فألغى عمر ﵀ ذلك بقول الفقهاء، وأثبتها اثني عشر ألف درهم، فِي الشهر الحرام، والبلد الحرام، وغيرهما، قَالَ ابن المنذر: وليس بثابت ما رُوي عن الصحابة فِي هَذَا، ولو صح فقول عمر يخالفه، وقوله أولى منْ قول منْ خالفه، وهو أصح فِي الرواية، مع موافقته الكتاب والسنة والقياس. انتهى "المغني" ١٢/ ٢٣ - ٢٦.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الحقّ هو ما ذهب إليه القائلون بعدم مشروعيّة التغليظ، لا فِي المكان، ولا فِي الزمان، وفي الأشخاص؛ لعدم ثبوت ذلك بالأدلة الصحيحة، فليس فِي الكتاب، ولا فِي الأحاديث الصحاح ما يؤيّد ذلك، ولا يوجد هناك إجماعٌ حَتَّى يُتَمَسَّكَ به، فالحق عدم التغليظ، فتبصر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّر بالتقليد والاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٩٤ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، خَطَبَ يَوْمَ الْفَتْحِ … مُرْسَلٌ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن إسماعيل": هو المعروف أبوه بابن علية، ثقة حافظ، منْ أفراد المصنّف. و"يونس": هو ابن محمد بن مسلم البغداديّ، أبو محمد المؤدّب، ثقة ثبتٌ، منْ صغار [٩] ١٥/ ١٦٣٢. و"حماد": هو ابن سلمة.
وقوله: "مرسلٌ": خبر لمحذوف: أي هَذَا الْحَدِيث منْ هَذَا الطريق مرسلٌ، وَقَدْ تقدم أن وصله هو المحفوظ؛ لأنه منْ رواية شعبة، فالحديث صحيحَ، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٣٣ - (ذِكْرِ الاِخْتِلَافِ عَلَى خَالِدٍ الْحَذَّاءِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه الاختلاف عَلَى خالد أن حماد بن زيد رواه عنه، عن القاسم بن ربيعة، عن عقبة بن أوس، عن عبد والله ﵁، ولم ينسبه إدى
стр. 17397
أبيه، وخالفه هشيم، فرواه عنه، عن القاسم، عن عقبة، عن رجل منْ أصحاب النبيّ ﷺ ، فأبهمه، وخالفهما ابن أبي عديّ، فرواه عنه، عن القاسم، عن عقبة، أن رسول الله ﷺ ، فأرسله، وخالفهم بشر بن المفضل، ويزيد بن زيع، فروياه عنه، عن القاسم، عن يعقوب بن أوس، عن رجل منْ أصحاب النبيّ ﷺ ، فسميا شيخ القاسم يعقوب، وأبهما الصحابيّ أيضا، ولكن يعقوب هَذَا هو عقبة بن أوس، فيكون الاختلاف فِي الاسم.
هَذَا وَقَدْ وقع فيه خلاف آخر عَلَى القاسم، فرواه عليّ بن زيد بن جُدعان، عنه، عن ابن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنهما، ورواه حميد، عن القاسم، أن رسول الله ﷺ ، فأرسله.
والحقّ أن هَذَا الاختلاف، لا يضر بصحّة الْحَدِيث؛ لإمكان الجمع:
فأما رواية خالد الحذّاء، فيحتمل أن يكون القاسم بن ربيعة سمعه منْ عبد والله بن عمرو، رضي الله تعالى عنهما، ومن عقبة بن أوس، وهو يعقوب بن أوس، عن عبد الله ﵁, فكان يحدّث به تارةً عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما وتارة عن عقبة، عن عبد الله بن عمرو.
وأما اختلاف الصحابيّ، فلا يضر أيضًا، إذ يحتمل أن يكون القاسم بن ربيعة سمعه منْ كلّ منْ: عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر ﵃، فرواه عن هَذَا مرّة، وعن هَذَا مرّة. أفاده الحافظ المنذريّ رحمه الله تعالى فِي "مختصر السنن" ٦/ ٣٥٥ - ٣٥٦.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا عَلَى تقدير صحة الرواية عن ابن عمر، فإن الراوي هو علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، فتكون روايته منكرة، فلا حاجة إلى الجمع، فتنبه. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٧٩٥ - (أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا حَمَّادٌ، عَنْ خَالِدٍ -يَعْنِي الْحَذَّاءَ- عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "أَلَا وَإِنَّ قَتِيلَ الْخَطَإِ، شِبْهِ الْعَمْدِ، مَا كَانَ بِالسَّوْطِ، وَالْعَصَا، مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ، أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"حمّاد": هو ابن زيد.
و"عقبة بن أوس" السَّدُوسيّ البصريّ، ويقال فيه: يعقوب، وقيل: هما أخوان، صدوقٌ [٤].
وَقَالَ فِي "تهذيب التهذيب" ٣/ ١٢١: رَوَى عن ابن عمرو بن العاص، فِي خطبة يوم
стр. 17398
الفتح، وقيل: عن ابن عمر، رَوَى عنه القاسم بن ربيعة، ومحمد بن سيرين، وعلي بن زيد بن جدعان، قَالَ الدوري، عن ابن معين: عقبة بن أوس، هو يعقوب بن أوس. وَقَالَ العجليّ: بصري تابعيّ ثقة. وَقَالَ ابن سعد: كَانَ ثقة، قليل الْحَدِيث. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وزعم خليفة بن خياط: أن عقبة، ويعقوب أَخَوَانِ، ووقع عند ابن أبي خيثمة: عن يعقوب بن أوس، رجل منْ الصحابة، قَالَ: خطب … فذكره، وتعقبه بأن قَالَ: كذا وقع، وليس ليعقوب صحبة، وإنما رواه عن ابن عمرو.
روى له المصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه، أخرجوا له هَذَا الْحَدِيث الواحد فقط، واختُلف فيه عَلَى القاسم بن ربيعة، كما بينه المصنّف رحمه الله تعالى فِي هَذَا الباب. والسند مسلسلٌ بثقات البصريين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
وقوله: "ألا": أداة استفتاح، وتنبيه. وقوله: "إن قتيل الخطإ" عَلَى حذف مضاف: أي إن دية قتيل الخطإ الخ"، ولفظ أبي داود: "ألا إن دية الخطإ، شبه العمد الخ". وقوله: "شبهِ العمد" بالجر عطف بيان لـ"الخطإ"، أو بدل منه. وقوله: "ما كَانَ بالسوط والعصا" خبر لمحذوف: أي هو ما كَانَ الخ، ويحتمل أن يكون بدلاً منْ "الخطإ". وقوله: "مائةٌ منْ الإبل" خبر "إن".
والحديث أخرجه أبو داود فِي "سننه" ٤/ ١٩٥، فَقَالَ:
٤٥٨٨ - حدثنا سليمان بن حرب، ومسدد المعمى، قالا: ثنا حماد، عن خالد، عن القاسم بن ربيعة، عن عقبة بن أوس، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ … قَالَ مسدد: خطب يوم الفتح، ثم اتفقا، فَقَالَ: "ألا إن مَأْثَرَة كانت فِي الجاهلية، منْ دم، أو مال، تُذكُر، وَتُدَّعَى تحت قدميَّ، إلا ما كَانَ منْ سِقاية الحاج، وسِدَانة البيت"، ثم قَالَ: "ألا إن دية الخطإ، شبه العمد، ما كَانَ بالسوط، والعصا، مائة منْ الإبل، منها أربعون فِي بطونها أولادها".
والحديث صحيح، وقدم تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله فِي الباب الماضي، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٩٦ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَامِلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَقَالَ: "أَلَا وَإِنَّ قَتِيلَ الْخَطَإِ، شِبْهِ الْعَمْدِ، بِالسَّوْطِ، وَالْعَصَا، وَالْحَجَرِ، مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ، فِيهَا أَرْبَعُونَ ثَنِيَّةً، إِلَى بَازِلِ عَامِهَا، كُلُّهُنَّ خَلِفَةٌ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن كامل": هو المروزيّ، ثقة، منْ صغار
стр. 17399
[١٠] ١٨٨/ ٣٠١ منْ أفراد المصنّف، وأبي داود. و"هُشيم": هو ابن بَشِير الواسطيّ. و"خالد" هو الحذّاء.
وقوله "فيها أربعون ثنيّةً" -بفتح المثلّثة، وكسر النون، وتشديد التحتانيّة-: هي الناقة التي دخلت فِي السنة السادسة. قَالَ الفيّوميّ: الثنيّ منْ الأسنان: جمعها ثنايا، وثَنِيات، وفي الفم أربعٌ، والثنيّ: الجمل يدخل فِي السنة السادسة، والناقة ثنيّة، والثّنيّ أيضًا الذي يُلقي ثنيّته، يكون منْ ذوات الظِّلْف، والحافر فِي السنة الثالثة، ومن ذوات الْخُفّ فِي السنة السادسة، وهو بعد الجذع، والجمع ثِنَاء بالكسر، والمدّ. انتهى.
وقوله: "إلى بازل عامها": متعلقٌ بـ"ثنيّة"، وذلك فِي ابتداء السنة التاسعة، وليس بعده اسم، بل يقال: بازل عام، وبازل عامين. قاله السنديّ. وَقَالَ ابن الأثير: البازل منْ الإبل: الذي أتمّ ثمان سنين، ودخل فِي التاسعة، وحينئذ يطلُع نابه، وتكمل قوّته، ثم يقال له بعد ذلك: بازل عام، وبازل عامين. انتهى "النهاية" ١/ ١٢٥.
وَقَالَ فِي "اللسان": يقال للبعير إذا استكمل السنة الثامنة، وطعن فِي التاسعة، وفَطَرَ نابه، فهو حينئذ بازلٌ، وكذلك الأنثى بغير هاء، وهو أقصى أسنان البعير، سُمّي بازلاً منْ البَزْل، وهو الشقّ، وذلك أن نابه إذا طلع يقال له: بازلٌ؛ لشقّه اللحمَ عن مَنبِته شَقّا. قَالَ: والبازل أيضًا اسم السنّ التي تطلع فِي وقت البُزُول، والجمع بوازل، قَالَ القطاميّ [منْ الوافر]:
تَسَمَّعُ مِنْ بَوَازِلِهَا صَرِيفًا … كَمَا صَاحَتْ عَلَى الْخَرِبِ الصِّقَارُ
قَالَ: وَقَدْ يقال: رجل بازلٌ عَلَى التشبيه بالبعير، وربما قالوا ذلك يعنون به كماله فِي عقله، وتجربته، قَالَ الشاعر [منْ الرجز]:
مَا تُنْكِرُ الْحَرْبُ الْعَوَانُ مِنِّي … بَازِلُ عَامَينِ حَدِيثٌ سِنِّي
أي مستجمع الشباب، ومستكمل القوّة. انتهى بتصرّف.
وقوله: "خلِفَة" -بفتح، فكسر: هي الناقة الحاملة إلى نصف أجلها، ثم هي عِشَارٌ. وَقَالَ الفيّوميّ: الْخَلِفة بكسر اللام: هي الحامل منْ النوق، وجمعها مَخَاضٌ، منْ غير لفظها، كما تُجمع المرأة عَلَى النِّساء منْ غير لفظها، وهي اسم فاعل، يقال: خَلِفَتِ خَلَفَا، منْ باب تعب: إذا حمَلَت، فهي خَلِفَةٌ، مثلُ تَعِبَةٍ، وربّما جُمعت عَلَى لفظها، فقيل: خَلِفَاتٌ، وتُحذف الهاء أيضًا، فقيل: خَلِفٌ. انتهى.
وقوله: "مغلّظة": أي ديةٌ مغلّظة، وإنما قَالَ: مغلّظة؛ لأن دية الخطإ مخفّفة، حيث إنها تجب ثلاثون بنت مخاض، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقّة، وعشرة بني لبون، كما سيأتي فِي حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، فِي آخر الباب، إن شاء الله تعالى.
стр. 17400
والحديث صحيح، وَقَدْ سبق القول فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٩٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ خَالِدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ أَوْسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَلَا إِنَّ قَتِيلَ الْخَطَإِ، قَتِيلَ السَّوْطِ وَالْعَصَا، فِيهِ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ، مُغَلَّظَةٌ، أَرْبَعُونَ مِنْهَا فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "ابن أبي عديّ": هو محمد بن إبراهيم. و"خالد": هو الحذّاء.
وقوله: "قتيل الخطإ" عَلَى حذف مضاف: أي دية قتيل الخطإ.
والحديث مرسلٌ، وَقَدْ تقدّم أن الموصول أصحّ منه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٩٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ، قَالَ: "أَلَا وَإِنَّ كُلَّ قَتِيلِ خَطَإِ الْعَمْدِ، أَوْ شِبْهِ الْعَمْدِ، قَتِيلِ السَّوْطِ وَالْعَصَا، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "يعقوب بن أوس": هو عقبة بن أوس المذكور فِي الأسانيد الماضية.
وقوله: "ألا وان كلَّ قتيل خطإ العمد" الواو فيه للعطف، عَلَى مقدّر، فإن الرواية عنده المصنّف مختصرة، وَقَدْ تقدّم مطوّلاً منْ رواية أبي داود التي سبق ذكرها، فقد ذكر فيها قبلها أشياء، فتنبّه.
وقوله: "خطإ العمد" هو بتقدير مضاف: أي خطإ شبه العمد.
وقوله: "أو شبه العمد" "أو" فيه للشكّ منْ الراوي.
وقوله: "منها أربعون الخ" فيه تقدير، تدلّ عليه الروايات الماضية: أي مائة منْ الإبل، منها أربعون الخ، ومثل هَذَا فِي الروايتين التاليتين، فلا تغفُل.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٩٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ أَوْسٍ، أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ، عَامَ الْفَتْحِ قَالَ: "أَلَا وَإِنَّ قَتِيلَ الْخَطَإِ الْعَمْدِ، قَتِيلَ السَّوْطِ وَالْعَصَا، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا").
стр. 17401
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن عبد والله بن بزيع" -بفتح الموحدة، وكسر الزاي-: هو البصريّ الثقة [١٠] ٤٣/ ٥٨٨. و"يزيد": هو ابن زُريع البصريّ الثقة الثبت [٨] ٥/ ٥. و"خالد": هو الحذّاء.
والحديث صحيح، كما سبق البحث عنه مستوفًى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٠٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا يَزِيدُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ أَوْسٍ، أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ حَدَّثَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ، قَالَ: "أَلَا وَإِنَّ قَتِيلَ الْخَطَإِ الْعَمْدِ، قَتِيلَ السَّوْطِ وَالْعَصَا، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الرواية هي الرواية السابقة سندًا ومتنًا، ولا يظهر فيها فرقٌ كبير، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٠١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُدْعَانَ، سَمِعَهُ مِنَ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، عَلَى دَرَجَةِ الْكَعْبَةِ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، أَلَا إِنَّ قَتِيلَ الْعَمْدِ الْخَطَإِ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا، شِبْهِ الْعَمْدِ، فِيهِ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ، مُغَلَّظَةٌ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَةٌ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن منصور": هو الْجَوّاز المكيّ الثقة [١٠] منْ أفراد المصنف. و"سفيان": هو ابن عُيينة. و"ابن جُدْعان": هو عليّ بن زيد بن عبد الله بن زُهير بن عبد والله بن جُدعان التيميّ البصريّ، حجازيّ الأصل، وهو المعروف بعليّ بن زيد بن جُدعان، يُنسب أبوه إلى جد جدّه، ضعيف [٤] ٤١/ ٣٨٧٧.
وقوله: "عَلَى دَرَجة الكعبة": قَالَ فِي "اللسان": دَرَجُ البناءِ -أي بفتحتين-، ودُرَّجُهُ -بالتثقيل: أي بضمّ أوله، وتشديد ثانيه-: مراتب بعضها فوق بعض، واحدتها دَرَجَةٌ -أي بفتحات- ودُرَجة، مثلُ هُمزة -أي بضم، ففتح-. انتهى.
وقوله: "فحمد الله، وأثنى عليه"، وفي رواية لأبي داود: "فكبّر ثلاثًا". وقوله: "وَقَالَ: الحمد لله وحده الخ" وفي رواية أبي داود: "ثم قَالَ: لا إله إلا والله وحده الخ".
وقوله: "وهزم الأحزاب": هم الذين تجمّعوا لحرب المسلمين يوم الخندق، ويحتمل أن يكون المراد أحزاب الكفّار، فِي أيّ دهر، وفي أيّ مصر. وقوله: "وحد": أي منْ غير قتال أحد منْ النَّاس، بل أرسل عليهم ريحًا، وجنودًا، لم يرها النَّاس.
وقوله: "ألا إن قتيل العمد الخطإ بالسوط والعصا شبه العمد" هكذا هو فِي هذه
стр. 17402
الرواية بتقديم "العمد"، وله وجه، وذلك أن هَذَا القتل وُصف بالوصفين، فإنه بالنظر إلى القصد عمدٌ؛ حيث رماه قاصدًا إياه، وبالنظر إلى الآلة خطأٌ، حيث إنها لا يُقصد بها القتل غالبًا، فإن السوط، والعصا ليست مما يقتل فِي العادة، وإنما يُقصد بها التأديب، ونحوه، فصحّ وصفه بهما باعتبارين. ولفظ ابن ماجه: "ألا إن قتيل الخطإ، قتيلَ السوط والعصا، فيه مائة منْ الإبل"، وهي واضحة.
وقوله: "شبه العمد" بالجرّ بدل منْ "العمد الخطإ".
[تنبيه]: رواية المصنّف رحمه الله تعالى هذه مختصرة، وَقَدْ ساقها الإمام ابن ماجه رحمه الله تعالى فِي "سننه" مطوّلاً، فَقَالَ: ٢٦٢٨ - حدثنا عبد الله بن محمد الزهريّ، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن جدعان، سمعه منْ القاسم بن ربيعة، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ ، قام يوم فتح مكة، وهو عَلَى درج الكعبة، فحمد الله، وأثنى عليه، فَقَالَ: "الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا إن قتيل الخطإ، قتيلَ السوط والعصا، فيه مائة منْ الإبل، منها أربعون خَلِفة، فِي بطونها أولادها، ألا إن كل مَأْثَرة كانت فِي الجاهلية، ودَمٍ تحت قدميَّ هاتين، إلا ما كَانَ منْ سِدَانة البيت، وسِقَاية الحاجّ، ألا إني قد أمضيتهما لأهلهما كما كانا".
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا أخرجه المصنّف هنا -٣٣/ ٤٨٠١ - وفي "الكبرى" ٣٢/ ٧٠٠٢. وأخرجه (ق) فِي "الديات" ٢٦٢٨.
وهو بهذا الإسناد ضعيف؛ لتفرد ابن جُدْعان به، ومخالفته أيوب السختيانيّ، وخالدا الحذّاء، وهما إمامان مشهوران بالحفظ والإتقان، وهو مشهور بالضعف، فتكون روايته منكرة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٠٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "الْخَطَأُ شِبْهُ الْعَمْدِ -يَعْنِي بِالْعَصَا وَالسَّوْطِ- مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "سهل بن يوسف" الأنماطيّ، أبو عبد الرحمن ويقال أبو عبد الله البصريّ، ثقة رُمي بالقدر، منْ كبار [٩].
وَقَالَ فِي "تهذيب التهذيب" ٢/ ١٢٧: رَوَى عن ابن عون، وعبيد والله بن عمر، وعوف الأعرابيّ، وحميد الطويل، وسعيد بن أبي عروبة، وسليمان التيمي، والعوام بن حَوْشَب، وشعبة، والمثنى بن سعيد الطائي، وغيرهم. وعنه أحمد بن حنبل، ويحيى
стр. 17403
ابن معين، وبندار، وأبو موسى، وأبو بكر بن أبي شيبة، وقتيبة، ونصر بن علي الجهضمي، والعباس بن يزيد البحراني، وغيرهم. قَالَ الدوري، عن ابن معين: ثقة. وَقَالَ أبو حاتم: لا بأس به. وَقَالَ النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". قَالَ البخاريّ: قَالَ أحمد: سمعت منه سنة مائة وتسعين، ولم أسمع بعدُ منه شيئا، أراه كَانَ قد مات. وفيها أرخه ابن حبّان، وَقَالَ الساجي: صدوق، والذي وَضَعَ منه القَدَرُ. وَقَالَ الدارقطنيّ: ثقة. وَقَالَ الطحاوي، عن إبراهيم بن أبي داود: بصري ثقة. روى له البخاريّ، والأربعة، وله عند المصنّف هَذَا الْحَدِيث فقط.
و"حُميد": هو الطويل.
وقوله: "الخطأ" عَلَى حذف مضاف: أي دية قتل الخطإ. وقوله: "شبه العمد" بالرفع بدل منْ "الخطإ".
والحديث مرسلٌ، وَقَدْ تقدّم موصولاً صحيحًا، فلا تغفُل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٠٣ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قُتِلَ خَطَأً، فَدِيَتُهُ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ: ثَلَاثُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَثَلَاثُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَعَشْرَةٌ بَنِي لَبُونٍ، ذُكُورٍ"، قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يُقَوِّمُهَا عَلَى أَهْلِ الْقُرَى، أَرْبَعَمِائَةَ دِينَارٍ، أَوْ عِدْلَهَا مِنَ الْوَرِقِ، وَيُقَوِّمُهَا عَلَى أَهْلِ الإِبِلِ، إِذَا غَلَتْ رَفَعَ فِي قِيمَتِهَا، وَإِذَا هَانَتْ نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهَا، عَلَى نَحْوِ الزَّمَانِ، مَا كَانَ، فَبَلَغَ قِيمَتُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مَا بَيْنَ الأَرْبَعِمِائَةِ دِينَارٍ، إِلَى ثَمَانَمِائَةِ دِينَارٍ، أَوْ عِدْلَهَا مِنَ الْوَرِقِ، قَالَ: وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّ مَنْ كَانَ عَقْلُهُ فِي الْبَقَرِ، عَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ، مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وَمَنْ كَانَ عَقْلُهُ فِي الشَّاةِ، أَلْفَيْ شَاةٍ، وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّ الْعَقْلَ مِيرَاثٌ بَيْنَ وَرَثَةِ الْقَتِيلِ، عَلَى فَرَائِضِهِمْ، فَمَا فَضَلَ فَلِلْعَصَبَةِ، وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنْ يَعْقِلَ عَلَى الْمَرْأَةِ عَصَبَتُهَا مَنْ كَانُوا، وَلَا يَرِثُونَ مِنْهُ شَيْئًا، إِلاَّ مَا فَضَلَ عَنْ وَرَثَتِهَا، وَإِنْ قُتِلَتْ فَعَقْلُهَا بَيْنَ وَرَثَتِهَا، وَهُمْ يَقْتُلُونَ قَاتِلَهَا).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث ليس مطابقا لهذا الباب، إذ ليس فيه بيان دية شبه العمد، وإنما فيه بيان دية الخطإ، فكان الأولى للمصنّف رحمه الله تعالى أن يذكره تحت الترجمة التالية، لكن جرت له عادة غريبة، وذلك أنه يذكر فِي نهاية بعض الأبواب حديثًا منْ أحاديث الباب الذي يليه، وهذا تقدم له غير مرّة، وَقَدْ نبّهت عليه فِي مواضعه، ولعله يريد بذلك الربط بين البابين، والله تعالى أعلم.
стр. 17404
رجال هَذَا الإسناد: سبعة:
١ - (أحمد بن سليمان) أبو الحسين الرُّهاويّ الحافظ الثقة [١١] ٣٨/ ٤٢ منْ أفراد المصنّف.
٢ - (يزيد بن هارون) أبو خالد الواسطيّ، ثقة متقنٌ عابدٌ [٩] ١٥٣/ ٢٤٤.
٣ - (محمد بن راشد) المكحوليّ الْخُزاعيّ، أبو عبد الله، ويقال: أبو يحيى الدمشقيّ، نزيل البصرة، صدوقٌ يهم، ورُمي بالقدر [٧].
رَوَى عن مكحول الشاميّ، وليث بن أبي رُقَية، وسليمان بن موسى، وعبد الله بن محمد بن عَقِيل، وعوف الأعرابيّ، ويحيى بن يحيى الغساني، وعمرو بن عبيد، وعبدة ابن أبي لبابة، وعدة.
وعنه الثوري، وشعبة، وهما منْ أقرانه، وابن المبارك، وابن مهدي، والقطان، وزيد بن أبي الزرقاء، والوليد بن مسلم، وبقية بن الوليد، ويزيد بن هارون، ويحيى بن حسان، وحَبّان بن هلال، وخالد بن يزيد السلمي، ومحمد بن بكار بن بلال العاملي، وحفص بن عمر الحوضي، ومسلم بن إبراهيم، وشيبان بن فروخ، وآخرون.
قَالَ ابن المبارك: صدوق اللسان، وأراه اتُّهِم بالقدر. وَقَالَ أحمد، عن أبي النضر، عن شعبة: أما إنه صدوق، ولكنه شيعي، أو قدري، شك أحمد. وَقَالَ أحمد بن أبي ثابت: سُئل عنه أحمد بن حنبل؟ فَقَالَ: ثقة ثقة. قَالَ: قَالَ لنا عبد الرزاق: ما رأيت أحدا أروع فِي الْحَدِيث منه. وَقَالَ أبو طالب، عن أحمد: ثقة سمع منْ مكحول. وَقَالَ إبراهيم بن الجنيد، عن ابن معين: ثقة صدوق. وَقَالَ غير واحد، عن ابن معين: ثقة. وَقَالَ إبراهيم الجوزجاني: كَانَ مشتملا عَلَى غير بدعة، وكان فيما سمعت متحريا للصدق فِي حديثه. وَقَالَ يعقوب بن شيبة: صدوق. وَقَالَ يعقوب بن سفيان: سألت عبد الرحمن بن إبراهيم عنه؟ فَقَالَ: كَانَ يُذكَر بالقدر، إلا أنه مستقيم الْحَدِيث. وَقَالَ أبو حاتم: كَانَ صدوقا، حسن الْحَدِيث. وَقَالَ النسائيّ: ثقة. وَقَالَ فِي موضع آخر: لا بأس به. وَقَالَ فِي موضع آخر: ليس بالقوي. وَقَالَ ابن حبّان: كَانَ منْ أهل الورع، والنسك، ولم يكن الْحَدِيث منْ صنعته، وكثر المناكير فِي روايته، فاستحق الترك. وَقَالَ الدارقطنيّ: يعتبر به. وَقَالَ ابن عدي: يروي عن مكحول أحاديث، وليس برواياته بأس، هاذا حدث عنه بقية، فحديثه مستقيم. وَقَالَ أبو زرعة الدمشقي: بلغني عن أبي مسهر، قَالَ: كَانَ يرى الخروج عَلَى الأئمة. قَالَ أبو زرعة: وحدثني محمد بن العلاء، قَالَ: مات محمد بن راشد بعد سنة ستين ومائة. وَقَالَ ابن الجنيد، عن ابن معين: لم يكن به بأس، وكان يقول بالقدر. وَقَالَ أبو زرعة الدمشقي أيضا: قلت لدحيم يعني
стр. 17405
عبد الرحمن بن إبراهيم- ومحمد بن عثمان بن أبي الجماهر: ما تقولان فِي المكحوليّ، فقالا: ثقة، زاد ابن عثمان: وَقَدْ كَانَ يميل إلى هوى، قلت: فأين هو منْ سعيد بن بشير؟ فقدما سعيدا عليه. وَقَالَ محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن ابن المديني: ثقة. وَقَالَ الساجي: صدوق، إنما تكلموا فيه لموضع القدر، لا غير. وَقَالَ ابن خراش: ضعيف الْحَدِيث.
روى له الأربعة، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب حديثان فقط: هَذَا، والحديث الآتي بعد ثلاثة أبواب -٣٧/ ٤٨٠٨ - عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، مرفوعًا: "عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين، وهم اليهود والنصارى".
٤ - (سُليمان بن موسى) الأمويّ مولاهم، الدمشقيّ الأشدق، صدوقٌ فقيهٌ، فِي حديثه بعض لين، وخُولط قبل موته بقليل [٥] ٧/ ٥٠٤.
٥ - (عمرو بن شعيب) بن محمد المدنيّ، أو الطائفي، صدوق [٥] ١٠٥/ ١٤٠.
٦ - (أبوه) شعيب بن محمد بن عبد الله الطائفي، صدوق [٣] ١٠٥/ ١٤٠.
٧ - (جده) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما ٨٩/ ١١١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم موثقون. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن جدّه، وتابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص (عَنْ أَبيهِ) الضمير هنا لعمرو، وأبوه: هو شعيب بن محمد (عَنْ جَدِّهِ) الضمير هنا لشعيب، لا لعمرو، وجدّه: هو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قُتل) بالبناء للمفعول (خَطَأً، فَدِيَتُهُ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ: ثَلَاثُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ) بنصب "بنت" عَلَى التمييز، وهي التي طعنت فِي الثانية، سُميت بذلك لأن أمها صارت ذات مَخاض بأخرى. قَالَ الفيّوميّ: المخاض بفتح الميم، والكسرُ لغةٌ: وَجَعُ الولادة، ومَخِضت المرأة، وكلُّ حاملٍ، منْ باب تَعِبَ: دنا ولادُها، وأخذها الطلق، فهي ماخضٌ، بغير هاء، وشاة ماخضٌ، ونُوقٌ مُخَّضٌ، ومَوَاخض، فإن أردتَ أنها حاملٌ، قلتَ: نُوقٌ مَخَاضٌ بالفتح، الواحدة خَلِفَةٌ منْ غير لفظها، كما قيل لواحدة الإبل: ناقةٌ،
стр. 17406
منْ غير لفظها، وابنُ مخاض: ولدُ الناقة، يأخذ فِي السنة الثانية، والأنثى بنتُ مخاض، والجمع فيهما بنات مخاض، وَقَدْ يقال: ابن المخاض بزيادة اللام، سُمّي بذلك؛ لأن أمه قد ضربها الفحل، فحملت، ولَحِقت بالمخاض، وهن الحوامل، ولا يزال ابن مخاض، حتّى يستكمل السنة الثانية، فإذا دخل فِي الثالثة، فهو ابن لَبُون. انتهى "المصباح المنير".
(وَثَلَاثُونَ بِنْتَ لَبُونٍ) بالنصب، كسابقه، وهي بفتح اللام وهي التي طعنت فِي السنة الثالثة، سُمّيت بذلك؛ لأن أمها ولدت غيرها، فصار لها لبن، والذكر ابن لبون، وجمعهما: بنات لبون (وَثَلَاثُونَ حِقَّةً) بكسر الحاء المهملة، وتشديد القاف: هي التي طعنت فِي السنة الرابعة، وحُقَّ لها أن تُركب، وتُحمل، وجمع الحقّة حِقَقٌ، مثلُ سِدْرة وسِدَر، والذكر حِقٌّ، والجمع حِقاق بالكسر (وَعَشَرَةُ بَنِي لَبُونٍ) بجرّ "بني" بالإضافة؛ لأن تميز العشرة، فما دونها يجب جرّه بالإضافة، كما قَالَ فِي "الخلاصة":
ثَلَاَثةً بِالتَّاءِ قُلْ لِلْعَشَرَة … فِي عَدِّ مَا آحَادُه مُذَكَّرَهْ
فِي الضِّدِّ جَرِّدْ وَالمُمَيِّزَ اجْرُرْ … جَمْعًا بِلَفْظِ قِلَّةٍ فِي الأكْثَرِ
وقوله (ذُكُورٍ) بالجرّ صفة لـ"لبون".
(قَالَ) الراوي، والظاهر أنه عبد الله ﵁ (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , يُقَوِّمُهَا) بتشديد الواو المكسورة، منْ التقويم: أي يجعل قيمة دية الخطإ، يقال: قومت المتاعَ تقويمًا: جعلت له قيمةً معلومةً. قاله الفيّوميّ (عَلَى أَهْلِ الْقُرَى) بالضمّ جمع قرية، وهي الضيعة، وَقَالَ فِي "كفاية المتحفِّظ": القرية كلّ مكان اتّصلت به الأبنية، واتُّخِذ قَرَارًا، وتقع عَلَى المدن وغيرها، والجمع قُرَى عَلَى غير قياس، قَالَ بعضهم؛ لأن ما كَانَ عَلَى فَعْلَة منْ المعتلّ، فبابه أن يُجمع عَلَى فِعَالٍ بالكسر، مثلُ ظبية وظِباء، ورَكْوة ورِكَاء، والنسبة إليها قَرَويّ بفتح الراء، عَلَى غير قياس. انتهى (أَرْبَعَمِائَةَ دِينَارٍ، أَوْ عِدْلَهَا) بفتح العين، وكسرها، قيل: فِي هذه الرواية للأكثر بالفتح: أي مثلها فِي القيمة، قَالَ فِي "القاموس": العدل -أي بفتح، فسكون: المثل، والنظير، كالعدل -أي بكسر، فسكون-، والعَدِيل، جمعه أَعْدالٌ، وعُدلاءُ. انتهى. وَقَالَ فِي "المصباح": عِدل الشيءِ بالكسر مثله منْ جنسه، أو مقدارِهِ، قَالَ ابن فارس: والعِدل: الذي يُعادل فِي الوزن والقدر، وعَدْلُهُ: ما يقوم مقامه منْ غير جنسه، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، وهو مصدر فِي الأصل، يقال: عدَلتُ بهذا عَدْلاً، منْ باب ضرب: إذا جعلته مثله، قائما مقامه. انتهى (مِنَ الْوَرِقِ) بفتح، فكسر: أي الفضة، وَقَالَ الفيّوميّ: الورق بكسر الراء، والإسكانُ للتخفيف: النُّقرة -أي الفضة- المضروبة، ومنهم منْ
стр. 17407
يقول: النُّقْرةُ، مضروبةً كانت، أو غير مضروبةٍ. قَالَ الفارابيّ: الوَرِق: المال، منْ الدراهم، ويُجمع عَلَى أوراق، والرِّقَة، مثلُ عِدَة: مثلُ الورِقِ. انتهى (وَيقَوِّمُهَا) أي يقوّم دية الخطإ (عَلَى أَهْلِ الإبِلِ، إِذَا غَلَتْ) أي الإبل، يعني ارتفع ثمنها، وزاد (رَفَعَ) أي زاد (فِي قِيمَتِهَا، وَإِذَا هَانَتْ) أي رخصت (نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهَا، عَلَى نَحْوِ الزَّمَانِ) أي عَلَى قيمة الوقت (مَا كَانَ) أي أيّ قدر كَانَ، زائدًا، أو ناقصًا. قَالَ السنديّ: وهذا أن أهل الإبل تؤخذ منهم الإبل بقيمتها فِي ذلك الزمان، وأما أهل القرى، فعليهم مقدارٌ معيّنٌ منْ النقد، يؤخذ عنهم فِي مقابلة الإبل. انتهى (فَبَلَغَ قِيمَتُهَا) أي قيمة إبل الدية (عَلَى عَهْدِ رَسُول ﷺ ، مَا بَيْنَ الْأَرْبَعِمِائَةِ دِينَارٍ) هكذا النسخ بإدخال "أل" عَلَى الجزء الأول، وهذا خلاف القاعدة التي ذكرها النحاة، منْ أنه إذا كَانَ العدد مضافًا عرّف المضاف إليه، لا المضاف، فتقول: مائة الدرهم، وألف الدينار، وخمسمائة الألف، وخمسمائة ألف الدينار، وأجاز الكوفيّون تعريف الجزأين، فتقول: الألف الدينار، وإن كَانَ العدد مركبًا عرّفت الأول، فتقول: الأحد عشر درهمًا، وأجاز الأخفش، والكوفيّون تعريف الجزأين أيضًا، فتقول: الأحد العشر درهمًا، وإذا كَانَ معطوفًا عرّفت الجزأين معًا، فتقول: الأحد والعشرون درهمًا، وإلى هذه القاعدة أشار العلامة الأجهوريّ بقوله:
وَعَدّدًا تُرِيدُ أَنْ تُعَرِّفَا … فَـ"ألْ" بِجُزْأَيْهِ صِلَنْ إِنْ عُطِفَا
وإنْ يَكُنْ مَرَكَّبًا فَالأَوَّلُ … وَفِى مُضَافٍ عَكْسُ هَذَا يُفْعَلُ
وَخَالَفَ الْكُوفِيُّ فِي الأَخِيرِ … فَعَرَّفَ الجُزْأَيْنِ يَا سَمِيرِي
قَالَ المحقّق الصبّان: والمراد بالأخير غير الأول، فيشمل الثاني، وهو المركب؛ لأن الكوفيّ خالف فيه أيضًا، وكان الأحسن أن يقول بدل الأخير:
وَخَالَفَ الْكُوفِيُّ فِي هَذَيْنِ … فَفِيهِمَا قَد عَرَّفَ الْجُزْأَيْنِ
ووقع فِي "صحيح البخاريّ" فِي "باب الكفالة فِي القرض والديون": ما نصه: "ثم قَدِمَ الذي كَانَ أسلفه، وأتى بالألف دينار"، فأوله الدَّمَامينيّ بتقدير مضاف، مبدل منْ الْمُعَرَّفِ: أي بالألف، ألف دينار، قَالَ: ولا يقال: إن "أل" زائدة؛ لأن ذلك لا ينقاس. انتهى "شرح الأشموني عَلَى ألفية ابن مالك"، مع "حاشية الصبّان" عليه ١/ ١٩٥ - ١٩٦.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي وقع فِي رواية المصنّف هنا نظير ما وقع فِي "صحيح البخاريّ"، فيؤوّل بتأويله، فنقول تقديره: ما بين الأربعمائة، أربعمائة دينار". والله تعالى أعلم.
стр. 17408
(إِلَى ثَمَانَمِائَةِ دِينَارٍ) يعني أن قيمتها فِي زمن رسول الله ﷺ كانت تختلف منْ وقت لآخر، إلى أن بلغ تفاوت قيمها منْ أربعمائة دينار، إلى ثمانمائة (أَوْ عِدْلَهَا مِنَ الْوَرِقِ) أي ما يُعادلها منْ الفضة. قَالَ الطيبيّ: وهذا يدلّ عَلَى أن الأصل فِي الدية هو الإبل، فإن أعوزت وجبت قيمتها، بالغةً ما بلغت، كما قاله الشافعيّ فِي الجديد، وأوَّلَ ما رُوي منْ تقدير دراهم ودنانير بأنه تقويم، وتعديل باعتبار ما كَانَ فِي ذلك الزمن، لا مطلقًا. انتهى "المرقاة شرح المشكاة" ٧/ ٦٥.
(قَالَ: وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّ مَنْ كَانَ عَقْلُهُ فِي الْبَقَرِ) الظاهر أن خبر "أنّ" محذوفٌ: أي يؤدّي منها، يعني أن منْ ليست له إبلٌ، وكانت له بقرٌ، فإنه يؤدّي العقل منْ بقره، وقوله: (عَلَى أَهْلِ البَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ) جملة مستأنفة، أتى بها لبيان مقدار البقر التي تدفع فِي العقل، ثم الرواية بنصب "مائتي بقرة"، والظاهر أنه مفعول لفعل مقدر مع "أن"، تقديره: أن يعطوا مائتي بقرة، وهو فِي تأويل المصدر مبتدأ، خبره الجار والمجرور قبله: تقديره: إعطاء مائتي بقرة كائن عَلَى أهل البقر. والله تعالى أعلم (وَمَنْ كَانَ عَقْلُهُ فِي الشَّاةِ) هكذا النسخ عند المصنّف "فِي الشاة" بالهاء فِي آخره، والظاهر أنه تصحيف منْ "الشاء" بهمز آخر، كما هو فِي "سنن أبي داود"؛ لأن "الشاة" بالهاء للواحدة، وأما الجنس فهو الشاء بالهمز، وهو المناسب هنا، فتنبّه، والله تعالى أعلم (أَلْفَيْ شَاةٍ) بالنصب أيضاً، مفعولٌ لفعل مقدّر: أي أعطى ألفي شاة، ويكون المقدّر جوابًا لـ"منْ"، إن كانت شرطيّة، أو خبرًا لها، إن كانت موصولة.
وحاصل المعنى: أنه ﷺ وسّع عَلَى القاتل، وأوليائه، حيث لم يُلزمهم بدفع العقل منْ الإبل فقط، بل جوز العقل فِي البقر، والشاء، فمن لم يكن له إبل، وكانت له بقر، أدّى العقل منها، وهي مائتا بقرة، ومن لم يكن له إبلٌ، وكانت له شاء، أدّى العقل منها، ومقدارها ألفا شاة. والله تعالى أعلم.
(وَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، أَنَّ الْعَقْلَ) أي الدية (مِيرَاثٌ) أي موروث (بَيْنَ وَرَثَةِ الْقَتِيلِ) أي المقتول (عَلَى فَرَائِضِهِم) أي عَلَى مقدار أنصبائهم التي قدّرها، وحدّدها لهم الله فِي كتابه الكريم (فَمَا فَضَلَ) بفتح الضاد المعجمة، منْ باب قتل: أي بقي، وفي لغة فَضِلَ يفضَلُ، منْ باب تَعِب، وفَضِلَ بالكسر يَفْضُلُ بالضمّ، لغةٌ، ليست بالأصل، ولكنها منْ تداخل اللغتين. قاله فِي "المصباح". والمعنى: أن ما بقي بعد أنصباء أهل الفروض منْ المال (فَـ) هو (لِلْعَصَبَةِ) أي للقرابة الذين ليست لهم فريضة مسمّاة، قَالَ فِي "اللسان" ١/ ٦٠٥ - : كلّ منْ لم تكن له فريضة مسمّاة، فهو عصبة، إن بقي شيء بعد الفرائض أخذ. قَالَ الأزهريّ: عصبة الرجل أولياؤه الذكور، منْ ورثته، سُمّوا عصبةً؛
стр. 17409
لأنهم عَصَبُوا بنسبه: أي استكفّوا به، فالأب طَرَفٌ، والابن طرف، والعمّ جانبٌ، والأخ جانبٌ، والجمع العصبات، والعرب تُسمّي قرابات الرجل: أطرافه، ولَمّا أحاطت به هذه القرابات، وعَصَبَت بنسبه سُمُّوا عَصبَةً، وكلّ شيء استدار بشيء، فقد عصب به. انتهى.
وَقَالَ الفيّوميّ: العَصَبة: القرابة الذكور الذين يُدلون بالذكور، هَذَا معنى ما قاله أهل اللغة، وهو جمع عاصب، مثلُ كفَرَة، جمع كافر، وَقَدْ استعمل الفقهاء العَصَبَة فِي الواحد، إذا لم يكن غيره؛ لأنه قام مقام الجماعة فِي إحراز جميع المال، والشرعُ جعل الأنثى عَصبَةً فِي مسألة الإعتاق، وفي مسألةٍ، منْ المواريث، فقلنا بمقتضاه فِي مورد النصّ، وقلنا فِي غيره: لا تكون المرأة عَصبَةً، لا لغةً، وشرْعًا. انتهى. (وَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، أَنْ يَعْقِلَ) بفتح أوله، وكسر القاف، منْ باب ضرب: أي يدفع الدية (عَلَى الْمَرْأَةِ) الظاهر أن "عَلَى" بمعنى "عن" (عَصَبَتُهَا) فاعل "يعقل": والمعنى أن عصبة المرأة يتحمّلون عنها الدية الواجبة عليها بسبب جنايتها. وقوله: (مَنْ كَانُوا) أي عصبة كانوا، قريبين لها، أو بعيدين عنها (وَلَا يَرِثُونَ مِنْهُا شَيْئًا) أي لا يرث عصبة المرأة التي تحمّلوا عنها العقل منْ مالها شيئًا (إِلَّا مَا فَضَلَ عَنْ وَرَثَتِهَا) المراد بهم أصحاب الفروض.
وحاصل المعنى: أن المرأة إذا جنت بالقتل، فتحمّل عصبتها عقل جنايتها، فدفعوه إلى أولياء منْ قتلته، ثم ماتت القاتلة، فإن عصبتها لا يرثون شيئًا منْ مالها، إلا ما فضل عن أصحاب الفروض، كما كانوا يأخذونه قبل تحمّل الدية.
وإنما بينّ النبيّ ﷺ هَذَا؛ لأنه ربما يُتوهّم أن العصبة لَمّا تحمّلوا الدية عنها، أنهم الوارثون لمالها؛ لكون دفعوا عنها دية جنايتها، فبيّن ﷺ أنهم لا يرثون بسبب هَذَا، وإنما الإرث لأصحاب الفروض، فإن بقي بعد فروضهم شيء أخذه العصبة، فهم كحالهم قبل تحمّل الدية، منْ غير فرق. والله تعالى أعلم.
ووقع فِي بعض النسخ بلفظ "ولا يرثون منه شيئا" بضمير المذكّر، والظاهر أن "منها" هو الصواب، وهو الذي وقع فِي النسخة الهنديّة، وذلك لأنه إذا كَانَ بضمير المذكّر يرجع إلى ما سبق إلى العقل الذي دفعوه، وهذا معنى باطل، وإنما المعنى الصحيح أن العصبة لا يرثون منْ مال المرأة التي أدّوا العقل عن جنايتها إذا ماتت بعد ذلك إلا ما فضل منْ ذوي الفروض، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
(وَإِنْ قُتِلَتْ) بالبناء للمجهول: أي قُتلت المرأة خطأ، فوجب لذلك دية (فَعَقْلُهَا) أي ديتها التي وجبت للورثة بسبب قتلها (بَيْنَ وَرَثتِهَا) أي أصحاب الفروض عَلَى قدر ميراثهم، فإن فضل فلعصبتها (وَهُمْ) أي ورثتها (يَقْتُلُونَ قَاتِلَهَا) أي إذا كَانَ عمدًا،
стр. 17410
والمعنى أنها إذا قُتلت عمدًا فالورثة هم الذين يستحقّون القصاص، دون العصبة.
[تنبيه]: هَذَا الْحَدِيث ساقه الإمام أحمد فِي "مسنده" مطوّلاً بسند آخر، فَقَالَ:
٦٩٩٤ - حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، فذكر حديثا، قَالَ ابن إسحاق: وذكر عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن أبيه، عن جده، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "منْ قَتَل مؤمنا متعمدا، فإنه يُدفع إلى أولياء القتيل، فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، فذلك عقل العمد، وما صالحوا عليه منْ شيء فهو لهم، وذلك شديد العقل، وعقل شبه العمد مغلظة، مثل عقل العمد، ولا يُقتل صاحبه، وذلك أن يَنْزَغَ الشيطانُ بين النَّاس، فتكون دماء، فِي غير ضغينة، ولا حمل سلاح، فإن رسول الله ﷺ ، قَالَ -يعني-: "منْ حمل علينا السلاح فليس منا"، ولا رصد بطريق، فمن قتل عَلَى غير ذلك، فهو شبه العمد، وعقله مغلظة، ولا يقتل صاحبه، وهو بالشهر الحرام، وللحرمة وللجار، ومن قتل خطأ فديته مائة منْ الإبل، ثلاثون ابنة مخاض، وثلاثون ابنة لبون، وثلاثون حقة، وعشر بَكارة بني لبون ذكور، قَالَ: وكان رسول الله ﷺ يقيمها عَلَى أهل القرى، أربعمائة دينار، أو عدلها منْ الورق، وكان يقيمها عَلَى أثمان الإبل، فإذا غَلَت رفع فِي قيمتها، وإذا هانت نقص منْ قيمتها، عَلَى عهد الزمان ما كَانَ، فبلغت عَلَى عهد رسول الله ﷺ ، ما بين أربعمائة دينار إلى ثمانمائة دينار، وعدلها منْ الورق، ثمانية آلاف درهم، وقضىِ أن منْ كَانَ عقله عَلَى أهل البقر، فِي البقر مائتي بقرة، وقضى أن منْ كَانَ عقله عَلَى أهل الشاء، فألفي شاة، وقضى فِي الأنف إذا جُدع كله بالعقل كاملا، وإذا جدعت أرنبته فنصف العقل، وقضى فِي العين نصف العقل، خمسين منْ الإبل، أو عدلها ذهبا، أو ورقا، أو مائة بقرة، أو ألف شاة، والرجل نصف العقل، واليد نصف العقل، والمأمومة ثلث العقل، ثلاث وثلاثون منْ الإبل، أو قيمتها منْ الذهب، أو الورق، أو البقر، أو الشاء، والجائفة ثلث العقل، والمنقلة خمس عشرة منْ الإبل، والموضحة خمس منْ الإبل، والأسنان خمس منْ الإبل.
قَالَ: وذكر عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قَالَ: قضى رسول الله ﷺ ، فِي رجل طعن رجلا بقرن فِي رجله، فَقَالَ: يا رسول الله أقدني، فَقَالَ له رسول الله ﷺ : "لا تعجل حَتَّى يبرأ جرحك"، قَالَ فأبى الرجل إلا أن يستقيد، فأقاده رسول الله ﷺ منه، قَالَ: فعَرِج المستقيد، وبرأ المستقاد منه، فأَتَى المستقيد إلى رسول الله ﷺ ، فَقَالَ له: يا رسول الله عَرِجت، وبرأ صاحبي، فَقَالَ له رسول اللَّه ﷺ : "ألم آمرك ألا تستقيد، حَتَّى يبرأ جرحك، فعصيتني، فأبعدك الله، وبطل جرحك"، ثم أمر
стр. 17411
رسول الله ﷺ ، بعد الرجل الذي عرج، منْ كَانَ به جرح، أن لا يستقيد حَتَّى تبرأ جراحته، فإذا برئت جراحته استقاد. انتهى.
وفي إسناده محمد بن إسحاق، وهو مدلّسٌ، ولم يُصرّح بالتحديث، لكن تابعه ببعضه سليمان بن موسى الأشدق عند المصنّف فِي هَذَا الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عبد الله عمرو رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيحٌ.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وَقَدْ صرح المصنّف بأنه منكر، فَقَالَ فِي "الكبرى" ٤/ ٢٣٤ رقم ٧٠٠٤ - : قَالَ أبو عبد الرحمن: هَذَا حديث منكر، وسليمان بن موسى ليس بالقويّ فِي الْحَدِيث، ولا محمد بن راشد. انتهى.
[قلت]: سليمان بن موسى، ومحمد بن راشد قد وثقهما، وأثنى عليهما كثير منْ الأئمة، بل المصنّف نفسه وثّق محمد بن راشد فِي رواية أخرى، كما سيأتي قريباً، ودونك بعض أقوال الأئمة فيهما:
فأما سليمان بن موسى، فقد وثّقه ابن معين، ودُحيم، وَقَالَ ابن معين ليحيى بن أكثم: سليمان بن موسى ثقة، وحديثه صحيح عندنا. ووقال ابن سعد: كَانَ ثقة، أثنى عليه ابن جريج. وَقَالَ الدارقطنيّ فِي "العلل" منْ الثقات، أثني عليه عطاء، والزهريّ. وَقَالَ أبو حاتم: محله الصدف، وفي حديثه بعض الاضطراب، ولا أعلم أحدًا منْ أصحاب مكحول أفقه منه، ولا أثبت منه. وَقَالَ ابن عديّ: فقيه راو، حدّث عنه الثقات، وهو أحد علماء أهل الشام، وَقَدْ روى أحاديث ينفرد بها، لا يرويها غيره، وهو عندي ثَبْتٌ صدوقٌ. انظر ترجمته فِي "تهذيب التهذيب" ٢/ ١١١ - ١١٢.
وأما محمد بن راشد، فإنما تكلموا فيه للقدر، والتشيّع، وَقَدْ وثقه أحمد، وابن معين، وابن المدينيّ، والنسائيّ فِي رواية عنه، وفي رواية: لا بأس به، وضعّفه هنا، وَقَالَ أبو حاتم: كَانَ صدوقًا، حسن الْحَدِيث. وعن ابن المبارك: صدوق اللسان، اتُّهم بالقدر. وَقَالَ أحمد: ثقة ثقة، قَالَ لنا عبد الرزاق: ما رأيت أحدًا أورع فِي الْحَدِيث منه. وَقَالَ الجوزجاني: وكان فيما سمعت متحرّيا للصدق فِي حديثه. وَقَالَ ابن عديّ: ليس برواياته بأسٌ، وإذا حدّث عنه ثقة، فحديثه مستقيم. وَقَالَ دُحيم: كَانَ يُذكر بالقدر، إلا أنه مستقيم الْحَدِيث. وغير هؤلاء، راجع ترجمته فِي "تهذيب التهذيب" ٣/ ٥٥٩ - ٥٦٠.
стр. 17412
إذا تبيّن لك هَذَا، فاعلم أنهما ثقتان، لا يضرّهما كلام المصنّف هَذَا؛ لمخالفته لأقوال الجمهور، ولاسيما وَقَدْ تابع سليمان محمد بن إسحاق، كما سبق فِي رواية أحمد.
والحاصل أن الْحَدِيث صحيح، وَقَدْ حسنه الشيخ الألباني، والظاهر أنه بسبب الكلام فِي عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، لكن سبق لنا غير مرّة أن هذه الترجمة صحيحة عَلَى الراجح، كما قاله غير واحد منْ المحققين، فالحقّ أن الْحَدِيث صحيح. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٣/ ٤٨٠٣ - وفي "الكبرى" ٣٢/ ٧٠٠٤. وأخرجه (د) فِي "الديات" ٤٥٤١ و٤٥٦٤ (ق) فِي "الديات" ٢٦٣٠ (أحمد) فِي "مسند المكثرين" ٧٠٤٨. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): بيان مقدار دية قتل الخطإ، وهو مائة منْ الإبل، أرباعًا، كما فُصّل فِي الْحَدِيث، وبهذا قَالَ طاوس، وهو أرجح الأقوال فِي المسألة، وأما قول الخطّابيّ: لا أعلم أحدًا قَالَ بهذا الْحَدِيث منْ الفقهاء، فلعله أراد المتأخرين، وإلا فقد ثبت عن طاوس القول به، كما ذكره ابن قدامة فِي "المغني" ١٢/ ٢٠ - فتنبّه، وَقَدْ تقدّم البحث عن اختلاف العلماء فِي ذلك مستوفًى فِي الباب الماضي، فلا تغفُل. (ومنها): أن الأصل فِي الدية الإبل، لكن إذا لم توجد، جاز دفع قيمتها، وهي تتفاوت غلاءً، ورخصة، فأقلها أربعمائة دينار، أو عدلها منْ الورق. (ومنها): أن الدية فِي البقر مائتا بقرة، وفي الشاء ألفا شاة. (ومنها): أن الدية موروث لورثة القتيل، كسائر أمواله التي ملكها فِي حياته، فيكون لأصحاب الفروض، ومنهم الزوجان، ثم إذا فضل منه شيء، فللعصبة. (ومنها): أن العصبة هم الذين يتحمّلون العقل، وأنهم لا يستحقّون الإرث بسبب هَذَا التحمل، بل حالهم بعده كحالهم قبله، يرثون ما يبقى بعد أصحاب الفروض. (ومنها): أن القصاص حقّ للورثة، فإن شاءوا اقتصّوا، وإن شاءوا عفوا، ولا حق لغيرهم منْ الأقارب، كالعصبات، إلا إذا فُقد الورثة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
***
стр. 17413
٣٤ - (ذِكْرِ أَسْنَانِ دِيَةِ الْخَطَإِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الأسنان" -بفتح الهمزة-: جمع سِنّ -بكسر السين المهملة، وتشديد النون-: أي مقدار عمر الإبل التي يجوز أن تُدفع فِي دية قتل الخطإ. والله تعالى أعلم بالصواب
٤٨٠٤ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ خِشْفِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ، يَقُولُ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، دِيَةَ الْخَطَإِ، عِشْرِينَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرِينَ ابْنَ مَخَاضٍ، ذُكُورًا، وَعِشْرِينَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرِينَ جَذَعَةً، وَعِشْرِينَ حِقَّةً).
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (عليّ بن سعيد بن مسورق) الكنديّ، أبو الحسن الكوفيّ، صدوقٌ [١٠].
رَوَى عن حفص بن غياث، وابن المبارك، وعبد الرحيم بن سليمان، ويحيى بن أبي زائدة، وأبي المحياة، يحيى بن يعلى التيمي، وعيسى بن يونس، ومروان بن معاوية، وعلي بن مسهر، وعبد الله بن إدريس، وعدة. رَوَى عنه الترمذيّ، والنسائي، وأبو حاتم، ويعقوب بن سفيان، وابن خزيمة، والحكيم الترمذيّ، وعلي بن العبّاس المعانقي، وأحمد بن يحيى بن زهير، والباغندي، وإسحاق بن إبراهيم بن جميل، وأحمد بن إسحاق بن بهلول التنوخي، وآخرون. قَالَ أبو حاتم: صدوق. وَقَالَ النسائيّ: ثقة، وفي موضع آخر: لا بأس به. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ محمد بن عبد الله الحضرميّ: ثقة، مات فِي جمادى الأولى، سنة (٢٤٩).
تفرد به المصنّف، والترمذي، وله فِي هَذَا الكتاب ستة أحاديث، هَذَا و٤٠/ ٤٨٢٦ - حديث المغيرة بن شعبة ﵁ قَالَ: "ضربت امرأة منْ بني لحيان ضرّتها … الْحَدِيث، وفي "كتاب قطع السارق" ٢/ ٤٨٧٨ - حديث معاوية بن حيدة ﵁: "أن رسول الله ﷺ حبس رجلا بتهمة، ثم خلّى سبيله"، وفيه ٦/ ٤٨٩٩ - حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: "أن امرأة سرقت عَلَى عهد رسول الله ﷺ .. الْحَدِيث، وفي "كتاب القضاء" ٣٦/ ٥٤٢٧ - حديث ابن أبي مليكة، قَالَ: كانت جاريتان تحرُزان … الْحَدِيث، وفيه ١٠/ ٥٥٦١ - حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قَالَ: نهى رسول الله ﷺ عن خليط التمر، والزبيب، وعن التمر والبسر".
٢ - (يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة) الهمدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقة متقنٌ، منْ كبار
стр. 17414
[٩] ١٤٤/ ٢٢٦.
٣ - (حجّاج) بن أرطاة بن هُبيرة النخعيّ، أبو أرطاة الكوفيّ القاضي، أحد الفقهاء، صدوقٌ، كثير الخطأ، والتدليس [٧] ١٣/ ٢١٢٧.
٤ - (زيد بن جُبير) بن حرمل -بفتح المهملة، وسكون الراء- الطائيّ الكوفيّ، منْ بني جشم بن معاوية، ثقة [٤].
رَوَى عن ابن عمر، وخِشْف بن مالك، وأبي يزيد الضبي، وأبي البختري. وعنه شعبة، والثوري، وزهير بن معاوية، وإسرائيل، وحجاج بن أرطاة، وأبو عوانة. قَالَ أحمد: صالح الْحَدِيث. وَقَالَ إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وَقَالَ الدوري: قلت لابن معين: أليس فِي حديثه شيء؟ قَالَ: لا والله، قلت: هو أخو حكيم بن جبير؟ قَالَ: لا والله، ما بينهما قرابة. وَقَالَ ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة، يروي ستة أحاديث، أو سبعة. وَقَالَ العجليّ: ثقة ليس بتابعي، فِي عداد الشيوخ. وَقَالَ النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات" فِي التابعين. وَقَالَ ابن شاهين فِي "الثقات": قَالَ أحمد: زيد، وحكيم ليسا بأخوين، زيد جُشَمي، وهو أحب إلي منْ آدم بن علي. وَقَالَ ابن أبي حاتم، عن أبيه: صدوق، وفي نسخة: ثقة صدوق.
روى له الجماعة، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب ثلاثة أحاديث: هَذَا، وفي "كتاب الأشربة" ٤٨/ ٥٦٩٨ حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما: أن رجلاً سأل عن الأشربة … الْحَدِيث، و٥٦٩٩: سألت ابن عمر عن الأشربة … الْحَدِيث.
٥ - (خشف -بكسر الخاء، وسكون الشين المعجمتين، آخره فاء- ابن مالك) الطائيّ الكوفيّ، وثّقه النسائيّ والأكثرون عَلَى أنه مجهول [٢].
روى عن أبيه، وعمر، وابن مسعود. وعنه زيد بن جُبير الْجُشَميّ. قَالَ النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ الدارقطنيّ فِي "السنن": مجهول، وتبعه البغويّ فِي "المصابيح". وَقَالَ الأزديّ: ليس بذاك. روى له الأربعة، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب حديث الباب فقط.
٦ - (ابن مسعود) عبد الله رضي الله تعالى عنه ٣٥/ ٣٩. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ خِشْفِ) بكسر، فسكون (ابْنِ مَالِكٍ) الطائي، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسعُودٍ) ﵁ (يَقُولُ: قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ , دِيَةَ الخَطَإِ) أي دية القتل الخطإ (عِشْرِينَ بِنْتَ مَخَاضٍ) تقدم أنها التي أكملت السنة، ودخلت فِي السنة الثانية؛ سُميت بذلك؛ لكون أمها صارت مخاض بأخرى، والمخاض بفتح الميم، وكسرها: وجع الولادة (وَعِشْرِينَ
стр. 17415
ابْنَ مَخَاضٍ، ذُكُورًا) صفة كاشفة (وَعِشْرِينَ بنْتَ لَبُونٍ) تقدّم أنها التي أتى عليها حولان، ودخلت فِي السنة الثالثة، سُميت بذلك؛ لكون أمها ذات لبن بأخرى (وَعِشْرِينَ جَذَعَةً) بفتحتين: هي التي طعنت فِي السنة الخامسة، وهي أكبر سنّ يؤخذ فِي الزكاة (وَعِشْرِينَ حِقَّةً) بكسر الحاء المهملة، وتشديد القاف: هي التي طعنت فِي السنة الرابعة، وحُقّ لها أن تُركب، ويُحمل. زاد أبو داود بعد ذكر الْحَدِيث: ما نصّه: "وهو قول عبد الله". يعني أن ابن مسعود ﵁ يقول بهذا الْحَدِيث، وبه يقول أبو حنيفة، وذهب الليث، ومالك، والشافعيّ إلى أن دية الخطإ عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون حقّة، وعشرون جذعة. وَقَدْ تقدّم تحقيق الخلاف فِي هذه المسألة قبل باب، فلا تنس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن مسعود ﵁ هَذَا ضعيف؛ لضعف حجاج بن أرطاة، قَالَ المصنّف رحمه الله تعالى فِي "الكبرى" ٤/ ٢٣٤ رقم ٧٠٠٥: قَالَ أبو عبد الرحمن: الحجّاج بن أرطاة ضعيفٌ، لا يُحتجّ به. انتهى.
وَقَالَ المنذري رحمه الله تعالى فِي "مختصر السنن" -٦/ ٣٤٩ - ٣٥١ - : وأخرجه الترمذيّ، والنسائي، وابن ماجه، وَقَالَ الترمذيّ: لا نعرفه مرفوعا إلا منْ هَذَا الوجه، وَقَدْ روي عن عبد الله موقوفًا. وَقَالَ أبو بكر البزار: وهذا الْحَدِيث لا نعلمه، روي عن عبد الله مرفوعا، إلا بهذا الإسناد، هَذَا آخر كلامه.
وذكر الخطّابيّ أن خِشْف بن مالك مجهول، لا يعرف إلا بهذا الْحَدِيث، وعدل الشافعيّ عن القول به؛ لما ذكرنا منْ العلة فِي رواته، ولأن فيه بني مخاض، ولا مدخل لبني مخاض فِي شيء منْ أسنان الصدقات. وَقَدْ رُوي عن النبيّ ﷺ فِي قصة القسامة، أنه وَدَى قتيل خيبر بمائة منْ إبل الصدقة، وليس فِي أسنان الصدقة ابن مخاض.
وَقَالَ الدارقطنيّ: هَذَا حديث ضعيف، غير ثابت عند أهل المعرفة بالحديث، وبسط الكلام فِي ذلك، وَقَالَ: لا نعلمه رواه إلا خِشف بن مالك، عن ابن مسعود، وهو رجل مجهول، لم يرو عنه إلا زيد بن جُبير، ثم قَالَ: لا نعلم أحدا رواه عن زيد بن جبير، إلا حجاج بن أرطاة، والحجاج رجل مشهور بالتدليس، وبأنه يحدث عن منْ لم يَلْقَهُ، ولم يسمع منه، ثم ذكر أنه قد اختُلِف فيه عَلَى الحجاج بن أرطاة.
وَقَالَ البيهقي: وخِشف بن مالك مجهول، واختُلف فيه عَلَى الحجاج بن أرطاة،
стр. 17416
والحجاج غير محتج به. والله تعالى أعلم.
وَقَالَ الموصلي: خشف بن مالك ليس بذلك، وذكر له هَذَا الْحَدِيث، وخشف -بكسر الخاء، وسكون الشين المعجمة، وفاء-. انتهى كلام المنذري رحمه الله تعالى.
والحاصل أن الْحَدِيث ضعيفٌ؛ لما ذُكر. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٤/ ٤٨٠٤ - وفِي "الكبرى" ٣٣/ ٧٠٠٥. وأخرجه (د) فِي "الديات" ٤٥٤٥ (ت) فِي "الديات" ١٣٨٦ (ق) فِي "الديات" ٢٦٣١ (أحمد) فِي "مسند المكثرين" ٤٢٩١ (الدارمي) فِي "الديات" ٢٢٦١.
(المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي أسنان إبل الدية:
قَالَ أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى: اختلف الفقهاء فِي أسنان إبل الدية، فروى أبو داود، منْ حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ ، قضى أن منْ قُتِل خطأ فديته مائة منْ الإبل: ثلاثون بنت مخاض، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقة، وعشر بني لبون.
قَالَ الخطّابيّ: هَذَا الْحَدِيث لا أعرف أحدا قَالَ به منْ الفقهاء، وإنما قَالَ أكثر العلماء: دية الخطإ أخماس، كذا قَالَ أصحاب الرأي، والثوري، وكذلك مالك، وابن سيرين، وأحمد بن حنبل، إلا أنهم اختلفوا فِي الأصناف، قَالَ أصحاب الرأي، وأحمد: خُمُسٌ بنو مخاض، وخُمُس بنات مخاض، وخُمُس بنات لبون، وخُمس حِقَاق، وخمس جِذاع. ورُوي هَذَا القول عن ابن مسعود.
وَقَالَ مالك، والشافعي: خُمُس حِقاق، وخمس جذاع، وخمس بنات لبون، وخمس بنات مخاض، وخمس بنو لبون، وحُكي هَذَا القول عن عمر بن عبد العزيز، وسليمان بن يسار، والزهري، وربيعة، والليث بن سعد.
قَالَ الخطّابيّ: ولأصحاب الرأي فيه أثر، إلا أن راويه عن عبد الله -يعني ابن مسعود- خِشْفُ بنُ مالك، وهو مجهول، لا يعرف إلا بهذا الْحَدِيث، وعَدَل الشافعيّ عن القول به؛ لما ذكرنا منْ العلة فِي راويه، ولأن فيه بني مخاض، ولا مدخل لبني مخاض فِي شيء منْ أسنان الصدقات، وَقَدْ رُوي عن النبيّ ﷺ فِي قصة القسامة، أنه وَدَى قتيل خيبر مائة منْ إبل الصدقة، وليس فِي أسنان الصدقة ابن مخاض.
قَالَ أبو عمر: وَقَدْ رَوَى زيد بن جُبير عن خِشْف بن مالك، عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ ، جعل الدية فِي الخطإ أخماسا، إلا أن هَذَا لم يرفعه إلا خشف ابن مالك الكوفيّ الطائي، وهو مجهول؛ لأنه لم يروه عنه إلا زيد بن جبير بن حَرْمل
стр. 17417
الطائي الْجُشَمي، منْ بني جُشَم بن معاوية، أحد ثقات الكوفيين.
قَالَ القرطبيّ: قد ذكر الدارقطنيّ فِي "سننه" حديث خشف بن مالك، منْ رواية حجاج بن أرطاة، عن زيد بن جُبير، عن خِشْف بن مالك، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قَالَ: قضى رسول الله ﷺ ، فِي دية الخطإ مائة منْ الإبل، منها عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات لبون، وعشرون بنات مخاض، وعشرون بنو مخاض، قَالَ الدارقطنيّ: هَذَا حديث ضعيف، غير ثابت، عند أهل المعرفة بالحديث، منْ وجوه عدة: [أحدها]: أنه مخالف لما رواه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه بالسند الصحيح، عنه، الذي لا مطعن فيه، ولا تأويل عليه، وأبو عبيدة أعلم بحديث أبيه، وبمذهبه وفتياه، منْ خِشْف بن مالك، ونظرائه، وعبد الله بن مسعود أتقى لربه، وأشح عَلَى دينه، منْ أن يَروي عن رسول الله ﷺ ، أنه يقضي بقضاء، ويفتي هو بخلافه، هَذَا لا يتوهم مثله عَلَى عبد الله بن مسعود، وهو القائل فِي مسألةِ وردت عليه، لم يسمع فيها منْ رسول الله ﷺ شيئا، ولم يبلغه عنه فيها قول: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله ورسوله، وإن يكن خطأ فمني، ثم بلغه بعد ذلك أن فتياه فيها وافق قضاء رسول الله ﷺ فِي مثلها، فرآه أصحابه عند ذلك فرح فرحا شديدا، لم يروه فرح مثله؛ لموافقة فتياه قضاء رسول الله ﷺ ، فمن كانت هذه صفته، وهذا حاله، فكيف يصح عنه أن يروي عن رسول الله ﷺ شيئا، ويخالفه.
[ووجه آخر]: وهو أن الخبر المرفوع الذي فيه ذكر بني المخاض، لا نعلمه رواه إلا خشف بن مالك، عن ابن مسعود، وهو رجل مجهول، لم يروه عنه إلا زيد بن جبير بن حرمل الجشمي، وأهل العلم بالحديث، لا يحتجون بخبر ينفرد بروايته رجل غبر معروف، وإنما يثبت العلم عندهم بالخبر، إذا كَانَ راويه عدلا مشهورا، أو رجلا قد ارتفع عنه اسم الجهالة، وارتفاع اسم الجهالة عنه أن يروى عنه رجلان فصاعدا، فإذا كانت هذه صفته، ارتفع عنه حينئذ اسم الجهالة، وصار حينئذ معروفا، فأما منْ لم يرو عنه إلا رجل واحد، وانفرد بخبر، وجب التوقف عن خبره ذلك، حَتَّى يوافقه عليه غيره، والله أعلم.
[ووجه آخر]: وهو أن حديث خشف بن مالك، لا نعلم أحدا رواه عن زيد بن جبير عنه إلا الحجاج بن أرطاة، والحجاج رجل مشهور بالتدليس، وبأنه يحدث عمن لم يلقه، ولم يسمع منه، وترك الرواية عنه سفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطّان، وعيسى بن يونس، بعد أن جالسوه وخبروه، وكفاك بهم علما بالرجل ونبلا، وَقَالَ يحيى ابن معين: حجاج بن أرطاة لا يحتج بحديثه. وَقَالَ عبد الله بن إدريس: سمعت الحجاج
стр. 17418
يقول: لا ينبل الرجل حَتَّى يدع الصلاة فِي الجماعة. وَقَالَ عيسى بن يونس: سمعت الحجاج يقول: أخرج إلى الصلاة يزاحمني الحمالون والبقالون. وَقَالَ جرير: سمعت الحجاج يقول: أهلكني حب المال والشرف.
وذكر أوجها أخر منها: أن جماعة منْ الثقات رووا هَذَا الْحَدِيث عن الحجاج بن أرطاة، فاختلفوا عليه فيه إلى غير ذلك مما يطول ذكره، وفيما ذكرناه مما ذكروه كفاية، ودلالة عَلَى ضعف ما ذهب إليه الكوفيون فِي الدية، وإن كَانَ ابن المنذر مع جلالته، قد اختاره عَلَى ما يأتي.
ورَوَى حماد بن سلمة، حدثنا سليمان التيمي، عن أبي مِجْلَز، عن أبي عبيدة، أن ابن مسعود قَالَ: "دية الخطإ خمسة أخماس: عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات مخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون بني لبون ذكور"، قَالَ الدارقطنيّ: هَذَا إسناد حسن، ورواته ثقات، وَقَدْ رُوي عن علقمة، عن عبد الله نحو هَذَا.
قَالَ القرطبيّ: وهذا هو مذهب مالك، والشافعي: أن الدية تكون مُخَمَّسة.
قَالَ الخطّابيّ: وَقَدْ رُوي عن نفر منْ العلماء، أنهم قالوا: دية الخطإ أرباع، وهم الشعبي، والنخعي، والحسن البصريّ، وإليه ذهب إسحاق بن راهويه، إلا أنهم قالوا: خمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون بنات لبون، وخمس وعشرون بنات مخاض، وَقَدْ رُوي ذلك عن علي بن أبي طالب.
قَالَ أبو عمر: أما قول مالك، والشافعي، فرُوي عن سليمان بن يسار، وليس فيه عن صحابي شيء، ولكن عليه عمل أهل المدينة، وكذلك حَكَى ابن جريج، عن ابن شهاب. قَالَ القرطبيّ: قد ذكرنا عن ابن مسعود ما يوافق ما صار إليه مالك، والشافعي.
قَالَ أبو عمر: وأسنان الإبل فِي الديات، لم تؤخذ قياسا، ولا نظرا، وإنما أخذت اتّباعا وتسليما، وما أُخذ منْ جهة الأثر، فلا مدخل فيه للنظر، فكلٌّ يقول بما قد صح عنده منْ سدفه ﵃ أجمعين.
قَالَ القرطبيّ: وأما ما حكاه الخطّابيّ، منْ أنه لا يعلم منْ قَالَ بحديث عمرو بن شعيب، فقد حكاه ابن المنذر، عن طاوس، ومجاهد، إلا أن مجاهدا جعل مكان بنت مخاض ثلاثين جذعة، قَالَ ابن المنذر وبالقول الأول أقول، يريد قول عبد الله، وأصحاب الرأي الذي ضعفه الدارقطنيّ، والخطابي، وابن عبد البر، قَالَ: لأنه الأقل مما قيل، وبحديث مرفوع رويناه عن النبيّ ﷺ ، يوافق هَذَا القول.
قَالَ القرطبيّ: واعجبًا لابن المنذر، مع نقده، واجتهاده، كيف قَالَ بحديث لم يوافقه أهل النقد طى صحته، لكن الذهول والنسيان، قد يعتري الإنسان، وإنما الكمال
стр. 17419
لعزة ذي الجلال. انتهى "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٣١٧ - ٣١٨.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أرجح الأقوال قول طاوس رحمه الله تعالى، وهو العمل بما دلّ عليه حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه ﵁, الذي سبق قبل هَذَا الْحَدِيث آخر الباب الماضي، فإنه حديث صحيح، كما سبق بيانه، فتبصّر، ولا تتحيّر.
وهذه المسألة تقدّمت بعينها فِي المسألة العاشرة منْ مسائل الْحَدِيث ٤٧٩٣ - وإنما أعدتها للزيادة والبسط، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي وجوب دية الخطإ عَلَى العاقلة؟:
قَالَ أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى: ثبتت الأخبار، عن النبيّ المختار، محمد ﷺ , أنه قضى بدية الخطإ عَلَى العاقلة، وأجمع أهل العلم عَلَى القول به، وفي إجماع أهل العلم أن الدية فِي الخطإ عَلَى العاقلة، دليل عَلَى أن المراد منْ قول النبيّ ﷺ لأبي رِمثَةَ حيث دخل عليه، ومعه ابنه: "إنه لا يجني عليك، ولا تجني عليه"، العمد دون الخطإ.
وأجمعوا عَلَى أن ما زاد عَلَى ثلث الدية عَلَى العاقلة، واختلفوا فِي الثلث، والذي عليه جمهور العلماء أن العاقلة لا تحمل عمدا، ولا اعترافا، ولا صلحا، ولا تحمل منْ دية الخطإ إلا ما جاوز الثلث، وما دون الثلث فِي مال الجاني.
وقالت طائفة عقل الخطإ عَلَى عاقلة الجاني، قَلَّت الجناية أو كثرت؛ لأن منْ غَرِمَ الأكثر غرم الأقل، كما عُقِل العمدُ فِي مال الجاني قل أو كثر، هَذَا قول الشافعيّ. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بتحميل العاقلة الدية مطلقا، قلت، أو كثُرت هو الأرجح؛ لإطلاق النصوص. والله تعالى أعلم بالصواب.
قَالَ: وحكمها أن تكون منجمة عَلَى العاقلة، والعاقلة العصبة، وليس ولد المرأة إذا كَانَ منْ غير عصبتها منْ العاقلة، ولا الإخوة منْ الأم بعصبة؛ لأخوتهم منْ الأب والأم، فلا يَعقلون عنهم شيئا، وكذلك الديوان لا يكون عاقلة، فِي قول جمهور أهل الحجاز، وَقَالَ الكوفيون يكون عاقلة، إن كَانَ منْ أهل الديوان، فتُنَجَّم الدية عَلَى العاقلة فِي ثلاثة أعوام، عَلَى ما قضاه عمر وعلي؛ لأن الإبل قد تكون حوامل، فتضُرّ به، وكان النبيّ ﷺ يعطيها دَفْعَة واحدة؛ لأغراض، منها: أنه كَانَ يعطيها صلحا وتسديدا، ومنها أنه كَانَ يُعجّلها تأليفا، فلما تمهد الإسلام قدرتها الصحابة عَلَى هَذَا النظام، قاله ابن العربي.
وَقَالَ أبو عمر: أجمع العلماء قديما وحديثا، أن الدية عَلَى العاقلة، لا تكون إلا فِي
стр. 17420
ثلاث سنين، ولا تكون فِي أقل منها، وأجمعوا عَلَى أنها عَلَى البالغين منْ الرجال، وأجمع أهل السير والعدم، أن الدية كانت فِي الجاهلية تحملها العاقدة، فأقرها رسول الله ﷺ فِي الإسلام، وكانوا يتعاقلون بالنصرة، ثم جاء الإسلام فجرى الأمر عَلَى ذلك، حَتَّى جعل عمر الديوان، واتفق الفقهاء عَلَى رواية ذلك، والقول به، وأجمعوا أنه لم يكن فِي زمن رسول الله ﷺ ، ولا زمن أبي بكر ديوان، وأن عمر جعل الديوان، وجمع بين النَّاس، وجعل أهل كل ناحية يدا، وجعل عليهم قتال منْ يليهم منْ العدو. انتهى "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٣٢٠ - ٣٢١.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه المسألة أيضا تقدّم البحث عنها، وإنما أعدتها لأجل الزيادة والإيضاح، فتنبه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾: الدية ما يعطى عوضا عن دم القتيل إلى وليه ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾: مدفوعة مؤداة، ولم يعين الله فِي كتابه ما يعطى فِي الدية، وإنما فِي الآية إيجاب الدية مطلقا، وليس فيها إيجابها عَلَى العاقلة، أو عَلَى القاتل، وإنما أُخذ ذلك منْ السنة، ولاشك أن إيجاب المواساة عَلَى العاقلة، خلاف قياس الأصول فِي الغرامات، وضمان المتلفات، والذي وجب عَلَى العاقلة، لم يجب تغليظا، ولا أن وزر القاتل عليهم، ولكنه مواساة محضة، واعتقد أبو حنيفة، أنها بإعتبار النصرة، فأوجبها عَلَى أهل ديوانه. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٣٥ - (ذِكْرُ الدِّيَةِ مِنَ الْوَرِقِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الوَرِق" -بفتح الواو، وكسر الراء، وتسكّن تخفيفًا-: هي النُّقر -أي الفضّة- المضروبة، وقيل: مطلقًا، أي سواء كانت مضروبةً، أو لا. وقيل: الورق: المال منْ الدراهم، والجمع أوراقٌ، والرِّقَة بالكسر، كالْعِدَة بمعنى الورق. أفاده الفيّوميّ. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٨٠٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ مُعَاذِ بْنِ هَانِىءٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ح وَأَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هَانِىءٍ،
стр. 17421
قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلاً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ، دِيَتَهُ اثْنَىْ عَشَرَ أَلْفًا، وَذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤] فِي أَخْذِهِمُ الدِّيَةَ. وَاللَّفْظُ لأَبِى دَاوُدَ).
رجال هَذَا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن المثنّى) العنزيّ، أبو موسى الزمن البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٦٤/ ٨٠.
٢ - (أبو داود) سليمان بن سيف الطائي مولاهم الحراني، ثقة حافظ [١١] ١٠٣/ ١٣٦ منْ أفراد المصنّف.
٣ - (معاذ بن هانىء) القيسيّ، أبو هانىء البصريّ، ثقة، منْ كبار [١٠] ٣/ ٤٠١٣.
٤ - (محمد بن مسلم) الطائفيّ، واسم جدّه سوس، وقيل: سوسن بزيادة نون فِي آخره، وقيل: بتحتانيّة، بدل الواو فيهما، وقيل: مثلُ حُنين، صدوق يُخطىء [٨] ٢/ ٣٩٤٨.
٥ - (عمرو بن دينار) الجمحي، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤.
٦ - (عكرمة) مولى ابن عباس البربريّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ٢/ ٣٢٥.
٧ - (ابن عباس) عبد الله رضي الله تعالى عنهما ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلاً) زاد أبو داود منْ طريق زيد بن الحباب، عن محمد بن مسلم: "منْ بني عديّ" (عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ، دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا) أي منْ الدراهم. قَالَ السنديّ: هَذَا يؤيّد القول أن النقد كَانَ مختلفاً بحسب الأوقات، فإن قيمة الإبل مختلفة بحسب الأوقات. والله تعالى أعلم. انتهى.
وفيه دليل عَلَى أن الدية، منْ الفضة اثنا عشر ألف درهم، قَالَ الخطّابيّ: قَالَ مالك، وأحمد، وإسحاق: إن الدية، إذا كانت نقدا فمن الذهب ألف دينار، ومن الورق اثنا عشر ألفا، ورُوي ذلك عن الحسن البصريّ، وعروة بن الزبير، وعند أبي حنيفة: منْ الذهب ألف دينار، ومن الدراهم عشرة آلاف، وكذلك قَالَ سفيان الثوري، وحُكي ذلك عن ابن شبرمة. انتهى.
(وَذَكَرَ) أي ابن عباس رضي الله تعالى عِنهما (قَوْلَهُ: ﴿إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ
стр. 17422
فَضْلِهِ﴾ فِي أَخْذِهِمُ الدِّيَةَ) ولفظ "الكبرى"، و"سنن ابن ماجه": ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ﴾ والمراد أن الله تعالى أغناهم بشرع الدية، فأخذوها.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي ذُكر فِي هَذَا الْحَدِيث منْ سبب نزول هذه الآية، قد ذكره الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى فِي "تفسيره"، فَقَالَ:
وقوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ذُكر لنا أن المنافق الذي ذكر الله عنه أنه قَالَ كلمة الكفر، كَانَ فقيرا فأغناه والله، بأن قُتل له مولى، فأعطاه رسول الله ﷺ ديته، فلما قَالَ ما قَالَ، قَالَ الله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا﴾ يقول: ما أنكروا عَلَى رسول الله ﷺ شيئا، إلا أن أغناهم الله ورسوله منْ فضله.
ذِكرُ منْ قَالَ ذلك:
حدثنا ابن وكيع، قَالَ: ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وكان الجلاس قُتل له مولى له، فأمر له رسول الله ﷺ بديته، فاستغنى، فذلك قوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قَالَ: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، قَالَ: قضى النبيّ ﷺ بالدية اثني عشر ألفا، فِي مولى لبني عدي بن كعب، وفيه أنزلت هذه الآية: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. حدثنا بشر، قَالَ: ثنا يزيد، قَالَ ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قَالَ: كانت لعبد الله بن أُبَيّ دية، فأخرجها رسول الله ﷺ له. حدثني المثنى، قَالَ: ثنا إسحاق، قَالَ: ثنا عبد الله بن الزبير، عن سفيان، قَالَ: ثنا عمرو، قَالَ: سمعت عكرمة، أن مولى لبني عدي بن كعب، قَتل رجلا منْ الأنصار، فقضى رسول الله ﷺ بالدية اثني عشر ألفا، وفيه أنزلت: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ , قَالَ عمرو: لم أسمع هَذَا عن النبيّ ﷺ إلا منْ عكرمة -يعني الدية اثني عشر ألفا-. حدثنا صالح بن مسمار، قَالَ: ثنا محمد بن سنان الْعَوَفيّ، قَالَ: ثنا محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، أن النبيّ ﷺ جعل الدية اثني عشر ألفا، فذلك قوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قَالَ: بأخذ الدية. انتهى "تفسير ابن جرير" ١٤/ ٣٦٦ - ٣٦٧.
وقوله: (وَاللَّفْظُ لِأَبِي دَاوُدَ) يعني أن لفظ الْحَدِيث المذكور لشيخه أبي داود الحرّانيّ، وأما محمد بن المثنّى، فرواه بمعناه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
стр. 17423
حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ضعيف، قَالَ المصنّف رحمه الله تعالى فِي "الكبرى" ٤/ ٢٣٥ رقم ٧٠٠٧: قَالَ أبو عبد الرحمن: محمد بن مسلم ليس بالقويّ، والصواب مرسلٌ، وابن ميمون (١) ليس بالقويّ. انتهى.
وَقَالَ المنذري رحمه الله تعالى فِي "مختصر السنن" ٦/ ٣٥١ - ٣٥٣ - : وأخرجه الترمذيّ مرفوعا ومرسلا، وأخرجه النسائيّ، وابن ماجه مرفوعا، وَقَالَ الترمذيّ: ولا نعلم أحدا يَذكُر فِي هَذَا الْحَدِيث: "عن ابن عباس" غير محمد بن مسلم. هَذَا آخر كلامه. ومحمد بن مسلم هَذَا هو الطائفي، وَقَدْ أخرج له البخاريّ فِي المتابعة، ومسلم فِي الاستشهاد، وَقَالَ يحيى بن معين: ثقة، وَقَالَ مرة: إذا حدث منْ حفظه يخطىء، وإذا حدث منْ كتابه فليس به بأس. وضعفه الإمام أحمد بن حنبل، وذكر أبو داود أن ابن عيينة لم يذكر ابن عباس، وذكر الترمذيّ أنه لا يعلم أحدا ذكر ابن عباس فِي هَذَا الْحَدِيث، غير محمد بن مسلم، وَقَدْ أخرجه النسائيّ عن محمد بن ميمون، عن ابن عيينة، وَقَالَ فيه: سمعناه مرة يقول: "عن ابن عباس"، وأخرجه الدارقطنيّ فِي "سننه" عن أبي محمد بن صاعد، عن محمد بن ميمون، وَقَالَ فيه: "عن ابن عباس"، وَقَالَ الدارقطنيّ: قَالَ محمد بن ميمون: وإنما قَالَ لنا فيه: "عن ابن عباس" مرة واحدة، وأكثر ذلك كَانَ يقول: "عن عكرمة، عن النبيّ ﷺ ". وذكره البيهقي منْ حديث الطائفي موصولا، وَقَالَ: ورواه أيضا سفيان، عن عمرو بن دينار موصولا، ومحمد بن ميمون هَذَا: هو أبو عبد الله المكيّ الخياط، روى عن ابن عيينة وغيره، وَقَالَ النسائيّ: صالح، وَقَالَ أبو حاتم الرازي: كَانَ أميا، مُغَفَّلا، ذُكر لي أنه روى عن أبي سعيد، مولى بني هاشم، عن شعبة حديثا باطلا، وما أُبعِد أن يكون وُضِعَ للشيخ، فإنه كَانَ أميا. انتهى كلام المنذري.
والحاصل أن الْحَدِيث ضعيف؛ لأن الصحيح أنه منْ مرسل عكرمة، ليس فيه ذكر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٥/ ٤٨٠٥ و٤٨٠٦ - وفي "الكبرى" ٣٤/ ٧٠٠٦ و٧٠٠٧. وأخرجه (د) فِي "الديات" ٤٥٤٦ (ت) فِي "الديات" ١٣٨٨ (ق) فِي "الديات" ٢٦٣٢ و"اللباس" ٢٦٢٩ (الدارمي) فِي "الديات" ٢٢٥٧.
(المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي الدية الواجبة عَلَى غير أهل الإبل:
стр. 17424
ثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ ، بأن الدية مائة منْ الإبل ووداها ﷺ فِي عبد الله بن سهل، المقتول بخيبر لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن، فكان ذلك بيانا عَلَى لسان نبيه ﵇، لمجمل كتابه، وأجمع أهل العلم عَلَى أن عَلَى أهل الإبل مائةً منْ الإبل، واختلفوا فيما يجب عَلَى غير أهل الإبل، فقالت طائفة: عَلَى أهل الذهب ألف دينار، وهم أهل الشام، ومصر، والمغرب، هَذَا قول مالك، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، والشافعي فِي أحد قوليه فِي القديم، ورُوي هَذَا عن عُمر، وعروة بن الزبير، وقتادة. وأما أهل الورق فاثنا عشر ألف درهم، وهم أهل العراق، وفارس، وخُرَاسان، هَذَا مذهب مالك، عَلَى ما بلغه عن عمر، أنه قَوّم الدية عَلَى أهل القرى، فجعلها عَلَى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وَقَالَ المزني: قَالَ الشافعيّ: الدية الإبل، فإن أعوزت، فقيمتها بالدراهم والدنانير، عَلَى ما قَوَّمها عمر ألف دينار عَلَى أهل الذهب، واثنا عشر ألف درهم عَلَى أهل الورق.
وَقَالَ أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري: الدية منْ الورق عشرة آلاف درهم، رواه الشعبي، عن عَبِيدة، عن عُمر أنه جعل الدية عَلَى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألف شاة، وعلى أهل الإبل مائة منْ الإبل، وعلى أهل الْحُلَل مائتي حلة، قَالَ أبو عمر، فِي هَذَا الْحَدِيث ما يدل عَلَى أن الدنانير والدراهم صنف منْ أصناف الدية، لا عَلَى وجه البدل والقيمة، وهو الظاهر منْ الْحَدِيث، عن عثمان، وعلي، وابن عباس، وخالف أبو حنيفة ما رواه عن عمر فِي البقر، والشاء، والحلل، وبه قَالَ عطاء، وطاوس، وطائفة منْ التابعين، وهو قول الفقهاء السبعة المدنيين، قَالَ ابن المنذر: وقالت طائفة: دية الحر المسلم مائة منْ الإبل، لا دية غيرها، كما فرض رسول الله ﷺ ، هَذَا قول الشافعيّ، وبه قَالَ طاوس، قَالَ ابن المنذر: دية الحر المسلم مائة منْ الإبل، فِي كل زمان، كما فرض رسول الله ﷺ ، واختلفت الروايات عن عمر ﵁، فِي أعداد الدراهم، وما منها شيء يصح عنه؛ لأنها مراسيل، وَقَدْ عرفتك مذهب الشافعيّ، وبه نقول. انتهى "تفسير القرطبيّ" ٥/ ٣١٦.
وَقَالَ الموفّق فِي "المغني" ١٢/ ٦ عند قول الْخِرَقيّ: "ودية الحرّ المسلم مائة منْ الإبل": ما نصّه: أجمع أهل العلم عَلَى أن الإبل أصل فِي الدية، وأن دية الحر المسلم مائة منْ الإبل، وَقَدْ دلت عليه الأحاديث الواردة، منها: حديث عمرو بن حزم، وحديث عبد الله بن عمرو فِي دية خطإ العمد، وحديث ابن مسعود فِي دية الخطإ. وظاهر كلام الخرقي أن الأصل فِي الدية الإبل، لا غير، وهذا إحدى الروايتين عن
стр. 17425
أحمد ﵀، ذكر ذلك أبو الخطاب، وهو قول طاوس، والشافعي، وابن المنذر، وَقَالَ القاضي: لا يختلف المذهب أن أصول الدية الإبل، والذهب، والورق، والبقر، والغنم، فهذه خمسة، لا يختلف المذهب فيها، وهذا قول عمر، وعطاء، وطاوس، وفقهاء المدينة السبعة، وبه قَالَ الثوري، وابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ومحمد؛ لأن عمرو بن حزم رَوَى فِي كتابه أن رسول الله ﷺ ، كتب إلى أهل اليمن: "وأن فِي النفس المؤمنة مائةً منْ الإبل، وعلى أهل الورق ألف دينار"، رواه النسائيّ (١). ورَوَى ابن عباس أن رجلا منْ بني عدي قُتِل، فجعل النبيّ ﷺ ديته اثني عشر ألفا، رواه أبو داود، وابن ماجه. ورَوَى الشعبي أن عمر جعل عَلَى أهل الذهب ألف دينار (٢). وعن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن عمر قام خطيبا، فَقَالَ: ألا إن الإبل قد غَلَت، فقَوَّم عَلَى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الْحُلَل مائتي حلة، رواه أبو داود.
واحتجّ الأولون بقول النبيّ ﷺ : "ألا إن فِي قتيل عمد الخطإ قتيلِ السوط، والعصا، مائة منْ الإبل"، ولأن النبيّ ﷺ ، فرق بين دية العمد والخطإ، فغلظ بعضها، وخفف بعضها، ولا يتحقق هَذَا فِي غير الإبل، ولأنه بدل مُتْلَفٍ حَقًّا لآدمي، فكان متعينا كعوض الأموال، وحديث ابن عباس يحتمل أن النبيّ ﷺ أوجب الورق بدلا عن الإبل، والخلاف فِي كونها أصلاً، وحديث عمرو بن شعيب يدل عَلَى أن الأصل الإبل، فإن إيجابه لهذه المذكورات عَلَى سبيل التقويم لغلاء الإبل، ولو كانت أصولا بنفسها لم يكن إيجابها تقويما للإبل، ولا كَانَ لغلاء الإبل أثر فِي ذلك، ولا لذكره معنى، وَقَدْ رُوي أنه كَانَ يقوم الإبل قبل أن تغلو بثمانية آلاف درهم، ولذلك قيل إن دية الذمي أربعة آلاف درهم، وديته نصف الدية، فكان ذلك أربعة آلاف، حين كانت الدية ثمانية آلاف درهم. انتهى "المغني" ١٢/ ٦ - ٧.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه طاوس، والشافعيّ، وابن المنذر، وأحمد فِي إحدى الروايتين عنه منْ أن أصل الدية هي الإبل، وأما غيرها منْ الدنانير، والدراهيم، والبقر، وغيرها فمن باب البدل، إذا عزّت الإبل، أو لم توجد أصلا، فتقوّم بهذه الأشياء بالغة ما بلغت، هو الأرجح؛ لظهور أدلّته، كما سبق تقريره آنفاً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٠٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ،
стр. 17426
سَمِعْنَاهُ مَرَّةً يَقُولُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَضَى بِاثْنَىْ عَشَرَ أَلْفًا -يَعْنِي فِي الدِّيَةِ-).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن ميمون" الخيّاط البزّاز، اْبو عبد الله المكيّ، بغداديّ الأصل، صدوقٌ، ربّما أخطأ [١٠].
وفي "تهذيب التهذيب": رَوَى عن ابن عيينة، وأبي سعيد مولى بني هاشم، والوليد ابن مسلم، ومعاذ، وشعيب بن حرب، وعبد المجيد بن أبي رَوّاد، ووهب بن جرير بن حازم، ومؤمل بن إسماعيل، وغيرهم. ورَوَى عنه الترمذيّ، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة، والبحتري، وابن أبي عاصم، وأبو بشر الدولابي، وزكرياء الساجي، ومحمد بن علي الحكيم، وابن صاعد، والبغوي، وأبو عروبة، وآخرون. قَالَ أبو حاتم: كَانَ أميا مُغَفّلاً، ذُكر لي أنه رَوَى عن أبي سعيد مولى بني هاشم، عن شعبة، حديثا باطلا، وما أُبعِد أن يكون وُضع للشيخ، فإنه كَانَ أميا. وَقَالَ النسائيّ: ليس بالقوي، وَقَالَ فِي "مشيخته": أرجو أن لا يكون به بأس. وَقَالَ مسلمة فِي "الصلة": لا بأس به. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ: ربما وهم، ذُكر أنه بغدادي، سكن مكة، قَالَ الدولابي: مات سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
تفرّد المصنّف، والترمذي، وابن ماجه، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب حديثان فقط: هَذَا، وفي "كتاب الاستعاذ" ٥٠/ ٥٥١٥ - حديث أبى هريرة ﵁، مرفوعًا: "عُوذوا بالله منْ عذاب الله … " الْحَدِيث.
و"سفيان": هو ابن عُيينة. و"عمرو": هو ابن دينار. والحديث مرسل، وَقَدْ تقدّم تمام البحث فيه فِي الْحَدِيث الماضي، فلا تغفُل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٣٦ - (عَقْلُ الْمَرْأَةِ)
٤٨٠٧ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَقْلُ الْمَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ، حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا").
стр. 17427
رجال هَذَا الإسناد: سبعة:
١ - (عيسى بن يونس) الفاخوريّ، أبو موسى الرمْليّ، صدوقٌ، ربّما أخطأ [١١]، ٤٢/ ٣١٧٧.
٢ - (ضمرة) بن ربيعة الفلسطينيّ، أبو عبد الله، دمشقيّ الأصل، صدوق، يَهِمُ قليلاً [٩] ٤١/ ٢٦٨٨.
٣ - (إسماعيل بن عيّاش) بن سُليم الْعَنْسيّ -بالنون- أبو عُتبة الحمصيّ، صدوقٌ فِي روايته عن أهل بلده، مُخَلّطٌ فِي غيرهم [٨].
رَوَى عن محمد بن زياد الألهاني، وصفوان بن عمرو، وضمضم بن زُرعة، وعبد الرحمن بن جبير بن نفير، والأوزاعي، وأبي وهب الكَلاعي، والزبيدي، وهشام بن الغاز، وأبي بكر بن أبي مريم، وشُرَحبيل بن مسلم، وهو أكبر شيوخه، وبَحِير بن سعد، وثور بن يزيد، وحبيب بن صالح، وعن زيد بن أسلم، ويحيى بن سعيد، وسهيل بن أبي صالح، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وموسى بن عقبة، وهشام بن عروة، وابن جريج، وحَجّاج بن أرطاة، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وصالح بن كيسان، وأبي طُوالة، وخلق منْ أهل الشام، والحجاز، والعراق، وغيرهم.
رَوَى عنه محمد بن إسحاق، وهو أكبر منه، والثوري، والأعمش، وهما منْ شيوخه، والليث بن سعد، وبقية، والوليد بن مسلم، ومعتمر بن سليمان، وهم منْ أقرانه، وابن المبارك، وأبو داود الطيالسي، وحجاج الأعور، وشبابة بن سوار، وغيرهم منْ الكبار، وابنه محمد، وأبو الجماهير، ويحيى بن معين، وأبو عبيد، وعثمان بن أبي شيبة، ويحيى بن يحيى النيسابوري، والحسن بن عَرَفة العبدي، وجماعة.
قَالَ محمد بن مهاجر فِي قصة: كيف أريد أن أكون مثل هَذَا وهذا فقيه يعني إسماعيل- وَقَالَ يزيد بن هارون: رأيت شعبة عند الفَرَج بن فَضَالة يسأله، عن حديث إسماعيل بن عياش. وَقَالَ أبو اليمان: كَانَ يحيى الليل. وَقَالَ عثمان بن صالح السهمي: كَانَ أهل حمص يتنقصون علي بن أبي طالب، حَتَّى نشأ فيهم إسماعيل بن عياش، فحدثهم بفضائله، فَكَفُّوا. وَقَالَ عبد الله بن أحمد: قَالَ أبي لداود بن عمرو، وأنا أسمع: كم كَانَ يحفظ يعني إسماعيل-؟ قَالَ: شيئا كثيرا، قَالَ: كَانَ يحفظ عشرة آلاف، قَالَ: عشرة آلاف، وعشرة آلاف، وعشرة آلاف، فَقَالَ أبي: هَذَا كَانَ مثل وكيع. وَقَالَ الفضل بن زياد، عن أحمد: ليس أحد أروى لحديث الشاميين منْ إسماعيل بن عياش، والوليد بن مسلم. وَقَالَ ابن المديني: رجلان هما صاحبا حديث
стр. 17428
بلدهما: إسماعيل بن عياش، وعبد الله بن لهيعة. وَقَالَ أبو اليمان: كَانَ أصحابنا لهم رغبة فِي العلم، وكانوا يقولون: نجهد، ونتعب، ونسافر، فإذا جئنا وجدنا كل ما كتبنا عند إسماعيل بن عياش. وَقَالَ يعقوب بن سفيان: تكلم قوم فِي إسماعيل، وإسماعيل ثقة، عدل، أعلم النَّاس بحديث الشام، وأكثر ما قالوا: يُغرِب عن ثقات المدنيين، والمكيين. وَقَالَ يزيد بن هارون: ما رأيت أحفظ منْ إسماعيل بن عياش، ما أدري ما سفيان الثوري؟ وَقَالَ أبو بكر بن أبي خيثمة: سئل يحيى بن معين عن إسماعيل بن عياش؟ فَقَالَ: ليس به فِي أهل الشام بأس، والعراقيون يكرهون حديثه، قيل ليحيى: أيما أثبت بقية، أو إسماعيل؟ قَالَ: صالحان. وَقَالَ عثمان الدارمي عنه: أرجو أن لا يكون به بأس. وَقَالَ محمد بن عثمان بن أبي شيبة عنه: ثقة فيما رَوَى عن الشاميين، وأما روايته عن أهل الحجاز، فإن كتابه ضاع، فخلط فِي حفظه عنهم. وَقَالَ مضر بن محمد الأسدي عنه: إذا حدث عن الشاميين، وذكر الخبر فحديثه مستقيم، وإذا حدث عن الحجازيين والعراقيين، خَلَّطَ ما شئت. وَقَالَ الدوري عنه: ثقة، وكان أحب إلى أهل الشام منْ بقية، وإسماعيل أحب إليّ منْ فَرَج بن فَضَالة. وَقَالَ عبد الله بن أحمد: سألت يحيى عنه؟ فَقَالَ: إذا حدث عن الثقات، مثل محمد بن زياد، وشُرَحبيل بن مسلم، قلت ليحيى: فيكتب عنه؟ فَقَالَ: نعم سمعت منه شيئا. وَقَالَ أبو بكر المروذي: سألته يعني أحمد؟ فحسن روايته عن الشاميين، وَقَالَ: هو فيهم أحسن حالا مما روى عن المدنيين، وغيرهم. وَقَالَ أبو داود عنه: ما حَدَّث عن مشائخهم، قلت: الشاميين؟ قَالَ: نعم، فأما ما حدث عن غيرهم، فعنده مناكير، وَقَالَ أحمد بن الحسن عنه: إسماعيل أصلح بَدَنًا (١) منْ بقية. وَقَالَ عبد الله بن أحمد: سئل أبي عنه؟ فَقَالَ: نظرت فِي كتابه، عن يحيى بن سعيد، أحاديث صحاح، وفي المصنّف يعني مصنف إسماعيل- أحاديث مضطربة، وَقَالَ محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن علي بن المديني: كَانَ يُوَثَّق فيما رَوَى عن أصحابه، أهل الشام، فأما ما روى عن غير أهل الشام، ففيه ضعف. وَقَالَ الفلّاس: نحو ذلك، وَقَالَ أيضا: كَانَ عبد الرحمن لا يحدث عنه، وَقَالَ عبد الله بن علي بن المديني، عن أبيه: ما كَانَ أحد أعدم بحديث أهل الشام منْ إسماعيل، لو ثبت عَلَى حديث أهل الشام، ولكنه خَلط فِي حديثه عن أهل العراق، وحدثنا عنه عبد الرحمن قديما وتركه. وَقَالَ دُحَيم: إسماعيل فِي الشاميين غاية، وخلط عن المدنيين، وكذا قَالَ البخاريّ، والدولابي، ويعقوب بن شيبة. وَقَالَ ابن عدي: إذا
стр. 17429
روى عن الحجازيين، فلا يخلو منْ غلط، إما أن يكون حديثا برأسه، أو مرسلا يوصله، أو موقوفا يرفعه، وحديثه عن الشاميين، إذا روى عنه ثقة، فهو مستقيم، وهو فِي الجملة ممن يكتب حديثه، ويحتج به فِي حديث الشاميين خاصة. وَقَالَ وكيع: أخذ مني أطرافا لإسماعيل بن أبي خالد، فرأيته يخلط فِي أخذه. وَقَالَ الجوزجاني: سألت أبا مسهر عن إسماعيل بن عياش وبقية؟ فَقَالَ كل: منهم كَانَ يأخذ عن غير ثقة، فإذا أخذت حديثهم عن الثقات، فهو ثقة، قَالَ الجوزجاني: أما إسماعيل فما أشبه حديثه بثياب نيسابور، يُرقّم عَلَى الثوب المائة وأقل، وشراءه دون عشرة، وكان أروى النَّاس عن الكذابين، وهو فِي حديث الثقات منْ الشاميين أحمد منه فِي حديث غيرهم. وَقَالَ أبو حاتم: لين يكتب حديثه، لا أعلم أحدا كَفَّ عنه، إلا أبو إسحاق الفزاري. وفي مقدمة "صحيح مسلم"، عن أبي إسحاف الفزاري: اكتُبْ عن بقية ما رَوَى عن المعروفين، ولا تكتب عنه ما رَوَى عن غير المعروفين، ولا تكتب عن إسماعيل ما روى عن المعروفين، ولا غيرهم. وفي كتاب العقيلي عن الفزاري: ذَكَر إسماعيل، فَقَالَ: ذاك رجل لا يدري ما يخرج منْ رأسه. وَقَالَ محمد بن المثنى: ما سمعت عبد الرحمن يحدث عن إسماعيل بن عياش قط. وَقَالَ النسائيّ: صالح فِي حديث أهل الشام. وَقَالَ عبد الله بن أحمد: عرضت عَلَى أبي حديثا حدثناه الفضل بن زياد، ثنا ابن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعا: "لا تقرأ الحائض، ولا الجنب شيئا منْ القرآن"، فَقَالَ أبي: هَذَا باطل، وسئل أبي عن إسماعيل وبقية؟ فَقَالَ: بقية أحب إلي، وَقَالَ أحمد: فِي حديثه عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، مرفوعا: "منْ قاء، أو رَعَف، فأحدث فِي صلاته … " الْحَدِيث: صوابه مرسل. وَقَالَ ابن خزيمة: لا يحتج به. وَقَدْ صحح له الترمذيّ غير ما حديث، عن الشاميين. وَقَالَ ابن المبارك: لا أستحلي حديثه، وضعف روايته عن غير الشاميين أيضا النسائيّ، وأبو أحمد الحاكم، والْبَرْقي، والساجي، وذكره الفسوي فِي "باب منْ يُرغب عن الرواية عنهم"، وَقَالَ أبو داود: بقية أقل مناكير، وإسماعيل أحب إلي منْ فَرَج بن فَضَالة. وَقَالَ الحاكم: هو مع جلالته، إذا انفرد بحديث لم يقبل منه؛ لسوء حفظه. ورُوِي عن علي ابن حجر، أنه قَالَ: ابن عياش حجة، لولا كثرة وهمه. وَقَالَ ابن حبّان: كَانَ إسماعيل منْ الحفاظ المتقنين فِي حديثهم، فلما كبر تغير حفظه، فما حفظ فِي صباه وحداثته أتى به عَلَى جهته، وما حفظ عَلَى الكبر منْ حديث الغرباء، خلط فيه، وأدخل الإسناد فِي الإسناد، وألزق المتن بالمتن، وهو لا يعلم، فمن كَانَ هَذَا نعته، حَتَّى صار الخطأ فِي حديثه يكثر، خرج عن حد الاحتجاج به.
стр. 17430
قَالَ محمد بن عون: كَانَ مولده سنة (١٠٢) وَقَالَ بقية: وُلد سنة (٥) وَقَالَ زيد بن عبد ربه: وُلد سنة (٦) وكذا قَالَ ابن عيينة، وأحمد بن حنبل، وَقَالَ أحمد، وجماعة: مات سنة (١٨١) وَقَالَ محمد بن سعد، وخليفة، وأبو عبيد: مات سنة (٨٢) روى له البخاريّ فِي "جزء رفع اليدين"، والأربعة، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط. قَالَ الحافظ: له فِي "البخاريّ" شيء مُعَلق منْ غير أن يصرح به، كقوله فِي "الأذان": ويُذكر عن بلال أنه جعل إصبعيه فِي أذنيه.
٤ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه، فاضلٌ، إلا أنه يدلس، ويرسل [٦] ٢٨/ ٣٢. والباقون تقدموا قبل بابين. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ) شعيب بن محمد بن عبد الله (عَنْ جَدِّهِ) عبد الله بن عمرو بن العاص رضيَ الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الل ﷺ : "عَقْلُ الْمَرْأَةِ) بفتح العين المهملة، وسكون القاف: أي ديتها، إذا قُتلت خطأ (مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا) يعني أنها تساوي الرجل فِي الدية فيما إذا لم يبلغ إلى ثلث الدية، فإذا تجاوزت الثلث، وببغ النصفَ، صارت ديتها عَلَى النصف منْ دية الرجل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هَذَا ضعيف؛ لأنه منْ رواية إسماعيل بن عيّاش، عن ابن جريج، وهو مكيّ، وإسماعيل إذا روى عن غير أهل بلده ضعيف، كما سبق إيضاحه فِي ترجمته آنفًا، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٣٦/ ٤٨٠٧ - وفي "الكبرى" ٣٥/ ٧٠٠٨. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): فِي أقوال أهل العلم فِي دية المرأة:
قَالَ فِي "المغني" ١٢/ ٥٦ - : قَالَ ابن المنذر، وابن عبد البرّ رحمهما الله تعالى: أجمع أهل العلم عَلَى أن دية المرأة نصف دية الرجل، وحَكَى غيرهما عن ابن علية، والأصم أنهما قالا: ديتها كدية الرجل؛ لقوله ﷺ : "فِي نفس المؤمنة مائة منْ الإبل"، وهذا قول شاذ، يخالف إجماع الصحابة، وسنة النبيّ ﷺ ، فإن فِي كتاب عمرو بن حزم: "دية المرأة عَلَى النصف منْ دية الرجل"، وهي أخص مما ذكروه، وهما فِي كتاب
стр. 17431
واحد، فيكون ما ذكرنا مُفَسِّرًا لما ذكروه، مُخَصِّصًا له، ودية نساء كل أهل دين عَلَى النصف منْ دية رجالهم. انتهى.
وَقَالَ أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى: قَالَ أبو عمر: إنما صارت ديتها -والله أعلم- عَلَى النصف منْ دية الرجل منْ أجل أن لها نصف ميراث الرجل، وشهادة امرأتين بشهادة رجل، وهذا إنما فِي دية الخطإ، وأما العمد ففيه القصاص بين الرجال والنساء؛ لقوله : ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ , وقوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾. انتهى "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٣٢٥ وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي دية جراح المرأة:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: وتُساوي جراح المرأة جراح الرجل إلى ثلث الدية، فإن جاوز الثلث فعلى النصف، ورُوي هَذَا عن عمر، وابن عمر، وزيد بن ثابت ﵃, وبه قَالَ سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، وعروة بن الزبير، والزهري، وقتادة، والأعرج، وربيعة، ومالك. قَالَ ابن عبد البرّ: وهو قول فقهاء المدينة السبعة، وجمهور أهل المدينة، وحُكي عن الشافعيّ فِي القديم.
وَقَالَ الحسن: يستويان إلى النصف، ورُوي عن علي ﵁: أنها عَلَى النصف فيما قَلّ، وكثر، ورُوي ذلك عن ابن سيرين، وبه قَالَ الثوري، والليث، وابن أبي ليلى، وابن شُبْرُمة، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأبو ثور، والشافعي فِي ظاهر مذهبه، واختاره ابن المنذر؛ لأنهما شخصان تختلف ديتهما، فاختلف أرش أطرافهما، كالمسلم والكافر، ولأنها جناية لها أرش مُقَدَّر، فكان منْ المرأة عَلَى النصف منْ الرجُلِ، كاليد، ورُوي عن ابن مسعود ﵁ أنه قَالَ: تُعاقلُ المرأة الرجل إلى نصف عشر الدية، فإذا زاد عَلَى ذلك، فهي عَلَى النصف؛ لأنها تساويه فِي الموضحة.
واحتجّ الأولون بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁ المذكور فِي هَذَا الباب، قَالَ الموفّق: وهو نص، يقدم عَلَى ما سواه.
وَقَالَ ربيعة: قلت لسعيد بن المسيب: كم فِي أصبع المرأة؟ قَالَ: عشر، قلت: ففي أصبعين؟ قَالَ: عشرون، قلت: ففي ثلاث أصابع؟ قَالَ: ثلاثون، قلت: ففي أربع؟ قَالَ: عشرون، قَالَ: قلت: لَمّا عَظُمت مصيبتها قَلَّ عقلها؟ قَالَ: هكذا السنة يا ابن أخي، وهذا مقتضى سنة رسول الله ﷺ ، رواه سعيد بن منصور، ولأنه إجماع الصحابة ﵃، إذ لم ينقل عنهم خلاف ذلك، إلا عن علي، ولا نعلم ثبوت ذلك عنه، ولأن ما دون الثلث يستوي فيه الذكر والأنثى، بدليل الجنين، فإنه
стр. 17432
يستوي فيه الذكر والأنثى، فأما الثلث نفسه، فهل يستويان فيه عَلَى روايتين، إحداهما: يستويان فيه؛ لأنه لم يعتبر حد القلة، ولهذا صحت الوصية به، وروي أنهما يختلفان فيه، وهو الصحيح؛ لقوله ﵇: "حَتَّى يبلغ الثلث"، و"حَتَّى" للغاية، فيجب أن تكون مخالفة لما قبلها؛ لقول الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]، ولأن الثلث فِي حد الكثرة؛ لقوله ﵇: "الثلث، والثلث كثير". انتهى "المغني" ١٢/ ٥٨.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بأنها عَلَى النصف فيما قلّ، أو كثر أقرب، كما اختاره ابن المنذر رحمه الله تعالى؛ عملا بما ثبت فِي ديتهما فِي النفس، وأما ما احتجّ به الأولون منْ حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، فقد عرفت أنه لا يصلح؛ لضعفه، فلو كَانَ صحيحاً، لكان أقوى متمسّك فِي المسألة، لكن الحال كما وصفت، وأما دعوى إجماع الصحابة ﵃، فغير صحيحة؛ إذ الخلاف قائم، كما عرفت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٣٧ - (كَمْ دِيَةُ الْكَافِرِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: المراد بالكافر هنا هو اليهودي، والنصرانيّ، كما هو نص الْحَدِيث، وأما غيرهم منْ الكفّار، فسنذكر دياتهم فِي المسائل، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٨٠٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، وَذَكَرَ كَلِمَةً، مَعْنَاهَا: عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَقْلُ أَهْلِ الذِّمَّةِ، نِصْفُ عَقْلِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُمُ الْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. ومحمد بن راشد، وسليمان بن موسى تقدّما قبل ثلاثة أبواب، والباقون تقدموا فِي الباب الماضي، وكذا لطائف الإسناد. والله تعالى أعلم.
стр. 17433
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : عَقْلُ أَهْلِ الذِّمَّةِ) أي دية الكافر الذي بينه وبين المسلمين ذمّةٌ: أي عهد (نِصْفُ عَقْلِ المُسْلِمِينَ) أَي نصف ديتهم (وَهُمُ) أي الذمة (الْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى) يعني أن المراد بأهل الذمة هم اليهود والنصارى، وإنما خصّهم بالذكر لأن غيرهم منْ الكفرة تخالف ديتهم ديتهم، فدية المجوسيّ ثمانمائة درهم، وكذلك عبدة الأوثان، ونحوهم، كما سيأتي بيانه قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيحٌ.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٧/ ٤٨٠٨ و٤٨٠٩ - وفي " الكبرى" ٣٦/ ٧٠٠٩ و٧٠١٠. وأخرجه (ق) فِي "الديات" ٢٦٤٤ (أحمد) فِي "مسند المكثرين ٦٦٧٧ و٧٠٥٢. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي دية الكتابيّ:
ذهب عمر بن عبد العزيز، وعروة، ومالك، وعمرو بن شعيب، وأحمد بن حنبل إلى أن دية الحر الكتابي نصف دية الحر المسلم، ونساؤهم عَلَى النصف منْ دياتهم.
وعن أحمد: أنها ثلث دية المسلم، إلا أنه رجع عنها، فإن صالحا رَوَى عنه، أنه قَالَ: كنت أقول: إن دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، وأنا اليوم أذهب إلى نصف دية المسلم، لحديث عمرو بن شعيب، وحديث عثمان الذي يرويه الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، وهذا صريح فِي الرجوع عنه.
ورُوي عن عمر، وعثمان أن ديته أربعة آلاف درهم، وبه قَالَ سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، وعكرمة، وعمرو بن دينار، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور؛ لما رَوَى عبادة بن الصامت ﵁ أن النبيّ ﷺ قَالَ: "دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف"، ورُوي عن عمر ﵁ أنه جعل دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، ودية المجوسي ثمانمائة درهم، وَقَالَ علقمة، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، والثوري، وأبو حنيفة: ديته كدية المسلم، ورُوي ذلك عن عمر، وعثمان، وابن مسعود، ومعاوية
стр. 17434
رضي الله عنهم. وَقَالَ ابن عبد البرّ: هو قول سعيد بن المسيب، والزهري؛ لما رَوَى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبيّ ﷺ قَالَ: "دية اليهودي والنصراني، مثل دية المسلم"، ولأن الله تعالى ذكر فِي كتابه دية المسلم، فَقَالَ: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النِّساء: ٩٢]، وَقَالَ فِي الذمي مثل ذلك، ولم يفرق، فدل عَلَى أن ديتهما واحدة، ولأنه ذَكَرٌ حُرٌّ معصوم، فتكمل ديته كالمسلم.
واحتجّ الأولون بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﷺ المذكور فِي هَذَا الباب، ورواه أحمد بلفظ: "دية المعاهد نصف دية المسلم"، وفي لفظ: "أن النبيّ ﷺ ، قضى أن عقل الكتابي نصف عقل المسلم"، وفي لفظ: "دية المعاهد نصف دية الحر".
قَالَ الخطّابيّ: ليس فِي دية أهل الكتاب شيء أثبت منْ هَذَا، ولا بأس بإسناده، وَقَدْ قَالَ به أحمد، وقول رسول الله ﷺ أولى.
قَالَ الموفّق: ولأنه نَقْصٌ مؤثر فِي الدية، فأثر فِي تنصيفها كالأنوثة، وأما حديث عبادة، فلم يذكره أهل السنن، والظاهر أنه ليس بصحيح، وأما حديث عمر، فإنما كَانَ ذلك حين كانت الدية ثمانية آلاف، فأوجب فيه نصفها أربعة آلاف، ودليل ذلك ما رَوَى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قَالَ: "كانت قيمة الدية عَلَى عهد رسول الله ﷺ ثمانمائة دينار، وثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب يومئذ النصف"، فهذا بيان، وشرح مزيل للإشكال، ففيه جمع للأحاديث، فيكون دليلا لنا، ولو لم يكن كذلك لكان قول النبيّ ﷺ ، مقدما عَلَى قول عمر وغيره، بغير إشكال، فقد كَانَ عمر ﵁ إذا بلغه عن النبيّ ﷺ سنة، ترك قوله وعمل بها، فكيف يسوغ لأحد أن يحتج بقوله فِي ترك رسول الله ﷺ ، فأما ما احتج به الآخرون, فإن الصحيح منْ حديث عمرو بن شعيب ما رويناه، أخرجه الأئمة فِي كتبهم، دون ما رووه، وأما ما رووه منْ أقوال الصحابة، فقد رُوي عنهم خلافه، فنحمل قولهم فِي إيجاب الدية كاملة عَلَى سبيل التغليظ، قَالَ أحمد: إنما غلظ عثمان الدية عليه؛ لأنه كَانَ عمدا فلما ترك القود، غَلظ عليه، وكذلك حديث معاوية، ومثل هَذَا ما رُوي عن عمر ﵁، حين انتحر رقيق حاطب ناقة لرجل مزني، فَقَالَ لحاطب: إني أراك تُجيعهم لأُغَرِّمنك غرما يشق عليك، فأغرمه مثلي قيمتها.
قَالَ: فأما ديات نسائهم، فعلى النصف منْ دياتهم، لا نعلم فِي هَذَا خلافا، قَالَ ابن المنذر: أجمع أهل العلم عَلَى أن دية المرأة نصف دية الرجل، ولأنه لما كَانَ دية نساء
стр. 17435
المسلم عَلَى النصف منْ دياتهم، كذلك نساء أهل الكتاب عَلَى النصف منْ دياتهم. انتهى كلام الموفّق "المغني" ١٢/ ٥١ - ٥٣.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد اتّضح بما ذُكر منْ الأدلّة أن أرجح الأقوال هو القول الأول، وهو أن دية الكتابيّ نصف دية المسلم؛ لصحّة حديث الباب الذي هو نصّ فِي الموضوع، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي دية الكافر غير الكتابيّ:
ذهب أكثر أهل العلم إلى أن دية المجوسي ثمانمائة درهم، ونساؤهم عَلَى النصف، قَالَ الإمام أحمد: ما أقل ما اختُلف فِي دية المجوسي، وممن قَالَ ذلك: عمر، وعثمان، وابن مسعود ﵃، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعطاء، وعكرمة، والحسن، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
ورُوي عن عمر بن عبد العزيز أنه قَالَ: ديته نصف دية المسلم، كدية الكتابي؛ لقول النبيّ ﷺ : "سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب" (١).
وَقَالَ النخعي، والشعبي، وأصحاب الرأي: ديته كدية المسلم؛ لأنه آدمي حر معصوم، فأشبه المسلم.
قَالَ الموفّق: ولنا قول منْ سمينا منْ الصحابة، ولم نَعرِف لهم فِي عصرهم مخالفا، فكان إجماعا، وقوله: "سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب"، يعني فِي أخذ جزيتهم، وحَقْن دمائهم، بدليل أن ذبائحهم، ونساءهم لا تحل لنا، ولا يجوز اعتباره بالمسلم، ولا الكتابي، لنقصان ديته وأحكامه عنهما، فينبغي أن تنقص ديته، كنقص المرأة عن دية الرجل، وسواء كَانَ المجوسي ذميا، أو مستأمنا؛ لأنه محقون الدم، ونساؤهم عَلَى النصف منْ دياتهم بإجماع، وجراح كل واحد معتبرة منْ ديته، وإن قتلوا عمدا أضعفت الدية عَلَى القاتل المسلم؛ لإزالة القود، نص عليه أحمد قياسا عَلَى الكتابي.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الأرجح هو القول الأول، وهو أن دية المجوسيّ ثمانمائة درهم؛ للدليل الذي ذكره الموفّق، وأما حديث: "سُنّوا بهم سنة أهل الكتاب"، فضعيفٌ؛ لأنه منْ رواية محمد بن عليّ الباقر، عن عمر ﵁, ولم يدركه، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
قَالَ: فأما عبدة الأوثان، وسائر منْ لا كتاب له، كالتُّرك، ومن عبد ما استحسن فلا