بأسرار، لم يُطلعها غيره، وغير أهل بيته، فلا أقوى لدحض آرائهم الباطلة، وضلالاتهم الكاسدة منْ إبطاله هو، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]. (ومنها): أن منْ واجب المسلمين التعاون، والتعاضد، وكونهم يدًا واحدةً عَلَى أعدائهم. (ومنها): أن ذمّة المسلمين واحدة، يستحقّها الأدنى، كما يستحقّها الأعلى، فأي مسلم سعى فِي أمان كافر نفذ أمانه، وحرم نقضه، وسيأتي تفاصيل أقوال العلماء فِي ذلك قريبًا، إن شاء الله تعالى. (ومنها): عدم ثبوت القصاص بين المسلم والكافر، ولا بين المعاهد والحربيّ، وفيه خلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه قريبًا أيضًا، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أن منْ أجرم، فجرمه عَلَى نفسه، ولا يتعداه، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]. (ومنها): تحريم إيواء المجرم، وأن منْ آواه، فعليه لعنة الله تعالى، والملائكة، والناس أجمعين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي ثبوت القصاص بين الحرّ والعبد:
ذهبت طائفة إلى أن الحر يُقتل بالعبد، رُوي ذلك عن سعيد بن المسيّب، والنخعيّ، وقتادة، والثوريّ، أصحاب الرأي، وهو مذهب المصنّف رحمه الله تعالى، كما هو ظاهر ترجمته؛ لعموم الآيات، والأخبار، ولقوله ﷺ فِي حديث الباب: "والمؤمنون تتكافؤ دماؤهم"، ولأنه آدميّ معصوم، فأشبه الحرّ.
وذهبت طائفة إلى أنه لا يقتل حرّ بعبد، وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعليّ، وزيد، وابن الزبير ﵃، وبه قَالَ الحسن، وعطاء، وعمر بن بن عبد العزيز، وعكرمة، وعمرو بن دينار، ومالكٌ، والشافعيّ، وإسحاق، وأحمد، وأبو ثور، وروي عن الشعبيّ؛ لما رواه أحمد فِي "مسنده" عن عليّ ﵁ أنه قَالَ: "منْ السنّة أن لا يُقتل حرّ بعبد". وعن ابن عبّاس ﵄ أن النبيّ ﷺ قَالَ: "لا يقتل حرّ بعبد". رواه الدارقطنيّ. ولأنه لا يُقطع طرَفه بطرَفه مع التساوي فِي السلامة، فلا يُقتل به، كالأب مع ابنه، ولأن العبد منقوص بالرقّ، فلم يُقتل به الحرّ، كالمكاتب إذا ملك ما يؤدّي، والعمومات مخصوصات بهذا، فنقيس عليه. أفاده فِي "المغني" ١١/ ٤٧٣.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الأولون منْ ثبوت القصاص بين الحرّ والعبد هو الأرجح عندي؛ لقوة دليله، وأما ما احتجّ به هؤلاء، فلا يصلح للاحتجاج به؛ لضعفه، فإن حديث ابن عبّاس ﵄ فِي إسناده جويبر بن سعيد أحد المتروكين، والراوي عنه عثمان البرّيّ ضعيف معتزليّ، أحاديثه مناكير، وحديث عليّ ﵁ فِي إسناده جابر الجعفيّ ضعيف جدًّا. فثبت بهذا أن حججهم غير مقبولة. فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 17257
(المسألة الخامسة): فِي اختلاف أهل العلم فِي أمان العبد، والمرأة، والصبيّ، والمجنون:
ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه إذا أعطى أحد منْ المسلمين الأمان لأهل الحرب صحّ، فلا يجوز التعرّض لأنفسهم، وأموالهم، وأن ذلك يصح منْ كل مسلم، بالغ، عاقل، مختار، ذكرا كَانَ أو أنثى، حرا كَانَ أو عبدا، وبهذا قَالَ الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن القاسم، ورُوي ذلك عن عمر بن الخطاب، ﵁.
وذهب أبو حنيفة، وأبو يوسف، إلى أنه لا يصح أمان العبد، إلا أن يكون مأذونا له فِي القتال؛ لأنه لا يجب عليه الجهاد، فلا يصح أمانه كالصبي، ولأنه مجلوب منْ دار الكفر، فلا يؤمن أن ينظر لهم تقديم مصلحتهم.
واحتجّ الأولون بحديث الباب، فإنه ﷺ قَالَ: "ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلما، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف، ولا عدل"، رواه البخاريّ، ورَوَى فضيل بن يزيد الرقاشي، قَالَ: جَهَّز عمر بن الخطاب جيشا، فكنت فيه، فحضرنا موضعا، فرأينا أنا سنفتحها اليوم، وجعلنا نقبل، ونروح، فبقي عبد منا، فراطنهم وراطنوه، فكتب لهم الأمان فِي صحيفة، وشَدَّها عَلَى سهم، ورمى بها إليهم، فأخذوها، وخرجوا، فكتب بذلك إلى عمر بن الخطاب، فَقَالَ: العبد المسلم رجل منْ المسلمين، ذمته ذمتهم، رواه سعيد بن منصور، فِي "سننه"، وعبد الرزاق فِي "مصنّفه"، وابن أبي شيبة فِي "مصنّفه".
ولأنه مسلم مكلف، فصح أمانه، كالحر، وما ذكروه منْ التهمة يبطل بما إذا أُذن له فِي القتال، فإنه يصح أمانه، وبالمرأة فإنها أمانها يصح فِي قولهم جميعا، قالت عائشة: إن كانت المرأة لتجير عَلَى المسلمين، فيجوز. وعن أم هانىء، أنها قالت: يا رسول الله، إني أجرت أحمائي، وأغلقت عليهم، وإن ابن أمي أراد قتلهم، فَقَالَ لها رسول الله ﷺ : "قد أجرنا منْ أجرت يا أم هانىء، إنما يجير عَلَى المسلمين أدناهم"، رواهما سعيد، وأجارت زينب بنت رسول الله ﷺ ، أبا العاص بن الربيع، فأمضاه رسول الله ﷺ .
وأما الصبي المميز، فَقَالَ الموفّق فِي مذهب أحمد فيه روايتان:
[إحداهما]: لا يصح أمانه، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي؛ لأنه غير مكلف، ولا يلزمه بقوله حكم، فلا يلزم غيره، كالمجنون.
[والثانية]: يصح أمانه، وهو قول مالك، وقيل: يصح أمانه رواية واحدة، وحُمِل
стр. 17258
رواية المنع عَلَى غير المميز، واحتج بعموم الْحَدِيث؛ ولأنه مسلم مميز، فصح أمانه، كالبالغ، وفارق المجنون، فإنه لا قول له أصلا. أفاده فِي "المغني" ١٣/ ٧٥ - ٧٦.
وَقَالَ فِي "الفتح" ٦/ ٤١٠ - : قَالَ ابن المنذر: أجمع أهل العلم عَلَى جواز أمان المرأة، إلا شيئا ذكره عبد الملك -يعني ابن الماجشون، صاحب مالك- لا أحفظ ذلك عن غيره، قَالَ: إن أمر الأمان إلى الإِمام، وتأول ما ورد مما يخالف ذلك، عَلَى قضايا خاصة، قَالَ ابن المنذر: وفي قول النبيّ ﷺ : "يسعى بذمتهم أدناهم" دلالة عَلَى إغفال هَذَا القائل. انتهى. وجاء عن سحنون مثل قول ابن الماجشون، فَقَالَ: هو إلى الإِمام، إن أجازه جاز، وأن رده رد.
وأما العبد، فأجاز الجمهور أمانه، قاتل أو لم يقاتل. وَقَالَ أبو حنيفة: إن قاتل جاز أمانه، وإلا فلا. وَقَالَ سحنون: إذا أذن له سيده فِي القتال صح أمانه، وإلا فلا.
وأما الصبي، فَقَالَ ابن المنذر: أجمع أهل العلم عَلَى أن أمان الصبي غير جائز. قَالَ الحافظ: وكلام غيره يشعر بالتفرقة بين المراهق وغيره، وكذلك المميز الذي يعقل، والخلاف عن المالكية والحنابلة.
وأما المجنون، فلا يصح أمانه بلا خلاف، كالكافر، لكن قَالَ الأوزاعي: إن غزا الذمي مع المسلمين، فأمّن أحدًا، فإن شاء الإِمام أمضاه، وإلا فليرده إلى مأمنه. وحكى ابن المنذر عن الثوري، أنه استثنى منْ الرجال الأحرارِ الأسيرَ فِي أرض الحرب، فَقَالَ: لا ينفذ أمانه، وكذلك الأجير. انتهى "الفتح" ٦/ ٤١٠ - ٤١١.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي جواز الأمان مطلقًا، منْ المرأة، والعبد، والصبيّ المميّز؛ لعموم النصّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٣٧ - (أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَوَارِيرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ، عَنْ عَلِيٍّ رضى الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : قَالَ: "الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أبو بكر بن عليّ": هو أحمد بن عليّ بن سعيد بن إبراهيم المروزيّ القاضي، ثقة حافظ [١٢] ١/ ٢٠٩٤ منْ أفراد المصنّف. و"القواريريّ": هو عبيد الله بن عمر بن ميسرة، أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقة ثبت [١٠] ٥٩/ ٢٣١١.
و"محمد بن عبد الواحد" بن أبي حَزْم الْقُطَعيّ -بضم القاف، وفتح المهملة- البصريّ صدوقٌ [٨].
стр. 17259
روى عن عمر بن عامر البصريّ، ويحيى بن إسحاق الحضرميّ، ويونس بن عُبيد، وعثمان بن سعد الكاتب. وروى عنه إسماعيل بن سيف البصريّ، وعبيد الله بن عمر القواريريّ. ذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ ابن شاهين فِي "الثقات": محمد بن عبد الواحد بن أبي حزم، قَالَ يحيى بن معين: كَانَ صاحب سنّة، وكان حمّاد بن زيد يُقدّمه. تفرّد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط.
و"عمر بن عامر" السلميّ، أبو حفص البصريّ، قاضيها، صدوقٌ له أوهام [٦].
وفي "تهذيب التهذيب" ٣/ ٢٣٥ - ٢٣٦: رَوَى عن قتادة، وعمرو بن دينار، وأيوب السختياني، ويحيى بن أبي كثير، وغيرهم، وأرسل عن حطان بن عبد الله الرقاشي. وروى عنه سعيد بن أبي عروبة، وسالم بن نوح، ومحمد بن عبد الواحد بن أبي حَزْم، ومعتمر بن سليمان، وعباد بن العوام، ويزيد بن أبي زريع، وآخرون.
قَالَ ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد، حملت عنه أشياء؟، قَالَ، لا, ولا حرف. وَقَالَ صالح بن أحمد، عن أبيه: كَانَ يحيى بن سعيد لا يرضاه، وكذا قَالَ أبو طالب، عن أحمد، وزاد: روى أحاديث أنكرها. وَقَالَ عبد الله بن أحمد، عن أبيه: كَانَ شعبة لا يستمريه. وَقَالَ ابن معين: ليس به بأس، زاد بعضهم عن ابن معين: ثقة.
وَقَالَ ابن الدورقي، عن بن معين: عمر بن عامر بجلي، كوفيّ ضعيف، تركه حفص ابن غياث.
قَالَ الحافظ: وينبغي أن يحرر هَذَا الذي حكاه ابن الدورقي، عن ابن معين، فإني أظن أنه فِي رجل آخر، غير صاحب الترجمة، يدل عليه كونه نسبه بجليا كوفيا، وصاحب الترجمة سلمي بصري. انتهى.
وَقَالَ يعقوب بن شيبة: سمعت ابن المديني يقول: عمر بن عامر، شيخ صالح، كَانَ عَلَى قضاء البصرة، مات فَجْأَة، قَالَ علي: قَالَ أبو عبيدة: لم يمت قاض فجأة غيره. وَقَالَ أبو زرعة: مات وهو ساجد. وَقَالَ أبو حاتم: سعيد، وهشام أحب إلى منه، وهو يجري مع همام. وَقَالَ عمرو بن علي: عمر بن عامر، ويحيى بن محمد بن قيس، ليسا بَمَترُوكِي الْحَدِيث. وَقَالَ الآجري، عن أبي داود: ضعيف، وأبو هلال فوقه، وعمران القطّان عندي فوقه، وكان قاضي البصرة. وَقَالَ النسائيّ: ضعيف، وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ: مات سنة خمس وثلاثين ومائة. وقيل: سنة تسع. وَقَالَ الساجي: هو منْ الشيوخ، صدوق، ليس بالقوي، فيه ضعف، قَالَ: وَقَالَ أحمد: كَانَ عبد الصمد ابن عبد الوارث، يروي عنه عن قتادة مناكير. وَقَالَ العقيلي: ثنا عبد الله بن أحمد، سمعت أبي، يقول: عمر بن عامر ثقة، ثبث فِي الْحَدِيث، إلا أنه كَانَ مرجئا. وَقَالَ
стр. 17260
العجليّ: ثقة. تفرّد به مسلم، والمصنّف، وليس له عند المصنّف غير هَذَا الموضع.
و"قتادة": هو ابن دعامة البصريّ.
و"أبو حسّان": هو مسلم بن عبد الله الأعرج الأجرد البصريّ، مشهور بكنيته، صدوقٌ رُمي برأي الخوارج [٤] ١٤/ ٤٧٣.
وقوله: "تكافؤ" هو بحذف إحدى التاءين، وأصله: تتكافؤ.
والحديث صحيح، تقدّم شرحه، وبيان مسائله فِي الْحَدِيث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
١٠ - (الْقَوَدُ مِنَ السَّيِّدِ لِلْمَوْلَى)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: أراد رحمه الله تعالى بالمولى الأسفلَ، وهو العبد. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٧٣٨ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، هُوَ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَهُ جَدَعْنَاهُ، وَمَنْ أَخْصَاهُ أَخْصَيْنَاهُ").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (محمود بن غيلان) أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ٣٣/ ٣٧.
٢ - (أبو داود) سليمان بن داود بن الجارود البصريّ، ثقة حافظ [٩] ١٣/ ٣٤٣.
٣ - (هشام) بن أبي عبد الله سنبر الدستوائيّ البصريّ، ثقة ثبت، منْ كبار [٧] ٣٠/ ٣٤.
٤ - (سمرة) بن جندب بن هلال الصحابيّ المشهور رضي الله تعالى عنه ٢٥/ ٣٩٣. والباقيان تقدما فِي الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير أن فِي سماع الحسن منْ سمرة ﵁ لغير حديث العقيقة كلامًا،
стр. 17261
كما سيأتي بيانه. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فمروزي، ثم بغداديّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ سَمُرَةَ) بن جندب ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ) قَالَ السنديّ: اتّفق الأئمة عَلَى أن السيّد لا يُقتل بعبده، وقالوا: الْحَدِيث وارد عَلَى الزجر، والردع؛ ليرتدعوا, ولا يُقدموا عَلَى ذلك. وقيل: ورد فِي عبد أعتقه سيّده، فسُمّي عبده باعتبار ما كَانَ. وقيل: منسوخٌ. قَالَ: حاصل الوجه الأول أن المراد بقوله: "قتلناه"، وأمثاله: عاقبناه، وجازيناه عَلَى سوء صنيعه، إلا أنه عبّر بلفظ القتل، ونحوه للمشاكلة، كما فِي قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ الآية، وفائدة هَذَا التعبير الزجر، والردع، وليس المراد أنه تكلّم بهذه الكلمة لمجرّد الزجر، منْ غير أن يُريد به معنًى، أو أنه أراد حقيقته؛ لقصد الزجر، فإن الأول يقتضي أن تكون هذه الكلمة مهملة، والثاني يؤدّي إلى الكذب؛ لمصلحة الزجر، وكلُّ ذلك لا يجوز، وكذا كلُّ ما جاء فِي كلامهم، منْ نحو قولهم: هَذَا واردٌ عَلَى سبيل التغليظ والتشديد، فمرادهم أن اللفظ يُحمل عَلَى معنًى مجازيّ، مناسبِ للمقام. قَالَ: وهذه الفائدة تنفعك فِي مواضع، فاحفظها.
وأما قولهم: ورد فِي عبد أعتقه، فمبنيّ عَلَى أن "منْ" موصولة، لا شرطيّةٌ، والكلام إخبارٌ عن واقعة بعينها. والله تعالى أعلم. انتهى "شرح السنديّ" ٧/ ٢٠ - ٢١.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن هذه التأويلات غير صحيحة؛ لكونها منافية لأسلوب النصّ، فلو كَانَ الْحَدِيث صحيحًا لما جاز تأويله بهذه التأويلات الباردة، بل يكون عَلَى ظاهره منْ أن السيّد يُقتل إذا قتل عبده، كما هو مذهب بعض السلف، كإبراهيم النخعيّ، عَلَى ما يأتي قريبًا، وأما قولهم: ورد فِي عبد الخ فأبعد التأويلات المذكورة، فتبصّر، ولا تتحيّر. والله تعالى أعلم.
(وَمَنْ جَدَعَهُ) بالتخفيف: أي قطع أنفه، أو نحوه، يقال: جدعتُ الأنف جَدْعًا، منْ باب نفع: قطعته، وكذا الأذن، واليد، والشفة، وجَدِعَت الشاة جَدَعًا، منْ باب تعِبَ: قُطعت أذنها منْ أصلها، فهي جدعاء، وجُدِع الرجلُ: قُطع أنفه وأذنه، فهو أجدع، والأنثى جَدْعَاءُ. قاله الفيّوميّ. وَقَالَ فِي "اللسان": وقيل: لا يقال: جَدِعَ، ولكن جُدِعَ منْ المجدوع (١). انتهى. وَقَالَ السنديّ: والتشديدُ للتكثير، لا يناسب المقام.
стр. 17262
انتهى (جَدَعْنَاهُ) أي عاقبناه بمثل ما فعل (وَمَنْ أَخْصَاهُ أَخْصَيْنَاهُ) هكذا رواية المصنّف "أخصاه" بالهمزة، وفي رواية أبي داود: "ومن خصا خصيناه"، وهو الذي فِي كتب اللغة، يقال: خصيت العبدَ أَخصيه خِصَاءً بالكسر والمدّ: سَلَلتُ خَصْييه، فهو خصيّ، فَعِيلٌ بمعنى مفعول، مثلُ جَريح، وقَتِيلِ، والجمع خِصْيانٌ، وخَصَيتُ الفرس: قطعت ذكره، فهو مخصيّ، يجوز استعمال فَعِيل، ومفعول فيهما. قاله الفيّوميّ. وفي "القاموس": الْخُصيُ، والخُصية بضمّهما، وكسرهما: منْ أعضاء التناسل، وهاتان خُصْيتان، وخُصيَان، جمعه خُصًى، وخَصَاه: سَلَّ خُصييه، فهو خصيّ، ومَخْصيّ. انتهى.
والمعنى هنا: أن منْ اعتدى عَلَى عبده، فخصاه، نعاقبه بمثل ما اعتدى، فنخصيه، كما خصاه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث سمرة ﵁ هَذَا ضعيف؛ للكلام فِي سماع الحسن منه، غير حديث العقيقة.
وَقَالَ المصنّف رحمه الله تعالى فِي "الكبرى" ٤/ ٢١٨ رقم ٦٩٣٩ - : ما نصّه: قَالَ أبو عبد الرحمن: الحسن عن سمرة، قيل: إنه منْ الصحيفة (١)، غير مسموعة، إلا حديث العقيقة، فإنه قيل للحسن: ممن سمعت حديث العقيقة؟ قَالَ: قَالَ (٢): منْ سمرة، وليس كلُّ أهل العلم يُصحّح هذه الرواية: قوله: قلت للحسن: ممن سمعت حديث العقيقة؟. انتهى.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٠/ ٤٧٣٨ و٤٧٣٩ و٤٧٤٠ و١٦/ ٤٧٥٥ و٤٧٥٦ - وفي "الكبرى" ٩/ ٦٩٣٨ و٦٩٣٩ و٦٩٤٠ و١٥/ ٦٩٥٥ و٦٩٥٦. وأخرجه (د) فِي "الديات" ٤٥١٥ (ت) فِي "الديات" ١٤١٤ (ق) فِي "الديات" ٢٦٦٣ (أحمد) فِي "مسند البصريين" ١٩٥٩٨ و١٩٦١٤ و٢٧٧٠٨ و١٩٦٨٥ و١٩٧٠ (الدارمي) فِي "الديات" ٢٢٥٢. والله تعالى أعلم.
стр. 17263
(المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي قتل السيّد بعبده:
قَالَ الإِمام الترمذيّ رحمه الله تعالى بعد أن أخرج الْحَدِيث: قد ذهب بعض أهل العلم منْ التابعين، منهم إبراهيم النخعيّ إلى هَذَا، وَقَالَ بعض أهل العلم، منهم الحسن البصريّ، وعطاء بن أبي رباح: ليس بين الحرّ والعبد قصاص فِي النفس، ولا فِي دون النفس، وهو قول أحمد، وإسحاق. وَقَالَ بعضهم: إذا قتل عبده لا يُقل به، وإذا قتل عبد غيره قُتل به، وهو قول سفيان الثوريّ. انتهى.
وَقَالَ فِي "المغني": ما حاصله: ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا يقتل السيد بعبده، وحُكي عن النخعي، وداود: أنه يقتل به؛ لما روى قتادة، عن الحسن، عن سمرة ﵁ أن النبيّ ﷺ قَالَ: "منْ قتل عبده قتلناه، ومن جدعه جدعناه"، رواه سعيد، والإمام أحمد، والترمذي، وَقَالَ: حديث حسن غريب، مع العمومات.
واحتجّ الأولون بما رُوي عن عمر ﵁، أنه قَالَ: لو لم أسمع رسول الله ﷺ ، يقول: "لا يقاد المملوك منْ مولاه، والولد منْ والده"، لأقدته منك، رواه النسائيّ (١). وعن علي ﵁ أن رجلا قتل عبده، فجلده النبيّ ﷺ مائة جلدة، ونفاه عاما، ومحا اسمه منْ المسلمين، رواه سعيد، والخلال، وَقَالَ أحمد: ليس بشيء منْ قبل إسحاق بن أبي فروة، ورواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن أبي بكر وعمر، أنهما قالا: "منْ قتل عبده جلد مائة، وحرم سهمه مع المسلمين".
فأما حديث سمرة، فلم يثبت، قَالَ أحمد: الحسن لم يسمع منْ سمرة، إنما هي صحيفة، وَقَالَ عنه أحمد: إنما سمع الحسن منْ سمرة ثلاثة أحاديث، ليس هَذَا منها، ولأن الحسن أفتى بخلافه، فإنه يقول لا يقتل الحر بالعبد، وَقَالَ: إذا قتل السيد عبده يضرب، ومخالفته له تدل عَلَى ضعفه. قاله فِي "المغني" ١١/ ٤٧٤ - ٤٧٥.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن قول منْ قَالَ بثبوت القصاص إذا قتل السيّد عبده هو الأرجح؛ لعموم الأدلّة الموجبة له، وأما الأحاديث التي احتج بها الموجبون، والنافون، فإنها ضعاف، فحديث سمرة قد عرفت آنفًا ضعفه، وحديث عمر ﵁ تفرّد به عمر بن عيسى، كما قَالَ البيهقي، وذكر عن البخاريّ أنه قَالَ: منكر الْحَدِيث. وحديث عليّ ﵁ فِي سنده جابر الجعفيّ، وهو ضعيف.
والحاصل أن هذه الأحاديث لا تصلح للاحتجاج بها، وإنما الحجة هي الأدلة العامة التي توجب القصاص مطلقًا بشروطه، فإخراج السيّد عنها يحتاج إلى دليل قويّ، ولم
стр. 17264
يوجد، فيبقى العمل بها ثابتًا، لاسيّما وَقَدْ عرفت أن بعض أهل العلم منْ السلف قَالَ بثبوت القصاص المذكور، فتبصّر، ولا تتحيّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٤٠ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَ عَبْدَهُ جَدَعْنَاهُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أبو عوانة": هو الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ. والحديث ضعيف، وَقَدْ سبق بيانه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
١١ - (قَتْلُ الْمَرْأَةِ بِالْمَرْأَةِ)
٤٧٤١ - (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُسًا، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ رضى الله عنه، أَنَّهُ نَشَدَ قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ، فَقَامَ حَمَلُ بْنُ مَالِكٍ، فَقَالَ: كُنْتُ بَيْنَ حُجْرَتَي امْرَأَتَيْنِ، فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِمِسْطَحٍ، فَقَتَلَتْهَا، وَجَنِينَهَا، فَقَضَى النَّبِيُّ ﷺ فِي جَنِينِهَا بِغُرَّةٍ، وَأَنْ تُقْتَلَ بِهَا).
رجال هَذَا الإسناد: سبعة:
١ - (يوسف بن سعيد) المصّيصيّ ثقة حافظ [١١] ١٣١/ ١٩٨.
٢ - (حجاج بن محمد) الأعور المصّيصيّ، ثقة ثبت، اختلط فِي آخره [٩] ٢٨/ ٣٢.
٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلّس ويرسل [٦] ٢٨/ ٣٢.
٤ - (عمرو بن دينار) الجمحي مولاهم، أبو محمد الأثرم المكيّ، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤.
٥ - (طاوس) بن كيسان الحميري مولاهم، أبو عبد الرحمن اليماني، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٧/ ٣١.
٦ - (ابن عباس) عبد الله رضي الله تعالى عنهما ٢٧/ ٣١.
стр. 17265
٧ - (حَمَلُ بنُ مالك) بن النَّابِغَة الهُذَلي، أبو نَضْلَة الصحابيّ ﵁ تأتي ترجمته قريبًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، منْ ابن جريج، وأما شيخه، وحجاج، فمصّيصيّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وصحابيّ، عن صحابيّ. (ومنها): أن صحابيه منْ المقلين منْ الرواية, فليس إلا هَذَا الْحَدِيث عند أصحاب السنن إلا الترمذيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (عَنْ عُمَرَ) بن الخطّاب ﵁، أَنَّهُ نَشَدَ) أي طلب، أو سأل مقسمًا بالله تعالى، يقال: نشدتُ الضالّة نَشْدًا، منْ باب قتل: إذا طلبتها، وكذا إذا عرّفتها، والاسم نِشْدة، ونِشْدانٌ، بكسرهما، وأنشدتها بالألف: عرّفتها، ونشدتك الله، وبالله، أنشُدُك: ذكّرتك به، واستعطفتك، أو سألتك به مقسمًا عليك. قاله الفيّوميّ.
وفي رواية أبي داود منْ طريق ابن عيينة، عن عمرو: "قام عمر ﵁ عَلَى المنبر"، فذكر معناه.
(قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) بنصب "قضاء" عَلَى أنه مفعول "نشَدَ" (فِي ذَلِكَ) ولفظ أبي داود: "عن عمر أنه سأل عن قضيّة النبيّ ﷺ فِي ذلك" زاد فِي رواية ابن ماجه: "يعني فِي الجنين" (فَقَامَ حَمَلُ) بفتح الحاء المهملة، والميم (ابْنُ مَالِكٍ) بن النابغة -بالموحّدة المكسورة، والغين المعجمة- الْهُذَليّ، أبو نَضْلَة الصحابيّ، نزيل البصرة، روى عن النبيّ ﷺ هَذَا الْحَدِيث فقط، وروى عنه ابن عبّاس. وذكر أبو ذرّ الهرَويّ فِي "مستدركه" أن عمر بن الخطّاب ﵁ روى عنه أيضًا. وروى أبو موسى فِي "الذيل" فِي ترجمة عامر بن مُرَقّش أن حملاً هَذَا قُتل فِي عهد النبيّ ﷺ ، قَالَ الحافظ: وهو منْ الأوهام؛ لأن فِي حديثه هَذَا أنه قام إلى عمر لَمّا خطب، فحدّثه. انتهى روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه هَذَا الْحَدِيث فقط (فَقَالَ: كُنْتُ بَيْنَ حُجْرَتَيِ امْرَأَتَيْنِ) بضمّ الحاء المهملة، وسكون الجيم-: الْغُرْفة، وجمعها حُجَرٌ، كغرفة وغُرَف، وحُجُرُ بضمتين، وحجَرَات بفتح الجيم، وسكونها. أفاده فِي "القاموس". وفي رواية أبي داود: "كنت بين امرأتين"، وزاد فِي رواية ابن ماجه: "لي" (فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) وفي الرواية الآتية فِي ٤٠/ ٤٨٣٠ - عن ابن عبّاس ﵄ قَالَ: كَانَ اسم إحداهما مُليكة، والأخرى أُمّ غُطَيف". انتهى (بِمِسْطَحٍ) بكسر الميم،
стр. 17266
وسكون السين، وفتح الطاء المهملتين: أي عُود منْ أعواد الخباء. ذكره أبو داود فِي "سننه" عن أبي عبيد، ونقل عن النضر بن شُميل أنه قَالَ: الْمِسْطح: هو الصّوْبَج. وهو كما فِي "القاموس": بفتح الصاد، وتضمّ: الذي يُخبَز به، معرّب (فَقَتَلَتْهَا، وَجَنِينَهَا) بالنصب عطفًا عَلَى الضمير المنصوب، و"الجنين" -بفتح الجيم، وكسر النون-: الولد ما دام فِي بطن أمه، والجمع أَجِنَّة، كدليل وأدلّة، قيل: سُمّي بذلك؛ لاستتاره، فإذا وُلد، فهو منفوسٌ. قاله الفيّوميّ.
وفي الرواية الآتية ٤٠/ ٤٨٣٠ - منْ طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، قَالَ: "فأسقطت غلامًا قد نبت شعره، ميتًا، وماتت المرأة، فقضى عَلَى العاقلة الدية، فَقَالَ عمّها: إنها قد أسقطت يا نبيّ الله غلامًا قد نبت شعره، فَقَالَ أبو القاتلة: إنه كاذبٌ، إنه والله ما استهلّ، ولا شرب، ولا أكل، فمثله يُطلّ، فَقَالَ النبيّ ﷺ : "أسجع الجاهليّة، وكهانتها؟ إنّ فِي الصبيّ غرّةً".
(فَقَضَى النَّبِيُّ ﷺ فِي جَنِينِهَا بِغُرَّةٍ) وفي رواية لأبي داود منْ طريق ابن عيينة، عن عمرو ابن دينار: "بغرّة: عبد، أو أمة". و"الغرّة" -بضم الغين المعجمة، وتشديد الراء-: العبد، أو الأمة، وأصل الغرّة: البياض الذي يكون فِي وجه الفرس، وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: الْغُرّة عبد أبيض، أو أمة بيضاء، وسُمّي غرّة لبياضه، فلا يُقبل فِي الدية عبدٌ أسود، ولا جاريةٌ سوداء، لكن هَذَا ليس شرطًا عند جمهور الفقهاء، وإنما الغرّة عندهم ما بلغ ثمنه نصف عشر الدية، منْ العبيد، والإماء. قاله ابن الأثير فِي "النهاية" ٣/ ٣٥٣، وسيأتي تمام البحث فِي ذلك فِي موضعه ٣٩/ ٤٨١٥ - "باب دية جنين المرأة"، إن شاء الله تعالى (وَأَنْ تُقْتَلَ بِهَا) قَالَ المنذريّ رحمه الله تعالى: قوله: "وأن تُقتل بها" لم يُذكر فِي غير هذه الرواية. وَقَدْ رُوي عن ابن دينار أنه شكّ فِي قتل المرأة بالمرأة. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن هذه الزيادة لا تثبت؛ لمخالفة ابن جريج سفيان بن عيينة بزيادتها، وسفيان أثبت فِي عمرو بن دينار منْ ابن جريج، كما هو مشهور فِي ترجمته، ولكون عمرو بن دينار شكّ فِي قتل المرأة بالمرأة، فلو كانت ثابتة فِي الرواية لما شكّ فيه، ولأن هَذَا الْحَدِيث مرويّ منْ طرق كثيرة فِي "الصحيحين"، وفي غيرهما, ولم تذكر هذه الزيادة فِي شيء منْ الروايات أصلاً، وسأعود إلى البحث أيضًا فِي ٤٠/ ٤٨٢٤ - باب "صفة شبه العمد"، إن شاء الله تعالى.
وزاد فِي رواية ابن عيينة المذكورة: "فَقَالَ عمر ﵁: الله أكبر، لو لم أسمع بهذا لقضينا بغير هَذَا". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 17267
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث حمل بن مالك ﵁ عنه هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١١/ ٤٧٤١ و٣٩/ ٤٨١٨ - وفي "الكبرى" ١٠/ ٦٩٤١ و٣٨/ ٧٠٢٠. وأخرجه (د) فِي "الديات" ٤٥٧٢ (ق) فِي "الديات" ٢٦٤١. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعيّة قتل المرأة إذا قتلت امرأة عمدًا, ولا خلاف بين العلماء فِي ذلك، لكن فِي استدلال المصنّف بهذا الْحَدِيث نظر؛ لأن زيادة: "وأن تُقتل بها" غير ثابتة، كما أشرت إليه آنفًا. (ومنها): أن فيه بيان شدّة الغيرة بين الضرائر، بحيث يؤديهنّ إلى قتل بعضهنّ بعضًا. (ومنها): وجوب الغرّة: عبد، أو أمة فِي إسقاط الجنين إذا خرج ميتًا، وأما إذا خرج حيّا ثم مات ففيه الدية كاملة، وسيأتي تمام البحث فِي ذلك فِي بابه، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
١٢ - (الْقَوَدُ مِنَ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ)
٤٧٤٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدَةُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، رضى الله عنه، أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً، عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا، فَأَقَادَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهَا).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و"إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. و"عبدة": هو ابن سليمان الكلابيّ. و"سعيد": هو ابن أبي عروبة.
وقوله: "عَلَى أوضاح": جمع وَضَحٍ بحاء مهملة: هي نوعٌ منْ الحليّ، يُعمل منْ الفضّة، سُمّيت بها لبياضها.
وقوله: "فأقاده بها": أي أمر أن يُقتل بسبب قتلها.
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم فِي ٩/ ٤٠٤٦ - وسبق شرحه، وبيان مسائله هناك،
стр. 17268
وَقَدْ بقي البحث فيما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، فأقول:
(مسألة): فِي اختلاف أهل العلم فِي قتل الرجل بالمرأة:
ذهب عامّة أهل العلم إلى أنه يُقتل الذكر بالأنثى، والأنثى بالذكر، وممن رُوي عنه النخعي، والشعبي، والزهري، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، وأهل المدينة، والشافعي، وأحمد؛ وإسحاق، وأصحاب الرأي، وغيرهم.
ورُوي عن علي ﵁، أنه قَالَ: يُقتل الرجل بالمرأة، ويُعطَى أولياؤه نصف الدية، أخرجه سعيد بن منصور، وابن جرير فِي تفسيره، وروي مثل هَذَا عن أحمد، وحُكي ذلك عن الحسن، وعطاء، وحُكي عنهما مثل قول الجماعة، قَالَ الموفّق: ولعل منْ ذهب إلى القول الثاني، يَحتَجّ بقول علي ﵁؛ ولأن عقلها نصف عقله، فإذا قُتل بها بقي له بقية، فاستوفيت ممن قتله.
واحتجّ الجمهور بقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨]، مع عموم سائر النصوص، وَقَدْ ثبت أن النبيّ ﷺ قَتَل يهوديا رَضّ رأس جارية منْ الأنصار، متّفقٌ عليه، ورَوَى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ ، كتب إلى أهل اليمن بكتاب، فيه الفرائض، والأسنان، وأن الرجل، يُقتل بالمرأة، وسيأتي للنسائيّ فِي ٤٦/ ٤٨٥٥ - وهو كتاب مشهور، عند أهل العلم، مُتَلَقًّى بالقبول عندهم؛ ولأنهما شخصان يُحد كل واحد منهما بقذف صاحبه، فقُتل كل واحد منهما بالآخر، كالرجلين، ولا يجب مع القصاص شيء؛ لأنه قصاص واجب، فلم يجب معه شيء عَلَى المقتص، كسائر القصاص، واختلاف الأبدال لا عبرة به فِي القصاص، بدليل أن الجماعة يُقتلون بالواحد، والنصراني يؤخذ بالمجوسي، مع اختلاف ديتيهما، ويؤخذ العبد بالعبد مع اختلاف قيمتيهما. أفاده فِي "المغني" ١١/ ٥٠٠ - ٥٠١.
وَقَالَ الإِمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه" ٦/ ٢٥٢٤:
"باب القصاص بين الرجال والنساء فِي الجراحات"، وَقَالَ أهل العلم: يقتل الرجل بالمرأة، ويُذكر عن عمر تقاد المرأة منْ الرجل، فِي كل عمد يبلغ نفسه، فما دونها منْ الْجِرَاح، وبه قَالَ عمر بن عبد العزيز، وإبراهيم، وأبو الزناد عن أصحابه، وجَرَحت أخت الربيع إنسانا، فَقَالَ النبيّ ﷺ : "القصاص". انتهى.
وَقَالَ فِي "الفتح": قَالَ ابن المنذر: أجمعوا عَلَى أن الرجل يقتل بالمرأة، والمرأة بالرجل، إلا رواية عن علي، وعن الحسن، وعطاء، وخالف الحنفية فيما دون النفس، واحتج بعضهم بأن اليد الصحيحة لا تقطع باليد الشلاء، بخلاف النفس، فإن النفس
стр. 17269
الصحيحة تقاد بالمريضة اتفاقا.
وأجاب ابن القصار بأن اليد الشلاء، فِي حكم الميتة، والحي لا يقاد بالميت. وَقَالَ ابن المنذر: لما أجمعوا عَلَى القصاص فِي النفس، واختلفوا فيما دونها، وجب رَدُّ المختلف إلى المتفق. انتهى "فتح" ١٤/ ٢٠٠.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن ما ذهب إليه الجمهور منْ وجوب قتل الرجل بالمرأة هو الحقّ؛ لوضوح أدلّته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٤٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ يَهُودِيًّا أَخَذَ أَوْضَاحًا، مِنْ جَارِيَةٍ، ثُمَّ رَضَخَ رَأْسَهَا بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَأَدْرَكُوهَا وَبِهَا رَمَقٌ، فَجَعَلُوا يَتَّبِعُونَ بِهَا النَّاسَ، هُوَ هَذَا، هُوَ هَذَا، قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَرُضِخَ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
و"محمد بن عبد الله بن المبارك": هو الْمُخَرِّميّ، أبو جعفر البغداديّ، ثقة حافظ [١١] ٤٣/ ٥٠. و"أبو هشام": هو المغيرة بن سلمة المخزوميّ البصريّ، ثقة ثبتٌ، منْ صغار [٩] ٢٨/ ٨١٥. و"أبان بن يزيد": هو العطّار، أبو يزيد البصريّ، ثقة له أفراد [٧] ٩/ ٧٨٧.
وقوله: "ثم رضخ رأسها" -بضاد، وخاء معجمتين، مبنيّا للفاعل-: أي كسره.
وقوله: "وبها رَمَقٌ" -بفتح الراء، والميم: أي بقيّة روح. وقوله: "فجعلوا يتبّعون": قَالَ فِي "الصحاح": تتبّعت الشيء تَتَبُّعًا: أي تطلّبته، وكذلك تبّعته تتبيعًا، فهذا يحتمل أن يكون منْ التتبّع، لكن بالعدول إلى تشديد التاء المثنّاة، أو منْ التتبيع، والباء الموحّدة عَلَى الوجهين مشدّدة، والمراد يبحثون عندها عن النَّاس، ويذكرونهم. قاله السنديّ.
وقوله: "قالت: نعم": أي حين ذكروا القاتل، قالت: نعم بالإشارة، وكانت قبل ذلك تقول: لا، بالإشارة.
وقوله: "فأمر رسول الله ﷺ الخ": أي بعد أن حضر، وأقرّ بذلك، كما جاء ذلك صريحًا فِي الرواية التي بعد هذه، وإلا فلا عبرة بقول المقتول، فضلاً عن إيمائه. والله تعالى أعلم.
وقوله: "فرُضخ" بالبناء للمفعول.
стр. 17270
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق بيانه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٤٤ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: خَرَجَتْ جَارِيَةٌ عَلَيْهَا أَوْضَاحٌ، فَأَخَذَهَا يَهُودِيٌّ، فَرَضَخَ رَأْسَهَا، وَأَخَذَ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْحُلِيِّ، فَأُدْرِكَتْ وَبِهَا رَمَقٌ، فَأُتِيَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "مَنْ قَتَلَكِ، فُلَانٌ؟ "، قَالَتْ بِرَأْسِهَا: لَا، قَالَ: "فُلَانٌ؟ "، قَالَ: حَتَّى سَمَّى الْيَهُودِيَّ، قَالَتْ: بِرَأْسِهَا: نَعَمْ، فَأُخِذَ، فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَرُضِخَ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
و"همّام": هو ابن يحيى العوذيّ.
وقوله: "فأتي رسول الله ﷺ " ببناء الفعل للمفعول. وقوله: "فلان" خبر لمحذوف: أي هو فلان.
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق بيانه قبل حديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
١٣ - (سُقُوطُ الْقَوَدِ مِنَ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: أشار بهذه الترجمة إلى الردّ عَلَى منْ أثبت القصاص عَلَى المسلم بقتله كافرًا، وهذا مذهب الجمهور، وهو الحقّ وسيأتي البحث فيه مُسْتَوْفًى فِي المسألة الرابعة منْ شرح الْحَدِيث الثاني إن شاء الله تعالى.
٤٧٤٥ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: "لَا يَحِلُّ قَتْلُ مُسْلِمٍ، إِلاَّ فِي إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: زَانٍ مُحْصَنٍ، فَيُرْجَمُ، وَرَجُلٌ يَقْتُلُ مُسْلِمًا مُتَعَمِّدًا، وَرَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ الإِسْلَامِ، فَيُحَارِبُ اللَّهَ
стр. 17271
عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولَهُ، فَيُقْتَلُ، أَوْ يُصَلَّبُ، أَوْ يُنْفَى مِنَ الأَرْضِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و"أحمد بن حفص": هو السلميّ، أبو عليّ بن أبي عمرو النيسابوريّ، صدوقٌ [١١] ٧/ ٤٠٩. و"أبوه": هو حفص بن عبد الله بن راشد السلميّ، أبو عمرو النيسابوريّ، قاضيها، صدوقٌ [٩] ٧/ ٤٠٩. و"إبراهيم": هو ابن طهمان أبو سعيد الخراسانيّ، سكن نيسابور، ثم مكة، ثقة يُغْرِب، وتُكُلّم فيه بالإرجاء، ويقال: رجع عنه [٧] ٧/ ٤٠٩. و"عبد العزيز بن رُفيع": هو أبو عبد الله المكيّ، نزيل الكوفة، ثقة [٤] ١٩٠/ ٢٩٩٧. و"عُبيد بن عُمير": هو ابن قتادة الليثيّ، أبو عاصم المكيّ، وُلد عَلَى عهد النبيّ ﷺ ، كما قاله مسلم، وعدّه غيره فِي كبار التابعين، وكان قاصّ أهل مكّة، مجمعٌ عَلَى ثقته [٢] ١٢/ ٤١٦.
وقوله: "لا يحلّ قتل مسلم إلا فِي إحدى ثلاث خصال الخ": قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: استدلّ بالحصر عَلَى أنه لا يُقتل مسلم بكافر، وأنت خبير أن الحصر يحتاج إلى تأويل؛ لأن المرتدّ يُقتل، وإن لم يُحارب بقطع الطريق، وكذلك غيره، وَقَدْ ذُكر تأويل الحصر فيما تقدّم، فلا يستقيم الاستدلال بهذا الْحَدِيث عَلَى مراده عَلَى أنه جاء فِي بعض رواياته: "النفس بالنفس"، فليُتأمّل. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن استدلاله صحيح؛ إذ ليس الاستدلال بهذا الْحَدِيث بمجرّده، بل بضمه إلى ما بعده منْ الأحاديث، فإنها صريحة فِي ذلك، فإذا ضمّ إليها ظاهر الحصر المذكور حصل المقصود، وهذا ظاهر لمن تأمّله. والله تعالى أعلم.
والحديث صحيح، وَقَدْ تقدّم فِي ٥/ ٤٠١٨ و٤٠٤٨ ومضى شرحه، وتمام البحث فيه هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٤٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ، يَقُولُ: سَأَلْنَا عَلِيًّا، فَقُلْنَا: هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْءٌ، سِوَى الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ: لَا، وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِلاَّ أَنْ يُعْطِىَ اللَّهُ عَبْدًا، فَهْمًا فِي كِتَابِهِ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، قُلْتُ: وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: فِيهَا الْعَقْلُ، وَفِكَاكُ الأَسِيرِ، وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ).
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن منصور) الْجَوّاز المكيّ، ثقة [١٠] ٢٠/ ٢١.
стр. 17272
٢ - (سفيان) بن عيينة الإِمام الحجة الثبت المكيّ [٨] ١/ ١.
٣ - (مُطَرِّف بن طَرِيف) أبو بكر، أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة فاضلٌ، منْ صغار [٦] ٢/ ٣٢٧.
٤ - (الشعبيّ) عامر بن شَرَاحيل الْهَمْدانيّ الكوفيّ الإِمام الحجة الفقيه الفاضل المشهور [٣] ٦٦/ ٨٢.
٥ - (أبو جُحيفة) وهب بن عبد الله السُّوائيّ، الصحابيّ المشهور، ويقال له: وهب الخير، وصحب عليّا ﵁، ومات ﵁ سنة (٧٤) ١٠٣/ ١٣٧.
٦ - (عليّ) بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ٧٤/ ٩١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخه، فإنه مكيّ، وأما سفيان، فكوفيّ، ثم مكيّ. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شَرَاحيل، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ) وهب بن عبد الله ﵁ (يَقُولُ: سَأَلْنَا عَلِيًّا) أي ابن أبي طالب ﵁ (فَقُلْنَا: هَلْ عِنْدَكُمْ) الخطاب لعليّ ﵁، والجمع إما لإرادته مع بقيّة أهل البيت، أو للتعظيم. قاله فِي "الفتح" (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْءٌ، سِوَى الْقُرْآنِ؟) أي شيء مكتوب، وإلا فلا شكّ أنه كَانَ عنده أكثر مما ذُكر (فَقَالَ: لَا، وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِلاَّ أَنْ يُعْطِيَ اللَّهُ قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: كأنه استثناء بتقدير مضاف: أي إلا أثر إعطاء الله الخ، وكأنه كتب بعدُ آثار ما أعطاه الله تعالى منْ الفهم، وعَدَّه مما عنده منْ رسول الله ﷺ ، إما لأنه عرضه عليه ﷺ ، فقرّره، أو لأنه لَمّا استخرجه منْ كلامه ﷺ عدّه مما عنده منه ﷺ ، ولا يخفى أن قوله: "أن يُعطي الله" عَلَى ما ذكرنا لا يُحمل عَلَى الاستقبال، فليُتأمّل، وعلى ما ذُكر ظهر عطف قوله: "أو ما فِي هذه الصحيفة"، عَلَى قوله: "أن يُعطي"، وظهر وجه كون الاستثناء فِي الموضعين متّصلاً. انتهى.
وفي رواية البخاريّ: "قلت لعليّ: هل عندكم كتاب؟ قَالَ: لا، إلا كتاب الله، أو فهمٌ أعطيه رجلٌ مسلم" الْحَدِيث.
قَالَ فِي "الفتح": قوله: "كتابٌ": أي مكتوب، أخذتموه عن رسول الله ﷺ ، مما
стр. 17273
أُوحِيَ إليه، ويدل عَلَى ذلك رواية البخاريّ فِي "الجهاد": "هل عندكم شيء منْ الوحي، إلا ما فِي كتاب الله"، وله فِي "الديات": "هل عندكم شيء مما ليس فِي القرآن، وفي "مسند إسحاق بن راهويه" عن جرير، عن مطرف: "هل علمتَ شيئا منْ الوحي؟، وإنما سأله أبو جحيفة عن ذلك؛ لأن جماعة منْ الشيعة، كانوا يزعمون أن عند أهل البيت، لاسيما عليا ﵁، أشياء منْ الوحي، خصهم النبيّ ﷺ بها, لم يُطلِع غيرهم عليها، وَقَدْ سأل عليا ﵁ عن هذه المسألة أيضا قَيسَ بن عُبَاد، وهو بضم المهملة وتخفيف الموحدة، والأشتر النخعي، وحديثهما فِي "سنن النسائيّ".
وقوله: "إلا كتاب الله": هو بالرفع، وَقَالَ ابن المنير: فيه دليل عَلَى أنه كَانَ عنده أشياء مكتوبة، منْ الفقه المستنبط، منْ كتاب الله، وهي المراد بقوله: "أو فهم أعطيه رجل"؛ لأنه ذكره بالرفع، فلو كَانَ الاستثناء منْ غير الجنس، لكان منصوبا. قَالَ الحافظ: كذا قَالَ، والظاهر أن الاستثناء فيه منقطع، والمراد بذكر الفهم إثبات إمكان الزيادة، عَلَى ما فِي الكتاب، وَقَدْ رواه البخاريّ فِي "الديات" بلفظ: "ما عندنا إلا ما فِي القرآن، إلا فهما يُعْطَى رجلٌ فِي الكتاب"، فالاستثناء الأول مفرغ، والثاني منقطع، معناه: لكن إن أَعطَى الله رجلاً فهمًا فِي كتابه، فهو يقدر عَلَى الاستنباط، فتحصل عنده الزيادة بذلك الاعتبار. وَقَدْ روى أحمد بإسناد حسن، منْ طريق طارق بن شهاب، قَالَ: شهدت عليا ﵁ عَلَى المنبر، وهو يقول: والله ما عندنا كتاب نقرأه عليكم، إلا كتاب الله، وهذه الصحيفة"، وهو يزيد ما قلناه أنه لم يرد بالفهم شيئا مكتوبا. انتهى ما فِي "الفتح" ١/ ٢٧٦ - ٢٧٧.
(عَبْدًا فَهْمًا فِي كِتَابِهِ) "عبدًا" مفعول أول لـ"يُعطي"، و"فهمًا" مفعوله الثاني، و"فِي "كتابه" متعلّقٌ بـ"فهمًا" (أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ) أي الورقة المكتوبة، وفي رواية الأشتر التالية لهذه الرواية: "ما عهد إليّ رسول الله ﷺ بشيء دون النَّاس، إلا فِي صحيفة فِي قراب سيفي، فلم يزالوا به، حَتَّى أخرج الصحيفة، فإذا فيها: المؤمنون تكافأ دماؤهم" الْحَدِيث (قُلْتُ: وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟، قَالَ: فِيهَا الْعَقْلُ) أي الدية، وإنما سُمِّيت به؛ لأنهم كانوا يُعطون فيها الإبل، ويَربِطونها بفناء دار المقتول بالعِقَال، وهو الحبل، ووقع فِي رواية ابن ماجه بدل العقل: "الديات"، والمراد أحكامها، ومقاديرها، وأصنافها.
(وَفِكَاكُ الْأَسِيرِ) -بكسر الفاء، وفتحها، وَقَالَ الفراء: الفتح أفصح، والمعنى: أن فيها حكم تخليص الأسير منْ يد العدو، والترغيب فِي ذلك.
(وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بكَافِرٍ) وهذا هو محلّ الترجمة، فقد نصّ عَلَى أنه لا يشرع قتل مسلم بسبب قتله كافرًا مطلقًا، وهذا هو الذي عليه الجمهور، وهو الحقّ، كما سيأتي
стр. 17274
تحقيقه فِي المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى.
قَالَ فِي "الفتح": ووقع للبخاريّ ومسلم، منْ طريق يزيد التميمي، عن عليّ ﵁، قَالَ: ما عندنا شيء نقرأه، إلا كتاب الله، وهذه الصحيفة، فإذا فيها: المدينة حرم .. الْحَدِيث. ولمسلم، عن أبي الطفيل، عن علي ﵁: "ما خصنا رسول الله ﷺ بشيء، لم يَعُمَّ به النَّاس كافة، إلا ما فِي قراب سيفي هَذَا، وأخرج صحيفة، مكتوبة، فيها: "لعن الله منْ ذبح لغير الله .. الْحَدِيث. وللنسائي منْ طريق الأشتر وغيره، عن علي ﵁: "فإذا فيها المؤمنون تكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم .. " الْحَدِيث. ولأحمد منْ طريق طارق بن شهاب: فيها فرائض الصدقة.
والجمع بين هذه الأحاديث، أن الصحيفة كانت واحدة، وكان جميع ذلك مكتوبا فيها، فنقل كل واحد منْ الرواة عنه، ما حفظه، والله أعلم، وَقَدْ بَيَّنَ ذلك قتادة فِي روايته لهذا الْحَدِيث، عن أبي حسان، عن علي، وبَيَّنَ أيضا السبب فِي سؤالهم لعلي ﵁ عن ذلك، أخرجه أحمد، والبيهقي فِي "الدلائل"، منْ طريق أبي حسان: أن عليا ﵁، كَانَ يأمر بالأمر، فيقال: قد فعلناه، فيقول: صدق الله ورسوله، فَقَالَ له الأشتر: هَذَا الذي تقول، أهو شيء عهده إليك رسول الله ﷺ خاصة، دون النَّاس، فذكره بطوله. "فتح" ١/ ٢٧٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عليّ ﵁ هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٣/ ٤٧٤٦ - وفي "الكبرى" ١٢/ ٦٩٤٦. وأخرجه (خ) فِي "العلم" ١١١ و"الجهاد" ٣٠٤٧ و"الديات" ٦٩٠٣ (ت) فِي "الديات" ١٤١٢ (ق) فِي "الديات" ٢٦٥٨. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان سقوط القصاص عن المسلم إذا قتل كافرًا عمدًا، وسيأتي تحقيق الخلاف بين العلماء فِي ذلك فِي المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): إبطال ما تزعمه الشيعة منْ أن النبيّ ﷺ خصّ عليّا بعلم أشياء لا يعلمها غيره منْ الصحابة ﵃. (ومنها): جواز كتابة العلم، وَقَدْ كَانَ فيه اختلاف بين السلف، عملا وتركا، إلا أنه استقر الإجماع بعد ذلك عَلَى جواز كتابة
ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا يجب القصاص عَلَى مسلم بقتل كافر، أَيَّ كافر كَانَ، رُوي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، ومعاوية ﵃، وبه قَالَ عمر بن عبد العزيز، وعطاء، والحسن، وعكرمة، والزهري، وابن شبرمة، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر. وَقَالَ النخعي، والشعبي، وأصحاب الرأي: يقتل المسلم بالذمي خاصة، قَالَ الإِمام أحمد: الشعبي، والنخعي، قالا: دية المجوسي، واليهودي، والنصراني، مثل دية المسلم، وإن قتله يُقتَل به، هَذَا عَجَبٌ، يصير المجوسي مثل المسلم، سبحان الله، ما هَذَا القول، واستبشعه، وَقَالَ: النبيّ ﷺ يقول: "لا يقتل مسلم بكافر"، وهو يقول: يقتل بكافر، فأي شيء أشدُّ منْ هَذَا؟.
وحجة هؤلاء عمومات النصوص، كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ الآية [البقرة: ١٧٨]، وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية [المائدة: ٤٥]، وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ الآية [البقرة: ١٧٩]، وكقوله ﷺ : "منْ قُتل له قتيل، فهو بخير النظرين، إما أن يُنل، وإما أن يُفدى" الْحَدِيث، متّفقٌ عليه. واحتجّوا أيضًا بما رَوَى ابن البيلماني: أن النبيّ ﷺ ، أقاد مسلما بذمي، وَقَالَ: "أنا حق منْ وفي بذمته"، ولأنه معصوم عصمة مؤبدة، فيقتل به قاتله كالمسلم.
واحتجّ الأولون بقوله ﷺ : "ولا يقتل مؤمن بكافر"، رواه الإِمام أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، وفي لفظ: "لا يقتل مسلم بكافر"، رواه البخاريّ، وأبو داود. ولأنه منقوص بالكفر، فلا يقتل به المسلم، كالمستأمن, وأما العمومات التي احتجّوا بها، فهي مخصوصات بهذا الْحَدِيث، وأما حديث البيلماني، فليس له إسناد، قاله أحمد، وَقَالَ الدارقطنيّ: يرويه ابن البيلماني، وهو ضعيف إذا أسند، فكيف إذا أرسل؟.
وأما المستأمن, فوافق أبو حنيفة الجماعة، فِي أن المسلم لا يقاد به، وهو المشهور عن أبي يوسف، وعنه يقتل به؛ لما سبق فِي الذمي. والصحيح الأول؛ لما ذكرنا. أفاده فِي "المغني" ١١/ ٤٦٥ - ٤٦٧.
وَقَالَ فِي "الفتح" ١٤/ ٢٥٩ - : وأما ترك قتل المسلم بالكافر، فأخذ به الجمهور، إلا أنه يلزم منْ قول مالك فِي قاطع الطريق، ومن فِي معناه: إذا قتل غيلة أن يقتل، ولو كَانَ المقتول ذميا، استثناء هذه الصورة، منْ منع قتل المسلم بالكافر، وهي لا تستثني فِي الحقيقة, لأن فيه معنى آخر، وهو الفساد فِي الأرض. وخالف الحنفية، فقالوا: يقتل المسلم بالذمي، إذا قتله بغير استحقاق، ولا يقتل بالمستأمن. وعن الشعبي، والنخعي: يُقتل باليهودي والنصراني، دون المجوسي، واحتجوا بما وقع عند أبي داود، منْ طريق
стр. 17277
الحسن، عن قيس بن عُبَاد، عن علي ﵁، بلفظ: "لا يُقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد فِي عهده"، وأخرجه أيضا منْ رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وأخرجه ابن ماجه، منْ حديث ابن عباس، والبيهقي عن عائشة، ومعقل بن يسار، وطرقه كلها ضعيفة، إلا طريق الأولى، والثانية، فإن سند كل منهما حسن، وعلى تقدير قبوله، فقالوا: وجه الاستدلال منه، أن تقديره: ولا يقتل ذو عهد فِي عهده بكافر، قالوا: وهو منْ عطف الخاص عَلَى العام، فيقتضى تخصيصه؛ لان الكافر الذي يُقتل به ذو العهد هو الحربي، دون المساوي له، والأعلى، فلا يبقى منْ يُقتل بالمعاهد إلا الحربي، فيجب أن يكون الكافر الذي لا يُقتل به المسلم هو الحربي، تسويةً بين المعطوف والمعطوف عليه. قَالَ الطحاوي: ولو كانت فيه دلالة عَلَى نفي قتل المسلم بالذمي، لكان وجه الكلام أن يقول: ولا ذي عهد فِي عهده، وإلا لكان لحنا، والنبي ﷺ لا يلحن، فلما لم يكن كذلك، علمنا أن ذا العهد، هو المَعْنِيُّ بالقصاص، فصار التقدير: لا يقتل مؤمن، ولا ذو عهد فِي عهده بكافر، قَالَ: ومثله فِي القرآن: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ الآية [الطلاق: ٤]، فإن التقدير: واللائى يئسن منْ المحيض، واللائى لم يحضن.
وتُعُقِّب بأن الأصل عدم التقدير، والكلام مستقيم بغيره، إذا جعلنا الجملة مستأنفةً، ويؤيده اقتصار الْحَدِيث الصحيح، عَلَى الجملة الأولى، ولو سُلِّم أنها للعطف، فالمشاركة فِي أصل النفي، لا منْ كل وجه، وهو كقول القائل: مررت بزيد منطلقا، وعمرو، فإنه لا يوجب أن يكون بعمرو منطلقا أيضا، بل المشاركة فِي أصل المرور.
وَقَالَ الطحاوي أيضا: لا يصح حمله عَلَى الجملة المستأنفة؛ لأن سياق الْحَدِيث، فيما يتعلق بالدماء التي يسقط بعضها ببعض؛ لأن فِي بعض طرقه: "المسلمون تتكافأ دماؤهم".
وتُعُقّب بأن هَذَا الحصر مردود، فإن فِي الْحَدِيث أحكامًا كثيرة غير هذه.
وَقَدْ أبدى الشافعيّ له مناسبة، فَقَالَ: يشبه أن يكون، لما أعلمهم أن لا قود بينهم وبين الكفار، أعلمهم أن دماء أهل الذمة والعهد، محرمة عليهم بغير حق، فَقَالَ: "لا يقتل مسلم بكافر، ولا يقتل ذو عهد فِي عهده"، ومعنى الْحَدِيث: لا يقتل مسلم بكافر قصاصا, ولا يقتل منْ له عهد ما دام عهده باقيا.
وَقَالَ ابن السمعاني: وأما حملهم الْحَدِيث عَلَى المستأمن, فلا يصح؛ لأن العبرة بعموم اللفظ، حَتَّى يقوم دليل عَلَى التخصيص، ومن حيث المعنى أن الحكم الذي يبنى فِي الشرع عَلَى الإِسلام والكفر، إنما هو لشرف الإِسلام، أو لنقص الكفر، أو لهما
стр. 17278
جميعا، فإن الإِسلام ينبوع الكرامة، والكفر ينبوع الهوان، وأيضا إباحة دم الذمي شبهة قائمة؛ لوجود الكفر المبيح للدم، والذمة إنما هي عهد عارض، منع القتل مع بقاء العلة، فمن الوفاء بالعهد أن لا يقتل المسلم ذميا، فان اتفق القتل لم يتجه القول بالقود؛ لأن الشبهة المبيحة لقتله موجودة، ومع قيام الشبهة لا يتجه القود.
قَالَ الحافظ: وذكر أبو عبيد بسند صحيح، عن زفر، أنه رجع عن قول أصحابه، فأسند عن عبد الواحد بن زياد، قَالَ: قلت لزفر: إنكم تقولون: تدرأ الحدود بالشبهات، فجئتم إلى أعظم الشبهات، فأقدتم عليها المسلم يُقتل بالكافر، قَالَ: فاشهد عَلَى أني رجعت عن هَذَا.
وذكر ابن العربي أن بعض الحنفية، سأل الشاشي عن دليل ترك قتل المسلم بالكافر، قَالَ. وأراد أن يستدل بالعموم، فيقول: أخصه بالحربي، فعدل الشاشي عن ذلك، فَقَالَ: وجه دليلي السنة، والتعليل؛ لأن ذكر الصفة فِي الحكم، يقتضي التعليل، فمعنى: "لا يقتل المسلم بالكافر": تفضيل المسلم بالإِسلام، فأسكته.
ومما احتج به الحنفية: ما أخرجه الدارقطنيّ، منْ طريق عمار بن مطر، عن إبراهيم ابن أبي يحيى، عن ربيعة، عن ابن البيلماني، عن ابن عمر، قَالَ: قتل رسول الله ﷺ مسلما بكافر، وَقَالَ: "أنا أولى مَنْ وفي بذمته"، قَالَ الدارقطنيّ: إبراهيم ضعيف، ولم يروه موصولا غيره، والمشهور عن ابن البيلماني، مرسلاً، وَقَالَ البيهقي: أخطأ راويه عمار بن مطر عَلَى إبراهيم، فِي سنده، وإنما يرويه إبراهيم، عن محمد بن المنكدر، عن عبد الرحمن بن البيلماني، هَذَا هو الأصل فِي هَذَا الباب، وهو منقطع، وراويه غير ثقة، كذلك أخرجه الشافعيّ، وأبو عبيد جميعا، عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى.
قَالَ الحافظ: لم ينفرد به إبراهيم، كما يوهمه كلامه، فقد أخرجه أبو داود فِي "المراسيل"، والطحاوي منْ طريق سليمان بن بلال، عن ربيعة، عن ابن البيلماني، وابن البيلماني ضعفه جماعة، ووُثِّق، فلا يحتج بما ينفرد به إذا وصل، فكيف إذا أرسل؟ فكيف إذا خالف؟ قاله الدارقطنيّ. وَقَدْ ذكر أبو عبيد، بعد أن حدث به عن إبراهيم: بلغني أن إبراهيم قَالَ: أنا حدثت به ربيعة، عن ابن المنكدر، عن ابن البيلماني، فرجع الْحَدِيث عَلَى هَذَا إلى إبراهيم، وإبراهيم ضعيف أيضا، قَالَ أبو عبيد: وبمثل هَذَا السند لا تسفك دماء المسلمين.
قَالَ الحافظ: وتبين أن عمار بن مطر خبط فِي سنده. وذكر الشافعيّ فِي "الأم" كلاما: حاصله أن فِي حديث ابن البيلماني أن ذلك كَانَ فِي قصة المستأمن، الذي قتله عمرو بن أمية، قَالَ: فعلى هَذَا لو ثبت لكان منسوخا؛ لأن حديث: "لا يقتل مسلم
стр. 17279
بكافر"، خطب به النبيّ ﷺ يوم الفتح، كما فِي رواية عمرو بن شعيب، وقصة عمرو بن أمية متقدمة عَلَى ذلك بزمان.
قَالَ الحافظ: ومن هنا يتجه صحة التأويل الذي تقدم عن الشافعيّ، فان خطبة يوم الفتح، كانت بسبب القتيل الذي قتلته خزاعة، وكان له عهد، فخطب النبيّ ﷺ ، فَقَالَ: "لو قتلت مؤمنا بكافر، لقتلته به"، وَقَالَ: "لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد فِي عهد"، فأشار بحكم الأول، إلى ترك اقتصاصه منْ الخزاعي، بالمعاهد الذي قتله، وبالحكم الثاني إلى النهي عن الإقدام عَلَى ما فعله القاتل المذكور. والله أعلم.
ومن حججهم: قطع المسلم بسرقته مال الذمي، قالوا: والنفس أعظم حرمة. وأجاب ابن بطال: بأنه قياس حسن، لولا النص. وأجاب غيره: بأن القطع حق لله، ومن ثم لو أعيدت السرقة بعينها, لم يسقط الحد ولو عفا، والقتل بخلاف ذلك، وأيضا القصاص يشعر بالمساواة، ولا مساواة للكافر والمسلم، والقطع لا تُشتَرط فيه المساواة. انتهى "الفتح" ١٤/ ٢٥٩ - ٢٦٠.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكر أن قول الجمهور بعدم ثبوت القصاص بقتل المسلم الكافر مطلقًا هو الحقُّ؛ لقوة أدلّته، كما مرّ توضيحه آنفًا، ومما يؤيده كما قَالَ الشوكانيّ- قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النِّساء: ١٤١]، ولو كَانَ للكافر أن يقتص منْ المسلم، لكان فِي ذلك أعظم سبيل، وَقَدْ نفى الله تعالى أن يكون له عليه السبيل نفيا مؤكدًا، وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠]، ووجهه أن الفعل الواقع فِي سياق النفي، يتضمن النكرة فهو فِي قوة: لا استواء، فيعم كل أمر منْ الأمور إلا ما خص.
ويؤيد ذلك أيضا قصة اليهودي، الذي لطمه المسلم، لَمّا قَالَ: لا، والذي اصطفى موسى عَلَى البشر، فلطمه المسلم، فإن النبيّ ﵌، لم يثبت له الاقتصاص، كما فِي "الصحيح"، وهو حجة عَلَى الكوفيين؛ لأنهم يثبتون القصاص باللطمة، ومن ذلك حديث: "الإِسلام يعلو، ولا يُعلَى عليه"، وهو وإن كَانَ فيه مقال، لكنه قد علقه البخاريّ فِي "صحيحه". انظر "نيل الأوطار" ٧/ ١٤.
والحاصل أن مذهب الجمهور هو الحقّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٤٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: مَا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَىْءٍ، دُونَ
стр. 17280
النَّاسِ إِلاَّ فِي صَحِيفَةٍ فِي قِرَابِ سَيْفِي، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ، حَتَّى أَخْرَجَ الصَّحِيفَةَ، فَإِذَا فِيهَا: "الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وَقَدْ تقدّموا.
و"همّام": هو ابن يحيى الْعَوْذيّ البصريّ. و"أبو حَسّان": هو مسلم بن عبد الله الأعرج الأجرد البصريّ، صدوق رُمي برأي الخوارج [٤] ١٤/ ٤٧٣.
وقوله: "ما عَهِدَ": بفتح العين المهملة، وكسر الهاء: أي ما أوصى إليّ، وما أمرني بشيء.
وقوله: "قراب سيفي": بكسر القاف: هو وعاء يكون فيه السيف بغِمْده، وحمائله.
وقوله: "تكافأ" بحذف إحدى التاءين، وأصله: تتكافأ: أي تتماثل، وتتشابه.
والحديث صحيحٌ، وَقَدْ تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله فِي ٩/ ٤٧٣٦ فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٤٨ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ الأَعْرَجِ، عَنِ الأَشْتَرِ، أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ تَفَشَّغَ بِهِمْ مَا يَسْمَعُونَ، فَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَهِدَ إِلَيْكَ عَهْدًا، فَحَدِّثْنَا بِهِ، قَالَ: مَا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَهْدًا لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ، غَيْرَ أَنَّ فِي قِرَابِ سَيْفِي صَحِيفَةً، فَإِذَا فِيهَا: "الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ"، مُخْتَصَرٌ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الإسناد تقدّم أول الباب، إلى "الحجّاج بن الحجّاج": وهو الباهليّ البصريّ الأحول، ثقة [٦] ٥٣/ ٦١٤. و"الأشتر": هو مالك بن الحارث النخعيّ الكوفيّ المخضرم [٢] ٩/ ٤٧٣٤.
وقوله: "قد تفشّغ بهم": بفاء وشين، وغين معجمتين: أي فشا، وانتشر فيهم ما يسمعون، أي منك، منْ كثرة "سبحان الله، صدق الله ورسوله"، فإنه ﵁ كَانَ يُكثر ذلك، فزعم النَّاس أن عنده علمًا مخصوصًا به. قاله السنديّ.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ويحتمل أن يكون معنى قوله: "ما يسمعون": أي مما يتحدّث النَّاس بأن عند عليّ ﵁ علمًا خصّه به النبيّ ﷺ ، ويؤيّد الأول ما أخرجه أحمد فِي "مسنده" منْ طريق علي بن زيد، عن الحسن، عن قيس بن عُبَاد، قَالَ: كنا مع علي ﵁، فكان إذا شهد مشهدا، أو أشرف عَلَى أَكَمَة، أو هبط واديا،
стр. 17281
قَالَ: سبحان الله، صدق الله ورسوله، فقلت لرجل منْ بني يشكر: انطلق بنا إلى أمير المؤمنين، حَتَّى نسأله عن قوله: صدق الله ورسوله، قَالَ: فانطلقنا إليه، فقلنا: يا أمير المؤمنين، رأيناك إذا شهدت مشهدا، أو هبطت واديا، أو أشرفت عَلَى أكمة، قلت: صدق الله ورسوله، فهل عهد رسول الله إليك شيئا فِي ذلك؟ قَالَ: فأعرض عنا، وألححنا عليه، فلما رأى ذلك، قَالَ: والله ما عهد إلى رسول الله ﷺ ، عهدا إلا شيئا عهده إلى النَّاس، ولكن النَّاس وقعوا عَلَى عثمان ﵁، فقتلوه، فكان غيري فيه أسوأ حالا وفعلا مني، ثم إني رأيت أني أحقهم بهذا الأمر، فوثبت عليه، فالله أعلم أصبنا، أم أخطأنا؟.
وفي إسناده علي بن زيد بن جُدْعان، والأكثرون عَلَى تضعيفه. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: ضبط السيوطيّ رحمه الله تعالى فِي "شرحه" قوله: "تَفَشَّغَ" بأنه بالقاف، والشين المعجمة، والعين المهملة: أي تصدّع، وأقلع. انتهى. وردّه عليه السنديّ، ونصّه: وَقَدْ ذكر السيوطي هاهنا ما لا يناسب المقام، فليُتنبّه لذلك. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه اللفظة اختلفت فيها النسخ، ففي معظم نسخ "المجتبى": "تفشّغ"، بتقديم الفاء، وآخره غين معجمة، وفي بعضها: "تقشّع" بتقديم القاف، وآخره عين مهملة، كما هو عند السيوطيّ، وفي "الكبرى": "تشفّغ" بتقديم الشين عَلَى الفاء، وآخره غين معجمة.
والظاهر أن ما فِي معظم النسخ هو الصواب، كما أشار إليه السنديّ، فإنه الذي فِي "مسند أحمد"، كما سيأتي قريبًا، وأما ما وقع فِي "الكبرى" فالظاهر أنه تصحيف؛ لأني لم أجد مادة "شفغ" فِي "القاموس"، ولا فِي غيره منْ كتب اللغة التي بين يديّ، وغاية ما هنالك أنه يوجد فِي "اللسان" "شفشغ" بالتكرار، ومعناه: أدخل الشيء، وأخرجه، أو بمعنى حرك اللجام فِي الفم، ولا يناسب هنا. والله تعالى أعلم.
وقوله: "مختصرٌ": أي هَذَا الْحَدِيث مختصر منْ الْحَدِيث الطويل، وَقَدْ ساقه الإِمام أحمد رحمه الله تعالى مطوّلاً فِي "مسنده"، فَقَالَ:
٩٦٢ - حدثنا بهز، حدثنا همام، أنبأنا قتادة، عن أبي حسان، أن عليا ﵁، كَانَ يأمر بالأمر، فيؤتى، فيقال: قد فعلنا كذا وكذا، فيقول: صدق الله ورسوله، قَالَ: فَقَالَ له الأشتر: إن هَذَا الذي تقول: قد تفشغ فِي النَّاس، أفشيء عهده إليك رسول الله ﷺ ؟ قَالَ علي ﵁: ما عهد إلى رسول الله ﷺ شيئا، خاصة دون النَّاس، إلا شيء سمعته منه، فهو فِي صحيفة، فِي قراب سيفي، قَالَ: فلم يزالوا به، حَتَّى أخرج الصحيفة، قَالَ: فإذا فيها: "منْ أحدث حدثا، أو آوى محدثا، فعليه لعنة الله،
стр. 17282
والملائكة، والناس أجمعين، لا يُقبَل منه صرف ولا عدل"، قَالَ: وإذا فيها: "إن إبراهيم حَرَّمَ مكة، وإني أحرم المدينة، حرام ما بين حرتيها، وحماها كله، لا يختلى خلاها، ولا يُنَفَّر صيدها, ولا تلتقط لقطتها، إلا لمن أشار بها, ولا تقطع منها شجرة، إلا أن يعلف رجل بعيره، ولا يُحمَل فيها السلاح لقتال"، قَالَ: وإذا فيها: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد عَلَى منْ سواهم، ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد فِي عهده".
والحديث صحيح، وَقَدْ سبق القول فيه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
١٤ - (تَعْظِيمُ قَتْلِ الْمُعَاهِدِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "المعاهد" بفتح الهاء، وكسرها: الذميّ، قَالَ الفيّوميّ رحمه الله تعالى: العهد: الأمان، والْمَوْثِقُ، والذمّة، ومنه قيل للحربيّ، يدخل بالأمان: ذو عهد، ومعاهد أيضًا بالبناء للفاعل والمفعول؛ لأن الفعل منْ اثنين، فكلّ واحد يفعل بصاحبه مثل ما يفعله صاحبه به، فكلّ واحد فِي المعنى فاعلٌ، ومفعولٌ، وهذا كما يقال: مكاتِبٌ، ومكاتَبٌ، ومضارِبٌ، ومضارَبٌ، وما أشبه ذلك، والمعاهدة: المعاقدة، والمحالفة. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٧٤٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عُيَيْنَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَتَلَ مُعَاهِدًا، فِي غَيْرِ كُنْهِهِ، حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (إسماعيل بن مسعود) أبو مسعود الْجَحْدريّ البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧.
٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبتٌ [٨] ٤٢/ ٤٧.
٣ - (عُيينة) -بضم العين المهملة، مصغّرًا-: هو ابن عبد الرحمن بن جَوْشن الْغَطَفَانيّ البصريّ، صدوقٌ [٧] ٤٤/ ١٩١٢.
стр. 17283
٤ - (أبوه) عبد الرحمن بن جَوْشَن -بفتح الجيم، والشين المعجمة، وسكون الواو- الْغَطَفانيّ -بفتح المعجمة، والطاء المهملة، والفاء- البصريّ، ثقة [٣] ٤٤/ ١٩١٢.
٥ - (أَبُو بَكْرَةَ) نُفيع بن الحارث بن كَلَدَة -بفتحتين- بن عمرو الثقفيّ الصحابيّ المشهور بكنيته، وقيل: اسمه مَسْرُوح بمهملات- أسلم بالطائف، ثم نزل البصرة، ومات ﵁ بها سنة (١) أو (٥٢ هـ) وتقدمت ترجمته فِي ٤١/ ٨٣٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه أبا بكرة ممن لُقّب بصورة الكنية، وكنيته أبو عبد الرحمن، وإنما لُقب بأبي بكرة؛ لكونه تدلّى منْ حصن الطائف ببكرة البئر، فأسلم، فكُنِيَ بذلك. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عُيَيْنَةَ) بن عبد الرحمن الغطفانيّ، أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي) عبد الرحمن بن جَوْشَن الغطفانيّ (قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرَةَ) نُفَيع بن الحارث رضي الله تعالى عنه (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ) ﷺ (مَنْ) شرطيّة مبتدأ، جوابها قوله: "حرّم الله الخ"، وهو الخبر عَلَى الأصحّ (قَتَلَ) بالبناء للفاعل (مُعَاهِدًا) قَالَ فِي "النهاية" ٣/ ٣٢٥ - : يجوز أن يكون بكسر الهاء، وفتحها، عَلَى الفاعل والمفعول، وهو فِي الْحَدِيث بالفتح أشهر وأكثر، والمعاهد منْ كَانَ بينك وبينه عهدٌ، وأكثر ما يُطلق فِي الْحَدِيث عَلَى أهل الذّمّة، وَقَدْ يُطلق عَلَى غيرهم، منْ الكفّار إذا صولحوا عَلَى ترك الحرب مدّةً مّا. انتهى.
وَقَالَ فِي "الفتح" ١٤/ ٢٥٧ - المراد بالمعاهد منْ له عهد مع المسلمين، سواء كَانَ بعقد جزية، أو هُدْنة، منْ سلطان، أو أمان منْ مسلم. انتهى.
(فِي غَيْرِ كُنْهِهِ) بضم الكاف، وسكون النون: قَالَ فِي "النهاية" ٤/ ٢٠٦ - : كُنْهُ الأمرِ: حقيقته، وقيل: وقته وقدره. وقيل: غايته- يعني منْ قتله فِي غير وقته، أو غاية أمره الذي يجوز فيه قتله. انتهى. وَقَالَ فِي "اللسان" ١٣/ ٥٣٦ - ٥٣٧ - : كُنْهُ كلّ شيء: قدرُهُ، ونهايته، وغايته، يقال: أعرِفه كُنْهَ المعرِفَةِ. قَالَ: تقول: بلغت كنه هَذَا الأمر: أي غايته، وفعلتُ كذا فِي غير كنهه: أي وقته، قَالَ الشاعر [منْ الطويل]:
وَإِنَّ كَلَامَ الْمَرْءِ فِي غَيْرِ كُنْهِهِ … لَكَالنَّبْلِ تَهْوِي لَيْسَ فِيهَا نِصَالُهَا
قَالَ الجوهريّ: لا يُشتقّ منه فعلٌ، وقولهم: لا يَكْتنهه الوصف، بمعنى لا يبلُغُ
стр. 17284
كُنهه، كلامٌ مولّدٌ. انتهى. وَقَالَ الأزهريّ: اكتنهتُ الأمر اكتناهًا: إذا بلغتَ كنهه. انتهى.
وفي الرواية التالية: "منْ قتل نفسًا مُعاهدةً بغير حِلِّها". وللبيهقي منْ رواية صفوان بن سليم، عن ثلاثين منْ أبناء أصحاب رسول الله ﷺ ، عن آبائهم، عن رسول الله ﷺ بلفظ: "منْ قتل معاهدا، له ذمة الله ورسوله ﷺ ".
(حَرَّمَ) بتشديد الراء، منْ التحريم (اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) أي منعه منْ دخولها أوّلاً، أو بالاستحقاق. أفاده السنديّ. وَقَالَ فِي "العون" ٧/ ٣١٣ - : أي لا يدخلها مع أول منْ يدخلها منْ المسلمين الذين لم يقترفوا الكبائر.
وَقَالَ الحافظ فِي "الفتح" ١٤/ ٢٥٧ - : والمراد بهذا النفي، وإن كَانَ عاما التخصيص بزمانٍ مّا؛ لِمَا تعاضدت الأدلة العقلية والنقلية، أن منْ مات مسلما, ولو كَانَ منْ أهل الكبائر، فهو محكوم بإسلامه، غير مخلد فِي النار، ومآله إلى الجنة، ولو عُذِّبَ قبل ذلك. انتهى.
وَقَالَ الشوكانيّ: وأما قاتل المعاهد، فالحديثان مصرّحان بأنه لا يجد رائحة الجنة، وذلك مستلزم لعدم دخولها أبدًا، وهذان الحديثان، وأمثالهما ينبغي أن يُخصّص بهما عموم الأحاديث القاضية بخروج الموحّدين منْ النار، ودخولهم الجنة بعد ذلك. انتهى "نيل الأوطار" ٧/ ١٥.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى الشوكانيّ تخصيص العمومات بهذا الْحَدِيث، فيه نظرٌ لا يخفى، فالأولى ما عليه الجمهور، كما تقدّم آنفًا عن الحافظ، فتبصّر. والله تعالى أعلم.
وفي الرواية التالية: "حرّم الله عليه الجنّة أن يشُمّ ريحها". وفي حديث القاسم بن مُخيمِرة، عن رجل منْ أصحاب النبيّ ﷺ الآتي بعد حديث: "منْ قتل رجلاً منْ أهل الذمّة لم يجد ريح الجنّة، وإن ريحها ليوجد منْ مسيرة سبعين عامًا". وفي حديث عبد الله بن عمرو الآتي فِي هَذَا الباب أيضًا: "منْ قتل قتيلاً منْ أهل الذّمّة لم يجد ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد منْ مسيرة أربعين عامًا". وسيأتي الجمع بين هذه الروايات فِي الْحَدِيث الثالث، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي بكرة ﵁ هَذَا صحيح.
стр. 17285
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٤/ ٤٧٤٩ و٤٧٥٠ - وفي "الكبرى" ١٣/ ٦٩٤٩ و٦٩٥٠. وأخرجه (د) فِي "الجهاد" ٢٧٦٠ (أحمد) فِي "مسند البصريين" ١٩٨٦٤ و١٩٨٨٤ و٢٧٥٣٣ و١٩٩٩٣ و٢٠٠٠٠ (الدارمي) فِي "السير" ٢٣٩٢. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تعظيم قتل المعاهد. (ومنها): جواز معاهدة الكفّار، وعقد الذّمّة لهم. (ومنها): بيان عظمة الإِسلام، ورفعة مكانته، حيث إنه يُراعي حقوق كلّ النَّاس، ولو كانوا غير مسلمين، ما داموا مسالمين لأهل الإِسلام، واعتباره الاعتداء عليهم جريمة كبرى، بحيث يستحقّ به المسلم، إذا ارتكبه حرمان الجنّة التي ثبتت له بإسلامه، فلما اعتدى فِي الإِسلام، ولم يحترم حدوده عاقبه الله تعالى بمنعه عن مقامه الرفيع، الذي نوّه الله تعالى بأنه منْ مقام الفوز الأكبر، حيث قَالَ : ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ الآية [آل عمران: ١٨٥]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٥٠ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ الأَعْرَجِ، عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ ثُرْمُلَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهِدَةً، بِغَيْرِ حِلِّهَا، حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، أَنْ يَشُمَّ رِيحَهَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الحسين بن حُريث": هو الْخُزاعيّ مولاهم، أبو عمّار المروزيّ، ثقة [١٠] ٤٤/ ٥٢. و"إسماعيل": هو ابن عُليّة. و"يونس": هو ابن عُبيد، أبو عبيد البصريّ، الثقة الثبت الفاضل الورع [٥] ٨٨/ ١٠٩.
و"الحكّم بن الأعرج": هو ابن عبد الله بن إسحاق بن الأعرج البصريّ، ثقة، ربّما وَهِم [٣].
روى عن ابن عبّاس، وابن عمر، وعمران بن حُصين، ومعقِل بن يسار، وأبي بكرة، وأبي هريرة. وعنه ابن أخيه أبو خُشَينة، حاجب بن عُمر، وخالد الحذّاء، وسعيد الجريريّ، ومعاوية بن عمرو بن غلَاب، ويونس بن عُبيد، وعليّ بن زيد بن جُدعان، وغيرهم.
قَالَ أحمد: ثقة. وَقَالَ أبو زرعة: ثقة، وَقَالَ مرّة: فيه لين. وَقَالَ العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقة. وَقَالَ ابن سعد: كَانَ قليل الْحَدِيث. وَقَالَ يعقوب بن سُفيان: لا بأس به. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". روى له مسلم، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، له
стр. 17286
عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط.
و"الأشعث بن ثُرْمُلَة" -بضمّ الثاء المثلّثة، بعدها راء ساكنة، ثم ميم مضمومة، ثم لام مفتوحة خفيفة- البصريّ ثقة [٣].
روى عن أبي بكرة ﵁: "منْ قتل نفسًا معاهدة". وعنه الحكم بن الأعرج، ويونس بن عُبيد. قَالَ ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة مشهور. وَقَالَ البزّار: قديمٌ، لم يرو غير هَذَا الْحَدِيث. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وصحح حديثه هو والحاكم. تفرّد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط.
وقوله: "معاهدة" تقدّم أنه يجوز ضبطه بفتح الهاء وكسرها. وقوله: "بغير حلّها": أي بغير سبب يُحلُّ قتلها، منْ نقض عهد، أو غير ذلك. وقوله: "أن يشمّ ريحها" "أن" مصدريّة، وهو فِي تأويل المصدر بدل منْ "الجنّة" بدل اشتمال.
والحديث صحيح، وَقَدْ تقدّم الكلام عليه فِي الذي قبله.
[تنبيه]: أخرج المصنّف رحمه الله تعالى هَذَا الْحَدِيث فِي "السير" منْ "الكبرى" عن إبراهيم بن يعقوب، عن حجاج بن منهال، عن حمّاد بن سلمة، عن يونس، عن الحسن، عن أبي بكرة به، وَقَالَ: هَذَا خطأ، والصواب حديث ابن عليّة -يعني الإسناد الذي فِي هَذَا الباب- قَالَ: وابن عُليّة أثبت منْ حمّاد. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٥١ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ قَتَلَ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، لَمْ يَجِدْ رِيحَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ سَبْعِينَ عَامًا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "النضر": هو ابن شُمَيل المازنيّ، أبو الحسن البصريّ، نزيل مرو، ثقة، ثبتٌ، منْ كبار [٩] ٤١/ ٤٥. و"منصور": هو ابن المعتمر. و"هلال بن يساف" -بكسر التحتانيّة، ثم مهملة، ثم فاء، ويقال: إساف، الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة [٣] ٣٩/ ٤٣. و"القاسم بن مُخَيمِرَة" -مصغّرًا-: هو أبو عروة الْهَمْدانيّ الكوفيّ، نزيل الشام، ثقة فاضلٌ [٣] ٩٩/ ١٢٨.
وقوله: "منْ أهل الذّمّة": أي العهد، ويقال للمعاهد الذمي نسبة إلى الذمة، ومنه: "ذمة المسلمين واحدة". قاله فِي "الفتح".
стр. 17287
وقوله سبعين عاما" وفي حديث عبد الله بن عمرو الآتي بعده: "وإن ريحها ليوجد منْ مسيرة أربعين عامًا". وكذا هو فِي "صحيح البخاريّ"، قَالَ فِي "الفتح": كذا وقع للجميع، وخالفهم عمرو بن عبد الغفار، عن الحسن بن عمرو، عند الإسماعيلي، فَقَالَ: "سبعين عاما"، ومثله فِي حديث أبي هريرة، عند الترمذيّ، منْ طريق محمد بن عجلان، عن أبيه، عنه، ولفظه: "وإن ريحها ليوجد منْ مسيرة سبعين خريفا"، ومثله فِي رواية صفوان بن سليم، المشار إليها، ونحوه لأحمد، منْ طريق هلال بن يساف، عن رجل، عن النبيّ ﷺ : "سيكون قوم لهم عهد، فمن قَتَل منهم رجلا، لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد منْ مسيرة سبعين عاما"، وعند الطبراني فِي "الأوسط"، منْ طريق محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، بلفظ: "منْ مسيرة مائة عام"، وفي الطبراني عن أبي بكرة: "خمسمائة عام"، ووقع فِي "الموطإ" فِي حديث آخر: "إن ريحها يوجد منْ مسيرة خمسمائة عام"، وأخرجه الطبراني فِي "المعجم الصغير" منْ حديث أبي هريرة، وفي حديث لجابر ذكره صاحب "الفردوس": "إن ريح الجنة يُدرك منْ مسيرة ألف عام".
قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: وهذا اختلاف شديد، وَقَدْ تكلم ابن بطال عَلَى ذلك، فَقَالَ: الأربعون هي الأشَدُّ، فمن بلغها زاد عمله ويقينه وندمه، فكأنه وجد ريح الجنة التي تبعثه عَلَى الطاعة، قَالَ: والسبعون آخر المعترك، ويَعرِض عندها الندم، وخشية هجوم الأجل، فتزداد الطاعة، بتوفيق الله، فيجد ريحها منْ المدة المذكورة، وذكر فِي الخمسمائة كلاما متكلفا، حاصله أنها مدة الفترة التي بين كل نبي ونبي، فمن جاء فِي آخرها، وآمن بالنبيين، يكون أفضل منْ غيره، فيجد ريح الجنة.
وَقَالَ الكرماني: يحتمل أن لا يكون العدد بخصوصه مقصودا، بل المقصود المبالغة، فِي التكثير، ولهذا خص الأربعين، والسبعين؛ لأن الأربعين يشتمل عَلَى جميع أنواع العدد؛ لأن فيه الأحاد، وأحاده عشرة، والمائة عشرات، والألف مئات، والسبع عدد فوق العدد الكامل، وهو ستة، إذ أجزاؤه بقدره، وهي النصف، والثلث، والسدس، بغير زيادة ولا نقصان، وأما الخمسمائة فهي ما بين السماء والأرض.
قَالَ الحافظ: والذي يظهر لي فِي الجمع، أن يقال: إن الأربعين أقل زمن يُدرِك به ريحَ الجنة مَنْ فِي الموقف، والسبعين فوق ذلك، أو ذكرت للمبالغة، والخمسمائة، ثم الألف أكثر منْ ذلك، ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص، والأعمال، فمن أدركه منْ المسافة البعدى، أفضل ممن أدركه منْ المسافة القربى، وبين ذلك، وَقَدْ أشار إلى ذلك شيخنا -يعني الحافظ العراقيّ- فِي "شرح الترمذيّ"، فَقَالَ: الجمع بين هذه الروايات،
стр. 17288
أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، بتفاوت منازلهم، ودرجاتهم. ثم رأيت نحوه فِي كلام ابن العربي، فَقَالَ: ريح الجنة لا يُدرك بطبيعة، ولا عادة، إنما يدرك بما يخلق الله منْ إدراكه، فتارة يدركه منْ شاء الله منْ مسيرة سبعين، وتارة منْ مسيرة خمسمائة.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى عندي أظهر. والله تعالى أعلم.
ونقل ابن بطال، أن المهلب احتج بهذا الْحَدِيث عَلَى أن المسلم، إذا قَتَل الذمي، أو المعاهد، لا يقتل به، للاقتصار فِي أمره عَلَى الوعيد الأخروي، دون الدنيوي. وَقَدْ تقدّم البحث فِي هَذَا الحكم مستوفى فِي الباب الذي قبل هَذَا، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
والحديث صحيح، تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -١٤/ ٤٧٥١ - وفي "الكبرى" ١٣/ ٦٩٥١. وأخرجه (أحمد) فِي "مسند الشاميين" ١٧٦٠٦ و"مسند الأنصار" ٢٢٦١٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٥٢ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، دُحَيْمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ -وَهُوَ ابْنُ عَمْرٍو- عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً، مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، لَمْ يَجِدْ رِيحَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و"عبد الرحمن بن إبراهيم": هو العثمانيّ مولاهم، أبو سعيد الدمشقيّ، لقبه دُحَيم -بمهملتين، مصغّرًا - ابن اليتيم، ثقة حافظ متقنٌ [١٠] ٤٥/ ٥٦. و"مروان": هو ابن معاوية بن الحارث بن أسماء الفزاريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقة حافظ، وكان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] ٥٠/ ٨٥٠.
[تنبيه]: وقع فِي نسخ "المجتبى" هارون" بدل "مروان"، وهو تصحيف فاحشٌ، والصواب "مروان"، كما هو فِي "الكبرى" ٤/ ٢٢١ ولفظه: "حدّثنا مروان، وهو ابن معاوية". وكذا هو فِي "تحفة الأشراف" ٦/ ٢٨٥، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
و"الحسن بن عمرو": هو الْفُقَيميّ -بضمّ الفاء، وفتح القاف- التيميّ الكوفيّ، ثقة ثبتٌ [٦].
وفي "تهذيب التهذيب" ١/ ٤٠٩ - ٤١٠: رَوَى عن مجاهد، وسعيد بن جبير، والحكم بن عتيبة، وأبي الزبير، ومنذر الثوري، وأخيه الفضل بن عمرو الفقيمي،
стр. 17289
ومحارب بن دثار، وإبراهيم النخعي، وغيرهم. وعنه الثوري، وابن المبارك، وابن حي، وحفص بن غياث، وعبد الواحد بن زياد، وابن أخيه عمرو بن عبد الغفار بن عمرو، وأبو معاوية، وأبو بكر بن عياش، ومحمد بن فضيل، وعدة. قَالَ ابن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: أيما أعجب إليك الحسن بن عبيد، أو الحسن بن عمرو؟ قَالَ: ابن عمرو أثبتهما، وَقَالَ أحمد، وابن معين، والنسائي: ثقة، وزاد ابن أبي مريم، عن ابن معين: حجة. وَقَالَ أبو حاتم: لا بأس به، صالح. قَالَ ابن سعد: توفي فِي أول خلافة أبي جعفر. وَقَالَ الحاكم، عن الدارقطنيّ: لا بأس به. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". روى له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عند المصنّف حديثان فقط: هَذَا، وفي "كتاب الأشربة" ٥٧/ ٥٧٤٩ - حديث إبراهيم: "كانوا يرون أن منْ شرب شرابًا، فسكِر منه لم يصلح له أن يعود إليه".
و"مجاهد": هو ابن جبر، أبو الحجاج المخزوميّ، المكيّ الإِمام المفسّر.
و"جُنادة" -بضم الجيم، ثم نون- ابن أبي أُميّة الأزدي، ثم الزهراني، ويقال: الدوسي، أبو عبد الله الشاميّ، ويقال: اسم أبي أمية كثير، مختلف فِي صحبته.
وفي "تهذيب التهذيب ١/ ٣١٧: رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن عمر، وعلي، ومعاذ، وأبي الدرداء، وعبد الله بن عمرو، وعبادة بن الصامت، وبُسر بن أبي أرطاة. وعنه ابنه سليمان، وعُمير بن هانىء، وعُبادة بن نُسَيّ، وبسر بن سعيد، وشُيَيم بن بَيْتان، وغيرهم. قَالَ ابن يونس: كَانَ منْ الصحابة، شهد فتح مصر، وولي البحرين لمعاوية. وَقَالَ العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقة، منْ كبار التابعين، سكن الأُرْدُنَّ. وذكره ابن سعد فِي الطبقة الأولى، منْ تابعيّ أهل الشام. قَالَ الحافظ: وممن أثبت صحبته يحيى بن معين، ففي سؤالات إبراهيم بن الجنيد عنه: جنادة بن أبي أمية الأزدي، الذي روى عنه مجاهد، له صحبة؟ قَالَ: نعم، قلت: الذي روى عن عبادة؟ قَالَ: هو هو. وذكره ابن حبّان، فِي ثقات التابعين، وَقَالَ: قيل إن له صحبةً، وليس ذلك بصحيح. قَالَ الحافظ: الحقّ أنهما اثنان: أحدهما صحابي، والآخر تابعيّ، وَقَدْ بينت ذلك بأدلته فِي "معرفة الصحابة".
قَالَ الواقدي، وخليفة، وغيرهما: مات سنة (٨٠) زاد الواقدي: وكان ثقة، صاحب غزو. وقيل: مات سنة (٨٦)، وقيل: سنة (٧٥). روى له الجماعة، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب حديثان فقط: هَذَا، وفي "كتاب قطع السارق" ١٦/ ٤٩٨١ - حديث بسر ابن أرطاة ﵁ قَالَ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تُقطع الأيدي فِي السفر". والله تعالى أعلم.
стр. 17290
و"عبد الله بن عمرو": هو ابن العاص رضي الله تعالى عنهما.
[تنبيه]: تفرّد مروان بن معاوية بإدخال "جنادة بن أُميّة" بين مجاهد وعبد الله بن عمرو، وَقَدْ خالفه غيره، فجعلوه: عن مجاهد، عن عبد الله، فقد أخرج الْحَدِيث البخاريّ فِي "صحيحه" منْ طريق عبد الواحد بن زياد، عن الحسن بن عمرو، قَالَ: حدّثنا مجاهدٌ، عن عبد الله بن عمرو ﵄، فلم يذكر جنادة.
قَالَ فِي "الفتح": قوله: "مجاهد، عن عبد الله بن عمرو": أي بن العاص كذا قَالَ عبد الواحد، عن الحسن بن عمرو، وتابعه أبو معاوية، عند ابن ماجه، وعمرو بن عبد الغفار الفُقَيمي، عند الإسماعيلي، فهؤلاء ثلاثة، رووه هكذا، وخالفهم مروان بن معاوية، فرواه عن الحسن بن عمرو، فزاد فيه رجلا بين مجاهد وعبد الله بن عمرو، وهو جُنادة بن أبي أمية، أخرجه منْ طريقه النسائيّ، ورجح الدارقطنيّ رواية مروان؛ لأجل هذه الزيادة، لكن سماع مجاهد منْ عبد الله بن عمرو ثابت، وليس بمُدَلِّس، فيحتمل أن يكون مجاهد سمعه أَوّلاً منْ جنادة، ثم لَقِي عبد الله بن عمرو، أو سمعاه معا، وثَبَّته فيه جنادة، فحدث به عن عبد الله بن عمرو تارة، وحدث به عن جُنادة أخرى، ولعل السر فِي ذلك ما وقع بينهما منْ زيادة، أو اختلاف لفظ، فإن لفظ النسائيّ منْ طريقه: "منْ قتل قتيلا، منْ أهل الذمة، لم يجد ريح الجنة"، فَقَالَ: "منْ أهل الذمة"، ولم يقل: "مُعاهدًا"، وهو بالمعنى، ووقع فِي رواية أبي معاوية: "بغير حق"، كما تقدم ووقع فِي رواية الجميع: "أربعين عاما"، إلا عمرو بن عبد الغفار، فَقَالَ: "سبعين"، ووقع مثله فِي حديث أبي هريرة، عند الترمذيّ. انتهى "فتح" ٦/ ٤٠٦. والله تعالى أعلم.
(تنبيه آخر): قَالَ فِي "الفتح" أيضًا: اتفقت النسخ- يعني نسخ "صحيح البخاريّ" عَلَى أن الْحَدِيث منْ مسند عبد الله بن عمرو بن العاص، إلا ما رواه الأصيلي، عن الجرجاني، عن الفربري، فَقَالَ: عبد الله بن عُمَر -بضم العين، بغير واو- وهو تصحيف، نَبَّه عليه الجيّانيّ. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
وقوله: "لم يجد ريح الجنّة": وفي رواية البخاريّ: "لم يرح رائحة الجنّة": وهو -بفتح الياء والراء- وأصله يَرَاح، منْ راح يَرَاح: أي وجد الريح. وحكى ابن التين ضم أوله، وكسر الراء، قَالَ: والأول أجود، وعليه الأكثر. وحكى ابن الجوزي ثالثة، وهي فتح أوله، وكسر ثانيه، منْ راح يَرِيح. قاله فِي "الفتح" ٦/ ٤٠٦.
وَقَالَ الفيّوميّ: راح زيدٌ الريح يَرَاحها رَوْحًا، منْ باب خاف: اشتمّها، وراحها رَيْحًا، منْ باب سار، وأراحها بالألف كذلك، وفي الْحَدِيث: "لم يرح رائحة الجنّة"
стр. 17291
مرويّ باللغات الثلاث. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هَذَا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٤/ ٤٧٥٢ - وفي "الكبرى" ١٣/ ٦٩٥٢. وأخرجه (خ) فِي "الجزية والموادعة" ٣١٦٦ و"الديات" ٦٩١٤ (ق) فِي "الديات" ٢٦٨٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
١٥ - (سُقُوطُ الْقَوَدِ بَيْنَ الْمَمَالِيكِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: فِي ترجمة المصنّف رحمه الله تعالى هذه إشارة إلى أن المراد بالغلام فِي الْحَدِيث هو العبد، وبهذا يقول أبو داود، فقد ترجم فِي "سننه" بقوله: "باب جناية العبد، يكون للفقراء".
وفيها إشارة أيضًا إلى أن قطع العبد أذن العبد كَانَ عمدًا، وإنما لم يجعل النبيّ ﷺ لهم شيئًا: أي قصاصا، أو غيره؛ لعدم مشروعيّة القصاص بين العبيد فيما دون النفس، وهذا مذهب طائفة منْ العلماء، وسيأتي تحقيقه قريبًا، إن شاء الله تعالى.
وَقَدْ مال الخطّابيّ رحمه الله تعالى إلى أن الغلام الجاني كَانَ حرّا، وكانت جنايته خطأ، وأن عاقلته كانت فقراء، وإنما تواسي العاقلة عن وُجْد، وسَعَةٍ، ولا شيء عَلَى الفقير منهم. قَالَ: ويُشبه أن يكون الغلام المجنيّ عليه أيضًا كَانَ حرّا؛ لأنه لو كَانَ عبدًا لم يكن لاعتذار أهله بالفقر معنًى؛ لأن العاقلة لا تحَمِل عبدًا، كما لا تحمِل عمدًا, ولا اعترافًا، وذلك فِي قول أكثر أهل العلم. فأما الغلام المملوك إذا جنى عَلَى عبد، أو حرّ، فجنايته فِي رقبته، فِي قول عامّة أهل العلم. انتهى "معالم السنن" ٦/ ٣٨١ - ٣٨٢.
стр. 17292
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه المصنّف رحمه الله تعالى هو الأظهر، والله تعالى أعلم.
٤٧٥٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ غُلَامًا لأُنَاسٍ فُقَرَاءَ، قَطَعَ أُذُنَ غُلَامٍ لأُنَاسٍ أَغْنِيَاءَ، فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ ، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ شَيْئًا).
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه الإِمام الحافظ الحجة [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (معاذ بن هشام) الدستوائيّ البصريّ، صدوقٌ ربما وهم [٩] ٣٠/ ٣٤.
٣ - (أبوه) هشام بن أبي عبد الله/ سَنْبَر، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبتٌ، وَقَدْ رمي بالقدر، منْ كبار [٧] ٣٠/ ٣٤.
٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصريّ، ثقة ثبت يدلس [٤] ٣٠/ ٣٤.
٥ - (أبو نضرة) المنذر بن مالك بن قُطَعَة العبديّ الْعَوَقيّ البصريّ، ثقة [٣] ٢١/ ٥٣٨.
٦ - (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْن) بن عُبيد بن خَلَف، أبو نُجيد الخزاعيّ، الصحابيّ المشهور، أسلم عام خيبر، وصحب النبيّ ﷺ ، وكان فاضلاً، وقضى بالكوفة، ومات ﵁ بالبصرة سنة (٥٢ هـ) وتقدّمت ترجمته فِي ٢٠١/ ٣٢١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فمروزيّ، ثم نيسابوريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْن) بن عُبيد الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ غُلَامًا) بضم الغين المعجمة، هو الأصل الابن الصغير, وجمعه فِي القلّة غِلْمة، بكسر، فسكون، وفي الكثرة غِلمان بكسر، فسكون أيضًا، ويُطلق عَلَى الرجل مجازًا، باعتبار ما كَانَ عليه، وهو المراد هنا، كما يقال: للصغير شيخٌ مجازًا باعتبار ما يئول إليه، وجاء فِي الشعر غلامة بالهاء، وَقَالَ الأزهريّ: سمعت العرب تقول للمولود، حين يولد ذكرًا: غلامٌ، وسمعتهم يقولون للكهل: غلام، وهو فاش فِي كلامهم. أفاده الفيّوميّ.
[فائدة]: قد نظمت الأسماء التي تُطلق عَلَى الإنسان:
стр. 17293
اعْلَمْ هَدَاكَ اللَّهُ أَنَّ الْوَلَدَا … دَعَوْهُ بِالْجَنِينِ حَتَّى يُولَدَا
ثُمَّ صَبِيًّا لِلْفِطَامِ يُدْعَى … ثُمَّ إِلَى سَبْعٍ غُلَامًا يُرْعَى
وَيَافِعٌ لِعَشرَةٍ حَزَوَّرُ … لِخَمْسَ عَشْرَةَ أَتَاكَ الْخَبَرُ
وَقُمُدٌ لِلْخَمْسِ وَالْعِشْرِينَ ثُمَّ … عَنْطْنَطًا إِلَى ثَلَاِثِينَ تَضُمُّ
ثُمَّ لأَرْبَعِينَ قُلْ مُمِلُّ … ثُمَّ إِلَى خَمْسِينَ قَالُوا كَهْلُ
إِلَى ثَمَانِينَ بِشَيخٍ يُدْعَى … ثُمَّ إِذَا زَادَ بِهمِّ يُرْعَى
أَوْرَدَهُ الْحَافِظُ فِي "الْفَتْحِ" كَذَا … فَاَحْفَظْ حَمَاكَ اللَّهُ مِنْ كُلِّ أَذَى
(لأنَاسٍ) بضمّ الهمزة لغة فِي النَّاس (فُقَرَاءَ قَطَعَ أُذُنَ غُلَامٍ لأُنَاسٍ أَغْنِيَاءَ، فَأَتَوُا) أي أولياء المقطوع أذنه، وهم الأغنياء (النَّبِيَّ ﷺ ) وفي رواية أبي داود: "فأتى أهله النبيّ ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله إنا ناسٌ فقراء"، وعلى هَذَا فالذين أتوا هم أهل القاطع (فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ شَيْئًا) أي لم يجعل لهؤلاء الأغنياء مقابل قطع أذن عبدهم شيئًا، وفي رواية أبي داود: "فلم يجعل عليهم شيئًا": يعني أنه ﷺ لم يجعل عَلَى الأناس الفقراء الذين جنى غلامهم بقطع الأذن شيئًا يدفعونه لأولياء المقطوع أذنه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيح الإسناد
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٥/ ٤٧٥٣ - وفي "الكبرى" ١٤/ ٦٩٥٣. وأخرجه (د) فِي "الديات" ٤٥٩٠ (الدارمي) فِي "الديات" ٢٢٦٢.
(المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي وجوب القصاص بين العبيد فِي النفس، أو فيما دونها:
أما فِي النفس، فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يجري القصاص بين العبيد فِي النفس، رُوي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، وسالم، والنخعي، والشعبي، والزهري، وقتادة، والثوري، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد.
ورُوي عن أحمد رواية أخرى: أن منْ شرط القصاص تساوي قيمتهم، وإن اختلفت قيمتهم، لم يجر بينهم قصاص، قَالَ الموفّق: وينبغي أن يختص هَذَا بما إذا كانت قيمة القاتل أكثر، فإن كانت أقل فلا، وهذا قول عطاء.
стр. 17294
وذهب ابن عباس إلى أنه ليس بين العبيد قصاص فِي نفس، ولا جرح؛ لأنهم أموال.
واحتجّ الأولون بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ الآية [البقرة: ١٧٨] وهذا نص منْ الكتاب، فلا يجوز خلافه، ولأن تفاوت القيمة كتفاوت الديةِ والفضائلِ، فلا يمنع القصاص، كالعلم، والشرف، والذكورية، والأنوثية.
وأما فيما دون النفس، فقد ذهبت طائفة إلى أنه أيضًا يجري القصاص بينهم فيها، وبه قَالَ عمر بن عبد العزيز، وسالم، والزهري، وقتادة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وابن المنذر.
وذهبت طائفة إلى أنه لا يجري القصاص بينهم فيما دون النفس، وهو قول الشعبي، والنخعي، والثوري، وأبي حنيفة، وهي رواية عن أحمد؛ لأن الأطراف مال، فلا يجري القصاص فيها، كالبهائم، ولأن التساوي فِي الأطراف معتبر فِي جريان القصاص، بدليل أَنّا لا نأخذ الصحيحة بالشلاء، ولا كاملة الأصابع بالناقصة، وأطراف العبيد لا تتساوى.
واحتجّ الأولون بقول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ الآية [المائدة: ٤٥]؛ ولأنه أحد نوعي القصاص، فجرى بين العبيد، كالقصاص فِي النفس. أفاده فِي "المغني" ١١/ ٤٧٥ - ٤٧٦.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور، منْ وجوب القصاص بين العبيد فِي النفس، وفيما دونها هو الأرجح عندي؛ لما ذُكر منْ النصّوص. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
١٦ - (الْقِصَاصُ فِي السِّنِّ)
٤٧٥٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو خَالِدٍ، سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَضَى بِالْقِصَاصِ فِي السِّنِّ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و"أبو خالد، سليمان بن حيّان": هو الأزديّ الأحمر الكوفيّ، صدوقٌ يُخطىء [٨]
стр. 17295
٣٠/ ٩٢١. و"حُميد": هو ابن أبي حميد الطويل البصريّ. والسند منْ رباعيّات المصنّف، وهو (٢٣٢) منْ رباعيات الكتاب، وهو مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه، فمروزيّ، ثم نيسابوريّ.
والحديث صحيح، وهو بهذا السياق منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -١٦/ ٤٧٥٤ - وفي "الكبرى" ١٥/ ٦٩٥٤. وشرحه يأتي بعد حديثين، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٥٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَ عَبْدَهُ جَدَعْنَاهُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه إيراد المصنّف رحمه الله تعالى هَذَا الْحَدِيث فِي هَذَا الباب أن قوله: "ومن جدع عبده" يشمل قلع السنّ؛ لأن معنى الجدع فِي اللغة: القطع،، وقيل: هو القع البائن فِي الأنف، والأذن، والشفة، واليد، ونحوها، قاله فِي "اللسان"، فيدخل فيه قلع السنّ. والله تعالى أعلم.
والحديث ضعيف للكلام فِي سماع الحسن عن سمُرة، وعلى تقدير سماعه، ففيه عنعنته، وهو مدلّس، وَقَدْ تقدّم فِي ١٠/ ٤٧٣٨ - فراجعه هناك تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٥٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ خَصَى عَبْدَهُ خَصَيْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَ عَبْدَهُ جَدَعْنَاهُ"، وَاللَّفْظُ لاِبْنِ بَشَّارٍ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "معاذ بن هشام": هو الدستوائيّ، والحديث ضعيف، وَقَدْ سبق القول فيه فيما قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٥٧ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ أُخْتَ الرُّبَيِّعِ، أُمَّ حَارِثَةَ، جَرَحَتْ إِنْسَانًا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْقِصَاصَ الْقِصَاصَ"، فَقَالَتْ أُمُّ الرُّبَيِّعِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُقْتَصُّ مِنْ فُلَانَةَ، لَا وَاللَّهِ، لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا أَبَدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سُبْحَانَ اللَّهِ، يَا أُمَّ الرُّبَيِّعِ الْقِصَاصُ كِتَابُ اللَّهِ"، قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا أَبَدًا، فَمَا زَالَتْ حَتَّى قَبِلُوا الدِّيَةَ، قَالَ: "إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّه").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (أحمد بن سليمان) أبو الحسين الرُّهاويّ الثقة الحافظ [١١] ٣٨/ ٤٢.