا عَلَى هَذَا اللفظ، وخالفهم أبو يوسف القاضي، فرواه عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، بلفظ: "الولاء لحمة كلحمة النسب"، أخرجه الشافعيّ، ومن طريقه الحاكم، ثم البيهقي، وأدخل بشر بن الوليد بين أبي يوسف، وبين ابن دينار عبيد الله بن عمر، أخرجه أبو يعلى فِي "مسنده" عنه، وأخرجه ابن حبّان فِي "صحيحه" عن أبي يعلى، وأخرجه أبو نعيم منْ طريق عبد الله بن جعفر بن أعين، عن بشر، فزاد فِي المتن: "لا يباع، ولا يوهب"، ومن طريق عبد الله بن نافع، عن عبد الله بن دينار: "إنما الولاء نسب، لا يصح بيعه، ولا هبته"، والمحفوظ فِي هَذَا ما أخرجه عبد الرزاق، عن الثوري، عن داود ابن أبي هند، عن سعيد بن المسيب، موقوفا عليه: "الولاء لحمة كلحمة النسب"، وكذا ما أخرجه البزار، والطبراني، منْ طريق سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده، رفعه: "الولاء ليس بمنتقل، ولا متحول"، وفي سنده المغيرة بن جميل، وهو مجهول، نعم عن ابن عباس، منْ قوله: "الولاء لمن أعتق، لا يجوز بيعه، ولا هبته". انتهى "فتح" ١٢/ ٤٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم بيع الولاء:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: ولا يصح بيع الولاء، ولا هبته، ولا أن يأذن لمولاه، فيوالي منْ شاء، روي ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر ﵃، وبه قَالَ سعيد بن المسيب، وطاوس، وإياس بن معاوية، والزهري، ومالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابه، وكَرِه جابر بن عبد الله بيع الولاء، قَالَ سعيد: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، قَالَ: قَالَ عبد الله: "إنما الولاء كالنسب، أفيبيع الرجل نسبه؟ ". وَقَالَ: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار: أن ميمونة وهبت ولاء سليمان بن يسار لابن عباس، وكان مكاتبا، وروي أن ميمونة وهبت ولاء مواليها للعباس، وولاؤهم اليوم لهم، وأن عروة ابتاع ولاء طهمان، لورثة مصعب بن الزبير. وَقَالَ ابن جريج: قلت لعطاء: أذنتُ لمولاي أن يوالي منْ شاء، فيجوز؟ قَالَ: نعم.
واحتجّ الأولون بأن النبيّ ﷺ نهى عن بيع الولاء، وعن وهبته، وَقَالَ: "الولاء لُحْمة كلحمة النسب"، وَقَالَ: "لعن الله منْ تولى غير مواليه"، ولأنه معنى يورث به فلا ينتقل كالقرابة، وفعل هؤلاء شاذ يخالف قول الجمهور، وترده السنة، فلا يعول عليه.
قَالَ: ولا ينتقل الولاء عن المعتق بموته، ولا يرثه ورثته، وإنما يرثون المال به، مع بقائه للمعتق، هَذَا قول الجمهور، ورُوي نحو ذلك عن عمر، وعلي، وزيد، وابن
стр. 17042
مسعود، وأُبيّ بن كعب، وابن عمر، وأبي مسعود البدري، وأسامة بن زيد، وبه قَالَ عطاء، وطاوس، وسالم بن عبد الله، والحسن، وابن سيرين، والشعبيّ، والزهري، والنخعي، وقتادة، وأبو الزناد، وابن نشيط، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وداود، وشذَّ شُرَيح، وَقَالَ: الولاء كالمال يورث عن المعتق، فمن ملك شيئا حياته، فهو لورثته. ورواه حنبل، ومحمد بن الحكم، عن أحمد، وغَلَّطهما أبو بكر، وهو كما قَالَ، فإن رواية الجماعة عن أحمد، مثل قول الجماعة، وذلك لقوله ﵇: "الولاء للمعتق"، وقوله: "الولاء لحمة كلحمة النسب"، والنسب لا يورث، وإنما يورث به، ولأنه معنى يورث به، فلا ينتقل كسائر الأسباب. والله تعالى أعلم. انتهى "المغني" ٩/ ٢١٩ - ٢٢٠.
وَقَالَ فِي "الفتح": قَالَ ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: اتفق الجماعة عَلَى العمل بهذا الْحَدِيث، إلا ما رُوي عن ميمونة رضي الله تعالى عنها أنها وهبت ولاء سليمان بن يسار لابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج، عن عطاء: يجوز للسيد أن يأذن لعبده أن يوالي منْ شاء.
وَقَالَ ابن بطال وغيره: جاء عن عثمان جواز بيع الولاء، وكذا عن عروة، وجاء عن ميمونة جواز هبة الولاء، وكذا عن ابن عباس، ولعلهم لم يبلغهم الْحَدِيث.
قَالَ الحافظ: قد أنكر ذلك ابن مسعود فِي زمن عثمان، فأخرج عبد الرزاق عنه: أنه كَانَ يقول: أيبيع أحدكم نسبه، ومن طريق علي: الولاء شعبة منْ النسب. ومن طريق جابر أنه أنكر بيع الولاء وهبته. ومن طريق عطاء أن ابن عمر كَانَ ينكره. ومن طريق عطاء، عن ابن عباس: لا يجوز، وسنده صحيح، ومن ثَمّ فَصّلوا فِي النقل عن ابن عباس بين البيع والهبة.
وَقَالَ ابن العربي معنى: "الولاء لحمة كلحمة النسب": أن الله أخرجه بالحرمة إلى النسب (١) حكما، كما أن الأب أخرجه بالنطفة إلى الوجود حسا, لأن العبد كَانَ كالمعدوم فِي حق الأحكام، لا يَقضي ولا يَلي ولا يَشهد، فأخرجه سيده بالحرية إلى وجود هذه الأحكام منْ عدمها، فلما شابه حكم النسب أُنيط بالمعتق، فلذلك جاء: "إنما الولاء لمن أعتق"، وأُلحق برتبة النسب، فنُهِي عن بيعه وهبته. انتهى "الفتح" ١٣/ ٤٥ - ٤٦.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما تقدّم منْ الحجج أن الصواب هو ما عليه
стр. 17043
الجمهور، منْ أنه لا يجوز بيع الولاء، ولا هبته، وأنه لا ينتقل عن المعتق بموته إلى غيره؛ للأدلّة الصحيحة التي تقدّم بيانها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٦٠ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ، وَعَنْ هِبَتِهِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وَقَدْ تقدّموا غير مرّة.
والسند منْ رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (٢٣٠) منْ رباعيات الكتاب، وهو أصحّ أسانيد ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق شرحه، وبيان مسائله فِي الْحَدِيث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٦١ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ، وَعَنْ هِبَتِهِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وَقَدْ تقدموا غير مرّة.
و"إسماعيل بن إبراهيم": هو ابن عُليّة. والحديث سبق البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقى إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٨٨ - (بَيْعُ الْمَاءِ)
٤٦٦٢ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى السِّيْنَانِيُّ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (الحسين بن حُريث) الخزاعيّ مولاهم، أبو عمّار المروزيّ، ثقة [١٠] ٨/ ٢١١٦.
٢ - (الفضل بن موسى) السينانيّ -بكسر السين المهملة- أبو عبد الله المروزيّ، ثقة
стр. 17044
ثبتٌ، ربما أغرب، منْ كبار [٩] ٨٣/ ١٠٠.
٣ - (حسين بن واقد) أبو عبد الله المروزيّ القاضي، ثقة له أوهام [٧] ٥/ ٤٦٣.
٤ - (أيوب السختياني) ابن أبي تميمة كيسان البصريّ، ثقة ثبت فقيه عابد [٥] ٤٢/ ٤٨.
٥ - (عطاء) بن أبي رباح الإِمام الحجة الثبت المكيّ [٣] ١١٢/ ١٥٤.
٦ - (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام السَّلَمي الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن نصف الأول مسلسل بالمراوزة، وأيوب بصري، وعطاء مكي، والصحابي مدنيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه جابر رضي الله تعالى عنه منْ المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ جَابِرٍ) بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ) وفي الرواية الآتية فِي الباب التالي "عن بيع فضل الماء"، وهو الفاضل عن حاجته، وحاجة عياله، وماشيته، وزرعه. قَالَ فِي "النهاية" ٣/ ٤٥٥ - : هو أن يسقي الرجل أرضه، ثم يبقى منْ الماء بقيّة، لا يحتاج إليها، فلا يجوز له أن يبيعها, ولا يمنع منها أحدًا ينتفع بها، إذا لم يكن الماء ملكه، أو عَلَى قول منْ يرى أن الماء لا يُملك. انتهى.
وَقَالَ فِي "نيل الأوطار": والظاهر أنه لا فرق بين الماء الكائن فِي أرض مباحة، أو فِي أرض مملوكة، وسواء كَانَ للشرب، أو لغيره، وسواء كَانَ لحاجة الماشية، أو الزرع، وسواء كَانَ فِي فلاة، أو فِي غيرها. وَقَالَ القرطبيّ: ظاهر هَذَا اللفظ النهي عن نفس بيع الماء الفاضل، الذي يشرب، فإنه السابق إلى الفهم. وَقَالَ النوويّ حاكياً عن أصحاب الشافعيّ: إنه يجب بذل الماء فِي الفلاة، بشروط: [أحدها]: أن لا يكون ماء آخر يُستغنَى به. [الثاني]: أن يكون البذل لحاجة الماشية، لا لسقي الزرع. [الثالث]: أن لا يكون مالكه محتاجا إليه، ويؤيد ما ذكرنا منْ دلالة الحديثين عَلَى المنع، منْ بيع الماء عَلَى العموم، حديث أبي هريرة ﵁ عند الشيخين، مرفوعا، بلفظ: "لا يُمنَعُ فضل الماء؛ ليُمنَع به فضل الكلأ"، وذكره صاحب "جامع الأصول" بلفظ: "لا يباع فضل الماء"، وهو لفظ مسلم، ويؤيد المنع منْ البيع أيضا: حديث: "النَّاس شركاء فِي ثلاث: فِي الماء، والكلإ، والنار".
стр. 17045
وَقَدْ حمل الماء المذكور فِي حديثي الباب، عَلَى ماء الفحل، وهو مع كونه خلاف الظاهر مردود بما فِي حديث جابر ﵁ فِي "صحيح مسلم" بلفظ: "نهى رسول الله ﵌ عن بيع فضل الماء، وعن منع ضراب الفحل"، وسيأتي نحوه للنسائيّ بعد خمسة أبواب.
وَقَدْ خُصَّص منْ عموم حديثي المنع منْ البيع للماء، ما كَانَ منه مُحرزًا فِي الآنية، فإنه يجوز بيعه قياسا عَلَى جواز بيع الحطب، إذا أَحرزه الحاطب؛ لحديث الذي أمره ﵌ بالاحتطاب؛ ليستغني به عن المسألة، وهو متَّفقٌ عليه، منْ حديث أبي هريرة ﵁، وَقَدْ تقدم فِي "كتاب الزكاة"، وهذا القياس بعد تسليم صحته، إنما يصح عَلَى مذهب منْ جَوَّز التخصيص بالقياس، والخلاف فِي ذلك معروف فِي الأصول، ولكنه يُشكل عَلَى النهي عن بيع الماء عَلَى الإطلاق، ما ثبت فِي الْحَدِيث الصحيح منْ أن عثمان ﵁ اشترى بئر رومة، منْ اليهودي، وسَبّلها للمسلمين، بعد أن سمع النبيّ ﵌، يقول: "منْ يشتري بئر رومة، فيوسع بها عَلَى المسلمين، وله الجنة"، وكان اليهودي يبيع ماءها، الْحَدِيث، فإنه كما يدل عَلَى جواز بيع البئر نفسها، وكذلك العين بالقياس عليها، يدل عَلَى جواز بيع الماء؛ لتقريره ﵌ لليهودي عَلَى البيع.
ويجاب بأن هَذَا كَانَ فِي صدر الإِسلام، وكانت شوكة اليهود فِي ذلك الوقت قوية، والنبي ﵌ صالحهم، فِي بادىء الأمر عَلَى ما كانوا عليه، ثم استقرت الأحكام، وشَرَع لأمته تحريم بيع الماء، فلا يعارضه ذلك التقرير، وأيضا الماء هنا دخل لبيع البئر، ولا نزاع فِي جواز ذلك. انتهى ما فِي "النيل" ٥/ ١٥٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث جابر ﵁ هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٨٨/ ٤٦٦٢ - و٩٤/ ٤٦٧٢ - وفي ٨٩/ ٦٢٥٦ و٩٥/ ٦٢٦٦. وأخرجه (م) فِي "البيوع" ١٥٦٥ (ق) فِي "الأحكام" ٢٤٧٧ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١٤٢٢٩ و١٤٢٣٤. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم بيع الماء، وهو
стр. 17046
المنع. (ومنها): وجوب بذل الماء مجّانًا، منْ غير طلب عوض، وبه قَالَ الجمهور، وحكى الخطابيّ عن قوم أنه تجب له القيمة مع وجوب ذلك، وهو مذهب ضعيف، والصواب الأول.
(منها): ما قاله وليّ الدين رحمه الله تعالى أن لوجوب بذل الماء شروطًا مأخوذة منْ الْحَدِيث: [أحدها]: أن يكون ذلك الماء فاضلاً عن حاجته، وهو صريح الْحَدِيث، فإن المنهيّ عنه منع الفضل، لا منع الأصل، ولذلك بوّب عليه البخاريّ فِي "صحيحه"، فَقَالَ: "منْ قَالَ: إن صاحب الماء أحقّ بالماء حَتَّى يَرْوَى؛ لقول النبيّ ﷺ : "لا يُمنع فضل الماء". [الثاني]: أن يكون البذل للماشية، وسائر البهائم، ولا يجب عليه بذل الفاضل عن حاجته لزرع غيره عَلَى الصحيح عند الشافعيّة، وبه قَالَ أبو حنيفة، وأصحابه، وسفيان الثوريّ. وعن أحمد روايتان، وَقَالَ مالك: يجب عليه بذله للزرع أيضًا، إذا خشي عليه الهلاك، ولم يضرّ ذلك بصاحب الماء، واختلف أصحابه فِي أنه يستحقّ عَلَى ذلك عوضًا، أم لا؟ وحديث أبي هريرة ﵁: "لا يمنع فضل الماء ليُمنَع به الكلأ" حجة للأولين، فإنه لا يلزم منْ منع سقي الزرع به منع الكلإ، وهو المعنى الذي عُلّل به الْحَدِيث، وإنما يلزم ذلك فِي منع البهائم، ويدلّ لمالك، ومن وافقه حديث جابر ﵁ المذكور فِي هَذَا الباب، فإنه منع عن بيع فضل الماء، ولم يقيّده بمنع فضل الكلإ، لكنه عند غيره محمول عَلَى الْحَدِيث الآخر. [الثالث]: أن لا يجد صاحب الماشية ماء مباحًا، ويدلّ لهذا قوله فِي حديث أبي هريرة ﵁: "ليُمنع به الكلأ"، فإنه متى وجد ذلك لا يلزم منْ منع الماء منع الكلإ؛ للاستغناء عنه بذلك الماء المباح. [الرابع]: أن يكون هناك كلأ يُرعى، فلو خلت تلك الأرض عن الكلإ فله المنع؛ لانتفاء العلّة المعتبرة فِي الْحَدِيث. انتهى "طرح التثريب" ٦/ ١٨٠ - ١٨١.
(ومنها): أنه استدلّ ابن حبيب المالكيّ عَلَى أن البئر إذا تهايأ فيها مالكاها لهذا يوم، ولهذا يومٌ، فاستغنى صاحب النوبة عن الماء فِي ذلك اليوم، إما بعد أن سقى زرعه، أو لم يسق؛ لعدم احتياجه لذلك، فلشريكه أن يستقي فِي غير نوبته؛ لأن هَذَا ماء قد فضل عنه، وَقَدْ نهى النبيّ ﷺ عن منع فضل الماء. وخالفه فِي ذلك الأكثرون منْ المالكيّة وغيرهم، وقالوا: الأصل المنع منْ مال الغير بغير إذنه، إلا ما خرج بدليل، وهذه الصورة ليست الصورة التي ورد فيها الْحَدِيث المخصّص. انتهى "طرح" ٦/ ١٨٢.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الأكثرون هو الظاهر عندي؛ لظهور حجته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): أخرج الشيخان، والمصنّف فِي "الكبرى"، منْ طريق مالك، عن
стр. 17047
أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قَالَ: "لا يُمنَعُ فضل الماء؛ لِيُمنَعَ به الكلأ"، ومن طريق ابن شهاب، عن ابن المسيب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ ، قَالَ: "لا تمنعوا فضل الماء؛ لتمنعوا به فضل الكلاء".
قَالَ فِي "الفتح". قوله: "لا يمنع" بضم أوله، عَلَى البناء للمجهول، وبالرفع عَلَى أنه خبر، والمراد به مع ذلك النهي.
والمراد بالفضل، ما زاد عَلَى الحاجة، ولأحمد منْ طريق عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة: "لا يُمنَع فضلُ ماء، بعد أن يُستغنَى عنه"، وهو محمول عند الجمهور عَلَى ماء البئر المحفورة فِي الأرض المملوكة، وكذلك فِي الموات، إذا كَانَ بقصد التملك، والصحيح عند الشافعيّة، ونَصَّ عليه فِي القديم، وحرملة: أن الحافر يملك ماءها، وأما البئر المحفورة فِي الموات؛ لقصد الارتفاق، لا التملكِ، فإن الحافر لا يملك ماءها، بل يكون أحق به إلى أن يرتحل، وفي الصورتين يجب عليه بذل ما يَفضُل عن حاجته، والمراد حاجة نفسه، وعياله، وزرعه، وماشيته، هَذَا هو الصحيح عند الشافعيّة.
وخص المالكية هَذَا الحكم بالموات، وقالوا فِي البئر التي فِي الملك: لا يجب عليه بذل فضلها، وأما الماء المحرز فِي الإناء، فلا يجب بذل فضله لغير المضطر عَلَى الصحيح.
وقوله: قوله: "فضل الماء": فيه جواز بيع الماء لأن المنهي عنه منع الفضل، لا منع الأصل، وفيه أن محل النهي ما إذا لم يجد المأمور بالبذل له ماء غيره، والمراد تمكين أصحاب الماشية منْ الماء، ولم يقل أحد: إنه يجب عَلَى صاحب الماء مباشرة سقي ماشية غيره، مع قدرة المالك.
وقوله: "ليمنع به الكلأ": بفتح الكاف واللام، بعدها همزة، مقصورًا: هو النبات، رطبه ويابسه، والمعنى: أن يكون حول البئر كلأ، ليس عنده ماء غيره، ولا يمكن أصحاب المواشي رعيه، إلا إذا تمكنوا منْ سقي بهائمهم منْ تلك البئر؛ لئلا يتضرروا بالعطش بعد الرعي، فيستلزم منعُهم منْ الماء، منعهم منْ الرعي، وإلى هَذَا التفسير ذهب الجمهور، وعلى هَذَا يختص البذل بمن له ماشية، ويلتحق به الرعاة، إذا احتاجوا إلى الشرب لأنهم إذا مُنعوا منْ الشرب، امتنعوا منْ الرعي هناك.
ويحتمل أن يقال: يمكنهم حمل الماء لأنفسهم؛ لقلة ما يحتاجون إليه منه، بخلاف البهائم، والصحيح الأول، ويلتحق بذلك الزرع عند مالك، والصحيح عند الشافعيّة، وبه قَالَ الحنفية: الاختصاص بالماشية، وفرق الشافعيّ فيما حكاه المزني عنه، بين المواشي، والزرع بأن الماشية ذات أرواح، يُخشى منْ عطشها موتها، بخلاف الزرع،
стр. 17048
وبهذا أجاب النوويّ وغيره.
واستُدلَّ لمالك بحديث جابر ﵁ فِي الباب بلفظ: "نَهَى عن بيع فضل الماء"، لكنه مطلق، فيُحمل عَلَى المقيد فِي حديث أبي هريرة ﵁ وعلى هَذَا لو لم يكن هناك كلأ يُرعَى فلا مانع منْ المنع؛ لانتفاء العلة.
قَالَ الخطّابيّ: والنهي عند الجمهور للتنزيه، فيحتاج إلى دليل يوجب صرفه عن ظاهره، وظاهر الْحَدِيث أيضا وجوب بذله مجانا، وبه قَالَ الجمهور، وقيل: لصاحبه طلب القيمة منْ المحتاج إليه، كما فِي إطعام المضطر.
وتُعُقّب بأنه يلزم منه جواز المنع، حالة امتناع المحتاج منْ بذل القيمة، ورُدَّ بمنع الملازمة، فيجوز أن يقال: يجب عليه البذل، وتترتب له القيمة فِي ذمة المبذول له، حَتَّى يكون له أخذ القيمة منه متى أمكن ذلك، نعم فِي رواية لمسلم، منْ طريق هلال بن أبي ميمونة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "لا يباع فضل الماء"، فلو وجب له العوض، لجاز له البيع. والله أعلم.
واستَدَلّ ابن حبيب منْ المالكية، عَلَى أن البئر، إذا كانت بين مالكين، فيها ماء، فاستغنى أحدهما فِي نوبته، كَانَ للآخر أن يسقى منها؛ لأنه ماء فضل عن حاجة صاحبه، وعموم الْحَدِيث يشهد له، وإن خالفه الجمهور.
واستدل به بعض المالكية، للقول بسد الذرائع؛ لأنه نَهَى عن منع الماء؛ لئلا يتذرع به إلى منع الكلأ، لكن ورد التصريح فِي بعض طرق حديث أبي هريرة بالنهي عن منع الكلإ، صححه ابن حبّان منْ رواية أبي سعيد مولى بني غفار، عن أبي هريرة، بلفظ: "لا تمنعوا فضل الماء، ولا تمنعوا الكلأ، فيُهْزَلَ المالُ، وتجوع العيال".
والمراد بالكلإ هنا النابت فِي الموات، فإن النَّاس فيه سواء.
وروى ابن ماجه، منْ طريق سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعا: "ثلاثة لا يُمنَعنَ: الماء، والكلأ، والنار"، وإسناده صحيح، قَالَ الخطّابيّ: معناه: الكلأ ينبت فِي موات الأرض، والماء الذي يجري فِي المواضع التي لا تختص بأحد، قيل: والمراد بالنار الحجارة التي تُورى النارَ، وَقَالَ غيره: المراد النار حقيقة، والمعنى: لا يُمنَعُ منْ يستصبح منها مصباحا، أو يُدنِي منها ما يُشعله منها، وقيل: المراد ما إذا أَضرَم نارا فِي حطب مباح بالصحراء، فليس له منع منْ ينتفع بها، بخلاف ما إذا أضرم فِي حطب يملكه نارا، فله المنع. انتهى "فتح" ٥/ ٣٠٣ - ٣٠٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٦٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَا: حَدَّثَنَا
стр. 17049
سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْمِنْهَالِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ إِيَاسَ بْنَ عُمَرَ، وَقَالَ مَرَّةً: ابْنَ عَبْدٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ. قَالَ قُتَيْبَةُ: لَمْ أَفْقَهْ عَنْهُ بَعْضَ حُرُوفِ أَبِي الْمِنْهَالِ، كَمَا أَرَدْتُ).
قَالَ فِي "الكبرى": "واللفظ لعبد الله". انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة، غير الصحابيّ.
و"عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن": هو ابن المسور بن مَخرَمة الزهريّ البصريّ، صدوقٌ، منْ صغار [١٠] ٤٢/ ٤٨.
"وسفيان": هو ابن عيينة. و"أبو المنهال": هو عبد الرحمن بن مُطعِم الْبُنانيّ البصريّ، نزيل مكة، ثقة [٣] ٤٩/ ٤٥٧٥.
و"إياس بن عبد" بغير إضافة المزنيّ، له صحبة، كنيته أبو عوف، يُعدّ فِي الحجازيين، وَقَالَ فِي "الإصابة": ويقال: كنيته أبو الفرات، نزل الكوفة. روى عن النبيّ ﷺ هَذَا الْحَدِيث فقط، وروى عنه أبو المنهال، قَالَ البغويّ فِي "المعجم": لا أعلمه روى حديثًا مسندًا غيره، ورُوي عنه حديث موقوف، وهو جدّ عبد الله بن معقِل ابن مُقرِّن لأمه، قاله ابن المدينيّ عن سفيان. وَقَالَ الأزديّ، وابن عبد البرّ: تفرّد بالرواية عنه عبد الرحمن بن مُطعم. روى له الأربعة، له عندهم هَذَا الْحَدِيث فقط.
[تنبيه] قوله: "إياس بن عمر" لم أره منسوبا إلى عمر لغير المصنّف، فكلّ منْ ترجمه إنما قالوا: "إياس بن عبد". والله تعالى أعلم.
وقوله: "وَقَالَ مرّة: ابن عبد" يعني أن أبا المنهال حدّث به عمرو بن دينار غير مرّة، فَقَالَ له مرّة: سمعت إياس بن عبد، بدل ابن عمر.
وقوله: "لم أفقه عنه بعض حروف أبي المنهال كما أردت" يعني أن لفظ "أبي المنهال" لم يتبيّن لقتيبة حينما حدّثه به سفيان، ولعله كَانَ هناك زحام، أو نحوه. والله تعالى أعلم.
والحديث صحيح، وتقدّم شرحه فِي الْحَدِيث الماضي، وفيه مسألتان:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث إياس بن عبد ﵁ هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٨٨/ ٤٦٦٣ و٨٩/ ٤٦٦٤ و٤٦٦٥ - وفي "الكبرى" ٨٩/ ٦٢٥٧ و٩٠/ ٦٢٥٨ و٦٢٥٩. وأخرجه (د) فِي "البيوع" ٣٤٧٨ (ت) فِي "البيوع" ١٢٧١ (ق) فِي "الأحكام" ٢٤٧٦ (أحمد) فِي "مسند المكيين" ١٥١٠٨ و"مسند الشاميين" ١٦٧٨٥
стр. 17050
(الدارمي) فِي "البيوع" ٢٤٩٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
…
٨٩ - (بَيْعُ فَضْلِ الْمَاءِ)
٤٦٦٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ، عَنْ إِيَاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ، وَبَاعَ قَيِّمُ الْوَهْطِ، فَضْلَ مَاءِ الْوَهْطِ، فَكَرِهَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "داود": هو ابن عبد الرحمن العطّار، أبو سليمان المكيّ، ثقة، لم يثبت أن ابن معين تكلّم فيه [٨] ٢٩/ ٤٤٢. و"عمرو": هو ابن دينار. و"أبو المنهال": هو عبد الرحمن بن مطعِم المذكور فِي السند الماضي.
وقوله: "عن بيع فضل الماء": هو ما فضل عن حاجته، وحاجة عياله، وماشيته، وزرعه، وَقَدْ تقدّم تمام البحث فيه فِي الذي قبله.
وقوله: "قيّم الْوَهْط": أي القائم بتدبير شأنها.
وقوله: "ماء الْوَهْط": بفتح، فسكون، عَلَى ما هو ظاهر عبارة "القاموس"، و"اللسان"، وَقَالَ السنديّ: ضُبط بفتحتين، ولم أره لغيره: وهو مال كَانَ لعمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه بالطائف، وقيل: قرية بالطائف، كَانَ كَرْمٌ له، وأصله الموضع المطمئنّ، أفاده فِي "النهاية" ٥/ ٢٣٢.
وذكر المجد فِي "القاموس": أن الوَهْطَ بُستان، ومالٌ كَانَ لعمرو بن العاص بالطائف، عَلَى ثلاثة أميال منْ وَجّ، وهو كَرْمُ موصوف، كَانَ يُعَرَّشُ عَلَى ألف ألف خشبة، شراءُ كلّ خشبة درهم، قيل: دخله بعض الخلفاء، فأعجبه، وَقَالَ: يا له منْ مال، لولا هذه الحرة التي فِي وسطه، فقالوا: هَذَا الزبيب انتهى "القاموس، مع شرحه التاج" ٥/ ٢٣٤ …
وَقَالَ فِي "اللسان": الوَهْطُ: المكان المطمئِنّ منْ الأرض المستوي، يَنبُتُ فيه العضاه، والسَّمُرُ، والطَّلْحُ، والْعُرْفُطُ، وخصّ بعضهم مَنْبِتَ الْعُرْفُط، والجمعُ أوهاطٌ، ووِهاطٌ، قَالَ: وبه سمّي الوَهْطُ مال كَانَ لعمرو بن العاص، وقيل: لعبد الله بن عمرو ابن العاص بالطائف. انتهى باختصار ٧/ ٤٣٤.
والحديث صحيح، وَقَدْ سبق البحث عنه مستوفًى فِي الباب الماضي. والله تعالى