← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 17361–17400 · переход к 17366.

стр. 17361

انقطاعًا، وحديث أبي شُريح أخرجه أبو داود ٤٤٩٦ وابن ماجه ٢٦٢٣ وأحمد ٤/ ٣١ وغيرهم منْ طريق محمد بن إسحاق، عن الحارث بن فضيل، عن سفيان بن أبي العوجاء، عنه، وسفيان ضعيف، وابن إسحاق مدلّس، وَقَدْ عنعنه (١). والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه آخر]: قَالَ أبو عبيد: ذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إلى أن هذه الآية ليست منسوخة بآية [المائدة: ٤٥]: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، بل هما محكمتان، وكأنه رأى أن آية المائدة مفسرة لآية البقرة، وأن المراد بالنفس نفس الأحرار، ذكورهم وإناثهم، دون الأرقاء، فان أنفسهم متساوية، دون الأحرار. وَقَالَ إسماعيل: المراد بالنفسِ النفسُ المكافئة للأخرى فِي الحدود؛ لأن الحر لو قذف عبدا لم يجلد اتفاقا، والقتل قصاصا منْ جملة الحدود، قَالَ وبَيَّنَه قوله فِي الآية: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾، فمن هنا يَخرُج العبد والكافر؛ لأن العبد ليس له أن يتصدق بدمه، ولا بجرحه، ولأن الكافر لا يسمى متصدقا, ولا مُكَفَّرا عنه. قَالَ الحافظ: محصل كلام ابن عباس يدل عَلَى أن قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ أي علي بني إسرائيل فِي التوراة: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ مطلقا، فخفف عن هذه الأمة بمشروعية الدية، بدلا عن القتل لمن عفا منْ الأولياء عن القصاص، وبتخصيصه بالحر فِي الحر، فحينئذ لا حجة فِي آية المائدة، لمن تمسك بها فِي قتل الحر بالعبد، والمسلم بالكافر؛ لأن شرع منْ قبلنا إنما يتمسك منه بما لم يَرِد فِي شرعنا ما يخالفه. وَقَدْ قيل: إن شريعة عيسى لم يكن فيها قصاص، وإنه كَانَ فيها الدية فقط، فإن ثبت ذلك امتازت شريعة الإِسلام، بأنها جمعت الأمرين، فكانت وسطى، لا إفراط ولا تفريط. انتهى "فتح" ١٤/ ١٩٣ - ١٩٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما هَذَا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٧/ ٤٧٨٣ - وفي "الكبرى" ٢٦/ ٦٩٨٣. وأخرجه (خ) فِي "التفسير" ٤٤٩٨ و"الديات" ٦٨٨١. (المسألة الثالثة): فِي فوائده:

стр. 17362

(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان معنى الآية الكريمة، وذلك أن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما بين معنى العفو بأنه قبول الدية فِي العمد، ومعنى الاتباع بالمعروف، والأداء بالإحسان, وبيّن بأن هَذَا تخفيف منْ الله تعالى، مما كتبه عَلَى الأمم السابقين منْ وجوب القصاص، دون الدية، وهو أولى التفاسير للآية الكريمة، كما أسلفته. (ومنها): بيان عظمة فضل الله عَلَى هذه الأمة، حيث جعلها محلّ تخفيف، ورحمة، بسبب نبيّها ﷺ ، الذي هو رحمة مهداة للخلق، كما قَالَ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى فِي "تفسيره" ٢/ ٢٥٥: هذه الآية حَضّ منْ الله تعالى عَلَى حسن الاقتضاء منْ الطالب، وحسن القضاء منْ المؤدي، وهل ذلك عَلَى الوجوب، أو الندب، فقراءة الرفع تدل عَلَى الوجوب؛ لأن المعنى: فعليه اتباع بالمعروف. قَالَ النحاس: ﴿فمن عفى له﴾: شرط، والجواب: ﴿فاتباع﴾، وهو رفع بالابتداء، والتقدير: فعليه اتباع بالمعروف، ويجوز فِي غير القرآن: فاتباعًا، وأداءً، بجعلهما مصدرين، قَالَ ابن عطية: وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: "فاتباعًا" بالنصب، والرفعٌ سبيل للواجبات، كقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾، وأما المندوب إليه، فيأتي منصوبا، كقوله: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [سورة محمد ﷺ : ٤]. انتهى. (ومنها): ما قاله النسفيّ رحمه الله تعالى فِي "تفسيره" ١/ ٩٢ - : أن الآية تدلّ عَلَى أن صاحب الكبيرة مؤمن؛ للوصف بالإيمان بعد وجود القتل، ولبقاء الأخوّة الثابتة بالإيمان, ولاستحقاق التخفيف والرحمة. انتهى. (ومنها): ما قاله فِي "الفتح" ١٤/ ١٩٤: استُدِلّ بالآية عَلَى أن الواجب فِي قتل العمد القود، والدية بدل منه، وقيل: الواجب الخيار، وهما قولان للعلماء، وكذا فِي مذهب الشافعيّ، أصحهما الأول. انتهى. (ومنها): قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: قد استدل الإِمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى بهذه الآية، عَلَى قوله: لا تُقتل الجماعة بالواحد، قَالَ: لأن الله سبحانه، شرط المساواة، ولا مساواة بين الجماعة والواحد، وَقَدْ قَالَ تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥]. وسيأتي تحقيق الخلاف فِي ذلك قريبًا، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أنه اختُلِف فِي سبب نزول الآية، فقيل: نزلت فِي حَيَّيْن منْ العرب، كَانَ لأحدهما طَوْلٌ عَلَى الآخر فِي الشرف، فكانوا يتزوجون منْ نسائهم بغير مهر، وإذا قُتل

стр. 17363

منهم عبد قَتلوا به حرا، أو امرأةٌ قتلوا بها رجلا، أخرجه الطبري عن الشعبي. وَقَدْ تقدّم حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما فِي قصّة قريظة والنضير مطوّلاً فِي ٧/ ٤٧٣٤، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فِي معنى القصاص: قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: صورة القصاص، هو أن القاتل فَرْضٌ عليه، إذا أراد الولي القتل الإستسلام لأمر الله، والإنقياد لقصاصه المشروع، وأن الولي فَرْضٌ عليه الوقوف عند قاتل وليه، وترك التعدي عَلَى غيره، كما كانت العرب تتعدى، فتقتل غير القاتل، وهو معنى قوله ﷺ : "إن منْ أعتى النَّاس عَلَى الله يوم القيامة ثلاثة: رجل قتل غير قاتله، ورجل قتل فِي الحرم، ورجل أخذ بذُحُول (١) الجاهلية" (٢). قَالَ الشعبي، وقتادة، وغيرهما: إن أهل الجاهلية كَانَ فيهم بغي، وطاعة للشيطان، فكان الحي إذا كَانَ فيه عِزٌّ، ومَنَعَةٌ، فقُتل لهم عبد، قتله عبد قوم آخرين، قالوا: لا نقتل به إلا حرا، وإذا قُتلت منهم امرأة، قالوا: لا نقتل بها إلا رجلا، وإذا قُتل لهم وضيع، قالوا: لا نقتل به إلا شريفا، ويقولون: "القتل أوفى للقتل"، بالواو والفاء، ويروى: "أبقى" بالباء والقاف، ويروى "أنفى" بالنون والفاء، فنهاهم الله عن البغي، فَقَالَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ الآية [البقرة: ١٧٨]، وَقَالَ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ الآية [البقرة: ١٧٩]، وبين الكلامين فِي الفصاحة والجزل بَوْنٌ عظيم. "الجامع لأحكام القرآن" ٢/ ٢٤٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): فِي اختلاف أهل العلم فِي قتل الجماعة بالواحد: ذهب الجمهور إلى أن الجماعة إذا قتلوا واحدا، فعلى كل واحد منهم القصاص، إذا كَانَ كل واحد منهم لو انفرد بفعله وجب عليه القصاص، رُوي ذلك عن عمر، وعلي، والمغيرة بن شعبة، وابن عباس، وبه قَالَ سعيد بن المسيب، والحسن، وأبو سلمة، وعطاء، وقتادة، وهو مذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. وذهبت طائفة إلى أنهم لا يقتلون به، بل تجب عليهم الدية، وهذا قول ابن الزبير،

стр. 17364

والزهري، وابن سيرين، وحبيب بن أبي ثابت، وعبد الملك، وربيعة، وداود، وابن المنذر، ورواية عن أحمد، وحكاه بعضهم عن ابن عباس. ورُوي عن معاذ بن جبل، وابن الزبير، وابن سيرين، والزهري، أنه يقتل منهم واحد، ويؤخذ منْ الباقين حصصهم منْ الدية؛ لأن كل واحد منهم مكافىء له، فلا تستوفى أبدال بمبدل واحد، كما لا تجب ديات لمقتول واحد، ولأن الله تعالى قَالَ: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وَقَالَ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، فمقتضاه أنه لا يؤخذ بالنفس أكثر منْ نفس واحدة، ولأن التفاوت فِي الأوصاف يمنع، بدليل أن الحر لا يؤخذ بالعبد، والتفاوت فِي العدد أولى، قَالَ ابن المنذر: لا حجة مع منْ أوجب قتل جماعة بواحد. واحتجّ الأولون بإجماع الصحابة ﵃، رُوى سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب ﵁ قَتل سبعة منْ أهل صنعاء، قتلوا رجلا، وَقَالَ: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا. وعن علي ﵁: أنه قَتل ثلاثة قتلوا رجلا. وعن ابن عباس: أنه قتل جماعة بواحد، ولم يعرف لهم فِي عصرهم مخالف، فكان إجماعا, ولأنها عقوبة تجب للواحد عَلَى الواحد، فوجبت للواحد عَلَى الجماعة، كحد القذف، ويفارق الدية، فإنها تتبعض، والقصاص لا يتبعض، ولأن القصاص لو سقط بالاشتراك أدّى إلى التسارع إلى القتل به، فيؤدي إلى إسقاط حكمة الردع والزجر. قاله فِي "المغني" ١١/ ٤٩٠ - ٤٩١. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى الإجماع مع هذه الخلافات غير صحيح، والذي يظهر لي أن ما ذهب إليه الجمهور هو الحقّ، وذلك لفعل عمر ﵁، فإنه ثبت بسند صحيح، أخرجه ابن أبي شيبة -كما قَالَ فِي "الفتح"- وفعله بمحضر منْ الصحابة ﵃ حجّة قويّة، مع ظواهر أدلّة وجوب القصاص مطلقًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قَالَ أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى: لا خلاف أن القصاص فِي القتل، لا يقيمه إلا أولو الأمر، فرض عليهم النهوض بالقصاص، وإقامة الحدود، وغير ذلك؛ لأن الله سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص، ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعا، أن يجتمعوا عَلَى القصاص، فأقاموا السلطان مقام أنفسهم فِي إقامة القصاص وغيره منْ الحدود، وليس القصاص بلازم، وإنما اللازم ألا يتجاوز القصاص، وغيره منْ الحدود إلى الإعتداء، فأما إذا وقع الرضا بدون القصاص، منْ دية أو عفو فذلك مباح، كما هو منصوص الآية الكريمة المذكورة فِي الباب. [فإن قيل]: فإن قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾: معناه فُرض، وأُلزم، فكيف يكون

стр. 17365

القصاص غير واجب؟. [قيل له]: معناه إذا أردتم، فأَعلَم أن القصاص هو الغاية عند التشاح. انتهى "الجامع لأحكام القرآن" ٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة) فِي اختلاف أهل العلم فِي أخذ الدية منْ قاتل العمد: ذهبت طائفة إلى أن ولي المقتول بالخيار، إن شاء اقتصّ، وإن شاء أخذ الدية، وإن لم يَرْض القاتل، يُروي هَذَا عن سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، ورواه أشهب عن مالك، وبه قَالَ الليث، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وحجتهم ما أخرجه أبو داود بإسناد صحيح، منْ طريق سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، قَالَ: سمعت أبا شريح الكعبي، يقول: قَالَ رسول الله ﷺ : "ألا إنكم يا معشر خزاعة، قتلتم هَذَا القتيل منْ هذيل، وإني عاقله، فمن قُتل له بعد مقالتي هذه قتيل، فأهله بين خيرتين، أن يأخذوا العقل، أو يقتلوا"، وما كَانَ فِي معناه، وهو نص فِي موضع الخلاف، وأيضا منْ طريق النظر، فإنما لزمته الدية بغير رضاه؛ لأن فرضا عليه إحياء نفسه، وَقَدْ قَالَ الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، وقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾: أي ترك له دمه فِي أحد التأويلات، ورضي منه بالدية، فاتباع بالمعروف: أي فعلى صاحب الدم اتباع بالمعروف فِي المطالبة بالدين، وعلى القاتل أداء إليه بإحسان: أي منْ غير مماطلة، وتأخير عن الوقت، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾: أي أن منْ كَانَ قبلنا لم يَفرض الله عليهم غير النفس بالنفس، فتفضل الله عَلَى هذه الأمة بالدية، إذا رضي بها ولي الدم، عَلَى ما تقدّم بيانه. وذهب آخرون إلى أنه ليس لولي المقتول، إلا القصاص، ولا يأخذ الدية، إلا إذا رضي القاتل، رواه ابن القاسم عن مالك، وهو المشهور عنه، وبه قَالَ الثوري، والكوفيون، واحتجوا بحديث أنس، فِي قصة الرُّبَيّع حين كَسَرت ثنية المرأة، رواه الأئمة، قالوا: فلما حَكَم رسول الله ﷺ بالقصاص، وَقَالَ: "القصاص كتاب الله، القصاص كتاب الله"، ولم يخير المجني عليه بين القصاص والدية، ثبت بذلك أن الذي يجب بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ فِي العمد هو القصاص. قَالَ القرطبيّ: والأول أصح لحديث أبي شريح المذكور. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي صححه القرطبيّ رحمه الله تعالى منْ أن الخيرة لوليّ المقتول هو الحقّ؛ لحديث أبي شريح ﵁ المذكور، فإنه نصّ صريح فِي ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: رَوى الربيع، عن الشافعيّ، قَالَ: أخبرني أبو حنيفة بن سماك بن الفضل

стр. 17366

الشهابي، قَالَ: وحدثني ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي شريح الكعبي: أن رسول الله ﷺ ، قَالَ عام الفتح: "منْ قُتل له قتيل فهو بخير النظرين، إن أحب أخذ العقل، وإن أحب فله القود"، فَقَالَ أبو حنيفة: فقلت لأبن أبي ذئب: أتأخذ بهذا يا أبا الحارث، فضرب صدري، وصاح عليّ صياحًا كثيرا، ونال مني، وَقَالَ أحدثك عن رسول الله ﷺ ، وتقول: تأخذ به، نعم آخذ به، وذلك الفرض عليّ، وعلى منْ سمعه: إن الله ثناؤه اختار محمدا ﷺ منْ النَّاس، فهداهم به، وعلى يديه، واختار لهم ما اختاره له، وعلى لسانه، فعلى الخلق أن يتبعوه طائعين، أو داخرين، لا مَخْرَج لمسلم منْ ذلك، قَالَ: وما سكت عني حَتَّى تمنيت أن يسكت. ذكره القرطبيّ فِي "الجامع لأحكام القرآن" ٢/ ٢٥٢ - ٢٥٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٨٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ قَالَ: كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَيْهِمُ الْقِصَاصُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمُ الدِّيَةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الدِّيَةَ، فَجَعَلَهَا عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ، تَخْفِيفًا عَلَى مَا كَانَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن إسماعيل بن إبراهيم": هو المعروف أبوه بابن عُليّة البصريّ، نزيل دمشق، وقاضيها، ثقة [١١]، منْ أفراد المصنّف. و"عليّ بن حفص" المدائنيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ [٩]. قَالَ المرّوذيّ عن أحمد: علي بن حفص أحبّ إليّ منْ شَبَابة. وَقَالَ ابن المنادي: حدّثنا عليّ بن حفص، وكان أحمد يُحبّه حبّا شديدًا. وَقَالَ ابن الجنيد، عن ابن معين: شبابة، وعليّ بن حفص ثقتان. وَقَالَ عثمان بن سعيد، عن ابن معين: ليس به بأس، وكذا قَالَ النسائيّ. وَقَالَ ابن المدينيّ، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو داود: ثقة. وَقَالَ ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه؟ فَقَالَ: صالح الْحَدِيث، يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به. روى له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده هَذَا الْحَدِيث فقط. و"ورقاء بن عُمَر": هو اليشكريّ، أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن، صدوقٌ فِي حديثه عن منصور لينٌ [٧] ٦٠/ ٨٦٦. و"عمرو"، و"مجاهد" هما المذكوران فِي السند الماضي. والحديث منْ أفراد المصنّف، وهو منْ مرسل مجاهد، وَقَدْ تقدّم فِي الرواية السابقة أن ابن عيينة وصله بذكر ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، وهو أثبت أصحاب عمرو

стр. 17367

ابن دينار، فروايته هي المحفوظة، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٢٨ - (الأَمْرُ بِالْعَفْوِ عَنِ الْقِصَاصِ) ٧٤٨٥ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، وَهُوَ ابْنُ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قِصَاصٍ، فَأَمَرَ فِيهِ بِالْعَفْوِ). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) هو ابن راهويه الحنظليّ الروزي، ثقة ثبت حجة [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (عبد الرحمن) بن مهديّ العنبري مولاهم البصريّ، ثقة ثبت إمام [٩] ٤٢/ ٤٩. ٣ - (عبد الله بن بكر عبد الله المزنيّ) البصريّ، صدوقٌ [٧]. قَالَ ابن معين: صالح. وَقَالَ ابن معين فِي رواية عنه، والنسائيّ: ليس به بأس. وَقَالَ الدارقطنيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". روى له أبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله عندهم هَذَا الْحَدِيث فقط. ٤ - (عطاء بن أبي ميمونة) البصريّ، أبو معاذ، واسم أبي ميمونة مَنِيع، ثقة رُمي بالقدر [٤] ٤١/ ٤٥. ٥ - (أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه ٦/ ٦. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير عبد الله بن بكر، فقد تفرد به المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وهو صدوق. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فمروزيّ. (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ منْ المكثرين السبعة، وآخر منْ مات منْ الصحابة بالبصرة. والله تعالى أعلم.

стр. 17368

شرح الْحَدِيث (عَنْ أَنَسٍ) ﵁، أنه (قَالَ: أُتِيَ) بالبناء للمفعول (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قِصَاصٍ، فَأَمَرَ فِيهِ بِالْعَفْوِ) أَي أمر شفاعة، لا أمر حتم، وقضاء. وفي الرواية التالية: "ما أتي النبيّ ﷺ فِي شيء فيه قصاصٌ، إلا أمر فيه بالعفو". قَالَ فِي "النيل": والترغيب فِي العفو ثابتٌ بالأحاديث الصحيحية، ونصوص القرآن الكريم، ولا خلاف فِي مشروعيّة العفو فِي الجملة، وإنما وقع الخلاف فيما هو الأَوْلَى للمظلوم، هل العفو عن ظالمه، أو ترك العفو. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: لا شكّ أن العفو هو الأولى؛ لنصوص الكتاب، والسنة، قَالَ الله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية [الشورى: ٤٠]، وَقَالَ : ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]، وَقَالَ : ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ الآية [النِّساء: ١٢٨]، وَقَدْ أخرج مسلم رحمه الله تعالى فِي "صحيحه" منْ حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قَالَ: "ما نقصت صدقة منْ مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أنس رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٨/ ٤٧٨٥ و٤٧٨٦ - وفي "الكبرى" ٢٧/ ٦٩٨٥ و٦٩٨٦. وأخرجه (د) فِي "الديات" ٤٤٩٧ (ق) فِي "الديات" ٢٦٩٢ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١٢٨٠ و١٣٢٣٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٨٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، وَبَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، وَعَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ الْمُزَنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ، وَلَا أَعْلَمُهُ إِلاَّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: "مَا أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ ، فِي شَيْءٍ فِيهِ قِصَاصٌ، إِلاَّ أَمَرَ فِيهِ بِالْعَفْوِ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير عبد الله بن بكر كما سبق فِي ترجمته فِي السند الماضي.

стр. 17369

وقوله: "ولا أعلمه إلا عن أنس الخ" هَذَا الشكّ فِي هذه الرواية لا يضرّ بصحّة الْحَدِيث، فقد تقدم عن إسحاق بن راهويه منْ دون شكّ، وتابعه موسى بن إسماعيل التبوذكي عند أبي داود - ٤٤٨٦ - عن عبد الله بن بكر، فرواه بالجزم، فتنبّه. والحديث صحيح، وَقَدْ سبق بيانه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٢٩ - (هَلْ يُؤْخَذُ مِنْ قَاتِلِ الْعَمْدِ الدِّيَةُ، إِذَا عَفَا وَلِيُّ الْمَقْتُولِ عَنِ الْقَوَدِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "الدية" بالرفع نائب فاعل "يؤخذ": أي هل يشرع أخذ ولي المقتول الدية إذا عفا عن القصاص، والجواب: نعم يؤخذ؛ لحديث الباب. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٧٨٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَشْعَثَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَمَاعَةَ- قَالَ: أَنْبَأَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ أَخْبَرَنِي يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُقَادَ، وَإِمَّا أَنْ يُفْدَى"). رجال هَذَا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن عبد الرحمن بن الأشعث) بن نافع بن عبد الله الرَّبَعيّ العجليّ، أبو بكر الدمشقيّ، إمام الجامع، ثقة [١١]. قَالَ النسائيّ، ومسلمة: ثقة. وَقَالَ أبو سليمان بن زَبر، عن ابن ملاس: تُوفّي سنة (٢٦٦ هـ) تفرّد به المصنّف، وله عنده فِي هَذَا الكتاب حديثان فقط: هَذَا، وفي "كتاب الزينة" ١٦/ ٥٠٨١ - حديث أبي ذرّ ﵁، مرفوعًا: "إن أحسن ما غيّرتم به الشيب الحنّاء، والكتَم". ٢ - (أبو مُسهِر) عبد الأعلي بن مُسهر، الغَسّانيّ الدمشقيّ، ثقة فاضلٌ، منْ كبار [١٠] ٥/ ٤٦٠.

стр. 17370

٣ - (إسماعيل بن عبد الله بن سَمَاعة) العدَويّ، مولى آل عمر الرمليّ، ثقة [٨] ١٣٤/ ٢٠١. ٤ - (الأوزاعيّ) عبد الرحمن بن عمرو، أبو عمرو ثقة جليل فقيه [٧] ٤٥/ ٥٦. ٥ - (يحيى) بن أبي كَثير اليماميّ، أبو نصر البصريّ الثقة الثبت [٥] ٢٣/ ٢٤. ٦ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ الثقة الثبت الفقيه [٣] ١/ ١. ٧ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين إلى يحيى، وهو بصري، والباقيان مدنيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، فيه أبو هريرة ﵁ أكثر منْ روى الْحَدِيث فِي دهره، روى (٥٣٧٤) منْ الأحاديث، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث عن أبي هريرة ﵁ أنه قَالَ: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ) ببناء الفعل للمفعول: أي منْ قتل له قريبٌ، كَانَ حيّا، فصار قتيلاً بذلك القتل (فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ) أي هو مخيّر بين النظرين، يختار منهما ما يشاء، ويرى خيرًا له. ووقع عند البخاريّ فِي "كتاب العلم" بلفظ: "ومن قُتِلَ فهو بخير النظرين"، قَالَ فِي "الفتح": وهو مختصر، ولا يمكن حمله عَلَى ظاهره؛ لأن المقتول لا اختيار له، وإنما الاختيار لوليه، وَقَدْ أشار إلى نحو ذلك الخطّابيّ. ووقع فِي رواية الترمذيّ: "فإما أن يعفو، وإما أن يقتل"، والمراد العفو عَلَى الدية، جمعا بين الروايتين، ويؤيده أن عنده فِي حديث أبي شريح: "فمن قُتِل له قتيل بعد اليوم، فأهله بين خِيرتين: إما أن يقتلوا، أو يأخذوا الدية"، ولأبي داود، وابن ماجه، وعلّقه الترمذيّ منْ وجه آخر، عن أبي شريح، بلفظ: "فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يَقتَصَّ، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية، فإن أراد الرابعة فخذوا عَلَى يديه" (١): أي إن أراد زيادة عَلَى القصاص، أو الدية. (إِمَّا أَنْ يُقَادَ) بالبناء للمفعول: أي يُقتل القاتل لأجله (وَإِمَّا أَنْ يُفْدَى) بالبناء للمفعول أيضًا: أي يعطى الفدية، وهي الدية. ولفظ البخاريّ: "إما أن يُودَى" -بسكون الواو-: أي يُعطِي القاتل، أو أولياؤُه لأولياء المقتول الديةَ. ووقع فِي رواية عنده فِي "العلم"

стр. 17371

بلفظ: "إما أن يُعقل" بدل "إما أن يودي"، وهو بمعناه، والعقل الدية. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث اختصره المصنّف رحمه الله تعالى هنا، وَقَدْ ساقه مطوّلاً فِي "كتاب العلم" منْ "الكبرى" ٣/ ٤٣٤ - ٤٣٤ رقم ٥٨٥٥ - فَقَالَ: أنبأنا العبّاس بن الوليد بن مزيد، قَالَ: أخبرني أبي، قَالَ: حدثنا الأوزاعيّ. وأنبأنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَشْعَثَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -وَهُوَ ابْنِ سَمَاعَةَ- قَالَ: حدثنا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ حدّثني يَحْيَى بن أبي كثير، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمّا فُتحت مكة، قتلت هُذيلٌ رجلاً، منْ بني ليث بقتيل لهم منْ الجاهلية، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقام، فَقَالَ: "إن الله حبس عن مكة الفيل، وسَلّط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لم تحل لأحد قبلي، ولن تحل لأحد بعدي، وإنما أُحلت لي ساعة منْ نهار، وإنها ساعتي هذه حرام، لا يُعضَد شجرها, ولا يُختلى شوكها, ولا يَلتَقِط ساقِطَتها إلا منشد، ومن قُتل له قتيل، فهو بخير النظرين: إما أن يُقاد، وإما يُفدَى"، فقام رجل منْ أهل اليمن، يقال له: أبو شاه، فَقَالَ: يا رسول الله اكتبوا لي، فَقَالَ رسول الله ﷺ : "اكتبوا لأبي شاه"، ثم قام العبّاس، فَقَالَ: يا رسول الله إلا الإذخر، فإنما نجعله فِي مساكننا وقبورنا، فَقَالَ رسول الله ﷺ : "إلا الإذخر". وبنحوه ساقه البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "كتاب الديات" منْ "صحيحه"، فَقَالَ: حدثنا أبو نعيم، حدثنا شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن خزاعة قتلوا رجلاً -وَقَالَ عبد الله بن رجاء- حدثنا حرب، عن يحيى، حدثنا أبو سلمة، حدثنا أبو هريرة، أنه عام فتح مكة، قتلت خزاعة رجلاً، منْ بني ليث بقتيل لهم فِي الجاهلية، فقام رسول الله ﷺ ، فَقَالَ: "إن الله حبس عن مكة الفيل، وسَلّط عليهم رسوله ﷺ والمؤمنين، ألا وإنها لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ألا وإنما أحلت لي ساعة منْ نهار، ألا وإنها ساعتي هذه حرام، لا يُختَلى شوكها, ولا يُعضَد شجرها, ولا يَلتَقِط ساقِطَتها إلا منشد، ومن قُتل له قتيل، فهو بخير النظرين: إما يُودَى، وإما يُقاد"، فقام رجل منْ أهل اليمن، يقال له: أبو شاه، فَقَالَ: اكتب لي يا رسول الله، فَقَالَ رسول الله ﷺ : "اكتبوا لأبي شاه"، ثم قام رجل منْ قريش، فَقَالَ: يا رسول الله إلا الإذخر، فإنما نجعله فِي بيوتنا وقبورنا، فَقَالَ رسول الله ﷺ : "إلا الإذخر". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته:

стр. 17372

حديث أبي هريرة ﵁ هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٩/ ٤٧٨٧ و٤٧٨٨ و٤٧٨٩ - وفي "الكبرى" ٢٨/ ٦٩٨٧ و٦٩٨٨ و٦٩٨٩. وأخرجه (خ) فِي "العلم" ١١٢ و"اللقطة" ٢٤٢٤ و"الديات" ٦٨٨٠ (م) فِي "الحج" ١٣٥٥ (د) فِي "الديات" ٤٥٠٥ (ت) فِي "الديات" ١٤٠٥ (ق) فِي "الديات" ٢٦٢٤ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ٧٢٠١. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده (١): (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعيّة أخذ الدية منْ قاتل العمد إذا عفا وليّ الدم عن القصاص. (ومنها): أن ولي الدم يُخَيَّر بين القصاص والدية، واختلف إذا اختار الدية، هل يجب عَلَى القاتل إجابته، فذهب الأكثر إلى ذلك، وعن مالك: لا يجب إلا برضى القاتل. (ومنها): أنه استدل بقوله: "منْ قُتِل له قتيل" عَلَى أن الحق يتعلق بورثة المقتول، فلو كَانَ بعضهم غائبا، أو طفلاً، لم يكن للباقين القصاص، حَتَّى يبلغ الطفل، ويقدم الغائب. (ومنها): أنه استُدِلَّ به عَلَى أن المخير فِي القود، أو أخذ الدية هو الولي، وهو قول الجمهور، وقرره الخطّابيّ بأن العفو فِي آية: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ الآية [البقرة: ١٧٨]، يحتاج إلى بيان؛ لأن ظاهر القصاص أن لا تبعة لأحدهما عَلَى الآخر، لكن المعنى: أن منْ عُفي عنه منْ القصاص إلى الدية، فعلى مستحق الدية الاتباع بالمعروف، وهو المطالبة، وعلى القاتل الأداء، وهو دفع الدية بإحسان. وذهب مالك، والثوري، وأبو حنيفة، إلى أن الخيار فِي القصاص، أو الدية للقاتل، قَالَ الطحاوي: والحجة لهم حديث أنس ﵁ فِي قصة الرُّبيع عمته، فَقَالَ النبيّ ﷺ : "كتاب الله القصاص"، فإنه حكم بالقصاص، ولم يخير، ولو كَانَ الخيار للولي لأعلمهم النبيّ ﷺ ، إذ لا يجوز للحاكم أن يتحكم بمن ثبت له أحد شيئين بأحدهما، منْ قبل أن يُعلمه بأن الحق له فِي أحدهما، فلما حكم بالقصاص، وجب أن يُحمَل عليه قوله: "فهو بخير النظرين": أي ولي المقتول مخير، بشرط أن يرضى الجاني أن يغرم الدية. وتعقب بأن قوله ﷺ : "كتاب الله القصاص"، إنما وقع عند طلب أولياء المجني عليه فِي العمد القود، فأعلم أن كتاب الله نزل عَلَى أن المجني عليه، إذا طَلب القود أجيب

стр. 17373

إليه، وليس فيه ما ادعاه منْ تأخير البيان. واحتج الطحاوي أيضا بأنهم أجمعوا عَلَى أن الولي لو قَالَ للقاتل: رضيتُ أن تعطيني كذا عَلَى أن لا أقتلك، إن القاتل لا يجبر عَلَى ذلك، ولا يؤخذ منه كُرها، وإن كَانَ يجب عليه أن يَحقِن دم نفسه. وَقَدْ تقدّم البحث بأتمّ منْ هَذَا فِي المسألة السابعة منْ المسائل المذكورة فِي حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قبل باب، فارجع إليه تزدد علما. (ومنها): ما قاله المهلب وغيره: يستفاد منْ قوله: "فهو بخير النظرين" أن الولي إذا سئل فِي العفو عَلَى مال، إن شاء قَبِل ذلك، وإن شاء اقتص، وعلى الولي اتباع الأَوْلَى فِي ذلك، وليس فيه ما يدل عَلَى إكراه القاتل عَلَى بذل الدية. (ومنها): أنه استَدَلَّ به الجمهور عَلَى جواز أخذ الدية فِي قتل العمد، ولو كَانَ غِيلَة، وهو أن يَخدَع شخصا حَتَّى يصير به إلى موضع خَفِي فيقتله، خلافا للمالكية، وألحقه مالك بالمحارب، فإن الأمر فيه إلى السلطان، وليس للأولياء العفو عنه، وهذا عَلَى أصله فِي أن حد المحارب القتل، إذا رآه الإِمام، وأن "أو" فِي قوله : ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية [المائدة: ٣٣] للتخيير، لا للتنويع. (ومنها): أن منْ قتل متأوَّلاً كَانَ حكمه حكم منْ قتل خطأ، فِي وجوب الدية؛ لقوله ﷺ : "فإني عاقله"، ووجه ذلك أنه ﷺ إنما قَالَ هَذَا فيمن قتل منْ خزاعة رجلا منْ بني ليث، وإنما قتله متأولا جواز ذلك، حيث قتل منهم فِي الجاهلية قتيلاً. (ومنها): أنه استَدَلَّ به بعض المالكية عَلَى قتل منْ التجأ إلى الحرم، بعد أن يَقتُل عمدًا، خلافا لمن قَالَ: لا يُقتل فِي الحرم، بل يُلجأ إلى الخروج منه، ووجه الدلالة أنه ﷺ ، قاله فِي قصة قتيل خزاعة، المقتول فِي الحرم. (ومنها): أن القَوَد مشروع فيمن قتل عمدًا, ولا يعارضه ما ذكر منْ حرمة الحرم، فإن المراد به تعظيمه لتحريم ما حرم الله، وإقامةُ الحد عَلَى الجاني به منْ جملة تعظيم حرمات الله (١). وَقَدْ تقدم شيء منْ هَذَا فِي "كتاب الحج"، فِي ١١٠/ ٢٨٧٤ - باب "حرمة مكة"، و-١١١/ ٢٨٧٥ - باب "تحريم القتال فيه". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٨٨ - (أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا

стр. 17374

الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُقَادَ، وَإِمَّا أَنْ يُفْدَى"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "العبّاس بن الوليد بن مزيد" -بفتح الميم، وسكون الزاي، وفتح التحتانيّة-: هو البيروتيّ، صدوقٌ عابدٌ [١١] ٤٠/ ١٧١١. و"أبوه": هو الوليد بن مَزْيد الْعُذْريّ، أبو العبّاس البيروتيّ، ثقة ثبتٌ، قَالَ النسائيّ: كَانَ لا يُخطىء، ولا يُدلّس [٨] ٤٠/ ١٧١١. والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق تمام البحث فيه فِي الْحَدِيث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٨٩ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عَائِذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى -هُوَ ابْنُ حَمْزَةَ- قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ"، مُرْسَلٌ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أحمد بن إبراهيم بن محمد": هو ابن عبد الله بن بكّار بن عبد الملك بن الوليد بن بُسْر بن أرطاة، أبو عبد الملك الْبُسْريّ، صدوقٌ [١١] ٧١/ ٢٣٧٧ منْ أفراد المصنّف. و"ابن عائذ": هو محمد بن عائذ الدمشقيّ، أبو أحمد، صاحب المغازي، صدوقٌ رُمي بالقدر [١٠] ٧١/ ٢٣٧٧. و"يحيى بن حمزة": هو أبو عبد الرحمن الحضرميّ الدمشقيّ القاضي، ثقة رُمي بالقدر [٨] ٦٠/ ١٧٦٨. وقوله: "مرسلٌ": خبر مبتدإ محذوف: أي هَذَا الْحَدِيث مرسلٌ؛ لكونه لم يُذكر فيه أبو هريرة ﵁، لكن هذه الرواية شاذّة، كما قاله فِي "الفتح" -١٤/ ١٨٩ - ولفظه قوله: "عن أبي هريرة": كذا للأكثر، ممن رواه عن يحيى بن أبي كثير، فِي "الصحيحين"، وغيرهما، ووقع فِي رواية النسائيّ، مرسلاً، وهو منْ رواية يحيى بن حمزة، عن الأوزاعيّ، وهي شاذّة. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بهذا أن الأكثرين عَلَى وصل الْحَدِيث، فقد اتّفق إسماعيل بن عبد الله بن سماعة، والوليد بن مزيد عند المصنّف فِي الإسنادين الماضيين، والوليد بن مسلم عند الشيخين، ثلاثتهم عن الأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، فخالفهم يحيى بن حمزة، فرواه عن الزهريّ، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن النبيّ ﷺ ، مرسلاً. والحاصل أن مخالفة يحيى بن حمزة لهؤلاء الأثبات لا يضرّ بصحّة الْحَدِيث، ولذا اتّفق الشيخان عَلَى تخريجه، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 17375

"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٣٠ - (عَفْوُ النِّسَاءِ عَنِ الدَّمِ) ٤٧٩٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي حِصْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ ح وَأَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي حِصْنٌ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "وَعَلَى الْمُقْتَتِلِينَ أَنْ يَنْحَجِزُوا، الأَوَّلَ، فَالأَوَّلَ، وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةٌ"). رجال هَذَا الإسناد: سبعة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه المذكور قبل باب. ٢ - (الحسين بن حُريث) الخزاعي، أبو عمّار المروزيّ، ثقة [١٠] ٤٤/ ٥٢. ٣ - (الوليد) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية [٨] ٥/ ٤٥٤. ٤ - (حِصن) -بكسر الحاء، وسكون الصاد المهملتين، ثم نون- ابن عبد الرحمن، ويقال: ابن مِحصَن التَّرَاغِميّ -بفتح المثناة، ثم راء، ثم معجمة مكسورة، ثم ميم خَفيفة- أبو حذيفة الدمشقيّ، مقبولٌ [٧]. قَالَ فِي "تهذيب التهذيب" ١/ ٤٤٠: رَوَى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وعنه الأوزاعي، قَالَ أبو حاتم، ويعقوب بن سفيان: لا أعلم أحدا رَوَى عنه غير الأوزاعي، وَقَالَ أبو حاتم: لا أعلم أحدا نسبه. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ: هو حصن ابن عبد الرحمن، جَدُّ سَلَمَة بن الْعَيَّار. وَقَالَ إسماعيل بن إسحاق القاضي، عن ابن المديني: هو حصن بن مِحْصَن. وَقَالَ الدارقطنيّ: شيخ يعتبر به. وَقَالَ ابن القطّان لا يعرف حاله. تفرّد به المصنّف، وأبو داود بهذا الْحَدِيث فقط. [تنبيه]: هَذَا الذي ذكرته منْ ضبط "حِصْن" مكبّرًا هو الصواب، كما فِي "تحفة الأشراف" ١٢/ ٣٤٥، وهو الذي فِي "سنن أبي داود" رقم ٤٥٢٧. ووقع فِي جميع نسخ "المجتبى"، و"الكبرى" التي بين يديّ بدله: "حُصين" مصغّرًا، وهو غلطٌ، فتنبّه.

стр. 17376

٥ - (عائشة) رضي الله تعالى عنها ٥/ ٥. والباقيان تقدّما فِي الباب الماضي. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: وَعَلَى الْمُقْتَتِلِينَ) بكسر التاء الثانية، اسم فاعل منْ اقتتل، أراد بهم أولياء القتيل، والقاتل، وسمّاهم مقتتلين لما ذكره الخطابيّ، فَقَالَ: يُشبه أن يكون معنى المقتتلين هاهنا أن يطلُب أولياء القتيل القَوَدَ، فيمتنع الْقَتَلَة، فينشأ بينهم الحرب والقتال؛ لأجل ذلك، فهو جمع مُقْتَتِلٍ، اسم فاعل منْ اقْتَتَلَ فجعلهم مقتتلين لما ذكرنا. قَالَ: ويحتمل أن يكون الرواية بنصب التاءين، عَلَى المفعول، يقال: اقتُتِلَ، فهو مُقَتَتَلٌ، غير أن هَذَا يُستعمل أكثره فيمن قتله الحبّ. انتهى. (أَنْ يَنْحَجِزُوا) بحاء مهملة، ثم جيم، ثم زاي: أي يمتنعوا، ويكفّوا عن القود بعفو أحدهم. وَقَالَ فِي "النهاية" -١/ ٣٤٥ - : معنى "أن ينحجزوا: أي يكُفّوا عن القَوَد، وكلُّ منْ ترك شيئًا، فقد انحجز عنه، والانحجاز مطاوع حجزه: إذا منعه، والمعنى: أن لورثة القتيل أن يعفو عن دمه، رجالُهم ونساؤُهم، أيهم عفا -وإن كانت امرأة- سقط القود، واستحقّوا الدية. انتهى. وَقَالَ أبو داود فِي "سننه" بعد ذكر الْحَدِيث: ما نصّه: قَالَ أبو داود: "ينحجزوا": يكفّوا عن القوَد. وفي نسخة: قَالَ أبو داود: يعني أن عفو النِّساء فِي القتل جائز، إذا كانت إحدى الأولياء، وبلغني عن أبي عُبيد، قَالَ: "ينحجزوا": يكفّوا عن القتل. انتهى. (الْأَوَّلَ، فَالْأَوَّلَ) أي الأقرب، فالأقرب، قَالَ فِي "النهاية" ١/ ٣٤٥ - : وبعض الفقهاء يقول: إنما العفو والقَوَدُ إلى الأولياء منْ الورثة، لا إلى جميع الورثة، ممن ليسوا بأولياء. انتهى. (وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةٌ) كلمة "إن" وصليّة. قَالَ الخطّابيّ: تفسيره: أن يقتل رجلٌ، وله ورثة، رجالٌ ونساء، فأيهم عفا، وإن كَانَ امرأة، سقط القود، وصار دِيَة. انتهى. وَقَالَ العلّامة ابن القيّم رحمه الله تعالى: وَقَدْ رُوي "الأول، فالأول"، ورُوي: "الأَوْلَى، فالأَوْلَى" -بفتح الهمزة: أي الأقرب، فالأقرب، وهو أولى، وبه يتبيّن معنى الْحَدِيث، وأصل الحجز: المنع، ومنه الحاجز بين الشيئين، و"ينحجزوا": مطاوع حجزته، فانحجز، وهو يدلّ عَلَى حاجز بينهم، وهو عفو منْ له الدم، فإنه إذا عفا وجب عليهم أن ينحجزوا؛ لأن صاحب الدم قد عفا، وهذا العفو لحقّ يستحقّه الأَوْلَى،

стр. 17377

فالأَوْلَى منْ المقتول، وإن كَانَ امرأةً، فإذا عفت، وهي أولى بالمقتول، فقد حجز عفوها بينهم، ولا يجوز للرجال الأباعد بعد ذلك الطلب بدمه، وَقَدْ عفا عنه الأدنى منهم، فقد اتّضح بحمد الله- وجهه، وأسفر صبح معناه. وعلى هَذَا، فيكون "الأولى، فالأولى" فاعل فعلٍ دلّ عليه المذكور: أي يَحجُز بينهم الأولى، فالأولى، وإن كانت امرأة، وترجمة أبي داود تُشعر بهذا. انتهى "تهذيب السنن" ٦/ ٣٤٣ - ٣٤٤. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ترجمة أبي داود، هي نفس ترجمة المصنّف رحمهما الله تعالى، ونصّها: "باب عفو النِّساء عن الدم". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هَذَا ضعيف؛ لجهالة حِصْن، كما سبق آنفًا فِي ترجمته. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٣٠/ ٤٧٨٩ - وفي "الكبرى" ٢٩/ ٦٩٩٠. وأخرجه (د) فِي "الديات" ٤٥٣٨. (المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي جواز عفو النِّساء عن القصاص: قَالَ الإِمام الخطّابيّ رحمه الله تعالى: قد اختلف النَّاس فِي عفو النِّساء، فَقَالَ أكثر أهل العلم: عفو النِّساء عن الدم جائز، كعفو الرجال. وَقَالَ الأوزاعيّ، وابن شُبْرُمة: ليس للنساء عفوٌ. وعن الحسن، وإبراهيم النخعيّ: ليس للزوج، ولا للمرأة عفو فِي الدم. انتهى "معالم السنن" ٦/ ٣٤٤. وَقَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: أجمع أهل العلم عَلَى إجازة العفو عن القصاص، وأنه أفضل، والأصل فيه الكتاب، والسنة، أما الكتاب: فقول الله تعالى، فِي سياق قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ -: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وَقَالَ تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ - إلى قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥]. قيل فِي تفسيره: فهو كفارة للجاني، يعفو صاحب الحق عنه. وقيل: فهو كفارة للعافي بصدقته. وأما السنة: فإن أنس بن مالك ﵁، قَالَ: "ما رأيت رسول الله ﷺ رُفع إليه شيء

стр. 17378

فيه قصاص، إلا أمر فيه بالعفو"، رواه أبو داود، والنسائيّ، وَقَدْ تقدم قبل باب أنه حديث صحيح. وفي حديثه فِي قصة الرُّبَيِّع بنت النضر، حين كسرت سن جارية، فأمر النبيّ ﷺ بالقصاص، فعفا القوم. إذا ثبت هَذَا فالقصاص حق لجميع الورثة، منْ ذوي الأنساب والأسباب، والرجال والنساء، والصغار والكبار، فمن عفا منهم صح عفوه، وسقط القصاص، ولم يبق لأحد إليه سبيل. وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم: عطاء، والنخعي، والحَكَم، وحماد، والثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، ورُوي معنى ذلك عن عمر، وطاوس، والشعبي. وَقَالَ الحسن، وقتادة، والزهري، وابن شُبْرمة، والليث، والأوزاعي: ليس للنساء عفو، والمشهور عن مالك: أنه موروث للعصبات خاصة، وهو وجه لأصحاب الشافعيّ؛ لأنه ثبت لدفع العار، فاختص به العصبات، كولاية النكاح، ولهم وجه ثالث، أنه لذوي الأنساب، دون الزوجين؛ لقول النبيّ ﷺ : "منْ قُتِل له قتيل، فأهله بين خِيرَتين بين أن يقتلوا، أو يأخذوا العقل"، وأهله ذوو رحمه. وذهب بعض أهل المدينة إلى أن القصاص، لا يسقط بعفو بعض الشركاء، وقيل: هو رواية عن مالك؛ لأن حق غير العافي لا يرضى بإسقاطه، وَقَدْ تؤخذ النفس ببعض النفس، بدليل قتل الجماعة بالواحد. واحتجّ الأولون بعموم قوله ﷺ : "فأهله بين خيرتين"، وهذا عامّ فِي جميع أهله، والمرأة منْ أهله، بدليل قول النبيّ ﷺ : "منْ يَعذُرُني منْ رجل يبلغني أذاه فِي أهلي، وما علمت عَلَى أهلي إلا خيرا, ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كَانَ يدخل عَلَى أهلي إلا معي"، يريد عائشة رضي الله تعالى عنها، وَقَالَ له أسامة: يا رسول الله أهلك، ولا نعلم إلا خيرا، متّفقٌ عليه. وروى زيد بن وهب أن عمر ﵁ أُتي برجل قتل قتيلا، فجاء ورثة المقتول ليقتلوه، فقالت امرأة المقتول، وهي أخت القاتل: قد عفوت عن حقي، فَقَالَ عمر: الله أكبر عَتَقَ القتيلُ، رواه أبو داود (١). وفي رواية عن زيد، قَالَ: "دخل رجل عَلَى امرأته، فوجد عندها رجلا، فقتلها،

стр. 17379

فاستعدى إخوتها عمر ﵁، فَقَالَ بعض إخوتها: قد تصدقت، فقضى لسائرهم بالدية" (١). ورَوَى قتادة: "أن عمر ﵁ رُفع إليه رجل قتل رجلا، فجاء أولاد المقتول، وَقَدْ عفا بعضهم، فَقَالَ عمر لابن مسعود: ما تِقول؟ قَالَ: إنه قد أُحْرِزَ منْ القتل، فضَرَب عَلَى كتفه، وَقَالَ كُنَيْفٌ (٢) ملىء علما (٣) "، انتهى "المغني" ١١/ ٥٨٠ - ٥٨٢. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأرجح ما ذهب إليه الجمهور، منْ أن العفو عن القصاص يصحّ، منْ النِّساء، كما يصحّ منْ الرجال؛ لوضوح أدلّته، كما سبق توضيحه آنفًا، فإذا حصل العفو منْ بعض الورثة ولو كانت امرأة فقد سقط القصاص، وثبتت الدية. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٣١ - (بَابُ مَنْ قُتِلَ بِحَجَرٍ، أَوْ سَوْطٍ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "قُتِلَ" بالبناء للمفعول: أي باب ذكر الْحَدِيث الدّالّ عَلَى حكم المقتول بحجر، أو سوط. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٧٩١ - (أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، "مَنْ قُتِلَ فِي عِمِّيَا، أَوْ رِمِّيَا، تَكُونُ بَيْنَهُمْ بِحَجَرٍ، أَوْ سَوْطٍ، أَوْ بِعَصًا، فَعَقْلُهُ عَقْلُ خَطَإٍ، وَمَنْ قَتَلَ عَمْدًا فَقَوَدُ يَدِهِ، فَمَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ، وَلَا عَدْلٌ").

стр. 17380

رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (هلال بن العلاء بن هلال) بن عمرو، أبو عمرو الباهليّ مولاهم الرَّقّيّ، وهو صدوق [١١] ١٠/ ١١٩٩، منْ أفراد المصنّف. ٢ - (سعيد بن سُليمان) الضبّيّ، أبو عثمان الواسطيّ، نزيل بغداد البزّار، لقبه سعدويه، ثقة حافظ، منْ كبار [١٠] ١٥/ ١٨٥٤. ٣ - (سليمان بن كثير) العبديّ البصريّ، أبو داود، أو أبو محمد، لا بأس به فِي غير الزهريّ [٧] ٥٨/ ٣٥٥٣. ٤ - (عمرو بن دينار) الجمحي مولاهم المكيّ، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤. ٥ - (طاوس) بن كيسان اليماني، ثقة ثبت فاضل [٣] ٢٧/ ٣١. ٦ - (ابن عباس) عبد الله رضي الله تعالى عنهما ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه كما سبق آنفًا. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما حبر الأمة، وبحرها، أحد العبادلة، وأحد المكثرين السبعة، كما تقدّم غير مرّة. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قُتِلَ) بالبناء للمفعول (فِي عِمِّيَّا) -بكسر العين المهملة، وتشديد الميم، والتحتانيّة، والقصر-: فِعَّيلَى، منْ العَمَى، كالرِّمِّيّا، منْ الرمي، والْخِصِّيصَى، منْ التخصيص، وهي مصادرُ، والمعنى: أن يوجد بينهم قَتيل يَعْمَى أمره، ولا يتبيّن قاتله. أفاده ابن الأثير فِي "النهاية" -٣/ ٣٠٥. وَقَالَ السنديّ: قوله: "فِي عِمّيّا" بكسر عين، فتشديد ميم، مقصور، ومثله "رِمّيّا" وزنًا: أي فِي حالةٍ غير مبيّنة، لا يُدرى فيه القاتل، ولا حال قتله، أو فِي ترام جرى بينهم، فوُجد بينهم قتيل. انتهى. (أَوْ رِمِّيَّا) تقدم ضبطه آنفًا: أي فِي ترام (تَكُونُ بَيْنَهُمْ) أي بين القوم (بِحَجَرٍ، أَوْ سَوْطٍ، أَوْ بِعَصًا، فَعَقْلُهُ) أي ديته، يقال: عقلت القتيلَ عَقْلاً، منْ باب ضرب: إذا أدّيت ديته. قَالَ الأصمعيّ: سُمّيت الدية عَقْلاً؛ تسميةً بالمصدر؛ لأن الإبل كانت تُعقل بفِناء وليّ القتيل، ثم كثُر الاستعمال حَتَّى أُطلق العَقْلُ عَلَى الدية، إبلاً كانت، أو نَقْدًا. قاله الفيّوميّ (عَقْلُ خَطَإٍ) أي يكون حكم ديته حكم دية المقتول خطأً. وفي رواية أبي داود:

стр. 17381

"فهو خطأ": أي فحكمه حكم قتل الخطإ، فتجب الدية، دون القصاص (وَمَنْ قَتَلَ) بالبناء للفاعل (عَمْدًا فَقَوَدُ يَدِهِ) أَيْ فعليه قودُ نفسه، أو فحكمُ قتله قودُ نفسه، وعبّر باليد عن النفس مجازًا، أو المعنى: فعليه قود عمل يده الذي هو القتل، فأُضيف القود إلى اليد مجازًا (فَمَنْ حَالَ بَيْنَهُ) أي بين القاتل (وَبَيْنَهُ) أي بين القود بمنع أولياء المقتول عن قتله، بعد طلبهم ذلك، وليس المراد به طلب العفو عن القصاص، فإنه جائز، فقد تقدّم قبل بابين حديث أنس ﵁: "ما أُتي النبيّ ﷺ فِي شيء فيه قصاص، إلا أمر فيه بالعفو" (فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ) أي طرده منْ رحمته (وَالْمَلَائِكَةِ) أي دعاؤهم عليه بأن يطرده الله تعالى عن رحمته (وَالنَّاسِ) أي دعاؤهم عليه أيضًا بالطرد. والمعنى أنه يستحقّ ذلك، إن لم يعفو الله تعالى عنه. وقوله (أَجْمَعِينَ) تأكيد للملائكة، والناس. (لَا يُقْبَلُ) بالبناء للمفعول (مِنْهُ صَرْفٌ) قيل: معناه: توبة؛ لما فيها منْ صرف الإنسان نفسه منْ حال المعصية إلى حال الطاعة (وَلَا عَدْلٌ) أي فداء، مأخوذ منْ التعادل، وهو التساوي؛ لأن فداء الأسير يساويه، والمراد التغليظ، والتشديد فيمن حال بين الحدود، وأمثالها. قاله السنديّ. وَقَالَ الخطّابيّ: فسّروا العدل بالفريضة، والصرف بالتطوّع. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيح. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٣١/ ٤٧٩١ و٤٧٩٢ - وفي "الكبرى" ٣٠/ ٦٩٩٢ و٦٩٩٣. وأخرجه (د) فِي "الديات" ٤٥٣٩ (ق) فِي "الديات" ٢٦٣٥. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم المقتول بحجر، أو سوط، أو نحو ذلك، فِي حال الترامي بالحجارة، ولم يعرف القاتل، وهو كونه فِي حكم الخطإ، فتجب الدية، دون القصاص. (ومنها): بيان حكم منْ قَتَلَ عمدًا، وهو وجوب الدية عليه. (ومنها): تحريم الحيلولة بين أولياء القتيل، والقاتل لئلا يقتصّوا منه. (ومنها): أن منْ فعل ذلك يستحقّ لعنة الله تعالى، والملائكة، والناس أجمعين، وأن الله تعالى منه لا يَقبل عمله؛ لقبح صنيعه هَذَا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 17382

(المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فيما إذا اقتتل فئتان فتفرقوا عن قتيل منْ إحداهما: قَالَ الإمام الخطّابيّ رحمه الله تعالى: اختلفوا فيمن تلزمه دية هَذَا القاتل، فَقَالَ مالك ابن أنس: ديته عَلَى الذين نازعوهم. وَقَالَ أحمد بن حنبل: ديته عَلَى عواقل الآخرين، إلا أن يدّعوا عَلَى رجل بعينه، فيكون قسامة، وكذلك قَالَ إسحاق. وَقَالَ ابن أبي ليلى، وأبو يوسف: ديته عَلَى عاقلة الفريقين الذين اقتتلوا معا. وَقَالَ الأوزاعي: عقله عَلَى الفريقين جميعا، إلا أن تقوم بينة منْ غير الفريقين أن فلانا قتله، فعليه القصاص. وَقَالَ الشافعيّ: هو قسامة، إن ادّعوه عَلَى رجل بعينه، أو طائفة بعينها، وإلا فلا عقل، ولا قود. وَقَالَ أبو حنيفة: هو عَلَى عاقلة القبيلة التي وُجد فيهم، إن لم يدّع أولياء القتيل عَلَى غيرهم. انتهى "معالم السنن" ٦/ ٣٤٥. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله أحمد، وإسحاق أقرب؛ لأن الظاهر أن الآخرين هم الذين قتلوه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٩٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، يَرْفَعُهُ، قَالَ: "مَنْ قُتِلَ فِي عِمِّيَّةٍ، أَوْ رِمِّيَّةٍ بِحَجَرٍ، أَوْ سَوْطٍ، أَوْ عَصًا، فَعَقْلُهُ عَقْلُ الْخَطَإِ، وَمَنْ قُتِلَ عَمْدًا فَهُوَ قَوَدٌ، وَمَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلاً"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"محمد بن معمر": هو القيسيّ البحراني البصريّ، صدوق، منْ كبار [١١] ٥/ ١٨٢٩ منْ مشايخ الأئمة الستة، دون واسطة. و"محمد بن كثير" العبديّ أبو عبد الله البصريّ، ثقة، لم يصب منْ ضعفه، منْ كبار [١٠]. وفي "تهذيب التهذيب " ٣/ ٦٨٣: رَوَى عن أخيه سليمان، وكان أكبر منه بخمسين سنة، وعن الثوري، وشعبة، وإبراهيم بن نافع المكيّ، وهمام، وإسرائيل، وجعفر بن سليمان الضبعي، وغيرهم. ورَوَى عنه البخاريّ، وأبو داود، وروى له الباقون بواسطة الدارمي، وعبد بن حُميد، والذُّهْلي، والحسين بن محمد البلخي، ومحمد بن معمر الْبَحْراني، وأحمد بن محمد بن المعلى الَادمي، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وعلي بن المديني، ويعقوب بن شيبة، وأبو مسلم الكجي، ومعاذ بن المثنى، ويوسف بن يعقوب

стр. 17383

القاضي، وغيرهم. قَالَ ابن معين: لم يكن ثقة. وَقَالَ أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ: حدثنا عنه الفضل بن الحباب، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وكان له يوم مات تسعون سنة، وكان تقيا فاضلا، وكذا أرخه البخاريّ، وأبو داود، وابن أبي عاصم، وابن قانع، وزاد فِي جمادى الأولى، وَقَالَ: إنه ضعيف. وَقَالَ أحمد بن حنبل: ثقة لقد مات عَلَى سُنّة، وَقَالَ مسلمة بن قاسم: لا بأس به. وَقَالَ ابن الجنيد، غن ابن معين: كَانَ فِي حديثه ألفاظ، كأنه ضعفه، ثم سألت عنه؟ فَقَالَ: لم يكن لسائل أن يكتب عنه. وفي "الزهرة": روى عنه البخاريّ ثلاثة وستين حديثا. روى له الجماعة، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط. وقوله: "يرفعه": أي يرفع ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الْحَدِيث إلى النبيّ ﷺ ، وهذه الصيغة منْ صيغ الرفع حكمًا، قَالَ فِي "ألفية الأثر" فِي تعداد صيغ الرفع حكمًا: وَهَكّذَا "يَرْفَعُهُ "يَنْمِيهِ" … "رِوَايَةً" "يَبْلُغْ بِه" "يَرْوِيهِ" وقوله: "فِي عِمَيّة" بكسر العين المهملة, وتشديد الميم، بعدها ياء مشدّدة: أي فِي حالة غير متّضحة، حيث لا يُدرى القاتل، ولا حالة القتل. وقوله: "أو رِمّيّة" هي فِي الوزن كعمّيّة، ومعناها: الترامي بالحجارة، ونحوها. والحديث صحيح، وَقَدْ سبق بيانه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٣٢ - (كَمْ دِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ، وَذِكْرِ الاِخْتِلَافِ عَلَى أَيُّوبَ فِي حَدِيثِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ فِيهِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه الاختلاف المذكور: أن شعبة رواه عن أيوب، عن القاسم، عن عبد الله بن عمرو، عن النبيّ ﷺ ، متّصلاً، وخالفه حماد بن سلمة، فرواه عن أيوب، عن القاسم، أن رسول الله ﷺ , خطب يوم الفتح، فأرسله، ثم هَذَا الاختلاف لا يضرّ بصحّة الْحَدِيث، فإن الحكم فِي مثله لمن وصل، فشعبة إمام حافظ

стр. 17384

ثبت، لا يضره مخالفة غيره له، ولاسيما مثل حماد بن سلمة، فالحديث متّصل صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٧٩٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "قَتِيلُ الْخَطَإِ، شِبْهِ الْعَمْدِ بِالسَّوْطِ، أَوِ الْعَصَا، مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ، أَرْبَعُونَ مِنْهَا فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا"). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن بشار) بندار، أبو بكر البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٢٤/ ٢٧. ٢ - (عبد الرحمن) بن مهديّ المذكور قبل بابين. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام المشهور تقدم قريبًا. ٤ - (أيوب السختياني) ابن أبي تميمة كيسان البصريّ، ثقة ثبت فقيه [٥] ٤٢/ ٤٨. ٥ - (القاسم بن ربيعة) بن جَوْشَن -بجيم، فواو ساكنة، فمعجمة مفتوحة، وزان جعفر- الْغَطَفانيّ -بفتح الغين المعجمة، والطاء المهملة، بعدها فاء- الجوشني البصريّ، ثقة، عارف بالنسب [٣]. وَقَالَ فِي "تهذيب التهذيب" ٣/ ٤٠٩ - : رَوَى عن عمر، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي بكرة، وابن عمر، وابن عمرو، وعقبة بن أوس، ويقال: يعقوب بن أوس. ورَوَى عنه ابن عمه عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن، وقتادة، وأيوب، وخالد الحذاء، وحميد الطويل، وعلي بن زيد بن جُدْعان. روى البخاريّ: أن الحسن كَانَ إذا سئل عن شيء منْ النسب، قَالَ: سلوا القاسم بن ربيعة. وَقَالَ علي بن المديني، وأبو داود: ثقة. وَقَالَ خليفة، عن أبي اليقظان: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة اجمع مَنْ قِبَلَك، فشاورهم فِي إياس بن معاوية، والقاسم بن ربيعة، واستقض أحدهما، قَالَ: فحلف له القاسم أن إياسا أعلم منه وأصلح، فولاه. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". روى له أبو داود، والمصنف، وابن ماجه، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط، كرره عشر مرّات. ٦ - (عبد الله بن عمرو بن العاص) رضي الله تعالى عنهما ٨٩/ ١١١. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم

стр. 17385

رجال الصحيح، غير القاسم كما سبق آنفاً. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستّة دون واسطة، كما سبق غير مرّة (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه القاسم بن ربيعة هَذَا أول محلّ ذكره. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو) بن العاص رضي والله تعالى ضهما (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: قَتِيلُ الْخَطَإِ) مبتدأٌ، أي دية قتل الخطإ، فهو عَلَى حذف مضاف (شِبْهِ الْعَمْدِ) بالجرّ صفة "الخطإ"، و"الشبه"، كـ"المثل" بكسر، فسكون، أو بفتحتين (بِالسَّوْطِ) متعلّقٌ بـ"قتيل" (أَوِ الْعَصَا)، وقوله (مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ) خبر المبتدإِ (أَرْبَعُونَ مِنْهَا) أَي منْ الإبل المائة (فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا) يعني أنها حوامل. وفي رواية: "أربعون منها خَلِفَة": والخلفة الحامل، وقَلَّما تحمل إلا ثنية، وهي التي لها خمس سنين، ودخلت فِي السادسة، وأيُّ ناقة حملت فهي خلفة، تجزىء فِي الدية. وَقَدْ قيل: لا تجزىء إلا ثنية؛ لأن فِي بعض ألفاظ الْحَدِيث: "أربعون خَلِفَة، ما بين ثنية عامها إلى بازل"، ولأن سائر أنواع الإبل مقدرة السن، فكذلك الخلفة، قيل: الأول هو الأولى؛ لأن النبيّ ﷺ أطلق الخلفة، والخلفة هي الحامل، فيقتضي أن تجزىء كل حامل. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: بل الثاني هو الأولى، فلا تجزىء إلا ثنية حامل؛ لتصريح النصّ بذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيح. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٣٢/ ٤٧٩٣ و٤٧٩٤ و٣٣/ ٤٧٩٥ و٤٧٩٦ و٤٧٩٧ و٤٧٩٨ و٤٧٩٩ و٤٨٠٠ و٤٨٠٢ - وفي "الكبرى" ٣١/ ٦٩٩٤ و٦٩٩٥ و٣٢/ ٦٩٩٦ و٦٩٩٧ و٦٩٩٨ و٦٩٩٩ و٧٠٠٠ و٧٠٠١ و٧٠٠٣. وأخرجه (د) فِي "الديات" ٤٥٤٧ (ق) فِي "الديات" ٢٦٢٧ (أحمد) فِي "مسند المكثرين" ٧٠٢٨ (الدارمي) فِي "الديات" ٢٢٧٧. (المسألة الثالثة): فِي فوائده:

стр. 17386

(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مقدار دية شبه العمد، وهو مائة منْ الإبل، منها أربعون حوامل. (ومنها): أن فيه إثبات قتل شبه العمد، قَالَ الخطّابيّ: وَقَدْ زعم بعض أهل العلم أن ليس القتل إلا العمد المحض، أو الخطأ المحض. انتهى، وسيأتي بيان اختلاف العلماء فِي ذلك المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أن دية شبه العمد مغلّظة عَلَى العاقلة. (ومنها): ما قاله الخطّابيّ رحمه اللَّه تعالى: أنه قد يُستدلّ به عَلَى جواز السلم فِي الحيوان إلى مدّة معلومة، وذلك لأن الإبل عَلَى العاقلة، مضمونة فِي ثلاث سنين. انتهى. (ومنها): أن فيه دلالةً عَلَى أن الحمل فِي الحيوان صفة تُضبط، وتُحصر. قاله الخطابيّ أيضا. (ومنها): أنه أخذ بظاهر هَذَا الْحَدِيث عطاء، والشافعي، وإليه ذهب محمد بن الحسن، فقالوا: دية شبه العمد أثلاثٌ. وقالى أبو حنيفة، وأبو يوسف، وأحمد، وإسحاق: هي أرباع. وَقَالَ أبو ثور: دية شبه العمد أخماس. (ومنها): أن فيه الردّ عَلَى مالك بن أنس، حيث يقول: ليس فِي كتاب الله ، إلا الخطأ والعمد، وأما شبه العمد فلا نعرفه، فقد أثبته النبيّ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيث الصحيح، فلا كلام بعد ثبوته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فِي اختلاف اْهل العلم فِي ثبوت قتل شبه العمد: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن القتل ينقسم إلى ثلاثة أقسام: عمدٌ، وشبه عمد، وخطأ، رُوي ذلك عن عمر، وعلي، وبه قالى الشعبي، والنخعي، وقتادة، وحماد، وأهل العراق، والثوري، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي. وأنكر مالك شبه العمد، وقال: ليس فِي كتاب والله إلا العمد والخطأ، فأما شبه العمد فلا يعمل به عندنا، وجعله منْ قسم العمد، وحكي عنه مثل قول الجماعة، وهو الصواب؛ لحديث عبد والله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما المذكور فِي الباب، فإنه نصّ يقدم عَلَى ما ذكره. وزاد بعضهم قسما رابعا، وهو ما أجري مُجرى الخطإ، نحو أن ينقلب نائم عَلَى شخص، فيقتله، أو يقع عليه منْ علو، وكالقتل بالسبب، كحفر البئر، ونصب السكين، وقتل غير المكلف، لكن هذه الصُّوَر كلها عند الأكثرين منْ قسم الخطإ، فإن صاحبها لم يتعمد الفعل، أو تعمده ولكنه ليس هو منْ أهل القصد الصحيح، لكونه غير مكلّف، فسموه خطأ، فأعطوه حكمه. أفاده فِي "المغني" ١١/ ٤٤٤ - ٤٤٥. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبين بما ذُكر أن الأصحّ هو ما ذهب إليه الجمهور منْ إثبات شبه العمد؛ لصحّة دليله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 17387

(المسألة الخامسة): فِي تفسير العمد، وحكمه: القتل العمد هو أن يضربه بمحدد، كالسيف، ونحوه، مما يقطع، ويدخل فِي البدن، فهذا لا خلاف بين العلماء فِي كونه عمدا، أو يضربه بغير محدد، لكنه مما يغلب عَلَى الظن قتله به، فهذا عمد أيضًا عند الأكثرين. وحكمه: أنه يجب به القود، بلا خلاف بين أهل العلم فِي ذلك إذا اجتمع عليه الاْولياء، وكان المقتول حرًّا، مسلما، قَالَ ابن قُدامة رحمه الله تعالى: أجمع العلماء عَلَى أن القود لا يجب إلا بالعمد، ولا نعلم بينهم فِي وجوبه بالقتل العمد، إذا اجتمعت شروطه خلافا، وَقَدْ دلت عليه الآيات، والأخبار بعمومها، فَقَالَ الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣]، وَقَالَ تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، وَقَالَ تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]: يريد -والله أعلم- أن وجوب القصاص يمنع منْ يريد القتل منه، شفقةً عَلَى نفسه منْ القتل، فتبقى الحياة فيمن أريد قتله، وقيل: إن القاتل تنعقد العداوة بينه وبين قبيلة المقتول، فيريد قتلهم خوفا منهم، ويريدون قتله، وقتل قبيلته، استيفاءً، ففي الاقتصاص منه بحكم الشرع قطع لسبب الهلاك بين القبيلتين. وَقَالَ الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، وَقَالَ النبيّ ﷺ : "منْ قُتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يُقتَل، وإما أن يُفدَى"، متَّفقٌ عليه، وروى أبو شُريح الخزاعي ﵁، قَالَ: قَالَ رسول والله ﷺ : "منْ أصيب بدم، أو خَبْل، فهو بالخيار بين إحدى ثلاث: فإن أراد الرابعة فخذوا عَلَى يديه، أن يَقتُل، أو يعفو، أو يأخذ الدية"، رواه أبو داود (١)، وفي لفظ: "فمن قُتل له بعد مقالتي قتيل، فأهله بين خِيرتين: أن يأخذوا الدية، أو يقتلوا"، وَقَالَ ﷺ : "العمد قود، إلا أن يعفو ولي المقتول"، وفي لفظ: "منْ قتل عامدا فهو قود"، رواه أبو داود، وفي لفظ رواه ابن ماجه: "منْ قتل عامدا فهو قود، ومن حال بينه وبينه، فعليه لعنة والله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل". راجع "المغني" ١١/ ٤٤٥ - ٤٥٩. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبين بما ذُكر أن أهل العدم مُجمعون على وجوب القصاص فِي القتل العمد، إذا اجتمعت شروطه، وهو أنه إذا كَانَ للمقتول أولياء يستحقّون القصاص أن يجتمعوا عَلَى طلبه، فإن عفا بعضهم سقط كله، وصار ديةً، وأن يكون القتيل حرًّا مسلمًا؛ لهذه النصوص الصحيحة الصريحة فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 17388

(المسألة السادسة): فِي تفسير شبه العمد، وحكمه: شبه العمد: هو أن يقصد ضربه بما لا يقتل غالبا، إما لقصد العدوان عليه، أو لقصد التأديب له، فيسرف فيه، كالضرب بالسوط، والعصا، والحجر الصغير، والوكز باليد، وسائر ما لا يقتل غالبا، إذا قَتَل فهو شبه عمد؛ لأنه قصد الضرب دون القتل، ويسمى عمد الخطأ، وخطإ العمد؛ لاجتماع العمد والخطإ فيه، فإنه عَمَدَ الفعلَ، وأخطأ فِي القتل. وحكمه: أنه لا قود فيه، والدية عَلَى العاقلة، فِي قول أكثر أهل العلم، وجعله مالك عمدا، موجبا للقصاص، ولأنه ليس فِي كتاب الله إلا العمد والخطأ، فمن زاد قسما ثالثا زاد عَلَى النص، ولأنه قتله بفعل عَمَدَهُ فكان عمدا، كما لو غرزه بإبرة فقتله، وَقَالَ بعض الحنابلة: تجب الدية فِي مال القاتل، وهو قول ابن شبرمة؛ لأنه مُوجَبُ فِعلٍ عمدٍ، فكان فِي مال القاتل كسائر الجنايات. وحجة الجمهور ما أخرجه الشيخان، والمصنف، وغيرهم، منْ حديث أبي هريرة ﵁، قَالَ: اقتتلت امرأتان منْ هُذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها، وما فِي بطنها، فقضى النبيّ ﷺ أن دية جنينها عبد، أو وليدة، وقضى بدية المرأة عَلَى عاقلتها". فقد أوجب ديتها عَلَى العاقلة، والعاقلة لا تحمل عمدا، وأيضا قول النبيّ ﷺ : "ألا إن فِي قتيل خطإ العمد، قتيلِ السوط، والعصا، والحجر مائة منْ الإبل"، وفي لفظ: أن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "عقل شبه العمد مغلظ، مئل عقل العمد، ولا يُقتل صاحبه"، رواه أبو داود، وهذا نص فِي المسألة. وأما قوله هَذَا قسم ثالث، فجوابه: نعم هو كذلك ثبت بالسنة، والقسمان الأولان ثبتا بالكتاب، ولأنه قتل لا يوجب القَوَدَ، فكانت ديته عَلَى العاقلة، كقتل الخطأ. أفاده فِي "المغني" ١١/ ٤٦٢ - ٤٦٣. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الحق ما ذهب إليه الجمهور منْ إثبات شبه العمد، وهو أن يقصد ضربه بما لا يقتل غالبا، كالسوط، والعصا، والحجر الصغير، وأنه لا قود فيه، وأن الدية واجبة عَلَى العاقلة؛ لما ذُكر منْ الأدلّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): فِي تفسير الخطإ، وحكمه: الخطأ عَلَى ضربين: [أحدهما]: أن يفعل فعلا، لا يريد به إصابة المقتول، فيصيبه ويقتله، مثل أن يرمي صيدا، أو هدفا، فيصيب إنسانا فيقتله، قَالَ ابن المنذر رحمه والله تعالى: أجمع كل منْ نَحفَظ عنه منْ أهل العلم، أن القتل الخطأ: أن يرمي الرامي شيئا،

стр. 17389

فيصيب غيره، لا أعلمهم يختلفون فيه، هَذَا قول عمر بن عبد العزيز، وقتادة، والنخعي، والزهري، وابن شبرمة، والثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي. فحكم هَذَا الضرب منْ الخطإ أنه تجب به الدية عَلَى العاقلة، والكفارة فِي مال القاتل، بغير حلاف نعلمه. والأصل فِي وجوب الدية والكفارة، قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ الآية [النِّساء: ٩٢] وسواء كَانَ المقتول مسلما، أو كافرا له عهد؛ لقول والله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية [النِّساء: ٩٢] , ولا قصاص فِي شيء منْ هَذَا؛ لأن والله تعالى أوجب به الدية، ولم يذكر قصاصا، وَقَالَ النبيّ ﷺ : "رُفِع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه" (١)، ولأنه لم يوجب القصاص فِي عمد الخطأ، ففي الخطأ أولى. [الضرب الثاني منْ الخطأ]: هو أن يقتل فِي أرض الحرب منْ يظنه كافرا، ويكون مسلما، ولا خلاف فِي أن هَذَا خطأ، لا يوجب قصاصا؛ لأنه لم يقصد قتل مسلم، فأشبه ما لو ظنه صيدا، فبان آدميا، إلا اْن هَذَا لا تجب به دية أيضا، ولا يجب إلا الكفارة، ورُوي هَذَا عن ابن عباس، وبه قَالَ عطاء، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والأوزاعي، والثوري، وأبو ثور، وأبو حنيفة، وأحمد. وَقَالَ مالك، والشافعي: تجب به الدية والكفارة، وهو رواية عن أحمد؛ لقول والله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ , وَقَالَ ﷺ : "ألا إن فِي قتيل خطأ العمد، قتيل السوط والعصا، مائة منْ الإبل"، ولأنه قتل مسلما خطأ، فوجبت ديته، كما لو كَانَ فِي دار الإسلام. واحتجّ الأولون بقول والله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية، ولم يذكر دية، وتركه ذكرها فِي هَذَا القسم، مع ذكرها فِي الذي قبله وبعده، ظاهر فِي أنها غير واجبة، وذكره لهذا قسما مفردا، يدل عَلَى أنه لم يدخل فِي عموم الآية التي احتجوا بها، ويخص بها عموم الخبر الذي رووه. أفاده فِي "المغني" ١١/ ٤٦٤ - ٤٦٥. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عنده هو ما قاله الأولون منْ وجوب

стр. 17390

الكفّارة، دون الدية؛ للآية المذكورة؛ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): فِي اختلاف أهل العلم فِي مقدار دية القتل العمد: قَالَ فِي "المغني": ما ملخّصه: أجمع أهل العلم عَلَى أن دية العمد تجب فِي مال القاتل، لا تحملها العاقلة، وهي تجب حالّة، وبهذا قَالَ مالك، والشافعي، وأحمد. وَقَالَ أبو حنيفة: تجب فِي ثلاثة سنين؛ لأنها دية آدمي فكانت مؤجلة، كدية شبه العمد. وحجة الأولين أن ما وجب بالعمد المحض كَانَ حالا، كالقصاص، وأرش أطرف العبد، ولا يشبه شبه العمد؛ لأن القاتل معذور؛ لكونه لم يقصد القتل، وإنما أفضى إليه منْ غير اختيار منه، فأشبه الخطإ، ولهذا تحمله العاقلة، ولأن القصد التخفيف عَلَى العاقلة الذين لم تصدر منهم جناية، وحُمِّلوا أداء مال مواساة، فالأرفق بحالهم التخفيف عنهم، وهذا موجود فِي الخطأ، وشبه العمد عَلَى السواء، وأما العمد فإنما يحمله الجاني فِي غير حال العذر، فوجب أن يكون ملحقا ببدل سائر المتلفات. واختلفوا فِي مقدارها، فقيل: إنها أرباع، وبه قَالَ الزهريّ، وربيعة، ومالك، وسليمان بن يسار، وأبو حنيفة، وأحمد، ورُوي ذلك عن ابن مسعود ﵁. وقيل: إنها ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة فِي بطونها أولادها، وبهذا قَالَ عطاء، ومحمد بن الحسن، والشافعي، وروي ذلك عن عمر، وزيد، وأبي موسى، والمغيرة؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ , قَالَ: "منْ قتل متعمدا دُفع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قتلوه، وإن شاؤوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خَلِفة، وما صولحوا عليه فهو لهم، وذلك لتشديد القتل"، رواه الترمذيّ، وَقَالَ: هو حديث حسن غريب، وعن عبد الله ابن عمرو: أن رسول الله ﷺ قَالَ: "ألا إن فِي قتيل عمد الخطإ، قتيلِ السوط والعصا، مائة منْ الإبل، منها أربعون خلفة، فِي بطونها أولادها"، رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، وغيرهم، وعن عمرو بن شعيب: "أن رجلا يقال له: قتادة حَذَف ابنه بالسيف فقتله، فأخذ عمر منه الدية ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة" رواه مالك فِي "موطئه". وحجة الأولين ما روى الزهريّ، عن السائب بن يزيد، قَالَ: كانت الدية عَلَى عهد رسول الله ﷺ أرباعا: خمسا وعشرين جذعة، وخمسا وعشرين حقة، وخمسا وعشرين بنت لبون، وخمسا وعشرين بنت مخاض"، ولأنه قول ابن مسعود ﵁, ولأنه حق يتعلق بجنس الحيوان، فلا يعتبر فيه الحمل، كالزكاة، والأضحية. أفاده فِي

стр. 17391

"المغني" ١٢/ ١٢/ ١٥. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندى الأرجح ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني؛ لصحة الأحاديث به، فإن حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جدّه الأول حسنٌ، كما قَالَ الترمذيّ، والثاني صحيح، كما سبق فِي تخريج حديث الباب، وكذلك أثر عمر ﵁ صحيح، وأما حديث الزهريّ عن السائب بن يزيد، فضعيفٌ، لا يعارض الأحاديث الصحيحة، فتبصر، ولا تتحيّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي دية شبه العمد: (اعلم): أن الخلاف فِي أسنان دية شبه العمد، كالخلاف فِي دية العمد، وَقَدْ سبق الكلام فِي ذلك فِي المسألة الماضية، واخلفوا هنا فِي أمرين: [أحدهما]: أنه ذهب طائفة إلى أنها عَلَى العاقلة، وبه قَالَ الشعبي، والنخعي، والحكم، والشافعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وابن المنذر. وذهبت طائفة إلى أنها عَلَى القاتل فِي ماله، وبه قَالَ ابن سيرين، والزهري، والحارث العكلي، وابن شُبْرُمة، وقتادة، وأبو ثور؛ لأنها مُوجَبُ فعلٍ قَصدَه، فلم تحمله العاقلة، كالعمد المحض، ولأنها دية مغلظة، فأشبهت دية العمد، وهكذا يجب أن يكون مذهب مالك؛ لأن شبه العمد عنده منْ باب العمد. واحتجّ الأولون بحديث أبي هريرة ﵁ المتّفق عليه، قَالَ: "اقتتلت امرأتان منْ هذيل، فرَمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما فِي بطنها، فقضى رسول الله ﷺ بدية المرأة عَلَى عاقلتها". ولأنه نوع قتل لا يوجب قصاصا فوجبت ديته عَلَى العاقلة كالخطإ، ويخالف العمد المحض؛ لأنه يُغَلَّظ منْ كل وجه؛ لقصده الفعل، وإرادته القتل، وعمدُ الخطإ يغلظ منْ وجه، وهو قصده الفعل، ويُخَفَّف منْ وجه، وهو كونه لم يُرد القتل، فاقتضى تغليظها منْ وجه، وهو الأسنان، وتخفيفها منْ وجه، وهو حمل العاقلة لها، وتأجيلها، قَالَ ابن قُدامة: ولا أعلم فِي أنها تجب مؤجلة خلافا بين أهل العلم، ورُوي ذلك عن عمر، وعلي، وابن عباس رضي والله عنهم، وبه قَالَ الشعبي، والنخعي، وقتادة، وأبو هاشم، وعُبيد الله بن عمر، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وَقَدْ حُكي عن قوم منْ الخوارج، أنهم قالوا: الدية حالّة؛ لأنها بدل متلف، ولم ينقل إلينا ذلك عمن يُعَدُّ خلافه خلافا. أفاده فِي "المغني" ١٢/ ١٥ - ١٦. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد اتّضح بما ذُكر أن الحقّ وجوب الدية عَلَى

стр. 17392

العاقلة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ المتفق عليه، وقول المخالف: إنها موجب فعل قصده الخ قياس فِي مقابلة النصّ، فيكون باطلاً، كما سبق تحقيقه غير مرّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة العاشرة): فِي اختلاف أهل العلم فِي دية الخطإ: ذهبت طائفة إلى أن القتل إذا كَانَ خطأ، كَانَ عَلَى العاقلة، مائة منْ الإبل، تؤخذ فِي ثلاث سنين أخماسا: عشرون بنات مخاض، وعشرون بنو مخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، وبهذا قَالَ ابن مسعود، والنخعي، وأحمد، وأصحاب الرأي، وابن المنذر. وَقَالَ عمر بن عبد العزيز، وسليمان بن يسار، والزهري، والليث، وربيعة، ومالك، والشافعي: هي أخماس، إلا أنهم جعلوا مكان بني مخاض بني لبون، وهكذا رواه سعيد بن منصور فِي "سننه" عن النخعي، عن ابن مسعود ﵁. وَقَالَ الخطّابيّ: رُوي أن النبيّ ﷺ ، وَدَى الذي قُتل بخيبر بمائة منْ إبل الصدقة (١)، وليس فِي أسنان الصدقة ابن مخاض. ورُوِي عن علي، والحسن، والشعبي، والحارث العكلي، وإسحاق. أنها أرباع، كدية العمد سواء. وعن زيد: أنها ثلاثون حقة، وثلاثون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون بنت مخاض. وَقَالَ طاوس: ثلاثون حقة، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون بنت مخاض، وعشرون بني لبون ذكور؛ لما رَوَى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن رسول الله ﷺ ، قضى أن منْ قُتِل خطأ، فديته منْ الإبل ثلاثون بنت مخاض، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقة، وعشر بني لبون ذكور"، رواه أبو داود، وابن ماجه. وَقَالَ أبو ثور: الديات كلها أخماس، كدية الخطإ؛ لأنها بدل متلف، فلا تختلف بالعمد والخطإ، كسائر المتلفات، وحُكي عنه أن دية العمد مغلظة، ودية شبه العمد والخطإ أخماس؛ لأن شبه العمد تحمله العاقلة، فكان أخماسا كدية الخطإ. وَقَالَ ابن قدامة: ولنا -يعني أصحاب القول الأول- ما روى عبد الله بن مسعود ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "فِي دية الخطإ عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون بني مخاض"، رواه أبو داود،

стр. 17393

والنسائي، وابن ماجه، ولأن ابن لبون يجب عَلَى طريق البدل، عن ابنة مخاض، فِي الزكاة، إذا لم يجدها، فلا يُجمع البدل والمبدل فِي واجب، ولأن موجبهما واحد، فيصير كأنه أوجب أربعين ابنة مخاض، ولأن ما قَالَ به الأولون هو الأقل، فالزيادة عليه لا تثبت إلا بتوقيف، يجب عَلَى منْ ادعاه الدليل، فأما دية قتيل خيبر فلا حجة لهم فيه؛ لأنهم لم يَدَّعُوا عَلَى أهل خيبر قتله إلا عمدا، فتكون ديته دية العمد، وهي منْ أسنان الصدقة، والخلاف فِي دية الخطإ، وقول أبي ثور يخالف الآثار المروية التي ذكرناها، فلا يعول عليه. قاله فِي "المغني" ١٢/ ١٩ - ٢١. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ هو ما ذهب إليه طاوسٌ منْ أنها أرباع: ثلاثون حقّة، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون بنت مخاض، وعشر بني لبون؛ لصحّة حديث عمرو شعيب، عن أبيه، عن جدّه، "أن رسول الله ﷺ قضى أن منْ قُتل خطأ، فديته منْ الإبل ثلاثون بنت مخاض … " الْحَدِيث. وأما ما احتج به ابن قدامة للحنابلة، ومن قَالَ بقولهم: إنها أخماسٌ، منْ حديث ابن مسعود ﵁، فإنه ضعيف؛ لأن فِي سنده حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، كما سيأتي بيانه فِي الباب الثالث، فتبصّر، ولا تتحيّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: لا خلاف بين أهل العلم فِي أن دية الخطإ عَلَى العاقلة، قَالَ ابن المنذر: أجمع عَلَى هَذَا كل منْ نَحفَظ عنه منْ أهل العلم، وَقَدْ ثبت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قضى بدية الخطإ عَلَى العاقلة، وأجمع أهل العلم عَلَى القول به، وَقَدْ جعل النبيّ ﷺ دية عمد الخطإ عَلَى العاقلة، بما قد رويناه منْ الأحاديث، وفيه تنبيه عَلَى أن العاقلة تحمل دية الخطأ. والحكمة فِي ذلك أن جنايات الخطإ تكثر، ودية الآدمي كثيرة، فإيجابها عَلَى الجاني فِي ماله يجحف به، فاقتضت الحكمة إيجابها عَلَى العاقلة، عَلَى سبيل المواساة للقاتل، والإعانة له تحفيفا عنه، إذ كَانَ معذورا فِي فعله، وينفرد هو بالكفارة. أفاده فِي "المغني" ١٢/ ٢١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه آخر]: لا خلاف بينهم فِي أنها مؤجلة فِي ثلاث سنين، فإن عمر، وعليا ﵁، جعلا دية الخطإ عَلَى العاقلة فِي ثلاث سنين، ولا يُعرف لهما فِي الصحابة مخالفٌ، فاتّبعهم عَلَى ذلك أهل العلم، ولأنه مال يجب عَلَى سبيل المواساة، فلم يجب حالا كالزكاة، وكل دية تحملها العاقلة تجب مؤجلة؛ لما ذكرنا، وما لا تحمله العاقلة يجب حالا؛ لأنه بدل مُتلَف، فلزم المتلف حالا كقيم المتلفات، وفارق الذي تحمله العاقلة فإنه يجب مواساة، فألزم التأجيل تخفيفا عَلَى متحمله، وعُدل به عن الأصل فِي التأجيل،

стр. 17394

كما عدل به عن الأصل فِي إلزامه غير الجاني. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الحادية عشرة): فِي اختلاف أهل العلم فِي وجوب دية الخطإ عَلَى القاتل: ذهب مالك، والشافعي، وأحمد إلى أنه لا يلزم القاتل شيء منْ الدية. وَقَالَ أبو حنيفة: هو كواحد منْ العاقلة؛ لأنها وجبت عليهم إعانة له، فلا يزيدون عليه فيها. واحتجّ الأولون بالحديث المتفق عليه منْ حديث أبي هريرة ﵁: "أن النبيّ ﷺ قضى بدية المرأة عَلَى عاقلتها"، وهذا يقتضي أنه قضى بجميعها عليهم، ولأنه قاتل لم تلزمه الدية، فلم يلزمه بعضها، كما لو أمره الإمام بقتل رجل، فقتله يعتقد أنه بحق، فبان مظلوما، ولأن الكفارة تلزم القاتل فِي ماله، وذلك يعدل قسطه منْ الدية، وأكثر منه، فلا حاجة إلى إيجاب شيء منْ الدية عليه. قاله فِي "المغني" ١٢/ ٢٢. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الأولون هو الأرجح؛ لظاهر الْحَدِيث المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية عشرة): فِي اختلاف أهل العلم فِي تغليظ الدية: قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: ذكر أصحابنا أن الدية تغلظ بثلاثة أشياء، إذا قتل فِي الحرم، والشهور الحرم، وإذا قتل مُحرِما، وَقَدْ نص أحمد ﵀ عَلَى التغليظ عَلَى منْ قَتل محرما فِي الحرم، وفي الشهر الحرام، فأما إن قتل ذا رحم محرم، فَقَالَ أبو بكر تغلظ ديته، وَقَالَ القاضي: ظاهر كلام أحمد أنها لا تغلظ، وَقَالَ أصحاب الشافعيّ: تغلظ بالحرم، والأشهر الحرم، وذي الرحم المحرم، وفي التغليظ بالإحرام وجهان، وممن رُوي عنه التغليظ: عثمان، وابن عباس، والسعيدان، وعطاء، وطاوس، والشعبي، ومجاهد، وسليمان بن يسار، وجابر بن زيد، وقتادة، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وإسحاق. واختلف القائلون بالتغليظ فِي صفته، فَقَالَ أصحابنا: تغلظ لكل واحد منْ الحرمات ثلث الدية، فإذا اجتمعت الحرمات الثلاث وجبت ديتان، قَالَ أحمد، فِي رواية ابن منصور، فيمن قتل مُحرما فِي الحرم، وفي الشهر الحرام: فعليه أربعة وعشرون ألفا، وهذا قول التابعين القائلين بالتغليظ. وَقَالَ أصحاب الشافعيّ: صفة التغليظ إيجاب دية العمد فِي الخطإ، لا غير، ولا يتصور التغليظ فِي غير الخطإ، ولا يجمع بين تغليظين، وهذا قول مالك، إلا أنه يُغَلِّظ فِي العمد، فإذا قتل ذا رحم محرم عمدا، فعليه ثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، وتغليظها فِي الذهب والورق، أن ينظر قيمة أسنان الإبل، غير مغلظة، وقيمتها مغلظة، ثم يحكم بزيادة ما بينهما، كأن قيمتها مخففة ستمائة، وفي

стр. 17395

العمد ثمانمائة، وذلك ثلث الدية المخففة. وعند مالك تُغَلَّظ عَلَى الأب، والأم، والجد دون غيرهم، واحتجا على صفة التغليظ، بما رُوي عن عمر ﵁، أنه أخذ منْ قتادة المدلجي دية ابنه حين حذفه بالسيف، ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة، ولم يزد عليه فِي العدد شيئا، وهذه قصة اشتهرت، فلم تُنكَر، فكانت إجماعا، ولأن ما أوجب التغليظ أوجبه فِي الأسنان، دون القدر، كالضمان، ولا يجمع بين تغليظين؛ لأن ما أوجب التغليظ بالضمان إذا اجتمع سببان تداخلا، كالحرم والإحرام فِي قتل الصيد، وعلى أنه لا يغلظ بالإحرام، أن الشرع لم يرد بتغليظه. واحتج أصحابنا بما رَوَى ابن أبىِ نجيح، أن امرأة وُطِئت فِي الطواف، فقضى عثمان ﵁ فيها بستة آلاف، وألفين تغليظا للحرم، وعن ابن عمر أنه قَالَ: منْ قَتَل فِي الحرم، أو ذا رحم، أو فِي الشهر الحرام، فعليه دية وثلث، وعن ابن عباس: أن رجلا قتل رجلا فِي الشهر الحرام، وفي البلد الحرام، فَقَالَ: ديته اثنا عشر ألفا، وللشهر الحرام أربعة آلاف، وللبلد الحرام أربعة آلاف، وهذا مما يظهر، وينتشر ولم يُنكر، فيثبت إجماعا، وهذا فيه الجمع بين تغليظات ثلاث، ولأنه قول التابعين القائلين بالتغليظ، واحتجوا عَلَى التغليظ فِي العمد، أنه إذا غُلظ الخطأ مع العذر فيه، ففي العمد مع عدم العذر أولى، وكل منْ غَلَّظ الدية أوجب التغليظ فِي بدل الطرف، بهذه الأسباب؛ لأن ما أوجب تغليظ دية النفس، أوجب تغليظ دية الطرف، كالعمد. وظاهر كلام الخرقي أن الدية لا تغلظ بشيء منْ ذلك، وهو قول الحسن، والشعبي، والنخعي، وأبي حنيفة، والجوزجاني، وابن المنذر، وروي ذلك عن الفقهاء السبعة، وعمر بن عبد العزيز؛ لأن النبيّ ﷺ قَالَ: "فِي النفس المؤمنة مائة منْ الإبل"، لم يزد عَلَى ذلك، "وعلى أهل الذهب ألف مثقال"، وفي حديث أبي شريح ﵁: أن النبيّ ﷺ قَالَ: "وأنتم يا خزاعة قد قتلتم هَذَا القتيل منْ هذيل، وأنا والله عاقله، منْ قتل له قتيل بعد ذلك، فأهله بين خِيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا الدية"، وهذا القتل كَانَ بمكة، فِي حرم والله تعالى، فلم يزد النبيّ ﷺ عَلَى الدية، ولم يفرق بين الحرم وغيره، وقولُ الله : ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النِّساء: ٩٢]، يقتضي أن الدية واحدة، فِي كل مكان، وفي كل حال، ولأن عمر ﵁، أخذ منْ قتادة المدلجي دية ابنه، ولم يزد عَلَى مائة، ورَوَى الجوزجاني بإسناده، عن أبي الزناد، أن عمر بن عبد العزيز، كَانَ يجمع الفقهاء، فكان مما أحيى منْ تلك السنن بقول فقهاء المدينة السبعة، ونظرائهم أن ناسا كانوا يقولون: إن الدية تغلظ فِي الشهر الحرام أربعة آلاف، فتكون ستة عشر ألف درهم،

стр. 17396

فألغى عمر ﵀ ذلك بقول الفقهاء، وأثبتها اثني عشر ألف درهم، فِي الشهر الحرام، والبلد الحرام، وغيرهما، قَالَ ابن المنذر: وليس بثابت ما رُوي عن الصحابة فِي هَذَا، ولو صح فقول عمر يخالفه، وقوله أولى منْ قول منْ خالفه، وهو أصح فِي الرواية، مع موافقته الكتاب والسنة والقياس. انتهى "المغني" ١٢/ ٢٣ - ٢٦. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الحقّ هو ما ذهب إليه القائلون بعدم مشروعيّة التغليظ، لا فِي المكان، ولا فِي الزمان، وفي الأشخاص؛ لعدم ثبوت ذلك بالأدلة الصحيحة، فليس فِي الكتاب، ولا فِي الأحاديث الصحاح ما يؤيّد ذلك، ولا يوجد هناك إجماعٌ حَتَّى يُتَمَسَّكَ به، فالحق عدم التغليظ، فتبصر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّر بالتقليد والاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٩٤ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، خَطَبَ يَوْمَ الْفَتْحِ … مُرْسَلٌ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن إسماعيل": هو المعروف أبوه بابن علية، ثقة حافظ، منْ أفراد المصنّف. و"يونس": هو ابن محمد بن مسلم البغداديّ، أبو محمد المؤدّب، ثقة ثبتٌ، منْ صغار [٩] ١٥/ ١٦٣٢. و"حماد": هو ابن سلمة. وقوله: "مرسلٌ": خبر لمحذوف: أي هَذَا الْحَدِيث منْ هَذَا الطريق مرسلٌ، وَقَدْ تقدم أن وصله هو المحفوظ؛ لأنه منْ رواية شعبة، فالحديث صحيحَ، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٣٣ - (ذِكْرِ الاِخْتِلَافِ عَلَى خَالِدٍ الْحَذَّاءِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه الاختلاف عَلَى خالد أن حماد بن زيد رواه عنه، عن القاسم بن ربيعة، عن عقبة بن أوس، عن عبد والله ﵁، ولم ينسبه إدى

стр. 17397

أبيه، وخالفه هشيم، فرواه عنه، عن القاسم، عن عقبة، عن رجل منْ أصحاب النبيّ ﷺ ، فأبهمه، وخالفهما ابن أبي عديّ، فرواه عنه، عن القاسم، عن عقبة، أن رسول الله ﷺ ، فأرسله، وخالفهم بشر بن المفضل، ويزيد بن زيع، فروياه عنه، عن القاسم، عن يعقوب بن أوس، عن رجل منْ أصحاب النبيّ ﷺ ، فسميا شيخ القاسم يعقوب، وأبهما الصحابيّ أيضا، ولكن يعقوب هَذَا هو عقبة بن أوس، فيكون الاختلاف فِي الاسم. هَذَا وَقَدْ وقع فيه خلاف آخر عَلَى القاسم، فرواه عليّ بن زيد بن جُدعان، عنه، عن ابن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنهما، ورواه حميد، عن القاسم، أن رسول الله ﷺ ، فأرسله. والحقّ أن هَذَا الاختلاف، لا يضر بصحّة الْحَدِيث؛ لإمكان الجمع: فأما رواية خالد الحذّاء، فيحتمل أن يكون القاسم بن ربيعة سمعه منْ عبد والله بن عمرو، رضي الله تعالى عنهما، ومن عقبة بن أوس، وهو يعقوب بن أوس، عن عبد الله ﵁, فكان يحدّث به تارةً عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما وتارة عن عقبة، عن عبد الله بن عمرو. وأما اختلاف الصحابيّ، فلا يضر أيضًا، إذ يحتمل أن يكون القاسم بن ربيعة سمعه منْ كلّ منْ: عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر ﵃، فرواه عن هَذَا مرّة، وعن هَذَا مرّة. أفاده الحافظ المنذريّ رحمه الله تعالى فِي "مختصر السنن" ٦/ ٣٥٥ - ٣٥٦. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا عَلَى تقدير صحة الرواية عن ابن عمر، فإن الراوي هو علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، فتكون روايته منكرة، فلا حاجة إلى الجمع، فتنبه. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٧٩٥ - (أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا حَمَّادٌ، عَنْ خَالِدٍ -يَعْنِي الْحَذَّاءَ- عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "أَلَا وَإِنَّ قَتِيلَ الْخَطَإِ، شِبْهِ الْعَمْدِ، مَا كَانَ بِالسَّوْطِ، وَالْعَصَا، مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ، أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"حمّاد": هو ابن زيد. و"عقبة بن أوس" السَّدُوسيّ البصريّ، ويقال فيه: يعقوب، وقيل: هما أخوان، صدوقٌ [٤]. وَقَالَ فِي "تهذيب التهذيب" ٣/ ١٢١: رَوَى عن ابن عمرو بن العاص، فِي خطبة يوم

стр. 17398

الفتح، وقيل: عن ابن عمر، رَوَى عنه القاسم بن ربيعة، ومحمد بن سيرين، وعلي بن زيد بن جدعان، قَالَ الدوري، عن ابن معين: عقبة بن أوس، هو يعقوب بن أوس. وَقَالَ العجليّ: بصري تابعيّ ثقة. وَقَالَ ابن سعد: كَانَ ثقة، قليل الْحَدِيث. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وزعم خليفة بن خياط: أن عقبة، ويعقوب أَخَوَانِ، ووقع عند ابن أبي خيثمة: عن يعقوب بن أوس، رجل منْ الصحابة، قَالَ: خطب … فذكره، وتعقبه بأن قَالَ: كذا وقع، وليس ليعقوب صحبة، وإنما رواه عن ابن عمرو. روى له المصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه، أخرجوا له هَذَا الْحَدِيث الواحد فقط، واختُلف فيه عَلَى القاسم بن ربيعة، كما بينه المصنّف رحمه الله تعالى فِي هَذَا الباب. والسند مسلسلٌ بثقات البصريين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. وقوله: "ألا": أداة استفتاح، وتنبيه. وقوله: "إن قتيل الخطإ" عَلَى حذف مضاف: أي إن دية قتيل الخطإ الخ"، ولفظ أبي داود: "ألا إن دية الخطإ، شبه العمد الخ". وقوله: "شبهِ العمد" بالجر عطف بيان لـ"الخطإ"، أو بدل منه. وقوله: "ما كَانَ بالسوط والعصا" خبر لمحذوف: أي هو ما كَانَ الخ، ويحتمل أن يكون بدلاً منْ "الخطإ". وقوله: "مائةٌ منْ الإبل" خبر "إن". والحديث أخرجه أبو داود فِي "سننه" ٤/ ١٩٥، فَقَالَ: ٤٥٨٨ - حدثنا سليمان بن حرب، ومسدد المعمى، قالا: ثنا حماد، عن خالد، عن القاسم بن ربيعة، عن عقبة بن أوس، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ … قَالَ مسدد: خطب يوم الفتح، ثم اتفقا، فَقَالَ: "ألا إن مَأْثَرَة كانت فِي الجاهلية، منْ دم، أو مال، تُذكُر، وَتُدَّعَى تحت قدميَّ، إلا ما كَانَ منْ سِقاية الحاج، وسِدَانة البيت"، ثم قَالَ: "ألا إن دية الخطإ، شبه العمد، ما كَانَ بالسوط، والعصا، مائة منْ الإبل، منها أربعون فِي بطونها أولادها". والحديث صحيح، وقدم تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله فِي الباب الماضي، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٩٦ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَامِلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَقَالَ: "أَلَا وَإِنَّ قَتِيلَ الْخَطَإِ، شِبْهِ الْعَمْدِ، بِالسَّوْطِ، وَالْعَصَا، وَالْحَجَرِ، مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ، فِيهَا أَرْبَعُونَ ثَنِيَّةً، إِلَى بَازِلِ عَامِهَا، كُلُّهُنَّ خَلِفَةٌ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن كامل": هو المروزيّ، ثقة، منْ صغار

стр. 17399

[١٠] ١٨٨/ ٣٠١ منْ أفراد المصنّف، وأبي داود. و"هُشيم": هو ابن بَشِير الواسطيّ. و"خالد" هو الحذّاء. وقوله "فيها أربعون ثنيّةً" -بفتح المثلّثة، وكسر النون، وتشديد التحتانيّة-: هي الناقة التي دخلت فِي السنة السادسة. قَالَ الفيّوميّ: الثنيّ منْ الأسنان: جمعها ثنايا، وثَنِيات، وفي الفم أربعٌ، والثنيّ: الجمل يدخل فِي السنة السادسة، والناقة ثنيّة، والثّنيّ أيضًا الذي يُلقي ثنيّته، يكون منْ ذوات الظِّلْف، والحافر فِي السنة الثالثة، ومن ذوات الْخُفّ فِي السنة السادسة، وهو بعد الجذع، والجمع ثِنَاء بالكسر، والمدّ. انتهى. وقوله: "إلى بازل عامها": متعلقٌ بـ"ثنيّة"، وذلك فِي ابتداء السنة التاسعة، وليس بعده اسم، بل يقال: بازل عام، وبازل عامين. قاله السنديّ. وَقَالَ ابن الأثير: البازل منْ الإبل: الذي أتمّ ثمان سنين، ودخل فِي التاسعة، وحينئذ يطلُع نابه، وتكمل قوّته، ثم يقال له بعد ذلك: بازل عام، وبازل عامين. انتهى "النهاية" ١/ ١٢٥. وَقَالَ فِي "اللسان": يقال للبعير إذا استكمل السنة الثامنة، وطعن فِي التاسعة، وفَطَرَ نابه، فهو حينئذ بازلٌ، وكذلك الأنثى بغير هاء، وهو أقصى أسنان البعير، سُمّي بازلاً منْ البَزْل، وهو الشقّ، وذلك أن نابه إذا طلع يقال له: بازلٌ؛ لشقّه اللحمَ عن مَنبِته شَقّا. قَالَ: والبازل أيضًا اسم السنّ التي تطلع فِي وقت البُزُول، والجمع بوازل، قَالَ القطاميّ [منْ الوافر]: تَسَمَّعُ مِنْ بَوَازِلِهَا صَرِيفًا … كَمَا صَاحَتْ عَلَى الْخَرِبِ الصِّقَارُ قَالَ: وَقَدْ يقال: رجل بازلٌ عَلَى التشبيه بالبعير، وربما قالوا ذلك يعنون به كماله فِي عقله، وتجربته، قَالَ الشاعر [منْ الرجز]: مَا تُنْكِرُ الْحَرْبُ الْعَوَانُ مِنِّي … بَازِلُ عَامَينِ حَدِيثٌ سِنِّي أي مستجمع الشباب، ومستكمل القوّة. انتهى بتصرّف. وقوله: "خلِفَة" -بفتح، فكسر: هي الناقة الحاملة إلى نصف أجلها، ثم هي عِشَارٌ. وَقَالَ الفيّوميّ: الْخَلِفة بكسر اللام: هي الحامل منْ النوق، وجمعها مَخَاضٌ، منْ غير لفظها، كما تُجمع المرأة عَلَى النِّساء منْ غير لفظها، وهي اسم فاعل، يقال: خَلِفَتِ خَلَفَا، منْ باب تعب: إذا حمَلَت، فهي خَلِفَةٌ، مثلُ تَعِبَةٍ، وربّما جُمعت عَلَى لفظها، فقيل: خَلِفَاتٌ، وتُحذف الهاء أيضًا، فقيل: خَلِفٌ. انتهى. وقوله: "مغلّظة": أي ديةٌ مغلّظة، وإنما قَالَ: مغلّظة؛ لأن دية الخطإ مخفّفة، حيث إنها تجب ثلاثون بنت مخاض، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقّة، وعشرة بني لبون، كما سيأتي فِي حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، فِي آخر الباب، إن شاء الله تعالى.

стр. 17400

والحديث صحيح، وَقَدْ سبق القول فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٩٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ خَالِدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ أَوْسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَلَا إِنَّ قَتِيلَ الْخَطَإِ، قَتِيلَ السَّوْطِ وَالْعَصَا، فِيهِ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ، مُغَلَّظَةٌ، أَرْبَعُونَ مِنْهَا فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "ابن أبي عديّ": هو محمد بن إبراهيم. و"خالد": هو الحذّاء. وقوله: "قتيل الخطإ" عَلَى حذف مضاف: أي دية قتيل الخطإ. والحديث مرسلٌ، وَقَدْ تقدّم أن الموصول أصحّ منه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٩٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ، قَالَ: "أَلَا وَإِنَّ كُلَّ قَتِيلِ خَطَإِ الْعَمْدِ، أَوْ شِبْهِ الْعَمْدِ، قَتِيلِ السَّوْطِ وَالْعَصَا، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "يعقوب بن أوس": هو عقبة بن أوس المذكور فِي الأسانيد الماضية. وقوله: "ألا وان كلَّ قتيل خطإ العمد" الواو فيه للعطف، عَلَى مقدّر، فإن الرواية عنده المصنّف مختصرة، وَقَدْ تقدّم مطوّلاً منْ رواية أبي داود التي سبق ذكرها، فقد ذكر فيها قبلها أشياء، فتنبّه. وقوله: "خطإ العمد" هو بتقدير مضاف: أي خطإ شبه العمد. وقوله: "أو شبه العمد" "أو" فيه للشكّ منْ الراوي. وقوله: "منها أربعون الخ" فيه تقدير، تدلّ عليه الروايات الماضية: أي مائة منْ الإبل، منها أربعون الخ، ومثل هَذَا فِي الروايتين التاليتين، فلا تغفُل. والحديث صحيح، كما سبق بيانه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٩٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ أَوْسٍ، أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ، عَامَ الْفَتْحِ قَالَ: "أَلَا وَإِنَّ قَتِيلَ الْخَطَإِ الْعَمْدِ، قَتِيلَ السَّوْطِ وَالْعَصَا، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا").
следующие страницы →