← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

عبد الرزاق من طريق عائش بن أنس قال: "تذاكر علي، والمقداد، وعمار المذي، فقال: على إنني رجل مذاء فاسألا عن ذلك النبي ﷺ ، فسأله أحد الرجدين"، وصحح ابن بشكوال أن الذي تولىَّ السؤال عن ذلك هو المقداد، وعلى هذا فنسبة عمار إلى السؤال عن ذلك محمولة على المجاز أيضا لكونه قصده، لكن تولى المقداد الخطاب دونه. والله أعلم. اهـ فتح ج ١ ص ٤٥٢. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن جمع ابن حبان بأنه أمرهما، فسأل كل منهما عن ذلك، ثم تولى بنفسه ليتثبت، غير بعيد أيضًا ولا ينافيه قوله: أستحي لأنه استحيا أولا، ثم فكر بأن هذا أمر ديني لا ينبغي الحياء فيه، فتولى السؤال بنفسه، كما قالت أم سليم ﵂: إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة من غسل … الحديث. والله أعلم. (من أجل ابنته عندي) الجار والمجرور متعلق بأمرت، أي إنما أمرته بذلك لأجل كون ابنته فاطمة ﵂ زوجتي، إذ العادة أن ذلك مما يورث الحياء (فسأله عمار عن ذلك فقال) ﷺ (يكفي من ذلك) أي من المذي (الوضوء) المعهود، وهو الشرعي، لما تقدم من قوله ويتوضأ وضوءه للصلاة، وقوله: يكفي أي بالنسبة للغسل، فلا ينافي ما يأتي من قوله "يغسل مذاكيره" فالواجب على من أمذى غسل الذكر، والوضوء. والمسائل المتعلقة بهذا الحديث مضى معظمها، ويأتي ما بقي إن شاء الله تعالى. والله المستعان، وعليه التكلان.

стр. 1752

١٥٥ - أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا (١) أُمَيَّةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا (٢) رَوْحَ بْنَ الْقَاسِمِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نُجَيْحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ خَلِيفَةَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أَنَّ عَلِيًّا أَمَرَ عَمَّارًا أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْمَذْيِ، فَقَالَ: "يَغْسِلُ مَذَاكِيرَهُ، وَيَتَوَضَّأُ". رجال الإسناد: تسعة ١ - (عثمان بن عبد الله) بن محمَّد بن خُرَّزاذ -بضم المعجمة، وتشديد الراء (٣) بعدها زاي-، ثقة، من صغار الحادية عشرة، مات سنة -٢٨١ - وقيل: في أول التي بعدها. وفي "صة": أبو عمرو الحافظ، البصري، نزيل أنطاكية. عن سليمان بن حرب، ومسدد، وأبي الوليد، وعفان، وخلق. وعنه النسائي. قال الحاكم: ثقة مأمون. قال عمرو بن دحيم: مات سنة- ٢٨٢. اهـ ج ٢ ص ٢١٧. ٢ - (أمية) بن بسطام العيشي -بالياء والشين المعجمة- بصري يكنى أبا بكر، صدوق، من العاشرة، مات سنة- ٢٣١، وفي (تت): أمية ابن بسطام بن المنتشر العيشي، أبو بكر البصري، ابن عم يزيد بن زريع. روى عنه، وعن ابن عيينة، ومعتمر بن سليمان، وبشر بن الفضل،

стр. 1753

وغيرهم، وعنه الشيخان، ورَوَى عنه النسائي بواسطة عثمان بن خرزاذ، وروى عنه أبو زرعة، وأبو حاتم، والبوشنجي، وابن أبي عاصم، والدُّوريّ، وتمتام، والحسن بن سفيان وأبو يعلى، وغيرهم. قال أبو حاتم: محله الصدق، ومحمد بن منهال أحب إليّ منه اهـ ج ١ ص ٣٧٠. أخرج له البخاري، ومسلم، والمصنف. ٣ - (يزيد بن زريع) بتقديم الزاي مصغرا، البصري، أبو معاوية، ثقة ثبت من الثامنة، مات سنة ١٨٢ وتقدم في ٥/ ٥، وفي ٨٧/ ١٠٨، أخرج له الجماعة. ٤ - (روح بن القاسم) التميمي العنبري، أبو غياث -بالمعجمة والمثلثة- البصري، ثقة حافظ، من السادسة، مات سنة -١٤١ - أرخه ابن حبان. رَوَى عن عمرو بن دينار، ومنصور بن المعتمر، وقتادة. وعنه يزيد بن زريع، وابن علية، وعون بن عمارة. قال ابن المديني: له نحو مائة وخمسين حديثا. ووثقه أحمد. مات بعد الخمسين ومائة. أخرج له الجماعة إلا الترمذي. ٥ - (ابن أبي نجيح) بفتح النون مكبرا- هو عبد الله، واسم أبيه يسار المكي، أبو يسار الثقفي، مولاهم، ثقة رمي بالقدر، وربما دلس، من السادسة، مات سنة -١٣١ - أو بعدها. روى عن طاوس، ومجاهد. وعنه عمرو بن شعيب، أكبر منه وأبو إسحاق الفزاري، وشعبة. وثقه أحمد. روى عنه ابن عيينة. قال: مات سنة -١٣١ - أخرج له الجماعة. ٦ - (عطاء) بن أبي رباح تقدم قريبا. في ١٥٤. ٧ - (إياس بن خليفة) البكري، مكي، صدوق، من الثالثة. وفي (تت): حجازي. روى عن رافع بن خديج. وعنه عطاء بن أبي رباح. روى له النسائي حديثا واحدا في الطهارة. قال الحافظ ﵀: وذكره ابن حبان في الثقات، وقال العقيلي: في حديثه وهم،

стр. 1754

وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من التابعين من أهل مكة، وقال: كان قليل الحديث. انفرد به المصنف. ٨ - (رافع بن خديج) مكبرًا- بن رافع بن عدي بن تزيد بن جشم ابن حارثة، الأوسي، صحابي شهد أحدا وما بعدها، له ثمانية وسبعون حديثا، اتفقا على خمسة، وانفرد (م) بثلاثة، وعنه ابنه رفاعة، وبشر ابن يسار، وسليمان يسار، وطاوس. قال خليفة: مات سنة -٧٤ - أخرج له الجماعة وأما علي، وعمار، فقد تقدما قريبًا. لطائف الإسناد منها: أنه من تُساعياته، وأن رواته كلهم ثقات غير إياس فصدورق، وأنهم ما بين بصريين، وهم عثمان وأمية، ويزيد، ورَوْح، ومكيين: وهم ابن أبي نجيح، وعطاء، وإياس، وفيه رواية تابعي، عن تابعي. شرح الحديث (عن رافع بن خديج) بفتح الخاء المعجمة مكبرا (أن عليا أمر عمارا) ﵃ (أن يسأل رسول الله ﷺ عن) حكم (المذي) تقدم ضبطه، ومعناه أول الباب، أي أمره بالسؤال هل فيه غسل أم لا؟ (فقال) ﷺ (يغسل مذاكيره) تقدم أنه جمع ذكر على غير قياس، وهو برفع "يغسل" على صيغة الإخبار لكن معناه الأمر، واستعمال الإخبار بمعنى الأمر كثير كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أفاده في العدة ج ١ ص ١٠ ثم إن ظاهره يدل على وجوب غسل جميع الذكر، وإليه ذهبت المالكية، قالوا: لأن اسم الذكر حقيقة في العضو كله، وبنوا على ذلك هل يحتاج إلى نية في غسله؟ فذكروا في ذلك قولين، أشهرهما وجوب النية لأنها طهارة تعبدية، والطهارة التعبدية تحتاج إلى

стр. 1755

نية. وعن أحمد روايتان: أحدهما غسل الذكر وحده، والأخرى غسله مع الأنثيين، يدل له حديث الأمر بغسل الذكر والأنثيين. أفاده في المنهل ج ١ ص ٢٥٨. (ويتوضأ) أي وضوء الصلاة، هكذا هنا بلفظ الغيبة، ووقع عند البخاري في حديث المقداد بلفظ "توضأ" بصيغة أمر الواحد، فقال الحافظ ﵀: يشعر بأن المقداد سأل لنفسه، ويحتمل أن يكون سأل لمبهم، أو لعلي فوجه النبي ﷺ الخطاب إليه، والظاهر أن عليا كان حاضر السؤال، فقد أطبق أصحاب المسانيد والأطراف على إيراد هذا الحديث في مسند علي، ولو حملوه على أنه لم يحضر لأوردوه في مسند المقداد، ويؤيده ما في رواية النسائي من طريق أبي بكر بن عايش، عن أبي حصين في الحديث عن علي، قال: "فقلت لرجل جالس إلى جنبي: سله، فسأله" ووقع في رواية مسلم: فقال: "يغسل ذكره ويتوضأ" بلفظ الغائب، فيحتمل أن يكون سؤال المقداد وقع على الإبهام وهو الأظهر، ففي مسلم أيضا "فسأله عن المذي يخرج من الإنسان" وفي الموطأ نحوه، ووقع في رواية لأبي داود، والنسائي، وابن خزيمة ذكر سبب ذلك من طريق حصين بن قبيصة عن علي قال: كنت رجلا مذاء، فجعلت أغتسل منه في الشتاء حتى تشقق ظهري، فقال ﷺ : "لا تفعل" ولأبي داود وابن خزيمة من حديث سهل بن حنيف أنه وقع له نحو ذلك، وأنه سأل عن ذلك بنفسه. اهـ فتح ج ١ ص ٤٥٢. قال الجامع: مسائل هذا الحديث مضى بعضها، ويأتي الباقي إن شاء الله تعالى. والله المستعان، وعليه التكلان. ١٥٦ - أَخْبَرَنَا عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: عَنْ مَالِكٍ -وَهُوَ ابْنُ أَنَسٍ-، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ

стр. 1756

الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ: أَنَّ عَلِيًّا أَمَرَهُ أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ إِذَا دَنَا مِنْ أَهْلِهِ، فَخَرَجَ مِنْهُ الْمَذْيُ مَاذَا عَلَيْهِ؟ فَإِنَّ عِنْدِي ابْنَتَهُ، وَأَنَا أَسْتَحِي أَنْ أَسَأَلَهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: "إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَنْضَحْ فَرْجَهُ، وَيَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ". رجال الإسناد: خمسة ١ - (عتبة بن عبد الله المروزى) ابن عتبة اليحمدي، أبو عبد الله، صدوق من العاشرة، مات سنة- ٢٤٤. وتقدم في -٨١/ ٩٨ - (س) ٢ - (مالك) بن أنس الإمام العلم الحجة الثبت الفقيه -٧ - تقدم في ٧/ ٧ وفي -١٩/ ٢٠. ٣ - (أبو النضر) سالم بن أبي أمية المدني التيمي مولى عمر بن عُبيد الله التيمي. رَوَى عن أنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى، وعوف بن مالك، والسائب بن يزيد، وسعيد بن المسيب، وغيرهم. وعنه مالك، والسفيانان، وابن جريج، والليث، وآخرون- وثقه أحمد، وابن معين، والعجلي، والنسائي، وأبو حاتم، وقال: حسن الحديث. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة ثبت، توفي سنة ١٢٩ روى له الجماعة. وتقدم في ٩٦/ ١٢١. ٤ - (سليمان بن يسار) أبو أيوب، ويقال: أبو عبد الرحمن، أو أبو عبد الله، مولى ميمونة زوج النبي ﷺ ، المدني أحد الفقهاء السبعة. روى عن زيد بن ثابت، وعائشة، وميمونة، وابن عباس، وأبي

стр. 1757

هريرة، وجابر بن عبد الله، وغيرهم من الصحابة. وعنه عمرو بن دينار، ومكحول، وعمرو بن ميمون، والزهري، ويحيى الأنصاري، ونافع مولى ابن عمر، وآخرون. قال أبو زرعة: ثقة مأمون فاضل، وقال النسائي: هو أحد الأئمة، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة فاضل عابد وقال ابن سعد: كان ثقة عالما رفيعا فقيها كثير الحديث. قيل مات سنة، ١٠٩، عن ٧٤ سنة. روى له الجماعة. ٥ - (المقداد بن الأسود) هو المقداد بن عمرو المتقدم قريبا، وإنما نسب إلى الأسود؛ لأنه تبناه، وذلك أن عمرو بن ثعلبة أصاب دما في قومه، فلحق بحضرموت فحالف بني كندة، فكان يقال له: الكندي، وتزوج هناك امرأة فولدت له المقداد، فلما كبر المقداد وقع بينه وبين أبي شمر بن حجر الكندي نزاع فضرب المقداد، رجله بالسيف، وهرب إلى مكة، فحالف الأسود بن عبد يغوث الزهري، وكتب إلى أبيه، فقدم عليه، فتبنى الأسود المقداد، فصار يقال له: المقداد بن الأسود، واشتهر بذلك، فلما نزلت ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب:٥]، قيل له المقداد بن عمرو. اهـ المنهل ج ٢ ص ٢٦٠. لطائف الإسناد منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات غير عتبة فصدوق، وكلهم مدنيون غير عتبة أيضا فمروزي، كما نسبه المصنف، وأنهم ممن اتفقوا على التخريج لهم غير عتبة، فمن أفراد المصنف، وفيه قوله: "وهو ابن أنس" وتقدمت القاعدة في مثله غير مرة، وفيه سليمان بن يسار أحد الفقهاء السبعة المجموعين في قوله: ألَا إنَّ مَنْ لا يَقْتَدي بأئمَّةِ … فَقسْمَتُهُ ضيزَى عَن الحَقِّ خَارِجَهْ فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ الله عُرْوَة قَاسمٌ … سَعيدٌ أبُو بَكْر سُلَيمَانُ خَارِجَه وفيه رواية تابعي، عن تابعي: أبو النضر، عن سليمان.

стр. 1758

شرح الحديث (عن المقداد بن الأسود) هو ابن عمرو بن ثعلبة ﵁ (أن عليا) ﵁ (أمره) أي طلب منه (أن يسأل رسول الله ﷺ ) إنما أمره بذلك لما يذكره من الاستحياء (عن الرجل إذا دنا من أهله) أي قرب من زوجته لمداعبة، لا لجماع (فخرج منه المذي) لأنه يكون غالبا عند ملاعبة الزوجة وتقبيلها ونحو ذلك من أنواع الاستمتاع، قاله في المنهل (ماذا عليه) أيْ أيّ شيء عليه أغسل، أم وضوء؟ ثم بين سبب الأمر بالسؤال من دون أن يتولى بنفسه فقال (فإن عندي ابْنَتَه) فاطمة الزهراء ﵂ (وأنا أستحي) في النسخة المصرية بياء واحدة، وتقدم أنها لغة تميم، وبها قرأ ابن كثير في رواية قنبل عنه ﴿إن الله لا يستحي﴾ [البقرة: ٢٦] قاله الصنعاني في العدة ج ١ ص ٣٠٨. وفي الهندية بياءين، وهي لغة الحجاز. والحياء بالمد في اللغة: تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به. وقد يطلق على مجرد ترك الشيء بسبب، والترك إنما هو من لوازمه. وقال الراغب: إنه انقباض النفس عن القبيح، وهو من خصائص الإنسان. وقال غيره: هو انقباض النفس خشية ارتكاب ما يكره، أعم من أن يكون شرعيا، أو عرفيا، أو عقليا. وفيه تعاريف أخر. وفي الشرع: خلق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق. اهـ العدة بتصرف ج ١ ص ٣٠٧. وفيه استعمال الأدب ومحاسن العادات في ترك المواجهة بما يُستحى منه عرفا. قاله ابن دقيق العيد (أن أسأله) أي أسأل رسول الله ﷺ عنه، فقال المقداد ﵁ (فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك) أي عن

стр. 1759

حكمه (فقال) ﷺ (إذا وجد أحدكم ذلك) أي المذي (فلينضح) بفتح الضاد وكسرها، يقال: نضحت الثوب من باب ضرب ونفع، وهو البل بالماء. قاله في المصباح. ج ٢ ص ٦٠٩. قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀: يراد به هنا الغسل لأنه المأمور به مبينا في الرواية الأخرى، ولأن غسل النجاسة المغلظة لابد منه، ولا يكفي فيه الرش الذي هو الغسل، والرواية "وانضح" بالحاء المهملة، لا نعرف غيره، ولو روى "انضخ" بالخاء المعجمة لكان أقرب إلى معنى الغسل، فإن النضخ بالمعجمة أكثر من النضح بالمهملة. اهـ إحكام ج ١ ص ٣١١. (فرجه) أي ذكره، لما في الرواية الأخرى "اغسل ذكرك" قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: الفرج هنا هو الذكر والصيغة لها وضعان: لغوي وعرفي، فأما اللغوي: فهو مأخوذ من الانفراج، فعلى هذا يدخل فيه الدبر، ويلزم منه انتقاض الطهارة بمسه، لدخوله تحت قوله "من مس فرجه فليتوضأ". وأما العرفي: فالغالب استعماله في القبل من الرجل والمرأة. والشافعية استدلوا في انتقاض الوضوء بمس الدبر بالحديث، وهو قوله "من مس فرجه" فيحتمل أن يكون ذلك لأنه لم يثبت في ذلك عند المستدل به عرف يخالف الوضع، ويحتمل أن يكون ذلك لأنه ممن يقدم الوضع اللغوي على الاستعمال العرفي. اهـ إحكام ج ١ ص ٣١٦ - ٣١٧ (ويتوضأ وضوءه للصلاة.) لأنه من نواقض الوضوء. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: هو حديث صحيح المسألة الثانية: فيمن أخرجه مع المصنف: أخرجه مالك في الموطأ، وابن ماجه، والترمذي، والطحاوي، والبيهقي، وقال: هكذ ارواه

стр. 1760

أبو النضر عن سليمان، ورواه بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان، عن ابن عباس موصولا، وذكره بسنده إلى ابن عباس قال: قال علي ﵁: أرسلت المقداد بن الأسود إلى رسول الله ﷺ ، فسأله عن المذي يخرج من الإنسان كيف يفعل به؟ فقال ﷺ : "توضأ، وانضح فرجك" رواه مسلم في الصحيح. اهـ قال المنذري قال الإمام الشافعي ﵁: حديث سليمان بن يسار عن المقداد مرسل، لا نعلم سمع منه شيئا. اهـ وقال العيني: قد ذكر صاحب الكمال أن سليمان بن يسار سمع المقداد بن الأسود. اهـ المنهل ج ٢ ص ٢٦١ - ٢٦٢. قال الجامع عفا الله عنه: قد ذكر الحافظ ﵀ في (تت) عن ابن حبان أنه قال: كان مولد سليمان سنة -٢٤ - وأخرج في صحيحه حديثه عن المقداد، وقال: قد سمع سليمان من المقداد، وهو ابن دون عشر سنين اهـ. ج ٤ ص ٢٢٩ المسألة الثالثة: في الأحكام المستنبطة من هذا الحديث: يستفاد منه أنه يطلب من الجاهل بالحكم سؤال العلماء، وأن العالم بالحكم عليه أن يجيب، ومعاملة الأصهار بالحياء فيما يتعلق بأمر مباشرة النساء، وكون المذي نجسا، قال الشوكاني ﵀: اتفق العلماء على نجاسته، ولم يخالف إلا بعض الإمامية محتجين بأن النضح لا يزيله، ولو كان نجسا لو جبت الإزالة، ويلزمهم القول بطهارة العذرة لأن النبي ﷺ أمر بمسح النعل منها بالأرض، والصلاة فيها، والمسح لا يزيلها، وهو باطل بالاتفاق. اهـ. المسألة الرابعة: اختلف العلماء في إزالته من الثوب: فقال الأكثرون: لا يجزئه إلا الغسل، وحملوا النضح في هذه الرواية

стр. 1761

على معنى الغسل، قال النووي ﵀: معنى "انضح فرجك" اغسله، فإن النضح يكون غسلا، ويكون رشًا، وقد جاء في الرواية الأخرى "يغسل ذكره"، فتعين حمل النضح عليه. اهـ. وقال بعضهم يجزئه الرش، وهذا هو الذي رجحه الشوكاني وقال: قد ثبت من رواية الأثرم بلفظ "فترش عليه" وليس المصير إلى الأشد بمتعين، بل ملاحظة التخفيف من مقاصد الشريعة المألوفة، فيكون الرش مجزئا كالغسل اهـ. وقال في المنهل: والحق ما ذهب إليه الجمهور من أن المراد بالنضح الغسل، ولا يكفي فيه الرش الخفيف، وأن معنى الرش في رواية الأثرم صب الماء قليلا قليلا، فهو لا ينافي الغسل، قال في المجمع في الحديث "رش على رجله" أي صب الماء قليلا قليلا تنبيها على الحذر من الإسراف ثم قال: ومنه "كانت الكلاب تقبل، وتدبر في المسجد، فلم يكونوا يرشون شيئا" أي لا ينضحونه بالماء بمعنى أنهم لا يصبون عليه الماء لا قليلا، ولا كثيرا، فلفظ الرش لا يقتضي كونه مجزئا. اهـ. ج ٢ ص ٢٦٦. قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر ما قاله في المنهل؛ لأن رواية "يغسل مذاكيره" مبينة لمعنى النضح والرش، والله أعلم. وعليه التكلان. ١٥٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةَ (١)، قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُنْذِرًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: اسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْمَذْيِ مِنْ أَجْلِ فَاطِمَةَ، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ (٢) فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: "فِيهِ الْوُضُوءُ".

стр. 1762

رجال الإسناد: سبعة ١ - (محمَّد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري ثقة من العاشرة. مات سنة ٢٤٥. وتقدم في ٥/ ٥ وفي ٥٣/ ٦٧. ٢ - (خالد) بن الحارث بن عبيد، الهجيمي أبو عثمان البصري ثقة ثبت من الثامنة مات سنة -١٨٦ - وتقدم في-٥٣/ ٦٧. وفي ٤٢/ ٤٧. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الواسطي البصري الحجة ثقة ثبت -٧ - تقدم في ٨٦/ ١٠٦ أو في ٢٤/ ٢٦. ٤ - (سليمان) بن مهران الأعمش، ثقة حافظ -٥ - تقدم في ١٧/ ١٨. ٥ - (منذر) بن يعلى الثوري -بالمثلثة- أبو يعلى الكوفي، ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من أهل الكوفة، وقال: كان ثقة قليل الحديث. ووثقه ابن معين، والعجلي، وابن خراش، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: روى عن أم سلمة، إن كان سمع منها. أخرج له الجماعة. وفي "ت": ثقة، من السادسة. ٦ - (محمَّد بن علي) بن أبي طالب الهاشمي أبو القاسم ابن الحنفية، المدني، ثقة عالم، من الثانية، مات بعد الثمانين. وفي الخلاصة: أبو محمد الإمام المعروف بابن الحنفية، وهي أمه، خولة بنت جعفر الحنفية، وكانت من سبي اليمامة الذين سباهم أبو بكر. وقيل: كانت أمة لبني حنيفة، ولم تكن من أنفسهم. رَوَى عن أبيه، وعثمان، وغيرهما. وعنه بنوه إبراهيم، وعبد الله، والحسن، وعمرو ابن دينار، وخلق. قال إبراهيم بن الجنيد: لا نعلم أحدا أسند عن علي عن النبي ﷺ أكثر، ولا أصح مما أسند محمَّد بن الحنفية. ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر ﵁، ومات سنة ٨٠ أو ٨١ أو ١١٤ ودفن بالبقيع. روى له الجماعة اهـ بزيادة من الهامش وعمدة القاري. ٧ - (علي) بن أبي طالب ﵁. تقدم في ٧٤/ ٩١.

стр. 1763

لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم ما بين بصريين وهم الثلاثة الأولون، وكوفيين: وهم الباقون إلا ابن الحنفية، فمدني، وفيه رواية تابعي، عن غير تابعي عن تابعي وهم الأعمش، عن منذر، عن محمَّد بن علي، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه ما قيل: لا يُعْلَم أحد أسند عن علي ﵁، عن النبي ﷺ مما أسند ابن الحنفية عنه. شرح الحديث (عن علي) ﵁ أنه (قال: استحييت) تقدم البحث عن الحياء قريبا (أن أسأل النبي ﷺ عن) حكم (المذي) تقدم ضبطه ومعناه قريبا (من أجل فاطمة) بنت رسول الله ﷺ ، وسيدة نساء المؤمنين، لها ثمانية عشر حديثا، اتفقا على حديث. رَوَى عنها علي، وابنها الحسين وعائشة، وأنس، وطائفة. وفضائلها كثيرة. ماتت سنة -١١ - ودفنها علي ليلا، قيل صلى عليها العباس، وقيل: علي، وهو الذي غسلها، مع أسماء بنت عميس، قاله ابن عبد البر. اهـ. "صة" باختصار، وزيادة من الهامش. ج ٣ ص ٣٨٩. أي من أجل كونها زوجتي (فأمرت المقداد بن الأسود) ﵁، أي بسؤال النبي ﷺ ، فسأله (فقال) ﷺ (فيه الوضوء) أي في المذي الوضوء واجب، وهذه العبارة تدل على أن عليا ﵁ سمعه من رسول الله ﷺ ، ولئن قلنا: إنه لم يسمعه، فحكمه حكم مرسل الصحابي، قاله العيني ج ٢ ص ٢١٥ وقد تقدم تمام البحث في هذا قريبا. قال الجامع: مسائل هذا الحديث تقدمت في الأحاديث المتقدمة فلا نطيل الكتاب بتكرارها. والله أعلم. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 1764

١١٣ - بَابُ الوُضُوءِ من الغَائِطِ وَالبَوْلِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على وجوب الوضوء من أجل خروج الغائط، والبول. الغائط: في الأصل المُطمئنّ (١) الواسع من الأرض، والجمع غيطان، وأغواط وغُوط، ثم أطلق الغائط على الخارج المستقذر من الإنسان كراهية لتسميته باسمه الخاص؛ لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في المواضع المطمئنة، فهو من مجاز المجاورة، ثم توسعوا فيه حتى اشتقوا منه وقالوا: تغوط الإنسان، وقال ابن القوطية: غاط في الماء غوطا: دخل فيه، ومنه الغائط. اهـ المصباح ج ٢ ص ٤٥٧ وأما البول: فهو في الأصل مصدر، يقال: بال الإنسان، والدابة يبول بَوْلا، ومَبَالا، فهو بائل، ثم استعمل في العين -أي في الماء الخارج من القبل- وجمع على أبوال. اهـ المصباح ج ١ ص ٦٦. ١٥٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمٍ، أَنَّهُ سَمِعَ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ يُحَدِّثُ قَالَ: أَتَيْتُ رَجُلاً يُدْعَى صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ، فَقَعَدْتُ عَلَى بَابِهِ، فَخَرَجَ فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ قُلْتُ: أَطْلُبُ الْعِلْمَ، قَالَ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ، فَقَالَ: عَنْ أَيِّ شَيْءٍ تَسْأَلُ؟ قُلْتُ: عَنِ الْخُفَّيْنِ،

стр. 1765

قَالَ: كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ أَمَرَنَا أَنْ لَا نَنْزِعَهُ ثَلَاثًا إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ. رجال الإسناد: ستة فتقدم -١ - و -٢ - و-٣ - في السند السابق آخر الباب الماضي. ٤ - (عاصم بن بهدلة)، وهو ابن أبي النجود -بنون وجيم- الأسدي مولاهم الكوفي أبو بكر المقرئ، صدوق له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في الصحيحين مقرون، من السادسة، مات سنة ١٢٨ اهـ "ت" ص ١٥٩. وفي مقدمة الفتح: أبو النجود اسمه بهدلة في قول الجمهور، وقال عمرو بن علي: بهدلة اسم أمه. قال أبو حاتم: محله الصدق وليس محله أن يقال: هو ثقة، ولم يكن بالحافظ، قد تكلم فيه ابن علية. قال العقيلي: لم يكن فيه إلا سوء الحفظ. وقال البزار: لا نعلم أحدا ترك حديثه مع أنه لم يكن بالحافظ. اهـ هدي الساري ص ٥٧٨ - ٥٧٩. وتقدم في ٩٨/ ١٢٦. ٥ - (زر بن حببش) -بكسر أوله وتشديد الراء-، وحبيش -بمهملة وموحدة ومعجمة مصغرا- ابن حباشة -بضم المهملة بعدها موحدة ثم معجمة- الأسدي الكوفي، أبو مريم، ثقة جليل مضرم، مات سنة إحدى أو اثنين، أو ثلاث وثمانين وهو ابن -١٢٧ - سنة. تقدم في ٩٨/ ١٢٦. ٦ - (صفوان بن عسال) (ت س ق) بتشديد المهملة، المرادي الجملي -بفتح الجيم والميم- غزا مع النبي ﷺ ثنتي عشرة غزوة، له عشرون حديثا. وعنه ابن مسعود مع جلالته، وزر بن حبيش اهـ "صة" ج ١ ص ٤٧٠، وفي "ت" صحابي نزل الكوفة اهـ ص ١٥٣. وتقدم في ٩٨/ ١٢٦.

стр. 1766

لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسياته، وأن رواته ثقات، غير عاصم فصدوق، وأنهم ما بين بصريين، وهم الثلاثة الأولون، وكوفييين، وهم الباقون. شرح الحديث (عن عاصم) بن بهدلة المقرئ (أنه سمع زر بن حبيش) أي كلامه (يحدث) جملة حالية من المفعول (قال:) تفسير لقوله: يحدث (أتيت رجلا يدعى) أي يسمى يقال: دعوت الولد زيدا:، وبزيد: إذا سميته بهذا الاسم. قاله في المصباح ج ١ ص ١٩٤ (صفوان بن عسال) تقدم ضبطه (فقعدت على بابه) منتظرًا خروجه؛ لأن من آداب طالب العلم أن لا يزعج شيخه بالنداء، أو بدق الباب بل يصبر حتى يخرج بنفسه؛ لأن العالم وارث للنبي ﷺ ، لحديث أبي الدرداء ﵁ مرفوعا "وأن العلماء ورثة الأنبياء، ورثوا العلم، من أخذه أخذ بحظ وافر" الحديث رواه أبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم مصححا، وحسنه حمزة الكناني، وضعفه غيرهم باضطراب سنده، قال الحافظ: لكن له شواهد يتقوى بها. فللعلماء من التبجيل، والاحترام ما للنبي ﷺ حيث إنهم ورثته، قال الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ الآية [الحجرات: ٤، ٥]. (فخرج) صفوان ﵁ من بيته (فقال: ما شأنك؟) أي ما حالك، استفهام عن جلوسه على الباب، قال زر (قلت: أطلب العلم، قال) صفوان مبشرا له بأنه على خير، وشرف عظيم (ان الملائكة) مشتق من لفظ الألُوك، وقيل: من المَألَك، الواحد مَلَك وأصله مَلأك، ووزنه مَعْفَل، فنقلت حركة الهمزة إلى اللام وسقطت، فوزنه مَعَل، فإن الفاء هي الهمزة وقد سقطت، وقيل:

стр. 1767

مأخوذ من لأك: إذا أرسل، فَمَلأك مفعل، فنقلت الحركة، وسقطت الهمزة وهي عين، فوزنه مَفَل، وقيل غير ذلك. اهـ المصباح ج ١ ص ٨. (تضع أجنحتها) جمع جناح، وهو للطائر بمنزلة اليد من الإنسان. قاله في المصباح. ج ١ ص ١١١ (لطالب العلم رضا) أي لأجل رضاها (بما يطلب) من العلم. قال في النهاية في تفسير هذا الحديث: أي تضعها -يعني الأجنحة لتكون وطاء له إذا مشى، وقيل: هو بمعنى التواضع له، تعظيما بحقه، وقيل: أراد بوضع الأجنحة نزولهم عند مجالس العلم، وترك الطيران، وقيل: أراد إظلالهم بها. اهـ زهر ج ١ ص ١٠٠. وقال السندي ﵀ بعد ذكر هذه الأقوال: ما نصه: وعلى التقادير فالفعل غير مُشَاهَد لكن بإخبار الصادق صار كالمشاهد، ففائدته إظهار تعظيم العلم بواسطة الإخبار، ويحتمل أن الملائكة يتقربون إلى الله تعالى بذلك، ففائدة فعلهم يكون ذلك فائدةَ الإخبار إظهارُ جلالة العلم عند الناس، والله أعلم. (فقال) صفوان بن عسال ﵁ (عن أي شيء تسأل؟) قال زر (قلت: عن الخفين) أي عن حكم المسح عليهما، أو عن مدته (قال) صفوان (كنا) معاشر الصحابة (إذا كنا مع رسول الله ﷺ في سفر أمرنا) أي أمر إباحة (أن لا ننزعه) أي الخف، وإنما أفرد الضمير باعتبار الجنس (ثلاثا) أي ثلاثة أيام، وإنما جرده من التاء، لعدم ذكر المعدود، أو بتقدير التمييز بلفظ ليال، وعند الترمذي "ثلاثة أيام ولياليهن" (إلا من جنابة) استثناء مفرغ، فالجار والمجرور متعلق بننزع، يعني أنه أمرهم أن ينزعوا الخف من أجل الجنابة (ولكن من غائط وبول ونوم) الجار والمجرور متعلق بمقدر يدل عليه ما قبله، أي لا ننزعه من أجل غائط، وبول، ونوم، وتقدم عند المصنف في ٩٨/ ١٢٧ بلفظ "كان رسول الله

стр. 1768

- ﷺ يأمرنا إذا كنا مسافرين أن نمسح على خفافنا، ولا ننزعها ثلاثة أيام، من غائط، وبول، ونوم، إلا من جنابة". وهو واضح. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث صفوان ﵁ هذا حديث حسن كما نقله الترمذي، عن البخاري، وقد صححه الترمذي، والخطابي كما قال الحافظ في التلخيص، قال: ومداره على عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عنه، وذكر ابن منده أبو القاسم أنه رواه عن عاصم أكثر من أربعين نفسا، وتابع عاصما عليه عبد الوهاب بن بخت، وإسماعيل بن أبي خالد، وطلحة بن مصرف، والمنهال بن عمرو، ومحمد بن سوقة، وذكر جماعة معه، قال الحافظ ﵀: ومراده أصل الحديث لأنه في الأصل طويل مشتمل على التوبة، والمرءُ مع من أحب، وغير ذلك، لكن حديث طلحة عند الطبراني بإسناد لا بأس به، وقد روى الطبراني أيضا حديث المسح من طريق عبد الكريم، أبي أمية، عن حبيب بن أبي ثابت، عن زر، وعبد الكريم ضعيف، ورواه البيهقي من طريق أبي رَوْق، عن أبي الغريف، عن صفوان بن عسال، ولفظه: "وليمسح أحدكم إذا كان مسافرا على خفيه إذا أدخلهما طاهرتين ثلاثة أيام ولياليهن، وليمسح المقيم يوما وليلة" ووقع في الدارقطني زيادة في آخر هذا المتن وهو قوله: "أو ريح"، وذكر أن وكيعا تفرد بها، عن مسعر عن عاصم، اهـ تلخيص ج ١ ص ١٥٧ - ١٥٨. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف أخرجه ١١٣/ ١٥٨ عن محمَّد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن شعبة وفي ١١٤/ ١٥٩ عن عمرو بن علي، وإسماعيل بن مسعود، كلاهما عن يزيد بن زريع عن شعبة وفي ٩٨/ ١٢٦ عن أحمد بن سليمان،

стр. 1769

عن يحيى بن آدم، عن سفيان الثوري، ومالك بن مغول، وزهير بن معاوية، وأبي بكر بن عياش، وسفيان بن عيينة وفي ٩٨/ ١٢٧ عن قتيبة، عن سفيان بن عيينة- ستتهم عن عاصم بقصة المسح، وفي الكبرى في التفسير عن محمَّد بن النضر بن مساور، عن حماد، عن عاصم، وليس فيه المسح. أفاده الحافظ المزِّيّ في تحفة الأشراف ج ٤ ص ٢٤٠. المسألة الثالثة: في بيان من أخرجه مع المصنف، من أصحاب الأصول، وغيرهم: أخرجه (ت ق) فأخرجه الترمذي في الدعوات ١٠٣/ أو في ١٠٣/ ٢ وقال حسن صحيح، وفي الزهد ٥٠/ ٣، وفي ٥٠/ ٤ وفي الطهارة ٧١/ ٢ وأخرجه (ق) في الطهارة ٦٢/ ٥، وفي الفتن ٣٢/ ٣. وقد تقدم تحقيق ذلك في الباب [٩٨]، فارجع إليه تزدد علمًا. وأخرجه الشافعي، وأحمد، وابن خزيمة، وابن حبان والدارقطني والبيهقي قاله في التلخيص، وتقدم تحقيق هذا كله في الباب المذكور. المسألة الرابعة: في فوائده: مما يستفاد من هذا الحديث تأدب طالب العلم، واحترامه لشيخه، وقد وردت أحاديث تدل عليه ساق الحافظ المنذري منها ما فيه الكفاية. فمنها حديث جابر ﵁: أن النبي ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد -يعني في القبر-، ثم يقول: "أيهما أكثر أخذا للقرآن؟ " فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد. رواه البخاري. وعن أبي موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن، غير الغالي فيه، ولا الجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط" رواه أبو داود. وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "البَركَة مع أكابركم" رواه الطبراني في الأوسط، والحاكم، وقال: صحيح على

стр. 1770

شرط البخاري، وعن عبد الله بن عمر ﵄ يبلغ به النبي ﷺ قال: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف حق كبيرنا". رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم. وعن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: "ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا". رواه أحمد بإسناد حسن. والطبراني والحاكم إلا أنه قال: "ليس منا". وعن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويجل كبيرنا". رواه الطبراني من رواية ابن شهاب، عن واثلة، ولم يسمع منه. وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا". رواه الترمذي، وأبو داود، إلا أنه قال: "ويعرف حق كبيرنا". وعن عبد الله بن بسر ﵁ قال: لقد سمعت حديثا منذ زمان: "إذا كنت في قوم، عشرين رجلا، أو أكثر، فتصفحت وجوههم، فلم تر فيهم رجلا يهاب في الله، فاعلم أن الأمر قد رَقَّ" رواه أحمد، والطبراني في الكبير، وإسناده حسن. أورد هذه الأحاديث الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب، وهي في ص ٤٤ - ٤٥ من صحيح الترغيب للشيخ الألباني. ومنها أن فيه شرف طالب العلم حيث إن الملائكة تخضع له، وقد وردت في بيان شرفه أحاديث كثيرة: منها ما أخرجه مسلم وغيره في حديث طويل "ومن سلك طريقا، يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة" ومنها حديث صفوان بن عسال ﵁ قال: "أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد متكئ على برد له أحمر فقلت له: يا رسول الله إني جئت أطلب العلم، فقال: "مرحبا بطالب العلم، إن طالب

стр. 1771

العلم تحفه الملائكة بأجنحتها، ثم يركب بعضهم بعضا، حتى يبلغوا السماء الدنيا من محبتهم لما يطلب". رواه أحمد والطبراني بإسناد جيد، واللفظ له، وابن حبان في صحيحه، والحاكم. وقال صحيح الإسناد. اهـ صحيح الترغيب ج ١ ص ٣٢ - ٣٤. ومنها اعتناء المرء بسؤال العلماء عما يهمه من أمر دينه، قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. ومنها مشروعية المسح على الخفين في السفر، وتوقيته بثلاثة أيام، وأنه لا ينزع إلا من جنابة. ومنها كون البول، والغائط، والنوم، من نواقض الوضوء، وهو الذي ترجم له المصنف. ولا خلاف بين أهل العلم في كون البول والغائط ناقضا للضوء، وأما النوم فسيأتي الخلاف فيه إن شاء الله تعالى. المسألة الخامسة في بيان مذاهب العلماء في انتقاض الوضوء مما يخرج من الجسد. قال العلامة ابن رشد رحمه الله تعالى في بداية المجتهد: اختلف علماء الأمصار في انتقاض الوضوء مما يخرج من الجسد من النجس على ثلاث مذاهب: فاعتبر قوم في ذلك الخارج وحده من أي موضع خرج، وعلى أي وجه خرج، وهو أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري، وأحمد، وجماعة، ولهم من الصحابة السلف، فقالوا: كل نجاسة تسيل من الجسد وتخرج منه يجب منها الوضوء كالدم، والرعاف الكثير، والفصد، والحجامة، والقيء، إلا البلغم عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة: إنه إذا ملأ الفم ففيه الوضوء، ولم يعتبر أحد من هؤلاء اليسير من الدم إلا مجاهد. واعتبر آخرون المخرجين الذكر، والدبر، فقالوا: كل ما خرج من هذين السبيلين فهو ناقض للوضوء من أي شيء خرج من دم، أو حصاة

стр. 1772

أو بلغم، وعلى أي وجه خرج، كان خروجه على سبيل الصحة، أو على سبيل المرض، وممن قال بهذا الشافعي، وأصحابه، ومحمد بن عبد الحكم من أصحاب مالك. واعتبر آخرون الخارج، والمخرج، وصفة الخروج، فقالوا: كل ما خرج من السبيلين مما هو معتاد خروجه، وهو البول، والغائط، والمذي، والودي، والريح، إذا كان خروجه على وجه الصحة فهو ينقض الوضوء، فلم يروا في الدم، والحصاة، والدود، وضوءا، ولا في السلس، وممن قال بهذا القول مالك، وجل أصحابه. والسبب في اختلافهم أنه لما أجمع المسلمون على انتقاض الوضوء مما يخرج من السبيلين من غائط، وبول، وريح، ومذي، لظاهر الكتاب، ولتظاهر الآثار بذلك تطرق إلى ذلك ثلاث احتمالات: أحدها: أن يكون الحكم إنما علق بأعيان هذه الأشياء فقط المتفق عليها على ما رآه مالك ﵀. الاحتمال الثاني: أن يكون الحكم إنما علق بهذه من جهة أنها أنجاس خارجة من البدن لكون الوضوء طهارة والطهارة إنما يؤثر فيها النجس. والاحتمال الثالث: أن يكون الحكم أيضا إنما علق بها من جهة أنها خارجة من هذين السبيلين، فيكون على هذين القولين الأخيرين ورود الأمر بالوضوء من تلك الأحداث، المجمع عليها إنما هو من باب الخاص أريد به العام، ويكون عند مالك وأصحابه إنما هو من باب الخاص المحمول على خصوصه، فالشافعي، وأبو حنيفة اتفقا على أن الأمر بها هو من باب الخاص أريد به العام، واختلفا أي عام هو الذي قصد به؟ فمالك يرجح مذهبه بأن الأصل هو أن يحمل الخاص على خصوصه حتى يدل الدليل على غير ذلك، والشافعي محتج بأن المراد به المخرج لا

стр. 1773

الخارج باتفاقهم على إيجاب الوضوء من الريح الذي يخرج من أسفل، وعدم إيجاب الوضوء منه إذا خرح من فوق، وكلاهما ذات واحدة، والفرق بينهما اختلاف المخرجين، فكان تنبيها على أن الحكم للمخرج، وهو ضعيف لأن الريحين مختلفان في الصفة والرائحة. وأبو حنيفة يحتج لأن المقصود بذلك هو الخارج النجس يكون النجاسة مؤثرة في الطهارة، وهذه الطهارة وإن كانت حكمية فإن فيها شبها من الطهارة المعنوية، أعني طهارة النجس، وبحديث ثوبان "أن رسول الله ﷺ قاء فتوضأ" وبما روي عن عمر، وابن عمر ﵄ من إيجابهما الوضوء من الرعاف، وبما رُوي من أمره ﷺ المستحاضة بالوضوء لكل صلاة، فكان المفهوم من هذا كله عند أبي حنيفة الخارج النجس، وإنما اتفق الشافعي، وأبو حنيفة على إيجاب الوضوء من الأحداث المتفق عليها، وإن خرجت على جهة المرض لأمره ﷺ بالوضوء عند كل صلاة المستحاضة، والاستحاضة مرض. وأما مالك فرأى أن المرض له ها هنا تأثير في الرخصة قياسا أيضا على ما روي أيضا من أن المستحاضة لم تؤمر إلا بالغسل فقط، وذلك أن حديث فاطمة بنت أبي حبيش هذا هو متفق على صحته، ويختلف في هذه الزيادة فيه، أعني الأمر بالوضوء لكل صلاة، ولكن صححها أبو عمر بن عبد البر، قياسا على من يغلبه الدم من جرح ولا ينقطع، مثل ما روي أن عمر ﵁ صلى وجرحه يثعب دما. اهـ كلام ابن رشد في بدايته ج ١ ص ٣٤ - ٣٥. وقال العلامة صديق بن حسن القنوجي رحمه الله تعالى في الروضة الندية: قد اختلف أهل العلم في انتقاض الوضوء بخروج الدم، وجميع ما هو نص في النقض أو عدمه لم يبلغ إلى رتبة تصلح للاحتجاج بها، وقد تقرر أن كون الشيء ناقضا للوضوء لا يثبت إلا بدليل يصلح للاحتجاج به، وإلا وجب البقاء على الأصل؛ لأن التعبد بالأحكام

стр. 1774

الشرعية لا يجب إلا بإيجاب الله أو رسوله، وإلا فليس بشرع، ومع هذا فقد كان الصحابة ﵃ يباشرون معاركَ القتال، ومجاولة الأبطال في كثير من الأحوال ما هو من الشهرة بمكان أوضح من الشمس فلو كان خروج الدم ناقضا لما ترك ﷺ بيان ذلك مع شدة الاحتياج إليه وكثرة الحامل عليه، ومثل الدم القيء في عدم ورود دليل على أنه ناقض وغاية ما هناك حديث إسماعيل بن عياش (١) وفيه من المقال ما لا يخفى. اهـ كلام العلامة صديق بن حسن- الروضة الندية ج ١، ص ٤٧. قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله العلامة القنوجي ﵀ في غاية التحقيق، فالراجح عندي قول من قال بعدم نقض الوضوء بالأشياء المذكورة لعدم ورود دليل صحيح صريح ينتهض لذلك. والحديث المذكور ضعيف؛ لأنه من رواية إسماعيل، عن ابن جريج وإسماعيل إذا روى عن غير أهل بلده يضعف. والله أعلم. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 1775

١١٤ - الوُضُوءُ مِنَ الغَائِطِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على وجوب الوضوء من أجل خروج الغائط. وهذا الحكم تقدم في الباب الماضي، إنما أعاده لبيان تعدد سند الحديث، وحقيقةُ الغائط كما قال العلامة ابن قدامة في المغني: المكان المطمئن، سمي الخارج به لمجاورته إياه، فإن المتبرز يتحراه لحاجته، كما سمي عذرة، وهي في الحقيقة فناء الدار؛ لأنه يطرح بالأفنية، فسمي بها للمجاورة، وهذا من الأسماء العرفية التي صار المجاز فيها أشهر من الحقيقة. اهـ مغني. ج ١ ص ١٦٤. ١٥٩ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ قَالَ: قَالَ صَفْوَانُ بْنُ عَسَّالٍ: كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ أَمَرَنَا أَنْ لَا نَنْزِعَهُ ثَلَاثًا إِلاَّ مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ، وَبَوْلٍ، وَنَوْمٍ. وهذا الحديث تقدم في الباب السابق ١١٣/ ١٥٨ سندا ومتنا، إلا ثلاثة:١ - عمرو بن علي فهو الفلاس الصيرفي البصري الثقة الحجة، وقد تقدم في ٤/ ٤، ٢ - وإسماعيل بن مسعود فهو الجحدري البصري يكنى أبا مسعود ثقة ممن انفرد به الصنف [١٠]، وتقدم في ٤٢/ ٤٧، ٣ - ويزيد بن زريع، أبو معاوية البصري، ثقة ثبت، من -٨ - ت سنة ١٨٢، وتقدم في ٥/ ٥ وفي ٧٨/ ١٠٨، وقد تقدم ما يتعلق بالحديث في الباب الماضي، فلا نطيل الكتاب بإعادته. وبالله التوفيق.

стр. 1776

١١٥ - الوُضُوءُ مِنَ الرِّيحِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على وجوب الوضوء من خروج الريح، وهذا الباب في الكبرى رقم [٩٩]. ١٦٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ (ح) وَأَخْبَرَنِا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ -يَعْنِي ابْنَ الْمُسَيَّبِ- وَعَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ -وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ-، قَالَ: شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الرَّجُلُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ: "لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَجِدَ رِيحًا أَوْ يَسْمَعَ صَوْتًا". رجال الإسناد: سبعة ١ - (قتيية) بن سعيد البغلاني ثقة ثبت -١٠ - تقدم في ١/ ١. ٢ - (سفيان) بن عيينة الثقة الحجة -٨ - تقدم في ١/ ١. ٣ - (الزهري) محمَّد بن مسلم الإمام العلم الحجة الفقيه الثبت -٤ - تقدم في ١/ ١. ٤ - (محمَّد بن منصور) بن ثابت الخزاعي الجوّاز المكي، ثقة، من -١٠ - تقدم في ٢٠/ ٢١. ٥ - (سعيد بن المسيب) بن حزن الإمام الحجة الثبت أحد الفقهاء السبعة المدني -٣ - تقدم في ٩/ ٩. ٦ - (عباد بن تميم) بن غَزيَّة الأنصاري المازني المدني، ثقة، من الثالثة

стр. 1777

الثالثة، وقد قيل إن له رؤية، وفي ابن ماجه من طريق عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن عباد بن تميم، عن أبيه، عن عمه في الاستسقاء، والصواب: سمعت عباد بن تميم يحدث أبي عن عمه، واسم عمه عبد الله بن زيد بن عاصم، وهو أخو أبيه (١) لأمه. اهـ "ت" ص ١٦٢ - ١٦٣. وقال البدر العيني ﵀: عباد -بفتح العين المهملة وتشديد الباء الموحدة- بن تميم بن زيد بن عاصم الأنصاري المدني، وقال: أعي يوم الخندق، وأنا ابن خمس سنين، فينبغي إذا أن يعد في الصحابة، وقال ابن الأثير وغيره: إنه تابعي، لاصحابي، وهذا هو المشهور، وليس في الصحابة من يسمى عباد بن تميم سواه على قول من يعده صحابيًا، وممن عده من الصحابة الذهبي. اهـ عمدة ج ٢ ص ٣٥١. وتقدم في ٥٩/ ٧٤. ٧ - (عبد الله بن زيد) بن عاصم الأنصاري المازني المدني، له ولأبويه صحبة، ولأخيه حبيب بن زيد الذي قطعه مسيلمة عضوا عضوا فقضي أن عبد الله هو الذي شارك وحشيا في قتل مسيلمة، وهو راوي هذا لحديث، وحديث صلاة الاستسقاء، وغيرهما من الأحاديث، وقد وهم فيه سفيان بن عيينة، وقد تقدم البحث عنه في ٨٠/ ٩٧. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسياته، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الستة، إلا محمد بن منصور فهو ممن انفرد به المصنف، وأنهم مدنيون إلا قتيبة فبغلاني، وسفيان، ومحمد بن منصور فمكيان، وفيه رواية صحابي عن صحابي في قول من عد عبادا صحابيا، ورواية تابعي عن تابعيين، الزهريُّ، عن سعيد، وعباد في القول الآخر. وفيه كتابة (ح)

стр. 1778

وهي للتحويل وقد تقدم البحث عنها مستوفى في ٥٧/ ٧١ وفيه أن سعيد أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد تقدم البحث عنهم في ١/ ١ وفيه قوله: يعني ابن المسيب، وذلك حيث لم ينسبه له شيخه وكذا قوله وهو عبد الله بن زيد، وقد تقدم تمام البحث فيه في ٤/ ٤. شرح الحديث قال الزهري رحمه الله تعالى (أخبرني سعيد- يعني) أي يقصد الزهري بقوله سعيد وزيادة يعني من المصنف، أو ممن فوقه (ابن المسيب) بفتح الياء وكسرها وهو أولى، وإن كان الأول أشهر لأنه كان يكره الفتح وغيره بالفتح فقط، قال السيوطي في ألفيته: كُلُّ مَسَيَّب فَبالفَتْح سوَى … أبي سَعْيد فَلوَجْهَيْن حَوَى (وعباد بن تميم) عطف على سعيد، فالزهري يروي هذا الحديث عن شيخيه سعيد، وعباد، وكلاهما يرويانه عن عم عباد المذكور، هكذا أفاده العيني. وقال الحافظ: ما نصه: ثم إن شيخ سعيد فيه يحتمل أن يكون عم عباد، كأنه قال: كلاهما عن عمه، أي عم الثاني، وهو عباد، ويحتمل أن يكون محذوفا، ويكون من مراسيل ابن المسيب، وعلى الأول جرى صاحب الأطراف، ويؤيد الثاني رواية معمر لهذا الحديث عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي سعيد الخدري، أخرجه ابن ماجه، ورواته ثقات، لكن سئل أحمد عنه، فقال: إنه منكر. اهـ فتح ج ٢ ص ٩. (تنبيه) وقع في رواية كريمة لصحيح البخاري عن سعيد، عن عباد، بدون واو العطف، وهو غلط؛ لأن سعيدا لا رواية له عن عباد أصلا. أفاده الحافظ ﵀ فتح ج ٢ ص ٩. (عن عمه) أي عم عباد (وهو عبد الله بن زيد) بن عاصم الأنصاري ﵁. أنه (قال: شُكيَ إلى النبي ﷺ ) من شكوت فلانا أشكوه

стр. 1779

شكْوًا، وشكَاية، وشَكَاةً: إذا أخبرتَ عنه بسوء فعله، فهو مَشكُوّ وشَكيّ، والاسم الشكوى، والياء منقلبة عن الواو، وأصله شُكُو بدليل يشكو الشكوى، ويجوز أن تكون أصلية غير منقلبة في لغة من قال: شكى يَشكي. قاله العيني. عمدة ج ٢ ص٢٥١. ثم إن "شكى" في رواية المصنف بالبناء للمفعول، وهو الذي في مسلم، والنائب عن الفاعل، قوله (الرجل) ورواية البخاري: شكا بالبناء للفاعل، قال الحافظ كذا في روايتنا شكا بالألف، ومقتضاه أن الراوي هو الشاكي، وصرح بذلك ابن خزيمة عن عبد الجبار بن العلاء، عن سفيان، ولفظه عن عمه عبد الله بن زيد قال: سألت رسول الله ﷺ عن الرجل … اهـ فتح ج ٢ ص ٩ (الرجل) بالرفع على أنه نائب الفاعل. وجملة (يجد الشيء) استئناف، أو صفة للرجل على أن تعريفه للجنس، وجعله حالا بعيد معنى، ويحتمل أن يقال: نائب الفاعل الجارّ والمجرور، والرجل مبتدأ، والجملة خبره، والجملة استئناف، بيان للشكاية، كأنه قيل: ماذا قيل في الشكاية، فأجيب، قيل: الرجل يجد الخ، وأما جعل "شكى" مبنيا للفاعل "والرجل" فاعله في رواية المصنف فبعيد، فإن اللائق حينئذ أن يكتب شكا بالألف، وأن يكون قوله: "لا ينصرف" بالخطاب لا الغيبة. قاله العلامة السندي ﵀ ج ١ ص ٩٩. ومعنى قوله يجد الشيء أي الحدث خارجا منه، وصرح به الإسماعيلي ولفظه "يُخَيَّل إليه في صلاته أنه يخرج منه شيء" وفيه العدول عن ذكر الشيء المستقذر بخاص اسمه إلا للضرورة. قاله في الفتح ج ٢ ص ٩ (يجد الشيء في الصلاة) أي يحس حال التلبس بها بالحدث، وكنى عنه بالشيء تأدبا لاستهجان التصريح به. قاله في المنهل ج ٢ ص ١٧٦. وقال الحافظ: تمسك بعض المالكية بظاهره فخصوا الحكم بمن كان داخل

стр. 1780

الصلاة، وأوجبوا الوضوء على من كان خارجها، وفرقوا بالنهي عن إبطال العبادة، والنهي عن إبطال العبادة متوقف على صحتها، فلا معنى للتفريق بذلك؛ لأن هذا التخيل إن كان ناقضا خارج الصلاة، فينبغي أن يكون كذلك فيها كبقية النواقض. اهـ فتح ج ١ ص ٩ - ١٠. (قال) النبي ﷺ جوابا عن هذا السؤال (لا ينصرف) بالجزم على النهي، ويجوز الرفع على أن "لا" نافية. وفي رواية البخاري "لا ينفتل" أو"لا ينصرف" بالشك، قال الحافظ: هو شك من الراوي، وكأنه من علي -يعني المديني شيخ البخاري؛ لأن الرواة غيره رووه عن سفيان بلفظ "لا ينصرف" من غير شك. اهـ فتح ج ٢ ص ١٠. قال الجامع: والنفي في الرفع بمعني النهي، بل هو أبلغ. (حتى يجد ريحا) خارجا من دبره، وعبر بالوجدان، دون الشم، ليشمل ما لو لمس المحل، ثم شم يده. قاله الحافظ. (أو يسمع صوتا) أي من مخرجه. وأو للتنويع لا للشك. ثم إن الغاية تدل على أنه إذا وجد ريحا أو سمع صوتا ينصرف لأجل الوضوء، وهو المطلوب، والمقصود بقوله: حتي يجد ريحا الخ، أي حتى يتيقن بطريق الكناية أعم من أن يكون بسماع صوت، أو وجدان ريح، أو يكون بشيءآخر، وغلبة الظن عند بعض العلماء في حكم المتيقن، فبقي أن الشك لا عبرة به، بل يحكم بالأصل المتيقن، وإن طرأ الشك في زواله. قاله السندي. ج ١ ص ٩٩. وقال الحافظ ﵀: دل حديث الباب على صحة الصلاة ما لم يتيقن الحدث، وليس المراد تخصيص هذين الأمرين باليقين؛ لأن المعنى إذا كان أوسع اللفظ كان الحكم للمعنى، قاله الخطابي. اهـ فتح ج ٢ ص ١٠ وكتب العلامة بدر الدين العيني ﵀ عند قوله: "أو يجد

стр. 1781

ريحا" ما نصه: وكلمة "أو" للتنويع، قال الإسماعيلي هذا من رسول الله ﷺ فيمن شك في خروج ريح منه لا نفي الوضوء إلا من سماع صوت أو وجدان ريح. وفي صحيح ابن خزيمة، وابن حبان، ومستدرك الحاكم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا جاء أحدَكم الشيطانُ، فقال: إنك أحدثت، فليقل كذبت، إلا ما وجد ريحا بأنفه، أو سمع صوتا بأذنه"، وفي مسند أحمد من حديث أبي سعيد أيضا "إن الشيطان ليأتي أحدكم، وهو في صلاته، فيأخذ شعرة من دبره، فيمدها فيرى أنه أحدث، فلا ينصرف حتى يسمع صوتا" وفي إسناده علي بن زيد بن جُدعان، وقال ابن خزيمة: قوله "فليقل: كذبت" أراد فليقل كذبت بضميره، لا ينطق بلسانه، إذ المصلي غير جائز له أن يقول: كذبت نطقا، قال العيني: ويؤيد ما قاله ما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي سعيد أيضا مرفوعا "إذا جاء أحدكم الشيطان فقال: إنك قد أحدثت فليقل في نفسه كذبت" وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة يرفعه "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا، فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد" وفي رواية الترمذي "فوجد ريحا بين ألْيَتَيْه" وفي علل ابن أبي حاتم "فوجد ريحا من نفسه" وفي كتاب الطهور لأبي عبيد القاسم بن سلام "يجد الشيء في مقعدته، قال: لا يتوضأ إلا أن يجد ريحا يعرفها، أو صوتا يسمعه" وروى ابن ماجه بسند فيه ضعف (١) عن محمَّد بن عمرو بن عطاء، قال: رأيت السائب بن يزيد يشم ثوبه، فقلت: ممّ ذلك؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا وضوء إلا من ريح، أو سماع" وروى أبو داود من حديث علي بن طلق يرفعه "إذا فسا أحدكم فليتوضأ" قال مُهَنّا: قال أبو عبد الله: عاصم الأحول يخطئ في هذا الحديث يقول:

стр. 1782

علي بن طلق، وإنما هو طلق بن علي، وأبَى ذلك البخاري، فقال: فيما ذكره أبو عيسى عنه في العلل وذكر حديث علي بن طلق هذا بلفظ: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: إنا نكون بالبادية، فيكون من أحدنا الريحة، فقال: "إن الله لا يستحيى من الحق، إذا فسا أحدكم فليتوضأ" "فقال: لا أعرف لعلي بن طلق عن النبي ﷺ غير هذا الحديث، وهو عندي غير طلق بن علي، ولا يعرف هذا من حديث طلق بن علي، ولما ذكره الترمذي في الجامع من حديث علي بن طلق حسنه، وذكره ابن حبان في صحيحه بلفظ "إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف، ثم ليتوضأ، وليعد صلاته" ثم قال: لم يقل أحد: "وليعد صلاته" إلا جرير ابن عبد الحميد، وقال أبو عبيد في كتاب الطهور إنما هو عندنا علي بن طلق؛ لأنه حديثه المعروف وكان رجلا من بني حنيفة، وأحسبه والد طلق بن علي الذي سأل عن مس الذكر، وممن ذكره في مسند علي بن طلق أحمد بن منيع، والنسائي، والكجي في سننيهما، وأبو الحسين بن قانع في آخرين. ثم اعلم أن حقيقة المعنى في قوله "حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا" حتى يعلم وجود أحدهما، ولا يشترط السماع، والشم بالإجماع، فإن الأصم لا يسمع صوتا، والأخشم الذي راحت حاسة شمه لا يشم أصلا، وقال الخطابي: لم يرد بذكر هذين النوعين من الحدث تخصيصهما وقصر الحكم عليهما حتى لا يحدث بغيرهما، وإنما هو جواب خرج على حرف المسألة التى سأل عنها السائل، وقد دخل في معناه كل ما يخرج من السبيلين، وقد يخرج منه الريح، ولا يسمع لها صوتا ولا يجد لها ريحا فيكون عليه استئناف الوضوء إذا تيقن ذلك، وقد يكون بأذنه وقر، فلا يسمع الصوت، أو يكون أخشم فلا يجد الريح، والمعنى إذا كان أوسع من الاسم كان الحكم للمعنى، وهذا كما روي أنه ﷺ قال: "إذا

стр. 1783

استهل الصبي ورث، وصلي عليه" لم يرد تخصيص الاستهلال الذي هو الصوت دون غيره من أمارات الحيات من حركة وقبض وبسط ونحوها. اهـ عمدة القاري ج ٢ ص ٢٥٢ - ٢٥٣. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد الله بن زيد ﵁ حديث متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكره عند المصنف: أخرجه ﵀ هنا [١١٥/ ١٦٠] في المجتبى، وفي [٩٩/ ١٨٢] من الكبرى. عن قتيبة، ومحمد بن منصور، كلاهما عن سفيان، عن الزهري، عن ابن المسيب، وعباد بن تميم كلاهما عن عبد الله بن زيد، ﵁، عن النبي ﷺ . المسألة الثالثة فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم: أخرجه (خ م د ق) فأخرجه (خ) في الطهارة -٤ - عن علي بن عبد الله وفي -٣٥/ ٢ - عن أبي الوليد، وفي البيوع -٥/ ١ - عن أبي نعيم. وأخرجه (م) في الطهارة [٦٠/ ١] عن أبي بكر بن أبي شيبة، وزهير ابن حرب، وعمرو الناقد. وأخرجه (د) في الطهارة -٦٨/ ١ - عن قتيبة ومحمد بن أحمد بن أبي خلف. وأخرجه (ق) في الطهارة -٧٤ - عن محمد بن الصباح كلهم عن سفيان، عن الزهري، عن سعيد وعباد بن تميم، كلاهما عن عمه عبد الله بن زيد به. أفاده الحافظ المزي في تحفته ج ٤ ص ٣٣٦ لكن اعترض عليه الحافظ بأن رواية أبي الوليد عند البخاري في باب "من لم ير الوضوء إلا من المخرجين" -٣٥/ ٢ - إنما هي عن عباد ابن تميم فقط ليس فيها ذكر لسعيد، وكذا رواية أبي نعيم عنده في باب "من لم ير الوساوس" ونحوها من المشبهات في أوائل البيوع -٥/ ١ - عن عباد بن تميم فقط. اهـ نكت ج ٤ ص ٣٣٦.

стр. 1784

وأخرجه أبو عوانة في صحيحه -١/ ٢٣٨ - ، والشافعي -١/ ٩٩ - ، والبيهقي -١/ ١٤ - ، وأحمد -٤/ ٤٠ - . أفاده العلامة الألباني في إرواء الغليل ج ١ ص ١٤٤. المسألة الرابعة: في الفوائد المستنبطة من هذا الحديث: الأول: أن هذا الحديث أصل من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعد الفقه، وهي أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارئ، سواء حصل الشك في الصلاة أو خارجها، وهذا بالإجماع بين الفقهاء، إلا عن مالك روايتان إحداهما أنه يلزمه الوضوء إن كان شكه خارج الصلاة، ولا يلزمه إن كان في الصلاة والأخرى يلزمه بكل حال، وحكيت الأولى عن الحسن البصري، وهو وجه شاذ عند الشافعية ذكره الرافعي، والنووي في الروضة، وحكيت الثانية أيضا وجها للشافعية، وهو غريب، وعن مالك رواية ثالثة رواها ابن قانع عنه أنه لا وضوء عليه كما قال الجمهور، وحكاها ابن بطال عنه، ونقل القاضي، ثم القرطبي عن ابن حبيب المالكي أن هذا الشك في الريح دون غيره من الأحداث، وكأنه تبع ظاهر الحديث، واعتذر عنه بعض المالكية بأن الريح لا يتعلق بالمحل منه شيء بخلاف البول، والغائط، وعن بعض أصحاب مالك أنه إن كان في سبب حاضر كما في الحديث طرح الشك، وإن كان في سبب متقدم فلا، وأما إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة فإنه يلزمه الوضوء بالإجماع. وعلى هذا الأصل من شك في طلاق زوجته، أو عتق عبده، أو نجاسة الماء الطاهر أو طهارة النجس، أو نجاسة الثوب، أو غيره، أو أنه صلى ثلاثا أو أربعا، أو أنه ركع أو سجد أم لا؟، أو نوى الصوم، أو الصلاة، أو الاعتكاف، وهو في أثناء هذه العبادات، وما أشبه هذه

стр. 1785

الأمثلة، فكل هذه الشكوك لا تأثير لها، والأصل عدم الحادث. وقالت الشافعية: تُستثنَى من هذه القاعدة بضع عشرة مسألة: منها من شك في خروج وقت الجمعة قبل الشروع فيها، قيل: أو فيها، ومن شك في ترك بعض الوضوء، أوصلاة بعد الفراغ لا أثر له على الأصح. الثاني من الأحكام: ما قالته الشافعية أنه لا فرق في الشك بين تساوي الاحتمالين في وجوب الحدث وعدمه، وبين ترجيح أحدهما وغلبة الظن في أنه لا وضوء عليه، فالشك عندهم خلاف اليقين، وإن كان خلاف الاصطلاح الأصولي، وقولهم موافق لقول أهل اللغة: الشك خلاف اليقين، نعم يستحب الوضوء احتياطا فلو بان حدثه أوَّلًا فوجهان أصحهما لا يجزيه هذا الوضوء لتردده في نيته بخلاف ما إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة، فتوضأ، ثم بان محدثا، فإنه يجزئه قطعا؛ لأن الأصل بقاء الحدث فلا يضر التردد معه، ولو تيقن الطهارة والحدث معا وشك في السابق منهما فَأوْجُهٌ: أصحها أنه يأخذ بضدّ ما قبلهما إن عرفه، فإن لم يعرفه لزمه الوضوء مطلقا. الثالث من الأحكام: قول الخطابي: فيه حجة لمن أوجب الحد على من وُجدَ منه رائحة المسكر، وإن لم يشاهد شربه، ولا شهد عليه الشهود ولا اعترف به، لكن فيه نظر لأن الحدود تدرأ بالشبهة، والشبهة هنا قائمة. الرابع: فيه مشروعية سؤال العلماء عما يحدث من الوقائع، وجواب السائل. الخامس: فيه ترك الاستحياء في العلم وأنه ﷺ كان يعلمهم كل شيء، وأنه يصلي بوضوء واحد صلوات ما لم يحدث. السادس: فيه قبول خبر الواحد. السابع: فيه أن من كان على حال لا ينتقل عنه إلا بوجود خلافه.

стр. 1786

الثامن: فيه أنهم كانوا يَشْكُون إلى النبي ﷺ جميع ما ينزل بهم. التاسع: استدل به بعضهم على أن رؤية المتيمم الماء في صلاته لا ينقض طهارته. قال البدر العيني: لا يصح الاستدلال به لأنه ليس من باب ما ذكرناه من أن المعنى إذا كان أوسع من الاسم كان الحكم للمعنى لأنه هو فيما يقع تحت الجنس الواحد، ولا شك أن المقصود به جنس الخارجات من البدن، فالتعدي إلى غير الجنس المقصود به اغتصاب للأحكام، ذكر هذه الفوائد العيني في عمدة القاري ج ٢ ص ٢٥٢ - ٢٥٤ ونقلته عنه باختصار. المسألة الخامسة قد ذكر العلامة ابن دقيق العيد في هذه المسألة تحقيقا حسنا أحببت إيراده، وإن كان جُلّه مفهوما مما مر، غير أن فيه زيادة إيضاح، وتفصيل لمآخذ العلماء في إعْمال الأصل وطرح الشك. قال رحمه الله تعالى: الحديث أصل في إعمال الأصل وطرح الشك، وكان العلماء متفقون على هذه القاعدة، لكنهم يختلفون في كيفية استعمالها. مثاله: هذه المسألة التي دل عليها الحديث، وهي مَن شك في الحدث بعد سبق الطهارة، فالشافعي أعمل الأصل السابق، وهي الطهارة، وطرح الشك الطارئ، وأجاز الصلاة في هذه الحالة. ومالك منع من الصلاة مع الشك في بقاء الطهارة، وكأنه أعمل الأصل الأول، وهو ترتب الصلاة في الذمة، ورأى أن لا تزال إلا بطهارة متيقنة، وهذا الحديث ظاهر في إعمال الطهارة الأولى، واطراح الشك. والقائلون بهذا اختلفوا: فالشافعي اطرح الشك مطلقا، وبعض المالكية اطرحه بشرط أن يكون في الصلاة وهذا له وجه حسن، فإن القاعدة: أن مورد النص إذا وجد فيه معنى يمكن أن يكون معتبرا في الحكم فالأصل يقتضي اعتباره وعدم اطراحه، وهذا الحديث يدل على اطراح الشك إذا وجد

стр. 1787

في الصلاة، وكونه موجودا في الصلاة معنىً يمكن أن يكون معتبرا، فإن الدخول في الصلاة مانع من إبطالها على ما اقتضاه استدلالهم في مثل هذا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] فصارت صحة الصلاة أصلا سابقا على حالة الشك، مانعا من الإبطال، ولا يلزم من إلغاء الشك مع وجود المانع من اعتباره إلغاؤه مع عدم المانع، وصحة العمل ظاهرًا معنىً ينايسب عدم الالتفات إلى الشك يمكن اعتباره، فلا ينبغي الغاؤه. ومن أصحاب مالك مَنْ قَيَّد هذا الحكم -أعني اطراح هذا الشك- بقيد آخر، وهو أن يكون الشك في سبب حاضر كما جاء في الحديث حتى لو شك في تقدم الحدث على وقته الحاضر لم تبح له الصلاة ومأخذ هذا ما ذكرناه من أن مورد النص ينبغي اعتبار أوصافه التي ينبغي اعتبارها، ومورد النص اشتمل على هذا الوصف، وهو كونه شك في سبب حاضر فلا يلحق به ما ليس في معناه من الشك في سبب متقدم إلا أن هذا القول أضعف قليلًا من الأول؛ لأن صحة العمل ظاهرا، وانعقاد الصلاة سبب مانع مناسب لاطراح الشك، وأما كون السبب ناجزا فإما غير مناسب، أو مناسب مناسبة ضعيفة، والذي يمكن أن يقرر به قول هذا القائل أن يرى أن الأصل الأول -وهو ترتب الصلاة في ذمته- معمول به، فلا يخرج عنه إلا بما ورد فيه النص، وما بقي يعمل فيه بالأصل، ولا يحتاج في المحل الذي خرج عن الأصل بالنص إلى مناسبة كما في صور كثيرة عمل فيها العلماء هذا العمل -أعني أنهم اقتصروا على مورد النص إذا خَرَجَ عن الأصل أو القياس من غير اعتبار مناسبة، وسببه أن إعمال النص في مورده لابد منه، والعمل بالأصل- أو بالقياس المطرد- مسترسل، لا يخرج عنه إلا بقدر الضرورة، ولا ضرورة فيما زاد على مورد النص، ولا سبيل إلى إبطال النص في مورده، سواء كان مناسبا، أو لا، وهذا يحتاج معه إلى إلغاء وصف كونه في صلاة.

стр. 1788

ويمكن هذا القائل منع ذلك بوجهين: أحدهما: أن يكون هذا القائل نظر إلى ما في بعض الروايات، وهو أن يكون الشك لمن هو في المسجد، وكونه في المسجد أعم من كونه في الصلاة، فيؤخذ من هذا إلغاء ذلك القيد الذي اعتبره القائل الآخر، وهو كونه في الصلاة، ويبقى كونه شاكا في سبب ناجز، إلا أن القائل الأول له أن يحمل كونه في المسجد على كلونه في الصلاة، فإن الحضور في المسجد يراد للصلاة، فقد يلازمها فيعبر به عنها وهذا -وإن كان مجازا- إلا أنه يقوى إذا اعتبر الحديث الأول، وكان حديثا واحدا مخرجه من جهة واحدة، فحينئذ يكون ذلك الاختلاف اختلافا في عبارة الراوي بتفسير أحد اللفظين بالآخر ويرجع إلى أن المراد كونه في الصلاة. الثاني: -وهو أقوى من الأول- ما ورد في الحديث "إن الشيطان ينفخ بين أليتي الرجل"، وهذا المعنى يقتضي مناسبة السبب الحاضر لإلغاء الشك. قال: وإنما أوردنا هذه المباحث ليتلمح الناظر مآخذ العلماء في أقوالهم فيرى ما ينبغي ترجيحه فيرجحه، وما ينبغي إلغاؤه فيلغيه والشافعي ﵀ ألغى القيدين معا -أعني كونه في الصلاة، وكونه في سبب ناجز- واعتبر أصل الطهارة اهـ إحكام الأحكام ج ١ ص ٣١٨ - ٣٢٦. قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن في المسألة أربعة أقوال: عدم العمل بالشك مطلقا، العمل به مطلقا، عدم العمل إن عرض في الصلاة، والعمل به إن عرض خارجها، عدم العمل به إن كان في سبب حاضر، والعمل به إن كان شكا في سبب غير حاضر. ولا يخفى أن الراجح هو عدم العمل بالشك مطلقا كما هو مذهب الشافعي، والجمهور، لوضوح دليله. والله أعلم.

стр. 1789

١١٦ - الوُضُوء مِنَ النَّوْمِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على وجوب الوضوء من النوم. والنوم: غَشْية ثقيله تَهجُم على القلب، فتقطعه عن المعرفة بالأشياء، ولهذا قيل: هو آفة؛ لأن النوم أخو الموت، وقيل: النوم مزيل للقوة والعقل، وأما السِّنة ففي الرأس، والنعاس في العين، وقيل: السنة ريح النوم تبدو في الوجه ثم تنبعث إلى القلب فينعُسُ الإنسان فينام. قاله في المصباح، ج ٣ ص ٦٣١. ١٦١ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَحُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلَا يُدْخِلْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يُفْرِغَ عَلَيْهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ". رجال الإسناد: سبعة ١ - (إسماعيل بن مسعود) الجحدري البصري أبو مسعود ثقة من العاشرة، من أفراد المصنف مات سنة ٢٤٨، وتقدم في ٤٢/ ٤٧. ٢ - (حميد بن مسعدة) السامي الباهلي البصري صدوق من العاشرة مات سنة ٢٤٤ وتقدم في ٥/ ٥، وفي ٨٧/ ١٠٨. ٣ - (يزيد بن زريع) أبو معاوية البصري ثقة ثبت من الثامنة مات سنة ٨٢ أو تقدم في ٥/ ٥، وفي ٨٧/ ١٠٨.

стр. 1790

٤ - (معمر) بن راشد أبو عروة البصري نزيل اليمن ثقة ثبت -٧ - ، وتقدم في ١٠/ ١٠. ٥ - (الزهري) محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله، أبو بكر المدني الحجة المثبت -٤ - تقدم في١/ ١. ٦ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، والصحيح أن اسمه كنيته، ثقة -٣ - وتقدم في ١/ ١. ٧ - (أبو هريرة) عبد الله بن عمرو على الصحيح، أو عبد الرحمن ابن صخر على المشهور الدوسي الصحابي الجليل نقيب أهل الصفة رضي الله، عنه، تقدم في ١/ ١. لطائف الإسناد منها أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات إلا حميدا، فصدوق، وأنهم ما بين بصريين، وهم من قبل الزهري، ومعمر وإن كان يمانيا إلا أن أصله من البصرة، ومدنيين، وهم الباقون، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة المعروفين بالمدينة، وأنه ليس له اسم غير الكنية، وفيه أبو هريرة أحد المكثرين السبعة، روى -٥٣٧٤ - . شرح الحديث (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله قال: إذا استيقظ) أي انتبه، وليست السين والتاء للطلب، بل هو لازم بمعنى التيقظ. (أحدكم) ليس الرجال مخصوصا بهذا الحكم، بل النساء كذلك، فإنهن شقائق الرجال (من منامه) أي نومه، فالمنام مصدر ميمي لنام، وجواب "إذا" قوله (فلا يدخل) وفي الرواية المتقدمة في ١/ ١ "فلا يغمس" قال في الفتح ج ١ ص ٣١٧: رواية الغمس أبين في المراد من رواية الإدخال؛ لأن
следующие страницы →