← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 17326–17365 · переход к 17331.

стр. 17326

لم يحضرها كَانَ منقطعًا، كما قَالَ فِي "ألفيّة الأثر": وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكَ مَا لَهُ رَوَى … مُتَّصِلٌ وَغَيْرُهُ قَطْعًا حَوَى وَقَدْ تقدّم أن الدارقطنيّ رحمه الله تعالى انتقد عَلَى مسلم إخراجه لهذه الطريق، ولكن أجيب عنه بأنه أوردها متابعةً، واستشهادًا، فلا يضرّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٧٤ - (أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمَّارٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، أَنَّ أَبَاهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَاسْتَأْجَرَ أَجِيرًا، فَقَاتَلَ رَجُلاً، فَعَضَّ الرَّجُلُ ذِرَاعَهُ، فَلَمَّا أَوْجَعَهُ نَتَرَهَا، فَأَنْدَرَ ثَنِيَّتَهُ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ، فَيَعَضُّ أَخَاهُ، كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ"، فَأَبْطَلَ ثَنِيَّتَهُ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أبو بكر بن إسحاق": هو محمد بن إسحاق الصاغاني، نزيل بغداد، ثقة ثبتٌ [١١] ١٣/ ٣٤٧. و"أبو الْجَوَّاب" -بفتح الجيم، وتشديد الواو-: الأحوص بن الْجَوّاب الضّبّيّ الكوفيّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] ١٠٢/ ١٣٥. و"عَمَار": هو ابن رُزَيق الضبيّ، أو التميميّ، أبو الأحوص الكوفيّ، لا بأس به [٨] ١٠٢/ ١٣٥. و"محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى": هو الأنصاريّ الكوفيّ القاضي، أبو عبد الرحمن، صدوقٌ، سيّء الحفظ جدًّا [٧] ١٩/ ٢١٤٩. و"الحكم": هو ابن عُتيبة. و"محمد بن مسلم": هو ابن شهاب الزهريّ الإِمام الحجة المشهور. وقوله: "نترها" -بفتح النون، والتاء المثناة الفوقيّة، بعدها راء-: أي جذبها بقوّة، يقال: نترته نَتْرًا، منْ باب قتل: جذبته فِي شِدّة. قاله فِي "المصباح". وقوله: "فأندر ثنيّته": أي أسقطها. وقوله: "فرفع ذلك الخ" يحتمل أن يكون مبنيّا للفاعل، وللمفعول. وقوله: "يَعْمِد أحدكم الخ": -بفتح أوله، وكسر الميم-: أي يقصد، يقال: عمَدتُ للشيء، عَمْدًا، وعمَدت إليه، منْ باب ضرب: قصدته، وتعمّدته: قصدته أيضًا. قاله الفيّوميّ. والحديث أيضًا مرسلٌ، وفيه ابن أبي ليلى متكلّم فيه، لكنه صحيحٌ بما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". ***

стр. 17327

٢١ - (الْقَوَدُ فِي الطَّعْنَةِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الطَّعْنَةُ" بفتح الطاء، وسكون العين المهملتين-: المرّة منْ الطعن، يقال: طعنه بالرمح طَعْنًا، كمنعه، ونصره: ضربه، ووخَزَه، فهو مطعونٌ، وطَعِينٌ. قاله فِي "القاموس". والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٧٧٥ - (أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ بَيَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبِيدَةَ بْنِ مُسَافِعٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَقْسِمُ شَيْئًا، أَقْبَلَ رَجُلٌ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ، فَطَعَنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِعُرْجُونٍ كَانَ مَعَهُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَعَالَ، فَاسْتَقِدْ"، قَالَ: بَلْ قَدْ عَفَوْتُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (وهب بن بيان) أبو عبد الله الواسطيّ، نزيل مصر، ثقة عابدٌ [١٠] ٢٠/ ١٣٩٩. ٢ - (ابن وهب) عبد الله المصريّ ثقة ثبت عابد [٩] ٩/ ٩. ٣ - (عمرو بن الحارث) أبو أيوب المصريّ ثقة ثبت [٧] ٦٣/ ٧٩. ٤ - (بُكير بن عبد الله) بن الأشجّ المدنيّ، نزيل مصر ثقة [٥] ١٣٥/ ٢١١. ٥ - (عَبِيدة -بفتح العين المهملة، وكسر الباء الموحّدة- ابن مسافع) -بضم الميم، بعدها مهملة، ثم فاء- الديليّ المدنيّ، مقبول [٤]. روى عن أبي سعيد الخدريّ حديث الباب، وعنه ابنه مالك، وبُكير بن عبد الله بن الأشجّ. قَالَ ابن المدينيّ: مجهولٌ، ولا أدري سمع منْ أبي سعيد، أم لا؟. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". تفرّد به المصنّف، وأبو داود بهذا الْحَدِيث فقط. ٦ - (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك رضي الله تعالى عنهما ١٦٩/ ٢٦٢. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: بَيْنَا) هي "بين" الظرفيّة، أُشبعت فتحتها، فتولّدت منها الألف، ومثلها "بينما"، ويدخلان عَلَى الجملة، وجوّز الأصمعيّ إضافة "بينا" إلى مفرد، إذا صلح فِي موضعها "بين"، كقول الشاعر:

стр. 17328

بَيْنَا تَعَنُّفِهِ الْكُمَاةَ وَرَوْغِهِ … يَوْمًا أُتِيحَ لَهُ جَرِيءٌ سَلْفَعُ (١) أفاده المجد فِي "القاموس" (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَقْسِمُ) بفتح أوله منْ القَسْم ثلاثيّا (شَيْئًا، أَقْبَلَ رَجُلٌ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ) أي سقط عليه؛ لينال شيئًا بالاستعجال، ولم يَصبِر (فَطَعَنَهُ) أي ضربه، ووخَزَه تأديبًا له (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعُرْجُونٍ) بضم العين المهملة، وسكون الراء، وضم الجيم: عودٌ أصفر فيه شَماريخ الْعِذْق، سمّي بذلك؛ لانعراجه، وانعطافه، ونونه زائدة، يقال: انعرج الشيء: إذا انعطف، ومُنعرج الوادي: اسم فاعل، حيث يميل يمنةً ويسرة. أفاده فِي "المصباح" (كَانَ مَعَهُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ) هكذا فِي رواية المصنّف، أي خرج منْ موضع القسم؛ خجلاً وحياء منْ رسول الله ﷺ ، أو لتألّمه منْ الطعنة، ويؤيّده ما فِي الرواية التالية، بلفظ: "فصاح الرجل"، وفي رواية أبي داود: "فجُرح بوجهه" (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَعَالَ) بفتح اللام، أمر منْ تعالى يتعالى، منْ العلوّ، وهو الارتفاع، وأصله أن الرجل العالي كَانَ ينادي السافل، فيقول: تعالَ، ثم كثُر فِي كلامهم حَتَّى استُعمل بمعنى "هَلُمَّ" مطلقًا، سواء كَانَ موضع المدعوّ أعلى، أو أسفل، أو مساويًا، فهو فِي الأصل لمعنًى خاصّ، ثم استُعمل فِي معنًى عامّ، وتتّصل به الضمائر باقيًا عَلَى فتحه، فيقال: تعالَوا، تعاليا، تعالَينَ، وربّما ضُمّت اللام مع جمع المذكّر السالم، وكُسرت مع المؤنّث، وبه قرأ الحسن البصريّ فِي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ الآية [آل عمران: ٦٤]؛ لمجانسة الواو. قاله الفيّوميّ (فَاسْتَقِدْ") وفي نسخة: "فاستقده": أي خذ القصاص منّي (قَالَ) الرجل (بَلْ قَدْ عَفَوْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ) أي تركت القصاص، يقال: عفوتُ عن الحقّ: إذا أسقطته، كأنك محوته عن الذي هو عليه، وعافاه الله: محا عنه الأسقام. أفاده الفيّومىّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هَذَا ضعيفٌ لجهالة عَبيدة بن مسافع، كما سبق عن ابن المدينيّ رحمه الله تعالى.

стр. 17329

(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢١/ ٤٧٧٣ - وفي "الكبرى" ٢٠/ ٦٩٧٥. وأخرجه (د) فِي "الديات" ٤٥٣٦. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان ثبوت القصاص فِي الطعنة، وَقَدْ عرفت أن الْحَدِيث ضعيف، لكن الأصحّ ثبوت القصاص؛ لما سيأتي فِي المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): بيان ما كَانَ عليه النبيّ ﷺ منْ التواضع، وحسن العشرة مع النَّاس، حيث طلب منْ الذي طعنه تأديبًا، أن يقتصّ منه ﷺ . (ومنها): تواضعه ﷺ أيضًا حيث كَانَ يتولّى القسمة بين النَّاس بنفسه، مع كون الصحابة ﵃ مستعدّين لتنفيذ ما يأمرهم به، عَلَى الوجه المطلوب، إلا أنه آثر نفسه بذلك تحقيقًا لمعنى قوله ﷺ : "إنما أنا قاسم، والله يعطي"، متّفق عليه. (ومنها): مشروعية منْ أساء الأدب، لكن بغير الضرب، كالتعنيف، ونحوه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي القصاص منْ الطعنة، ونحوها: وَقَدْ حقّق هذه المسألة الإِمام ابن قيّم الجوزيّة رحمه الله تعالى فِي "تهذيب السنن"، بما لا تجده عند غيره منْ المحقّقين، أحببت إيراده بطوله؛ تتميمًا للفائدة، وتكميلًا للعائدة، قَالَ رحمه الله تعالى: قد اختلف النَّاس فِي هذه المسألة، وهي القصاص فِي اللطمة، والضربة، ونحوهما، مما لا يمكن المقتصّ أن يفعل بخصمه مثل ما فعله به منْ كلّ وجه، هل يسوغ القصاص فِي ذلك، أو يُعدل إلى عقوبته بجنس آخر، وهو التعزير؟ عَلَى قولين: [أصحّهما]: أنه شُرع فيه القصاص، وهو مذهب الخلفاء الراشدين، ثبت ذلك عنهم، حكاه عنهم أحمد، وأبو إسحاق الْجُوزجانيّ فِي "المترجم"، ونصّ عليه الإِمام أحمد فِي رواية الشالنجيّ، وغيره، قَالَ شيخنا -يعني ابن تيميّة-: وهو قول جمهور السلف. [القول الثاني]: أنه لا يُشرع فيه القصاص، وهو المنقول الشافعيّ، ومالك، وأبي حنيفة، وقول المتأخّرين منْ أصحاب أحمد، حَتَّى حكى بعضهم الإجماع عَلَى أنه لا قصاص فيه، وليس كما زَعَم، بل حكاية إجماع الصحابة عَلَى القصاص أقرب منْ حكاية الإجماع عَلَى منعه، فإنه ثبت عن الخلفاء الراشدين، ولا يُعلم لهم مخالف فيه.

стр. 17330

ومأخذ القولين أن الله تعالى أمر بالعدل فِي ذلك، فبقي النظر فِي أَيُّ الأمرين أقرب إلى العدل؟. فَقَالَ المانعون: المماثلة لا تمكن هنا، فكان العدل يقتضي العدول إلى جنس آخر، وهو التعزير، فإن القصاص لا يكون إلا مع المماثلة، ولهذا لا يجب فِي الجرح حَتَّى ينتهي إلى حدّ، ولا فِي القطع إلا منْ منفصل؛ لتمكن الماثلة، فإذا تعذّرت فِي القطع، والجرح صرنا إلى الدية، فكذا فِي اللطمة، ونحوها لَمّا تعذّرت صرنا إلى التعزير. قَالَ المجوّزون: القصاص فِي ذلك أقرب إلى الكتاب، والسنّة، والقياس، والعدل منْ التعزير. وأما الكتاب: فإن الله قَالَ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ الآية [الشورى: ٤٠]، وَقَالَ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٤]، ومعلوم أن المماثلة مطلوبةٌ بحسب الإمكان، واللطمة أشدّ مماثلة للّطمة، والضربة للضربة منْ التعزير لها، فإنه ضرب فِي غير الموضع، غير مماثل، لا فِي الصورة، ولا فِي المحلّ، ولا فِي القدر، فأنتم فررتم منْ تفاوت لا يمكن الاحتراز منه بين اللطمتين، فصرتم إلى أعظم تفاوتًا منه، بلا نصّ، ولا قياس. قالوا: وأما السنّة، فما ذُكِر منْ الأحاديث فِي هَذَا الباب، ولو لم يكن فِي الباب إلا سنّة الخلفاء الراشدين، لكفى بها دليلاً، وحجةً. قالوا: فالتعزير لا يُعتبر فيه جنس الجناية، ولا قدرها، بل قد يُعزّر بالسوط والعصا، ويكون إنما ضربه بيده، أو رجله، فكانت العقوبة بحسب الإمكان فِي ذلك أقرب إلى العدل الذي أنزل الله به كُتُبه، وأرسل به رُسُله. قالوا: وَقَدْ دلّ الكتاب والسنّة فِي أكثر منْ مائة موضع عَلَى أن الجزاء منْ جنس العمل فِي الخير والشرّ، كما قَالَ تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾: أي وفق أعمالهم، وهذا ثابتٌ شرعًا، وقدرًا، أما الشرع، فلقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ الآية [المائدة: ٤٥]، فأخبر أن الجروح قصاص، مع أن الجارح قد يشتدّ عذابه إذا فُعل به كما فَعَل، حَتَّى يُستوفَى منه. وَقَدْ ثبت عن النبيّ ﷺ : "أنه رضخ رأس اليهوديّ"، كما رضخ رأس الجارية، وهذا القتل قصاص؛ لأنه لو كَانَ لنقض العهد، أو للحرابة لكان بالسيف، ولا يُرضخ الرأس. ولهذا كَانَ أصح الأقوال أنه يُفعل بالجاني مثلُ ما فعل بالمجنيّ عليه، ما لم يكن محرّمًا لحقّ الله، كالقتل باللواطة، وتجريع الخمر، ونحوه، فيُحَرَّق كما حرّق، وُيلقى منْ شاهق كما فَعَل،

стр. 17331

ويُخنق كما خَنَق؛ لأن هَذَا أقرب إلى العدل، وحصولِ مُسمّى القصاص، وإدراك الثأر، والزجر المطلوب منْ القصاص، وهذا مذهب مالك، والشافعيّ، وإحدى الروايتين عن أحمد. قالوا: وأما كون القصاص لا يجب فِي الجرح حَتَّى ينتهي إلى حدّ، ولا فِي الطرّف حَتَّى ينتهي إلى مَفصل؛ لتحقّق المماثلة، فهذا إنما اشتُرط؛ لئلا يزيد المقتصّ عَلَى مقدار الجناية، فيصير المجنيّ عليه مظلومًا بذهاب ذلك الجزء، فتعذّرت المماثلة، فصرنا إلى الدية، وهذا بخلاف اللطمة، والضربة، فإنه لو قدّر تعدّي المقتصّ فيها لم يكن ذلك بذهاب جزء، بل بزيادة ألم، وهذا لا يمكن الاحتراز منه، ولهذا توجبون التعزير، مع أن ألمه يكون أضعاف ألم اللطمة، والبرد منْ سنّ الجاني مقدار ما كسر منْ سنّ المجنيّ عليه، مع شدّة الألم، وكذلك قلع سنّه، وعينه، أو نحو ذلك، لابدّ فيه منْ زيادة ألم ليصل المجنيّ عليه إلى استيفاء حقّه، فهلاّ اعتبرتم هَذَا الألم المقدّرة زيادته فِي اللطمة، والضربة، كما اعتبرتموه فيما ذكرنا منْ الصور، وغيرها؟. قَالَ المانعون: كما عدلنا فِي الإتلاف الماليّ إلى القيمة، عند تعذّر المماثلة، فكذلك هاهنا، بل أولى لحرمة البشرة، وتأكّدها عَلَى حرمة المال. قَالَ المجوّزون: هَذَا قياس فاسدٌ منْ وجهين: [أحدهما]: أنكم لا تقولون بالمماثلة فِي إتلاف المال، فإنه إذا أتلف عليه ثوبًا لم تجوّزوا أن يُتلف عليه مثله منْ كلّ وجه، ولو قطع يده، وقتله لقطعت يده، وقُتل به، فعلم الفرق بين الأموال والأبشار، ودلّ عَلَى أن الجناية عَلَى النفوس والأطراف يُطلب فيها الْمُقاصّة بما لا يُطلب فِي الأموال. [والثاني]: منْ هو الذي سلّم لكم أن غير المكيل والموزون يُضمن بالقيمة، لا بالنظير، ولا إجماع فِي المسألة، ولا نصّ؟، بل الصحيح أنه يجب المثل فِي الحيوان وغيره بحسب الإمكان، كما ثبت عن الصحابة ﵃ فِي جزاء الصيد أنهم قضوا فيه بمثله منْ النعم، بحسب الإمكان، فقضوا فِي النعامة ببدنة، وفي بقرة الوحش ببقرة، وفي الظبي بشاة، إلى غير ذلك. قَالَ المانعون: هَذَا عَلَى خلاف القياس، فيصار إليه؛ اتّباعًا للصحابة، ولهذا منعه أبو حنيفة، وقدّم القياس عليه، وأوجب القيمة. قَالَ المجوّزون: قولكم: إن هَذَا عَلَى خلاف القياس، فرع عَلَى صحّة الدليل الدّالّ عَلَى أن المعتبر فِي ذلك هو القيمة، دون النظير، وأنتم لم تذكروا عَلَى ذلك دليلاً، منْ كتاب، ولا سنّة، ولا إجماع، حتّى يكون قضاء الصحابة بخلافه، عَلَى خلاف القياس، فأين الدليل؟.

стр. 17332

قَالَ المانعون: الدليل عَلَى اعتبار القيمة فِي إتلاف الحيوان، دون المثل، أن النبيّ ﷺ ضمّن معتق الشَّقص إذا كَانَ موسرًا بقيمته، ولم يضمّنه نصيب الشريك بمثله، فدلّ عَلَى أن الأصل هو القيمة فِي غير المكيل والموزون. قَالَ المجوّزون: هَذَا أصل ما بنيتم عليه اعتبار القيمة فِي هذه المسائل وغيرها، ولكنه بناء عَلَى غير أساس، فإن هَذَا ليس مما نحن فيه فِي شيء، فإن هَذَا ليس منْ باب ضمان المتلفات بالقيمة، بل هو منْ باب تملّك مال الغير بالقيمة، كتملّك الشقص المشفوع بثمنه، فإن نصيب الشريك يقدّر دخوله فِي ملك المعتِقِ، ثم يَعتِق عليه بعد ذلك، والقائلون بالسراية متّفقون عَلَى أنه يَعتِق كله عَلَى ملك المعتِقِ، والولاء له، دون الشريك. واختلفوا، هل يسري العتق عقب إعتاقه، أو لا يَعتق حَتَّى يؤدّي الثمن؟ عَلَى قولين للشافعيّ، وهما فِي مذهب أحمد، قَالَ شيخنا -يعني ابن تيميّة-: والصحيح أنه لا يَعتق إلا بالأداء. وعلى هَذَا ينبني ما إذا أعتق الشريك نصيبه بعد عتق الأول، وقبل وزن القيمة، فعلى الأول لا يعتق عليه، وعلى الثاني يعتق عليه، ويكون الولاء بينهما. وعلى هَذَا أيضًا ينبني ما إذا قَالَ أحدهما: إذا أعتقت نصيبك، فنصيبي حرّ، فعلى القول الأول لا يصحّ هَذَا التعليق، ويَعتق كله فِي مال المعتِقِ، وعلى القول الثاني يصحّ التعليق، ويَعتق نصيب الشريك منْ ماله. فظهر بهذا أن استدلالكم بالعتق استدلالٌ باطلٌ، بل إنما يكون إتلافًا إذا قتله، فلو ثبت لكم بالنصّ أنه ضمن قاتل العبد بالقيمة دون المثل، كَانَ حجةً، وأنَّى لكم بذلك؟. قالوا: وأيضًا فالفرق واضحٌ بين أن يكون الْمُتْلَفُ عينًا كاملةً، أو بعضَ عين، فلو سلّمنا أن التضمين كَانَ تضمين إتلافٍ لم يجب مثله فِي العين الكاملة، والفرق بينهما أن حقّ الشريك فِي العين التي لا يمكن قسمتها فِي نصف القيمة مثلاً، أو ثلثها، فالواجب له منْ القيمة بنسبة ملكه، ولهذا يُجبر شريكه عَلَى البيع إذا طلبه ليتوصّل إلى حقّه منْ القيمة، والنبيّ ﷺ راعى ذلك، وقوّم عليه العبد قيمةً كاملةً، ثم أعطاه حقّه منْ القيمة، ولم يقوّم عليه الشقص وحده، فيعطيه قيمته، فدلّ عَلَى أن حق الشريك فِي نصف قيمته، فإذا كَانَ كذلك، فلو ضمّنّا المعتق نصيب الشريك بمثله منْ عبد آخر لم نُجبره عَلَى البيع إذا طلبه شريكه؛ لأنه إذا لم يكن له حقّ فِي القيمة، بل حقّه فِي نفس العين، فحقّه باقٍ منها. قالوا: فظهر أنه ليس معكم أصلٌ تقيسون عليه، لا منْ كتاب، ولا سنّة، ولا إجماع. وَقَدْ ثبت فِي "الصحيح": أن النبيّ ﷺ اقترض بَكْرًا، وقضى خيرًا منه، واحتجّ به منْ

стр. 17333

يُجوّز قرض الحيوان، مع أن الواجب فِي القرض ردّ المثل، وهذا يدلّ عَلَى أن الحيون مثليّ. ومن العجب أن يقال: إذا اقترض حيوانًا ردّ قيمته، ويقال: ذلك عَلَى الإتلاف، والغصب، فيُترك موجَب النصّ الصحيح؛ لقياس لم يثبت أصله بنصّ، ولا إجماع، ونصوص أحمد: أن الحيون فِي القرض يُضمن بمثله. وَقَالَ بعض أصحابه: بل بالقيمة؛ طردًا للقياس عَلَى الغصب. واختلف أصحابه فِي موجَب الضمان فِي الغصب، والإتلاف عَلَى ثلاثة أوجه: [أحدها]: أن الواجب القيمة فِي غير المكيل والموزون. [والثاني]: الواجب المثل فِي الجميع. [والثالث]: الواجب المثل فِي غير الحيوان، ونصّ عليه أحمد فِي الثوب، والقصعة، ونحوهما، ونصّ عليه الشافعيّ فِي الجدار المهدوم ظلمًا يُعاد مثله، وأقول النَّاس بالقيمة أبو حنيفة، ومع هَذَا فعنده إذا أتلف ثوبًا ثبت فِي ذمّته مثله، لا قيمته، ولهذا يجوز الصلح عنه بأكثر منْ قيمته، ولو كَانَ الثابت فِي الذّمّة القيمة لما جاز الصلح عنها بأكثر منها. فظهر أن منْ لم يعتبر المثل، فلابدّ منْ تناقضه، أو مناقضته للنّصّ الصريح، وهذا ما لا مخلص منه. وأصل هَذَا كلّه هو الحكومة التي حكم فيها داود وسليمان ﵉، وقصّها الله تعالى علينا فِي كتابه، وكانت فِي الحرث، وهو البستان، وقيل: إنها كانت أشجار عنب، فنفشت فيها الغنم -والنفش إنما يكون ليلاً- فقضى داود ﵇ لأصحاب البستان بالغنم؛ لأنه اعتبر قيمة ما أفسدته، فوجده يساوي الغنم، فأعطاهم إياها، وأما سليمان ﵇ فقضى عَلَى أصحاب الغنم بالمثل، وهو أن يعمّروا البستان كما كَانَ، ثم رأى أن مغله إلى حين عوده يفوت عليهم، ورأى أن مغل الغنم يساويه، فأعطاهم الغنم يستغلّونها حَتَّى يعود بستانهم كما كَانَ، فإذا عاد ردّوا إليهم غنمهم. فاختلف العلماء فِي مثل هذه القضيّة عَلَى أربعة أقوال: [أحدها]: القول بالحكم السليمانيّ فِي أصل الضمان، وكيفيّته، وهو أصحّ الأقوال، وأشدّها مطابقة لأصول الشرع، والقياس، كما قد بيّنّا ذلك فِي كتاب مفرد فِي الاجتهاد، وهذا أحد القولين فِي مذهب أحمد، نصّ عليه فِي غير موضع، ويُذكر وجهًا فِي مذهب مالك، والشافعيّ. [والثاني]: موافقته فِي النفش، دون المثل، وهذا هو المشهور منْ مذهب الشافعيّ، ومالك، وأحمد.

стр. 17334

[والثالث]: عكسه، وهو موافقته فِي المثل، دون النفش، وهو قول داود، وغيره، فإنهم يقولون: إذا أتلف البستان بتفريطه ضمنه بمثله، وأما إذا انفلتت الغنم ليلاً لم يضمن صاحبها ما أتلفته. [والرابع]: أن النفش لا يوجب الضمان، ولو أوجبه لم يكن بالمثل، بل بالقيمة، فلم يوافقه لا فِي النفش، ولا فِي المثل، وهو مذهب أبي حنيفة، وهذا منْ اجتهادهم فِي القياس، والعدل هو الذي أوجبه الله. فكلّ طائفة رأت العدل هو قولَها، وإن كانت النصوص، والقياس، وأصول الشرع تشهد بحكم سليمان ﵇، كما أن الله أثنى عليه به، وأخبر أنه فهّمه إياه. وذِكرُ مأخذ هذه الأقوال، وأدلّتها، وترجيح الراجح منها, له موضعٌ غير هَذَا، أليق به منْ هَذَا. والمقصود أن القياس، والنصّ يدلّان عَلَى أنه يُفْعَل به كما فَعَل، وَقَدْ تقدّم أن النبيّ ﷺ : رضّ رأس اليهوديّ، كما رضّ رأس الجارية، وأن ذلك لم يكن لنقض العهد، ولا للحرابة؛ لأن الواجب فِي ذلك القتلُ بالسيف، وعن أحمد فِي ذلك أربع روايات: [إحداهنّ]: أنه لا يُستوفى القود إلا بالسيف فِي العنق، وهذا مذهب أبي حنيفة. [والثانية]: أنه يُفعَلُ به كما فَعَلَ، إذا لم يكن محرّمًا لحقّ الله تعالى، وهذا مذهب مالك، والشافعيّ. [والثالثة]: إن كَانَ الفعلُ، أو الجرح مُرهقًا فُعِل به نظيرُهُ، وإلا فلا. [والرابعة]: إن كَانَ الجرح، أو القطع موجبًا للقود لو انفرد فُعِل به نظيره، وإلا فلا. وعلى الأقوال كلّها إن لم يمت بذلك قُتل. وَقَدْ أباح الله تعالى للمسلمين أن يَمثُلُوا بالكفّار إذا مَثَلُوا بهم، وإن كانت المُثْلة منهيّا عنها، فَقَالَ تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الآية [النحل: ١٢٦]، وهذا دليلٌ عَلَى أن العقوبة بجدع الأنف، وقطع الأذن، وبَقْرِ البطن، ونحو ذلك هي عقوبةٌ بالمثل، ليست بعُدوان، والمثلُ هو العدل. وأما كون المثلة منهيًّا عنها؛ فلِمَا روى أحمد فِي "مسنده" منْ حديث سمرة بن جندب، وعمران بن حصين ﵃، قالا: "ما خطبنا رسول الله ﷺ خطبةً، إلا أمرنا بالصدقة، ونهانا عن المثلة". [فإن قيل]: هو لم يمُت إذا فُعل به نظير ما فعل، فأنتم تقتلونه، وذلك زيادة عَلَى ما فعل، فأين المماثلة؟.

стр. 17335

[قيل]: هَذَا يُنتقض بالقتل بالسيف، فإنه لو ضربه فِي العنق، ولم يوجبه، كَانَ لنا أن نضربه ثانيةً، وثالثةً، حَتَّى يوجبه اتفاقًا، وإن كَانَ الأول إنما ضربه ضربة واحدة، واعتبار المماثلة له طريقان: [إحداهما]: اعتبار الشيء بنظيره ومثله، وهو قياس العلّة الذي يُلحق فيه الشيء بنظيره. [والثاني]: قياس الدلالة الذي يكون الجمع فيه بين الأصل والفرع بدليل العلّة، ولازمها، فإن انضاف إلى واحد منْ هذين عموم لفظيّ كَانَ منْ أقوى الأدلّة؛ لاجتماع العمومين: اللفظيّ، والمعنويّ، وتضافر الدليلين: السمعيّ، والاعتباريّ. فيكون موجَبُ الكتاب، والميزان, والقصاص فِي مسألتنا هو منْ هَذَا الباب، كما تقدّم تقريره، وهذا واضحٌ، لا خفاء به، ولله الحمد، والمنّة. انتهى كلام الإِمام ابن القيّم رحمه الله تعالى "تهذيب السنن" ١٢/ ١٧٥ - ١٨٠. منْ هامش "عون المعبود". قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أعطى الإِمام ابن القيّم رحمه الله تعالى هذه المسألة حقّها منْ التحقيق، والاستقصاء فِي الاستدلال، فأجاد، وأفاد، وأسهب، وأعاد، فجزاه الله تعالى خيرًا. وخلاصة البحث أن الصواب وجوب القصاص فِي الطعنة، واللطمة، والجبذة، ونحوها؛ لعموم الأدلّة، والأحاديث التي أوردها المصنّف رحمه الله تعالى فِي هذه الأبواب الثلاثة، مستدلّا بها عَلَى ما ترجم له فيها، وإن كَانَ فيها مقالٌ، إلا أن عموم الأدلّة يشهد لها، فيصحّ الاستدلال بها، فتبصّر لذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٧٦ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الرِّبَاطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، أَنْبَأَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى، يُحَدِّثُ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبِيدَةَ بْنِ مُسَافِعٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَقْسِمُ شَيْئًا، إِذْ أَكَبَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَطَعَنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِعُرْجُونٍ كَانَ مَعَهُ، فَصَاحَ الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَعَالَ فَاسْتَقِدْ"، قَالَ: بَلْ عَفَوْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أحمد بن سعيد الرباطيّ": هو الأشقر، أبو عبد الله المروزيّ، ثقة حافظ [١١] ٩٠/ ١٠٣٠. و"وهب بن جرير": هو الأزديّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقة [٩] ١٩٦/ ١١٧٨. و"أبوه": هو جرير بن حازم بن زيد الأزديّ، أبو النضر البصريّ، ثقة، إلا فِي قتادة، وله أوهامٌ إذا حدّث منْ حفظه [٦] ١٧٢/ ١١٤١. و"يحيى": هو ابن أيوب الغافقيّ، أبو العبّاس المصريّ، صدوقٌ ربّما أخطأ [٧] ٦٠/ ١٧٧١.

стр. 17336

والحديث ضعيف، كما سبق بيانه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٢٢ - (الْقَوَدُ مِنَ اللَّطْمَةِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الَّلطْمَةُ" بفتح اللام، وسكون الطاء المهملة: المرة منْ اللطم، وهو مصدر لطم، يقال: لطمَت المرأة وجهها لَطْمًا، منْ باب ضرب: ضربته بباطن كفّها. قاله الفيّوميّ. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٧٧٧ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلاً وَقَعَ فِي أَبٍ، كَانَ لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَطَمَهُ الْعَبَّاسُ، فَجَاءَ قَوْمُهُ، فَقَالُوا: لَيَلْطِمَنَّهُ كَمَا لَطَمَهُ، فَلَبِسُوا السِّلَاحَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّ أَهْلِ الأَرْضِ تَعْلَمُونَ، أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ ؟ "، فَقَالُوا: أَنْتَ، فَقَالَ: "إِنَّ الْعَبَّاسَ مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُ، لَا تَسُبُّوا مَوْتَانَا، فَتُؤْذُوا أَحْيَاءَنَا"، فَجَاءَ الْقَوْمُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِكَ، اسْتَغْفِرْ لَنَا). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (أحمد بن سليمان) الرُّهاويّ ثقة حافظ [١١] منْ أفراد المصنّف. ٢ - (عُبيد الله) بن موسى بن أبي المختار باذام العبسيّ الكوفيّ ثقة، كَانَ يتشيّع، قَالَ أبو حاتم: كَانَ أثبت النَّاس فِي إسرائيل منْ أبي نعيم، واستصغر فِي الثوريّ [٩] ٧٢/ ١٣٢٦. ٣ - (إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ ثقة حجة [٧] ٧٥/ ٥٠٩. ٤ - (عبد الأعلى) بن عامر الثعلبيّ الكوفيّ، ضعيف (١) [٦] ٨٥/ ٢٠٠٩. ٥ - (سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٨/ ٤٣٦.

стр. 17337

٦ - (ابن عباس) عبد الله رضي الله تعالى عنهما ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى) بن عامر الثعلبيّ (أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ رَجُلاً وَقَعَ فِي أَبٍ كَانَ لَهُ) أي لابن عبّاس (فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أي منْ مشركي الجاهليّة (فَلَطَمَهُ الْعَبَّاسُ) أي ضربه بباطن كفّه (فَجَاءَ قَوْمُهُ) أي قوم ذلك الملطوم (فَقَالُوا: لَيَلْطِمَنَّهُ كَمَا لَطَمَهُ) أي قصاصًا للطمه (فَلَبِسُوا السِّلَاحَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ) بكسر العين المهملة، منْ باب تعب: أي رقيه؛ ليكلّم القوم فِي شأن العبّاس ﵁، وفيه أن الإِمام يطلب العفو فِي القود، إذا رأى فيه مصلحةً (فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّ أَهْلِ الْأَرْضِ تَعْلَمُونَ، أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ ؟ ") "أيُّ أهل الأرض": اسم استفهام، مبتدأ، خبره "أكرم عَلَى الله "، و"تعلمون" ملغاة؛ لتوسّطها، ويجوز إعمالها، فيكون "أيّ أهل الأرض" بالنصب مفعولها الأول، و"أكرم" بالنصب مفعولها الثاني، كما قَالَ ابن مالك فِي "الخلاصة": وَجَوِّزِ الإِلْغَاءَ لَا فِي الابْتِدَا (فَقَالُوا: أَنْتَ) أي أنت أكرم أهل الأرض كلّهم عَلَى الله (فَقَالَ: "إِنَّ الْعَبَّاسَ مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُ) أي فلا ينبغي لكم أن تؤذوه؛ أي لأنه يكون إيذاءً له ﷺ ، ومن آذاه، فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه" (١) (لَا تَسُبُّوا مَوْتَانَا) أي لا تعيّرهم، ولا تجهروا بلعنهم عند أقاربهم المسلمين (فَتُؤْذُوا أَحْيَاءَنَا) بسبب ما فيهم منْ الحنان والشفقة النسبيّة، قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: فيه أن السباب مؤذٍ، فإذا بدأ بالسبّ، وعاد إليه شيء منْ الأذى بسببه، فلا ينبغي له أن يطلب فيه القود؛ لأنه جاءه كالجزاء لعمله. انتهى (فَجَاءَ الْقَوْمُ) أي قوم الرجل الذي لطمه العبّاس، وطلبوا منه القصاص له (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِكَ) أي لأنه سبب لغضب الله

стр. 17338

سبحانه وتعالى (اسْتَغْفِرْ لَنَا) اطلب لنا منْ الله أن يكفّر عنّا ما أخطأنا فِي حقّ العبّاس ﵁، حيث طلبنا القصاص منه لصاحبنا؛ جهلاً منّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما هَذَا ضعيف؛ لضعف عبد الأعلى الثعلبيّ. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٢/ ٤٧٧٧ - وفي "الكبرى" ٢١/ ٦٩٧٧. وأخرجه (ت) فِي "المناقب" ٣٧٦٨ مختصرًا، وَقَالَ: حديث حسنٌ صحيح غريب، وفيه نظرٌ؛ لما عرفته آنفًا (أحمد) فِي "مسند بني هاشم" ٢٧٢٩. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعيّة القصاص منْ اللطمة، وَقَدْ عرفت أن الْحَدِيث ضعيف، لكن تقدّم أن الصحيح ثبوت القصاص بها؛ للأدلّة الكثيرة الصحيحة, فارجع إلى ما كتبته فِي المسألة الرابعة منْ حديث الباب الماضي. (ومنها): أن فيه فضل العبّاس ﵁، ومكانته عند رسول الله ﷺ . (ومنها): مشروعيّة الشفاعة للإمام إلى منْ له القصاص، أن يتنازل عن حقّه، ويعفو عن الجاني. (ومنها): احترام أهل الفضل والشرف، وعدم مؤاخذتهم فيما يصدر عنهم، منْ السيئات ما لم تبلغ الحدود، فقد أخرج أحمد، والبخاريّ فِي "الأدب المفرد"، وأبو داود فِي "سننه" منْ حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، مرفوعًا: "أقيلوا ذوي الهيئات عثَرَاتهم، إلا الحدود"، وهو حديث صحيح. (ومنها): ما كَانَ عليه الصحابة منْ تأدّبهم، واستجابتهم لرسول الله ﷺ ، حيث زال غضبهم بعد أن لبسوا السلاح، حين سمعوا قوله ﷺ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". ***

стр. 17339

٢٣ - (الْقَوَدُ مِنَ الْجَبْذَةِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الْجَبْذَةُ": بفتح الجيم، وسكون الباء الموحّدة، بعدها ذالٌ معجمة-: المرة منْ الجبذ، وهو لغة فِي الجذب، يقال: جبذه جَبْذًا، منْ باب ضرب، مثل جذبه جَذْبًا، قيل: مقلوب منه، لغةٌ تميميّةٌ، وأنكره ابن السّرّاج، وَقَالَ: ليس أحدهما مأخوذًا منْ الآخر؛ لأن كلّ واحد متصرّف فِي نفسه. قاله الفيّوميّ. ٤٧٧٨ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْقَعْنَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ هِلَالٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كُنَّا نَقْعُدُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِذَا قَامَ قُمْنَا، فَقَامَ يَوْمًا، وَقُمْنَا مَعَهُ، حَتَّى لَمَّا بَلَغَ وَسَطَ الْمَسْجِدِ، أَدْرَكَهُ رَجُلٌ، فَجَبَذَ بِرِدَائِهِ مِنْ وَرَائِهِ، وَكَانَ رِدَاؤُهُ خَشِنًا، فَحَمَّرَ رَقَبَتَهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ احْمِلْ لِي عَلَى بَعِيرَيَّ هَذَيْنِ، فَإِنَّكَ لَا تَحْمِلُ مِنْ مَالِكَ، وَلَا مِنْ مَالِ أَبِيكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، لَا أَحْمِلُ لَكَ حَتَّى تُقِيدَنِي مِمَّا جَبَذْتَ بِرَقَبَتِي"، فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: لَا وَاللَّهِ لَا أُقِيدُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: لَا وَاللَّهِ لَا أُقِيدُكَ. فَلَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَ الأَعْرَابِيِّ، أَقْبَلْنَا إِلَيْهِ سِرَاعًا، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "عَزَمْتُ عَلَى مَنْ سَمِعَ كَلَامِي، أَنْ لَا يَبْرَحَ مَقَامَهُ حَتَّى آذَنَ لَهُ"، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لِرَجُلٍ مِنَ الْقَوْمِ: "يَا فُلَانُ احْمِلْ لَهُ عَلَى بَعِيرٍ شَعِيرًا، وَعَلَى بَعِيرٍ تَمْرًا"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "انْصَرِفُوا"). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن عليّ بن ميمون) الرقّيّ، أبو العبّاس العطّار، ثقة [١١] ١٤/ ٤١٨ منْ أفراد المصنّف. ٢ - (القَعْنبيّ) عبد الله بن مسلمة بن قعنب الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، أصله منْ المدينة، وسكنها مدّةً، ثقة عابد، كَانَ ابن معين، وابن المدينيّ لا يقدّمان عليه فِي "الموطإ" أحدًا، منْ صغار [٩] ٧٨/ ٢٥٧٧. ٣ - (محمد بن هلال) بن أبي هلال المدنيّ، مولى بني كعب، صدوقٌ [٦]. قَالَ أبو طالب: سألت أحمد عن محمد بن هلال المدنيّ؟ فَقَالَ: ثقة. وَقَالَ عبد الله ابن أحمد، عن أبيه: ليس به بأس. وكذا قَالَ النسائيّ. وَقَالَ أبو حاتم: صالح، وأبوه ليس بمشهور. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". مات سنة (١٦٢) ذكره ابن مردويه فِي "كتاب أولاد المحدّثين". وغفل ابن حزم، فَقَالَ: مجهول. روى له البخاريّ فِي

стр. 17340

"الأدب المفرد"، وأبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب حديث الباب فقط. ٤ - (أبوه) هلال بن أبي هلال، المدنيّ، مولى بني كعب، ويقال: بني مَذْحِج، مقبول [٤]. روى عن أبيه، وأبي هريرة، وميمونة بنت سعد، خادمة النبيّ ﷺ ، وروى عنه ابنه محمد، ذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَدْ ذكر الخطيب فِي "المتّفق" أنه روى عنه أيضًا خالد بن سعيد بن أبي مريم، وساق منْ طريقه حديثًا عنه، وَقَالَ فِي وصفه: مولى بني كعب المذحجيّ. وَقَالَ الذهبيّ: لا يُعرف. روى له البخاريّ فِي "الأدب المفرد"، وأبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب حديث الباب فقط. ٥ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: كُنَّا نَقْعُدُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ) وفي رواية أبي داود: "كَانَ رسول الله ﷺ يجلس معنا فِي المسجد، يحدّثنا، فإذا قام قمنا قيامًا حَتَّى نراه قد دخل بعض بيوت أزواجه، فحدّثنا يومًا، فقمنا حين قام … " الْحَدِيث. قَالَ فِي "العون": ولعهم كانوا ينتظرون رجاء أن يظهر له حاجةٌ إلى أحد معهم، أو يَعرِضَ له رجوع إلى الجلوس معهم، فإذا أيسوا تفرّقوا, ولم يقعُدوا؛ لعدم حلاوة الجلوس بعده ﷺ . انتهى. (فَإِذَا قَامَ قُمْنَا) قَالَ فِي "عون المعبود" ١٣/ ١٣٢ - : أي لانفضاض المجلس، لا للتعظيم؛ لأنهم ما كانوا يقومون له مُقبلاً، فكيف يقومون له مدبرًا. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر سياق الْحَدِيث يدلّ عَلَى خلاف ما قاله فِي "العون"، لكن الْحَدِيث ضعيف، فليُتنبّه. والله تعالى أعلم. (فَقَامَ يَوْمًا، وَقُمْنَا مَعَهُ، حَتَّى لَمَّا بَلَغَ وَسَطَ الْمَسْجِدِ) بفتح السين المهملة، ويجوز تسكينها، قَالَ المجد فِي "قاموسه": وسَطُ الشيءِ، محرّكةً: ما بين طرفيه، كأوسطه، فإذا سُكّنت كانت ظرفًا، أو هما فيما هو مُصْمَتٌ، كالْحَلْقَة، فإذا كانت أجزؤه متباينةً، فبالإسكان فقط، أو كلُّ موضع صلَح فيه "بَيْنَ" فهو بالتسكين، وإلا فبالتحريك. انتهى (أَدْرَكَهُ رَجُلٌ) وفي رواية أبي داود: "فنظرنا إلى أعرابيّ، قد أدركه" (فَجَبَذَ) أي مدّه (بِرِدَائِهِ) أي بردا النبيّ ﷺ (مِنْ وَرَائِهِ) أي منْ خلفه (وَكَانَ رِدَاؤُهُ خَشِنًا) بفتح، فكسر: صفة مشبّهة منْ خَشُن الشيء بالضمّ، ككرُم خُشْنةً، وخُشُونةً: خلافُ نَعُم. قاله فِي "المصباح" (فَحَمَّرَ رَقَبَتَهُ) بتشديد الميم، منْ التحمير: أي جعلها حمراء منْ تأثير الرداء

стр. 17341

(فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ احْمِلْ لِي عَلَى بَعِيرَيَّ) بتشديد الياء، عَلَى صيغة التثنية (هَذَيْنِ، فَإِنَّكَ لَا تَحْمِلُ مِنْ مَالِكَ، وَلَا مِنْ مَالِ أَبِيكَ) هذه منْ عادة جُفاة الأعراب، وخشونتهم، وعدم تهذيبهم أخلاقهم، كما وصفهم الله بقوله: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ٩٧]. وقيل: لعله كَانَ منْ المؤلّفة، ولهذا قَالَ ما قَالَ. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا) أي لا أحمل لك منْ مالي، ولا منْ مال أبي (وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ) أي إن كَانَ الأمر عَلَى خلاف ذلك. قَالَ السيوطيّ رحمه الله تعالى فِي "مرقاة الصعود": وهذا منْ حسن العبارة؛ لأن حذف الواو يوهم نفي الاستغفار. وَقَالَ الفخر الرازيّ: روي عن أبي بكر الصدّيق ﵁ أنه دخل السوق، فَقَالَ لبيّاع: أتبيع هَذَا الثوب؟، فَقَالَ: لا، عافاك الله، قَالَ له أبو بكر: لو علمتم، قل: لا، وعافاك الله. وهذا منْ لطائف النحو؛ لأنه عند حذفها يوهم كونه دعاء عليه، وعند ذكر الواو لا يبقى ذلك الاحتمال. انتهى. نقله فِي "عون المعبود" ١٣/ ١٣٢ - ١٣٤. (لَا أَحْمِلُ لَكَ حَتَّى تُقِيدَنِي) بضمّ أوله، منْ الإقادة: أي حتّى تمكّنني منْ نفسك حَتَّى أقتصّ (مِمَّا جَبَذْتَ بِرَقَبَتِي) "ما" مصدريّة: أي منْ جذبك رقبتي. ولعلّ المراد -كما قَالَ السنديّ- الإخبار أنه لا يستحقّ أن يُحمل له بلا أخذ القود منه، وإلا فقد حمل له بلا قود، وفيه دلالة عَلَى شرع القود منْ الجبذة، وهو محلّ استدلال المصنّف رحمه الله تعالى عَلَى الترجمة، وَقَدْ تقدّم قبل باب أن هَذَا هو القول الراجح فِي المسألة، فلا تغفُل. (فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: لَا وَاللهِ لَا أُقِيدُكَ) أي لا أمكّنك منْ القود، وهذا دليل جفوته الأعرابيّة، ويحتمل أنه أراد لكمال كرمه ﷺ أنه يعفو عنه البتّة، والأول أظهر (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: لَا وَاللَّهِ لَا أُقِيدُكَ، فَلَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَ الأَعْرَابِيِّ، أَقْبَلْنَا إِلَيْهِ سِرَاعًا) أي مسرعين، وإنما قاموا سراعًا؛ غضبًا لرسول الله ﷺ ، حيث اعتدى عليه ذلك الأعرابيّ، فارادوا تأديبه (فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "عَزَمْتُ عَلَى مَنْ سَمِعَ كَلَامِي) أي أقسمت عليه، يقال: عزم عَلَى الرجل، منْ باب ضرب: أقسم عليه، أفاده فِي "القاموس" (أَنْ لَا يَبْرَحَ) بفتح الراء، منْ باب تَعِبَ: أي لا يَزَالَ (مَقَامَهُ) بفتح الميم، أي مكانه، ويجوز ضمّها، منْ الإقامة (حَتَّى آذَنَ لَهُ) بالمدّ، منْ الإذن: يعني أنه لا يترك أحد مكانه إلا بإذني، يثبت فيه، كأنه ﷺ أراد بذلك إظهار ما أعطاه الله تعالى منْ كمال شرح الصدر، وسعة الخلُق؛ ليقتدوا به فِي ذلك بقدر وُسعهم، وطاقتهم. والله تعالى أعلم (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، لِرَجُلٍ مِنَ الْقَوْمِ: "يَا فُلَانُ احْمِلْ لَهُ عَلَى بَعِيرٍ شَعِيرًا، وَعَلَى بَعِيرٍ تَمْرًا"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "انْصَرِفُوا) أي

стр. 17342

ارجعوا إلى جهة حوائجكم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هَذَا ضعيف، لجهالة هلال بن أبي هلال، كما تقدم، قَالَ المنذري رحمه الله تعالى فِي "مختصر السنن" ٧/ ١٦٢ - : قَالَ الدارقطنيّ: تفرّد به محمد بن هلال، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، وسئل الإِمام أحمد عن محمد بن هلال الذي روى عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ؟ فَقَالَ: ثقة، وَقَالَ مرّةً: ليس به بأس، قيل: أبوه؟ قَالَ: لا أعرفه. وسئل أبو حاتم الرازيّ، عن محمد بن هلال؟ قَالَ: صالحٌ، وأبوه ليس بمشهور. انتهى. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٣/ ٤٧٧٩ - وفي "الكبرى" ٢٢/ ٦٩٧٨. وأخرجه (د) فِي "الأدب" ٤٧٧٥. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان ثبوت القصاص فِي الجبذة، إلا أن الْحَدِيث ضعيف، كما سبق آنفًا، لكن تقدّم قبل باب أن الحقّ ثبوته، للأدلّة الكثيرة، فلا تنس. (ومنها): ما كَانَ عليه النبيّ ﷺ منْ كريم الأخلاق، ومحاسن الشيم، فكان كما وصفه الله بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. (ومنها): أنه كَانَ لا ينتقم لنفسه، بل يعفو، ويصفح، كما أمره الله بقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. (ومنها): أن ما جاء فِي هذه الأحاديث، وأمثالها دليلٌ عَلَى أنه ﷺ لو لم تكن له معجزات إلا هذه الأخلاق الكريمة لكفى ذلك شاهدًا عَلَى نبوّته، بأبي هو وأمّي صلّى الله تعالى عليه، وعلى آله، وصحبه أجمعين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكّلت، وإليه أنيب". ***

стр. 17343

٢٤ - (الْقِصَاصُ مِنَ السَّلَاطِينِ) ٤٧٧٩ - (أَخْبَرَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ، سَعِيدُ بْنُ إِيَاسٍ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي فِرَاسٍ: أَنَّ عُمَرَ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقِصُّ مِنْ نَفْسِهِ). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (مؤمّل بن هشام) اليشكريّ، أبو هشام البصريّ، ثقة [١٠] ٢٤/ ٢٦. ٢ - (إسماعيل بن إبراهيم) بن مقسم ابن عُليّة، أبو بشر البصريّ، ثقة ثبت [٨] ١٨/ ١٩. ٣ - (أبو مَسْعُودٍ، سَعِيدُ بْنُ إِيَاسٍ الْجُرَيْرِيُّ) البصريّ، ثقة اختلط قبل موته بثلاث سنين [٥] ٣٢/ ٦٧٢. ٤ - (أبو نضرة) المنذر بن مالك بن قُطَعَة -بضم القاف، وفتح الطاء المهملة- العبديّ الْعَوَقيّ، ثقة [٣] ٢١/ ٥٣٨. ٥ - (أبو فراس) النَّهْديّ، قيل: اسمه الربيع بن زياد، مقبول [٢]. وفي "تهذيب التهذيب" ٤/ ٥٧٢: أبو فراس النهدي، عن عمر: "رأيت النبيّ ﷺ أَقَصَّ منْ نفسه"، وفيه قصة، وعنه أبو نضرة العبدي، قَالَ البخاريّ: نسبه هشيم -يعني نهديا- وَقَالَ أبو زرعة: لا أعرفه. وَقَالَ إسحاق بن راهويه، عن أبي سلمة المخزومي، عن وهب بن جرير، عن أبي نضرة، عن أبي فراس، واسمه الربيع بن زياد الحارثي، وَقَالَ الحاكم أبو أحمد: لا أبعِد أن يكون إسحاق سماه منْ ذات نفسه، فاشتبه عليه، فإني لا أعرف أن أبا نضرة، روى عن الربيع بن زياد الحارثي شيئا، وإنما روى عن الربيع أبو مِجْلَز، وقتادة، والشعبي، وأبو فراس الذي روى عنه أبو نضرة، هو النهدي آخر، عَلَى ما ذكره البخاريّ، أما الحارثي فكناه خليفة أبا عبد الرحمن. قَالَ الحافظ: ما المانع أن يكون اسم أبي فراس النهدي أيضا الربيع بن زياد, وقول إسحاق فيه: الحارثي وَهَمٌ، وإنما هو النهدي، فالله تعالى أعلم. انتهى. تفرّد به أبو داود، والمصنّف، بهذا الْحَدِيث فقط. ٦ - (عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ٦٠/ ٧٥. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ أَبِي فِرَاسٍ) النهديّ (أَنَّ عُمَرَ) بن الخطّاب ﵁ (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ،

стр. 17344

يُقِصُّ مِنْ نَفْسِهِ) بضمّ حرف المضارعة، منْ الإقصاص، يقال: أقصّ السلطان فلانًا إقصاصًا: قتله قَوَدًا، وأقصّه منْ فلان: جرحه مثل جرحه، واستقصّه: سأله أن يُقصّه. قاله الفيّوميّ. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية المصنّف هذه مختصرة منْ حديث طويل، ساقه بطوله الإِمام أحمد فِي "مسنده": ٢٨٨ - حدثنا إسماعيل، أنبأنا الجريري، سعيد عن أبي نضرة، عن أبي فراس، قَالَ: خطب عمر بن الخطاب ﵁، فَقَالَ: يا أيها النَّاس، ألا إنا إنما كنا نعرفكم، إذ بين ظهرينا النبيّ ﷺ ، وإذ ينزل الوحي، وإذ ينبئنا الله منْ أخباركم، ألا وإن النبيّ ﷺ ، قد انطلق، وَقَدْ انقطع الوحي، وإنما نعرفكم بما نقول لكم: مَنْ أظهر منكم خيرا، ظننا به خيرا، وأحببناه عليه، ومن أظهر منكم لنا شرا، ظننا به شرا، وأبغضناه عليه، سرائركم بينكم وبين ربكم، ألا إنه قد أَتَى عليّ حينٌ، وأنا أحسب أن منْ قرأ القرآن يريد الله، وما عنده، فقد خُيِّل إليَّ بآخرة، ألا إن رجالا قد قرءوه، يريدون به ما عند النَّاس، فأَرِيدوا الله بقراءتكم، وأَرِيدوه بأعمالكم، ألا إني والله ما أُرسل عمالي إليكم؛ ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أرسلهم إليكم؛ ليُعَلِّموكم دينكم، وسنتكم، فمن فُعِل به شيء سوى ذلك، فليرفعه إليّ، فوالذي نفسي بيده إذن لأُقِصَّنَّه منه، فوَثَبَ عمرو بن العاص، فَقَالَ: يا أمير المؤمنين، أَوَرَأَيتَ إن كَانَ رجل منْ المسلمين عَلَى رعيّةٍ، فأَدَّب بعض رعيته أئنك لمقتصه منه؟ قَالَ: إي والذي نفس عمر بيده، إذن لأقصنه منه، وَقَدْ رأيت رسول الله ﷺ يُقِصّ منْ نفسه، ألا لا تضربوا المسلمين، فتُذلّوهم، ولا تُجَمِّرُوهم، فتفتنوهم (١)، ولا تمنعوهم حقوقهم، فتكفروهم، ولا تنزلوهم الغياض، فتضيعوهم. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث عمر ﵁ هَذَا ضعيفٌ؛ لجهالة أبي فِراس، كما سبق آنفًا.

стр. 17345

(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٤/ ٤٧٧٩ - وفي "الكبرى" ٢٣/ ٦٩٧٩. وأخرجه (د) فِي "الديات" ٤٥٣٧ (أحمد) فِي "مسند العشرة" ٢٨٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٢٥ - (السُّلْطَانُ يُصَابُ عَلَى يَدِهِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: المراد أَن يُصَابَ أحدٌ منْ النَّاس بأذًى منْ السُّلطان، فـ"يصاب" بالبناء للمفعول، ونائب فاعله الجارّ والمجرور، يعني أنه إذا أَصاب السلطان أحدًا منْ النَّاس بما يقتضي القصاص، فهل يقتصّ منه، أم لا؟، وَقَدْ ترجم الإِمام أبو داود رحمه الله تعالى فِي "سننه" بقوله: "باب العامل يُصاب عَلَى يديه خطأ"، والمراد عامل الصدقة، ووجه مطابقة ترجمة المصنّف للحديث أنه لَمّا ثبت القصاص منْ عامل السلطان، يُستدلّ به عَلَى ثبوتها عَلَى السلطان. قَالَ الخطّابيّ رحمه الله تعالى فِي "المعالم" ٦/ ٣٣٣: فِي هَذَا الْحَدِيث منْ الفقه وجوب الإقادة منْ الوالي، والعامل، إذا تناول دمًا بغير حقّه، كوجوبها عَلَى منْ ليس بوالٍ. انتهى. والله تعالى أعلم. ٤٧٨٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، بَعَثَ أَبَا جَهْمِ بْنَ حُذَيْفَةَ مُصَدِّقًا، فَلَاحَّهُ رَجُلٌ فِي صَدَقَتِهِ، فَضَرَبَهُ أَبُو جَهْمٍ، فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: الْقَوَدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: "لَكُمْ كَذَا وَكَذَا"، فَلَمْ يَرْضَوْا بِهِ، فَقَالَ: "لَكُمْ كَذَا وَكَذَا"، فَرَضُوا بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، "إِنِّي خَاطِبٌ عَلَى النَّاسِ، وَمُخْبِرُهُمْ بِرِضَاكُمْ"، قَالُوا: نَعَمْ، فَخَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: "إِنَّ هَؤُلَاءِ أَتَوْنِي يُرِيدُونَ الْقَوَدَ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِمْ كَذَا وَكَذَا فَرَضُوا"، قَالُوا: لَا، فَهَمَّ الْمُهَاجِرُونَ بِهِمْ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَكُفُّوا، فَكَفُّوا، ثُمَّ دَعَاهُمْ، قَالَ: "أَرَضِيتُمْ؟ "، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: "فَإِنِّي خَاطِبٌ عَلَى النَّاسِ، وَمُخْبِرُهُمْ بِرِضَاكُمْ"، قَالُوا: نَعَمْ، فَخَطَبَ النَّاسَ، ثُمَّ قَالَ: "أَرَضِيتُمْ؟ "، قَالُوا: نَعَمْ).

стр. 17346

رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن رافع) القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوري، ثقة عابد [١١] ٩٢/ ١١٤. ٢ - (عبد الرزاق) بن همام بن نافع الحميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظ شهير، عمي فِي آخر عمره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] ٦١/ ٧٧. ٣ - (معمر) بن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن ثقة ثبت فاضل، منْ كبار [٧] ١٠/ ١٠. ٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإِمام الحجة المشهور المدنيّ [٤] ١/ ١. ٥ - (عروة) بن الزبير بن العوّام المدنيّ الفقيه ثقة ثبت [٣] ٤٠/ ٤٤. ٦ - (عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها ٥/ ٥. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين منْ الزهريّ، وشيخه نيسابوريّ، وعبد الرزاق صنعاني، ومعمر بصري، ثم يمنيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، ورواية الراوي عن خالته. (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة، عروة، وفيه عائشة رضي الله تعالى عنها، منْ المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، بَعَثَ أَبَا جَهْمِ بْنَ حُذَيْفَةَ) بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب القرشي العدوي، قَالَ البخاريّ، وجماعة: اسمه عامر، وقيل: اسمه عُبيد -بالضم- قاله الزبير ابن بكار، وابن سعد، وقالا: إنه منْ مسلمة الفتح، وَقَالَ البغوي، عن مصعب: كَانَ منْ مُعَمَّرِي قريش، ومن مَشْيَخَتهم. وحكى ابن منده أن أبا عاصم، فرق بين أبي جهم ابن حذيفة، وعُبيد بن حذيفة، قَالَ الزبير: كَانَ منْ مشيخة قريش، وهو أحد الأربعة الذين كانت قريش تأخذ عنهم النسب، قَالَ: وَقَالَ عمي: كَانَ منْ المعمرين، حضر بناء الكعبة مرتين، حين بنتها قريش، وحين بناها ابن الزبير، وهو أحد الأربعة الذين تَوَلَّوا دفن عثمان ﵁. وأخرج البغوي منْ طريق حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، عن

стр. 17347

أبيه، قَالَ: لَمّا أُصيب عثمان أرادوا الصلاة عليه، فمُنِعوا، فَقَالَ أبو الجهم: دعوه، فقد صلى الله عليه ورسوله. وأخرج ابن أبي عاصم فِي "كتاب الحكماء" منْ طريق عبد الله ابن الوليد، عن أبي بكر بن عبيد الله بن أبي الجهم، قَالَ: سمعت أبا الجهم يقول: لقد تَركتُ الخمر فِي الجاهلية، وما تركتها إلا خشية عَلَى عقلي، وما فيها منْ الفساد. وثبت ذكره فِي "الصحيحين" منْ طريق عروة، عن عائشة ﵂، قالت: صلى النبيّ ﷺ فِي خميصة لها أعلام، فَقَالَ: "اذهبوا بخميصتي هذه، إلى أبي جهم، وائتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي". وذكر الزبير منْ وجه آخر مرسلا: "أن النبيّ ﷺ ، أُتى بخميصتين سوداوين, فلبس إحداهما، وبعث الأخرى إلى أبي جهم، ثم إنه أرسل إلى أبي جهم فِي تلك الخميصة، وبعث إليه التي لبسها هو، ولبس هو التي كانت عند أبي جهم، بعد أن لبسها أبو جهم لبسات". وثبت ذكره فِي حديث فاطمة بنت قيس، لَمّا قالت: إن معاوية وأبا جهم خطباني: "أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه"، وقالوا: إنه كَانَ ضرابًا للنساء. وَقَالَ ابن سعد: كَانَ شديد العارضة، وكان عمر يمنعه حَتَّى كَفّ منْ لسانه. وأخرج ابن المبارك فِي "الزهد" منْ طريق عمر بن سعيد بن أبي حسين، حدثني ابن سابط وغيره: أن أبا جهم بن حذيفة، قَالَ: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عمي، ومعي شَنَّة منْ ماء … فذكر القصة. قَالَ ابن سعد: مات فِي آخر خلافة معاوية. قَالَ الحافظ: وما تقدم عن الزبير، أنه حضر بناء الكعبة، إن ثبت يدل عَلَى أنه تأخر إلى أول خلافة ابن الزبير، ويؤيده ما رواه ابن أخي الأصمعي فِي "النوادر" عن عمه، عن عيسى بن عمر، قَالَ: وفد أبو جهم عَلَى معاوية، ثم عَلَى يزيد، ثم ذكر قصة له مع ابن الزبير. انتهى منْ "الإصابة فِي تمييز الصحابة" ١١/ ٦٦ - ٦٧. (مُصَدِّقًا) -بتخفيف الصاد، وتشديد الدال المهملتين-: اسم فاعل منْ "صَدَّق": إذا أخذ الصدقة، وأما الْمُصَّدِّق -بتشديد الصاد، والدال-: فهو معطي الصدقة، كما فِي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ الآية، وأصله متصدِّقُ، فأدغمت التاء فِي الصاد. والمعنى هنا: أنه ﷺ أرسل أبا جهم آخذًا منْ النَّاس صدقاتهم (فَلَاحاهُ رَجُلٌ) بالحاء المهملة، معتلّ الأخير، منْ الملاحاة، وهو المخاصمة، والمنازعة. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وهذا الذي ذكرته منْ ضبط "فلاحاه" هو الذي فِي النسخة "الهنديّة"، وكذا فِي نسخة "مختصر المنذريّ" لأبي داود ٦/ ٣٣٣ - و"معالم السنن" للخطّابيّ ٦/ ٣٣٤، وَقَالَ: معناه: نازعه، وخاصمه، انتهى.

стр. 17348

وَقَالَ ابن منظور فِي مادّة "لَحَا": ما نصّه: ولاحَى الرجلَ مُلاحاةً، ولِحاءً: شاتمه، وفي المثل: منْ لاحاك فقد عاداك، قَالَ الشاعر [منْ الوافر]: وَلَوْلَا أَنْ يَنَالَ أَبَا طَرِيفٍ … إِسَارٌ مِنْ مَلِيكٍ أَوْ لِحَاءُ وتلاحى الرجلان: تشاتما, ولاحى فلانٌ فلانًا مُلاحاةً، ولِحاءً: إذا استقصى عليه. ويُحكى عن الأصمعيّ أنه قَالَ: الْمُلاحاةُ: الْمُلاومة، والْمُبَاغضة، ثم كثُر ذلك حَتَّى جُعلت كلُّ ممانعة، ومُدافعة مُلاحاةً، وأنشد: وَلَاحَتِ الرَّاعِيَ مِنْ دُرُورِهَا … مَخَاضَهَا إِلَّا صَفَايَا خُورِهَا انتهى "لسان العرب" ١٥/ ٢٤٢. ووقع فِي بعض النسخ: "فلاجّه" -بتشديد الجيم- منْ الملاجّة، وهي المخاصمة، والمنازعة: أي نازعه، وخاصمه، قَالَ فِي "اللسان": لَجَّ فِي الأمر: تمادى عليه، وأبى أن ينصرف عنه، قَالَ: والْمُلاجّة: التمادي فِي الخصومة. انتهى. وأما ما وقع فِي بعض نسخ المجتبى"، و"الكبرى" بلفظ: "فلاحّه"، وضبطه السنديّ بتشديد الحاء المهملة- وَقَالَ: قريبٌ منه، أي منْ معنى الأول، فالظاهر أنه مصحّفٌ، منْ "فلاجّه" بالجيم، أو منْ "فلاحاه"، وليس معنى الإلحاح هنا مناسبًا. والحاصل أن الصواب: "فلاحاه" -بتخفيف الحاء، معتلّ الأخير، منْ الملاحاة، أو "فلاجّه" بالجيم، ومعناهما: المنازعة، والمخاصمة، كما سبق، فتأمّل. والله تعالى أعلم. (فِي صَدَقَتِهِ، فَضَرَبَهُ أَبُو جَهْمٍ، فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: الْقَوَدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ) يحتمل أن يكون بنصب "القود"، مفعولاً لفعل مقدّر: أي نطلب القودَ، ويحتمل أن يكون برفعه، خبرًا لمحذوف: أي مطلوبنا القودُ (فَقَالَ: "لَكُمْ كَذَا وَكَذَا) أي منْ المال، والمعنى: اتركوا القصاص، واعفوا عنه، فأنا أُعطيكم فِي مقابلة ترككم مبلغًا منْ المال (فَلَمْ يَرْضَوْا بِهِ) أي استقلالاً له (فَقَالَ) ﷺ (لَكُمْ كَذَا وَكَذَا) أي أكثر منْ المبلغ الأول (فَرَضُوا بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنِّي خَاطِبٌ عَلَى النَّاسِ) منْ الخُطْبة بالضمّ، يقال: خطب القوم، وعليهم، منْ باب قتل خُطبةً: إذا وعظهم، وذكّرهم. وفي رواية أبي داود: "إني خاطب العشيّةَ عَلَى النَّاس" (وَمُخْبِرُهُمْ بِرِضَاكُمْ"، قَالُوا: نَعَمْ، فَخَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: "إِنَّ هَؤُلَاءِ) مشيرًا إلى خصماء أبي جهم (أَتَوْنِي يُرِيدُونَ الْقَوَدَ) أي استيفاء القصاص منْ أبي جهم (فَعَرَضْتُ عَلَيْهِمْ كَذَا وَكَذَا فَرَضُوا"، قَالُوا: لَا) أي تراجعوا عن رضاهم، وأنكروا موافقتهم عَلَى المبلغ الثاني الذي عرَضه النبيّ ﷺ عليهم، وهذا منهم

стр. 17349

عَلَى عادة الأعراب، وجفائهم منْ الحياء، واحترام جانب الرسول ﷺ ، كما تقدّم قبل باب (فَهَمَّ الْمُهَاجِرُونَ بهِمْ) أي قصدوا زجرهم، وإيقاع التأديب عليهم (فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَكُفُّوا، فَكَفُّوا) أي أمرهم ﷺ بأن يتركوا ما قصدوه، فتركوه (ثُمَّ دَعَاهُمْ) أي دعا القوم (قَالَ: "أَرَضِيتُمْ) أي بعد أن زادهم منْ المال، وفي رواية أبي داود: "ثم دعاهم، فزادهم، فَقَالَ: أرضيتم" (قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ) ﷺ (فَإِنَّي خَاطِبٌ عَلَى النَّاسِ، وَمُخْبِرُهُمْ بِرِضَاكُمْ"، قَالُوا: نَعَمْ، فَخَطَبَ النَّاسَ، ثُمَّ قَالَ: "أَرَضِيتُمْ؟ "، قَالُوا: نَعَمْ) أي رضينا بالزيادة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هَذَا صحيح. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٥/ ٤٧٨٠ - وفي "الكبرى" ٢٤/ ٦٩٨٠. وأخرجه (د) فِي "الديات" ٤٥٣٤ (ق) فِي "الديات" ٢٦٣٨. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان ثبوت القصاص منْ السلطان إذا حصل منه ما يوجبه، ووجه الاستدلال بحديث الباب، أنه ﷺ لَمّا جاؤوه طالبين القود ما أنكر ذلك عليهم، وإنما طلب منهم أخذ العوض شفاعةً، فدلّ ذلك عَلَى أنه يُقتصّ منْ السلطان. (ومنها): جواز إرضاء المشجوج بأكثر منْ دية الشّجّة إذا طلب المشجوج القصاص. قاله الخطّابيّ. (ومنها): أن القول فِي الصدقة قول ربّ المال، وأنه ليس للساعي ضربه، وإكراهه عَلَى ما لم يُظهر له منْ ماله. قاله الخطّابيّ أيضًا. (ومنها): ما كَانَ عليه النبيّ ﷺ منْ الصبر عَلَى جفاء الأعراب، وسوء أدبهم. (ومنها): ما كَانَ عليه الأعراب منْ الجفاء، والغلظة، والجهل بحقوق النبيّ ﷺ ، حيث أنكروا ما كانوا وعدوه منْ موافقتهم عَلَى الرضى بما طلب منهم منْ أخذ العوض عَلَى القود. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". ***

стр. 17350

٢٦ - (الْقَوَدُ بِغَيْرِ حَدِيدَةٍ) ٤٧٨١ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ يَهُودِيًّا رَأَى عَلَى جَارِيَةٍ أَوْضَاحًا، فَقَتَلَهَا بِحَجَرٍ، فَأُتِيَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ ، وَبِهَا رَمَقٌ، فَقَالَ: "أَقَتَلَكِ فُلَانٌ؟ "، فَأَشَارَ شُعْبَةُ بِرَأْسِهِ يَحْكِيهَا، أَنْ لَا، فَقَالَ: "أَقَتَلَكِ فُلَانٌ؟ "، فَأَشَارَ شُعْبَةُ بِرَأْسِهِ يَحْكِيهَا أَنْ لَا، قَالَ: "أَقَتَلَكِ فُلَانٌ؟ "، فَأَشَارَ شُعْبَةُ بِرَأْسِهِ يَحْكِيهَا، أَنْ نَعَمْ، فَدَعَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَتَلَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ). قَالَ الجامع عفا الله تَعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده، وهو ثقة. و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجيميّ. و"هشام بن زيد" بن أنس: هو حفيد أنس بن مالك ﵁. والسند مسلسلٌ بثقات البصريين. وقوله: "أوضاحًا": بالفتح جمع وَضَحٍ بفتحتين: نوع منْ الْحُليّ، يُعمل منْ الفضّة، سمي به لبياضه. وقوله: "فأُتي بها النبيّ ﷺ " بالبناء للمفعول. وقوله: "رَمَقٌ" -بفتحتين-: أي بقيّة رُوح. وقوله: "أن لا": أي لم يقتلني فلان. وقوله: "أن نعم" "أن" هنا تفسيريّة بمعنى "أَيْ". وقوله: "فقتله بين حجرين": أي وضع رأسه عَلَى حجر، وضربه بآخر. والحديث متّفقٌ عليه، وتقدّم فِي "كتاب تحريم الدم" ٩/ ٤٠٤٥ وتقدم شرحه، وبيان مسائله هناك، وبقي الكلام فيما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو جواز القصاص بغير سيف، فنقول: [مسألة]: فِي اختلاف أهل العلم فِي صفة القصاص: قَالَ العلاّمة محمد بن رُشد رحمه الله تعالى فِي كتابه "بداية المجتهد": اختلفوا فِي صفة القصاص فِي النفس، فمنهم منْ قَالَ: يُقتصّ منْ القاتل عَلَى الصفة التي قَتَل، فمن قتل تغريقًا قُتل تغريقًا، ومن قتل بضرب بحجر قُتل بمثل ذلك، وبه قَالَ مالكٌ، والشافعيّ، قالوا: إلا أن يطول تعذيبه بذلك، فيكون السيف له أروح. واختلف أصحاب مالك فيمن حرّق آخر، هل يُحرّق؟ مع موافقتهم لمالك فِي احتذائه صورة القتل، وكذلك فيمن قتل بالسهم. وَقَالَ أبو حنيفة، وأصحابه: بأيّ وجه قتله لم يُقتل إلا بالسيف، وعمدتهم ما رَوى الحسن عن النبيّ ﷺ أنه قَالَ: "لا قود إلا بحديدة". وعمدة الفريق الأول حديث أنس ﵁ أن يهوديّا رضخ رأس امرأة بحجر، فرضخ

стр. 17351

النبيّ ﷺ رأسه بحجر"، أو قَالَ: "بين حجرين"، وقوله : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ الآية [البقرة: ١٧٨]، والقصاص يقتضى المماثلة. انتهى "بداية المجتهد، ونهاية المقتصد" ٢/ ٤٠٤. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح ما قاله الأولون، وهو الذي مال إليه المصنّف، حيث قَالَ: "القود بغير حديدة"، إشارة إلى ضعف حديث: "لا قود إلا بالسيف". والحاصل أن الحقّ كون القصاص بمثل ما قتل به القاتل، إذا أمكن؛ لحديث الباب المتّفق عليه، ولظاهر الآية الكريمة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ الآية، وأما الْحَدِيث الذي استدل به الفريق الثاني، فإنه منْ مرسل الحسن البصريّ، وَقَدْ روي متصلاً منْ طرق لا تثبت، والصحيح أنه منْ مرسله، وهو ضعيف، وَقَدْ أجاد الشيخ الألباني رحمه الله تعالى فِي تخريجه فِي كتابه "إرواء الغليل" ٧/ ٢٨٥ - ٢٨٩ رقم الْحَدِيث ٢٢٢٨، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٨٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، بَعَثَ سَرِيَّةً إِلَى قَوْمٍ مِنْ خَثْعَمٍ، فَاسْتَعْصَمُوا بِالسُّجُودِ، فَقُتِلُوا، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنِصْفِ الْعَقْلِ، وَقَالَ: "إِنِّي بَرِىءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، "أَلَا لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: إيراد المصنّف لهذا الْحَدِيث فِي هَذَا الباب محلّ نظر؛ إذ لا مطابقة بينهما، فالله تعالى أعلم. ورجال هَذَا الإسناد: أربعة: ١ - (محمد بن العلاء) الهمدنيّ، أبو كريب الكوفيّ، ثقة ثبت [١٠] ٩٥/ ١١٧. ٢ - (أبو خالد) هو سليمان بن حيّان الأزديّ الأحمر الكوفيّ، صدوقٌ يخطىء [٨] ٣٠/ ٩٢١. ٣ - (إسماعيل) بن أبي خالد البجلي الأحمسي مولاهم، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة [٤] ١٣/ ٤٧١. ٤ - (قيس) بن أبي حازم البجلي، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة مخضرم [٢] ٤٦/ ٩٥٤. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ رباعيات المصنّف رحمه الله تعالى، إلا أنه مرسل. (ومنها): أن

стр. 17352

رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. (ومنها): أن قيسًا هو الذي يقال: إنه اجتمع له أن يروي عن العشرة المبشرين بالجنة كلهم عَلَى خلاف فِي عبد الرحمن بن عوف، والصحيح أنه روى عنه، ولا يوجد هَذَا لتابعي سواه. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ قَيْس) بن أبي حازم رحمه الله تعالى (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، بَعَثَ سَرِيَّةً) بفتح السين المهملة، وتشديد الياء التحتانيّة: هي القطعة منْ الجيش، فَعِيلةٌ بمعنى فاعلة، سُمّيت بذلك؛ لأنها تَسرِي فِي خُفية، والجمع سَرَايا، وسَرِيّات، مثلُ عطيّة، وعطايا، وعطيّات (إِلَى قَوْمٍ مِنْ خَثْعَمَ) بفتح الخاء المعجمة، وسكون المثلّثة، وفتح المهملة، آخره ميم: هو خثعم بن أنمار، أبو قبيلة منْ مَعَدّ. قاله فِي "القاموس" (فَاسْتَعْصَمُوا بِالسُّجُودِ) بالبناء للفاعل: أي طلبوا لأنفسهم العصمة بإظهار السجود (فَقُتِلُوا) بالبناء للمفعول: أي قتلهم المسلمون خطأ؛ لظنّهم أنهم مشركون. وفي رواية أبي داود: "فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل، قَالَ: فبلغ ذلك النبيّ ﷺ ، فأمر لهم بنصف العقل" (فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) بعد علمه بإسلامهم، وأنهم قُتلوا خطأ (بِنِصْفِ الْعَقْلِ) أي نصف الدية، وإنما قضى لهم بنصف العقل، ولم يكمل لهم الدية، بعد علمه بإسلامهم؛ لأنهم قد أعانوا عَلَى أنفسهم بمُقامهم بين ظهراني الكفّار، فكانوا كمن هلك بجناية نفسه، وجناية غيره، فسقط حصّة جنايته منْ الدية. وأما اعتصامهم بالسجود، فإنه لا يُمحّص الدلالة عَلَى قبول الدِّين؛ لأن ذلك قد يكون منهم فِي تعظيم السادة، والرؤساء، فعُذروا؛ لوجود الشبة. قاله الخطّابيّ رحمه الله تعالى فِي "معالم السنن" ٣/ ٤٣٦. وَقَالَ ابن القيّم رحمه الله تعالى: قَالَ بعض أهل العلم: إنما أمر لهم بنصف العقل، ثم ذكر ما تقدّم فِي كلام الخطّابيّ إلى قوله: فكانوا كمن هلك بجناية نفسه، وجناية غيره. ثم قَالَ: وهذا حسنٌ جدًّا. انتهى "تهذيب السنن" ٣/ ٤٣٦. (وَقَالَ: "إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ) أي يعيش معهم، ولا يفارقهم، ولفظ أبي داود: "أنا برىء منْ كلّ مسلم يُقيم بين أظهر المشركين، قالوا: يا رسول الله لم؟، قَالَ: لا تراءى ناراهما" (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه (لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا) أصله لا تتراءى، حُذفت منه إحدى التاءين، وهو منْ الترائي، وهو تفاعلٌ، منْ الرؤية، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ الآية [الشعراء: ٦١]: أي لا ينبغي للمسلم أن ينزل بقرب الكافر، بحيث يقابل نار كلّ منهما نار صاحبه، حَتَّى كأنّ نار كلّ

стр. 17353

منهما ترى نار صاحبه. وَقَالَ العلامة ابن الأثير رحمه الله تعالى فِي "النهاية" ٢/ ١٧٧ - : أي يلزم المسلم، ويجب عليه أن يباعد منزله عن منزل المشرك، ولا ينزل بالموضع الذي إذا أُوقدت فيه ناره تلوح، وتظهر لنار المشرك، إذا أوقدها فِي منزله، ولكنه ينزل مع المسلمين فِي دارهم. وإنما كره مُجاورة المشركين؛ لأنهم لا عهد لهم، ولا أمان، وحث المسلمين عَلَى الهجرة. والترائي تفاعلٌ منْ الرؤية، يقال: تراءى القوم: إذا رأى بعضهم بعضًا، وتراءى لي الشيء: أي ظهر حَتَّى رأيته، وإسناد الترائي إلى النارين مجازٌ، منْ قولهم: داري تنظر إلى دار فلان: أي تقابلها، يقول: ناراهما مختلفتان، هذه تدعو إلى الله، وهذه تدعوا إلى الشيطان، فكيف يتّفقان. والأصل فِي تراءى تتراءى، فحُذفت إحدى التاءين؛ تخفيفًا. انتهى كلام ابن الأثير. وَقَالَ الإِمام الخطّابيّ رحمه الله تعالى فِي "معالم السنن" ٣/ ٤٣٦ - ٤٣٨ - : وقوله: "لا تتراءى ناراهما" فيه وجوه: [أحدها]: معناه: لا يستوي حكماهما، قاله بعض أهل العلم. وَقَالَ بعضهم: معناه: أن الله تعالى قد فرق بين دار الإِسلام والكفر، فلا يجوز لمسلم أن يُساكن الكفّار فِي بلادهم، حَتَّى إذا أوقدوا نارًا كَانَ منهم بحيث يراها. [وفيه وجه ثالث]: ذكره بعض أهل اللغة، قَالَ: معناه: لا يتّسم بسِمَة المشرك، ولا يتشبّه به فِي هديه، وشكله، والعرب تقول: "ما نار بعيرك؟ ": أي ما سيمته، ومن هَذَا قولهم: "نارها نجاها": يريدون: أن مِيسَمَها يدلّ عَلَى كومها، وعُتُقها، ومنه قول الشاعر: حَتَّى سَقَوْا آبَالَهُمْ بِالنَّارِ … وَالنَّارُ قَدْ تَشْفَى مِنَ الأُوَارِ يريدون أنهم يعرفون الكرام منها بسماتها، فيُقدّمونها فِي السقي عَلَى اللئام. انتهى كلام الخطّابيّ. وَقَالَ العلامة ابن القيّم رحمه الله تعالى فِي "تهذيب السنن" ٣/ ٤٣٦ - ٤٣٧: والذي يظهر لي منْ معنى الْحَدِيث: أن النار هي شعار القوم عند النزول، وعلامتهم، وهي تدعوا إليهم، والطارق يأنس بها، فإذا ألمّ بها، جاور أهلها، وسالمهم، فنار المشركين تدعوا إلى الشيطان، وإلى نار الآخرة، فإنها إنما توقد فِي معصية الله، ونار المؤمنين تدعوا إلى الله، وإلى طاعته، وإعزاز دينه، فكيف تتّفق الناران، وهذا شأنهما؟. وهذا منْ أفصح الكلام، وأجزله، المشتمل عَلَى المعنى الكثير الجليل بأوجز عبارة. وَقَدْ روى النسائيّ ٧٣/ ٢٥٦٨ بإسناد صحيح، منْ حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن

стр. 17354

جده، قَالَ: قلت: يا نبي الله ما أتيتك، حَتَّى حلفت أكثر منْ عددهن لأصابع يديه، ألا آتيك، ولا آتي دينك، وإني كنت امرأ، لا أعقل شيئا، إلا ما علمني الله ورسوله ﷺ ، وإني أسألك بوجه الله ، بما بعثك ربك إلينا؟ قَالَ: "بالإِسلام"، قَالَ: قلت: وما آيات الإِسلام؟ قَالَ: "أن تقول: أسلمت وجهي إلى الله ، وتخليت، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، كل مسلم عَلَى مسلم محرم، أخوان نصيران، لا يقبل الله منْ مشرك، بعدما أسلم عملا، أو يفارق المشركين إلى المسلمين". وَقَدْ ذكر أبو داود منْ حديث سمرة ﵁، عن النبيّ ﷺ : "منْ جامع المشرك، وسكن معه، فإنه مثله"، وسنده ضعيف. وفي "المراسيل" لأبي داود، عن مكحول، عن النبيّ ﷺ : "لا تتركوا الذّرّيّة إزاء العدو". انتهى كلام ابن القيّم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث قيس بن أبي حازم رحمه الله تعالى هَذَا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وهو مرسلٌ؛ لأن قيسًا تابعيّ؟. [قلت]: الْحَدِيث روي متّصلاً، ومرسلاً، فقد أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وغيرهما منْ طريق أبي معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله البجليّ ﵁، لكن خالف أبا معاوية هشيمٌ، وخالدًا الواسطيّ، وجماعةٌ فلم يذكروا جريرًا، لذا رجّح كثير منْ الحفّاظ إرسالهم عَلَى وصله. لكن حصل له شواهد، فيصحّ بها، فقد أخرج المصنّف فِي "كتاب البيعة" ١٧/ ٤١٧٧ بسند صحيح، عن أبي نُخَيلة البجلي، قَالَ: قَالَ جرير ﵁: أتيت النبيّ ﷺ ، وهو يبايع، فقلت: يا رسول الله ابسط يدك، حَتَّى أبايعك، واشترط عليّ، فأنت أعلم، قَالَ: "أبايعك عَلَى أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين". وأبو نُخيلة بالخاء المعجمة، مصغّرًا، وقيل: بالمهملة، جزم غير واحد بصحبته، كما بينه الحافظ فِي "الإصابة" وله أيضًا شاهد آخر عند المصنّف ٧٣/ ٢٥٦٨ بإسناد صحيح، منْ حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه مطوّلاً، وفيه: "لا يقبل الله منْ مشرك، بعدما أسلم عملاً، أو يفارق المشركين إلى المسلمين"، وَقَدْ تقدّم قريبًا بطوله.

стр. 17355

وله شاهد آخر عن أعرابيّ معه كتاب كتبه له رسول الله ﷺ , فيه: "إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وفارقتم المشركين، وأعطيتم منْ الغنائم الخمس، وسهم النبيّ ﷺ ، والصفيّ"، وربما قَالَ: "وصفيّه، فأنتم آمنون بأمان الله، وأمان رسوله". أخرجه البيهقيّ ٦/ ٣٠٣ و٩/ ١٣ وأحمد ٥/ ٧٨ بسند صحيح عنه، وجهالة الصحابيّ لا تضرّ. والحاصل أن الْحَدِيث صحيح؛ لهذه الشواهد. وَقَدْ أجاد الشيخ الألباني رحمه الله تعالى البحث فيه فِي كتابه "إرواء الغليل" ٥/ ٢٩ - ٣٣ - فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٦/ ٤٧٨٢ - وفي "الكبرى" ٢٥/ ٦٩٨٢. وأخرجه (د) فِي "الجهاد" ٢٦٤٥ (ت) فِي "السير" ١٦٠٤. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): تحريم قتل منْ أظهر الإِسلام، وإن كَانَ بين الكفّار. (ومنها): أن منْ مات بفعل نفسه، وفعل غيره يعطى نصف الدية؛ لموته بجناية نفسه، وغيره. (ومنها): تحريم الإقامة فِي دار الحرب؛ إلا للضرورة. (ومنها): ما قاله الخطّابيّ رحمه الله تعالى: فيه دليلٌ عَلَى أنه إذا كَانَ أسيرًا فِي أيدي الكفّار، فأمكنه الخلاص، والانفلات منهم لم يحلّ له الْمُقام معهم، وإن حلّفوه، فحلف لهم أن لا يخرُج، كَانَ الواجب أن يخرج، إلا أنه إن كَانَ مُكرها عَلَى اليمين لم تلزمه الكفّارة، وإن كَانَ غير مكره، كانت عليه الكفّارة عن يمينه، وعلى الوجهين جميعًا، فعليه الاحتيال للخلاص، وَقَدْ قَالَ رسول الله ﷺ : "منْ حلف عَلَى يمين، فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خيرٌ، وليُكفّر عن يمينه". انتهى "معالم السنن" ٣/ ٤٣٦. (ومنها): ما قاله بعضهم: فيه دلالة عَلَى كراهة دخول المسلم دار الحرب للتجارة، والمقام فيها أكثر منْ مدّة أربعة أيام. ذكره فِي "المعالم" ٣/ ٤٣٧. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: والظاهر أخذ التقدير بأربعة أيام منْ حديث السائب بن يزيد، عن العلاء بن الحضرميّ ﵁، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا" متّفقٌ عليه، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ: "ثلاث للمهاجر بعد الصدر"، وتقدّم للمصنّف فِي "الصلاة" ٤/ ١٤٥٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 17356

"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٢٧ - (تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] ٤٧٨٣ - (قَالَ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الْقِصَاصُ، وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمُ الدِّيَةُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾، فَالْعَفْوُ أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ، ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾: يَقُولُ يَتَّبِعُ هَذَا بِالْمَعْرُوفِ، ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾: وَيُؤَدِّي هَذَا بِإِحْسَانٍ، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾، مِمَّا كُتِبَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، إِنَّمَا هُوَ الْقِصَاصُ، لَيْسَ الدِّيَةَ). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (الحارث بن مسكين) بن محمد الأموي مولاهم، أبو عمرو المصريّ القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإِمام الحجة الثبت [٨] ١/ ١. ٣ - (عمرو) بن دينار الجمحي مولاهم المكيّ، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤. ٤ - (مجاهد) بن جبر المخزومي مولاهم، أبو الحجاج المكيّ، ثقة فقيه إمام [٣] ٢٧/ ٣١. ٥ - (ابن عباس) عبد الله رضي الله تعالى عنهما ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات المكيين، سوى شيخه، فإنه مصريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما حبر الأمة، وبحرها، وترجمان القرآن، وأحد

стр. 17357

العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) منْ الأحاديث. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما، وفي رواية البخاريّ فِي "التفسير" التصريح بالسماع، ولفظه: "حدّثنا الحميديّ، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو، قَالَ: سمعت مجاهدًا، قَالَ: سمعت ابن عبّاس ﵄، يقول كَانَ فِي بني إسرائيل … الْحَدِيث. قَالَ الحافظ: هكذا وصله ابن عُيينة، عن عمرو بن دينار، وهو منْ أثبت النَّاس فِي عمرو، ورواه ورقاء بن عمر، عن عمرو، فلم يذكر فيه ابن عبّاس، أخرجه النسائيّ. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية ورقاء بن عمر هي التالية لهذه الرواية (قَالَ: كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الْقِصَاصُ، وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمُ الدِّيَةُ) أي لم يكن لهم الخيار بين القصاص، وأخذ الدية بدله، وإنما الواجب لهم القصاص فقط (فَأَنْزَلَ اللَّهُ أي رحمة لهذه الأمة المرحومة، وفي رواية البخاريّ: "فَقَالَ لهذه الأمة" (﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾) [البقرة: ١٧٨] أي فُرِض، وأُثبت، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة [منْ الخفيف]: كُتِبَ الْقَتْلُ وَالْقِتَالُ عَلَيْنَا … وَعَلَى الْغَانِيَاتِ جَرُّ الذُّيُولِ وَقَدْ قيل: إن كُتِب هنا إخبار عما كُتب فِي اللوح المحفوظ، وسبق به القضاء. والقصاصُ: مأخوذ منْ قَصَّ الأثرَ، وهو اتّباعه، ومنه القاصّ؛ لأنه يتبع الآثار, والأخبار، وقَصُّ الشعر: اتّباع أثره، فكأن القاتل سلك طريقا منْ القتل، فقُصَّ أثرُه فيها، ومشى عَلَى سبيله فِي ذلك، ومنه: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]، وقيل: القَصُّ: القطع، يقال: قصصت ما بينهما، ومنه أخذ القصاص؛ لأنه يجرحه مثل جرحه، أو يقتله به، يقال أقص الحاكم فلانا منْ فلان، وأباءه به، فَأَمْثَلَهُ، فامتثل منه: أي اقتصّ منه. (فِي الْقَتْلَى) أي فُرض عليكم اعتبار المماثلة بين القتلى. والقتلى جمع قتيل، لفظ مؤنث، تأنيث الجماعة، وهو مما يَدخُل عَلَى النَّاس كرها، فلذلك جاء عَلَى هَذَا البناء، كجَرحى، وزَمنى، وحَمقَى، وصَرعى، وغَرقى، وشبههن. قاله القرطبيّ. (الْحُرُّ بِالْحُرِّ) مبتدأ وخبرٌ: أي الحرّ مأخوذ، أو مقتول بالحرّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ، وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى قَالَ القرطبيّ: اختُلف فِي تأويلها، فقالت طائفة: جاءت الآية، مبينة لحكم النوع، إذا قتل نوعه، فبينت حكم الحر، إذا قتل حرا، والعبد إذا قتل عبدا، والأنثى إذا

стр. 17358

قتلت أنثى، ولم تتعرض لأحد النوعين، إذا قتل الآخر، فالآية محكمة، وفيها إجمال، يبينه قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية [المائدة: ٤٥]، وبينه النبيّ ﷺ بسنته، لَمّا قتل اليهودي بالمرأة، قاله مجاهد، وذكره أبو عبيد، عن ابن عباس. ورُوي عن ابن عباس أيضا: أنها منسوخة بآية المائدة، وهو قول أهل العراق. قَالَ: وَقَالَ الكوفيون، والثوري: يقتل الحر بالعبد، والمسلم بالذمي، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، فعمّ، وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، قالوا: والذمي مع المسلم متساويان فِي الحرمة التي تكفي فِي القصاص، وهي حرمة الدم الثابتة عَلَى التأبيد، فإن الذمي محقون الدم عَلَى التأبيد، والمسلم كذلك، وكلاهما قد صار منْ أهل دار الإِسلام، والذي يحقق ذلك أن المسلم يقطع بسرقة مال الذمي، وهذا يدل عَلَى أن مال الذمي، قد ساوى مال المسلم، فدل عَلَى مساواته لدمه، إذ المال إنما يحرم بحرمة مالكه. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد سبقّ أن الحقّ هو قول الجمهور، وهو أنه لا يقتل المسلم بالكافر مطلقًا، ذميًّا كَانَ، أو حربيًّا؛ لحديث عليّ ﵁ المتّفق عليه، مرفوعًا: "ولا يقتل مسلم بكافر"، وَقَدْ تقدّم تحقيقه فِي بابه، فلا تغفل. والله تعالى أعلم. (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]، فَالْعَفْوُ أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ، ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾: يَقُولُ: يَتَّبعُ هَذَا بالْمَعْرُوفِ) أي يتّبع وليّ المقتول الذي عفا القاتلَ، ويطلب منه الدية بالمعروف: أي بالوجه اللائق أن يطلب (﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾: وَيُؤَدَّي هَذَا بإِحْسَانٍ) أي يؤدّي القاتل بأحسن وجه، فإن وليّ المقتول قد أحسن إليه، حيث ترك دمه بالمال، فينبغي له أن يؤدّي إليه بأحسن وجه. وَقَالَ النسفيّ رحمه الله تعالى فِي "تفسيره": قالوا: العفو ضدّ العقوبة، يقال: عفوت عن فلان: إذا صَفَحتَ عنه، وأعرضت عن أن تعاقبه، وهو يتعدّى بـ"عن" إلى الجاني، وإلى الجناية، ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾، ﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾، وإذا اجتمعا عُدّي إلى الأول باللام،، فتقول: عفوت له عن ذنبه، ومنه الْحَدِيث: "عفوت لكم عن صدقة الخيل، والرقيق". وَقَالَ الزجّاج: منْ عُفي له: أي منْ تُرِك له القتل بالدية. وَقَالَ الأزهريّ: العفو فِي اللغة: الفضل، ومنه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ الآية [البقرة: ٢١٩]، ويقال: عفوت لفلان بمال: إذا أفضلت له، وأعطيته، وعفوت له عما لي عليه: إذا تركته، ومعنى الآية عند الجمهور: فمن عُفي له منْ جهة أخيه شيء منْ العفو، عَلَى أن الفعل مسند إلى المصدر، كما فِي سِير بزيد بعضُ السير، والأخُ وليّ

стр. 17359

المقتول، وذُكر بلفظ الأخوّة بعثًا له عَلَى العطف؛ لما بينهما منْ الجنسيّة، والإِسلام، و"منْ" هو القاتل المعفوّ له عما جنى، وتُرك المفعول الآخر؛ استغناءً عنه. وقيل: أُقيم "له" مُقام "عنه"، والضمير فِي "له"، و"أخيه" لـ"منْ"، وفي "إليه" للأخ، أو للمتّبع الدّالّ عليه ﴿فَاتِّبَاعٌ﴾؛ لأن المعنى: فليتّبع الطالبُ القاتلَ بالمعروف، بأن يُطالبه مطالبةً جميلةً، ولْيؤدّ إليه المطلوب: أي القاتل بدلَ الدم بإحسان، بأن لا يُمطله، ولا يبخسه. وإنما قيل: شيء منْ العفو؛ ليُعلم أنه إذا عفا عن بعض الدم، أو عفا عنه بعض الورثة، تمّ العفو، وسقط القصاص. ومن فسّر "عُفي" بتُرك، جَعَل "شيءٌ" مفعولاً به، وكذا منْ فسّره بأُعطي، يعني أن الوليّ إذا أُعطي له شيءٌ منْ مال أخيه، يعني القاتل بطريق الصلح، فليأخذه بمعروف، منْ غير تعنيف، وليؤدّه القاتل إليه بلا تسويف. وارتفاع "اتّباعٌ" بأنه خبر مبتدإٍ مضمر: أي فالواجب اتباع. انتهى "مدارك التنزيل" ١/ ٩١/ ٩٢. وقيل: "اتّباعٌ": مبتدأ خبره محذوفٌ: أي فعليه اتّباعٌ بالمعروف. وَقَالَ أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى: اختلف العلماء فِي تأويل: "منْ" و"عُفِي" عَلَى تأويلات خمس: [أحدها]: أن "منْ" يرد بها القاتل، و"عُفي" تتضمن عافيا، هو ولي الدم، و"الأخ": هو المقتول، و"شيء": هو الدم الذي يُعْفَى عنه، ويُرجَع إلى أخذ الدية، هَذَا قول ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، وجماعة منْ العلماء، والعفو فِي هَذَا القول عَلَى بابه، الذي هو الترك، والمعنى: أن القاتل إذا عفا عنه ولي المقتول، عن دم مقتوله، وأسقط القصاص، فإنه يأخذ الدية، ويتبع بالمعروف، ويؤدي إليه القاتل بإحسان. [الثاني]: وهو قول مالك، أن "منْ" يراد به الولي، و"عفي" يُسِّرَ، لا عَلَى بابها فِي العفو، و"الأخ": يراد به القاتل، و"شيء": هو الدية: أي أن الولي إذا جنح إلى العفو عن القصاص، عَلَى أخذ الدية، فإن القاتل مخير بين أن يعطيها، أو يُسَلِّم نفسه، فمرةً تيسر، ومرةً لا تيسر، وغير مالك، يقول: إذا رضي الأولياء بالدية، فلا خيار للقاتل، بل تلزمه. وَقَدْ روي عن مالك هَذَا القول، ورجحه كثير منْ أصحابه. إلى آخر ما ذكر القرطبيّ رحمه الله تعالى، فراجع "الجامع لأحكام القرآن" ٢/ ٢٥٣ - ٢٥٥. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح هو القول الأول؛ لأنه الذي أخرجه البخاريّ، والمصنّف عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، الذي هو ترجمان القرآن، ولاسيما وَقَدْ قَالَ به كثير منْ أهل العلم. والله تعالى أعلم بالصواب. وقوله: (﴿ذَلِكَ) أي الحكم المذكور منْ العفو، وأخذ الدية (تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾، مِمَّا كُتِبَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) أي علي بني إسرائيل (إِنَّما هُوَ الْقِصَاصُ،

стр. 17360

لَيْسَ الدِّيَةَ) ظاهر هَذَا أنه ليس علي بني إسرائيل إلا القصاص، قَالَ ابن بطّال: فيه إشارة إلى أن أخذ الدية لم يكن فِي بني إسرائيل، بل كَانَ القصاص متحتّمًا، فخفّف عن هذه الأمة بمشروعيّة أخذ الدية، إذا رضي أولياء المقتول. انتهى. وَقَالَ القرطبيّ فِي "تفسيره": قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾؛ لأن أهل التوراة كَانَ لهم القتل، ولم يكن غير ذلك، وأهل الإنجيل كَانَ لهم العفو، ولم يكن لهم قَوَدٌ، ولا ديةٌ، فجعل الله تعالى ذلك تخفيفًا لهذه الأمة، فمن شاء قتل، ومن شاء أخذ الدية، ومن شاء عفا. انتهى. [تنبيه]: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أي منْ تجاوز بعد ذلك التخفيف ما شُرِع له، منْ قتل غير القاتل، أو القتل بعد أخذ الدية، فله نوعٌ منْ العذاب شديد الألم فِي الآخرة. انتهى "تفسير النسفي" ١/ ٩٢. وَقَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى فِي "تفسيره" ٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ﴾: شرط وجوابه: أي قَتَلَ بعد أخذ الدية، وسقوط الدم قاتلَ وَلِيِّه فله عذاب أليم. قَالَ الحسن: كَانَ الرجل فِي الجاهلية، إذا قَتَل قَتيلا فَرَّ إلى قومه، فيجىء قومه، فيصالحون بالدية، فيقول ولي المقتول: إني أقبل الدية حَتَّى يأمن القاتل، ويخرج، فيقتُلُه، ثم يرمي إليهم بالدية. واختلف العلياء فيمن قتل بعد أخذ الدية، فَقَالَ جماعة منْ العلماء، منهم: مالك، والشافعي: هو كمن قَتَل ابتداء، إن شاء الولي قتله، وإن شاء عفا، وعذابه فِي الآخرة. وَقَالَ قتادة، وعكرمة، والسُّدِّي، وغيرهم: عذابه أن يُقتَل البتة، ولا يُمَكِّن الحاكم الوليَّ منْ العفو. ورَوَى أبو داود، عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : لا أُعْفِي منْ قتل بعد أخذ الدية". وَقَالَ الحسن: عذابه أن يَرُدَّ الديةَ فقط، ويبقى إثمه إلى عذاب الآخرة. وَقَالَ عمر بن عبد العزيز: أمره إلى الإِمام، يصنع فيه ما يرى. وفي سنن الدارقطنيّ، عن أبي شُرَيح الخزاعي، قَالَ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "منْ أصيب بدم، أو خَبْل (١) -فهو بالخيار بين إحدى ثلاث، فإن أراد الرابعة، فخذوا عَلَى يديه: بين أن يقتص، أو يعفو، أو يأخذ العقل، فإن قبل شيئا منْ ذلك، ثم عدا بعد ذلك، فله النار خالدا فيها مخلدا". انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي داود المذكور ضعيف؛ لأن فِي سنده

стр. 17361

انقطاعًا، وحديث أبي شُريح أخرجه أبو داود ٤٤٩٦ وابن ماجه ٢٦٢٣ وأحمد ٤/ ٣١ وغيرهم منْ طريق محمد بن إسحاق، عن الحارث بن فضيل، عن سفيان بن أبي العوجاء، عنه، وسفيان ضعيف، وابن إسحاق مدلّس، وَقَدْ عنعنه (١). والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه آخر]: قَالَ أبو عبيد: ذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إلى أن هذه الآية ليست منسوخة بآية [المائدة: ٤٥]: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، بل هما محكمتان، وكأنه رأى أن آية المائدة مفسرة لآية البقرة، وأن المراد بالنفس نفس الأحرار، ذكورهم وإناثهم، دون الأرقاء، فان أنفسهم متساوية، دون الأحرار. وَقَالَ إسماعيل: المراد بالنفسِ النفسُ المكافئة للأخرى فِي الحدود؛ لأن الحر لو قذف عبدا لم يجلد اتفاقا، والقتل قصاصا منْ جملة الحدود، قَالَ وبَيَّنَه قوله فِي الآية: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾، فمن هنا يَخرُج العبد والكافر؛ لأن العبد ليس له أن يتصدق بدمه، ولا بجرحه، ولأن الكافر لا يسمى متصدقا, ولا مُكَفَّرا عنه. قَالَ الحافظ: محصل كلام ابن عباس يدل عَلَى أن قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ أي علي بني إسرائيل فِي التوراة: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ مطلقا، فخفف عن هذه الأمة بمشروعية الدية، بدلا عن القتل لمن عفا منْ الأولياء عن القصاص، وبتخصيصه بالحر فِي الحر، فحينئذ لا حجة فِي آية المائدة، لمن تمسك بها فِي قتل الحر بالعبد، والمسلم بالكافر؛ لأن شرع منْ قبلنا إنما يتمسك منه بما لم يَرِد فِي شرعنا ما يخالفه. وَقَدْ قيل: إن شريعة عيسى لم يكن فيها قصاص، وإنه كَانَ فيها الدية فقط، فإن ثبت ذلك امتازت شريعة الإِسلام، بأنها جمعت الأمرين، فكانت وسطى، لا إفراط ولا تفريط. انتهى "فتح" ١٤/ ١٩٣ - ١٩٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما هَذَا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٧/ ٤٧٨٣ - وفي "الكبرى" ٢٦/ ٦٩٨٣. وأخرجه (خ) فِي "التفسير" ٤٤٩٨ و"الديات" ٦٨٨١. (المسألة الثالثة): فِي فوائده:

стр. 17362

(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان معنى الآية الكريمة، وذلك أن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما بين معنى العفو بأنه قبول الدية فِي العمد، ومعنى الاتباع بالمعروف، والأداء بالإحسان, وبيّن بأن هَذَا تخفيف منْ الله تعالى، مما كتبه عَلَى الأمم السابقين منْ وجوب القصاص، دون الدية، وهو أولى التفاسير للآية الكريمة، كما أسلفته. (ومنها): بيان عظمة فضل الله عَلَى هذه الأمة، حيث جعلها محلّ تخفيف، ورحمة، بسبب نبيّها ﷺ ، الذي هو رحمة مهداة للخلق، كما قَالَ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى فِي "تفسيره" ٢/ ٢٥٥: هذه الآية حَضّ منْ الله تعالى عَلَى حسن الاقتضاء منْ الطالب، وحسن القضاء منْ المؤدي، وهل ذلك عَلَى الوجوب، أو الندب، فقراءة الرفع تدل عَلَى الوجوب؛ لأن المعنى: فعليه اتباع بالمعروف. قَالَ النحاس: ﴿فمن عفى له﴾: شرط، والجواب: ﴿فاتباع﴾، وهو رفع بالابتداء، والتقدير: فعليه اتباع بالمعروف، ويجوز فِي غير القرآن: فاتباعًا، وأداءً، بجعلهما مصدرين، قَالَ ابن عطية: وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: "فاتباعًا" بالنصب، والرفعٌ سبيل للواجبات، كقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾، وأما المندوب إليه، فيأتي منصوبا، كقوله: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [سورة محمد ﷺ : ٤]. انتهى. (ومنها): ما قاله النسفيّ رحمه الله تعالى فِي "تفسيره" ١/ ٩٢ - : أن الآية تدلّ عَلَى أن صاحب الكبيرة مؤمن؛ للوصف بالإيمان بعد وجود القتل، ولبقاء الأخوّة الثابتة بالإيمان, ولاستحقاق التخفيف والرحمة. انتهى. (ومنها): ما قاله فِي "الفتح" ١٤/ ١٩٤: استُدِلّ بالآية عَلَى أن الواجب فِي قتل العمد القود، والدية بدل منه، وقيل: الواجب الخيار، وهما قولان للعلماء، وكذا فِي مذهب الشافعيّ، أصحهما الأول. انتهى. (ومنها): قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: قد استدل الإِمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى بهذه الآية، عَلَى قوله: لا تُقتل الجماعة بالواحد، قَالَ: لأن الله سبحانه، شرط المساواة، ولا مساواة بين الجماعة والواحد، وَقَدْ قَالَ تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥]. وسيأتي تحقيق الخلاف فِي ذلك قريبًا، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أنه اختُلِف فِي سبب نزول الآية، فقيل: نزلت فِي حَيَّيْن منْ العرب، كَانَ لأحدهما طَوْلٌ عَلَى الآخر فِي الشرف، فكانوا يتزوجون منْ نسائهم بغير مهر، وإذا قُتل

стр. 17363

منهم عبد قَتلوا به حرا، أو امرأةٌ قتلوا بها رجلا، أخرجه الطبري عن الشعبي. وَقَدْ تقدّم حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما فِي قصّة قريظة والنضير مطوّلاً فِي ٧/ ٤٧٣٤، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فِي معنى القصاص: قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: صورة القصاص، هو أن القاتل فَرْضٌ عليه، إذا أراد الولي القتل الإستسلام لأمر الله، والإنقياد لقصاصه المشروع، وأن الولي فَرْضٌ عليه الوقوف عند قاتل وليه، وترك التعدي عَلَى غيره، كما كانت العرب تتعدى، فتقتل غير القاتل، وهو معنى قوله ﷺ : "إن منْ أعتى النَّاس عَلَى الله يوم القيامة ثلاثة: رجل قتل غير قاتله، ورجل قتل فِي الحرم، ورجل أخذ بذُحُول (١) الجاهلية" (٢). قَالَ الشعبي، وقتادة، وغيرهما: إن أهل الجاهلية كَانَ فيهم بغي، وطاعة للشيطان، فكان الحي إذا كَانَ فيه عِزٌّ، ومَنَعَةٌ، فقُتل لهم عبد، قتله عبد قوم آخرين، قالوا: لا نقتل به إلا حرا، وإذا قُتلت منهم امرأة، قالوا: لا نقتل بها إلا رجلا، وإذا قُتل لهم وضيع، قالوا: لا نقتل به إلا شريفا، ويقولون: "القتل أوفى للقتل"، بالواو والفاء، ويروى: "أبقى" بالباء والقاف، ويروى "أنفى" بالنون والفاء، فنهاهم الله عن البغي، فَقَالَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ الآية [البقرة: ١٧٨]، وَقَالَ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ الآية [البقرة: ١٧٩]، وبين الكلامين فِي الفصاحة والجزل بَوْنٌ عظيم. "الجامع لأحكام القرآن" ٢/ ٢٤٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): فِي اختلاف أهل العلم فِي قتل الجماعة بالواحد: ذهب الجمهور إلى أن الجماعة إذا قتلوا واحدا، فعلى كل واحد منهم القصاص، إذا كَانَ كل واحد منهم لو انفرد بفعله وجب عليه القصاص، رُوي ذلك عن عمر، وعلي، والمغيرة بن شعبة، وابن عباس، وبه قَالَ سعيد بن المسيب، والحسن، وأبو سلمة، وعطاء، وقتادة، وهو مذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. وذهبت طائفة إلى أنهم لا يقتلون به، بل تجب عليهم الدية، وهذا قول ابن الزبير،

стр. 17364

والزهري، وابن سيرين، وحبيب بن أبي ثابت، وعبد الملك، وربيعة، وداود، وابن المنذر، ورواية عن أحمد، وحكاه بعضهم عن ابن عباس. ورُوي عن معاذ بن جبل، وابن الزبير، وابن سيرين، والزهري، أنه يقتل منهم واحد، ويؤخذ منْ الباقين حصصهم منْ الدية؛ لأن كل واحد منهم مكافىء له، فلا تستوفى أبدال بمبدل واحد، كما لا تجب ديات لمقتول واحد، ولأن الله تعالى قَالَ: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وَقَالَ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، فمقتضاه أنه لا يؤخذ بالنفس أكثر منْ نفس واحدة، ولأن التفاوت فِي الأوصاف يمنع، بدليل أن الحر لا يؤخذ بالعبد، والتفاوت فِي العدد أولى، قَالَ ابن المنذر: لا حجة مع منْ أوجب قتل جماعة بواحد. واحتجّ الأولون بإجماع الصحابة ﵃، رُوى سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب ﵁ قَتل سبعة منْ أهل صنعاء، قتلوا رجلا، وَقَالَ: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا. وعن علي ﵁: أنه قَتل ثلاثة قتلوا رجلا. وعن ابن عباس: أنه قتل جماعة بواحد، ولم يعرف لهم فِي عصرهم مخالف، فكان إجماعا, ولأنها عقوبة تجب للواحد عَلَى الواحد، فوجبت للواحد عَلَى الجماعة، كحد القذف، ويفارق الدية، فإنها تتبعض، والقصاص لا يتبعض، ولأن القصاص لو سقط بالاشتراك أدّى إلى التسارع إلى القتل به، فيؤدي إلى إسقاط حكمة الردع والزجر. قاله فِي "المغني" ١١/ ٤٩٠ - ٤٩١. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى الإجماع مع هذه الخلافات غير صحيح، والذي يظهر لي أن ما ذهب إليه الجمهور هو الحقّ، وذلك لفعل عمر ﵁، فإنه ثبت بسند صحيح، أخرجه ابن أبي شيبة -كما قَالَ فِي "الفتح"- وفعله بمحضر منْ الصحابة ﵃ حجّة قويّة، مع ظواهر أدلّة وجوب القصاص مطلقًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قَالَ أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى: لا خلاف أن القصاص فِي القتل، لا يقيمه إلا أولو الأمر، فرض عليهم النهوض بالقصاص، وإقامة الحدود، وغير ذلك؛ لأن الله سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص، ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعا، أن يجتمعوا عَلَى القصاص، فأقاموا السلطان مقام أنفسهم فِي إقامة القصاص وغيره منْ الحدود، وليس القصاص بلازم، وإنما اللازم ألا يتجاوز القصاص، وغيره منْ الحدود إلى الإعتداء، فأما إذا وقع الرضا بدون القصاص، منْ دية أو عفو فذلك مباح، كما هو منصوص الآية الكريمة المذكورة فِي الباب. [فإن قيل]: فإن قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾: معناه فُرض، وأُلزم، فكيف يكون

стр. 17365

القصاص غير واجب؟. [قيل له]: معناه إذا أردتم، فأَعلَم أن القصاص هو الغاية عند التشاح. انتهى "الجامع لأحكام القرآن" ٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة) فِي اختلاف أهل العلم فِي أخذ الدية منْ قاتل العمد: ذهبت طائفة إلى أن ولي المقتول بالخيار، إن شاء اقتصّ، وإن شاء أخذ الدية، وإن لم يَرْض القاتل، يُروي هَذَا عن سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، ورواه أشهب عن مالك، وبه قَالَ الليث، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وحجتهم ما أخرجه أبو داود بإسناد صحيح، منْ طريق سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، قَالَ: سمعت أبا شريح الكعبي، يقول: قَالَ رسول الله ﷺ : "ألا إنكم يا معشر خزاعة، قتلتم هَذَا القتيل منْ هذيل، وإني عاقله، فمن قُتل له بعد مقالتي هذه قتيل، فأهله بين خيرتين، أن يأخذوا العقل، أو يقتلوا"، وما كَانَ فِي معناه، وهو نص فِي موضع الخلاف، وأيضا منْ طريق النظر، فإنما لزمته الدية بغير رضاه؛ لأن فرضا عليه إحياء نفسه، وَقَدْ قَالَ الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، وقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾: أي ترك له دمه فِي أحد التأويلات، ورضي منه بالدية، فاتباع بالمعروف: أي فعلى صاحب الدم اتباع بالمعروف فِي المطالبة بالدين، وعلى القاتل أداء إليه بإحسان: أي منْ غير مماطلة، وتأخير عن الوقت، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾: أي أن منْ كَانَ قبلنا لم يَفرض الله عليهم غير النفس بالنفس، فتفضل الله عَلَى هذه الأمة بالدية، إذا رضي بها ولي الدم، عَلَى ما تقدّم بيانه. وذهب آخرون إلى أنه ليس لولي المقتول، إلا القصاص، ولا يأخذ الدية، إلا إذا رضي القاتل، رواه ابن القاسم عن مالك، وهو المشهور عنه، وبه قَالَ الثوري، والكوفيون، واحتجوا بحديث أنس، فِي قصة الرُّبَيّع حين كَسَرت ثنية المرأة، رواه الأئمة، قالوا: فلما حَكَم رسول الله ﷺ بالقصاص، وَقَالَ: "القصاص كتاب الله، القصاص كتاب الله"، ولم يخير المجني عليه بين القصاص والدية، ثبت بذلك أن الذي يجب بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ فِي العمد هو القصاص. قَالَ القرطبيّ: والأول أصح لحديث أبي شريح المذكور. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي صححه القرطبيّ رحمه الله تعالى منْ أن الخيرة لوليّ المقتول هو الحقّ؛ لحديث أبي شريح ﵁ المذكور، فإنه نصّ صريح فِي ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: رَوى الربيع، عن الشافعيّ، قَالَ: أخبرني أبو حنيفة بن سماك بن الفضل
следующие страницы →