← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 17186–17225 · переход к 17191.

стр. 17186

وصالح، كلهم عن الزهريّ، بالإسناد المذكور، فتبصّر، ولا تتحيّر. ثم ذكر رواية معمر، فَقَالَ: ٤٧١١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: كَانَتِ الْقَسَامَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ أَقَرَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فِي الأَنْصَارِيِّ الَّذِي وُجِدَ مَقْتُولاً، فِي جُبِّ الْيَهُودِ، فَقَالَتِ الأَنْصَارُ: الْيَهُودُ قَتَلُوا صَاحِبَنَا). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. وقوله: "فِي الأنصاريّ الذي وُجد مقتولاً": هو عبد الله بن سهل الآتي قصّته فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى. وقوله: "فِي جُبّ اليهود": "الجبّ" بضمّ الجب، وتشديد الباء الموحّدة: هي البئر التي لم تُطْوَ، وهو مذكّرٌ، وَقَالَ الفرّاء: يُذكّر، ويؤنّث، والجمع أَجْبَابٌ، وجِبَابٌ، وجِبَبَةٌ، مثلُ عِنَبَة. قاله الفيّوميّ. والحديث مرسلٌ صحيحٌ بما قبله، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٢/ ٤٧١١ - وفي "الكبرى" ٢/ ٦٩١٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٣ - (تَبْدِئَةُ أَهْلِ الدَّمِ فِي الْقَسَامَةِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "التبدئة": مصدر بدّأ بالتشديد (١)، يقال: بدأ الشيءَ، وبدأ بالشيء، وابتدأ به، وأبدأه، وابتدأه، وكلها بمعنى فعله ابتداءً، فمعنى تبدئة أهل الدم فِي القسامة: تقديم أولياء المقتول فِي اليمين عَلَى أولياء القاتل، وسيأتي اختلاف العلماء فِي ذلك، قريبًا، إن شاء الله تعالى. ٤٧١٢ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي لَيْلَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّ سَهْلَ بْنَ أَبِي

стр. 17187

حَثْمَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ، خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ، مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمَا، فَأُتِىَ مُحَيِّصَةُ، فَأُخْبِرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِلَ، وَطُرِحَ فِي فَقِيرٍ، أَوْ عَيْنٍ، فَأَتَى يَهُودَ، فَقَالَ: أَنْتُمْ وَاللَّهِ قَتَلْتُمُوهُ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ، حَتَّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ هُوَ، وَحُوَيِّصَةُ، وَهُوَ أَخُوهُ أَكْبَرُ مِنْهُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَبِّرْ كَبِّرْ"، وَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يُؤْذَنُوا بِحَرْبٍ"، فَكَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبُوا: إِنَّا وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لِحُوَيِّصَةَ، وَمُحَيِّصَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ: "تَحْلِفُونَ، وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟ "، قَالُوا: لَا، قَالَ: "فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ؟ "، قَالُوا: لَيْسُوا مُسْلِمِينَ، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ بِمِائَةِ نَاقَةٍ، حَتَّى أُدْخِلَتْ عَلَيْهِمُ الدَّارَ، قَالَ سَهْلٌ: لَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (مالك بن أنس) إمام دار الهجرة الحجة الثبت [٧] ٧/ ٧. ٢ - (أبو ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل الأنصاريّ) الحارثيّ المدنيّ، ويقال: اسمه عبد الله، ثقة [٤]. وفي "تهذيب التهذيب" ٤/ ٥٧٨ - ٥٧٩ - : روى عن سهل بن أبي حثمة، ورجال، وقيل: عن رجال منْ كبراء قومه، وعنه مالك بن أنس، وقيل: عن مالك، عن أبي ليلى، عبد الله بن سهل، قَالَ ابن سعد: أبو ليلى، اسمه عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل بن كعب، منْ بني عامر بن عدي بن جُشَم بن مَجْدَعَةَ بن الأوس، وهو الذي رَوَى عنه مالك، حديثَ القسامة. وَقَالَ البخاريّ: عبد الله بن سهل، سمع عائشة. ورَوَى محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل بن أبي حثمة، عن عائشة، وجابر، كذا نسبه. وقَالَ ابن حبّان فِي "الثقات": عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل، أحد بني حارثة، كنيته أبو ليلى، وكذا قَالَ مسلم، والنسائي، والدولابي، وغيرهم. وَقَالَ ابن أبي حاتم فِي "الكنى": سئل أبو زرعة عن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن الحارثي؟ فَقَالَ: أنصاريّ ثقة، وكان قد ذكر عبد الله بن سهل فِي الأسماء، وَقَالَ ابن عبد البرّ: أجمعوا عَلَى أنه ثقة. أخرج له البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والمصنف، وابن ماجه، وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث، وأعاده بعده. ٣ - (سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ) -بفتح المهملة، وسكون المثلثة- واسم أبي حثمة: عامر

стр. 17188

ابن ساعدة بن عامر، ويقال: اسم أبيه عبد الله، فاشتهر هو بالنسبة إلى جده، وهو منْ بني حارثة، بطن منْ الأوس، الأنصاريّ الخزرجيّ المدنيّ، صحابيّ صغير، وُلد سنة ثلاث منْ الهجرة، ولأبيه صحبة أيضًا، وتقدمت ترجمة سهل ﵁ فِي ٥/ ٧٤٨ - . والباقيان تقدّما قريبًا. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، منْ مالك، ومن قبله مصريان. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ أَبِي لَيْلَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيِّ) تقدّم أنه قيل: إن اسمه عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل (أَنَّ سَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ) رضي الله تعالى عنه (أَخْبَرَهُ) أي أخبر أبا ليلى (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ) -بضمّ الميم، وفتح الحاء المهملة، وتشديد التحتانيّة المكسورة فِي الأشهر، ويجوز تسكين الياء. وَقَالَ فِي "الفتح": "محيصة" -بضم الميم، وفتح المهملة، وتشديد التحتانية، مكسورة، بعدها صاد مهملة، وكذا ضَبْطُ أخيه حويصة، وحُكي التخفيف فِي الاسمين معا، ورجحه طائفة. وهو ابن مسعود بن كعب بن عامر بن عديّ بن مَجْدَعَة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاريّ، شهد أحدًا، وسائر المشاهد. (خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ، مِنْ جَهْدٍ) بفتح الجيم، وسكون الهاء: أي مشقّة بلغت الغايةَ (أَصَابَهُمَا، فَأُتِيَ مُحَيِّصَةُ، فَأُخْبِرَ) ببناء الفعلين للمفعول: أي أتاه آتٍ، فأخبره (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِلَ) بالبناء للمفعول أيضًا، وكذا قوله (وَطُرِحَ فِي فَقِيرٍ) بفتح الفاء، وكسر القاف، بلفظ الفقير المقابل للغنيّ: وهي الحفيرة، وفي "اللسان": فم القَناة. وَقَالَ فِي "النهاية" ٣/ ٤٦٣ - : الفقير: البئر، وقيل: هي القليلة الماء، والفقير أيضًا: فم القَنَاة، وفَقير النخلة: حُفرة تُحفر للفَسِيلة، إذا حُوِّلت لِتُغْرَسَ فيها، ويقال لها أيضًا الْفُقْرَة بضم، فسكون. انتهى بتصرّف (أَوْ عَيْنٍ) "أو" للشكّ منْ الراوي (فَأَتَى) مُحيّصة (يَهُودَ) بمنع الصرف للعلميّة ووزن الفعل، كما قاله الفيّوميّ (فَقَالَ: أَنْتُمْ وَاللهِ قَتَلْتُمُوهُ) أي عبد الله ابن سهل (فَقَالُوا: وَاللهِ مَا قَتَلْنَاهُ) وفي رواية سعيد بن عُبيد، عن بُشير الآتية: "فقالوا للذين وجدوه عندهم: قتلتم صاحبنا، قالوا: ما قتلناه، ولا علمنا له قاتلاً" (ثُمَّ أَقْبَلَ) محيّصة (حَتَّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ) أي قصّ عليه قصّة قتل

стр. 17189

عبد الله بن سهل ﵁، فقوله (ثُمَّ أَقْبَلَ) الخ تفسير للجملة السابقة (هُوَ) أي محيّصة، وإنما أتى بالضمير المنفصل؛ ليمكنه عطف قوله (وَحُوَيِّصَةُ) لأن العطف عَلَى ضمير الرفع المتّصل بلا فاصل ضعيف، كما قَالَ ابن مالك: وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ و"حُوَيِّصَة": بضمّ الحاء المهملة، وفتح الواو، وتشديد التحتانيّة، وَقَدْ تُسكّن. (وَهُوَ أَخُوهُ) أي حُوَيِّصة أخو مُحيِّصة، إذ هما ابنا مسعود بن كعب، وَقَدْ تقدّم قريبًا ذكر نسبهما. وَقَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "ثم أقبل هو وأخوه حويّصة": يعني به محيّصة، وهما ابنا مسعود بن زيد (١)، والمشهور فِي حويّصة، ومُحيّصة تخفيف الياء، وَقَدْ رويا بكسر الياء، وتشديدها، وعلى الوجهين، فهما مصغّران، والمقتول عبد الله بن سهل بن زيد، وأخوه عبد الرحمن بن سهل، فالأربعة بنو عمّ بعضهم لبعض، وإنما تقدّم محيّصة بالكلام؛ لكونه كَانَ بخيبر حين قُتل عبد الله، غير أنه كَانَ أصغر سنّا منْ حُوَيّصةَ، ولذلك قَالَ النبيّ ﷺ : "كبّر كبّر": أي قدّم للكلام قبلك منْ هو أكبر سنّا منك، فتقدّم حويّصة، وكأنه كَانَ أكبر منه، ومن عبد الرحمن أخي المقتول. انتهى "المفهم" ٥/ ٨. (أَكْبَرُ مِنْهُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ) أخو عبد الله بن سهل المقتول (فَذَهَبَ) أي شَرَعَ (مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ) أي ليذكر القضيّة، ويشرحها للنبيّ ﷺ ، فقوله (وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ) علّة لتقدّمه عليهما فِي الكلام، أي إنما ذهب ليتكلّم؛ لكونه هو الذي شهد الواقعة، حيث كَانَ مع المقتول فِي خيبر، فوجد عبد الله مقتولاً فيها (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَبِّرْ، كَبِّرْ") بتشديد الباء الموحدة: أمر بتقديم الأكبر عليه، وكرّره للتأكيد (وَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ) حيث كَانَ هو الأكبر منهما، وَقَدْ أخبره بتفاصيل القضيّة محيّصة، فهو عالم بها (ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ) حيث شهد القضيّة (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِمَّا أَنْ يَدُوا) مضارع وَدَى بحذف الواو، كما فِي يَفِي، والضمير لليهود (صَاحِبَكُمْ) أي يعطوا ديته، يقال: وَدَى القاتل القتيل دِيَةً: إذا أعطى وليَّه المالَ الذي هو بدل النفس (وَإِمَّا أَنْ يُؤْذَنُوا) قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: الظاهر أنه بفتح الياء منْ الإذن، بمعنى العلم، مثله قوله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٩]، وضُبط علي بناء المفعول، منْ الإيذان، بمعنى الإعلام، وهو أقرب إلى الخطّ، والمراد أنهم يفعلون أحد الأمرين، إن

стр. 17190

ثبت عليهم القتل، دم صاحبكم المقتول، أو دم صاحبكم القاتل، عَلَى مذهب منْ يرى القصاص بالقسامة. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ثبوت القصاص بالقسامة هو أرجح الأقوال؛ لظاهر النصّ، كما سيأتي تحقيقه فِي المسائل، إن شاء الله تعالى. (بِحَرْبٍ) أي بمحاربة الله تعالى ورسوله ﷺ . قَالَ القرطبيّ: هَذَا الكلام منْ النبيّ ﷺ عَلَى جِهة التأنيس، والتسلية لأولياء المقتول، وعلى جهة الإخبار بالحكم عَلَى تقدير ثبوت القتل عليهم، لا أن ذلك كَانَ حكمًا منْ النبيّ ﷺ عَلَى اليهود فِي حال غيبتهم، فإنه بعدُ لم يسمع منهم، ولا حضروا حَتَّى يسألهم، ولذلك كتب إليهم بعد أن صدر منه ذلك القول، ثم إن النبيّ ﷺ بعد أن سمع الدعوى لم يستحضر المدّعَى عليهم إليه. انتهى. (فَكَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ذَلِكَ) أي فِي شأن قتل عبد الله بن سهل ﵁ (فَكَتَبُوا) أي اليهود إليه ﷺ (إِنَّا وَاللهِ مَا قَتَلْنَاهُ) زاد فِي رواية: "وما علمنا له قاتلاً" (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، لِحُوَيِّصَةَ، وَمُحَيَّصَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ) ﵃ (تَحْلِفُونَ) بتقدير همزة الاستفهام، وفي الرواية الآتية: "أتحلفون خمسين يمينًا". وهذا هو محلّ الترجمة، حيث بدأ النبيّ ﷺ بأيمان أهل الدم فِي القسامة، وهو قول معظم القائلين بأن القسامة يُستوجَب بها الدم، وخالف فِي ذلك بعضهم، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا، إن شاء الله تعالى (وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟) وفي رواية: "فيُدفع إليكم برُمّته"، وهو نصّ فِي أن القسامة يُستحقّ بها الدم، وهو قول معظم الحجازيين، وسيأتي تحقيق الخلاف فِي ذلك قريبًا، إن شاء الله تعالى (قَالُوا) أي حويّصة، ومحيصة، وعبد الرحمن (لَا) وفي الرواية الآتية: "كيف نحلف، ولم نشهد، ولم نحضر؟ " (قَالَ) ﷺ (فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ؟) أي فإذا امتنعتم منْ استحقاق الدم بحلفكم، فتحلف لكم يهود، وفي الرواية الآتية: "قَالَ: فتبرئكم اليهود بخمسين أنهم لم يقتلوه" (قَالُوا: لَيْسُوا مُسْلِمِينَ) وفي رواية سعيد بن عبيد الآتية: "لا نرضى بأيمان اليهود"، وفي رواية يحيى بن سعيد الآتية: "فتبرئكم يهود بخمسين يمينا": أي يخلصونكم منْ الأيمان، بأن يحلفوهم، فإذا حلفوا انتهت الخصومة، فلم يجب عليهم شيء، وخلصتم أنتم منْ الأيمان، "قالوا: كيف نقبل بأيمان قوم كفار"، وفي رواية: "نأخذ" بدل "نقبل"، وفي رواية: "ما يبالون أن يقتلونا أجمعين، ثم يحلفون". قَالَ فِي "الفتح": ما حاصله: لم يذكر فِي رواية سعيد بن عبيد، عرض الأيمان عَلَى المدعين، كما لم يقع فِي رواية يحيى بن سعيد، طلب البينة أَوّلاً. وطريق الجمع أن يقال: حفظ أحدهم ما لم يحفظ الآخر، فيحمل عَلَى أنه طلب البينة، أوّلاً، فلم تكن لهم بينة، فعَرَض عليهم الأيمان، فامتنعوا، فعرض عليهم تحليف

стр. 17191

المدعَى عليهم، فأَبَوا. وأما قول بعضهم: إن ذكر البينة وَهَمٌ؛ لأنه ﷺ ، قد عَلِمَ أن خيبر حينئذ، لم يكن بها أحد منْ المسلمين، فدعوى نفي العلم مردودة، فإنه وإن سُلِّم أنه لم يسكن مع اليهود فيها أحد منْ المسلمين، لكن فِي نفس القصة، أن جماعة منْ المسلمين خرجوا يمتارون تمرا، فيجوز أن تكون طائفة أخرى خرجوا لمثل ذلك، وإن لم يكن فِي نفس الأمر كذلك، وَقَدْ وجدنا لطلب البينة، فِي هذه القصة شاهدا منْ وجه آخر، أخرجه النسائيّ ٤/ ٤٧٢٢ - منْ طريق عبيد الله بن الأخنس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده: أن ابن محيصة الأصغر أصبح قتيلا عَلَى أبواب خيبر، فَقَالَ رسول الله ﷺ : "أقم شاهدين عَلَى منْ قتله، أدفعه إليك برمته"، قَالَ: يا رسول الله، أَنَّى أُصيب شاهدين؟، وإنما أصبح قتيلا عَلَى أبوابهم، قَالَ: "فتحلف خمسين قسامة"، قَالَ: فكيف أحلف عَلَى ما لا أعلم؟، قَالَ: "تستحلف خمسين منهم"، قَالَ: "كيف وهم يهود؟ ". قَالَ الحافظ: وهذا السند صحيح حسن، وهو نَصٌّ فِي الحمل الذي ذكرته، فتعين المصير إليه. وَقَدْ أخرج أبو داود أيضا، منْ طريق عباية بن رفاعة، عن جده رافع بن خديج، قَالَ: أصبح رجل منْ الأنصار، بخيبر مقتولا، فانطلق أولياؤه إلى النبيّ ﷺ ، فَقَالَ: "شاهدان يشهدان عَلَى قتل صاحبكم"، قَالَ: لم يكن ثَمَّ أحد منْ المسلمين، وإنما هم اليهود، وَقَدْ يجترئون عَلَى أعظم منْ هَذَا. انتهى "فتح" ١٤/ ٢٢٥. (فَوَدَاهُ) أي أعطى ديته (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، مِنْ عِنْدِهِ) وفي رواية: "منْ قِبَله" بكسر القاف، وفتح الموحّدة: أي منْ جهته. وفي رواية سعيد بن عُبيد الآتية: "فوداه مائة منْ إبل الصدقة". قَالَ فِي "الفتح" -١٤/ ٢٢٦ - : زعم بعضهم أنه غلط منْ سعيد بن عبيد؛ لتصريح يحيى ابن سعيد بقوله: "منْ عنده"، وجمع بعضهم بين الروايتين، باحتمال أن يكون اشتراها منْ إبل الصدقة، بمال دفعه منْ عنده، أو المراد بقوله: "منْ عنده": أي بيت المال الْمُرَصَّد للمصالح، وأَطلَقَ عليه صدقة، باعتبار الانتفاع به مجانا؛ لما فِي ذلك منْ قطع المنازعة، وإصلاح ذات البين، وَقَدْ حمله بعضهم عَلَى ظاهره، فحكى القاضي عياض، عن بعض العلماء، جواز صرف الزكاة فِي المصالح العامة، واستدل بهذا الْحَدِيث، وغيره، وتقدم شيء منْ ذلك فِي "كتاب الزكاة"، فِي الكلام عَلَى حديث أبي لاس ﵁، قَالَ: "حملنا النبيّ ﷺ ، عَلَى إبل منْ إبل الصدقة، فِي الحج"، وعلى هَذَا فالمراد بالعندية، كونها تحت أمره، وحكمه، وللاحتراز منْ جعل ديته عَلَى اليهود، أو غيرهم.

стр. 17192

قَالَ القرطبيّ فِي "المفهم" ٥/ ١٥ - ١٦ - : إنما فعل رسول الله ﷺ عَلَى مقتضى كرم خلقه، وحسن سياسته، وجلبًا للمصلحة، ودفعًا للمفسدة، وإطفاء للثائرة، وتأليفًا للأغراض المتنافرة، ولاسيما عند تعذر الوصول إلى إستيفاء الحق، ورواية منْ قَالَ: "منْ عنده" أصح منْ رواية منْ قَالَ: "منْ إبل الصدقة"، وَقَدْ قيل: إنها غلط، والأولى أن لا يُغَلَّط الراوي ما أمكن، فيحتمل أوجها، فذكر ما تقدم، وزاد أن يكون تَسَلَّفَ ذلك منْ إبل الصدقة؛ ليدفعه منْ مال الفيء، أو أن أولياء القتيل، كانوا مستحقين للصدقة، فأعطاهم، أو أعطاهم ذلك منْ سهم المؤلفة؛ استئلافا لهم، واستجلابا لليهود. انتهى. (فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ بِمِائَةِ نَاقَةٍ، حَتَّى أُدْخِلَتْ عَلَيْهِمُ الدَّارَ) أي أدخلت فِي دارهم (قَالَ سَهْلٌ) هو ابن أبي حثْمة ﵁ الراوي لهذا الْحَدِيث (لَقَدْ رَكَضَتْنِي) أي ضربتني برجلها، قَالَ الفيّوميّ: رَكَضَ الرجلُ رَكْضًا، منْ باب قتل: إذا ضرب برجله، ويتعدّى إلى مفعول، فيقال: ركضتُ الفرس: إذا ضربته ليعدُوَ، ثم كثر، حَتَّى أُسند الفعل إلى الفرس، واستُعمل لازمًا، فقيل: رَكَضَ الفرسُ، قَالَ أبو زيد: يُستعمل لازمًا، ومتعدّيًا، فيقال: ركض الفرسُ، وركضته، ومنهم منْ منع استعماله لازمًا, ولا وجه للمنع بعد نقل العدل. وركض البعيرُ: ضرب برجله، مثلُ رمح. انتهى (مِنْهَا) أي منْ تلك الإبل (نَاقَةٌ حَمْرَاءُ) وفي رواية حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد: "أدركت ناقة منْ تلك الإبل، فدخلت مِرْبَدًا لهم، فركضتني برجلها"، وفي رواية شيبان بن بلال: "لقد ركضتني ناقة، منْ تلك الفرائض بالمربد"، وفي رواية محمد بن إسحاق: "فوالله ما أنسى ناقة بَكْرَة منها حمراء ضربتني، وأنا أَحُوزُها". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث سهل بن أبي حثمة ﵁ هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٣/ ٤٧١٢ و٤٧١٣ و٤/ ٤٧١٤ و٤٧١٥ و٤٧١٦ و٤٧١٧ و٤٧١٨ و٤٧١٩ و٤٧٢٠ و٤٧٢١ - وفي "الكبرى" ٣/ ٦٩١٣ و٦٩١٤ و٤/ ٦٩١٥ و٦٩١٦ و٦٩١٧ و٦٩١٨ و٦٩١٩ و٦٩٢٠ و٦٩٢١. وأخرجه (خ) فِي "الصلح" ٢٧٠٢ و"الجزية، والموادعة" ٣١٧٣ و"الأدب" ٦١٤٢ و"الديات" ٦٨٩٨ و"الأحكام" ٧١٩٢ (م) فِي "القسامة" ١٦٦٩ (د) فِي "الديات" ٤٥٢٠ و٤٥٢١ و٤٥٢٣ (ت) فِي "الديات" ١٤٢٢ (أحمد) فِي "مسند المدنيين" ١٥٦٦٤ (الموطأ) فِي "القسامة" ١٦٣٠ (الدارمي)

стр. 17193

فِي الديات" ٢٢٤٧. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان كون الابتداء فِي القسامة بأولياء المقتول. (ومنها): مشروعية القسامة، وبه يقول جمهور أهل العلم، وسيأتي تحقيق الخلاف فِي ذلك فِي المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أنه استُدِلّ به عَلَى تقديم الأسن فِي الأمر المهم، إذا كانت فيه أهلية ذلك، لا ما إذا كَانَ عَرِيّا عن ذلك، وعلى ذلك يحمل الأمر بتقديم الأكبر، فِي حديث الباب، إما لأن ولي الدم، لم يكن متأهلا، فأقام الحاكم قريبه مقامه فِي الدعوى، وإما لغير ذلك. (ومنها): إنَّ فيه التأنيسَ، والتسليةَ لأولياء المقتول، وليس فيه أنه حكم عَلَى الغائبين؛ لأنه لم يتقدم صورة دعوى عَلَى غائب، وإنما وقع الإخبار بما وقع، فذكر لهم قصة الحكم عَلَى التقديرين، ومن ثم كتب إلى اليهود، بعد أن دار بينهم الكلام المذكور. (ومنها): أنه يؤخذ منه أن مجرد الدعوى، لا توجب إحضار المدعى عليه؛ لأن فِي إِحضاره مشغلة عن أشغاله، وتضييعا لماله، منْ غير موجب ثابت لذلك، أما لو ظهر ما يُقَوِّي الدعوى، منْ شبهة ظاهرة، فهل يسوغ استحضار الخصم، أولا؟ محل نظر، والراجح أن ذلك يختلف بالقرب والبعد، وشدة الضرر، وخفته. (ومنها): أن فيه الاكتفاءَ بالمكاتبة، وبخبر الواحد مع إمكان المشافهة. (ومنها): أن اليمين قبل توجيهها منْ الحاكم، لا أثر لها؛ لقول اليهود فِي جوابهم: والله ما قتلنا. (ومنها): أن فِي قولهم: لا نرضى بأيمان اليهود، استبعادًا لصدقهم، لما عرفوه منْ إقدامهم عَلَى الكذب، وجراءتهم عَلَى الأيمان الفاجرة. (ومنها): أنه استُدِلّ به عَلَى أن الدعوى فِي القسامة، لابد فيها منْ عداوة، أو لَوْث، واختلف فِي سماع هذه الدعوى، ولو لم توجب القسامة، فعن أحمد روايتان، وبسماعها قَالَ الشافعيّ؛ لعموم حديث: "اليمينُ عَلَى المدعَى عليه"، بعد قوله: "لو يُعطَى النَّاس بدعواهم، لادعى قوم دماء رجال، وأموالهم"، ولأنها دعوى فِي حق آدمي، فتُسمع، ويستحلف، وَقَدْ يقر، فيثبت الحق فِي قتله، ولا يقبل رجوعه عنه، فلو نكل رُدَّت عَلَى المدعِي، واستحق القَوَد فِي العمد، والدية فِي الخطأ، وعن الحنفية: لا ترد اليمين، وهي رواية عن أحمد.

стр. 17194

(ومنها): أنه استُدِلَّ به عَلَى أن المدعين، والمدعَى عليهم، إذا نَكَلوا عن اليمين، وجبت الدية فِي بيت المال، وسيأتي ما فيه قريبا، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أنه استدل به الحنفية عَلَى جواز سماع الدعوى فِي القتل، عَلَى غير معين؛ لان الأنصار ادعوا عَلَى اليهود، أنهم قتلوا صاحبهم، وسمع النبيّ ﷺ دعواهم. ورُدّ بأن الذي ذكره الأنصار أوّلا، ليس عَلَى صورة الدعوى بين الخصمين؛ لأن منْ شرطها إذا لم يحضر المدعى عليه، أن يتعذر حضوره. سلمنا, ولكن النبيّ ﷺ ، قد بين لهم أن الدعوى، إنما تكون عَلَى واحد؛ لقوله: "تقسمون عَلَى رجل منهم، فيدفعَ إليكم برمته"؟. (ومنها): أنه استُدِلّ بقوله: "عَلَى رجل منهم"، عَلَى أن القسامة إنما تكون عَلَى رجل واحد، وهو قول أحمد، ومشهور قول مالك، وَقَالَ الجمهور: يشترط أن تكون عَلَى معين، سواء كَانَ واحدا، أو أكثر، واختلفوا هل يختص القتل بواحد، أو يقتل الكل؟، وسيأتي البحث فيه. وَقَالَ أشهب: لهم أن يحلفوا عَلَى جماعة، ويختاروا واحدا للقتل، ويُسجن الباقون عامًا، ويضربون مائة مائة، وهو قول لم يسبق إليه. (ومنها): أن الحلف فِي القسامة لا يكون إلا مع الجزم بالقاتل، والطريق إلى ذلك المشاهدة، وإخبار منْ يوثق به، مع القرينة الدالة عَلَى ذلك. (ومنها): أن منْ توجهت عليه اليمين، فنكل عنها, لا يقضى عليه، حَتَّى يُرَدَّ اليمين عَلَى الآخر، وهو المشهور عند الجمهور، وعند أحمد، والحنفية: يقضى عليه، دون رد اليمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم هل يُعمل بالقسامة، أم لا؟: قَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: الْحَدِيث كله حجة واضحة للجمهور منْ السلف، والخلف عَلَى منْ أنكر العمل بالقسامة، وهم: سالم بن عبد الله، وأبو قلابة، ومسلم بن خالد، وقتادة، وابن عُليّة، وبعض المكيّين، فنفوا الحكم بها شرعًا فِي العمد، والخطأ. وَقَدْ رُوي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، والحكم بن عُتيبة. وَقَدْ رُوي عنهما العمل بها. وَقَدْ رُوي نفي العمل بها عن سليمان بن يسار، والصحيح عنه روايته المذكورة عنه هنا -يعني الْحَدِيث المذكور فِي الباب الماضي- حيث قَالَ، عن رجال منْ الأنصار: أن رسول الله ﷺ أقرّ القسامة عَلَى ما كانت عليه فِي الجاهليّة، وظاهر هَذَا: أنه يقول بها. انتهى "المفهم" ٥/ ١٨. وَقَالَ القاضي عياض رحمه الله تعالى: هَذَا الْحَدِيث أصل منْ أصول الشرع، وقاعدة منْ قواعد الأحكام، وركن منْ أركان مصالح العباد، وبه أخذ كافة الأئمة، والسلف منْ

стр. 17195

الصحابة والتابعين، وعلماء الأمة، وفقهاء الأمصار، منْ الحجازيين، والشاميين، والكوفيين، وإن اختلفوا فِي صورة الأخذ به. وروي التوقف عن الأخذ به عن طائفة، فلم يَرَوا القسامة، ولا أثبتوا بها فِي الشرع حكما، وهذا مذهب الْحَكَم بن عتبة، وأبي قلابة، وسالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، وقتادة، ومسلم بن خالد، وإبراهيم ابن علية، وإليه ينحو البخاريّ، ورُوي عن عمر بن عبد العزيز باختلاف عنه. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: آخر كلام القاضي -كما قَالَ الحافظ- ينافي ما صَدَّر به كلامه، أن كافة الأئمة أخذوا بها، وَقَدْ نُقل أيضًا عن غير هؤلاء أيضًا. قَالَ القاضي: واختلف قول مالك فِي مشروعية القسامة، فِي قتل الخطإ. قاله فِي "الفتح" ١٤/ ٢٢٦. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن جمهور أهل العلم قائلون بالعمل بالقسامة، وهو الحقّ؛ لظهور أدلّته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): فِي اختلافهم فيمن يُبدأ فِي القسامة: ذهب معظم القائلين بالقسامة إلى أنها تبدأ بالمدعين، ثم ترد إذا أبوا عَلَى المدعى عليهم، واحتجوا بحديث أبي هريرة ﵁: "البينة عَلَى المدعي، واليمين عَلَى المدعى عليه، إلا القسامة"، وبقول مالك: أجمعت الأئمة فِي القديم والحديث، عَلَى أن المدعين يبدأون فِي القسامة، ولأن جنبة المدعي إذا قريت (١) بشهادة أو شبهة، صارت اليمين له، وهاهنا الشبهة قوية، وقالوا: هذه سنة بحيالها، وأصل قائم برأسه؛ لحياة النَّاس، ورَدْع المعتدين، وخالفت الدعاوي فِي الأموال، فهي عَلَى ما ورد فيها، وكلٌّ أصلٌ، يتبع، ويستعمل، ولا تطرح سنة لسنة. وأجابوا عن رواية سعيد بن عبيد -يعني المذكورة فِي الباب التالي- بقول أهل الْحَدِيث: إنه وَهَمٌ منْ روايه، أسقط منْ السباق تبرئة المدعين باليمين؛ لكونه لم يَذكُر فيه رد اليمين، واشتملت رواية يحيى بن سعيد عَلَى زيادة منْ ثقة حافظ، فوجب قبولها، وهي تقضي عَلَى منْ لم يعرفها. وَقَالَ القرطبيّ: الْحَدِيث دليلٌ عَلَى أن القسامة يبدأ فيها المدّعون بالأيمان، وهو قول معظم القائلين بأن القسامة يُستوجب بها الدم، وَقَالَ مالك: الذي أجمعت عليه الأمة فِي القديم والحديث: أن المدّعين يبدؤون فِي القسامة.

стр. 17196

وخالف فِي ذلك الكوفيّون، وكثير منْ أهل البصرة، والمدنيين، والأوزاعيّ، وروي عن الزهريّ، وعمر بن الخطّاب ﵁، فقالوا: يُبدأ بالمدّعى عليهم، متمسّكين فِي ذلك بالأصل الذي دلّ عليه قوله ﷺ للمدّعي: "شاهداك، أو يمينه"، وبأنه قد رُوي هَذَا الْحَدِيث منْ طرق، ذكرها أبو داود، والنسائيّ، ذكر فيها أنه ﷺ طالب المدّعين بالبيّنة، فقالوا: ما لنا بيّنة، فَقَالَ: "فتحلف لكم يهود خمسين يمينًا"، وهذا هو الأصل المقطوع به فِي باب الدعاوي الذي نبّه الشرع عَلَى حكمته بقوله: "لو أُعطي النَّاس بدعاويهم لاستحلّ رجالٌ دماء رجال، وأموالهم، ولكن البيّنة عَلَى المدّعي، واليمين عَلَى منْ أنكر"، متّفقٌ عليه. وأجاب الجمهور عن ذلك بأن الصحيح المشهور المعروف منْ حديث حويّصة، ومُحيّصة تبدئة المدّعين بالأيمان، وهي رواية الأئمة الحفّاظ بالطرق المسندة المستفيضة، وما ذكروه مما رواه أبو داود، والنسائيّ مراسيل، وغير معروفة عند المحدّثين، وليست مما تُعارض بها الطرق الصحاح، فيجب ردّها بذلك. وأجابوا عن التمسّك بالأصل بأن هَذَا الحكم أصل بنفسه؛ لحرمة الدماء، ولتعذر إقامة البينة عَلَى القتل فيها غالبا، فإن المقاصد للقتل يقصد الخلوة، والْغِيلة، بخلاف سائر الحقوق، وبشهدات الروايات الصحيحة لهذا الأصل الخاصّ بهذا الحكم الخاصّ، وبقي ما عداه عَلَى ذلك الأصل الآخر، ثم ليس ذلك خروجًا عن ذلك الأصل بالكلّيّة، وذلك أن المدعَى عليه، إنما كَانَ القول قوله؛ لقوة جانبه بشهادة الأصل له بالبراءة مما ادُّعِيَ عليه، وذلك المعنى موجود هنا، فإنه إنما كَانَ القول قولَ المدّعين؛ لقوة جانبهم باللَّوث الذي يشهد لهم بصدقهم، فقد أعملنا ذلك الأصل، ولم نطرحه بالكليّة. انتهى "المفهم" ٥/ ١٠ - ١١. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأرجح هو القول بأنه يُبدأ فِي القسامة بأيمان أولياء المقتول، ثم تردّ عَلَى أولياء القاتل، لقوّة حجته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): فِي اختلاف أهل العلم فِي شرط ثبوت القسامة: [اعلم]: اتفقوا كلهم عَلَى أنها لا تجب بمجرد دعوى الأولياء، حَتَّى يقترن بها شبهة، يغلب عَلَى الظن الحكم بها، واختلفوا فِي تصوير الشبهة عَلَى سبعة أمور، وَقَدْ ذكرها القرطبيّ، فِي "المفهم"، وملخّصها ما يلي: [الأول]: أن يقول المريض: دَمِي عند فلان، أو ما أشبه ذلك، ولو لم يكن به أثر، أو جرح، فإن ذلك يوجب القسامة عند مالك، والليث، ولم يقل به غيرهما، واشترط

стр. 17197

بعض المالكية الأثر، أو الجرح. واحتُجَّ لمالك بقصة بقرة بني إسرائيل، قَالَ: ووجه الدلالة منها: أن الرجل حَيِي، فأخبر بقاتله، فاعتُمد عليه. وتُعُقِّب بخفاء الدلالة منها، وَقَدْ بالغ ابن حزم فِي رد ذلك. واحتجوا بأن القاتل يتطلب حالة غفلة النَّاس، فتَتَعذّر البينة، فلو لم يُعمَل بقول المضروب، لأدَّى ذلك إلى إهدار دمه، ولأنها حالة يُتَحَرَّى فيها اجتنابُ الكذب، ويُتَزَوَّد فيها منْ البر والتقوى، وهذا إنما يتأتَّى فِي حال المحتضر. [الثانية]: أن يشهد منْ لا يكمل النصاب بشهادته، كالواحد، أو جماعة غير عدول، قَالَ بها المذكوران، ووافقهما الشافعيّ، ومن تبعه. [الثالثة]: أن يشهد عدلان بالضرب، ثم يعيش بعده أياما، ثم يموت منه، منْ غير تخلل إفاقه، فَقَالَ المذكوران: تجب فيه القسامة، وَقَالَ الشافعيّ: بل يجب القصاص بتلك الشهادة. [الرابعة]: أن يوجد مقتول، وعنده أو بالقرب منه منْ بيده آلة القتل، وعليه أثر الدم مثلاً, ولا يوجد غيره، فتشرع فيه القسامة عند مالك، والشافعي، ويلتحق به أن تتفرّق جماعة عن قتيل. [الخامسة]: أن يقتتل طائفتان، فيوجد بينهما قتيل، ففيه القسامة عند الجمهور، وفي رواية عن مالك، تختص القسامة بالطائفة التي ليس هو منها، إلا إن كَانَ منْ غيرهما، فعلى الطائفتين. [السادسة]: المقتول فِي مزاحمة النَّاس، قَالَ الشافعيّ: تجب بذلك القسامة، وتكون فيه الدية. وعند مالك: هو هَدَرٌ. وَقَالَ إسحاق، والثوريّ: ديته عَلَى بيت المال، ورُوي مثله عن عمر، وعليّ ﵃. وَقَالَ الحسن، والزهريّ: ديته عَلَى منْ حضر. [السابعة]: أن يوجد قتيل فِي محلة، أو قبيلة، فهذا يوجب القسامة عند الثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وأتباعهم، ولا يوجب القسامة عندهم سوى هذه الصورة، وشرطها عندهم، إلا الحنفية أن يوجد بالقتيل أثر، وَقَالَ داود: لا تجري القسامة، إلا فِي العمد عَلَى أهل مدينة، أو قرية كبيرة، وهم أعداء للمقتول. وذهب الجمهور إلى أنه لا قسامة فيه، بل هو هَدَرٌ؛ لأنه قد يُقتَل، ويُلْقَى فِي المحلة؛ ليُتَّهَمُوا، وبه قَالَ الشافعيّ، وهو رواية عن أحمد، إلا أن يكون فِي مثل القصة التي فِي حديث الباب، فيتجه فيها القسامة؛ لوجود العداوة، ولم تر الحنفية، ومن وافقهم لوثا يوجب القسامة، إلا هذه الصورة. وحجة الجمهور القياس عَلَى هذه الواقعة، والجامع أن يَقتَرِن بالدعوى شيء يدل عَلَى صدق المدعِي، فيقسم معه، ويستحق.

стр. 17198

وَقَالَ ابن قدامة: ذهب الحنفية إلى أن القتيل، إذا وُجد فِي محل، فادَّعَى وليه عَلَى خمسين نفسا منْ موضع قتله، فحلفوا خمسين يمينا ما قتلناه، ولا علمنا له قاتلا، فان لم يجد خمسين، كرر الأيمان عَلَى منْ وجد، وتجب الدية عَلَى بقية أهل الخطة، ومن لم يحلف منْ المدعَى عليهم حُبس حَتَّى يَحلِف، أو يُقرَّ، واستدلوا بأثر عمر: أنه أحلف خمسين نفسا خمسين يمينا، وقضى بالدية عليهم. وتعقب باحتمال أن يكونوا أقروا بالخطإ، وأنكروا العمد، وبأن الحنفية لا يعملون بخبر الواحد، إذا خالف الأصول، ولو كَانَ مرفوعا، فكيف احتجوا بما خالف الأصول، بخبر واحد موقوف، وأوجبوا اليمين عَلَى غير المدعَى عليه. أفاده فِي "الفتح" ١٤/ ٢٢٧ - ٢٢٨، و"المفهم" ٥/ ٦ - ٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي وجوب القود بالقسامة: قَالَ القرطبّيّ رحمه الله تعالى: ما حاصله: ذهب معظم الحجازيين إلى أن القسامة، يُستَحقّ بها الدم، لقوله ﷺ : "فتستحقّون دم صاحبكم"، وفي رواية: "فيُدفع إليكم برُمَّته"، وهو قولى الزهريّ، وربيعة، والليث، ومالك، وأصحابه، والأوزاعيّ، وأبي ثور، وأحمد، وإسحاق، وداود، وأحد قولي الشافعيّ، ورُوي ذلك عن ابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز رحمهم الله تعالى. قَالَ أبو الزناد: قتلنا بالقسامة، وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون، إني لأراهم ألف رجل، فما اختلف منهم فِي ذلك اثنان. وذهب الكوفيّون، وإسحاق، والشافعيّ فِي قوله الآخر إلى أنه إنما تجب به الدية، وهو قول الحسن البصريّ، والحسن بن حيّ، والبَتِّيَ، والنخعيّ، والشعبيّ. وروي عن أبي بكر، وعمر، وابن عبّاس، ومعاوية ﵃، قَالَ القرطبيّ: والحديث المتقدّم نصٌّ فِي موضع الخلاف، فلا ينبغي العدول عنه. انتهى "المفهم" ٥/ ١٢. وَقَالَ فِي "الفتح": ما حاصله: استدل بحديث الباب عَلَى ثبوت القود فِي القسامة؛ لقوله ﷺ : "فتستحقون قاتلكم"، وفي الرواية الأخرى: "دم صاحبكم"، قَالَ ابن دقيق العيد: الاستدلال بالرواية التي فيها: "فيُدفَع بِرُمَّته"، أقوى منْ الاستدلال بقوله: "دم صاحبكم"؛ لان قوله: "يُدفَع برُمَّته" لفظ مستعمل فِي دفع القاتل للأولياء للقتل، ولو أن الواجب الدية لَبَعُد استعمال هَذَا اللفظ، وهو فِي استعماله فِي تسليم القاتل أظهر، والاستدلال بقوله: "دم صاحبكم"، أظهر منْ الاستدلال بقوله: "قاتلكم"، أو "صاحبكم"؛ لأن هَذَا اللفظ لابد فيه منْ إضمار، فيحتمل أن يُضمَر ديةَ صاحبكم، احتمالا ظاهرا، وأما بعد التصريح بالدم، فيحتاج إلى تأويل اللفظ بإضمار بدل دم صاحبكم، والإضمار عَلَى خلاف الأصل، ولو احتيج إلى إضمار، لكان حمله عَلَى ما

стр. 17199

يقتضي إراقة الدم أقرب، وأما منْ قَالَ: يحتمل أن يكون قوله: "دم صاحبكم" هو القتيل، لا القاتل، فيرده قوله: "دم صاحبكم"، أو "قاتلكم". وتُعُقّب بأن هذه القصة واحدة، اختلفت ألفاظ الرواة فيها، عَلَى ما تقدم بيانه، فلا يستقيم الاستدلال بلفظ منها؛ لعدم تحقق أنه اللفظ الصادر منْ النبيّ ﷺ . واستَدَلَّ منْ قَالَ بالقود أيضا، بما أخرجه مسلم، والنسائي -٢/ ٤٧١٠ - منْ طريق الزهريّ، عن سليمان بن يسار، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أناس منْ أصحاب رسول الله ﷺ : "أن القسامة كانت فِي الجاهلية، وأقرها النبيّ ﷺ عَلَى ما كانت عليه منْ الجاهلية، وقضى بها بين ناس منْ الأنصار، فِي قتيل ادَّعَوه عَلَى يهود خيبر". وهذا يَتوقَّف عَلَى ثبوت أنهم كانوا فِي الجاهلية يقتلون فِي القسامة، وعند أبي داود، منْ طريق عبد الرحمن بن بُجيد -بموحدة، وجيم، مصغرًا- قَالَ: إن سهلا -يعني ابن أبي حثمة- وَهِمَ فِي الْحَدِيث: أن رسول الله ﷺ ، كتب إلى يهود: إنه قد وجد بين أظهركم قتيل، فَدُوه، فكتبوا يحلفون ما قتلناه، ولا علمنا قاتلا، قَالَ: فوداه منْ عنده"، وهذا رده الشافعيّ، بأنه مرسل، ويعارض ذلك: ما أخرجه ابن مَنْدَهْ فِي "الصحابة" منْ طريق مكحول: حدثني عمرو بن أبي خزاعة، أنه قُتِل فيهم قتيل عَلَى عهد رسول الله ﷺ ، فجعل القسامة عَلَى خُزاعة: بالله ما قتلنا, ولا علمنا قاتلا، فحلف كل منهم عن نفسه، وغَرِم الدية، وعمرو مختلف فِي صحبته. وأخرج ابن أبي شيبة بسند جيد إلى إبراهيم النخعي، قَالَ: كانت القسامة فِي الجاهلية، إذا وُجد القتيل بين ظهري قوم، أقسم منهم خمسون خمسين يمينا، ما قتلنا, ولا علمنا، فإن عجزت الأيمان، رُدّت عليهم، ثم عقلوا. وتمسك منْ قَالَ: لا يجب فيها إلا الدية، بما أخرجه الثوري فِي "جامعه"، وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، بسند صحيح، إلى الشعبي، قَالَ: وُجد قتيل بين حيين منْ العرب، فَقَالَ عمر: قيسوا ما بينهما، فأيهما وجدتموه إليه أقرب، فأحلفوهم خمسين يمينا، وأغرموهم الدية. وأخرجه الشافعيّ، عن سفيان بن عيينة، عن منصور، عن الشعبي: "أن عمر كتب فِي قتيل، وُجد بين خيران ووادعة، أن يقاس ما بين القريتين، فإلى أيهما كَانَ أقرب، أُخرج إليهم (١) منهم خمسون رجلا، حَتَّى يوافوه مكة، فأدخلهم الحجر، فأحلفهم، ثم قضى عليهم الدية، فَقَالَ: حَقَنَت أيمانكم دماءكم، ولا يُطَلُّ دم رجل مسلم"، قَالَ الشافعيّ: إنما أخذه الشعبي، عن الحارث الأعور، والحارث غير

стр. 17200

مقبول. انتهى. قَالَ الحافظ: وله شاهد مرفوع، منْ حديث أبي سعيد ﵁ عند أحمد: "أن قتيلا وُجد بين حيين، فأمر النبيّ ﷺ أن يقاس إلى أيهما أقرب، فألقى ديته عَلَى الأقرب"، ولكن سنده ضعيف. وَقَالَ عبد الرزاق فِي "مصنفه": قلت لعبيد الله بن عمر العمري: أعلمت أن رسول الله ﷺ أقاد بالقسامة؟ قَالَ: لا، قلت: فأبو بكر؟ قَالَ: لا، قلت: فعمر؟، قَالَ: لا، قلت: فلم تجترئون عليها؟، فسكت. وأخرج البيهقي منْ طريق القاسم بن عبد الرحمن: أن عمر ﵁، قَالَ: القسامة توجب العقل، ولا تسقط الدم. أفاده فِي "الفتح" ١٤/ ٢٢٨ - ٢٢٩. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق منْ احتجاج الفريقين عَلَى ثبوت القصاص بالقسامة، وعدمه، أن القول بثبوته هو الأرجح؛ لقوة أدلّته، كما سبق إيضاحه آنفًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): فِي اختلاف أهل العلم فِي عدد الحالفين فِي القسامة: ذهب الأئمة: مالك، والليث، وربيعة، والثوريّ، والأوزاعيّ، وأحمد، وداود، وأهل الظاهر إلى وجوب كون العدد فِي القسامة خمسين، فلا يجزىء فيها أقلّ منهم، فإن كَانَ المستحقّون خمسين، حلف كلّ واحد منهم يمينًا واحدة، فإن كانوا أقلّ منْ ذلك، أو نَكَل منهم منْ لا يجوز عفوه، رُدّت الأيمان عليهم بحسب عددهم، ولا يحلف فِي العمد أقلّ منْ اثنين منْ الرجال، لا يحلف فيه الواحد منْ الرجال، ولا النساءُ، يحلف الأولياء، ومن يستعين بهم الأولياء منْ العصبة خمسين يمينًا. واختُلف عن مالك فيما إذا زاد الأولياء عَلَى الخمسين، هل يحلف كلهم يمينًا، يمينًا؟ أو يُقتصر منهم عَلَى خمسين؟، قَالَ القرطبيّ: وهذا أولى؛ لقوله: "يحلف خمسون منكم"، و"منْ" للتبعيض، والخطاب لجميع الأولياء، فأفاد ذلك أنهم إذا حلف منهم خمسون أجزأ. أفاده فِي "المفهم" ٥/ ١١ - ١٢. وَقَالَ فِي "الفتح" ١٤/ ٢٣٠ - : اختلف فِي عدد الحالفين، فَقَالَ الشافعيّ: لا يجب الحق حَتَّى يحلف الورثة خمسين يمينا، سواء قلوا، أم كثروا، فلو كَانَ بعدد الأيمان حلف كل واحد منهم يمينا، وإن كانوا أقل، أو نَكَل بعضهم، رُدَّت الأيمان عَلَى الباقين، فإن لم يكن إلا واحد، حلف خمسين يمينا واستحق، حَتَّى لو كَانَ منْ يرث بالفرض والتعصيب، أو بالنسب والولاء، حلف واستحق. وَقَالَ مالك: إن كَانَ ولي الدم واحدا، ضُمَّ إليه آخر منْ العصبة، ولا يستعان بغيرهم، وإن كَانَ الأولياء أكثر،

стр. 17201

حلف منهم خمسون، قَالَ الليث: لم أسمع أحدا يقول: إنها تنزل عن ثلاثة أنفس. وَقَالَ الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، أول منْ نقص القسامة عن خمسين معاوية، قَالَ الزهريّ: وقضى به عبد الملك، ثم رده عمر بن عبد العزيز إلى الأمر الأول. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بتعيّن عدد الخمسين هو الأرجح؛ عملاً بظاهر النصّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): فِي اختلاف أهل العلم فيمن يحلف فِي القسامة: ذهبت طائفة إلى أنه لا يشترط أن يكون منْ يحلف فِي القسامة رجلاً، ولا بالغا؛ لإطلاق قوله ﷺ : "خمسين منكم"، وبه قَالَ ربيعة، والثوري، والليث، والأوزاعي، وأحمد. وذهب مالك إلى أنه لا مدخل للنساء فِي القسامة؛ لأن المطلوب فِي القسامة القتل، ولا يسمع منْ النِّساء. وذهب الشافعيّ إلى أنه لا يحلف فِي القسامة إلا الوارث البالغ؛ لأنها يمين، فِي دعوى حكمية، فكانت كسائر الأيمان، ولا فرق فِي ذلك بين الرجل والمرأة. أفاده فِي "الفتح" ١٤/ ٢٣٠. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بعدم اشتراط الرجل والبالغ هو الأظهر؛ عملاً بإطلاق النصّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة العاشرة): فِي اختلاف أهل العلم هل القسامة معقولة المعنى، أم لا؟: قَالَ فِي "الفتح" ١٤/ ٢٣٠ - ٢٣١: واختلف فِي القسامة، هل هي معقولة المعنى، فيقاس عليها، أو لا؟، والتحقيق أنها معقولة المعنى، لكنه خفيّ، ومع ذلك، فلا يقاس عليها؛ لأنها لا نظير لها فِي الأحكام، وإذا قلنا أن المبدأ فيها يمين المدَّعِي، فقد خرجت عن سنن القياس، وشرط القياس أن لا يكون معدولا به عن سنن القياس، كشهادة خزيمة. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول أن الاختلاف فِي كون القسامة، هل هي معقولة المعنى، أم لا؟ مما لا جدوى تحته، فلا ينبغي الاشتغال بمثله؛ لأنه منْ فضول المسائل، فليُتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: ادَّعَى بعضهم أنّ قوله ﷺ : "تحلفون، وتستحقون": استفهام إنكار، واستعظام للجمع بين الأمرين. وتُعُقِّب بأنهم لم يبدأوا بطلب اليمين، حَتَّى يصح الإنكار عليهم، وإنما هو استفهام تقرير، وتشريع. قاله فِي "الفتح" ١٤/ ٢٣١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 17202

٤٧١٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي لَيْلَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ: أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، وَرِجَالٌ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ، مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ، فَأُتِىَ مُحَيِّصَةُ، فَأُخْبِرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ، قَدْ قُتِلَ، وَطُرِحَ فِي فَقِيرٍ، أَوْ عَيْنٍ، فَأَتَى يَهُودَ، وَقَالَ: أَنْتُمْ وَاللَّهِ قَتَلْتُمُوهُ، قَالُوا: وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَأَقْبَلَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ، فَذَكَرَ لَهُمْ، ثُمَّ أَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمُحَيِّصَةَ: "كَبِّرْ كَبِّرْ"، يُرِيدُ السِّنَّ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يُؤْذَنُوا بِحَرْبٍ"، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبُوا: إِنَّا وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحُوَيِّصَةَ، وَمُحَيِّصَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ: "أَتَحْلِفُونَ، وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟ " قَالُوا: لَا، قَالَ: "فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ؟ "، قَالُوا: لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ بِمِائَةِ نَاقَةٍ، حَتَّى أُدْخِلَتْ عَلَيْهِمُ الدَّارَ، قَالَ سَهْلٌ: لَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"محمد بن سلمة": هو ابن أبي فاطمة المراديّ الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ الثقة الثبت [١١]. و"ابن القاسم": هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ، أبو عبد الله المصريّ الثقة الفقيه، صاحب مالك، منْ كبار [١٠]، والباقون تقدّموا فِي السند الماضي. والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ مضى شرحه، وبيان مسائله فِي الْحَدِيث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٤ - (ذِكْرُ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ النَّاقِلِينَ لِخَبَرِ سَهْلٍ ﵁ فِيهِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الاختلاف الذي أشار إليه المصنّف رحمه الله تعالى عَلَى ثلاثة أوجه:

стр. 17203

[أحدها]: الاختلاف عَلَى يحيى بن سعيد الأنصاريّ، فقد اتفق كلٌّ منْ الليث بن سعد، وحمّاد بن زيد، وبشر بن المفضّل، وعبد الوهّاب الثقفيّ، وسفيان بن عيينة، عَلَى أنه موصولٌ، عن يحيى، عن بُشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة، وخالفهم فِي ذلك مالك بن أنس، فرواه عن يحيى، عن بُشير بن يسار، أنه أخبره أن عبد الله بن سهل الأنصاريّ، فجعله مرسلاً، وَقَدْ سبق فِي الباب الماضي أن رواه مالك عن أبي ليلى الأنصاريّ، موصولاً، فترجّح هذه الرواية؛ لموافقتها لروايات الجماعة. [الثاني]: أن سعيد بن عُبيد خالف رواية يحيى، وأبي ليلى، فذكر فِي روايته طلب النبيّ ﷺ منْ أولياء القتيل البيّنة، وترك طلبه ﷺ منهم أن يحلفوا خمسين، فيستحقّوا دم صاحبهم. [الثالث]: أنه وقع فِي رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، وذلك أنه جعل القتيل ابن محيّصة الأصغر، وفي روايات الجماعة أنه عبد الله بن سهل، وهو ابن عمّ محيّصة، لا ابنه، وأيضًا ذكره أنه ﷺ قسم ديته عَلَى اليهود، وأعانهم بنصفها، والمحفوظ أنه ﷺ دفع الدية منْ عنده كاملة. لكن ذكر فِي "الفتح" ما يدل عَلَى الجمع بين هذه الروايات، فَقَالَ: ما حاصله: لم يُذكر فِي رواية سعيد بن عُبيد عرض الأيمان عَلَى المدّعين، كما لم يقع فِي رواية يحيى ابن سعيد طلب البيّنة أوّلاً. وطريق الجمع أن يقال: حفظ أحدهم ما لم يحفظه الآخر، فيُحمل عَلَى أنه ﷺ طلب البيّنة أوّلاً، فلم تكن لهم بيّنة، فعرض عليهم الأيمان، فامتنعوا، فعرض عليهم تحليف المدّعَى عليهم، فأبوا. وأما قول بعضهم: إن ذكر البينة وَهَمٌ؛ لأنه ﷺ ، قد عَلِمَ أن خيبر حينئذ، لم يكن بها أحد منْ المسلمين، فدعوى نفي العلم مردودة، فإنه وإن سُلِّم أنه لم يسكن مع اليهود فيها أحد منْ المسلمين، لكن فِي نفس القصة، أن جماعة منْ المسلمين خرجوا يمتارون تمرا، فيجوز أن تكون طائفة أخرى خرجوا لمثل ذلك، وإن لم يكن فِي نفس الأمر كذلك، وَقَدْ وجدنا لطلب البينة، فِي هذه القصة شاهدا منْ وجه آخر، أخرجه النسائيّ ٤/ ٤٧٢٢ - منْ طريق عبيد الله بن الأخنس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده: أن ابن محيصة الأصغر أصبح قتيلا عَلَى أبواب خيبر، فَقَالَ رسول الله ﷺ : "أقم شاهدين عَلَى منْ قتله، أدفعه إليك برمته"، قَالَ: يا رسول الله، إني أُصيب شاهدين؟، وإنما أصبح قتيلا عَلَى أبوابهم، قَالَ: "فتحلف خمسين قسامة"، قَالَ: فكيف أحلف عَلَى ما لا أعلم؟، قَالَ: "تستحلف خمسين منهم"، قَالَ: "كيف وهم يهود؟. قَالَ

стр. 17204

الحافظ: وهذا السند صحيح حسن، وهو نَصٌّ فِي الحمل الذي ذكرته، فتعيين المصير إليه. وَقَدْ أخرج أبو داود أيضا، منْ طريق عباية بن رفاعة، عن جده رافع بن خديج، قَالَ: أصبح رجل منْ الأنصار، بخيبر مقتولا، فانطلق أولياؤه إلى النبيّ ﷺ ، فَقَالَ: "شاهدان يشهدان عَلَى قتل صاحبكم"، قَالَ: لم يكن ثَمَّ أحد منْ المسلمين، وإنما هم اليهود، وَقَدْ يجترئون عَلَى أعظم منْ هَذَا. انتهى "فتح" ١٤/ ٢٢٥. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي ذكره الحافظ رحمه الله تعالى منْ وجه الجمع حسنٌ جدًّا، غير رواية عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه، فإن مخالفتها لا يقبل الجمع بهذا الطريق، إلا أن تحمل عَلَى تعدد الواقعة، فحينئذ لا مانع منْ أن نقول إنها محفوظة؛ لعدم المخالفة، فَلْيُتأمّل. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٧١٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، قَالَ: وَحَسِبْتُ قَالَ: وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أَنَّهُمَا قَالَا: خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلِ بْنِ زَيْدٍ، وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، حَتَّى إِذَا كَانَا بِخَيْبَرَ، تَفَرَّقَا فِي بَعْضِ مَا هُنَالِكَ، ثُمَّ إِذَا بِمُحَيِّصَةَ، يَجِدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قَتِيلاً، فَدَفَنَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، هُوَ وَحُوَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ قَبْلَ صَاحِبَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَبِّرِ الْكُبْرَ فِي السِّنِّ"، فَصَمَتَ، وَتَكَلَّمَ صَاحِبَاهُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مَعَهُمَا، فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مَقْتَلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ، فَقَالَ لَهُمْ: "أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَتَسْتَحِقُّونَ صَاحِبَكُمْ"، أَوْ "قَاتِلَكُمْ"؟، قَالُوا: كَيْفَ نَحْلِفُ، وَلَمْ نَشْهَدْ؟ قَالَ: "فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا؟ "، قَالُوا: وَكَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَعْطَاهُ عَقْلَهُ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"يحيى": هو ابن سعيد بن قيس الأنصاريّ. أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقة ثبت [٥] ٢٢/ ٢٣. و"بُشَير -بضم الموحّدة، مصغّرًا- ابن يسار" الحارثيّ الأنصاريّ مولاهم المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ١٢٤/ ١٨٦. وقوله: "وَقَالَ: وحسبت قَالَ الخ" فاعل "قَالَ" الأول ضمير "يحيى"، وفاعل "قَالَ" الثاني ضمير بُشير، والمعنى: أن يحيى بن سعيد قَالَ: وظننت أن بُشيرًا زاد فِي إسناد هَذَا الْحَدِيث مع سهل بن أبي حثمة ﵁ رافعَ بن خَديج ﵁. وقوله: "ومحيصة" -بضم الميم، وفتح المهملة، وتشديد التحتانية، مكسورةً، بعدها صاد مهملة- وكذا ضَبْطُ أخيه حُوَيصَة، وحُكِي التخفيف فِي الاسمين معا،

стр. 17205

ورجحه طائفة. قاله فِي "الفتح". وقوله: "إذا بمحيصة الخ" الباء فيه زائدة. وقوله: "فذهب عبد الرحمن يتكلم، قبل صاحبيه، فَقَالَ له رسول الله ﷺ كبر الكبر فِي السن, فصمت، وتكلم صاحباه، وتكلم معهما": قَالَ النوويّ: معنى هَذَا أن المقتول، هو عبد الله، وله أخ، اسمه عبد الرحمن، ولهما ابنا عم، وهما محيصة وحويصة، وهما أكبر سنا منْ عبد الرحمن، فلما أراد عبد الرحمن أخو القتيل أن يتكلم، قَالَ له النبيّ ﷺ : "كبر": أي يتكلم أكبر منك. [واعلم]: أن حقيقة الدعوى إنما هي لأخيه عبد الرحمن، لا حَقَّ فيها لابني عمه، وإنما أمر النبيّ ﷺ أن يتكلم الأكبر، وهو حويصة؛ لأنه لم يكن المراد بكلامه حقيقة الدعوى، بل سماع صورة القصة، وكيف جرت، فإذا أراد حقيقة الدعوى، تكلم صاحبها. ويحتمل أن عبد الرحمن، وَكَّل حويصة فِي الدعوى، ومساعدته، أو أمر بتوكيله. وفي هَذَا فضيلة السن عند التساوي فِي الفضائل، ولهذا نظائر، فإنه يقدم بها فِي الإمامة، وفي ولاية النكاح ندبًا، وغير ذلك. انتهى "شرح مسلم" ١١/ ١٤٨ - ١٤٩. وقوله: "كبّر" -بفتح الكاف، وتشديد الموحّدة، أمر منْ التكبير. وقوله: "الكبرَ فِي السنّ" -بضمّ الكاف، وسكون الباء-: ومعناه: يريد الكبر فِي السنّ، فـ"الكبر" منصوب بإضمار "يريد"، ونحوها. وقوله: "فتبرئكم يهود الخ": منْ التبرئة، أو منْ الإبراء: أي يرفعون ظنّكم، وتُهمتكم، أو دعوتكم عن أنفسهم. وَقَالَ النوويّ: أي تبرأ إليكم منْ دعواكم بخمسين يمينًا، وقيل: معناه: يُخلّصونكم منْ اليمين بأن يحلفوا، فإذا حلفوا انتهت الخصومة، ولم يثبت عليهم شيء، وخلصتم أنتم منْ اليمين. وفي هَذَا دليلٌ لصحّة يمين الكافر، والفاسق. و"يهود" مرفوع، غير منوّن، لا ينصرف؛ لأنه اسم للقبيلة والطائفة، ففيه التأنيث والعلميّة. انتهى "شرح مسلم" ١١/ ١٤٩. وقوله: "أتحلفون خمسين يمينا": قد يقال: كيف عُرضت اليمين عَلَى الثلاثة، وإنما يكون اليمين للوارث خاصة، والوارث هو عبد الرحمن خاصة، وهو أخو القتيل، وأما الآخران فابنا عم، لا ميراث لهما مع الأخ. والجواب: أنه كَانَ معلوما عندهم، أن اليمين تختص بالوارث، فأطلق الخطاب لهم، والمراد منْ تختص به اليمين، واحتُمِل ذلك؛ لكونه معلوما للمخاطبين، كما سمع كلام الجميع فِي صورة قتله، وكيفيةِ ما جرى له، وإن كانت حقيقة الدعوى وقت الحاجة، مختصة بالورثة. قاله النوويّ.

стр. 17206

وقوله: "فتستحقون قاتلكم"، أو "صاحبكم": معناه: يثبت حقكم عَلَى منْ حلفتم عليه، وهل ذلك الحق قصاص، أو دية فيه الخلاف السابق بين العلماء. [واعلم]: أنهم إنما يجوز لهم الحلف، إذا علموا، أو ظنوا ذلك، وإنما عَرَض عليهم النبيّ ﷺ اليمين، إن وُجد فيهم هَذَا الشرط، وليس المراد الإذن لهم فِي الحلف منْ غير ظن، ولهذا قالوا: كيف نحلف، ولم نشهد؟. والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧١٥ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا حَمَّادٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ أَنَّ مُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ، أَتَيَا خَيْبَرَ فِي حَاجَةٍ لَهُمَا فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ فَجَاءَ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَحُوَيِّصَةُ، وَمُحَيِّصَةُ، ابْنَا عَمِّهِ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي أَمْرِ أَخِيهِ -وَهُوَ أَصْغَرُ مِنْهُمْ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْكُبْرَ لِيَبْدَأَ الأَكْبَرُ". فَتَكَلَّمَا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَذَكَرَ كَلِمَةً مَعْنَاهَا "يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ". فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ كَيْفَ نَحْلِفُ قَالَ: "فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَوْمٌ كُفَّارٌ. فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قِبَلِهِ. قَالَ سَهْلٌ: فَدَخَلْتُ مِرْبَدًا لَهُمْ فَرَكَضَتْنِي نَاقَةٌ مِنْ تِلْكَ الإِبِلِ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أحمد بن عَبْدَة": هو الضبيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقة، رُمي بالنصب [١٠] ٣/ ٣. و"حمّاد": هو ابن زيد. والباقون سبقوا فِي الماضي. وقوله: "كبر الْكُبْر" بضم، فسكون: منصوب بفعل مقدّر: أي قدّم الأكبر. وجملة قوله: "ليبدأ الأكبر" مؤكّد لما قبله. وقوله: "فذكر كلمة الخ": الظاهر ضمير "ذكر" إلى رسول الله ﷺ . وقوله: "معناها": مبتدأ خبره "يقسم الخ" ولا يحتاج إلى رابط؛ لكونه بمعنى المبتدإ، كما قَالَ ابن مالك: وَإِنْ تَكُنْ إِيَّاهُ مَعْنًى اكْتَفَى … بِهَا كَنُطْقِي اللَّهُ حَسْبِي وَكَفَى وقوله: "فدخلت مربدا لهم، فركضتني ناقة منْ تلك الإبل": "المربد": بكسر الميم، وفتح الباء: هو الموضع الذي تُجمَعُ فيه الإبل، وتُحبَسُ، والرَّبْدُ: الحبس، ومعنى ركضتني: رَفَسَتني، وأراد بهذا الكلام، أنه ضبط الْحَدِيث، وحفظه حفظًا بليغًا. قاله النوويّ. والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 17207

٤٧١٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ -وَهُوَ ابْنُ الْمُفَضَّلِ- قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّهُمَا أَتَيَا خَيْبَرَ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ، فَتَفَرَّقَا لِحَوَائِجِهِمَا، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ، وَهُوَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ قَتِيلاً، فَدَفَنَهُ، ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَحُوَيِّصَةُ، وَمُحَيِّصَةُ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ، وَهُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ سِنًّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَبِّرِ الْكُبْرَ"، فَسَكَتَ، فَتَكَلَّمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتَحْلِفُونَ بِخَمْسِينَ يَمِينًا مِنْكُمْ، فَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ"، أَوْ "قَاتِلِكُمْ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نَحْلِفُ، وَلَمْ نَشْهَدْ، وَلَمْ نَرَ؟ قَالَ: "تُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا؟ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نَأْخُذُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ فَعَقَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح و"عمرو بن عليّ": هو الفلاّس الصيرفيّ. و"بشر بن المفضَّل": هو الرَّقَاشِيُّ، أبو إسماعيل البصريّ الثقة الثبت العابد [٨] ٦٦/ ٨٢. وقوله: "وهي يومئذ صلح": أي كانت خيبر حينما قُتل فيها عبد الله سهل ﵁ ذات صلح بين أهلها، وهم اليهود، وبين رسول الله ﷺ ، والمراد أن ذلك وقع بعد فتحها، فإنها لَمّا فُتحت، أقرّ النبيّ ﷺ أهلها عَلَى أن يعملوا فِي المزارع بشطر ما يخرج منها، كما تقدّم بيان ذلك مستوفًى فِي "كتاب المزارعة". والله تعالى أعلم. وقوله: "وهو يتشحّط فِي دمه قتيلاً": أي يضطرب، فيتمرّغ فِي دمه. وقوله: "كبّر الكبر": الأولى فعل أمر، والثانية بضم، فسكون: بمعنى الأكبر. والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧١٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، قَالَ: انْطَلَقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ، إِلَى خَيْبَرَ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ، فَتَفَرَّقَا فِي حَوَائِجِهِمَا، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ، وَهُوَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ قَتِيلاً، فَدَفَنَهُ، ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَحُوَيِّصَةُ، وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَبِّرِ الْكُبْرَ"، وَهُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ، فَسَكَتَ، فَتَكَلَّمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتَحْلِفُونَ بِخَمْسِينَ يَمِينًا مِنْكُمْ، وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ" أَوْ "صَاحِبَكُمْ؟ "، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نَحْلِفُ، وَلَمْ نَشْهَدْ، وَلَمْ نَرَ؟ فَقَالَ: "أَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ؟ "، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نَأْخُذُ

стр. 17208

أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ، فَعَقَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح غير شيخه "إسماعيل بن مسعود": هو أبو مسعود الْجَحْدريّ البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧ فإنه منْ أفراده. والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق القول فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧١٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنِي بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ الأَنْصَارِيَّ، وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ، خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ، فَتَفَرَّقَا فِي حَاجَتِهِمَا، فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ الأَنْصَارِيُّ، فَجَاءَ مُحَيِّصَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، أَخُو الْمَقْتُولِ، وَحُوَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، حَتَّى أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "الْكُبْرَ الْكُبْرَ"، فَتَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ، فَذَكَرُوا شَأْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا، فَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ؟ " قَالُوا: كَيْفَ نَحْلِفُ، وَلَمْ نَشْهَدْ، وَلَمْ نَحْضُرْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا؟ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ قَالَ: فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ بُشَيْرٌ: قَالَ لِي سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ: لَقَدْ رَكَضَتْنِي فَرِيضَةٌ مِنْ تِلْكَ الْفَرَائِضِ، فِي مِرْبَدٍ لَنَا). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح و"عبد الوهّاب": هو ابن عبد المجيد الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة، تغيّر قبل موته بثلاث سنين [٨] ٤٢/ ٤٨. وقوله: "لقد ركضتني فريضة، منْ تلك الفرائض": المراد بالفريضة هنا: الناقة منْ تلك النُّوق المفروضة فِي الدية، وتسمى المدفوعةُ فِي الزكاة، أو فِي الدية فريضة؛ لأنها مفروضة: أي مقدرة بالسن، والعدد، وأما قول المازري: إن المراد بالفريضة هنا: الناقة الْهَرِمَة، فقد غُلِّطَ فيه. والله تعالى أعلم. انتهى "شرح مسلم للنوويّ" ١١/ ١٥٢. وقوله: "فِي مربد لنا"، وتقدّم قريبًا قوله: "فدخلت مِربدًا لهم"، ولعل ذلك المربد كَانَ مشتركًا بينهم، فلذا جاز نسبته تارة إليهم، وتارة إلى قوم سهل بن أبي حثمة. ويحتمل أن يكون نسبه إلى قومه؛ لأنهم منْ قوم سهل بن أبي حثمة، كما سيأتي بيان ذلك فِي الْحَدِيث رقم -٤٧٢١ - منْ رواية سعيد بن عُبيد، عن بُشير بن يسار، بلفظ: "أن رجلا منْ الأنصار، يقال له: سهل بن أبي حثمة أخبره أن نفرًا منْ قومه انطلقوا إلى خيبر" … الْحَدِيث. والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب،

стр. 17209

وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧١٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، قَالَ: وُجِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ قَتِيلاً، فَجَاءَ أَخُوهُ، وَعَمَّاهُ: حُوَيِّصَةُ، وَمُحَيِّصَةُ، وَهُمَا عَمَّا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْكُبْرَ الْكُبْرَ"، قَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا وَجَدْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قَتِيلاً، فِي قَلِيبٍ مِنْ بَعْضِ قُلُبِ خَيْبَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ تَتَّهِمُونَ؟ "، قَالُوا: نَتَّهِمُ الْيَهُودَ. قَالَ: "أَفَتُقْسِمُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا، أَنَّ الْيَهُودَ قَتَلَتْهُ؟ "، قَالُوا: وَكَيْفَ نُقْسِمُ عَلَى مَا لَمْ نَرَ؟ قَالَ: "فَتُبَرِّئُكُمُ الْيَهُودُ بِخَمْسِينَ، أَنَّهُمْ لَمْ يَقْتُلُوهُ؟ "، قَالُوا: وَكَيْفَ نَرْضَى بِأَيْمَانِهِمْ، وَهُمْ مُشْرِكُونَ؟، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ. أَرْسَلَهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح غير شيخه "محمد بن منصور" وهو الْجَوّاز المكيّ الثقةٌ [١٠] ٢٠/ ٢١ فإنه منْ أفراده. و"سفيان": هو ابن عُيينة. وقوله: "وهما عمّا عبد الله بن سهل": فيه تجوّز؛ لأنهما ابنا عمّه، فإنهما ابنا مسعود ابن زيد، وهو ابن سهل بن زيد، كما تقدّم بيانه. وقوله: "فِي قليب" -بفتح القاف، وكسر اللام، جمعه قُلُبٌ، بضمّتين، مثلُ بَرِيد وبُرُد، قَالَ الأزهريّ: القَليب عند العرب: البئر العاديّة القديمة، مطويّةً كانت، أو غير مطويّة. انتهى "المصباح المنير" ٢/ ٥١٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وقوله: (أَرْسَلَهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) أي روى هَذَا الْحَدِيث أنس بن مالك إمام دار الهجرة، عن يحيى بن سعيد، مرسلاً، دون ذكر سهل بن أبي حثمة، كما بيّن روايته بقوله: ٤٧٢٠ - (قَالَ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ الأَنْصَارِيَّ، وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ، خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ، فَتَفَرَّقَا فِي حَوَائِجِهِمَا، فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، فَقَدِمَ مُحَيِّصَةُ، فَأَتَى هُوَ، وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِيَتَكَلَّمَ، لِمَكَانِهِ مِنْ أَخِيهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَبِّرْ، كَبِّرْ"، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ، فَذَكَرُوا شَأْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟ "، أَوْ "قَاتِلِكُمْ؟ "، قَالَ مَالِكٌ: قَالَ يَحْيَى: فَزَعَمَ بُشَيْرٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَدَاهُ مِنْ عِنْدِهِ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الحارث بن مسكين": هو أبو عمرو المصريّ، قاضيها، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩ منْ أفراد المصنّف، وأبي داود. و"ابن القاسم": هو عبد الرحمن.

стр. 17210

وقوله: "لمكان أخيه": علّة لتقدّم عبد الرحمن فِي الكلام عَلَى صاحبيه، أي إنما تكلّم دونهما؛ لأنه أقرب منهما إليه، حيث كَانَ أخاه. والحديث مرسل، صحيح بما سبق، وَقَدْ تقدّم فِي الباب الماضي أن مالكًا رحمه الله تعالى رواه موصولاً منْ رواية أبي ليلى الأنصاريّ، عن سهل بن أبي حثْمة ﵁. وقوله: (خَالَفَهُمْ سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّائِيُّ) يعني أن سعيد بن عُبيد خالف منْ تقدّم ممن روى عن بشير بن يسار، ووجه مخالفته أنه ذكر طلب البيّنة عَلَى القاتل، ثم ذكر توجيه القسامة عَلَى اليهود فقط، بخلاف رواياتهم، فإنه ليس فيها ذكر البيّنة، بل عندهم توجيه القسامة إلى أولياء المقتول، ثم إلى اليهود، وَقَدْ بيّن رواية سعيد بقوله: ٤٧٢١ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّائِيُّ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، زَعَمَ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ، يُقَالُ لَهُ: سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ نَفَرًا مِنْ قَوْمِهِ، انْطَلَقُوا إِلَى خَيْبَرَ، فَتَفَرَّقُوا فِيهَا، فَوَجَدُوا أَحَدَهُمْ قَتِيلاً، فَقَالُوا لِلَّذِينَ وَجَدُوهُ عِنْدَهُمْ: قَتَلْتُمْ صَاحِبَنَا، قَالُوا: مَا قَتَلْنَاهُ، وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلاً، فَانْطَلَقُوا إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ، انْطَلَقْنَا إِلَى خَيْبَرَ، فَوَجَدْنَا أَحَدَنَا قَتِيلاً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْكُبْرَ الْكُبْرَ"، فَقَالَ لَهُمْ: "تَأْتُونَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَ؟ "، قَالُوا: مَا لَنَا بَيِّنَةٌ، قَالَ: "فَيَحْلِفُونَ لَكُمْ؟ "، قَالُوا: لَا نَرْضَى بِأَيْمَانِ الْيَهُودِ، وَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنْ يَبْطُلَ دَمُهُ فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أحمد بن سليمان": هو أبو الحسين الرُّهاويّ الثقة الحافظ [١١] ٣٨/ ٤٢ منْ أفراد المصنّف. و"أبو نُعيم": هو الفضل بن دُكين الحافظ الحجة الكوفيّ [٩] ١١/ ٥١٦. و"سعيد بن عُبيد الطائيّ"، أبو الْهُذَيل الكوفيّ، ثقة [٦]. قَالَ ابن المدينيّ، عن يحيى: ليس به بأس. وَقَالَ أحمد، وابن معين: ثقة. وَقَالَ أبو حاتم: يُكتب حديثه. وَقَالَ الآجريّ، عن أبي داود: كَانَ شعبة يتمنّى لقاءه. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". ووثقه العجليّ، ويعقوب بن سفيان، وابن نمير، وغيرهم. روى له الجماعة، سوى ابن ماجه، وله عند المصنّف هَذَا الْحَدِيث فقط. [فائدة]: فِي طبقة سعيد بن عبيد هَذَا، سعيد بن عُبيد الْهُنائيّ بضم الهاء، وتخفيف النون، وهمزة، ومدّ- بصريّ، صدوقٌ، أخرج له المصنّف، والترمذيّ، وله فِي هَذَا الكتاب حديث واحد فقط، وتقدم فِي "كتاب صلاة الخوف" برقم ١٧/ ١٥٤٤. والله تعالى أعلم. وقوله: "زعم الخ": قَالَ فِي "الفتح" ١٤/ ٢٢٣ - : لم يقع فِي رواية ابن نُمير "زعم"، بل عنده: "عن سهل بن أبي حثمة الأنصاريّ، أنه أخبره"، وكذا لأبي نُعيم فِي

стр. 17211

"المستخرج" منْ وجه آخر، عن أبي نُعيم شيخ البخاريّ. انتهى. وقوله: "أن نفرًا منْ قومه": قَالَ فِي "الفتح" ١٤/ ٢٢٣ - : سَمَّى يحيى بن سعيد الأنصاريّ فِي روايته، عن بُشَير بن يسار منهم اثنين، فعند البخاريّ فِي "الجزية" منْ طريق بشر بن المفضل، عن يحيى بهذا السند: "انطلق عبد الله بن سهل، ومحيصة بن مسعود بن زيد"، وفي الأدب، منْ رواية حماد بن زيد، عن يحيى، عن بُشير عن سهل ابن أبي حثمة، ورافع بن خديج، أنهما حدثا أن عبد الله بن سهل، ومحيصة بن مسعود انطلقا، وعند مسلم منْ رواية الليث، عن يحيى، عن بشير، عن سهل، قَالَ يحيى: وحسبت أنه قَالَ، ورافع بن خديج، أنهما قالا: خرج عبد الله بن سهل بن زيد، ومحيصة بن مسعود بن زيد، ونحوه عنده منْ رواية هشيم، عن يحيى، لكن لم يذكر رافعا, ولفظه: عن بشير بن يسار، أن رجلا منْ الأنصار، منْ بني حارثة، يقال له: عبد الله بن سهل بن زيد، انطلق هو وابن عم له، يقال له: محيصة بن مسعود بن زيد، وأسنده فِي آخره، عن سهل بن أبي حثمة به، وثبت ذكر رافع بن خديج فِي هَذَا الْحَدِيث، غير مسمى عند أبي داود، منْ طريق أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل، عن سهل بن أبي حثمة، أنه أخبره هو ورجل منْ كبراء قومه، وعند أبي عاصم، منْ طريق إسماعيل بن عياش، عن يحيى، عن بُشير، عن سهل، ورافع، وسويد بن النعمان، أن القسامة كانت فيهم، فِي بني حارثة، فذكر بُشير عنهم أن عبد الله بن سهل خرج، فذكر الْحَدِيث. وقوله: "انطلقوا إلى خيبر، فتفرقوا فيها": فِي رواية يحيى بن سعيد: "انطلقا إلى خيبر، فتفرقا"، وتحمل هذه الرواية عَلَى أنه كَانَ معهما تابع لهما، وَقَدْ وقع فِي رواية محمد بن إسحاق، عن بُشِير بن يسار، عن ابن أبي عاصم، خرج عبد الله بن سهل، فِي أصحاب له: "يمتارون تمرا"، زاد سليمان بن بلال عند مسلم، فِي روايته، عن يحيى بن سعيد: "فِي زمن رسول الله ﷺ ، وهي يومئذ صلح، وأهلها يهود". والمراد أن ذلك وقع بعد فتحها، فإنها لما فُتحت أقر النبيّ ﷺ أهلها فيها، عَلَى أن يعملوا فِي المزارع بالشطر، مما يخرج منها، كما تقدم بيانه فِي "كتاب المزارعة". وقوله: "فوجدوا أحدهم قتيلا": تقدّم أنه عبد الله بن سهل. وقوله: فَقَالَ: "الكبر الكبر" -بضم الكاف، وسكون الموحدة، وبالنصب فيهما عَلَى الإغراء. وقوله: "تأتون بالبينة عَلَى منْ قتل، قالوا: ما لنا بينة" قَالَ فِي "الفتح": كذا فِي رواية سعيد بن عبيد، ولم يقع فِي رواية يحيى بن سعيد الأنصاريّ، ولا فِي رواية أبي قلابة،

стр. 17212

عند البخاريّ للبينة ذكر، وإنما قَالَ يحيى فِي رواية: "أتحلفون، وتستحقون قاتلكم"، أو "صاحبكم"، هذه رواية بشر بن المفضل عنه، وفي رواية حماد عنه: "أتستحقون قاتلكم"، أو "صاحبكم بأيمان خمسين منكم"، وفي رواية عند مسلم: "يُقسم خمسون منكم عَلَى رجل منهم، فيُدفع برُمّته"، وفي رواية سليمان بن بلال: "تحلفون خمسين يمينا، وتستحقون"، وفي رواية ابن عيينة، عن يحيى، عند أبي داود: "تبرئكم يهود بخمسين يمينا، تحلفون"، فبدأ بالمدعَى عليهم، لكن قَالَ أبو داود: إنه وَهَمٌ، كذا جزم بذلك، وَقَدْ قَالَ الشافعيّ: كَانَ ابن عيينة لا يثبت، أَقَدَّم النبيّ ﷺ الأنصار فِي الأيمان، أو اليهود، فيقال له: إن فِي الْحَدِيث أنه قدم الأنصار، فيقول هو ذاك، وربما حدث به كذلك، ولم يشك، وفي رواية أبي ليلى: "فَقَالَ لحويصة، ومحيصة، وعبد الرحمن: أتحلفون، وتستحقون دم صاحبكم؟ فقالوا: لا"، وفي رواية أبي قلابة: "فأرسل إلى اليهود، فدعاهم، فَقَالَ: أنتم قتلتم هَذَا، فقالوا: لا، فَقَالَ: أترضون نَفْل خمسين منْ اليهود، ما قتلوا، ونَفْل بفتح النون، وسكون الفاء-: أي حلف خمسين منْ اليهود. وقوله: وكره رسول الله ﷺ أن يبطل دمه": هكذا رواية المصنّف "يبطل" منْ البطلان، وفي رواية البخاريّ: "أن يُطَلَّ" -بضم أوله، وفتح الطاء، وتشديد اللام-: أي يُهْدَر. وقوله: "فوداه مائة": وعند البخاريّ فِي رواية الكشميهني: "بمائة"، ووقع فِي رواية أبي ليلى المتقدّمة: "فوداه منْ عنده"، وفي رواية يحيى بن سعيد السابقة: "فعقله النبيّ ﷺ منْ عنده": أي أعطى ديته، وفي رواية حماد بن زيد المتقدّمة أيضًا: "منْ قبله" -بكسر القاف، وفتح الموحدة-: أي منْ جهته، وفي رواية الليث: "فلما رأى ذلك النبيّ ﷺ أعطى عقله". وَقَالَ النوويّ فِي "شرح مسلم": إنما وداه رسول الله ﷺ ؛ قطعا للنزاع، وإصلاحا لذات البين، فإن أهل القتيل لا يستحقون، إلا أن يحلفوا، أو يستحلفوا المدعَى عليهم، وَقَدْ امتنعوا منْ الأمرين، وهم مكسورون بقتل صاحبهم، فأراد ﷺ جبرهم، وقطع المنازعة، وإصلاح ذات البين بدفع ديته منْ عنده. وقوله: "فوداه منْ عنده": يحتمل أن يكون منْ خالص ماله، فِي بعض الأحوال، صادف ذلك عنده، ويحتمل أنه منْ مال بيت المال، ومصالح المسلمين. وأما قوله: "منْ إبل الصدقة": فقد قَالَ بعض العلماء: إنها غلط منْ الرواة؛ لأن الصدقة المفروضة لا تصرف هَذَا المصرف، بل هي لأصناف سماهم الله تعالى، وَقَالَ الإِمام أبو إسحاق المروزي، منْ الشافعيّة: يجوز صرفها منْ إبل الزكاة؛ لهذا الْحَدِيث،

стр. 17213

فأخذ بظاهره، وَقَالَ جمهور العلماء: معناه اشتراه منْ أهل الصدقات، بعد أن ملكوها، ثم دفعها تبرعا إلى أهل القتيل. وحكى القاضي عن بعض العلماء: أنه يجوز صرف الزكاة فِي مصالح العامة، وتأول هَذَا الْحَدِيث عليه، وتأوله بعضهم عَلَى أن أولياء القتيل كانوا محتاجين، ممن تباح لهم الزكاة، وهذا تأويل باطل؛ لأن هَذَا قدر كثير، لا يدفع إلى الواحد الحامل منْ الزكاة، بخلاف أشراف القبائل، ولأنه سماه دية، وتأوله بعضهم عَلَى أنه دفعه منْ سهم المؤلفة، منْ الزكاة؛ استئلافا لليهود، لعلهم يسلمون، وهذا ضعيف؛ لأن الزكاة لا يجوز صرفها إلى كافر، فالمختار ما حكيناه عن الجمهور، أنه اشتراها منْ إبل الصدقة. وفي هَذَا الْحَدِيث: أنه ينبغي للإمام مراعاة المصالح العامة، والاهتمام بإصلاح ذات البين، وفيه إثبات القسامة، وفيه الابتداء بيمين المدعي فِي القسامة، وفيه رد اليمين عَلَى المدعى عليه، إذا نكل المدعي فِي القسامة، وفيه جواز الحكم عَلَى الغائب، وسماع الدعوى فِي الدماء منْ غير حضور الخصم، وفيه جواز اليمين بالظن، وإن لم يتيقن، وفيه أن الحكم بين المسلم والكافر يكون بحكم الإِسلام. انتهى كلام النوويّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وقول: (خَالَفَهُمْ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ) يعني أن عمرو بن شعيب خالف الرواة السابقين فرواه عن أبيه عن جدّه، فذكر أن الذي قُتل هو ابن مُحيّصة، والذي فِي رواية الجماعة أنه عبد الله بن سهل، ابن عمّ محيّصة، لا ابنه، وذكر أيضًا أنه ﷺ قسم ديته عليهم، وأعانهم بنصفها، ورواية الجماعة أنه ﷺ أعطاهم منْ عنده جميع الدية، فأرسل إليهم مائة ناقة. والله تعالى أعلم. ثم ساق رواية عمرو بقوله: ٤٧٢٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الأَخْنَسِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ ابْنَ مُحَيِّصَةَ الأَصْغَرَ أَصْبَحَ قَتِيلاً، عَلَى أَبْوَابِ خَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَقِمْ شَاهِدَيْنِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ، أَدْفَعْهُ إِلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمِنْ أَيْنَ أُصِيبُ شَاهِدَيْنِ؟، وَإِنَّمَا أَصْبَحَ قَتِيلاً عَلَى أَبْوَابِهِمْ، قَالَ: "فَتَحْلِفُ خَمْسِينَ قَسَامَةً"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ أَحْلِفُ عَلَى مَا لَا أَعْلَمُ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَنَسْتَحْلِفُ مِنْهُمْ خَمْسِينَ قَسَامَةً"، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نَسْتَحْلِفُهُمْ، وَهُمُ الْيَهُودُ؟، فَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِيَتَهُ عَلَيْهِمْ، وَأَعَانَهُمْ بِنِصْفِهَا). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن معمر) القيسيّ البحرانيّ، صدوقٌ، منْ كبار [١١] ٥/ ١٨٢٩. ٢ - (رَوح بن عُبادة) القيسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة فاضل، له تصانيف [٩] ٢٥/ ١٢٥١.

стр. 17214

٣ - (عبيد الله بن الأخنس) أبو مالك الْخَزَّاز، صدوقٌ [٧] ٣٢/ ١٦٨٦. ٤ - (عمرو بن شعيب) بن محمد المدنيّ، أو الطائفيّ، صدوق [٥] ١٠٥/ ١٤٠. ٥ - (أبوه) شعيب بن محمد بن عبد الله الطائفيّ، صدوق [٣] ١٠٥/ ١٤٠. ٦ - (جده) عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي، الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما ٨٩/ ١١١. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن أبيه عن جده. (ومنها): أن فيه تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ) شعيب بن محمد (عَنْ جَدِّهِ) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ ابْنَ مُحَيِّصَةَ الأَصْغَرَ أَصْبَحَ قَتِيلاً) هَذَا أوّل المخالفة، فإن المحفوظ أن المقتول هو عبد الله بن سهل (عَلَى أَبْوَابِ خَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) لوليّ القتيل (أَقِمْ شَاهِدَيْنِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ، أَدْفَعْهُ إِلَيكُمْ بِرُمَّتِهِ) -بضم الراء-: الحبل، والمراد هنا الحبل الذي يُربَط فِي رقبة القاتل، ويسلم فيه إلى ولي القتيل. قَالَ النوويّ: وفي هَذَا دليل لمن قَالَ: إن القسامة يثبت فيها القصاص، وَقَدْ سبق بيان مذاهب العلماء فيه، وتأوله القائلون: لا قصاص، بأن المراد أن يُسَلَّم ليُستَوفَى منه الدية؛ لكونها ثبتت عليه. انتهى "شرح مسلم" ١١/ ١٥١. (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمِنْ أَيْنَ أُصِيبُ شَاهِدَيْنِ؟، وَإِنَّمَا أَصْبَحَ قَتِيلاً عَلَى أَبْوَابِهمْ، قَالَ) ﷺ (فَتَحْلِفُ خَمْسِينَ قَسَامَةً) خطاب للوليّ بأن يحلف هو خمسين يمينًا (قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ أَحْلِفُ عَلَى مَا لَا أَعْلَمُ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَنَسْتَحْلِفُ مِنْهُمْ) أي منْ اليهود (خَمْسِينَ قَسَامَةً"، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نَسْتَحْلِفُهُمْ، وَهُمُ الْيَهُودُ) أي المعرفون بالكذب والبهتان (فَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِيَتَهُ عَلَيْهِمْ، وَأَعَانَهُمْ بنِصْفِهَا) وهذا هو المخالفة الثانية؛ إذ المحفوظ فِي روايات الحفّاظ الأثبات كما سبق أنه ﷺ دفع ديته كاملة منْ عنده، لا أنه حكم عليهم بشيء منه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته:

стр. 17215

حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما هَذَا ضعيف؛ لأنه مخالف للروايات الصحيحة, وذلك أن الذي ذكر فيها أن المقتول، هو عبد الله بن سهل، وليس هو ابن مُحيّصة الأصغر، وإنما هو ابن عمّه، وأيضًا فإن المحفوظ أن النبيّ ﷺ دفع ديته كاملة منْ عنده، ولم يحكم عَلَى اليهود منه بشيء. ومال الحافظ فِي "الفتح" إلى تصحيح هذه الرواية, حيث ردّ عَلَى ادّعاء بعضهم الوهم فِي ذكر البيّنة فِي رواية يحيى بن سعيد الماضية: ما نصّه: وأما قول بعضهم: إن ذكر البينة وَهَمٌ؛ لأنه ﷺ ، قد عَلِمَ أن خيبر حينئذ، لم يكن بها أحد منْ المسلمين، فدعوى نفي العلم مردودة، فإنه وإن سُلِّم أنه لم يسكن مع اليهود فيها أحد منْ المسلمين، لكن فِي نفس القصة، أن جماعة منْ المسلمين خرجوا يمتارون تمرا، فيجوز أن تكون طائفة أخرى خرجوا لمثل ذلك، وإن لم يكن فِي نفس الأمر كذلك، وَقَدْ وجدنا لطلب البينة، فِي هذه القصة شاهدا منْ وجه آخر، أخرجه النسائيّ ٤/ ٤٧٢٢ - منْ طريق عبيد الله بن الأخنس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده: أن ابن محيصة الأصغر أصبح قتيلا عَلَى أبواب خيبر، فَقَالَ رسول الله ﷺ : "أقم شاهدين عَلَى منْ قتله، أدفعه إليك برمته"، قَالَ: يا رسول الله، أَنَّى أُصيب شاهدين؟، وإنما أصبح قتيلا عَلَى أبوابهم، قَالَ: "فتحلف خمسين قسامة"، قَالَ: فكيف أحلف عَلَى ما لا أعلم؟، قَالَ: "تستحلف خمسين منهم"، قَالَ: "كيف وهم يهود؟. قَالَ الحافظ: وهذا السند صحيح حسن (١)، وهو نَصٌّ فِي الحمل الذي ذكرته، فتعيين المصير إليه. وَقَدْ أخرج أبو داود أيضا، منْ طريق عباية بن رفاعة، عن جده رافع بن خديج، قَالَ: أصبح رجل منْ الأنصار، بخيبر مقتولا، فانطلق أولياؤه إلى النبيّ ﷺ ، فَقَالَ: "شاهدان يشهدان عَلَى قتل صاحبكم"، قَالَ: لم يكن ثَمَّ أحد منْ المسلمين، وإنما هم اليهود، وَقَدْ يجترئون عَلَى أعظم منْ هَذَا. انتهى "فتح" ١٤/ ٢٢٥. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: إنّ حديث عبد الله بن عمرو ﵄ هَذَا شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة فلا يصح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤/ ٤٧٢٢ - وفي "الكبرى" ٤/ ٦٩٢٢. وأخرجه (ق) فِي "الديات" ٢٦٧٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 17216

"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٥ - (بَابُ الْقَوَدِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "القَوَدُ" -بفتحتين-: القصاص، وأقاد الأمير القاتل بالقتيل: قتله به قَوَدًا. قاله الفيّوميّ. وَقَالَ ابن منظور: القود: قتلُ النفس بالنفس، شاذّ، كالْحَوَكَة، والْخَوَنَة، واستقدت الحاكم، فأقادني: أي سألته أن يُقيد القاتلَ بالقتيل. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٧٢٣ - (أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالتَّارِكُ دِينَهُ الْمُفَارِقُ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"بشر بن خالد": هو العسكريّ، أبو محمد الفرائضيّ، نزيل البصرة، ثقة يُغرب [١٠] ٢٦/ ٨١٢. و"محمد بن جعفر": هو غندر. و"سليمان": هو الأعمش. و"عبد الله": هو ابن مسعود ﵁. وقوله: "النفس بالنفس": أي تقتل النفس فِي مقابلة قتل النفس، فالمراد به القصاص بشرطه، وَقَدْ يستدل به أصحاب أبي حنيفة ﵏ فِي قولهم: يُقتل المسلم بالذمي، ويقتل الحر بالعبد، وجمهور العلماء عَلَى خلافه، منهم مالك، والشافعي، والليث، وأحمد. قاله النوويّ. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الجمهور هو الأرجح؛ لقوّة دليله، كما سيأتي بيانه فِي بابه، إن شاء الله تعالى. وقوله: "والثيّب الزاني": فيه إثبات قتل الزاني المحصن، والمراد رجمه بالحجارة حَتَّى يموت، وهذا بإجماع المسلمين. وقوله: "والتارك لدينه، المفارق": أي لجماعة المسلمين، وهو عام فِي كل مُرتدّ عن الإِسلام بأي رِدَّة كانت، فيجب قتله، إن لم يرجع إلى الإِسلام، قَالَ العلماء: ويتناول أيضا كل خارج عن الجماعة ببدعة، أو بغي، أو غيرهما، وكذا الخوارج. والله أعلم.

стр. 17217

[واعلم]: أن هَذَا العامَّ يُخص منه الصائل، ونحوه فيباح قتله، فِي الدفع، وَقَدْ يجاب عن هَذَا بأنه داخل فِي المفارق للجماعة، أو يكون المراد لا يحل تعمد قتله قصدا، إلا فِي هذه الثلاثة، والله تعالى أعلم. قاله النوويّ فِي "شرح مسلم" ١١/ ١٦٦ - ١٦٧. والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدم فِي ٥/ ٤٠١٧ و٤٠١٨ - ومضى تمام شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. وبالله تعالى التوفيق. واستدلال المصنّف رحمه الله تعالى به عَلَى ما ترجم له واضح فِي قوله: "النفس بالنفس"، فإنه صريح فِي وجوب القصاص، وهو معنى القود. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٢٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ، وَاللَّفْظُ لأَحْمَدَ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قُتِلَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَرُفِعَ الْقَاتِلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَدَفَعَهُ إِلَى وَلِيِّ الْمَقْتُولِ، فَقَالَ الْقَاتِلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ قَتْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ: "أَمَا إِنَّهُ إِنْ كَانَ صَادِقًا، ثُمَّ قَتَلْتَهُ، دَخَلْتَ النَّارَ"، فَخَلَّى سَبِيلَهُ، قَالَ: وَكَانَ مَكْتُوفًا بِنِسْعَةٍ، فَخَرَجَ يَجُرُّ نِسْعَتَهُ، فَسُمِّيَ ذَا النِّسْعَةِ). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن العلاء) الهمدنيّ، أبو كريب الكوفيّ، ثقة حافظ [١٠] ٩٥/ ١١٧. ٢ - (أحمد بن حرب) الطائيّ الموصليّ، صدوق [١٠] ١٠٢/ ١٣٥. منْ أفراد المصنّف. ٣ - (أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة أحفظ النَّاس لحديث الأعمش، وَقَدْ يَهِمُ فِي حديث غيره، منْ كبار [٩] ٢٦/ ٣٠. ٤ - (الأعمش) سليمان بن مِهْرَان الكوفيّ، ثقة ثبت وَرعٌ، لكنه يدلس [٥] ١٧/ ١٨. ٥ - (أبو صالح) ذكوان السمّان الزيات المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ٣٦/ ٤٠. ٦ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، كلهم، غير شيخه أحمد، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، إلى الأعمش، غير شيخه أحمد، فموصلي، والباقيان مدنيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ منْ المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.

стр. 17218

شرح الْحَدِيث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: قُتِلَ رَجُلٌ) يحتمل أن يكون ببناء الفعل للمفعول، أو الفاعل (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَرُفِعَ) بالبناء للمفعول (الْقَاتِلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَدَفَعَهُ) أي النبيّ ﷺ (إِلَى وَلِيِّ الْمَقْتُولِ) أي ليقتصّ منه (فَقَالَ الْقَاتِلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا، وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ قَتْلَهُ) "لا" نافية، "ما" مؤكّدة لها، وتوسط بينهما القسم: أي والله لم أُرد قتله عمدًا، وإنما وقع خطأ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ: "أمَا) أداة استفتاح، وتنبيه (إِنَّهُ) أي القاتل (إِنْ كَانَ صَادِقًا) فِي دعواه أنه لم يتعمّد قتله، بل وقع منه خطأً (ثُمَّ قَتَلْتَهُ، دَخَلْتَ النَّارَ) قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: يفيد أن ما كَانَ ظاهره العمد لا يسع فيه كلام القاتل: إنه ليس بعمد فِي الحكم، نعم ينبغي لوليّ المقتول أن لا يقتله؛ خوفًا منْ لحوق الإثم به، عَلَى تقدير صدق دعوى القاتل. انتهى. (فَخَلَّى سَبِيلَهُ) أي أطلق أسره (قَالَ: وَكَانَ مَكْتُوفًا بِنِسْعَةٍ) بكسر النون، وسكون السين المهملة-: سَيْرٌ مضْفُورٌ، يُجعل زمامًا للبعير وغيره، وَقَدْ تُنسَج عريضةً. وَقَالَ فِي "القاموس": "النِّسْعُ": بالكسر: سَيْرٌ يُنسَج عَرِيضًا عَلَى هيئة أَعِنَّة النَّعَال، تُشَدُّ به الرِّحال، والقطعة منه نِسْعَةٌ، وسُمّيَ نِسْعًا لطوله، جمعه نُسْعٌ بالضمّ، ونِسَعٌ، كعِنَبٍ، وأَنْسَاعٌ، ونُسُوعٌ. انتهى. (فَخَرَجَ يَجُرُّ نِسْعَتَهُ، فَسُمِّيَ ذَا النِّسْعَةِ) أي صاحب النسعة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هَذَا صحيح. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٥/ ٤٧٢٣ - وفي "الكبرى" ٥/ ٦٩٢٤. وأخرجه (د) فِي "الديات" ٤٤٩٨ (ت) فِي "الديات" ١٤٠٧ (ق) فِي "الديات" ٢٦٩٠. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعية القصاص، ووجه الاستدلال به أنه ﷺ إنما دفع القاتل إلى وليّ المقتول ليقتصّ منه، وذلك يدلّ عَلَى ثبوت القصاص. (ومنها): أنه لا ينبغي لولي الدم أن يتسارع إلى القصاص، بل يعفو؛ فلعل ذلك القاتل إنما كَانَ قتله عن غير عمد، فيكون قد قتل منْ لا يجب عليه القتل. (ومنها): أنه يجوز تلقيب الشخص بما يظهر عليه منْ الحِرَف، أو نحوها، فإنهم سموا

стр. 17219

هَذَا الرجل بذي النسعة، لَمّا رأوه يجرّها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٢٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ عَوْفٍ الأَعْرَابِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جِيءَ بِالْقَاتِلِ الَّذِي قَتَلَ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، جَاءَ بِهِ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتَعْفُو؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "أَتَقْتُلُ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "اذْهَبْ"، فَلَمَّا ذَهَبَ دَعَاهُ، قَالَ: "أَتَعْفُو؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "أَتَأْخُذُ الدِّيَةَ؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "أَتَقْتُلُ؟ "، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "اذْهَبْ"، فَلَمَّا ذَهَبَ، قَالَ: "أَمَا إِنَّكَ إِنْ عَفَوْتَ عَنْهُ، فَإِنَّهُ يَبُوءُ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِ صَاحِبِكَ"، فَعَفَا عَنْهُ، فَأَرْسَلَهُ، قَالَ فَرَأَيْتُهُ يَجُرُّ نِسْعَتَهُ). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن إسماعيل بن إبراهيم) المعروف أبوه بابن عُليّة، البصريّ، نزيل دمشق، وقاضيها، ثقة [١١] ٢٢/ ٤٨٩ منْ أفراد المصنّف. ٢ - (إسحاق) بن يوسف بن مِرْداس الأزرق الواسطيّ، ثقة [٩] ٢٢/ ٤٨٩. ٣ - (عوف الأعرابيّ) بن أبي جَمِيلة بَندَويه العبديّ البصريّ، ثقة رُمي بالقدر، وبالتشيّع [٦] ٤٦/ ٥٧. ٤ - (علقمة بن وائل) بنِ حُجر الْحَضْرميّ الكوفيّ، صدوقٌ، سمع منْ أبيه [٣] ٩/ ٨٨٧. ٥ - (وائل بن حُجر) -بضم المهملة، وسكون الجيم- ابن سعد بن مسروق الْحَضرميّ، الصحابيّ المشهور، وكان منْ ملوك اليمن، ثم سكن الكوفة، ومات ﵁ فِي ولاية معاوية ﵁، وتقدمت ترجمته فِي ٤/ ٨٧٩. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ الْحَضْرَميِّ، عَنْ أَبِيه) وائل بن حُجْر ﵁. [تنبيه]: علقمة بن وائل قد ثبت سماعه منْ أبيه، فقد ذكر الإمامان: البخاريّ فِي "تاريخه"، والترمذيّ فِي "جامعه" أنه سمع منْ أبيه، وإنما الذي لم يسمع منْ أبيه هو أخوه عبد الجبّار، وَقَدْ أخرج الْحَدِيث الإِمام مسلم فِي "صحيحه" ٤٣٦٣، والمصنّف فِي هَذَا الباب ٤٧٣٠ - ، منْ روايته عن أبيه، وفيه التصريح بالتحديث، ولفظ مسلم: "حدّثنا عُبيد الله بن معاذ العنبريّ، حدثنا أبي، حدّثنا أبو يونس -هو حاتم بن أبي صغيرة مسلم- عن سماك بن حرب، أن علقمة بن وائل حدّثه، أن أباه حدّثه، قَالَ: إني

стр. 17220

لقاعد مع النبيّ ﷺ الْحَدِيث. ولفظ المصنّف: أخبرنا زكريا بن يحيى، قَالَ: حدثنا عُبيد الله بن معاذ الخ. فما قاله فِي "تقريب التهذيب" منْ أنه لم يسمع منْ أبيه غير صحيح، فليُتنبّه. والله تعالى أعلم. (قَالَ: جِيءَ بالْقَاتِلِ الَّذِي قَتَلَ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وفي الرواية الآتية: "شهدت رسول الله ﷺ ، حين جيء بالقاتل يقوده ولي المقتول فِي نِسْعة"، وفي رواية: "كنت قاعدًا عند رسول الله ﷺ ، جاء رجل فِي عنقه نسعة" (جَاءَ بِهِ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ) وسيأتي أنه أخوه، ففي رواية سماك بن حرب، عن علقمة: "فَقَالَ: يا رسول الله، هَذَا قتل أخي، فَقَالَ له رسول الله ﷺ : "أقتلته" (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتَعْفُو؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "أَتَقْتُلُ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "اذْهَبْ"، فَلَمَّا ذَهَبَ دَعَاهُ، قَالَ: "أَتَعْفُو؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "أَتَأْخُذُ الدَّيَةَ؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "أَتَقْتُلُ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "اذْهَبْ"، فَلَمَّا ذَهَبَ، قَالَ) ﷺ (أَمَا إِنَّكَ إِنْ عَفَوْتَ عَنْهُ؟، فَإِنَّهُ يَبُوءُ) بهمزة، بعد الواو: أي ينقلب، ويرجع، قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: وأكثر ما يُستعمل باء بكذا فِي الشرّ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠] انتهى (بِإِثْمِكَ وَإِثْمِ صَاحِبِكَ) قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: يعني بذلك -والله تعالى أعلم- أن المقتول ظلمًا تُغفر ذنوبه عند قتل القاتل له، والوليّ يُغفر له عند عفوه عن القاتل، فصار ذهاب ذنوبهما بسبب القاتل، فلذلك قيل عنه: إنه باء بذنوب كلّ واحد منهما، هَذَا أحسن ما قيل فيه. والله تعالى أعلم. انتهى "المفهم" ٥/ ٥٨. وَقَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: ظاهره أن الوليّ إذا عفا عن القاتل بلا مال يتحمّل القاتل إثم الوليّ والمقتول جميعًا, ولا يخلو عن إشكال، فإن أهل التفسير قد أوّلوا قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ الآية [المائدة: ٢٩]، فضلاً عن إثم الوليّ، ولعل الوجه فِي هَذَا الْحَدِيث أن يقال: المراد برجوعه بإثمهما هو رجوعه متلبّسًا بزوال إثمهما عنهما. ويحتمل أنه تعالى يرضى بعفو الوليّ، فيغفر له، ولمقتوله، فيرجع القاتل، وَقَدْ أُزيل عنهما إثمهما بالمغفرة. والمشهور هي الرواية الآتية، وهي: "يبوء بإثمه، وإثم صاحبه": أي المقتول. وقيل: فِي تأويله: أي يرجع متلبّسًا بإثمه السابق، وبالإثم الحاصل له بقتل صاحبه، فأُضيف إلى الصاحب؛ لأدنى ملابسة، بخلاف ما لو قُتِلَ، فإن القتل يكون كفّارة له عن إثم القتل، وهذا المعنى لا يصلح للترغيب، إلا أن يقال: الترغيب باعتبار إيهام الكلام

стр. 17221

بالمعنى الظاهر، ويجوز الترغيب بمثله توسّلاً به إلى العفو، وإصلاح ذات البين، كما يجوز التعريض فِي محلّه. والله تعالى أعلم. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن المعنى الأول، هو الأقرب، كما استحسنه القرطبيّ، فِي كلامه السابق، وحاصله أن القاتل تسبب فِي حصول المغفرة لكلّ منْ المقتول بقتله، والوليّ لَمّا عفا عنه، فصحّ نسبة ذهاب ذنوبهما إليه. والله تعالى أعلم. (فَعَفَا عَنْهُ، فَأَرْسَلَهُ، قَالَ) وائل ﵁ (فَرَأَيْتُهُ) أي القاتل الذي عُفي عنه (يَجُرُّ نِسْعَتَهُ) قَالَ القرطبيّ: هي ما ضُفّر منْ الأدم كالحبال، وجمعها أنساع، فإذا فُتل، ولم يُضفر، فهو الجديل، والْجَدْلُ: الفتل. وفيه منْ الفقه: العنف عَلَى الجاني، وتوثيقه، وأخذ النَّاس له، حَتَّى يُحضروه إلى الإِمام، ولو لم يُجعل ذلك للناس لفرّ الْجُناة، وفاتوا، ولتعذّر نصر المظلوم، وتغيير المنكر. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث وائل بن حجر ﵁ هَذَا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٥/ ٤٢٣ و٦/ ٤٧٢٦ و٤٧٢٨ و٤٧٢٩ و٤٧٣١ وفي "آداب القضاة" ٥٤١٧ - وفي "الكبرى" ٥/ ٦٩٢٥ و٦/ ٦٩٢٩ و٦٩٢٨ و٦٩٢٩ و٦٩٣١. وأخرجه (م) فِي "القسامة" ١٦٨٠ (د) فِي "الديات" ٤٤٩٩ و٤٥٠١ (الدارميّ" فِي "الديات" ٢٢٥٣. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده (١): (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعيّة القصاص فِي القتل العمد. (ومنها): أن فيه الإغلاظَ عَلَى الْجُنَاة، وربطهم، وإحضارهم إلى ولي الأمر. (ومنها): أن فيه سؤالَ المدعَى عليه، عن جواب الدعوى، فلعله يُقِرُّ، فيستغني المدعي، والقاضي عن التعب فِي إحضار الشهود، وتعديلهم، ولأن الحكم بالإقرار حكم بيقين، وبالبينة حكم بالظن. (ومنها): سؤالُ الحاكم، وغيره الوليّ عن العفو عن

стр. 17222

الجاني. (ومنها): أن فيه جوازَ العفو بعد بلوغ الأمر إلى الحاكم. (ومنها): جوازُ أخذ الدية فِي قتل العمد؛ لقوله ﷺ فِي تمام الْحَدِيث: "هل لك منْ شيء تؤديه عن نفسك؟ ". (ومنها): قبول الإقرار بقتل العمد. (ومنها): ما قَالَ القاضي عياض رحمه الله تعالى: فيه أن قتل القصاص لا يكفر ذنب القاتل بالكلية، وإن كفّرها بينه وبين الله تعالى، كما جاء فِي الْحَدِيث الآخر: "فهو كفارة له، ويبقى حق المقتول". (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: فِي قوله ﷺ : "أتقتله؟ " منْ الفقه سماع دعوى المدّعِي فِي الدم قبل إثبات الموت، والولاية، ثم لا يثبت الحكم حَتَّى يثبُت كلُّ ذلك. [فإن قيل]: فقد حكم النبيّ ﷺ عَلَى القاتل فِي هَذَا الْحَدِيث منْ غير إثبات ولاية المدّعي؟. [فالجواب]: أن ذلك كَانَ معلومًا عند النبيّ ﷺ ، وعند غيره، فاستغنى عن إثباته لشهرة ذلك. (ومنها): استقرار المدّعى عليه بعد سماع الدعوى لإمكان إقراره، فتسقط وظيفة إقامة البيّنة عن المدّعَى، كما جرى فِي هَذَا الْحَدِيث. انتهى" المفهم" ٥/ ٥٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٦ - (ذِكْرُ اخْتِلَافِ النَّاقِلِينَ لِخَبَرِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ فِيهِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "فيه" متعلق بـ"اختلاف"، والضمير للخبر، أي اختلافهم عليه فِي رواية خبره. ووجه الاختلاف الذي أشار إليه أن رواية حمزة العائذي أنه ﷺ خيّر ولي المقتول بين العفو وأخذ الدية، فلما أبى دفعه إليه ليقتصّ منه، وتابعه عليه جامع بن مطر فِي رواية يحيى القطّان عنه التي أشار إليها المصنّف بقوله: "بمثله"، وخالفه فِي رواية حفص بن عمر الحوضي عنه، فذكر العفو فقط، وخالفهما سماك بن حرب، فذكر دفع الدية فقط، حيث ذكر أنه ﷺ سأل القاتل بقوله: "هل لك مال تؤدّيه عن نفسك؟ "، ثم قَالَ: "أتُرى

стр. 17223

قومك يشترونك؟ "، وخالفهم إسماعيل بن سالم، فرواه عن علقمة، فلم يذكر العفو، ولا الدية، بل ذكره أنه ﷺ دفع القاتل إلى ولي المقتول يقتله. والظاهر أن هذه الاختلافات لا تضرّ بصحة الْحَدِيث؛ لإمكان حملها عَلَى أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظه الآخر، أو اختصره منْ الرواية. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٧٢٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَمْزَةُ، أَبُو عَمْرٍو الْعَائِذِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلْقَمَةُ بْنُ وَائِلٍ، عَنْ وَائِلٍ، قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، حِينَ جِيءَ بِالْقَاتِلِ، يَقُودُهُ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ، فِي نِسْعَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ: "أَتَعْفُو؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "أَتَأْخُذُ الدِّيَةَ؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "فَتَقْتُلُهُ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "اذْهَبْ بِهِ"، فَلَمَّا ذَهَبَ بِهِ، فَوَلَّى مِنْ عِنْدِهِ دَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ: "أَتَعْفُو؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "أَتَأْخُذُ الدِّيَةَ؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "فَتَقْتُلُهُ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "اذْهَبْ بِهِ"، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: "أَمَا إِنَّكَ إِنْ عَفَوْتَ عَنْهُ، يَبُوءُ بِإِثْمِهِ، وَإِثْمِ صَاحِبِكَ"، فَعَفَا عَنْهُ، وَتَرَكَهُ، فَأَنَا رَأَيْتُهُ يَجُرُّ نِسْعَتَهُ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"يحيى بن سعيد": هو القطّان. و"حمزة": هو ابن عَمْرو أبو عُمَر العائذيّ الضبّيّ البصريّ، صدوقٌ [٤] ٣/ ٤٩٨. وَقَالَ ابن حبّان: فِي "الثقات": وهِمَ منْ ضبطه بالجيم. انتهى. [تنبيه]: فِي هَذَا الإسناد ذكر واسطة بين عوف الأعرابيّ وبين علقمة، وهو حمزة العائذيّ، بخلاف الإسناد الماضي، فإنه لم يُذكر فيها بينهما واسطة، والظاهر أن هذه الرواية أرجح؛ لأن يحيى القطّان أحفظ، وأتقن منْ إسحاق بن يوسف، ولاسيّما وَقَدْ صرّح بتحديث حمزة له، بخلاف رواية إسحاق، فقد عنعنها، فيحتمل أنه أسقط الواسطة، والله تعالى أعلم. والحديث صحيح، وَقَدْ تقدّم شرحه، وبيان مسائله فِي الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٢٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا جَامِعُ بْنُ مَطَرٍ الْحَبَطِيُّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، قَالَ يَحْيَى: وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "جامع بن مطر الْحَبَطيّ" -بفتح المهملة، والموحّدة، بعدها مهملةٌ- بصريّ، صدوقٌ [٦]. روى عن علقمة بن وائل، وبُريد أبي مريم السلوليّ، ومعاوية بن قُرَّة، وغيرهم.

стр. 17224

وعنه ابن مهديّ، والقطّان، وأبو عمر الحوضيّ، وبكر بن عيسى الراسبيّ، وأبو عُبيدة الحدّاد. قَالَ أحمد: ما أرى به بأسًا. وَقَالَ ابن معين: ثقة. وَقَالَ أبو حاتم: لا بأس به. وَقَالَ الآجريّ، عن أبي داود: ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". روى له البخاريّ فِي "جزء رفع اليدين"، والمصنّف، وأبو داود، وله عندهما هَذَا الْحَدِيث، وله عند أبي داود حديث آخر أيضًا. وقوله: "وهو أحسن منه": يعني -والله تعالى أعلم- أراد أن شيخه جامع بن مطر، أحسن حديثًا منْ شيخه عوف بن أبي جميلة، والظاهر أن ذلك لكون عوف مطعونًا ببدعة القدر، والتشيّع، فقد قَالَ ابن المبارك: والله ما رضي عوفٌ ببدعة واحدة، حَتَّى كانت فيه بدعتان، قدريّ شيعيّ. وَقَالَ بُندارٌ: لقد كَانَ عوفٌ قدّريّا، رافضيّا، شيطانًا. انظر ترجمته فِي "تهذيب التهذيب" ٣/ ٣٣٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٢٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، وَهُوَ الْحَوْضِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَامِعُ بْنُ مَطَرٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، جَاءَ رَجُلٌ فِي عُنُقِهِ نِسْعَةٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا وَأَخِي كَانَا فِي جُبٍّ يَحْفِرَانِهَا، فَرَفَعَ الْمِنْقَارَ، فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَ صَاحِبِهِ، فَقَتَلَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اعْفُ عَنْهُ"، فَأَبَى، وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا وَأَخِي كَانَا فِي جُبٍّ يَحْفِرَانِهَا، فَرَفَعَ الْمِنْقَارَ، فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَ صَاحِبِهِ، فَقَتَلَهُ، فَقَالَ: "اعْفُ عَنْهُ"، فَأَبَى، ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا وَأَخِي كَانَا فِي جُبٍّ يَحْفِرَانِهَا، فَرَفَعَ الْمِنْقَارَ -أُرَاهُ قَالَ- فَضَرَبَ رَأْسَ صَاحِبِهِ، فَقَتَلَهُ، فَقَالَ: "اعْفُ عَنْهُ"، فَأَبَى، قَالَ: "اذْهَبْ، إِنْ قَتَلْتَهُ كُنْتَ مِثْلَهُ"، فَخَرَجَ بِهِ، حَتَّى جَاوَزَ، فَنَادَيْنَاهُ، أَمَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَرَجَعَ، فَقَالَ: إِنْ قَتَلْتُهُ كُنْتُ مِثْلَهُ؟، قَالَ: "نَعَمِ، اعْفُ، فَخَرَجَ يَجُرُّ نِسْعَتَهُ، حَتَّى خَفِيَ عَلَيْنَا). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عمرو بن منصور": هو أبو سعيد النسائيّ، ثقة ثبت [١١] ١٠٨/ ١٤٧ منْ أفراد المصنّف. و"حفص بن عُمر": هو أبو عُمَر الْحَوْضيّ، ثقة ثبت، منْ كبار [١٠] ٢/ ٢٠٩٦. وقوله: "فِي جُبّ" بضمّ الجب، وتشديد الموحّدة: هو البئر التي لم تُطوَ، جمعه أَجْبابٌ، وجِبابٌ، وجِبَبةٌ، كعِنَبة. وقوله: "فرفع الْمِنْقَار" -بكسر الميم، وسكون النون، وفتح القاف-: قَالَ ابن منظور: هي حديدة كالفأس، مُشَكَّكَةٌ، مُستديرةٌ، لها خَلْفٌ، يُقطع به الحجارة، والأرض الصلبة، ونَقَره ينقره نَقْرًا -منْ باب نصر-: ضربه، والنَّقْرُ: ضربُ الرحَى،

стр. 17225

والحجرِ، بالمنقار. وَقَالَ أيضًا: ونَقَرْتُ الشيءَ: ثقبته بالمنقار، والْمِنْقَر بكسر الميم: الْمِعْوَل، قَالَ ذُو الرّمّة: كَأَرْحَاءِ رَقْدٍ زَلَّمَتْهَا الْمَنَاقِرُ انتهى "لسان العرب" بتصرّف ٥/ ٢٢٧. [تنبيه]: رواية جامع بن مطر هذه مخالفة لرواية سماك بن حرب التي بعدها، حيث إن فيها أنهما كانا يحتطبان منْ شجرة، ولكن لا تعارض بينهما؛ لاحتمال أن يكون أصل عملهما حفر البئر، ثم حصل لهما حاجة إلى الاحتطاب، فبدءا يجمعان الحطب، فحصل بينهما مخاصمة خلال الاحتطاب، فضربه بالفأس الذي كَانَ يحفر به. والله تعالى أعلم. وقوله: "إن قتلته كنت مثله": قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: الصحيح فِي تأويله، أنه مثله فِي أنه لا فضل، ولا منة لأحدهما عَلَى الآخر؛ لأنه استوفى حقه منه، بخلاف ما لو عفى عنه، فإنه كَانَ له الفضل والمنة، وجزيل ثواب الآخرة، وجميل الثناء فِي الدنيا. وقيل: فهو مثله فِي أنه قاتل، وإن اختلفا فِي التحريم والإباحة، لكنهما استويا فِي طاعتهما الغضب، ومتابعة الهوى، لاسيما وَقَدْ طلب النبيّ ﷺ منه العفو، وإنما قَالَ النبيّ ﷺ ، ما قَالَ بهذا اللفظ الذي هو صادق فيه؛ للإيهام لمقصود صحيح، وهو أن الوليّ ربما خاف فعفا، والعفو مصلحة للوليّ والمقتول فِي ديتهما (١) لقوله ﷺ : "يبوء بإثمك وإثم صاحبك"، وفيه مصلحة للجاني، وهو إنقاذه منْ القتل، فلما كَانَ العفو مصلحة، توصل إليه بالتعريض، وَقَدْ قَالَ الضمري (٢) وغيره، منْ الشافعيّة، وغيرهم: يستحب للمفتى إذا رأى مصلحة فِي التعريض للمستفتي، أن يُعَرِّض تعريضا، يحصل به المقصود، مع أنه صادق فيه، قالوا: ومثاله أن يسأله إنسان عن القاتل: هل له توبة؟ ويظهر للمفتي بقرينة، أنه إن أفتى بأن له توبة، ترتب عليه مفسدة، وهي أن السائل يستهون القتل؛ لكونه يجد بعد ذلك منه مخرجا، فيقول المفتى فِي الحالة هذه: صح عن ابن عباس أنه قَالَ: لا توبة لقاتل، فهو صادق فِي أنه صح عن ابن عباس، وإن كَانَ المفتي لا يعتقد ذلك، ولا يوافق ابن عباس فِي هذه المسألة، لكن السائل إنما يفهم منها موافقته ابن عباس، فيكون سببا لزجره، فهكذا، وما أشبه ذلك، كمن يسأل عن الغيبة فِي الصوم، هل يفطر بها؟، فيقول: جاء فِي الْحَدِيث الغِيبة تُفَطِّر الصائم. والله أعلم. انتهى "شرح مسلم" ١١/ ١٧٤.
следующие страницы →