← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 17081–17120 · переход к 17086.

стр. 17081

ألفاظ، نذكرها بعدُ إن شاء الله تعالى- ومذهب مالك أولى؛ لأن حديثه أصحّ منْ حديث الشافعيّ؛ لأن أبا المعتمر مجهولٌ عَلَى ما ذكره أبو داود، وللفرق بين الْفَلَس والموت، وذلك أن ذمّة المفلس باقيةٌ، غير أنها انعابت (١)، ويُمكن أن يزول ذلك العيب بالإيسار، فيجد الغرماء الذين لم يأخذوا منْ السلعة شيئًا، ما يرجعون عليه، وليس كذلك فِي الموت، فإن ذمّة الميت قد انعدمت، فلا يرتجعون شيئًا، فافترقا. والله تعالى أعلم. وَقَدْ تعسّف بعض الحنفيّة فِي تأويل أحاديث الإفلاس تأويلات، لا تقوم عَلَى أساس، ولا تتمشّى عَلَى لغة، ولا قياس، فلنُضرِبْ عن ذكرها؛ لوضوح فسادها. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى "المفهم" ٤/ ٤٣٢ - ٤٣٣. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي حقّقه القرطبيّ رحمه الله تعالى حسنٌ جدًّا، وحاصله أن الحقّ هو ما ذهب إليه مالك، والشافعيّ رحمهما الله تعالى منْ أن مشتري السلعة إذا أفلس، ووُجدت السلعة بعينها، فالبائع أحقّ بها منْ سائر الغرماء؛ لصحّة حديث الباب، وأما ما ذهب إليه أبو حنيفة ﵀ منْ كونه أسوة للغرماء، فمجرّد قياس، فِي مقابلة النصّ، فيكون باطلاً، ثم إن ما ذهب إليه مالك منْ الفرق بين الإفلاس، والموت، فيكون فِي الإفلاس أحقّ منْ سائر الغرماء، وفي الموت أسوة لهم هو الأرجح؛ وذلك للفرق الذي ذكر فِي الْحَدِيث الذي احتجّ به مالك، وهو حديث متّصلٌ صحيح، وأما الْحَدِيث الذي تمسّك به الشافعيّ فِي التسوية بين الإفلاس والموت، فلم يصحّ، كما تقدّم. والله تعالى أعلم. وَقَالَ فِي "الفتح": وحمله بعض الحنفية، عَلَى ما إذا أفلس المشتري، قبل أن يقبض السلعة. وتُعُقّب بقوله فِي حديث الباب: "عند رجل"، ولابن حبّان منْ طريق سفيان الثوري، عن يحيى بن سعيد: "ثم أفلس، وهي عنده"، وللبيهقي منْ طريق ابن شهاب، عن يحيى: "إذا أفلس الرجل، وعنده متاع"، فلو كَانَ لم يقبضه ما نَصَّ فِي الخبر عَلَى أنه عنده، واعتذارهم بكونه خبر واحد فيه نظر، فإنه مشهور منْ غير هَذَا الوجه، أخرجه ابن حبّان منْ حديث ابن عمر، وإسناده صحيح، وأخرجه أحمد، وأبو داود منْ حديث سمرة، وإسناده حسن، وقضى به عثمان، وعمر بن عبد العزيز، كما مضى، وبدون هَذَا يخرج الخبر عن كونه فردا غريبا. قَالَ ابن المنذر: لا نعرف لعثمان ﵁ فِي هَذَا مخالفا منْ الصحابة. وتُعُقّب بما

стр. 17082

رَوَى ابن أبي شيبة، عن علي ﵁ أنه أسوة الغرماء. وأجيب بأنه اختُلِف عَلَى علي فِي ذلك، بخلاف عثمان ﵁. وَقَالَ القرطبيّ فِي "المفهم": تعسف بعض الحنفية فِي تأويل هَذَا الْحَدِيث بتأويلات لا تقوم عَلَى أساس. وَقَالَ النوويّ: تأولوه بتأويلات ضعيفة مردودة. انتهى. واختلف القائلون فِي صورة، وهي: ما إذا مات، ووجدت السلعة، فَقَالَ الشافعيّ: الحكم كذلك، وصاحب السلعة أحق بها منْ غيره، وَقَالَ مالك، وأحمد: هو أسوة الغرماء، واحتجا بما فِي مرسل مالك: "وإن مات الذي ابتاعه، فصاحب المتاع فيه أسوة الغرماء"، وفرقوا بين الفلس والموت، بأن الميت خربت ذمته، فليس للغرماء محل يرجعون إليه، فاستووا فِي ذلك، بخلاف المفلس. واحتج الشافعيّ بما رواه منْ طريق عُمَر بن خَلْدَة، قاضي المدينة، عن أبي هريرة ﵁، قَالَ: "قضى رسول الله ﷺ ، أَيُّما رجل مات، أو أفلس، فصاحب المتاع أحق بمتاعه، إذا وجده بعينه"، وهو حديث حسن، يحتج بمثله، أخرجه أيضا أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه الحاكم، وزاد بعضهم فِي آخره: "إلا أن يترك صاحبه وفاء"، ورجحه الشافعيّ عَلَى المرسل، وَقَالَ: يحتمل أن يكون آخره منْ رأي أبي بكر بن عبد الرحمن؛ لأن الذين وصلوه عنه، لم يذكروا قضية الموت، وكذلك الذين رووا عن أبي هريرة وغيره، لم يذكروا ذلك، بل صرح ابن خلدة، عن أبي هريرة بالتسوية بين الإفلاس والموت، فتعين المصير إليه؛ لأنها زيادة منْ ثقة. وجزم ابن العربي المالكي بأن الزيادة التي فِي مرسل مالك، منْ قول الراوي، وجمع الشافعيّ أيضا بين الحديثين، بحمل حديث ابن خلدة عَلَى ما إذا مات مفلسا، وحديث أبي بكر بن عبد الرحمن، عَلَى ما إذا مات مليئا. والله أعلم. انتهى "فتح" ٥/ ٣٤٥ - ٣٤٦. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: فِي كلام الحافظ هَذَا نظر لا يخفى، فإن تحسينه حديث الشافعيّ، وترجيحه عَلَى حديث مالك ليس كما ينبغي؛ فإنه ضعيف, لأن فِي إسناده أبا المعتمر، وهو مجهول الحال، كما نصّ هو عليه فِي "التقريب"، وأما حديث مالك، وإن رواه هو فِي "الموطإ" مرسلاً، لكنه روي متّصلاً فِي غيره، ولقد أجاد ابن القيّم رحمه الله تعالى فِي "تهذيب السنن" فِي هَذَا البحث، ودونك نصّه: وَقَدْ أعله الشافعيّ بأنه كالمدرج فِي حديث أبي هريرة ﵁ يعني قوله: "فإن كَانَ قضى منْ ثمنها شيئًا- إلى آخره. قَالَ الشافعيّ فِي جواب منْ سأله لم لم تأخذ بحديث أبي بكر بن عبد الرحمن هَذَا -يعني المرسل- فَقَالَ: الذي أخذت به أولى منْ قبل أن ما

стр. 17083

أخذت به موصولٌ يجمع فيه النبيّ ﷺ بين الموت والإفلاس، وحديث ابن شهاب منقطع، ولو لم يخالفه غيره لم يكن مما يُثبته أهل الْحَدِيث، ولو لم يكن فِي تركه حجة إلا هَذَا انتفى لمن عرف الْحَدِيث تركه منْ الوجهين، مع أن أبا بكر بن عبد الرحمن يروي عن أبي هريرة حديثه، ليس فيما روى ابن شهاب عنه مرسلاً، إن كَانَ رواه كله، ولا أدري عمن رواه، ولعله روى أول الْحَدِيث، وَقَالَ برأيه آخره، وموجود فِي حديث أبي بكر، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ : أنه انتهى فيه إلى قوله، فهو أحقّ به، وأشبه أن يكون ما زاد عَلَى هَذَا قولاً منْ أبي بكر، لا رواية, تمّ كلامه. وَقَدْ روى الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد بن حزم، عن عمر بن عبد العزيز، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، يرفعه: "أيّما رجل أفلس، ثم وجد رجلٌ سلعته عنده بعينها، فهو أولى بها منْ غيره"، قَالَ الليث: بلغنا أن ابن شهاب قَالَ: "أما منْ مات ممن أفلس، ثم وجد رجلٌ سلعته بعينها، فإنه أُسوةٌ الغرماء"، يحدّث بذلك عن أبي بكر بن عبد الرحمن. قَالَ البيهقيّ: هكذا وجدته غير مرفوع إلى النبيّ ﷺ فِي آخره، وفي ذلك كالدلالة عَلَى صحّة ما قَالَ الشافعيّ. وَقَالَ غيره: هَذَا الْحَدِيث قد رواه عبد الرزّاق، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي بكر ابن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قاله ابن عبد البرّ. وَقَدْ رواه إسماعيل بن عيّاش، عن الزبيديّ، عن الزهريّ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁. ومن هذه الطريق أخرجه أبو داود، والزُّبيديّ: هو محمد بن الوليد، شاميّ حمصيّ. وَقَدْ قَالَ الإِمام أحمد، ويحيى بن معين، وغيرهما: حديث إسماعيل ابن عيّاش، عن الشاميين صحيح. فهذا الْحَدِيث عَلَى هَذَا صحيح، وَقَدْ رواه موسى بن عُقبة، عن الزهريّ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ ، ذكره ابن عبد البرّ. فهؤلاء ثلاثةٌ وصلوه عن الزهريّ: مالك، فِي رواية عبد الرزّاق، وموسى بن عقبة، ومحمد بن الوليد، وكونه مدرجًا لا يثبت إلا بحجة، فإن الراوي لم يقل: قَالَ فلان بعد ذكره المرفوع، وإنما هو ظنّ. وأما قول الليث: بلغنا أن ابن شهاب قَالَ: "أما منْ مات" إلى آخره، فهو مع انقطاعه ليس بصريح فِي الإدراج، فإنه فسّر قوله بأنه رواية عن أبي بكر، لا رأي منه، ولم يقل: إن أبا بكر قاله منْ عنده، وإنما قَالَ: يحدّث بذلك عن أبي بكر، والحديث صالح للرأي، والرواية, ولعله فِي الرواية أظهر. وبالجملة فالإدراج بمثل هَذَا لا يثبت، ولا يُعلّل به الْحَدِيث، والله أعلم. انتهى كلام ابن القيّم رحمه الله تعالى "تهذيب السنن" منْ هامش "عون المعبود" ٩/ ٤٣٤ - ٤٣٦.

стр. 17084

قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي قاله ابن القيّم منْ تصحيح الْحَدِيث الذي فيه الفرق بين الإفلاس والموت، وهو قوله ﷺ : "أيما رجل باع متاعًا، فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقبض الذي باعه منْ ثمنه شيئًا، فوجد متاعه بعينه، فهو أحقّ به، وإن مات المشتري، فصاحب المتاع أسوة الغرماء"، هو الحقّ، فيُستفاد منه أن ما ذهب إليه مالك رحمه الله تعالى منْ التفرقة بين الإفلاس والموت هو الصواب، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: ذكر الموفّق رحمه الله تعالى أن استحقاق الرجوع فِي السلعة بخمس شرائط: [أحدها]: أن تكون السلعة باقية بعينها، فلو تغيرت بأن تلف بعضها, لم يكن له الرجوع. [الثاني]: أن لا يكون المبيع زاد زيادة متّصلةً، كالسمن، والكبر، وتعلم الصناعة، وإلا ففي الرجوع خلافٌ. [الثالث]: أن لا يكون البائع قبض منْ ثمنها شيئًا، وإلا فلا رجوع؛ لقوله فِي الْحَدِيث: "ولم يكن قبض منْ ثمنها شيئًا". [الرابع]: أن لا يتعلّق بها حقّ الغير، فإن رهنها المشتري، ثم أفلس، أو وهبها, لم يكن له الرجوع. [الرابع]: أن يكون المفلس حيًّا، فإن مات فالبائع أسوة الغرماء. وَقَدْ ذكر الموفّق رحمه الله تعالى تفاصيل هذه الشروط، فمن أراد الاطلاع عليها، فليرجع إلى كتاب "المغني" ٦/ ٥٤٣ - ٥٩١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): فِي اختلاف أهل العلم فيما إذا تغيّرت السلعة: قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: ما حاصله: أحدها إنما يستحقّ الرجوع فِي السلعة إذا كانت باقية بعينها, لم يَتلَف بعضها، فإن تلف جزء منها، كبعض أطراف العبد، أو ذهبت عينه، أو تلف بعض الثوب، أو انهدم بعض الدار، أو اشترى شجرا مثمرا، لم تظهر ثمرته، فتلفت الثمرة، أو نحو هَذَا لم يكن للبائع الرجوع، وكان أسوة الغرماء، وبهذا قَالَ إسحاق، وَقَالَ مالك، والأوزاعي، والشافعي، والعنبري: له الرجوع فِي الباقي، ويضرب مع الغرماء بحصة التالف؛ لأنها عين يملك الرجوع فِي جميعها، فملك الرجوع فِي بعضها، كالذي له الخيار، وكالأب فيما وهب لولده. قَالَ: ولنا قول النبيّ ﷺ : "منْ أدرك متاعه بعينه عند إنسان، قد أفلس، فهو أحق به"، فشرط أن يجده بعينه، ولم يجده بعينه، ولأنه إذا أدركه بعينه، حصل له بالرجوع فصل الخصومة، وانقطاع ما بينهما منْ المعاملة، بخلاف ما إذا وجد بعضه، ولا فرق بين أن يرضى بالموجود بجميع الثمن، أو يأخذه بقسطه منْ الثمن؛ لأنه فات شرط الرجوع. انتهى "المغني" باختصار ٦/ ٥٤٣. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما مالَ إليه الحنبليّة، منْ عدم استحقاق

стр. 17085

الرجوع فِي حالة تغيّر شيء منْ السلعة هو الأرجح؛ عملاً بظاهر قوله: "بعينه". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم الحجر عَلَى المفلس: قَالَ فِي "الفتح": ما حاصله: ذهب الجمهور إلى أن منْ ظهر فَلَسُهُ، فعلى الحاكم الحجر عليه فِي ماله، حتّى يبيعه عليه، ويَقسمه بين غرمائه عَلَى نسبة ديونهم. وخالف الحنفية، واحتجّوا بقصّة جابر ﵁، حيث قَالَ فِي دين أبيه: "فلم يُعطهم الحائط، ولم يكسره لهم"، ولا حجة فيه؛ لأنه أخّر القسمة ليحضر، فتحصل البركة فِي الثمر بحضوره، فيحصل الخير للفريقين، وكذلك كَانَ. انتهى "فتح" ٥/ ٣٤٧. وَقَالَ فِي "المفهم": ما حاصله: إذا قصر ما بيده عن وفاء ما عليه منْ الديون، فللحاكم أن يحجر عليه، ويمنعه منْ التصرّف فيما بيده، ويُحصّله، ويجمع الغرماء، فيقسّمه عليهم، وهذا مذهب الجمهور، منْ الصحابة، وغيرهم، كعمر، وعثمان، وعليّ، وابن مسعود، وعروة بن الزبير، والأوزاعيّ، ومالك، والشافعيّ، وأحمد. وَقَالَ النخعيّ، والحسن البصريّ، وأبو حنيفة: للحاكم أن يحجر عليه، ولا يمنعه منْ التصرّف فِي ماله، لكن يحبسه ليوفي ما عليه، وهو يبيع ما عنده، والحجة للجمهور عَلَى هؤلاء حديث تفليس معاذ ﵁ الآتي، وَقَدْ قَالَ الزهريّ: ادّان معاذ، فباع رسول الله ﷺ ماله حَتَّى قضى دينه (١)، وكذلك فعل عمر بن الخطّاب ﵁ بالجهنيّ الذي قَالَ فيه: "ألا إن أُسيفع جهينة رضي لدينه وأمانته أن يقال: سبق الحاجّ، ثم ادّان معرضًا، فمن كَانَ له عليه دينٌ فليحضر، فإنا نبيع ماله" (٢)، ولم يخالفه أحدٌ، ثم يباع عليه كلّ ماله، وعقاره. وَقَالَ أبو حنيفة: لا يباع عليه عقاره، وقوله مخالفٌ للأدلّة التي ذكرناها، فإنها عامّة لجميع الأموال، ولأن الدين حقّ ماليّ فِي ذمّته، فيباع عليه فيه عقاره، كما يباع فِي نفقة الزوجات، ولأن الْفَلَسَ معنى طارىء يوجب قسمة المال، فيباع فيه العقار كالموت. انتهى "المفهم" ٤/ ٤٣١ - ٤٣٢. وَقَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: ومتى لزم الإنسان ديون حالّة، لا يفي ماله بها، فسأل غرماؤه الحاكم الحجر عليه، لزمته إجابتهم، ويُستحب أن يظهر الحجر عليه؛ لتُجتنب معاملته، فإذا حُجر عليه ثبت بذلك أربعة أحكام: [أحدها]: تعلق حقوق الغرماء بعين ماله. [والثاني]: منع تصرفه فِي عين ماله. [والثالث]: أن منْ وجد عين ماله عنده، فهو أحق بها منْ سائر الغرماء، إذا وجدت الشروط. [الرابع]: أن للحاكم بيع ماله وإيفاء

стр. 17086

الغرماء، والأصل فِي هَذَا ما رَوَى كعب بن مالك: "أن رسول الله ﷺ ، حجر عَلَى معاذ بن جبل، وباع ماله" رواه الخلال بإسناده. وعن عبد الرحمن بن كعب، قَالَ: كَانَ معاذ بن جبل ﵁ منْ أفضل شباب قومه، ولم يكن يُمسك شيئا، فلم يزل يَدّانُ حَتَّى أَغرَق ماله فِي الدين، فكلم النبيّ ﷺ غرماؤه، فلو تُرك أحد منْ أجل أحد، لتركوا معاذا منْ أجل رسول الله ﷺ ، فباع لهم رسول الله ﷺ ماله، حَتَّى قام معاذ بغير شيء. قَالَ بعض أهل العلم: إنما لم يترك الغرماء لمعاذ حين كلمهم رسول الله ﷺ ؛ لأنهم كانوا يهودا. انتهى "المغني" ٦/ ٥٣٧ - ٥٣٨. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور منْ جواز حجر الحاكم عَلَى المفلس، إن طلب ذلك غرماؤه هو الأرجح؛ لظهور أدلّته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٧٩ - (أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي حُسَيْنٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، عَنِ الرَّجُلِ يُعْدِمُ، إِذَا وُجِدَ عِنْدَهُ الْمَتَاعُ بِعَيْنِهِ، وَعَرَفَهُ أَنَّهُ لِصَاحِبِهِ الَّذِي بَاعَهُ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عبد الرحمن بن خالد": هو القطّان الواسطيّ، ثم الرّقّيّ، صدوقٌ [١١] ٧/ ٧٥٣. و"ابن أبي حُسين": هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي الحسين بن الحارث بن عامر بن نوفل النوفليّ المكيّ، ثقة, عالم بالمناسك [٥] ٢٣/ ١٨٧١. والباقون تقدموا قريبًا. وقوله: "عن الرجل": أي عن قضيّة الرجل، أو حكمه، وَقَالَ السنديّ: فِي الرجل، يعني أن "عن" بمعنى "فِي". وقوله: "يُعدِم" بضمّ أوله منْ أعدم الرجل: إذا افتقر، والجملة صفة لـ"الرجل"؛ لأن تعريفه للجنس لا للعهد. وقوله: "إذا وُجد" بالبناء للمفعول، و"المتاع" نائب فاعله. وقوله: "وعرفه": أي عرف ذلك الرجل المعدِم ذلك المتاع بأنه لفلان، والمراد أنه اعترف للبائع أنه حقّه. ويحتمل أن يكون فاعل "عرف" لصاحب المتاع، وإن لم يجر له ذكر، أي أن صاحب المتاع عرف متاعه، ويطالب به. وقوله: "إنه لصاحبه الخ" بكسر همزة "إن" والضمير لـ"المتاع"، والجملة جواب "إذا". والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب،

стр. 17087

وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٨٠ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: "أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا، وَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ"، فَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلاَّ ذَلِكَ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"عياض بن عبد الله" هو: ابن سعد بن أبي سَرْح القرشي العامري المكيّ، ثقة؛ [٣] ٢٦/ ١٠٤٨. وقوله: "وليس لكم إلا ذلك" فيه وضع الجوائح، يعني أنه لا يؤخذ منه ما عجز عنه، وقيل فِي معناه غير ذلك، مما تقدّم بيانه مستوفى. والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم فِي ٣٠/ ٤٥٣٢ - "وضع الجوائح"، ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك، فارجع إليه تستفد، وبالله تعالى التوفيق، وهو أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٩٦ - (الرَّجُلُ يَبِيعُ السِّلْعَةَ، فَيَسْتَحِقُّهَا مُسْتَحِقٌّ) ٤٦٨١ - (أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرِ بْنِ سِمَاكٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَضَى أَنَّهُ إِذَا وَجَدَهَا فِي يَدِ الرَّجُلِ، غَيْرِ الْمُتَّهَمِ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِمَا اشْتَرَاهَا، وَإِنْ شَاءَ اتَّبَعَ سَارِقَهُ، وَقَضَى بِذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"هارون بن عبد الله": هو أبو موسى الحمّال البغداديّ، ثقة [١٠] ٥٠/ ٦٢. و"حماد بن مسعدة": هو التيميّ، أبو سعيد البصريّ، ثقة [٩] ٩٧/ ١٠٤٠. والباقون يأتون فِي السند التالي.

стр. 17088

[تنبيه]: وقع عند المصنّف فِي إسناد هَذَا الْحَدِيث قوله: "حدثني أُسيد بن حضير بن سماك"، وهو غلطٌ، والصواب "حدّثني أُسيد بن ظُهير"، وَقَدْ نبّه عَلَى هَذَا الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ فِي "تهذيب الكمال" ٣/ ٢٥٣ - ٢٥٤. وفي "تحفة الأشراف" ١/ ٧٢ بعد أن ساقه بسند المصنّف: ما نصّه: قَالَ هارون: وَقَالَ أحمد بن حنبل: هو فِي كتابه -يعني ابن جريج- "أسيد بن ظُهير"، ولكن كذا حدّثهم بالبصرة، قَالَ: وقول أحمد بن حنبل هو الصواب؛ لأن أُسيد بن حُضير مات فِي زمن عمر ﵁، وصلّى عليه، ومن مات فِي زمن عمر لا يُدركه أيام معاوية. انتهى. و"أُسيد بن ظهير" بن رافع بن عديّ بن زيد بن جُشم بن حارثة بن الحارث، أبو ثابت الأنصاريّ الحارثيّ، تقدّمت ترجمته فِي ٤٤/ ٣٨٦٢ وهو منْ رجال الأربعة. والحديث صحيح، ويأتي شرحه فِي الْحَدِيث التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٨٢ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ ذُؤَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَلَقَدْ أَخْبَرَنِي عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ، أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ الأَنْصَارِيَّ، ثُمَّ أَحَدَ بَنِي حَارِثَةَ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ عَامِلاً عَلَى الْيَمَامَةِ، وَأَنَّ مَرْوَانَ كَتَبَ إِلَيْهِ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَيْهِ: أَنَّ أَيُّمَا رَجُلٍ سُرِقَ مِنْهُ سَرِقَةٌ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، حَيْثُ وَجَدَهَا، ثُمَّ كَتَبَ بِذَلِكَ مَرْوَانُ إِلَيَّ، فَكَتَبْتُ إِلَى مَرْوَانَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَضَى بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الَّذِي ابْتَاعَهَا مِنَ الَّذِي سَرَقَهَا، غَيْرُ مُتَّهَمٍ، يُخَيَّرُ سَيِّدُهَا، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الَّذِي سُرِقَ مِنْهُ بِثَمَنِهَا، وَإِنْ شَاءَ اتَّبَعَ سَارِقَهُ"، ثُمَّ قَضَى بِذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، فَبَعَثَ مَرْوَانُ بِكِتَابِي إِلَى مُعَاوِيَةَ، وَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى مَرْوَانَ: إِنَّكَ لَسْتَ أَنْتَ، وَلَا أُسَيْدٌ تَقْضِيَانِ عَلَيَّ، وَلَكِنِّى أَقْضِي فِيمَا وُلِّيتُ عَلَيْكُمَا، فَأَنْفِذْ لِمَا أَمَرْتُكَ بِهِ، فَبَعَثَ مَرْوَانُ بِكِتَابِ مُعَاوِيَةَ، فَقُلْتُ: لَا أَقْضِي بِهِ مَا وُلِّيتُ بِمَا قَالَ مُعَاوِيَةُ). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن منصور) أبو سعيد النسائيّ الثقة الثبت [١١] ١٠٨/ ١٤٧ منْ أفراد المصنّف. ٢ - (سعيد بن ذُؤيب) أبو الحسن المروزيّ، نسائيّ الأصل، ثقة [١٠] (١). روى عن أبي ضمرة، وأبي أسامة، وابن عيينة، وعبد الرزّاق، ويزيد بن هارون، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وغيرهم. وعنه النسائيّ فِي غير "السنن"، وروى له فِي "السنن" بواسطة عمرو بن منصور النسائيّ، وعنه أيضًا حاشد بن إسماعيل البخاريّ، والحسن بن سفيان، وعُبيد الله بن واصل البِيكنديّ. ذكره النسائيّ فِي "الكنى"، فَقَالَ:

стр. 17089

ثقة مأمون، حدّث عنه محمد بن رافع. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ: مات سنة (٢٣٧). وَقَالَ أبو حاتم: مجهول. تفرّد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط. ٣ - (عبد الرزاق) بن همّام بن نافع الحميري مولاهم، أبو بكر الصنعاني، ثقة حافظ منصف، مشهور، عمي فِي بآخر عمره فتغيرن وكان يتشيع [٩] ٦١/ ٧٧. ٤ - (ابن جريج) المذكور فِي الباب الماضي. ٥ - (عكرمة بن خالد) بن العاص بن هشام المخزوميّ المكيّ، ثقة [٣] ٣٧/ ٩٤٠. ٦ - (أسيد بن حضير) رضي الله تعالى عنه، تقدّم أن صوابه "أُسيد بن ظُهير"، فتنبّه. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وشيخ شيخه، فإن هما منْ أفراده. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنِ) عبد الملك بن عبد العزيز (ابْنِ جُرَيْجٍ) الأمويّ مولاهم المكيّ، أنه قَالَ (وَلَقَدْ أَخْبَرَنِي عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ) المخزوميّ المكيّ (أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ الْأَنْصَارِيَّ) تقدم فِي الْحَدِيث الماضي أنه هَذَا غلط، والصواب "أن أسيد بن ظهير الأَنصاري"، ويدلّ عَلَى ذلك قوله (ثُمَّ أَحَدَ بَنِي حَارِثَةَ) لأن هَذَا نسب أسيد بن ظهير، وأما أُسيد بن حُضير، فإنه أشهليّ، كما يظهر ذلك منْ مراجعة ترجمته فِي كتب الرجال (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ عَامِلاً عَلَى الْيَمَامَةِ) بفتح المثنّاة التحتيّة، وتخفيف الميم: بلدة منْ بلاد العوالي، وهي بلاد بني حنيفة، قيل: منْ عُرُوض اليمن، وقيل: منْ بادية الحجاز. قاله الفيّوميّ (وَأَنَّ مَرْوَانَ) أي ابن الحكم بن أبي العاص بن أمية، أبا عبد الملك الأمويّ المدنيّ (كَتَبَ إِلَيْهِ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان، صخر بن حرب بن أُميّة الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما (كَتَبَ إِلَيْهِ: أَنَّ أَيَّمَا رَجُلٍ سُرِقَ مِنْهُ سَرِقَةٌ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا) أي السرقة، بمعنى الأمتعة، أو الأموال المسروقة، وكذا المغصوبة (حَيْثُ وَجَدَهَا) أي فِي أيّ مكان وجد تلك السرقة (ثُمَّ كَتَبَ بِذَلِكَ) أي بما كتبه معاوية ﵁ (مَرْوَانُ إِلَيَّ، فَكَتَبْتُ إِلَى مَرْوَانَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَضَى بِأَنَّهُ) الضمير للشأن: أي بأن الشأن (إِذَا كَانَ الَّذِي ابْتَاعَهَا) أي اشتراها (مِنِ الَّذِي سَرَقَهَا، غَيْرَ مُتَّهَمٍ) بمشاركته مع السارق بأن يتواطأ معه فِي أخذها ظلمًا (يُخَيَّرُ سَيَّدُهَا) أي صاحب السلعة المسروقة، والفعل مبنيّ للمفعول، و"سيّدها"

стр. 17090

نائب فاعله: أي خيّره الشارع، ويحتمل أن يكون مبنيًّا للفاعل، و"سيدها" مرفوع عَلَى الفاعل: بمعنى: يختار سيّدها. والله تعالى أعلم (فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الَّذِي سُرِقَ مِنْهُ) ببناء الفعل للمفعول، وذكّر ضمير "منه" نظرًا للفظ "الذي": أي الشيء الذي سُرق منه، وأنثه فِي قوله (بِثَمَنِهَا) نظرًا إلى لفظ "السرقة"، ولفظ "الكبرى": "بثمنه"، وهو ظاهر (وَإِنْ شَاءَ اتَّبَعَ سَارِقَهُ) حَتَّى يضمّنه قيمتها. والمعنى أن المسروق منه بالخيار بين شيئين: أحدهما أن يأخذ متاعه المسروق منْ المشتري، بعد دفع ثمنه؛ لئلا يتضرّر منْ غير تقصير منه، والثاني: أن يتّبع السارق، فيضمّنه قيمة المتاع؛ لأنه المعتدي عليه بأخذ متاعه. قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: ولا يخفى ما بين هَذَا الْحَدِيث، وبين حديث سمرة ﵁ الآتي منْ المعاضة، لكن إن ثبت أن الخلفاء قضوا بهذا الْحَدِيث، فينبغي أن يكون العمل به أرجح، إلا أن كثيرًا منْ العلماء مال إلى خلافه، والله تعالى أعلم. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي أن حديث سمرة ﵁ ضعيف، فلا يعارضُ هَذَا الْحَدِيث، فتنبّه. والله تعالى اعلم. (ثُمَّ قَضَى بِذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق ﵁ (وَعُمَرُ) بن الخطّاب ﵁ (وَعُثْمَانُ) بن عفّان ﵁ (فَبَعَثَ مَرْوَانُ بِكِتَابِي إِلَى مُعَاوِيَةَ، وَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى مَرْوَانَ: إنَّكَ لَسْتَ أَنْتَ، وَلَا أُسَيْدٌ تَقْضِيَانِ عَلَيَّ) أي تلزماني بشيء لا أراه صوابًا، والظاهر أن معاوية ﵁ يرى العمل بحديث سمرة ﵁ الآتي، لكن هَذَا الْحَدِيث أصحّ منه، فالعمل به متعيّنٌ، فنعتذر لمعاوية ﵁ بأنه اجتهاد منه، والاجتهاد يصيب، ويُخطىء (وَلَكِنِّي أَقْضِي فِيمَا وُلِّيتُ عَلَيْكُمَا، فَأَنْفِذْ لِمَا أَمَرْتُكَ بِهِ) أي منْ أن المسروق منه أحقّ بماله، بلا خيار (فَبَعَثَ مَرْوَانُ بِكِتَابِ مُعَاوِيَةَ) ﵁ (فَقُلْتُ: لَا أَقْضِي بِهِ) أي بما قَالَ معاوية ﵁ (مَا وُلِّيتُ) "ما" مصدريّة ظرفيّة، والفعل مبنيّ للمفعول: أَي مدّة ولايتي، وقوله (بِمَا قَالَ مُعَاوِيَةُ) بدل منْ قوله: "به"، فيه ما كَانَ عليه الصحابة ﵃ منْ التمسّك بالنصّ، وإن خالفوا فيه ولاة الأمور؛ عملاً بقوله ﷺ : "إنما الطاعة فِي المعروف"، متَّفقٌ عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أُسيد بن ظهير ﵁ هَذَا صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٩٦/ ٤٦٨١ و٤٦٨٢ - وفي "الكبرى" ٩٧/ ٦٢٧٥ و٦٢٧٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٨٣ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ السَّائِبِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الرَّجُلُ أَحَقُّ بِعَيْنِ مَالِهِ، إِذَا وَجَدَهُ، وَيَتْبَعُ الْبَائِعُ مَنْ بَاعَهُ").

стр. 17091

قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن داود": هو أبو جعفر الْمِصَّيصيّ، ثقة فاضلٌ [١١] ١١٢/ ٢٨٧٩. و"عمرو بن عون": هو أبو عثمان البزار البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٧٧/ ١٣٣٢. و"هُشيم": هو ابن بشير الواسطيّ الثقة الثبت. و"موسى بن السائب"، أبو سَعْدة البصريّ، ويقال: الواسطيّ، صدوقٌ [٧]. قَالَ أحمد: ثقة. وَقَالَ ابن معين: صالح. وَقَالَ أبو داود: لا بأس به. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". تفرّد به المصنّف، وأبو داود بهذا الْحَدِيث فقط. و"الحسن": هو ابن أبي الحسن/ يسار البصريّ. و"سمرة": هو ابن جندب ﵁. وقوله: "الرجل أحقّ بعين ماله الخ" قَالَ الخطّابيّ: هَذَا فِي المغصوب، والمسروق، ونحوهما، إذا وجد ماله المغصوب، والمسروق عند رجل، كَانَ له أن يُخاصمه فيه، ويأخذ عين ماله منه، ويرجع المأخوذ منه عَلَى منْ باعه إيّاه. انتهى "معالم السنن" ٥/ ١٨٤. وقوله: "ويتبع البائع"، يحتمل أن يكون بفتح أوله، وسكون ثانيه، منْ تبع ثلاثيًّا، منْ باب تَعِبَ، ويحتمل أن يكون بتشديد ثانيه، أمر منْ اتَّبَع خماسيّا، والمراد بـ"البائع" هنا المشتري؛ لأن البيع يُطلق لغة عَلَى الشراء، كما يُطلق عَلَى البيع، ولفظ "الكبرى": "ويتبع البيّع منْ باعه": وهو بفتح الموحّدة، وتشديد الياء، ومعناه: المشتري. والحديث دليل عَلَى أن المسروق منه إذا وجد متاعه عند المشتري، فهو أحقّ به، دون خيار، وفيه مخالفة للحديث السابق، إلا أنه ضعيف، فلا يعارض الصحيح، كما سبق بيانه، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث سمرة بن جندب ﵁ هَذَا ضعيف؛ أما عَلَى قول منْ يقول بعدم سماع الحسن عن سمرة غير حديث العقيقة، فظاهرٌ، وأما عَلَى القول بسماعه غيره، فلعنعنته، وعنعنة قتادة، وهما مدلّسان. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٩٦/ ٤٦٨٣ - وفي "الكبرى" ٩٧/ ٦٢٧٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٨٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ، فَهِيَ لِلأَوَّلِ

стр. 17092

مِنْهُمَا، وَمَنْ بَاعَ بَيْعًا مِنْ رَجُلَيْنِ، فَهُوَ لِلأَوَّلِ مِنْهُمَا"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث لا يُطابق هَذَا الباب، فكان الأولى للمصنّف رحمه الله تعالى أن يترجم له ترجمة مستقلّة، كما صنع فِي "الكبرى"، حيث ترجم بقوله: "باب الرجل يبيع السلعة منْ رجل، ثم يبيعها بعينها". والله تعالى أعلم. ورجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"غُندر": هو محمد بن جعفر. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ سَمُرَةَ) بن جندب ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "أَيُّمَا امْرَأَةِ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ) أي لرجلين (فَهِيَ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا) أي للناكح الأول منْ الناكحين، أو للوليّ الأول، منْ الوليّين، يَنفُذ فيها تصرّفه، دون تصرّف الثاني. وَقَالَ فِي "تحفة الأحوذيّ" ٤/ ١٨٧ - : "فهي للأول منهما": أي للسابق منهما ببيّنة، أو تصادق، فإن وقعا معًا، أو جُهل السابق منهما بطلا معًا. انتهى. وَقَالَ الشوكانيّ رحمه الله تعالى: فيه دليلٌ عَلَى أن المرأة إذا عقد لها وليّان لزوجين، كانت لمن عقد له أولُ الوليين، منْ الزوجين، وبه قَالَ الجمهور، وسواء كَانَ قد دخل بها الثاني، أم لا، وخالف فِي ذلك مالك، وطاوسٌ، والزهريّ، وروي عن عمر، فقالوا: إنها للثاني إذا كَانَ قد دخل بها؛ لأن الدخول أقوى. انتهى. "نيل الأوطار" ٥/ ١٦٦. (وَمَنْ بَاعَ بَيْعًا) أي مبيعًا، فهو منْ إطلاق المصدر، وإرادة اسم المفعول، ويحتمل أن يكون باقيًا عَلَى مصدريّته، ويكون مفعولا مطلقا لـ"باع" أي منْ عقد عقدًا (مِنْ رَجُلَيْنِ، فَهُوَ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا) فيه دليل عَلَى أن منْ باع شيئًا منْ رجل، ثم باعه منْ آخر لم يكن للبيع الثاني حكم، بل هو باطلٌ؛ لأنه باع غير ما يملك، إذ قد صار فِي ملك المشتري الأول، ولا فرق بين أن يكون البيع الثاني فِي مدّة الخيار، أو بعد انقراضها؛ لأن المبيع قد خرج عن ملكه بمجرّد البيع. قاله فِي "نيل الأوطار" ٥/ ١٦٦. [تنبيه]: زاد فِي "الكبرى" سندًا آخر للحديث، ونصّه: أخبرني قَطَنُ بن إبراهيم، قَالَ: حدثنا حفصٌ، قَالَ: ثنا إبراهيم بن سعد، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن عُقبة بن عامر، وسمرة بن جندب، قالا: قَالَ رسول الله ﷺ : مثله، سواء. انتهى. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته:

стр. 17093

حديث ضعيف؛ لما سبق فِي الْحَدِيث الماضي. قَالَ الحافظ المنذري رحمه الله تعالى: وَقَدْ قيل: إن الحسن لم يسمع منْ سمرة شيئا، وقيل: سمع منه حديثا فِي العقيقة. انتهى. وَقَالَ الحافظ فِي "التلخيص": حسنه الترمذيّ، وصححه أبو زرعة، وأبو حاتم، والحاكم فِي "المستدرك"، قَالَ الحافظ: وصحته متوقفة عَلَى ثبوت سماع الحسن منْ سمرة، فإن رجاله ثقات، لكن اختلف فيه عَلَى الحسن، ورواه الشافعيّ، وأحمد، والنسائي منْ طريق قتادة أيضا، عن الحسن، عن عقبة بن عامر، قَالَ الترمذيّ: الحسن عن سمرة فِي هَذَا أصح. وَقَالَ ابن المديني: لم يسمع الحسن منْ عقبة شيئا. وأخرجه ابن ماجه منْ طريق شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة أو عقبة بن عامر. انتهى "تحفة الأحوذي" ٤/ ٢٠٩. والحاصل أن الْحَدِيث لم يثبت اتّصاله منْ وجه يصحّ، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٩٦/ ٤٦٨٤ - وفي "الكبرى" ٩٨/ ٦٢٧٨ و٦٢٧٩. وأخرجه (د) فِي "النكاح" ٢٠٨٨ (ت) فِي "النكاح" ١١١٠ (ق) فِي "التجارات" ٢١٩٠ (أحمد) فِي "مسند البصريين" ١٩٥٨١ و١٩٦٠٩ و١٩٦٢٨ و١٩٦٩٤ (الدارمي) فِي "النكاح" ٢٠٩٧. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي العمل بهذا الْحَدِيث: قَالَ الإِمام الترمذيّ رحمه الله تعالى فِي "جامعه" بعد تخريج الْحَدِيث: ما نصّه: والعمل عَلَى هَذَا، عند أهل العلم، لا نعلم بينهم فِي ذلك اختلافا، إذا زوج أحد الوليين قبل الآخر، فنكاح الأول جائز، ونكاح الآخر مفسوخ، وإذا زوجا جميعا، فنكاحهما جميعا مفسوخ، وهو قول الثوري، وأحمد، وإسحاق. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي قاله الترمذيّ منْ أنه لا خلاف بين أهل العلم فِي هذه المسألة، أثبت غيره الخلاف فيه، فَقَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: إن كَانَ للمرأة وليان، فأذنت لكل واحد منهما فِي تزويجها جاز، سواء أذنت فِي رجل معين، أو مطلقا، فقالت: قد أذنت لكل واحد منْ أوليائي، فِي تزويجي منْ أراد، فإذا زوجها الوليان لرجلين، وعُلم السابق منهما فالنكاح له دخل بها الثاني، أو لم يدخل، وهذا قول الحسن، والزهري، وقتادة، وابن سيرين، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي، وبه قَالَ عطاء، ومالك، ما لم يدخل بها الثاني، فإن دخل بها الثاني، صار أولى؛ لقول عمر: إذا أنكح الوليان فالأول أحق, ما لم يدخل بها

стр. 17094

الثاني، ولأن الثاني اتصل بعقده القبض، فكان أحق. قَالَ: ولنا ما روى سمرة وعقبة، عن النبيّ ﷺ ، أنه قَالَ: "أيما امرأة زوجها وليان، فهي للأول منهما"، أخرج حديث سمرة أبو داود، والترمذي، وأخرجه النسائيّ عنه، وعن عقبة، وروي نحو ذلك عن علي، وشريح، ولأن الثاني تزوج امرأة فِي عصمة زوج، فكان باطلا كما لو عَلِمَ أن لها زوجا, ولأنه نكاح باطل، لو عري عن الدخول، فكان باطلا، وإن دخل كنكاح المعتدة والمرتد، وكما لو علم، فأما حديث عمر ﵁ فلم يصححه أصحاب الْحَدِيث، وَقَدْ خالفه قول علي ﵁، وجاء عَلَى خلاف حديث النبيّ ﷺ ، وما ذكروه منْ القبض لا معنى له، فإن النكاح يصح بغير قبض، عَلَى أنه لا أصل له، فيقاس عليه، ثم يبطل بسائر الأنكحة الفاسدة. انتهى "المغني" ٩/ ٤٢٨ - ٤٣٠. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث سمرة، وعقبة رضي الله تعالى عنهما أيضًا غير ثابت، كما سبق بيانه، فتنبّه. والذي يترجّح عندي المذهب الأول، وهو ما دلّ عليه حديث الباب، وهو وإن لم يصحّ، لكنه مذهب جلّ أهل العلم، حَتَّى ادّعى الترمذيّ الإجماع عليه كما سبق بيانه، وإن لم يسلّم له ذلك، فتأمل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٩٧ - (الاسْتِقْرَاضُ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هو طلب القرض، قَالَ فِي "اللسان": القرضُ، والقِرض -أي بفتح القاف، وكسرها-: ما يَتَجَازى به النَّاس بينهم، ويتقاضَونه، وجمعُه قُرُوض، وهو ما أسلفته منْ إحسان، ومن إساءة، وهو عَلَى التشبيه، قَالَ أميّة بن أبي الصَّلْتِ [منْ البسيط]: كُلُّ امْرِى سَوْفَ يُجْزَى قَرْضَهُ حَسَنًا … أَوْ سَيِّئًا أَوْ مَدِينًا مِثْلَ مَا دَانَا وَقَالَ تعالى: ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ الآية. ويقال: أقرضتُ فلانًا، وهو ما تُعطيه لِيَقضيكه، قَالَ الجوهريّ: والقَرْضُ: ما يُعطيه منْ المال ليُقضاهُ، والقِرْضُ -بالكسر- لغةٌ فيه، حكاها الكسائيّ. وَقَالَ ثعلبٌ: القَرْض -بالفتح-: المصدر، والقِرض -بالكسر- الاسم. وَقَالَ ابن سِيدَه: لا يُعجبني. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 17095

٤٦٨٥ - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: اسْتَقْرَضَ مِنِّي النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ أَلْفًا، فَجَاءَهُ مَالٌ، فَدَفَعَهُ إِلَيَّ، وَقَالَ: "بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، إِنَّمَا جَزَاءُ السَّلَفِ الْحَمْدُ وَالأَدَاءُ"). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلّاس الصيرفيّ، أبو حفص البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (عبد الرحمن) بن مهديّ بن حسّان العنبري مولاهم، أبو سعيد البصريّ الإِمام الثقة الثبت الحجة [٩] ٤٢/ ٤٩. ٣ - (سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ الإِمام الحجة الثبت [٧] ٣٣/ ٣٧. ٤ - (إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الله بن أبي ربيعة) هو إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزوميّ المدنيّ، ثقة (١) [٦]. روى عن أبيه، ومحمد بن كعب الْقُرظيّ. وعنه الثوريّ، وفُضيل بن سليمان النُّميريّ، ووكيع، وغيرهم. قَالَ أبو حاتم: شيخ. وَقَالَ أبو داود: ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات" فِي التابعين، ثم أعاده فِي أتباع التابعين، وَقَالَ: مات فِي آخر ولاية المهديّ سنة (١٦٩). تفرّد به المصنّف، وابن ماجه بحديث الباب فقط. ٥ - (أبوه) إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزوميّ المدنيّ، أمه أم كلثوم بنت أبي بكر الصّدّيق، مقبول [٣]. روى عن جده عبد الله بن أبي ربيعة، وخالته عائشة، وأمه، وجابر. وعنه ابنه إسماعيل، وأبو حازم المدنيّ، والزهريّ، وغيرهم. ذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ ابن القطّان. لا يُعرف له حال. روى له البخاريّ، والمصنّف، وابن ماجه. [تنبيه]: قد تقدّم الكلام فِي إبراهيم هَذَا فِي "كتاب النكاح" ٨/ ٣٢٢٥ حيث ذكره المصنّف بلفظ "ابن عبد الله بن ربيعة"، وتقدّم بيان الاختلاف فيه، ورجّحت تبعًا للإمام محمد بن يحيى الذُّهْليّ أنه هو، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٦ - (جدّه) هو عبد الله بن أبي ربيعة، واسمه عمرو بن المغيرة بن عبد الله بن عمر ابن مخزوم، المخزومي، أبو عبد الرحمن المكيّ، والد عمر الشاعر، له صحبة، كَانَ

стр. 17096

اسمه بَحِيرًا، فسماه رسول الله ﷺ عبد الله، وولاه الْجَنَد (١)، ومخاليفها (٢)، فلم يزل عليها حَتَّى قُتل عمر، وأقره عثمان، فجاء لينصره، فوقع عن راحلته، فمات قرب مكة، حديثه عند حفيده إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة، عن أبيه، عن جده: أن النبيّ ﷺ ، استسلف منه. وحكى ابن عبد البرّ، عن بعض أهل النسب، أنه هو الذي استجار بأم هانىء، يوم الفتح، قَالَ: ويقولون: لم يرو عنه غير إبراهيم -يعني ابن ابنه- وَقَالَ البخاريّ: إبراهيم لا أدري سمع منه، أم لا. تفرّد به المصنّف، وابن ماجه بحديث الباب فقط. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير إسماعيل، وجده، فقد تفرّد بهما هو، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين منْ إسماعيل، وسفيان كوفيّ، وعمرو، وعبد الرحمن بصريان. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن أبيه، عن جدّه. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرحمن (بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيهِ) إبراهيم (عَنْ جَدِّهِ) أي جدّ إبراهيم، وهو عبد الله بن أبي ربيعة ﵁، أنه (قَالَ: اسْتَقْرَضَ مِنِّي النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ أَلْفًا) أي طلب أن أعطيه قرضًا حَتَّى يردّ عليّ بدله (فَجَاءَهُ مَالٌ، فَدَفَعَهُ إِلَيَّ) هَذَا معطوف عَلَى محذوف، أي فأعطيته ما طلبه منّي، فجاءه بعد ذلك مال، فدفعه إليّ بدل قرضي (وَقَالَ) ﷺ (بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ) إنما دعا له مكافأة عَلَى إحسانه؛ لأن القرض إحسان يستحقّ المكافأة بالدعاء، كما أشار إليه بقوله (إِنَّمَا جَزَاءُ السَّلَفِ) أي القرض (الْحَمْدُ) أي الثناء بجميل إحسانه (وَالْأَدَاءُ) أي أداء بدله منْ غير مماطلة، ولا تغليظ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته:

стр. 17097

حديث عبد الله بن أبي ربيعة ﵁ هَذَا صحيح. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٩٧/ ٤٦٨٥ - وفي "الكبرى" ٩٩/ ٦٢٨٠. (ق) فِي "الأحكام" ٢٤٢٤. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم الاستقراض، وهو الجواز. (ومنها): ما كَانَ عليه النبيّ ﷺ منْ الاهتمام بشأن صحابته، فإن هَذَا المبلغ الكثير إنما يقترضه ليُعين به أهل الفاقة، ويجهّز به فِي سبيل الله ، ونحو ذلك منْ وجوه الخير. (ومنها): استحباب الدعاء للمقرض ببركة أهله وماله، مكافأة عَلَى إحسانه. (ومنها): أن مما يتعيّن عَلَى المستقرض أن يقوم بالثناء عَلَى المقرض، ويشكره عَلَى معروفه، ويؤدّي إليه بدل قرضه، منْ غير مماطلة، ولا تطاول، ولا تثاقل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٩٨ - (التَّغْلِيظُ فِي الدَّيْنِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الدّين" بالفتح يحتمل أن يكون بمعناه المصدريّ: أي فِي الاستدانة، ويحتمل أن يكون بمعنى المال المأخوذ بأجل: أي فِي شأن الدين. قَالَ المجد فِي "القاموس": الدَّين: ماله أجل، كالدّينة بالكسر، وما لا أجل له، فقرض، والموت، وكلُّ ما ليس حاضرًا، جمعه أَدْيُنٌ، ودُيونٌ. انتهى. وَقَالَ الفيّومي: دان الرجل يَدين دَينًا، منْ المدينة. قَالَ ابن قُتيبة: لا يُستعمل إلا لازما فيمن يأخذ الدَّينَ. وَقَالَ ابن السِّكِّيت أيضًا: دان الرجلُ: إذا استقرض، فهو دائنٌ، وكذلك قَالَ ثَعْلَبٌ، ونقله الأزهريّ أيضًا، وعلى هَذَا، فلا يقال منه: مَدِينٌ، ولا مَدْيونٌ؛ لأن اسم المفعول إنما يكون منْ فعل متعدّ، وهذا لازمٌ، فإذا أردت التعدّي قلت: أدنته، وداينته، قاله أبو زيد الأنصاريّ، وابن السّكِّيت، وابن قُتيبة، وثَعْلبٌ، وَقَالَ جماعة: يُستعمل لازمًا ومتعدّيًا، فيقال: دِنتُهُ: إذا أقرضته، فهو مدِينٌ، ومديونٌ، واسم الفاعل دائنٌ، فيكون الدائن منْ يأخذ الدين عَلَى اللزوم، ومن يُعطيه عَلَى التعدّي. وَقَالَ ابن القطّاع أيضًا: دِنته:

стр. 17098

أقرضته، ودِنته استقرضت منه. وقوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]: أي إذا تعاملتم بدين، منْ سَلَم، وغيره، فثبت بالآية، وبما تقدّم أن الدين لغةً: هو القرض، وثمن المبيع، فالصداق، ونحوه ليس بدين لغةً، بل شرعًا، عَلَى التشبيه؛ لثبوته، واستقراره فِي الذّمّة. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٦٨٦ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ، عَنْ أَبِي كَثِيرٍ، مَوْلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ وَضَعَ رَاحَتَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ، مَاذَا نُزِّلَ مِنَ التَّشْدِيدِ؟ "، فَسَكَتْنَا، وَفَزِعْنَا، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ، سَأَلْتُهُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذَا التَّشْدِيدُ الَّذِي نُزِّلَ؟ فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ رَجُلاً قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أُحْيِيَ، ثُمَّ قُتِلَ، ثُمَّ أُحْيِيَ، ثُمَّ قُتِلَ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، مَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ دَيْنُهُ"). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (عليّ بن حُجر) السعديّ المروزيّ، ثقة حافظ، منْ صغار [٩] ١٣/ ١٣. ٢ - (إسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الأنصاريّ الزرقيّ، أبو إسحاق القارىء المدنيّ ثقة ثبت [٨] ١٦/ ١٧. ٣ - (العلاء) بن عبد الرحمن بن يعقوب الْحُرقيّ المدنيّ، صدوقٌ، ربّما وَهِمَ [٥] ١٠٧/ ١٤٣. ٤ - (أبو كثير مولى محمد بن جحش) ويقال: مولى آل جحش، ويقال: مولى الليثيّين، مقبول [٢]. حجازيّ، ويقال: له صحبة، ومنهم منْ ضبطه بالموحّدة، والتأنيث. روى عن سعد بن أبي وقّاص، ومحمد بن عبد الله بن جحش. وعنه العلاء بن عبد الرحمن، ومحمد بن عَمرو بن علقمة، ومحمد بن أبي يحيى الأسلميّ، وصفوان بن سُليم. قَالَ العسكريّ: وُلد فِي حياة النبيّ ﷺ . تفرّد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط. [تنبيه]: قولي فِي أبي كثير هَذَا إنه مقبول هو الظاهر، وَقَالَ فِي "التقريب": ثقة، وفيه نظر لا يخفى؛ لأنه وإن روى عنه جماعة إلا أنه لم يوثقه أحد مع قلة روايته، كما سبق آنفًا فِي ترجمته فالأولى ما قلته، فَلْيُتَأَمَّلْ. والله تعالى أعلم. ٥ - (محمد بن جحش) محمد بن عبد الله بن جحش بن رئاب الأسدي، أمه فاطمة بنت أبي حبيش، مختلف فِي صحبته، روى عن النبيّ ﷺ ، وعن عمتيه حمنة، وزينب، وعن عائشة، روى عنه ابنه إبراهيم، ومولاه أبو كثير، والمعلي بن عرفان، قَالَ البخاريّ فِي "التاريخ" قتل أبوه يوم أحد، ويقال: عن ابن إسحاق، حليف بني أمية، هاجر مع

стр. 17099

أبيه، وعمه أبي أحمد، وَقَالَ فِي "الصحيح"، ويُرْوَى عن ابن عباس، وجرهد، ومحمد ابن جحش، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "الفخذ عورة". وَقَالَ ابن حبان: سمع النبيّ ﷺ ، وَقَالَ البخاريّ: له صحبة، وَقَالَ الزبير بن بكار: حدثنا أبو ضمرة، عن محمد بن أبي يحيى، حدثني أبو كثير، سمعت محمد بن عبد الله ابن جحش، وكانت له صحبة. وَقَالَ ابن عبد البرّ: هاجر مع أبيه وعمه إلى الحبشة، وكان مولده قبل الهجرة إلى المدينة، بخمس سنين قاله الواقدي. علّق عنه البخاريّ، وأخرج له المصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير أبي كثير، فإنه منْ أفراد المصنّف، ومحمد بن جحش، فإنه تفرد به هو وابن ماجه، وعلّق عنه البخاريّ. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فإنه مروزيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ مُحَمَّدِ) بن عبد الله (بْنِ جَحْشٍ) الأسديّ ﵁، أنه (قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا) جمع جالس (عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَرَفَعَ) ﷺ (رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ وَضَعَ رَاحَتَهُ) هو بطن الكفّ، جمعه رَاحٌ، وراحاتٌ (عَلَى جَبْهَتِهِ، ثُمَّ قَالَ) ﷺ (سُبْحَانَ اللَّهِ) تعجّبًا مما نزل (مَاذَا نُزِّلَ) "ما" استفهاميّة، و"نُزِّل" بتشديد الزاي، مبنيّا للمفعول، ويحتمل أن يكون بتخفيفها، مبنيّا للفاعل، والاستفهام للتعظيم، والتهويل (مِنَ التَّشْدِيدِ؟) بيان لـ"ما نُزِّلَ" (فَسَكَتْنَا) تأدّبًا معه ﷺ ، عملاً بقوله : ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [الحجرات: ١] (وَفَزِعْنَا) بكسر الزاي، منْ باب تَعِب: أي خِفنا أن ينزل مكروه (فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ، سَأَلْتُهُ) ﷺ ، قائلاً (يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذَا التَّشْدِيدُ الَّذِي نُزِّلَ؟) بالضبطين السابقين (فَقَالَ) ﷺ (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) فيه إثبات اليد لله تعالى عَلَى ما يليق بجلاله (لَوْ أَنَّ رَجُلاً قُتِلَ) بالبناء للمفعول، وكذا الأفعال التي بعده (فِي سَبيلِ اللَّهِ) أي لإعلاء كلمة الله تعالى (ثُمَّ أُحْيِيَ، ثُمَّ قُتِلَ، ثُمَّ أُحْيِيَ، ثُمَّ قُتِلَ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ) جملة فِي محلّ نصب عَلَى الحال، منْ نائب الفاعل (مَا دَخَلَ) بالبناء للفاعل (الْجَنَّةَ، حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ دَيْنُهُ) يحتمل أن يكون مبنيّا للفاعل، أي حَتَّى يقضي هو دينه بنفسه، بالقصاص الذي يقع فِي الآخرة، ويحتمل أن يكون مبنيّا للمفعول: أي حَتَّى يقضي أحد منْ ورثته، أو غيرهم دينه عنه،

стр. 17100

وهذا لا ينافي أن يحصل له رضا خصمه عنه فِي الدنيا، أو فِي الآخرة؛ لأنه فِي معنى القضاء. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث محمد بن جحش ﵁ حسنٌ منْ أجل أبي كثير، كما سبق فِي ترجمته، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٩٨/ ٤٦٨٦ - وفي "الكبرى" ١٠٠/ ٦٢٨١. وأخرجه (أحمد) فِي "باقي مسند الأنصار" ٢١٩٨٧. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تغليظ الوعيد فِي الدين. (ومنها): ما كَانَ عليه الصحابة ﵃ منْ التأدّب معه ﷺ ، عملاً بتأديب الله لهم، بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [الحجرات: ١]. (ومنها): شدّة عناية الشارع بحقّ المؤمن، حيث شدّد الوعيد فيه، فينبغي للمسلم أن يتخلّص منْ هَذَا الخطر العظيم قبل أن يأتيه عذاب يوم أليم، وَقَدْ أخرج الإِمام مسلم رحمه الله تعالى فِي "صحيحه" منْ طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ ، قَالَ: "أتدرون ما المفلس؟، قالوا: المفلس فينا، منْ لا درهم له، ولا متاع، فَقَالَ: "إن المفلس منْ أمتي يأتي يوم القيامة، بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شتم هَذَا، وقذف هَذَا، وأكل مال هَذَا، وسفك دم هَذَا، وضرب هَذَا، فيُعطَى هَذَا منْ حسناته، وهذا منْ حسناته، فإن فَنِيَت حسناته، قبل أن يُقضَى ما عليه، أُخذ منْ خطاياهم، فطُرِحت عليه، ثم طرح فِي النار". اللَّهم إن لك عليّ حقوقًا كثيرةً فيما بيني وبينك، وحقوقًا كثيرةً فيما بيني وبين خلقك، اللَّهمّ ما كَانَ لك منها، فاغفره لي، وما كَانَ منها لخلقك، فأرضهم عني بفضلك، وجودك، وكرمك، يا أكرم الأكرمين، ويا أرحم الراحمين، آمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٨٧ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ سَمْعَانَ، عَنْ سَمُرَةَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فِي جَنَازَةٍ، فَقَالَ: "أَهَاهُنَا مِنْ بَنِي فُلَانٍ أَحَدٌ؟ "، ثَلَاثًا فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا مَنَعَكَ فِي الْمَرَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، أَنْ لَا تَكُونَ أَجَبْتَنِي؟ أَمَا إِنِّي لَمْ أُنَوِّهْ بِكَ، إِلاَّ بِخَيْرٍ، إِنَّ فُلَانًا -لِرَجُلٍ

стр. 17101

مِنْهُمْ مَاتَ- مَأْسُورًا بِدَيْنِهِ"). رجال هَذَا الإسناد: سبعة: ١ - (محمود بن غيلان) أبو أحمد المروزي، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ٣٣/ ٣٧. ٢ - (عبد الرزاق) بن همام المذكور قبل باب. ٣ - (الثوري) سفيان بن سعيد المذكور فِي الباب الماضي. ٤ - (أبوه) سعيد بن مسروق بن حبيب الثوري الكوفيّ، ثقة [٦] ١٥٣/ ١١٢١. ٥ - (الشعبيّ) عامر بن شَرَاحيل الهمدني، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٦٦/ ٨٢. ٦ - (سمعان) بن مُشَنَّج -بمعجمة، ونون ثقيلة، ثم جيم- وقيل: مُشَمْرَج، الْعَمْريّ، ويقال: العبديّ الكوفيّ، صدُوقٌ [٣]. روى عن سمرة بن جندب، وعنه الشعبيّ. قَالَ البخاريّ: لا نعرف لسَمْعان سماعًا منْ سمُرة، ولا للشعبيّ سماعًا منه. وَقَالَ العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات" وَقَالَ ابن ماكولا: ثقة، ليس له غير حديث واحد، رواه له أبو داود، والنسائيّ، وهو أن الميت مأسور بدينه. وَقَالَ الخطيب فِي "رافع الارتياب": وهم فيه الجَرّاح، أو وكيعٌ، فَقَالَ: المشنج بن سمعان. انتهى. تفردّ به المصنّف، وأبو داود بهذا الْحَدِيث فقط. ٧ - (سمرة) بن جندب بن هلال الفزاري، حليف الأنصار الصحابيّ المشهور، مات بالبصرة سنة (٥٨) وتقدمت ترجمته فِي ٢٥/ ٣٩٣. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ سَمُرَةَ) بن جندب ﵁، أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي جِنَازَةٍ) أي فِي الصلاة عليها، أو تشييعها، أو فِي حال دفنها (فَقَالَ ﷺ "أَهَاهُنَا مِنْ بَنِي فُلَانٍ أَحَدٌ؟) وعند أبي بكر بن أبي شيبة، منْ رواية عفّان، عن أبي عوانة، عن فراس، عن الشعبيّ، عن سمرة ﵁: "هل هاهنا أحدٌ منْ بني النجّار" (ثَلَاثًا) أي قالها ثلاث مرّات، وفي رواية أبي داود منْ طريق أبي الأحوص، عن سعيد بن مسروق: "خطبنا رسول الله ﷺ ، فَقَالَ: "هاهنا أحد منْ بني فلان؟ "، فلم يجبه أحدٌ، ثم قَالَ: "هاهنا منْ بني فلان أحد؟ "، فلم يُجبه أحد، ثم قَالَ: "هاهنا أحد منْ بني فلان؟ " (فَقَامَ رَجُلٌ) زاد فِي رواية أبي داود المذكورة: "فَقَالَ: أنا يا رسول الله" (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا مَنَعَكَ فِي الْمَرَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، أَنْ لَا تَكُونَ أَجَبْتَنِي؟، أَمَا) بفتح الهمزة،

стр. 17102

وتخفيف الميم: أداة استفتاح، مثل "ألا" (إِنَّي لَمْ أُنَوِّهْ بِكَ) و"أُنوّه" بضم أوله، وتشديد ثالثه، مضارع نوّه تنويهًا، قَالَ فِي "القاموس": نَوّهّهُ، وبه: دعاه، ورفعه. انتهى. فالمعنى هنا: لم أدعك، ولم أرفع بذكرك (إِلَّا بِخَيْرٍ) إلا بسبب أمر خير، وهو التنبيه عَلَى تخليص هَذَا الميت المأسور بالدين منْ أسره، بأداء دينه، وفي رواية أبي داود: "أما إني لم أنوّه بكم إلا خيرًا" (إِنَّ فُلَانًا، لِرَجُلٍ مِنْهُمْ مَاتَ) اللام فِي "لرجل" للبيان، و"مات" صفة لرجل، وهو معترض بين اسم "إن" وخبرها، وهو قوله (مَأْسُورٌ بِدَيْنِهِ) بالرفع، كما فِي النسخة "الهنديّة"، ووقع فِي النسخ المطبوعة، و"الكبرى": "مأسورًا" بالنصب، وله وجه، وهو أن يُجعل مفعولاً لفعل مقدّر، والجملة خبر "إنّ": أي رأيته مأسورًا. و"الأسر": فِي اللغة: الشَّدّ: أي إنه مشدود، ومحبوس بسبب دينه عن دخول الجنّة، أو الاستراحة بها، وأراد ﷺ بذلك الحثّ عَلَى الاستعجال بأداء دينه، وَقَدْ حصل ذلك، فقد زاد فِي رواية أبي داود المذكورة: ما نصّه: "فقد رأيته أدّى عنه حَتَّى ما بقي أحدٌ يطلبه بشيء". وهذا منْ مقول سمرة ﵁، يقول: فلقد رأيت ذلك الرجل الذي خاطبه النبيّ ﷺ بشأن ذلك الميت، منْ أسره بدينه، أدّى عنه جميع ديونه التي بسببها حُبس فِي قبره. [تنبيه]: زاد فِي "الكبرى" ٤/ ٥٨: ما نصّه: وَقَدْ رواه غير واحد عن الشعبيّ، عن سمرة. وَقَدْ رُوي عن الشعبيّ، عن النبيّ ﷺ مرسلاً. ولا نعلم أحدًا قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيث عن "سمعان" غير سعيد بن مسروق. انتهى. وزاد فِي "تحفة الأشراف" ٤/ ٧٨ - ٧٩ - بعد هَذَا: ما نصّه: رواه وكيعٌ، عن سفيان، ولم يذكر فيه "سمعان". وَقَالَ فراس: عن الشعبيّ، عن سمرة: هل هاهنا أحد منْ بني النجّار؟. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث سمرة ﵁ هَذَا صحيح، إن ثبت سماع سمعان منْ سمرة ﵁. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٩٨/ ٤٦٨٧ وفي "الكبرى" ١٠٠/ ٦٢٨٢. (د) فِي "البيوع" ٣٣٤١. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان التغليظ فِي شأن الدين.

стр. 17103

(ومنها): ما كَانَ عليه النبيّ ﷺ منْ شدّة الاهتمام بشأن أمته. (ومنها): أن فيه علمًا منْ أعلام النبوّة، حيث إنه ﷺ يُخبر بما وقع لأصحاب القبور، منْ العقاب، وغيره. (ومنها): استحباب تذكير الإِمام لأهل الميت بأن يهتمّوا بدينه أكثر منْ غيره؛ لأن فِي أداء دينه راحته، وفكّ أسره، فينبغي لهم أن يسارعوا إلى ذلك، وما أشدّ غفلة أكثر النَّاس عن هَذَا، فإن جلّ اهتمامهم إذا مات لهم ميّت غير هَذَا، بل لا تسمع أحدًا منهم إلا منْ شاء الله يهتمّ بهذا الأمر الخطير، بل يتحدّثون عن كيفيّة قسمة تركته، وعن التصدّق عنه، إن هَذَا لهو العجب العُجاب، فإنا لله، وإنا إليه راجعون. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٩٩ - (التَّسْهِيلُ فِيهِ) ٤٦٨٨ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كَانَتْ مَيْمُونَةُ تَدَّانُ، وَتُكْثِرُ، فَقَالَ لَهَا أَهْلُهَا فِي ذَلِكَ، وَلَامُوهَا، وَوَجَدُوا عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: لَا أَتْرُكُ الدَّيْنَ، وَقَدْ سَمِعْتُ خَلِيلِي، وَصَفِيِّي ﷺ ، يَقُولُ: "مَا مِنْ أَحَدٍ يَدَّانُ دَيْنًا، فَعَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ يُرِيدُ قَضَاءَهُ، إِلاَّ أَدَّاهُ اللَّهُ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا"). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن قُدامة) بن أعين الهاشمي مولاهم المِصّيصيّ، ثقة [١٠] ١٣٧/ ٢١٤. ٢ - (جرير) بن عبد الحميد بن قرط الضبّيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة [٨] ٢/ ٢. ٣ - (منصور) بن المعتمر، أبو عتاب الكوفيّ، ثقة ثبت [٦] ٢/ ٢. ٤ - (زياد بن عمرو بن هِند) الْجَمَليّ، مقبول [٤]. روى عن عمران بن حُذيفة. وعنه منصور بن المعتمر، ذكره ابن حبّان فِي "الثقات". تفرّد به المصنّف، وابن ماجه بحديث الباب فقط. ٥ - (عمران بن حُذيفة)، مقبول [٣].

стр. 17104

روى عن ميمونة، وعنه زياد بن عمرو الجمَليّ. ذكره مسلم فِي الطبقة الثانية منْ أهل الكوفة، وذكره ابن حبّان فِي ثقات التابعين، وأخرج حديثه فِي "صحيحه"، وكذا الحاكم. وَقَالَ الذهبيّ: لا يعرف. وَقَالَ فِي "تهذيب التهذيب": عمران بن حذيفة أحد المجاهيل. انتهى. تفرّد به المصنّف، وابن ماجه بحديث الباب فقط. ٦ - (مَيْمُونَةُ) بنت الحارث الهلاليّة، أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، تزوّجها النبيّ ﷺ بسَرِف سنة سبع، وماتت بها، ودفنت هناك سنة (٥١) عَلَى الصحيح. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُذَيْفَةَ) أنه (قَالَ: كَانَتْ مَيْمُونَةُ) بنت الحارث، أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها (تَدَّانُ) بتشديد الدال، افتعال، منْ الدين، يقال: ادّان فلانٌ: إذا استقرض (وَتُكْثِرُ) بضمّ أوله، منْ الإكثار، أي كانت مكثرةً منْ الاستدانة، وذلك لتصل به رحمها، وتنفقه عَلَى المساكين، كما وصفتها بذلك عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقد أخرج ابن سعد بسند صحيح، عن يزيد بن الأصمّ -وهو ابن أختها- قَالَ تلقّيت عائشة منْ مكة أنا، وابن لطلحة منْ أختها، وَقَدْ كنّا وقفنا عَلَى حائط منْ حيطان المدينة، فأصبنا منه، فبلغها ذلك، فأقبلت عَلَى ابن أختها تلومه، ثم أقبلت عليّ، فوعظتني موعظةً بليغةً، ثم قالت: أما علِمتَ أن الله ساقك، حيث جعلك منْ بيوت نبيّه ﷺ ، ذهبت والله ميمونة، ورمي بحبلك عَلَى غاربك، أما إنها كانت منْ أتقانا لله، وأوصلنا للرحم. ذكره فِي "الإصابة" ١٣/ ١٤٠. (فَقَالَ لَهَا أهْلُهَا فِي ذَلِكَ) أي كلّموها فِي أن لا تُكثر منْ الدين (وَلَامُوهَا) أي عابوها (وَوَجَدُوا عَلَيْهَا) أي غضبوا عليها منْ أجل إكثارها الاستدانة، وفي الرواية التالية: "فقيل لها: يا أمّ المؤمنين، تستدينين، وليس عندك وفاء؟ " (فَقَالَتْ: لَا أَتْرُكُ الدَّيْنَ) أي الاستدانة، فالدين هنا عَلَى معناه المصدريّ (وَقَدْ سَمِعْتُ خَلِيلِي، وَصَفِيِّي، ﷺ ، يَقُولُ: "مَا مِنْ أَحَدٍ يَدَّانُ دَيْنًا) أي يستقرض، يقال: ادّان، واستدان، وأدان: إذا استقرض، وأخذ بدين، فادّان: افتعل، ومنه قول عمر ﵁: "فادّان مُعرِضًا": أي استدان، وهو الذي يَعترض النَّاس، ويستدين ممن أمكنه. ومنه قوله الآخر عن أُسيفع جُهينة، كما تقدّم: "فادّان مُعرِضًا": أي استدان معرضًا عن الوفاء. قاله فِي "اللسان" (فَعَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ يُرِيدُ قَضَاءَهُ) أي قضاء ذلك الدين (إِلَّا أَدَّاهُ اللَّهُ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا) يعني أنه يسهّل له، ويُيسّر عليه أسباب قضائه، فيتخلّص منْ المؤاخذة به.

стр. 17105

وَقَالَ الإِمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه": "باب منْ أخذ أموال النَّاس يُريد أداءها، أو إتلافها". ثم أخرج حديث أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "منْ أخذ أموال النَّاس يُريد أداءها، أدّى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله". فَقَالَ فِي "الفتح" ٥/ ٣٣٢ - ٣٣٣: قوله: "باب منْ أخذ أموال النَّاس، يريد أداءها، أو إتلافها": حذف الجواب؛ اغتناءً بما وقع فِي الْحَدِيث، قَالَ ابن المنير: هذه الترجمة تشعر، بأن التي قبلها مُقَيَّدةٌ بالعلم بالقدرة عَلَى الوفاء، قَالَ: لأنه إذا عَلِمَ منْ نفسه العجز، فقد أخذ لا يريد الوفاء، إلا بطريق التمني، والتمني خلاف الإرادة. قَالَ الحافظ: وفيه نظر؛ لأنه إذا نَوَى الوفاء، مما سيفتحه الله عليه، فقد نطق الْحَدِيث بأن الله يؤدي عنه، إما بأن يفتح عليه فِي الدنيا، وإما بأن يتكفل عنه فِي الآخرة، فلم يتعين التقييد بالقدرة فِي الْحَدِيث، ولو سُلِّم ما قَالَ، فهناك مرتبة ثالثة، وهو أن لا يعلم، هل يقدر، أو يعجز. انتهى. وَقَالَ عند شرح قوله: "أدّى الله عنه": وظاهره يحل المسألة المشهورة، فيمن مات قبل الوفاء، بغير تقصير منه، كأن يعسر مثلا، أو يفجأه الموت، وله مال مخبوء، وكانت نيته وفاء دينه، ولم يوف عنه فِي الدنيا، ويمكن حمل الْحَدِيث عَلَى الغالب، والظاهر أنه لا تبعة عليه، والحالة هذه فِي الآخرة، بحيث يؤخذ منْ حسناته لصاحب الدين، بل يتكفل الله عنه لصاحب الدين، كما دل عليه حديث الباب، وإن خالف فِي ذلك ابن عبد السلام. وقوله: "أتلفه الله": ظاهره أن الإتلاف يقع له فِي الدنيا، وذلك فِي معاشه، أو فِي نفسه، وهو علم منْ أعلام النبوة؛ لما نراه بالمشاهدة، ممن يتعاطى شيئا منْ الأمرين. وقيل: المراد بالإتلاف عذاب الآخرة. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث ميمونة رضي الله تعالى عنها هَذَا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه زياد بن عمرو، وعمران بن حذيفة، وهما مجهولان؟. [قلت]: إنما صحّ لأن له طرقًا، فقد رواه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة فِي السند التالي، قَالَ الشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى فِي "الصحيحة" ٣/ ٢٦ رقم ١٠٢٩ بعد أن

стр. 17106

ذكره برواية المصنّف الآتية: ما حاصله: وأخرجه أبو نعيم فِي "أخبار أصبهان" ٢/ ٢٣٨ منْ طريق عبد الله أبي بكر الْعَتَليّ، ثنا جرير بن حازم به، وهو إسناد صحيح عَلَى شرط الشيخين، إذا كَانَ عبيد الله بن عبد الله سمعه منْ ميمونة، فإن المعروف أنه يروي عنها بواسطة عبد الله بن عبّاس. وله طريق آخر فِي "المسند" ٦/ ٣٣٢ ورجاله ثقات، إلا أن فيه انقطاعًا بين سالم بن أبي الجعد، وميمونة، وبالجملة فالحديث صحيح بمجموع طرقه. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وأيضًا يشهد له حديث أبي هريرة ﵁ المذكور آنفًا عن "صحيح البخاريّ". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٩٩/ ٤٦٨٨ و٤٦٨٩ - وفي "الكبرى" ١٠١/ ٦٢٨٥ و٦٢٨٦. وأخرجه (ق) فِي "الأحكام" ٢٤٠٨. (المسألة الثالثة): فِي فوائده، وفوائد حديث أبي هريرة ﵁ أيضًا؛ لأنه بمعناه: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان التسهيل فِي الاستدانة لمن كانت نيّته صالحة، وذلك أن يريد عند أخذه الدين أنه يردّه إلى صاحبه إذا طلبه منه، دون مماطلة، ولا مغاضبة. (ومنها): ما قاله ابن بطال ﵀ تعال: فيه الحض عَلَى ترك استئكال أموال النَّاس، والترغيب فِي حسن التأدية إليهم عند المداينة، وأن الجزاء قد يكون منْ جنس العمل. (ومنها): ما قاله الداودي رحمه الله تعالى: فيه أن منْ عليه دين لا يُعتِق، ولا يتصدق، وإن فعل رُدّ انتهى. وتعقّبه الحافظ: فَقَالَ: فِي أخذ هَذَا منْ هَذَا بُعد كثير. (ومنها): أن فيه الترغيب فِي تحسين النية، والترهيب منْ ضد ذلك، وأن مدار الأعمال عليها. (ومنها): أن فيه الترغيب فِي الدين لمن ينوي الوفاء، وَقَدْ أخذ بذلك عبد الله بن جعفر، فيما رواه ابن ماجه والحاكم، منْ رواية محمد بن علي عنه: أنه كَانَ يَستدين، فسئل؟ فَقَالَ: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "إن الله مع الدائن حَتَّى يقضي دينه"، قَالَ الحافظ: إسناده حسن، لكن اختلف فيه عَلَى محمد بن علي، فرواه الحاكم أيضا منْ طريق القاسم بن الفضل عنه، عن عائشة، بلفظ: "ما منْ عبد كانت له نية، فِي وفاء دينه، إلا كَانَ له منْ الله عون"، قالت: فأنا ألتمس ذلك العون، وساق له شاهدا منْ وجه آخر، عن القاسم عن عائشة. (ومنها): أن منْ اشترى شيئا بدين، وتصرف فيه، وأظهر أنه قادر عَلَى الوفاء، ثم تبين الأمر بخلافه، أن البيع لا يُرَدّ، بل يُنتظر به حلول الأجل؛ لاقتصاره ﷺ عَلَى الدعاء عليه، ولم يُلزِمه برد البيع. قاله ابن المنير. ذكره فِي "الفتح" ٥/ ٣٣٣.

стр. 17107

قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وفي استنباط ابن المنيّر المذكور بُعدٌ لا يخفى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٨٩ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ، اسْتَدَانَتْ، فَقِيلَ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، تَسْتَدِينِينَ، وَلَيْسَ عِنْدَكِ وَفَاءٌ؟ قَالَتْ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "مَنْ أَخَذَ دَيْنًا، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُؤَدِّيَهُ، أَعَانَهُ اللَّهُ "). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"والد وهب": هو جرير بن حازم. والسند مسلسل بالبصريين إلى جرير، والأعمش، وحصين كوفيّان، والباقيان مدنيّان، وفيه ثلاثة منْ التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن حُصين، عن عبيد الله. والحديث صحيح، وَقَدْ سبق شرحه، وبيان مسائله فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ١٠٠ - (مَطْلُ الْغَنِيِّ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الْمَطْلُ" بفتح الميم، وسكون الطاء المهملة: أي تسويفه بوعد الوفاء، يقال: مَطَلَهُ بدينه مَطْلاً، منْ باب نصر: إذا سوّفه بوعد الوفاء مرّةً بعد أخرى، وماطله مِطالاً، منْ باب قاتل، والفاعل منْ الثلاثيّ ماطلٌ، ومَطُولٌ مبالغة، كمطّال، ومن الرباعيّ مماطلٌ. وأصل "المطل": المدّ، يقال: مَطَلْت الحديدَ مَطْلاً: مددتها، وطوّلتها، وكلّ ممدود ممطول. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٦٩٠ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ، وَالظُّلْمُ مَطْلُ الْغَنِيِّ").

стр. 17108

رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة بن سعيد) المذكور قريبًا. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإِمام الحجة الثبت [٨] ١/ ١. ٣ - (عبد الله بن ذكوان) أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقة فقيه [٥] ٧/ ٧. ٤ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز، أبو داود المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ٧/ ٧. ٥ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وسفيان، فمكيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ منْ المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، قَالَ فِي "الفتح": قد رواه همام، عن أبي هريرة، ورواه ابن عمر، وجابر، مع أبي هريرة ﵃ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "إِذَا أُتْبعَ) بضم، فسكون، فكسر مخففًا: أي أُحيل (أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ) بالهمز، ككريم، أو هو كغنيّ لفظًا ومعنًى، والأول هو الأصل، لكن قد اشتهر الثاني عَلَى الألسنة (فَلْيَتْبَعْ) بإسكان الفوقيّة عَلَى المشهور، منْ تَبعَ: أي فليقبل الحوالة. وقيل: بتشديدها. قاله السنديّ. وَقَالَ فِي "الفتح" ٥/ ٢٣٠ - : المشهور فِي الرواية واللغة، كما قَالَ النوويّ، إسكان المثناة فِي "أُتْبعَ"، وفي "فَلْيَتْبَعْ"، وهو عَلَى البناء للمجهول، مثل إذا أُعلِم فليَعْلَم، تقول: تَبِعت الرجل بحقي أتبعه تِبَاعًا، بالفتح: إذا طلبته. وَقَالَ القرطبيّ: أما "أُتْبع": فبضم الهمزة، وسكون التاء، مبنيا لما لم يُسَمَّ فاعله، عند الجميع، وأما "فليتبع": فالأكثر عَلَى التخفيف، وقيده بعضهم بالتشديد، والأول أجود. انتهى. قَالَ الحافظ: وما ادّعاه منْ الاتفاق عَلَى "أُتْبعَ" يرده قول الخطّابيّ: إن أكثر المحدثين يقولونه بتشديد التاء، والصواب التخفيف. ومعنى قوله: أتبع، فليتبع: أي أُحيل فَلْيَحتَل، وَقَدْ رواه بهذا اللفظ أحمد، عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن أبي الزناد، وأخرج البيهقي مثله، منْ طريق يعلى بن

стр. 17109

منصور، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، وأشار إلى تفرد يعلى بذلك، ولم يتفرد به كما تراه. ورواه ابن ماجه، منْ حديث ابن عمر، بلفظ: "فإذا أحلت عَلَى مليء فاتبعه"، وهذا بتشديد التاء، بلا خلاف. والمليء بالهمز: مأخوذ منْ الْمَلاء، يقال: مَلُؤ الرجل، بضم اللام: أي صار مَلِيا، وَقَالَ الكرماني: الْمَليّ، كالغنيّ لفظا ومعنى، فاقتضى أنه بغير همز، وليس كذلك، فقد قَالَ الخطّابيّ: إنه فِي الأصل بالهمز، ومن رواه بتركها، فقد سهله. وَقَالَ فِي "المغني" -٧/ ٦٢ - ٦٣: ما حاصله: المليء هو القادر عَلَى الوفاء، غير الجاحد، ولا المماطل، جاء فِي الْحَدِيث عن النبيّ ﷺ ، أنه قَالَ: "إن الله تعالى يقول، منْ يُقرض المليء، غير الْمُعْدِمِ"، رواه مسلم (١)، وَقَالَ الشاعر [منْ الطويل]: تُطِيلِينَ لَيَّانِي وَأَنْتِ مَلِيئَةٌ … وَأُحْسِنُ يَا ذَاتَ الْوِشَاحِ التَّقَاضِيَا يعني قادرة عَلَى وفائي. وَقَالَ أحمد فِي تفسير المليء: كأن المليء عنده أن يكون مليا بماله، وقوله، وبدنه، ونحو هَذَا. انتهى. (وَالظُّلْمُ مَطْلُ الْغَنِيِّ) جملة منْ مبتدإ وخبره: أي إن مطل الغنيّ منْ الظلم، وأطلق ذلك للمبالغة فِي التنفير عن المطل. والمشهور فِي الرواية: "مطلُ الغنيّ ظلم"، وَقَدْ رواه الجوزقي منْ طريق همام، عن أبي هريرة، بلفظ: "إن منْ الظلم مَطْلَ الغني"، وهو يفسر رواية المصنّف. وأصل المطل: المدّ، قَالَ ابن فارس: مَطَلتُ الحديدةَ أَمطلُها مَطْلاً: إذا مددتها؛ لتطول، وَقَالَ الأزهري: المطل: المدافعة. والمراد بالمطل هنا: تأخير ما استُحِق أداؤه بغير عذر، والغنيُّ مختلف فِي تفسيره، ولكن المراد به هنا مَن قَدَر عَلَى الأداء، فأخّره، ولو قَالَ فقيرا، كما سيأتي البحث فيه، وهل يَتَّصِف بالمطل، منْ ليس القدر الذي استُحق عليه حاضرا عنده، لكنه قادر عَلَى تحصيله بالتكسب مثلا؟ أطلق أكثر الشافعيّة عدم الوجوب، وصرح بعضهم بالوجوب مطلقا، وفَصَّل آخرون بين أن يكون أصل الدين، وجب بسبب يعصي به، فيجب، وإلا فلا. وقوله: "مطلُ الغني": هو منْ إضافة المصدر للفاعل عند الجمهور، والمعنى أنه يحرم عَلَى الغني القادر أن يمطل بالدين، بعد استحقاقه، بخلاف العاجز. وقيل: هو منْ إضافة المصدر للمفعول، والمعنى: أنه يجب وفاء الدين، ولو كَانَ مستحقه غنيا،

стр. 17110

ولا يكون غناه سببا لتأخير حقه عنه، وإذا كَانَ كذلك فِي حق الغني، فهو فِي حق الفقير أولي، قَالَ الحافظ: ولا يخفى بعد هَذَا التأويل. [تنبيه]: رواية المصنّف هنا هكذا بلفظ: "إذا أتبع أحدكم عَلَى مليء فليتبع، والظلم مطل الغنيّ"، بتقديم جملة الاتباع، وفي الرواية الآتية فِي الباب التالي، منْ طريق مالك، عن أبي الزناد، بلفظ: "مطلُ الغنيّ ظلم، وإذا أُتبع أحدكم عَلَى مليء فليتبع" بتقديم جملة المطل، وعطف الجملة الثانية بالواو، وهكذا هو عند البخاريّ، إلا أن العطف عنده بالفاء. قَالَ الحافظ: ادّعى الرافعي أن الأشهر فِي الروايات: "وإذا أتبع" -يعني بالواو- وأنهما جملتان، لا تعلق لإحداهما بالأخرى، وزعم بعض المتأخرين أنه لم يرد إلا بالواو، وغفل عما فِي "صحيح البخاريّ"، فإنه بالفاء فِي جميع الروايات، وهو كالتوطئة، والعلة لقبول الحوالة: أي إذا كَانَ المطل ظلما، فليقبل منْ يُحتال بدَينه عليه، فإن المؤمن منْ شأنه أن يحترز عن الظلم، فلا يمطل، نعم رواه مسلم بالواو، وكذا البخاريّ فِي الباب الذي بعده، لكن قَالَ: "ومن أتبع". ومناسبة الجملة للتي قبلها، أنه لما دَلّ عَلَى أن مطل الغني ظلم، عَقَّبَه بأنه ينبغي قبول الحوالة عَلَى المليء؛ لما فِي قبولها منْ دفع الظلم الحاصل بالمطل، فإنه قد تكون مطالبة المحال عليه سهلة عَلَى المحتال، دون المحيل، ففي قبول الحوالة إعانة عَلَى كفّه عن الظلم. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٠٠/ ٤٦٩٠ و١٠١/ ٤٦٩٣ - وفي "الكبرى" ١٠٢/ ٦٢٨٧ و١٠٣/ ٦٢٩٠. وأخرجه (خ) فِي "الحوالة" ٢٢٨٧ و٢٢٨٨ و"الاستقراض" ٢٤٠٠ (م) فِي "البيوع" ١٥٦٤ (د) فِي "البيوع" ٣٣٤٥ (ت) فِي "البيوع" ١٣٠٨ (ق) فِي "الأحكام" ٢٤٠٣ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ٧٢٩١ و٢٧٧٧٨ و٧٤٨٨ و٢٧٣٩٢ (الموطأ) فِي "البيوع" ١٣٧٩. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم مَطْلِ الغنيّ، وهو التحريم.

стр. 17111

(ومنها): أن فيه الزجرَ عن المطل، واختُلِف هل يُعَدُّ فعله عمدا كبيرة، أم لا؟، فالجمهور عَلَى أن فاعله يَفسُقُ، لكن هل يثبت فسقه بمطلة مرة واحدة، أم لا؟ قَالَ النوويّ: مقتضى مذهبنا اشتراط التكرار، ورده السبكي فِي "شرح المنهاج" بأن مقتضى مذهبنا عدمه. واستَدلَّ بأن منع الحق بعد طلبه، وابتغاء العذر عن أدائه، كالغصب، والغصب كبيرة، وتسميته ظلما يُشعر بكونه كبيرة، والكبيرة لا يشترط فيها التكرر، نعم لا يحكم عليه بذلك، إلا بعد أن يظهر عدم عذره. انتهى. واختلفوا هل يفسق بالتأخير، مع القدرة قبل الطلب، أم لا؟، فالذي يُشعر به حديث الباب التوقف عَلَى الطلب؛ لأن المطل يُشعر به، ويدخل فِي المطل كُلُّ منْ لزمه حقّ، كالزوج لزوجته، والسيد لعبده، والحاكم لرعيته، وبالعكس. (ومنها): أنه استُدِلّ به عَلَى أن العاجز عن الأداء، لا يدخل فِي الظلم، وهو بطريق المفهوم؛ لأن تعليق الحكم بصفة منْ صفات الذات، يدل عَلَى نفى الحكم عن الذات، عند انتفاء تلك الصفة، ومن لم يقل بالمفهوم، أجاب بأن العاجز لا يسمى ماطلا. (ومنها): أن الغني الذي ماله غائب عنه، لا يدخل فِي الظلم، وهل هو مخصوص منْ عموم الغني، أو ليس هو فِي الحكم بغنيّ؟ الأظهر الثاني؛ لأنه فِي تلك الحالة يجوز إعطاؤه منْ سهم الفقراء، منْ الزكاة، فلو كَانَ فِي الحكم غنيا، لم يجز ذلك. (ومنها): أنه استُنبط منه أن المعسر لا يحبس، ولا يطالب حَتَّى يوسر، قَالَ الشافعيّ: لو جازت مؤاخذته، لكان ظالما، والفرض أنه ليس بظالم؛ لعجزه، وَقَالَ بعض العلماء: له أن يحبسه، وَقَالَ آخرون: له أن يلازمه. (ومنها): أنه استُدلّ به عَلَى أن الحوالة إذا صحت، ثم تعذر القبض بحدوث حادث، كموت، أو فَلَس، لم يكن للمحتال الرجوع عَلَى المحيل؛ لأنه لو كَانَ له الرجوع، لم يكن لاشتراط الغنى فائدة، فلما شُرطت عُلم أنه انتقل انتقالا، لا رجوع له، كما لو عَوّضه عن دينه بعوض، ثم تلف العوض فِي يد صاحب الدين، فليس له رجوع. وَقَالَ الحنفية: يرجع عند التعذر، وشبهوه بالضمان. (ومنها): أنه استُدلَ به عَلَى ملازمة المماطل، وإلزامه بدفع الدين، والتوصل إليه بكل طريق، وأخذه منه قهرا. (ومنها): أنه استدل به عَلَى اعتبار رضى المحيل والمحتال دون المحال عليه؛ لكونه لم يُذكر فِي الْحَدِيث، وبه قَالَ الجمهور، وعن الحنفية: يشترط أيضا، وبه قَالَ الإصطخري منْ الشافعيّة. (ومنها): أن فيه الإرشادَ إلى ترك الأسباب القاطعة لاجتماع القلوب؛ لأنه زَجَرَ عن المماطلة، وهي تؤدى إلى ذلك. ذكره فِي "الفتح" ٥/ ٢٣٠ - ٢٣١.

стр. 17112

قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي تمام البحث فِي مسألة الحوالة فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٩١ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ وَبْرِ بْنِ أَبِي دُلَيْلَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ، وَعُقُوبَتَهُ"). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن آدم) الْجُهنيّ المصِّيصيّ، صدوقٌ [١٠] ٩٣/ ١١٥. ٢ - (ابن المبارك) عبد الله الإِمام الحجة الثبت المشهور [٨] ٣٢/ ٣٦. ٣ - (وَبْرُ بن أبي دُليلة) -"وَبْرَة"- بفتح أوله، وسكون الموحّدة، بعدها راء -وابن أبي دُليلَة- بالتصغير، واسمه مسلم الطائفيّ، ثقة [٧]. روى عن محمد بن عبد الله بن ميمون بن مُسيكة، وعليّ بن عبد الله البارقيّ، وسُلَيم أبي عبيد الله المكيّ، مولى أم عليّ. وعنه الثوريّ، وابن المبارك، ووكيع، وسعد بن الصلت، وأبو مالك النخعيّ، وأبو عاصم. قَالَ إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وذكر الطبرانيّ أن النعمان بن عبد السلام روى حديثه عن الثوريّ بفتح دال دليلة، والصواب ضمّها. روى له أبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط، وأعاده بعده. ٤ - (محمد بن ميمون) محمد بن عبد الله بن ميمون بن مُسيكة -بمهملة، مصغّرًا- الطائفيّ، نُسب لجدّه، مقبول [٦]. روى عن عمرو بن الشَّرِيد، ويعقوب بن عاصم الثقفيين، وعنه وَبْرُ بن أبي دُليلة الطائفيّ، وأثنى عليه خيرًا، كما يأتي للمصنّف فِي السند التالي. وَقَالَ أبو حاتم: روى عنه الطائفيّون. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ ابن المدينيّ: مجهول، لم يرو عنه غير وَبْر. وَقَالَ الذهبيّ: ما روى عنه غير وَبْر. روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه هَذَا الْحَدِيث فقط. ووقع ذكره فِي سند حديث علّقه البخاريّ فِي "كتاب القرض". ٥ - (عَمْرُو بْنُ الشَّرِيدِ) -بفتح الشين المعجمة- الثقفيّ، أبو الوليد الطائفيّ، ثقة [٣] تقدم فِي ١٩/ ٤١٨٤. ٦ - (أبوه) الشريد -بوزن الطَّويل- ابن سُويد، مصغّرًا- الثقفيّ الصحابيّ ﵁ ,

стр. 17113

شهد بيعة الرضوان، قيل: كَانَ اسمه مالكًا، تقدّم فِي ٨/ ٣٦٨٠. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالطائفيين، غير شيخه، فمصّيصيّ. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ) بفتح الشين المعجمة- الثقفيّ (عَنْ أَبِيهِ) الشريد رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيُّ الْوَاجِدِ) بفتح اللام، وتشديد الياء: أي مطله، يقال: لواه بدينه يَلْويه لَيّا، منْ باب رمَى، ولَيّانًا: إذا مَطَلَه. وأصل لَيٍّ، ولَيّانٍ: لَيِّ، ولَوْيَانٌ، فأُدغمت الواو فِي الياء، كما قَالَ فِي "الخلاصة": إِنْ يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاوٍ وَيَا … وَاتَّصَلَا وَمِنْ عُرُوضٍ عَرِيَا فَيَاءً الْوَاوَ اقْلِبَنَّ مُدْغِمَا … وَشَذَّ مُعْطَى غَيْرَ مَا قَدْ رُسِمَا و"الواجد": -بالجيم-: الموسر (يُحِلُّ) بضمّ أوله، منْ الإحلال: أي يُبيح للدائن (عِرْضَهُ، وَعُقُوبَتَهُ") بالنصب فيهما عَلَى المفعوليّة، و"العِرْض": -بكسر، فسكون-: هو جانب الرجل الذي يصونه منْ نفسه، وحَسَبه أن يُنتَقَصَ، ويُثْلَبَ، أو سَوَاءٌ كَانَ فِي نفسه، أو سَلَفه، أو منْ يلزمه أمره، أو موضع المدح والذّمّ منه، أو ما يَفْتخِر به منْ حسَب وشَرَف، وَقَدْ يُراد به الآباء، والأجداد. قاله المجد فِي "القاموس". والمعنى: أنه إذا مطل الغني عن قضاء دينه يحلّ للدائن أن يُغلّظ القول عليه، ويُشدّد فِي هتك عرضه، وحرمته، وكذا للقاضي أن يغلّظ عليه، ويحبسه تأديبًا له؛ لأنه ظالم، والظلم حرام، وإن قلّ. أفاده فِي "عون المعبود" ١٠/ ٥٦. وَقَالَ أبو داود: قَالَ ابن المبارك: "يُحلّ عِرضه" يُغَلَّظ له، و"عقوبته" يُحبس له. انتهى. وَقَالَ النوويّ: قَالَ العلماء: يحلّ عرضه بأن يقول: ظلمني، مطلني، و"عُقُوبته" الحبس، والتعزير. انتهى. وَقَالَ ابن منظور: أي لصاحب الدين أن يذُمّ عرضه، ويَصِفه بسوء القضاء؛ لأنه ظالم له بعدما كَانَ محرّمًا منه، لا يحلّ له اقتراضه، والطعن عليه. وقيل: عِرضه أن يُغْلِظَ له، وعُقُوبته: الحبس. وقيل: معناه: أنه يحلّ له شكايته منه. وقيل: معناه أن يقول: يا ظالم أنصِفني؛ لأنه إذا مَطَله، وهو غنيّ، فقد ظلمه. انتهى "لسان العرب" ٧/ ١٧١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 17114

مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث الشريد بن سُويد ﵁ هَذَا حسنٌ منْ أجل محمد بن ميمون، فإنه لم يرو عنه غير وَبْرٍ، وَقَدْ أثني عليه خيرًا، ووثقه ابن حبّان، فهو حسن الْحَدِيث. والله تعالي أعلم بالصواب. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٠٠/ ٤٦٩١ و٤٦٩٢ - وفي "الكبرى" ١٠٢/ ٦٢٨٨ و٦٢٨٩. وأخرجه (ت) فِي "الأقضية" ٣٦٢٨ (ق) فِي "الأحكام" ٢٤٢٧ (أحمد) فِي "مسند الكوفيين" ١٨٩٦٢. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم مطل الموسر فِي أداء دينه، وهو التحريم. (ومنها): أن الظلم يُحلّ هتك عِرض الظالم، الذي كَانَ محرّما بنصّ الْحَدِيث المتّفق عليه فِي قوله ﷺ : "فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، عليكم حرام، كحرمة يومكم هَذَا، فِي بلدكم هَذَا، فِي شهركم هَذَا" الْحَدِيث. (ومنها): ما قاله الخطّابي: فيه دليلٌ عَلَى أن المعسر لا حبس عليه؛ لأنه أباح له حبسه إذا كَانَ واجدًا، والْمُعْدِم غير واجد، فلا حبس عليه، وَقَدْ اختلف النَّاس فِي هَذَا، فكان شُريحٌ يرى حبس المليء والْمُعدِم، وإلى هَذَا ذهب أصحاب الرأي. وَقَالَ مالك: لا حبس عَلَى معسر، إنما حظّه الإنظار. ومذهب الشافعيّ أن منْ كَانَ ظاهر حاله الإعسار، فلا يُحبس، ومن كَانَ ظاهره اليسار حُبس، إذا امتنع منْ أداء الحقّ. انتهى "معالم السنن" ٥/ ٢٣٦ - ٢٣٧. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي تحقيق هَذَا الخلاف فِي المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم، فِي حبس المعسر بدينه: قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: منْ وجب عليه دين حالّ، فطولب به، ولم يؤده، نظر الحاكم، فإن كَانَ فِي يده مال ظاهر، أمره بالقضاء، فإن ذكر أنه لغيره، فسيأتي حكمه فِي المسألة التالية، وإن لم يجد له مالا ظاهرا، فادعى الإعسار فصدقه غريمه، لم يحبس، ووجب إنظاره، ولم تجز ملازمته؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، ولقول النبيّ ﷺ لغرماء الذي كثر دينه: "خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك"، أخرجه مسلم، ولأن الحبس: إما أن يكون لإثبات عسرته، أو لقضاء دينه، وعسرته ثابتة، والقضاء متعذر، فلا فائدة فِي الحبس، وإن

стр. 17115

كَذَّبه غريمه فلا يخلو: إما أن يكون عُرف له مال، أو لم يُعرف، فإن عرف له مال، لكون الدين ثبت عن معاوضة، كالقرض، والبيع، أو عُرف له أصل مال سوى هَذَا، فالقول قول غريمه مع يمينه، فإذا حلف أنه ذو مال حبس، حَتَّى تشهد البينة بإعساره. قَالَ ابن المنذر: أكثر منْ نحفظ عنه منْ علماء الأمصار، وقضاتهم، يرون الحبس فِي الدين، منهم: مالك، والشافعي، وأبو عبيد، والنعمان، وسَوّار، وعبيد الله بن الحسن، وروي عن شريح، والشعبي، وكان عمر بن عبد العزيز، يقول: يُقسَم ماله بين الغرماء، ولا يحبس، وبه قَالَ عبد الله بن جعفر، والليث بن سعد. وحجة الأولين: أن الظاهر قول الغريم، فكان القول قولَهُ كسائر الدعاوى. انتهى "المغني" ٦/ ٥٨٥ - ٥٨٦. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الأولون هو الأرجح؛ لوضوح أدلّته، كما مرّ بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): فِي اختلاف أهل العلم فِي ملازمة الدائن لمدينه المعسر: قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: متى ثبت إعساره عند الحاكم، لم يكن لأحد مطالبته، وملازمته، وبهذا قَالَ الشافعيّ، وَقَالَ أبو حنيفة: لغرمائه ملازمته، منْ غير أن يمنعوه منْ الكسب، فإذا رجع إلى بيته، فأذن لهم فِي الدخول دخلوا معه، وإلا منعوه منْ الدخول؛ لقول النبيّ ﷺ : "لصاحب الحق اليد واللسان" (١). قَالَ: ولنا إن منْ ليس لصاحب الحق مطالبته، لم يكن له ملازمته، كما لو كَانَ دينه مؤجلاً، وقول الله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٠]، ومن وجب إنظاره حرمت ملازمته، كمن دينه مؤجل، والحديث فيه مقال، قاله ابن المنذر. ثم عَلَى تقدير صحته نحمله عَلَى الموسر، بدليل ما ذكرنا، فقد ثبت أن النبيّ ﷺ ، قَالَ لغرماء الذي أصيب فِي ثمار ابتاعها، فكثر دينه: "خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك"، رواه مسلم، وغيره. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأول هو الأرجح عندي؛ لقوله ﷺ فِي الْحَدِيث المذكور: "وليس لكم إلا ذلك". والله تعالى أعلم. قَالَ: وإن فُكّ الحجر عنه لم يكن لأحد مطالبته، ولا ملازمته حَتَّى يملك مالا، فإن جاء الغرماء عَقِبَ فك الحجر عنه، فادّعوا أن له مالا، لم يُلتفت إلى قولهم حَتَّى يُثبتوا سببه، فإن جاؤوا بعد مدة، فادعوا أن فِي يده مالاً، أو ادعوا ذلك عَقِبَ فك الحجر،

стр. 17116

وبينوا سببه أحضره الحاكم وسأله, فإن أنكر فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه ما فك الحجر عنه حَتَّى لم يبق له شيء، وإن أقر، وَقَالَ هو لفلان، وأنا وكيله، أو مضار به، وكان الْمُقَرُّ له حاضرا، سأله الحاكم، فإن صَدَّقه فهو له، ويستحلفه الحاكم؛ لجواز أن يكونا تواطآ عَلَى ذلك؛ ليدفع المطالبة عن المفلس، وإن قَالَ: ما هو لي، عرفنا كذب المفلس، فيصير كأنه قَالَ: المال لي، فيعاد الحجر عليه، إن طلب الغرماء ذلك، وإن أقر لغائب، أُقِرَّ فِي يديه، حَتَّى يحضر الغائب، ثم يسأل كما حكمنا فِي الحاضر، ومتى أعيد الحجر عليه لديون، تجددت عليه شارك غرماء الحجر الأول، غرماء الحجر الثاني، إلا أن الأولين يضربون ببقية ديونهم، والآخرون يضربون بجميعها، وبهذا قَالَ الشافعيّ، وَقَالَ مالك: لا يدخل غرماء الحجر الأول، عَلَى هؤلاء الذين تجددت حقوقهم، حَتَّى يستوفوا، إلا أن تكون له فائدة منْ ميراث، أو تُجْنَى عليه جنايةٌ، فيتحاص الغرماء فيه. قَالَ: ولنا أنهم تساووا فِي ثبوت حقوقهم فِي ذمته، فتساووا فِي الاستحقاق، كالذين تثبت حقوقهم فِي حجر واحد، وكتساويهم فِي الميراث، وأرش الجناية، ولأن مكسبه مال له، فتساووا فيه كالميراث. انتهى "المغني" ٦/ ٥٨٤ - ٥٨٥. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بتساوي الجميع فِي الاستحقاق كما ذهب إليه الشافعيّ، وأحمد رحمهما الله تعالى هو الأشبه؛ لتساويهم فِي ثبوت الدين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٩٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَبْرُ بْنُ أَبِي دُلَيْلَةَ الطَّائِفِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْمُونِ بْنِ مُسَيْكَةَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ، وَعُقُوبَتَهُ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. و"وكيع": هو ابن الجرّاح. و"محمد بن ميمون": هو محمد بن عبد الله بن ميمون المذكور فِي السند الماضي. وقوله: "وأثني عليه خيرًا": أي أثنى وَبْرُ بن أبي دُليلة عَلَى محمد بن ميمون شيخه، ومدحه بخير. والحديث حسنٌ، وَقَدْ سبق شرحه، وبيان مسائله فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". ***

стр. 17117

١٠١ - (الْحَوَالَةُ) ٤٦٩٣ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، سوى شيخه الحارث، فقد تفرد به هو وأبو داود، وهو مصريّ ثقة حافظ. و"ابن القاسم": هو عبد الرحمن الْعُتقيّ الفقيه. والسند نصفه الأول مصريّون، ونصفه الثاني مدنيّون. والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم شرحه، وتخريجه فِي الباب الماضي، وبقي الكلام عَلَى ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو البحث عن الحوالة، وفيه مسائل: (المسألة الأولى): فِي معنى الحوالة، واشتقاقها: قَالَ فِي "الفتح": "الْحَوالة" -بفتح الحاء، وَقَدْ تُكسر-: مشتقة منْ التحويل، أو منْ الْحُئُول: تقول حال عن العهد: إذا انتقل عنه حُئُولا، وهي عند الفقهاء نقل دين منْ ذمة إلى ذمة. واختلفوا هل هي بيع دين بدين، رُخِّص فيه، فاستُثني منْ النهي عن بيع الدين بالدين، أو هي استيفاء. وقيل: هي عقد إرفاق مستقل، ويشترط فِي صحتها رضا المحيل، بلا خلاف، والمحتال عند الأكثر، والمحال عليه، عند بعض منْ شذّ، ويشترط أيضا تماثل الحقين فِي الصفات، وأن يكون فِي شيء معلوم، ومنهم منْ خصها بالنقدين، ومنعها فِي الطعام؛ لأنه بيع طعام قبل أن يُسْتَوفَى. انتهى" فتح" ٥/ ٢٢٨. وَقَالَ فِي "المغني": الحوالة ثابتة بالسنة والإجماع، أما السنة، فما رَوَى أبو هريرة ﵁ أن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "مطلُ الغنى ظلم، وإذا أتبع أحدكم عَلَى مليء فليتبع" متَّفقٌ عليه، وفي لفظ: "منْ أُحيل بحقه عَلَى مليء، فليحتل"، وأجمع أهل العلم عَلَى جواز الحوالة فِي الجملة. واشتقاقها منْ تحويل الحق منْ ذمة إلى ذمة، وَقَدْ قيل: إنها بيع، فإن المحيل يشتري ما فِي ذمته بما له فِي ذمة المحال عليه، وجاز تأخير القبض رخصةً، لأنه موضوع عَلَى الرفق، فيدخلها خيار المجلس لذلك، والصحيح أنها عَقْدُ إرفاق، منفرد بنفسه، ليس بمحمول عَلَى غيره؛ لأنها لو كانت بيعا، لما جازت؛ لكونها بيع دين بدين، ولما جاز التفرق قبل القبض؛ لأنه بيع مال الربا بجنسه، ولجازت بلفظ البيع، ولجازت بين جنسين، كالبيع كله، ولأن لفظها يشعر بالتحول، لا بالبيع، فعلى هَذَا لا

стр. 17118

يدخلها خيار، وتلزم بمجرد العقد، وهذا أشبه بكلام أحمد وأصوله. ولابد فيها منْ محيل، ومحتال عليه، ويشترط فِي صحتها رضي المحيل بلا خوف، فإن الحق عليه، ولا يتعين عليه جهة قضائه، وأما المحتال، والمحال عليه، فلا يعتبر رضاهما عَلَى ما سنذكره إن شاء الله تعالى. انتهى "المغني" ٧/ ٥٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): فِي شروط الحوالة: (اعلم): أنهم ذكروا لصحّة الحوالة شروطًا أربعة، قد ذكرها الموفّق رحمه الله تعالى، وفصّلها تفصيلا حسنًا فِي كتابه الممتع "المغني"، أحببت تلخيصه فيما يلي: (أحدها): تماثل الحقين؛ لأنها تحويل للحق، ونقل له، فينقل عَلَى صفته، ويعتبر تماثلهما فِي أمور ثلاثة: [أحدها]: الجنس، فيحيل منْ عليه ذهبٌ بذهب، ومن عليه فضة بفضة، ولو أحال منْ عليه ذهب بفضة، أو منْ عليه فضة بذهب لم يصح. [الثاني]: الصفة، فلو أحال منْ عليه صحاح بمكسرة، أو منْ عليه مصرية بأميرية لم يصح. [الثالث]: الحلول والتأجيل، ويعتبر اتفاق أجل المؤجلين، فإن كَانَ أحدهما حالّاً، والآخر مؤجلا، أو أجل أحدهما إلى شهر، والآخر إلى شهرين لم تصح الحوالة. (الشرط الثاني): أن تكون عَلَى دين مستقر، ولا يعتبر أن يحيل بدين غير مستقر، إلا أن السلم لا تصح الحوالة به، ولا عليه؛ لأن دين السلم ليس بمستقر؛ لكونه بِعَرْض الفسخ لانقطاع المسلم فيه، ولا تصح الحوالة به؛ لأنها لم تصح إلا فيما يجوز أخذ العوض عنه، والسلم لا يجوز أخذ العوض عنه؛ لقول النبيّ ﷺ : "منْ أسلم فِي شيء، فلا يصرفه إلى غيره"، رواه أبو داود، ولا تصح الحوالة عَلَى المكاتب بمال الكتابة؛ لأنه غير مستقر، فإن له أن يمتنع منْ أدائه، ويسقط بعجزه، وتصح الحوالة عليه بدين، غير دين الكتابة؛ لأن حكمه حكم الأحرار فِي المداينات، وإن أحال المكاتب سيده بنجم قد حل عليه صح، وبرئت ذمة المكاتب بالحوالة، ويكون ذلك بمنزلة القبض. (الشرط الثالث): أن تكون بمال معلوم؛ لأنها إن كانت بيعًا، فلا تصحّ فِي مجهول، وإن كانت تَحَوُّلَ الحق، فيعتبر فيها التسليم، والجهالة تمنع منه، فتصح بكل ما يثبت مثله فِي الذمة بالإتلاف، منْ الأثمان، والحبوب، والأدهان، ولا تصح فيما لا يصح السلم فيه؛ لأنه لا يثبت فِي الذمة. (الشرط الرابع): أن يحيل برضائه؛ لأن الحق عليه، فلا يلزمه أداؤه منْ جهة الدين الذي عَلَى المحال عليه، ولا خلاف فِي هَذَا، فإذا اجتمعت شروط الحوالة، وصحت

стр. 17119

برئت ذمة المحيل فِي قول عامة الفقهاء، وسيأتي تمام البحث فِي هَذَا فِي المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي الأمر فِي قوله ﷺ : "فليتبع"، هل هو للوجوب، أم للاستحباب؟: قَالَ فِي "الفتح" ٥/ ٢٣٠ - : ما حاصله: ذهب الجمهور إلى أنه للاستحاب، وَوَهِمَ منْ نقل فيه الإجماع. وقيل: هو أمر إباحة وإرشاد، وهو شاذّ، وحمله أكثر الحنابلة، وأبو ثور، وابن جرير، وأهل الظاهر عَلَى ظاهره، وعبارة الخرقي: ومن أُحيل بحقه عَلَى مليء، فواجب عليه أن يحتال. انتهى. وَقَالَ الموفّق رحمه الله تعالى عند شرح قول الخرقيّ المذكور: ما حاصله: والظاهر أن الخرقيّ أراد بالمليء هاهنا القادر عَلَى الوفاء، غير الجاحد، ولا المماطل، قَالَ: فإذا أحيل عَلَى منْ هذه صفته، لزم المحتال، والمحال عليه القبول، ولم يعتبر رضاهما. وَقَالَ أبو حنيفة: يعتبر رضاهما؛ لأنها معاوضة، فيعتبر الرضا منْ المتعاقدين. وَقَالَ مالك، والشافعي: يعتبر رضي المحتال؛ لأن حقه فِي ذمة المحيل، فلا يجوز نقله إلى غيرها بغير رضاه، كما لا يجوز أن يجبره عَلَى أن يأخذ بالدين عرضا، فأما المحال عليه، فَقَالَ مالك: لا يعتبر رضاه، إلا أن يكون المحتال عدوه. وللشافعي فِي اعتبار رضائه قولان: أحدهما: يعتبر، وهو يحكى عن الزهريّ؛ لأنه أحد منْ تتم به الحوالة، فأشبه المحيل. والثاني: لا يعتبر؛ لأنه أقامه فِي القبض مقام نفسه، فلم يفتقر إلى رضي منْ عليه الحق، كالتوكيل. قَالَ: ولنا قول النبيّ ﷺ : "إذا أتبع أحدكم عَلَى مليء فليتبع"، ولأن للمحيل أن يوفي الحق الذي عليه بنفسه، وبوكيله، وَقَدْ أقام المحال عليه مقام نفسه فِي التقبيض، فلزم المحال القبول، كما لو وكل رجلا فِي إيفائه، وفارق ما إذا أراد أن يعطيه عما فِي ذمته عرضا؛ لأنه يعطيه غير ما وجب له، فلم يلزمه قبوله. انتهى "المغني" ٧/ ٦٢/ ٦٣. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله الحنابلة، وأبو ثور، وابن جرير، وأهل الظاهر منْ كون الأمر للوجوب، وأنه يجب عَلَى المحال قبول، إذا توفّرت الشروط هو الأرجح؛ لأمره ﷺ بذلك، والأصل فِي الأمر الوجوب، إلا لصارف، ولا يوجد هنا صارف، منْ نصّ، ولا إجماع، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم، هل يرجع المحتال عَلَى المحيل بعد الحوالة، أم لا؟:

стр. 17120

قَالَ فِي "الفتح": ما حاصله: سئل قتادة، والحسن، عن رجل احتال عَلَى رجل، فأفلس؟ قالا: إن كَانَ مليا يوم احتال عليه، فليس له أن يرجع، وقيده أحمد بما إذا لم يعلم المحتال بإفلاس المحال عليه، وعن الحكم لا يرجع، إلا إذا مات المحال عليه، وعن الثوري يرجع بالموت، وأما بالفَلَس، فلا يرجع إلا بمحضر المحيل والمحال عليه. وَقَالَ أبو حنيفة: يرجع بالفلس مطلقا، سواء عاش، أو مات، ولا يرجع بغير الفلس. وَقَالَ مالك: لا يرجع إلا إن غره، كأن علم فَلَس المحال عليه، ولم يُعلمه بذلك. وَقَالَ الحسن، وشريح، وزفر: الحوالة كالكفالة، فيرجع عَلَى أيهما شاء، وبه يشعر إدخال البخاريّ أبواب الكفالة، فِي كتاب الحوالة. وذهب الجمهور إلى عدم الرجوع مطلقا، واحتج الشافعيّ بأن معنى قول الرجل أحلته، وأبرأني، حَوَّلت حقه عني، وأثبته عَلَى غيري، وذَكَر أن محمد بن الحسن احتج لقوله، بحديث عثمان: أنه قَالَ فِي الحوالة، أو الكفالة: يرجع صاحبها, لا توى: أي لا هلاك عَلَى مسلم، قَالَ فسألته عن إسناده، فذكره عن رجل مجهول، عن آخر معروف، لكنه منقطع بينه وبين عثمان، فبطل الاحتجاج به منْ أوجه، قَالَ البيهقيّ: أشار الشافعيّ بذلك، إلى ما رواه شعبة، عن خُليد بن جعفر، عن معاوية بن قرة، عن عثمان، فالمجهول خليد، والانقطاع بين معاوية بن قرة وعثمان، وليس الْحَدِيث مع ذلك مرفوعا، وَقَدْ شك راويه، هل هو فِي الحوالة، أو الكفالة. انتهى "الفتح" ٥/ ٢٢٨ - ٢٢٩. وَقَالَ الموفّق رحمه الله تعالى -بعد أن ذكر الشروط الماضية-: فإذا اجتمعت شروط الحوالة، برِئت ذمّة المحيل فِي قول عامّة الفقهاء، إلا ما يروى عن الحسن، أنه كَانَ لا يرى الحوالة براءة، إلا أن يبرئه، وعن زفر أنه قَالَ: لا تَنْقُلُ الحقَّ، وأجراها مجرى الضمان، وليس بصحيح؛ لأن الحوالة مشتقة منْ تحويل الحق، بخلاف الضمان، فإنه مشتق منْ ضم ذمة إلى ذمة، فعُلِّقَ عَلَى كل واحد مقتضاه، وما دل عليه لفظه. إذا ثبت أن الحق انتقل، فمتى رضي بها المحتال، ولم يشترط اليسار، لم يعد الحق إلى المحيل أبدا، سواء أمكن استيفاء الحق، أو تعذر لمطل، أو فلس، أو موت، أو غير ذلك، هَذَا ظاهر كلام الخرقي، وبه قَالَ الليث، والشافعي، وأبو عبيد، وابن المنذر، وعن أحمد ما يدل عَلَى أنه إذا كَانَ المحال عليه مفلسا, ولم يعلم المحتال بذلك فله الرجوع، إلا أن يرضى بعد العلم، وبه قَالَ جماعة منْ أصحابنا، ونحوه قول مالك؛ لأن الفلس عيب فِي المحال عليه، فكان له الرجوع، كما لو اشترى سلعة فوجدها معيبة، ولأن المحيل غره، فكان له الرجوع، كما لو دلس المبيع، وَقَالَ
следующие страницы →