← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 17116–17155 · переход к 17121.

стр. 17116

وبينوا سببه أحضره الحاكم وسأله, فإن أنكر فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه ما فك الحجر عنه حَتَّى لم يبق له شيء، وإن أقر، وَقَالَ هو لفلان، وأنا وكيله، أو مضار به، وكان الْمُقَرُّ له حاضرا، سأله الحاكم، فإن صَدَّقه فهو له، ويستحلفه الحاكم؛ لجواز أن يكونا تواطآ عَلَى ذلك؛ ليدفع المطالبة عن المفلس، وإن قَالَ: ما هو لي، عرفنا كذب المفلس، فيصير كأنه قَالَ: المال لي، فيعاد الحجر عليه، إن طلب الغرماء ذلك، وإن أقر لغائب، أُقِرَّ فِي يديه، حَتَّى يحضر الغائب، ثم يسأل كما حكمنا فِي الحاضر، ومتى أعيد الحجر عليه لديون، تجددت عليه شارك غرماء الحجر الأول، غرماء الحجر الثاني، إلا أن الأولين يضربون ببقية ديونهم، والآخرون يضربون بجميعها، وبهذا قَالَ الشافعيّ، وَقَالَ مالك: لا يدخل غرماء الحجر الأول، عَلَى هؤلاء الذين تجددت حقوقهم، حَتَّى يستوفوا، إلا أن تكون له فائدة منْ ميراث، أو تُجْنَى عليه جنايةٌ، فيتحاص الغرماء فيه. قَالَ: ولنا أنهم تساووا فِي ثبوت حقوقهم فِي ذمته، فتساووا فِي الاستحقاق، كالذين تثبت حقوقهم فِي حجر واحد، وكتساويهم فِي الميراث، وأرش الجناية، ولأن مكسبه مال له، فتساووا فيه كالميراث. انتهى "المغني" ٦/ ٥٨٤ - ٥٨٥. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بتساوي الجميع فِي الاستحقاق كما ذهب إليه الشافعيّ، وأحمد رحمهما الله تعالى هو الأشبه؛ لتساويهم فِي ثبوت الدين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٩٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَبْرُ بْنُ أَبِي دُلَيْلَةَ الطَّائِفِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْمُونِ بْنِ مُسَيْكَةَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ، وَعُقُوبَتَهُ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. و"وكيع": هو ابن الجرّاح. و"محمد بن ميمون": هو محمد بن عبد الله بن ميمون المذكور فِي السند الماضي. وقوله: "وأثني عليه خيرًا": أي أثنى وَبْرُ بن أبي دُليلة عَلَى محمد بن ميمون شيخه، ومدحه بخير. والحديث حسنٌ، وَقَدْ سبق شرحه، وبيان مسائله فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". ***

стр. 17117

١٠١ - (الْحَوَالَةُ) ٤٦٩٣ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، سوى شيخه الحارث، فقد تفرد به هو وأبو داود، وهو مصريّ ثقة حافظ. و"ابن القاسم": هو عبد الرحمن الْعُتقيّ الفقيه. والسند نصفه الأول مصريّون، ونصفه الثاني مدنيّون. والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم شرحه، وتخريجه فِي الباب الماضي، وبقي الكلام عَلَى ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو البحث عن الحوالة، وفيه مسائل: (المسألة الأولى): فِي معنى الحوالة، واشتقاقها: قَالَ فِي "الفتح": "الْحَوالة" -بفتح الحاء، وَقَدْ تُكسر-: مشتقة منْ التحويل، أو منْ الْحُئُول: تقول حال عن العهد: إذا انتقل عنه حُئُولا، وهي عند الفقهاء نقل دين منْ ذمة إلى ذمة. واختلفوا هل هي بيع دين بدين، رُخِّص فيه، فاستُثني منْ النهي عن بيع الدين بالدين، أو هي استيفاء. وقيل: هي عقد إرفاق مستقل، ويشترط فِي صحتها رضا المحيل، بلا خلاف، والمحتال عند الأكثر، والمحال عليه، عند بعض منْ شذّ، ويشترط أيضا تماثل الحقين فِي الصفات، وأن يكون فِي شيء معلوم، ومنهم منْ خصها بالنقدين، ومنعها فِي الطعام؛ لأنه بيع طعام قبل أن يُسْتَوفَى. انتهى" فتح" ٥/ ٢٢٨. وَقَالَ فِي "المغني": الحوالة ثابتة بالسنة والإجماع، أما السنة، فما رَوَى أبو هريرة ﵁ أن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "مطلُ الغنى ظلم، وإذا أتبع أحدكم عَلَى مليء فليتبع" متَّفقٌ عليه، وفي لفظ: "منْ أُحيل بحقه عَلَى مليء، فليحتل"، وأجمع أهل العلم عَلَى جواز الحوالة فِي الجملة. واشتقاقها منْ تحويل الحق منْ ذمة إلى ذمة، وَقَدْ قيل: إنها بيع، فإن المحيل يشتري ما فِي ذمته بما له فِي ذمة المحال عليه، وجاز تأخير القبض رخصةً، لأنه موضوع عَلَى الرفق، فيدخلها خيار المجلس لذلك، والصحيح أنها عَقْدُ إرفاق، منفرد بنفسه، ليس بمحمول عَلَى غيره؛ لأنها لو كانت بيعا، لما جازت؛ لكونها بيع دين بدين، ولما جاز التفرق قبل القبض؛ لأنه بيع مال الربا بجنسه، ولجازت بلفظ البيع، ولجازت بين جنسين، كالبيع كله، ولأن لفظها يشعر بالتحول، لا بالبيع، فعلى هَذَا لا

стр. 17118

يدخلها خيار، وتلزم بمجرد العقد، وهذا أشبه بكلام أحمد وأصوله. ولابد فيها منْ محيل، ومحتال عليه، ويشترط فِي صحتها رضي المحيل بلا خوف، فإن الحق عليه، ولا يتعين عليه جهة قضائه، وأما المحتال، والمحال عليه، فلا يعتبر رضاهما عَلَى ما سنذكره إن شاء الله تعالى. انتهى "المغني" ٧/ ٥٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): فِي شروط الحوالة: (اعلم): أنهم ذكروا لصحّة الحوالة شروطًا أربعة، قد ذكرها الموفّق رحمه الله تعالى، وفصّلها تفصيلا حسنًا فِي كتابه الممتع "المغني"، أحببت تلخيصه فيما يلي: (أحدها): تماثل الحقين؛ لأنها تحويل للحق، ونقل له، فينقل عَلَى صفته، ويعتبر تماثلهما فِي أمور ثلاثة: [أحدها]: الجنس، فيحيل منْ عليه ذهبٌ بذهب، ومن عليه فضة بفضة، ولو أحال منْ عليه ذهب بفضة، أو منْ عليه فضة بذهب لم يصح. [الثاني]: الصفة، فلو أحال منْ عليه صحاح بمكسرة، أو منْ عليه مصرية بأميرية لم يصح. [الثالث]: الحلول والتأجيل، ويعتبر اتفاق أجل المؤجلين، فإن كَانَ أحدهما حالّاً، والآخر مؤجلا، أو أجل أحدهما إلى شهر، والآخر إلى شهرين لم تصح الحوالة. (الشرط الثاني): أن تكون عَلَى دين مستقر، ولا يعتبر أن يحيل بدين غير مستقر، إلا أن السلم لا تصح الحوالة به، ولا عليه؛ لأن دين السلم ليس بمستقر؛ لكونه بِعَرْض الفسخ لانقطاع المسلم فيه، ولا تصح الحوالة به؛ لأنها لم تصح إلا فيما يجوز أخذ العوض عنه، والسلم لا يجوز أخذ العوض عنه؛ لقول النبيّ ﷺ : "منْ أسلم فِي شيء، فلا يصرفه إلى غيره"، رواه أبو داود، ولا تصح الحوالة عَلَى المكاتب بمال الكتابة؛ لأنه غير مستقر، فإن له أن يمتنع منْ أدائه، ويسقط بعجزه، وتصح الحوالة عليه بدين، غير دين الكتابة؛ لأن حكمه حكم الأحرار فِي المداينات، وإن أحال المكاتب سيده بنجم قد حل عليه صح، وبرئت ذمة المكاتب بالحوالة، ويكون ذلك بمنزلة القبض. (الشرط الثالث): أن تكون بمال معلوم؛ لأنها إن كانت بيعًا، فلا تصحّ فِي مجهول، وإن كانت تَحَوُّلَ الحق، فيعتبر فيها التسليم، والجهالة تمنع منه، فتصح بكل ما يثبت مثله فِي الذمة بالإتلاف، منْ الأثمان، والحبوب، والأدهان، ولا تصح فيما لا يصح السلم فيه؛ لأنه لا يثبت فِي الذمة. (الشرط الرابع): أن يحيل برضائه؛ لأن الحق عليه، فلا يلزمه أداؤه منْ جهة الدين الذي عَلَى المحال عليه، ولا خلاف فِي هَذَا، فإذا اجتمعت شروط الحوالة، وصحت

стр. 17119

برئت ذمة المحيل فِي قول عامة الفقهاء، وسيأتي تمام البحث فِي هَذَا فِي المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي الأمر فِي قوله ﷺ : "فليتبع"، هل هو للوجوب، أم للاستحباب؟: قَالَ فِي "الفتح" ٥/ ٢٣٠ - : ما حاصله: ذهب الجمهور إلى أنه للاستحاب، وَوَهِمَ منْ نقل فيه الإجماع. وقيل: هو أمر إباحة وإرشاد، وهو شاذّ، وحمله أكثر الحنابلة، وأبو ثور، وابن جرير، وأهل الظاهر عَلَى ظاهره، وعبارة الخرقي: ومن أُحيل بحقه عَلَى مليء، فواجب عليه أن يحتال. انتهى. وَقَالَ الموفّق رحمه الله تعالى عند شرح قول الخرقيّ المذكور: ما حاصله: والظاهر أن الخرقيّ أراد بالمليء هاهنا القادر عَلَى الوفاء، غير الجاحد، ولا المماطل، قَالَ: فإذا أحيل عَلَى منْ هذه صفته، لزم المحتال، والمحال عليه القبول، ولم يعتبر رضاهما. وَقَالَ أبو حنيفة: يعتبر رضاهما؛ لأنها معاوضة، فيعتبر الرضا منْ المتعاقدين. وَقَالَ مالك، والشافعي: يعتبر رضي المحتال؛ لأن حقه فِي ذمة المحيل، فلا يجوز نقله إلى غيرها بغير رضاه، كما لا يجوز أن يجبره عَلَى أن يأخذ بالدين عرضا، فأما المحال عليه، فَقَالَ مالك: لا يعتبر رضاه، إلا أن يكون المحتال عدوه. وللشافعي فِي اعتبار رضائه قولان: أحدهما: يعتبر، وهو يحكى عن الزهريّ؛ لأنه أحد منْ تتم به الحوالة، فأشبه المحيل. والثاني: لا يعتبر؛ لأنه أقامه فِي القبض مقام نفسه، فلم يفتقر إلى رضي منْ عليه الحق، كالتوكيل. قَالَ: ولنا قول النبيّ ﷺ : "إذا أتبع أحدكم عَلَى مليء فليتبع"، ولأن للمحيل أن يوفي الحق الذي عليه بنفسه، وبوكيله، وَقَدْ أقام المحال عليه مقام نفسه فِي التقبيض، فلزم المحال القبول، كما لو وكل رجلا فِي إيفائه، وفارق ما إذا أراد أن يعطيه عما فِي ذمته عرضا؛ لأنه يعطيه غير ما وجب له، فلم يلزمه قبوله. انتهى "المغني" ٧/ ٦٢/ ٦٣. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله الحنابلة، وأبو ثور، وابن جرير، وأهل الظاهر منْ كون الأمر للوجوب، وأنه يجب عَلَى المحال قبول، إذا توفّرت الشروط هو الأرجح؛ لأمره ﷺ بذلك، والأصل فِي الأمر الوجوب، إلا لصارف، ولا يوجد هنا صارف، منْ نصّ، ولا إجماع، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم، هل يرجع المحتال عَلَى المحيل بعد الحوالة، أم لا؟:

стр. 17120

قَالَ فِي "الفتح": ما حاصله: سئل قتادة، والحسن، عن رجل احتال عَلَى رجل، فأفلس؟ قالا: إن كَانَ مليا يوم احتال عليه، فليس له أن يرجع، وقيده أحمد بما إذا لم يعلم المحتال بإفلاس المحال عليه، وعن الحكم لا يرجع، إلا إذا مات المحال عليه، وعن الثوري يرجع بالموت، وأما بالفَلَس، فلا يرجع إلا بمحضر المحيل والمحال عليه. وَقَالَ أبو حنيفة: يرجع بالفلس مطلقا، سواء عاش، أو مات، ولا يرجع بغير الفلس. وَقَالَ مالك: لا يرجع إلا إن غره، كأن علم فَلَس المحال عليه، ولم يُعلمه بذلك. وَقَالَ الحسن، وشريح، وزفر: الحوالة كالكفالة، فيرجع عَلَى أيهما شاء، وبه يشعر إدخال البخاريّ أبواب الكفالة، فِي كتاب الحوالة. وذهب الجمهور إلى عدم الرجوع مطلقا، واحتج الشافعيّ بأن معنى قول الرجل أحلته، وأبرأني، حَوَّلت حقه عني، وأثبته عَلَى غيري، وذَكَر أن محمد بن الحسن احتج لقوله، بحديث عثمان: أنه قَالَ فِي الحوالة، أو الكفالة: يرجع صاحبها, لا توى: أي لا هلاك عَلَى مسلم، قَالَ فسألته عن إسناده، فذكره عن رجل مجهول، عن آخر معروف، لكنه منقطع بينه وبين عثمان، فبطل الاحتجاج به منْ أوجه، قَالَ البيهقيّ: أشار الشافعيّ بذلك، إلى ما رواه شعبة، عن خُليد بن جعفر، عن معاوية بن قرة، عن عثمان، فالمجهول خليد، والانقطاع بين معاوية بن قرة وعثمان، وليس الْحَدِيث مع ذلك مرفوعا، وَقَدْ شك راويه، هل هو فِي الحوالة، أو الكفالة. انتهى "الفتح" ٥/ ٢٢٨ - ٢٢٩. وَقَالَ الموفّق رحمه الله تعالى -بعد أن ذكر الشروط الماضية-: فإذا اجتمعت شروط الحوالة، برِئت ذمّة المحيل فِي قول عامّة الفقهاء، إلا ما يروى عن الحسن، أنه كَانَ لا يرى الحوالة براءة، إلا أن يبرئه، وعن زفر أنه قَالَ: لا تَنْقُلُ الحقَّ، وأجراها مجرى الضمان، وليس بصحيح؛ لأن الحوالة مشتقة منْ تحويل الحق، بخلاف الضمان، فإنه مشتق منْ ضم ذمة إلى ذمة، فعُلِّقَ عَلَى كل واحد مقتضاه، وما دل عليه لفظه. إذا ثبت أن الحق انتقل، فمتى رضي بها المحتال، ولم يشترط اليسار، لم يعد الحق إلى المحيل أبدا، سواء أمكن استيفاء الحق، أو تعذر لمطل، أو فلس، أو موت، أو غير ذلك، هَذَا ظاهر كلام الخرقي، وبه قَالَ الليث، والشافعي، وأبو عبيد، وابن المنذر، وعن أحمد ما يدل عَلَى أنه إذا كَانَ المحال عليه مفلسا, ولم يعلم المحتال بذلك فله الرجوع، إلا أن يرضى بعد العلم، وبه قَالَ جماعة منْ أصحابنا، ونحوه قول مالك؛ لأن الفلس عيب فِي المحال عليه، فكان له الرجوع، كما لو اشترى سلعة فوجدها معيبة، ولأن المحيل غره، فكان له الرجوع، كما لو دلس المبيع، وَقَالَ

стр. 17121

شريح، والشعبي، والنخعي: متى أفلس، أو مات رجع عَلَى صاحبه. وَقَالَ أبو حنيفة: يرجع عليه فِي حالين: إذا مات المحال عليه مفلسا، وإذا جحده، وحلف عليه عند الحاكم. وَقَالَ أبو يوسف ومحمد: يرجع عليه فِي هاتين الحالتين، وإذا حُجر عليه لفلس؛ لأنه رُوي عن عثمان أنه سئل عن رجل أحيل، فمات المحال عليه مفلسا يرجع بحقه، لا توى عَلَى مال امرئ مسلم، ولأنه عقد معاوضة، لم يسلم العوض فيه لأحد المتعاوضين، فكان له الفسخ، كما لو اعتاض بثوب فلم يسلم إليه. قَالَ: ولنا إن حَزْنًا جد سعيد بن المسيب، كَانَ له عَلَى علي ﵁ دين، فأحاله به، فمات المحال عليه، فأخبره، فَقَالَ: اخترت علينا أبعدك الله، فأبعده بمجرد احتياله، ولم يخبره أن له الرجوع، ولأنها براءة منْ دين، ليس فيها قبض ممن عليه، ولا ممن يدفع عنه، فلم يكن فيها رجوع، كما لو برأه منْ الدين، وحديث عثمان لم يصح، يرويه خالد بن جعفر، عن معاوية بن قرة، عن عثمان، ولم يصح سماعه منه، وَقَدْ روي أنه قَالَ فِي حوالة، أو كفالة، وهذا يوجب التوقف، ولا يصح، ولو صح كَانَ قول علي مخالفا له. وقولهم: إنه معاوضة، لا يصح؛ لأنه يفضي إلى بيع الدين بالدين، وهو منهي عنه، ويفارق المعاوضة بالثوب؛ لأَنَّ فِي ذلك قبضا يقف استقرار العقد عليه، وهاهنا الحوالة بمنزلة القبض، وإلا كَانَ بيع دين بدين. انتهى "المغني" ٧/ ٦٠/ ٦١. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه عامّة الفقهاء، وهو أن المحيل يبرأ بالحوالة، إذا وُجدت الشروط المذكورة سابقًا هو الأرجح؛ لظهور أدلّته، كما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ١٠٢ - (الْكَفَالَةُ بِالدَّيْنِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الكفالة" بالفتح: اسم منْ كَفَلتُ بالمال والنفس كَفْلاً، منْ باب قتل، وكُفُولاً أيضًا. وحكى أبو زيد سماعًا منْ العرب منْ بابي تَعِبَ، وقَرُبَ. وحكى ابن القطّاع: كفلته، وكفلت به، وعنه: إذا تحمّلت به، ويتعدّ إلى مفعول ثان بالتضعيف، والهمزة، فتَحذِف الحرف فيهما، وَقَدْ ثبت مع المثقّل، قَالَ ابن الأنباريّ: تكفّلتُ بالمال: التزمت به، وألزمته نفسي، وَقَالَ أبو زيد: تحملت به.

стр. 17122

وَقَالَ فِي "المجمع": كفَلت به كفالةً، وكفلت عنه بالمال لغريمه، ففرَق بينهما، وكفلت الرجل، والصغير, منْ باب قتل كفالةً أيضًا: عُلْتُهُ، وقمتُ به، ويتعدّى بالتضعيف إلى مفعول ثانٍ، فيقال: كفلتُ زيدًا الصغيرَ، والفاعل منْ كفالة المال كفيلٌ به للرجل والمرأة، وَقَالَ ابن الأعرابيّ: وكافل أيضًا، مثلُ ضَمِين، وضامنٍ. وفَرَقَ الليث بينهما، فَقَالَ: الكفيلُ: الضامن، والكافل: هو الذي يَعُول إنسانًا، ويُنفق عليه. انتهى. "المصباح المنير" ٢/ ٥٣٦. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الكَفِيل، والضَمِين، والقَبِيل، والحَمِيل، والزَعِيم، والصَبِير، كلها بمعنى واحد. قَالَ فِي "المغني": الضمان: ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه، فِي التزام الحق، فيثبت فِي ذمتهما جميعا، ولصاحب الحق مطالبة منْ شاء منهما، واشتقاقه منْ الضم، وَقَالَ القاضي: هو مشتق منْ الضمين؛ لأن ذمة الضامن تتضمن الحق. والأصل فِي جوازه الكتاب، والسنة، والإجماع: أما الكتاب، فقول الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، وَقَالَ ابن عباس: الزعيم الكفيل، وأما السنة فما رُوي عن النبيّ ﷺ ، أنه قَالَ: "الزعيم غارم"، رواه أبو داود، والترمذي، وَقَالَ حديث حسن، وروى البخاريّ منْ حديث سلمة بن الأكوع، رضي الله تعالى عنه، قَالَ: كنا جلوسا عند النبيّ ﷺ ، إذ أُتي بجنازة، فقالوا: صَلِّ عليها، فَقَالَ: "هل عليه دين؟ "، قالوا: لا، قَالَ: "فهل ترك شيئا؟ "، قالوا: لا، فصلى عليه، ثم أتي بجنازة أخرى، فقالوا: يا رسول الله، صل عليها، قَالَ: "هل عليه دين؟ " قيل: نعم، قَالَ: "فهل ترك شيئا؟ " قالوا: ثلاثة دنانير، فصلى عليها، ثم أتي بالثالثة، فقالوا: صل عليها، قَالَ: "هل ترك شيئا؟ " قالوا: لا، قَالَ: "فهل عليه دين؟ " قالوا: ثلاثة دنانير، قَالَ: "صلوا عَلَى صاحبكم"، قَالَ أبو قتادة: صل عليه، يا رسول الله، وعليّ دينه، فصلى عليه". وفي رواية ابن ماجه: "فَقَالَ أبو قتادة: وأنا أتكفّل به". وأجمع المسلمون عَلَى جواز الضمان فِي الجملة، وإنما اختلفوا فِي فروع، نذكر أهمّها، إن شاء الله تعالى. قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: ولابد فِي الضمان منْ ضامن، ومضمون عنه، ومضمون له، ولابد منْ رضي الضامن، فإن أُكره عَلَى الضمان لم يصح، ولا يعتبر رضي المضمون عنه، لا نعلم فيه خلافا؛ لأنه لو قضى الدين عنه بغير إذنه ورضاه صح، فكذلك إذا ضمن عنه، ولا يعتبر رضي المضمون له. وَقَالَ أبو حنيفة ومحمد: يعتبر؛ لأنه إثبات مال لآدمي، فلم يثبت إلا برضاه، أو رضي منْ ينوب عنه، كالبيع

стр. 17123

والشراء، وعن أصحاب الشافعيّ كالمذهبين. قَالَ: ولنا أَنَّ أبا قتادة ضمن، منْ غير رضى المضمون عنه، فأجازه النبيّ ﷺ ، وكذلك رُوي عن علي ﵁، ولأنها وثيقة، لا يعتبر فيها قبض، فأشبهت الشهادة، ولأنه ضمان دين، فأشبه ضمان بعض الورثة دين الميت للغائب، وَقَدْ سلموه. انتهى "المغني" ٧/ ٧١/٧٢. وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٦٩٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ، أُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "إِنَّ عَلَى صَاحِبِكُمْ دَيْنًا"، فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: أَنَا أَتَكَفَّلُ بِهِ، قَالَ: "بِالْوَفَاءِ؟ "، قَالَ: بِالْوَفَاءِ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"محمد بن عبد الأعلى": هو الصنعانيّ البصريّ. و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ. و"عثمان بن عبد الله بن موهَب": هو المدنيّ الأعرج، ثقة [٤] ٥/ ٤٦٨. [تنبيه]: وقع فِي نسخ "المجتبى" فِي هَذَا السند: "حدثنا سعيد" بل شعبة، وهو غلطٌ، والصواب: "حدّثنا شعبة"، كما فِي "تحفة الأشراف" ٩/ ٢٥٠ - وهو الذي فِي "جامع الترمذيّ" رقم ١٠٦٩ - و"سنن ابن ماجه" رقم ٢٤٠٧ - وَقَدْ تقدّم للمصنّف فِي "الجنائز" ٦٧/ ١٩٦٠ - عَلَى الصواب، فتنبّه. [تنبيه آخر]: منْ الغريب أنه سقط منْ "الكبرى" أصلاً، فليس فيها لا "سعيد"، ولا "شعبة"، بل فيه: "حدّثنا خالد، عن عثمان بن عبد الله بن موهَب"، وألحق محققها منْ "المجتبى": بين قوسين [حدثنا سعيد] وهو غلط كما عرفت. فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: "بالوفاء": أي أتتكفّل بوفاء دينه لصاحبه؟. والحديث صحيحٌ، وَقَدْ تقدّم فِي "الجنائز" شرحه، وبيان مسائله، ولنتكلّم هنا عَلَى ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو البحث عن الكفالة، ففيه مسائل: (المسألة الأولى): فِي اختلاف أهل العلم فِي الكفالة بالمجهول: قد تقدّم أَنَّهُ أجمع المسلمون عَلَى جواز الكفالة فِي الجملة، وإنما اختلفوا فِي فروع، فمنها: صحة الكفالة بالمجهول، كأن يقول: أنا ضامن لك مالك عَلَى فلان، أو ما يُقضَى به عليه، أو ما تقوم به البينة، أو يقر به لك، فَقَالَ أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: صحت الكفالة، وَقَالَ الثوري: والليث، وابن أبي ليلى، والشافعي، وابن المنذر: لا

стр. 17124

تصح؛ لأنه التزام مال، فلم يصح مجهولا، كالثمن فِي المبيع. واحتجّ الأولون بقول الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، وحمل البعير غير معلوم؛ لأن حمل البعير يختلف باختلافه، وبعموم قوله ﷺ : "الزعيم غارم"، وهو حديث صحيح، ولأنه التزام حق فِي الذمة، منْ غير معاوضة، فصح فِي المجهول كالنذر، والإقرار، ولأنه يصح تعليقه بضرر وخطر، وهو ضمان العهدة. أفاده فِي "المغني" ٧/ ٧٢ - ٧٣. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الأولون، منْ جواز الكفالة بالمجهول هو الأرجح عندي؛ لوضوح أدلّته، كما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): فِي اختلاف أهل العلم فِي جواز الكفالة عن الميت: ذهب الجمهور إلى أنه يصحّ الضمان عن كل منْ وجب عليه حق، حيًّا كَانَ أو ميتا، مليئا أو مفلسا؛ لعموم النصّ، وَقَالَ أبو حنيفة: لا يصح ضمان دين الميت، إلا أن يَخلُف وفاء، فإن خلف بعض الوفاء صح ضمانه بقدر ما خلف؛ لأنه دين ساقط، فلم يصح ضمانه، كما لو سقط بالإبراء، ولأن ذمته قد خرجت خرابا، لا تُعمّر بعده، فلم يبق فيها دين، والضمان ضم ذمة إلى ذمة فِي التزامه. واحتجّ الأولون بحديث أبي قتادة ﵁، المذكور فِي الباب، فإنه نصّ فِي المسألة، فإنه ﵁ إنما ضمن دين ميت لم يخلف وفاء، والنبي ﷺ حضهم عَلَى ضمانه، فضمن أبو قتادة ﵁. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور منْ صحّة الكفالة عن الميت هو الحقّ؛ لوضوح دليله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فيمن يصح ضمانه ومن لا يصح: قَالَ فِي "المغني": يصحّ ضمان كل جائز التصرف فِي ماله، سواء كَانَ رجلا أو امرأة؛ لأنه عقد يُقصد به المال، فصح منْ المرأة كالمبيع، ولا يصح منْ المجنون، ولا منْ صبي غير مميز، بغير خلاف؛ لأنه إيجاب مال بعقد، فلم يصح منهم، كالنذر، ولا يصح فِي السفيه المحجور عليه، ذكره أبو الخطاب، وهو قول الشافعيّ، وَقَالَ القاضي: يصح، ويتبع بعد فك الحجر عنه؛ لأن منْ أصلنا إن إقراره صحيح، يُتَّبع به منْ بعد فك الحجر عنه، فكذلك ضمانه، والأول أولى؛ لأنه إيجاب مال بعقد، فلم يصح منه، كالبيع والشراء، ولا يشبه الإقرار, لأنه إخبار بحق سابق. وأما الصبي المميز فلا يصح ضمانه فِي الصحيح منْ الوجهين، وهو قول الشافعيّ، وخرجه أصحابنا عَلَى

стр. 17125

الروايتين فِي صحة إقراره وتصرفاته، بإذن وليه، ولا يصح هَذَا الجمع؛ لأن هَذَا التزام مال، لا فائدة له فيه، فلم يصح منه كالتبرع، والنذر، بخلاف البيع. قَالَ: ولا يصح ضمان العبد بغير إذن سيده، سواء كَانَ مأذونا له فِي التجارة، أو غير مأذون له، وبهذا قَالَ ابن أبي ليلى، والثوري، وأبو حنيفة، ويحتمل أن يصح، ويتبع به بعد العتق، وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعيّ؛ لأنه منْ أهل التصرف فصح تصرفه بما لا ضرر عَلَى السيد فيه كالإقرار بالإتلاف، ووجه الأول أنه عقد تضمن إيجاب مال، فلم يصح بغير إذن، كالنكاح وَقَالَ أبو ثور: إن كَانَ منْ جهة التجارة جاز، وإن كَانَ منْ غير ذلك لم يجز، فإن ضمن بإذن سيده صح؛ لأن سيده لو أذن له فِي التصرف صح. انتهى "المغني" باختصار ٧/ ٧٩ - ٨٠. وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم هل يبرأ المكفول عنه بنفس الكفالة أم لا؟: ذهب الثوريّ، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي إلى أن المكفول عنه لا يبرأ بنفس الضمان، كما يبرأ المحيل بنفس الحوالة قبل القبض، بل يثبت الحق فِي ذمة الضامن، مع بقائه فِي ذمة المضمون عنه، فلصاحب الحق مطالبة منْ شاء منهما فِي الحياة، وبعد الموت. وذهب أبو ثور إلى أن الكفالة، والحوالة سواء، وكلاهما ينقل الحق عن ذمة المضمون عنه والمحيل، وحكي ذلك عن ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وداود، واحتجوا بما رَوَى أبو سعيد الخدريّ ﵁ قَالَ: كنا مع النبيّ ﷺ فِي جنازة، فلما وُضعت، قَالَ: "هل عَلَى صاحبكم منْ دين؟ " قالوا: نعم درهمان، فَقَالَ: "صلوا عَلَى صاحبكم"، فَقَالَ علي ﵁: هما علي يا رسول الله، وأنا لهما ضامن، فقام رسول الله ﷺ ، فصلى عليه، ثم أقبل عَلَى علي، فَقَالَ: "جزاك الله خيرا عن الإِسلام، وفَكَّ رهانك، كما فككت رهان أخيك"، فقيل: يا رسول الله هَذَا لعلي خاصة، أم للناس عامة؟ فَقَالَ: "للناس عامة" (١)، رواه الدارقطنيّ فِي "سننه" ٣/ ٤٧. فدلّ عَلَى أن المضمون عنه برىء بالضمان، ورَوَى الإِمام أحمد فِي "المسند" عن جابر ﵁ قَالَ: توفي صاحب لنا، فأتينا النبيّ ﷺ ، ليصلي عليه، فخطا خطوة، ثم قَالَ؛ "أعليه دين؟ " قلنا: ديناران، فانصرف، فتحملهما أبو قتادة، فَقَالَ: الديناران

стр. 17126

علي، فَقَالَ رسول الله ﷺ : "وجب حق الغريم، وبرىء الميت منهما؟ " قَالَ: نعم، فصلى عليه، ثم قَالَ بعد ذلك: "ما فعل الديناران؟، قَالَ: إنما مات أمس، قَالَ: فعاد إليه منْ الغد، فَقَالَ: قد قضيتهما، فَقَالَ رسول الله ﷺ : "الآن بردت جلدته" (١)، وهذا صريح فِي براءة المضمون عنه؛ لقوله: "وبرىء الميت منهما"، ولأنه دين واحد، فإذا صار فِي ذمة ثانية برئت الأولى منه، كالمحال به، وذلك لأن الدين الواحد لا يحل فِي محلين. ولنا قول النبيّ ﷺ : "نفس المؤمن معلقة بدينه، حَتَّى يُقضَى عنه"، وقوله فِي خبر أبي قتادة: "الآن بَرَّدتَّ جلدته"، حين أخبره أنه قضى دينه، ولأنهما وثيقة فلا تنقل الحق كالشهادة، وأما صلاة النبيّ ﷺ عَلَى المضمون عنه، فلأنه بالضمان صار له وفاء، وإنما كَانَ النبيّ ﷺ ، يمتنع منْ الصلاة عَلَى مدين، لم يَخلُف وفاء، وأما قوله لعلي ﵁: "فَك الله رهانك، كما فككت رهان أخيك"، فإنه كَانَ بحال لا يصلي عليه النبيّ ﷺ ، فلما ضمنه فكه منْ ذلك، أو مما فِي معناه، وقوله: "برىء الميت منهما" صرت أنت المطالب بهما، وهذا عَلَى سبيل التأكيد؛ لثبوت الحق فِي ذمته، ووجوب الأداء عليه، بدليل قوله فِي سياق الْحَدِيث حين أخبره بالقضاء: "الآن بردت عليه جلدته"، ويفارق الضمان الحوالة، فإن الضمان مشتق منْ الضم، فيقضي الضم بين الذمتين، فِي تعلق الحق بهما، وثبوته فيهما، والحوالة منْ التحول، فتقتضي تحول الحق منْ محله إلى ذمة المحال عليه، وقولهم: إن الدين الواحد لا يَحُل فِي محلين، قلنا: يجوز تعلقه بمحلين عَلَى سبيل الاستيثاق، كتعلق دين الرهن به، وبذمة الراهن. انتهى "المغني" ٧/ ٨٤ - ٨٦. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الأولون منْ أن المكفول عنه لا يبرأ بالكفالة، وأن لصحاب الحق مطالبة أيهما شاء هو الصواب؛ لما ذُكر منْ الأدلّة، وأما ما استدلّ به الآخرون منْ الحديثين فلا حجة فيه؛ لأنهما ضعيفان، فإن الأول فِي إسناده عطاء بن عجلان البصريّ، وهو متروك، والراوي عنه إسماعيل بن عيّاش، وهو إذا روى عن غير أهل بلده ضعيف الْحَدِيث، وهذا منه. والثاني فِي سنده عبد الله بن محمد بن عقيل مختلف فيه، وفي "التقريب": صدوق، فِي حديثه لين، ويقال: تغيّر بآخره. انتهى. والحاصل أن المذهب الأول هو الحقّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 17127

(المسألة الخامسة): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم الكفالة بالنفس: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن الكفالة بالنفس صحيحة، وهو مذهب شريح، ومالك، والثوري، والليث، وأبي حنيفة. وَقَالَ الشافعيّ فِي بعض أقواله: الكفالة بالبدن ضعيفة، واختلف أصحابه، فمنهم: منْ قَالَ: هي صحيحة قولا واحدا، وإنما أراد أنها ضعيفة فِي القياس، وإن كانت ثابتة بالإجماع والأثر، ومنهم: منْ قَالَ: فيها قولان: أحدهما: أنها غير صحيحة؛ لأنها كفالة بعين، فلم تصح، كالكفالة بالوجه، وبدن الشاهدين. واحتجّ الأولون بقول الله تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ الآية [يوسف: ٦٦]، ولأن ما وجب تسليمه بعقد، وجب تسليمه بعقد الكفالة كالمال. إذا ثبت هَذَا، فإنه متى تعذر عَلَى الكفيل إحضار المكفول به مع حياته، وامتنع منْ إحضاره لزمه ما عليه، وَقَالَ أكثرهم: لا يغرم، والصحيح الأول؛ لعموم قوله ﷺ : "الزعيم غارم"، وهو حديث صحيح، كما تقدّم؛ ولأنها أحد نوعي الكفالة، فوجب بها الغرم، كالكفالة بالمال (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: اختلفوا فِي الكفالة ببدن منْ عليه حدٌّ، سواء كَانَ حقا لله تعالى، كحد الزنا، والسرقة، أو لآدمي، كحد القذف والقصاص، فذهب أحمد، إلى عدم صحته، قَالَ الموفّق: وهو قول أكثر أهل العلم، منهم: شريح، والحسن، وبه قَالَ إسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وبه قَالَ الشافعيّ فِي حدود الله تعالى، واختَلَف قوله فِي حدود الآدمي، فَقَالَ فِي موضع: لا كفالة فِي حدود الآدمي، ولا لعان، وَقَالَ فِي موضع: تجوز الكفالة بمن عليه حق، أو حدّ؛ لأنه حق لآدمي، فصحت الكفالة به كسائر حقوق الآدميين. واحتجّ الأولون بما أخرجه البيهقيّ فِي "السنن الكبرى" عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبيّ ﷺ ، أنه قَالَ: "لا كفالة فِي حد"، ولأنه حد فلم تصح الكفالة فيه، كحدود الله تعالى؛ ولأن الكفالة استيثاق، والحدود مبناها عَلَى الإسقاط والدرء بالشبهات، فلا يدخل فيها الاستيثاق، ولأنه حق لا يجوز استيفاؤه منْ الكفيل، إذا تعذر عليه إحضار المكفول به، فلم تصح الكفالة بمن هو عليه كحد الزنا. قاله فِي "المغني" ٧/ ٩٨ - ٩٩.

стр. 17128

قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث: "لا كفالة فِي حدّ" ضعيف؛ لأن فِي سنده بقيّة بن الوليد، وشيخه عمر بن أبي عمر الكلاعيّ منْ مشايخ بقية المجهولين، وَقَالَ ابن عديّ: منكر الْحَدِيث (١). لكن الذي يظهر لي عدم صحة الكفالة فِي الحدود؛ لما ذكره ابن قدامة منْ أن مبنى الحدود عَلَى الإسقاط، والدرء بالشبهات، فالظاهر أنه لا يشرع فيها الاسيثاق بالكفالة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ١٠٣ - (التَّرْغِيبُ فِي حُسْنِ الْقَضَاءِ) ٤٦٩٥ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ وَكِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "خِيَارُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"عليّ بن صالح": هو ابن صالح بن حيّ الهمدانيّ، أبو محمد الكوفيّ، أخو حسن، ثقة عابدٌ [٧] ١٩٢/ ٣٠٧. و"أبو سلمة": هو ابن عبد الرحمن بن عوف المدنيّ الفقيه. والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ مضى شرحه، وبيان مسائله فِي ٦٤/ ٤٦٢٠ باب "استسلاف الحيوان، واستقراضه"، ودلالته عَلَى ما ترجم له المصنّف واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". …

стр. 17129

١٠٤ - (حُسْنُ الْمُعَامَلَةِ، وَالرِّفِقِ فِي الْمُطَالَبَةِ) ٤٦٩٦ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّ رَجُلاً لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، وَكَانَ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَيَقُولُ لِرَسُولِهِ: خُذْ مَا تَيَسَّرَ، وَاتْرُكْ مَا عَسُرَ، وَتَجَاوَزْ، لَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَلَمَّا هَلَكَ، قَالَ اللَّهُ لَهُ: هَلْ عَمِلْتَ خَيْرًا قَطُّ، قَالَ: لَا، إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ لِي غُلَامٌ، وَكُنْتُ أُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا بَعَثْتُهُ لِيَتَقَاضَى، قُلْتُ لَهُ: خُذْ مَا تَيَسَّرَ، وَاتْرُكْ مَا عَسُرَ، وَتَجَاوَزْ، لَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ تَجَاوَزْتُ عَنْكَ"). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (عيسى بن حمّاد) بن مسلم التجيبي، أبو موسى المصريّ الملقّب بزُغْبة، ثقة [١٠] ١٣٥/ ٢١١. ٢ - (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت فقيه إمام مشهور [٧] ٣١/ ٣٥. ٣ - (ابن عجلان) هو محمد المدنيّ، صدوق، اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة [٥] ٣٦/ ٤. ٤ - (زيد بن أسلم) العَدوي مولاهم المدنيّ، ثبت يرسل [٣] ٦٤/ ٨٠. ٥ - (أبو صالح) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ٣٦/ ٤٠. ٦ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فمصريّان. (ومنها): أن فيه ثلاثة منْ التابعين، يروي بعضهم عن بعض: ابن عجلان، عن زيد، عن أبي صالح. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أنه (قَالَ: "إِنَّ رَجُلاً لَمْ يَعْمَل خَيْرًا قَطُّ) أي فيما مضى منْ عمره (وَكَانَ يُدَايِنُ النَّاسَ) أي يتعامل معهم بالدين بأن يبيع لهم إلى أجل

стр. 17130

(فَيَقُولُ لِرَسُولِهِ) الذي يرسله ليستوفي له الديون منْ النَّاس (خُذْ مَا تَيَسَّرَ) أي للمديون أدؤه (وَاتْرُكْ مَا عَسُرَ) بضم السين المهملة، وكسرها: أي ما صعُب عليه، يقال: عَسُر الأمر عُسْرًا، مثل قَرُب قُرْبًا، وعَسَارَةً بالفتح، فهو عسير: أي صَعْبٌ شديدٌ، ومنه قيل للفقر: عُسْرٌ، وعَسِرَ الأمر عَسَرًا، فهو عَسِرٌ، منْ باب تَعِبَ، وتعسّر، واستعسر كذلك. قاله فِي "المصباح" (وَتَجَاوَزْ) أي لا تتعرّض له بمطالبة ما يشقّ عليه (لَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا) قَالَ السنديّ: "أن" زائدة دخلت فِي خبر "لعلّ" تشبيها لها بـ"عسى" (فَلَمَّا هَلَكَ) أي مات ذلك الرجل المذكور (قَالَ اللَّهُ لَهُ: هَلْ عَمِلْتَ خَيْرًا قَطُّ؟) وفي حديث أبي مسعود ﵁ عند مسلم رفعه: "حوسب رجل ممن كَانَ قبلكم، فلم يوجد له منْ الخير شيءٍ إلا أنه كَانَ يخالط، وكان موسرًا … " الْحَدِيث. وفي رواية عند مسلم أيضًا: "أُتي الله بعبد منْ عباده آتاه الله مالاً، فَقَالَ له: ما عملت فِي الدنيا؟ -قَالَ: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ - قَالَ: يا رب آتيتني مالك، فكنت أبايع النَّاس، وكان خلقي الجواز … " الْحَدِيث، وفي رواية: "فيقول: يا رب ما عملت لك شيئًا أرجو به كثيرًا، إلا أنك كنت أعطيتني فضلا منْ مال … " الْحَدِيث (قَالَ) الرجل (لَا) أي لم أعمل خيرًا قط. قَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: هَذَا العموم مخصّصٌ قطعًا بأنه كَانَ مؤمنًا, ولولا ذلك لما تجاوز عنه، فـ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّساء: ٤٨]، وهل كَانَ قائما بفرائض دينه منْ الصلاة، والزكاة، وما أشبههما؟ هَذَا هو الأليق بحاله، فإن هَذَا الْحَدِيث يشهد بأنه كَانَ ممن وُقي شُحّ نفسه، وعلى هَذَا فيكون معنى هَذَا العموم أنه لم يوجد له شيء منْ النوافل إلا هَذَا. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "هَذَا هو الأليق بحاله" فيه نظر؛ لأنه ينافيه قوله: "لم يعمل خيرًا قط"، فالظاهر أن النفي عَلَى عمومه عدا الإيمان, فيكون المعنى أنه لم يعمل خيرًا زائدا عَلَى الإيمان. والله تعالى أعلم. قَالَ: ويحتمل أن يكون له نوافل أُخَر، غير أن هَذَا كَانَ الأغلب عليه، فنودي به، وجُوزي عليه، ولم يذكر غيره اكتفاء بهذا. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الاحتمال أبعد منْ الذي قبله، فتأمّل. والله تعالى أعلم. قَالَ: ويحتمل أن يكون المراد بالخير: المال، فيكون معناه أنه لم يوجد له فعل برّ فِي المال إلا ما ذُكر منْ إنظار المعسر. انتهى كلام القرطبيّ (١).

стр. 17131

قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الاحتمال أيضًا مثل سابقه؛ لأنه لا دليل عَلَى هَذَا التخصيص، فتأمل. والحاصل أن الأظهر إجراؤه عَلَى عمومه. والله تعالى أعلم. (إِلَّا أَنَّهُ كَانَ لِي غُلَامٌ) أي خادم (وَكُنْتُ أُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا بَعَثْتُهُ) أي الغلام (لِيَتَقَاضَى) أي ليقبض الدين (قُلْتُ لَهُ: خُذْ مَا تَيَسَّرَ) ولفظ "الكبرى": "ما يَسُرَ": أي ما قلّ، أو سَهُل، يقال: يسُر الشيءُ مثلُ قرُب: قَلَّ، فهو يسيرٌ، ويَسِرَ الأمرُ يَيْسَرُ يَسَرًا، منْ باب تَعِبَ، ويِسُرَ يُسْرًا، منْ باب قرب، فهو يسيرٌ: أي سَهْلٌ، ويسّره الله، فتيسّر، واستتير بمعنى. قاله الفيّوميّ (١). (وَاتْرُكْ مَا عَسُرَ) وفي نسخة: "ما تعسّر" (وَتَجَاوَزْ) قَالَ فِي "الفتح": ويدخل فِي لفظ التجاوز الإنظار، والوضيعة، وحسن التقاضي. انتهى (٢) (لَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ تَجَاوَزْتُ عَنْكَ) أي عفوت عن ذنوبك، وغفرتها لك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٠٤/ ٤٦٩٦ و٤٦٩٧ - وفي "الكبرى" ١٠٦/ ٦٢٩٣ و٦٢٩٤. وأخرجه (خ) فِي "البيوع" ٢٠٧٨ و"أحاديث الأنبياء" ٣٤٨٠ (م) فِي "البيوع" ١٥٦٢ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ٧٥٢٥. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حسن المعاملة، والرفق فِي المطالبة. (ومنها): بيان أن شريعة منْ قبلنا شريعة لنا، إذا لم يرد فِي شرعنا ما يردّه، وهذا هو الصحيح منْ قولي العلماء فِي المسألة، وهو مذهب المصنّف، والبخاري، ومسلم، وغيرهما، حيث أوردوا هَذَا الْحَدِيث مستدلين به عَلَى ما ترجموا له. (ومنها): فضل إنظار المعسر، والوضع عنه إما كل الدين، وإما بعضه. (ومنها): فضل المسامحة فِي الاقتضاء، والاستيفاء، سواء كَانَ منْ معسر أو موسر. (ومنها): فضل الوضع منْ

стр. 17132

الدين، وأنه لا يُحتقر شيء منْ أفعال الخير، فلعله سبب سعادة العبد، وسبب رحمة الله تعالى له. (ومنها): أن اليسير منْ الحسنات إذا كَانَ خالصًا لله، كفّر كثيرًا منْ السيّئات. (ومنها): جواز توكيل العبيد، والإذن لهم فِي التصرّف. (ومنها): أن الأجر يحصل لمن يأمر به، وإن لم يتولّ ذلك بنفسه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٩٧ - (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، وَكَانَ إِذَا رَأَى إِعْسَارَ الْمُعْسِرِ، قَالَ لِفَتَاهُ: تَجَاوَزْ عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى يَتَجَاوَزُ عَنَّا، فَلَقِيَ اللَّهَ، فَتَجَاوَزَ عَنْهُ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وَقَدْ تقدّموا غير مرّة. و"هشام بن عمار": هو الدمشقيّ الخطيب المقرىء، كبر، فصار يتقن، فحديثه القديم أصحّ، منْ كبار [١٠] ١٣٤/ ٢٠٢. و"يحيى": هو ابن حمزة بن واقد أبو عبد الرحمن الدمشقي القاضي، ثقة رُمي بالقدر [٨] ٦٠/ ١٧٦٨. و"الزبيدي": هو محمد بن الوليد، أبو الهذيل الحمصي الثقة الثبت [٧]. و"عبيد الله بن عبد الله": هو ابن عتبة بن مسعود المدنيّ الثقة الفقيه [٣]. وقوله: "لفتاه": أي لخادمه. وقوله: "تجاوز عنه": التجاوز والتجوّز معناهما: المسامحة فِي الاقتضاء، والاستيفاء، وقبول ما فيه نقص يسير. والحديث متّفق عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٩٨ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ فَرُّوخَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَدْخَلَ اللَّهُ رَجُلاً كَانَ سَهْلاً مُشْتَرِيًا، وَبَائِعًا، وَقَاضِيًا، وَمُقْتَضِيًا الْجَنَّةَ"). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ) الجزريّ، أبو عبد الرحمن الأَذْرَميّ -بفتح الهمزة، وسكون المعجمة، وفتح الراء- الموصليّ، ثقة [١٠] ٦/ ٥٠٣. منْ أفراد المصنّف وأبي داود. ٢ - (إسماعيل بن عُليّة) هو ابن إبراهيم البصريّ، ثقة ثبت [٨] ١٨/ ١٩. ٣ - (يونس) بن عبيد بن دينار العبديّ، أبو عبيد البصريّ، ثقة ثبت فاضل ورعٌ [٥]

стр. 17133

٨٨/ ١٠٩. ٤ - (عطاء بن فرّوخ) -بفتح الفاء، وتشديد الراء المضمومة، وآخره معجمة- المدنيّ، نزيل البصرة، مقبول [٣]. روى عن عثمان بن عفان، وابن عمر، وابن عمرو. وعنه يونس بن عبيد، وعليّ بن زيد بن جُدعان. ذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ: عداده فِي أهل المدينة، كَانَ انتقل إلى البصرة. وذكر ابن المدينيّ فِي "العلل" أنه لم يلق عثمان ﵁. تفرد به المصنّف، وابن ماجه، وله عندهما هَذَا الْحَدِيث فقط. ٥ - (عثمان بن عفّان) الخليفة الراشد رضي الله تعالى عنه ٦٨/ ٨٤. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَدْخَلَ اللَّهُ رَجُلاً كَانَ سَهْلًا مُشْتَرِيًا) منصوب عَلَى الحال منْ اسم "كَانَ"، وكذا ما بعده. يعني أنه كَانَ ليّنًا فِي حال شرائه، بأن لا يشدّد فِي طلب الحط عن ثمنه، وأن لا يماطل فِي دفعه (وَبَائِعًا) أي وسهلًا لينا فِي حال بيعه بأن لا يبالغ فِي مدح السلعة حَتَّى يغرّ المشتري، وأن لا يُخفي ما فيها منْ العيوب، وإن كَانَ يسيرًا (وَقَاضِيًا) أي سهلاً ليّنًا فِي حال قضائه الدين، بأن لا يماطل، ولا ينتقص منْ عددها، أو صفتها (وَمُقْتَضِيًا) أي سهلاً لينا فِي حال استيفائه حقّه منْ غرمائه، بأن لا يغلظ لهم القول، ويشدّد فِي مطالبتهم. وقوله (الْجَنَّةَ) بالنصب مفعول ثان لأدخل. [فائدة]: قد اختلف النحاة فِي المنصوب فِي نحو قولك: دخلت المسجد، وسكنت البيت، وذهبت الشام، فقيل: منصوب عَلَى التوسع بإسقاط الخافض، فهو منْ قبيل المفعول به عَلَى الاتساع بإسقاط "فِي"، والأصل دخلت فِي المسجد، وسكنت فِي البيت، وهو مذهب الفارسيّ، وطائفة، واختاره ابن مالك. وقيل: إنه منصوب عَلَى الظرفية تشبيها له بالمبهم، وهو مذهب الشلوبين، واختاره ابن الحاجب. وقيل: إنه مفعول به، وعليه الأخفش، وجماعة (١). وَقَالَ ابن منظور: ما حاصله: الصحيح فيه أن أصله دخلت إلى البيت، فحذف حرف الجرّ، وانتصب انتصاب المفعول به؛ وذلك لأن الأمكنة عَلَى ضربين: مبهم، ومحدود، فالمبهم نحو الجهات الستّ، خلف، وقُدّام، ويمين، وشمال، وفوق،

стр. 17134

وتحت، وما جرى مجرى ذلك منْ أسماء الجهات، كأمام، ووراء، وأعلى وأسفل، ونحوها، فهذا وما أشبهه منْ الأمكنة يكون ظرفًا؛ لأنه غير محدود، ألا ترى أن خلفك قد يكون قدّاما لغيرك. وأما المحدود الذي له أقطار تحويه، نحو الجبل، والوادي، والسوق، والمسجد، والدار، فلا يكون ظرفًا؛ لأنك لا تقول: قعدت الدار، ولا صلّيت المسجد، ولا نِمتُ الجبل، ولا قمت الوادي، وما جاء منْ ذلك، فإنما هو بحذف حرف الجرّ، نحو دخلت البيت، وصعدت الجبل، ونزلت الوادي. انتهى خلاصةُ ما قاله ابن منظور باختصار فِي مادة "دخل" (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث عثمان بن عفّان رضي الله تعالى عنه هَذَا حسنٌ. [فإن قلت]: كيف يكون حسنًا، وفيه عطاء بن فرّوخ، وَقَالَ عنه فِي "التقريب": مقبول، فيحتاج إلى متابع، وأيضًا تقدم عن ابن المديني ما يدلّ عَلَى أنه منقطع؟. [قلت]: إنما كَانَ حسنًا؛ لشواهده، فقد أخرج البخاريّ فِي "صحيحه" منْ حديث جابر بن عبد الله ﵄، أن رسول الله ﷺ قَالَ: "رحم الله رجلا سمحا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى". وأخرج الترمذيّ، والحاكم منْ حديث أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "إن الله يحبّ سمح البيع، سمح الشراء، سمح القضاء،". والحاصل أن حديث عثمان ﵁ هَذَا حسن؛ لما ذكر. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٠٤/ ٤٦٩٨ - وفي "الكبرى" ١٠٦/ ٦٢٩٥. وأخرجه (ق) فِي "الأحكام" ٢٢٠٢. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حسن العاملة، والرفق فِي المطالبة. (ومنها): الحضّ عَلَى استعمال معالي الأخلاق، وترك المشاحّة. (ومنها): الحضّ عَلَى ترك التضييق عَلَى النَّاس فِي المطالبة، وأخذ العفو عنهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 17135

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ١٠٥ - (الشَّرِكَةُ بِغَيْرِ مَالٍ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الشركة" بفتح الشين المعجمة، وكسر الراء، وبكسر أوله، وسكون الراء، وَقَدْ تُحذف الهاء، وَقَدْ يُفتح أوّله مع ذلك، فتلك أربع لغات، وهي شرعًا: ما يَحدُث بالاختيار بين اثنين، فصاعدًا منْ الاختلاط لتحصيل الربح، وَقَدْ تحصل بغير قصد، كالإرث. قاله فِي "الفتح" ٥/ ٤٢٥. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى -أعني الشركة بغير مال- يسمّى عند الفقهاء شركة الأبدان، وهو -كما قَالَ فِي "المغني"-: أن يشترك اثنان، أو أكثر فيما يكتسبونه بأيديهم، كالصُّنَّاعِ، يشتركون عَلَى أن يعملوا فِي صناعاتهم، فما رزق الله تعالى فهو بينهم. وَقَدْ اختلف أهل العلم فِي جواز شركة الأبدان، فجوّزها أحمد، ومالك، فِي المباح، والصنائع، وجوّزها أبو حنيفة فِي الصنائع فقط، وأبطلها الشافعيّ مطلقًا، قَالَ فِي "المغني": فإن اشتركوا فيما يكتسبون منْ المباح، كالحطب، والحشيش، والثمار المأخوذة منْ الجبال، والمعادن، والتلصص عَلَى دار الحرب، فهذا جائز، نص عليه أحمد فِي رواية أبي طالب، فَقَالَ: لا بأس أن يشترك القوم بأبدانهم، وليس لهم مال، مثل الصيادين، والنقالين، والحمالين، قد أشرك النبيّ ﷺ ، بين عمار، وسعد، وابن مسعود ﵃، فجاء سعد بأسيرين، ولم يجيئا بشيء. وفسر أحمد صفة الشركة فِي الغنيمة، فَقَالَ: يشتركان فيما يصيبان، منْ سَلَب المقتول؛ لأن القاتل يختص به، منْ دون الغانمين، وبهذا قَالَ مالك. وَقَالَ أبو حنيفة: يصح فِي الصناعة، ولا يصح فِي اكتساب المباح، كالاحتشاش، والاغتنام؛ لأن الشركة مقتضاها الوكالة، ولا تصح الوكالة فِي هذه الأشياء؛ لأن منْ أخذها ملكها. وَقَالَ الشافعيّ: شركة الأبدان كلها فاسدة؛ لأنها شركة عَلَى غير مال، فلم تصح، كما لو اختلفت الصناعات. واحتجّ الأولون بحديث ابن مسعود ﵁ المذكور فِي الباب، قالوا: ومثل هَذَا لا يخفى عَلَى رسول الله ﷺ ، وَقَدْ أقرهم عليه، وَقَالَ أحمد: أشرك بينهم النبيّ ﷺ .

стр. 17136

قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن الْحَدِيث فيه انقطاع، إلا أن بعض أهل العلم كالترمذيّ، يصحّح، أو يُحسّن رواية أبي عبيدة، عن أبيه، والظاهر لكون الواسطة بينه وبين أبيه ثقات، كالأسود، وعلقمة، وعَبيدة السلمانيّ، ونحوهم، قَالَ الحافظ ابن رَجَب ﵀ فِي "شرح علل الترمذيّ": قَالَ ابن المديني فِي حديث يرويه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه: هو منقطع، وهو حديث ثبت. وَقَالَ يعقوب بن شيبة: إنما استجاز أصحابنا أن يدخلوا حديث أبي عبيدة عن أبيه فِي المسند -يعني فِي الْحَدِيث المتصل- لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه وصحتها، وأنه لم يأت فيها بحديث منكر. انتهى (١). والظاهر أن الإِمام أحمد ﵀ ممن يرى صحة هَذَا السند؛ ولذا احتجّ بهذا الْحَدِيث عَلَى صحّة شركة الأبدان، والله تعالى أعلم. [فإن قيل]: فالمغانم مشتركة بين الغانمين، بحكم الله تعالى، فكيف يصح اختصاص هؤلاء بالشركة فيها؟، وَقَالَ بعض الشافعيّة: غنائم بدر كانت لرسول الله ﷺ ، وكان له أن يدفعها إلى منْ شاء، فَيَحتَمِل أن يكون فعل ذلك لهذا؟. [قلنا]: أما الأول، فالجواب عنه أن غنائم بدر، كانت لمن أخذها منْ قبل أن يُشرّك الله تعالى بينهم، ولهذا نقل أن النبيّ ﷺ قَالَ: "منْ أخذ شيئا فهو له" (٢)، فكان ذلك منْ قبيل المباحات، منْ سبق إلى أخذ شيء فهو له، ويجوز أن يكون شرك بينهم فيما يصيبونه منْ الأَسلاب والنَّفَل، إلا أن الأول أصح؛ لقوله: جاء سعد بأسيرين، ولم أجىء أنا، وعمار بشيء. وأما الثاني: فإن الله تعالى إنما جعل الغنيمة لنبيه ﵇، بعد أن غنموا، واختلفوا فِي الغنائم، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [الأنفال: ١]، والشركة كانت قبل ذلك، ويدل عَلَى صحة هَذَا، أنها لو كانت لرسول الله ﷺ ، لم يخل إما أن يكون قد أباح لهم أخذها، فصارت كالمباحات، أو لم يبحها لهم، فكيف يشتركون فِي شيء لغيرهم؟، وفي هَذَا الخبر حجة عَلَى أبي حنيفة أيضًا, لأنهم اشتركوا فِي مباح، وفيما ليس بصناعة، وهو يمنع ذلك، ولأن العمل أحد جهتي المضاربة، فصحت الشركة عليه كالمال، وعلى أبي حنيفة (٣) أنهما اشتركا فِي مكسب مباح فصح، كما لو اشتركا فِي الخياطة، والقصارة، ولا نسلم أن الوكالة لا تصح فِي المباحات، فإنه يصح أن يستنيب فِي تحصيلها بأجرة، فكذلك يصح بغير عوض، إذا تبرع أحدهما بذلك، كالتوكيل فِي بيع ماله. انتهى "المغني" ٧/ ١١١ - ١١٢. والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 17137

٤٦٩٩ - (أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: اشْتَرَكْتُ أَنَا وَعَمَّارٌ، وَسَعْدٌ، يَوْمَ بَدْرٍ، فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ، وَلَمْ أَجِىءْ أَنَا وَعَمَّارٌ بِشَىْءٍ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث فيه انقطاع، بين أبي عبيدة، وعبد الله مسعود ﵁، وَقَدْ تقدم فِي الْحَدِيث الماضي أنّ بعض أهل العلم يصححه، وَقَدْ تقدّم فِي "كتاب المزارعة" ٣٩٦٥ - و"يحيى": هو القطّان. و"سفيان": هو الثوريّ. و"أبو عبيدة": هو ابن عبد الله مسعود ﵁ والمشهور أن اسمه كنيته، وقيل: عامر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٠٠ - (أَخْبَرَنَا نُوحُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، أُتِمَّ مَا بَقِيَ فِي مَالِهِ، إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: كَانَ الأولى للمصنّف ﵀ أن يذكر هَذَا الْحَدِيث فِي الباب التالي؛ لأنه لا يناسب هَذَا الباب، وَقَدْ مضى له مثل هَذَا العمل غير مرّة، ونبّهت عليه كثيرًا، والله تعالى أعلم. ورجال إسناده كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو، وأبو داود، وهو قُومَسيٌّ ثقة سُنّيّ [١٠] ٧٩/ ١٠١٠. وقوله: "منْ أعتق": أي ممن يلزم عتقه، فخرج الصبيّ، والمجنون. وقوله: "شركا له" بكسر الشين، وفتحها، مع كسر الراء، وسكونها: أي نصيبًا. وقوله: "أُتمّ" بالبناء للمفعول: يعني أن ذلك العبد يكون حرًّا، وعلى المعتق أن يدفع مما له ما بقي منْ قيمته لشريكه. والله تعالى أعلم. والحديث متّفق عليه بنحوه، وسيأتي تمام شرحه، وبيان مسائله فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ, وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ١٠٦ - (الشَّرِكَةُ فِي الرَّقِيقِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الرقيق: المملوك، واحد وجمعٌ، فَعيلٌ بمعنى مفعول، وَقَدْ يُطلق عَلَى الجماعة، تقول منه: رَقّ العبدَ، وأرقّه، واسترقّه. قَالَ: وَقَالَ

стр. 17138

أبو العبّاس: سمّي العبيدُ رقيقًا؛ لأنهم يخضعون لمالكهم، ويَذِلُّون، ويَخضَعُون. قاله فِي "اللسان". وَقَالَ الفيّوميّ رحمه الله تعالى: الرِّقّ بالكسر: العُبُوديّة، وهو مصدر رَقَّ الشخصُ يَرِقُّ، منْ باب ضرب، فهو رَقِيقٌ، ويتعدَّى بالحركة، وبالهمزة، فيقالُ: رَققتُه أرُقّه، منْ باب قتل، وأرققته، فهو مرقوقٌ، ومُرَقٌّ، وأمةٌ مرقوقةٌ. قاله ابن السّكّيت. ويُطلق الرقيق عَلَى الذكر والأنثى، وجمعه أَرِقّاء، مثلُ شَحِيحٍ وأَشِحّاء، وَقَدْ يُطلق عَلَى الجمع أيضًا، فيقال: عَبِيدٌ رقِيقٌ، و"ليس فِي الرقيق صدقةٌ": أي فِي عبيد الخدمة. انتهى "المصباح المنير" ١/ ٢٣٥. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٧٠١ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ، وَكَانَ لَهُ مِنَ الْمَالِ، مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهُ، بِقِيمَةِ الْعَبْدِ، فَهُوَ عَتِيقٌ مِنْ مَالِهِ"). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (عمرو بن عليّ) الْفَلّاس الصيرفيّ البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (يزيد بن زريع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥. ٣ - (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ البصريّ، ثقة ثبت فقيه [٥] ٤٢/ ٤٨. ٤ - (نافع) مولى ابن عمر المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ١٢/ ١٢. ٥ - (ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين إلى أيوب، والباقيان مدنيّان. (ومنها): أن شيخه هو أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، كما سبق غير مرّة. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عمر أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَعْتَقَ) قَالَ فِي "الفتح": ظاهره العموم، لكنه مخصوص بالاتفاق، فلا يصح منْ المجنون، ولا منْ المحجور عليه؛ لسفه، وفي المحجور عليه بفَلَس، والعبد، والمريض مَرَضَ الموت، والكافر، تفاصيل للعلماء بحسب ما يظهر عندهم، منْ أدلة التخصيص، ولا

стр. 17139

يقوم فِي مرض الموت عند الشافعيّة، إلا إذا وَسِعَه الثلث، وَقَالَ أحمد: لا يُقَوَّم فِي المرض مطلقا. وخرج بقوله: "أعتق" ما إذا عتق عليه، بأن وَرِث بعض منْ يَعتِق عليه بقرابة، فلا سراية عند الجمهور، وعن أحمد روايةٌ, وكذلك لو عجز المكاتب، بعد أن اشترى شقصا، يعتق عَلَى سيده، فإن الملك والعتق يحصلان بغير فعل السيد، فهو كالإرث، ويدخل فِي الاختيار، ما إذا أُكره بحقّ، ولو أوصى بعتق نصيبه منْ المشترك، أو بعتق جزء ممن له كله، لم يَسْرِ عند الجمهور أيضا؛ لأن المال ينتقل للوارث، ويصير الميت معسرا، وعن المالكية رواية, وحجة الجمهور مع مفهوم الخبر، أن السراية عَلَى خلاف القياس، فيختص بِمَوْرِدِ النص، ولان التقويم سبيله سبيل غرامة المتلفات، فيقتضي التخصيصَ بصدور أمر يجعله إتلافا. ثم ظاهر قوله: "منْ أعتق" وقوع العتق مُنَجَّزًا، وأجرى الجمهور المعلق بصفة، إذا وجدت مجرى المنجز. انتهى "فتح" ٥/ ٤٥٤. (شِرْكًا لَهُ) -بكسر الشين المعجمة، وسكون الراء- وفي رواية المصنّف فِي "الكبرى" فِي "كتاب العتق": "شِقْصًا" -بمعجمة، وقاف، ومهملة، وزن الأول- وفي رواية: "نصيبا": والكل بمعنى واحد، إلا أن ابن دُرَيدٍ قَالَ: هو القليل والكثير، وَقَالَ القزاز: لا يكون الشِّقص إلا كذلك، والشِّرك فِي الأصل مصدرٌ، أُطلق عَلَى مُتَعَلَّقِهِ، وهو العبد المشترك، ولابد فِي السياق منْ إضمار جزء، أو ما أشبه؛ لأن المشترك هو الجملة، أو الجزء المعين منها. وظاهره العموم فِي كل رقيق، لكن يُستثنى الجاني، والمرهون، ففيه خلافٌ، والأصح فِي الرهن والجناية منع السراية؛ لأن فيها إبطال حق المرتهن، والمجنيّ عليه، فلو أَعتق مشتركا بعد أن كاتباه، فإن كَانَ لفظ العبد يتناول المكاتب، وقعت السراية، وإلا فلا, ولا يكفي ثبوت أحكام الرق عليه، فقد تثبت، ولا يستلزم استعمال لفظ العبد عليه، ومثله ما لو دبراه، لكن تناول لفظ العبد للمدبر، أقوى منْ المكاتب، فَيَسْرِي هنا عَلَى الأصح، فلو أعتق منْ أمة، ثبت كونها أم ولد لشريكه، فلا سراية؛ لأنها تستلزم النقل منْ مالك إلى مالك، وأم الولد لا تقبل ذلك، عند منْ لا يرى بيعها، وهو أصح قولي العلماء. قاله فِي "الفتح" ٥/ ٤٥٤. (فِي مَمْلُوكٍ) متعلّق بـ"شركًا" ورواية المصنّف ظاهرة فِي كون الحكم يعم العبد والأمة، ففيه ردّ عَلَى إسحاق بن راهويه فِي تخصيصه بالذكور، وَقَدْ ترجم الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه" بقوله: "باب إذا أعتق عبدًا بين اثنين، أو أمة، بين الشركاء"، فَقَالَ

стр. 17140

ابن التين رحمه الله تعالى: أراد أن العبد كالامة، لاشتراكهما فِي الرق، قَالَ: وَقَدْ بُيِّن فِي حديث ابن عمر فِي آخر الباب، أنه كَانَ يفتي فيهما بذلك انتهى. قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: وكأنه أشار إلى رد قول إسحاق بن راهويه: إن هَذَا الحكم مختص بالذكور، وهو خطأ. وادَّعَى ابن حزم أن لفظ العبد فِي اللغة يتناول الأمة، وفيه نظر، ولعله أراد المملوك. وَقَالَ القرطبيّ: العبد اسم للمملوك الذكر، بأصل وضعه، والأمة اسم لمؤنثه بغير لفظه، ومن ثم قَالَ إسحاق: إن هَذَا الحكم لا يتناول الأنثى، وخالفه الجمهور، فلم يفرقوا فِي الحكم بين الذكر والأنثى، إما لأن لفظ العبد يراد به الجنس، كقوله تعالى: ﴿إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ الآية [مريم: ٩٣]، فإنه يتناول الذكر والأنثى قطعا، وإما عَلَى طريق الإلحاق؛ لعدم الفارق، قَالَ: وحديث ابن عمر منْ طريق موسى بن عقبة، عن نافع، عنه: أنه كَانَ يفتي فِي العبد والأمة، يكون بين الشركاء الْحَدِيث، وَقَدْ قَالَ فِي آخره: يخبر ذلك عن النبيّ ﷺ ، فظاهره أن الجميع مرفوع. وَقَدْ رواه الدارقطنيّ منْ طريق الزهريّ، عن نافع، عن ابن عمر، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "منْ كَانَ له شرك فِي عبد، أو أمة" الْحَدِيث، قَالَ الحافظ: وهذا أصرح ما وجدته فِي ذلك، ومثله ما أخرجه الطحاوي، منْ طريق ابن إسحاق، عن نافع مثله، وَقَالَ فيه: "حُمِل عليه ما بقي فِي ماله، حَتَّى يَعتَق كلُّه". وَقَدْ قَالَ إمام الحرمين: إدراك كون الأمة فِي هَذَا الحكم كالعبد، حاصل للسامع قبل التفطن، لوجه الجمع والفرق، والله أعلم. قَالَ الحافظ: وَقَدْ فرق بينهما عثمان البَتَّيُّ بمأخذ آخر، فَقَالَ: ينفذ عتق الشريك فِي جميعه، ولا شيء عليه لشريكه، إلا أن تكون الأمة جميلة، تراد للوطء، فيضمن ما أدخل عَلَى شريكه فيها منْ الضرر. قَالَ النوويّ: قول إسحاق شاذّ، وقول عثمان فاسد. انتهى. وإنما قيد البخاريّ العبد باثنين، والأمة بالشركاء، اتّباعا للفظ الْحَدِيث الوارد فيهما، وإلا فالحكم فِي الجميع سواء. انتهى "فتح" ٥/ ٤٥٣. (وَكَانَ لَهُ مِنَ الْمَالِ، مَا يَبْلُغُ) وَقَالَ فِي "الفتح": والتقييد بـ"يبلغ" يُخرج ما إذا كَانَ له مال، لكنه لا يبلغ قيمة النصيب، وظاهره أنه فِي هذه الصورة لا يُقَوَّم عليه مطلقا، لكن الأصح عند الشافعيّة، وهو مذهب مالك: أنه يَسرِي إلى القدر الذي هو موسر به، تنفيذا للعتق بحسب الإمكان. انتهى. وفي رواية البخاريّ منْ طريق سالم، عن أبيه: "فإن كَانَ موسرًا قُوّم عليه": قَالَ فِي

стр. 17141

"الفتح": ظاهره اعتبار ذلك حال العتق حَتَّى لو كَانَ معسرا، ثم أيسر بعد ذلك، لم يتغير الحكم، ومفهومه أنه إن كَانَ معسرا، لم يُقَوَّم، وَقَدْ أفصح بذلك فِي رواية مالك، حيث قَالَ فيها: "وإلا فقد عتق منه ما عتق"، ويبقى ما لم يُعتق عَلَى حكمه الأول، هَذَا الذي يفهم منْ هَذَا السياق، وهو السكوت عن الحكم بعد هَذَا الإبقاء. وقوله: "قُوِّم عليه": بضم أوله، زاد مسلم، والنسائي فِي "الكبرى": فِي روايتهما منْ هَذَا الوجه: "فِي ماله قيمةَ عدل، لا وَكْسَ، ولا شَطَطَ"، والوَكْسُ بفتح الواو، وسكون الكاف، بعدها مهملة: النقص، والشطط: بمعجمة، ثم مهملة مكررة، والفتح: الْجَوْرُ. واتفق منْ قَالَ بذلك منْ العلماء عَلَى أنه يُباع عليه فِي حصة شريكه، جميع ما يباع عليه فِي الدين، عَلَى اختلاف عندهم فِي ذلك، ولو كَانَ عليه دين، بقدر ما يملكه، كَانَ فِي حكم الموسر، عَلَى أصح قولي العلماء، وهو كالخلاف فِي أن الدين، هل يمنع الزكاة، أم لا؟. ووقع فِي رواية الشافعيّ، والحميدي: "فإنه يُقَوَّم عليه بأعلى القيمة، أو قيمة عدل"، وهو شك منْ سفيان، وَقَدْ رواه أكثر أصحابه عنه، بلفظ: "قُوِّم عليه قيمةَ عدل"، وهو الصواب. (ثَمَنَهُ) أي ثمن العبد، والمراد ثمن بقية العبد؛ لأنه موسر بحصته، وَقَدْ أوضح ذلك النسائيّ فِي "الكبرى" ١٤/ ٤٩٥١ - منْ طريق زيد بن أبي أنيسة، عن عمر بن نافع، وعبيد الله بن عمر، ومحمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر، بلفظ: "أيما رجل، كَانَ له شرك فِي عبد، فأعتق نصيبه منه، وله مال، يبلغ قيمة أنصباء شركائه، فإنه يضمن لشركائه أنصباءهم، ويَعتِق العبد". والمراد بالثمن هنا القيمة؛ لأن الثمن ما اشتريت به العين، واللازم هنا القسمة، لا الثمن، وَقَدْ تبين المراد فِي رواية زيد بن أبي أنيسة المذكورة. (بِقِيمَةِ الْعَبْدِ) هكذا نسخ "المجتبى" التي بين يديّ، بلفظ "العبد"، وهو غلطٌ، والصواب ما فِي "الكبرى" بلفظ: "بقيمة العدل"، وهو الذي فِي "صحيح البخاريّ"، وغيره، ومعنى "قيمة العدل" يحتمل أن تكون الإضافة فيه بيانيّة: أي بقيمة، هي عدْلٌ ووسَطٌ، لا زيادة فيها, ولا نقص، فهو بمعنى رواية "الكبرى" المذكورة: "قيمة عدل، لا وَكْسَ، ولا شَطَط". (فَهُوَ) أي ذلك العبد (عَتِيقٌ) بفتح أوله، وكسر ثانيه: أي مُعتَق بضم أوله وفتح المثناة (مِنْ مَالِهِ) أي منْ مال ذلك الشخص الذي أعتق نصيبه، ولفظ البخاريّ منْ طريق مالك، عن نافع: "منْ أعتق شركا له فِي عبد، فكان له مالٌ، يبلغ ثمن العبد، قُوِّم العبد عليه

стр. 17142

قيمةَ عدل، فأَعْطَى شُركاءَه حِصَصَهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق". وفي روية موسى بن عقبة، قَالَ: أخبرني نافع، عن ابن عمر ﵄، أنه كَانَ يفتي فِي العبد، أو الأمة يكون بين شُركاء، فيُعتق أحدهم نصيبه منه، يقول: قد وجب عليه عتقه كلِّهِ، إذا كَانَ للذي أعتق منْ المال ما يبلُغُ يُقوَّم منْ ماله قيمة العدل، ويُدفَع إلى الشركاء أنصاؤهم، ويُخلَّى سَبيل المعتق، يُخبر بذلك ابن عمر، عن النبيّ ﷺ . قَالَ فِي "الفتح": قوله: "فأعطى شركاءه": كذا للأكثر عَلَى البناء للفاعل، وشركاءه بالنصب، ولبعضهم: "فأُعطي" عَلَى البناء للمفعول، و"شركاؤه" بالضم. وقوله: "حصصهم": أي قيمة حصصهم: أي إن كَانَ له شركاء، فإن كَانَ له شريك أعطاه جميع الباقي، وهذا لا خلاف فيه، فلو كَانَ مشتركا بين الثلاثة، فأعتق أحدهم حصته، وهي الثلث، والثاني حصته، وهي السدس، فهل يُقَوَّم عليهما نصيب صاحب النصف بالسوية، أو عَلَى قدر الحصص، الجمهور عَلَى الثاني، وعند المالكية، والحنابلة خلاف، كالخلاف فِي الشفعة، إذا كانت لاثنين، هل يأخذان بالسوية، أو عَلَى قدر الملك. وقوله: "عتق منه ما عتق": قَالَ الداودي: هو بفتح العين منْ الأول، ويجوز الفتح والضم فِي الثاني، وتعقبه ابن التين بأنه لم يقله غيره، وإنما يقال عَتَقَ بالفتح، وأُعتِق بضم الهمزة، ولا يعرف عُتِق بضم أوله؛ لأن الفعل لازم، غير متعد. ولفظ رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع: "منْ أعتق شركًا له فِي مملوكه، فعليه عتقه كلّه، إن كَانَ له مال، يبلغ ثمنه، فإن لم يكن له مال يُقوّم عليه قيمة عَدلٍ عَلَى المعتِقِ، فأُعتق منه ما أعتق". قَالَ فِي "الفتح": قوله: "فان لم يكن له مال يقوم عليه قيمة عدل عَلَى المعتق" هكذا فِي هَذَا الرواية, وظاهرها أن التقويم يشرع فِي حق منْ لم يكن له مال، وليس كذلك، بل قوله: "يُقَوَّم" ليس جوابا للشرط، بل هو صفةُ منْ له المال، والمعنى: أن منْ لا مال له، بحيث يقع عليه اسم التقويم، فإن العتق يقع فِي نصيبه خاصة، وجواب الشرط هو قوله: "فأُعتق منه ما أَعتق"، والتقدير: فقد أُعتق منه ما أَعتَق، وَقَدْ وقع فِي رواية أبي بكر، وعثمان ابني أبي شيبة، عن أبي أسامة، عند الإسماعيلي، بلفظ: "فإن لم يكن له مال، يقوم عليه قيمة عدل، عَتَقَ منه ما عتق". وأوضح منْ ذلك رواية خالد بن الحارث، عن عبيد الله، عند النسائيّ فِي "الكبرى" ١٤/ ٤٩٤٧ - بلفظ: "فإن كَانَ له مال، قُوِّم عليه قيمةَ عدل فِي ماله، فإن لم يكن له مال، عَتَق منه ما عَتَق".

стр. 17143

وقع عند البخاريّ، منْ رواية حماد بن زيد، عن أيوب: "قَالَ نافع: وإلا فقد عتق منه ما عتق، قَالَ أيوب: لا أدري، أشيء قاله نافع، أو شيء منْ الْحَدِيث؟ ". قَالَ فِي "الفتح": قوله: "قَالَ: أيوب لا أدري أشيء، قاله نافع، أو شيء فِي الْحَدِيث؟ ": هَذَا شك منْ أيوب فِي هذه الزيادة، المتعلقة بحكم المعسر، هل هي موصولة مرفوعة، أو منقطعة مقطوعة، وَقَدْ رواه عبد الوهاب، عن أيوب، فَقَالَ فِي آخره: "وربما قَالَ: وإن لم يكن له مال، فقد عَتَق منه ما عَتَق، وربما لم يقله، وأكثر ظني أنه شيء يقوله نافع منْ قبله"، أخرجه النسائيّ فِي "الكبرى" ١٤/ ٤٩٥٥. وَقَدْ وافق أيوب عَلَى الشك فِي رفع هذه الزيادة، يحيى بن سعيد، عن نافع، أخرجه مسلم، والنسائي، ولفظ النسائيّ -١٤/ ٤٩٦٠ - وكان نافع يقول -قَالَ يحيى: لا أدري أشيء كَانَ منْ قبله يقوله، أم شيء فِي الْحَدِيث؟ - فإن لم يكن عنده، فقد جاز ما صنع. ورواها منْ وجه آخر عن يحيى، فجزم بأنها عن نافع، وأدرجها فِي المرفوع منْ وجه آخر، وجزم مسلم بأن أيوب ويحيى قالا: لا ندري أهو فِي الْحَدِيث، أو شيء قاله نافع منْ قبله؟ ولم يُختَلَف عن مالك فِي وصلها, ولا عن عبيد الله بن عمر، لكن اختلف عليه فِي إثباتها وحذفها، كما تقدم والذين أثبتوها حفاظ، فاثباتها عن عبيد الله مقدم، وأثبتها أيضا جرير بن حازم، عند البخاريّ، وإسماعيل بن أمية عند الدارقطنيّ، وَقَدْ رجح الأئمة رواية منْ أثبت هذه الزيادة مرفوعة، قَالَ الشافعيّ: لا أحسب عالما بالحديث يشك فِي أن مالكا أحفظ لحديث نافع، منْ أيوب؛ لأنه كَانَ ألزم له منه، حَتَّى ولو استويا، فشك أحدهما فِي شيء، لم يشك فيه صاحبه، كانت الحجة مع منْ لم يشك، ويؤيد ذلك قول عثمان الدارمي: قلت لابن معين: مالك فِي نافع، أحب إليك أو أيوب؟ قَالَ: مالك. قاله فِي "الفتح" ٥/ ٤٥٧. وسيأتي بيان ثمرة الخلاف فِي رفع هذه الزيادة أو وقفها فِي الكلام عَلَى حديث أبي هريرة فِي المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث. (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٠٦/ ٤٦٧٠١ وفي الباب الماضي ١٠٥/ ٤٦٧٠٠ - وفي "الكبرى" ١٠٨/ ٦٢٩٧ وفي الباب الماضي ١٠٧/ ٦٢٩٦. وأخرجه (خ) فِي "الشركة" ٢٤٩١

стр. 17144

و٢٥٠٣ و"العتق" ٢٥٢٢ و٢٥٢٣ و٢٥٢٤ و٢٥٢٥ و٢٥٥٣ (م) فِي "العتق" ١٥٠١ (د) فِي "العتق" ٣٩٤٠ و٣٩٤٣ و٣٩٤٦ و٣٩٤٧ (ت) فِي "الأحكام" ١٣٤٦ و١٣٤٧ (ق) فِي "الأحكام" ٢٥٢٨ (أحمد) فِي "مسند العشرة" ٣٩٩ و٤٦٢١ و٤٨٨٣ و٥١٢٨ و٢٧٢٧ (الموطأ) فِي "العتق، والولاء" ١٥٠٤. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز الشركة فِي الرقيق. (ومنها): أن فيه دليلاً عَلَى أن الموسر إذا أعتق نصيبه، منْ مملوك عتق كله، قَالَ ابن عبد البر: لا خلاف فِي أن التقويم، لا يكون إلا عَلَى الموسر، ثم اختلفوا فِي وقت العتق، فَقَالَ الجمهور، والشافعي فِي الأصح، وبعض المالكية: إنه يَعتق فِي الحال، وَقَالَ بعض الشافعيّة: لو أعتق الشريكُ نصيبه بالتقويم، كَانَ لغوًا، ويَغرَم المعتق حصة نصيبه بالتقويم، وحجتهم رواية أيوب، فِي الباب، حيث قَالَ: "منْ أعتق نصيبا، وكان له منْ المال ما يبلغ قيمته، فهو عتيق"، وأوضح منْ ذلك رواية النسائيّ، وابن حبّان، وغيرهما، منْ طريق سليمان بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر، بلفظ: "منْ أعتق عبدا, وله فيه شركاء، وله وفاءٌ، فهو حر، ويضمن نصيب شركائه بقيمته"، وللطحاوي منْ طريق ابن أبي ذئب، عن نافع: "فكان للذي يُعتق نصيبه ما يبلغ ثمنه، فهو عتيق كله، حَتَّى لو أَعسَر الموسر المعتِق بعد ذلك، استمر العتق، وبقي ذلك دينا فِي ذمته، ولو مات أُخذ منْ تركته، فإن لم يخلُف شيئا، لم يكن للشريك شيء، واستمر العتق، والمشهور عند المالكية: أنه لا يَعتِق إلا بدفع القيمة، فلو أعتق الشريك قبل أخذ القيمة نفذ عتقه، وهو أحد أقوال الشافعيّ، وحجتهم رواية سالم عند البخاريّ، حيث قَالَ: "فإن كَانَ موسرا، قُوّم عليه، ثم يَعتِق". والجواب أنه لا يلزم منْ ترتيب العتق عَلَى التقويم، ترتيبه عَلَى أداء القيمة، فإن التقويم يفيد معرفة القيمة، وأما الدفع فقدر زائد عَلَى ذلك. وأما رواية مالك التي فيها: "فأعطَى شركاءَهُ حصصهم، وعتق عليه العبد"، فلا تقتضي ترتيبا؛ لسياقها بالواو. (ومنها): أن فيه حجةً عَلَى ابن سيرين، حيث قَالَ: يَعتِق كله، ويكون نصيب منْ لم يُعتِق فِي بيت المال؛ لتصريح الْحَدِيث بالتقويم عَلَى المعتق. وعلى ربيعة، حيث: قَالَ: لا يَنفُذ عتق الجزء منْ موسر، ولا معسر، وكأنه لم يثبت عنده الْحَدِيث، وعلى بُكير بن الأشج، حيث قَالَ: إن التقويم يكون عند إرادة العتق، لا بعد صدوره.

стр. 17145

وعلى أبي حنيفة، حيث قَالَ: يتخير الشريك، بين أن يُقوّم نصيبه عَلَى المعتق، أو يُعتِق نصيبه، أو يُستسعَى العبدُ فِي نصيب الشريك، ويقال: إنه لم يُسبَق إلى ذلك، ولم يتابعه عليه أحد، حَتَّى ولا صاحباه، وطرد قوله فِي ذلك، فيما لو أعتق بعضَ عبده، فالجمهور، قالوا: يعتق كله، وَقَالَ هو: يُستسعَى العبدُ فِي قيمة نفسه لمولاه، واستثنى الحنفية، ما إذا أذن الشريك، فَقَالَ لشريكه: أعتق نصيبك، قالوا: فلا ضمان فيه. (ومنها): أنه استُدِلَّ به عَلَى أن منْ أتلف شيئا منْ الحيوان، فعليه قيمته، لا مثله، ويلتحق بذلك ما لا يكال، ولا يوزن، عند الجمهور. [تنبيه]: قَالَ ابن بطال رحمه الله تعالى: قيل: الحكمة فِي التقويم عَلَى الموسر، أن تكمل حرية العبد؛ لتتم شهادته وحدوده، قَالَ: والصواب أنها لاستكمال إنقاذ الْمُعتِق منْ النار. قَالَ الحافظ: وليس القول المذكور مردودا، بل هو محتمل أيضا، ولعل ذلك أيضا هو الحكمة فِي مشروعية الاستسعاء. ذكره فِي "الفتح" ٥/ ٤٥٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فِي اختلاف العلماء فِي الجمع بين حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا، وحديث أبي هريرة ﵁ الذي أخرجه المصنّف فِي "كتاب العتق" منْ "الكبرى" بطرق، وألفاظ مختلفة، وأخرجه الشيخان، وغيرهم. قَالَ الإِمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه": ٢/ ٨٩٣: "باب إذا أعتق نصيبا فِي عبد، وليس له مال استُسعي العبد، غير مشقوق عليه، عَلَى نحو الكتابة": حدثنا أحمد بن أبي رجاء، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا جرير بن حازم، سمعت قتادة، قَالَ: حدثني النضر بن أنس بن مالك، عن بَشِير بن نَهِيك، عن أبي هريرة ﵁، قَالَ: قَالَ النبيّ ﷺ : "منْ أعتق شقيصا منْ عبد". حدثنا مسدد، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بَشِير بن نهِيك، عن أبي هريرة ﵁: أن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "منْ أعتق نصيبا، أو شقيصا فِي مملوك، فخلاصه عليه فِي ماله، إن كَانَ له مال، وإلا قُوّم عليه، فاستُسعيَ به، غير مشقوق عليه". تابعه حجاج بن حجاج، وأبان وموسى بن خلف، عن قتادة اختصره شعبة. انتهى. قَالَ فِي "الفتح": قوله: "باب إذا أعتق نصيبا فِي عبد الخ": أشار البخاريّ بهذه الترجمة إلى أن المراد بقوله، فِي حديث ابن عمر: "وإلا فقد عَتَق منه ما عَتَق": أي وإلا فإن كَانَ المعتق لا مال له، يبلغ قيمة بقية العبد، فقد تنجز عتق الجزء الذي كَانَ يملكه، وبقي الجزء الذي لشريكه عَلَى ما كَانَ عليه أولا، إلى أن يستسعى العبد فِي تحصيل القدر

стр. 17146

الذي يخلص به باقيه منْ الرِّقّ، إن قوي عَلَى ذلك، فإن عَجَّز نفسه، استمرت حصة الشريك موقوفة، وهو مصير منه إلى القول بصحة الحديثين جميعا، والحكم برفع الزيادتين معا، وهما قوله فِي حديث ابن عمر: "وإلا فقد عتق منه ما عتق"، وَقَدْ تقدم بيان منْ جزم بأنها منْ جملة الْحَدِيث، وبيان منْ توقف فيها، أو جزم بأنها منْ قول نافع، وقوله فِي حديث أبي هريرة: "فاستُسْعِيَ به، غير مشقوق عليه"، وسيأتي بيان منْ جزم بأنها منْ جملة الْحَدِيث، ومن توقف فيها، أو جزم بأنها منْ قول قتادة، قَالَ الحافظ: وَقَدْ بينت ذلك فِي كتابي "المدرج" بأبسط مما هنا، وَقَدْ استبعد الإسماعيلي إمكان الجمع بين حديثي ابن عمر وأبي هريرة، ومنع الحكم بصحتهما معا، وجزم بأنهما متدافعان، وَقَدْ جمع غيره بينهما بأوجه أخر، يأتي بيانها فِي أواخر الباب، إن شاء الله تعالى. وقوله: "منْ أعتق شقيصا منْ عبد"، وللإسماعيلي منْ طريق بشر بن السري، ويحيى بن بكير جميعا، عن جرير بن حازم، بلفظ: "منْ أعتق شقصا منْ غلام، وكان للذي أعتقه منْ المال، ما يبلغ قيمة العبد، أُعتق فِي ماله، وإن لم يكن له مال، استُسْعِي العبدُ، غير مشقوق عليه". وقوله: "غير مشقوق عليه": قَالَ ابن التين: معناه لا يُستَغْلَى عليه فِي الثمن، وقيل: معناه غير مكاتب، وهو بعيدٌ جدًّا، وفي ثبوت الاستسعاء حجة عَلَى ابن سيرين، حيث قَالَ: يعتق نصيب الشريك الذي لم يُعتِق منْ بيت المال. وَقَالَ عند قوله: "تابعه حجاج بن حجاج، وأبان وموسى بن خلف، عن قتادة، واختصره شعبة": ما حاصله: أراد البخاريّ بهذا الردَّ عَلَى منْ زعم أن الاستسعاء فِي هَذَا الْحَدِيث غير محفوظ، وأن سعيد بن أبي عروبة تفرد به، فاستظهر له برواية جرير بن حازم بموافقته، ثم ذكر ثلاثة تابعوهما عَلَى ذكرها: فأما رواية حجاج، فهو فِي نسخة حجاج بن حجاج، عن قتادة، منْ رواية أحمد بن حفص، أحد شيوخ البخاريّ، عن أبيه، عن إبراهيم بن طهمان، عن حجاج، وفيها ذكر السعاية، ورواه عن قتادة أيضا حجاج بن أرطاة، أخرجه الطحاوي. وأما رواية أبان، فأخرجها أبو داود، والنسائي منْ طريقه، قَالَ: حدثنا قتادة، أخبرنا النضر بن أنس، ولفظه: "فإنّ عليه أن يُعتِق بقيته، إن كَانَ له مال، وإلا استُسعي العبد"، الْحَدِيث، ولأبي داود: "فعليه أن يعتقه كله"، والباقي سواء. وأما رواية موسى بن خلف، فوصلها الخطيب فِي كتاب "الفصل والوصل" منْ طريق أبي ظَفَر، عبد السلام بن مطهّر عنه، عن قتادة، عن النضر، ولفظه: "منْ أعتق شِقْصًا له فِي مملوك، فعليه خلاصه، إن كَانَ له مال، فإن لم يكن له، مال استُسعي، غير مشقوق

стр. 17147

عليه". وأما رواية شعبة، فأخرجها مسلم، والنسائي، منْ طريق غندر عنه، عن قتادة بإسناده، ولفظه: "عن النبيّ ﷺ ، فِي المملوك بين الرجلين، فيعتق أحدهما نصيبه، قَالَ: يضمن"، ومن طريق معاذ، عن شعبة، بلفظ: "منْ أعتق شقصا منْ مملوك، فهو حر منْ ماله"، وكذا أخرجه أبو عوانة، منْ طريق الطيالسي، عن شعبة، وأبو داود منْ طريق رَوْح عن شعبة، بلفظ: "منْ أعتق مملوكا، بينه وبين آخر، فعليه خلاصه"، وَقَدْ اختصر ذكر السعاية أيضا هشام الدستوائي، عن قتادة، إلا أنه اختُلف عليه فِي إسناده، فمنهم منْ ذكر فيه النضر بن أنس، ومنهم منْ لم يذكره، وأخرجه أبو داود، والنسائي بالوجهين، ولفظ أبي داود، والنسائي، جميعا منْ طريق معاذ بن هشام، عن أبيه: "منْ أعتق نصيبا له فِي مملوك، عتق منْ ماله، إن كَانَ له مال"، ولم يُختَلف عَلَى هشام فِي هَذَا القدر منْ المتن. وغفل عبد الحق، فزعم أن هشاما وشعبة ذكرا الاستسعاء، فوصلاه، وتَعَقّب ذلك عليه ابن الْمَوّاق، فأجاد. وبالغ ابن العربي، فَقَالَ: اتفقوا عَلَى أن ذكر الاستسعاء، ليس منْ قول النبيّ ﷺ ، وإنما هو منْ قول قتادة. ونقل الخلال فِي "العلل" عن أحمد أنه ضعف رواية سعيد، فِي الاستسعاء، وضعفها أيضا الأثرم، عن سليمان بن حرب، واستند إلى أن فائدة الاستسعاء، أن لا يدخل الضرر عَلَى الشريك، قَالَ: فلو كَانَ الاستسعاء مشروعا، للزم أنه لو أعطاه مثلا، كل شهر درهمين، أنه يجوز ذلك، وفي ذلك غاية الضرر عَلَى الشريك. انتهى. وبمثل هَذَا لا ترد الأحاديث "الصحيحة" قَالَ النسائيّ: بلغني أن هماما رواه، فجعل هَذَا الكلام، أي الاستسعاء منْ قول قتادة. وَقَالَ الإسماعيلي: قوله: "ثم استُسْعِيَ العبد"، ليس فِي الخبر مسندا، وإنما هو قول قتادة، مدرج فِي الخبر، عَلَى ما رواه همام. وَقَالَ ابن المنذر، والخطابي: هَذَا الكلام الأخير منْ فتيا قتادة، ليس فِي المتن. قَالَ الحافظ: ورواية همام قد أخرجها أبو داود، عن محمد بن كثير عنه، عن قتادة، لكنه لم يذكر الاستسعاء أصلا، ولفظه: "أن رجلا أعتق شقصا منْ غلام، فأجاز النبيّ ﷺ عتقه، وغَرَّمه بقية ثمنه"، نعم رواه عبد الله بن يزيد المقرىء، عن همام، فذكر فيه السعاية، وفصلها منْ الْحَدِيث المرفوع، أخرجه الإسماعيلي، وابن المنذر، والدارقطني، والخطابي، والحاكم، فِي "علوم الْحَدِيث"، والبيهقي، والخطيب فِي "الفصل والوصل"، كلهم منْ طريقه، ولفظُهُ مثل رواية محمد بن كثير سواء، وزاد: قَالَ: فكان قتادة يقول: إن لم يكن له مال، استُسْعِيَ العبد". قَالَ الدارقطنيّ: سمعت

стр. 17148

أبا بكر النيسابوري يقول: ما أحسن ما رواه همام ضبطه، وفصل بين قول النبيّ ﷺ ، وبين قول قتادة. قَالَ الحافظ: هكذا جزم هؤلاء بأنه مدرج، وأَبىَ ذلك آخرون، منهم: صاحبا "الصحيح"، فصححا كون الجميع مرفوعا، وهو الذي رجحه ابن دقيق العيد، وجماعة؛ لأن سعيد بن أبي عروبة، أعرف بحديث قتادة؛ لكثرة ملازمته له، وكثرة أخذه عنه، منْ همام وغيره، وهشام، وشعبة، وإن كانا أحفظ منْ سعيد، لكنهما لم ينافيا ما رواه، وإنما اقتصرا منْ الْحَدِيث عَلَى بعضه، وليس المجلس متحدا، حَتَّى يتوقف فِي زيادة سعيد، فإن ملازمة سعيد لقتادة، كانت أكثر منهما، فسمع منه ما لم يسمعه غيره، وهذا كله لو انفرد، وسعيد لم ينفرد، وَقَدْ قَالَ النسائيّ فِي حديث قتادة، عن أبي المليح، فِي هَذَا الباب، بعد أن ساق الاختلاف فيه عَلَى قتادة: هشام، وسعيد أثبت فِي قتادة، منْ همام. وما أُعل به حديث سعيد، منْ كونه اختلط، أو تفرد به مردود, لأنه فِي "الصحيحين"، وغيرهما منْ رواية منْ سمع منه قبل الاختلاط، كيزيد بن زريع، ووافقه عليه أربعة تقدم ذكرهم، وآخرون معهم، لا نطيل بذكرهم، وهمام هو الذي انفرد بالتفصيل، وهو الذي خالف الجميع، فِي القدر المتفق عَلَى رفعه، فإنه جعله واقعة عين، وهم جعلوه حكما عاما، فدل عَلَى أنه لم يضبطه، كما ينبغي، والعجب ممن طعن فِي رفع الاستسعاء، يكون همام جعله منْ قول قتادة، ولم يطعن فيما يدل عَلَى ترك الاستسعاء، وهو قوله، فِي حديث ابن عمر، فِي الباب الماضي: "وإلا فقد عَتَق منه ما عَتَق"، يكون أيوب جعله منْ قول نافع، كما تقدم شرحه، ففصل قول نافع منْ الْحَدِيث، وميزه كما صنع همام سواء، فلم يجعلوه مدرجا، كما جعلوا حديث همام مدرجا، مع كون يحيى بن سعيد وافق أيوب فِي ذلك، وهمام لم يوافقه أحد، وَقَدْ جزم بكون حديث نافع مدرجا محمد بن وضاح وآخرون، والذي يظهر أن الحديثين صحيحان مرفوعان؛ وفاقا لعمل صاحبي "الصحيح". وَقَالَ بن المواق: والإنصاف أن لا نُوَهِّم الجماعة بقول واحد، مع احتمال أن يكون سمع قتادة يفتي به، فليس بين تحديثه به مرة، وفتياه به أخرى منافاة. قَالَ الحافظ: ويؤيد ذلك أن البيهقي، أخرج منْ طريق الأوزاعي، عن قتادة أنه أفتى بذلك. والجمع بين حديثي ابن عمر وأبي هريرة ﵃ ممكن، بخلاف ما جزم به الإسماعيلي، قَالَ ابن دقيق العيد: حسبك بما اتفق عليه الشيخان، فإنه أعلى درجات الصحيح، والذين لم يقولوا بالاستسعاء، تعللوا فِي تضعيفه بتعليلات، لا يمكنهم الوفاء بمثلها، فِي المواضع التي يحتاجون إلى الاستدلال فيها، بأحاديث يَرُدُّ عليها مثل تلك

стр. 17149

التعليلات، وكأن البخاريّ خشي منْ الطعن فِي رواية سعيد بن أبي عروبة، فأشار إلى ثبوتها، بإشارات خفية كعادته، فإنه أخرجه منْ رواية يزيد بن زريع عنه، وهو منْ أثبت النَّاس فيه، وسمع منه قبل الاختلاط، ثم استظهر له برواية جرير بن حازم بمتابعته؛ لينفي عنه التفرد، ثم أشار إلى أن غيرهما تابعهما، ثم قَالَ: اختصره شعبة، وكأنه جواب عن سؤال مقدر، وهو أن شعبة: أحفظ النَّاس لحديث قتادة، فكيف لم يذكر الاستسعاء؟ فأجاب بأن هَذَا لا يؤثر فيه ضعفا؛ لأنه أورده مختصرا، وغيره ساقه بتمامه، والعدد الكثير أولى بالحفظ منْ الواحد. والله أعلم. وَقَدْ وقع ذكر الاستسعاء فِي غير حديث أبي هريرة ﵁، أخرجه الطبراني منْ حديث جابر ﵁، وأخرجه البيهقي منْ طريق خالد بن أبي قلابة، عن رجل منْ بني عُذْرة، وعمدة منْ ضعف حديث الاستسعاء فِي حديث ابن عمر قوله: "وإلا فقد عتق منه ما عتق"، وَقَدْ تقدم أنه فِي حق المعسر، وأن المفهوم منْ ذلك أن الجزء الذي لشريك المعتق باق عَلَى حُكْمِهِ الأول، وليس فيه التصريح بأن يستمر رقيقا, ولا فيه التصريح بأنه يعتق كله، وَقَدْ احتج بعض منْ ضَعَّف رفع الاستسعاء، بزيادة وقعت فِي الدارقطنيّ وغيره، منْ طريق إسماعيل بن أمية وغيره، عن نافع، عن ابن عمر، قَالَ فِي آخره: "ورَقَّ منه ما بقي"، وفي إسناده إسماعيل بن مرزوق الكعبي، وليس بالمشهور، عن يحيى بن أيوب، وفي حفظه شيء عنهم، وعلى تقدير صحتها، فليس فيها أنه يستمر رقيقا، بل هي مقتضى المفهوم منْ رواية غيره، وحديث الاستسعاء فيه بيان الحكم بعد ذلك، فللذي صحح رفعه أن يقول: معنى الحديثين: أن المعسر إذا أعتق حصته، لم يسر العتق فِي حصة شريكه، بل تبقى حصة شريكه عَلَى حالها، وهي الرق، ثم يستسعى فِي عتق بقيته، فيحصل ثمن الجزء الذي لشريك سيده، ويدفعه إليه، ويعتق، وجعلوه فِي ذلك كالمكاتب، وهو الذي جزم به البخاريّ، والذي يظهر أنه فِي ذلك باختياره؛ لقوله: "غير مشقوق عليه"، فلو كَانَ ذلك عَلَى سبيل اللزوم، بأن يكلف العبد الاكتساب والطلب، حَتَّى يحصل ذلك، لحصل له بذلك غاية المشقة، وهو لا يُلزَم فِي الكتابة بذلك، عند الجمهور؛ لأنها غير واجبة، فهذه مثلها، وإلى هَذَا الجمع مال البيهقي، وَقَالَ: لا يبقى بين الحديثين معارضة أصلا، وهو كما قَالَ، إلا أنه يلزم منه أن يبقى الرق فِي حصة الشريك، إذا لم يختر العبد الاستسعاء، فيعارضه حديث أبي المليح، عن أبيه: أن رجلا أعتق شقصا له منْ غلام، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فَقَالَ: "ليس لله شريك"، وفي رواية: "فأجاز عتقه"، أخرجه أبو داود، والنسائي، بإسناد قوي، وأخرجه أحمد بإسناد حسن، منْ حديث سمرة ﵁: أن رجلا أعتق شقصا له

стр. 17150

فِي مملوك، فَقَالَ النبيّ ﷺ : "هو كله فليس لله شريك"، ويمكن حمله عَلَى ما إذا كَانَ المعتق غنيا، أو عَلَى ما إذا كَانَ جميعه له، فأعتق بعضه، فقد رَوَى أبو داود منْ طريق مِلْقَام بن التَّلِبّ (١)، عن أبيه: أن رجلا أعتق نصيبه منْ مملوك، فلم يضمنه النبيّ ﷺ ، وإسناده حسن، وهو محمول عَلَى المعسر، وإلا لتعارضا. وجمع بعضهم بطريق أخرى، فَقَالَ أبو عبد الملك: المراد بالاستسعاء، أن العبد يستمر فِي حصة الذي لم يُعتق رقيقا، فيسعى فِي خدمته بقدر ما له فيه منْ الرق، قالوا: ومعنى قوله: "غير مشقوق عليه"، أي منْ وجه سيده المذكور، فلا يكلفه منْ الخدمة، فوق حصة الرق، لكن يَرُدُّ عَلَى هَذَا الجمع قوله، فِي الرواية المتقدمة: "واستسعي فِي قيمته لصاحبه". واحتج منْ أبطل الاستسعاء، بحديث عمران بن حصين، عند مسلم: "أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعاه رسول الله ﷺ ، فجزهم أثلاثا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة". ووجه الدلالة منه، أن الاستسعاء لو كَانَ مشروعا، لنجز منْ كل واحد منهم عتق ثلثه، وأمره بالاستسعاء فِي بقية قيمته لورثة الميت. وأجاب منْ أثبت الاستسعاء، بأنها واقعة عين، فيحتمل أن يكون قبل مشروعية الاستسعاء، ويحتمل أن يكون الاستسعاء مشروعا إلا فِي هذه الصورة، وهي ما إذا أعتق جميع ما ليس له أن يعتقه، وَقَدْ أخرج عبد الرزاق بإسناد، رجاله ثقات، عن أبي قلابة، عن رجل منْ عُذْرة: "أن رجلا منهم أعتق مملوكا له عند موته، وليس له مال غيره، فأعتق رسول الله ﷺ ثلثه، وأمره أن يسعى فِي الثلثين"، وهذا يعارض حديث عمران، وطريق الجمع بينهما ممكن. واحتجوا أيضا بما رواه النسائيّ فِي "الكبرى" ١٤/ ٤٩٦١ - منْ طريق سليمان بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر، بلفظ: "منْ أعتق عبدا, وله فيه شركاء، وله وفاء، فهو حر، ويضمن نصيب شركائه بقيمته، لما أساء منْ مشاركتهم، وليس عَلَى العبد شيء". والجواب مع تسليم صحته، أنه مختص بصورة اليسار؛ لقوله فيه: وله وفاء، والاستسعاء إنما هو فِي صورة الإعسار، كما تقدم، فلا حجة فيه.

стр. 17151

وَقَدْ ذهب إلى الأخذ بالاستسعاء، إذا كَانَ المعتق معسرا، أبو حنيفة، وصاحباه، والأوزاعي، والثوري، وإسحاق، وأحمد فِي رواية, وآخرون، ثم اختلفوا، فَقَالَ الأكثر: يعتق جميعه فِي الحال، ويستسعى العبد فِي تحصيل قيمة نصيب الشريك، وزاد ابن أبي ليلى، فَقَالَ: ثم يرجع العبد المعتق عَلَى الأول بما أداه للشريك، وَقَالَ أبو حنيفة وحده: يتخير الشريك بين الاستسعاء، وبين عتق نصيبه، وهذا يدل عَلَى أنه لا يعتق عنده ابتداء، إلا النصيب الأول فقط، وهو موافق لما جنح إليه البخاريّ، منْ أنه يصير كالمكاتب، وَقَدْ تقدم توجيهه، وعن عطاء: يتخير الشريك بين ذلك، وبين إبقاء حصته فِي الرق، وخالف الجميع زفر، فَقَالَ: يعتق كله، وتُقَوَّم حصة الشريك، فتؤخذ، إن كَانَ المعتق موسرا، وترتب فِي ذمته إن كَانَ معسرا. انتهى ملخّصًا منْ "الفتح" ٥/ ٤٥٨ - ٤٦٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ١٠٧ - (الشَّرِكةُ فِي النَّخِيلِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "النخيل" -بفتح النون، وكسر الخاء المعجمة- لغة فِي النَّخْل -بفتح، فسكون-، قَالَ فِي "القاموس": النخلُ معروف، كالنخيل، ويذكّر، واحدته نّخلة. انتهى. وَقَالَ الفيّوميّ: النخل اسم جمع، الواحدة نخلةٌ، وكل جمع بينه وبين واحده الهاء، قَالَ ابن السِّكِّيت: فأهل الحجاز يؤنّثون أكثره، فيقولون: هي التمر، وهي البرّ، وهي النخل، وهي البقر، وأهل نجدٍ، وتميم يُذكّرون، فيقون: نخلٌ كريم وكريمة، وكرائم، وفي التنزيل: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، و ﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]، وأما النخيل بالياء، فمؤنثةٌ، قَالَ أبو حاتم: لا اختلاف فِي ذلك. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٧٠٢ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " أَيُّكُمْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ أَوْ نَخْلٌ فَلَا يَبِعْهَا حَتَّى يَعْرِضَهَا عَلَى شَرِيكِهِ ". قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وَقَدْ تقدّموا غير مرّة. و"سفيان": هو ابن عيينة. والسند منْ رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو

стр. 17152

(٢٣١) منْ رباعيات الكتاب. والحديث أخرجه مسلم، وَقَدْ تقدّم فِي ٨٠/ ٤٦٤٨ وسبق شرحه، وبيان مسائله هناك، واستدلال المصنّف عَلَى ما ترجم له به واضح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب"، … ١٠٨ - (الشَّرِكَةُ فِي الرِّبَاعِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الرَّبَاع": -بكسر الراء، وتخفيف الموحّدة: جمع رَبْع- بفتح، فسكون، كسِهام وسَهْم: وهي محلّة القوم، ومنزلهم، وَقَدْ يُطلق عَلَى القوم مجازًا، ويُجمع أيضًا عَلَى أَرباع، وأربُع، ورُبُوع، مثل فُلُوس. أفاده الفيّوميّ. والله تعالى أعلم. بالصواب. ٤٧٠٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: "قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ، فِي كُلِّ شَرِكَةٍ، لَمْ تُقْسَمْ: رَبْعَةٍ، وَحَائِطٍ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ، حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، وَإِنْ بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ"). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) أبو كريب الهمداني الكوفيّ، ثقة حافظ [١٠] ٩٥/ ١١٧. ٢ - (ابن إدريس) عبد الله الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة فقيه عابد [٨] ٨٥/ ١٠٢. ٣ - (ابن جُريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم، المكيّ، ثقة فقيه فاضل يدلس ويرسل [٦] ٢٨/ ٣٢. ٤ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوق يدلس [٤] ٣١/ ٣٥. ٥ - (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فكوفيان.

стр. 17153

(ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الستة بلا واسطة (ومنها): أن فيه جابرًا رضي الله تعالى عنه منْ المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ جَابِر) بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي حكم، وألزم (بِالشُّفْعَةِ) بضمّ، فسكون: هي فِي اللغة الضمّ، والجمع، وشرعًا: أخذ الشريك الجزء الذي باعه شريكه منْ المشتري بما اشتراه به، وسيأتي تمام البحث فِي ذلك فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى (فِي كُلِّ شَرِكَةٍ) أي فِي كلّ شيء مشترك، ولفظ مسلم، وأبي داود: "فِي كل شِرْك" وهو -بكسر الشين المعجمة، وإسكان الراء- منْ أشركته فِي البيع: إذا جعلته لك شريكا، ثم خفف المصدر بكسر الأول، وسكون الثاني، فيقال: شِرْك وشِرْكة، كما يقال: كِلْم وكِلْمة. قاله فِي "النيل" ٥/ ٣٥٧. وَقَالَ القرطبيّ: الشَّرِيكُ: النصيب المشترك، قَالَ: وهذا يدلّ عَلَى أن الشفعة إنما تُستَحقّ بالاشتراك فِي رقبة الملك، لا باستحقاق منفعة فِي الملك، كممرّ طريق، ومسيل ماء، واستحقاق سُكنى؛ لأن كلّ ذلك ليس بشرك. انتهى (لَمْ تُقْسَمْ) هَذَا يفيد أن الشفعة لا تجب إلا بالجزء المشاع الذي يتأتّى منه إفرازه بالقسمة، فلا تجب فيما لا ينقسم، كالحمّام، والرحا، وفحل الخل، والبئر، ونحو ذلك، مما لو قُسم لبطلت المنفعة المقصودة منه قبل القسمة. وقيل: تجري فِي ذلك، والأول أظهر، كما قَالَ القرطبيّ، وسيأتي تمام البحث فيه فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى. (رَبْعَةٍ، وَحَائِط) زاد فِي رواية مسلم: "أو أرض"، قَالَ القرطبيّ: الرواية الصحيحة فيه بخفض "ربعة، وما بعده، عَلَى البدل، منْ "كل شركة"، فهو تفسير له، وتقييد. و"الرَّبْعَة" بفتح الراء،، وسكون الموحّدة-: تأنيث الرَّبْع: وهو المنزل. ويُجمع عَلَى رُبوع، وإنما قيل للمنزل رَبْعٌ؛ لأن الإنسان يربع فيه: أي يُقيم، يقال: هذه رَبْعٌ، وهذه رَبْعَةٌ، كما يقال: دارٌ، ودارة، ثم سُمّي به الدار، والمسكن. و"الحائط": بستان النخل. و"الأرض": يعني بها البَرَاح الذي لا سَكَنَ فيها, ولا شجر، وإنما هي مُعَدَّةٌ للزراعة. قاله فِي "المفهم" ٤/ ٥٢٤. (لَا يَحِلُّ لَهُ) أي لمالك ما تقدّم منْ الربعة، والحائط، والأرض المشتركة (أَنْ يَبِيعَهُ) أي يبيع المذكور (حَتَّى يُؤْذِنَ) منْ الإيذان، وهو الإعلام، أي حَتَّى يُعلم (شَرِيكَهُ) قَالَ القرطبيّ: هَذَا محمول عَلَى الإرشاد إلى الأولى، بدليل قوله ﷺ : "فإذا باع، ولم يؤذنه، فهو أحقّ به"، ولو كَانَ ذلك عَلَى التحريم لذمّ البائع، ولفسخ البيع، لكنه أجازه، وصححه، ولم يذمّ الفاعل عَلَى ما قلناه، وَقَدْ قَالَ بعض شيوخنا: إن ذلك

стр. 17154

يجب عليه. انتهى. وَقَالَ الشوكانيّ: قوله: "لا يحل له أن يبيع الخ: ظاهره أنه يجب عَلَى الشريك، إذا أراد البيع أن يؤذن شريكه، وَقَدْ حكى مثل ذلك القرطبيّ عن بعض مشايخه، وَقَالَ فِي "شرح الإرشاد": الْحَدِيث يقتضي أنه يحرم البيع قبل العرض عَلَى الشريك، قَالَ ابن الرفعة: ولم أظفر به عن أحد منْ أصحابنا, ولا محيد عنه، وَقَدْ قَالَ الشافعيّ: إذا صح الْحَدِيث، فاضربوا بقولي عرض الحائط، وَقَالَ الزركشي: إنه صرح به الفارقي، وَقَالَ الأذرعي: إنه الذي يقتضيه نص الشافعيّ، وحمله الجمهور منْ الشافعيّة وغيرهم عَلَى الندب، وكراهة ترك الإعلام، قالوا: لأنه يصدق عَلَى المكروه أنه ليس بحلال، وهذا إنما يتم إذا كَانَ اسم الحلال مختصا بما كَانَ مباحا، أو مندوبا، أو واجبا، وهو ممنوع، فإن المكروه منْ أقسام الحلال، كما تقرر فِي الأصول. انتهى "نيل الأوطار" ٥/ ٣٥٧ - ٣٥٨. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الوجوب هو الحقّ؛ لأن لفظ: "لا يحلّ" ظاهر فِي التحريم، ولا ينافي ذلك عدم فساد البيع؛ إذ لا يستلزم، كما سبق فِي النهي عن النجش، وبيع المصرّاة، وتلقّي الجلب، فكلها محرّمة، ولم يفسد البيع، بل خُيّر المشتري فيه. والله تعالى أعلم. (فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ) يعني أن الشريك إن شاء أخذ المبيع بما أعطى المشتري منْ الثمن؛ لأنه أحق به بعد البيع، وإن شاء ترك (وَإِنْ بَاعَ) أي باع مالكُ ما ذُكر منْ الربعة، وغيره (وَلَمْ يُؤْذِنْهُ) أي لم يُعلم شريكه بالبيع (فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ) أي فالشريك أولى بالمبيع منْ المشتري، يأخذه بالثمن الذي اشتراه به، منْ عين، أو عَرَض، نقدًا، أو إلى أجل، وهو قول مالك، وأصحابه، وذهب أبو حنيفة، والشافعيّ إلى أنه لا يشفع إلى الأجل، بل إنه إن شاء شفع بالنقد، وإن شاء صبر إلى الأجل، فيشفه عنده. قاله فِي "المفهم" ٤/ ٥٢٨. وَقَالَ الشوكانيّ: فيه دليل عَلَى ثبوت الشفعة للشريك الذي لم يؤذنه شريكه بالبيع، وأما إذا أعلمه الشريك بالبيع، فأذن فيه فباع، ثم أراد الشريك أن يأخذه بالشفعة، فَقَالَ مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، والهادوية، وابن أبي ليلى، والْبَتِّي، وجمهور أهل العلم: إن له أن يأخذه بالشفعة، ولا يكون مجرد الإذن، مبطلا لها، وَقَالَ الثوري، والحكم، وأبو عبيد، وطائفة منْ أهل الْحَدِيث: ليس له أن يأخذه بالشفعة، بعد وقوع الإذن منه بالبيع، وعن أحمد روايتان، كالمذهبين. ودليل الآخِرِين مفهوم الشرط، فإنه يقتضي عدم ثبوت الشفعة مع الإيذان منْ البائع، ودليل الأولين الأحاديث الواردة فِي شفعة الشريك والجار، منْ غير تقييد، وهي منطوقات، لا يقاومها ذلك المفهوم.

стр. 17155

ويجاب بأن المفهوم المذكور صالح لتقييد تلك المطلقات، عند منْ عمل بمفهوم الشرط منْ أهل العلم، والترجيح إنما يصار إليه عند تعذر الجمع، وَقَدْ أمكن هاهنا يحمل المطلق عَلَى المقيد. انتهى "نيل الأوطار" ٥/ ٣٥٨. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول الثاني، وهو عدم ثبوت الشفعة بعد الإذن هو الأرجح، وهو الذي مال إليه البخاريّ، حيث ترجم فِي "صحيحه" بقوله: "باب عرض الشفعة عَلَى صاحبها قبل البيع"، وَقَالَ الحكم: إذا أذن له قبل البيع، فلا شُفعة له. وَقَالَ الشعبيّ: منْ بِيعت شفعته، وهو شاهدٌ، لا يُغيّرها، فلا شفعة له". انتهى. والحاصل أن حمل المطلق الذي احتجّ به القائلون بثبوت الشفعة بعد الإذن عَلَى المقيّد بمفهوم هَذَا الْحَدِيث أولى، كما أشار إليه الشوكانيّ فِي كلامه المذكور آنفًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم تخريجه، وبيان سائر المسائل المتعلّقة به فِي ٨٠/ ٤٦٤٨ - فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ١٠٩ - (ذِكْرُ الشُّفْعَةِ، وَأَحْكَامِهَا) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الشُّفعة" بضمّ المعجمة، وسكون الفاء، وغلط منْ حرّكها، مأخوذة منْ الشفع، وهو الزوج، وقيل: منْ الزيادة، وقيل: منْ الإعان. قاله فِي "الفتح" ٥/ ١٩٢. وَقَالَ الفيّوميّ: شفَعت الشيءَ شَفْعًا، منْ باب نفع: ضممتُهُ إلى الفرد، وشفعتُ الركعة: جعلتها ثنتين، ومن هنا اشتُقّت الشُّفْعة، وهي مثالُ غُرْفة؛ لأن صاحبها يشفع ماله بها، وهي اسم للملك المشفوع، مثلُ اللُّقْمَة، اسم للشيء الملقوم، وتُستعمل بمعنى التملّك لذلك الملك، ومنه قولهم: منْ ثبتَ له شُفْعة، فأخّر الطلب بغير عذر، بطلت شفعته، ففي هَذَا المثال بَيِّنُ المعنيين، فإن الأولى للمال، والثانية للتملّك، ولا يُعرف لها فعلٌ. انتهى. وَقَالَ فِي "الفتح" -بعد أن ذكر المعاني اللغوية الماضية-: وفي الشرع: انتقال حصّة شريك إلى شريك، كانت انتقلت إلى أجنبيّ، بمثل العوض المسمّى، ولم يختلف العلماء فِي مشروعيّتها، إلا ما نُقل عن أبي بكر الأصمّ منْ إنكارها. انتهى.
следующие страницы →