← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 17221–17260 · переход к 17226.

стр. 17221

بالمعنى الظاهر، ويجوز الترغيب بمثله توسّلاً به إلى العفو، وإصلاح ذات البين، كما يجوز التعريض فِي محلّه. والله تعالى أعلم. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن المعنى الأول، هو الأقرب، كما استحسنه القرطبيّ، فِي كلامه السابق، وحاصله أن القاتل تسبب فِي حصول المغفرة لكلّ منْ المقتول بقتله، والوليّ لَمّا عفا عنه، فصحّ نسبة ذهاب ذنوبهما إليه. والله تعالى أعلم. (فَعَفَا عَنْهُ، فَأَرْسَلَهُ، قَالَ) وائل ﵁ (فَرَأَيْتُهُ) أي القاتل الذي عُفي عنه (يَجُرُّ نِسْعَتَهُ) قَالَ القرطبيّ: هي ما ضُفّر منْ الأدم كالحبال، وجمعها أنساع، فإذا فُتل، ولم يُضفر، فهو الجديل، والْجَدْلُ: الفتل. وفيه منْ الفقه: العنف عَلَى الجاني، وتوثيقه، وأخذ النَّاس له، حَتَّى يُحضروه إلى الإِمام، ولو لم يُجعل ذلك للناس لفرّ الْجُناة، وفاتوا، ولتعذّر نصر المظلوم، وتغيير المنكر. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث وائل بن حجر ﵁ هَذَا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٥/ ٤٢٣ و٦/ ٤٧٢٦ و٤٧٢٨ و٤٧٢٩ و٤٧٣١ وفي "آداب القضاة" ٥٤١٧ - وفي "الكبرى" ٥/ ٦٩٢٥ و٦/ ٦٩٢٩ و٦٩٢٨ و٦٩٢٩ و٦٩٣١. وأخرجه (م) فِي "القسامة" ١٦٨٠ (د) فِي "الديات" ٤٤٩٩ و٤٥٠١ (الدارميّ" فِي "الديات" ٢٢٥٣. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده (١): (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعيّة القصاص فِي القتل العمد. (ومنها): أن فيه الإغلاظَ عَلَى الْجُنَاة، وربطهم، وإحضارهم إلى ولي الأمر. (ومنها): أن فيه سؤالَ المدعَى عليه، عن جواب الدعوى، فلعله يُقِرُّ، فيستغني المدعي، والقاضي عن التعب فِي إحضار الشهود، وتعديلهم، ولأن الحكم بالإقرار حكم بيقين، وبالبينة حكم بالظن. (ومنها): سؤالُ الحاكم، وغيره الوليّ عن العفو عن

стр. 17222

الجاني. (ومنها): أن فيه جوازَ العفو بعد بلوغ الأمر إلى الحاكم. (ومنها): جوازُ أخذ الدية فِي قتل العمد؛ لقوله ﷺ فِي تمام الْحَدِيث: "هل لك منْ شيء تؤديه عن نفسك؟ ". (ومنها): قبول الإقرار بقتل العمد. (ومنها): ما قَالَ القاضي عياض رحمه الله تعالى: فيه أن قتل القصاص لا يكفر ذنب القاتل بالكلية، وإن كفّرها بينه وبين الله تعالى، كما جاء فِي الْحَدِيث الآخر: "فهو كفارة له، ويبقى حق المقتول". (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: فِي قوله ﷺ : "أتقتله؟ " منْ الفقه سماع دعوى المدّعِي فِي الدم قبل إثبات الموت، والولاية، ثم لا يثبت الحكم حَتَّى يثبُت كلُّ ذلك. [فإن قيل]: فقد حكم النبيّ ﷺ عَلَى القاتل فِي هَذَا الْحَدِيث منْ غير إثبات ولاية المدّعي؟. [فالجواب]: أن ذلك كَانَ معلومًا عند النبيّ ﷺ ، وعند غيره، فاستغنى عن إثباته لشهرة ذلك. (ومنها): استقرار المدّعى عليه بعد سماع الدعوى لإمكان إقراره، فتسقط وظيفة إقامة البيّنة عن المدّعَى، كما جرى فِي هَذَا الْحَدِيث. انتهى" المفهم" ٥/ ٥٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٦ - (ذِكْرُ اخْتِلَافِ النَّاقِلِينَ لِخَبَرِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ فِيهِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "فيه" متعلق بـ"اختلاف"، والضمير للخبر، أي اختلافهم عليه فِي رواية خبره. ووجه الاختلاف الذي أشار إليه أن رواية حمزة العائذي أنه ﷺ خيّر ولي المقتول بين العفو وأخذ الدية، فلما أبى دفعه إليه ليقتصّ منه، وتابعه عليه جامع بن مطر فِي رواية يحيى القطّان عنه التي أشار إليها المصنّف بقوله: "بمثله"، وخالفه فِي رواية حفص بن عمر الحوضي عنه، فذكر العفو فقط، وخالفهما سماك بن حرب، فذكر دفع الدية فقط، حيث ذكر أنه ﷺ سأل القاتل بقوله: "هل لك مال تؤدّيه عن نفسك؟ "، ثم قَالَ: "أتُرى

стр. 17223

قومك يشترونك؟ "، وخالفهم إسماعيل بن سالم، فرواه عن علقمة، فلم يذكر العفو، ولا الدية، بل ذكره أنه ﷺ دفع القاتل إلى ولي المقتول يقتله. والظاهر أن هذه الاختلافات لا تضرّ بصحة الْحَدِيث؛ لإمكان حملها عَلَى أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظه الآخر، أو اختصره منْ الرواية. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٧٢٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَمْزَةُ، أَبُو عَمْرٍو الْعَائِذِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلْقَمَةُ بْنُ وَائِلٍ، عَنْ وَائِلٍ، قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، حِينَ جِيءَ بِالْقَاتِلِ، يَقُودُهُ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ، فِي نِسْعَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ: "أَتَعْفُو؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "أَتَأْخُذُ الدِّيَةَ؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "فَتَقْتُلُهُ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "اذْهَبْ بِهِ"، فَلَمَّا ذَهَبَ بِهِ، فَوَلَّى مِنْ عِنْدِهِ دَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ: "أَتَعْفُو؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "أَتَأْخُذُ الدِّيَةَ؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "فَتَقْتُلُهُ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "اذْهَبْ بِهِ"، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: "أَمَا إِنَّكَ إِنْ عَفَوْتَ عَنْهُ، يَبُوءُ بِإِثْمِهِ، وَإِثْمِ صَاحِبِكَ"، فَعَفَا عَنْهُ، وَتَرَكَهُ، فَأَنَا رَأَيْتُهُ يَجُرُّ نِسْعَتَهُ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"يحيى بن سعيد": هو القطّان. و"حمزة": هو ابن عَمْرو أبو عُمَر العائذيّ الضبّيّ البصريّ، صدوقٌ [٤] ٣/ ٤٩٨. وَقَالَ ابن حبّان: فِي "الثقات": وهِمَ منْ ضبطه بالجيم. انتهى. [تنبيه]: فِي هَذَا الإسناد ذكر واسطة بين عوف الأعرابيّ وبين علقمة، وهو حمزة العائذيّ، بخلاف الإسناد الماضي، فإنه لم يُذكر فيها بينهما واسطة، والظاهر أن هذه الرواية أرجح؛ لأن يحيى القطّان أحفظ، وأتقن منْ إسحاق بن يوسف، ولاسيّما وَقَدْ صرّح بتحديث حمزة له، بخلاف رواية إسحاق، فقد عنعنها، فيحتمل أنه أسقط الواسطة، والله تعالى أعلم. والحديث صحيح، وَقَدْ تقدّم شرحه، وبيان مسائله فِي الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٢٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا جَامِعُ بْنُ مَطَرٍ الْحَبَطِيُّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، قَالَ يَحْيَى: وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "جامع بن مطر الْحَبَطيّ" -بفتح المهملة، والموحّدة، بعدها مهملةٌ- بصريّ، صدوقٌ [٦]. روى عن علقمة بن وائل، وبُريد أبي مريم السلوليّ، ومعاوية بن قُرَّة، وغيرهم.

стр. 17224

وعنه ابن مهديّ، والقطّان، وأبو عمر الحوضيّ، وبكر بن عيسى الراسبيّ، وأبو عُبيدة الحدّاد. قَالَ أحمد: ما أرى به بأسًا. وَقَالَ ابن معين: ثقة. وَقَالَ أبو حاتم: لا بأس به. وَقَالَ الآجريّ، عن أبي داود: ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". روى له البخاريّ فِي "جزء رفع اليدين"، والمصنّف، وأبو داود، وله عندهما هَذَا الْحَدِيث، وله عند أبي داود حديث آخر أيضًا. وقوله: "وهو أحسن منه": يعني -والله تعالى أعلم- أراد أن شيخه جامع بن مطر، أحسن حديثًا منْ شيخه عوف بن أبي جميلة، والظاهر أن ذلك لكون عوف مطعونًا ببدعة القدر، والتشيّع، فقد قَالَ ابن المبارك: والله ما رضي عوفٌ ببدعة واحدة، حَتَّى كانت فيه بدعتان، قدريّ شيعيّ. وَقَالَ بُندارٌ: لقد كَانَ عوفٌ قدّريّا، رافضيّا، شيطانًا. انظر ترجمته فِي "تهذيب التهذيب" ٣/ ٣٣٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٢٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، وَهُوَ الْحَوْضِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَامِعُ بْنُ مَطَرٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، جَاءَ رَجُلٌ فِي عُنُقِهِ نِسْعَةٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا وَأَخِي كَانَا فِي جُبٍّ يَحْفِرَانِهَا، فَرَفَعَ الْمِنْقَارَ، فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَ صَاحِبِهِ، فَقَتَلَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اعْفُ عَنْهُ"، فَأَبَى، وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا وَأَخِي كَانَا فِي جُبٍّ يَحْفِرَانِهَا، فَرَفَعَ الْمِنْقَارَ، فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَ صَاحِبِهِ، فَقَتَلَهُ، فَقَالَ: "اعْفُ عَنْهُ"، فَأَبَى، ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا وَأَخِي كَانَا فِي جُبٍّ يَحْفِرَانِهَا، فَرَفَعَ الْمِنْقَارَ -أُرَاهُ قَالَ- فَضَرَبَ رَأْسَ صَاحِبِهِ، فَقَتَلَهُ، فَقَالَ: "اعْفُ عَنْهُ"، فَأَبَى، قَالَ: "اذْهَبْ، إِنْ قَتَلْتَهُ كُنْتَ مِثْلَهُ"، فَخَرَجَ بِهِ، حَتَّى جَاوَزَ، فَنَادَيْنَاهُ، أَمَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَرَجَعَ، فَقَالَ: إِنْ قَتَلْتُهُ كُنْتُ مِثْلَهُ؟، قَالَ: "نَعَمِ، اعْفُ، فَخَرَجَ يَجُرُّ نِسْعَتَهُ، حَتَّى خَفِيَ عَلَيْنَا). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عمرو بن منصور": هو أبو سعيد النسائيّ، ثقة ثبت [١١] ١٠٨/ ١٤٧ منْ أفراد المصنّف. و"حفص بن عُمر": هو أبو عُمَر الْحَوْضيّ، ثقة ثبت، منْ كبار [١٠] ٢/ ٢٠٩٦. وقوله: "فِي جُبّ" بضمّ الجب، وتشديد الموحّدة: هو البئر التي لم تُطوَ، جمعه أَجْبابٌ، وجِبابٌ، وجِبَبةٌ، كعِنَبة. وقوله: "فرفع الْمِنْقَار" -بكسر الميم، وسكون النون، وفتح القاف-: قَالَ ابن منظور: هي حديدة كالفأس، مُشَكَّكَةٌ، مُستديرةٌ، لها خَلْفٌ، يُقطع به الحجارة، والأرض الصلبة، ونَقَره ينقره نَقْرًا -منْ باب نصر-: ضربه، والنَّقْرُ: ضربُ الرحَى،

стр. 17225

والحجرِ، بالمنقار. وَقَالَ أيضًا: ونَقَرْتُ الشيءَ: ثقبته بالمنقار، والْمِنْقَر بكسر الميم: الْمِعْوَل، قَالَ ذُو الرّمّة: كَأَرْحَاءِ رَقْدٍ زَلَّمَتْهَا الْمَنَاقِرُ انتهى "لسان العرب" بتصرّف ٥/ ٢٢٧. [تنبيه]: رواية جامع بن مطر هذه مخالفة لرواية سماك بن حرب التي بعدها، حيث إن فيها أنهما كانا يحتطبان منْ شجرة، ولكن لا تعارض بينهما؛ لاحتمال أن يكون أصل عملهما حفر البئر، ثم حصل لهما حاجة إلى الاحتطاب، فبدءا يجمعان الحطب، فحصل بينهما مخاصمة خلال الاحتطاب، فضربه بالفأس الذي كَانَ يحفر به. والله تعالى أعلم. وقوله: "إن قتلته كنت مثله": قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: الصحيح فِي تأويله، أنه مثله فِي أنه لا فضل، ولا منة لأحدهما عَلَى الآخر؛ لأنه استوفى حقه منه، بخلاف ما لو عفى عنه، فإنه كَانَ له الفضل والمنة، وجزيل ثواب الآخرة، وجميل الثناء فِي الدنيا. وقيل: فهو مثله فِي أنه قاتل، وإن اختلفا فِي التحريم والإباحة، لكنهما استويا فِي طاعتهما الغضب، ومتابعة الهوى، لاسيما وَقَدْ طلب النبيّ ﷺ منه العفو، وإنما قَالَ النبيّ ﷺ ، ما قَالَ بهذا اللفظ الذي هو صادق فيه؛ للإيهام لمقصود صحيح، وهو أن الوليّ ربما خاف فعفا، والعفو مصلحة للوليّ والمقتول فِي ديتهما (١) لقوله ﷺ : "يبوء بإثمك وإثم صاحبك"، وفيه مصلحة للجاني، وهو إنقاذه منْ القتل، فلما كَانَ العفو مصلحة، توصل إليه بالتعريض، وَقَدْ قَالَ الضمري (٢) وغيره، منْ الشافعيّة، وغيرهم: يستحب للمفتى إذا رأى مصلحة فِي التعريض للمستفتي، أن يُعَرِّض تعريضا، يحصل به المقصود، مع أنه صادق فيه، قالوا: ومثاله أن يسأله إنسان عن القاتل: هل له توبة؟ ويظهر للمفتي بقرينة، أنه إن أفتى بأن له توبة، ترتب عليه مفسدة، وهي أن السائل يستهون القتل؛ لكونه يجد بعد ذلك منه مخرجا، فيقول المفتى فِي الحالة هذه: صح عن ابن عباس أنه قَالَ: لا توبة لقاتل، فهو صادق فِي أنه صح عن ابن عباس، وإن كَانَ المفتي لا يعتقد ذلك، ولا يوافق ابن عباس فِي هذه المسألة، لكن السائل إنما يفهم منها موافقته ابن عباس، فيكون سببا لزجره، فهكذا، وما أشبه ذلك، كمن يسأل عن الغيبة فِي الصوم، هل يفطر بها؟، فيقول: جاء فِي الْحَدِيث الغِيبة تُفَطِّر الصائم. والله أعلم. انتهى "شرح مسلم" ١١/ ١٧٤.

стр. 17226

قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: التأويلان اللذان ذكرهما النوويّ فِي تأويل قوله ﷺ : "إن قتلته كنت مثله"، نقلهما عنه المازريّ، والقاضي عياض، وأحسن منهما ما يأتي للقرطبيّ فِي الْحَدِيث التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم. وقوله: "قَالَ: نعم": أي قَالَ النبيّ ﷺ : نعم تكون مثله. وقوله: "أعف" بصيغة المضارع المسند لضمير المتكلّم: أي قَالَ ذلك الرجل الذي أراد أن يقتل ذلك القاتل، لما سمع منه ﷺ أنه يكون مثله، إن قتله: أعف عنه، حَتَّى لا أكون مثله. والله تعالى أعلم. والحديث صحيح، كما سبق البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٢٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، عَنْ سِمَاكٍ، ذَكَرَ أَنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ وَائِلٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ قَاعِدًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَقُودُ آخَرَ بِنِسْعَةٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَتَلَ هَذَا أَخِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَقَتَلْتَهُ"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ أَقَمْتُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ، قَالَ: نَعَمْ قَتَلْتُهُ، قَالَ: "كَيْفَ قَتَلْتَهُ؟ "، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَهُوَ نَحْتَطِبُ مِنْ شَجَرَةٍ، فَسَبَّنِي، فَأَغْضَبَنِي، فَضَرَبْتُ بِالْفَأْسِ عَلَى قَرْنِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَلْ لَكَ مِنْ مَالٍ تُؤَدِّيهِ عَنْ نَفْسِكَ؟ "، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَالِي إِلاَّ فَأْسِي وَكِسَائِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتُرَى قَوْمَكَ يَشْتَرُونَكَ؟ "، قَالَ: أَنَا أَهْوَنُ عَلَى قَوْمِي مِنْ ذَاكَ، فَرَمَى بِالنِّسْعَةِ إِلَى الرَّجُلِ، فَقَالَ: "دُونَكَ صَاحِبَكَ"، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ"، فَأَدْرَكُوا الرَّجُلَ، فَقَالُوا: وَيْلَكَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ"، فَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حُدِّثْتُ أَنَّكَ قُلْتَ: "إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ"، وَهَلْ أَخَذْتُهُ إِلاَّ بِأَمْرِكَ؟ فَقَالَ: "مَا تُرِيدُ أَنْ يَبُوءَ بِإِثْمِكَ، وَإِثْمِ صَاحِبِكَ"، قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَإِنْ ذَاكَ، قَالَ: "ذَلِكَ كَذَلِكَ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "إسماعيل بن مسعود": هو الْجَحْدريّ البصريّ. و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيميّ. و"حاتم": هو ابن أبي صغيرة، أبو يونس البصريّ، وأبو صغيرة: اسمه مسلم، وهو جدّه لأمه، وقيل: زوج أمه، ثقة [٦] ٦٦/ ١٨٠٠. و"سماك": هو ابن حرب بن أوس بن خالد الذهليّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ، تغير بآخره، فكان ربّما تلقّن [٤] ٢/ ٣٢٥. وقوله: "لو لم يعترف أقمت عليه البيّنة": قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: فيه بيان أن الأصل فِي ثبوت الدماء الإقرار، أو البيّنة، وأما القسامة فعلى خلاف الأصل، كما تقدّم. وفيه استقرار المحبوس، والمتهدّد، وأخذه بإقراره، وَقَدْ اختَلفَ فِي ذلك

стр. 17227

العلماء، واضطرب مذهب مالك فِي إقراره بعد الحبس والتهديد، هل يُقبل جملةً، أو لا يقبل جملةً؟، والفرق، فيقبل إذا عيّن ما اعترف به، منْ قتل، أو سرقة، ولا يُقبل إذا لم يُعيّن، ثلاثة أقوال. انتهى "المفهم" ٥/ ٥٢ - ٥٣. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بأخذه بالإقرار هو الظاهر؛ لهذا الْحَدِيث. والله تعالى أعلم. وقوله: "كيف قتلته؟ ": سؤال استكشاف عن حال القتل؛ لإمكان أن يكون خطأً، أو عمدًا، ففيه منْ الفقه وجوب البحث عن تحقيق الأسباب التي تنبني عليها الأحكام، ولا يُكتفَى بالإطلاق، وهذا كما فعله النبيّ ﷺ مع ماعزٍ، حين اعترف عَلَى نفسه بالزنى. قاله القرطبيّ فِي "المفهم" ٥/ ٥٣. وقوله: "نحتطب منْ شجرة": هكذا هو فِي رواية المصنّف بالحاء المهملة، منْ الاحتطاب، يقال: حَطَب الْحَطَب حَطْبًا، منْ باب ضربَ: إذا جمع الحطب، واحتطب مثله. والذي فِي رواية مسلم: "نختبط منْ شجرة" بالخاء المعجمة، منْ الاختباط افتعال منْ الْخَبَط: أي نجمع الخبَط، وهو ورق السَّمُر، بأن يضرب الشجر بالعصا، فيسقط ورقه، فيجمعه عَلَفًا. قاله النوويّ. وَقَالَ القرطبيّ: "نختبط" نفتعل منْ الخبط، وهو ضرب بالعصا ليقع يابس ورقها، فتأكله الماشية. ولا تعارض بين الروايتين؛ لاحتمال أن يكونا يجمعان الحطب، والْخَبَط معًا. والله تعالى أعلم. وقوله: "فضربته بالفأس عَلَى قَرْنه": قَالَ فِي "المفهم": قرن الرأس جانبه الأعلى، قَالَ الشاعر: وَضَرَبْتُ قَرْنَيْ كَبْشِهَا فَتَجَدَّلَا وقوله: "هل لك منْ مال تؤدّيه عن نفسك؟ ": قَالَ القرطبيّ: يدلّ عَلَى أنه ﷺ قد ألزمه حكم إقراره، وأن قتله كَانَ عمدًا، إذ لو كَانَ خطأً لما طالبه بالدية، ولطولب بها العاقلة، ويدلّ عَلَى هَذَا أيضًا قوله: "أترى قومك يشترونك؟ "؛ لأنه لَمّا استحقّ أولياء المقتول نفسه بالقتل العمد، صاروا كالمالكين له، فلو دَفع أولياء القاتل عنه عِوَضًا، فقبله أولياء المقتول، لكان كالبيع، وهذا كله إنما عرضه النبيّ ﷺ عَلَى القاتل بناء منه عَلَى أنه إذا تيسّر له ما يؤدّي إلى أولياء المقتول، سألهم فِي العفو عنه، ففيه منْ الفقه السعي فِي الإصلاح بين النَّاس، وجواز الاستشفاع، وإن رُفعت حقوقهم للإمام، بخلاف حقوق الله تعالى، فإنه لا تجوز الشفاعة فيها، إذا بلغت الإِمام. انتهى. وقوله: "ما لي إلا فأسي، وكسائي": فيه منْ الفقه أن المال يُقال كلّ ما يُتَمَوّل منْ

стр. 17228

العروض وغيرها، وأن ذلك ليس مخصوصًا بالإبل، ولا بالعين. قاله فِي "المفهم". وقوله: "فَقَالَ: دونك صاحبك": أي خذه، فاصنع به ما شئت، هَذَا إنما حكم به النبيّ ﷺ لَمّا تحقّق السبب، وتعذّر عليه الإصلاح، وبعد أن عرض عَلَى الوليّ العفو، فأبى، كما قاله ابن أشوع، وبعد أن علم أنه لا مُستحقّ للدم إلا ذلك الطالب خاصّةً، ولو كَانَ هناك مستحقّ آخر لتعيّن استعلام ما عنده منْ القصاص، أو العفو. وفيه ما يدلّ عَلَى أن القاتل إذا تحقّق عليه السبب، وارتفعت الموانع لا يقتله الإِمام، بل يدفعه للوليّ يفعل به ما يشاء، منْ قتل، أو عفو، أو حبس، إلى أن يرى رأيه فيه، ولا يسترقّه بوجه؛ لأن الحرّ لا يُملَك، قَالَ القرطبيّ: ولا خلاف فيه فيما أعلمه. انتهى "المفهم" ٥/ ٥٤. وقوله: قَالَ رسول الله ﷺ : "إن قتله فهو مثله": قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: ظاهره إن قتله كَانَ عليه منْ الإثم مثل ما عَلَى القاتل الأول، وَقَدْ صرّح بهذا فِي الرواية الأخرى التي قَالَ فيها: "القاتل والمقتول فِي النار"، وهذا فيه إشكالٌ عظيم، فإن القاتل الأول قتل عمدًا، والثاني قصاصًا, ولذلك لَمّا سمع الوليّ ذلك، قَالَ: يا رسول الله قلت: ذلك، وَقَدْ أخذته بأمرك؟، فاختلف العلماء فِي تأويل هَذَا عَلَى أقوال: [الأول]: قَالَ الإِمام أبو عبد الله المازريّ: أمثل ما قيل فيه: أنهما استويا بانتفاء التباعة عن القاتل بالقصاص. قَالَ القرطبيّ: وهذا كلام غير واضح، ويعني به -والله أعلم- أن القاتل إذا قُتل قصاصًا، لم يبق عليه تبعة منْ القتل، والمقتصّ لا تبعة عليه؛ لأنه استوفى حقّه، فاستوى الجاني والوليّ المقتصّ فِي أن كلّ واحد منهما لا تبعة عليه. [الثاني]: قَالَ القاضي عياض: معنى قوله: "فهو مثله": أي قاتلٌ مثله، وإن اختلفا فِي الجواز والمنع، لكنهما اشتركا فِي طاعة الغضب، وشفاء النفس، لاسيّما مع رغبة النبيّ ﷺ فِي العفو، عَلَى ما جاء فِي الْحَدِيث. قَالَ القرطبيّ: والعجيب منْ هذين الإمامين، كيف قنعا بهذين الخَيالين، ولم يتأمّلا مَساق الْحَدِيث، وكأنهما لم يسمعا قول النبيّ ﷺ حين انطلق به يجرّه ليقتله: "القاتل والمقتول فِي النار"، وهذه الرواية مفسّرة لقوله فِي الرواية المتقدّمة: "إن قتله فهو مثله"؛ لأنها ذُكرت بدلًا منها، فعلى مقتضى قوله: "فهو مثله": أي هو فِي النار مثله، ومن هنا عظُم الإشكال، ولا يُلتفت لقول منْ قَالَ: إن ذلك إنما قاله ﷺ للوليّ لما علم منه منْ معصية يَستحقّ بها دخول النار؛ لأن المعصية المقدّرة إما أن يكون لها مدخلٌ فِي هذه القصّة، أو لا مدخل لها فيها، فإن كَانَ الأولُ، فينبغي لنا أن نبحث عنها حَتَّى

стр. 17229

نتبيّنها، ونعرف وجه مناسبتها لهذا الوعيد الشديد، وإن لم يكن لها مدخلٌ فِي تلك القضيّة، لم يلِق بحكمة النبيّ ﷺ ، ولا ببلاغته، ولا ببيانه أن يذكر وعيدًا شديدًا فِي قضيّةٍ ذات أحوال، وأوصاف متعدّدة، ويقرُن ذلك الوعيد بتلك القصّة، وهو يُريد أن ذلك الوعيد إنما هو لأجل شيء لم يذكره هو، ولا جرى له ذكرٌ منْ غيره، ثم إن المقول له ذلك، قد فَهِم أن ذلك إنما كَانَ لأمر جرى فِي تلك القصّة، ولذلك قَالَ للنبيّ ﷺ : تقول ذلك، وَقَدْ أخذته بأمرك؟، ولو كَانَ كما قاله هَذَا القائل؛ لقال له النبيّ ﷺ : إنما قلت ذلك للمعصية التي فعلتَ، أو الحالة التي أنت عليها, لا لهذا, ولَمَا كَانَ يسكت عن ذلك، ولبادر لبيانه فِي تلك الحال؛ لأن الحاجة له داعيةٌ، والنصيحة، والبيان واجبان عليه ﷺ . والله تعالى أعلم. [الثالث]: أن أبا داود روى هَذَا الْحَدِيث منْ طريق أبي هريرة ﵁ وَقَالَ فيه: قُتل رجلٌ عَلَى عهد رسول الله ﷺ ، فرُفع إلى النبيّ ﷺ ، فدفعه إلى وليّ المقتول، فَقَالَ القاتل: يا رسول الله، والله ما أردت قتله، فَقَالَ رسول الله ﷺ للوليّ: "أما إنه إن كَانَ صادقًا، ثم قتلته دخلت النار"، فحاصله أن هَذَا المعترف بالقتل زعم أنه لم يُرد قتله، وحَلَف عليه، فكان القتل خطأً، فكأن النبيّ ﷺ خاف أن يكون القاتل صدق فيما حلّف عليه، وأن القاتل يَعلم ذلك، لكن سلّمه له بحكم إقراره بالعمد، ولا شاهد يشهد له بالخطإ، ومع ذلك، فتوقّع صدقه، فَقَالَ: "إن قتلته دخلت النار"، فكأنه قَالَ: إن كَانَ صادقًا، وعلمت أنت صدقه، ثم قتلته، فأنت فِي النار، وهذا عَلَى ما فيه منْ التكلّف يُبطله قوله: "القاتل، والمقتول فِي النار"، فسوّى بينهما فِي الوعيد، فلو كَانَ القاتل مخطئًا لما استحقّ بذلك النار، ولما باء بإثمه، وإثم صاحبه، فإن المخطىء لا يكون آثمًا, ولا يتحمّل إثم منْ أخطأ عليه. [الرابع]: أن أبا داود روى هَذَا الْحَدِيث عن وائل بن حُجْرٍ ﵁، وذكر فيه ما يدلّ عَلَى أن النبيّ ﷺ قصد تخليصه، فعَرَضَ الدية، أو العفوَ عَلَى الوليّ ثلاث مرّات، والوليّ فِي كلّ ذلك يأبى إلا القتل، معرضًا عن شفاعة النبيّ ﷺ ، وعن حرصه عَلَى تخليص الجاني منْ القتل، فكأن الوليّ صدر منه جفاءٌ فِي حقّ النبيّ ﷺ ، حيث ردّ متأكَّدَ شفاعته، وخالفه فِي مقصود، ويظهر هَذَا منْ مساق الْحَدِيث، وذلك أن وائل بن حُجْر ﵁ قَالَ: كنت عند النبيّ ﷺ ، إذ جيء برجل قاتل، فِي عُنُقه نِسْعَةٌ، قَالَ: فدعا وليّ المقتول، فَقَالَ: "أتعفو؟ "، قَالَ: لا، فَقَالَ: "أتأخذ الدية؟ "، قَالَ: لا، قَالَ: "أتقتل؟ "، قَالَ: نعم، قَالَ: "اذهب به"، فلما ولّى، قَالَ: "أتعفو؟ "، قَالَ: لا، قَالَ: "أفتأخذ الدية؟ "، قَالَ: لا، قَالَ: "أفتقتل؟ "، قَالَ: نعم، قَالَ: "اذهب به"، فلما كَانَ فِي الرابعة، قَالَ: "أما إنك إن عفوت

стр. 17230

عنه، يبوء بإثمه، وإثم صاحبه"، قَالَ: فعفا عنه، فهذا المساق يُفهم منه صحّة قصد النبيّ ﷺ لتخليص ذلك القاتل، وتأكّد شفاعته له فِي العفو، أو قبول الدية، فلما لم يلتفت الوليّ إلى ذلك كلّه، صدرت منه ﷺ تلك الأقوال الوعيديّة، مشروطةً باستمراره عَلَى لَجَاجه، ومُضيّه عَلَى جفائه، فلما سمع الوليّ ذلك القول عفا، وأحسن، فقُبل، وأُكرم، وهذا أقرب منْ تلك التأويلات، والله أعلم بالمشكلات، وهذا الذي أشار إليه ابن أشوع، حيث قَالَ: إن النبيّ ﷺ سأله أن يعفو، فأبى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قول ابن أشوع المذكور هو الآتي للمصنّف فِي الرواية التالية لهذه الرواية. [تنبيه]: قَالَ القرطبيّ: إنما عظم الإشكال منْ جهة قوله ﷺ : "القاتل والمقتول فِي النار"، ولَمّا كَانَ ذلك قَالَ بعض العلماء: إن هَذَا اللفظ -يعني قوله: "القاتل والمقتول فِي النار"-، إنما ذكره النبيّ ﷺ فِي حديث آخر، وهو قوله ﷺ : "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول فِي النار" متّفقٌ عليه. فوهم بعض الرواة، فضمّه إلى هَذَا الْحَدِيث الآخر. قَالَ القرطبيّ: وهذا بعيدٌ، والله تعالى أعلم. انتهى "المفهم" ٥/ ٥٤ - ٥٨. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا التحقيق الذي قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى فِي تأويل قوله ﷺ : "إن قتله، فهو مثله" تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب. وقوله: "حُدّثت أنك قلت" ببناء "حُدّثت" للمفعول. وقوله: "ما تريد أن يبوء الخ" بتقدير الاستفهام، أي أما تريد أن يبوء بإثمك، وإثم صاحبك. قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: قيل معناه يتحمل إثم المقتول بإتلافه مهجته، وإثم الوليّ؛ لكونه فجعه فِي أخيه، ويكون قد أُوحي إليه ﷺ بذلك، فِي هَذَا الرجل خاصة. ويحتمل أن معناه يكون عفوك عنه سببا لسقوط إثمك، وإثم أخيك المقتول، والمراد إثمهما السابق بمعاص لهما متقدمة، لا تعلق لها بهذا القاتل، فيكون معنى "يبوء" يُسقط، وأطلق هَذَا اللفظ عليه مجازا. انتهى "شرح مسلم" ١١/ ١٧٥. وقوله: "قَالَ: بلى": أي قَالَ وليّ المقتول: بلى أريد ذلك. وقوله: "فإن ذاك": هَذَا أيضًا منْ كلام وليّ المقتول، و"إن" شرطيّةٌ، وجوابها محذوف: أي فإن كَانَ الأمر ذاك، أي الذي قلته منْ أنه يبوء بإثمه، وإثم صاحبي، فقد عفوت عنه. وقوله: "قَالَ: ذلك كذلك": أي قَالَ ﷺ : ذلك الذي ذكرته لك، كما ذكرته، أي إنه يبوء بإثمك، وإثم صاحبك.

стр. 17231

قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي ذكرته منْ حلّ هَذَا الكلام هو الوجه، كما أشار إليه السنديّ، فما كُتب فِي هامش "صحيح النسائيّ" للشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى -٣/ ٩٨١ - مما علّقه الشيخ، ومما كتبه الشيخ زُهير أيضًا، فمما لا يخفى بعده، فتأمّله بإنصاف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٣٠ - (أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يُونُسَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، أَنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ وَائِلٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، قَالَ: إِنِّي لَقَاعِدٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ، يَقُودُ آخَرَ، نَحْوَهُ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح غير شيخه "زكريّا ابن يحيى" وهو السِّجْزيّ، نزيل دمشق، المعروف بخيّاط السنّة الثقة الحافظ [١٢] ١٨٩/ ١١٦١ فإنه منْ أفراده. و"عبيد الله بن معاذ": هو العنبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقة حافظ [١٠]. و"أبو عبيد الله": هو معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان العنبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقة متقنٌ، منْ كبار [٩] ٣٤/ ٣٨. و"أبو يونس": هو حاتم بن أبي صغيرة المذكور فِي السند الماضي. والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٣١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، أُتِيَ بِرَجُلٍ، قَدْ قَتَلَ رَجُلاً، فَدَفَعَهُ إِلَى وَلِيِّ الْمَقْتُولِ يَقْتُلُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِجُلَسَائِهِ: "الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ"، قَالَ: فَاتَّبَعَهُ رَجُلٌ، فَأَخْبَرَهُ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ تَرَكَهُ، قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَجُرُّ نِسْعَتَهُ، حِينَ تَرَكَهُ يَذْهَبُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِحَبِيبٍ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَشْوَعَ، قَالَ: وَذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، أَمَرَ الرَّجُلَ بِالْعَفْوِ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"محمد بن معمر": هو القيسيّ الْبَحْرانيّ البصريّ، صدوقٌ، منْ كبار [١١] ٥/ ١٨٢٩ أحد مشايخ الستّة بلا واسطة، كما تقدّم غير مرّة. و"يحيى بن حمّاد": هو الشيبانيّ مولاهم البصريّ، ختن أبي عَوَانة، ثقة عابد، منْ صغار [٩] ٤٣/ ٢٢٢٥. و"أبو عوانة": هو الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ الثقة الثبت [٧] ٤١/ ٤٦. و"إسماعيل بن سالم" الأسديّ، أبو يحيى الكوفيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبتٌ [٦].

стр. 17232

وفي "تهذيب التهذيب" ١/ ١٥٣ - إسماعيل بن سالم الأسدي، أبو يحيى الكوفيّ، نزل بغداد قبل أن تُبْنَى، ويقال: إنه أخو محمد بن سالم. رَوَى عن الشعبي، وحبيب بن أبي ثابت، وعلقمة بن وائل، وأبي صالح السمان، وسعيد بن المسيب، وغيرهم. وعنه ابنه يحيى، والعلاء بن المسيب، وهشيم، وأبو عوانة، والثوري، وغيرهم. قَالَ ابن المديني: له نحو عشرة أحاديث، وَقَالَ ابن سعد: كَانَ ثقة ثبتا. وَقَالَ عبد الله بن أحمد، عن أبيه: فراس أقدم موتا منْ إسماعيل، وإسماعيل أوثق منه، فِرَاس فيه شيء منْ ضعف، وإسماعيل أحسن منه استقامةً، وأقدم سماعا، سمع منْ سعيد بن جبير، وكذا قَالَ مسلم، عن أحمد، وَقَالَ عبد الله، عن أبيه أيضا: ثقة ثقة، وَقَالَ أبو بكر الْمَرُّوذِيّ: قلت -يعني لأحمد بن حنبل-: كيف كَانَ إسماعيل بن سالم؟ فَقَالَ: ليس به بأس، قلت: إنه حُكي عن أبي عوانة، عن إسماعيل بن سالم أنه سمع زُبيدًا يقول، وذكر قصّةً لمعاوية، قَالَ: ومن سمع هَذَا منْ أبي عوانة؟ ثم قَالَ: قد كانت عنده أحاديث الشيعة، وَقَدْ نظر له شعبة فِي كتبه. وَقَالَ أبو داود: قلت لأحمد بن حنبل: إسماعيل بن سالم؟ قَالَ: بخ. قَالَ: وسمعت أحمد بن حنبل يقول: إسماعيل بن سالم صالح الْحَدِيث، قلت: هو أكبر، أو مُطرّفٌ؟ قَالَ: هو أكبر. وَقَالَ ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة، أوثق منْ أساطين مسجد الجامع، سمع منه هشيم، ولم يسمع منه شريك. وَقَالَ أحمد بن سعيد بن أبي مريم، وعثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة، زاد ابن أبي مريم: حجة. وَقَالَ الدوري، عن ابن معين: سمع إسماعيل منْ أبي صالح ذكوان، وَقَدْ سمع منْ أبي صالح باذام. وَقَالَ أبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي، وابن خراش، والدارقطني: ثقة. وَقَالَ أبو حاتم أيضا: مستقيم الْحَدِيث. وَقَالَ ابن عدي: له أحاديث يحدث عنه قوم ثقات، وأرجو أنه لا بأس به. قَالَ الحافظ: علق البخاريّ فِي تفسير ﴿أرأيت﴾ قولَ عكرمة: الماعونُ أعلاها الزكاة المفروضة، ووصله سعيد بن منصور، منْ طريق إسماعيل هَذَا، عن عكرمة، وقرأت بخط الذهبيّ فِي "الميزان": لم أسق ذكره إلا تبعا لابن عدي، ولم يقل فيه إلا أرجو أنه لا بأس به. انتهى، ولعله أراد أن ينقل ما تقدم أنه قيل: لأحمد عنه ما يشير به إلى التشيع، لكنه لم يفصح به. وَقَالَ يعقوب الفسوي: لا بأس به، كوفيّ ثقة. وَقَالَ أبو علي الحافظ: ثقة عَسِرٌ فِي الْحَدِيث. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". انتهى "تهذيب التهذيب" ١/ ١٥٣ - بزيادة منْ "تهذيب الكمال" ٣/ ٩٨ - ١٠٢. روى له البخاريّ فِي "الأدب المفرد"، ومسلم، والمصنّف، وأبو داود، له عند المصنّف هَذَا الْحَدِيث فقط.

стр. 17233

وقوله: "القاتل والمقتول فِي النار": قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: ليس المراد به هذان، فكيف تصح إرادتهما، مع أنه إنما أخذه ليقتله بأمر النبيّ ﷺ ، بل المراد غيرهما، وهو إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فِي المقاتلة المحرمة، كالقتال عصبية، ونحو ذلك، فالقاتل والمقتول فِي النار، والمراد به التعريض، كما ذكرناه، وسبب قوله: ما قدمناه؛ لكون الولي يفهم منه دخوله فِي معناه، ولهذا ترك قتله، فحصل المقصود. والله أعلم. انتهى "شرح مسلم" ١١/ ١٧٥. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم فِي كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى قريبًا ما هو أقرب إلى تأويل الْحَدِيث، فلا تنس. والله تعالى وليّ التوفيق. وقوله: "فذكرت ذلك لحبيب": القائل هو إسماعيل بن سالم، كما صرّح به مسلم فِي "صحيحه"، وحبيب: هو ابن أبي ثابت -كما صرّح به مسلم أيضًا- واسم أبيه: قيس، ويقال: هند بن دينار، الأسديّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة فقيه جليلٌ، كثير الإرسال والتدليس [٣] ١٢١/ ١٧٠. وقوله: "فَقَالَ: حدّثني سعيد بن أشوع الخ": القائل: هو حبيب: أي قَالَ حبيب حدثني سعيد بن أشوع. وقوله: "قَالَ: وذكر الخ" القائل أيضًا هو حبيب: أي قَالَ حبيب: وذكر سعيد بن أشوع أن النبيّ ﷺ أمر الرجل بالعفو، أي فامتنع منه، كما بيّنه مسلم فِي "صحيحه"، ولفظه: "قَالَ إسماعيل بن سالم: فذكرت ذلك لحبيب بن أبي ثابتٍ، فَقَالَ: حدّثني ابن أشوع أن النبيّ ﷺ إنما سأله أن يعفو عنه، فأبى" انتهى. والمعنى: أن سبب قوله ﷺ : "القاتل والمقتول فِي النار" هو امتناع الرجل عن العفو بعد أن ألحّ عليه النبيّ ﷺ بطلبه. والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٣٢ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَوْذَبٍ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَجُلاً أَتَى بِقَاتِلِ وَلِيِّهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اعْفُ عَنْهُ"، فَأَبَى فَقَالَ: "خُذِ الدِّيَةَ"، فَأَبَى، قَالَ: "اذْهَبْ فَاقْتُلْهُ، فَإِنَّكَ مِثْلَهُ"، فَذَهَبَ، فَلُحِقَ الرَّجُلُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "اقْتُلْهُ، فَإِنَّكَ مِثْلَهُ"، فَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَمَرَّ بِيَ الرَّجُلُ، وَهُوَ يَجُرُّ نِسْعَتَهُ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عيسى بن يونس": هو الفاخُوريّ، أبو موسى الرَّمْليّ، صدوقٌ، ربّما أخطأ [١١] ٤٢/ ٣١٧٧. [تنبيه]: وقع فِي "الكبرى": "عيسى بن يوسف" بدل "ابن يونس"، وهو غلطٌ،

стр. 17234

والصواب: "ابن يونس"، كما هنا، وهو الذي فِي "تحفة الأشراف" ١/ ١٤٥ وكذا هو فِي كتب الرجال، كنسخ "التقريب" المصححة، وغيرها، فما كتبه محقق "السنن الكبرى" منْ أن "ابن يونس"، والصواب ما فِي "الكبرى": "ابن يوسف" غلطٌ فاحش، منشؤه تقليد بعض نسخ "تقريب التهذيب" التي وقع فيها التصحيفات الكثيرة، فتنبّه، ولا تكن أسير التقليد، فإنه ملجأ البليد. والله تعالى أعلم. و"ضَمْرة": هو ابن ربيعة الفلسطينيّ، أبو عبد الله، دمشقيّ الأصل، صدوقٌ يهم قليلاً [٩] ٤١/ ٢٦٨٨. و"عبد الله بن شَوْذب": هو أبو عبد الرحمن الْخُرَاسانيّ، نزيل البصرة، ثم الشام، صدوقٌ عابدٌ [٧] ٢/ ٣٩٠٤. وقوله: "فلُحلق الرجلُ" بضم اللام، وكسر الحاء المهملة، مبنيّا للمفعول، و"الرجل" نائب فاعله، والمراد به وليّ المقتول. وقوله: "فخلَّى سبيله" بالبناء للفاعل: أي أطلقه. وتمام شرح الْحَدِيث مضى فِي شرح حديث وائل بن حجر ﵁ الماضي. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أنس ﵁ عنه هَذَا صحيح، أخرجه المصنّف هنا -٦/ ٤٧٣٢ - وفي "الكبرى" ٦/ ٦٩٣٢. وأخرجه (ق) فِي "الديات" ٢٦٩١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٣٣ - (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَتَلَ أَخِي، قَالَ: "اذْهَبْ فَاقْتُلْهُ، كَمَا قَتَلَ أَخَاكَ"، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: اتَّقِ اللَّهَ، وَاعْفُ عَنِّي، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لأَجْرِكَ، وَخَيْرٌ لَكَ وَلأَخِيكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ: فَخَلَّى عَنْهُ، قَالَ فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ لَهُ، قَالَ: فَأَعْنَفَهُ، "أَمَا إِنَّهُ كَانَ خَيْرًا مِمَّا هُوَ صَانِعٌ بِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ: يَا رَبِّ سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي؟ "). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (الحسن بن إسحاق المروزيّ) الليثيّ مولاهم، أبو عليّ الملقّب حسنويه، ثقة شاعر، صاحب حديث [١١] ٢/ ٣٩٩ منْ أفراد البخاريّ، والمصنف. ٢ - (خالد بن خِداش) أبو الْهَيثم الْمُهَلَّبيّ مولاهم البصريّ، صدوقٌ يُخطىء [١٠] ٢/ ٣٩٩. ٣ - (حاتم بن إسماعيل) الحارثيّ، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوقٌ، صحيح الكتاب، يَهِمُ [٨] ٢٤/ ٥٤٣. ٤ - (بشير بن المهاجر) الغَنَويّ الكوفيّ، صدوقٌ، ليّن الْحَدِيث، ورُمي بالإرجاء [٥] ٢/ ٣٩٩.

стр. 17235

٥ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ) الأسلميّ، أبي سهل المروزيّ، قاضيها، ثقة [٣] مات سنة (١٠٥) وقيل (١١٥) وله مائة سنة، تقدم فِي ٢٥/ ٣٩٣. ٦ - (أبوه) بُريدة بن الْحُصَيب -بمهملتين، مصغّرًا- أبو عبد الله الأسلميّ، وقيل: غير ذلك فِي كنيته، صحابيّ أسلم قبل بدر، ومات ﵁ سنة (٦٣) وتقدم فِي ١٠١/ ١٣٣. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، ورواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) بريدة بن الْحُصيب رضي الله تعالى عنه (أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَتَلَ أَخِي، قَالَ) ﷺ (اذْهَبْ فَاقْتُلْهُ) أي بعد أن اعترف، ويحتمل أنه أوحي إليه بذلك (كَمَا قَتَلَ أَخَاكَ"، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ) أي قَالَ الرجل القاتل لأخي المقتول (اتَّقِ اللَّهَ، وَاعْفُ عَنِّي، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِأَجْرِكَ) أي لأنه يقول: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية [الشورى: ٤٠] (وَخَيْرٌ لَكَ) أي بسبب عفوك لي (وَلِأَخِيكَ) أي بسبب قتلي له؛ لأن منْ قُتل ظلمًا تكفّر خطاياه (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) منصوب عَلَى الظرفيّة، متعلّقٌ بـ"خير"، ويحتمل أن يتعلّق بـ"أعظم" أيضًا عَلَى سبيل التنازع (قَالَ) بريدة ﵁ (فَخَلَّى عَنْهُ) أي تركه (قَالَ) بُريدة ﵁ (فَأُخْبِرَ) بالبناء للمفعول (النَّبِيُّ ﷺ ، فَسَأَلَهُ) أي سأل ﷺ وليّ المقتول عن سبب تخليه عنه (فَأَخْبَرَهُ) الوليّ (بِمَا قَالَ لَهُ) القاتل، منْ ترغيبه له فِي العفو، وترك قتله (قَالَ) بُريدة (فَأَعْنَفَهُ) أي لام النبيّ ﷺ القاتل، وعاتبه، قَالَ ابن منظور: التعنيف: التوبيخ، والتقريع، واللوم: يقال: أعنفه، وعنّفه. انتهى. والمعنى: أنه ﷺ لام ذلك القاتل فِي طلبه العفو منْ وليّ المقتول، وبيّن له أن قتله قصاصًا خير له منْ ذلك عند الله، كما أوضح ذلك بقوله (أَمَا) أداة استفتاح، وتنبيه (إِنَّهُ) أي إن قتله لك قصاصًا (كَانَ خَيْرًا مِمَّا هُوَ) أي المقتول (صَانِعٌ بكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) حيث (يَقُولُ: يَا رَبِّ سَلْ هَذَا) القاتل (فِيمَ قَتَلَنِي؟) أي بأيّ سبب قتلني، فـ "فِي" هنا سببيّة، كما فِي حديث: "دخلت امرأةٌ النار فِي هرّة حبستها" الْحَدِيث. وهذا الْحَدِيث يدلّ عَلَى أن قتل القاتل قصاصًا خيرٌ له منْ العفو، قَالَ السنديّ رحمه

стр. 17236

الله تعالى: وهذه قضيّة أخرى، غير قضيّة صاحب النِّسْعَة، ولعلّه ﷺ عَلِم بوحي أن القتل فِي حقّ هَذَا القاتل خير بخلاف القاتل فِي الواقعة السابقة. والله تعالى أعلم. انتهى. "شرح السنديّ" ٧/ ١٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث بُريدة ﵁ هَذَا حسنٌ، وَقَدْ ضعفه بعضهم، والظاهر أنه بسبب الكلام فِي بشير بن المهاجر، كما سبق أنه ليّن الْحَدِيث، وعندي أن حديثه هَذَا حسنٌ، فقد وثّقه ابن معين، والعجليّ، وَقَالَ المصنّف: ليس به بأس، ويشهد لحديثه هَذَا ما سبق فِي باب "تحريم الدم"، فقد أخرج المصنّف ٢/ ٣٩٩٨ - منْ طريق عمرو بن شُرَحبيل، عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "يجيء الرجل آخذا بيد الرجل، فيقول: يا رب، هَذَا قتلني، فيقول الله له: لم قتلته؟، فيقول: قتلته لتكون العزة لك، فيقول: فإنها لي، ويجيء الرجل، آخذا بيد الرجل، فيقول: إن هَذَا قتلني، فيقول الله له: لم قتلته؟ فيقول: لتكون العزة لفلان، فيقول: إنها ليست لفلان، فيبوء بإثمه". وأخرج فِي ٤٠٠٠ - منْ طريق سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه سئل عمن قتل مؤمنا متعمدًا، ثم تاب، وآمن، وعمل صالحا، ثم اهتدى؟ فَقَالَ ابن عباس: وأَنّى له التوبة؟، سمعت نبيكم ﷺ ، يقول: "يجيء متعلقا بالقاتل، تشخب أوداجه دمًا، فيقول: أي رب سل هَذَا فيم قتلني؟ " الْحَدِيث. والحاصل أن الْحَدِيث حسنٌ، فتأمّل بإنصاف. وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٦/ ٤٧٣٣ - وفي "الكبرى" ٦/ ٦٩٣٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … قَالَ الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير، محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم بن موسى الإِتْيُوبيّ الولّويّ، نزيل مكة المكرّمة، عفا الله تعالى عنه وعن والديه ومشايخه آمين: قد انتهيت منْ كتابة الجزء الخامس والثلاثين منْ شرح سنن الإِمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائيّ رحمه الله تعالى، المسمّى "ذخيرةَ العُقْبَى فِي شرح المجتبى"، أو "غاية المنى فِي شرح المجتنى". وذلك بحيّ الزهراء، مخطّط الأمير طلال، فِي مكة المكرمة زادها الله تعالى تشريفًا

стр. 17237

وتعظيمًا، وجعلني منْ خيار أهلها حيًّا وميتًا، وأَعْظِمْ به تكريمًا. وأخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. "اللَّهم صلّ عَلَى محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت عَلَى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللَّهم بارك عَلَى محمد، وعلى آل محمد، كما باركت عَلَى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". "السلام عليك أيها النبيّ، ورحمة الله، وبركاته". ويليه -إن شاء الله تعالى- الجزء السادس والثلاثون مفتتحًا بالباب ٧ - "تأويل قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ الآية" الْحَدِيث رقم ٤٧٣٤. "سبحانك اللَّهمّ، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك". ***

стр. 17238

شرح سنن النسائي المسَمَّى ذخيرة العقبى في شرح المجتبى لجامعة الفقير إلى مولاه الغني القدير محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الأتيوبي الوَلَّوِي المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة عفا الله عنه وعن والديه آمين الجُزْءُ السادس والثلاثون

стр. 17239

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م دَار آل بروم للنشر والتوزيع المملكة العربية السعودية - مكة المكرمة - المكتب الرئيسي التنعيم صَ بُ: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - جوال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)

стр. 17240

شرح سنن النسائيّ

стр. 17241

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 17242

٧ - (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢] قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قَالَ الإِمام ابن كثير رحمه الله تعالى فِي "تفسيره" ٢/ ٦٢ - : ما حاصله: قَالَ الله لنبيه ﷺ : ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ﴾: أي يتحاكمون إليك ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾: أي فلا عليك أن لا تحكم بينهم؛ لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليك اتباع الحق، بل ما يوافق أهواءهم، قَالَ ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والسدي، وزيد بن أسلم، وعطاء الخرساني، والحسن، وغير واحد: هي منسوخة بقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾: أي بالحق والعدل، وإن كانوا ظَلَمَةً خارجين عن طريق العدل ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]، ثم قَالَ تعالى، منكرا عليهم آرائهم الفاسدة، ومَقاصدهم الزائغة، فِي تركهم ما يعتقدون صحته منْ الكتاب الذي بأيديهم، الذي يزعمون أنهم مأمورن بالتمسك به أبدا، ثم خرجوا عن حكمه، وعدلوا إلى غيره، مما يعتقدون فِي نفس الأمر بطلانه، وعدم لزومه لهم، فَقَالَ: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣]، ثم مدح التوراة التي أنزلها عَلَى عبده ورسوله موسى ابن عمران ﵇، فَقَالَ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾: أي لا يخرجون عن حكمها, ولا يبدلونها, ولا يحرفونها ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾: أي وكذلك الربانيون، وهم العلماء العباد، والأحبار وهم العلماء ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾: أي بما استودعوا منْ كتاب الله، الذي أُمروا أن يُظهروه، ويعملوا به ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا﴾: أي لا تخافوا منهم، وخافوا مني ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. انتهى "تفسير ابن كثير ٢/ ٦٢. ٨ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى عِكْرِمَةَ فِي ذَلِكَ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه الاختلاف المذكور أن سماك بن حرب روى قصّة قريظة والنضير أنه إذا قَتَل قُرَظيّ نضريّا يُقتصّ منه، وإذا قتل نضيريّ قُرظيّا دفع

стр. 17243

لأوليائه مائة وسق، وخالفه داود بن الحصين فروى القصّة فِي الدية أنها تكون كاملة للنضير، ونصفًا لقريظة، ولكن الظاهر أنه لا اختلاف بين الروايتين، وإنما روى كلّ منهما بعض القصّة، وسكت عن بعضها، فلا تعارض، وحاصله أن النضير كانوا يفضّلون عَلَى قريظة، فِي كلّ منْ القصاص، والدية، فأمر الله نبيّه ﷺ إذا تحاكموا إليه أن يحكم بينهم بالتسوية، فَقَالَ: تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ الآية، وأنزل الله إنكارًا عليهم، وتوبيخًا، وتقريعًا لهم: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ الآية [المائدة: ٥٠]. والله تعالى أعلم. ٤٧٣٤ - (أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَلِيٌّ، وَهُوَ ابْنُ صَالِحٍ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ، وَكَانَ النَّضِيرُ أَشْرَفَ مِنْ قُرَيْظَةَ، وَكَانَ إِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْظَةَ، رَجُلاً مِنَ النَّضِيرِ، قُتِلَ بِهِ، وَإِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ، رَجُلاً مِنْ قُرَيْظَةَ، أَدَّى مِائَةَ وَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ، فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ ، قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ، رَجُلاً مِنْ قُرَيْظَةَ، فَقَالُوا: ادْفَعُوهُ إِلَيْنَا نَقْتُلْهُ، فَقَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَتَوْهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ وَالْقِسْطُ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (القاسم بن زكريّا بن دينار) أبو محمد الكوفيّ الطحّان، وربّما نُسب لجده، ثقة [١١] ٨/ ٤١٠. ٢ - (عبيد الله بن موسى) بن أبي المختار باذام العبسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة، كَانَ يتشيّع [٩] ٧٢/ ١٣٢٦. ٣ - (عليّ بن صالح) بن صالح بن حيّ الهمدانيّ، أبو محمد الكوفيّ، أخو حسن، ثقة عابد [٧] ١٩٢/ ٣٠٧. ٤ - (سماك) بن حرب بن أوس بن خالد الذهليّ البكري، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوق، وروايته عن عكرمة خاصّة مضطربة، وَقَدْ تغيّر بآخره، فكان ربما يُلقّن [٤] ٢/ ٣٢٥. ٥ - (عكرمة) مولى ابن عبّاس، أبو عبد الله الْبَربريّ، ثقة ثبت، عالم بالتفسير [٣] ٢/ ٣٢٥. ٦ - (ابن عباس) عبد الله رضي الله تعالى عنهما ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين إلى سماك، والباقيان مدنيان.

стр. 17244

(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: كَانَ قُرَيْظَةُ) بصيغة التصغير (وَالنَّضِيرُ) بفتح النون، بوزن أمير. وخبر "كَانَ" محذوف: أي فِي المدينة، أو بينهما فرقٌ فِي الشرف، ونحو ذلك. قاله السنديّ. وَقَالَ ابن منظور: بنو قُريظة: حيّ منْ يهود خيبر، وهم والنضير قبيلتان منْ يهود خيبر، وَقَدْ دخلوا فِي العرب عَلَى نَسَبهم إلى هارون أخي موسى، ﵉، منهم محمد بن كعب الْقُرَظيّ، قَالَ: فأما بنو قُريظة، فإنهم أُبيروا؛ لنقضهم العهد، ومُظاهرتهم المشركين عَلَى رسول الله ﷺ ، أَمر بقتل مقاتلهم، وسَبْي ذراريهّم، واستفاءة أموالهم. وأما بنو النضير، فإنهم أُجْلُوا إلى الشام، وفيهم نزلت "سورة الحشر". انتهى (وَكَانَ النَّضِيرُ أَشْرَفَ مِنْ قُرَيْظَةَ، وَكَانَ) اسمها ضمير الشأن، وهو ما تفسّره الجملة التي بعده، وهي قوله: (إِذَا قَتَلَ) بالبناء للفاعل (رَجُلٌ مِنْ قُرَيْظَةَ رَجُلاً مِنَ النَّضِيرِ، قُتِلَ بِهِ) بالبناء للمفعول (وَإِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ، رَجُلاً مِنْ قُرَيْظَةَ، أَدَّى) بفتح الهمزة، مبنيّا للفاعل: أي دفع لأولياء المقتول (مِائَةَ وَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ) بفتح الواو، وسكون السين المهملة، وكسر الواو لغةٌ: وهو ستّون صاعًا (فَلَمَّا بُعِثَ) بالبناء للمفعول (النَّبِيُّ ﷺ ، قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ، رَجُلاً مِنْ قُرَيْظَةَ، فَقَالُوا) أي قالت قريظة (ادْفَعُوهُ إِلَيْنَا) أي القاتل (نَقْتُلْهُ) بالجزم عَلَى أنه جواب الأمر، ويجوز رفعه عَلَى الاستئناف (فَقَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ النَّبِيُّ ﷺ ) أي قالت بنو قريظة لَمّا أبى النضير دفع القاتل إليهم، جريًا عَلَى العادة السالفة (فَأَتَوْهُ) أي أتوا النبيّ ﷺ ؛ ليحكم بينهم فِي هذه القضيّة الجائرة (فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢]) بكسر، فسكون: أي العدل، والمراد به هنا، ما بيّنه بقوله (وَالْقِسْطُ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ) أي قتل النفس بسبب قتلها النفس (ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]) أي الحكم الذي سبق بيانه آنفًا، منْ كون النضير يقتصّون منْ قريظة، ولا تقتصّ قريظة منهم، بل يدفعون لها وسق تمر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيح.

стр. 17245

[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده سماك بن حرب، وهو مضطرب فِي حديث عكرمة؟. [قلت]: إنما صحّ بالحديث الذي بعده. [فإن قلت]: فيه أيضًا داود بن حُصين، وَقَدْ تكلّموا فِي حديثه عن عكرمة أيضًا. [قلت]: الإسنادان يشدّ أحدهما الآخر، فيصحّان. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٧/ ٤٧٣٤ و٤٧٣٥ - وفي "الكبرى" ٧/ ٦٩٣٤ و٦٩٣٥. وأخرجه (د) فِي "الديات" ٤٤٩٤. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تأويل الآية، وهو واضحٌ. (ومنها): بيان ما كَانَ عليه اليهود منْ الظلم العريق حَتَّى بين أبناء جنسهم، فقد بيّن الله فِي كتابه العزيز، كيف كَانَ يظلم كبيرهم صغيرهم، ويبخسونهم حقهم، وَقَدْ حرّم الله ذلك عليهم فيما أنزله منْ التوراة، ولكنهم قوم مجرمون، فما يقع منهم منْ ظلم المسلمين فِي كل عصر ومصر غير مستنكر؛ لأنه ديدنهم عَلَى مدى العصور، والتواريخ القديمة، اللَّهم اكف المسلمين شرّهم، وردّ كيدهم عَلَى نحورهم، فلا حول ولا قوّة إلا بك، إنك عَلَى كلّ شيء قدير. (ومنها): أن الله تعالى خيّر نبيّه ﷺ بين أن يحكم بينهم، أو يُعرض عنهم، وَقَدْ اختلف العلماء فِي ذلك، وسنبيّنه، فِي المسألة التالية إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي قوله : ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾: قَالَ أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى فِي "تفسيره" ٦/ ١٨٤: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾: هَذَا تخيير منْ الله تعالى، ذكره القشيري، وتقدم معناه أنهم كانوا أهل موادعة، لا أهل ذمة، فإن النبيّ ﷺ لَمّا قدم المدينة وادع اليهود، ولا يجب علينا الحكم بين الكفار، إذا لم يكونوا أهل ذمة، بل يجوز الحكم إن أردنا، فأما أهل الذمة، فهل يجب علينا الحكم بينهم، إذا ترافعوا إلينا، قولان للشافعي، وإن ارتبطت الخصومة بمسلم يجب الحكم، قَالَ المهدوي: أجمع العلماء عَلَى أن عَلَى الحاكم أن يحكم بين المسلم والذمي، واختلفوا فِي الذميين، فذهب بعضهم إلى أن الآية محكمة، وأن الحاكم مخير، رُوي ذلك عن النخعي، والشعبي، وغيرهما، وهو مذهب مالك، والشافعي، وغيرهما، سوى ما رُوي عن مالك فِي ترك إقامة الحد عَلَى

стр. 17246

أهل الكتاب فِي الزنى، فإنه إن زنى المسلم بالكتابية حُدَّ، ولا حَدَّ عليها، فإن كَانَ الزانيان ذميين، فلا حد عليهما، وهو مذهب أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، وغيرهما. وَقَدْ رُوي عن أبي حنيفة أيضا أنه قَالَ: يجلدان، ولا يرجمان. وَقَالَ الشافعيّ، وأبو يوسف، وأبو ثور، وغيرهم: عليهما الحد، إن أتيا راضيين بحكمنا، قَالَ ابن خُويزمنداد: ولا يرسل الإِمام إليهم، إذا استَعْدَى بعضهم عَلَى بعض، ولا يُحضر الخصم مجلسه، إلا أن يكون فيما يتعلق بالمظالم التي ينتشر منها الفساد، كالقتل، ونهب المنازل، وأشباه ذلك، فأما الديون، والطلاق، وسائر المعاملات فلا يحكم بينهم، إلا بعد التراضي، والاختيارُ له ألا يحكم، ويَرُدَّهم إلى حكامهم، فإن حكم بينهم حكم بحكم الإِسلام، وأما إجبارهم عَلَى حكم المسلمين، فيما ينتشر منه الفساد، فليس عَلَى الفساد عاهدناهم، وواجب قطع الفساد عنهم منهم، ومن غيرهم؛ لأن فِي ذلك حفظ أموالهم ودمائهم، ولعل فِي دينهم استباحة ذلك، فينتشر منه الفساد بيننا، ولذلك منعناهم أن يبيعوا الخمر جهارًا، وأن يظهروا الزنى، وغير ذلك منْ القاذورات؛ لئلا يَفسُد بهم سفهاء المسلمين. وأما الحكم فيما يختص به دينهم، منْ الطلاق، والزنى، وغيره، فليس يلزمهم أن يتدينوا بديننا، وفي الحكم بينهم بذلك إضرار بحكامهم، وتغيير ملتهم، وليس كذلك الديون، والمعاملات؛ لأن فيها وجها منْ المظالم، وقطع الفساد. والله أعلم. وفي الآية قول ثان: وهو ما رُوي عن عمر بن عبد العزيز، والنخعي أيضا: أن التخيير المذكور فِي الآية منسوخ، بقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، وأن عَلَى الحاكم أن يحكم بينهم، وهو مذهب عطاء الخراساني، وأبي حنيفة، وأصحابه، وغيرهم. وروي عن عكرمة أنه قَالَ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ نسختها آية أخرى، ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. وَقَالَ مجاهد: لم يُنسخ منْ المائدة إلا آيتان: قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، نسختها: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، وقوله: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ نسختها: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. وَقَالَ الزهريّ: مضت السنة أن يُرَدّ أهل الكتاب فِي حقوقهم ومواريثهم، إلى أهل دينهم، إلا أن يأتوا راغبين فِي حكم الله، فيحكم بينهم بكتاب الله، قَالَ السمرقندي: وهذا القول يوافق قول أبي حنيفة: إنه لا يحكم بينهم ما لم يتراضوا بحكمنا. وَقَالَ النحاس فِي "الناسخ والمنسوخ" له: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ منسوخ؛ لأنه إنما نزل أول ما قَدِمَ النبيّ ﷺ المدينة، واليهود فيها يومئذ كثير، وكان الأدعى لهم، والأصلح أن يُرَدُّوا إلى أحكامهم، فلما قَوِي الإِسلام، أنزل الله عز

стр. 17247

وجل: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، وقاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والزهري، وعمر بن عبد العزيز، والسُّدِّيّ، وهو الصحيح منْ قول الشافعيّ، قَالَ فِي "كتاب الجزية": ولا خيار له إذا تحاكموا إليه؛ لقوله : ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، قَالَ النحاس: وهذا منْ أصح الاحتجاجات؛ لأنه إذا كَانَ معنى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أن تجرى عليهم أحكام المسلمين، وجب ألا يُرَدُّوا إلى أحكامهم، فإذا وجب هَذَا، فالآية منسوخة، وهو أيضا قول الكوفيين: أبي حنيفة، وزفر، وأبي يوسف، ومحمد، لا اختلاف بينهم إذا تحاكم أهل الكتاب إلى الإِمام، أنه ليس له أن يُعرِض عنهم، غير أن أبا حنيفة قَالَ: إذا جاءت المرأة والزوج، فعليه أن يحكم بينهما بالعدل، وإذا جاءت المرأة وحدها, ولم يرض الزوج لم يحكم. وَقَالَ الباقون: يحكم، فثبت أن قول أكثر العلماء، أن الآية منسوخة، مع ما ثبت فيها منْ توقيف ابن عباس، ولو لم يأت الْحَدِيث عن ابن عباس، لكان النظر يوجب أنها منسوخة؛ لأنهم قد أجمعوا، أن أهل الكتاب إذا تحاكموا إلى الإِمام، فله أن ينظر بينهم، وأنه إذا نظر بينهم مصيب عند الجماعة، وألا يعرض عنهم، فيكون عند بعض العلماء تاركا فرضا، فاعلا ما لا يحل له، ولا يسعه. قَالَ النحاس: ولمن قَالَ بأنها منسوخة منْ الكوفيين، قول آخر: منهم منْ يقول: عَلَى الإِمام إذا علم منْ أهل الكتاب حَدًّا منْ حدود الله ، أن يقيمه، وإن لم يتحاكموا إليه، ويحتج بأن قول الله : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ يحتمل أمرين: [أحدهما]: وأن احكم بينهم إذا تحاكموا إليك، والآخر وأن احكم بينهم، وإن لم يتحاكموا إليك، إذا علمت ذلك منهم، قالوا: فوجدنا فِي كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ما يوجب إقامة الحق عليهم، وإن لم يتحاكموا إلينا، فأما ما فِي كتاب الله، فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ الآية [النِّساء: ١٣٥]، وأما ما فِي السنة، فحديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما، قَالَ: مُرَّ عَلَى رسول الله ﷺ بيهودي، قد جُلِد، وحُمِّمَ، فَقَالَ: "أهكذا حد الزاني عندكم؟ "، فقالوا: نعم، فدعا رجلا منْ علمائهم، فَقَالَ: "سألتك بالله، أهكذا حد الزاني فيكم؟ "، فَقَالَ: لا، الْحَدِيث. قَالَ النحاس: فاحتجوا بأن النبيّ ﷺ حكم بينهم، ولم يتحاكموا إليه فِي هَذَا الْحَدِيث. [فإن قَالَ قائل]: ففي حديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، أن اليهود أتوا النبيّ ﷺ . [قيل لهم]: ليس فِي حديث مالك أيضا، أن الذين زنيا رضيا بالحكم، وَقَدْ رجمهما النبيّ ﷺ .

стр. 17248

قَالَ أبو عمر بن عبد البر: لو تدبر منْ احتج بحديث البراء، لم يحتج؛ لأن فِي دَرْج الْحَدِيث تفسير قوله : ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾، يقول: إن أفتاكم بالجلد والتحميم فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، دليل عَلَى أنهم حَكَّمُوه، وذلك بَيِّنٌ فِي حديث ابن عمر وغيره. [فإن قَالَ قائل]: ليس فِي حديث ابن عمر، أن الزانيين حَكَّما رسول الله ﷺ ، ولا رضيا بحكمه. [قيل له]: حَدُّ الزاني حَقّ منْ حقوق الله تعالى، عَلَى الحاكم إقامته، ومعلوم أن اليهود كَانَ لهم حاكم يحكم بينهم، ويقيم حدودهم عليهم، وهو الذي حَكَّم رسول الله ﷺ ، والله أعلم. انتهى "الجامع لأحكام القرآن" ٦/ ١٨٤ - ١٨٧. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن القول بوجوب الحكم بينهم إذا جاءوا هو الأرجح؛ لأنه ﷺ كَانَ إذا جاءوا إليه يحكم، ولم يثبت أنه ألزمهم بالترافع إليه دائمًا، بل كانوا يتحاكمون فيما بينهم، والنبيّ ﷺ بين أظهرهم، ولم يأمره الله تعالى بنقض ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٣٥ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنِي دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ الآيَاتِ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ، الَّتِي قَالَهَا اللَّهُ : ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إِلَى ﴿الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي الدِّيَةِ بَيْنَ النَّضِيرِ وَبَيْنَ قُرَيْظَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ قَتْلَى النَّضِيرِ، كَانَ لَهُمْ شَرَفٌ، يُودَوْنَ الدِّيَةَ كَامِلَةً، وَأَنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ كَانُوا يُودَوْنَ نِصْفَ الدِّيَةِ، فَتَحَاكَمُوا فِي ذَلِكَ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِيهِمْ، فَحَمَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْحَقِّ فِي ذَلِكَ، فَجَعَلَ الدِّيَةَ سَوَاءً). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"عبيد الله بن سعد": هو الزهريّ، أبو الفضل البغداديّ، قاضي أصبهان، ثقة [١١] ١٧/ ٤٨٠. و"عمه": هو يعقوب بن إبراهيم الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة فاضل، منْ صغار [٩] ١٩٦/ ٣١٤. و"أبوه": هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة [٨] ١٩٦/ ٣١٤. و"ابن إسحاق": هو محمد أبو بكر المطّلبي إمام المغازي، المدنيّ، نزيل العراق، صدوقٌ، يدلّس، ورُمي بالتشيّع والقدر، منْ صغار [٥] ٥/ ٤٨٠. و"داود بن الحصين": هو الأمويّ مولاهم، أبو سليمان المدنيّ، ثقة، إلا فِي عكرمة،

стр. 17249

ورُمي برأي الخوارج [٦] ٢٠/ ١٢٢٦. وقوله: "يُودَون" بضم أوله، وفتح ثالثه، مبنيّا للمفعول، منْ الدية: أي يُعطَون كامل الدية. وقوله: "فحملهم الخ": أي ألزمهم العمل بالحقّ فِي هَذَا الأمر. وقوله: "فجعل الدية سواءً": بيان لمعنى حمله ﷺ . والحديث صحيحٌ، وَقَدْ سبق تمام البحث فيه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٩ - (بَابُ الْقَوَدِ بَيْنَ الأَحْرَارِ، وَالْمَمَالِيكِ فِي النَّفْسِ) ٤٧٣٦ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَالأَشْتَرُ إِلَى عَلِيٍّ رضى الله عنه، فَقُلْنَا: هَلْ عَهِدَ إِلَيْكَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا، لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً؟، قَالَ: لَا، إِلاَّ مَا كَانَ فِي كِتَابِي هَذَا، فَأَخْرَجَ كِتَابًا مِنْ قِرَابِ سَيْفِهِ، فَإِذَا فِيهِ: "الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، أَلَا لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ بِعَهْدِهِ، مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فَعَلَى نَفْسِهِ، أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ"). رجال هَذَا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن المثنّى) بن عبيد، أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ المعروف بالزمِن، ثقة ثبت [١٠] ٦٤/ ٨٠. ٢ - (يحيى بن سعيد) القطّان البصريّ الإِمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤. ٣ - (سعيد) بن أبي عروبة مِهْران، أبو النضر البصريّ، ثقة حافظ، كثير التدليس، واختلط، وكان منْ أثبت النَّاس فِي قتادة [٦] ٣٤/ ٣٨. ٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسيّ البصريّ، ثقة ثبت يدلس [٤] ٣٠/ ٣٤. ٥ - (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ الإِمام الحجة الثبت الفقيه، لكنه يدلس

стр. 17250

ويرسل [٣] ٣٢/ ٣٦. ٦ - (قيس بن عُباد) -بضمّ العين المهملة، وتخفيف الموحّدة الضُّبَعيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقة مخضرم [٢] ٢٣/ ٨٠٨. ٧ - (علي) بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ٧٤/ ٩١. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه ثلاثة منْ التابعين البصريين يروي بعضهم عن بعض: قتادة، عن الحسن، عن قيس. (ومنها): أن صحابيه أحد الخلفاء الأربعة، والعشرة المبشرين بالجنة، وزوج فاطمة الكبرى رضي الله تعالى عنهما. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ) الضُّبَعي البصريّ المتوفَّى بعد الثمانين، ووهم منْ عدّه فِي الصحابة، أنه (قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَالْأَشْتَرُ) -بالمعجمة الساكنة، والمثنّاة المفتوحة، اسمه مالك بن الحارث بن عبد يغوث بن مسلمة بن ربيعة بن الحارث بن جُذيمة بن سعْد بن مالك بن النَّخَع النخعيّ المخضرم، نزل الكوفة، بعد أن شَهِد اليرموك وغيرها، وولّاه عليّ ﵁ مصر، فمات قبل أن يدخلها، سنة (٨٧ هـ). وفي "تهذيب التهذيب" ٤/ ٩ - ١٠: أدرك الجاهلية، وروى عن عمر، وعلي، وخالد ابن الوليد، وأبي ذر، وأم ذر. وعنه ابنه إبراهيم، وأبو حسان الأعرج، وكنانة مولى صفية، وعبد الرحمن بن يزيد، وعلقمة بن قيس، ومخرمة بن ربيعة النخعيون، وعمرو بن غالب الهمداني. وذكره ابن سعد فِي الطبقة الأولى منْ تابعيّ أهل الكوفة، قَالَ: وكان منْ أصحاب علي ﵁، وشهد معه الْجَمَل، وصِفِّين، ومشاهده كلها، قَالَ: وولاه عَلَى مصر، فلما كَانَ بالْقُلْزُم شرب شربة عسل فمات. وَقَالَ العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، قَالَ: شَهِدَ اليرموك، فذهبت عينه يومئذ، وكان رئيس قومه، وكان ممن يسعى فِي الفتنة، وألبّ عَلَى عثمان، وشهد حصره. قَالَ ابن يونس: ولاه علي مصر، بعد قيس بن سعد بن عبادة، فسار حَتَّى بلغ القلزم فمات بها، يقال: مسموما فِي شهر رَجَب، سنة سبع وثلاثين، ورُوي أن عليا نعاه إلى قومه، وأثنى عليه ثناءً حسنا. وَقَالَ مُهَنا: سألت أحمد عن الأشتر يُروَى عنه الْحَدِيث؟ قَالَ: لا. انتهى. قَالَ الحافظ: ولم يرد أحمد بذاك تضعيفه، وإنما نفى أن تكون له رواية,

стр. 17251

وَقَدْ وقع له ذكر فِي ضمن أثر علقه البخاريّ فِي "صلاة الخوف"، قَالَ: قَالَ الوليد: ذكرت للأوزاعي صلاة شُرَحبيل بن السِّمْط، وأصحابه عَلَى ظهر الدابة، فَقَالَ كذلك الأمر عندنا، إذا تخوف الفوت. انتهى. وهنا الأثر رواه عمرو بن أبي سلمة، عن الأوزاعي، قَالَ: قَالَ شرحبيل بن السمط لأصحابه: لا تصلوا صلاة الصبح إلا عَلَى ظهر، فنزل الأشتر فصلى عَلَى الأرض، فأنكر عليه شرحبيل، وكان الأوزاعي يأخذ بهذا فِي طلب العدو. انتهى. تفرّد المصنّف (١) بذكره فِي هَذَا الموضع فقط. (إِلَى عَلِيٍّ ﵁، فَقُلْنَا: هَلْ عَهِدَ) بكسر الهاء، يقال: عَهِد إليه يَعْهَد، منْ باب تعِب: إذا أوصاه: أي هل أوصى (إِلَيْكَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا، لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً؟) وَقَدْ سأله هذه المسألة أبو جحيفة ﵁ فقد أخرج المصنّف، كما سيأتي بعد ثلاثة أبواب بسنده عن الشعبيّ، قَالَ: سمعت أبا جحيفة ﵁ يقول: سألنا عليّا ﵁، فقلنا: هل عندكم منْ رسول الله ﷺ شيء سوى القرآن، فَقَالَ: لا، والذي فلق الحبّة، وبرأ النسمة، إلا أن يُعطي الله عبدًا فهما فِي كتابه، أو ما فِي هذه الصحيفة .... " الْحَدِيث. قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: الخطاب لعليّ ﵁، والجمع إما لإرادته مع بقيّة أهل البيت، أو للتعظيم. وإنما سأله أبو جحيفة ﵁ عن ذلك؛ لأن جماعة منْ الشيعة، كانوا يزعمون أن لأهل البيت لاسيما علي ﵁ أشياء، خصّهم النبيّ ﷺ بها، لم يُطلع غيرهم عليها. وَقَالَ الشوكانيّ: والظاهر أن المسؤول عنه هنا، ما يتعلق بالأحكام الشرعية، منْ الوحي الشامل للكتاب والسنة، فإن الله سبحانه سماها وحيا، إذا فُسِّر قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] بما هو أعم منْ القرآن، ويدل عَلَى ذلك قوله: "وما فِي هذه الصحيفة"، فإن المذكور فيها ليس منْ القرآن، بل منْ أحكام السنة. قَالَ: فلا يلزم منه نفي ما ينسب إلى علي ﵁، منْ علم الجفر ونحوه، أو يقال: هو مندرج تحت قوله: "إلا فهما يعطيه الله تعالى رجلا فِي القرآن"، فإنه ينسب إلى كثير ممن فتح الله عليه بأنواع العلوم، أنه يستنبط ذلك منْ القرآن. ومما يدل عَلَى اختصاص علي بشيء منْ الأسرار، دون غيره: حديث الْمُخْدَج المقتول منْ الخوارج يوم النَّهْرَوان، كما فِي "صحيح مسلم"، و"سنن أبي داود"، فإنه قَالَ يومئذ: "التمسوا فيهم المخدج"، يعني فِي القتلى، فلم يجدوه، فقام الإِمام علي بنفسه حَتَّى أتى أناسا، قد قُتل بعضهم عَلَى بعض، فَقَالَ: "أخرجوهم، فوجدوه مما يلي الأرض، فكبر، وَقَالَ: صدق الله، وبلغ رسوله ﷺ ، فقام إليه عَبِيدة السلماني،

стр. 17252

فَقَالَ: يا أمير المؤمنين، والله الذي لا إله إلا هو، فقد سمعت هَذَا منْ رسول الله ﵌؟، قَالَ: إي والله الذي لا إله إلا هو، حَتَّى استحلفه ثلاثا، وهو يحلف. والمخدج المذكور: هو ذو الثُّدَيّة، وكان فِي يده مثل ثدي المرأة، عَلَى رأسه حلمة، مثل حلمة الثدي، عليه شعرات، مثل سبالة السِّنَّور. انتهى كلام الشوكانيّ. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى علم الجفر لعليّ ﵁، كما هو ظاهر سياق الشوكانيّ، فيه نظر لا يخفى، فإنه مما لا دليل عليه، وكذا قوله: ومما يدلّ عَلَى اختصاص عليّ ﵁ الخ فيه نظر، فإن هَذَا قد وُجد لغيره أيضًا، فقد خصّ رسول الله ﷺ حُذيفة بكثير منْ الأسرار، كالعلم بأسماء المنافقين، وغيره، فقد كَانَ ﵁ أعلم بهذا منْ عليّ ﵁، ومن غيره، منْ الصحابة، كما لا يخفى ذلك عَلَى منْ يطالع كتب السنّة المطهّرة. والله تعالى أعلم. (قَالَ) عليّ ﵁ (لَا) أي لم يعهد إليّ رسول الله ﷺ شيئًا لم يعهده إلى عامّة النَّاس. وفي حديث أبي جُحيفة المذكور: "لا والذي فَلَقَ الحبّة، وبرَأَ النسَمَة" (إِلَّا مَا كَانَ فِي كِتَابِي هَذَا) قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: لا يخفى أن ما فِي كتابه ما كَانَ منْ الأمور المخصوصة به، فالاستثناء إما بملاحظة الكتاب، فكأنه ﷺ خصّ عليّا بأن أمره أن يكتُب دون غيره، أو لبيان نفي الاختصاص بأبلغ وجه: أي لو كَانَ شيء خصّنا به لكان ما فِي كتابي، لكن الذي فِي كتابي ليس مما خصّنا به، فما خصّنا بشيء، والله تعالى أعلم. انتهى "شرح السنديّ" ٧/ ١٩. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الثاني هو الأظهر، فمراد عليّ ﵁ بهذا الكلام نفي كونه ﷺ خصّه، وأهل بيته بشيء منْ الأسرار، كما تزعمه الشيعة، فأتى لإفادة نفي هَذَا الزعم الباطل بهذه العبارة عَلَى وجه المبالغة. والله تعالى أعلم. وفي حديث أبي جحيفة ﵁ عند البخاريّ: "إلا كتاب الله، أو فهمٌ أُعطيه رجلٌ مسلم، أو ما فِي هذه الصحيفة". قَالَ فِي "الفتح" ١٤/ ٢٧٦: قوله: "إلا كتاب الله" بالرفع، وَقَالَ ابن المنيّر: فيه دليلٌ عَلَى أنه كَانَ عنده أشياء مكتوبة منْ الفقه المستنبط منْ كتاب الله، وهي المرادة بقوله: "أو فهم أُعطيه رجلٌ"؛ لأنه ذكر بالرفع، فلو كَانَ الاستثناء منْ غير الجنس لكان منصوبًا. قَالَ الحافظ: كذا قَالَ، والظاهر أن الاستثناء فيه منقطع، والمراد بذكر الفهم إثبات إمكان الزيادة عَلَى ما فِي الكتاب. وَقَدْ رواه البخاريّ فِي "الديات" بلفظ: "ما عندنا إلا فِي القرآن، إلا فهمًا يُعطى رجلٌ منْ الكتاب"، فالاستثناء الأول مفرّغٌ، والثاني

стр. 17253

منقطعٌ، معناه لكن إن أَعطى الله رجلاً فهمًا فِي كتابه، فهو يقدر عَلَى الاستنباط، فتحصل عنده الزيادة بذلك الاعتبار. وَقَدْ روى أحمد بإسناد حسن، منْ طريق طارق بن شهاب، قَالَ: شهِدتُ عليًّا عَلَى المنبر، وهو يقول: "والله ما عندنا كتاب نقرأه عليكم إلا كتاب الله، وهذه الصحيفة"، وهو يؤيّد ما قلناه: إنه لم يُرد بالفهم شيئًا مكتوبًا. انتهى كلام الحافظ. وسيأتي للمصنّف بعد ثلاثة أبواب عن أبي حسّان الأعرج، عن الأشتر، أنه قَالَ لعليّ ﵁: إن النَّاس قد تفشّغ (١) بهم ما يسمعون، فإن كَانَ رسول الله ﷺ عهد إليك عهدًا، فحدّثنا به، قَالَ: ما عهد إليّ رسول الله ﷺ عهدًا، لم يعهده إلى النَّاس .. الْحَدِيث. (فَأَخْرَجَ كِتَابًا مِنْ قِرَابِ سَيْفِهِ) بكسر القاف، وتخفيف الراء: هو وعاء يكون فيه السيف بغِمْده، وحمائله (فَإِذَا) هي "إذا" الفُجائيّة (فِيهِ: "الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ) أي تتساوى دماؤهم فِي القصاص، والديات، والكفء: النظير، والمساوي، ومنه الكفاءة فِي النكاح، والمراد أنه لا فرق بين الشريف والوضيع فِي الدم، بخلاف ما كَانَ عليه الجاهليّة، منْ المفاضلة، وعدم المساواة. قاله فِي "النيل" ٧/ ١٤. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا محلّ الترجمة، فقد أخذ منه المصنّف رحمه الله تعالى أن الحرّ يُقتل بالعبد؛ لمساواة الدماء، وفيه خلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه قريبًا، إن شاء الله تعالى. (وَهُمْ يَدٌ) أي قوّة (عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ) أي هم مجتمعون عَلَى أعدائهم، لا يسعهم التخاذل، بل يُعاون بعضهم بعضًا عَلَى جميع الأديان والملل، كأنه جعل أيديهم يدًا واحدةً، وفعلَهم فعلاً واحدًا. قاله فِي "النهاية" ٥/ ٢٩٣. وَقَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: "وهم يد": أي اللائق بحالهم أن يكونوا كيد واحدة فِي التعاون، والتعاضد عَلَى الأعداء، فكما أن اليد الواحدة لا يمكن أن يميل بعضها إلى جانب، وبعضها إلى آخر، فكذلك اللائق بشأن المؤمنين. انتهى "شرح السنديّ" ٧/ ٢٠. (وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ) قَالَ فِي "النهاية" ٢/ ١٦٨ - : الذمّة، والذّمام: بمعنى: العهد، والأمان، والضمان، والحرمة، والحق: أي إذا أعطى أحدٌ لجيش العدوّ أمانًا جاز ذلك عَلَى جميع المسلمين، وليس لهم أن يُخْفِرُوه، ولا أن ينقضوا عليه عهده. انتهى.

стр. 17254

وَقَالَ السنديّ: أي ذمّتهم فِي يد أقلّهم عددًا، وهو الواحد، أو أسفلهم رُتْبةً، وهو العبد، يمشي به، يَعقده لمن يرى منْ الكفرة، فإذا عقد حصل له الذمّة منْ الكلّ انتهى. ودخل فِي قوله: "أدناهم": كلّ وضيع بالنصّ، وكلّ شريف بالفحوى، فدخل فِي أدناهم المرأة، والعبد، والصبيّ، والمجنون. قاله فِي "الفتح" ٦/ ٤١٠. وَقَالَ الشوكانيّ: يعني أنه إذا أمن المسلم حربيّا، كَانَ أمانه أمانًا منْ جميع المسلمين، ولو كَانَ ذلك المسلم امرأةً، بشرط أن يكون مكلّفًا، فيحرم النكث منْ أحدهم بعد أمانه. "نيل الأوطار" ٧/ ١٤. وسيأتي بيان اختلاف العلماء فِي أمان المرأة، والعبد، ونحوهما قريبًا، إن شاء الله تعالى. (أَلَا) أداة استفتاح، وتنبيه (لَا يُقْتَلُ) بالبناء للمفعول (مُؤْمِنٌ بكَافِرٍ) أي إذا قتل مؤمن كافرًا فلا قصاص عليه. قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: ظاهره العموم، ومن لا يقول به يخصّه بغير الذمّيّ؛ جمعًا بينه وبين ما ثبت منْ أن لهم ما لنا، وعليهم ما علينا. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بالعموم هو الحقّ، وسيأتي تحقيق الخلاف بين العلماء فيه قريبًا، إن شاء الله تعالى. (وَلَا ذُو عَهْدٍ بِعَهْدِهِ) الباء بمعنى "فِي"، كما بُيّن فِي الرواية التالية، أي لا يُقتل صاحب العهد منْ الكفرة، كالذميّ، والمستأمن فِي وقت عهده بسبب قتله الكافر الحربيّ. (مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا) -بفتحتين-: قَالَ ابن الأثير: الحدث: الأمر الحادث المنكر، الذي ليس بمعتاد، ولا معروف فِي السنّة. انتهى. والمعنى هنا: أنّ منْ فعل فعلاً يوجب عقوبة (فَعَلَى نَفْسِهِ) أي عقوبة ذنبه عَلَى نفسه فقط، لا يتعدّاه إلى غيره منْ أقاربه، وأرحامه (أَوْ آوَى مُحْدِثًا) قَالَ ابن الأثير: يروى بكسر الدال، وفتحها، عَلَى الفاعل، والمفعول، فمعنى الكسر: منْ نصر جانيًا، أو آواه، وأجاره منْ خصمه، وحال بينه وبين أن يقتصّ منه. والفتح: هو الأمر المبتَدَع نفسه، ويكون معنى الإيواء فيه الرضا به، والصبر عليه، فإنه إذا رضي بالبدعة، وأقرّ فاعلها, ولم يُنكر عليه، فقد آواه. انتهى "النهاية" ١/ ٣٥١. (فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ) أي طرده منْ رحمته، يقال: لعنه لَعْنًا، منْ باب نفع: طرده، وأبعده، أو سبّه، فهو لعينٌ، وملعون. قاله الفيّوميّ (وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) أي عليه دعاؤهم بلعنته، أي إنهم يدعون عليه أن يطرده الله تعالى عن رحمته. [تنبيه]: أخرج البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه" ٦/ ٢٤٨٢ حديث عليّ

стр. 17255

-﵁ هَذَا منْ طريق إبراهيم التيمي، عن أبيه، قَالَ: قَالَ علي ﵁: ما عندنا كتاب نقرؤه، إلا كتاب الله، غير هذه الصحيفة، قَالَ: فأخرجها، فإذا فيها أشياء منْ الجراحات، وأسنان الإبل، قَالَ: وفيها: "المدينةُ حرم ما بين عَيْرٍ إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثا، أو آوى محدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرف، ولا عدل، ومن والى قوما بغير إذن مواليه، فعليه لعنة الله، والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل، وذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلما، فعليه لعنة الله، والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل". انتهى. قَالَ فِي "الفتح" ١٣/ ٥٣٢: الذي تضمّنه هَذَا الْحَدِيث مما فِي الصحيفة المذكورة أربعة أشياء: [أحدها]: الجراحات، وأسنان الإبل. [ثانيها]: "المدينة حرم". [ثالثها]: ومن والى قومًا بغير إذن مواليهم". [رابعها]: وذمّة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم". انتهى مختصرًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث عليّ ﵁ هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٩/ ٤٧٣٦ و٤٧٣٧ و١٣/ ٤٧٤٦ و٤٧٤٧ و٤٧٤٨ - وفي "الكبرى" ٨/ ٦٩٣٦ و١٢/ ٦٩٤٦ و٦٩٣٧ و٦٩٤٧ و٦٩٤٨. وأخرجه (خ) فِي "العلم" ١١١ و"الحج" ١٨٧٠ و"الجهاد" ٣٠٤٧ و"الجزية" ٣١٨٠ و"الفرائض" ٦٧٥٥ و"الديات" ٦٩٠٣ و٦٩١٥ و"الاعتصام بالكتاب والسنة" ٧٣٠٠ (م) فِي "الحج" ١٣٧٠ (د) فِي "المناسك" ٢٠٣٤ و"الديات" ٤٥٣٠ (ت) فِي "الديات" ١٤١٢ و"الولاء" ٢١٢٧ (ق) فِي "الديات" ٢٦٥٨ و (أحمد) فِي "مسند العشرة" ٦٠٠ و٦١٦ و٧٨٤ و٩٦٢ و١٠٤٠ (الدارمي) فِي "الديات" ٢٢٥٠. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان ثبوت القصاص بين الأحرار والعبيد فِي النفس، وهو الصحيح؛ لقوله ﷺ : "المؤمنون تتكافؤ دماؤهم"، وسيأتي بيان الخلاف فِي المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): تفنيد عليّ ﵁ مزاعم أهل الضلال الذين يقولون عَلَى رسول الله ﷺ زورًا، وبُهتانًا أنه خصّ عليّا ﵁-

стр. 17256

بأسرار، لم يُطلعها غيره، وغير أهل بيته، فلا أقوى لدحض آرائهم الباطلة، وضلالاتهم الكاسدة منْ إبطاله هو، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]. (ومنها): أن منْ واجب المسلمين التعاون، والتعاضد، وكونهم يدًا واحدةً عَلَى أعدائهم. (ومنها): أن ذمّة المسلمين واحدة، يستحقّها الأدنى، كما يستحقّها الأعلى، فأي مسلم سعى فِي أمان كافر نفذ أمانه، وحرم نقضه، وسيأتي تفاصيل أقوال العلماء فِي ذلك قريبًا، إن شاء الله تعالى. (ومنها): عدم ثبوت القصاص بين المسلم والكافر، ولا بين المعاهد والحربيّ، وفيه خلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه قريبًا أيضًا، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أن منْ أجرم، فجرمه عَلَى نفسه، ولا يتعداه، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]. (ومنها): تحريم إيواء المجرم، وأن منْ آواه، فعليه لعنة الله تعالى، والملائكة، والناس أجمعين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي ثبوت القصاص بين الحرّ والعبد: ذهبت طائفة إلى أن الحر يُقتل بالعبد، رُوي ذلك عن سعيد بن المسيّب، والنخعيّ، وقتادة، والثوريّ، أصحاب الرأي، وهو مذهب المصنّف رحمه الله تعالى، كما هو ظاهر ترجمته؛ لعموم الآيات، والأخبار، ولقوله ﷺ فِي حديث الباب: "والمؤمنون تتكافؤ دماؤهم"، ولأنه آدميّ معصوم، فأشبه الحرّ. وذهبت طائفة إلى أنه لا يقتل حرّ بعبد، وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعليّ، وزيد، وابن الزبير ﵃، وبه قَالَ الحسن، وعطاء، وعمر بن بن عبد العزيز، وعكرمة، وعمرو بن دينار، ومالكٌ، والشافعيّ، وإسحاق، وأحمد، وأبو ثور، وروي عن الشعبيّ؛ لما رواه أحمد فِي "مسنده" عن عليّ ﵁ أنه قَالَ: "منْ السنّة أن لا يُقتل حرّ بعبد". وعن ابن عبّاس ﵄ أن النبيّ ﷺ قَالَ: "لا يقتل حرّ بعبد". رواه الدارقطنيّ. ولأنه لا يُقطع طرَفه بطرَفه مع التساوي فِي السلامة، فلا يُقتل به، كالأب مع ابنه، ولأن العبد منقوص بالرقّ، فلم يُقتل به الحرّ، كالمكاتب إذا ملك ما يؤدّي، والعمومات مخصوصات بهذا، فنقيس عليه. أفاده فِي "المغني" ١١/ ٤٧٣. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الأولون منْ ثبوت القصاص بين الحرّ والعبد هو الأرجح عندي؛ لقوة دليله، وأما ما احتجّ به هؤلاء، فلا يصلح للاحتجاج به؛ لضعفه، فإن حديث ابن عبّاس ﵄ فِي إسناده جويبر بن سعيد أحد المتروكين، والراوي عنه عثمان البرّيّ ضعيف معتزليّ، أحاديثه مناكير، وحديث عليّ ﵁ فِي إسناده جابر الجعفيّ ضعيف جدًّا. فثبت بهذا أن حججهم غير مقبولة. فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 17257

(المسألة الخامسة): فِي اختلاف أهل العلم فِي أمان العبد، والمرأة، والصبيّ، والمجنون: ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه إذا أعطى أحد منْ المسلمين الأمان لأهل الحرب صحّ، فلا يجوز التعرّض لأنفسهم، وأموالهم، وأن ذلك يصح منْ كل مسلم، بالغ، عاقل، مختار، ذكرا كَانَ أو أنثى، حرا كَانَ أو عبدا، وبهذا قَالَ الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن القاسم، ورُوي ذلك عن عمر بن الخطاب، ﵁. وذهب أبو حنيفة، وأبو يوسف، إلى أنه لا يصح أمان العبد، إلا أن يكون مأذونا له فِي القتال؛ لأنه لا يجب عليه الجهاد، فلا يصح أمانه كالصبي، ولأنه مجلوب منْ دار الكفر، فلا يؤمن أن ينظر لهم تقديم مصلحتهم. واحتجّ الأولون بحديث الباب، فإنه ﷺ قَالَ: "ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلما، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف، ولا عدل"، رواه البخاريّ، ورَوَى فضيل بن يزيد الرقاشي، قَالَ: جَهَّز عمر بن الخطاب جيشا، فكنت فيه، فحضرنا موضعا، فرأينا أنا سنفتحها اليوم، وجعلنا نقبل، ونروح، فبقي عبد منا، فراطنهم وراطنوه، فكتب لهم الأمان فِي صحيفة، وشَدَّها عَلَى سهم، ورمى بها إليهم، فأخذوها، وخرجوا، فكتب بذلك إلى عمر بن الخطاب، فَقَالَ: العبد المسلم رجل منْ المسلمين، ذمته ذمتهم، رواه سعيد بن منصور، فِي "سننه"، وعبد الرزاق فِي "مصنّفه"، وابن أبي شيبة فِي "مصنّفه". ولأنه مسلم مكلف، فصح أمانه، كالحر، وما ذكروه منْ التهمة يبطل بما إذا أُذن له فِي القتال، فإنه يصح أمانه، وبالمرأة فإنها أمانها يصح فِي قولهم جميعا، قالت عائشة: إن كانت المرأة لتجير عَلَى المسلمين، فيجوز. وعن أم هانىء، أنها قالت: يا رسول الله، إني أجرت أحمائي، وأغلقت عليهم، وإن ابن أمي أراد قتلهم، فَقَالَ لها رسول الله ﷺ : "قد أجرنا منْ أجرت يا أم هانىء، إنما يجير عَلَى المسلمين أدناهم"، رواهما سعيد، وأجارت زينب بنت رسول الله ﷺ ، أبا العاص بن الربيع، فأمضاه رسول الله ﷺ . وأما الصبي المميز، فَقَالَ الموفّق فِي مذهب أحمد فيه روايتان: [إحداهما]: لا يصح أمانه، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي؛ لأنه غير مكلف، ولا يلزمه بقوله حكم، فلا يلزم غيره، كالمجنون. [والثانية]: يصح أمانه، وهو قول مالك، وقيل: يصح أمانه رواية واحدة، وحُمِل

стр. 17258

رواية المنع عَلَى غير المميز، واحتج بعموم الْحَدِيث؛ ولأنه مسلم مميز، فصح أمانه، كالبالغ، وفارق المجنون، فإنه لا قول له أصلا. أفاده فِي "المغني" ١٣/ ٧٥ - ٧٦. وَقَالَ فِي "الفتح" ٦/ ٤١٠ - : قَالَ ابن المنذر: أجمع أهل العلم عَلَى جواز أمان المرأة، إلا شيئا ذكره عبد الملك -يعني ابن الماجشون، صاحب مالك- لا أحفظ ذلك عن غيره، قَالَ: إن أمر الأمان إلى الإِمام، وتأول ما ورد مما يخالف ذلك، عَلَى قضايا خاصة، قَالَ ابن المنذر: وفي قول النبيّ ﷺ : "يسعى بذمتهم أدناهم" دلالة عَلَى إغفال هَذَا القائل. انتهى. وجاء عن سحنون مثل قول ابن الماجشون، فَقَالَ: هو إلى الإِمام، إن أجازه جاز، وأن رده رد. وأما العبد، فأجاز الجمهور أمانه، قاتل أو لم يقاتل. وَقَالَ أبو حنيفة: إن قاتل جاز أمانه، وإلا فلا. وَقَالَ سحنون: إذا أذن له سيده فِي القتال صح أمانه، وإلا فلا. وأما الصبي، فَقَالَ ابن المنذر: أجمع أهل العلم عَلَى أن أمان الصبي غير جائز. قَالَ الحافظ: وكلام غيره يشعر بالتفرقة بين المراهق وغيره، وكذلك المميز الذي يعقل، والخلاف عن المالكية والحنابلة. وأما المجنون، فلا يصح أمانه بلا خلاف، كالكافر، لكن قَالَ الأوزاعي: إن غزا الذمي مع المسلمين، فأمّن أحدًا، فإن شاء الإِمام أمضاه، وإلا فليرده إلى مأمنه. وحكى ابن المنذر عن الثوري، أنه استثنى منْ الرجال الأحرارِ الأسيرَ فِي أرض الحرب، فَقَالَ: لا ينفذ أمانه، وكذلك الأجير. انتهى "الفتح" ٦/ ٤١٠ - ٤١١. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي جواز الأمان مطلقًا، منْ المرأة، والعبد، والصبيّ المميّز؛ لعموم النصّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٣٧ - (أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَوَارِيرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ، عَنْ عَلِيٍّ رضى الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : قَالَ: "الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أبو بكر بن عليّ": هو أحمد بن عليّ بن سعيد بن إبراهيم المروزيّ القاضي، ثقة حافظ [١٢] ١/ ٢٠٩٤ منْ أفراد المصنّف. و"القواريريّ": هو عبيد الله بن عمر بن ميسرة، أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقة ثبت [١٠] ٥٩/ ٢٣١١. و"محمد بن عبد الواحد" بن أبي حَزْم الْقُطَعيّ -بضم القاف، وفتح المهملة- البصريّ صدوقٌ [٨].

стр. 17259

روى عن عمر بن عامر البصريّ، ويحيى بن إسحاق الحضرميّ، ويونس بن عُبيد، وعثمان بن سعد الكاتب. وروى عنه إسماعيل بن سيف البصريّ، وعبيد الله بن عمر القواريريّ. ذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ ابن شاهين فِي "الثقات": محمد بن عبد الواحد بن أبي حزم، قَالَ يحيى بن معين: كَانَ صاحب سنّة، وكان حمّاد بن زيد يُقدّمه. تفرّد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط. و"عمر بن عامر" السلميّ، أبو حفص البصريّ، قاضيها، صدوقٌ له أوهام [٦]. وفي "تهذيب التهذيب" ٣/ ٢٣٥ - ٢٣٦: رَوَى عن قتادة، وعمرو بن دينار، وأيوب السختياني، ويحيى بن أبي كثير، وغيرهم، وأرسل عن حطان بن عبد الله الرقاشي. وروى عنه سعيد بن أبي عروبة، وسالم بن نوح، ومحمد بن عبد الواحد بن أبي حَزْم، ومعتمر بن سليمان، وعباد بن العوام، ويزيد بن أبي زريع، وآخرون. قَالَ ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد، حملت عنه أشياء؟، قَالَ، لا, ولا حرف. وَقَالَ صالح بن أحمد، عن أبيه: كَانَ يحيى بن سعيد لا يرضاه، وكذا قَالَ أبو طالب، عن أحمد، وزاد: روى أحاديث أنكرها. وَقَالَ عبد الله بن أحمد، عن أبيه: كَانَ شعبة لا يستمريه. وَقَالَ ابن معين: ليس به بأس، زاد بعضهم عن ابن معين: ثقة. وَقَالَ ابن الدورقي، عن بن معين: عمر بن عامر بجلي، كوفيّ ضعيف، تركه حفص ابن غياث. قَالَ الحافظ: وينبغي أن يحرر هَذَا الذي حكاه ابن الدورقي، عن ابن معين، فإني أظن أنه فِي رجل آخر، غير صاحب الترجمة، يدل عليه كونه نسبه بجليا كوفيا، وصاحب الترجمة سلمي بصري. انتهى. وَقَالَ يعقوب بن شيبة: سمعت ابن المديني يقول: عمر بن عامر، شيخ صالح، كَانَ عَلَى قضاء البصرة، مات فَجْأَة، قَالَ علي: قَالَ أبو عبيدة: لم يمت قاض فجأة غيره. وَقَالَ أبو زرعة: مات وهو ساجد. وَقَالَ أبو حاتم: سعيد، وهشام أحب إلى منه، وهو يجري مع همام. وَقَالَ عمرو بن علي: عمر بن عامر، ويحيى بن محمد بن قيس، ليسا بَمَترُوكِي الْحَدِيث. وَقَالَ الآجري، عن أبي داود: ضعيف، وأبو هلال فوقه، وعمران القطّان عندي فوقه، وكان قاضي البصرة. وَقَالَ النسائيّ: ضعيف، وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ: مات سنة خمس وثلاثين ومائة. وقيل: سنة تسع. وَقَالَ الساجي: هو منْ الشيوخ، صدوق، ليس بالقوي، فيه ضعف، قَالَ: وَقَالَ أحمد: كَانَ عبد الصمد ابن عبد الوارث، يروي عنه عن قتادة مناكير. وَقَالَ العقيلي: ثنا عبد الله بن أحمد، سمعت أبي، يقول: عمر بن عامر ثقة، ثبث فِي الْحَدِيث، إلا أنه كَانَ مرجئا. وَقَالَ

стр. 17260

العجليّ: ثقة. تفرّد به مسلم، والمصنّف، وليس له عند المصنّف غير هَذَا الموضع. و"قتادة": هو ابن دعامة البصريّ. و"أبو حسّان": هو مسلم بن عبد الله الأعرج الأجرد البصريّ، مشهور بكنيته، صدوقٌ رُمي برأي الخوارج [٤] ١٤/ ٤٧٣. وقوله: "تكافؤ" هو بحذف إحدى التاءين، وأصله: تتكافؤ. والحديث صحيح، تقدّم شرحه، وبيان مسائله فِي الْحَدِيث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ١٠ - (الْقَوَدُ مِنَ السَّيِّدِ لِلْمَوْلَى) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: أراد رحمه الله تعالى بالمولى الأسفلَ، وهو العبد. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٧٣٨ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، هُوَ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَهُ جَدَعْنَاهُ، وَمَنْ أَخْصَاهُ أَخْصَيْنَاهُ"). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (محمود بن غيلان) أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ٣٣/ ٣٧. ٢ - (أبو داود) سليمان بن داود بن الجارود البصريّ، ثقة حافظ [٩] ١٣/ ٣٤٣. ٣ - (هشام) بن أبي عبد الله سنبر الدستوائيّ البصريّ، ثقة ثبت، منْ كبار [٧] ٣٠/ ٣٤. ٤ - (سمرة) بن جندب بن هلال الصحابيّ المشهور رضي الله تعالى عنه ٢٥/ ٣٩٣. والباقيان تقدما فِي الباب الماضي. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير أن فِي سماع الحسن منْ سمرة ﵁ لغير حديث العقيقة كلامًا،
следующие страницы →