مرويّ باللغات الثلاث. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هَذَا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٤/ ٤٧٥٢ - وفي "الكبرى" ١٣/ ٦٩٥٢. وأخرجه (خ) فِي "الجزية والموادعة" ٣١٦٦ و"الديات" ٦٩١٤ (ق) فِي "الديات" ٢٦٨٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
١٥ - (سُقُوطُ الْقَوَدِ بَيْنَ الْمَمَالِيكِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: فِي ترجمة المصنّف رحمه الله تعالى هذه إشارة إلى أن المراد بالغلام فِي الْحَدِيث هو العبد، وبهذا يقول أبو داود، فقد ترجم فِي "سننه" بقوله: "باب جناية العبد، يكون للفقراء".
وفيها إشارة أيضًا إلى أن قطع العبد أذن العبد كَانَ عمدًا، وإنما لم يجعل النبيّ ﷺ لهم شيئًا: أي قصاصا، أو غيره؛ لعدم مشروعيّة القصاص بين العبيد فيما دون النفس، وهذا مذهب طائفة منْ العلماء، وسيأتي تحقيقه قريبًا، إن شاء الله تعالى.
وَقَدْ مال الخطّابيّ رحمه الله تعالى إلى أن الغلام الجاني كَانَ حرّا، وكانت جنايته خطأ، وأن عاقلته كانت فقراء، وإنما تواسي العاقلة عن وُجْد، وسَعَةٍ، ولا شيء عَلَى الفقير منهم. قَالَ: ويُشبه أن يكون الغلام المجنيّ عليه أيضًا كَانَ حرّا؛ لأنه لو كَانَ عبدًا لم يكن لاعتذار أهله بالفقر معنًى؛ لأن العاقلة لا تحَمِل عبدًا، كما لا تحمِل عمدًا, ولا اعترافًا، وذلك فِي قول أكثر أهل العلم. فأما الغلام المملوك إذا جنى عَلَى عبد، أو حرّ، فجنايته فِي رقبته، فِي قول عامّة أهل العلم. انتهى "معالم السنن" ٦/ ٣٨١ - ٣٨٢.
стр. 17292
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه المصنّف رحمه الله تعالى هو الأظهر، والله تعالى أعلم.
٤٧٥٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ غُلَامًا لأُنَاسٍ فُقَرَاءَ، قَطَعَ أُذُنَ غُلَامٍ لأُنَاسٍ أَغْنِيَاءَ، فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ ، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ شَيْئًا).
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه الإِمام الحافظ الحجة [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (معاذ بن هشام) الدستوائيّ البصريّ، صدوقٌ ربما وهم [٩] ٣٠/ ٣٤.
٣ - (أبوه) هشام بن أبي عبد الله/ سَنْبَر، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبتٌ، وَقَدْ رمي بالقدر، منْ كبار [٧] ٣٠/ ٣٤.
٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصريّ، ثقة ثبت يدلس [٤] ٣٠/ ٣٤.
٥ - (أبو نضرة) المنذر بن مالك بن قُطَعَة العبديّ الْعَوَقيّ البصريّ، ثقة [٣] ٢١/ ٥٣٨.
٦ - (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْن) بن عُبيد بن خَلَف، أبو نُجيد الخزاعيّ، الصحابيّ المشهور، أسلم عام خيبر، وصحب النبيّ ﷺ ، وكان فاضلاً، وقضى بالكوفة، ومات ﵁ بالبصرة سنة (٥٢ هـ) وتقدّمت ترجمته فِي ٢٠١/ ٣٢١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فمروزيّ، ثم نيسابوريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْن) بن عُبيد الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ غُلَامًا) بضم الغين المعجمة، هو الأصل الابن الصغير, وجمعه فِي القلّة غِلْمة، بكسر، فسكون، وفي الكثرة غِلمان بكسر، فسكون أيضًا، ويُطلق عَلَى الرجل مجازًا، باعتبار ما كَانَ عليه، وهو المراد هنا، كما يقال: للصغير شيخٌ مجازًا باعتبار ما يئول إليه، وجاء فِي الشعر غلامة بالهاء، وَقَالَ الأزهريّ: سمعت العرب تقول للمولود، حين يولد ذكرًا: غلامٌ، وسمعتهم يقولون للكهل: غلام، وهو فاش فِي كلامهم. أفاده الفيّوميّ.
[فائدة]: قد نظمت الأسماء التي تُطلق عَلَى الإنسان:
стр. 17293
اعْلَمْ هَدَاكَ اللَّهُ أَنَّ الْوَلَدَا … دَعَوْهُ بِالْجَنِينِ حَتَّى يُولَدَا
ثُمَّ صَبِيًّا لِلْفِطَامِ يُدْعَى … ثُمَّ إِلَى سَبْعٍ غُلَامًا يُرْعَى
وَيَافِعٌ لِعَشرَةٍ حَزَوَّرُ … لِخَمْسَ عَشْرَةَ أَتَاكَ الْخَبَرُ
وَقُمُدٌ لِلْخَمْسِ وَالْعِشْرِينَ ثُمَّ … عَنْطْنَطًا إِلَى ثَلَاِثِينَ تَضُمُّ
ثُمَّ لأَرْبَعِينَ قُلْ مُمِلُّ … ثُمَّ إِلَى خَمْسِينَ قَالُوا كَهْلُ
إِلَى ثَمَانِينَ بِشَيخٍ يُدْعَى … ثُمَّ إِذَا زَادَ بِهمِّ يُرْعَى
أَوْرَدَهُ الْحَافِظُ فِي "الْفَتْحِ" كَذَا … فَاَحْفَظْ حَمَاكَ اللَّهُ مِنْ كُلِّ أَذَى
(لأنَاسٍ) بضمّ الهمزة لغة فِي النَّاس (فُقَرَاءَ قَطَعَ أُذُنَ غُلَامٍ لأُنَاسٍ أَغْنِيَاءَ، فَأَتَوُا) أي أولياء المقطوع أذنه، وهم الأغنياء (النَّبِيَّ ﷺ ) وفي رواية أبي داود: "فأتى أهله النبيّ ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله إنا ناسٌ فقراء"، وعلى هَذَا فالذين أتوا هم أهل القاطع (فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ شَيْئًا) أي لم يجعل لهؤلاء الأغنياء مقابل قطع أذن عبدهم شيئًا، وفي رواية أبي داود: "فلم يجعل عليهم شيئًا": يعني أنه ﷺ لم يجعل عَلَى الأناس الفقراء الذين جنى غلامهم بقطع الأذن شيئًا يدفعونه لأولياء المقطوع أذنه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيح الإسناد
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٥/ ٤٧٥٣ - وفي "الكبرى" ١٤/ ٦٩٥٣. وأخرجه (د) فِي "الديات" ٤٥٩٠ (الدارمي) فِي "الديات" ٢٢٦٢.
(المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي وجوب القصاص بين العبيد فِي النفس، أو فيما دونها:
أما فِي النفس، فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يجري القصاص بين العبيد فِي النفس، رُوي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، وسالم، والنخعي، والشعبي، والزهري، وقتادة، والثوري، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد.
ورُوي عن أحمد رواية أخرى: أن منْ شرط القصاص تساوي قيمتهم، وإن اختلفت قيمتهم، لم يجر بينهم قصاص، قَالَ الموفّق: وينبغي أن يختص هَذَا بما إذا كانت قيمة القاتل أكثر، فإن كانت أقل فلا، وهذا قول عطاء.
стр. 17294
وذهب ابن عباس إلى أنه ليس بين العبيد قصاص فِي نفس، ولا جرح؛ لأنهم أموال.
واحتجّ الأولون بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ الآية [البقرة: ١٧٨] وهذا نص منْ الكتاب، فلا يجوز خلافه، ولأن تفاوت القيمة كتفاوت الديةِ والفضائلِ، فلا يمنع القصاص، كالعلم، والشرف، والذكورية، والأنوثية.
وأما فيما دون النفس، فقد ذهبت طائفة إلى أنه أيضًا يجري القصاص بينهم فيها، وبه قَالَ عمر بن عبد العزيز، وسالم، والزهري، وقتادة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وابن المنذر.
وذهبت طائفة إلى أنه لا يجري القصاص بينهم فيما دون النفس، وهو قول الشعبي، والنخعي، والثوري، وأبي حنيفة، وهي رواية عن أحمد؛ لأن الأطراف مال، فلا يجري القصاص فيها، كالبهائم، ولأن التساوي فِي الأطراف معتبر فِي جريان القصاص، بدليل أَنّا لا نأخذ الصحيحة بالشلاء، ولا كاملة الأصابع بالناقصة، وأطراف العبيد لا تتساوى.
واحتجّ الأولون بقول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ الآية [المائدة: ٤٥]؛ ولأنه أحد نوعي القصاص، فجرى بين العبيد، كالقصاص فِي النفس. أفاده فِي "المغني" ١١/ ٤٧٥ - ٤٧٦.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور، منْ وجوب القصاص بين العبيد فِي النفس، وفيما دونها هو الأرجح عندي؛ لما ذُكر منْ النصّوص. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
١٦ - (الْقِصَاصُ فِي السِّنِّ)
٤٧٥٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو خَالِدٍ، سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَضَى بِالْقِصَاصِ فِي السِّنِّ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و"أبو خالد، سليمان بن حيّان": هو الأزديّ الأحمر الكوفيّ، صدوقٌ يُخطىء [٨]
стр. 17295
٣٠/ ٩٢١. و"حُميد": هو ابن أبي حميد الطويل البصريّ. والسند منْ رباعيّات المصنّف، وهو (٢٣٢) منْ رباعيات الكتاب، وهو مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه، فمروزيّ، ثم نيسابوريّ.
والحديث صحيح، وهو بهذا السياق منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -١٦/ ٤٧٥٤ - وفي "الكبرى" ١٥/ ٦٩٥٤. وشرحه يأتي بعد حديثين، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٥٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَ عَبْدَهُ جَدَعْنَاهُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه إيراد المصنّف رحمه الله تعالى هَذَا الْحَدِيث فِي هَذَا الباب أن قوله: "ومن جدع عبده" يشمل قلع السنّ؛ لأن معنى الجدع فِي اللغة: القطع،، وقيل: هو القع البائن فِي الأنف، والأذن، والشفة، واليد، ونحوها، قاله فِي "اللسان"، فيدخل فيه قلع السنّ. والله تعالى أعلم.
والحديث ضعيف للكلام فِي سماع الحسن عن سمُرة، وعلى تقدير سماعه، ففيه عنعنته، وهو مدلّس، وَقَدْ تقدّم فِي ١٠/ ٤٧٣٨ - فراجعه هناك تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٥٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ خَصَى عَبْدَهُ خَصَيْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَ عَبْدَهُ جَدَعْنَاهُ"، وَاللَّفْظُ لاِبْنِ بَشَّارٍ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "معاذ بن هشام": هو الدستوائيّ، والحديث ضعيف، وَقَدْ سبق القول فيه فيما قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٥٧ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ أُخْتَ الرُّبَيِّعِ، أُمَّ حَارِثَةَ، جَرَحَتْ إِنْسَانًا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْقِصَاصَ الْقِصَاصَ"، فَقَالَتْ أُمُّ الرُّبَيِّعِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُقْتَصُّ مِنْ فُلَانَةَ، لَا وَاللَّهِ، لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا أَبَدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سُبْحَانَ اللَّهِ، يَا أُمَّ الرُّبَيِّعِ الْقِصَاصُ كِتَابُ اللَّهِ"، قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا أَبَدًا، فَمَا زَالَتْ حَتَّى قَبِلُوا الدِّيَةَ، قَالَ: "إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّه").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (أحمد بن سليمان) أبو الحسين الرُّهاويّ الثقة الحافظ [١١] ٣٨/ ٤٢.
стр. 17296
٢ - (عفّان) بن مسلم الصفّار البصريّ ثقة ثبت، منْ كبار [١٠] ٢١/ ٤٢٧.
٣ - (حماد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة الصريّ، ثقة عابد، أثبت النَّاس فِي ثابت [٨] ١٨١/ ٢٨٨.
٣ - (ثابتٌ) بن أسلم البنانيّ البصريّ، ثقة عابد [٤] ٤٥/ ٥٣.
٥ - (أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه أيضًا، فإنه رُهاويّ. (ومنها): أن فيه أنس بن مالك ﵁ منْ المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر منْ مات منْ الصحابة بالبصرة، مات سنة (٢) أو (٩٣) وَقَدْ جاوز مائة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَنَس) بن مالك ﵁ (أَنَّ أُخْتَ الرُّبَيِّعِ) بضم الراء، وتشديد المثنّاة التحتانيّة، بصيغة التصغير (أُمَّ حَارِثَةَ) بالنصب بدل منْ "أُخْتَ" (جَرَحَتْ إِنْسَانًا) قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: كذا وقع هَذَا اللفظ فِي كتاب مسلم، قَالَ القاضي عياض: المعروف أن الرُّبَيِّع هي صاحبة القصّة، وكذا جاء مفسّرًا فِي البخاريّ، فِي الروايات الصحيحة أنها الرُّبيّع بنت النضر، وأُخت أنس بن النضر، وعمّة أنس بن مالك، وأن الذي أقسم هو أخوها أنس بن النضر، وكذا فِي المصنّفات، وجاء مفسّرًا عند البخاريّ وغيره: أنها لطمت جاريةً، فكسرت ثنيّتها. ورواية البخاريّ هذه تدلّ عَلَى أن الإنسان المجروح المذكور فِي رواية مسلم هو جاريةٌ، فلا يكون فيه حجةٌ لمن ظنّ أنه رجلٌ، فاستدلّ به عَلَى أن القصاص جارٍ بين الذكر والأنثى فيما دون النفس، والصحيح أن الإنسان يطلق عَلَى الذكر والأنثى، وهو منْ أسماء الأجناس، وهي تعمّ الذكر والأنثى، كالفرس، يعمّ الذكر والأنثى. انتهى "المفهم" ٥/ ٣٤ - ٣٥.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية البخاريّ التي أشار إليها القاضي هي الآتية فِي الباب التالي، وحال الاختلاف بينها وبين هذه الرواية منْ وجهين:
[أحدهما]: أن الجارية فِي هذه الرواية هي أخت الرُّبَيِّع، وفي الرواية الآتية أنها الرُّبَيّع نفسها. [والثاني]: أن الحالف فِي هذه الرواية أن لا تكسر ثنيتها هي أم الرَّبِيع -بفتح الراء- وفي الرواية الآتية هو أنس بن النضر ﵁.
стр. 17297
قَالَ النوويّ: قَالَ العلماء المعروف فِي الروايات رواية البخاريّ -يعني الرواية الآتية فِي الباب التالي- وَقَدْ ذكرها البخاريّ منْ طرقه الصحيحة, وكذا رواه أصحاب "كتب السنن".
قَالَ: إنهما قضيتان: أما الرُّبَيِّع الجارحة فِي رواية البخاريّ، وأخت الجارحة فِي رواية مسلم، فهي بضم الراء، وفتح الباء، وتشديد الياء، وأما أم الرَّبِيع الحالفة فِي رواية مسلم، فبفتح الراء، وكسر الباء، وتخفيف الياء. انتهى "شرح مسلم" ١١/ ١٦٤ - ١٦٥.
وَقَالَ الحافظ فِي "الفتح" ١٤/ ٢٠١ - : جزم ابن حزم بأنهما قصتان صحيحتان، وقعتا لامرأة واحدة: [إحداهما]: أنها جرحت إنسانا، فقضي عليها بالضمان، والأخرى أنها كسرت ثنية جارية، فقضي عليها بالقصاص، وحلفت أمها فِي الأولى، وأخوها فِي الثانية. وَقَالَ البيهقي -بعد أن أورد الروايتين-: ظاهر الخبرين يدل عَلَى أنهما قصتان، فإن قُبِل هَذَا الجمع، وإلا فثابت أحفظ منْ حميد.
قَالَ الحافظ: فِي القصتين مغايرات: منها: هل الجانية الرُّبَيِّع، أو أختها، وهل الجناية كسر الثنية، أو الجراحة، وهل الحالف أم الرَّبِيع، أو أخوها أنس بن النضر، وأما ما وقع فِي أول "الجنايات" عند البيهقي منْ وجه آخر، عن حميد، عن أنس، قَالَ: لطمت الرُّبَيِّعُ بنت مُعَوَّذ جارية، فكسرت ثنيتها، فهو غلط فِي ذكر أبيها، والمحفوظ أنها بنت النضر، عمة أنس ﵁ كما وقع التصريح به، فِي صحيح البخاريّ. انتهى "فتح" ١٤/ ٢٠١.
(فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْقِصَاصَ الْقِصَاصَ) قَالَ النوويّ: هما منصوبان: أي أَدُّوا القصاص، وسَلِّموه إلى مستحقه. انتهى. وَقَالَ القرطبيّ: الرواية بنصب "القصاص" فِي اللفظين، ولا يجوز غيره، وهو منصوب بفعل مضمر، لا يجوز إظهاره، تقديره: ألزمكم القصاص، أو أقيموا القصاص، غير أن هَذَا الفعل لا تظهره العرب قطّ؛ لأنهم استغنوا عنه بتكرار اللفظ، كما قالوا: الجدارَ الجدارَ، والصبيَّ الصبيَّ. انتهى.
(فَقَالَتْ أُمُّ الرَّبِيعِ) بفتح الراء، وكسر الموحّدة، وتخفيف الياء (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُقْتَصُّ مِنْ فُلَانَةَ، لَا وَاللهِ، لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا أَبَدًا) هَذَا إخبارٌ منها بأن الكسر لا يتحقّق، وليس ردّا للحكم. وَقَالَ النوويّ: هَذَا ليس معناه ردّ حكم النبيّ ﷺ ، بل المراد به الرغبة إلى مستحقّ القصاص أن يعفو، وإلى النبيّ ﷺ فِي الشفاعة إليهم فِي العفو، وإنما حلفت ثقة بهم أن لا يُحَنِّثُوها، أو ثقة بفضل الله، ولطفه أن لا يحنثها بل يلهمهم العفو. انتهى.
стр. 17298
وَقَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: ما حاصله: ولَمّا فهِم أنس بن النضر -عَلَى ما فِي الرواية الآتية، أو أم الربيع عَلَى فِي هذه الرواية- لزوم القصاص، عظم عليه أن تكسر ثنية الجانية، فبذلوا الأرش، فلم يرضَ أولياء المجنيّ عليها به، فكُلِّم أهلها فِي ذلك، فأَبَوا، فلما رأى امتناعهم منْ ذلك، وأن القصاص قد تعيّن، قَالَ: "أيُقتصّ منْ فلانة؟، والله لا يُقتصّ منها"، ثقةً منه بفضل الله تعالى، وتعويلاً عليه فِي كشف تلك الكربة، لا أنه ردَّ حكم الله تعالى، وعانده، بل هو منزّهٌ عن ذلك؛ لما عُلم منْ فضله، وعظيم قدره، وبشهادة النبيّ ﷺ بما له عند الله تعالى منْ المنزلة، وهذا التأويل أولى منْ تأويل منْ قَالَ: إن ذلك القسم كَانَ منه عَلَى جهة الرغبة للنبيّ ﷺ ، أو للأولياء؛ لأن النبيّ ﷺ قد أنكر ذلك عليه بقوله: "سبحان الله، كتاب الله القصاص"، ولو كَانَ رغبةً لَمَا أنكره، وأيضًا فإن النبيّ ﷺ قد سمّاه قَسَمًا، وأخبر أنه قسمٌ عَلَى الله، وأن الله تعالى قد أبرّه فيه؛ لَمَّا قَالَ: "إن منْ عباد الله منْ لو أقسم عَلَى الله لأبرّه". انتهى "المفهم" ٥/ ٣٦.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سُبْحَانَ اللَّهِ) تعجبًّا منْ تأكيد نفيها القصاص بالحلف، ولفظ "أبدًا" (يَا أُمَّ الرَّبِيعِ الْقِصَاصُ كِتَابُ اللَّهِ) وفي الرواية الآتية: "يا أنس كتاب القصاص"، قَالَ فِي "الفتح":
اختلف فِي ضبط: "كتاب الله القصاص": فالمشهور أنهما مرفوعان، عَلَى أنهما مبتدأ وخبر، وقيل: منصوبان عَلَى أنه مما وضع فيه المصدر موضع الفعل: أي كَتَبَ اللَّهُ القصاصَ، أو نصب "كتاب الله" عَلَى الإغراء، و"القصاصَ" بدل منه، فينصب، أو ينصب بفعل محذوف، ويجوز رفعه، بأن يكون خبر مبتدأ محذوف.
واختُلف أيضا فِي المعنى، فقيل: المراد حُكم كتاب الله القصاص، فهو عَلَى تقدير حذف مضاف، وقيل: المراد بالكتاب الحكم: أي حكم الله القصاص، وقيل: أشار به إلى قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقيل: إلى قوله: ﴿فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقيل: إلى قوله: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ فِي قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ [المائدة: ٤٥]، بناءً عَلَى أن شرع منْ قبلنا شرع لنا، ما لم يرد فِي شرعنا ما يرفعه. انتهى.
(قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا أَبَدًا، فَمَا زَالَتْ) أي فِي ترديد كلامها المذكور مرّةً بعد أخرى (حَتَّى قَبِلُوا) بكسر الباء الموحّدة (الدِّيَةَ، قَالَ) أي النبيّ ﷺ ، وفي رواية مسلم: "فَقَالَ رسول الله ﷺ (إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ) أي متوكّلاً عليه فِي حصول المحلوف عليه (لَأَبَرَّهُ) أي: لا يحنثه فِي يمينه؛ لكرامته عليه. والله تعالى أعلم
стр. 17299
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أنس ﵁ هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٦/ ٤٧٥٧ - وفي "الكبرى" ١٥/ ٦٩٥٧. وأخرجه (م) فِي "القسامة" ١٦٧٥. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان وجوب القصاص فِي السنّ، قَالَ النوويّ: (ومنها): وهو مجمع عليه، إذا قلعها كلها، فإن كسر بعضها، ففيه، وفي كسر سائر العظام خلاف مشهور للعلماء، والأكثرون عَلَى أنه لا قصاص. انتهى "شرح مسلم" ١١/ ١٦٥. وسيأتي بيان اختلاف العلماء فيه فِي المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
(ومنها): جواز الحلف فيما يظنه الإنسان. (ومنها): جواز الثناء عَلَى منْ لا يخاف الفتنة بذلك. (ومنها): استحباب العفو عن القصاص. (ومنها): استحباب الشفاعة فِي العفو. (ومنها): أن الخِيَرَة فِي القصاص والدية إلى مستحقه، لا إلى المستَحَقّ عليه. (ومنها): إثبات القصاص بين الرجل والمرأة، وفيه ثلاثة مذاهب: [أحدها]: مذهب عطاء والحسن: أنه لا قصاص بينهما فِي نفس، ولا طرف، بل تتعين دية الجناية؛ تعلقا بقوله تعالى: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨]. [الثاني]: وهو مذهب جماهير العلماء منْ الصحابة والتابعين، فمن بعدهم ثبوت القصاص بينهما فِي النفس، وفيما دونها، مما يقبل القصاص، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية [المائدة: ٤٥]، وهذا وإن كَانَ شرعًا لمن قبلنا، وفي الاحتجاج به خلاف مشهور للأصوليين، فإنما الخلاف إذا لم يَرِد شرعنا بتقريره، وموافقته، فإن ورد كَانَ شرعًا لنا بلا خلاف، وَقَدْ ورد شرعنا بتقريره فِي حديث أنس ﵁ هَذَا. والله أعلم. [والثالث]: وهو مذهب أبي حنيفة، وأصحابه: يجب القصاص بين الرجال والنساء فِي النفس، ولا يجب فيما دونها. (ومنها): أن فيه إثبات كرامات الأولياء. (ومنها): إثبات القصاص بين النِّساء فِي الجرحات، وفي الأسنان. (ومنها): جواز الصلح عَلَى الدية، وجريان القصاص فِي كسر السن, ومحله فيما إذا أمكن التماثل، بأن يكون المكسور مضبوطا، فيبرد منْ سن الجاني ما يقابله بالْمِبْرَد مثلا، قَالَ أبو داود فِي "السنن": قلت لأحمد: كيف؟ فَقَالَ:
стр. 17300
يُبرد، ومنهم منْ حمل الكسر فِي هَذَا الْحَدِيث عَلَى القلع، وهو بعيد منْ هَذَا السياق. قاله فِي "الفتح" ١٤/ ٢١٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي أقوال أهل العلم فِي القصاص بالسنّ:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: أجمع أهل العلم عَلَى القصاص فِي السن؛ للآية، وحديث الرُّبَيِّع، ولأن القصاص فيها ممكن؛ لأنها محدودة فِي نفسها، فوجب فيها القصاص، كالعين، وتؤخذ الصحيحة بالصحيحة, وتؤخذ المكسورة بالصحيحة؛ لأنه يأخذ بعض حقه، وهل يأخذ مع القصاص أرش الباقي فيه وجهان.
قَالَ: ولا يُقتَصّ إلا منْ سنّ منْ أَثْغَر: أي سقطت رَوَاضعه، ثم نبتت، يقال لمن سقطت رواضعه: ثُغِرَ، فهو مثغور، فإذا نبتت قيل: أَثْغَر، واثَّغَرَ، لغتان، وإن قُلِع سن منْ لم يُثغِر، لم يُقتَصَّ منْ الجاني فِي الحال، وهذا قول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأنها تعود بحكم العادة، فلا يقتص منها، كالشعر، ثم إن عاد بدل السن فِي محلها مثلها، عَلَى صفتها، فلا شيء عَلَى الجاني، كما لو قلع شعرة، ثم نبتت، وإن عادت مائلة عن محلها، أو متغيرة عن صفتها، كَانَ عليه حكومة؛ لأنها لو لم تَعُد ضمن السن, فإذا عادت ناقصة، ضمن ما نقص منها بالحساب، ففي ثلثها ثلث ديتها، وفي ربعها ربعها، وعلى هَذَا، وإن عادت والدم يسيل، ففيها حكومة؛ لأنه نقصٌ حصل بفعله، وإن مضى زمن عودها, ولم تعد سئل أهل العلم بالطب، فإن قالوا: قد يُئِس منْ عودها، فالمجني عليه بالخيار بين القصاص أو دية السن, فإن مات المجني عليه قبل الإياس منْ عودها، فلا قصاص؛ لأن الاستحقاق له غير متحقق، فيكون ذلك شبهة فِي درئه، وتجب الدية؛ لأن القلع موجود، والعود مشكوك فيه. ويحتمل أنه إذا مات قبل مجيء وقت عودها، أن لا يجب شيء؛ لأن العادة عودها، فأشبه ما لو حلق شعره، فمات قبل نباته.
فأما إن قلع سن منْ قد أثغر وجب القصاص له فِي الحال؛ لأن الظاهر عدم عودها، وهذا قول بعض أصحاب الشافعيّ، وَقَالَ القاضي: يسأل أهل الخبرة، فإن قالوا: لا تعود فله القصاص فِي الحال، وإن قالوا يُرجى عودها إلى وقت ذكروه، لم يقتص حَتَّى يأتي ذلك الوقت، وهذا قول بعض أصحاب الشافعيّ؛ لأنها تحتمل العود، فأشبهت سن منْ لم يُثغر. انتهى "المغني" ١١/ ٥٥٢ - ٥٥٤.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبين بما سبق أن وجوب القصاص فِي السنّ مجمع عليه بين أهل العلم؛ للآية المذكورة، وحديث الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 17301
(المسألة الخامسة): فِي اختلاف أهل العلم فِي القصاص فِي سائر عظام الجسد:
قَالَ ابن بطّال رحمه الله تعالى: أجمع العلماء عَلَى أن هذه الآية- يعني قوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ الآية [المائدة: ٤٥] فِي العمد، فمن أصاب سنّ أحد عمدًا، ففيه القصاص عَلَى حديث أنس ﵁، واختلف العلماء فِي سائر عظام الجسد إذا كسرت عمدًا، فَقَالَ مالك: عظام الجسد كلّها فيها القود، إذا كُسرت عمدًا: الذراعان، والعضدان، والساقان، والقدمان، والكعبان، والأصابع إلا ما كَانَ مجوّفًا، مثل الفخذ، وشبهه، كالمأمومة، والمنقّلة، والهاشمة، والصلب، ففي ذلك الدية.
وَقَالَ الكوفيّون: لا قصاص فِي عظم يُكسر إلا السنّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ الآية [المائدة: ٤٥]، وهو قول الليث، والشافعيّ. واحتجّ الشافعيّ، فَقَالَ: إن دون العظم حائلاً منْ جلد، ولحم، وعَصَب، فلو استيقنّا أنا نكسر عظمة كما كسر عظمة، لا يزيد، ولا ينقص فعلناه، ولكنا لا نصل إلى العظم حَتَّى ننال منه ما دونه، مما ذكرنا أنا لا نعرف قدره، مما أقلّ، أو أكثر مما نال غيره، وأيضًا فإنا لا نقدر أن يكون كسر ككسر أبدًا، فهو ممنوع. وَقَالَ الطحاويّ: اتفقوا عَلَى أنه لا قصاص فِي عظم الرأس، فكذلك سائر العظام.
والحجة لمالك حديث أنس ﵁: أن النبيّ ﷺ قَالَ فِي سنّ الربيّع: "كتاب الله القصاص"، فلمّا جاز القصاص فِي السنّ إذا كُسرت، وهي عظم، فكذلك سائر العظام، إلا عظمًا أجمعوا أنه لا قصاص فيه؛ لخوف ذهاب النفس منه، وأنه لا يقدر عَلَى الوصول فيه إلى مثل الجناية بالسواء، فلا يجوز أن يُفعل ما يؤدّي فِي الأغلب إلى التلف، إذا كَانَ الجارح الأول لم يؤد فعله إلى التلف.
وَقَالَ ابن المنذر: ومن قَالَ: لا قصاص فِي عظم، فهو مخالفٌ للحديث، والخروج إلى النظر غير جائز مع وجود الخبر. انتهى "شرح صحيح البخاريّ" لابن بطال ٨/ ٥٢٢ - ٥٢٣.
وَقَالَ فِي "الفتح": اختلفوا فِي سائر عظام الجسد، فَقَالَ مالك: فيها القود، إلا ما كَانَ مجوفا، أو كَانَ كالمأمومة، والمنقلة، والهاشمة، ففيها الدية، واحتج بالآية، ووجه الدلالة منها أن شرع منْ قبلنا شرع لنا، إذا ورد عَلَى لسان نبينا ﷺ بغير إنكار، وَقَدْ دل قوله: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ عَلَى إجراء القصاص فِي العظم؛ لأن السن عظم، إلا ما أجمعوا عَلَى أن لا قصاص فيه، إما لخوف ذهاب النفس، وإما لعدم الاقتدار عَلَى المماثلة فيه. وَقَالَ الشافعيّ، والليث، والحنفية: لا قصاص فِي العظم، غير السن؛ لأن دون العظم حائلا منْ جلد، ولحم، وعصب، يتعذر معه المماثلة، فلو أمكنت
стр. 17302
لحكمنا بالقصاص، ولكنه لا يصل إلى العظم حَتَّى ينال ما دونه، مما لا يعرف قدره.
وَقَالَ الطحاوي: اتفقوا عَلَى أنه لا قصاص فِي عظم الرأس، فليلتحق بها سائر العظام. وتُعُقب بأنه قياس مع وجود النص، فإن فِي حديث الباب أنها كَسَرت الثنية، فأُمرت بالقصاص، مع أن الكسر لا تطرد فيه المماثلة. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الإِمام مالك رحمه الله تعالى منْ وجوب القصاص فِي العظام التي يمكن مماثلتها هو الحقّ؛ لآية: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولحديث الباب، حيث إنه ﷺ قَالَ فِي كسر السنّ، وهو منْ العظام: "كتاب الله القصاص"، فبينّ الحكم العامّ فيه، وفي أمثاله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
١٧ - (الْقِصَاصِ مِنَ الثَّنِيَّةِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الثنيّة": بفتح المثلّثة، وكسر النون، وتشديد التحتانيّة-: واحدة الثنايا، قَالَ فِي "المحكم": الثنيّة منْ الأضراس أول ما فِي الفم، وَقَالَ غيره: وثنايا الإنسان فِي فمه الأربع التي فِي مقدّم فيه: ثنتان منْ فوقُ، وثنتان منْ أسفلُ. وَقَالَ ابن سِيدَه: وللإنسان، والْخُفّ، والسبع ثنيّتان منْ فوق، وثنيّتان منْ أسفل. قاله فِي "اللسان". والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٧٥٨ - (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: ذَكَرَ أَنَسٌ، أَنَّ عَمَّتَهُ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَقَضَى نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَخُوهَا، أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ فُلَانَةَ؟ لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّةُ فُلَانَةَ، قَالَ: وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ سَأَلُوا أَهْلَهَا الْعَفْوَ وَالأَرْشَ، فَلَمَّا حَلَفَ أَخُوهَا، وَهُوَ عَمُّ أَنَسٍ، وَهُوَ الشَّهِيدُ يَوْمَ أُحُدٍ، رَضِيَ الْقَوْمُ بِالْعَفْوِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (حميد بن مسعدة) بن المبارك السامي الباهلي البصريّ، صدوق [١٠] ٥/ ٥.
٢ - (إسماعيل بن مسعود) الجحدريّ، أبو مسعود البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧.
стр. 17303
٣ - (بشر) بن المفضّل بن لاحق، أبو إسماعيل البصريّ ثقة ثبت عابد [٨] ٦٦/ ٨٢.
٤ - (حُميد) بن أبي حُميد الطويل، أبو عبيدة البصريّ [٥] ٨٧/ ١٠٨.
٥ - (أنس) بن مالك ﵁ المذكور فِي الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ رباعيات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (٢٣٣) منْ رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات البصريين، وفيه أنس ﵁ أحد المكثرين السبعة، وآخر منْ مات بالبصرة منْ الصحابة ﵃. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ حُمَيْدٍ) الطويل، وفي رواية للبخاريّ فِي "التفسير": "حدّثنا حُميد، أن أنسًا حدّثه" (قَالَ: ذَكَرَ أَنَسٌ) بن مالك ﵁ (أَنَّ عَمَّتَهُ) هي الربّيّع بصيغة التصغير، كما بُيّنت فِي الرواية التالية، وفي رواية للبخاريّ: "أن ابنة النضر"، وفي رواية له: "كسرت الربيّع عمة أنس"، ولأبي داود: "كسرت الربيّع، أخت أنس بن النضر" (كَسَرَتْ) بالبناء للفاعل (ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ) وفي الرواية التالية: "كسرت الربيّع ثنيّة جارية"، وفي رواية للبخاريّ: "لطمت جارية، فكسرت ثنيّتها"، وفي رواية له: "جارية منْ الأنصار"، وفي رواية: "امرأة" بدل جارية، وهو يوضّح أن المراد بالجارية المرأة الشابّة، لا الأمة الرقيقة. قاله فِي "الفتح" ١٤/ ٢١٣ (فَقَضَى نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ بِالْقِصَاصِ) وفي الرواية التالية: "فطلبوا إليهم العفو، فأبوا، فعُرض عليه الأرش، فأبوا، فأتوا النبيّ ﷺ ، فأمر بالقصاص" (فَقَالَ أَخُوهَا، أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ) بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غَنْم بن عديّ بن النجّار الأنصاريّ الخزرجي، عم أنس بن مالك، خادمِ النبيّ ﷺ ، روى البخاريّ فِي "صحيحه" منْ طريق حميد، عن أنس: أن عمه أنس بن النضر، غاب عن قتال بدر، فَقَالَ: يا رسول الله، غِبتُ عن أول قتال قاتلت فيه المشركين، والله لئن أشهدني الله قتال المشركين، لَيَرَيَنَّ الله ما أصنع، فلما كَانَ يومُ أحد، انكشف المسلمون، فَقَالَ: اللَّهم إني اعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني المسلمين، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، يعني المشركين، ثم تقدم، فاستقبله سعد بن معاذ، فَقَالَ: أي سعد، هذه الجنة، ورب أنس إنىِ أجد ريحها، دون أحد، قَالَ: سعد، فما استطعت ما صنع، فقُتِل يومئذ، فذكر الْحَدِيث، وهو عند البخاريّ منْ طريق ثُمامة، عن أنس أيضا، وأخرجه ابن منده منْ طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس ﵁. انتهى
стр. 17304
"الإصابة" ١/ ١١٧ - ١١٨.
(أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ فُلَانَةَ؟) يعني أخته الرُّبيّع التي كسرت أخت الجارية، قضى عليها النبيّ ﷺ بالقصاص (لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقَّ، لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّةُ فُلَانَةَ، قَالَ) أنس ﵁ (وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ سَأَلُوا أَهْلَهَا) أي أهل الجارية المجنيّ عليها (الْعَفْوَ) أي أن يسامحوها عن القصاص (وَالْأَرْشَ) أي وعرضوا عليهم قبول الأرش، وهو بفتح الهمزة، وسكون الراء: دية الجراحة، جمعه أُرُوشٌ، مثلُ فلس وفلوس، وأصله الفساد، يقال: أَرَّشْتُ بين القوم تأريشًا: إذا أفسدتَ، ثم استُعمل فِي نُقصان الأعيان؛ لأنه فساد فيها، ويقال: أصله هَرَّشَ. قاله الفيّوميّ.
وَقَالَ فِي "النهاية" ١/ ٣٩ - : قد تكرّر فِي الْحَدِيث ذكرُ الأرش المشروع فِي الحكومات، وهو الذي يأخذه المشتري منْ البائع، إذا اطّلع عَلَى عيب فِي المبيع، وأُرُوش الجنايات والجراحات منْ ذلك؛ لأنها جابرةٌ لها عمّا حصل فيها منْ النقص، وسُمّي أَرْشًا؛ لأنه منْ أسباب النزاع، يقال: أَرّشتُ بين القوم: إذا أوقعت بينهم. انتهى.
(فَلَمَّا حَلَفَ أَخُوهَا) أنس بن النضر ﵁ (وَهُوَ عَمُّ أَنَس) أي بن مالك ﵁ (وَهُوَ الشَّهِيدُ يَوْمَ أُحُدٍ) كما سبق آنفًا قصّة استشهاده (رَضِيَ الْقَوْمُ بِالْعَفْوِ) أي مع أخذ الأرش.
ووقع فِي رواية "الفزاري فرضي القوم، فقبلوا الارش"، وفي رواية معتمر "فرضوا بأرش أخذوه". قَالَ فِي "الفتح": وفي رواية مروان بن معاوية، عن حميد، عند الإسماعيلي: "فرضي أهل المرأة بأرش أخذوه، فعفوا"، فعرف أن قوله: "فعفوا": أي عَلَى الدية.
(فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ) وفي رواية معتمر: "فعجب النبيّ ﷺ ، وَقَالَ: "إن منْ عباد الله" (مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ) أي لأبر قسمه. ووقع فِي رواية خالد الطحان، عن حميد، عن أنس، فِي هَذَا الْحَدِيث، عند بن أبي عاصم: "كم منْ رجل، لو أقسم عَلَى الله لأبره".
ووجه تعجبه ﷺ : أن أنس بن النضر، أقسم عَلَى نفي فعل غيره، مع إصرار ذلك الغير عَلَى إيقاع ذلك الفعل، فكان قضية ذلك فِي العادة، أن يحنث فِي يمينه, فألهم الله الغير العفو، فَبَرَّ قسم أنس، وأشار بقوله: "إن منْ عباد الله" إلى أن هَذَا الاتفاق، إنما وقع إكراما منْ الله لأنس؛ ليبر يمينه، وأنه منْ جملة عباد الله الذين يجيب دعاءهم، ويعطيهم أَرَبُهم.
وَقَدْ استُشكِل إنكار أنس بن النضر كسر سن الربيّع، مع سماعه منْ النبيّ ﷺ الأمر بالقصاص، ثم قَالَ: "أتكسر سن الربيّع"، ثم أقسم أنها لا تكسر.
стр. 17305
وأجيب بأنه أشار بذلك إلى التأكيد عَلَى النبيّ ﷺ ، فِي طلب الشفاعة إليهم، أن يعفوا عنها، وقيل: كَانَ حلفه قبل أن يَعلم أن القصاص حتم، فظن أنه عَلَى التخيير بينه وبين الدية، أو العفو، وقيل: لم يرد الإنكار المحض والردّ، بل قاله توقُّعًا، ورجاء منْ فضل الله أن يُلهِم الخصوم الرضا، حَتَّى يعفوا، أو يقبلوا الأرش، وبهذا جزم الطيبي، فَقَالَ: لم يقله ردّا للحكم، بل نفَى وقوعه؛ لما كَانَ له عند الله منْ اللطف به فِي أموره، والثقة بفضله، أن لا يُخَيِّبه فيما حَلَف به، ولا يخيب ظنه فيما أراده، بأن يلهمهم العفو، وَقَدْ وقع الأمر عَلَى ما أراد. قاله فِي "الفتح" ١٤/ ٢١٣ - ٢١٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أنسٍ ﵁ هَذَا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٧/ ٤٧٥٨ و٤٧٥٩ - وفي "الكبرى" ١٦/ ٦٩٥٨ و٦٩٥٩. وأخرجه (خ) فِي "الصلح" ٢٧٠٣ و"الجهاد" ٢٨٠٦ و"التفسير" ٤٤٩٩ و٤٥٠٠ و٤٦١١ و"الديات" ٦٨٩٤ و (د) فِي "الديات" ٤٥٩٥ (ق) فِي "الديات" ٢٦٤٩ (أحمد) فِي "مسند المكثرين" ١٢٢٩٣ و١٣٦١٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٥٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَسَرَتِ الرُّبَيِّعُ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا إِلَيْهِمُ الْعَفْوَ، فَأَبَوْا، فَعُرِضَ عَلَيْهِمُ الأَرْشُ، فَأَبَوْا، فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَمَرَ بِالْقِصَاصِ، قَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ؟، لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ، قَالَ: "يَا أَنَسُ، كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ"، فَرَضِيَ الْقَوْمُ، وَعَفَوْا، فَقَالَ: "إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة.
و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ الثقة الثبت. و"حميد": هو الطويل. والسند منْ رباعيات المصنّف، وهو (٢٣٤) منْ رباعيات الكتاب، وهو مسلسل بثقات البصريين، كسابقه.
وقوله: "تُكسر ثنيّة الربيّع" بتقدير أداة الاستفهام، مبنيّا للمفعول. وقوله: "لا تُكسر" بالرفع إخبار منه بأن ثنيتها لا تُكسر؛ لأنهم سيعفون عنها، بإذن الله تعالى.
стр. 17306
وقوله: "كتاب الله القصاص" تقدّم إعرابه، ومعناه فِي الباب الماضي.
وقوله: "فطلبوا إليهم العفو، فأبوا، فعرضوا عليهم الارش، فأبوا": أي طلب أهل الرُّبَيِّع إلى أهل التي كُسِرت ثنيتها أن يعفوا عن الكسر المذكور مجانًا، أو عَلَى مال، فامتنعوا، وزاد فِي رواية للبخاريّ فِي "الصلح": "فأبوا إلا القصاص".
والحديث سبق شرحه، وتخريجه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
١٨ - (الْقَوَدُ مِنَ الْعَضَّةِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أنه أراد أنه لا قصاص فِي العضّة؛ لأنه ﷺ لم يجعل القصاص للمعضوض، بل رفع عنه القصاص فِي سقوط ثنيّة العاضّ بنزعه؛ لكونه مدافعًا عن نفسه، فلو كَانَ القصاص بالعضّ واجبا لحكم له به، ولعلّ ذلك لعدم إمكان المماثلة، وأما قوله ﷺ فِي رواية ابن سيرين الآتية: "إن شئت فادفع إليه يدك الخ"، فليس لإيجاب القصاص، عَلَى ما سيأتي بيانه قريبًا، إن شاء الله تعالى.
وهذا هو المذهب الصحيح، وسيأتي بيان اختلاف العلماء فِي ذلك فِي المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.
و"العَضّة" -بفتح العين المهملة، وتشديد الضاد المعجمة-: المرّة منْ العضّ، يقال: عضّ اللُّقمة، وبها، وعليها عضّا: أَمْسَكَهَا بالأسنان، وهو منْ باب تَعِبَ فِي الأكثر، لكن المصدر ساكنٌ، ومن باب نفع لغةٌ قليلةٌ. وفي "أفعال ابن القَطّاع" منْ باب قَتَل: وعضّ الفرسُ عَلَى لجامه، فهو عَضُوضٌ، مثلُ رسول، والاسم العضض، والْعِضَاض بالكسر، ويقال: ليس فِي الأمر مَعَضٌّ: أي مُستَمْسكٌ، ومنه قوله ﷺ : "عليكم بسنّتي، وسنّة الخلفاء الراشدين منْ بعدي، عَضُّوا عليها": أي الزموها، واستمسكوا بها. قاله الفيّوميّ. والله تعالى أعلم بالصواب
وقوله: (وَذِكْرُ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ النَّاقِلِينَ لِخَبَرِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنِ) رضي الله تعالى عنهما (فِي ذَلِكَ) أي فِي القود منْ العضّة.
وجه الاختلاف الذي أشار إليه أن فِي رواية ابن سيرين، عن عمران ﵁ أنه ﷺ قَالَ
стр. 17307
للمعضوض: "إن شئت فادفع إليه يدك حَتَّى يقضمها، ثم انتزعها"، ففيه أنه إن شاء يقتصّ منه بمثل ما فعل به، وليس هَذَا فِي رواية زرارة بن أوفى، فإنه لم يذكر إلا إبطالها، وفي رواية: "لا دية له"، وفي أخرى: "لا دية لك".
والذي يظهر لي أنه لا اختلاف بين الروايتين؛ لأن قوله ﷺ : "إن شئت فادفع إليه الخ" ليس لإيجاب القصاص له، وإنما المراد -والله أعلم- الإنكار عليه فِي طلب ذلك مع أنه المعتدي، بدليل قوله: "لا دية له"، وفي لفظ: "لا دية لك"، وفي رواية: "فأبطلها"، وفي لفظ: "فأطلّها": أي أبطلها، وفي لفظ: "فأهدرها"، وفي رواية: "فأبطله، وَقَالَ أردت أن تأكل لحمه"، وفي حديث سلمة: ثم يأتي يطلب العقل، لا عقل لها، فابطلها".
والحاصل أنه ليس المراد بالأمر بدفع يده ليعضها إثبات القصاص بالعضّ، وإنما معناه الإنكار عليه، فكأنه قَالَ: إنك لا تدع يدك فِي فيه يعضها، فكيف تنكر عليه أن ينتزع يده منْ فيك، وتطالبه بما جنى فِي جذبه لذلك. والله تعالى أعلم.
٤٧٦٠ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ، أَبُو الْجَوْزَاءِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا قُرَيْشُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ رَجُلاً عَضَّ يَدَ رَجُلٍ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ، فَسَقَطَتْ ثَنِيَّتُهُ، أَوْ قَالَ: ثَنَايَاهُ، فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا تَأْمُرُنِي؟ تَأْمُرُنِي أَنْ آمُرَهُ أَنْ يَدَعَ يَدَهُ، فِي فِيكَ تَقْضَمُهَا، كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ، إِنْ شِئْتَ فَادْفَعْ إِلَيْهِ يَدَكَ، حَتَّى يَقْضَمَهَا، ثُمَّ انْتَزِعْهَا إِنْ شِئْتَ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (أحمد بن عثمان) النوفليّ، أبو عثمان البصريّ، يلقب أبا الْجَوْزاء -بالجيم، والزاي- ثقة [١١] ١٢/ ٢١٢٤.
٢ - (قُريش بن أنس) الأنصاريّ، ويقال: الأمويّ، أبو أنس البصريّ، صدوقٌ تغيّر بآخره قدر ستّ سنين [٩] ٥/ ٤٢٢١.
٣ - (ابن عون) هو: عبد الله بن عون بن أَرْطبان، أبو عون البصريّ، ثقة ثبت فاضل، منْ أقران أيوب فِي العلم والعمل، والسنّ [٥ (١)] ٢٩/ ٣٣.
٤ - (ابن سيرين) هو محمد الإِمام الحجة الثبت المشهور [٣] ٤٦/ ٥٧.
٥ - (عمران حصين) رضي الله تعالى عنهما المذكور قبل بابين. والله تعالى أعلم.
стр. 17308
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنِ) رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ رَجُلاً عَضَّ يَدَ رَجُلٍ) أي أخذها بأسنانه.
[تنبيه]: قَالَ فِي "الفتح": ما حاصله: فِي رواية محمد بن جعفر، عن شعبة عن زُرارة، عن عمران عند مسلم، والنسائيّ ٤٧٦٢ - "قَالَ: قاتل يعلي بن أمية رجلا، فعض أحدهما صاحبه" .. الْحَدِيث، قَالَ شعبة: وعن قتادة عن عطاء وهو ابن أبي رباح عن ابن يعلى، يعني صفوان، عن يعلي بن أمية، قَالَ مثله، وكذا أخرجه النسائيّ ٢٠/ ٤٧٧٢ - منْ طريق عبد الله بن المبارك عن شعبة بهذا السند، فَقَالَ فِي روايته: بمثل الذي عضّ، فندرت ثنيّته .. الْحَدِيث. ولشعبة فيه سند آخر إلى يعلى، أخرجه النسائيّ ١٩/ ٤٧٦٥ - منْ طريق ابن أبي عدي، و١٩/ ٤٧٦٦ - عن عبيد بن عقيل كلاهما عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن يعلى. ووقع فِي رواية عُبيد بن عُقيل: "أن رجلا منْ بني تميم، قاتل رجلا، فعضّ يده"، ويستفاد منْ هذه الرواية, تعيين أحد الرجلين المبهمين، وأنه يعلي بن أمية، وَقَدْ روى يعلى هذه القصة، فبَيَّنَ فِي بعض طرقه، أن أحدهما كَانَ أجيرا له، ولفظه ٢٠/ ٤٧٦٧٠ - "غزوت مع رسول الله ﷺ "، فذكر الْحَدِيث، وفيه: "فاستجرت أجيرا، فقاتل أجيري رجلا، فعضّ الآخر"، فعُرف أن الرجلين المبهمين، يعلى وأجيره، وأن يعلى أبهم نفسه، لكن عينه عمران بن حصين.
قَالَ الحافظ: ولم أقف عَلَى تسمية أجيره، وأما تمييز العاضّ منْ المعضوض، فوقع بيانه عند البخاريّ فِي "غزوة تبوك" منْ "المغازي" منْ طريق محمد بن بكر، عن ابن جريج، فِي حديث يعلى، قَالَ عطاء: فلقد أخبرني صفوان بن يعلى، أيّهما عض الآخر، فنسيته، فظن أنه مستمر عَلَى الإبهام، ولكن وقع عند مسلم، والنسائي ٢٠/ ٤٧٧١ - منْ طريق بديل بن ميسرة، عن عطاء، بلفظ: أن أجيرا ليعلي بن منية، عض آخر ذراعه"، وأخرجه النسائيّ أيضا ٢٠/ ٤٧٧٠ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن سفيان، بلفظ. "فقاتل أجيري رجلا، فعضه الآخر"، ويؤيده ما أخرجه النسائيّ ٢٠/ ٤٧٦٧ - منْ طريق صفوان بن عبد الله، عن عميه: سلمة بن أمية، ويعلي بن أمية، قالا: خرجنا مع
стр. 17309
رسول الله ﷺ ، فِي غزوة تبوك، ومعنا صاحب لنا، فقاتل رجلا منْ المسلمين، فعض الرجل ذراعه"، ويؤيده أيضا رواية عُبيد بن عُقيل عند النسائيّ ١٩/ ٤٧٦٦ - بلفظ: أن رجلا منْ بني تميم، قاتل رجلاً، فعضّ يده"، فإن يعلى تميمي. وأما أجيره فإنه لم يقع التصريح بأنه تميمي، وأخرج النسائيّ أيضا ٢٠/ ٤٧٧٤ - منْ رواية محمد بن مسلم الزهريّ، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، نحو رواية سلمة، ولفظه: "فقاتل رجلاً، فعض الرجل ذراعه، فلما أوجعه نترها"، وعرف بهذا أن العاضَّ هو يعلي بن أمية، ولعل هَذَا هو السر فِي إبهامه نفسه.
وَقَدْ أنكر القرطبيّ أن يكون يعلى هو العاضَّ، فَقَالَ: يظهر منْ هذه الرواية أن يعلى هو الذي قاتل الأجير، وفي الرواية الأخرى: أن أجيرا ليعلى عضَّ يد رجل، وهذا هو الأولى، والأليق؛ إذ لا يليق ذلك الفعل بيعلى، مع جلالته وفضله.
قَالَ الحافظ: لم يقع فِي شيء منْ الطريق أن الأجير هو العاضّ، وإنما التبس عليه أن فِي بعض طرقه عند مسلم -كما بينته-: "أن أجيرا ليعلى عض رجل ذراعه"، فجوز أن يكون العاضّ، غير يعلى، وأما استبعاد أن يقع ذلك منْ يعلى مع جلالته، فلا معنى له، مع ثبوت التصريح به فِي الخبر الصحيح، فيحتمل أن يكون ذلك صدر منه فِي أوائل إسلامه، فلا استبعاد.
وَقَالَ النوويّ: وأما قوله -يعني فِي الرواية الأولى-: "أن يعلى هو المعضوض"، وفي الرواية الثانية، والثالثة: "المعضوض هو أجير يعلى، لا يعلى"، فَقَالَ الحفاظ: الصحيح المعروف أن المعضوض أجير يعلى، لا يعلى، قَالَ: ويحتمل أنهما قضيتان جرتا ليعلى، ولأجيره فِي وقت، أو وقتين، وتعقبه شيخنا -يعني الحافظ العراقيّ- فِي "شرح الترمذيّ" بأنه ليس فِي رواية مسلم، ولا رواية غيره، فِي الكتب الستة، ولا غيرها: أن يعلى هو المعضوض، لا صريحا, ولا إشارة، وَقَالَ شيخنا: فيتعين عَلَى هَذَا أن يعلى هو العاضّ. والله أعلم.
قَالَ الحافظ: وإنما تردد عياض، وغيره فِي العاض، هل هو يعلى، أو آخر أجنبي كما قدمته، منْ كلام القرطبيّ، والله أعلم. انتهى "الفتح" ١٤/ ٢٠٧ - ٢٠٨. (فَانْتَزَعَ يَدَهُ) زاد فِي رواية زُرارة التالية: "منْ فيه": أي اجتذبها منْ فمه، وفي رواية هشام، عن عروة، عند مسلم: "عَضّ ذراع رجل، فجذبه"، وفي حديث يعلى الآتي فِي ٤٧٧١ - "فعض أحدهما إصبع صاحبه فانتزع إصبعه".
قَالَ الحافظ: وفي الجمع بين الذراع، والإصبع عسر، ويبعد العمل عَلَى تعدد القصة؛ لاتحاد المخرج؛ لأن مدارها عَلَى عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، فوقع
стр. 17310
فِي رواية إسماعيل ابن علية، عن ابن جريج، عنه: "إصبعه"، وهذه فِي البخاريّ، ولم يسق مسلم لفظها، وفي رواية بديل بن ميسرة، عن عطاء عند مسلم، والنسائيّ ٢٠/ ٤٧٧٣ - وكذا فِي رواية الزهريّ، عن صفوان، عند النسائيّ ٢٠/ ٤٧٧٤ - : فعضّ الرجل ذراعه"، ووافقه سفيان بن عيينة، عن ابن جريج، فِي رواية إسحاق بن راهويه، عنه، فالذي يترجح الذراع، وَقَدْ وقع أيضا فِي حديث سلمة بن أمية، عند النسائيّ ٢٠/ ٤٧٦٧ - مثل ذلك، وانفرد ابن علية، عن ابن جريج بلفظ الإِصبع، فلا يقاوم هذه الروايات المتعاضدة، عَلَى الذراع. والله أعلم. انتهى "فتح" ١٤/ ٢٠٨ - ٢٠٩.
(فَسَقَطَتْ ثَنِيَّتُهُ) بالإفراد (أَوْ) للشكّ منْ الراوي (قَالَ: ثَنَايَاهُ) بالجمع، وأكثر الروايات بالإفراد، وفي رواية البخاريّ: "فوقعت ثنيتاه"، قَالَ فِي "الفتح": كذا للأكثر بالتثنية، وللكشميهني: "ثناياه"، بصيغة الجمع، وفي رواية هشام المذكورة فسقطت "ثنيته" بالإفراد، وكذا له فِي رواية ابن سيرين، عن عمران، وكذا فِي رواية سلمة بن أمية، بلفظ: "فجذب صاحبه يده، فطُرِح ثنيته"، وَقَدْ تترجح رواية التثنية؛ لأنه يمكن حمل الرواية التي بصيغة الجمع عليها، عَلَى رأي منْ يجيز فِي الاثنين صيغة الجمع، ورَدُّ الرواية التي بالإفراد إليها، عَلَى إرادة الجنس، لكن وقع فِي رواية محمد بن بكر، عن ابن جريج عند البخاريّ فِي "المغازي": "فانتزع إحدى ثنيتيه"، فهذه أصرح فِي الوحدة، وقول منْ يقول فِي هَذَا: بالحمل عَلَى التعدد بعيد أيضا؛ لاتحاد المخرج. انتهى "فتح" ١٤/ ٢٠٩.
ووقع فِي رواية زرارة، عن عمران بلفظ: "فندرت ثنيته"، وفي رواية الزهريّ، عن صفوان ٢٠/ ٤٧٧٤ - بلفظ: "فأندر ثنيته".
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأولى ترجيح رواية: "ثنيته" بالإفراد؛ فإنه لم يقع فِي روايات المصنّف مع كثرتها، إلا بلفظ الإفراد، سوى ما فِي هذه الرواية منْ الشكّ، ويؤيّد هَذَا أيضًا التصريح بها فِي رواية محمد بن بكر، حيث قَالَ: "فانتزع إحدى ثنيّتيه"، كما مرّ آنفًا، فتأمّل. والله تعالى أعلم.
(فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) أي طلب منه أي يُعينه عَلَى استيفاء حقّه، يقال: استعديتُ الأمير عَلَى الظالم: طلبت منه النُّصرة، فأعداني عليه: أي أعانني، ونصرني، فالاستعداء: طلب التقوية، والنُّصْرة، والاسم الْعَدْوى -بالفتح- قَالَ ابن فارس: الْعَدْوَى: طلبك إلى وال ليُعْدِيك عَلَى منْ ظلمك: أي ينتقم منه باعتدائه عليه، والفقهاء يقولون: مسافة الْعَدْوى، وكأنهم استعاروها منْ هذه الْعَدْوَى؛ لأن صاحبها يَصِلُ فيها الذهابَ والعودَ بعدو واحدٍ؛ لما فيه منْ القوّة، والجَلادة. ذكره الفيّوميّ.
стр. 17311
(فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا تَأْمُرُنِي؟) أي أيّ شيء تأمرني أن أفعله فِي هَذَا الرجل، وهو استفهام إنكار (تَأْمُرُنِي أَنْ آمُرَهُ أَنْ يَدَعَ يَدَهُ) أي يتركها (فِي فِيكَ) أي فمك (تَقْضَمُهَا) بفتح الضّاد، وتكسر، قَالَ الفيّومي: قَضَمت الدابّةُ الشعيرَ تقضَمُهُ، منْ باب تَعِب: كسرته بأطراف الأسنان، وقَضَمَت قَضْمًا، منْ باب ضرب لغةٌ، ومنه يقال عَلَى الاستعارة: قَضَمتُ يده: إذا عضضتها. انتهى.
وَقَالَ فِي "الفتح": "يقضمها" -بسكون القاف، وفتح الضاد المعجمة، عَلَى الأفصح، منْ القضم، وهو الأكل بأطراف الأسنان، والْخَضْم -بالخاء المعجمة، بدل القاف-: الأكل بأقصاها، وبأدنى الأضراس، ويطلق عَلَى الدَّقّ، والكسر، ولا يكون إلا فِي الشيء الصّلب، حكاه صاحب "الراعي" فِي اللغة. انتهى.
وفي "اللسان": القضم: الأكل بأطراف الأسنان، والأضراس، وقيل: هو أكل الشيء اليابس، والخَضْمُ: الأكل بجميع الفم، وقيل: هو أكل الشيء الرطب، والقضم دون ذلك، وقولهم: يُبْلغ الخَضْمُ بالقضم: أي أن الشَّبْعَة قد تُبْلغ بالأكل بأطراف الفم، ومعناه: أن الغاية البعيدة قد تُدرَك بالرفق، قَالَ الشاعر [منْ الطويل]:
تَبَلَّغْ بِأَخْلَاقِ الثِّيَابِ جَدِيدَهَا … وبِالْقَضْمِ حَتَّى تُدْرِكَ الْخَضْمَ بِالْقَضْمِ
(كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ) وفي رواية سلمة الآتية: "كعضيض الفحل": أي الذكر منْ الإبل، ويطلق عَلَى غيره، منْ ذكور الدواب، وفيه الإشارة إلى علّة إهدار ثنيّته.
[تنبيه]: حَكَى الكرماني رحمه الله تعالى أنه رأى مَن صَحَّف قوله: "كما يقضم الفحل"، إلى "الفجل" بالجيم بدل الحاء المهملة، وحمله عَلَى البقل المعروف، وهو تصحيف قبيح. ذكره فِي "الفتح" ١٤/ ٢١٢.
(إِنْ شِئْتَ فَادْفَعْ إِلَيْهِ يَدَكَ، حَتَّى يَقْضَمَهَا، ثُمَّ انْتَزِعْهَا إِنْ شِئْتَ) زاد فِي رواية زاراة الآتية: "لا دية له"، فِي لفظ: "لا دية لك"، وفي رواية: "فأبطلها"، وفي لفظ: "فأطلّها": أي أبطلها، وفي لفظ: "فأهدرها"، وفي رواية: "فأبطله، وَقَالَ أردت أن تأكل لحمه"، وفي حديث سلمة: "ثم يأتي يطلب العقل، لا عقل لها، فابطلها". وبهذه الزيادات يتبيّن أن أمره ﷺ له بدفع يده إليه؛ ليقضمها، ثم انتزاعها منه ليس أمرًا بثبوت القصاص، وإنما هو إنكارٌ منه ﷺ لطلبه ذلك، مع أنه المعتدي.
قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى- عند قوله: "ادفع يدك حَتَّى يعضها، ثم انتزعها": ما نصّه: ليس المراد بهذا أمره بدفع يده ليعضها، وإنما معناه الإنكار عليه: أي أنك لا تدع يدك فِي فيه يعضها، فكيف تنكر عليه أن ينتزع يده منْ فيك، وتطالبه بما جنى فِي جذبه لذلك. انتهى "شرح مسلم" ١١/ ١٦٣.
стр. 17312
وَقَالَ السنديّ فِي "شرحه": قوله: "إن شئت الخ" إشارة إلى أنه لو فُرض هناك قصاص لكان ذاك بهذا الوجه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عمران بن حُصين رضي الله تعالى عنهما هَذَا أخرجه مسلم، وَقَدْ طعن فيه الدارقطنيّ بأن ابن سيرين لم يسمع منْ عمران ﵁، وسيأتي الجواب عنه فِي التنبيه الآتي فِي المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٨/ ٤٧٦٠ و٤٧٦١ و٤٧٦٢ و٤٧٦٣ و٤٧٦٤ - وفي "الكبرى" ١٧/ ٦٩٦٠ و٦٩٦١ و٦٩٦٢ و٦٩٦٣ و٦٩٦٤. وأخرجه (خ) منْ طريق زرارة بن أوفى عن عمران ﵁ فِي "الديات" ٦٨٩٢ (م) فِي "القسامة" ١٦٧٣ (ت) فِي "الديات" ١٤١٦ (ق) فِي "الديات" ٢٦٥٧ (أحمد) فِي "مسند البصريين" ١٩٣٢٨ و١٩٣٤٢ و١٩٣٩٩ (الدارمي) فِي "الديات" ٢٢٧٠. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قَالَ القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى: وهذا الباب مما تتبعه الدارقطنيّ عَلَى مسلم؛ لأنه ذكر أوّلاً حديث شعبة، عن قتادة، عن زرارة، عن عمران بن حصين، قَالَ: قاتل يعلى .. وذكر مثله عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، ثم عن شعبة، عن قتادة، عن عطاء، عن ابن يعلى، ثم عن همام، عن عطاء، عن ابن يعلى، ثم حديث ابن جريح، عن عطاء، عن ابن يعلى، ثم حديث معاذ، عن أبيه، عن قتادة، عن بديل، عن عطاء بن صفوان بن يعلى، وهذا اختلاف عَلَى عطاء، وذكر أيضا حديث قريش بن يونس، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن عمران، ولم يذكر فيه سماعا منه، ولا منْ ابن سيرين منْ عمران، ولم يخرج البخاريّ لابن سيرين عن عمران شيئا. والله أعلم.
والجواب عن هَذَا الإنكار بوجهين: [أحدهما]: أنه لا يلزم منْ الإختلاف عَلَى عطاء ضعف الْحَدِيث، ولا منْ كون ابن سيرين لم يصرح بالسماع منْ عمران، ولا رَوَى له البخاريّ عنه شيئا، أن لا يكون سمع منه، بل هو معدود فيمن سمع منه.
[والثاني]: لو ثبت ضعف هَذَا الطريق، لم يلزم منه ضعف المتن، فإنه صحيح بالطرق الباقية، التي ذكرها مسلم، وَقَدْ سبق مرات أن مسلما يذكر فِي المتابعات منْ هو دون شرط الصحيح. والله تعالى أعلم. أفاده النوويّ فِي "شرح مسلم" ١١/ ١٦٣.
стр. 17313
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم القصاص فِي العضّة، وَقَدْ تقدّم وجه استدلال المصنّف بهذا الْحَدِيث عَلَى ذلك، أول الباب.
(ومنها): التحذير منْ الغضب، وأن منْ وقع له، ينبغي له أن يَكْظِمه ما استطاع؛ لأنه أَدَّى إلى سقوط ثنية الغضبان؛ لأن يعلى غضب منْ أجيره، فضربه، فدافع الأجير عن نفسه، فعضه يعلى، فنزع يده، فسقطت ثنية العاضّ، ولولا الاسترسال مع الغضب، لسلم منْ ذلك. (ومنها): جواز استئجار الحر للخدمة، وكفاية مؤنة العمل فِي الغزو، لا ليقاتل عنه، كما تقدم تقريره فِي الجهاد. (ومنها): رفع الجناية إلى الحاكم، منْ أجل الفصل، وأن المرء لا يقتص لنفسه، وأن المعتدي بالجناية يَسقُط ما ثبت له قبلها منْ جناية، إذا ترتبت الثانية عَلَى الأولى. (ومنها): جواز تشبيه فعل الآدمي بفعل البهيمة، إذا وقع فِي مقام التنفير عن مثل ذلك الفعل. (ومنها): جواز دفع الصائل، وأنه إذا لم يمكن الخلاص منه، إلا بجناية عَلَى نفسه، أو عَلَى بعض أعضائه، ففعل به ذلك، كَانَ هدرا, وللعلماء فِي ذلك اختلاف، وتفصيل معروف، سيأتي بعضه إن شاء الله تعالى. (ومنها): أن منْ وقع له أمرٌ يَأنفُه، أو يحتشم منْ نسبته إليه، إذا حكاه كنى عن نفسه، بأن يقول: فعل رجل، أو إنسان، أو نحو ذلك كذا وكذا، كما وقع ليعلى ﵁ فِي هذه القصة، وكما وقع لعائشة ﵂، حيث قالت: "قَبَّل رسول الله ﷺ ، امرأةً منْ نسائه، فَقَالَ لها عروة: هل هي إلا أنت، فتبسمت". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فيمن عضّ يد شخصٍ، فانتزع المعضوض يده منْ فِي العاضّ، فقلع سنّا منْ أسنان العاضّ:
ذهبت طائفة إلى أنه لا ضمان عليه، رُوي ذلك عن أبي بكر الصّدّيق، وشُريح، وهو قول الكوفيين، والشافعيّ، قالوا: ولو جرحه المعضوض فِي موضع آخر، فعليه ضمانه.
وذهب ابن أبي ليلى، ومالكٌ إلى أنه ضامن لدية يده. وَقَالَ عثمان الْبَتِّيُّ: إن كَانَ انتزعها منْ ألم، ووجع أصابه، فلا شيء عليه، وإن كَانَ انتزعها منْ غير ألم، فعليه الدية.
واحتجّ الكوفيّون، والشافعيّ بحديث الباب، وقالوا: ألا ترى قوله ﷺ : "أيدع يده فِي فيه، فيعضّه كما يعضّ الفحل؟، لا دية له"، وهذا لا يجوز خلافه؛ لصحّة مجيئه،
стр. 17314
وأنه لا شيء يُخالفه مما رُوي عن النبيّ ﷺ . قالوا: ولا يختلفون أن منْ شهر سلاحًا، وأومأ إلى قتله، وهو صحيح العقل، فقتله المشهور عليه، دافعًا له عن نفسه، أنه لا ضمان عليه، فإذا لم يضمن نفسه بدفعه إياه عن نفسه، فكذلك لا يضمن سنّه بدفعه إياه عن عضّه. أفاده ابن بطّال فِي "شرح البخاريّ" ٨/ ٥٢١.
وَقَالَ فِي "الفتح": قد أخذ بظاهر هذه القصة الجمهور، فقالوا: لا يلزم المعضوض قصاص، ولا دية؛ لأنه فِي حكم الصائل، واحتجوا أيضا بالإجماع، بأن منْ شهر عَلَى آخر سلاحا ليقتله، فدفع عن نفسه، فقَتَلَ الشاهرَ، أنه لا شيء عليه، فكذا لا يضمن سنه بدفعه إياه عنها، قالوا: ولو جرحه المعضوض فِي موضع آخر، لم يلزمه شيء.
وشرط الاهدار أن يتألم المعضوض، وأن لا يمكنه تخليص يده بغير ذلك، منْ ضرب فِي شدقيه، أو فَكّ لحيته؛ ليرسلها، ومهما أمكن التخليص بدون ذلك، فعدل عنه إلى الأثقل لم يهدر، وعند الشافعيّة وجه آخر: أنه يهدر عَلَى الإطلاق، ووجه أنه لو دفعه بغير ذلك ضمن.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الوجه الأخير للشافعيّة منْ إهداره مطلقًا هو الأظهر؛ لأنه ﷺ لم يستفصل حينما أهدر ثنيّة العاض، وإنما قَالَ: "لا دية لك"، فلم يسأله كيف نزع يده، وهل كَانَ يمكن أن يدفعه بأقلّ منْ ذلك. والله تعالى أعلم.
قَالَ: وعن مالك روايتان: أشهرهما يجب الضمان، وأجابوا عن هَذَا الْحَدِيث باحتمال أن يكون سبب الإندار شدة العض، لا النزع، فيكون سقوط ثنية العاض بفعله، لا بفعل المعضوض، إذ لو كَانَ منْ فعل صاحب اليد، لأمكنه أن يخلص يده منْ غير قلع، ولا يجوز الدفع بالأثقل، مع إمكان الأخف. وَقَالَ بعض المالكية: العاض قصد العضو نفسه، والذي استحق فِي إتلاف ذلك العضو، غير ما فعل به، فوجب أن يكون كل منهما ضامنا ما جناه عَلَى الآخر، كمن قلع عين رجل، فقطع الآخر يده.
وتُعُقّب بأنه قياس فِي مقابل النص، فهو فاسد. وَقَالَ بعضهم: لعل أسنانه كانت تتحرك، فسقطت عقب النزع، وسياق هَذَا الْحَدِيث يدفع هَذَا الاحتمال. وتمسك بعضهم بأنها واقعة عين، ولا عموم لها.
وتعقب بأن البخاريّ أخرج فِي "الإجارة" عقب حديث يعلى هَذَا، منْ طريق أبي بكر الصديق ﵁، أنه وقع عنده مثل ما وقع عند النبيّ ﷺ ، وقضى فيه بمثله.
قَالَ الحافظ: وما تقدم منْ التقييد ليس فِي الْحَدِيث، وإنما أُخذ منْ القواعد الكلية، وكذا إلحاق عضو آخر غير الفم به، فإن النص إنما ورد فِي صورة مخصوصة، نبه عَلَى ذلك ابن دقيق العيد.
стр. 17315
وَقَدْ قَالَ يحيى بن عمر: لو بلغ مالكا هَذَا الْحَدِيث لما خالفه، وكذا قَالَ ابن بطال: لم يقع هَذَا الْحَدِيث لمالك، وإلا لما خالفه. وَقَالَ الداودي: لم يروه مالك؛ لأنه منْ رواية أهل العراق. وَقَالَ أبو عبد الملك: كأنه لم يصح الْحَدِيث عنده؛ لأنه أتى منْ قبل المشرق.
قَالَ الحافظ: وهو مُسَلَّم فِي حديث عمران ﵁، وأما طريق يعلي بن أمية، فرواها أهل الحجاز، وحملها عنهم أهل العراق. واعتذر بعض المالكية بفساد الزمان، ونقل القرطبيّ عن بعض أصحابهم: إسقاط الضمان، وَقَالَ: وضَمَّنه الشافعيّ، وهو مشهور مذهب مالك. وتُعُقّب بأن المعروف عن الشافعيّ: أنه لا ضمان، وكأنه انعكس عَلَى القرطبيّ. انتهى "فتح" ١٤/ ٢١١.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق أن الصواب هو ما ذهب إليه الجمهور منْ أنه لا يلزم المعضوض قصاص، ولا دية؛ لصريح النصّ، والقياس فِي مقابلة النصّ باطلٌ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٦١ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ رَجُلاً عَضَّ آخَرَ عَلَى ذِرَاعِهِ، فَاجْتَذَبَهَا، فَانْتَزَعَتْ ثَنِيَّتَهُ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَبْطَلَهَا، وَقَالَ: "أَرَدْتَ أَنْ تَقْضَمَ لَحْمَ أَخِيكَ، كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ؟ ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و"عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"يزيد": هو ابن زريع. و"زُرارة" -بضم الزاي المعجمة، ثم مهملتين، الأولى خفيفة، بينهما ألف، بغير همز- ابن أوفى: هو العامريّ الْحَرَشيّ -بمهملة، وراء مفتوحتين، ثم معجمة- أبو حاجب البصريّ، قاضيها، الثقة العابد [٣] ٢٧/ ٩١٧.
[تنبيه]: وقع عند الإسماعيلي، فِي رواية علي بن الجعد، عن شعبة: أخبرني قتادة، أنه سمع زرارة. قاله فِي "الفتح" ١٤/ ٢٠٧. والسند مسلسلٌ بالبصريين، وفيه أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، وَقَدْ مرّ غير مرّة، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. وقوله: "فانتُزِعَت ثنيّتُه" بالبناء للمفعول: أي قُلِعت.
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق شرحه، وبيان مسائله فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٦٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
стр. 17316
عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: قَاتَلَ يَعْلَى رَجُلاً، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ، فَنَدَرَتْ ثَنِيَّتُهُ، فَاخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ، لَا دِيَةَ لَهُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح وشيخه هو أحد مشايخ الستة، كسابقه، و"محمد بن جعفر": هو غندر، والكلام فِي السند مرّ فيما قبله.
وقوله: "قاتل يعلى الخ": أي ضاربه.
وقوله: "فندرت ثنيّته" بفتح النون والدال المهملة: أي سقطت. قَالَ الفيّوميّ رحمه الله تعالى: نَدَرَ الشيءُ نُدُورًا، منْ باب قعد: سقط، أو خرج منْ غيره، ومنه نادر الجبل، وهو ما يخرُج منه، ويبرُزُ، وندر فلانٌ منْ قومه: خرج، وندر العظم منْ موضعه: زال، ويتعدّى بالهمزة، والاسم النَّدْرة بالفتح، والضمّ لغةٌ. انتهى.
وقوله: "يعض أحدكم": هو بتقدير همزة الاستفهام، والأصل: أيعضّ، والاستفهام للإنكار.
و"يَعَضُّ" -بفتح أوله، والعين المهملة، بعدها ضاد معجمة ثقيلة- وفي رواية مسلم: "يَعْمِدُ أحدكم إلى أخيه، فيعضه"، وأصلُ عَضَّ عَضِضَ، بكسر الأولى، يَعضَضُ، بفتحها، فأدغمت. قاله فِي "الفتح".
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٦٣ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ يَعْلَى قَالَ: فِي الَّذِي عَضَّ، فَنَدَرَتْ ثَنِيَّتُهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: "لَا دِيَةَ لَكَ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه سُويد بن نصر، فإنه منْ أفراده هو والترمذيّ، وهو مروزيّ ثقة، لقبه الشاه، رواية ابن المبارك. و"عبد الله": هو ابن المبارك.
[تنبيه]: هكذا ساق فِي "المجتبى" نصّ هَذَا الْحَدِيث، وظاهره أنه منْ مسند يعلى ﵁، لا منْ مسند عمران ﵁، وهو مخالف لما فِي "الكبرى"، ولفظه: "أخبرنا سويد بن نصر المروزيّ، قَالَ: أنبأنا عبد الله، عن شعبة، عن قتادة، عن زُرارة، عن عمران بن حصين، أن رجلاً عضّ ذراع رجل، فانتزع ثنيّته، فانطلقا إلى النبيّ ﷺ ، فذكر ذلك له، فَقَالَ: "أردت أن تقضَم ذراع أخيك، كما يقضم الفحل، فأبطلها".
стр. 17317
فهذا ظاهر فِي كونه منْ مسند عمران ﵁، وهو الذي يقتضيه صنيع الحافظ أبي الحجّاج المزيّ رحمه الله تعالى فِي "تحفة الأشراف" حيث أورد الْحَدِيث فِي مسند عمران بن حُصين، فِي ترجمة زُرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين.
والظاهر أن ما فِي "الكبرى" هو الصواب؛ لأن رواية شعبة التي قبله تؤيّده، فإنها صريحة فِي كونه منْ مسند عمران ﵁، وهي التي أخرجها مسلم فِي "صحيحه"، والله تعالى أعلم.
والحديث تقدّم الكلام عليه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٦٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ رَجُلاً عَضَّ ذِرَاعَ رَجُلٍ، فَانْتَزَعَ ثَنِيَّتَهُ، فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "أَرَدْتَ أَنْ تَقْضَمَ ذِرَاعَ أَخِيكَ، كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ، فَأَبْطَلَهَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح.
و"محمد بن عبد الله بن المبارك": هو الْمُخَرِّميّ، أبو جعفر البغداديّ، الثقة الحافظ [١١] ٤٣/ ٥٠. و"أبو هشام": هو المغيرة بن سَلَمة المخزوميّ البصريّ، ثقة ثبتٌ، منْ صغار [٩] ٢٨/ ٨١٥. و"أبان": هو ابن يزيد العطّار، أبو يزيد البصريّ، ثقة له أفراد [٧] ٩/ ٧٨٧.
وقوله: "فأبطلها": أي أبطل ديتها.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
١٩ - (بَابُ الرَّجُلِ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "يدفع" بفتح حرف المضارعة، مبنيّا للفاعل، منْ باب نفع: أي يدفع ظلم المعتدي عن نفسه. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٧٦٥ - (أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ الْخَلِيلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ
стр. 17318
الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ يَعْلَى ابْنِ مُنْيَةَ، أَنَّهُ قَاتَلَ رَجُلاً، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ، فَقَلَعَ ثَنِيَّتَهُ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، كَمَا يَعَضُّ الْبَكْرُ فَأَبْطَلَهَا).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه مالك بن الخليل الأزديّ، أبي غسّان البصريّ، فإنه منْ أفراده، وهو صدوقٌ، منْ كبار [١١] ٢٢٦/ ٣٠٧١. و"ابنُ أبي عديّ": هو محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسب لجدّه، وقيل: هو إبراهيم، أبو عمرو البصريّ الثقة الحافظ [٩] ١٢٢/ ١٧٥. و"الحكم": هو ابن عُتيبة، أبو محمد الكنديّ الكوفيّ، ثقة ثبتٌ فقيهٌ، ربما دلّس [٥] ٨٦/ ١٠٤. و"مجاهد": هو ابن جبر، أبو الحجاج المخزوميّ مولاهم المكيّ الإِمام الحجة الثبت [٣] ٢٧/ ٣١. و"يعلى ابن مُنية" -بضمّ الميم، وسكون النون، بعدها تحتانيّة مفتوحةٌ- بنت جابر، وهي أمه، وقيل: جدته، والأول المعتمد، وهي عمة عتبة ابن غزوان، وقيل: أخته.
وأبو يعلى: أُميّة بن أبي عبيدة بن همام بن الحارث التميمي الحنظلي، أسلم يوم الفتح، وشَهِد مع النبيّ ﷺ ما بعدها، كحنين، والطائف، وتبوك.
[تنبيه]: ذكر القاضي عياض رحمه الله تعالى أن بعض رواة مسلم صَحّف "منية" هذه، فَقَالَ: "مُنَبّه" -بفتح النون، وتشديد الموحدة، وهو تصحيف، وأغرب ابن وَضّاح، فَقَالَ: مُنَية -بسكون النون-: أمه، وبفتحها، ثم موحدة أبوه، ولم يوافقه أحد عَلَى ذلك. قاله فِي "الفتح" ١٤/ ٢١٠.
وقوله: "كما يعضّ البكر" -بفتح الباء الموحّدة، وسكون الكاف، آخره راء-: هو الْفَتِيُّ منْ الإبل، بمنزلة الغلام منْ الإنسان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث يعلي بن منية ﵁ هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٩/ ٤٧٦٥ و٤٧٦٦ و٢٠/ ٤٧٦٧ و٤٧٦٨ و٤٧٦٩ و٤٧٧١ و٤٧٧٠ و٤٧٧١ و٤٧٧٢ و٤٧٧٣ و٤٧٧٤ - وفي "الكبرى" ١٨/ ٦٩٦٥ و٦٩٦٦ و١٩/ ٦٩٦٧ و٦٩٦٨ و٦٩٦٩ و٦٩٧٠ و٦٩٧١ و٦٩٧٢ و٦٩٧٣ و٦٩٧٤. وأخرجه (خ) فِي "الإجارة" ٢٢٦٦ و"الجهاد" ٢٩٧٣ و"المغازي" ٤٤١٧ و"الديات" ٦٨٩٣ (م)
стр. 17319
فِي "القسامة" ٤٣٤٣ و٤٣٤٥ و٤٣٤٧ و٤٣٤٨ (د) فِي "الديات" ٤٥٨٤ (ق) فِي "الديات" ٢٦٥٦ (أحمد) فِي "مسند الشاميين" ١٧٤٨٩ و١٧٥٠٥. وفوائد الْحَدِيث، وبقيّة مسائله تقدّمت فِي الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: كتب الشيخ الألباني رحمه الله تعالى فِي "صحيح النسائيّ" عَلَى هَذَا الْحَدِيث: ما نصّه: صحيح الإسناد. انتهى. وهذا مما لا ينبغي، فإن الْحَدِيث متّفق عليه كما علمت آنفًا، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٦٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَقِيلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ يَعْلَى ابْنِ مُنْيَةَ، أَنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، قَاتَلَ رَجُلاً، فَعَضَّ يَدَهُ، فَانْتَزَعَهَا، فَأَلْقَى ثَنِيَّتَهُ، فَاخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، كَمَا يَعَضُّ الْبَكْرُ"، فَأَطَلَّهَا: أَيْ أَبْطَلَهَا).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن عبد الله بن عُبيد بن عَقِيل -بفتح العين المهملة- بن صَبيح الهلاليّ، أبو مسعود البصريّ، صدوق [١١].
قَالَ النسائيّ: لا بأس به. وَقَالَ مسلمة: ثقة. روى عنه المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، له عند المصنّف ثلاثة أحاديث: هَذَا، وفي "كتاب قطع السارق" ١٥/ ٤٩٨٠ حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما: "جيء بسارق إلى رسول الله ﷺ … الْحَدِيث، وفي "كتاب الزينة" ١٠٤/ ٥٣٣٤ حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، مرفوعًا: "إن الله لا ينظر إلى مسبل الإزار".
و"جدّه": هو عُبيد بن عَقيل بن صَبِيح الهلاليّ، أبو عمرو البصريّ الضرير المعلّم، صدوقٌ، منْ صغار [٩].
قَالَ أبو حاتم: صدوقٌ. وَقَالَ الآجريّ، عن أبي داود: هو فِي الْحَدِيث لا بأس به، وذُكر بشيء منْ أمر العينة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ: مات فِي شعبان سنة (٢٠٧) وكذا قَالَ ابن قانع. روى له المصنّف، وأبو داود، وله عند المصنّف ثلاثة أحاديث، وهي التي مرّت فِي ترجمة حفيده المذكور قبله.
وقوله: "أن رجلاً منْ بني تميم": هو يعلى نفسه، فإنه منْ بني تميم، كما تقدّم توضيح ذلك.
وقوله: "فأطلّها": بتشديد اللام: أي أبطلها، كما فُسر فِي الْحَدِيث، يقال: طَلّ السلطان الدمَ طلّاً، منْ باب قتل: أهدره، وَقَالَ الكسائيّ، وأبو عُبيد: ويُستعمل لازمًا أيضًا، فيقال: طَلَّ الدمُ، منْ باب قتل، ومن باب تَعِب لغةٌ، وأنكره أبو زيد، وَقَالَ: لا يُستعمل إلا متعدّيًا، فيقال: طلّه السلطانُ: إذا أبطله، وأطلّه بالألف أيضًا، فَطُلَّ هو،
стр. 17320
وأُطِلَّ مبنيين للمفعول. قاله الفيّوميّ. والتفسير المذكور منْ أحد الرواة. والله أعلم.
والحديث متَّفقٌ عليه، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٢٠ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى عَطَاءٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه الاختلاف المذكور أن محمد بن إسحاق رواه عن عطاء، عن صفوان بن عبد الله، عن عميه سلمة، ويعلى ابني أمية، ورواه ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، وابن جريج كلاهما عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، ورواه ابن عيينة أيضًا عن عمرو، وابنِ جريج كلاهما عن عطاء، عن صفوان، عن يعلى، وتابعه ابن علية، عن ابن جريج، لكنه رواه بلفظ: "فعضّ أحدهما إصبع صاحبه الخ"، وَقَدْ تقدّم أن المحفوظ بلفظ اليد، لا بلفظ الإِصبع، ورواه شعبة عن قتادة، عن عطاء، عن ابن يعلى، عن أبيه، وخالف هشام الدستوائيّ، فرواه عن قتادة، عن بُدَيل بن ميسرة، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى ابن مُنية، أن أجيرًا ليعلى ابن مُنْية عضّ آخرُ ذراعَهُ، فانتزعها منْ فيه الخ.
فخالف شعبة فِي شيئين:
[أحدهما]: أنه أدخل بين عطاء، وصفوان بُديلَ بن ميسرة.
[والثاني]: أنه جعله مرسلاً؛ لأن صفوان حكى قصّة لم يحضرها، ومن حكى قصّة لم يحضرها كانت حكايته منقطعة، والأرجح فِي هَذَا رواية شعبة؛ لأمرين:
[أحدهما]: أنه مقدّم عَلَى هشام فِي قتيبة وغيره؛ إذ أحفظ منه، فقد قَالَ أبو بكر البرديجيّ رحمه الله تعالى: أصحّ النَّاس روايةً عن قتادة شعبةُ، كَانَ يوقّف قتادة عَلَى الْحَدِيث (١)، وَقَالَ أيضًا: إذا خالف هشام شعبة فالقول قول شعبة، ذكره الحافظ ابن رَجَب رحمه الله تعالى فِي "شرح علل الترمذيّ" (٢).
стр. 17321
[الثاني]: موافقة روايته لرواية الجماعة الذي ذكرناهم قبلُ، فإنهم رووه عن قتادة، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، فلم يدخلوا بينهما بديلاً، وجعلوه متّصلاً بذكر يعلى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٧٦٧ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَمَّيْهِ: سَلَمَةَ، وَيَعْلَى: ابْنَيْ أُمَيَّةَ، قَالَا: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَمَعَنَا صَاحِبٌ لَنَا، فَقَاتَلَ رَجُلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَعَضَّ الرَّجُلُ ذِرَاعَهُ، فَجَذَبَهَا مِنْ فِيهِ، فَطَرَحَ ثَنِيَّتَهُ، فَأَتَى الرَّجُلُ النَّبِيَّ ﷺ ، يَلْتَمِسُ الْعَقْلَ، فَقَالَ: "يَنْطَلِقُ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ، فَيَعَضُّهُ كَعَضِيضِ الْفَحْلِ، ثُمَّ يَأْتِي يَطْلُبُ الْعَقْلَ؟ لَا عَقْلَ لَهَا"، فَأَبْطَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عمران بن بكّار": هو الكلابيّ البرّاد الحمصيّ المؤذّن، ثقة [١١] ١٧/ ١٥٤١ منْ أفراد المصنّف. و"أحمد بن خالد": هو الْوَهْبِيّ الكنديّ، أبو سعيد، صدوقٌ [٩] ٥٦/ ٢٣٠٠. و"محمد": هو ابن إسحاق بن يسار المطّلبيّ، إمام المغازي المشهور. و"صفوان بن عبد الله": هو ابن صفوان بن أميّة القرشيّ، ثقة [٣] ٤٦/ ٢٢٥٥. و"سلمة بن أميّة" التميميّ الكوفيّ، أخو يعلى، صحابيّ، روى عن النبيّ ﷺ ، وعنه ابن أخيه صفوان بن عبد الله.
قَالَ ابن عبد البرّ: لا يوجد له سوى حديث واحد، عند ابن إسحاق -يعني هَذَا الْحَدِيث- وذكره البخاريّ، وَقَالَ: يُخالف فيه -يعني ابن إسحاق. تفرّد به المصنّف، وابن ماجه بهذا الْحَدِيث فقط.
وقوله: "فِي غزوة تبوك": وفي رواية ابن علية الآتية فِي ٤٧٧١ - : "غزوت مع رسول الله ﷺ جيش العسرة"، قَالَ الحافظ: وبه جزم غير واحد منْ الشراح، وتعقبه بعض منْ لقيناه، بأن فِي "باب منْ أحرم جاهلا، وعليه قميص"، منْ "كتاب الحج" فِي البخاريّ، منْ حديث يعلى: "كنت مع النبيّ ﷺ ، فأتاه رجل عليه جبة بها أثر صفرة … " فذكر الْحَدِيث، وفيه: "فَقَالَ اصنع فِي عمرتك ما تصنع فِي حجتك، وعَضَّ رجل يد رجل، فانتزع ثنيته، فأبطله النبيّ ﷺ "، فهذا يقتضي أن يكون ذلك فِي سفر، كَانَ فيه الإحرام بالعمرة. قَالَ الحافظ: وليس ذلك صريحا فِي هَذَا الْحَدِيث، بل هو محمول عَلَى أن الراوي سمع الحديثين، فأوردهما معًا، عاطفا لأحدهما عَلَى الآخر، بالواو التي لا تقتضي الترتيب، وعجيب ممن يتكلم عن الْحَدِيث، فَيَرُدُّ ما فيه صريحًا، بالأمر المحتمل، وما سبب ذلك، إلا إيثار الراحة، بترك تتبع طرق الْحَدِيث، فإنها طريق توصل إلى الوقوف عَلَى المراد غالبا. انتهى "فتح" ١٤/ ٢١٠ - ٢١١.
стр. 17322
[تنبيه]: "غزوة تبوك": هي الغزوة التي غزاها رسول الله ﷺ فِي شهر رَجَب، سنة تسع منْ الهجرة، فصالح أهلها عَلَى الجزية، منْ غير قتال، و"تبوك": موضع منْ بادية الشام، قريبٌ منْ مدين الذين بعث الله تعالى إليهم شُعيبًا ﵇، وأصل تبوك مضارع باكت الناقة تبوك بَوْكًا: إذا سَمِنت، فهي بائك بغير هاء، قيل: سمّيت الغزوة بذلك؛ لخلوها عن البؤس، فأشبهت الناقة التي ليس بها هُزال، ثم سُمّيت البقعة بذلك. أفاده الفيّوميّ.
وقوله: "ومعنا صاحبٌ لنا": هو أجير يعلى، كما سبق.
وقوله: "فعضّ الرجل ذراعه": الرجل هو يعلى نفسه، كما سبق.
وقوله: "يلتمس العقل": أي دية ثنيّته. وقوله: "عَضِيض الفحل": بفتح العين المهملة، وكسر الضاد المعجمة: بمعن العَضّ، يقال: عَضِضْتُهُ، وعَضِضْتُ عليه، كسَمِعَ، عَضّا، وعَضيضًا: إذا أمسكتُه بأسناني، أو بلساني، وعضضتُ بصاحبي عَضِيضًا: لزمته. أفاده فِي "القاموس".
والحديث، وإن كَانَ فيه ابن إسحاق، وهو مدلّسٌ، وَقَدْ عنعنه، لكنه صحيحٌ بما بعده، أخرجه المصنّف هنا -٢/ ٤٧٦٧ - وفي "الكبرى" ١٩/ ٦٩٦٧. وأخرجه (ق) فِي "الديات" ٢٦٥٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٦٨ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلاً عَضَّ يَدَ رَجُلٍ، فَانْتُزِعَتْ ثَنِيَّتُهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَهْدَرَهَا).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و"عبد الجبّار بن العلاء بن عبد الجبّار": هو العطّار، أبو بكر البصريّ، نزيل مكة، لا بأس به، منْ صغار [١٠] ١٣٢/ ١٩٩. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"عمرو": هو ابن دينار. و"عطاء": هو ابن أبي رباح. و"صفوان بن يعلى": هو ابن أميّة التميميّ المكيّ، ثقة [٣] ٧/ ٤٠٧.
وقوله: "عن عطاء": هو ابن أبي رباح، عن صفوان بن يعلى، وفي رواية ابن علية الآتية ٤٧٧١ - : "أخبرني عطاء"، وفي رواية للبخاريّ، منْ طريق محمد بن أبي بكر، فِي "المغازي": "سمعت عطاء، أخبرني صفوان بن يعلي بن أمية"، وكذا لمسلم منْ طريق أبي أسامة عن ابن جريج.
وقوله: "عن أبيه"، وفي رواية ابن علية: "عن يعلي بن أمية"، وفي رواية حجاج بن
стр. 17323
محمد، عند أبي نعيم فِي "المستخرج": "أخبرني صفوان بن يعلي بن أمية، أنه سمع يعلى، وسيأتي -٤٧٧٢ - منْ طريق شعبة، عن قتادة، عن عطاء، عن ابن يعلى، عن أبيه، و-٤٧٧٣ - منْ طريق هشام الدستوائي، عن قتادة، وفيها مخالفة لرواية شعبة منْ وجهين: [أحدهما]: أنه أدخل بين قتادة وعطاء بُدَيلَ بنَ ميسرة. [والآخر]: أنه أرسله، ولفظه: "عن صفوان بن يعلى، أن أجيرا ليعلي بن منية، عض آخرُ ذراعَهُ.
وَقَدْ اعترض الدارقطنيّ عَلَى مسلم، فِي تخريجه هذه الطريق، وتخريجه طريق محمد ابن سيرين، المتقدّمة قبل باب ١٨/ ٤٧٦٠ - عن عمران، وهو لم يسمع منه.
وأجاب النوويّ بما حاصله إن المتابعات يُغتفر فيها ما لا يُغتفر فِي الأصول، قَالَ الحافظ: وهو كما قَالَ. قاله فِي "الفتح" ١٤/ ٢١٠.
وقوله: "أن رجلاً": هو يعلى نفسه. وقوله: "فانتُزعت" بالبناء للمفعول. وقوله: "فأهدرها": أي أبطلها، يقال: هَدَر الدم هَدْرًا، منْ باب ضرب، وقَتَل: بطَلَ، وأهدر بالألف لغةٌ، وهدرته، منْ باب قتل، وأهدرته: أبطلته، يُستعملان متعدّيين أيضًا، والهَدَرُ بفتحتين اسم منه، وذهب دمه هَدْرًا بالسكون، والتحريك: أي باطلاً، لا قَوَدَ فيه. قاله الفيّوميّ.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٦٩ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ مَرَّةً أُخْرَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ يَعْلَى، وَابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ يَعْلَى، أَنَّهُ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا، فَقَاتَلَ رَجُلاً، فَعَضَّ يَدَهُ، فَانْتُزِعَتْ ثَنِيَّتُهُ، فَخَاصَمَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "أَيَدَعُهَا يَقْضِمُهَا، كَقَضْمِ الْفَحْلِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "مرّة أُخرى": أي حدثنا أوّلاً عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، عن صفوان بن يعلى، عن يعلي بن أميّة ﵁، ثم حدّثنا بالحديث مرةً ثانيةً عن سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن صفوان، وعن ابن جريج، عن عطاء، عن صفوان، فزاد الطريق الثانية، فقوله: "وابن جريج" بالجرّ عطفًا عَلَى عمرو، فسفيان يروي عن كلّ منْ عمرو، وابن جريج. والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٧٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ،
стр. 17324
فَاسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا، فَقَاتَلَ أَجِيرِي رَجُلاً، فَعَضَّ الآخَرُ، فَسَقَطَتْ ثَنِيَّتُهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَأَهْدَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. و"سفيان": هو ابن عُيينة.
وقوله: "غزوت مع رسول الله ﷺ فِي غزوة تبوك": هكذا الرواية عند المصنّف هنا "فِي غزوة تبوك" بزيادة "فِي"، والظاهر أنه ضمّن "غزوت" معنى "خرجت"، كما فِي الرواية الأخرى. والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٧١ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَيْشَ الْعُسْرَةِ، وَكَانَ أَوْثَقَ عَمَلٍ لِي، فِي نَفْسِي، وَكَانَ لِي أَجِيرٌ، فَقَاتَلَ إِنْسَانًا، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا أُصْبَعَ صَاحِبِهِ، فَانْتَزَعَ إِصْبَعَهُ، فَأَنْدَرَ ثَنِيَّتَهُ، فَسَقَطَتْ، فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَهْدَرَ ثَنِيَّتَهُ، وَقَالَ: "أَفَيَدَعُ يَدَهُ فِي فِيكَ تَقْضَمُهَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "يعقوب بن إبراهيم": هو الدورقيّ.
وقوله: "جيش العسرة": هو جيش غزوة تبوك المذكورة فِي الرواية الماضية، وسمي بذلك؛ لأنه ﷺ ندب النَّاس إلى الغزو فِي شدّة القيظ -أي الحرّ- وكان وَقْت إيناع الثمرة، وطيب الظلال، فعَسُرَ ذلك عليهم، وشقّ، والعسرُ: ضدّ اليُسر، وهو الضيق، والشّدّة، والصعوبة. قاله فِي "النهاية" ٣/ ٢٣٥.
وقوله: "وكان أوثق عَمَلٍ لي" يعني أن خروجه فِي غزوة تبوك منْ أفضل أعماله التي عملها فِي الإِسلام، وذلك لما فِي الجهاد فِي سبيل الله منْ الفضل عمومًا، ولما فِي هذه الغزوة خصوصًا، حيث أثني الله تعالى فِي كتابه العزيز عَلَى أهلها، فَقَالَ: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ الآية [التوبة: ١١٧].
وقوله: "إصبع صاحبه" بكسر الهمزة، وفتح الباء الموحّدة، أفصح لغاتها، إذ فيها عشر لغات، وهي تثليث الهمزة، مع تثليث الموحّدة، والعاشرة أُصْبُوع، كعُصْفُورٍ، وأشهرها ما ذكرته أوّلاً، وهي التي ارتضاها الفصحاء. وهي مؤنّثة، وكذلك سائر أسمائها، مثل الخِنْصِر، والْبِنْصِرِ، وفي كلام ابن فارس ما يدلّ عَلَى تذكير الإِصبع، فإنه قَالَ: الأجود فِي إصبع الإنسان التأنيث. وَقَالَ الصغانيّ أيضًا: يُذَكَّر، ويؤنّثُ، والغالب التأنيث. أفاده الفيّوميّ.
стр. 17325
وقوله: "فأندر ثنيّته": أي نزعها منْ موضعها، فسقطت إلى الأرض.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٧٢ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ، بِمِثْلِ الَّذِي عَضَّ، فَنَدَرَتْ ثَنِيَّتُهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: "لَا دِيَةَ لَكَ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدّم هَذَا الْحَدِيث سندًا، ومتنًا، فِي الباب الماضي، إلا أنه كَانَ هناك منْ مسند عمران بن حُصين رضي الله تعالى عنهما، وشيخ قتادة هو زُرارة بن أوفى.
وقوله: "فِي حديث عبد الله بن المبارك": أي حدّثنا هَذَا الْحَدِيث مع جملة الأحاديث التي حدّثناها عن عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى.
وقوله: "بمثل الذي عَضَّ" يعني بمثل الْحَدِيث الماضي فِي الباب السابق، ولفظه: "أن يعلى قَالَ فِي الذي عضّ، فندرت ثنيّته أن النبيّ ﷺ قَالَ: "لا دية لك".
والحديث متّفقٌ عليه، كما مرّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٧٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى ابْنِ مُنْيَةَ، أَنَّ أَجِيرًا لِيَعْلَى ابْنِ مُنْيَةَ، عَضَّ آخَرُ ذِرَاعَهُ، فَانْتَزَعَهَا مِنْ فِيهِ، فَرَفَعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ سَقَطَتْ ثَنِيَّتُهُ، فَأَبْطَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: "أَيَدَعُهَا فِي فِيكَ تَقْضَمُهَا، كَقَضْمِ الْفَحْلِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "إسحاق": هو ابن راهويه. "وأبو معاذ": هو هشام الدستوائيّ. و"بُديل -بضم أوله، مصغّرًا (١) - ابن ميسرة": هو الْعُقيليّ البصريّ، ثقة [٥] ٥٥/ ٨٥٩.
وقوله: "ابن منية": هي أم يعلى، كما سبق، كَانَ تارة يُنسب إلى أبيه أُميّة، وتارة إلى أمه مُنية، وإذا نُسب إليها تكتب همزة الوصل فِي كلمة "ابن"؛ لأن القاعدة أن لفظة "ابن" إذا وقعت بين علمين، وكان الثاني غير أبيه، كأمه كتبت الهمزة، وثبت التنوين فِي الاسم الأول، كمحمدٍ ابن الحنفيّة، فتنبّه.
وقوله: "فرفع ذلك إلى النبيّ ﷺ يحتمل بناء "رفع" للفاعل، أو للمفعول.
والحديث مرسلٌ؛ لأن صفوان لم يحضر القصّة، فإنه تابعيّ، وإذا حكى القصة منْ
стр. 17326
لم يحضرها كَانَ منقطعًا، كما قَالَ فِي "ألفيّة الأثر":
وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكَ مَا لَهُ رَوَى … مُتَّصِلٌ وَغَيْرُهُ قَطْعًا حَوَى
وَقَدْ تقدّم أن الدارقطنيّ رحمه الله تعالى انتقد عَلَى مسلم إخراجه لهذه الطريق، ولكن أجيب عنه بأنه أوردها متابعةً، واستشهادًا، فلا يضرّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٧٤ - (أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمَّارٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، أَنَّ أَبَاهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَاسْتَأْجَرَ أَجِيرًا، فَقَاتَلَ رَجُلاً، فَعَضَّ الرَّجُلُ ذِرَاعَهُ، فَلَمَّا أَوْجَعَهُ نَتَرَهَا، فَأَنْدَرَ ثَنِيَّتَهُ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ، فَيَعَضُّ أَخَاهُ، كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ"، فَأَبْطَلَ ثَنِيَّتَهُ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أبو بكر بن إسحاق": هو محمد بن إسحاق الصاغاني، نزيل بغداد، ثقة ثبتٌ [١١] ١٣/ ٣٤٧. و"أبو الْجَوَّاب" -بفتح الجيم، وتشديد الواو-: الأحوص بن الْجَوّاب الضّبّيّ الكوفيّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] ١٠٢/ ١٣٥. و"عَمَار": هو ابن رُزَيق الضبيّ، أو التميميّ، أبو الأحوص الكوفيّ، لا بأس به [٨] ١٠٢/ ١٣٥. و"محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى": هو الأنصاريّ الكوفيّ القاضي، أبو عبد الرحمن، صدوقٌ، سيّء الحفظ جدًّا [٧] ١٩/ ٢١٤٩. و"الحكم": هو ابن عُتيبة. و"محمد بن مسلم": هو ابن شهاب الزهريّ الإِمام الحجة المشهور.
وقوله: "نترها" -بفتح النون، والتاء المثناة الفوقيّة، بعدها راء-: أي جذبها بقوّة، يقال: نترته نَتْرًا، منْ باب قتل: جذبته فِي شِدّة. قاله فِي "المصباح". وقوله: "فأندر ثنيّته": أي أسقطها. وقوله: "فرفع ذلك الخ" يحتمل أن يكون مبنيّا للفاعل، وللمفعول.
وقوله: "يَعْمِد أحدكم الخ": -بفتح أوله، وكسر الميم-: أي يقصد، يقال: عمَدتُ للشيء، عَمْدًا، وعمَدت إليه، منْ باب ضرب: قصدته، وتعمّدته: قصدته أيضًا. قاله الفيّوميّ.
والحديث أيضًا مرسلٌ، وفيه ابن أبي ليلى متكلّم فيه، لكنه صحيحٌ بما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
***
стр. 17327
٢١ - (الْقَوَدُ فِي الطَّعْنَةِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الطَّعْنَةُ" بفتح الطاء، وسكون العين المهملتين-: المرّة منْ الطعن، يقال: طعنه بالرمح طَعْنًا، كمنعه، ونصره: ضربه، ووخَزَه، فهو مطعونٌ، وطَعِينٌ. قاله فِي "القاموس". والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٧٧٥ - (أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ بَيَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبِيدَةَ بْنِ مُسَافِعٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَقْسِمُ شَيْئًا، أَقْبَلَ رَجُلٌ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ، فَطَعَنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِعُرْجُونٍ كَانَ مَعَهُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَعَالَ، فَاسْتَقِدْ"، قَالَ: بَلْ قَدْ عَفَوْتُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ).
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (وهب بن بيان) أبو عبد الله الواسطيّ، نزيل مصر، ثقة عابدٌ [١٠] ٢٠/ ١٣٩٩.
٢ - (ابن وهب) عبد الله المصريّ ثقة ثبت عابد [٩] ٩/ ٩.
٣ - (عمرو بن الحارث) أبو أيوب المصريّ ثقة ثبت [٧] ٦٣/ ٧٩.
٤ - (بُكير بن عبد الله) بن الأشجّ المدنيّ، نزيل مصر ثقة [٥] ١٣٥/ ٢١١.
٥ - (عَبِيدة -بفتح العين المهملة، وكسر الباء الموحّدة- ابن مسافع) -بضم الميم، بعدها مهملة، ثم فاء- الديليّ المدنيّ، مقبول [٤].
روى عن أبي سعيد الخدريّ حديث الباب، وعنه ابنه مالك، وبُكير بن عبد الله بن الأشجّ. قَالَ ابن المدينيّ: مجهولٌ، ولا أدري سمع منْ أبي سعيد، أم لا؟. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". تفرّد به المصنّف، وأبو داود بهذا الْحَدِيث فقط.
٦ - (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك رضي الله تعالى عنهما ١٦٩/ ٢٦٢. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: بَيْنَا) هي "بين" الظرفيّة، أُشبعت فتحتها، فتولّدت منها الألف، ومثلها "بينما"، ويدخلان عَلَى الجملة، وجوّز الأصمعيّ إضافة "بينا" إلى مفرد، إذا صلح فِي موضعها "بين"، كقول الشاعر:
стр. 17328
بَيْنَا تَعَنُّفِهِ الْكُمَاةَ وَرَوْغِهِ … يَوْمًا أُتِيحَ لَهُ جَرِيءٌ سَلْفَعُ (١)
أفاده المجد فِي "القاموس" (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَقْسِمُ) بفتح أوله منْ القَسْم ثلاثيّا (شَيْئًا، أَقْبَلَ رَجُلٌ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ) أي سقط عليه؛ لينال شيئًا بالاستعجال، ولم يَصبِر (فَطَعَنَهُ) أي ضربه، ووخَزَه تأديبًا له (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعُرْجُونٍ) بضم العين المهملة، وسكون الراء، وضم الجيم: عودٌ أصفر فيه شَماريخ الْعِذْق، سمّي بذلك؛ لانعراجه، وانعطافه، ونونه زائدة، يقال: انعرج الشيء: إذا انعطف، ومُنعرج الوادي: اسم فاعل، حيث يميل يمنةً ويسرة. أفاده فِي "المصباح" (كَانَ مَعَهُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ) هكذا فِي رواية المصنّف، أي خرج منْ موضع القسم؛ خجلاً وحياء منْ رسول الله ﷺ ، أو لتألّمه منْ الطعنة، ويؤيّده ما فِي الرواية التالية، بلفظ: "فصاح الرجل"، وفي رواية أبي داود: "فجُرح بوجهه" (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَعَالَ) بفتح اللام، أمر منْ تعالى يتعالى، منْ العلوّ، وهو الارتفاع، وأصله أن الرجل العالي كَانَ ينادي السافل، فيقول: تعالَ، ثم كثُر فِي كلامهم حَتَّى استُعمل بمعنى "هَلُمَّ" مطلقًا، سواء كَانَ موضع المدعوّ أعلى، أو أسفل، أو مساويًا، فهو فِي الأصل لمعنًى خاصّ، ثم استُعمل فِي معنًى عامّ، وتتّصل به الضمائر باقيًا عَلَى فتحه، فيقال: تعالَوا، تعاليا، تعالَينَ، وربّما ضُمّت اللام مع جمع المذكّر السالم، وكُسرت مع المؤنّث، وبه قرأ الحسن البصريّ فِي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ الآية [آل عمران: ٦٤]؛ لمجانسة الواو. قاله الفيّوميّ (فَاسْتَقِدْ") وفي نسخة: "فاستقده": أي خذ القصاص منّي (قَالَ) الرجل (بَلْ قَدْ عَفَوْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ) أي تركت القصاص، يقال: عفوتُ عن الحقّ: إذا أسقطته، كأنك محوته عن الذي هو عليه، وعافاه الله: محا عنه الأسقام. أفاده الفيّومىّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هَذَا ضعيفٌ لجهالة عَبيدة بن مسافع، كما سبق عن ابن المدينيّ رحمه الله تعالى.
стр. 17329
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢١/ ٤٧٧٣ - وفي "الكبرى" ٢٠/ ٦٩٧٥. وأخرجه (د) فِي "الديات" ٤٥٣٦. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان ثبوت القصاص فِي الطعنة، وَقَدْ عرفت أن الْحَدِيث ضعيف، لكن الأصحّ ثبوت القصاص؛ لما سيأتي فِي المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): بيان ما كَانَ عليه النبيّ ﷺ منْ التواضع، وحسن العشرة مع النَّاس، حيث طلب منْ الذي طعنه تأديبًا، أن يقتصّ منه ﷺ . (ومنها): تواضعه ﷺ أيضًا حيث كَانَ يتولّى القسمة بين النَّاس بنفسه، مع كون الصحابة ﵃ مستعدّين لتنفيذ ما يأمرهم به، عَلَى الوجه المطلوب، إلا أنه آثر نفسه بذلك تحقيقًا لمعنى قوله ﷺ : "إنما أنا قاسم، والله يعطي"، متّفق عليه. (ومنها): مشروعية منْ أساء الأدب، لكن بغير الضرب، كالتعنيف، ونحوه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي القصاص منْ الطعنة، ونحوها:
وَقَدْ حقّق هذه المسألة الإِمام ابن قيّم الجوزيّة رحمه الله تعالى فِي "تهذيب السنن"، بما لا تجده عند غيره منْ المحقّقين، أحببت إيراده بطوله؛ تتميمًا للفائدة، وتكميلًا للعائدة، قَالَ رحمه الله تعالى:
قد اختلف النَّاس فِي هذه المسألة، وهي القصاص فِي اللطمة، والضربة، ونحوهما، مما لا يمكن المقتصّ أن يفعل بخصمه مثل ما فعله به منْ كلّ وجه، هل يسوغ القصاص فِي ذلك، أو يُعدل إلى عقوبته بجنس آخر، وهو التعزير؟ عَلَى قولين:
[أصحّهما]: أنه شُرع فيه القصاص، وهو مذهب الخلفاء الراشدين، ثبت ذلك عنهم، حكاه عنهم أحمد، وأبو إسحاق الْجُوزجانيّ فِي "المترجم"، ونصّ عليه الإِمام أحمد فِي رواية الشالنجيّ، وغيره، قَالَ شيخنا -يعني ابن تيميّة-: وهو قول جمهور السلف.
[القول الثاني]: أنه لا يُشرع فيه القصاص، وهو المنقول الشافعيّ، ومالك، وأبي حنيفة، وقول المتأخّرين منْ أصحاب أحمد، حَتَّى حكى بعضهم الإجماع عَلَى أنه لا قصاص فيه، وليس كما زَعَم، بل حكاية إجماع الصحابة عَلَى القصاص أقرب منْ حكاية الإجماع عَلَى منعه، فإنه ثبت عن الخلفاء الراشدين، ولا يُعلم لهم مخالف فيه.
стр. 17330
ومأخذ القولين أن الله تعالى أمر بالعدل فِي ذلك، فبقي النظر فِي أَيُّ الأمرين أقرب إلى العدل؟.
فَقَالَ المانعون: المماثلة لا تمكن هنا، فكان العدل يقتضي العدول إلى جنس آخر، وهو التعزير، فإن القصاص لا يكون إلا مع المماثلة، ولهذا لا يجب فِي الجرح حَتَّى ينتهي إلى حدّ، ولا فِي القطع إلا منْ منفصل؛ لتمكن الماثلة، فإذا تعذّرت فِي القطع، والجرح صرنا إلى الدية، فكذا فِي اللطمة، ونحوها لَمّا تعذّرت صرنا إلى التعزير.
قَالَ المجوّزون: القصاص فِي ذلك أقرب إلى الكتاب، والسنّة، والقياس، والعدل منْ التعزير.
وأما الكتاب: فإن الله قَالَ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ الآية [الشورى: ٤٠]، وَقَالَ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٤]، ومعلوم أن المماثلة مطلوبةٌ بحسب الإمكان، واللطمة أشدّ مماثلة للّطمة، والضربة للضربة منْ التعزير لها، فإنه ضرب فِي غير الموضع، غير مماثل، لا فِي الصورة، ولا فِي المحلّ، ولا فِي القدر، فأنتم فررتم منْ تفاوت لا يمكن الاحتراز منه بين اللطمتين، فصرتم إلى أعظم تفاوتًا منه، بلا نصّ، ولا قياس.
قالوا: وأما السنّة، فما ذُكِر منْ الأحاديث فِي هَذَا الباب، ولو لم يكن فِي الباب إلا سنّة الخلفاء الراشدين، لكفى بها دليلاً، وحجةً. قالوا: فالتعزير لا يُعتبر فيه جنس الجناية، ولا قدرها، بل قد يُعزّر بالسوط والعصا، ويكون إنما ضربه بيده، أو رجله، فكانت العقوبة بحسب الإمكان فِي ذلك أقرب إلى العدل الذي أنزل الله به كُتُبه، وأرسل به رُسُله. قالوا: وَقَدْ دلّ الكتاب والسنّة فِي أكثر منْ مائة موضع عَلَى أن الجزاء منْ جنس العمل فِي الخير والشرّ، كما قَالَ تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾: أي وفق أعمالهم، وهذا ثابتٌ شرعًا، وقدرًا، أما الشرع، فلقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ الآية [المائدة: ٤٥]، فأخبر أن الجروح قصاص، مع أن الجارح قد يشتدّ عذابه إذا فُعل به كما فَعَل، حَتَّى يُستوفَى منه. وَقَدْ ثبت عن النبيّ ﷺ : "أنه رضخ رأس اليهوديّ"، كما رضخ رأس الجارية، وهذا القتل قصاص؛ لأنه لو كَانَ لنقض العهد، أو للحرابة لكان بالسيف، ولا يُرضخ الرأس. ولهذا كَانَ أصح الأقوال أنه يُفعل بالجاني مثلُ ما فعل بالمجنيّ عليه، ما لم يكن محرّمًا لحقّ الله، كالقتل باللواطة، وتجريع الخمر، ونحوه، فيُحَرَّق كما حرّق، وُيلقى منْ شاهق كما فَعَل،