← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 17151–17190 · переход к 17156.

стр. 17151

وَقَدْ ذهب إلى الأخذ بالاستسعاء، إذا كَانَ المعتق معسرا، أبو حنيفة، وصاحباه، والأوزاعي، والثوري، وإسحاق، وأحمد فِي رواية, وآخرون، ثم اختلفوا، فَقَالَ الأكثر: يعتق جميعه فِي الحال، ويستسعى العبد فِي تحصيل قيمة نصيب الشريك، وزاد ابن أبي ليلى، فَقَالَ: ثم يرجع العبد المعتق عَلَى الأول بما أداه للشريك، وَقَالَ أبو حنيفة وحده: يتخير الشريك بين الاستسعاء، وبين عتق نصيبه، وهذا يدل عَلَى أنه لا يعتق عنده ابتداء، إلا النصيب الأول فقط، وهو موافق لما جنح إليه البخاريّ، منْ أنه يصير كالمكاتب، وَقَدْ تقدم توجيهه، وعن عطاء: يتخير الشريك بين ذلك، وبين إبقاء حصته فِي الرق، وخالف الجميع زفر، فَقَالَ: يعتق كله، وتُقَوَّم حصة الشريك، فتؤخذ، إن كَانَ المعتق موسرا، وترتب فِي ذمته إن كَانَ معسرا. انتهى ملخّصًا منْ "الفتح" ٥/ ٤٥٨ - ٤٦٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ١٠٧ - (الشَّرِكةُ فِي النَّخِيلِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "النخيل" -بفتح النون، وكسر الخاء المعجمة- لغة فِي النَّخْل -بفتح، فسكون-، قَالَ فِي "القاموس": النخلُ معروف، كالنخيل، ويذكّر، واحدته نّخلة. انتهى. وَقَالَ الفيّوميّ: النخل اسم جمع، الواحدة نخلةٌ، وكل جمع بينه وبين واحده الهاء، قَالَ ابن السِّكِّيت: فأهل الحجاز يؤنّثون أكثره، فيقولون: هي التمر، وهي البرّ، وهي النخل، وهي البقر، وأهل نجدٍ، وتميم يُذكّرون، فيقون: نخلٌ كريم وكريمة، وكرائم، وفي التنزيل: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، و ﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]، وأما النخيل بالياء، فمؤنثةٌ، قَالَ أبو حاتم: لا اختلاف فِي ذلك. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٧٠٢ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " أَيُّكُمْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ أَوْ نَخْلٌ فَلَا يَبِعْهَا حَتَّى يَعْرِضَهَا عَلَى شَرِيكِهِ ". قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وَقَدْ تقدّموا غير مرّة. و"سفيان": هو ابن عيينة. والسند منْ رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو

стр. 17152

(٢٣١) منْ رباعيات الكتاب. والحديث أخرجه مسلم، وَقَدْ تقدّم فِي ٨٠/ ٤٦٤٨ وسبق شرحه، وبيان مسائله هناك، واستدلال المصنّف عَلَى ما ترجم له به واضح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب"، … ١٠٨ - (الشَّرِكَةُ فِي الرِّبَاعِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الرَّبَاع": -بكسر الراء، وتخفيف الموحّدة: جمع رَبْع- بفتح، فسكون، كسِهام وسَهْم: وهي محلّة القوم، ومنزلهم، وَقَدْ يُطلق عَلَى القوم مجازًا، ويُجمع أيضًا عَلَى أَرباع، وأربُع، ورُبُوع، مثل فُلُوس. أفاده الفيّوميّ. والله تعالى أعلم. بالصواب. ٤٧٠٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: "قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ، فِي كُلِّ شَرِكَةٍ، لَمْ تُقْسَمْ: رَبْعَةٍ، وَحَائِطٍ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ، حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، وَإِنْ بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ"). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) أبو كريب الهمداني الكوفيّ، ثقة حافظ [١٠] ٩٥/ ١١٧. ٢ - (ابن إدريس) عبد الله الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة فقيه عابد [٨] ٨٥/ ١٠٢. ٣ - (ابن جُريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم، المكيّ، ثقة فقيه فاضل يدلس ويرسل [٦] ٢٨/ ٣٢. ٤ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوق يدلس [٤] ٣١/ ٣٥. ٥ - (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فكوفيان.

стр. 17153

(ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الستة بلا واسطة (ومنها): أن فيه جابرًا رضي الله تعالى عنه منْ المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ جَابِر) بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي حكم، وألزم (بِالشُّفْعَةِ) بضمّ، فسكون: هي فِي اللغة الضمّ، والجمع، وشرعًا: أخذ الشريك الجزء الذي باعه شريكه منْ المشتري بما اشتراه به، وسيأتي تمام البحث فِي ذلك فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى (فِي كُلِّ شَرِكَةٍ) أي فِي كلّ شيء مشترك، ولفظ مسلم، وأبي داود: "فِي كل شِرْك" وهو -بكسر الشين المعجمة، وإسكان الراء- منْ أشركته فِي البيع: إذا جعلته لك شريكا، ثم خفف المصدر بكسر الأول، وسكون الثاني، فيقال: شِرْك وشِرْكة، كما يقال: كِلْم وكِلْمة. قاله فِي "النيل" ٥/ ٣٥٧. وَقَالَ القرطبيّ: الشَّرِيكُ: النصيب المشترك، قَالَ: وهذا يدلّ عَلَى أن الشفعة إنما تُستَحقّ بالاشتراك فِي رقبة الملك، لا باستحقاق منفعة فِي الملك، كممرّ طريق، ومسيل ماء، واستحقاق سُكنى؛ لأن كلّ ذلك ليس بشرك. انتهى (لَمْ تُقْسَمْ) هَذَا يفيد أن الشفعة لا تجب إلا بالجزء المشاع الذي يتأتّى منه إفرازه بالقسمة، فلا تجب فيما لا ينقسم، كالحمّام، والرحا، وفحل الخل، والبئر، ونحو ذلك، مما لو قُسم لبطلت المنفعة المقصودة منه قبل القسمة. وقيل: تجري فِي ذلك، والأول أظهر، كما قَالَ القرطبيّ، وسيأتي تمام البحث فيه فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى. (رَبْعَةٍ، وَحَائِط) زاد فِي رواية مسلم: "أو أرض"، قَالَ القرطبيّ: الرواية الصحيحة فيه بخفض "ربعة، وما بعده، عَلَى البدل، منْ "كل شركة"، فهو تفسير له، وتقييد. و"الرَّبْعَة" بفتح الراء،، وسكون الموحّدة-: تأنيث الرَّبْع: وهو المنزل. ويُجمع عَلَى رُبوع، وإنما قيل للمنزل رَبْعٌ؛ لأن الإنسان يربع فيه: أي يُقيم، يقال: هذه رَبْعٌ، وهذه رَبْعَةٌ، كما يقال: دارٌ، ودارة، ثم سُمّي به الدار، والمسكن. و"الحائط": بستان النخل. و"الأرض": يعني بها البَرَاح الذي لا سَكَنَ فيها, ولا شجر، وإنما هي مُعَدَّةٌ للزراعة. قاله فِي "المفهم" ٤/ ٥٢٤. (لَا يَحِلُّ لَهُ) أي لمالك ما تقدّم منْ الربعة، والحائط، والأرض المشتركة (أَنْ يَبِيعَهُ) أي يبيع المذكور (حَتَّى يُؤْذِنَ) منْ الإيذان، وهو الإعلام، أي حَتَّى يُعلم (شَرِيكَهُ) قَالَ القرطبيّ: هَذَا محمول عَلَى الإرشاد إلى الأولى، بدليل قوله ﷺ : "فإذا باع، ولم يؤذنه، فهو أحقّ به"، ولو كَانَ ذلك عَلَى التحريم لذمّ البائع، ولفسخ البيع، لكنه أجازه، وصححه، ولم يذمّ الفاعل عَلَى ما قلناه، وَقَدْ قَالَ بعض شيوخنا: إن ذلك

стр. 17154

يجب عليه. انتهى. وَقَالَ الشوكانيّ: قوله: "لا يحل له أن يبيع الخ: ظاهره أنه يجب عَلَى الشريك، إذا أراد البيع أن يؤذن شريكه، وَقَدْ حكى مثل ذلك القرطبيّ عن بعض مشايخه، وَقَالَ فِي "شرح الإرشاد": الْحَدِيث يقتضي أنه يحرم البيع قبل العرض عَلَى الشريك، قَالَ ابن الرفعة: ولم أظفر به عن أحد منْ أصحابنا, ولا محيد عنه، وَقَدْ قَالَ الشافعيّ: إذا صح الْحَدِيث، فاضربوا بقولي عرض الحائط، وَقَالَ الزركشي: إنه صرح به الفارقي، وَقَالَ الأذرعي: إنه الذي يقتضيه نص الشافعيّ، وحمله الجمهور منْ الشافعيّة وغيرهم عَلَى الندب، وكراهة ترك الإعلام، قالوا: لأنه يصدق عَلَى المكروه أنه ليس بحلال، وهذا إنما يتم إذا كَانَ اسم الحلال مختصا بما كَانَ مباحا، أو مندوبا، أو واجبا، وهو ممنوع، فإن المكروه منْ أقسام الحلال، كما تقرر فِي الأصول. انتهى "نيل الأوطار" ٥/ ٣٥٧ - ٣٥٨. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الوجوب هو الحقّ؛ لأن لفظ: "لا يحلّ" ظاهر فِي التحريم، ولا ينافي ذلك عدم فساد البيع؛ إذ لا يستلزم، كما سبق فِي النهي عن النجش، وبيع المصرّاة، وتلقّي الجلب، فكلها محرّمة، ولم يفسد البيع، بل خُيّر المشتري فيه. والله تعالى أعلم. (فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ) يعني أن الشريك إن شاء أخذ المبيع بما أعطى المشتري منْ الثمن؛ لأنه أحق به بعد البيع، وإن شاء ترك (وَإِنْ بَاعَ) أي باع مالكُ ما ذُكر منْ الربعة، وغيره (وَلَمْ يُؤْذِنْهُ) أي لم يُعلم شريكه بالبيع (فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ) أي فالشريك أولى بالمبيع منْ المشتري، يأخذه بالثمن الذي اشتراه به، منْ عين، أو عَرَض، نقدًا، أو إلى أجل، وهو قول مالك، وأصحابه، وذهب أبو حنيفة، والشافعيّ إلى أنه لا يشفع إلى الأجل، بل إنه إن شاء شفع بالنقد، وإن شاء صبر إلى الأجل، فيشفه عنده. قاله فِي "المفهم" ٤/ ٥٢٨. وَقَالَ الشوكانيّ: فيه دليل عَلَى ثبوت الشفعة للشريك الذي لم يؤذنه شريكه بالبيع، وأما إذا أعلمه الشريك بالبيع، فأذن فيه فباع، ثم أراد الشريك أن يأخذه بالشفعة، فَقَالَ مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، والهادوية، وابن أبي ليلى، والْبَتِّي، وجمهور أهل العلم: إن له أن يأخذه بالشفعة، ولا يكون مجرد الإذن، مبطلا لها، وَقَالَ الثوري، والحكم، وأبو عبيد، وطائفة منْ أهل الْحَدِيث: ليس له أن يأخذه بالشفعة، بعد وقوع الإذن منه بالبيع، وعن أحمد روايتان، كالمذهبين. ودليل الآخِرِين مفهوم الشرط، فإنه يقتضي عدم ثبوت الشفعة مع الإيذان منْ البائع، ودليل الأولين الأحاديث الواردة فِي شفعة الشريك والجار، منْ غير تقييد، وهي منطوقات، لا يقاومها ذلك المفهوم.

стр. 17155

ويجاب بأن المفهوم المذكور صالح لتقييد تلك المطلقات، عند منْ عمل بمفهوم الشرط منْ أهل العلم، والترجيح إنما يصار إليه عند تعذر الجمع، وَقَدْ أمكن هاهنا يحمل المطلق عَلَى المقيد. انتهى "نيل الأوطار" ٥/ ٣٥٨. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول الثاني، وهو عدم ثبوت الشفعة بعد الإذن هو الأرجح، وهو الذي مال إليه البخاريّ، حيث ترجم فِي "صحيحه" بقوله: "باب عرض الشفعة عَلَى صاحبها قبل البيع"، وَقَالَ الحكم: إذا أذن له قبل البيع، فلا شُفعة له. وَقَالَ الشعبيّ: منْ بِيعت شفعته، وهو شاهدٌ، لا يُغيّرها، فلا شفعة له". انتهى. والحاصل أن حمل المطلق الذي احتجّ به القائلون بثبوت الشفعة بعد الإذن عَلَى المقيّد بمفهوم هَذَا الْحَدِيث أولى، كما أشار إليه الشوكانيّ فِي كلامه المذكور آنفًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم تخريجه، وبيان سائر المسائل المتعلّقة به فِي ٨٠/ ٤٦٤٨ - فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ١٠٩ - (ذِكْرُ الشُّفْعَةِ، وَأَحْكَامِهَا) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الشُّفعة" بضمّ المعجمة، وسكون الفاء، وغلط منْ حرّكها، مأخوذة منْ الشفع، وهو الزوج، وقيل: منْ الزيادة، وقيل: منْ الإعان. قاله فِي "الفتح" ٥/ ١٩٢. وَقَالَ الفيّوميّ: شفَعت الشيءَ شَفْعًا، منْ باب نفع: ضممتُهُ إلى الفرد، وشفعتُ الركعة: جعلتها ثنتين، ومن هنا اشتُقّت الشُّفْعة، وهي مثالُ غُرْفة؛ لأن صاحبها يشفع ماله بها، وهي اسم للملك المشفوع، مثلُ اللُّقْمَة، اسم للشيء الملقوم، وتُستعمل بمعنى التملّك لذلك الملك، ومنه قولهم: منْ ثبتَ له شُفْعة، فأخّر الطلب بغير عذر، بطلت شفعته، ففي هَذَا المثال بَيِّنُ المعنيين، فإن الأولى للمال، والثانية للتملّك، ولا يُعرف لها فعلٌ. انتهى. وَقَالَ فِي "الفتح" -بعد أن ذكر المعاني اللغوية الماضية-: وفي الشرع: انتقال حصّة شريك إلى شريك، كانت انتقلت إلى أجنبيّ، بمثل العوض المسمّى، ولم يختلف العلماء فِي مشروعيّتها، إلا ما نُقل عن أبي بكر الأصمّ منْ إنكارها. انتهى.

стр. 17156

وَقَالَ القرطبيّ: الشفعة فِي اللغة: هي الضمّ، والجمع، وفي عرف الشرع: أخذ الشريك الجزء الذي باعه شريكه منْ المشتري بما اشتراه به، وهي حقّ للشريك عَلَى المشتري، فيجب عليه أن يُشفِعَه، ولا يحلّ له الامتناع منْ ذلك. انتهى "المفهم" ٤/ ٥٢٣. وَقَالَ فِي "المغني": الشفعة: هي استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه، المنتقلة عنه، منْ يد منْ انتقلت إليه، وهي ثابتة بالسنة، والإجماع: أما السنة فما رُوي عن جابر ﵁، قَالَ: "قضى رسول الله ﷺ بالشفعة، فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة"، متَّفقٌ عليه، ولمسلم قَالَ: "قضى رسول الله ﷺ ، بالشفعة فِي كل شرك لم يقسم، رَبْعَة، أو حائط، لا يحل له أن يبيع حَتَّى يستأذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإن باع ولم يستأذنه، فهو أحق به"، وللبخاري: "إنما جعل رسول الله ﷺ الشفعة، فيما لم يُقسَم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة". وأما الإجماع، فَقَالَ ابن المنذر: أجمع أهل العلم عَلَى إثبات الشفعة، للشريك الذي لم يقاسم، فيما بيع منْ أرض، أو دار، أو حائط، والمعنى فِي ذلك أن أحد الشريكين، إذا أراد أن يبيع نصيبه، وتمكن منْ بيعه لشريكه، وتخليصه مما كَانَ بصدده، منْ توقع الخلاص والاستخلاص، فالذي يقتضيه حسن العشرة، أن يبيعه منه؛ ليصل إلى غرضه، منْ بيع نصيبه، وتخليصه شريكه منْ الضرر، فإذا لم يفعل ذلك، وباعه لأجنبي، سلط الشرع الشريك عَلَى صرف ذلك إلى نفسه، ولا نعلم أحدا خالف هَذَا، إلا الأصم، فإنه قَالَ: لا تثبت الشفعة؛ لأن فِي ذلك إضرارا بأرباب الأملاك، فإن المشتري إذا علم أنه يؤخذ منه، إذا ابتاعه لم يبتعه، ويتقاعد الشريك عن الشراء، فيستضر المالك، وهذا ليس بشيء؛ لمخالفته الآثار الثابتة، والإجماع المنعقد قبله، والجواب عما ذكره منْ وجهين: [أحدهما]: أنا نشاهد الشركاء يبيعون، ولا يعدم منْ يشتري منهم، غير شركائهم، ولم يمنعهم استحقاقه الشفعة منْ الشراء. [الثاني]: أنه يمكنه إذا لحقته بذلك مشقة أن يقاسم، فيسقط استحقاق الشفعة. واشتقاق الشفعة: منْ الشفع، وهو الزوج، فإن الشفيع كَانَ نصيبه منفردا فِي ملكه، فبالشفعة يضم المبيع إلى ملكه، فيشفعه به. وقيل: اشتقاقها منْ الزيادة؛ لأن الشفيع يزيد المبيع فِي ملكه. انتهى "المغني" ٧/ ٤٣٥ - ٤٣٦. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٧٠٤ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ

стр. 17157

عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ"). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (علي بن حُجْر) السعد المروزي، ثقة حافظ، منْ صغار [٩] ١٣/ ١٣. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإِمام الحجة الثبت المكيّ [٨] ١/ ١. ٣ - (إبراهيم بن ميسرة) الطائفيّ، نزيل مكة، ثقة حافظ [٧] ١١/ ٤٦٩. ٤ - (عمرو بن الشَّرِيد) -بفتح المعجمة، وكسر الراء-: هو الثقفيّ، أبو الوليد الطائفيّ، ثقة [٣] ١٩/ ٤١٨٤. ٥ - (أبو رافع) القبطيّ، مولى رسول الله ﷺ ، واسمه إبراهيم، وقيل: أسلم، وقيل: ثابت، وقيل: هُرْمُز، مات ﵁ فِي خلافة عليّ ﵁ عَلَى الصحيح، وتقدّم فِي ٥٨/ ٨٦٢. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه مروزيّ، وسفيان مكي، وإبراهيم طائفيّ، ثم مكيّ، وعمرو بن الشريد طائفي، والصحابيّ مدنيّ. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عن عمرو بن الشريد) وفي رواية للبخاريّ، فِي "ترك الحيل": "عن إبراهيم بن ميسرة، سمعت عمرو بن الشريد" (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) القبطي، مولى رسول الله ﷺ رضي الله تعالى عنه. [تنبيه]: سيأتي فِي الرواية التالية أن عمرو بن الشريد رواه عن أبيه، قَالَ فِي "الفتح" ٥/ ١٩٤: فيحتمل أن يكون سمعه منْ أبيه، ومن أبي رافع، قَالَ الترمذيّ: سمعت محمدا -يعني البخاريّ- يقول: كلا الحديثين عندي صحيح. انتهى. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ) جملة منْ مبتدإ وخبره، و"السقب" -بفتحتين-: القرب، وباء بـ"سقبه" صلة "أحقّ"، لا للسبب، أي الجار أحقّ بالدار السَّاقِبَةِ، أي القريبة، ومن لا يقول بشفعة الجار، يحمِل الجار عَلَى الشريك، فإنه يسمّى جارًا، أو يَحمِل الباء عَلَى السببية: أي أحقّ بالبرّ والمعونة، بسبب قربه منْ جاره، ولا يخفى أنه لا معنى لقولنا: الشريك أحقّ بالدار القريبة، كما هو مؤدّى التأويل الأول، والظاهر أن الرواية الآتية تردّ التأويلين، فليُتأمّل. قاله السنديّ. وَقَالَ فِي "الفتح" ٥/ ١٩٤ - : قوله: "بسقبه" -بفتح المهملة والقاف، بعدها

стр. 17158

موحدة- وهو بالسين المهملة، وبالصاد أيضا، ويجوز فتح القاف، واسكانها: القرب، والملاصقة، ووقع فِي حديث جابر ﵁، عند الترمذيّ: "الجار أحق بسقبه، يُنتظَر به إذا كَانَ غائبا، إذا كَانَ طريقهما واحدا". انتهى. وفي الْحَدِيث قصّة، ساقها البخاريّ فِي "صحيحه" ٢/ ٧٨٧ فَقَالَ: حدثنا المكيّ بن إبراهيم، أخبرنا ابن جريج، أخبرني إبراهيم بن ميسرة، عن عمرو بن الشريد، قَالَ، وقفت عَلَى سعد بن أبي وقاص، فجاء الْمِسْوَر بن مخرمة، فوضع يده عَلَى إحدى منكبي، إذ جاء أبو رافع، مولى النبيّ ﷺ ، فَقَالَ: يا سعد ابتع مني بَيْتَيَّ فِي دارك، فَقَالَ سعد: والله ما أبتاعهما، فَقَالَ المسور: والله لتبتاعنهما، فَقَالَ سعد: والله لا أزيدك عَلَى أربعة آلاف، منجمة، أو مقطعة، قَالَ أبو رافع: لقد أُعطيت بها خمسمائة دينار، ولولا أني سمعت النبيّ ﷺ ، يقول: "الجار أحق بسقبه"، ما أعطيتكها بأربعة آلاف، وأنا أعطى بها خمسمائة دينار، فأعطاها إياه. انتهى. قَالَ ابن بطال رحمه الله تعالى: استدل به أبو حنيفة وأصحابه عَلَى إثبات الشفعة للجار، وأوله غيرهم عَلَى أن المراد به الشريك؛ بناء عَلَى أن أبا رافع، كَانَ شريك سعد فِي البيتين، ولذلك دعاه إلى الشراء منه، قَالَ: وأما قولهم: إنه ليس فِي اللغة ما يقتضي تسمية الشريك جارا، فمردود فإن كل شيء قارب شيئا، قيل له: جار، وَقَدْ قالوا لا مرأة الرجل: جارة؛ لما بينهما منْ المخالطة. انتهى. وتعقبه ابن المنير بأن ظاهر الْحَدِيث أن أبا رافع كَانَ يملك بيتين، منْ جملة دار سعد، لا شقصا شائعا منْ منزل سعد، وذكر عمر بن شَبَّة أن سعدا كَانَ اتخذ دارين بالبلاط، متقابلتين بينهما عشرة أذرع، وكانت التي عن يمين المسجد منهما لأبي رافع، فاشتراها سعد منه، ثم ساق حديث الباب، فاقتضى كلامه أن سعدا كَانَ جارا لأبي رافع، قبل أن يشتري منه داره، لا شريكا. وَقَالَ بعض الحنفية: يلزم الشافعيّة القائلين بحمل اللفظ عَلَى حقيقته ومجازه، أن يقولوا بشفعة الجار؛ لأن الجار حقيقة فِي المجاور، مجاز فِي الشريك. وأجيب بأن محل ذلك عند التجرد، وَقَدْ قامت القرينة هنا عَلَى المجاز فاعتبر؛ للجمع بين حديثي جابر وأبي رافع، فحديث جابر صريح فِي اختصاص الشفعة بالشريك، وحديث أبي رافع مصروف الظاهر اتفاقا؛ لأنه يقتضي أن يكون الجار أحق منْ كل أحد، حَتَّى منْ الشريك، والذين قالوا بشفعة الجار، قدموا الشريك مطلقا، ثم المشارك فِي الطريق، ثم الجار عَلَى منْ ليس بمجاور، فعلى هَذَا، فيتعين تأويل قوله: "أحق" بالحمل عَلَى الفضل، أو التعهد، ونحو ذلك.

стр. 17159

واحتج منْ لم يقل بشفعة الجوار أيضا، بأن الشفعة ثبتت عَلَى خلاف الأصل؛ لمعنى معدوم فِي الجار، وهو أن الشريك، ربما دخل عليه شريكه، فتأذى به، فدعت الحاجة إلى مقاسمته، فيدخل عليه الضرر بنقص قيمة ملكه، وهذا لا يوجد فِي المقسوم. والله أعلم. قاله فِي "الفتح" ٥/ ١٩٤ - ١٩٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أبي رافع ﵁ هَذَا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٠٩/ ٤٧٠٤ وفي "الكبرى" ١١١/ ٦٣٠١. وأخرجه (خ) فِي "الشفعة" ٢٢٥٨ (د) فِي "البيوع" ٢٥١٦ (ق) فِي "الأحكام" ٢٤٩٥ (أحمد) فِي "مسند القبائل" ٢٦٦٣٩. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم الشفعة، وهو أنها مشروعة، وَقَدْ سبق أن جوازها مجمع عليه، إلا ما شذّ به أبو بكر الأصمّ، حيث أنكرها. (ومنها): عناية الشارع بتأكيد أمر الجوار، حيث أثبت للجار الأحقيّة عَلَى غيره فِي ملك جاره. (ومنها): أنه قد استدلّ به القائلون بثبوت الشفعة للجار، وأجاب المانعون بأنه ليس فيه ذكر الشفعة، فيحتمل أن يكون المراد به الشفعة، ويحتمل أن يكون أحقّ بالبرّ والمعونة، قاله البغويّ. قَالَ الشوكانيّ: ولا يخفى بعد هَذَا الحمل، لاسيّما بعد قوله فِي الْحَدِيث: "ليس لأحد فيها شرك"، والأولى أن يجاب بحمل هَذَا المطلق عَلَى المقيّد، كحديث جابر ﵁: "الجار أحقّ بشفعة جاره، يُنتظر بها، وإن كَانَ غائبًا، إذا كَانَ طريقهما واحدًا"، رواه أحمد، وأصحاب السنن, إلا النسائيّ. لا يقال: إن نفي الشرك فيها يدلّ عَلَى اتحاد الطريق، فلا يصحّ تقييده بالحديث المذكور؛ لأنا نقول: إنما نفى الشرك عن الأرض، لا عن طريقها, ولو سُلِّم عدم صحّة التقييد باتحاد الطريق، فأحاديث إثبات الشفعة بالجوار تُخَصِّصُهُ بما سلف، ولو فُرض عدم صحة التخصيص للتصريح بنفي الشركة، فهي مع ما فيها منْ المقال، لا تنتهض لمعارضة الأحاديث القاضية بنفي شفعة الجار الذي ليس بمشارك. انتهى "نيل الأوطار" ٥/ ٣٥٩ وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي أحكام الشفعة:

стр. 17160

قد تقدّم أنهم مجمعون عَلَى مشروعية الشفعة فِي الجملة، إلا أبا بكر الأصمّ، وَقَدْ اختلفوا فِي أشياء، قد فصّلها الموفّق رحمه الله تعالى فِي كتابه الممتِع "المغني"، وأنا ألخّص ما تيسّر منه؛ تتميمًا للفائدة، وتكميلاً للعائدة: قَالَ رحمه الله تعالى عند قول الخرقيّ رحمه الله تعالى: ولا تجب الشفعة، إلا للشريك المقاسم، فإذا وقت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة: ما حاصله: وجملة ذلك: أن الشفعة تثبت عَلَى خلاف الأصل، إذ هي انتزاع ملك المشتري بغير رضاء منه، وإجبار له عَلَى المعاوضة، مع ما ذكره الأصم، لكن أثبتها الشرع لمصلحة راجحة، فلا تثبت إلا بشروط أربعة: [أحدها]: أن يكون الملك مشاعا، غير مقسوم، فأما الجار، فلا شفعة له، وبه قَالَ عمر، وعثمان، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والزهري، ويحيى الأنصاريّ، وأبو الزناد، وربيعة، والمغيرة بن عبد الرحمن، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر. وَقَالَ ابن شبرمة، والثوري، وابن أبي ليلى، وأصحاب الرأي: الشفعة بالشركة، ثم بالشركة فِي الطريق، ثم بالجوار. وَقَالَ أبو حنيفة: يقدم الشريك، فإن لم يكن، وكان الطريق مشتركا، كدرب لا ينفذ، تثبت الشفعة لجميع أهل الدرب، والأقرب، فالأقرب، فإن لم يأخذوا، ثبتت للملاصق منْ درب آخر خاصة. وَقَالَ العنبري، وسوار: تثبت بالشركة فِي المال، وبالشركة فِي الطريق، واحتجوا بما رَوَى أبو رافع ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "الجار أحق بصقبه"، رواه البخاريُّ، وأبو داود، والنسائيّ، ورَوَى الحسن، عن سمرة ﵁: أن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "جار الدار أحق بالدار"، رواه الترمذيّ، وَقَالَ: حديث حسن صحيح، ورَوَى الترمذيّ فِي حديث جابر ﵁: "الجار أحق بداره، بشفعته، يُنتظر به إذا كَانَ غائبا، إذا كَانَ طريقهما واحدًا"، وَقَالَ: حديث حسن، ولأنه اتصال ملك يدوم ويتأبد، فتثبت الشفعة به كالشركة. واحتجّ الأولون بقول النبيّ ﷺ : "الشفعة فيما لم يُقسَم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة"، متّفقٌ عليه، ورَوَى ابن جريج، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، أو عن أبي سلمة، أو عنهما: قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "إذا قُسِمَت الأرضُ وحُدَّت، فلا شفعة فيها"، رواه أبو داود، ولأن الشفعة ثبتت فِي موضع الوفاق، عَلَى خلاف الأصل؛ لمعنى معدوم فِي محل النزاع، فلا ثبتت فيه، وبيان انتفاء المعنى: هو

стр. 17161

أن الشريك ربما دخل عليه شريك، فيتأذى به، فتدعوه الحاجة إلى مقاسمته، أو يطالب الداخل المقاسمة، فيدخل الضرر عَلَى الشريك، بنقص قيمة ملكه، وما يحتاج إلى إحداثه منْ المرافق، وهذا لا يوجد فِي المقسوم. فأما حديث أبي رافع ﵁، فليس بصريح فِي الشفعة، فإن الصَّقَب: القرب، يقال: بالسين، والصاد، قَالَ الشاعر: كُوفِيَّةٌ نَازِخٌ مَحِلَّتُهَا … لَا أَمَمٌ دَارُهَا وَلَا صَقَبُ فيحتمل أنه أراد به الإحسان بجاره، وصلته، وعيادته، ونحو ذلك، وخبرنا صريح صحيح، فيُقَدَّم، وبقية الأحاديث فِي أسانيدها مقال، فحديث سمرة ﵁ يرويه عنه الحسن، ولم يسمع منه إلا حديث العقيقة، قاله أصحاب الْحَدِيث، قَالَ ابن المنذر: الثابت عن رسول الله ﷺ ، حديث جابر ﵁ الذي رويناه، وما عداه منْ الأحاديث، فيها مقال، عَلَى أنه يحتمل أنه أراد بالجار الشريك، فإنه جارٌ أيضا، ويسمى كل واحد منْ الزوجين جارًا، قَالَ الشاعر: أَجَارَتَنَا بِينِي فَإِنَّكِ طَالِقَهْ … كَذَاكَ أُمُورُ النَّاسِ غَادٍ وَطَارِقَهْ قاله الأعشى، وتُسمَّى الضرّتان جارتين؛ لاشتراكهما فِي الزوج، قَالَ حمل بن مالك ﵁: كنت بين جارتين لي، فضربت إحداهما الأخرى، بِمِسْطَح، فقتلتها وجنينها، وهذا يمكن فِي تأويل حديث أبي رافع أيضا. انتهى "المغني" ٧/ ٤٣٦ - ٤٣٩. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بعدم ثبوت الشفعة للجار، وإنما هي قاصرة عَلَى الشريك فقط، هو الحقّ؛ لقوّة أدلّته، كما تقدّم بيانه آنفًا، وسيأتي مزيد تحقيق لذلك فِي شرح حديث أبي سلمة الآتي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب. (الشرط الثاني): أن يكون المبيع أرضا؛ لأنها التي تبقى عَلَى الدوام، ويدوم ضررها، وأما غيرها، فينقسم قسمين: [أحدهما]: تثبت فيه الشفعة تبعا للأرض، وهو البناء، والغراس، يباع مع الأرض، فإنه يؤخذ بالشفعة، تبعا للأرض، قَالَ ابن قُدامة: ولا نعرف فيه بين منْ أثبت الشفعة خلافا، وَقَدْ دل عليه قول النبيّ ﷺ ، وقضاؤه بالشفعة فِي كل شِرْك، لم يُقسَم: رَبْعَةٍ، أو حائط، وهذا يدخل فيه البناء، والأشجار. [القسم الثاني]: ما لا تثبت فيه الشفعة تبعا، ولا مفردا، وهو الزرع، والثمرة الظاهرة، تباع مع الأرض، فإنه لا يؤخذ بالشفعة مع الأصل، وبهذا قَالَ الشافعيّ. وَقَالَ أبو حنيفة، ومالك: يؤخذ ذلك بالشفعة مع أصوله؛ لأنه متصل بما فيه الشفعة، فيثبت فيه الشفعة؛ تبعا كالبناء والغراس.

стр. 17162

وحجة الأولين أنه لا يدخل فِي البيع تبعا، فلا يؤخذ بالشفعة، كقماش الدار، وعكسه البناء والغراس، وتحقيقه أن الشفعة بيع فِي الحقيقة، لكن الشارع جعل له سلطان الأخذ بغير رضي المشتري، فَإِنْ بِيعَ الشجر وفيه ثمرة غير ظاهرة، كالطلع غير المؤبر، دخل فِي الشفعة؛ لأنها تتبع فِي البيع، فأشبهت الغراس فِي الأرض، وأما ما بيع مفردا منْ الأرض، فلا شفعة فيه، سواء كَانَ مما ينقل، كالحيوان، والثياب، والسفن، والحجارة، والزرع، والثمار، أو لا ينقل، كالبناء، والغراس، إذا بيع مفردا، وبهذا قَالَ الشافعيّ، وأصحاب الرأي، ورُوي عن الحسن، والثوري، والأوزاعي، والعنبري، وقتادة، وربيعة، وإسحاق: لا شفعة فِي المنقولات. واختلف عن مالك، وعطاء، فقالا مرة: كذلك، ومرة قالا: الشفعة فِي كل شيء، حَتَّى فِي الثوب، قَالَ ابن أبي موسى: وَقَدْ روي عن أحمد رواية أخرى: أن الشفعة واجبة فيما لا ينقسم، كالحجارة، والسيف، والحيوان، وما فِي معنى ذلك، قَالَ أبو الخطاب: وعن أحمد رواية أخرى: أن الشفعة تجب فِي البناء، والغراس، وإن بيع مفردا، وهو قول مالك؛ لعموم قوله ﵇: "الشفعة فيما لم يقسم"، ولأن الشفعة، وُضعت لدفع الضرر، وحصولُ الضرر بالشركة فيما لا ينقسم، أبلغ منه فيما ينقسم، ولأن ابن أبي مليكة، رَوَى أن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "الشفعة فِي كل شيء". قَالَ: ولنا أن قول النبيّ ﷺ : "الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة"، لا يتناول إلا ما ذكرناه، وإنما أراد ما لا ينقسم منْ الأرض، بدليل قوله: "فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق"، ولأن هَذَا مما لا يتباقى عَلَى الدوام، فلا تجب فيه الشفعة، كصبرة الطعام، وحديثُ ابن أبي مليكة مرسل، لم يرد فِي الكتب الموثوق بها. انتهى "المغني" ٧/ ٤٣٩ - ٤٤١. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي ترجيح القول بثبوت الشفعة فِي كلّ شيء؛ فقد أخرج الطحاويّ، فِي "شرح معاني الآثار" ٤/ ١٢٥ - ١٢٦ - ، قَالَ: حدثنا ابن أبي داود، قَالَ: ثنا نعيم، قَالَ: ثنا الفضل بن موسى، عن أبي حمزة السّكّريّ، عن عبد العزيز بن رُفيع، عن ابن أبي مُليكة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "الشريك شفيع، والشفعة فِي كلّ شيء". ورجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح. قَالَ: حدثنا محمد بن خزيمة، قَالَ: ثنا يوسف بن عديّ، قَالَ: ثنا ابن إدريس، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر ﵁، قَالَ: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة فِي كلّ شيء". انتهى. ورجاله أيضًا رجال الصحيح.

стр. 17163

فقول صاحب "المغني": إن حديث ابن أبي مليكة مرسل لم يرد فِي الكتب الموثوق بها غير صحيح، فقد ثبت مرفوعًا متّصلاً عند الطحاويّ، كما علمت. والحاصل أن القول بتعميم الشفعة فِي كلّ شيء هو الحقّ، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب. (الشرط الثالث): أن يكون المبيع مما يمكن قسمته، فأما ما لا يمكن قسمته منْ العقار، كالحمّام الصغير, والرَّحَى الصغيرة، والعضادة، والطريق الضيقة، والعراص الضيقة، فعن أحمد فيها روايتان: [إحداهما]: لا شفعة فيه، وبه قَالَ يحيى بن سعيد، وربيعة، والشافعي. [والثانية]: فيها الشفعة، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، وابن سريج، وعن مالك كالروايتين، ووجه هَذَا، عموم قوله ﵇: "الشفعة فيما لم يقسم"، وسائر الألفاظ العامة، ولأن الشفعة ثبتت لإزالة ضرر المشاركة، والضرر فِي هَذَا النوع أكثر؛ لأنه يتأبد ضرره. قَالَ: والأول ظاهر المذهب؛ لما روي عن النبيّ ﷺ ، أنه قَالَ: "لا شفعة فِي فناء، ولا طريق، ولا منقبة"، والمنقبة الطريق الضيق، رواه أبو الخطاب فِي "رؤوس المسائل". قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بثبوت الشفعة فيما لا يمكن قسمته هو الأرجح؛ لعموم الأدلّة، وأما ما رواه أبو الخطّاب، فإنه يحتاج إلى النظر فِي إسناده، وَقَدْ أخرجه عبد الرزاق فِي "مصنّفه" -٨/ ٨٧ مرسلاً، فتأمّل، والظاهر أنه لا يصلح للاحتجاج به. والله تعالى أعلم بالصواب. (الشرط الرابع): أن يكون الشقص منتقلاً بعوض، وأما المنتقل بغير عوض، كالهبة بغير ثواب، والصدقة، والوصية، والإرث، فلا شفعة فيه، فِي قول عامة أهل العلم، منهم: مالك، والشافعيّ، وأصحاب الرأي، وحُكي عن مالك رواية أخرى فِي المنتقل بهبة، أو صدقة أن فيه الشفعةَ، ويأخذه الشفيع بقيمته، وحُكي ذلك عن ابن أبي ليلى؛ لأن الشفعة ثبتت لإزالة ضرر الشركة، وهذا موجود فِي الشركة كيفما كَانَ، والضرر اللاحق بالمتَّهِب، دون ضرر المشتري؛ لأن إقدام المشتري عَلَى شراء الشَّقْص، وبذلِهِ ماله فيه، دليل حاجته إليه، فانتزاعه منه أعظم ضررًا منْ أخذه ممن لم يوجد منه دليل الحاجة إليه. واحتجّ الأولون بأنه انتقل بغير عوض، فأشبه الميراث، ولأن محلّ الوِفاق، هو البيع، والخبر ورد فيه، وليس غيره فِي معناه؛ لأن الشفيع يأخذه منْ المشتري بمثل السبب الذي انتقل به إليه، ولا يُمكن هَذَا فِي غيره، ولأن الشفيع يأخذ الشِّقْصَ بثمنه،

стр. 17164

لا بقيمته، وفي غيره يأخذه بقيمته، فافترقا. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الأولون منْ أنه لا شفعة فِي المُنتَقِلِ بغير عوض هو الأظهر عندي. والله تعالى أعلم. فأما المنتقل بعوض، فينقسم قسمين: [أحدهما]: ما عِوَضه المال، كالبيع، فهذا فيه الشفعة بغير خلاف، وهو فِي حديث جابر ﵁: "فإن باع، ولم يؤذنه، فهو أحقّ به"، وكذلك كلّ عقد جرى مجرى البيع، كالصلح بمعنى البيع، والصلح عن الجنايات الموجبة للمال، والهبة المشروط فيها ثوابٌ معلومٌ؛ لأن ذلك بيع ثبتت فيه أحكام البيع، وهذا منها، وبه يقول مالكٌ، والشافعيّ، وأصحاب الرأي، إلا أن أبا حنيفة، وأصحابه قالوا: لا تثبت الشفعة فِي الهبة المشروط فيها ثوابٌ، حَتَّى يتقابضا؛ لأن الهبة لا تثبتُ إلا بالقبض، فأشبهت البيع بشرط الخيار. وحجة الأولين أنه يملكها بعوض، هو مالٌ، فلم يفتقر إلى القبض فِي استحقاق الشفعة، كالبيع، ولا يصحّ ما قالوه منْ اعتبار لفظ الهبة؛ لأن العوض صَرَفَ اللفظ عن مقتضاه، وجعله عبارةً عن البيع، خاصّةً عندهم، فإنه ينعقد بها النكاح الذي لا تصحّ الهبة فيه بالاتفاق. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن المذهب الأول هو الأرجح؛ لظهور متمسّكه. والله تعالى أعلم بالصواب. [القسم الثاني]: ما انتقل بعوض، غير المال، نحو أن يَجعل الشَّقص مهرًا، أو عِوَضًا فِي الخلع، أو فِي الصلح عن دم العمد، فقيل: لا شفعة فيه، وبه قَالَ الحسن، والشعبيّ، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، حكاه عنهم ابن المنذر، واختاره؛ لأنه مملوك بغير مال، فأشبه الموهوب، والموروث. وقيل: تجب فيه الشفعة، وبه قَالَ ابن شُبْرُمة، والحارث العكليّ، ومالك، وابن أبي ليلى، والشافعيّ، واحتجوا بأنه مملوك بعقد معاوضة، فأشبه البيع (١). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول الأول هو الأظهر؛ لظهور مُتَمَسَّكِهِ أيضًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٠٥ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرْضِي لَيْسَ لأَحَدٍ فِيهَا شَرِكَةٌ، وَلَا قِسْمَةٌ، إِلاَّ الْجُوَارَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ").

стр. 17165

رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بابن راهويه الحنظلي المروزي، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي الهمدانيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقة مأمون [٨] ٨/ ٨. ٣ - (حسين المعلّم) ابن ذكوان البصريّ، ثقة ربما وهم [٦] ١٢٢/ ١٧٤. ٤ - (عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص المدنيّ، صدوق [٥] ١٠٥/ ١٤٠. ٥ - (عَمْرُو بْنُ الشَّرِيدِ) المذكور فِي السند الماضي. ٦ - (أبوه) الشريد الثقفيّ صحابي شهد بيعة الرضوان، قيل: كَانَ اسمه مالكًا رضي الله تعالى عنه، تقدم فِي ٨/ ٣٦٨٠، والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير عمرو بن شُعيب، وهو ثقة. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ) منْ أوساط التابعين، ووهم منْ ذكره فِي الصحابة، قاله فِي "الفتح" (عَنْ أَبِيهِ) الشَّريد -بفتح المعجمة، وزان طويل- ابن سُويد الثقفيّ الصحابيّ الشهير، ﵁ (أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرْضِي) مبتدأ خبره (لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهَا شَرِكَةٌ) أي اشتراك مع أحد منْ النَّاس (وَلَا قِسْمَةٌ، إِلَّا الْجِوَارَ) بكسر الجيم، وضمّها، فالمكسور مصدر جاور، والمضموم اسم منه. كما تفيده عبارة "المصباح" (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ) أي أولى بالدار الساقبة أي القريبة منه، وَقَدْ تقدّم أن الجمهور حملوه عَلَى الشريك؛ لأنه يُسمّى فِي اللغة جارًا، فلا يعارض حديث: "الشفعة فِي كلّ ما لم يُقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطُّرُق، فلا شفعة". قَالَ الفيّوميّ: وحكى ثعلب عن ابن الأعرابيّ: الجار الذي يُجاورك بَيْتَ بَيْتَ، والجار الشريك فِي العقار، مقاسمًا كَانَ، أو غير مقاسم، والجار الْخَفِير، والجار الذي يُجير غيره، أي يُؤْمِنُه مما يَخاف، والجار المستجير أيضًا، وهو الذي يطلب الأمان، والجار: الحليف، والجار: الناصر، والجار: الزوج، والجار أيضًا: الزوجة، ويقال

стр. 17166

فيها: أيضًا جارة، والجار: الضّرّة، قيل لها: جارة؛ استكراهًا للفظ الضّرّة. قَالَ الأزهريّ: ولما كَانَ الجار فِي اللغة مُحتملاً لمعان مختلفة، وجب طلب دليل لقوله ﷺ : "الجار أحقّ بصقبه"، فإنه يدلّ عَلَى أن المراد الجار الملاصق، فبيّنه حديث آخر أن المراد الجار الذي يُقاسم، فلم يُجِز أن يَجعَلَ المقاسم مثل الشريك. انتهى كلام الفيّومي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث الشريد رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٠٩/ ٤٧٠٥ - وفي "الكبرى" ١١١/ ٦٣٠٢. وأخرجه (ق) فِي "الأحكام" ٢٤٩٦. وفوائد الْحَدِيث تقدمت قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٠٦ - (أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ، وَعُرِفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ"). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (هلال بن بشر) بن محبوب المزنيّ، أبو الحسن البصريّ إمام مسجد يونس الأحدب، ثقة [١٠] ١٤/ ١٤٨٢. ٢ - (صفوان بنُ عيسى) أبو محمد الزهريّ القسّام البصريّ، ثقة [٩] ٣٧/ ١٢٧٢. ٣ - (معمر) بن راشد، أبو عروة الصنعانيّ ثقة ثبت [٧] ١٠/ ١٠. ٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإِمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١. ٥ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ الفقيه الثقة الثبت [٣] ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح (١)، غير شيخه فتفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى معمر، وهو بصري صنعاني، والباقيان مدنيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن

стр. 17167

تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) هكذا رواية المصنّف مرسلاً، وَقَدْ وقع عند البخاريّ منْ طريق عبد الواحد بن زياد موصولاً بذكر جابر ﵁ قَالَ فِي "الفتح": اختُلف عَلَى الزهريّ فِي هَذَا الإسناد، فَقَالَ مالك عنه: عن أبي سلمة، وابن المسيب مرسلاً، كذا رواه الشافعيّ وغيره، ورواه أبو عاصم، والماجشون عنه، فوصله بذكر أبي هريرة ﵁، أخرجه البيهقي، ورواه ابن جريج، عن الزهريّ كذلك، لكن قَالَ: عنهما، أو عن أحدهما، أخرجه أبو داود، والمحفوظ روايته عن أبي سلمة، عن جابر موصولا، وعن ابن المسيب، عن النبيّ ﷺ مرسلا، وما سوى ذلك شذوذ، ممن رواه، ويُقَوِّى طريقه عن أبي سلمة، عن جابر ﵁ متابعة يحيى بن أبي كثير له، عن أبي سلمة، عن جابر، ثم ساقه كذلك. انتهى "فتح" ٥/ ١٩٣. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ) وفي رواية عند البخاريّ: "فِي كلّ ما لم يُقسم"، واللفظ الثاني يشعر باختصاص الشفعة، بما يكون قابلا للقسمة، بخلاف الأول (فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ) أي حصلت قسمة الحدود فِي المبيع، واتّضحت بالقسمة مواضعها (وَعُرِفَتِ الطُّرُقُ) وفي رواية البخاريّ: "وصُرفت الطرق": وهو بضمّ الصاد، وتخفيف الراء المكسورة، وقيل: بتشديدها: أي بينت مصارف الطرق، وشوارعها، كأنه منْ التصرف، أو منْ التصريف، وَقَالَ ابن مالك: معناه خلصت، وبانت، وهو مشتق منْ الصِّرْف -بكسر المهملة-: الخالص منْ كل شيء، سُمّي بذلك؛ لأنه صُرف عنه الخلط، فعلى هَذَا "صُرِف" مخفّف الراء، وعلى الأول: أي التصرف والتصريف مشدّد. أفاده فِي "نيل الأوطار" ٥/ ٣٥٥. (فَلَا شُفْعَةَ) قَالَ الشوكانيّ رحمه الله تعالى: استَدَلَّ به منْ قَالَ: إن الشفعة لا تثبت إلا بالخلطة، لا بالجوار، وَقَدْ حَكَى فِي البحر هَذَا القول، عن علي، وعمر، وعثمان، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعمر بن عبد العزيز، وربيعة، ومالك، والشافعي، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وعبيد الله بن الحسن، والإمامية. وحكى فِي البحر أيضا عن العترة، وأبي حنيفة، وأصحابه، والثوري، وابن أبي ليلى، وابن سيرين، ثبوت الشفعة بالجوار، وأجابوا عن حديث جابر بما قاله أبو حاتم: إن قوله: "إذا وقعت الحدود الخ" مدرج منْ قول جابر، ورُدَّ ذلك بأن الأصل أن كل ما ذُكر فِي الْحَدِيث، فهو منه، حَتَّى يثبت الإدراج بدليل، وورود ذلك فِي حديث غيره مشعر بعدم الإدراج، كما فِي حديث أبي هريرة المذكور فِي هَذَا الباب.

стр. 17168

واستَدَلَّ فِي "ضوء النهار" عَلَى الإدراج بعدم إخراج مسلم لتلك الزيادة. ويجاب عنه بأنه قد يَقتَصِر بعض الأئمة عَلَى ذكر بعض الْحَدِيث، والحكم للزيادة، لاسيما وَقَدْ أخرجها مثل البخاريّ، عَلَى أن معنى هذه الزيادة، التي ادعى أهل القول الثاني إدراجها، هو معنى قوله: "فِي كُلِّ ما لم يقسم"، ولا تفاوت إلا بكون دلالة أحدهما عَلَى هَذَا المعنى بالمنطوق، والآخر بالمفهوم. واحتج أهل القول الثاني بالأحاديث الواردة، فِي إثبات الشفعة بالجوار، كحديث سمرة، والشريد بن سويد، وأبي رافع، وجابر ﵃. وأما الأحاديث القاضية بثبوت الشفعة لمطلق الشريك، كما فِي حديث جابر المذكور فِي قوله: "فِي كل شركة"، وكما فِي حديث عبادة بن الصامت ﵁: "أن النبيّ ﷺ قضى بالشفعة بين الشركاء فِي الأرضين، والدور"، رواه عبد الله بن أحمد فِي "المسند"، فلا تصلح للاحتجاج بها عَلَى ثبوت الشفعة للجار، إذ لا شركة بعد القسمة. وَقَدْ أجاب أهل القول الأول، عن الأحاديث القاضية بثبوت الشفعة للجار، بأن المراد بها الجار الأخص، وهو الشريك المخالط؛ لأن كل شيء قارب شيئا، يقال له: جار، كما قيل لامرأة الرجل جارة؛ لما بينهما منْ المخالطة، وبهذا يندفع ما قيل: إنه ليس فِي اللغة ما يقتضي تسمية الشريك جارا. قَالَ ابن المنير: ظاهر حديث أبي رافع يعني المتقدّم منْ عند البخاريّ بقصّته مع سعد بن أبي وقّاص- أنه كَانَ يملك بيتين منْ جملة دار سعد، لا شِقْصًا شائعا منْ منزل سعد، ويدل عَلَى ذلك ما ذكره عمر بن شبة، أن سعدا كَانَ اتخذ دارين بالبلاط، متقابلتين، بينهما عشرة أذرع، وكانت التي عن يمين المسجد منهما لأبي رافع، فاشتراها سعد منه، ثم ساق الْحَدِيث الماضي، فاقتضى كلامه، أن سعدا كَانَ جارا لأبي رافع، قبل أن يشتري منه داره، لا شريكا كذا قَالَ الحافظ، وَقَالَ أيضا: إنه ذكر بعض الحنفية، أنه يلزم الشافعيّة القائلين بحمل اللفظ عَلَى حقيقته ومجازه، أن يقولوا بشفعة الجار؛ لأن الجار حقيقة فِي المجاور، مجاز فِي الشريك. وأجيب بأن محل ذلك عند التجرد، وَقَدْ قامت القرينة هنا عَلَى المجاز، فاعتبر الجمع بين حديثي جابر وأبي رافع، فحديث جابر صريح فِي اختصاص الشفعة بالشريك، وحديث أبي رافع مصروف الظاهر اتفاقا؛ لأنه يقتضي أن يكون الجار أحق منْ كل أحد، حَتَّى منْ الشريك، والذين قالوا بشفعة الجوار، قَدَّموا الشريك مطلقا، ثم المشارك فِي الشِّرْب، ثم المشارك فِي الطريق، ثم الجار عَلَى منْ ليس بمجاور. وأجيب بأن المفضل عليه مقدر: أي الجار أحق منْ المشتري الذي لا جوار له، قَالَ فِي القاموس: الجار: المجاور، والذي أجرته، منْ أن يظلم، والمجير، والمستجير،

стр. 17169

والشريك فِي التجارة، وزوج المرأة، وما قرُب منْ المنازل، والمقاسم، والحليف، والناصر. انتهى. والحاصل أن الجار المذكور فِي الأحاديث المذكورة، إن كَانَ يُطلق عَلَى الشريك فِي الشيء، والمجاور له بغير شركة، كانت مقتضية بعمومها لثبوت الشفعة لهما جمعا، وحديث جابر، وأبي هريرة، المذكوران، يدلان عَلَى عدم ثبوت الشفعة للجار، الذي لا شركة له، فيُخَصَّصان عموم أحاديث الجار. ولكنه يشكل عَلَى هَذَا حديث الشريد بن سويد ﵁، فإن قوله: "ليس لأحد فيها شرك، ولا قسم، إلا الجوار"، مشعر بثبوت الشفعة لمجرد الجوار، وكذلك حديث سمرة؛ لقوله فيه: "جار الدار أحق بالدار"، فإن ظاهره أن الجوار المذكور جوار، لا شركة فيه. ويجاب بأن هذين الحديثين، لا يصلحان لمعارضة ما فِي الصحيح، عَلَى أنه يمكن الجمع بما فِي حديث جابر السابق، بلفظ: "إذا كَانَ طريقهما واحدا"، فإنه يدل عَلَى أن الجوار، لا يكون مقتضيا للشفعة، إلا مع اتحاد الطريق، لا بمجرده، ولا عذر لمن قَالَ بحمل المطلق عَلَى المقيد، منْ هَذَا إن قَالَ بصحة هَذَا الْحَدِيث، وَقَدْ قَالَ بهذا -أعني ثبوت الشفعة للجار، مع اتحاد الطريق- بعض الشافعيّة، ويؤيده أن شرعية الشفعة، إنما هي لدفع الضرر، وهو إنما يحصل فِي الأغلب، مع المخالطة فِي الشيء المملوك، أو فِي طريقه، ولا ضرر عَلَى جار لم يشارك فِي أصل، ولا طريق إلا نادرا، واعتبار هَذَا النادر، يستلزم ثبوت الشفعة للجار، مع عدم الملاصقة؛ لأن حصول الضرر له، قد يقع فِي نادر الحالات، كحجب الشمس، والإطلاع عَلَى العورات، ونحوهما، كالروائح الكريهة، التي يتأذى بها، ورفع الأصوات، وسماع بعض المنكرات، ولا قائل بثبوت الشفعة لمن كَانَ كذلك، والضرر النادر غير معتبر؛ لأن الشارع علق الأحكام بالأمور الغالبة، فعلى فرض أن الجار لغة لا يطلق إلا عَلَى منْ كَانَ ملاصقا، غير مشارك، ينبغي تقييد الجوار باتحاد الطريق، ومقتضاه أن لا تثبت الشفعة بمجرد الجوار، وهو الحق، وَقَدْ زعم صاحب "المنار" أن الأحاديث تقتضي ثبوت الشفعة للجار، والشريك، ولا منافاة بينها، ووَجَّهَ حديث جابر بتوجيه بارد، والصواب ما حررناه. انتهى كلام الشوكاني "نيل الأوطار" ٥/ ٣٥٦ - ٣٥٧. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي حرّره الشوكانيّ رحمه الله تعالى، منْ ترجيح القول بأن الشفعة إنما هي للشريك، لا للمجاور، هو الأرجح عندي؛ لوضوح

стр. 17170

أدلّته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أبي سلمة رحمه الله تعالى هَذَا صحيح. [فإن قلت]: يصحّ، وهو منْ مرسل أبي سلمة التابعيّ؟. [قلت]: إنما إرساله فِي رواية المصنّف، فقد تقدّم أن البخاريّ رحمه الله تعالى أخرجه فِي "صحيحه" منْ طريق عبد الواحد بن زياد، عن معمر، موصولاً بذكر جابر ﵁، فتبصّر. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٠٩/ ٤٧٠٦ - وفي "الكبرى" ١١١/ ٦٣٠٣. وأخرجه (د) فِي "البيوع" ٣٥١٤ و٣٥١٥ (ت) فِي "الأحكام" ١٣٧٠ (ق) فِي "الأحكام" ٢٤٩٧ و٢٤٩٩ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١٣٧٤٣ و١٤٥٨١ (الموطأ) فِي "الشفعة" ١٤٢٠. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعية الشفعة، قَالَ فِي "الفتح": وهذا الْحَدِيث أصل فِي ثبوت الشفعة، وَقَدْ أخرجه مسلم، منْ طريق أبي الزبير، عن جابر، بلفظ: "قضى رسول الله ﷺ بالشفعة، فِي كل شِرْك، لم يُقسَم، رَبْعَة، أو حائط، لا يحل له أن يبيع حَتَّى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإذا باع ولم يؤذنه، فهو أحق به"، وَقَدْ تضمّن هَذَا الْحَدِيث ثبوت الشفعة فِي المشاع، وصدره يُشعر بثبوتها فِي المنقولات، وسياقه يُشعر باختصاصها بالعقار، وبما فيه العقار، وَقَدْ أخذ بعمومها فِي كل شيء مالك، فِي رواية, وهو قول عطاء، وعن أحمد تثبت فِي الحيوانات، دون غيرها منْ المنقولات. ورَوَى البيهقي منْ حديث ابن عباس، مرفوعا: "الشفعة فِي كل شيء"، ورجاله ثقات، إلا أنه أعل بالإرسال، وأخرج الطحاوي له شاهدا، منْ حديث جابر ﵁ بإسناد لا بأس برواته، قَالَ عياض: لو اقتصر فِي الْحَدِيث عَلَى القطعة الأولى، لكانت فيه دلالة عَلَى سقوط شفعة الجوار، ولكن أضاف إليها صرف الطرق، والمترتب عَلَى أمرين، لا يلزم منه ترتبه عَلَى أحدهما.

стр. 17171

قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بعموم الشفعة فِي العقار، وغيره منْ المنقولات، هو الأرجح، كما سبق بيانه، فلا تنس. والله تعالى أعلم. (ومنها): أنه استُدِلَّ به عَلَى عدم دخول الشفعة، فيما لا يقبل القسمة، وعلى ثوبتها لكل شريك، وعن أحمد: لا شفعة لذمي، وعن الشعبي لا شفعة لمن لم يسكن المصر. قاله فِي "الفتح". قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: أن القول بعموم الشفعة لكلّ شريك مسلمًا كَانَ، أو ذميّا هو الأرجح؛ عملاً بعموم النصّ، قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى -بعد أن ذكر الخلاف المذكور-: ما نصّه، والصواب الأول -يعني القول بعمومه فِي المسلم، والذمّيّ- للعموم، ولأنه حقّ جرى بسببه، فيترتّب عليه حكمه، منْ استحقاق طلبه، وأخذه، كالدين، وأرش الجناية. انتهى "المفهم" ٤/ ٥٢٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٠٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ حُسَيْنٍ -وَهُوَ ابْنُ وَاقِدٍ- عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: "قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ، وَالْجِوَارِ"). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن عبد العزيز بن أبي رِزْمة) -بكسر الراء، وسكون الزاي-: أبو عمرو المروزيّ، ثقة [١٠]. ٢ - (الفضل بن موسى) السِّينانيّ، أبو عبد الله المروزيّ، ثقة ثبت، ربما أغرب، منْ كبار [٩] ٨٣/ ١٠٠. ٣ - (حسين بن واقد) أبو عبد الله القاضي المروزيّ، ثقة، له أوهام [٧] ٥/ ٤٦٣. ٤ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تدرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ، يُدلّس [٤] ٣١/ ٣٥. ٥ - (جابر) بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمروزيين، غير أبي الزبير فمكيّ، وجابر ﵁، فمدنيّ، وفيه جابر ﵁ أحد المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.

стр. 17172

شرح الْحَدِيث (عَنْ جَابِرٍ) ﵁، أنه (قَالَ: "قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي حكم، وألزم (بِالشُّفْعَةِ) أي بثبوت الشفعة عند بيع الشريك نصيبه، فيأخذه الشريك بما أخذه به المشتري، كما سبق تفصيله قريبًا (وَالْجِوَارِ") -بكسر الجيم، وضمها-: أي قضى بمراعاة حقّ الجوار، وهذا لا دليل فيه لا لمثبت الشفعة بالجوار، ولا لنافيها، كما لا يخفى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث صحيحٌ بما سبق منْ أحاديث جابر ﵁، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -١٠٩/ ٤٧٠٧ - وفي "الكبرى" ١١١/ ٦٣٠٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب" (١). … ٤٤ - (كِتَابُ الْقَسَامَةِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا العنوان ثبت فِي بعض نسخ "المجتبى"، وفي بعضها: "ذكر القسامة التي كانت فِي الجاهليّة". قَالَ فِي "الفتح" ٧/ ٥٤٣ - : "الْقَسَامَةُ" -بفتح القاف، وتخفيف المهملة-: اليمين، وهي فِي عرف الشرع: حَلِفٌ معيّنٌ عند التهمة بالقتل عَلَى الإثبات، أو النفي. وقيل: مأخوذةٌ منْ قِسْمة الأيمان عَلَى الحالفين. انتهى. وَقَالَ فِي موضع آخر ١٤/ ٢٢١ - : هي الأيمان تُقسم عَلَى أولياء القتيل، إذا ادّعوا الدم، أو عَلَى المدّعى عليهم الدم، وخُصَّ القسم عَلَى الدم بلفظ القسامة. وَقَالَ إمام الحرمين: القسامة عند أهل اللغة اسم للقوم الذين يُقسمون، وعند الفقهاء اسم للأيمان. وَقَالَ فِي "المحكم": القسامة: الجماعة يُقسمون عَلَى الشيء، أو يَشهدون به، ويمين القسامة منسوب إليهم، ثم أُطلق عَلَى الأيمان نفسها.

стр. 17173

وَقَالَ الفيّوميّ رحمه الله تعالى: القسامة -بالفتح-: الأيمان، تُقسَم عَلَى أولياء القتيل، إذا ادّعَوا الدم، يقال: قُتِل فلانٌ بالقسامة: إذا اجتمع جماعةٌ منْ أولياء القتيل، فادَّعَوا عَلَى رجل أنه قتل صاحبهم، ومعهم دليلٌ دون البيّنة، فحَلَفوا خمسين يمينًا أنّ المدّعَى عليه قَتَل صاحبهم، فهؤلاء الذين يُقسمون عَلَى دعواهم، يُسَمَّون قَسَامَةٌ. انتهى "المصباح المنير" ٢/ ٥٠٣. وَقَالَ ابن الأثير رحمه الله تعالى: القَسَامة -بالفتح-: اليمين، كالقَسَم، وحقيقتها أن يُقسِم منْ أولياء الدم خمسون نفرًا عَلَى استحقاقهم دم صاحبهم، إذا وَجدوه قتيلاً بين قوم، ولم يُعرف قاتله، فإن لم يكونوا خمسين، أقسم الموجودون خمسين يمينًا، ولا يكون فيهم صبيّ، ولا امرأة، ولا مجنون، ولا عبدٌ، أو يُقسم بها المتّهمون عَلَى نفي القتل عنهم، فإن حلف المدّعون استحقّوا الدية، وإن حلف المتّهمون لم تلزمهم الدية، وَقَدْ أقسم يُقسم قَسَمًا، وقَسَامةً، وَقَدْ جاء علي بناء الْغَرَامَة، والْحَمَالَة،؛ لأنها تلزم أهل الموضع الذي يوجد فيه القتيل، ومنه حديث عمر ﵁: "القَسَامةُ توجب العقل": أي توجب الدية، لا الْقَوَدَ، وفي حديث الحسن: "القسامة جاهليّةٌ": أي كَانَ أهل الجاهليّة يدِينون بها، وَقَدْ قرّرها الإِسلام، وفي رواية: "القتلُ بالقسامة جاهليّةٌ": أي أن أهل الجاهليّة كانوا يقتُلُون بها، أو أن القتل بها منْ أعمال الجاهليّه، كأنه إنكار لذلك، واستعظام. انتهى "النهاية" ٤/ ٦٢. وَقَالَ ابن منظور رحمه الله تعالى: تفسير القسامة فِي الدم أن يُقتل رجلٌ، فلا تَشهَد عَلَى قتل القاتل إياه بيّنة عادلة كاملةٌ، فيجيء أولياء المقتول، فيدّعون قِبَلَ رجل أنه قتله، ويُدْلُون بِلَوْثٍ منْ البيّنة، غير كاملة، وذلك أن يوجد الْمُدّعَى عليه، مُتلطّخًا بدم القتيل فِي الحال التي وُجد فيها, ولم يَشهد رجل عدلٌ، أو امرأة ثقةٌ أن فلانًا قتله، أو يُوجَدَ القتيلُ فِي دار القاتل، وَقَدْ كانت بينهما عداوة ظاهرةٌ قبل ذلك، فإذا قامت دلالة منْ هذه الدلالات، سبَقَ إلى قلب منْ سمعه أن دعوى الأولياء صحيحةٌ، فيُستَحلَف أولياء القتيل خمسين يمينًا أن فلانًا الذي ادّعَوا قتله انفرد بقتل صاحبهم، ما شَرِكَه فِي دمه أحدٌ، فإذا حلفوا خمسين يمينًا، استحقّوا دية قتيلهم، فإن أبوا أن يحلفوا مع اللَّوْث الذي أَدْلَوا به، حلف الْمُدَّعَى عليه، وبَرِىء، وإن نكَلَ المدّعَى عليه عن اليمين، خُيَّر ورثة القتيل بين قتله، أو أخذ الدية منْ مال المدَّعَى عليه. وهذا جميعه قول الشافعيّ رحمه الله تعالى. انتهى "لسان العرب" ١٢/ ٤٨١. وَقَالَ فِي "المغني" -١٢/ ١٨٨ - : القسامة: مصدر أقسم قَسَمًا، وقَسَامة، ومعناه: حَلَف حَلِفًا، والمراد بالقسامة هاهنا: الأيمان المكررة فِي دعوى القتل، قَالَ القاضي:

стр. 17174

هي الأيمان إذا كثرت عَلَى وجه المبالغة، قَالَ: وأهل اللغة يذهبون إلى أنها القوم الذين يحلفون، سُمُّوا باسم المصدر، كما يقال: رجلٌ زُورٌ، وعدلٌ، ورِضًا، وأيُّ الأمرين كَانَ، فهو منْ القسم، الذي هو الحلف. والأصل فِي القسامة: ما رَوَى يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن بَشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة، ورافع بن خَدِيج: أن مُحَيِّصة بن مسعود، وعبد الله بن سهل، انطلقا إلى خيبر، فتفرقا فِي النخيل، فقُتِل عبد الله بن سهل، فاتَّهموا اليهود، فجاء أخوه عبد الرحمن، وابنا عمه حُوَيِّصة ومحيصة، إلى النبيّ ﷺ ، فتكلم عبد الرحمن، فِي أمر أخيه، وهو أصغرهم، فَقَالَ النبيّ ﷺ : "كبر، كبر"، أو قَالَ: "ليبدأ الأكبر"، فتكلما فِي أمر صاحبهما، فَقَالَ النبيّ ﷺ : "يُقسِم خمسون منكم عَلَى رجل منهم، فيُدْفَعُ إليكم بِرُمَّته"، فقالوا: أمرٌ لم نشهده، كيف نَحلِف؟ قَالَ: "فتبرئكم يهود، بأيمان خمسين منهم"، قالوا: يا رسول الله، قوم كفار، ضلال، قَالَ: فَوَداه رسول الله ﷺ منْ قبله، قَالَ سهل: فدخلت مِرْبَدًا لهم، فركضتني ناقة، منْ تلك الإبل، متَّفقٌ عليه. والله تعالى أعلم بالصواب. … ١ - (ذِكْرِ الْقَسَامَةِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الجاهليّة": زَمَنُ الْفَتْرَة قبل الإِسلام، وقالوا: كَانَ ذلك فِي الجاهليّة الْجَهْلاء، توكيدًا للأول، اشتُقّ له منْ اسمه ما يؤكّد به، كما يقال: وَتِدٌ واتِدٌ، وهَمَجٌ هَامِجٌ، وليلةٌ لَيْلاءُ، ويومٌ أَيْوَمُ، وفي الْحَدِيث: "إنك امرؤ، فيك جاهليّةٌ"، وهي الحال التي كانت عليها العرب قبل الإسلام، منْ الجهل بالله سبحانه وتعالي، ورسوله ﷺ ، وشَرائع الدين، والمفاخرة بالأنساب، والكِبر، والتجبّر، وغير ذلك. أفاده فِي "لسان العرب" ١١/ ١٣٠. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٧٠٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَطَنٌ، أَبُو الْهَيْثَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَزِيدَ الْمَدَنِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَوَّلُ قَسَامَةٍ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، اسْتَأْجَرَ رَجُلاً، مِنْ قُرَيْشٍ، مِنْ فَخِذِ أَحَدِهِمْ، قَالَ: فَانْطَلَقَ مَعَهُ فِي إِبِلِهِ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ، مِنْ بَنِي هَاشِمٍ قَدِ

стр. 17175

انْقَطَعَتْ عُرْوَةُ جُوَالِقِهِ، فَقَالَ: أَغِثْنِى بِعِقَالٍ، أَشُدُّ بِهِ عُرْوَةَ جُوَالِقِي، لَا تَنْفِرُ الإِبِلُ، فَأَعْطَاهُ عِقَالاً، يَشُدُّ بِهِ عُرْوَةَ جُوَالِقِهِ، فَلَمَّا نَزَلُوا، وَعُقِلَتِ الإِبِلُ، إِلاَّ بَعِيرًا وَاحِدًا، فَقَالَ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ: مَا شَأْنُ هَذَا الْبَعِيرِ، لَمْ يُعْقَلْ مِنْ بَيْنِ الإِبِلِ؟ قَالَ: لَيْسَ لَهُ عِقَالٌ، قَالَ: فَأَيْنَ عِقَالُهُ، قَالَ: مَرَّ بِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، قَدِ انْقَطَعَتْ عُرْوَةَ جُوَالِقِهِ، فَاسْتَغَاثَنِي، فَقَالَ: أَغِثْنِي بِعِقَالٍ، أَشُدُّ بِهِ عُرْوَةَ جُوَالِقِي، لَا تَنْفِرُ الإِبِلُ، فَأَعْطَيْتُهُ عِقَالاً، فَحَذَفَهُ بِعَصًا، كَانَ فِيهَا أَجَلُهُ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَقَالَ: أَتَشْهَدُ الْمَوْسِمَ؟ قَالَ، مَا أَشْهَدُ، وَرُبَّمَا شَهِدْتُ، قَالَ: هَلْ أَنْتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي رِسَالَةً، مَرَّةً مِنَ الدَّهْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إِذَا شَهِدْتَ الْمَوْسِمَ، فَنَادِ، يَا آلَ قُرَيْشٍ، فَإِذَا أَجَابُوكَ، فَنَادِ، يَا آلَ هَاشِمٍ، فَإِذَا أَجَابُوكَ، فَسَلْ عَنْ أَبِي طَالِبٍ، فَأَخْبِرْهُ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَنِي، فِي عِقَالٍ، وَمَاتَ الْمُسْتَأْجَرُ، فَلَمَّا قَدِمَ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ، أَتَاهُ أَبُو طَالِبٍ فَقَالَ: مَا فَعَلَ صَاحِبُنَا؟ قَالَ: مَرِضَ، فَأَحْسَنْتُ الْقِيَامَ عَلَيْهِ، ثُمَّ مَاتَ، فَنَزَلْتُ، فَدَفَنْتُهُ، فَقَالَ: كَانَ ذَا أَهْلَ ذَاكَ مِنْكَ، فَمَكُثَ حِينًا، ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ الْيَمَانِيَّ، الَّذِي كَانَ أَوْصَى إِلَيْهِ أَنْ يُبَلِّغَ عَنْهُ، وَافَى الْمَوْسِمَ، قَالَ: يَا آلَ قُرَيْشٍ، قَالُوا: هَذِهِ قُرَيْشٌ، قَالَ: يَا آلَ بَنِي هَاشِمٍ، قَالُوا: هَذِهِ بَنُو هَاشِمٍ، قَالَ: أَيْنَ أَبُو طَالِبٍ، قَالَ: هَذَا أَبُو طَالِبٍ، قَالَ: أَمَرَنِي فُلَانٌ، أَنْ أُبَلِّغَكَ رِسَالَةً، أَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ فِي عِقَالٍ، فَأَتَاهُ أَبُو طَالِبٍ، فَقَالَ: اخْتَرْ مِنَّا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِنْ شِئْتَ أَنْ تُؤَدِّيَ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ، فَإِنَّكَ قَتَلْتَ صَاحِبَنَا خَطَأً، وَإِنْ شِئْتَ يَحْلِفُ خَمْسُونَ مِنْ قَوْمِكَ، أَنَّكَ لَمْ تَقْتُلْهُ، فَإِنْ أَبَيْتَ قَتَلْنَاكَ بِهِ، فَأَتَى قَوْمَهُ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَقَالُوا: نَحْلِفُ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، كَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْهُمْ، قَدْ وَلَدَتْ لَهُ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أُحِبُّ أَنْ تُجِيزَ ابْنِي هَذَا، بِرَجُلٍ مِنَ الْخَمْسِينَ، وَلَا تُصْبِرْ يَمِينَهُ، فَفَعَلَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَقَالَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَرَدْتَ خَمْسِينَ رَجُلاً، أَنْ يَحْلِفُوا مَكَانَ مِائَةٍ مِنَ الإِبِلِ، يُصِيبُ كُلُّ رَجُلٍ بَعِيرَانِ، فَهَذَانِ بَعِيرَانِ، فَاقْبَلْهُمَا عَنِّي، وَلَا تُصْبِرْ يَمِينِي، حَيْثُ تُصْبَرُ الأَيْمَانُ، فَقَبِلَهُمَا وَجَاءَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ رَجُلاً حَلَفُوا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا حَالَ الْحَوْلُ، وَمِنَ الثَّمَانِيَةِ وَالأَرْبَعِينَ عَيْنٌ تَطْرِفُ). رجال هَذَا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن يحيى) الإِمام الذُّهْليّ النيسابوريّ الثقة الحافظ الجليل [١١] ١٩٦/ ٣١٤. ٢ - (أبو معمر) عبد الله بن عمرو المقعد الْمِنْقريّ، ثقة ثبتٌ، رُمي بالقدر [١٠] ٦٩/ ٢٧٩٠. ٣ - (عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان العنبريّ مولاهم، أبو عبيدة التَّنُّوريّ البصريّ، ثقة ثبتٌ [٨] ٦/ ٦.

стр. 17176

٤ - (قَطَنٌ) -بفتح القاف، والمهملة، ثم نون- ابن كعب الْقُطَعيّ -بضمّ القاف أبو الْهَيْثم البصريّ، ثقة [٦]. روى عن أبي يزيد المدنيّ، ومحمد بن سيرين، وعُقبة بن عبد الغافر، وأبي غالب، صاحب أبي أُمامة، وأيوب السَّخْتياني، وأمّ عُتبة. وعنه شعبة، وحماد بن زيد، وعبد الوارث بن سعيد، وأبو جَزْءٍ نصر بن طَرِيف، وجعفر بن سُليمان الضُّبعيّ، ومحمد بن بكر الْبُرسانيّ. قَالَ ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". روى له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود فِي "القدر". وليس له عند البخاريّ، والمصنّف إلا هَذَا الْحَدِيث. ٥ - (أبو يزيد المدنيّ) نزيل البصرة، ثقةٌ [٤]. روى عن أبي هريرة، وابن عبّاس، وابن عمر، وغيرهم، وعنه أيوب، وأبو قطن بن كعب، وجرير بن حازم، وغيرهم. قَالَ ابن أبي حاتم، عن أبيه: شيخٌ، سُئل عنه مالك، فَقَالَ: لا أعرفه. وَقَالَ الآجريّ، عن أبي داود: سألت أحمد عنه؟ فَقَالَ: تسأل عن رجل روى عنه أيوب؟. وَقَالَ إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة. وَقَالَ أبو زُرعة: لا أعلم له اسمًا. وَقَالَ ابن أبي حاتم: يروي عن ابن عبّاس، وتارة يُدخل بينه وبين ابن عبّاس عكرمة، قَالَ: وسألت عنه أبي، فَقَالَ: يُكتب حديثه، قلت: ما اسمه؟ قَالَ: لا يُسمّى. تفرّد به البخاريّ، والمصنّف بهذا الْحَدِيث فقط. [تنبيه]: قَالَ فِي "التقريب" عن أبي يزيد هَذَا: مقبولٌ انتهى، وفيه نظرٌ لا يخفى، فقد روى عنه جماعة، وَقَالَ إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، وَقَالَ عبّاس الدُّوريّ، عن ابن معين: أيوب سمع منْ أبي يزيد المدنيّ، وأبو يزيد ليس يُعرف بالمدينة، والبصريّون يروون عنه. (تاريخه: ٢/ ٧٣٢). وَقَالَ ابن مُحرز، عن يحيى: شيخٌ مشهورٌ، يروي عنه أيوب، وهؤلاء، قلت: ثقة؟ قَالَ: نعم، قلت: سمع منْ ابن عبّاس؟ قَالَ: نعم. (سؤالاته: الترجمة ٤٧١). وسأل أبو داود أحمد عنه؟ فَقَالَ: تسأل عن رجل روى عنه أيوب؟ (١)، فتبيّن بما ذُكر أن قول "التقريب": مقبولٌ، غير مقبول، بل الصواب أنه ثقة، فتبصّر. ٦ - (عكرمة) مولى ابن عباس البربري الأصل، ثقة ثبت [٣] ٢/ ٣٢٥. ٧ - (ابن عباس) عبد الله البحر الحبر رضي الله تعالى عنهما ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم.

стр. 17177

لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فنيسابوريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أحد العبادلة والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: أَوَّلُ قَسَامَةٍ) وفي رواية البخاريّ: "إن أول قسامة"، وتقدّم معنى القسامة قريبًا (كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أي فِي الفترة التي كانت قبل الإسلام، زاد فِي رواية البخاريّ: "لَفينا بني هاشم": قَالَ فِي "الفتح": اللام للتأكيد، و"بني هاشم": مجرور عَلَى البدل منْ الضمير المجرور، ويحتمل أن يكون منصوبًا عَلَى التمييز، أو عَلَى النداء، بحذف الأداة. وقوله: (كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ) خبر لـ"أول قسامة" عَلَى معنى: قسامة كانت فِي هذه القضيّة. قاله السنديّ. والرجل -كما فِي "الفتح"-: هو عمرو بن علقمة بن المطلب بن عبد مناف، جزم بذلك الزبير بن بكار، فِي هذه القصة، فكأنه نسب فِي هذه الرواية إلى بني هاشم مجازا؛ لما كَانَ بين بني هاشم، وبني المطلب، منْ المودة، والمؤاخاة، والمناصرة، وسماه ابن الكلبي عامرا. (اسْتَأْجَرَ رَجُلاً، مِنْ قُرَيْشٍ) هكذا فِي رواية المصنّف، وهو مقلوب، والصواب: "استأجره رجلٌ منْ قريش"، وَقَدْ بيّن هَذَا الحافظ فِي "الفتح"، فَقَالَ عند قول البخاريّ: "استأجره رجل منْ قريش، منْ فخذ أخرى": كذا فِي رواية الأصيلي، وأبي ذر، وكذا أخرجه الفاكهي منْ وجه آخر عن أبي معمر، شيخ البخاريّ فيه، وفي رواية كريمة، وغيرها: "استأجر رجلا منْ قريش"، وهو مقلوب، والأول هو الصواب. (مِنْ فَخِذِ أَحَدِهِمْ) أي منْ قبيلة بعضهم، والضمير لقريش، وفي رواية البخاريّ: "منْ فخذ أخرى"، و"الفخذ" -بفتح الفاء، وكسر المعجمة، وَقَدْ تسكن، مع فتح الفاء، وكسرها، أربع لغات-: هو دون القبيلة، وفوق البطن، وقيل: دون البطن، وفوق الفصيلة، وهو مذكّرٌ؛ لأنه بمعنى النفَر، والجمع أفخاذ. وجزم الزبير بن بكار: بأن المستأجر المذكور هو خِدَاش -بمعجمتين، ودال مهملة- ابن عبد الله بن أبي قيس العامري. (قَالَ: فَانْطَلَقَ) أي ذهب الأجير الهاشميّ (مَعَهُ) أي مع المستأجر القرشيّ (فِي إِبلِهِ) أي لرعي إبل المستأجر (فَمَرَّ بِهِ) أي بالأجير (رَجُلٌ، مِنْ بَنِي هَاشِم) قَالَ الحافظ: لم

стр. 17178

أقف عَلَى اسمه (قَدِ انْقَطَعَتْ عُرْوَةُ جُوَالِقِهِ) قَالَ فِي "القاموس": "الْجِوالق" بكسر الجيم، واللام، وبضمّ الجيم، وفتح اللام، وكسرها: وعاء معروف، جمعه جَوالِقُ، كصَحائفَ، وجَوَاليقُ، وجُوَالقات. انتهى. وَقَالَ فِي "الفتح": بضم الجيم، وفتح اللام-: الوعاء منْ جلود، وثياب، وغيرها، فارسي معرب، وأصله: كواله، وجمعه جَوَالِيق، وحكي جَوَالِق، بحذف التحتانية. (فَقَالَ) ذلك الرجل الذي انقطعت عروة جوالقه (أَغِثْنِي) بالغين المعجمة، والثاء المثلّثة، منْ الإغاثة، وفي نسخة: "أعنّي" بالمهملة، منْ الإعانة (بِعِقَالٍ) بكسر العين المهملة، وتخفيف القاف-: أي بحبل، وجمعه عُقُل، ككتاب وكُتُبَ (أَشُدُّ) بضم الشين المعجمة، وكسرها، منْ بابي نصر، وضرب (بِهِ عُرْوَةَ جُوَالِقِي) وجملة "أشد الخ" فِي محل جرّ صفة لـ"عقال" (لَا تَنْفِرُ الإْبِلُ) بكسر الفاء، منْ باب ضرب، وهو مرفوع، و"الإبل" بالرفع فاعله،: أي إذا شددته بالعقال، لا تنفر الإبل بسبب سقوط الجوالق (فَأَعْطَاهُ عِقَالاً، يَشُدُّ بِهِ عُرْوَةَ جُوَالِقِهِ، فَلَمَّا نَزَلُوا، وَعُقِلَتِ الْإبِلُ) ببناء الفعل للمفعول، يقال: عَقَلْتُ البعيرَ عَقْلاً، منْ باب ضرب: إذا ثَنَيتَ وَظِيفه، مع ذراعه، فتشُدّهما جميعًا فِي وسَط الذراع بحبل، وذلك هو العقال. أفاده الفيّوميّ (إِلَّا بَعِيرًا وَاحِدًا، فَقَالَ) قَالَ السنديّ: الفاء زائدة فِي جواب "لَمّا" (الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ: مَا شَأْنُ هَذَا الْبَعِيرِ، لَمْ يُعْقَلْ) بالبناء للمفعول (مِنْ بَيْنِ الإْبِلِ؟ قَالَ) الأجير (لَيْسَ لَهُ عِقَالٌ، قَالَ) المستأجر (فَأَيْنَ عِقَالُهُ؟ قَالَ) الأجير (مَرَّ بِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمِ، قَدِ انْقَطَعَتْ عُرْوَةُ جُوَالِقِهِ، فَاسْتَغَاثَنِي) أي طلب منيّ الإغاثة (فَقَالَ: أَغِثْنِي بِعِقَالٍ، أَشُدُّ) بضم الشين، وكسرها، كما سبق (بِهِ عُرْوَةَ جُوَالِقِي، لَا تَنْفِرُ الْإبِلُ، فَأَعْطَيْتُهُ عِقَالاً، فَحَذَفَهُ) بحاء مهملة، وذال معجمة: أي رمى المستأجر أجيره لشدّة غضبه عَلَى ما فعل منْ إعطاء العقال للسائل (بِعَصًا، كَانَ فِيهَا) أي فِي تلك الرمية (أَجَلُهُ) أي موته لكونه أصاب مَقْتَله، والمراد أنه أشرف عَلَى الموت، لا أنه مات عَلَى الفور، بل عَلَى التراخي، بأن مرِضَ، ثم مات، بدليل قوله: (فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ) قَالَ الحافظ: لم أقف عَلَى اسم هَذَا المارّ أيضًا (فَقَالَ) الأجير المضروب بالعصا (أَتَشْهَدُ الْمَوْسِمَ؟) أي موسم الحجّ، يعني هل أنت معتاد أن تحجّ كلّ عام؟ (قَالَ) الرجل اليمنيّ (مَا أَشْهَدُ) أي ليس عادتي أن أشهد كلّ المواسم (وَ) لكن (رُبَّمَا شَهِدْتُ) أي فِي بعض الأعوام الماضية (قَالَ: هَلْ أَنْتَ مُبَلِّغٌ) منْ التبليغ، أو الإبلاغ (عَنِّي رِسَالَةً، مَرَّةً مِنَ الدَّهْرِ؟) أي وقتًا منْ الأوقات، أي فِي موسم منْ المواسم (قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إِذَا شَهِدْتَ الْمَوْسِمَ) وفي رواية البخاريّ: "فكتب: إذا أنت شهدتّ الموسم الخ"، قَالَ فِي "الفتح": قوله: "فكتب" بالمثناة، ثم الموحدة، ولغير أبي ذر،

стр. 17179

والأصيليّ، بضم الكاف، وسكون النون، ثم المثناة، والأول أوجه، وفي رواية الزبير ابن بكار: "فكتب إلى أبي طالب، يُخبره بذلك، ومات منها، وفي ذلك يقول أبو طالب: أَفِي فَضْلِ حَبْلِ لَا أَبَالَكَ ضَرْبُهُ … بِمِنْسَأَةٍ قَدْ جَاءَ حَبْلٌ أَوْ أَحْبُلُ (فَنَادِ، يَا آلَ قُرَيْشٍ) بإضافة آل إلى قُريش، وفي بعض النسخ: "يا لَقُريش" بفتح اللام الداخلة عَلَى قريش، وهي لام الاستغاثة. وَقَالَ فِي "الفتح". قوله: "يا آل قريش" بإثبات الهمزة، وبحذفها عَلَى الاستغاثة. انتهى. (فَإِذَا أَجَابُوكَ، فَنَادِ، يَا آلَ هَاشِمٍ، فَإِذَا أَجَابُوكَ، فَسَلْ عَنْ أَبي طَالِبٍ، فَأَخْبِرْهُ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَنِي، فِي عِقَالٍ) أي بسبب عقال، فـ "فِي" سببيّة (وَمَاتَ الْمُسْتَأْجَرُ) بفتح الجيم: أي مات الأجير بعد أن أوصى إلى اليمنيّ بما أوصاه به (فَلَمَّا قَدِمَ) بكسر الدال (الَّذِي اسْتَأجَرَهُ، أَتَاهُ أَبُو طَالِبٍ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ صَاحِبُنَا؟) أي أيُّ شيء منعه منْ المجيء معك؟ (قَالَ) الذي استأجر (مَرِضَ) صاحبكم (فَأَحْسَنْتُ الْقِيَامِ عَلَيْهِ) أي أحسنت تمريضه، بمعالجته، وإحضار ما يحتاج إليه المريض (ثُمَّ مَاتَ، فنَزَلْتُ) أراد النزول فِي محلّ، وترك الرحيل؛ لأنه كَانَ راحلاً لطلب المرعى لإبله (فَدَفَنْتُهُ) وفي رواية البخاريّ: "فَوَلِيت دفنه" بكسر اللام، وفي رواية ابن الكلبي: "فَقَالَ: أصابه قدره، فصدّقوه، ولم يظنوا به غير ذلك". (فَقَالَ) أبو طالب لَمّا سمع كلامه، وظنّ أنه صادق فِي ذلك (كَانَ ذَا أَهْلَ ذَاكَ مِنْكَ) أي كَانَ مستحقّا منك ما ذكرته منْ إحسان القيام بتمريضه، ودفنه بعد موته (فَمَكثَ) أي أقام، يقال: مَكَثَ مَكْثًا، منْ باب قتل: أي أقام، وتَلَبَّث، ومَكُثَ مُكْثًا، فهو مكيثٌ، مثلُ قرُب قربًا، فهو قريبٌ لغةٌ، وقرأ السبعة: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ الآية [النمل: ٢٢]، باللغتين، ويتعدّ بالهمز، فيقال: أمكثه، وتمكّث فِي أمره: إذا لم يَعْجَلْ فيه. قاله الفيّوميّ (حِينًا) أي وقتًا طويلاً (ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ الْيَمَانِيَّ، الَّذِي كَانَ أَوْصَى إِلَيْهِ أَنْ يُبَلِّغَ) منْ الإبلاغ، أو التبليغ (عَنْهُ، وَافَى الْمَوْسِمَ) أي أتاه (قَالَ) وفي نسخة: "فَقَالَ" بالفاء (يَا آلَ قُرَيْشٍ، قَالُوا: هَذِهِ قُرَيْشٌ، قَالَ: يَا آلَ بَنِي هَاشِمٍ، قَالُوا: هَذِهِ بَنُو هَاشِمٍ، قَالَ: أَيْنَ أَبُو طَالِبٍ؟) وفي رواية البخاريّ: "منْ أبو طالب؟ " (قَالَ: هَذَا أَبُو طَالِبٍ) أي قَالَ قائلٌ: هَذَا أبو طالب، ويحتمل أن يكون القائل هو أبو طالب نفسه، وفي رواية البخاريّ: "قالوا: هَذَا أبو طالب"، وزاد ابن الكلبي: "فأخبره بالقصة، وخِدَاش يطوف بالبيت، لا يعلم بما كَانَ، فقام رجال منْ بني هاشم إلى خداش، فضربوه، وقالوا: قتلت صاحبنا، فجحد" (قَالَ) ذلك اليمني (أَمَرَنِي فُلَانٌ) يعني الرجل المقتول (أَنْ أُبَلِّغَكَ رِسَالَةً، أَنَّ

стр. 17180

فُلَانًا) يعني المستأجر القاتل (قَتَلَهُ فِي عِقَالٍ) أي بسبب عقال (فَأَتَاهُ) أي الرجل القاتل (أَبُو طَالِبٍ، فَقَالَ: اخْتَرْ مِنَّا إِحْدَى ثَلَاثٍ) أي ثلاث خصال، قَالَ فِي "الفتح": يحتمل أن تكون هذه الثلاث، كانت معروفة بينهم، ويحتمل أن تكون شيئا، اخترعه أبو طالب. وَقَالَ ابن التين: لم يُنقل أنهم تشاوروا فِي ذلك، ولا تدافعوا، فدَلَّ عَلَى أنهم كانوا يعرفون القسامة قبل ذلك، كذا قَالَ، وفيه نظر؛ لقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، راوي الْحَدِيث: "إنها أول قسامة"، ويمكن أن يكون مراد ابن عباس الوقوع، وإن كانوا يعرفون الحكم قبل ذلك. وحكى الزبير بن بكار أنهم تحاكموا فِي ذلك، إلى الوليد بن المغيرة، فقضى أن يحلف خمسون رجلا، منْ بني عامر عند البيت، ما قتله خداش، وهذا يُشعر بالأوليّة مطلقًا (إِنْ شِئْتَ أَنْ تُؤَدِّيَ مِائَةً مِنَ الْإبِلِ) أي فافعل، وهذه هي أولى الخصال الثلاث. وقوله (فَإِنَّكَ قَتَلْتَ صَاحِبَنَا خَطَأً) الفاء فيه للتعليل؛ أي لأنك قتلت الخ (وَإِنْ شِئْتَ يَحْلِفْ خَمْسُونَ مِنْ قَوْمِكَ، أَنَّكَ لَمْ تَقْتُلْهُ) وهذه هي ثانية الخصال (فَإِنْ أَبَيْتَ) أي امتنعت منْ كلّ منْ إعطاء الدية، وحلف خمسين منْ قومك عَلَى عدم قتلك صاحبنا (قَتَلْنَاكَ بِهِ) أي لثبوت قتلك له بنكولكم عن الحلف (فَأَتَى) القاتل (قَوْمَهُ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمْ) أي ما عرض عليه أبو طالب منْ الخصال الثلاث (فَقَالُوا: نَحْلِفُ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ) هي زينب بنت علقمة، أخت المقتول، ونسبتها إلى بني هاشم مجازية (كَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْهُمْ) هو عبد العزى بن أبي قيس العامري، والتقدير: كانت زوجا لرجل منْ بني هاشم (قَدْ وَلَدَتْ لَهُ) اسم ولدها منه حُويطب -بمهملتين، مصغرًا- ذكر ذلك الزبير، وَقَدْ عاش حُويطب بعد هَذَا، دهرا طويلا، وله صحبة، ويحتمل أن يكون غير حويطب. (فَقَالَتْ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أُحِبُّ أَنْ تُجِيزَ ابْنِي هَذَا) بالجيم، والزاي: أي تهبه ما يلزمه منْ اليمين (بِرَجُلٍ مِنَ الْخَمْسِينَ، وَلَا) ناهية (تُصْبِرْ يَمِينَهُ) ويحتمل أن تكون "لا" نافية، والفعل معطوف عَلَى "تُجيز": والمعني: لا تلزمه أن يحلف، يقال: صبر يمينه، منْ باب ضرب: إذ حلّفه، وصبر الحاكم فلانًا عَلَى يمين: أكرهه عليها، أنشد ثَعْلبٌ: فَأَوْجِعِ الْجَنْبَ وَأَعْرِ الظَّهْرَا … أَوْ يُبْلِيَ اللَّهُ يَمِينًا صَبْرَا ويمين الصبر: أن يحبس السلطان إنسانًا عَلَى اليمين حَتَّى يحلف، فلو حلف منْ غير إحلاف لا يقال له حلف صبرًا، وفي الْحَدِيث: "منْ حلف عَلَى يمين مصبورة كاذبًا"، وفي آخر: "عَلَى يمينِ صبرٍ": أي ألزِم بها، وحُبس عليها، وكانت لازمةً لصاحبها منْ جهة الْحَاكم، وقيل لها: مصبورة، وإن كَانَ صاحبها فِي الحقيقة هو المصبور؛ لأنه إنما صبر منْ أجلها، أي حُبس، فوُصفت بالصبر، وأُضيفت إليه مجازًا. أفاده فِي "اللسان".

стр. 17181

وَقَالَ السنديّ: "ولا تصبر يمينه" علي بناء المفعول، أو الفاعل، منْ صبر، كنصر، وضرب، معطوفٌ عَلَى "تُجيزَ"، وروي عَلَى صيغة النهي. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: لم أر فِي كتب اللغة ضبط صبر بمعنى حبس، كنصر، فالظاهر أنه خطأٌ، وإنما هو كضرب فقط، فتأمّل. وَقَالَ فِي "الفتح": قولها: "ولا تُصبر يمينه" -بالمهملة، ثم الموحدة-: أصل الصبر الحبس والمنع، ومعناه فِي الأيمان: الإلزام، تقول: صبرته أي ألزمته أن يحلف بأعظم الأيمان حَتَّى لا يسعه أن لا يحلف، زاد فِي رواية البخاريّ: "حيث تُصبر الأيمان" ببناء الفعل للمفعول: أي لا تُلزمه أن يحلف فِي المكان الذي تُصبر فيه الأيمان، وهو بين الركن والمقام. قَالَ ابن التين: ومن هنا استدلّ الشافعيّ عَلَى أنه لا يُحلّف بين الركن والمقام عَلَى أقلّ منْ عشرين دينارًا، نصاب الزكاة. قَالَ الحافظ: كذا قَالَ، ولا أدري كيف يستقيم هَذَا الاستدلال، ولم يذكر أحد منْ أصحاب الشافعيّ أن الشافعيّ استدلّ بهذه القصّة. انتهى. (فَفَعَلَ) أي وافق أبو طالب عَلَى ما طلبت منه المرأة، منْ عدم تحليف ابنها (فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ) أي أتى أبا طالب رجل منْ قوم القاتل، قَالَ الحافظ: لم أقف عَلَى اسمه، ولا عَلَى اسم أحد منْ سائر الخمسين، إلا منْ تقدم، وزاد ابن الكلبي: "ثم حلفوا عند الركن أن خِداشا بريء منْ دم المقتول (فَقَالَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَرَدْتَ خَمْسِينَ رَجُلاً، أَنْ يَحْلِفُوا مَكَانَ مِائَةٍ مِنَ الإْبِلِ، يُصِيبُ كُلَّ رَجُلٍ) بالنصب عَلَى المفعولية (بَعِيرَانِ، فَهَذَانِ بَعِيرَانِ، فَاقْبَلْهُمَا عَنَّي، وَلَا) ناهية (تُصْبِرْ يَمِينِي) أي لا تُلزمني أن أَحْلِفَ معهم (حَيْثُ تُصْبَرُ الْأَيْمَانُ) تقدم أنه بين الركن والمقام (فَقَبِلَهُمَا) أي قبل أبو طالب البعيرين (وَجَاءَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ رَجُلاً حَلَفُوا) وفي رواية البخاريّ: "فحلفوا" بالفاء، وهي أوضح (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) قَالَ ابن التين: كأن الذي أخبر ابن عباس بذلك جماعة، اطمأنت نفسه إلى صدقهم، حَتَّى وسعه أن يحلف عَلَى ذلك. قَالَ الحافظ: يعني أنه كَانَ حين القسامة لم يولد، ويحتمل أن يكون الذي أخبره بذلك هو النبيّ ﷺ ، وهو أمكن فِي دخول هَذَا الْحَدِيث فِي الصحيح. انتهى (مَا حَالَ الْحَوْلُ) أي منْ يوم حلفوا (وَمِنَ الثَّمَانِيَةِ) وفي رواية أبي ذرّ عند البخاريّ: "وفي الثمانية" (وَالأَرْبَعِينَ عَيْنٌ تَطْرِفُ) -بكسر الراء-: أي تتحرك، زاد ابن الكلبي: "وصارت رباع الجميع لحويطب"، فبذلك كَانَ أكثر منْ بمكة رِبَاعا، وروى الفاكهي منْ طريق ابن أبي نَجِيح، عن أبيه، قَالَ: "حلف ناس عند البيت قَسامة، عَلَى باطل، ثم خرجوا، فنزلوا

стр. 17182

تحت صخرة، فانهدمت عليهم"، ومن طريق طاوس، قَالَ: "كَانَ أهل الجاهلية، لا يُصيبون فِي الحرم شيئا، إلا عُجِّلت لهم عقوبته"، ومن طريق حُويطب: "أن أمة فِي الجاهلية، عاذت بالبيت، فجاءتها سيدتها، فجبذتها، فشلت يدها"، ورَوينا فِي "كتاب مجابي الدعوة" لابن أبي الدنيا فِي قصة طويلة، فِي معنى سُرْعة الإجابة بالحرم للمظلوم فيمن ظلمه، قَالَ: فَقَالَ عمر: "كَانَ يُفعل بهم ذلك فِي الجاهلية؛ ليتناهوا عن الظلم؛ لأنهم كانوا لا يعرفون البعث، فلما جاء الإِسلام أُخر القصاص إلى يوم القيامة"، ورَوَى الفاكهي، منْ وجه آخر، عن طاوس، قَالَ: "يوشك أن لا يصيب أحد فِي الحرم شيئاً، إلا عُجِلت له العقوبة"، فكأنه أشار إلى أن ذلك يكون فِي آخر الزمان، عند قبض العلم، وتناسي أهل ذلك الزمان أمور الشريعة، فيعود الأمر غريبا كما بدأ. انتهى فتح ١٤/ ٥٤٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما هَذَا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١/ ٤٧٠٨ - وفي "الكبرى" وأخرجه (خ) فِي "المناقب" ٣٨٤٥. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان أول القسامة التي كانت فِي الجاهليّة. (ومنها): أن ما أقرّه النبيّ ﷺ منْ أفعال الجاهليّة يكون شرعًا مستمرًّا بإقراره ﷺ . (ومنها): بيان شؤم الأيمان الكاذبة. (ومنها): أن فيه تعظيم قتل النفس البريئة حَتَّى فِي أيام الجاهلية. (ومنها): بيان حرمة الحرم جاهليّة، وأن منْ اجترأ فيه بالمعاصي يعاجَل بالعقوبة، فلما جاء الإِسلام لم يزده إلا شدّةً، فقد قَالَ الله : ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. ذكر الإِمام ابن كثير رحمه الله تعالى فِي "تفسيره" ٣/ ٢١٥: أقوال المفسّرين لهذه الآية الكريمة، قَالَ: والأجود أنه ضمّن الفعل هاهنا معنى "يَهُمُّ"، ولهذا عدّاه بالباء، فَقَالَ: ﴿بِظُلْمٍ﴾: أي عامدا، قاصدا أنه ظلم، ليس بمتأول، كما قَالَ ابن جريج، عن ابن عباس: هو التعمد، وَقَالَ علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿بِظُلْمٍ﴾: بشرك. وَقَالَ مجاهد: أن يعبد فيه غير الله، وكذا قَالَ قتادة، وغير واحد، وَقَالَ العوفي، عن ابن عباس: ﴿بِظُلْمٍ﴾: هو أن تستحلّ منْ الحرم ما حرم الله عليك، منْ إساءة، أو

стр. 17183

قتل، فتظلم منْ لا يظلمك، وتقتل منْ لا يقتلك، فإذا فعل ذلك، فقد وجب له العذاب الأليم. وَقَالَ مجاهد: ﴿بِظُلْمٍ﴾ يعمل فيه عملا سيئا، وهذا منْ خصوصية الحرم، أنه يعاقب البادي فيه الشرَّ، إذا كَانَ عازما عليه، وإن لم يوقعه، كما قَالَ ابن أبي حاتم، فِي "تفسيره": حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا شعبة، عن السُّدِّيِّ، أنه سمع مُرَّةَ، يحدث عن عبد الله -يعني ابن مسعود- فِي قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ قَالَ: "لو أن رجلا أراد فيه بإلحاد بظلم، وهو بِعَدَنِ أَبْيَن، لأذاقه الله منْ العذاب الأليم"، قَالَ شعبة: هو رفعه لنا، وأنا لا أرفعه لكم، قَالَ يزيد: هو قد رفعه، ورواه أحمد، عن يزيد بن هارون به. قَالَ الإِمام ابن كثير: هَذَا الإسناد صحيح، عَلَى شرط البخاريّ، ووقفه أشبه منْ رفعه، ولهذا صمم شعبة عَلَى وقفه، منْ كلام ابن مسعود، وكذلك رواه أسباط، وسفيان الثوري عن السدي، عن مُرَّة، عن ابن مسعود موقوفا. والله أعلم. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن الظاهر أن الموقوف فِي مثل هَذَا له حكم الرفع؛ لأن ابن مسعود ﵁ لا يروي الإسرائيليّات، وهذا مما لا مجال للرأي فيه. وَقَدْ ذُكِرَ أقولٌ أُخَر فِي معنى الآية، فراجع تفسير ابن كثير ٣/ ٢٢٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٢ - (الْقَسَامَةُ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: أشار المصنّف رحمه الله تعالى بهذه الترجمة إلى القسامة فِي الإِسلام، كما أنه صرّح فِي الترجمة السابقة بالقسامة فِي الجاهليّة. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٧٠٩ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو: قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مِنَ الأَنْصَارِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أَقَرَّ الْقَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ).

стр. 17184

رجال هَذَا الإسناد: سبعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ) أبو الطاهر المصريّ، ثقة [١٠] ٣٥/ ٣٩. ٢ - (يونس بن عبد الأعلى) بن ميسرة الصدفيّ، أبو موسى المصريّ، ثقة، منْ صغار [١٠] ١/ ٤٤٩. ٣ - (ابن وهب) عبد الله، أبو محمد المصريّ، ثقة حافظ عابد [٩] ٩/ ٩. ٤ - (يونس) بن يزيد الأليلي، ثقة [٩] ٩/ ٩. ٥ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ المذكور قريبًا. ٦ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ١/ ١. ٧ - (سليمان بن يسار) الهلالي مولاهم المدنيّ، ثقة فاضل فقيه، منْ كبار [٣] ١٢٢/ ١٥٦. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى يونس، وهو وإن كَانَ أيليّا، إلا أنه نزل مصر، والباقون مدنيّون. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيين، وهما منْ الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ (قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرو) بن السرح (قَالَ) أي ابن شهاب (أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ) المعنى: أن أحمد بن عمرو الشيخ الأول للمصنّف فِي هَذَا الإسناد قَالَ فِي روايته: قَالَ ابن شهاب: أخبرني الخ، يعني أنه صرّح بالإخبار، والظاهر أن رواية يونس بن عبد الأعلى بالعنعنة، و"أبو سلمة": هو ابن عبد الرحمن بن عوف، أحد الفقهاء السبعة عَلَى بعض الأقوال (وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) زاد فِي رواية مسلم: "مولى ميمونة، زوج النبيّ ﷺ (عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مِنَ الْأَنْصَارِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أَقَرَّ الْقَسَامَةَ) أي أثبتها (عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) وزاد مسلم منْ رواية ابن جُريج، عن ابن شهاب بهذا الإسناد: "وقضى بها رسول الله ﷺ بين ناس منْ الأنصار، فِي قتيل، ادَّعَوه عَلَى اليهود". يعني القصّة الآتية فِي الباب التالي، منْ حديث سهل بن أبي حَثْمَة ﵁. قَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: هَذَا الْحَدِيث حجة للجمهور عَلَى منْ أنكر العمل بالقسامة، فإن ظاهره أنه ﷺ وجد النَّاس عَلَى عمل، فلما أسلموا، واستقلّ

стр. 17185

بتبليغ الأحكام، أقرّها عَلَى ما كانت عليه، فصار ذلك حكمًا شرعيّا، يُعمل عليه، ويُحكم به، لكن يجب أن يُبحث عن كيفيّة عملهم الذي كانوا يَعملونه فيها، وشروطهم التي اشترطوها، فيُعمل بها منْ جهة إقرار النبيّ ﷺ ، لا منْ جهة الاقتداء بالجاهليّة فيها. انتهى "المفهم" ٥/ ١٨. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي فِي الباب التالي بيان اختلاف العلماء فِي حكم القسامة، مفصّلاً، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث رجل منْ أصحاب رسول الله ﷺ منْ الأنصار ﵁ هَذَا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢/ ٤٧٠٧ و٤٧٠٨ - وفي "الكبرى" ٢/ ٦٩١٠ و٦٩١١. وأخرجه (م) فِي "القسامة" ١٦٧٠ (أحمد) فِي "مسند المدنيين" ١٦١٦٢ و"باقي مسند الأنصار" ٢٢٦٧٦ و٢٣١٥٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧١٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَنَّ الْقَسَامَةَ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَقَرَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَضَى بِهَا بَيْنَ أُنَاسٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فِي قَتِيلٍ ادَّعَوْهُ عَلَى يَهُودِ خَيْبَرَ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن هاشم": هو ابن سعيد الْبَعْلَبَكّيّ القرشيّ، صدوقٌ، منْ صغار [١٠] ٣/ ٤٥٤ منْ أفراد المصنّف. و"الوليد": هو ابن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية [٨] ٥/ ٤٥٤. و"الأوزاعيّ": هو عبد الرحمن بن عمرو الإمام المشهور. والحديث صحيح، وَقَدْ سبق تمام البحث فيه فِي الْحَدِيث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وقوله: (خَالَفَهُمَا مَعْمَرٌ) أي خالف يونسَ بنَ يزيد، والأوزاعيَّ فِي روايتهما عن الزهريّ، معمرُ بنُ راشد، فرواه عن الزهريّ، عن ابن المسيّب، مرسلاً، لكن مثل هَذَا الخلاف لا يضرّ فِي صحّة الْحَدِيث؛ لأنهما ثقتان حافظان، فيُقدّمان عليه، ولاسيّما، وَقَدْ تابعهما ابن جريج، وصالح بن كيسان، عند مسلم، فروياه موصولاً مثلهما، فلذا أخرجه الإِمام مسلم رحمه الله تعالى فِي "صحيحه"، منْ رواية يونس، وابن جريج،

стр. 17186

وصالح، كلهم عن الزهريّ، بالإسناد المذكور، فتبصّر، ولا تتحيّر. ثم ذكر رواية معمر، فَقَالَ: ٤٧١١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: كَانَتِ الْقَسَامَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ أَقَرَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فِي الأَنْصَارِيِّ الَّذِي وُجِدَ مَقْتُولاً، فِي جُبِّ الْيَهُودِ، فَقَالَتِ الأَنْصَارُ: الْيَهُودُ قَتَلُوا صَاحِبَنَا). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. وقوله: "فِي الأنصاريّ الذي وُجد مقتولاً": هو عبد الله بن سهل الآتي قصّته فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى. وقوله: "فِي جُبّ اليهود": "الجبّ" بضمّ الجب، وتشديد الباء الموحّدة: هي البئر التي لم تُطْوَ، وهو مذكّرٌ، وَقَالَ الفرّاء: يُذكّر، ويؤنّث، والجمع أَجْبَابٌ، وجِبَابٌ، وجِبَبَةٌ، مثلُ عِنَبَة. قاله الفيّوميّ. والحديث مرسلٌ صحيحٌ بما قبله، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٢/ ٤٧١١ - وفي "الكبرى" ٢/ ٦٩١٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٣ - (تَبْدِئَةُ أَهْلِ الدَّمِ فِي الْقَسَامَةِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "التبدئة": مصدر بدّأ بالتشديد (١)، يقال: بدأ الشيءَ، وبدأ بالشيء، وابتدأ به، وأبدأه، وابتدأه، وكلها بمعنى فعله ابتداءً، فمعنى تبدئة أهل الدم فِي القسامة: تقديم أولياء المقتول فِي اليمين عَلَى أولياء القاتل، وسيأتي اختلاف العلماء فِي ذلك، قريبًا، إن شاء الله تعالى. ٤٧١٢ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي لَيْلَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّ سَهْلَ بْنَ أَبِي

стр. 17187

حَثْمَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ، خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ، مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمَا، فَأُتِىَ مُحَيِّصَةُ، فَأُخْبِرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِلَ، وَطُرِحَ فِي فَقِيرٍ، أَوْ عَيْنٍ، فَأَتَى يَهُودَ، فَقَالَ: أَنْتُمْ وَاللَّهِ قَتَلْتُمُوهُ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ، حَتَّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ هُوَ، وَحُوَيِّصَةُ، وَهُوَ أَخُوهُ أَكْبَرُ مِنْهُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَبِّرْ كَبِّرْ"، وَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يُؤْذَنُوا بِحَرْبٍ"، فَكَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبُوا: إِنَّا وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لِحُوَيِّصَةَ، وَمُحَيِّصَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ: "تَحْلِفُونَ، وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟ "، قَالُوا: لَا، قَالَ: "فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ؟ "، قَالُوا: لَيْسُوا مُسْلِمِينَ، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ بِمِائَةِ نَاقَةٍ، حَتَّى أُدْخِلَتْ عَلَيْهِمُ الدَّارَ، قَالَ سَهْلٌ: لَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (مالك بن أنس) إمام دار الهجرة الحجة الثبت [٧] ٧/ ٧. ٢ - (أبو ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل الأنصاريّ) الحارثيّ المدنيّ، ويقال: اسمه عبد الله، ثقة [٤]. وفي "تهذيب التهذيب" ٤/ ٥٧٨ - ٥٧٩ - : روى عن سهل بن أبي حثمة، ورجال، وقيل: عن رجال منْ كبراء قومه، وعنه مالك بن أنس، وقيل: عن مالك، عن أبي ليلى، عبد الله بن سهل، قَالَ ابن سعد: أبو ليلى، اسمه عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل بن كعب، منْ بني عامر بن عدي بن جُشَم بن مَجْدَعَةَ بن الأوس، وهو الذي رَوَى عنه مالك، حديثَ القسامة. وَقَالَ البخاريّ: عبد الله بن سهل، سمع عائشة. ورَوَى محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل بن أبي حثمة، عن عائشة، وجابر، كذا نسبه. وقَالَ ابن حبّان فِي "الثقات": عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل، أحد بني حارثة، كنيته أبو ليلى، وكذا قَالَ مسلم، والنسائي، والدولابي، وغيرهم. وَقَالَ ابن أبي حاتم فِي "الكنى": سئل أبو زرعة عن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن الحارثي؟ فَقَالَ: أنصاريّ ثقة، وكان قد ذكر عبد الله بن سهل فِي الأسماء، وَقَالَ ابن عبد البرّ: أجمعوا عَلَى أنه ثقة. أخرج له البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والمصنف، وابن ماجه، وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث، وأعاده بعده. ٣ - (سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ) -بفتح المهملة، وسكون المثلثة- واسم أبي حثمة: عامر

стр. 17188

ابن ساعدة بن عامر، ويقال: اسم أبيه عبد الله، فاشتهر هو بالنسبة إلى جده، وهو منْ بني حارثة، بطن منْ الأوس، الأنصاريّ الخزرجيّ المدنيّ، صحابيّ صغير، وُلد سنة ثلاث منْ الهجرة، ولأبيه صحبة أيضًا، وتقدمت ترجمة سهل ﵁ فِي ٥/ ٧٤٨ - . والباقيان تقدّما قريبًا. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، منْ مالك، ومن قبله مصريان. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ أَبِي لَيْلَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيِّ) تقدّم أنه قيل: إن اسمه عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل (أَنَّ سَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ) رضي الله تعالى عنه (أَخْبَرَهُ) أي أخبر أبا ليلى (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ) -بضمّ الميم، وفتح الحاء المهملة، وتشديد التحتانيّة المكسورة فِي الأشهر، ويجوز تسكين الياء. وَقَالَ فِي "الفتح": "محيصة" -بضم الميم، وفتح المهملة، وتشديد التحتانية، مكسورة، بعدها صاد مهملة، وكذا ضَبْطُ أخيه حويصة، وحُكي التخفيف فِي الاسمين معا، ورجحه طائفة. وهو ابن مسعود بن كعب بن عامر بن عديّ بن مَجْدَعَة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاريّ، شهد أحدًا، وسائر المشاهد. (خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ، مِنْ جَهْدٍ) بفتح الجيم، وسكون الهاء: أي مشقّة بلغت الغايةَ (أَصَابَهُمَا، فَأُتِيَ مُحَيِّصَةُ، فَأُخْبِرَ) ببناء الفعلين للمفعول: أي أتاه آتٍ، فأخبره (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِلَ) بالبناء للمفعول أيضًا، وكذا قوله (وَطُرِحَ فِي فَقِيرٍ) بفتح الفاء، وكسر القاف، بلفظ الفقير المقابل للغنيّ: وهي الحفيرة، وفي "اللسان": فم القَناة. وَقَالَ فِي "النهاية" ٣/ ٤٦٣ - : الفقير: البئر، وقيل: هي القليلة الماء، والفقير أيضًا: فم القَنَاة، وفَقير النخلة: حُفرة تُحفر للفَسِيلة، إذا حُوِّلت لِتُغْرَسَ فيها، ويقال لها أيضًا الْفُقْرَة بضم، فسكون. انتهى بتصرّف (أَوْ عَيْنٍ) "أو" للشكّ منْ الراوي (فَأَتَى) مُحيّصة (يَهُودَ) بمنع الصرف للعلميّة ووزن الفعل، كما قاله الفيّوميّ (فَقَالَ: أَنْتُمْ وَاللهِ قَتَلْتُمُوهُ) أي عبد الله ابن سهل (فَقَالُوا: وَاللهِ مَا قَتَلْنَاهُ) وفي رواية سعيد بن عُبيد، عن بُشير الآتية: "فقالوا للذين وجدوه عندهم: قتلتم صاحبنا، قالوا: ما قتلناه، ولا علمنا له قاتلاً" (ثُمَّ أَقْبَلَ) محيّصة (حَتَّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ) أي قصّ عليه قصّة قتل

стр. 17189

عبد الله بن سهل ﵁، فقوله (ثُمَّ أَقْبَلَ) الخ تفسير للجملة السابقة (هُوَ) أي محيّصة، وإنما أتى بالضمير المنفصل؛ ليمكنه عطف قوله (وَحُوَيِّصَةُ) لأن العطف عَلَى ضمير الرفع المتّصل بلا فاصل ضعيف، كما قَالَ ابن مالك: وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ و"حُوَيِّصَة": بضمّ الحاء المهملة، وفتح الواو، وتشديد التحتانيّة، وَقَدْ تُسكّن. (وَهُوَ أَخُوهُ) أي حُوَيِّصة أخو مُحيِّصة، إذ هما ابنا مسعود بن كعب، وَقَدْ تقدّم قريبًا ذكر نسبهما. وَقَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "ثم أقبل هو وأخوه حويّصة": يعني به محيّصة، وهما ابنا مسعود بن زيد (١)، والمشهور فِي حويّصة، ومُحيّصة تخفيف الياء، وَقَدْ رويا بكسر الياء، وتشديدها، وعلى الوجهين، فهما مصغّران، والمقتول عبد الله بن سهل بن زيد، وأخوه عبد الرحمن بن سهل، فالأربعة بنو عمّ بعضهم لبعض، وإنما تقدّم محيّصة بالكلام؛ لكونه كَانَ بخيبر حين قُتل عبد الله، غير أنه كَانَ أصغر سنّا منْ حُوَيّصةَ، ولذلك قَالَ النبيّ ﷺ : "كبّر كبّر": أي قدّم للكلام قبلك منْ هو أكبر سنّا منك، فتقدّم حويّصة، وكأنه كَانَ أكبر منه، ومن عبد الرحمن أخي المقتول. انتهى "المفهم" ٥/ ٨. (أَكْبَرُ مِنْهُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ) أخو عبد الله بن سهل المقتول (فَذَهَبَ) أي شَرَعَ (مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ) أي ليذكر القضيّة، ويشرحها للنبيّ ﷺ ، فقوله (وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ) علّة لتقدّمه عليهما فِي الكلام، أي إنما ذهب ليتكلّم؛ لكونه هو الذي شهد الواقعة، حيث كَانَ مع المقتول فِي خيبر، فوجد عبد الله مقتولاً فيها (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَبِّرْ، كَبِّرْ") بتشديد الباء الموحدة: أمر بتقديم الأكبر عليه، وكرّره للتأكيد (وَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ) حيث كَانَ هو الأكبر منهما، وَقَدْ أخبره بتفاصيل القضيّة محيّصة، فهو عالم بها (ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ) حيث شهد القضيّة (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِمَّا أَنْ يَدُوا) مضارع وَدَى بحذف الواو، كما فِي يَفِي، والضمير لليهود (صَاحِبَكُمْ) أي يعطوا ديته، يقال: وَدَى القاتل القتيل دِيَةً: إذا أعطى وليَّه المالَ الذي هو بدل النفس (وَإِمَّا أَنْ يُؤْذَنُوا) قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: الظاهر أنه بفتح الياء منْ الإذن، بمعنى العلم، مثله قوله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٩]، وضُبط علي بناء المفعول، منْ الإيذان، بمعنى الإعلام، وهو أقرب إلى الخطّ، والمراد أنهم يفعلون أحد الأمرين، إن

стр. 17190

ثبت عليهم القتل، دم صاحبكم المقتول، أو دم صاحبكم القاتل، عَلَى مذهب منْ يرى القصاص بالقسامة. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ثبوت القصاص بالقسامة هو أرجح الأقوال؛ لظاهر النصّ، كما سيأتي تحقيقه فِي المسائل، إن شاء الله تعالى. (بِحَرْبٍ) أي بمحاربة الله تعالى ورسوله ﷺ . قَالَ القرطبيّ: هَذَا الكلام منْ النبيّ ﷺ عَلَى جِهة التأنيس، والتسلية لأولياء المقتول، وعلى جهة الإخبار بالحكم عَلَى تقدير ثبوت القتل عليهم، لا أن ذلك كَانَ حكمًا منْ النبيّ ﷺ عَلَى اليهود فِي حال غيبتهم، فإنه بعدُ لم يسمع منهم، ولا حضروا حَتَّى يسألهم، ولذلك كتب إليهم بعد أن صدر منه ذلك القول، ثم إن النبيّ ﷺ بعد أن سمع الدعوى لم يستحضر المدّعَى عليهم إليه. انتهى. (فَكَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ذَلِكَ) أي فِي شأن قتل عبد الله بن سهل ﵁ (فَكَتَبُوا) أي اليهود إليه ﷺ (إِنَّا وَاللهِ مَا قَتَلْنَاهُ) زاد فِي رواية: "وما علمنا له قاتلاً" (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، لِحُوَيِّصَةَ، وَمُحَيَّصَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ) ﵃ (تَحْلِفُونَ) بتقدير همزة الاستفهام، وفي الرواية الآتية: "أتحلفون خمسين يمينًا". وهذا هو محلّ الترجمة، حيث بدأ النبيّ ﷺ بأيمان أهل الدم فِي القسامة، وهو قول معظم القائلين بأن القسامة يُستوجَب بها الدم، وخالف فِي ذلك بعضهم، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا، إن شاء الله تعالى (وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟) وفي رواية: "فيُدفع إليكم برُمّته"، وهو نصّ فِي أن القسامة يُستحقّ بها الدم، وهو قول معظم الحجازيين، وسيأتي تحقيق الخلاف فِي ذلك قريبًا، إن شاء الله تعالى (قَالُوا) أي حويّصة، ومحيصة، وعبد الرحمن (لَا) وفي الرواية الآتية: "كيف نحلف، ولم نشهد، ولم نحضر؟ " (قَالَ) ﷺ (فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ؟) أي فإذا امتنعتم منْ استحقاق الدم بحلفكم، فتحلف لكم يهود، وفي الرواية الآتية: "قَالَ: فتبرئكم اليهود بخمسين أنهم لم يقتلوه" (قَالُوا: لَيْسُوا مُسْلِمِينَ) وفي رواية سعيد بن عبيد الآتية: "لا نرضى بأيمان اليهود"، وفي رواية يحيى بن سعيد الآتية: "فتبرئكم يهود بخمسين يمينا": أي يخلصونكم منْ الأيمان، بأن يحلفوهم، فإذا حلفوا انتهت الخصومة، فلم يجب عليهم شيء، وخلصتم أنتم منْ الأيمان، "قالوا: كيف نقبل بأيمان قوم كفار"، وفي رواية: "نأخذ" بدل "نقبل"، وفي رواية: "ما يبالون أن يقتلونا أجمعين، ثم يحلفون". قَالَ فِي "الفتح": ما حاصله: لم يذكر فِي رواية سعيد بن عبيد، عرض الأيمان عَلَى المدعين، كما لم يقع فِي رواية يحيى بن سعيد، طلب البينة أَوّلاً. وطريق الجمع أن يقال: حفظ أحدهم ما لم يحفظ الآخر، فيحمل عَلَى أنه طلب البينة، أوّلاً، فلم تكن لهم بينة، فعَرَض عليهم الأيمان، فامتنعوا، فعرض عليهم تحليف
следующие страницы →