المنع. (ومنها): وجوب بذل الماء مجّانًا، منْ غير طلب عوض، وبه قَالَ الجمهور، وحكى الخطابيّ عن قوم أنه تجب له القيمة مع وجوب ذلك، وهو مذهب ضعيف، والصواب الأول.
(منها): ما قاله وليّ الدين رحمه الله تعالى أن لوجوب بذل الماء شروطًا مأخوذة منْ الْحَدِيث: [أحدها]: أن يكون ذلك الماء فاضلاً عن حاجته، وهو صريح الْحَدِيث، فإن المنهيّ عنه منع الفضل، لا منع الأصل، ولذلك بوّب عليه البخاريّ فِي "صحيحه"، فَقَالَ: "منْ قَالَ: إن صاحب الماء أحقّ بالماء حَتَّى يَرْوَى؛ لقول النبيّ ﷺ : "لا يُمنع فضل الماء". [الثاني]: أن يكون البذل للماشية، وسائر البهائم، ولا يجب عليه بذل الفاضل عن حاجته لزرع غيره عَلَى الصحيح عند الشافعيّة، وبه قَالَ أبو حنيفة، وأصحابه، وسفيان الثوريّ. وعن أحمد روايتان، وَقَالَ مالك: يجب عليه بذله للزرع أيضًا، إذا خشي عليه الهلاك، ولم يضرّ ذلك بصاحب الماء، واختلف أصحابه فِي أنه يستحقّ عَلَى ذلك عوضًا، أم لا؟ وحديث أبي هريرة ﵁: "لا يمنع فضل الماء ليُمنَع به الكلأ" حجة للأولين، فإنه لا يلزم منْ منع سقي الزرع به منع الكلإ، وهو المعنى الذي عُلّل به الْحَدِيث، وإنما يلزم ذلك فِي منع البهائم، ويدلّ لمالك، ومن وافقه حديث جابر ﵁ المذكور فِي هَذَا الباب، فإنه منع عن بيع فضل الماء، ولم يقيّده بمنع فضل الكلإ، لكنه عند غيره محمول عَلَى الْحَدِيث الآخر. [الثالث]: أن لا يجد صاحب الماشية ماء مباحًا، ويدلّ لهذا قوله فِي حديث أبي هريرة ﵁: "ليُمنع به الكلأ"، فإنه متى وجد ذلك لا يلزم منْ منع الماء منع الكلإ؛ للاستغناء عنه بذلك الماء المباح. [الرابع]: أن يكون هناك كلأ يُرعى، فلو خلت تلك الأرض عن الكلإ فله المنع؛ لانتفاء العلّة المعتبرة فِي الْحَدِيث. انتهى "طرح التثريب" ٦/ ١٨٠ - ١٨١.
(ومنها): أنه استدلّ ابن حبيب المالكيّ عَلَى أن البئر إذا تهايأ فيها مالكاها لهذا يوم، ولهذا يومٌ، فاستغنى صاحب النوبة عن الماء فِي ذلك اليوم، إما بعد أن سقى زرعه، أو لم يسق؛ لعدم احتياجه لذلك، فلشريكه أن يستقي فِي غير نوبته؛ لأن هَذَا ماء قد فضل عنه، وَقَدْ نهى النبيّ ﷺ عن منع فضل الماء. وخالفه فِي ذلك الأكثرون منْ المالكيّة وغيرهم، وقالوا: الأصل المنع منْ مال الغير بغير إذنه، إلا ما خرج بدليل، وهذه الصورة ليست الصورة التي ورد فيها الْحَدِيث المخصّص. انتهى "طرح" ٦/ ١٨٢.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الأكثرون هو الظاهر عندي؛ لظهور حجته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): أخرج الشيخان، والمصنّف فِي "الكبرى"، منْ طريق مالك، عن
стр. 17047
أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قَالَ: "لا يُمنَعُ فضل الماء؛ لِيُمنَعَ به الكلأ"، ومن طريق ابن شهاب، عن ابن المسيب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ ، قَالَ: "لا تمنعوا فضل الماء؛ لتمنعوا به فضل الكلاء".
قَالَ فِي "الفتح". قوله: "لا يمنع" بضم أوله، عَلَى البناء للمجهول، وبالرفع عَلَى أنه خبر، والمراد به مع ذلك النهي.
والمراد بالفضل، ما زاد عَلَى الحاجة، ولأحمد منْ طريق عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة: "لا يُمنَع فضلُ ماء، بعد أن يُستغنَى عنه"، وهو محمول عند الجمهور عَلَى ماء البئر المحفورة فِي الأرض المملوكة، وكذلك فِي الموات، إذا كَانَ بقصد التملك، والصحيح عند الشافعيّة، ونَصَّ عليه فِي القديم، وحرملة: أن الحافر يملك ماءها، وأما البئر المحفورة فِي الموات؛ لقصد الارتفاق، لا التملكِ، فإن الحافر لا يملك ماءها، بل يكون أحق به إلى أن يرتحل، وفي الصورتين يجب عليه بذل ما يَفضُل عن حاجته، والمراد حاجة نفسه، وعياله، وزرعه، وماشيته، هَذَا هو الصحيح عند الشافعيّة.
وخص المالكية هَذَا الحكم بالموات، وقالوا فِي البئر التي فِي الملك: لا يجب عليه بذل فضلها، وأما الماء المحرز فِي الإناء، فلا يجب بذل فضله لغير المضطر عَلَى الصحيح.
وقوله: قوله: "فضل الماء": فيه جواز بيع الماء لأن المنهي عنه منع الفضل، لا منع الأصل، وفيه أن محل النهي ما إذا لم يجد المأمور بالبذل له ماء غيره، والمراد تمكين أصحاب الماشية منْ الماء، ولم يقل أحد: إنه يجب عَلَى صاحب الماء مباشرة سقي ماشية غيره، مع قدرة المالك.
وقوله: "ليمنع به الكلأ": بفتح الكاف واللام، بعدها همزة، مقصورًا: هو النبات، رطبه ويابسه، والمعنى: أن يكون حول البئر كلأ، ليس عنده ماء غيره، ولا يمكن أصحاب المواشي رعيه، إلا إذا تمكنوا منْ سقي بهائمهم منْ تلك البئر؛ لئلا يتضرروا بالعطش بعد الرعي، فيستلزم منعُهم منْ الماء، منعهم منْ الرعي، وإلى هَذَا التفسير ذهب الجمهور، وعلى هَذَا يختص البذل بمن له ماشية، ويلتحق به الرعاة، إذا احتاجوا إلى الشرب لأنهم إذا مُنعوا منْ الشرب، امتنعوا منْ الرعي هناك.
ويحتمل أن يقال: يمكنهم حمل الماء لأنفسهم؛ لقلة ما يحتاجون إليه منه، بخلاف البهائم، والصحيح الأول، ويلتحق بذلك الزرع عند مالك، والصحيح عند الشافعيّة، وبه قَالَ الحنفية: الاختصاص بالماشية، وفرق الشافعيّ فيما حكاه المزني عنه، بين المواشي، والزرع بأن الماشية ذات أرواح، يُخشى منْ عطشها موتها، بخلاف الزرع،
стр. 17048
وبهذا أجاب النوويّ وغيره.
واستُدلَّ لمالك بحديث جابر ﵁ فِي الباب بلفظ: "نَهَى عن بيع فضل الماء"، لكنه مطلق، فيُحمل عَلَى المقيد فِي حديث أبي هريرة ﵁ وعلى هَذَا لو لم يكن هناك كلأ يُرعَى فلا مانع منْ المنع؛ لانتفاء العلة.
قَالَ الخطّابيّ: والنهي عند الجمهور للتنزيه، فيحتاج إلى دليل يوجب صرفه عن ظاهره، وظاهر الْحَدِيث أيضا وجوب بذله مجانا، وبه قَالَ الجمهور، وقيل: لصاحبه طلب القيمة منْ المحتاج إليه، كما فِي إطعام المضطر.
وتُعُقّب بأنه يلزم منه جواز المنع، حالة امتناع المحتاج منْ بذل القيمة، ورُدَّ بمنع الملازمة، فيجوز أن يقال: يجب عليه البذل، وتترتب له القيمة فِي ذمة المبذول له، حَتَّى يكون له أخذ القيمة منه متى أمكن ذلك، نعم فِي رواية لمسلم، منْ طريق هلال بن أبي ميمونة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "لا يباع فضل الماء"، فلو وجب له العوض، لجاز له البيع. والله أعلم.
واستَدَلّ ابن حبيب منْ المالكية، عَلَى أن البئر، إذا كانت بين مالكين، فيها ماء، فاستغنى أحدهما فِي نوبته، كَانَ للآخر أن يسقى منها؛ لأنه ماء فضل عن حاجة صاحبه، وعموم الْحَدِيث يشهد له، وإن خالفه الجمهور.
واستدل به بعض المالكية، للقول بسد الذرائع؛ لأنه نَهَى عن منع الماء؛ لئلا يتذرع به إلى منع الكلأ، لكن ورد التصريح فِي بعض طرق حديث أبي هريرة بالنهي عن منع الكلإ، صححه ابن حبّان منْ رواية أبي سعيد مولى بني غفار، عن أبي هريرة، بلفظ: "لا تمنعوا فضل الماء، ولا تمنعوا الكلأ، فيُهْزَلَ المالُ، وتجوع العيال".
والمراد بالكلإ هنا النابت فِي الموات، فإن النَّاس فيه سواء.
وروى ابن ماجه، منْ طريق سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعا: "ثلاثة لا يُمنَعنَ: الماء، والكلأ، والنار"، وإسناده صحيح، قَالَ الخطّابيّ: معناه: الكلأ ينبت فِي موات الأرض، والماء الذي يجري فِي المواضع التي لا تختص بأحد، قيل: والمراد بالنار الحجارة التي تُورى النارَ، وَقَالَ غيره: المراد النار حقيقة، والمعنى: لا يُمنَعُ منْ يستصبح منها مصباحا، أو يُدنِي منها ما يُشعله منها، وقيل: المراد ما إذا أَضرَم نارا فِي حطب مباح بالصحراء، فليس له منع منْ ينتفع بها، بخلاف ما إذا أضرم فِي حطب يملكه نارا، فله المنع. انتهى "فتح" ٥/ ٣٠٣ - ٣٠٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٦٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَا: حَدَّثَنَا
стр. 17049
سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْمِنْهَالِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ إِيَاسَ بْنَ عُمَرَ، وَقَالَ مَرَّةً: ابْنَ عَبْدٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ. قَالَ قُتَيْبَةُ: لَمْ أَفْقَهْ عَنْهُ بَعْضَ حُرُوفِ أَبِي الْمِنْهَالِ، كَمَا أَرَدْتُ).
قَالَ فِي "الكبرى": "واللفظ لعبد الله". انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة، غير الصحابيّ.
و"عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن": هو ابن المسور بن مَخرَمة الزهريّ البصريّ، صدوقٌ، منْ صغار [١٠] ٤٢/ ٤٨.
"وسفيان": هو ابن عيينة. و"أبو المنهال": هو عبد الرحمن بن مُطعِم الْبُنانيّ البصريّ، نزيل مكة، ثقة [٣] ٤٩/ ٤٥٧٥.
و"إياس بن عبد" بغير إضافة المزنيّ، له صحبة، كنيته أبو عوف، يُعدّ فِي الحجازيين، وَقَالَ فِي "الإصابة": ويقال: كنيته أبو الفرات، نزل الكوفة. روى عن النبيّ ﷺ هَذَا الْحَدِيث فقط، وروى عنه أبو المنهال، قَالَ البغويّ فِي "المعجم": لا أعلمه روى حديثًا مسندًا غيره، ورُوي عنه حديث موقوف، وهو جدّ عبد الله بن معقِل ابن مُقرِّن لأمه، قاله ابن المدينيّ عن سفيان. وَقَالَ الأزديّ، وابن عبد البرّ: تفرّد بالرواية عنه عبد الرحمن بن مُطعم. روى له الأربعة، له عندهم هَذَا الْحَدِيث فقط.
[تنبيه] قوله: "إياس بن عمر" لم أره منسوبا إلى عمر لغير المصنّف، فكلّ منْ ترجمه إنما قالوا: "إياس بن عبد". والله تعالى أعلم.
وقوله: "وَقَالَ مرّة: ابن عبد" يعني أن أبا المنهال حدّث به عمرو بن دينار غير مرّة، فَقَالَ له مرّة: سمعت إياس بن عبد، بدل ابن عمر.
وقوله: "لم أفقه عنه بعض حروف أبي المنهال كما أردت" يعني أن لفظ "أبي المنهال" لم يتبيّن لقتيبة حينما حدّثه به سفيان، ولعله كَانَ هناك زحام، أو نحوه. والله تعالى أعلم.
والحديث صحيح، وتقدّم شرحه فِي الْحَدِيث الماضي، وفيه مسألتان:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث إياس بن عبد ﵁ هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٨٨/ ٤٦٦٣ و٨٩/ ٤٦٦٤ و٤٦٦٥ - وفي "الكبرى" ٨٩/ ٦٢٥٧ و٩٠/ ٦٢٥٨ و٦٢٥٩. وأخرجه (د) فِي "البيوع" ٣٤٧٨ (ت) فِي "البيوع" ١٢٧١ (ق) فِي "الأحكام" ٢٤٧٦ (أحمد) فِي "مسند المكيين" ١٥١٠٨ و"مسند الشاميين" ١٦٧٨٥
стр. 17050
(الدارمي) فِي "البيوع" ٢٤٩٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
…
٨٩ - (بَيْعُ فَضْلِ الْمَاءِ)
٤٦٦٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ، عَنْ إِيَاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ، وَبَاعَ قَيِّمُ الْوَهْطِ، فَضْلَ مَاءِ الْوَهْطِ، فَكَرِهَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "داود": هو ابن عبد الرحمن العطّار، أبو سليمان المكيّ، ثقة، لم يثبت أن ابن معين تكلّم فيه [٨] ٢٩/ ٤٤٢. و"عمرو": هو ابن دينار. و"أبو المنهال": هو عبد الرحمن بن مطعِم المذكور فِي السند الماضي.
وقوله: "عن بيع فضل الماء": هو ما فضل عن حاجته، وحاجة عياله، وماشيته، وزرعه، وَقَدْ تقدّم تمام البحث فيه فِي الذي قبله.
وقوله: "قيّم الْوَهْط": أي القائم بتدبير شأنها.
وقوله: "ماء الْوَهْط": بفتح، فسكون، عَلَى ما هو ظاهر عبارة "القاموس"، و"اللسان"، وَقَالَ السنديّ: ضُبط بفتحتين، ولم أره لغيره: وهو مال كَانَ لعمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه بالطائف، وقيل: قرية بالطائف، كَانَ كَرْمٌ له، وأصله الموضع المطمئنّ، أفاده فِي "النهاية" ٥/ ٢٣٢.
وذكر المجد فِي "القاموس": أن الوَهْطَ بُستان، ومالٌ كَانَ لعمرو بن العاص بالطائف، عَلَى ثلاثة أميال منْ وَجّ، وهو كَرْمُ موصوف، كَانَ يُعَرَّشُ عَلَى ألف ألف خشبة، شراءُ كلّ خشبة درهم، قيل: دخله بعض الخلفاء، فأعجبه، وَقَالَ: يا له منْ مال، لولا هذه الحرة التي فِي وسطه، فقالوا: هَذَا الزبيب انتهى "القاموس، مع شرحه التاج" ٥/ ٢٣٤ …
وَقَالَ فِي "اللسان": الوَهْطُ: المكان المطمئِنّ منْ الأرض المستوي، يَنبُتُ فيه العضاه، والسَّمُرُ، والطَّلْحُ، والْعُرْفُطُ، وخصّ بعضهم مَنْبِتَ الْعُرْفُط، والجمعُ أوهاطٌ، ووِهاطٌ، قَالَ: وبه سمّي الوَهْطُ مال كَانَ لعمرو بن العاص، وقيل: لعبد الله بن عمرو ابن العاص بالطائف. انتهى باختصار ٧/ ٤٣٤.
والحديث صحيح، وَقَدْ سبق البحث عنه مستوفًى فِي الباب الماضي. والله تعالى
стр. 17051
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٦٥ - (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ حَجَّاجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّ أَبَا الْمِنْهَالِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ إِيَاسَ بْنَ عَبْدٍ، صَاحِبَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا تَبِيعُوا فَضْلَ الْمَاءِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، نَهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "إبراهيم بن الحسن": هو الْمِصّيصيّ، ثقة [١١]. و"حجّاجٌ": هو ابن محمد الأعور.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٩٠ - (بَيْعُ الْخَمْرِ)
٤٦٦٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنِ وَعْلَةَ الْمِصْرِيِّ، أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ، عَمَّا يُعْصَرُ مِنَ الْعِنَبِ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَهْدَى رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، رَاوِيَةَ خَمْرٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، "هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا؟ "، فَسَارَّ، وَلَمْ أَفْهَمْ مَا سَارَّ كَمَا أَرَدْتُ، فَسَأَلْتُ إِنْسَانًا إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "بِمَ سَارَرْتَهُ؟ " قَالَ: أَمَرْتُهُ أَنْ يَبِيعَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا، حَرَّمَ بَيْعَهَا"، فَفَتَحَ الْمَزَادَتَيْنِ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهِمَا).
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس، إمام دار الهجرة الثقة الثبت الحجة [٧] ٧/ ٧.
٣ - (زيد بن أسلم) العدويّ مولاهم المدنيّ، ثقة عالم يرسل [٣] ٦٤/ ٨٠.
٤ - (ابن وعلة) -بفتح الواو، وسكون المهملة- هو عبد الرحمن بن وَعْلة السَّبَئيّ المصريّ، صدوقٌ [٤] ٤/ ٤٢٤٢.
٥ - (ابن عباس) عبد الله البحر الحبر رضي الله تعالى عنهما ٢٧/ ٣١. والله تعالي أعلم.
стр. 17052
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَن) عبد الرحمن (ابْنِ وَعْلَةَ الْمِصْرِيِّ، أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (عَمَّا يُعْصَرُ مِنَ الْعِنَبِ؟) أي عن حكم الشراب الذي يُعصر منْ العنب، هل هو حلال، أم لا؟.
وفي رواية الإِمام أحمد رحمه الله تعالى فِي "مسنده" ١/ ٢٤٤ - منْ طريق فُليح بن سُليمان، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن وَعْلَة، قَالَ: سألت ابن عباس، فقلت: إنا بأرض لنا بها الكُرُوم، وإن أكثر غَلَّاتها الخمر، فَقَالَ: قدم رجل منْ دَوْس عَلَى رسول الله ﷺ ، براوية خمر، أهداها له، فَقَالَ له رسول الله ﷺ : "هل علمت أن الله حرمها بعدك، فأقبل صاحب الراوية، عَلَى إنسان معه فأمره، فَقَالَ النبيّ ﷺ : "بماذا أمرته؟ "، قَالَ: ببيعها، قَالَ: "هل علمت أن الذي حرم شربها، حرم بيعها، وأكل ثمنها؟ "، قَالَ: فأمر بالمزادة، فأهريقت.
و١/ ٢٣٠ - منْ طريق محمد بن إسحاق، عن القعقاع بن حكيم، عن عبد الرحمن ابن وَعْلة، قَالَ: سألت ابن عباس، عن بيع الخمر، فَقَالَ: كَانَ لرسول الله ﷺ صديق منْ ثقيف، أو منْ دوس، فلقيه بمكة عام الفتح براوية خمر، يُهدِيها إليه، فَقَالَ رسول الله ﷺ : "يا أبا فلان أما علمت أن الله حرمها؟ " فأقبل الرجل عَلَى غلامه، فَقَالَ: اذهب فبعها، فَقَالَ رسول الله ﷺ : "يا أبا فلان، بماذا أمرته؟ " قَالَ: أمرته أن يبيعها، قَالَ: "إن الذي حرم شربها حرم بيعها"، فأمر بها، فأفرغت فِي البطحاء.
و١/ ٣٢٣ - ٣٢٤ - منْ طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن زيد بن أسلم، عن ابن وعلة، عن ابن عباس: أن رجلا خرج والخمر حلال، فأهدى لرسول الله ﷺ راوية خمر، فأقبل بها يقتادها عَلَى بعير، حَتَّى وجد رسول الله ﷺ جالسا، فَقَالَ: "ما هَذَا معك؟ " قَالَ: راوية خمر أهديتها لك، الْحَدِيث، وفيه: قَالَ: فأمر بعَزَالي المزادة ففتحت، فخرجت فِي التراب، فنظرت إليها فِي البطحاء ما فيها شيء.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (أَهْدَى رَجُلٌ) تقدّم فِي رواية أحمد المذكورة أنه رجل منْ دوس، وفي رواية: "كَانَ لرسول الله ﷺ صديقٌ منْ ثقيف، أو منْ دوس"، وسيأتي فِي رواية أبي حنيفة أنه يكنى أبا عامر. والله تعالى أعلم (لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، رَاوِيَةَ
стр. 17053
خَمْرٍ) الراوية هنا معناها: الْمَزَادة، قَالَ فِي "القاموس": الراوية: المزادة فيها الماء، والبعير، والبغل، والحمار، يُستقى عليه. انتهى. وَقَالَ فِي "اللسان": قَالَ ابن سِيده: والراوية هو البعير، أو البغل، أو الحمار الذي يُستقى عليه الماء، والرجل المستقي أيضًا، قَالَ: والعامة تسمّي المزادة راويةً، وذلك جائز عَلَى الاستعارة، والأصل الأول، قَالَ أبو الجم [منْ الرجز]:
تَمْشِي مِنَ الرِّدَّةِ مَشْيَ الْحُفَّلِ … مَشْيَ الرَّوَايَا بِالْمَزَادِ الأَثْقَلِ
قَالَ ابن بَرّيّ: شاهد الرواية البعير قول أبي طالب [منْ الطويل]:
وَيَنْهَضُ قَوْمٌ فِي الْحَدِيدِ إِلَيْكُمُ … نُهُوضَ الرَّوَايَا تَحْتَ ذَاتِ الصَّلَاصِلِ
فالروايا جمع راوية للبعير، وشاهد الراوية للمزادة قول عَمرو بن مِلْقَط:
ذَاكَ سِنَانٌ مُخلِبٌ نَصْرُهُ … كالْجَمَلِ الأَوْطَفِ بِالرَّاوِيَهْ
انتهى. (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَهَا؟ ") زاد فِي رواية مسلم: "قَالَ: لا"، قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: لعلّ السؤال كَانَ ليعرف حاله، فإن كَانَ عالمًا بتحريمها، أنكر عليه هديّتها، وإمساكها، وحملها، وعزّره عَلَى ذلك، فلما أخبره أنه كَانَ جاهلاً بذلك عَذَرَه، والظاهر أن هذه القضيّة كانت عَلَى قرب تحريم الخمر، قبل اشتهار ذلك. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: يدلّ عَلَى ذلك ما تقدّم فِي رواية أحمد: "هل علمت أن الله حرمها بعدك"، وفي رواية: "أن رجلاً خرج والخمر حلال". والله تعالى أعلم.
وَقَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: ثم إن النبيّ ﷺ بيّن له الحكم، ولم يوبّخه، ولم يذمّه؛ لأن الرجل كَانَ متمسّكًا بالإباحة المتقدّمة، ولم يبلغه الناسخ، فكان دليلاً عَلَى أن الحكم لا يرتفع بوجود الناسخ، بل ببلوغه، كما قرّرناه فِي الأصول. انتهى "المفهم" ٤/ ٤٥٧.
(فَسَارَّ) منْ السّرّ الذي هو بمعنى الكلام الخفيّ، ومفعوله قوله الآتي: "إنسانًا"، قَالَ النوويّ: المسارِرُ الذي خاطبه النبيّ ﷺ هو الرجل الذي أهدى الراوية، كذا جاء مبيّنًا فِي غير هذه الرواية, وأنه رجلٌ منْ دوس، قَالَ القاضي: وغَلِط بعض الشارحين، فظنّ أنه رجلٌ آخر. انتهى "شرح مسلم" ١١/ ٧.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدّم فِي روايات أحمد "أنه أقبل عَلَى غلامه، فَقَالَ: اذهب بها، فبعها"، وفي رواية: "فأقبل صاحب الراوية، عَلَى إنسان معه، فأمره" الْحَدِيث، وفي رواية: "فدعا رجلاً، فسارّه" الْحَدِيث. فتبيّن بهذا كله أن الذي سارّ هو المهدي.
стр. 17054
لكن ذكر محمد مرتضى الزبيديّ فِي "عقود الجواهر المنيفة فِي أدلة مذهب الإِمام أبي حنيفة" ص ٢٢٥: عن أبي حنيفة، عن محمد بن قيس: أن رجلاً منْ ثقيف، يكنى أبا عامر، كَانَ يُهدي إلى النبيّ ﷺ فِي كلّ عام راوية منْ خمر، فأهدى إليه فِي العام الذي حُرّمت الخمر راوية خمر، كما كَانَ يُهديها، فَقَالَ رسول الله ﷺ : "يا أبا عامر إن الله تعالى حرّم الخمر، فلا حاجة لنا فِي خمرك"، فَقَالَ رجلٌ: خذها، وبعها، واستعن بثمنها عَلَى حاجتك، قَالَ: "إن الله تعالى حرّم شربها، وحرّم بيعها، وأكل ثمنها"، كذا رواه الحسن بن زياد عنه. انتهى.
فإن صحّ هَذَا، يحتمل أن يكون فِي واقعة أخرى، أو يُحمل عَلَى أن الرجل أمره ببيعها، ثم سارّ هو غلامه بذلك، فنهاه النبيّ ﷺ عنه. والله تعالى أعلم.
وقوله (وَلَمْ أَفْهَمْ مَا سَارَّ) هكذا فِي نسخ "المجتبى"، ولفظ "الكبرى": "وكلمة معناها: فسارّ"،، والظاهر أن "ما" هنا مصحّفة منْ الفاء، والصواب "ولم أفهم فسارّ": أي لم أفهم لفظة "فسارّ" (كَمَا أَرَدْتُ) أي كما أحبّ أن أحفظه بالتحقيق والتأكّد، بل التبس عليّ، ولعلّ ذلك لكثرة الزحام، أو نحوه. والله تعالى أعلم. (فَسَأَلْتُ) أي سألت بعض الحاضرين عن هذه اللفظة، فأخبرني بها.
وهذا الكلام يحتمل أن يكون منْ المصنّف، ويحتمل أن يكون ممن فوقه، والظاهر الأول؛ لأنه لا يوجد عند غيره مع كثرة طرقه، فقد أخرجه مسلم، وأحمد، والدارميّ، بطرق مختلفة، ولم يُذكر فِي شيء منها. والله تعالى أعلم
وقوله (إِنْسَانًا إِلَى جَنْبِهِ) مفعول به لـ"سارّ" (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "بِمَ سَارَرْتَهُ؟) أي بأيّ شيء تحدّثت معه سرّا؟ (قَالَ) أي صاحب الراوية الذي سارّ ذلك الرجل (أَمَرْتُهُ أَنْ يَبِيعَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا) قَالَ القرطبيّ: "الذي" هنا كناية عن اسم الله تعالى، فكأنه قَالَ: إن الله حرّم شربها، وحرّم بيعها. ويحتمل أن يكون معناه: إن الذي اقتضى تحريم شربها، اقتضى تحريم بيعها، إذ لا تُراد إلا للشرب، فإذا حرّم الشرب لم يجز البيع؛ لأنه يكون منْ أكل المال بالباطل. وَقَدْ دلّ عَلَى صحة هَذَا قوله ﷺ : "إن الله إذا حرّم عَلَى قوم شيئًا حرّم عليهم ثمنه"، يعني شيئًا يؤكل، أو يشرب؛ لأن ذلك هو السبب الذي خرج عليه الْحَدِيث، ويُلحق به كلّ محرّم نجس, لا منفعة فيه، واختُلف فِي جواز بيع ما فيه منفعة منها، كالأزبال، والعذرة، فحرّم ذلك الشافعيّ، ومالك، وجلّ أصحابه، وأجاز ذلك الكوفيّون، والطبريّ، وذهب آخرون إلى إجازة ذلك للمشتري، دون البائع، ورأوا أن المشتري أعذر منْ البائع؛ لأنه مضطرّ إلى ذلك، روي ذلك عن بعض المالكيّة، وهي قولة عن الشافعيّ. انتهى "المفهم" ٤/ ٤٥٧ - ٤٥٨.
стр. 17055
(حَرَّمَ بَيْعَهَا، فَفَتَحَ الْمَزَادَتَيْنِ) هكذا فِي رواية المصنّف بالتثنية، مع أنه تقدّم فِي أول الْحَدِيث بلفظ "راوية خمر" بالإفراد، ولفظ مسلم: "ففتح المزاد"، وفي بعض النسخ: "ففتح المزادة"، وهو الذي تقدّم فِي روايات أحمد فِي "المسند"، وهو الظاهر، لكن يمكن أن يوجّه ما هنا بأنه أراد بالمزادتين الْعَزْلاوين، فإن لكلّ مزادة عَزلاوين، ويؤيّده ما تقدم فِي رواية لأحمد، بلفظ: "فأمر بعزالي المزادة، ففُتحت"، وغايته أنه أطلق المزادتين عَلَى العزلاوين، مجازًا مرسلاً، منْ إطلاق الكلّ، وإرادة الجزء، كما فِي قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩].
والمزادة: هي الراوية التي ذكرها فِي أول الْحَدِيث، قَالَ أبو عبيد: هما بمعنى، وَقَالَ ابن السّكّيت: إنما يقال لها: مزادة، وأما الراوية، قاسم للبعير خاصّة. قَالَ النوويّ: والمختار قول أبي عُبيد، وهذا الْحَدِيث يدلّ لأبي عُبيد، فإنه سمّاها راوية، ومزادة، قالوا: سُمّيت راويةً؛ لأنها تُروي صاحبها، ومن معه، ومزادةً؛ لأنه يتزوّد فيها الماء فِي السفر وغيره، وقيل: لأنه يزاد فيها جلد ليتّسع. انتهى "شرح مسلم" ١١/ ٧.
و"العزلاوان": تثنية عَزْلاء، وزان حمراء، وَقَالَ ابن منظور: هو: مَصَبّ الماء منْ الراوية، والقِربة فِي أسفلها، حيث يُستفرَغ ما فيها منْ الماء؛ سُمّيت عزلاء؛ لأنها فِي أحد خُصْمي المزادة، لا فِي وسطها, ولا كفمها الذي منه يُستقى فيها، والجمع العزالِي بكسر اللام، وإن شئت فتحتها، مثل الصحارِي، والصحارَى، والعَذَارِي، والعَذَارَى. انتهى "لسان العرب" ١١/ ٤٤٢.
(حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهِمَا) غاية للفتح، أي ففتح، وصبّ حَتَّى فرغ ما فِي المزادتين منْ الخمر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٩٠/ ٤٦٦٦ - وفي "الكبرى" ٩١/ ٦٢٦٠. وأخرجه (م) فِي "البيوع" ١٥٧٩ (أحمد) فِي "مسند بني هاشم" ٢٠٤٢ و٢١٩١ و٢٩٧١ و٣٣٦٣ (الموطأ) فِي "الأشربة" ١٥٩٨ (الدارمي) فِي "الأشربة" ٢٠١١. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم بيع الخمر، وهو
стр. 17056
التحريم، وهو مجمع عليه. (ومنها): أن الإنسان إذا رأى منْ يفعل المنكر ينبغي له أن يسأله قبل الإنكار عليه، هل هو يعلم حكمه، أم لا؟. (ومنها): أن منْ ارتكب معصيةً جاهلاً تحريمها لا إثم عليه، ولا تعزير. (ومنها): أن فيه دليلاً عَلَى جواز سؤال الإنسان عن بعض أسرار الإنسان، فإن كَانَ مما يجب كتمانه كتمه، وإلا فيذكره. قاله النوويّ رحمه الله تعالى. وَقَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: فيه دليلٌ عَلَى أن العالم إذا خاف عَلَى أحد الوقوع فيما لا يجوز وجب عليه أن يستكشف عن ذلك الشيء حَتَّى يتبيّن له وجهه، ولا يكون هَذَا منْ باب التجسّس، بل منْ باب النصحية، والإرشاد. (ومنها): ما قاله النوويّ: إن فيه دليلاً لمذهب الشافعيّ، والجمهور أن أواني الخمر لا تُكسر، ولا تُشقّ، بل يراق ما فيها. وعن مالك روايتان: [إحداهما]: كالجمهور. [والثانية]: يُكسر الإناء، ويُشقّ السقاء، وهذا ضعيفٌ، لا أصل له، وأما حديث أبي طلحة ﵁ أنهم كسروا الدَّنَانَ، فإنما فعلوا ذلك بأنفسهم، منْ غير أمر النبيّ ﷺ . انتهى "شرح مسلم" ١١/ ٧ - ٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٦٧ - (حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "لَمَّا نَزَلَتْ آيَاتُ الرِّبَا، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَلَى الْمِنْبَرِ فَتَلَاهُنَّ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ حَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ").
رجال هَذَا الإسناد: سبعة:
١ - (محمود بن غيلان) العَدوي مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ٣٣/ ٣٧.
٢ - (وكيع) بن الجرّاح بن مليح الرُّؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة ثبت حافظ [٩] ٢٣/ ٢٥.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة ثبت حجة [٧] ٣٣/ ٣٧.
٤ - (منصور) بن المعتمر، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقة ثبت حافظ [٦] ٢/ ٢.
٥ - (أبو الضُّحَى) مسلم بن صُبيح الهمداني الكوفيّ العطار، ثقة فاضل [٤] ٩٦/ ١٢٣.
٦ - (مسروق) بن الأجدع بن مالك الهمدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقة فقيه عابد مخضرم [٢] ٩٠/ ١١٢.
٧ - (عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
стр. 17057
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزيّ، ثم بغداديّ، وعائشة رضي الله تعالى عنها، فمدنيّة. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم. (ومنها): أن فيه عائشة رضي الله تعالى عنها منْ المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: "لَمَّا نَزَلَتْ آيَاتُ الرِّبَا) أي منْ أول آية الربا إلى آية الدين، وفي رواية لمسلم: "لَمّا أُنزلت الآيات منْ آخر سورة البقرة فِي الربا" (قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَتَلَاهُنَّ عَلَى النَّاسِ) وفي رواية لمسلم: "فاقترأهنّ عَلَى النَّاس" (ثُمَّ حَرَّمَ التَّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ) أي تنبيهًا عَلَى أَنهما فِي الحرمة سواء. وَقَالَ السيوطيّ فِي "حاشية أبي داود": جاء عن عائشة فِي بعض الروايات لَمّا نزلت سورة البقرة، نزل تحريم الخمر، فنهى رسول الله ﷺ عن ذلك، فهذا يدلّ عَلَى أنه كَانَ فِي الآيات المذكورة تحريم ذلك، وكأنه نُسخت تلاوته. ذكره السنديّ فِي "شرحه" ٧/ ٣٠٨.
وَقَالَ النوويّ فِي "شرح مسلم": قَالَ القاضي عياض، وغيره: تحريم الخمر هو فِي سورة المائدة، وهي نزلت قبل آية الربا بمدّة طويلة، فإن آية الربا آخر ما نزل، أو منْ آخر ما نزل، فيحتمل أن يكون هَذَا النهي عن التجارة متأخّرًا عن تحريمها، ويحتمل أنه أخبر بتحريم التجارة حين حُرّمت الخمر، ثم أخبر به مرّةً أخرى بعد نزول آية الربا توكيدًا، ومبالغة فِي إشاعته، ولعله حضر المجلس منْ لم يكن بلغه تحريم التجارة فيها قبل ذلك. انتهى "شرح مسلم" ١١/ ٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٩٠/ ٤٦٦٧ - وفي "الكبرى" ٩١/ ٦٢٦١. وأخرجه (خ) فِي "الصلاة" ٤٥٩ (م) فِي "البيوع" ١٥٨٠ (د) فِي "البيوع" ٣٤٩٠ (ق) فِي "الأشربة" ٣٣٨٢ (أحمد) فِي "باقي مسند الأنصار" ٢٣٦٧٣ (الدارمي) فِي "البيوع" ٢٤٥٦ و٢٤٥٧، والله تعالى أعلم.
стр. 17058
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم بيع الخمر. (ومنها): التشديد فِي التجارة بالخمر، حيث قرنه الشارع بالربا المتوعّد عليه بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٩]. (ومنها): اهتمام الشارع بشأن الربا، والخمر حيث أشاعه فِي المسجد عَلَى المنبر تأكيدًا، وتشديدًا فِي تحريمه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٩١ - (بَابُ بَيْعِ الْكَلْبِ)
٤٦٦٨ - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مَسْعُودٍ، عُقْبَةَ بْنَ عَمْرٍو، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وَقَدْ تقدّموا غير مرّة.
وقوله: "عن ثمن الكلب" ظاهره حرمة بيعه، وعليه الجمهور، وهو الحقّ، ولعل منْ لا يقول به يحمله عَلَى أنه كَانَ حين كَانَ الأمر بقتله، وَقَدْ عُلم نسخه.
وقوله: "ومهر البغيّ" هو ما تأخذه الزانية عَلَى الزنا، سُمي مهرًا؛ لكونه عَلَى صورته، والبغيّ: الزانية، وأصله بَغُويٌ عَلَى وزن صَبُور، فلذلك استوى فيه المذكّر والمؤنّث.
وقوله: "حُلوان الكاهن": بضم الحاء المهملة، وسكون اللام: مصدر حَلَوته: إذا أعطيته، والمراد ما يُعطى عَلَى كهانته، وأصله منْ الحلاوة، شُبّه ما يُعطى الكاهن بشيء حلو؛ لأخذه إياه بسهولة، دون كلفة، يقال: حلوت الرجل: إذا أطعمته الحلو، ويقال للرشوة: حلوان.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث متّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم سندًا ومتنًا فِي "كتاب الصيد والذبائح" ١٥/ ٤٢٩٤ - وتقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
стр. 17059
حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٦٩ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فِي أَشْيَاءَ حَرَّمَهَا: "وَثَمَنِ الْكَلْبِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه فإنه منْ أفراده، وهو مصريّ ثقة [١١]. و"سعيد بن عيسى": هو ابن الرُّعينيّ الْقِتْبَاني، ثقة فقيه، منْ قدماء [١٠] منْ أفراد البخاريّ، والمصنّف. و"الْمُفضّل بن فَضَالة" بفتح الفاء: هو القِتبانيّ المصريّ القاضي، ثقة فاضل عابد [٨].
والسند مسلسلٌ بثقات المصريين إلى ابن جريج، ومنه مكيّون.
وقوله: "فِي أشياء حرّمها" متعلّق بـ"قَالَ"، أو بحال محذوف منْ قوله: "وثمن الكلب": أي قَالَ: "وثمن الكلب"، حال كونه معدودًا فِي جملة أشياء حرّمها ﷺ .
وقوله: "وثمن الكلب" مقول القول، وهو بالجرّ عَلَى الحكاية.
والحديث صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٩١/ ٤٦٦٩ - وفي "الكبرى" ٩٢/ ٦٢٦٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٩٢ - (مَا اسْتُثْنِيَ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "استُثْنِيَ" بالبناء للمفعول: أي ما أُخرج منْ تحريم بيع الكلب، فجاز بيعه، وهو كلب الصيد، لكن حديث الباب لا يصحّ، فلا استثناء، وعليه الجمهور، وهو الحقّ، كما تقدّم، والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٦٧٠ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَالسِّنَّوْرِ، إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ"، قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا مُنْكَرٌ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه وهو مصّيصيّ ثقة.
стр. 17060
وقوله" والسّنّور" بكسر السين المهملة، وفتح النون المشددة: الهرّ.
والحديث ضعيف، كما بيّنه المصنّف؛ لتفرّد حماد بن سلمة بذكر الاستثناء، فقد أخرج الْحَدِيث مسلم فِي "صحيحه" منْ طريق مَعقِل بن عُبيد الله، عن أبي الزبير، بلفظ: "سألت جابرًا عن ثمن الكلب، والسنّور؟ قَالَ: زجر النبيّ ﷺ عن ذلك"، ولم يذكر الاستثناء، وأخرجه أبو داود، والترمذيّ منْ طريق الأعمش، عن أبي سُفيان، عن جابر ﵁ بدون ذكر الاستثناء أيضًا، فدلّ عَلَى أن الاستثناء غير محفوظ.
والحديث تقدّم سندًا ومتنًا فِي "كتاب الصيد والذبائح" ١٦/ ٤٢٩٨ - وتقدّم البحث فيه مستوفًى، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٩٣ - (بَيْعُ الْخَمْرِ)
٤٦٧١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ، عَامَ الْفَتْحِ، وَهُوَ بِمَكَّةَ: "إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ"، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ، فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدَّهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: "لَا هُوَ حَرَامٌ"، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عِنْدَ ذَلِكَ: "قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا، جَمَّلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"الليث": هو ابن سعد الإِمام المصريّ المشهور.
وقوله: "حرّم": قَالَ القرطبيّ: كذا صحّت الرواية, مسندًا إلى ضمير الواحد، وكان أصله حَرَّمَا, لأنه تقدم اثنان، لكن تأدّب النبيّ ﷺ ، فلم يجمع بينه وبين اسم الله تعالى فِي ضمير الاثنين؛ لأن هَذَا منْ نوع ما ردّه عَلَى الخطيب الذي قَالَ: "ومن يعصهما، فقد غوى"، فَقَالَ له: "بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله" انتهى "المفهم" ٤/ ٤٦١.
وتعقّبه فِي "الفتح" بأنه وقع فِي بعض طرقه بلفظ "حرّما"، قَالَ: والتحقيق جواز الإفراد فِي مثل هَذَا، ووجهه الإشارة إلى أن أمره ﷺ ناشىء عن أمر الله تعالى، وَقَدْ
стр. 17061
تقدّم تمام البحث فِي هَذَا فِي "كتاب الفرَع والعتيرة" فراجعه تستفد.
وقوله: "لا هو حرام": معناه لا تبيعوها، فإن بيعها حرام، والضمير فِي "هو" يعود إلى البيع، لا إلى الانتفاع، هَذَا هو الصحيح، عند الشافعيّ، وأصحابه، أنه يجوز الانتفاع بشحم الميتة، فِي طلى السُّفُن، والاستصباح بها، وغير ذلك، مما ليس بأكل، ولا فِي بدن الآدمي، وبهذا قَالَ أيضا عطاء بن أبي رباح، ومحمد بن جرير الطبري.
وَقَالَ الجمهور: لا يجوز الانتفاع به فِي شيء أصلا؛ لعموم النهي عن الانتفاع بالميتة، إلا ما خُصّ، وهو الجلد المدبوغ.
وأما الزيت، والسمن، ونحوهما، منْ الأدهان التي أصابتها نجاسة، فهل يجوز الاستصباح بها، ونحوه منْ الاستعمال فِي غير الأكل وغير البدن، أو يُجعل منْ الزيت صابون، أو يطعم العسل المتنجس للنحل، أو يطعم الميتة لكلابه، أو يطعم الطعام النجس لدوابه، فيه خلاف بين السلف، الصحيح منْ مذهب الشافعيّ جواز جميع ذلك، ونقله القاضي عياض عن مالك، وكثير منْ الصحابة، والشافعي، والثوري، وأبي حنيفة وأصحابه، والليث بن سعد، قَالَ: وروى نحوه عن علي، وابن عمر، وأبي موسى، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، قَالَ: وأجاز أبو حنيفة، وأصحابه، والليث، وغيرهم، بيع الزيت النجس إذا بينه. وَقَالَ عبد الملك بن الماجشون، وأحمد ابن حنبل، وأحمد بن صالح: لا يجوز الانتفاع بشئ منْ ذلك كله، فِي شيء منْ الأشياء. والله أعلم.
قَالَ العلماء: وفي عموم تحريم بيع الميتة، أنه يحرم بيع جثة الكافر، إذا قتلناه، وطلب الكفار شراءه، أو دفع عوض عنه، وَقَدْ جاء فِي الْحَدِيث: أن نوفل بن عبد الله المخزومي، قتله المسلمون يوم الخندق، فبذل الكفار فِي جسده عشرة آلاف درهم للنبي ﷺ ، فلم يأخذها، ودفعه إليهم، وذكر الترمذيّ حديثا نحو هَذَا.
قَالَ الشافعيّة: العلة فِي منع بيع الميتة، والخمر، والخنزير النجاسة، فيتعدى إلى كل نجاسة، والعلة فِي الأصنام كونها ليس فيها منفعة مباحة، فإن كانت بحيث إذا كُسرت، ينتفع برضاضها، ففي صحة بيعها خلاف مشهور لأصحاب الشافعيّ، منهم منْ منعه؛ لظاهر النهى، وإطلاقه، ومنهم منْ جَوّزه؛ اعتمادا عَلَى الانتفاع، وتأول الْحَدِيث عَلَى ما لم ينتفع برضاضه، أو عَلَى كراهة التنزيه فِي الأصنام خاصة.
وأما الميتة، والخمر، والخنزير: فأجمع المسلمون عَلَى تحريم بيع كل واحد منها. والله أعلم.
قَالَ القاضي عياض: تضمن هَذَا الْحَدِيث أن ما لا يحل أكله، والانتفاع به لا يجوز
стр. 17062
بيعه، ولا يحل أكل ثمنه، كما فِي الشحوم المذكورة فِي الْحَدِيث، فاعترض بعض اليهود، والملاحدة بأن الابن إذا ورث منْ أبيه جارية كَانَ الأب وطئها، فإنها تحرم عَلَى الابن، ويحل له بيعها بالإجماع، وأكل ثمنها.
قَالَ القاضي: وهذا تمويه عَلَى منْ لا علم عنده؛ لأن جارية الأب، لم يحرم عَلَى الابن منها غير الإستمتاع عَلَى هَذَا الولد، دون غيره منْ النَّاس، ويحل لهذا الابن الانتفاع بها، فِي جميع الأشياء، سوى الاستمتاع، ويحل لغيره الاستمتاع وغيره، بخلاف الشحوم، فإنها محرمة المقصود منها، وهو الأكل منها عَلَى جميع اليهود، وكذلك شحوم الميتة محرمة الأكل عَلَى كل أحد، وكان ما عدا الأكل تابعا له، بخلاف موطوأة الأب. والله أعلم. قاله النوويّ رحمه الله تعالى فِي "شرح مسلم" ١١/ ٨ - ١١.
وَقَالَ فِي "الفتح": قَالَ جمهور العلماء: العلة فِي منع بيع الميتة، والخمر، والخنزير، النجاسة، فيتعدى ذلك إلى كل نجاسة، ولكن المشهور عند مالك طهارة الخنزير.
والعلة فِي منع بيع الأصنام عدم المنفعة المباحة، فعلى هَذَا إن كانت بحيث إذا كُسرت ينتفع برُضَاضها، جاز بيعها، عند بعض العلماء، منْ الشافعيّة وغيرهم، والأكثر عَلَى المنع؛ حملا للنهي عَلَى ظاهره، والظاهر أن النهي عن بيعها للمبالغة فِي التنفير عنها، ويلتحق بها فِي الحكم الصُّلْبان التي تُعَظَّمها النصارى، ويحرم نَحْتُ جميع ذلك وصنعته.
وأجمعوا عَلَى تحريم بيع الميتة، والخمر، والخنزير، ورخص بعض العلماء فِي القليل منْ شعر الخنزير للخَرْز، حكاه ابن المنذر عن الأوزاعي، وأبي يوسف، وبعض المالكية، فعلى هَذَا يجوز بيعه، ويستثنى منْ الميتة عند بعض العلماء، ما لا تُحَلُّه الحياة، كالشعر، والصوف، والوبر، فإنه طاهر، فيجوز بيعه، وهو قول أكثر المالكية، والحنفية، وزاد بعضهم العظم، والسن، والقرن، والظِّلْف، وَقَالَ بنجاسة الشعور الحسن، والليث، والأوزاعي، ولكنها تطهر عندهم بالغسل، وكأنها متنجسة عندهم، بما يتعلق بها منْ رطوبات الميتة، لا نجسة العين، ونحوه قول ابن القاسم فِي عظم الفيل: إنه يطهر إذا سُلِق بالماء. انتهى "فتح" ببعض تصرّف ٥/ ١٧٨ - ١٧٩.
وقوله: "جَمَلُوه" بفتح الجيم، والميم، يقال: جَمَل الشحم، منْ باب نصر: أذابه، ويقال: أجمله بالألف، واجتمله، أفاده فِي "القاموس".
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم فِي "كتاب الفرَع والعتيرة" ٨/ ٤١٥٨ - وتقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله، فراجعه هناك تستفد والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 17063
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٩٤ - (بَيْعُ ضِرَابِ الْجَمَلِ)
٤٦٧٢ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ حَجَّاجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا، يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الْجَمَلِ، وَعَنْ بَيْعِ الْمَاءِ، وَبَيْعِ الأَرْضِ لِلْحَرْثِ، يَبِيعُ الرَّجُلُ أَرْضَهُ وَمَاءَهُ، فَعَنْ ذَلِكَ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ) بن الهَيثم الخثعميّ، أبو إسحاق المصّيصيّ المِقْسميّ، ثقة [١١] ٥١/ ٦٤.
٢ - (حجّاج) بن محمد المصّيصيّ الأعور، أبو محمد ترمذيّ الأصل، نزيل بغداد، ثم المصّيصة، ثقة ثبت، لكنه اختلط فِي آخره لَمّا قدِم بغداد [٩] ٢٨/ ٣٢.
٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، لكنه يدلس ويرسل [٦] ٢٨/ ٣٢.
٤ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوق، يدلّس [٤] ٣١/ ٣٥.
٥ - (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام السلمي رضي الله تعالى عهما ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده، وأبي داود، وابن ماجه فِي "التفسير" … (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، وحجاج، فمصّيصيّان. (ومنها): أن فيه جابرًا رضي الله تعالى عنه منْ المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
عن أبي الزبير رحمه الله تعالى (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا) هو ابن عبد الله رضي الله تعالى
стр. 17064
عنهما (يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الْجَمَلِ) بكسر الضاد المعجمة، أي عن أخذ الكراء عَلَى ضِرابه، بل ينبغى لصاحب الفحل إعارته بلا كراء، فإن فِي المنع قطع النسل.
وَقَالَ ابن الأثير: ضراب الجمل: نَزْوه عَلَى الأنثى، والمراد بالنهي ما يؤخذ عليه منْ الأجرة، لا عن نفس الضِّراب، وتقديره: نهى عن ثمن ضراب الجمل، كنهيه عن عَسْبِ الفحل: أي عن ثمنه، يقال: ضَرَبَ الجملُ الناقةَ يَضرِبها: إذا نزا عليها، وأضرب فلانٌ ناقته: أي أنزى الفحل عليها. انتهى "النهاية" ٣/ ٧٩.
(وَعَنْ بَيْعِ الْمَاءِ) تقدّم البحث عنه مُسْتَوْفًى قبل خمسة أبواب (وَبَيْعِ الأَرْضِ لِلْحَرْثِ) أي كراء الأرض للزرع، وقوله (يَبِيعُ الرَّجُلُ أَرْضَهُ وَمَاءَهُ) تفسيرٌ لبيع الأرض، يعني أنه يؤاجر الأرض والماء لمن يزرعها، قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: معناه نهى عن إجارتها للزرع، قَالَ: والجمهور يجوّزن إجارتها بالدراهم، والثياب، ونحوها، ويتأوّلون النهي تأويلين: [أحدهما]: أنه نهي تنزيه؛ ليعتادوا إعارتها، وإرفاق بعضهم بعضًا. [والثاني]: أنه محمول عَلَى إجارتها عَلَى أن يكون لمالكها قطعة معيّنة منْ الزرع، وحمله القائلون بمنع المزارعة عَلَى إجارتها بجزءٍ مما يخرج منها. انتهى "شرح مسلم" ١٠/ ٤٧٣ - ٤٧٤.
وَقَدْ تقدّم تفصيل ما ذُكر كلّه فِي "كتاب المزارعة" مستوفًى، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وقوله (فَعَنْ ذَلِكَ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ ) تأكيدٌ لما سبق منْ النهي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث أخرجه مسلم، وَقَدْ تقدّم تخريجه فِي باب "بيع الماء" قبل خمسة أبواب، وأتكلّم هنا عَلَى ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو حكم بيع ضراب الجمل، فأقول:
[مسألة]: فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم بيع ضراب الفحل:
قَالَ النوويّ فِي "شرح مسلم": اختلف العلماء فِي إجارة الفحل وغيره منْ الدواب؛ للضراب، فَقَالَ الشافعيّ، وأبو حنيفة، وأبو ثور، وآخرون: استئجاره لذلك باطل، وحرام، ولا يُستَحَقُّ فيه عِوَضٌ، ولو أنزاه المستأجر لا يلزمه المسمى منْ أجره، ولا أجرة مثل، ولا شيء منْ الأموال، قالوا: لأنه غرر مجهول، وغير مقدور عَلَى تسليمه.
وَقَالَ جماعة منْ الصحابة، والتابعين، ومالك، وآخرون: يجوز استئجاره لضرب مدة معلومة، أو لضربات معلومة؛ لأن الحاجة تدعو إليه، وهي منفعة مقصودة، وحملوا
стр. 17065
النهى عَلَى التنزيه، والحثِّ عَلَى مكارم الأخلاق، كما حملوا عليه ما قرنه به منْ النهى عن إجارة الأرض. والله أعلم. انتهى "شرح مسلم" ١٠٤٧٤.
وَقَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: ما حاصله: بيع ماء الفحل لا يُختلف فِي فساده إذا وقع بلفظ البيع، وأريد تحصيل العوض الذي هو حصول ماء الفحل فِي محلّ الرحم، وعَقُوق الأنثى (١) فإنه غررٌ، ومجهولٌ، وأما عَلَى معنى إجارة الفحل للطَّرْق أعوامًا معلومةً، أو إلى مدّة معلومة، فأجازه مالكٌ؛ لكمال شروط الإجارة، مع أن أخذ الأجرة عَلَى ذلك ليس منْ مكارم الأخلاق، ولا يفعله غالبًا إلا أولو الدناءة، ويكون هَذَا كله كالحجامة. وَقَدْ ذهب أبو حنيفة، والشافعيّ، وأبو ثور إلى منع ذلك جملةً، والأرجح إن شاء الله تعالى ما صار إليه مالك؛ لما ذكرناه، وبأنه قول جماعة منْ الصحابة، والتابعين عَلَى ما حكاه القاضي عياض. انتهى "المفهم" ٤/ ٤٤٢ - ٤٤٣.
وَقَالَ الموفّق رحمه الله تعالى فِي "المغني": إجارة الفحل للضراب حرام، وبه قَالَ أبو حنيفة، والشافعي، وحُكي عن مالك جوازه. قَالَ ابن عقيل: ويحتمل عندي الجواز؛ لأنه عقد عَلَى منافع الفحل ونزوه، وهذه منفعة مقصودة، والماء تابع، والغالب حصوله عقيب نزوه، فيكون كالعقد عَلَى الظئر؛ ليحصل اللبن فِي بطن الصبي.
وحجة الأولين ما رَوَى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: "أن النبيّ ﷺ نهى عن بيع عسب الفحل"، رواه البخاريّ، وعن جابر ﵁ قَالَ: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع ضراب الجمل"، رواه مسلم، ولأنه مما لا يُقدر عَلَى تسليمه، فأشبه إجارة الآبق، ولأن ذلك متعلق باختيار الفحل وشهوته، ولأن المقصود هو الماء، وهو مما لا يجوز إفراده بالعقد، وهو مجهول، وإجارة الظئر خولف فيه الأصل؛ لمصلحة بقاء الآدمي، فلا يقاس عليه ما ليس مثله، فعلى هَذَا إذا أعطى أجرة لعسب الفحل، فهو حرام عَلَى الآخذ؛ لما ذكرناه، ولا يحرم عَلَى المعطى؛ لأنه بذل ماله لتحصيل مباح، يحتاج إليه، ولا يمتنع هَذَا كما فِي كسب الحجام، فإنه خبيث، وَقَدْ أعطى النبيّ ﷺ الذي حجمه، وكذلك أجرة الكسح (٢)، والصحابة أباحوا شراء المصاحف، وكرهوا بيعها، وإن أَعطى صاحب الفحل هدية، أو أكرمه منْ غير إجارة جاز، وبه قَالَ الشافعيّ؛ لما روى أنس ﵁ عن النبيّ ﷺ ، أنه قَالَ: "إذا كَانَ إكراما فلا بأس" (٣)، ولأنه سبب مباح، فجاز
стр. 17066
أخذ الهدية عليه، كالحجامة. وَقَالَ أحمد فِي رواية ابن القاسم: لا يأخذ، فقيل له: ألا يكون مثل الحجام، يُعطَى، وإن كَانَ منهيا عنه؟ فَقَالَ: لم يبلغنا أن النبيّ ﷺ أعطى فِي مثل هَذَا شيئا، كما بلغنا فِي الحجام. ووجهه أن ما منع أخذ الأجرة عليه منع قبول الهدية، كمهر البغي، وحلوان الكاهن، قَالَ القاضي: هَذَا مقتضى النظر، لكن تُرك مقتضاه فِي الحجام، فيبقى فيما عداه عَلَى مقتضى القياس، والذي ذكرناه أرفق بالناس، وأوفق للقياس، وكلام أحمد يحمل عَلَى الورع، لا عَلَى التحريم. انتهى "المغني" ٦/ ٣٠٢ - ٣٠٤.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور منْ تحريم بيع ضراب الفحل، هو الصواب؛ لظهور أدلّته، وأما لو أُكرم صاحب الفحل بهديّة منْ غير مشارطة، فلا مانع؛ لما أخرجه الترمذيّ، والمصنّف، واللفظ للترمذيّ بإسناد صحيح منْ حديث أنس ﵁: "أن رجلا منْ كلاب، سأل النبيّ ﷺ ، عن عَسْب الفحل؟ فنهاه، فَقَالَ: يا رسول الله، إنا نُطرِق الفحل فنُكرَم، فرخص له فِي الكرامة". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٧٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ ح وَأَنْبَأَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ").
رجال هَذَا الإسناد: سبعة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزي، ثقة ثبت حجة [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (حميد بن مسعدة) بن المبارك الساميّ الباهلي البصريّ، صدوق [١٠] ٥/ ٥.
٣ - (إسماعيل بن إبراهيم) ابن عليّة، أبو بشر البصريّ، ثقة ثبت حافظ [٨] ١٨/ ١٩.
٤ - (عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان العنبري مولاهم، أبو عبيدة التّنّوريّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٦/ ٦.
٥ - (عليّ بن الحكم) البُنانيّ، أبو الحكم البصريّ، ثقة، ضعّفه الأزديّ بلا حجة [٥] ٣٣/ ٤٣٥٠.
[تنبيه]: قَالَ فِي "الفتح" -٥/ ٢٢٥ - : علي بن الحكم هو الْبُنانيّ بضمّ الموحّدة، بعدها نون خفيفة، بصريّ ثقة عند الجميع، وليّنه أبو الفتح الأزديّ بلا مُستَنَد، وليس له فِي البخاريّ سوى هَذَا الْحَدِيث، وَقَدْ أخرج الحاكم فِي "المستدرك" هَذَا الْحَدِيث، عن مسدّد، شيخ البخاريّ فيه، وَقَالَ: عليّ بن الحكم ثقة، منْ أعزّ البصريين حديثًا. انتهى. وَقَدْ وَهِمَ فِي استدراكه، وهو فِي البخاريّ كما ترى -يعني فِي "الإجارة"- وكأنه
стр. 17067
لَمّا لم يره فِي "البيوع" توهّم أن البخاريّ لم يُخرجه. انتهى.
٦ - (نافع) العدوي مولاهم، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ١٢/ ١٢.
٧ - (ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه الأول، فمروزيّ، ونافع وابن عمر، فمدنيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما منْ العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ") -بفتح العين، وإسكان السين المهملتين، وفي آخره موحدة- ويقال له: العسيب أيضا، والفحل الذكر منْ كل حيوان، فرسا كَانَ، أو جملا، أو تيسا، أو غير ذلك. وَقَدْ رَوَى النسائيّ منْ حديث أبي هريرة "نهى عن عسب التيس". قاله فِي "الفتح".
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي عزاه فِي "الفتح" إلى النسائيّ بلفظ "التيس" لم أره فِي نسخ "المجتبى"، ولا فِي "الكبرى"، ولعله وقع هكذا فِي بعض النسخ، والله تعالى أعلم.
واختُلف فِي معنى "عسب الفحل"، فقيل: هو ثمن ماء الفحل، وقيل أجرة الجماعِ. قَالَ الحافظ: وعلى الأخير جرى البخاريّ، ويؤيد الأول حديث جابر ﵁: "نَهَى رسول الله ﷺ عن بيع ضِرَاب الجمل"، وليس بصريح فِي عدم الحمل عَلَى الإجارة؛ لأن الإجارة بيع منفعة، ويؤيد الحمل عَلَى الإجارة، لا الثمن ما نقل عن قتادة: أنهم كانوا يكرهون أجر ضراب الجمل. وَقَالَ صاحب "الأفعال": أعسب الرجل عَسِيبا: اكترى منه فَحْلا يُنزيه.
وعلى كل تقدير فبيعه، وإجارته حرام؛ لأنه غير مُتَقَوَّم، ولا معلوم، ولا مقدور عَلَى تسليمه، وفي وجه للشافعية، والحنابلة: تجوز الإجارة مدة معلومة، وهو قول الحسن، وابن سيرين، ورواية عن مالك، قَوّاها الأبهري وغيره، وحَمَلَ النهي عَلَى ما إذا وقع لأمد مجهول، وأما إذا استأجره مدة معلومة، فلا بأس كما يجوز الاستئجار لتلقيح النخل. وتعقب بالفرق؛ لأن المقصود هنا ماء الفحل، وصاحبه عاجز عن تسلميه، بخلاف التلقيح، ثم النهي عن الشراء والكراء، إنما صدر لما فيه منْ الغرر، وأما عارية
стр. 17068
ذلك فلا خلاف فِي جوازه.
فإن أهدى للمعير هدية منْ المستعير، بغير شرط جاز، وللترمذي منْ حديث أنس: "أن رجلا منْ كلاب، سأل النبيّ ﷺ ، عن عَسْب الفحل، فنهاه، فَقَالَ: يا رسول الله، إنا نُطرِق الفحل، فنكرم، فرخص له فِي الكرامة". ولابن حبّان فِي "صحيحه" منْ حديث أبي كبشة، مرفوعا: "منْ أطرق فرسا فأعقب، كَانَ له كأجر سبعين فرسا (١) ". انتهى "فتح" ٥/ ٢٢٤ - ٢٢٥.
وَقَدْ تقدّم تمام البحث فِي هَذَا فِي الْحَدِيث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٩٤/ ٤٦٧٣ - وفي "الكبرى" ٩٥/ ٦٢٦٧. وأخرجه (خ) فِي "الإجارة" ٢٢٨٤ (د) فِي "البيوع" ١٢٧٣ (ت) فِي "البيوع" ٣٤٢٩ (أحمد) فِي "مسند المكثرين" ٤٦١٦. وأما فوائد الْحَدِيث، ومذاهب العلماء، فقد تقدّمت فِي الْحَدِيث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٧٤ - (أَخْبَرَنَا عِصْمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حُمَيْدٍ الرُّؤَاسِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الصَّعْقِ، أَحَدِ بَنِي كِلَابٍ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَسَأَلَهُ عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ؟ فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّا نُكْرَمُ عَلَى ذَلِكَ").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (عصمة بن الفضل) النُّميريّ، أبو الفضل النيسابوريّ، نزيل بغداد، ثقة [١١]
стр. 17069
٩/ ١٦١٧.
٢ - (يحيى بن آدم) بن سُليمان الكوفيّ، أبو زكريّا، مولى بني أُميّة، ثقة حافظ فاضل، منْ كبار [٩] ١/ ٤٥١.
٣ - (إبراهيم بن حُميد) بن عبد الرحمن، الرُّؤَاسيّ -بضمّ الراء، بعدها همزة- أبو إسحاق الكوفيّ، ثقة [٨].
قَالَ ابن معين، ثقة، ولم أدركه. وَقَالَ أبو حاتم، والنسائيّ: ثقة. ووثقه أحمد، وأبو داود، والعجليّ، وابن حبّان. مات سنة (١٧٨) روى له البخاريّ، ومسلم، وأبو داود فِي "المراسيل"، والمصنّف، وله عنده فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط.
٤ - (هشام بن عروة) بن الزبير الأسدي، أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيه، ربما دلّس [٥] ٤٩/ ٦١.
٥ - (محمد بن إبراهيم بن الحارث) بن خالد التيميّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة له أفراد [٤] ٦٠/ ٧٥.
٦ - (أنس بن مالك) الأنصاريّ الصحابيّ الشهير رضي الله تعالى عنه ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، ثم بغدادي، ويحيى، وإبراهيم، فكوفيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، هشام، عن محمد بن إبراهيم، وهو منْ رواية الأقران، فكلاهما منْ الطبقة الخامسة، وفيه أنس رضي الله تعالى عنه منْ المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر منْ مات منْ الصحابة رضي الله تعالى عنهم بالبصرة، مات سنة (٢) أو (٩٣) وَقَدْ جاوز المائة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁، أنه (قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الصَّعِقِ) قَالَ المجد: الصَّعِقُ، ككتِفٍ لقب خُويلد بت نُفيل، منْ بني كلاب، ويقال فيه الصِّعِقُ، كإِبِلٍ، والنسبة صَعَقيّ، محرّكةَ، وصِعَقِيّ، كعِنَبيّ، عَلَى غير قياس، لُقّب به لأن تميمًا أصابوا رأسه بضربة، فكان إذا سمع صوتًا صَعِقَ، أو لأنه اتّخذ طعامًا، فَكَفَأت الريحُ قُدُوره، فلعنها، فأرسل الله تعالى عليه صاعقةً. انتهى "القاموس، وشرحه" (أَحَدِ بَنِي كِلَابٍ) بكسر الكاف، وتخفيف اللام، اسم لعدّة قبائل منْ العرب، منها: كلاب بن مرّة بن
стр. 17070
كعب بن لُؤيّ بن غالب، جدّ رسول الله ﷺ ، وهو أبو قُصيّ، وزُهْرة ابني كلاب، ومنها: كلاب بن عامر بن صعصعة، قاله فِي "اللباب" ٣/ ١٢٢، و"الأنساب" ٥/ ١١٦ - ١١٧ (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَسَأَلَهُ عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ؟) بفتح، فسكون: أي مائه، والمراد ما يؤخذ عليه منْ العوض، فهو عَلَى حذف مضاف، وقيل: بل يطلق العسب عَلَى الأجرة نفسها، وتقدّم بأتمّ منْ هَذَا فِي الْحَدِيث الماضي (فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ) أي عن أخذ العوض عليه (فَقَالَ: إِنَّا نُكْرِمُ عَلَى ذَلِكَ) ببناء الفعل للفاعل: أي نكرم صاحب الفحل، عَلَى ضِرَاب فحله، ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول: أي يكرمنا النَّاس عَلَى ضِراب فحلنا لهم، ويؤيده ظاهر سياق الترمذيّ منْ هَذَا الوجه، ولفظه: "إنا نُطرق الفحل، فنُكرم، فرّخص له فِي الكرامة". فقوله: "نُطرق الفحل": أي نُعيره للضراب، قَالَ فِي "النهاية": ومنه الْحَدِيث: "ومن حقّها إطراق فحلها": أي إعارته للضراب. وقوله: "نكرم" بالبناء للمفعول: أي يعطينا صاحب الأنثى شيئًا بطريق الهديّة.
[تنبيه]: رواية المصنّف فيها اختصار، حيث لم يُذكَر فيها جوابُ النبيّ ﷺ لقوله: "إنا نكرم إلخ" وَقَدْ جاء فِي رواية الترمذيّ المذكورة، وهو قوله: "فرخص له فِي الكرامة". والله تعالى أعلم.
قَالَ الإِمام الترمذيّ رحمه الله تعالى بعد أن أخرج حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما الماضي: ما نصّه: والعمل عَلَى هَذَا الْحَدِيث عند بعض أهل العلم، وَقَدْ رخّص قومٌ فِي قبول الكرامة عَلَى ذلك، ثم أورد حديث أنس ﵁ هَذَا مستدلا لهم.
وَقَالَ فِي "تحفة الأحوذيّ" ٤/ ٤٠٥ - : وفيه دليل عَلَى أن المعير إذا أهدى إليه المستعير هديّةً بغير شرط، حلّت له. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أنس ﵁ هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٩٤/ ٤٦٧٤ - وفي "الكبرى" ٩٥/ ٦٢٦٨. وأخرجه (ت) فِي "البيوع" ١٢٧٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٧٥ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي نُعْمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ، وَعَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَعَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
стр. 17071
و"محمد": هو ابن جعفر، غُندر. و"المغيرة": هو ابن مِقسَم الضبيّ مولاهم، أبو هشام الكوفيّ الأعمى، ثقة متقنٌ، إلا أنه يدلّس، ولاسيّما عن إبراهيم [٦] ١٨٨/ ٣٠١.
و"ابن أبي نعم" بضم النون، وسكون المهملة-: هو عبد الرحمن بن أبي نُعْم البجليّ، أبو الحكم الكوفيّ العابد، صدوق [٣] ٧٩/ ٢٥٧٨.
وقوله: "عن كسب الحجّام": أي عن أخذ الأجرة عَلَى الحجامة، وَقَدْ تقدّم تمام البحث فيه، وأن الأرجح أنه جائز، والنهي محمول عَلَى التنزيه؛ لأنه ﷺ احتجم، وأعطى الحجام أجره. وباق الْحَدِيث شرحه مرّ قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٩٤/ ٤٦٧٥ - وفي "الكبرى" ٩٥/ ٦٢٦٩. وأخرجه (ق) فِي "التجارات" ٢١٦٠ (أحمد) فِي "مسند المكثرين" ٧٩١٦ و٨١٨٩ و٩١٠٩ و١٠١١١ (الدارمي) فِي "البيوع" ٢٥٠٩ و٢٥١٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٧٦ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن عليّ بن ميمون"، أبو العبّاس العطّار الرّقّيّ، ثقة [١١] ١٤/ ٤١٨ منْ أفراد المصنّف. و"محمد": هو ابن يوسف الفريابيّ الثقة الفاضل [٩]. و"سفيان": هو الثوريّ. و"هشام": هو ابن عائذ بن نَصيب الأسديّ، صدوقٌ [٦].
وثقه أحمد، وابن معين، وأبو داود، والعجليّ. وَقَالَ أبو حاتم: شيخٌ. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". روايته عن ابن عمر مرسلة. تفرّد به المصنّف بحديثين: هَذَا، وفي "كتاب الأشربة" حديثه ٥٥/ ٥٧٣٥ - قَالَ: سألت إبراهيم عن العصير؟، قَالَ: اشربه حَتَّى يَغلَى، ما لم يتغيّر.
والحديث صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٩٤/ ٤٦٧٦ - وفي "الكبرى" ٩٥/ ٦٢٧٠ وذكر فِي "تحفة الأشراف" أنه أخرجه فِي "الحدود"
стр. 17072
منْ "الكبرى" عن محمد بن حاتم بن أبي نُعْم، عن حِبّان بن موسى، عن عبد الله بن المبارك، عن سفيان به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٧٧ - (أَخْبَرَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَعَسْبِ الْفَحْلِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "واصل بن عبد الأعلى": هو الأسديّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ٣٩/ ٨٣١. و"ابن فُضيل": هو محمد بن فُضيل بن غزوان الكوفيّ. و"أبو حازم": هو سلمان الأشجعيّ الكوفيّ.
[تنبيه]: وقع هَذَا الْحَدِيث فِي النسخ التي بين يديّ منْ "المجتبى"، و"الكبرى" مرسلاً بحذف أبي هريرة، ولكن أشار الحافظ أبو الحجّاج المزيّ فِي "تحفة الأشراف" ١٠/ ٨٤ - إلى أنه موصول بذكر أبي هريرة ﵁، حيث أورده فِي ترجمة أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁، وأشار إلى أن النسائيّ أخرجه موصولاً فِي "البيوع" (١) عن عليّ بن ميمون (٢)، وواصل بن عبد الأعلى، كلاهما عن ابن فُضيل، عن الأعمش به، أي بسند أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁. وأشار أيضًا إلى أنه أخرجه فِي "الحدود" (٣) والظاهر أنه فِي "الكبرى" عن محمد بن الحسن، عن محمد بن أبي عُبيدة، عن الأعمش نحوه. انتهى.
والحديث أخرجه ابن ماجه فِي "كتاب التجارات" -٢١٦٠ - عن عليّ بن محمد الطنافسيّ، ومحمد بن طريف، كلاهما عن ابن فُضيل، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁، قَالَ: "نهي رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب، وعَسْب الفحل". وذكره الترمذيّ تعليقًا عقب رواية الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر ١٢٧٩ - بلفظ: "وروى ابن فُضيل، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ منْ غير هَذَا الوجه. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن النسخ التي بين يديّ وقع فيها نقصٌ، والصواب زيادة "عن أبي هريرة"، لما ذُكِرَ آنفًا منْ أنه ثابت عند الترمذيّ، وابن ماجه، بنفس السند، ولجزم الحافظ المزّيّ رحمه الله تعالى بعزوه موصولاً إلى المصنّف، فتأمّل.
стр. 17073
والحاصل أن الْحَدِيث موصول صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٩٥ - (الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الْبَيْعَ، فَيُفْلِسُ، وَيُوجَدُ الْمَتَاعُ بِعَيْنِهِ)
أي هَذَا باب ذكر الأحاديث الدّالّة عَلَى حكم منْ اشترى شيئًا، ثم أفلس، قبل التصرّف فِي الشيء المشترى.
فقوله: "يبتاع" بالبناء للفاعل: أي يَشتري. وقوله: "البيع": بمعنى المبيع، منْ إطلاق المصدر، وإرادة اسم المفعول. وقوله: "فيُفلس" بضمّ الياء، منْ الإفلاس، قَالَ الفيّوميّ: أفلس الرجل: كأنه صار إلى حالٍ ليس له فلوسٌ، كما يقال: أقهر: إذا صار إلى حال يُقْهَر عليه، وبعضهم يقول: صار ذا فُلُوس، بعد أن كَانَ ذا دراهم، فهو مُفلسٌ، والجمع مَفَاليسُ، وحقيقته الانتقال منْ حالة الْيُسْر إلى حالة الْعُسْر. وفَلّسه القاضي تفليسًا: نادَى عليه، وشَهَرَه بين النَّاس بأنه صار مُفْلسًا. والفَلْسُ: الذي يُتعامل به، جمعه فِي القلّة أَفْلُس، وفي الكثرة فُلُوس. انتهى.
وَقَالَ فِي "الفتح": المفلس شرعا: منْ تزيد ديونه عَلَى موجوده، سُمّي مُفلِسا؛ لأنه صار ذا فلوس، بعد أن كَانَ ذا دراهم ودنانير، إشارة إلى أنه صار لا يملك إلا أدنى الأموال، وهي الفلوس، أو سُمي بذلك؛ لأنه يُمنَع التصرف، إلا فِي الشيء التافه، كالفلوس؛ لأنهم ما كانوا يتعاملون بها إلا فِي الأشياء الحقيرة، أو لأنه صار إلى حالة، لا يملك فيها فَلْسًا، فعلى هَذَا فالهمزة فِي أفلس للسلب. انتهى.
وَقَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "أفلس الرجل": فِي اللغة: صار ذا فلوس، بعد أن كَانَ ذا دنانير، كما يقال: أخبث الرجل: أي صار أصحابه خُبَثاء، وأقطف الرجل: إذا صارت دابّته قَطُوفًا. والمفلس فِي عرف العرب: منْ لا مال له عينًا, ولا عَرَضًا, ولا غيره، ولذلك قَالَ النبيّ ﷺ لأصحابه ﵃: "أتدرون منْ المفلس؟ "، قالوا: ما هو المعروف عندهم، فأجابوه بقولهم: منْ لا درهم له، ولا متاع. رواه
стр. 17074
مسلم. وهو فِي عرف الشرع: عبارة عن مِدْيان، قصر ما بيده عن وفاء ما عليه منْ الديون، فطلب الغرماء أخذ ما بيده، وإذا كَانَ كذلك، فللحاكم أن يَحجُر عليه، ويمنعه منْ التصرّف فيما بيده، ويُحصِّلُهُ، ويجمع الغرماء، فيقسمه عليهم، وهذا مذهب الجمهور، منْ الصحابة، وغيرهم. انتهى "المفهم" ٤/ ٤٣٠ - ٤٣١.
وَقَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: المفلس هو الذي لا مال له، ولا ما يدفع به حاجته، ولهذا لما قَالَ النبيّ ﷺ لأصحابه: "أتدرون منْ المفلس؟ " قالوا: يا رسول الله، المفلس فينا منْ لا دراهم له، ولا متاع، قَالَ: "ليس ذلك المفلس، ولكن المفلس منْ يأتي يوم القيامة بحسنات، أمثال الجبال، ويأتي وَقَدْ ظلم هَذَا, ولطم هَذَا، وأخذ منْ عرض هَذَا، فيأخذ هَذَا منْ حسناته، وهذا منْ حسناته، فإن بقي عليه شيء أخذ منْ سيئاتهم، فرد عليه، ثم صُكّ له صَكّ إلى النار"، أخرجه مسلم بمعناه، فقولهم ذلك إخبار عن حقيقة المفلس، وقول النبيّ ﷺ : "ليس ذلك المفلس"، تجوز لم يرد به نفي الحقيقة، بل أراد أن فلس الآخرة أشد وأعظم، بحيث يصير مفلس الدنيا، بالنسبة إليه كالغني، ونحو هَذَا قوله ﷺ : "ليس الشديد بالصُّرَعَةِ، ولكن الشديد الذي يغلب نفسه عند الغضب"، متّفقٌ عليه، وقوله: "ليس السابق منْ سبق بعيره، وإنما السابق منْ غُفر له" (١)، وقوله: "ليس الغنى عن كثرة الغرض، إنما الغنى غنى النفس"، متّفقٌ عليه، ومنه قول الشاعر [منْ الخفيف]:
لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ … إِنَّمَا الْمَيْتُ مَيِّتُ الأَحْيَاءِ
وإنما سمي هَذَا مفلسا؛ لأنه لا مال له إلا الفلوس، وهي أدنى أنواع المال، والمفلس فِي عرف الفقهاء: منْ دينه أكثر منْ ماله، وخَرْجُهُ أكثر منْ دَخْلِه، وسَمَّوه مُفلسا، وإن كَانَ ذا مال؛ لأن ماله مُسْتَحَقُّ الصرف فِي جهة دينه، فكأنه معدوم، وَقَدْ دل عليه تفسير النبيّ ﷺ ، مفلس الآخرة، فإنه أخبر أن له حسنات، أمثال الجبال، لكنها كانت دون ما عليه، فقُسمت بين الغرماء، وبقي لا شيء له، ويجوز أن يكون سمي بذلك لما يؤول إليه، منْ عدم ماله بعد وفاء دينه، ويجوز أن يكون سمي بذلك؛ لأنه يمنع منْ التصرف فِي ماله، إلا الشيء التافه، الذي لا يعيش إلا به، كالفلوس ونحوها. انتهى "المغني" ٦/ ٥٣٦ - ٥٣٧. وسيأتي بيان مذهب العلماء فِي المسائل قريبًا إن شاء الله تعالى.
[تنبيه]: ترجم الإِمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه" بقوله: "باب إذا وجد
стр. 17075
ماله عند مُفلس فِي البيع، والقرض، والوديعة، فهو أحقّ به"، وَقَالَ الحسن: إذا أفلس، وتبيّن، لم يجز عتقه، ولا بيعه، ولا شراؤه". انتهى.
قَالَ فِي "الفتح": قوله: "فِي البيع": إشارة إلى ما ورد فِي بعض طرقه نصا.
وقوله: "والقرض": هو بالقياس عليه، أو لدخوله فِي عموم الخبر، وهو قول الشافعيّ فِي آخرين، والمشهور عن المالكية التفرقة بين القرض والبيع.
وقوله: "والوديعة": هو بالإجماع، وَقَالَ ابن المنير: أدخل هذه الثلاثة، إما لأن الْحَدِيث مطلق، وإما لأنه وارد فِي البيع، والآخران أولى؛ لأن ملك الوديعة لم ينتقل، والمحافظة عَلَى وفاء منْ اصطنع بالقرض معروفا مطلوب.
وقوله: "وَقَالَ الحسن: إذا أفلس الخ": أما قوله: "وتبين"، فإشارة إلى أنه لا يمنع التصرف قبل حكم الحاكم، وأما العتق فمحله ما إذا أحاط الدين بماله، فلا ينفذ عتقه، ولا هبته، ولا سائر تبرعاته، وأما البيع والشراء، فالصحيح منْ قولي العلماء أنهما لا ينفذان أيضا، إلا إذا وقع منه البيع لوفاء دين. وَقَالَ بعضهم: يوقف، وهو قول الشافعيّ. واختلف فِي إقراره، فالجمهور عَلَى قبوله، وكأن البخاريّ أشار بأثر الحسن إلى معارضة قول إبراهيم النخعي: بيع المحجور وابتياعه جائز.
وقوله: "وَقَالَ سعيد بن المسيب: قضى عثمان الخ": أي ابن عفان الخ، وصله أبو عبيد فِي "كتاب الأموال"، والبيهقي بإسناد صحيح إلى سعيد، ولفظه: "أفلس مولى لأم حبيبة، فاختصم فيه إلى عثمان، فقضى"، فذكره، وَقَالَ فيه: "قبل أن يَبِين إفلاسُهُ" بدل قوله: "قبل أن يُفلس"، والباقي سواء. انتهى "فتح" ٣٤٢ - ٣٤٣. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٦٧٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "أَيُّمَا امْرِىءٍ أَفْلَسَ، ثُمَّ وَجَدَ رَجُلٌ عِنْدَهُ سِلْعَتَهُ بِعَيْنِهَا، فَهُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ").
رجال هَذَا الإسناد: سبعة:
١ - (قتيبة) بن سعيد البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد الإِمام المصريّ الثقة الثبت الحجة [٧] ٣١/ ٣٥.
٣ - (يحيى) بن سعيد بن قيس الأنصاريّ القاضي المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٥] ٢٢/ ٢٣.
٤ - (أبو بكر بن حزم) هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم الأنصاريّ النجّاريّ المدنيّ القاضي، ثقة، منْ كبار [٧] ٥٤/ ٢٧٤٨.
стр. 17076
٥ - (عمر بن عبد العزيز) بن مروان بن الحكم الأمويّ الخليفة الراشد المدنيّ الثقة العابد الفاضل [٤] ١٢٢/ ١٧١.
٦ - (أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام) المخزوميّ المدنيّ، قيل: اسمه محمد، وقيل: غيره، وقيل: اسمه كنيته، ثقة فقيه عابدٌ [٣] ٥١/ ٩٦٣.
٧ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات المدنيين، غير قتيبة، فبغلانيّ، والليث، فمصريّ. (ومنها): أن فيه أربعة منْ التابعين المدنيين الأثبات يروي بعضهم عن بعض: يحيى، وأبو بكر بن حزم، وعمر بن عبد العزيز، وأبو بكر بن عبد الرحمن، قَالَ فِي "الفتح" ٥/ ٣٤٣ - ٣٤٤: وكلهم قد وَلِيَ القضاءَ، وكلهم سوى أبي بكر بن عبد الرحمن منْ طبقة واحدة. انتهى.
(ومنها): أن فيه راويين اشتهرا بالكنية، ويقال: ليس لهما اسم غير الكنية: أبو بكر بن حزم، وأبو بكر بن عبد الرحمن. (ومنها): أن فيه أبا بكر بن عبد الرحمن أحد الفقهاء السبعة، عَلَى بعض الأقوال. (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ منْ المكثرين السبعة، وَقَدْ تقدّم هَذَا كلّه غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا، وتنبيهًا لطول العهد به. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: أَيُّمَا امْرِىءٍ) كلمة "ما" زائدة؛ لزيادة الإبهام، و"امرىء" مجرور بالإضافة (أَفْلَسَ) أي تبيّن إفلاسه، يقال: أفلس الرجل: إذا صار إلى حال لا فلوس له، أو صار ذا فلس، بعد أن كَانَ ذا دنانير، ودراهم، وحقيقته: الانتقال منْ اليسر إلى العسر، وقيل: المفلس: منْ لا عين له، ولا عَرَضَ، وشرعا: منْ قصر ما بيده عما عليه منْ الديون. وَقَدْ تقدّم بأتمّ منْ هَذَا فِي شرح الترجمة، فلا تنس (ثُمَّ وَجَدَ رَجُلٌ) أي بعد أن باعها منه، ولم يَقبِض منْ ثمنها شيئًا, كما فِي رواية "الموطّإ" عند مالك (عِنْدَهُ) أي عند المفلس (سِلْعَتَهُ) بكسر، فسكون: أي متاعه (بِعَيْنِهَا) قَالَ فِي "الفتح" ٥/ ٣٤٤ - : استُدِلَّ به عَلَى أن شرط استحقاق صاحب المال، دون غيره أن يجد ماله بعينه، لم يتغير، ولم يتبدل، وإلا فإن تغيرت العين فِي ذاتها، بالنقص مثلا، أو فِي صفة منْ صفاتها، فهو أسوة للغرماء، وأصرح منه رواية بن أبي حسين، عن أبي بكر بن محمد، بسند حديث الباب، عند مسلم، بلفظ: "إذا وَجَدَ عنده المتاع، ولم
стр. 17077
يفرقه".
ووقع فِي رواية مالك، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، مرسلا: "أيما رجل باع متاعا، فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقبض البائع منْ ثمنه شيئا، فوجده بعينه، فهو أحق به"، فمفهومه أنه إذا قَبَضَ منْ ثمنه شيئا، كَانَ أسوة الغرماء، وبه صرح ابن شهاب فيما رواه عبد الرزاق، عن معمر عنه، وهذا وإن كَانَ مرسلا، فقد وصله عبد الرزاق، فِي "مصنفه" عن مالك، لكن المشهور عن مالك إرساله، وكذا عن الزهريّ، وَقَدْ وصله الزُّبَيْدِيُّ، عن الزهريّ، أخرجه أبو داود، وابن خزيمة، وابن الجارود، ولابن أبي شيبة، عن عمر بن عبد العزيز، أحد رواة هَذَا الْحَدِيث، قَالَ: "قضى رسول الله ﷺ ، أنه أحق به منْ الغرماء، إلا أن يكون اقتضى منْ ماله شيئا، فهو أسوة الغرماء"، وإليه يشير اختيار البخاريّ؛ لاستشهاده بأثر عثمان ﵁، حيث قَالَ: وَقَالَ ابن المسيّب: قضى عثمان منْ اقتضى منْ حقّه قبل أن يُفلس، فهو له، ومن عَرَف متاعه بعينه، فهو أحقّ به، وكذلك رواه عبد الرزاق، عن طاوس، وعطاء صحيحا، وبذلك قَالَ جمهور منْ أخذ بعموم حديث الباب، إلا أن للشافعي قولاً، هو الراجح فِي مذهبه: أن لا فرق بين تغير السلعة أو بقائها, ولا بين قبض بعض ثمنها، أو عدم قبض شيء منه، عَلَى التفاصيل المشروحة فِي كتب الفروع. انتهى "فتح" ٥/ ٣٤٤.
(فَهُوَ أَوْلَى بِهِ) أي بذلك الموجود عند المفلس، وذكّره مع كون مرجع الضمير السلعةَ؛ لتأويها بالموجود، كما قدّرته آنفًا (مِنْ غَيْرِهِ) أي منْ سائر الغرماء، قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: أي يجوز له أن يأخذه بعينه، ولا يكون مشتركًا بينه وبين سائر الغرماء، وبهذا يقول الجمهور، خلافًا للحنفيّة، فقالوا: إنه كالغرماء؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٠]. ويحملون الْحَدِيث عَلَى ما إذا أخذه عَلَى سوم الشراء مثلاً، أو عَلَى البيع بشرط الخيار للبائع، أي إذا كَانَ الخيار للبائع، والمشتري مُفلسٌ، فالأنسب أن يختار الفسخ، وهو تأويل بعيد. وقولهم: إن الله تعالى لم يشرع للدائن عند الإفلاس إلا الانتظار. فجوابه أن الانتظار فيما لا يوجد عند المفلس، ولا كلام فيه، وإنما الكلام فيما وُجد عند المفلس، ولابُدّ أن الدائنين يأخذون ذلك الموجود عنده، والحديث يُبيّن أن الذي يأخذ هَذَا الموجود هو صاحب المتاع، ولا يُجعل مقسومًا بين تمام الدائنين، وهذا لا يُخالف القرآن، ولا يقتضي القرآن خلافه. والله تعالى أعلم. انتهى "شرح السنديّ" ٧/ ٣١١ - ٣١٢.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا منْ السنديّ ﵀ تعالي غاية الإنصاف، حيث لم يتكلّف فِي ترجيح مذهبه بما فيه تعسّفٌ، كما يفعل جُلّ الحنفيّة، ولاسيّما
стр. 17078
المتأخّرون، ويا ليت الحنفيّة كلهم كانوا مثله رحمه الله تعالى فِي نصرة الأحاديث، وترك التعصّب لمذهبهم، فالله تعالى المستعان عَلَى منْ خالف منهج السلف فِي نصر السنّة، وترك الآراء. نسأل الله تعالى أن يسلك بنا مسلكهم، إنه قريبٌ مجيب.
وَقَالَ فِي "الفتح": قوله: "فهو أحقّ به منْ غيره": أي كائنا منْ كَانَ، وارثا، وغريما، وبهذا قَالَ جمهور العلماء، وخالف الحنفية، فتأولوه لكونه خبر واحد، خالف الأصول؛ لأن السلعة صارت بالبيع ملكا للمشتري، ومن ضمانه، واستحقاقُ البائع أخذَهَا منه نقض لملكه، وحملوا الْحَدِيث عَلَى صورة، وهي ما إذا كَانَ المتاع وديعة، أو عارية، أو لقطة.
وتعقب بأنه لو كَانَ كذلك، لم يقيد بالفلس، ولا جعل أحق بها؛ لما يقتضيه صيغة أفعل منْ الاشتراك، وأيضا فما ذكروه ينتقض بالشفعة، وأيضا فقد ورد التنصيص فِي حديث الباب، عَلَى أنه فِي صورة المبيع، وذلك فيما رواه سفيان الثوري، فِي "جامعه"، وأخرجه منْ طريقه ابن خزيمة، وابن حبّان، وغيرهما، عن يحيى بن سعيد بهذا الإسناد، بلفظ: "إذا ابتاع الرجل سلعة، ثم أفلس، وهي عنده بعينها، فهو أحق بها منْ الغرماء"، ولابن حبّان منْ طريق هشام بن يحيى المخزومي، عن أبي هريرة، بلفظ: "إذا أفلس الرجل، فوجد البائع سلعته"، والباقي مثله، ولمسلم فِي رواية ابن أبي حسين المشار إليها قبلُ: "إذا وجد عنده المتاع، ولم يفرّقه أنه لصاحبه، الذي باعه"، وفي مرسل ابن أبي مليكة، عند عبد الرزاق: "منْ باع سلعة منْ رجل لم ينقده، ثم أفلس الرجل، فوجدها بعينها، فليأخذها منْ بين الغرماء"، وفي مرسل مالك المشار إليه: "أيما رجل باع متاعا"، وكذا هو عند منْ قدمنا أنه وصله، فظهر أن الْحَدِيث وارد فِي صورة البيع، ويلتحق به القرض، وسائر ما ذكر منْ باب الأولى. انتهى "فتح" ٥/ ٣٤٤ - ٣٤٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٩٥/ ٤٦٧٨ و٤٦٧٩ - وفي "الكبرى" ٩٦/ ٦٢٧٢ و٦٢٧٣. وأخرجه (خ) فِي "الاستقراض" ٢٤٠٢ (م) فِي "البيوع" ١٥٥٩ (د) فِي "البيوع" ٣٥١٩ (ت) فِي "البيوع" ١٢٦٢ (ت) فِي "الأحكام" ٢٣٥٨ و٢٣٥٩ و٢٣٦٠ و٢٣٦١ (أحمد) فِي "باقي
стр. 17079
مسند المكثرين" ٧٠٨٤ و٧٣٢٥ و٧٤٥٥ و٨٣٦١ (الموطأ) فِي "البيوع" ١٣٨٢. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم الرجل الذي اشترى سلعة، ثم أفلس، فوجد البائع متاعه بعينه، لم يتغيّر فإنه أولى به منْ الغرماء الآخرين، وهو مذهب الجمهور، وهو الحقّ، كما سنحقّقه فِي المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أنه استُدِلّ به عَلَى حلول الدين المؤجل بالفلس، منْ حيث إن صاحب الدين، أدرك متاعه بعينه، فيكون أحق به، ومن لوازم ذلك أن يجوز له المطالبة بالمؤجل، وهو قول الجمهور، لكن الراجح عند الشافعيّة، أن المؤجل لا يَحِلُّ بذلك؛ لأن الأجل حق مقصود له، فلا يفوت.
(ومنها): أنه استُدِلّ به أيضًا عَلَى أن لصاحب المتاع أن يأخذه، وهو الأصح منْ قولي العلماء، والقول الآخر يتوقف عَلَى حكم الحاكم، كما يتوقف ثبوت الفلس. والأول أرجح.
(ومنها): أنه استُدِلّ به أيضًا عَلَى فسخ البيع إذا امتنع المشتري منْ أداء الثمن، مع قدرته بمطل، أو هرب، قياسا عَلَى الفلس، بجامع تعذر الوصول إليه حالا، والأصح منْ قولي العلماء، أنه لا يُفسخ.
(ومنها): أنه استدل به عَلَى أن الرجوع، إنما يقع فِي عين المتاع، دون زوائده المنفصلة؛ لأنها حدثت عَلَى ملك المشتري، وليست بمتاع البائع.
(ومنها): ما قالوا: إن منْ فروع المسألة: ما إذا أراد الغرماء، أو الورثة إعطاء صاحب السلعة الثمن، فَقَالَ مالك: يلزمه القبول، وَقَالَ الشافعيّ، وأحمد: لا يلزمه ذلك؛ لما فيه منْ المنة، ولأنه ربما ظهر غريم آخر، فزاحمه فيما أخذ، وأغرب ابن التين، فحكى عن الشافعيّ أنه قَالَ: لا يجوز له ذلك، وليس له إلا سلعته. ويلتحق بالمبيع المؤجر، فيرجع مكتري الدابة، أو الدار، إلى عين دابته وداره، ونحو ذلك، وهذا هو الصحيح عند الشافعيّة، والمالكية، وإدراج الإجارة فِي هَذَا الحكم، متوقف عَلَى أن المنافع يُطلق عليها اسم المتاع، أو المال، أو يقال: اقتضى الْحَدِيث أن يكون أحق بالعين، ومن لوازم ذلك الرجوع فِي المنافع، فثبت بطريق اللزوم. قاله فِي "الفتح" ٥/ ٣٤٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فيمن وجد متاعه بعينه عند رجل أفلس: قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: اختلف العلماء فيمن اشترى سلعةً، فأفلس، أو مات
стр. 17080
قبل أن يؤدّي ثمنها, ولا وفاء عنده، وكانت السلعة باقيةً بحالها، فَقَالَ الشافعيّ، وطائفة: بائعها بالخيار, إن شاء تركها, وضارب مع الغرماء بثمنها، وإن شاء رجع فيها بعينها فِي صورة الإفلاس، والموت.
وَقَالَ أبو حنيفة: لا يجوز له الرجوع فيها، بل تتعيّن المضاربة. وَقَالَ مالك: يرجع فِي صورة الإفلاس، ويُضارب فِي الموت.
واحتجّ الشافعيّ بهذه الأحاديث مع حديثه فِي الموت فِي "سنن أبي داود"، وغيره، وتأوّلها أبو حنيفة تأويلات مردودة، وتعلّق بشيء يُروَى عن عليّ، وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما, وليس بثابت عنهما. انتهى "شرح مسلم" ١٠/ ٤٦٦.
وَقَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: وَقَدْ اختلف العلماء فِي مُشتري السلعة إذا أفلس، أو مات، ولا وفاء عنده بثمنها، ووُجِدت، فَقَالَ الشافعيّ: صاحبها أحقّ بها فِي الفَلَس (١)، والموت. وَقَالَ أبو حنيفة: صاحبها أسوة الغرماء فيها. وَقَالَ مالك: هو أحقّ بها فِي الْفَلَس، دون الموت. وسبب الخلاف معارضة الأصل الكلّيّ للأحاديث، وذلك أن الأصل أن الدين فِي ذمّة المفلس، والميت، وما بأيديهما محلٌّ للوفاء، فيشترك جميع الغرماء فيه بقدر رؤوس أموالهم، ولا فرق فِي هَذَا منْ أن تكون أعيان السِّلَع موجودةً، أو لا، إذ قد خرجت عن ملك بائعها، ووجبت أثمانها لهم فِي الذمّة بالإجماع، فلا يكون لهم إلا أثمانها، إن وُجدت، أو ما وُجد منها، فتمسّك أبو حنيفة بهذا، وردّ الأخبار بناءً عَلَى أصله فِي ردّ أخبار الآحاد عند معارضة القياس.
وأما الشافعيّ، ومالكٌ، فتمسّكا بالأخبار الواردة فِي الباب، وخصّصا بها تلك القاعدة، غير أن الشافعيّ تمسّك فِي التسوية بين الموت، والْفَلَس، بما رواه أبو داود منْ حديث أبي المعتمر، عن عمر بن خَلْدَةَ، قَالَ: أتينا أبا هريرة ﵁ فِي صاحب لنا، قد أفلس، فَقَالَ: لأقضينّ فيكم بقضاء رسول الله ﷺ : "منْ أفلس، أو مات، فوَجَد رجلٌ متاعه بعينه، فهو أحقّ به" (٢)، وبإلحاق الموت بالفلس؛ لأنه فِي معناه، ولم ينقدح بينهما فرقٌ مؤثّرٌ عنده. وأما مالكٌ، فإنه فرّق بينهما، لما رواه عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن: أن رسول الله ﷺ قَالَ: "أيّما رجل باع متاعًا، فأفلس الذي ابتاعه، ولم يَقبِض منْ ثمنه شيئًا، فوجده بعينه، فهو أحقّ به، فإن مات الذي ابتاعه، فصاحب المتاع أسوة الغرماء". وهذا مرسلٌ صحيحٌ، وَقَدْ أسنده أبو داود منْ حديث أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، وهو طريقٌ صحيح، وفيه زيادة
стр. 17081
ألفاظ، نذكرها بعدُ إن شاء الله تعالى- ومذهب مالك أولى؛ لأن حديثه أصحّ منْ حديث الشافعيّ؛ لأن أبا المعتمر مجهولٌ عَلَى ما ذكره أبو داود، وللفرق بين الْفَلَس والموت، وذلك أن ذمّة المفلس باقيةٌ، غير أنها انعابت (١)، ويُمكن أن يزول ذلك العيب بالإيسار، فيجد الغرماء الذين لم يأخذوا منْ السلعة شيئًا، ما يرجعون عليه، وليس كذلك فِي الموت، فإن ذمّة الميت قد انعدمت، فلا يرتجعون شيئًا، فافترقا. والله تعالى أعلم.
وَقَدْ تعسّف بعض الحنفيّة فِي تأويل أحاديث الإفلاس تأويلات، لا تقوم عَلَى أساس، ولا تتمشّى عَلَى لغة، ولا قياس، فلنُضرِبْ عن ذكرها؛ لوضوح فسادها. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى "المفهم" ٤/ ٤٣٢ - ٤٣٣.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي حقّقه القرطبيّ رحمه الله تعالى حسنٌ جدًّا، وحاصله أن الحقّ هو ما ذهب إليه مالك، والشافعيّ رحمهما الله تعالى منْ أن مشتري السلعة إذا أفلس، ووُجدت السلعة بعينها، فالبائع أحقّ بها منْ سائر الغرماء؛ لصحّة حديث الباب، وأما ما ذهب إليه أبو حنيفة ﵀ منْ كونه أسوة للغرماء، فمجرّد قياس، فِي مقابلة النصّ، فيكون باطلاً، ثم إن ما ذهب إليه مالك منْ الفرق بين الإفلاس، والموت، فيكون فِي الإفلاس أحقّ منْ سائر الغرماء، وفي الموت أسوة لهم هو الأرجح؛ وذلك للفرق الذي ذكر فِي الْحَدِيث الذي احتجّ به مالك، وهو حديث متّصلٌ صحيح، وأما الْحَدِيث الذي تمسّك به الشافعيّ فِي التسوية بين الإفلاس والموت، فلم يصحّ، كما تقدّم. والله تعالى أعلم.
وَقَالَ فِي "الفتح": وحمله بعض الحنفية، عَلَى ما إذا أفلس المشتري، قبل أن يقبض السلعة. وتُعُقّب بقوله فِي حديث الباب: "عند رجل"، ولابن حبّان منْ طريق سفيان الثوري، عن يحيى بن سعيد: "ثم أفلس، وهي عنده"، وللبيهقي منْ طريق ابن شهاب، عن يحيى: "إذا أفلس الرجل، وعنده متاع"، فلو كَانَ لم يقبضه ما نَصَّ فِي الخبر عَلَى أنه عنده، واعتذارهم بكونه خبر واحد فيه نظر، فإنه مشهور منْ غير هَذَا الوجه، أخرجه ابن حبّان منْ حديث ابن عمر، وإسناده صحيح، وأخرجه أحمد، وأبو داود منْ حديث سمرة، وإسناده حسن، وقضى به عثمان، وعمر بن عبد العزيز، كما مضى، وبدون هَذَا يخرج الخبر عن كونه فردا غريبا.
قَالَ ابن المنذر: لا نعرف لعثمان ﵁ فِي هَذَا مخالفا منْ الصحابة. وتُعُقّب بما
стр. 17082
رَوَى ابن أبي شيبة، عن علي ﵁ أنه أسوة الغرماء. وأجيب بأنه اختُلِف عَلَى علي فِي ذلك، بخلاف عثمان ﵁.
وَقَالَ القرطبيّ فِي "المفهم": تعسف بعض الحنفية فِي تأويل هَذَا الْحَدِيث بتأويلات لا تقوم عَلَى أساس. وَقَالَ النوويّ: تأولوه بتأويلات ضعيفة مردودة. انتهى.
واختلف القائلون فِي صورة، وهي: ما إذا مات، ووجدت السلعة، فَقَالَ الشافعيّ: الحكم كذلك، وصاحب السلعة أحق بها منْ غيره، وَقَالَ مالك، وأحمد: هو أسوة الغرماء، واحتجا بما فِي مرسل مالك: "وإن مات الذي ابتاعه، فصاحب المتاع فيه أسوة الغرماء"، وفرقوا بين الفلس والموت، بأن الميت خربت ذمته، فليس للغرماء محل يرجعون إليه، فاستووا فِي ذلك، بخلاف المفلس. واحتج الشافعيّ بما رواه منْ طريق عُمَر بن خَلْدَة، قاضي المدينة، عن أبي هريرة ﵁، قَالَ: "قضى رسول الله ﷺ ، أَيُّما رجل مات، أو أفلس، فصاحب المتاع أحق بمتاعه، إذا وجده بعينه"، وهو حديث حسن، يحتج بمثله، أخرجه أيضا أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه الحاكم، وزاد بعضهم فِي آخره: "إلا أن يترك صاحبه وفاء"، ورجحه الشافعيّ عَلَى المرسل، وَقَالَ: يحتمل أن يكون آخره منْ رأي أبي بكر بن عبد الرحمن؛ لأن الذين وصلوه عنه، لم يذكروا قضية الموت، وكذلك الذين رووا عن أبي هريرة وغيره، لم يذكروا ذلك، بل صرح ابن خلدة، عن أبي هريرة بالتسوية بين الإفلاس والموت، فتعين المصير إليه؛ لأنها زيادة منْ ثقة.
وجزم ابن العربي المالكي بأن الزيادة التي فِي مرسل مالك، منْ قول الراوي، وجمع الشافعيّ أيضا بين الحديثين، بحمل حديث ابن خلدة عَلَى ما إذا مات مفلسا، وحديث أبي بكر بن عبد الرحمن، عَلَى ما إذا مات مليئا. والله أعلم. انتهى "فتح" ٥/ ٣٤٥ - ٣٤٦.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: فِي كلام الحافظ هَذَا نظر لا يخفى، فإن تحسينه حديث الشافعيّ، وترجيحه عَلَى حديث مالك ليس كما ينبغي؛ فإنه ضعيف, لأن فِي إسناده أبا المعتمر، وهو مجهول الحال، كما نصّ هو عليه فِي "التقريب"، وأما حديث مالك، وإن رواه هو فِي "الموطإ" مرسلاً، لكنه روي متّصلاً فِي غيره، ولقد أجاد ابن القيّم رحمه الله تعالى فِي "تهذيب السنن" فِي هَذَا البحث، ودونك نصّه:
وَقَدْ أعله الشافعيّ بأنه كالمدرج فِي حديث أبي هريرة ﵁ يعني قوله: "فإن كَانَ قضى منْ ثمنها شيئًا- إلى آخره. قَالَ الشافعيّ فِي جواب منْ سأله لم لم تأخذ بحديث أبي بكر بن عبد الرحمن هَذَا -يعني المرسل- فَقَالَ: الذي أخذت به أولى منْ قبل أن ما
стр. 17083
أخذت به موصولٌ يجمع فيه النبيّ ﷺ بين الموت والإفلاس، وحديث ابن شهاب منقطع، ولو لم يخالفه غيره لم يكن مما يُثبته أهل الْحَدِيث، ولو لم يكن فِي تركه حجة إلا هَذَا انتفى لمن عرف الْحَدِيث تركه منْ الوجهين، مع أن أبا بكر بن عبد الرحمن يروي عن أبي هريرة حديثه، ليس فيما روى ابن شهاب عنه مرسلاً، إن كَانَ رواه كله، ولا أدري عمن رواه، ولعله روى أول الْحَدِيث، وَقَالَ برأيه آخره، وموجود فِي حديث أبي بكر، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ : أنه انتهى فيه إلى قوله، فهو أحقّ به، وأشبه أن يكون ما زاد عَلَى هَذَا قولاً منْ أبي بكر، لا رواية, تمّ كلامه.
وَقَدْ روى الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد بن حزم، عن عمر بن عبد العزيز، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، يرفعه: "أيّما رجل أفلس، ثم وجد رجلٌ سلعته عنده بعينها، فهو أولى بها منْ غيره"، قَالَ الليث: بلغنا أن ابن شهاب قَالَ: "أما منْ مات ممن أفلس، ثم وجد رجلٌ سلعته بعينها، فإنه أُسوةٌ الغرماء"، يحدّث بذلك عن أبي بكر بن عبد الرحمن. قَالَ البيهقيّ: هكذا وجدته غير مرفوع إلى النبيّ ﷺ فِي آخره، وفي ذلك كالدلالة عَلَى صحّة ما قَالَ الشافعيّ. وَقَالَ غيره: هَذَا الْحَدِيث قد رواه عبد الرزّاق، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي بكر ابن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قاله ابن عبد البرّ. وَقَدْ رواه إسماعيل بن عيّاش، عن الزبيديّ، عن الزهريّ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁. ومن هذه الطريق أخرجه أبو داود، والزُّبيديّ: هو محمد بن الوليد، شاميّ حمصيّ. وَقَدْ قَالَ الإِمام أحمد، ويحيى بن معين، وغيرهما: حديث إسماعيل ابن عيّاش، عن الشاميين صحيح. فهذا الْحَدِيث عَلَى هَذَا صحيح، وَقَدْ رواه موسى بن عُقبة، عن الزهريّ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ ، ذكره ابن عبد البرّ. فهؤلاء ثلاثةٌ وصلوه عن الزهريّ: مالك، فِي رواية عبد الرزّاق، وموسى بن عقبة، ومحمد بن الوليد، وكونه مدرجًا لا يثبت إلا بحجة، فإن الراوي لم يقل: قَالَ فلان بعد ذكره المرفوع، وإنما هو ظنّ. وأما قول الليث: بلغنا أن ابن شهاب قَالَ: "أما منْ مات" إلى آخره، فهو مع انقطاعه ليس بصريح فِي الإدراج، فإنه فسّر قوله بأنه رواية عن أبي بكر، لا رأي منه، ولم يقل: إن أبا بكر قاله منْ عنده، وإنما قَالَ: يحدّث بذلك عن أبي بكر، والحديث صالح للرأي، والرواية, ولعله فِي الرواية أظهر.
وبالجملة فالإدراج بمثل هَذَا لا يثبت، ولا يُعلّل به الْحَدِيث، والله أعلم. انتهى كلام ابن القيّم رحمه الله تعالى "تهذيب السنن" منْ هامش "عون المعبود" ٩/ ٤٣٤ - ٤٣٦.
стр. 17084
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي قاله ابن القيّم منْ تصحيح الْحَدِيث الذي فيه الفرق بين الإفلاس والموت، وهو قوله ﷺ : "أيما رجل باع متاعًا، فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقبض الذي باعه منْ ثمنه شيئًا، فوجد متاعه بعينه، فهو أحقّ به، وإن مات المشتري، فصاحب المتاع أسوة الغرماء"، هو الحقّ، فيُستفاد منه أن ما ذهب إليه مالك رحمه الله تعالى منْ التفرقة بين الإفلاس والموت هو الصواب، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: ذكر الموفّق رحمه الله تعالى أن استحقاق الرجوع فِي السلعة بخمس شرائط: [أحدها]: أن تكون السلعة باقية بعينها، فلو تغيرت بأن تلف بعضها, لم يكن له الرجوع. [الثاني]: أن لا يكون المبيع زاد زيادة متّصلةً، كالسمن، والكبر، وتعلم الصناعة، وإلا ففي الرجوع خلافٌ. [الثالث]: أن لا يكون البائع قبض منْ ثمنها شيئًا، وإلا فلا رجوع؛ لقوله فِي الْحَدِيث: "ولم يكن قبض منْ ثمنها شيئًا". [الرابع]: أن لا يتعلّق بها حقّ الغير، فإن رهنها المشتري، ثم أفلس، أو وهبها, لم يكن له الرجوع. [الرابع]: أن يكون المفلس حيًّا، فإن مات فالبائع أسوة الغرماء. وَقَدْ ذكر الموفّق رحمه الله تعالى تفاصيل هذه الشروط، فمن أراد الاطلاع عليها، فليرجع إلى كتاب "المغني" ٦/ ٥٤٣ - ٥٩١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): فِي اختلاف أهل العلم فيما إذا تغيّرت السلعة:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: ما حاصله: أحدها إنما يستحقّ الرجوع فِي السلعة إذا كانت باقية بعينها, لم يَتلَف بعضها، فإن تلف جزء منها، كبعض أطراف العبد، أو ذهبت عينه، أو تلف بعض الثوب، أو انهدم بعض الدار، أو اشترى شجرا مثمرا، لم تظهر ثمرته، فتلفت الثمرة، أو نحو هَذَا لم يكن للبائع الرجوع، وكان أسوة الغرماء، وبهذا قَالَ إسحاق، وَقَالَ مالك، والأوزاعي، والشافعي، والعنبري: له الرجوع فِي الباقي، ويضرب مع الغرماء بحصة التالف؛ لأنها عين يملك الرجوع فِي جميعها، فملك الرجوع فِي بعضها، كالذي له الخيار، وكالأب فيما وهب لولده.
قَالَ: ولنا قول النبيّ ﷺ : "منْ أدرك متاعه بعينه عند إنسان، قد أفلس، فهو أحق به"، فشرط أن يجده بعينه، ولم يجده بعينه، ولأنه إذا أدركه بعينه، حصل له بالرجوع فصل الخصومة، وانقطاع ما بينهما منْ المعاملة، بخلاف ما إذا وجد بعضه، ولا فرق بين أن يرضى بالموجود بجميع الثمن، أو يأخذه بقسطه منْ الثمن؛ لأنه فات شرط الرجوع. انتهى "المغني" باختصار ٦/ ٥٤٣.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما مالَ إليه الحنبليّة، منْ عدم استحقاق
стр. 17085
الرجوع فِي حالة تغيّر شيء منْ السلعة هو الأرجح؛ عملاً بظاهر قوله: "بعينه". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم الحجر عَلَى المفلس:
قَالَ فِي "الفتح": ما حاصله: ذهب الجمهور إلى أن منْ ظهر فَلَسُهُ، فعلى الحاكم الحجر عليه فِي ماله، حتّى يبيعه عليه، ويَقسمه بين غرمائه عَلَى نسبة ديونهم. وخالف الحنفية، واحتجّوا بقصّة جابر ﵁، حيث قَالَ فِي دين أبيه: "فلم يُعطهم الحائط، ولم يكسره لهم"، ولا حجة فيه؛ لأنه أخّر القسمة ليحضر، فتحصل البركة فِي الثمر بحضوره، فيحصل الخير للفريقين، وكذلك كَانَ. انتهى "فتح" ٥/ ٣٤٧.
وَقَالَ فِي "المفهم": ما حاصله: إذا قصر ما بيده عن وفاء ما عليه منْ الديون، فللحاكم أن يحجر عليه، ويمنعه منْ التصرّف فيما بيده، ويُحصّله، ويجمع الغرماء، فيقسّمه عليهم، وهذا مذهب الجمهور، منْ الصحابة، وغيرهم، كعمر، وعثمان، وعليّ، وابن مسعود، وعروة بن الزبير، والأوزاعيّ، ومالك، والشافعيّ، وأحمد. وَقَالَ النخعيّ، والحسن البصريّ، وأبو حنيفة: للحاكم أن يحجر عليه، ولا يمنعه منْ التصرّف فِي ماله، لكن يحبسه ليوفي ما عليه، وهو يبيع ما عنده، والحجة للجمهور عَلَى هؤلاء حديث تفليس معاذ ﵁ الآتي، وَقَدْ قَالَ الزهريّ: ادّان معاذ، فباع رسول الله ﷺ ماله حَتَّى قضى دينه (١)، وكذلك فعل عمر بن الخطّاب ﵁ بالجهنيّ الذي قَالَ فيه: "ألا إن أُسيفع جهينة رضي لدينه وأمانته أن يقال: سبق الحاجّ، ثم ادّان معرضًا، فمن كَانَ له عليه دينٌ فليحضر، فإنا نبيع ماله" (٢)، ولم يخالفه أحدٌ، ثم يباع عليه كلّ ماله، وعقاره. وَقَالَ أبو حنيفة: لا يباع عليه عقاره، وقوله مخالفٌ للأدلّة التي ذكرناها، فإنها عامّة لجميع الأموال، ولأن الدين حقّ ماليّ فِي ذمّته، فيباع عليه فيه عقاره، كما يباع فِي نفقة الزوجات، ولأن الْفَلَسَ معنى طارىء يوجب قسمة المال، فيباع فيه العقار كالموت. انتهى "المفهم" ٤/ ٤٣١ - ٤٣٢.
وَقَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: ومتى لزم الإنسان ديون حالّة، لا يفي ماله بها، فسأل غرماؤه الحاكم الحجر عليه، لزمته إجابتهم، ويُستحب أن يظهر الحجر عليه؛ لتُجتنب معاملته، فإذا حُجر عليه ثبت بذلك أربعة أحكام: [أحدها]: تعلق حقوق الغرماء بعين ماله. [والثاني]: منع تصرفه فِي عين ماله. [والثالث]: أن منْ وجد عين ماله عنده، فهو أحق بها منْ سائر الغرماء، إذا وجدت الشروط. [الرابع]: أن للحاكم بيع ماله وإيفاء