واحد، فيكون ما ذكرنا مُفَسِّرًا لما ذكروه، مُخَصِّصًا له، ودية نساء كل أهل دين عَلَى النصف منْ دية رجالهم. انتهى.
وَقَالَ أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى: قَالَ أبو عمر: إنما صارت ديتها -والله أعلم- عَلَى النصف منْ دية الرجل منْ أجل أن لها نصف ميراث الرجل، وشهادة امرأتين بشهادة رجل، وهذا إنما فِي دية الخطإ، وأما العمد ففيه القصاص بين الرجال والنساء؛ لقوله : ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ , وقوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾. انتهى "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٣٢٥ وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي دية جراح المرأة:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: وتُساوي جراح المرأة جراح الرجل إلى ثلث الدية، فإن جاوز الثلث فعلى النصف، ورُوي هَذَا عن عمر، وابن عمر، وزيد بن ثابت ﵃, وبه قَالَ سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، وعروة بن الزبير، والزهري، وقتادة، والأعرج، وربيعة، ومالك. قَالَ ابن عبد البرّ: وهو قول فقهاء المدينة السبعة، وجمهور أهل المدينة، وحُكي عن الشافعيّ فِي القديم.
وَقَالَ الحسن: يستويان إلى النصف، ورُوي عن علي ﵁: أنها عَلَى النصف فيما قَلّ، وكثر، ورُوي ذلك عن ابن سيرين، وبه قَالَ الثوري، والليث، وابن أبي ليلى، وابن شُبْرُمة، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأبو ثور، والشافعي فِي ظاهر مذهبه، واختاره ابن المنذر؛ لأنهما شخصان تختلف ديتهما، فاختلف أرش أطرافهما، كالمسلم والكافر، ولأنها جناية لها أرش مُقَدَّر، فكان منْ المرأة عَلَى النصف منْ الرجُلِ، كاليد، ورُوي عن ابن مسعود ﵁ أنه قَالَ: تُعاقلُ المرأة الرجل إلى نصف عشر الدية، فإذا زاد عَلَى ذلك، فهي عَلَى النصف؛ لأنها تساويه فِي الموضحة.
واحتجّ الأولون بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁ المذكور فِي هَذَا الباب، قَالَ الموفّق: وهو نص، يقدم عَلَى ما سواه.
وَقَالَ ربيعة: قلت لسعيد بن المسيب: كم فِي أصبع المرأة؟ قَالَ: عشر، قلت: ففي أصبعين؟ قَالَ: عشرون، قلت: ففي ثلاث أصابع؟ قَالَ: ثلاثون، قلت: ففي أربع؟ قَالَ: عشرون، قَالَ: قلت: لَمّا عَظُمت مصيبتها قَلَّ عقلها؟ قَالَ: هكذا السنة يا ابن أخي، وهذا مقتضى سنة رسول الله ﷺ ، رواه سعيد بن منصور، ولأنه إجماع الصحابة ﵃، إذ لم ينقل عنهم خلاف ذلك، إلا عن علي، ولا نعلم ثبوت ذلك عنه، ولأن ما دون الثلث يستوي فيه الذكر والأنثى، بدليل الجنين، فإنه
стр. 17432
يستوي فيه الذكر والأنثى، فأما الثلث نفسه، فهل يستويان فيه عَلَى روايتين، إحداهما: يستويان فيه؛ لأنه لم يعتبر حد القلة، ولهذا صحت الوصية به، وروي أنهما يختلفان فيه، وهو الصحيح؛ لقوله ﵇: "حَتَّى يبلغ الثلث"، و"حَتَّى" للغاية، فيجب أن تكون مخالفة لما قبلها؛ لقول الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]، ولأن الثلث فِي حد الكثرة؛ لقوله ﵇: "الثلث، والثلث كثير". انتهى "المغني" ١٢/ ٥٨.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بأنها عَلَى النصف فيما قلّ، أو كثر أقرب، كما اختاره ابن المنذر رحمه الله تعالى؛ عملا بما ثبت فِي ديتهما فِي النفس، وأما ما احتجّ به الأولون منْ حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، فقد عرفت أنه لا يصلح؛ لضعفه، فلو كَانَ صحيحاً، لكان أقوى متمسّك فِي المسألة، لكن الحال كما وصفت، وأما دعوى إجماع الصحابة ﵃، فغير صحيحة؛ إذ الخلاف قائم، كما عرفت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٣٧ - (كَمْ دِيَةُ الْكَافِرِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: المراد بالكافر هنا هو اليهودي، والنصرانيّ، كما هو نص الْحَدِيث، وأما غيرهم منْ الكفّار، فسنذكر دياتهم فِي المسائل، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٨٠٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، وَذَكَرَ كَلِمَةً، مَعْنَاهَا: عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَقْلُ أَهْلِ الذِّمَّةِ، نِصْفُ عَقْلِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُمُ الْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. ومحمد بن راشد، وسليمان بن موسى تقدّما قبل ثلاثة أبواب، والباقون تقدموا فِي الباب الماضي، وكذا لطائف الإسناد. والله تعالى أعلم.
стр. 17433
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : عَقْلُ أَهْلِ الذِّمَّةِ) أي دية الكافر الذي بينه وبين المسلمين ذمّةٌ: أي عهد (نِصْفُ عَقْلِ المُسْلِمِينَ) أَي نصف ديتهم (وَهُمُ) أي الذمة (الْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى) يعني أن المراد بأهل الذمة هم اليهود والنصارى، وإنما خصّهم بالذكر لأن غيرهم منْ الكفرة تخالف ديتهم ديتهم، فدية المجوسيّ ثمانمائة درهم، وكذلك عبدة الأوثان، ونحوهم، كما سيأتي بيانه قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيحٌ.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٧/ ٤٨٠٨ و٤٨٠٩ - وفي " الكبرى" ٣٦/ ٧٠٠٩ و٧٠١٠. وأخرجه (ق) فِي "الديات" ٢٦٤٤ (أحمد) فِي "مسند المكثرين ٦٦٧٧ و٧٠٥٢. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي دية الكتابيّ:
ذهب عمر بن عبد العزيز، وعروة، ومالك، وعمرو بن شعيب، وأحمد بن حنبل إلى أن دية الحر الكتابي نصف دية الحر المسلم، ونساؤهم عَلَى النصف منْ دياتهم.
وعن أحمد: أنها ثلث دية المسلم، إلا أنه رجع عنها، فإن صالحا رَوَى عنه، أنه قَالَ: كنت أقول: إن دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، وأنا اليوم أذهب إلى نصف دية المسلم، لحديث عمرو بن شعيب، وحديث عثمان الذي يرويه الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، وهذا صريح فِي الرجوع عنه.
ورُوي عن عمر، وعثمان أن ديته أربعة آلاف درهم، وبه قَالَ سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، وعكرمة، وعمرو بن دينار، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور؛ لما رَوَى عبادة بن الصامت ﵁ أن النبيّ ﷺ قَالَ: "دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف"، ورُوي عن عمر ﵁ أنه جعل دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، ودية المجوسي ثمانمائة درهم، وَقَالَ علقمة، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، والثوري، وأبو حنيفة: ديته كدية المسلم، ورُوي ذلك عن عمر، وعثمان، وابن مسعود، ومعاوية
стр. 17434
رضي الله عنهم. وَقَالَ ابن عبد البرّ: هو قول سعيد بن المسيب، والزهري؛ لما رَوَى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبيّ ﷺ قَالَ: "دية اليهودي والنصراني، مثل دية المسلم"، ولأن الله تعالى ذكر فِي كتابه دية المسلم، فَقَالَ: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النِّساء: ٩٢]، وَقَالَ فِي الذمي مثل ذلك، ولم يفرق، فدل عَلَى أن ديتهما واحدة، ولأنه ذَكَرٌ حُرٌّ معصوم، فتكمل ديته كالمسلم.
واحتجّ الأولون بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﷺ المذكور فِي هَذَا الباب، ورواه أحمد بلفظ: "دية المعاهد نصف دية المسلم"، وفي لفظ: "أن النبيّ ﷺ ، قضى أن عقل الكتابي نصف عقل المسلم"، وفي لفظ: "دية المعاهد نصف دية الحر".
قَالَ الخطّابيّ: ليس فِي دية أهل الكتاب شيء أثبت منْ هَذَا، ولا بأس بإسناده، وَقَدْ قَالَ به أحمد، وقول رسول الله ﷺ أولى.
قَالَ الموفّق: ولأنه نَقْصٌ مؤثر فِي الدية، فأثر فِي تنصيفها كالأنوثة، وأما حديث عبادة، فلم يذكره أهل السنن، والظاهر أنه ليس بصحيح، وأما حديث عمر، فإنما كَانَ ذلك حين كانت الدية ثمانية آلاف، فأوجب فيه نصفها أربعة آلاف، ودليل ذلك ما رَوَى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قَالَ: "كانت قيمة الدية عَلَى عهد رسول الله ﷺ ثمانمائة دينار، وثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب يومئذ النصف"، فهذا بيان، وشرح مزيل للإشكال، ففيه جمع للأحاديث، فيكون دليلا لنا، ولو لم يكن كذلك لكان قول النبيّ ﷺ ، مقدما عَلَى قول عمر وغيره، بغير إشكال، فقد كَانَ عمر ﵁ إذا بلغه عن النبيّ ﷺ سنة، ترك قوله وعمل بها، فكيف يسوغ لأحد أن يحتج بقوله فِي ترك رسول الله ﷺ ، فأما ما احتج به الآخرون, فإن الصحيح منْ حديث عمرو بن شعيب ما رويناه، أخرجه الأئمة فِي كتبهم، دون ما رووه، وأما ما رووه منْ أقوال الصحابة، فقد رُوي عنهم خلافه، فنحمل قولهم فِي إيجاب الدية كاملة عَلَى سبيل التغليظ، قَالَ أحمد: إنما غلظ عثمان الدية عليه؛ لأنه كَانَ عمدا فلما ترك القود، غَلظ عليه، وكذلك حديث معاوية، ومثل هَذَا ما رُوي عن عمر ﵁، حين انتحر رقيق حاطب ناقة لرجل مزني، فَقَالَ لحاطب: إني أراك تُجيعهم لأُغَرِّمنك غرما يشق عليك، فأغرمه مثلي قيمتها.
قَالَ: فأما ديات نسائهم، فعلى النصف منْ دياتهم، لا نعلم فِي هَذَا خلافا، قَالَ ابن المنذر: أجمع أهل العلم عَلَى أن دية المرأة نصف دية الرجل، ولأنه لما كَانَ دية نساء
стр. 17435
المسلم عَلَى النصف منْ دياتهم، كذلك نساء أهل الكتاب عَلَى النصف منْ دياتهم. انتهى كلام الموفّق "المغني" ١٢/ ٥١ - ٥٣.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد اتّضح بما ذُكر منْ الأدلّة أن أرجح الأقوال هو القول الأول، وهو أن دية الكتابيّ نصف دية المسلم؛ لصحّة حديث الباب الذي هو نصّ فِي الموضوع، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي دية الكافر غير الكتابيّ:
ذهب أكثر أهل العلم إلى أن دية المجوسي ثمانمائة درهم، ونساؤهم عَلَى النصف، قَالَ الإمام أحمد: ما أقل ما اختُلف فِي دية المجوسي، وممن قَالَ ذلك: عمر، وعثمان، وابن مسعود ﵃، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعطاء، وعكرمة، والحسن، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
ورُوي عن عمر بن عبد العزيز أنه قَالَ: ديته نصف دية المسلم، كدية الكتابي؛ لقول النبيّ ﷺ : "سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب" (١).
وَقَالَ النخعي، والشعبي، وأصحاب الرأي: ديته كدية المسلم؛ لأنه آدمي حر معصوم، فأشبه المسلم.
قَالَ الموفّق: ولنا قول منْ سمينا منْ الصحابة، ولم نَعرِف لهم فِي عصرهم مخالفا، فكان إجماعا، وقوله: "سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب"، يعني فِي أخذ جزيتهم، وحَقْن دمائهم، بدليل أن ذبائحهم، ونساءهم لا تحل لنا، ولا يجوز اعتباره بالمسلم، ولا الكتابي، لنقصان ديته وأحكامه عنهما، فينبغي أن تنقص ديته، كنقص المرأة عن دية الرجل، وسواء كَانَ المجوسي ذميا، أو مستأمنا؛ لأنه محقون الدم، ونساؤهم عَلَى النصف منْ دياتهم بإجماع، وجراح كل واحد معتبرة منْ ديته، وإن قتلوا عمدا أضعفت الدية عَلَى القاتل المسلم؛ لإزالة القود، نص عليه أحمد قياسا عَلَى الكتابي.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الأرجح هو القول الأول، وهو أن دية المجوسيّ ثمانمائة درهم؛ للدليل الذي ذكره الموفّق، وأما حديث: "سُنّوا بهم سنة أهل الكتاب"، فضعيفٌ؛ لأنه منْ رواية محمد بن عليّ الباقر، عن عمر ﵁, ولم يدركه، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
قَالَ: فأما عبدة الأوثان، وسائر منْ لا كتاب له، كالتُّرك، ومن عبد ما استحسن فلا
стр. 17436
دية لهم، وإنما تحقن دماءهم بالأمان، فإذا قتل منْ له أمان منهم، فديته دية مجوسي؛ لأنها أقل الديات، فلا تنقص عنها، ولأنه كافر ذو عهد، لا تحل مناكحته فأشبه المجوسي.
قَالَ: ومن لم تبلغه الدعوة منْ الكفار، إن وجد لم يجز قتله، حَتَّى يُدعَى، فإن قُتل قبل الدعوة منْ غير أن يُعطَى أمانا، فلا ضمان فيه؛ لأنه لا عهد له، ولا إيمان فأشبه امرأة الحربي، وابنه الصغير، وإنما حرم قتله لتَبْلُغَهُ الدعوة، وهذا قول أبي حنيفة.
وَقَالَ أبو الخطاب: يُضمن بما يُضمن به أهل دينه، وهو مذهب الشافعيّ؛ لأنه محقون الدم، فأشبه منْ له أمان، والأول أولى، فإن هَذَا ينتقض بصبيان أهل الحرب، ومجانينهم، ولأنه كافر لا عهد له، فلم يضمن كالصبيان والمجانين، فأما إذا كَانَ له عهد، فله دية أهل دينه، فإن لم يعرف دينه، ففيه دية المجوسي؛ لأنه اليقين، وما زاد مشكوك فيه. انتهى كلام الموفق رحمه الله تعالى "المغني" ١٢/ ٥٥ - ٥٦.
وَقَالَ العلّامة الشوكانيّ رحمه الله تعالى بعد أن ذكر الخلاف فِي المسألة: ما حاصله: احتج منْ قَالَ: إن ديته ثلث دية المسلم بفعل عمر المذكور، منْ عدم رفع دية أهل الذمة، وأنها كانت فِي عصره أربعة آلاف درهم، ودية المسلم اثني عشر ألف درهم.
ويجاب عنه بأن فعل عمر ليس بحجة، عَلَى فرض عدم معارضته، لما ثبت عنه ﵌، فكيف وهو هنا معارض للثابت قولا وفعلا، وتمسكوا فِي جعل دية المجوسي ثلثي عشر دية المسلم بفعل عمر المذكور فِي الباب.
ويجاب عنه بما تقدم، ويمكن الاحتجاج لهم بحديث عقبة بن عامر الذي ذكرناه، فإنه موافق لفعل عمر؛ لأن ذلك المقدار هو ثلثا عشر الدية، إذ هي اثنا عشر ألف درهم، وعشرها اثنا عشر مائة، وثلثا عشرها ثمانمائة، ويجاب بأن إسناده ضعيف كما أسلفنا، فلا يقوم بمثله حجة، لا يقال: إن الرواية بلفظ: "قضى أن عقل أهل الكتابين الخ" مقيدة باليهود والنصارى، والرواية بلفظ: "عقل الكافر نصف دية المسلم" مطلقة، فيحمل المطلق عَلَى المقيد، ويكون المراد بالحديث دية اليهود والنصارى دون المجوس؛ لأنا نقول: لا نسلم صلاحية الرواية الأولى للتقييد، ولا للتخصيص؛ لأن ذلك منْ التنصيص عَلَى بعض أفراد المطلق، أو العام، وما كَانَ كذلك فلا يكون مقيدا لغيره، ولا مخصصا له، ويوضح ذلك أن غاية ما فِي قوله: "عقل أهل الكتابين" أن
стр. 17437
يكون مَنْ عداهم بخلافهم؛ لمفهوم اللقب، وهو غير معمول به عند الجمهور، وهو الحق، فلا يصلح لتخصيص قوله ﵌: "عقل الكافر نصف دية المسلم"، ولا لتقييده عَلَى فرض الإطلاق، ولاسيما ومخرج اللفظين واحد، والراوي واحد، فإن ذلك يفيد أن أحدهما منْ تصرف الراوي، واللازم الأخذ بما هو مشتمل عَلَى زيادة، فيكون المجوسي داخلا تحت ذلك العموم، وكذلك كل منْ له ذمة منْ الكفار، ولا يخرج عنه إلا منْ لا ذمة له، ولا أمان، ولا عهد منْ المسلمين؛ لأنه مباح الدم، ولو فُرض عدم دخول المجوسي تحت ذلك اللفظ، كَانَ حكمه حكم اليهود والنصارى، والجامع الذمة منْ المسلمين للجميع. ويؤيد ذلك حديث "سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب" (١).
واحتج القائلون بأن دية الذمي كدية المسلم، بعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النِّساء: ٩٢]، قالوا: وإطلاق الدية يفيد أنها الدية المعهودة، وهي دية المسلم.
ويجاب عنه أَوَّلاً بمنع كون المعهود ههنا هو دية المسلم، لم لا يجوز أن يكون المراد بالدية الدية المتعارفة بين المسلمين لأهل الذمة والمعاهدين، وثانيا بأن هَذَا الإطلاق مقيد بحديث الباب.
واستدلوا ثانيا بما أخرجه الترمذيّ، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وَقَالَ: غريب: أن النبيّ ﵌، وَدَى العامريين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري، وكان لهما عهد منْ النبيّ ﵌، لم يشعر به عمرو بدية المسلمين، وبما أخرجه البيهقي عن الزهريّ: أنها كانت دية اليهودي والنصراني فِي زمن النبيّ ﵌، مثل دية المسلم، وفي زمن أبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃، فلما كَانَ معاوية أعطى أهل المقتول النصف، وألقى النصف فِي بيت المال، قَالَ: ثم قضى عمر بن عبد العزيز بالنصف، وألغى ما كَانَ جعل معاوية، وبما أخرجه أيضا عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قَالَ جعل: رسول الله ﵌ دية العامريين دية الحر المسلم، وكان لهما عهد، وأخرج أيضا منْ وجه آخر: أنه ﵌ جعل دية
стр. 17438
المعاهدين دية المسلم، وأخرج أيضا عن ابن عمر: أن النبيّ ﵌، وَدَى ذميا دية مسلم.
ويجاب عن حديث ابن عباس، بأن فِي إسناده أبا سعيد البَقّال، واسمه سعيد بن المَرْزُبان، ولا يحتج بحديثه، والراوي عنه أبو بكر بن عياش، وحديث الزهريّ مرسل، ومراسيله قبيحة؛ لأنه حافظ كبير، لا يرسل إلا لعلة، وحديث ابن عباس الآخر فِي إسناده أيضا أبو سعيد البقال المذكور، وله طريق أخرى فيها الحسن بن عُمارة، وهو متروك، وحديث ابن عمر فِي إسناده أبو كُرْز، وهو أيضا متروك، ومع هذه العلل، فهذه الأحاديث معارضة بحديث الباب، وهو أرجح منها، منْ جهة صحته، وكونه قولا، وهذه فعلٌ، والقول أرجح منْ الفعل.
ولو سلمنا صلاحيتها للاحتجاج، وجعلناها مخصصة لعموم حديث الباب، كَانَ غاية ما فيها إخراج المعاهد، ولا ضير فِي ذلك، فإن بين الذمي والمعاهد فرقا؛ لأن الذمي ذَلَّ، ورضى بما حكم به عليه منْ الذلة، بخلاف المعاهد، فلم يرض بما حكم عليه به منها، فوجب ضمان دمه وماله، الضمانَ الأصليَّ الذي كَانَ بين أهل الكفر، وهو الدية الكاملة التي ورد الإسلام بتقريرها.
ولكنه يعكُر عَلَى هَذَا ما وقع فِي رواية منْ حديث عمرو بن شعيب عند أبي داود، بلفظ: "دية المعاهد نصف دية الحر"، وتخلص عن هَذَا بعض المتأخرين، فَقَالَ: إن لفظ "المعاهد" يُطلق عَلَى الذمي، فيحمل ما وقع فِي حديث عمرو بن شعيب عليه؛ ليحصل الجمع بين الأحاديث، ولا يخفى ما فِي ذلك منْ التكلف، والراجح العمل بالحديث الصحيح، وطرح ما يقابله، مما لا أصل له فِي الصحة، وأما ما ذهب إليه أحمد منْ التفصيل باعتبار العمد والخطإ، فليس عليه دليل. انتهى "نيل الأوطار" ٧/ ٦٩ - ٧١.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن التنصيص الواقع فِي حديث الباب بقوله: "وهم اليهود والنصارى" بعد قوله: "عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين" واضح الدلالة عَلَى أن غير أهل الكتاب منْ الكفار يخالفهم فِي الدية، فحمل قوله فِي الْحَدِيث التالي: "عقل الكافر نصف عقل المؤمن" عَلَى أهل الكتاب هو الأولى، فالأرجح أن دية المجوسي وغيره منْ المعاهدين ثمانمائة درهم، كما أسلفت إيضاحه، فتأمل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٠٩ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
стр. 17439
أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "عَقْلُ الْكَافِرِ نِصْفُ عَقْلِ الْمُؤْمِنِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أسامة بن زيد": هو الليثيّ مولاهم المدنيّ، صدوقٌ يهم [٧] ٣٣/ ٢١٧٧.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٣٨ - (دِيَةُ الْمُكَاتَبِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: يجوز فتح تائه، وكسرها، قَالَ الأزهريّ: الكِتاب، والمكاتبة أن يُكاتب الرجل عبده، أو أمته عَلَى مال مُنَجَّمٍ، ويَكتُب العبد عليه أنه يَعتِقُ إذا أدّى النُّجُوم، وَقَالَ غيره: بمعناه، وتكاتبا كذلك، فالعبد مكاتب بالفتح، اسم مفعول، وبالكسر اسم فاعل لأنه كاتب سيّده، فالفعل منهما، والأصل فِي باب المفاعلة أن يكون منْ اثنين، فصاعدًا، يفعل أحدهما بصاحبه ما يَفعل هو به، وحينئذ فكلُّ واحد فاعل، ومفعولٌ منْ حيث المعنى. ذكر الفيّوميّ. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٨١٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فِي الْمُكَاتَبِ يُقْتَلُ، بِدِيَةِ الْحُرِّ، عَلَى قَدْرِ مَا أَدَّى).
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (وكيع) بن الحرّاح بن مَلِيح، أبو سفيان الرُّؤَاسي الكوفيّ، ثقة ثبت عابد [٩] ٢٣/ ٢٥.
٢ - (عليّ بن المبارك) الْهُنَائيّ البصريّ، ثقة، كَانَ له عن يحيى بن أبي كثير كتابان: أحدهما: سماعٌ، والآخر إرسالٌ، فحديث الكوفيين عنه فيه شيءٌ، منْ كبار [٧] ٢٨/ ١٤١١.
стр. 17440
٣ - (يحيى) بن أبي كثير الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت، لكنه يدلس ويرسل [٥] ٢٣/ ٢٤. والباقون تقدموا قبل بابين، وكذا لطائف الإسناد. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَضَى) أي حكم (رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فِي الْمُكَاتَبِ) تقدم أول الباب أنه يجوز فتح تائه، وكسرها، وقوله: (يُقْتَلُ) بالبناء للمفعول فِي محلّ نصب حال، منْ "المكاتب"، أو فِي محلّ جرّ صفة له، بناء عَلَى أن ما عُرّف بأل"الجنسية" فِي حكم النكرة، كما فِي قول الشاعر [منْ الكامل]:
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي … فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي
(بدِيَةِ الْحُرِّ) متعلّقٌ بـ"قضى" (عَلَى قَدْرِ مَا أَدَّى) بتشديد الدال: أي عَلَى مقدار ما دفعه لسيّده منْ بدل الكتابة.
والمعنى: أنه ﷺ حكم للمكاتب إذا قُتِل أنه يُعطى دية الحر بقدر ما أدّى منْ مال الكتابة؛ لأنه حر بقدر ذلك، ويُعطى دية العبد بقدر ما بقي، فلو أدّى نصفه مثلاً، يعطى نصف دية الحرّ، ونصف دية العبد. وهذا هو القول الراجح؛ لصحة هَذَا الْحَدِيث فيه، كما سيأتي بيان ذلك فِي المسألة الثالثة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيح.
[فإن قلت]: تقدم الكلام فِي رواية عليّ بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير، إذا روى عنه الكوفيّون، ووكيع كوفيّ، فكيف يصحّ؟.
[قلت]: لم ينفرد عليّ به، بل تابعه عليه معاوية بن سلّام، وحجاج الصوّاف، كما سيأتي قريبًا، وهشام الدستوائيّ فِي "العتق" منْ "الكبرى"، وكذا عند أبي داود، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٨/ ٤٨١٠ و٤٨١١ و٤٨١٢ و٤٨١٣ و٤٨١٤ - وفي "الكبرى" ٣٧/ ٧٠١١ و٧٠١٢ و٧٠١٣ و٧٠١٤ و٧٠١٥. وأخرجه (د) فِي "الديات" ٤٥٨١ (ت) فِي "البيوع" ١٢٥٩ (أحمد) فِي "مسند بني هاشم" ١٩٤٥ و١٩٨٥ و٢٣٥٢ و٢٦٥٥ و٣٤١٣ و٣٤٧٩. والله تعالى أعلم.
стр. 17441
(المسألة الثالثة): فِي أقوال أهل العلم فِي دية المكاتب:
قَالَ فِي "المغني": قَالَ الخطّابيّ: أجمع عوام الفقهاء، عَلَى أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، فِي جنايته، والجناية عليه، إلا إبراهيم النخعي، فإنه قَالَ فِي المكاتب يُؤدي بقدر ما أدى منْ كتابته دية الحر، وما بقي دية العبد، ورُوي فِي ذلك شيء عن علي ﵁، وَقَدْ رَوَى أبو داود فِي "سننه"، والإمام أحمد فِي "مسنده"، قَالَ: حدثنا محمد بن عبد الله، ثنا هشام بن أبي عبد الله، قَالَ: حدثني يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قَالَ: قضى رسول الله ﷺ فِي المكاتب، يُقتل أنه يُودَى (١) ما أدى منْ كتابته دية الحر، وما بقي دية العبد"، قَالَ الخطّابيّ: وإذا صح الْحَدِيث وجب القول به، إذا لم يكن منسوخًا، أو معارضا بما هو أولى منه. انتهى "المغني" ١٢/ ٥٨ - ٥٩.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد صحّ هَذَا الْحَدِيث، ولم يأت ما يُعارضه، ولا ينسخه، ولا أجمع أهل العلم عَلَى خلافه، فوجب القول به، فالحق ما قاله إبراهيم النخعيّ رحمه الله تعالى؛ لأنه المنصوص عديه فِي هَذَا الْحَدِيث الصحيح، فتبصّر، ولا تتحيّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي دية العبد الذي لم يُكاتب:
قَالَ فِي "المغني": أجمع أهل العلم أن فِي العبد الذي لا تبلغ قيمته دية الحر قِيمَتَهُ، وإن بلغت قيمته ديةَ الحر، أو زادت عديها، فذهب أحمد ﵀ إلى أن فيه قيمته بالغة ما بلغت، وإن بلغت ديان, عمدا كَانَ القتل، أو خطأ، سواء ضمن باليد، أو بالجناية، وهذا قول سعيد بن المسيب، والحسن، وابن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، وإياس بن معاوية، والزهري، ومكحول، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأبي يوسف.
وَقَالَ النخعي، والشعبي، والثوري، وأبو حنيفة، ومحمد: لا تُبلغ به دية الحر. وَقَالَ أبو حنيفة: يُنقَص عن دية الحر دينارًا، أو عشرة دراهم، القدر الذي يقطع به السارق، وهذا إذا ضمن بالجناية، وإن ضمن باليد بأن يَغصِب عبدا، فيموت فِي يده، فإن قيمته تجب، وإن زادت عَلَى دية الحر.
واحتجوا بأنه ضمان آدمي، فلم يزد عَلَى دية الحر، كضمان الحر، وذلك لأن الله تعالى لَمّا أوجب فِي الحر دية، لا تزيد، وهو أشرف لخلوصه منْ نقيصة الرق، كَانَ تنبيها عَلَى دية العبد المنقوص، لا يزاد عليها، فنجعل مالية العبد مِعْيَارًا للقدر الواجب
стр. 17442
فيه، ما لم يزد عَلَى الدية، فإذا زاد علمنا خطأ ذلك، فنرده إلى دية الحر، كأرش ما دون الموضحة يجب فيه ما تخرجه الحكومة، ما لم يزد عَلَى أرش الموضحة، فنرده إليها.
وحجة القول الأول أنه مال مُتَقَوَّمٌ، فيُضمن بكمال قيمته، بالغة ما بلغت، كالفرس، أو مضمون بقيمته، فكانت جميع القيمة، كما لو ضمنه باليد، ويخالف الحر، فإنه ليس بمضمون بالقيمة، وإنما ضُمِن بما قدره الشرع، فلم يتجاوزه، ولأن ضمان الحر ليس بضمان مال، ولذلك لم يختلف باختلاف صفاته، وهذا ضمان مال، يزيد بزيادة المالية، وينقص بنقصانها فاختلفا. وَقَدْ حَكَى أبو الخطاب عن أحمد ﵀ رواية أخرى، أنه لا يبلغ بالعبد دية الحر، والمذهب الأول. انتهى "المغني" ١١/ ٥٠٤ - ٥٠٥.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأول، وهو وجوب القيمة، وإن زادت عَلَى دية الحرّ، هو الأرجح عندي؛ لظاهر حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما المذكور فِي الباب، حيث قضى ﷺ أن يودَى ديّة الحرّ بقدر ما عتق، ودية العبد بقدر ما بقي، ولم يقيّده بأن لا يزيد عَلَى دية الحرّ، فدلّ عَلَى أنه يودَى بقيته بالغةً ما بلغت. ولأنه منْ باب ضمان الأموال المتلفة، وهي إنما تجب قيمتها بالغة ما بلغت، فكذا هَذَا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨١١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّرَائِفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ، قَضَى فِي الْمُكَاتَبِ، أَنْ يُودَى بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ دِيَةَ الْحُرِّ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن عبيد الله بن يزيد": هو الشيبانيّ مولاهم، أبو جعفر الحرّانيّ القُرْدُوانيّ القاضي، صدوقٌ فيه لينٌ [١١] ٥١/ ٢٢٧٢ منْ أفراد المصنّف. و"عثمان بن عبد الرحمن الطرائفيّ": هو الحرانيّ، صدوقٌ، أكثرَ الروايةَ عن الضعفاء، والمجاهيل، فضُعّف بسبب ذلك، حَتَّى نسبه ابن نُمير إلى الكذب، وَقَدْ وثّقه ابن معين [٩] ٥١/ ٢٢٧٢.
[تنبيه]: وقع فِي النسخ التي بين يديّ كلها: "الطائفيّ"، وهو تصحيفٌ، والصواب: "الطرائفيّ"، كما فِي "تحفة الأشراف" ٥/ ١٧٤ وكذا هو فِي كتب الرجال، كـ"التقريب"، و"التهذيب"، وغيرهما، بل ضبطه الخزرجي فِي "الخلاصة" ص ٢٦١، فَقَالَ: "الطرائفيّ" بالفاء؛ كَانَ يتبع طرائف الْحَدِيث. انتهى. والله تعالى أعلم.
و"معاوية": هو ابن سلام، أبو سلّام الدمشقيّ، وكان يسكن حمص، ثقة [٧] ١٣/ ١٤٧٩.
وقوله: "أن يودَى" بالبناء للمفعول: أي يعطى الديةَ. وقوله: "عَتَق" بفتح العين
стр. 17443
المهملة، والتاء المثناة الفوقانية، منْ باب ضرب: أي صار حرًّا. وقوله: "ديةَ الحرّ" بالنصب عَلَى أنه مصدر للنوع، قاله السنديّ.
والحديث صحيح، وَقَدْ سبق بيان ذلك فِي الْحَدِيث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨١٢ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْلَى، عَنِ الْحَجَّاجِ الصَّوَّافِ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فِي الْمُكَاتَبِ، يُودَى بِقَدْرِ مَا أَدَّى مِنْ مُكَاتَبَتِهِ دِيَةَ الْحُرِّ، وَمَا بَقِيَ دِيَةَ الْعَبْدِ").
قالَ الجامع عفاَ الله تعالى عنه: "محمد بن إسماعيل بن إبراهيم": هو المعروف أبوه بابن عُليّة البصريّ، نزيل دمشق، وقاضيها، ثقة [١١] ٢٢/ ٤٨٩ منْ أفراد المصنّف. و"يعلى": هو ابن عُبيد الطنافسيّ، أبو يوسف الكوفيّ، ثقة، إلا فِي حديثه عن الثوريّ، ففيه لينٌ، منْ كبار [٩] ١٠٥/ ١٤٠. و"الحجاج الصوّاف": هو الحجاج بن أبي عثمان/ ميسرة، أو سالم، أبو الصَّلْت الكِندي مولاهم البصريّ الثقة الحافظ [٦] ١٢/ ٧٩٠.
والحديث صحيح، وَقَدْ سبق القول فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨١٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ النَّقَّاشِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -يَعْنِي ابْنَ هَارُونَ- قَالَ: أَنْبَأَنَا حَمَّادٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خِلَاسٍ، عَنْ عَلِيٍّ، وَعَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "الْمُكَاتَبُ يَعْتِقُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى، وَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ، وَيَرِثُ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن عيسى بن النّقّاش"، أبو جعفر البغداديّ، نزيل دمشق، مقبول [١١].
رَوَى عن يزيد بن هارون، وشَبَابة بن سَوّار، ويحيى بن أبي كثير، وعبد الله بن أبي عِلاج، وداود بن مهران الدباغ، ومكي بن إبراهيم. ورَوَى عنه النسائيّ، والحسين بن عبد الله بن يزيد القطّان، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الملك، وعبد الرحيم بن عمر المازني، والقاسم بن عيسى العصار (١)، ومحمد بن إدريس بن الحجاج أبي حماد. تفرّد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط.
و"حمّاد": هو ابن سلمة. و"خِلاس" بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف اللام-: هو ابن عمرو الْهَجَريّ البصريّ، ثقة يرسل، وكان عَلَى شرطة عليّ [٢] ٤٦/ ٥٧.
وقوله: "وعن أيوب" -هو السختيانيّ- عطفٌ عَلَى قتادة، فحماد بن سلمة يروي
стр. 17444
الْحَدِيث عن قتادة، عن خلاس، عن عليّ ﵁، وعن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: طريق عليّ ﵁ أيضاً مرفوع، فقد أخرجه الإمام أحمد رحمه الله تعالى فِي "مسنده"، فَقَالَ:
٨٢٠ - حدثنا عفّان، حدثنا وُهيب، حدثنا أيوب، عن عكرمة، عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "يُودَى المكاتبُ بقدر ما أدى". انتهى.
وَقَالَ أبو داود فِي "سننه": رواه وُهيبٌ، عن عكرمة، عن عليّ ﵁، عن النبيّ ﷺ ، وأرسله حماد بن زيد، وإسماعيل، عن أيوب، عن عكرمة، عن النبيّ ﷺ , وجعله إسماعيل ابن عُليّة قول عكرمة. انتهى.
وقوله: "ويرث بقدر ما عَتَق منه": يعني أنه إذا ثبت للمكاتب دية، أو ميراث، ثبت له منْ الدية، والميراث بحسب ما عتَقَ منه، كما لو أدّى نصف كتابته، ثم مات أبوه، وهو حرّ، ولم يخلُف غيره، فإنه يرث منه نصف ماله، أو كما إذا جُني عَلَى المكاتب جنايةٌ، وَقَدْ أدَّى بعض كتابته، فإن الجاني عليه يدفع إلى ورثته بقدر ما أدّى منْ كتابته دية حرّ، ويدفع إلى مولاه بقدر ما بقي منْ كتابته دية عبد، مثلاً إذا كاتبه عَلَى ألف، وقيمته مائة، فأدّى خمسمائة، ثم قُتل، فلورثة العبد خمسمائة منْ ألف، نصف دية حرّ، ولمولاه خمسون نصف قيمته. كذا فِي "المرقاة". ذكره فِي "عون المعبود" ١٢/ ٢٥٩ - ٢١٠.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨١٤ - (أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَثِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَعَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ مُكَاتَبًا قُتِلَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَرَ أَنْ يُودَى مَا أَدَّى دِيَةَ الْحُرِّ، وَمَا لَا دِيَةَ الْمَمْلُوكِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "القاسم بن زكريا بن دينار": هو أبو محمد الكوفيّ الطحّان، وربما نسب إلى جدّه، ثقة [١١] ٨/ ٤١٠. و"سعيد بن عمرو الأشعثيّ": هو أبو عثمان الكوفيّ، ثقة [١٠] ٥٤/ ٢٢٨٨.
والحديث صحيح، وَقَدْ سبق تمام البحث فيه قريبا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
***
стр. 17445
٣٩ - (بَابُ دِيَةِ جَنِينِ الْمَرْأَةِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الجنين" -بفتح الجيم، وكسر النون الأولى: هو الحمل ما دام فِي بطن أمه، والجمع أجنّة، مثلُ دليل وأدلّة، قيل: سُمّي بذلك لاستتاره، فإذا وُلد فهو منفوسٌ. قاله الفيّوميّ.
وَقَالَ فِي "الفتح": الجنين -بجيم، ونونين، وزن عظيم: حمل المرأة ما دام فِي بطنها، سُمي بذلك لاستتاره، فان خرج حيا فهو ولد، أو ميتا فهو سقط، وَقَدْ يطلق عليه جنين، قَالَ الباجي فِي "شرح رجال الموطإ": الجنين ما ألقته المرأة، مما يعرف أنه ولد، سواء كَانَ ذكرا، أو أنثى، ما لم يَستَهِلَّ صارخا. كذا قَالَ. انتهى.
قلت: قد تقدّم أن نظمت الأسماء التي يسمّى بها الإنسان قبل الولادة، وبعدها، فارجع إليها تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٨١٥ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ امْرَأَةً خَذَفَتِ امْرَأَةً، فَأَسْقَطَتْ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فِي وَلَدِهَا خَمْسِينَ شَاةً، وَنَهَى يَوْمَئِذٍ عَنِ الْخَذْفِ. أَرْسَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ).
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (يعقوب بن إبراهيم) الدَّوْرقيّ الحافظ الثقة، أحد مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة [١٠] ٢١/ ٢٢.
[تنبيه]: هَذَا الذي ذكرته منْ ترجمة يعقوب المذكور هو عَلَى ما فِي نسخ "المجتبى"، ووقع فِي "الكبرى" بدله: "إبراهيم بن يعقوب"، وهو الذي فِي "تحفة الأشراف" ٢/ ٩٣ وهو أبو إسحاق الْجُوزجانيّ، نزيل دمشق، ثقة حافظ، رمي بالنصب [١١] ١٢٢/ ١٧٤.
وكلّ منْ يعقوب، وإبراهيم منْ شيوخ المصنّف، ولعله يروي عنهما هَذَا الْحَدِيث، وكلاهما ثقتان، فلا يضر الاختلاف فيهما، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
٢ - (إبراهيم بن يونس بن محمد) البغداديّ، نزيل طَرَسوس، لقبه حَرَميّ، بلفظ النسبة إلى الحرم، صدوقٌ [١١] ٥٤/ ١٧٥٣ منْ أفراد المصنّف.
٣ - (عبيد الله بن موسى) بن أبي المختار باذام العبسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة، يتشيع [٩] ٧٢/ ١٣٢٦.
٤ - (يوسف بن صُهيب) الكنديّ الكوفيّ، ثقة [٦] ١٣/ ١٣.
стр. 17446
٥ - (عبد الله بن بُريدة) أبو سهل الأسلميّ المروزيّ قاضيها، ثقة [٣] ٢٥/ ٣٩٣.
٦ - (أبوه) بُريدةُ بن الحُصيب -بمهملتين مصغّرًا- الأسلميّ الصحابيّ المشهور، أسلم قبل بدر، ومات ﵁ سنة (٦٣هـ) تقدّم ١٠١/ ١٣٣. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) بُريدة بن الْحُصيب رضي الله تعالى عنه (أَنَّ امْرَأَةً خَذَفَتِ امْرَأَةً) بالخاء، والذال المعَجمتين، يقال: خذفت الحصاة، ونحوَها خذْفًا، منْ باب ضرب: إذا رميتها بطرفي الإبهام والسبّابة، وقولهم: يأخذ حصى الخذف: معناه حصى الرمي، والمراد الحصى الصغار، لكنه أُطلق مجازًا. قاله الفيّوميّ. وروي: "حَذَفت" بالحاء المهملة، بدل المعجمة: أي رمتها، والمراد أنها رمتها بحجر (فَأسْقَطَتْ) أي وضعت المرأة المضروبة حملها بسبب الخذف، وفي الرواية التالية: "فأسقطت المخذوفة، فرُفع ذلك إلى النبيّ ﷺ " (فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فِي وَلَدِهَا) أي حملها الذي ألقته ميتا (خَمْسِينَ شَاةً) هكذا نسخ "المجتبى" بلفظ: "خمسين شاةً"، والذي فِي "الكبرى" ٤/ ٢٣٦ رقم ٧٠١٦: "خمسائة شاة"، وهو الذي فِي "سنن أبي داود" رقم ٤٥٦٥ (وَنَهَى) ﷺ (يَوْمَئِذٍ عَنِ الْخَذْفِ) أي الرمي بالحصاة، قَالَ ابن الأثير رحمه الله تعالى: الخذفُ: هو رَميُك حصاةً، أو نواةً، تأخذها بين سبّابتيك، وترمي بها، أو تتخذ مِخْذ منْ خشب، ثم ترمي بها الحصاة بين إبهامك والسبّابة. انتهى "النهاية" ٢/ ١٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث بُريدة بن الحصيب ﵁ هَذَا صحيح الإسناد، إلا أن الظاهر أن متنه لا يصح؛ لمخالفته الأحاديث الصحيحة التي فيها أنه ﷺ قضى للجنين بغرة عبد أو أمة، كما سيأتي فِي الأحاديث المذكورة بعد هَذَا، والظاهر أن صنيع المصنّف يشير إلى هَذَا حيث أورد هَذَا الْحَدِيث أولاً ثم تلك الأحاديث بعده، كما هي عادته الغالبة فِي إيراد الأحاديث الْمُعَلَّة أولاً، ثم الصحيحة بعدها والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
стр. 17447
أخرجه هنا -٣٩/ ٤٨١٤ و٤٨١٥ - وفي "الكبرى" ٣٨/ ٧٠١٦ و٧٠١٧. وأخرجه (د) فِي "الديات" ٤٥٧٨، وبقية مسائل الْحَدِيث ستأتي قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (أَرْسَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ) يعني أن أبا نعيم الفضل بن دُكين روى هَذَا الْحَدِيث عن يوسف ابن صُهيب، عن عبد اللهَ بن بُريدة، مرسلاً، ولم يذكر أباه، ثم بيّن روايته بقوله:
٤٨١٦ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ صُهَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ: أَنَّ امْرَأَةً خَذَفَتِ امْرَأَةً، فَأَسْقَطَتِ الْمَخْذُوفَةُ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَجَعَلَ عَقْلَ وَلَدِهَا خَمْسَمِائَةٍ مِنَ الْغَنَم، وَنَهَى يَوْمَئِذٍ عَنِ الْخَذْفِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا وَهْمٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مِائَةً مِنَ الْغَنَمِ.
وَقَدْ رُوِىَ النَّهْيُ عَنِ الْخَذْفِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أحمد بن يحيى": هو الأوديّ، أبو جعفر الكوفيّ العابد الثقة [١١] ٣٨/ ١٢٧٤ منْ أفراد المصنّف. و"أبو نعيم": هو الفضل بن دُكين، وهو لقب أبيه، واسمه عمرو بن حمّاد بن زهير التيميّ الكوفيّ الحافظ الحجة الثقة الثبت [٩] ١١/ ٥١٦.
وقوله: "المخذوفة" بالخاء والذال المعجمتين، وروي بالحاء المهملة بدل الخاء المعجمة.
وقوله: "عقل ولدها": أي ديته.
وقوله: "منْ الغنم" هو الذي فِي "النسخة الهنديّة" و"الكبرى"، وهو الصواب، ووقع فِي بعض النسخ، بلفظ: "منْ الغرّ"، والظاهر أنه تصحيف، ولا يقال: "المراد الغرّة، لأن الغرّة بالهاء، ولا يُعرف بحذفها، فتنبّه.
وقوله: (قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي النسائيّ رحمه الله تعالى (هَذَا وَهَمٌ) بفتحتين، كالغلط وزنًا ومعنًى، أو بفتح، فسكون، وهو بمعناه، كما أشار إليه المجد فِي "القاموس" (وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مِائَةً مِنَ الْغَنَمِ) يعني أن قوله: "خمسمائة منْ الغنم" غلطٌ، والصواب: مائة منْ الغنم، وهذا الذي قاله المصنّف قاله أبو داود أيضًا، فَقَالَ فِي "سننه" بعد أن أخرجه عن عبّاس بن عبد العظيم، عن عبيد والله بن موسى بسند المصنّف، بلفظ: "فجعل فِي ولدها خمسمائة شاة": ما نصه: قَالَ أبو داود: كذا الْحَدِيث خمسمائة شاة، والصواب مائة شاة، قَالَ أبو داود: هكذا قَالَ عباس، وهو وهم. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن قوله: "قَالَ عباس الخ" يوهم أن الوهم منْ شيخه عباس بن عبد العظيم، وليس كذلك، فإنه وقع عند المصنّف منْ رواية غيره
стр. 17448
أيضًا، والظاهر أن الوهم منْ غيره، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
والحديث مرسلٌ، وَقَدْ تقدّم الكلام فيه فِي الْحَدِيث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (وَقَدْ رُوِىَ النَّهْيُ عَنِ الْخَذْفِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ) يعني أنه ثبت النهي عن الخذف منْ رواية عبد الله بُريدة، عن عبد الله بن مُغَفَّل ﵁, كما بيّنه بقوله:
٤٨١٧ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا كَهْمَسٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، أَنَّهُ رَأَى رَجُلاً يَخْذِفُ، فَقَالَ: لَا تَخْذِفْ، فَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ، كَانَ يَنْهَى عَنِ الْخَذْفِ، أَوْ يَكْرَهُ الْخَذْفَ، شَكَّ كَهْمَسُ).
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (أحمد بن سليمان) أبو الحسين الرُّهاويّ الثقة الحافظ [١١] ٣٨/ ٤٢ منْ أفراد المصنّف.
٢ - (يزيد) بن هارون السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطي الحافظ الثبت العابد [٩] ١٥٣/ ٢٤٤.
٣ - (كهمس) بن الحسن التميميّ، أبو الحسن البصريّ، ثقة [٥] ٣٩/ ٦٨.
٤ - (عبد بن بريدة) المذكور قبله.
٥ - (عبد الله بن مغفّل) بن عبيد بن نَهْم، أبو عبد الرحمن المزني الصحابيّ المشهور، بايع تحت الشجرة، ثم نزل البصرة، ومات سنة (٥٧) وقيل: بعد ذلك، تقدمت ترجمته فِي ٣٢/ ٣٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ) ﵁ (أَنَّهُ رَأَى رَجُلاً) لم يعرف اسمه، ووقع فِي رواية مسلم، منْ رواية معاذ بن معاذ، عن كهمس: "رأى رجلاً منْ أصحابه"، وله منْ رواية سعيد بن جبر، عن عبد الله بن مغفّل أنه قريبٌ لعبد الله بن مغفّل (يَخْذِفُ) بخاء معجمة، منْ باب يضرب: أي يرمي بحصاة، أو نواة بين سبابتيه، أو بين الإبهام
стр. 17449
والسبابة، أو عَلَى ظاهر الوسطى، وباطن الإبهام. وَقَالَ ابن فارس: خذفت الحصاة: رميتها بين إصبعين. وقيل فِي حصى الخذف: أن يَجعل الحصاة بين السبابة منْ اليمني، والإبهام منْ اليسرى، ثم يَقذِفها بالسبابة منْ اليمين. وَقَالَ ابن سِيدَهْ: خَذَف بالشيء يَخذِف، فارسي وخَصّ بعضهم به الحصي، قالى: والْمِخْذَفة: التي يوضع فيها الحجر، ويُرمى بها الطير، ويطلق عَلَى الْمِقْلاع أيضا. قاله فِي "الصحاح".
(فَقَالَ) أي عبد الله بن مغفّل ﵁ (لَا تَخْذِفْ) "لا" ناهية، والفعل بعدها مجزوم (فَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ ، كَانَ يَنْهَى عَنِ الْخَذْفِ، أَوْ يَكرَهُ الْخَذْفَ) "أو" للشكّ منْ الراوي، وهو كهمس بن الحسن، كما بيّنه بقوله: (شَكَّ كَهْمَسٌ) يعني أن كهمسًا شك فِي روايته، هل هو بلفظ "نهى عن الخذف"، أو بلفظ: "يكره الخذف"، ولفظ البخاريّ: "أو كَانَ يكره الخذف". ووقع فِي رواية أحمد عن وكيع: "نهى عن الخذف"، بدون شك.
[تنبيه]: رواية المصنّف رحمه الله تعالى هذه مختصرة، وَقَدْ ساقه البخاريّ فِي "صحيحه": ٥/ ٢٠٨٨ مطوّلاً، فَقَالَ: -حدثنا يوسف بن راشد، حدثنا وكيع، ويزيد ابن هارون -واللفظ ليزيد- عن كهمس بن الحسن، عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله ابن مغفل، أنه رأى رجلا يخذف، فقال له: لا تخذف، فإن رسول الله ﷺ ، نهى عن الخذف، أو كَانَ يكره الخذف، وَقَالَ: "إنه لا يُصاد به صيد، ولا يُنكى به عدوّ، ولكنها قد تكسر السن، وتَفقأ العين"، ثم رآه بعد ذلك يخذف، فقال له، أحدثك عن رسول الله ﷺ ، أنه نهى عن الخذف، أو كره الخذف، وأنت تخذف، لا أكلمك كذا وكذا".
وقوله: أنه لا يصاد به صيد": قالى المهلب: أباح والله الصيد عَلَى صفة، فَقَالَ: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾، وليس الرمي بالبندقة، ونحوها منْ ذلك، وإنما هو وَقِيذ، وأطلق الشارع أن الخذف لا يصاد به؛ لأنه ليس منْ الْمُجْهِزَات، وَقَدْ اتفق العلماء، إلا منْ شَذَّ منهم، عَلَى تحريم أكل ما قتلته البندقة والحجر. انتهى. وإنما كَانَ كذلك؛ لأنه يقتل الصيد بقوة راميه لا بحده.
موقوله: "ولا يُنكأ به عدو": قَالَ عياض: الرواية بفتح الكاف وبهمزة فِي آخره، وهي لغة، والاشهر بكسر الكاف، بغير همز، وقالى فِي "شرح مسلم": لا ينكأ بفتح الكاف مهموز، ورُوي "لا يَنكى" بكسر الكاف، وسكون التحتانية، وهو أوجه؛ لأن المهموز إنما هو منْ نكأت القُرْحة، وليس هَذَا موضعه، فإنه منْ النّكاية، لكن قَالَ فِي "العين": نكأت لغة فِي نكيت، فعلى هَذَا تتوجه هذه الرواية، قال: ومعناه: المبالغة فِي الأذى. وقال ابن سِيدَهْ: نكأ العدوَّ نكايةً: أصاب منه، ثم قَالَ: نكأت العدو أنكؤهم، لغة فِي نكيتهم، فظهر أن الرواية صحيحة المعنى، ولا معنى لتخطئتها. وأغرب ابن التين، فلم يُعَرِّج عَلَى الرواية التي بالهمز أصلا، بل شرحه عَلَى التي بكسر الكاف بغير
стр. 17450
همز، ثم قَالَ: ونكأت القرحة بالهمز. قاله فِي "الفتح".
وقوله: "ولكنها قد تكسر السن": أي الرمية، وأطلق السن، فيشمل سن المرمي، وغيره منْ آدمي وغيره.
وقوله: "لا أكلمك كذا وكذا": فِي رواية معاذ، ومحمد بن جعفر: "لا اكلمك كلمةً كذا وكذا"، و"كلمةً" بالنصب والتنوين، كذا وكذا أبهم الزمان، ووقع فِي رواية سعيد بن جبير عند مسلم: "لا أُكلمك أبدا". انتهى "فتح" ١١/ ٣٠/ ٣١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عبد الله بن مغفل ﵁ هذ متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٩/ ٤٨١٧ - وفي "الكبرى" ٣٨/ ٧٠١٩. وأخرجه (خ) فِي "التفسير" ٤٨٤٢ و"الذبائح والصيد" ٥٤٧٩ و"الأدب" ٦٢٢٠ (م) فِي "الذبائح" ١٩٥٤ (د) فِي "الأدب" ٥٢٧٠ (ق) فِي "الصيد" ٣٢٢٧ (أحمد) فِي "مسند المدنيين" ١٦٣٥٢ و٢٠٠٢٨ و٢٠٠٣٨ و"مسند البصريين" ٢٠٠٥٠ (الدارمي) فِي "المقدمة" ٤٤٠ و٤٤١. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده (١):
(منها): تحريم الخذف؛ لكونه ضررًا محضًا. (ومنها): جواز هجران منْ خالف السنة، وتركُ كلامِهِ، ولا يدخل ذلك فِي النهي عن الهجر فوق ثلاث، فإنه يتعلق بمن هجر لحظ نفسه. (ومنها): فيه تغيير المنكر. (ومنها): ما قاله فِي "الفتح": فيه منع الرمي بالبندقة، لأنه إذا نَفَى الشارع أنه لا يصيد، فلا معنى للرمي به، بل فيه تعريض للحيوان بالتلَف، لغير مالكه، وَقَدْ ورد النهي عن ذلك، نعم قد يُدرك ذكاة ما رَمَى بالبندقة، فيحل أكله، ومن ثم اختُلِف فِي جوازه، فصرّح مجلي فِي "الذخائر" بمنعه، وبه أفتي ابن عبد السلام، وجزم النوويّ بحله؛ لأنه طريق إلى الاصطياد، والتحقيق التفصيل، فإن كَانَ الأغلب منْ حال الرمي ما ذُكِر فِي الْحَدِيث امتنع، وإن كَانَ عكسه جاز، ولاسيما إن كَانَ المرميّ مما لا يصل إليه الرمي، إلا بذلك، ثم لا يقتله غالبا، وَقَدْ كره الحسن فِي الرمي بالبندقة فِي القرى والأمصار، ومفهومه أنه لا يكره فِي
стр. 17451
الفلاة، فجعل مدار النهي عَلَى خشية إدخال الضرر، عَلَى أحد منْ النَّاس. انتهى "الفتح" بتصرف ١١/ ٣١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨١٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، أَنَّ عُمَرَ اسْتَشَارَ النَّاسَ فِي الْجَنِينِ، فَقَالَ حَمَلُ بْنُ مَالِكٍ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْجَنِينِ غُرَّةً، قَالَ طَاوُسٌ: إِنَّ الْفَرَسَ غُرَّةٌ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "حماد": هو ابن زيد؛ لأنه إذا قَالَ قتيبة: حدثنا حماد، وسكت فهو ابن زيد، كما بينه السيوطيّ فِي "تدريب الراوي" ٢/ ٣٢٤، فاحفظه يفدك فِي مواضع كثيرة. والله تعالى ولي التوفيق.
و"عمرو": هو ابن دينار. و"حمل" -بفتحتين- ابن مالك بن النابغة الْهُذليّ، أبو نَضْلة الصحابيّ، نزيل البصرة ﵁.
وقوله: "بغرّة" بضمّ الغين المعجمة، وتشديد الراء، وأصلها البياض فِي وجه الفرس، والمراد هنا: العبد، أو الأمة، كما فُسّر فِي الروايات.
وقوله: "قَالَ طاوس: إن الفرس غُرّة" يعني أن طاوس بن كيسان الراوي للحديث قَالَ: إن الغرة التي قضى بها النبيّ ﷺ فِي الجنين يدخل فى معناها الفرس، وهو منْ قول طاوس، ولا يصحّ مرفوعًا.
قَالَ فِي "الفتح": وقع فِي حديث أبي هريرة منْ طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عنه: "قضى رسول الله ﷺ فِي الجنين بغرة: عبد، أو أمة، أو فرس، أو بغل"، وكذا وقع عند عبد الرزاق، فِي رواية ابن طاوس، عن أبيه، عن عمر مرسلاً، فَقَالَ حمل بن النابغة: "قضى رسول الله ﷺ بالدية فِي المرأة، وفي الجنين غرة: عبد، أو أمة، أو فرس".
وأشار البيهقي أن ذكر الفرس فِي المرفوع وَهَمٌ، وأن ذلك أُدرج منْ بعض رواته عَلَى سبيل التفسير للغرة، وذكر أنه فِي رواية حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، بلفظ: "فقضى أن فِي الجنين غرة"، قَالَ طاوس: الفرس غرة. وكذا أخرج الإسماعيلي منْ طريق حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه: "قَالَ: الفرس غرة"، وكأنهما رأيا أن الفرس أحق بإطلاق لفظ الغرة منْ الآدمي.
ونقل ابن المنذر، والخطابي، عن طاوس، ومجاهد، وعروة بن الزبير: الغرة عبد، أو أمة، أو فرس، وتوسع داود، ومن تبعه منْ أهل الظاهر، فقالوا: يجزىء كل ما وقع عليه اسم غرة. والغرة فِي الأصل: البياض يكون فِي جبهة الفرس، وَقَدْ استعمل
стр. 17452
للآدمي فِي الْحَدِيث المتقدم فِي "الوضوء": "إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا"، وتطلق الغرة عَلَى الشيء النفيس، آدميا كَانَ، أو غيره، ذكرا كَانَ أو أنثى، وقيل: أُطلق عَلَى الآدمي غرة؛ لأنه أشرف الحيوان، فإن محل الغرة الوجه، والوجه أشرف الأعضاء. انتهى"فتح" ١٤/ ٢٤٢ - ٢٤٤.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه. سيأتي تمام البحث فِي هَذَا قريبًا فِي المسائل، إن شاء الله تعالى.
والحديث صحيح، وَقَدْ تقدّم فِي ١١/ ٤٧٤١ شرحه، وبيان مسائله غير ما ترجم له المصنّف، فسيأتي فِي شرح حديث أبي هريرة ﵁ قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨١٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ، مِنْ بَنِي لِحْيَانَ، سَقَطَ مَيِّتًا، بِغُرَّةٍ عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ، ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ، تُوُفِّيَتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا، وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد الإمام الحجة الثبت المصريّ [٧] ٣١/ ٣٥.
٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام الحجة الفقيه [٤] ١/ ١.
٤ - (ابن المسيب) سعيد الإمام الفقيه الحجة الثبت، منْ كبار [٣] ٩/ ٩.
٥ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، والليث، فمصريّ. (ومنها): أنه منْ أصحّ أسانيد أبي هريرة ﵁. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن المسيّب أحد الفقهاء السبعة المعروفين بالمدينة. (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ أحفظ منْ روى الْحَدِيث فِي دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَن) سعيد (ابْنِ الْمُسَيَّبِ) هكذا فِي رواية الليث، وفي رواية يونس
стр. 17453
التالية ٤٨٢٠ - : "عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، وسعيد بن المسيب"، وفي رواية ابن وهب -٤٨٢١ - : "عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن"، وفي رواية ابن القاسم -٤٨٢٢ - : "عن مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيّب"، مرسلاً، وكلها طرق صحيحة، ثابتة، لا تعارض بينهما.
قَالَ فِي "الفتح" فِي رواية مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: ما حاصله: كذا قَالَ عبد الله بن يوسف، عن مالك، وَقَالَ -كما فِي الباب الذي يليه- عن الليث، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وكلا القولين صواب، إلا أن مالكا كَانَ يرويه عن ابن شهاب، عن سعيد مرسلا، وعن أبي سلمة موصولاً، وَقَدْ مضى فِي "الطب" عن قتيبة، عن مالك بالوجهين، وهو عند الليث منْ رواية أبي سلمة أيضا، لكن بواسطة، كما تقدم فِي "الطب" أيضا، عن سعيد بن عُفَير، عن الليث، عن عبد الرحمن ابن خالد، عن ابن شهاب، ورواه يونس بن يزيد، عن ابن شهاب عنهما جميعا، كما فِي الباب الذي يليه أيضا، ورواه معمر، عن الزهريّ، عن اْبي سلمة وحده، أخرجه مسلم، وأخرجه أبو داود، والترمذي، منْ طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة. انتهى "الفتح" ١٤/ ٢٤١ - ٢٤٢.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ:"قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ، مِنْ بَنِي لِحْيَانَ) بكسر اللام، وسكون المهملة- ابن هُذيل بن مُدركة بن إلياس بن مُضَر. وفي رواية يونس التالية: "اقتتلت امرأتان، منْ هُذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر"، وفي رواية حمل بن مالك التي سبقت: "إحداهما لحيانيّة"، ولحيان بطن منْ هذيل، كما سبق آنفاً، وهاتان المرأتان كانتا ضرتين، وكانتا تحت حَمَل بن النابغة الْهُذَلي، فقد تقدّم فِي ١١/ ٤٧٤١ منْ طريق ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، عن عمر ﵃، أنه نشد قضاء رسول الله ﷺ فِي ذلك، فقام حمل بن مالك، فَقَالَ: كنت بين حُجرتي امرأتين، وفي رواية أبي داود: بين امرأتين، فضربت إحداهما الأخرى … الْحَدِيث، هكذا رواه موصولا، وأخرجه الشافعيّ، عن سفيان بن عيينة: "عن عمر"، فلم يذكر "ابن عباس" فِي السند، ولفظه: أن عمر قَالَ: أُذكِّرُ اللهَ امرأ سمع منْ النبيّ ﷺ فِي الجنين شيئا"، وكذا قَالَ عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه: "أن عمر استشار"، وأخرج الطبراني منْ طريق أبي الْمَلِيح بن أسامة بن عمير الهذلي، عن أبيه، قَالَ: كَانَ فينا رجل، يقال له: حَمَلُ بن مالك، له امرأتان: إحداهما: هذلية، والأخرى عامرية، فضربت الهذلية بطن العامرية، وأخرجه الحارث، منْ طريق أبي المليح، فأرسله، لم يقل: "عن أبيه"، ولفظه: أن حمل بن النابغة، كانت
стр. 17454
له امرأتان: مُليكة، وأم عفيف، وأخرج الطبراني منْ طريق عون بن عويم، قَالَ: كانت أختي مليكة، وامرأة منا يقال لها: أم عفيف بنت مسروح، تحت حمل بن النابغة، فضربت أم عفيف مليكة، ووقع فِي رواية عكرمة، عن ابن عباس فِي آخر هذه القصة، قَالَ ابن عباس: "إحداهما مليكة، والأخرى أم غُطيف"، أخرجه أبو داود (٤٥٦١) والنسائيّ (٤٨٣٠) وبالآخر جزم الخطيب فِي "المبهمات"، وزاد بعض شراح "العمدة": وقيل: أم مكلف، وقيل: أم مليكة. انتهى ما فِي "الفتح" بتصرف.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "أم عفيف" هكذا نسخة "الفتح"، والذي عند المصنّف، وأبي داود: "أم غُطيف"، بالغين المعجمة، وفي "الإصابة": "أم عفيف" ويقال: أم غطيف بنت مسروح الهذليّة، زوج حَمَل بن مالك الهُذليّ، تقدّم ذكرها فِي مليكة. انتهى. وسيأتي تمام البحث فيها فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى.
(سَقَطَ مَيِّتًا) أي بعد أن ضربتها، ففي رواية يونس التالية. "رمت إحداهما الأخرى بحجر"، وفي حديث المغيرة بن شعبة ﵁ الآتي: "ضربت ضرتها بعمود فُسطاط، فقتلتها"
(بِغُرَّةٍ عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ) المشهور تنوين "غُرّة"، وما بعده بدل منه، أو عطف بيان، ورواه بعضهم بالإضافة، و"أو" للتقسيم، لا للشكّ، فإن كلّا فِي العبد، والأمة يقال له: "غُرّة"، إذ الغرّة اسم للإنسان المملوك، ويُطلق عَلَى معان أُخَر أيضًا. قاله السنديّ.
وَقَالَ فِي "المغني" ١٢/ ٥٩ - : يقال: غُرَّةٌ، عبدٌ بالصفة، وغُرَّةُ عبدٍ بالإضافة، والصفة أحسن؛ لأن الغرة اسم للعبد نفسه، قَالَ مهلهل:
كُلُّ قَتِيلِ فِي كُلَيْبِ غُرَّه … حَتَّى يَنَال الْقَتْلُ آلَ مُرَّهْ
وَقَالَ النوويّ فِي "شرح مسلم": ١/ ١٧٥: قوله: "بغرّة عبد"، ضبطناه عَلَى شيوخنا فِي الْحَدِيث والفقه، "بغرة" بالتنوين، وهكذا قيده جماهير العلماء فِي كتبهم، وفي مصنفاتهم فِي هَذَا، وفي شروحهم، وَقَالَ القاضي عياض: الرواية فيه "بغرة" بالتنوين، وما بعده بدل منه، قَالَ: ورواه بعضهم بالإضافة، قَالَ: والأول أوجه وأقيس. وذكر صاحب "المطالع" الوجهين، ثم قَالَ: الصواب رواية التنوين، قلنا: ومما يؤيده، ويوضحه رواية البخاريّ فِي "صحيحه" فِي "كتاب الديات" فِي "باب دية جنين المرأة"، عن المغيرة بن شعبة، قَالَ: قضى رسول الله ﷺ بالغرة، عبدا، أو أمة"، وَقَدْ فَسَّر الغرة فِي الْحَدِيث بعبد، أو أمة.
قَالَ العلماء: و"أو" هنا للتقسيم، لا للشك، والمراد بالغرة عبد، أو أمة، وهو اسم لكل واحد منهما، قَالَ الجوهري: كأنه عبر بالغرة عن الجسم كله، كما قالوا: أعتق
стр. 17455
رقبة، وأصل الغرة بياض فِي الوجه، ولهذا قَالَ أبو عَمرو -يعني ابن العلاء-: المراد بالغرة الأبيض منهما خاصة، قَالَ: ولا يجزي الأسود، قَالَ: ولولا أن رسول الله ﷺ أراد بالغرة معنى زائدا، عَلَى شخص العبد والأمة، لَمَا ذَكَرها، ولاقتصر عَلَى قوله: "عبد، أو أمة"، هَذَا قول أبي عمرو، وهو خلاف ما اتفق عليه الفقهاء: أنه تجزي فيها السوداء، ولا تتعين البيضاء، وإنما المعتبر عندهم أن تكون قيمتها عشر دية الأم، أو نصف عشر دية الأب، قَالَ أهل اللغة: الغرة عند العرب أنفس الشيء، وأُطلقت هنا عَلَى الإنسان؛ لأن الله تعالى خلقه فِي أحسن تقويم.
وأما ما جاء فِي بعض الروايات، فِي غير "الصحيح": "بغرة عبد، أو أمة، أو فرس، أو بغل"، فرواية باطلة، وَقَدْ أخذ بها بعض السلف، وحكى عن طاوس، وعطاء، ومجاهد: أنها عبد، أو أمة، أو فرس. وَقَالَ داود: كل ما وقع عليه اسم الغرة يُجزى. انتهى "شرح مسلم" للنووي ١١/ ١٧٦.
وَقَالَ فِي "الفتح": قَالَ الإسماعيلي: قرأه العامة بالإضافة، وغيرهم بالتنوين، وحكى القاضي عياض الخلاف، وَقَالَ: التنوين أوجه؛ لأنه بيان للغرة ما هي؟ وتوجيه الآخر أن الشيء قد يضاف إلى نفسه، لكنه نادر. وَقَالَ الباجي: يحتمل أن تكون "أو" شكا منْ الراوي فِي تلك الواقعة المخصوصة، ويحتمل أن تكون للتنويع، وهو الأظهر، وقيل المرفوع منْ الْحَدِيث قوله: "بغرة"، وأما قوله: "عبد، أو أمة" فشك منْ الراوي فِي المراد بها، قَالَ: وَقَالَ مالك: الحمرانُ أولى منْ السودان فِي هَذَا، وعن أبي عمرو ابن العلاء قَالَ: الغرة عبد أبيض، أو أمة بيضاء، قَالَ: فلا يجزي فِي دية الجنين سوداء، إذ لو لم يكن فِي الغرة معنى زائد، لَمَا ذكرها، ولقال: عبد، أو أمة، ويقال: إنه انفرد بذلك، وسائر الفقهاء عَلَى الإجزاء، فيما لو أخرج سوداء، وأجابوا بأن المعنى الزائد كونه نفيسا، فلذلك فسره بعبد أو أمة؛ لأن الآدمي أشرف الحيوان، وعلى هَذَا فالذي وقع فِي رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، منْ زيادة ذكر الفرس فِي هَذَا الْحَدِيث وهم، ولفظه: "غرة: عبد، أو أمة، أو فرس، أو بغل"، ويمكن إن كَانَ محفوظا أن الفرس هي الأصل فِي الغرة، كما تقدم. انتهى "فتح" ١٤/ ٢٤٤.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن ما ذهب إليه الجمهور منْ إجزاء العبد الأسود هو الحقّ؛ لأن المراد بالغرّة هو الشيء النفيس. والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ) قَالَ النوويّ: قَالَ العلماء: هَذَا الكلام قد يوهم خلاف مراده، فالصواب أن المرأة التي ماتت هي المجْنِيّ عليها، أمُّ الجنين، لا الجانية، وَقَدْ صرح به فِي الْحَدِيث بعده بقوله: "فقتلتها، وما فِي بطنها"، فيكون
стр. 17456
المراد بقوله: "التي قضى عليها بالغرة": أي التي قَضَى لها بالغرة، فعبر بـ"عليها" عن "لها". انتهى.
(فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا، وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا) المراد عصبة القاتلة، وكأن تخصيص الميراث لبنيها وزوجها لكونهم هم الذين وُجدوا منْ الورثة فِي هذه الواقعة، وإلا فالظاهر أن ميراثها لورثتها أيّا كانوا، ويدلّ عَلَى ذلك ما فِي الرواية التالية بلفظ: "وورّثها ولدها، ومن معهم". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضمع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٣٩/ ٤٨١٩ و٤٨٢٠ و٤٨٢١ و٤٨٢٢ - وفي "الكبرى" ٣٨/ ٧٠٢١ و٧٠٢٢ و٧٠٢٣ و٧٠٢٤. وأخرجه (خ) فِي "الطبّ" ٥٧٥٨ و٥٧٦٠ و"الفرائض" ٦٧٤٠ و"الديات" ٦٩٠٤ و٦٩٠٩ و٦٩١٠ (م) فِي "القسامة" ١٦٨١ و"الديات" ٤٥٧٦ و٤٥٧٩ (ت) فِي "الديات" ١٤١٠ (ق) فِي "الديات" ٢٦٣٩ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١٠٠٨٩ و١٠٥٣٣ و١٠٥٧٠ (الموطأ) فِي "العقول" ١٦٠٨ (الدارمي) فِي "الديات" ٢٢٧٦. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان دية جنين المرأ إذا أسقطته ميتًا. (ومنها): بيان أن دية الجنين يُسمّى بالغرّة، ثم فُسّر فِي الْحَدِيث بأنه عبد أو أمة. (ومنها): ما قاله النوويّ: اتفق العلماء عَلَى أن دية الجنين هي الغرّة، سواء كَانَ الجنين ذكرًا، أو أُنثى، قالوا: وإنما كَانَ كذلك؛ لأنه قد يخفى، فيكثر فيه النزاع، فضبطه الشرع بضابط، يقطع النزاع، وسواء كَانَ خلقه كامل الأعضاء، أم ناقصها، أو كَانَ مضغة، تصور فيها خلق آدمي، ففي كل ذلك الغرة بالإجماع، ثم الغرة تكون لورثته عَلَى مواريثهم الشرعية، وهذا شخص يُورث ولا يَرِث، ولا يعرف له نظير، إلا منْ بعضه حُرّ، وبعضه رقيق، فإنه رقيق لا يرث عندنا، وهل يورث فيه قولان: أصحهما يورث.
وهذا مذهبنا، ومذهب الجماهير، وحكى القاضي عن بعض العلماء: أن الجنين كعضو منْ أعضاء الأم، فتكون ديته لها خاصة.
(واعلم): أن المراد بهذا كله، إذا انفصل الجنين ميتا، أما إذا انفصل حيا، ثم مات،
стр. 17457
فيجب فيه كمال دية الكبير، فإن كَانَ ذكرا وجب مائة بعير، وإن كَانَ أنثى فخمسون، وهذا مجمع عليه، وسواء فِي هَذَا كله العمد والخطأ، ومتى وجبت الغرة فهي عَلَى العاقلة، لا عَلَى الجاني، هَذَا مذهب الشافعيّ، وأبي حنيفة، وسائر الكوفيين، ﵃، وَقَالَ مالك، والبصريون: تجب عَلَى الجاني.
وَقَالَ الشافعيّ، وآخرون: يلزم الجاني الكفارة، وَقَالَ بعضهم: لا كفارة عليه، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، ﵄. والله أعلم. انتهى كلام النوويّ فِي "شرح مسلم" ١١/ ١٧٦ - ١٧٧.
(ومنها): ما استنبطه الجمهور منْ قوله: "غرّة" أن أقل ما يجزي منْ العبد، أو الأمة ما سلم منْ العيوب، التي يثبت بها الرد فِي البيع؛ لأن المعيب ليس منْ الخيار. (ومنها): أنه استنبط الشافعيّ منه أن يكون منتفعا به، فشرط أن لا ينقص عن سبع سنين؛ لأن منْ لم يبلغها لا يستقل غالبا بنفسه، فيحتاج الى التعهد بالتربية، فلا يجبر المستحق عَلَى أخذه. (ومنها): أن بعضهم أخذ منْ لفظ الغلام أن لا يزيد عَلَى خمس عشرة، ولا تزيد الجارية عَلَى عشرين، ومنهم منْ جعل الحد ما بين السبع والعشرين، والراجح كما قَالَ ابن دقيق العيد أنه يجزيء، ولو بلغ الستين وأكثر منها، ما لم يصل إلى عدم الاستقلال بالهرم. (ومنها): أنه استُدِلَّ به عَلَى عدم وجوب القصاص فِي القتل بالمثقل؛ لأنه ﷺ لم يأمر فيه بالقود، وانما أمر بالدية.
وأجاب منْ قَالَ به بأن عمود الفسطاط، يختلف بالكبر والصغر، بحيث يقتل بعضه غالبا، ولا يقتل بعضه غالبا، وطرد المماثلة فِي القصاص، إنما يشرع فيما إذا وقعت الجناية بما يقتل غالبا، وفي هَذَا الجواب نظر، فان الذي يظهر أنه انما لم يوجب فيه القود؛ لأنها لم يقصد مثلها، وشرط القود العمد، وهذا انما هو شبه العمد، فلا حجة فيه للقتل بالمثقل، ولا عكسه. قاله فِي "الفتح" ١٤/ ٢٤٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي دية الجنين:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: ما حاصله أن قول أكثر أهل العلم: إن فِي جنين الحرة المسلمة غُرّةً، وممن رُوي ذلك عنه: عمر بن الخطاب، وعطاء، والشعبي، والنخعي، والزهري، ومالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وَقَدْ ثبت أنّ عمر ﵁، أنه استشار النَّاس فِي إملاص المرأة، فَقَالَ المغيرة بن شعبة: شهدت النبيّ ﷺ ، قضى فيه بغرة عبد، أو أمة، قَالَ: لتأتينّ بمن يشهد معك، فشهد له محمد بن مسلمة". متّفقٌ عليه، وعن أبي هريرة ﵁،
стр. 17458
قَالَ: اقتتلت امرأتان منْ هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها، وما فِي بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فقضى رسول الله ﷺ , أن دية جنينها عبد أو أمة، وقضى بدية المرأة عَلَى عاقلتها، وورَّثها ولدها، ومن معهم"، متَّفقٌ عليه. والغرة: عبد، أو أمة، سُميا بذلك لأنهما منْ أنفس الأموال، والأصل فِي الغرة الخيار.
[فإن قيل]: فقد رُوي فِي هَذَا الخبر: "أو فرس، أو بغل"؟.
[قلنا]: هَذَا لا يثبت، رواه عيسى بن يونس، ووَهِمَ فيه، قاله أهل النقل، والحديث الصحيح المتفق عليه إنما فيه عبد أو أمة.
قَالَ: وإنما تجب الغرّة، إذا سقط منْ الضربة، ويعلم ذلك بأن يسقط عقيب الضرب، أو ببقائها متألمة إلى أن يسقط، ولو قتل حاملاً لم يسقط جنينها، أو ضَرَب مَن فِي جوفها حركة، أو انتفاخ، فسَكَّنَ الحركةَ، وأذهبهالم يضمن الجنين، وبهذا قَالَ مالك، وقتادة، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر.
وحُكي عن الزهريّ أن عليه الغرةَ؛ لأن الظاهر أنه قتل الجنين، فلزمته الغرة، كما لو أسقطت.
وحجة الأولين أنه لا يثبت حكم الولد، إلا بخروجه، ولذلك لا تصح له وصية، ولا ميراث، ولأن الحركة يجوز أن تكون لريح فِي البطن سكنت، ولا يجب الضمان بالشك، فأما إذا ألقته ميتا، فقد تحقق، والظاهر تلفه منْ الضربة، فيجب ضمانه، سواء ألقته فِي حياتها، أو بعد موتها، وبهذا قَالَ الشافعيّ، وأحمد؛ لأنه جنين تَلِف بجنايته، وعلم ذلك بخروجه، فوجب ضمانه، كما لو سقط فِي حياتها، ولأنه لو سقط حيا ضمنه، فكذلك إذا سقط ميتا، كما لو أسقطته فِي حياتها.
وَقَالَ مالك، وأبو حنيفة: إن ألقته بعد موتها لم يضمنه؛ لأنه يجري مجرى أعضائها، وبموتها سقط حكم أعضائها.
وتُعُقّب بأن هَذَا ليس بصحيح؛ لأنه لو كَانَ كذلك، لكان إذا سقط ميتا ثم ماتت، لم يضمنه كأعضائها، ولأنه آدمي موروث فلا يدخل فِي ضمان أمه، كما لو خرج حيا.
فأما إن ظهر بعضه منْ بطن أمه، ولم يخرج باقيه ففيه الغرة، وبه قَالَ الشافعيّ، وأحمد، لأنه قاتل لجنينها، فلزمته الغرة، كما لو ظهر جميعه، ويفارق ما لو لم يظهر منه شيء؛ لأنه لم يتيقن قتله، ولا وجوده.
وَقَالَ مالك، وابن المنذر: لا تجب الغرة حَتَّى تلقيه؛ لأن النبيّ ﷺ إنما أوجب الغرة فِي الجنين الذي ألقته المرأة، وهذه لم تلق شيئا، فأشبه ما لو لم يظهر منه شيء. انتهى "المغني" بتصرف، واختصار ١٢/ ٦٠ - ٦٣. والله تعالى أعلم
стр. 17459
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): فِي اختلاف أهل العلم فِي المراد بالغرّة:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: ما ملخّصه: المراد بالغرة فِي قول أكثر أهل العلم: هو عبد، أو أمة. وَقَالَ عروة، وطاوس، ومجاهد: عبد، أو أمة، أو فرس؛ لأن الغرة اسم لذلك، وَقَدْ جاء فِي حديث أبي هريرة ﵁، قَالَ: "قضى رسول الله ﷺ فِي الجنين بغرة: عبد، أو أمة، أو فرس، أو بغل"، وجعل ابن سيرين مكان الفرس مائة شاة، ونحوه، قَالَ الشعبي: لأنه رُوي فِي حديث عن النبيّ ﷺ ، أنه جعل فِي ولدها مائة شاة، رواه أبو داود.
ورُوي عن عبد الملك بن مروان، أنه قضى فِي الجنين، إذا أُمْلِص بعشرين دينارا، فإذا كَانَ مضغة فأربعين، فإذا كَانَ عظما فستين، فإذا كَانَ العظم قد كُسي لحما فثمانين، فإن تم خلقه، وكُسي شعره فمائة دينار، وَقَالَ قتادة: إذا كَانَ عَلَقَة فثلث غرة، وإذا كَانَ مضغة فثلثي غرة.
وحجة الأولين قضاءُ رسول الله ﷺ ، فِي إملاص المرأة بعبد، أو أمة، وسنة رسول الله ﷺ قاضية عَلَى ما خالفها، وذكر الفرس والبغل فِي الْحَدِيث وَهَمٌ، انفرد به عيسى ابن يونس عن سائر الرواة، فالظاهر أنه وَهِمَ فيه، وهو متروك فِي البغل بغير خلاف، وكذلك فِي الفرس.
قَالَ الموفّق: وهذا الْحَدِيث الذي ذكرناه أصح ما رُوي فيه، وهو متَّفقٌ عليه، وَقَدْ قَالَ به أكثر أهل العلم، فلا يلتفت إلى ما خالفه، وقول عبد الملك بن مروان تَحكم بتقدير لم يَرِد به الشرع، وكذلك قتادة، وقول رسول الله ﷺ ، أحق بالاتباع منْ قولهما. انتهى كلام الموفّق باختصار، وتصرّف "المغني" ١٢/ ٦٤ - ٦٥.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي ذكره الموفّق رحمه الله تعالى، منْ ترجيح قول الجمهور فِي المراد بالغرّة، وأن تقدير الشارع هو الأحقّ بالاتباع، هو الصواب؛ لوضوح أدلّته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): إذا ثبت ما تقدّم فإنه تلزمه الغرة، فإن أراد دفع بدلها، ورضي المدفوع إليه جاز؛ لأنه حق آدمي، فجاز ما تراضيا عليه، وأيهما امتنع منْ قبول البدل، فله ذلك؛ لأن الحق فيها، فلا يقبل بدلها إلا برضاهما، وتجب الغرة سالمة منْ العيوب، وإن قل العيب؛ لأنه حيوان وجب بالشرع فلم يقبل فيه المعيب، كالشاة فِي الزكاة؛ لأن الغرة الخيار؛ والمعيب ليس منْ الخيار، ولا يقبل فيها هَرِمة، ولا ضعيفة، ولا خُنثى، ولا خصي، وإن كثرت قيمته؛ لأن ذلك عيب، ولا يتقدر سنُّها عند أحمد، وأبي
стр. 17460
حنيفة، وَقَالَ بعضهم: لا يقبل فيها منْ له دون سبع سنين، وهو مرويّ عن أصحاب الشافعيّ، وبعض الحنابلة؛ لأنه يحتاج إلى منْ يكفله له، ويحضنه، وليس منْ الخيار، وذكر بعض أصحاب الشافعيّ، أنه لا يقبل فيها غلام بلغ خمسة عِشر سنة؛ لأنه لا يدخل عَلَى النِّساء، ولا ابنة عشرين؛ لأنها تتغير، قَالَ الموفق: وهذا تَحَكُّم لم يرد الشرع به، فيجب أن لا يُقبَل، وما ذكروه منْ الحاجة إلى الكفالة باطل بمن له فوق السبع، ولأن بلوغه قيمة الكبير مع صغره، يدل عَلَى أنه خيار، ولم يشهد لما ذكروه نَصٌّ، ولا له نظير يقاس عليه، والشاب البالغ أكمل منْ الصبي عقلاً وبِنْيَةً، وأقدر عَلَى التصرف، وأنفع فِي الخدمة، وقضاء الحاجة، وكونُه لا يدخل عَلَى النِّساء، إن أريد به النِّساء الأجنبيات، فلا حاجة إلى دخوله عليهن، وإن أريد به سيدته فليس بصحيح؛ فإن الله تعالى قَالَ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النور: ٥٨]، ثم لو لم يدخل عَلَى النِّساء لحصل منْ نفعه أضعاف ما يحصل منْ دخوله، وفوات شيء إلى ما هو أنفع منه لا يعد فواتا، كمن اشترى بدرهم ما يساوي عشرة، لا يعد فواتا، ولا خسرانا.
ولا يعتبر لون الغرة؛ ولأن النبيّ ﷺ ، قضى بعبد، أو أمة وأطلق، مع غلبة السواد عَلَى عبيدهم وإمائهم، ولأنه حيوان يجب ديةً فلم يعتبر لونه، كالإبل فِي الدية.
وذُكر عن أبي عمرو بن العلاء: أن الغرة لا تكون إلا بيضاء، ولا يقبل عبد أسود، ولا جارية سوداء. انتهى "المغني" بتصرّف، واختصار ١٢/ ٦٤ - ٦٦ وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: ما حاصله: قيمة الغرة نصف عشر الدية، وهي خمس منْ الإبل، وروي ذلك عن عمر، وزيد ﵄، وبه قَالَ النخعي، والشعبي، وربيعة، وقتادة، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، ولأن ذلك أقل ما قدره الشرع فِي الجنايات، وهو أرش الموضحة، ودية السن فرددناه إليه.
[فإن قيل]: فقد وجب فِي الأنملة ثلاثة أبعرة وثلث، وذلك دون ما ذكرتموه.
[قلنا]: الذي نص عليه صاحب الشريعة غرةً، قيمتها أرش الموضحة، وهو خمس منْ الإبل. انتهى "المغني" ١٢/ ٦٦ باختصار. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم الغرة، هل يورث، أم لا؟:
ذهبت طائفة إلى أن الغرة موروثة عن الجنين، كأنه سقط حيا؛ لأنها دية له، وبدل
стр. 17461
عنه، فيرثها ورثته كما لو قتل بعد الولادة، وبهذا قَالَ مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي.
وذهب الليث إلى أنه لا يورث، بل يكون بدلُهُ لأمه؛ لأنه كعضو منْ أعضائها، فأشبه يدها.
وحجة الأولين أنها دية آدمي حر، فوجب أن تكون موروثة عنه، كما لو ولدته حيا، ثم مات، وقوله: إنه عضو منْ أعضائها لا يصح؛ لأنه لو كَانَ عضوا لدخل بدلُهُ فِي دية أمه كيدها، ولَمَا مُنِع القصاص منْ أمه، وإقامة الحد عليها منْ أجله، ولما وجبت الكفارة بقتله، ولما صَحّ عتقه دونها، ولا عتقها دونه، ولا تَصَوُّرُ حياتِهِ بعد موتها، ولأن كل نفس تضمن بالدية، تورث كدية الحي. انتهى "المغني" ١٢/ ٦٧ بتصرّف، واختصار. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): فيما قاله أهل العلم فيما إذا كَانَ الجنين أكثر منْ واحد:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: إذا ضرب بطن امرأة، فألقت أجنة، ففي كل واحدة غرة، وبهذا قَالَ الزهريّ، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، قَالَ: ولا أحفظ عن غيرهم خلافهم، وذلك لأنه ضمان آدمي، فتعدد بتعدده كالديات، وإن ألقتهم أحياء، فِي وقت يعيشون فِي مثله، ثم ماتوا ففي كل واحدة دية كاملة، وإن كَانَ بعضهم حيا فمات، وبعضهم ميتا ففي الحي دية، وفي الميت غرة. قاله فِي "المغني" وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): فِي اختلاف أهل العلم، هل تتحمل العاقلة دية الجنين، أم لا؟:
قَالَ الموفّق أيضًا: وتحمل العاقلة دية الجنين، إذا مات مع أمه، نَصَّ عليه أحمد، اذا كانت الجناية عليها خطأ، أو شبه عمد؛ لما رَوَى المغيرة بن شعبة ﵁: "أن رسول الله ﷺ ، قضى فِي الجنين بغرة عبد، أو أمة، على عصبة القاتلة"، وإن كَانَ قتل الأم عمدا، أو مات الجنين وحده لم تحمله العاقلة.
وَقَالَ الشافعيّ: تحمله العاقلة عَلَى كل حال، بناء عَلَى قوله: إن العاقلة تحمل القليل والكثير، والجناية عَلَى الجنين ليست تعمد؛ لأنه لا يتحقق وجوده، ليكون مقصودا بالضرب.
قَالَ: ولنا أن العاقلة لا تحمل ما دون الثلث، عَلَى ما ذكرناه، وهذا دون الثلث، وإذا مات وحده، أو منْ جناية عمد فدية أمه عَلَى قاتلها، فكذلك ديته؛ لأن الجناية لا يحمل بعض ديتها الجاني، وبعضها غيره، فيكون الجميع عَلَى القاتل، كما لو قطع عمدا، فسرت الجناية إلى النفس. انتهى.
стр. 17462
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: أن ما ذهب إليه الشافعيّ أرجح؛ لظهور ما ذكره منْ الحجة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٢٠ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ -وَذَكَرَ كَلِمَةً مَعْنَاهَا- فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ، أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ، فَقَالَ حَمَلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةِ الْهُذَلِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أُغَرَّمُ مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلْ، وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلّ؟ فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ"، مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
وقوله: "فقتلتها، وما فِي بطنها"، وفي رواية للبخاريّ: "فأصاب بطنها، وهي حامل"، فِي رواية: "فخذفت، فأصاب قبلها"، ووقع فِي رواية حمل بن مالك: "فضربت إحداهما الأخرى بمسطح"، وفي رواية عُبيد بن نُضيلة، عن المغيرة بن شعبة ﵁ الآتي آخر الباب قَالَ: "أن امرأة ضربت ضرتها بعمود فُسطاط، وهي حبلى، فقتلتها"، وكذا فِي حديث أبي المليح بن أسامة، عن أبيه: "فضربت الْهُذلية بطن العامرية بعمود فسطاط، أو خباء"، وفي حديث عُوَيم: "ضربتها بمسطح بيتها، وهي حامل". أفاده فِي "الفتح" ١٤/ ٢٤٢.
وَقَالَ النوويّ فِي "شرح مسلم": قوله: "ضربتها بعمود فُسطاط"، هَذَا محمول عَلَى حجر صغير، وعمود صغير، لا يُقصَد به القتل غالبا، فيكون شِبه عمد تجب فيه الدية عَلَى العاقلة، ولا يجب فيه قصاص، ولا دية عَلَى الجاني، وهذا مذهب الشافعيّ والجماهير. انتهى.
وقوله: "بحجر": ولعلها رمتها بحجر، وعمود جميعًا.
وقوله: "أو وليدة" -بفتح الواو، وكسر اللام-: هي الأمة، وجمعها وَلائد.
وقوله: "وقضى بدية المرأة" أي المقتولة. وقوله: "عَلَى عاقلتها": أي عاقلة القاتلة.
وَقَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "وقضى بدية المرأة عَلَى عاقلتها" فيه تلفيفٌ فِي الضمائر، أزالته الرواية الأخرى التي قَالَ فيها: "فجعل دية المقتولة عَلَى
стр. 17463
عصبة القاتلة".
وَقَدْ احتجّ بظاهر الْحَدِيث منْ رأى أنه لا يُستقاد ممن قتل بمثقّل، وإنما عليه الدية، وهم الحنفية، ولا حجة لهم فِي ذلك؛ لما تقدّم منْ أن النبيّ ﷺ قد أقاد ممن قتل بحجر، كما تقدّم فِي حديث اليهوديّ، ولقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، والمماثلة بالمثقّل ممكنة، ولإمكان كون هَذَا القتل خطأ، أو شبه العمد، فاندفع القصاص بذلك، ولو سُلّم أنه كَانَ عمدًا لكان ذلك برضا العصبة، وأولياء الدم، لا بالحكم، وكلّ ذلك محتملُ، فلا حجة لهم فيه.
وفيه ما يدلّ عَلَى أن العاقلة تحمل الدية، وَقَدْ أجمع المسلمون عَلَى أنها تحمل دية الخطإ، وما زاد عَلَى الثلث، واختلفوا فِي الثلث، فَقَالَ الزهريّ: الثلث، فدونه هو فِي مال الجاني، ولا تحمله العاقلة. وَقَالَ سعيد بن المسيب: الثلث فما زاد عَلَى العاقلة، وما دون الثلث فِي مال الجاني، وبه قَالَ مالك، وعطاء، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وأما ما دون الثلث فلا تحمله العاقلة عند منْ ذُكر، ولا عند أحمد. وقالت طائفة: عقل الخطإ عَلَى عاقلة الجاني، قلّت الجناية، أو كثرت، وهو قول الشافعيّ.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى، منْ تحمل العاقلة عقل الخطإ مطلقًا هو الأرجح عندي؛ لإطلاق النصوص الواردة فِي ذلك. والله تعالى أعلم.
قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: [فإن قيل]: كيف ألزم العاقلة الدية، والقتل عمدٌ، والعاقلة لا تعقل عمدًا، ولا صلحًا، ولا اعترافًا؟.
[فالجواب]: أن هَذَا الْحَدِيث خرّجه النسائيّ ١١/ ٤٧٤١ - منْ حديث حمل بن مالك ﵁، وَقَالَ فيه: "قضى رسول الله ﷺ فِي جنينها بغرّة، وأن تُقتل بها"، وهو طريقٌ صحيح، وهذا نص فِي أنه قضى بالقصاص منْ القاتلة، بخلاف الأحاديث المتقدّمة، فإن فيها: أنه قضى عَلَى العاقلة بالدية.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: فِي تصحيحه الْحَدِيث عَلَى الإطلاق، نظر، فإن هذه الزيادة، وهي قوله: "وأن تُقتل المرأة" غير صحيحة، كما سبق بيان ذلك فِي ١١/ ٤٧٤١ وسيأتي أيضا فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى.
ووجه التلفيق، وبه يحصل الجواب عَلَى التحقيق: أن رسول الله ﷺ قضى بقتل القاتلة أوّلاً، ثم إن العصبة، والألياء اصطلحوا، عن أن التزم العصبة الدية، ويعفو الألياء، فقضى النبيّ ﷺ بالدية على العصبة، لَمّا التزموها. والله تعالى أعلم. انتهى "المفهم" ٥/ ٦٥ - ٦٧.
стр. 17464
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي قاله القرطبيّ منْ كون قتل هذه المرأة عمدًا، وأن القصاص كَانَ واجبًا، إلا أن أنهم اصطلحوا عَلَى الدية، وهو مقتضى ما مشى عليه المصنّف فِي "باب قتل المرأة بالمرأة" ١١/ ٤٧٤١ حيث استدلّ بالحديث عَلَى مشروعيّة قتل المرأة إذا قتلت امرأة عمدًا، لكنه خالف ذلك فِي الباب التالي حيث استدلّ بالحديث عَلَى أن هَذَا منْ شبه العمد، وليس عمدًا، وأن الواجب فيه الدية عَلَى العاقلة، وهذا هو الحقّ؛ لأن زيادة "وأن تُقتل المرأة" غير صحيحة، وأحاديث أبي هريرة، والمغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنهما، عَلَى خلافها، كما سيأتي تمام البحث فيه هناك، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.
وقوله: "وورّثها ولدها، ومن معهم"، وفي رواية: "وورّثها عصبتها، ومن معهم": قَالَ القرطبيّ: أعاد الضمير الأول عَلَى الدية، والثاني عَلَى المقتولة، وعَنَى بالعصبة: بنيها، وبمن معهم منْ الزوج، ولم يُختلف فِي أن الزوج يرث هنا منْ دية زوجته فرضه، وإن كانوا قد اختلفوا فيه، هل يرث منْ دية الجنين؟.
والدية موروثة عَلَى الفرائض، سواء كانت عن خطإ، أو عن عمد تعذّر فيه القوَد، والذي يبيّن الحقّ فِي هَذَا الباب حديثان خرّجهما الترمذيّ:
[أحدهما] ٢١١٠: عن سعيد بن المسيّب، قَالَ: قَالَ عمر ﵁: الدية عَلَى العاقلة، ولا ترث المرأة منْ زوجها شيئًا، فأخبره الضحّاك بن سفيان الكلابيّ ﵁ أن رسول الله ﷺ كتب إليه: أن ورِّث امرأة أَشيم الضِّبابيّ منْ دية زوجها، وَقَالَ: هَذَا حديث حسن صحيح.
[وثانيهما] ٢١١١: عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قضى فِي جنين امرأة منْ بني لحيان، سقط ميتًا، بغرة: عبد، أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها بغرة توفّيت، فقضى رسول الله ﷺ بأن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن عقلها عَلَى عصبتها".
ثم حيث وجبت الدية عَلَى العاقلة، فلا تؤخذ منهم حالّةً، بل منجّمةً فِي ثلاث سنين، وهو قول عامّة أهل العلم منْ السلف والخلف، وتوزَّعُ عَلَى الأحرار البالغين الأغنياء الذكور، فلا تؤخذ منْ عبد، ولا منْ صبيّ، ولا منْ امرأة، ولا منْ فقير بالإجماع، عَلَى ما حكاه ابن المنذر.
واختلفوا فِي قدر ما يُوزّع عَلَى منْ يُطالب بها، فَقَالَ الشافعيّ منْ كثر ماله أُخذ منه نصف دينار، ومن كَانَ دونه ربع دينار، لا ينقص منه، ولا يُزاد عليه. وحكَى أبو ثور عن مالك أنه قَالَ: عَلَى كلّ رجل ربع دينار، وبه قَالَ أبو ثور. وَقَالَ أحمد: يحملون
стр. 17465
بقدر ما يُطيقون. وَقَالَ أصحاب الرأي: ثلاثة دراهم، أو أربعة.
قال القرطبيّ: والقول ما قاله أحمد، فإن التحديد يحتاج إلى شرع جديد. انتهى "المفهم" ٥/ ٦٧ - ٦٨.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي قاله القرطبيّ منْ ترجيح مذهب أحمد رحمهما الله تعالى فِي تحميل العاقلة بقدر الطاقة، هو الحق؛ لإطلاق النصوص. والله تعالى أعلم.
وقوله: "وورّثها ولدها": بتشديد الراء: قَالَ السنديّ: والظاهر أن الضمير للقاتلة، بناء عَلَى أنها ماتت بعد ذلك أيضاً. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي قاله السنديّ غير بعيد منْ ظاهر السياق، لكن تقدّم فِي كلام النوويّ ما يدلّ عَلَى أن الصواب أن الضمير للمرأة المجنيّ عليها، لا للجانية، فتأمّل. والله تعالى أعلم.
وقوله: "فَقَالَ حمَلُ بن مالك الْهُذَليّ الخ": "حمل" -بفتح الحاء المهملة، والميم. وهو هذليّ منْ قبيلة القاتلة، ولحيان فخذ منْ هُذيل، ولذلك صدق أن يقالى عَلَى القاتلة أنها هذليّة، لحيانيّة، ولحيان يقالى: بفتح اللام، وكسرها. قاله فِي "المفهم" ٥/ ٦٥.
وقوله: "ولا استهلّ": أي ولا صاح عند الولادة؛ ليُعرف به أنه مات بعد أن كَانَ حيًّا.
وقوله: "فمثل ذلك يُطَلُّ": قال النوويّ رحمه الله تعالى: رُوى فِي "الصحيحين"، وغيرهما بوجهين: [أحدهما]: يُطل -بضم الياء المثناة، وتشديد اللام-: ومعناه: يهُدَر، ويُلغَى، ولا يُضمَن.
[والثاني]: "بَطَلَ" -بفتح الباء الموحدة، وتخفيف اللام- عَلَى أنه فعل ماض، منْ البطلان، وهو بمعنى الْمُلغَى أيضا، وأكثر نسخ بلادنا بالمثناة، ونقل القاضي أن جمهور الرواة فِي "صحيح مسلم" ضبطوه بالموحدة، قَالَ أهل اللغة: يقال: طُلَّ دمُهُ -بضم الطاء، وأُطِلّ: أي أهدر، وأطله الحاكم، وطَلَّه: أهدره، وجوز بعضهم طَلَّ دَمُهُ -بفتح الطاء فِي اللازم، وأباها الأكثرون.
وقوله ﷺ : "إنما هَذَا منْ إخوان الكُهّان، منْ أجل سجعه الذي سجع"، وفي الرواية الأخرى: "سَجْعٌ كسجع الأعراب":
قال النوويّ: قَالَ العلماء: إنما ذم سجعه لوجهين: [أحدهما]: أنه عارض به حكم الشرع، ورام إبطاله. [والثاني]: أنه تكلفه فِي مخاطبته، وهذان الوجهان منْ السجع مذمومان، وأما السجع الذي كَانَ النبيّ ﷺ يقوله فِي بعض الأوقات، وهو مشهور فِي
стр. 17466
الْحَدِيث، فليس منْ هَذَا؛ لأنه لا يعارض به حكم الشرع، ولا يتكلفه، فلا نهى فيه، بل هو حسن، ويؤيد ما ذكرنا منْ التأويل، قوله ﷺ : "كسجع الأعراب"، فأشار إلى أن بعض السجع هو المذموم. والله أعلم. انتهى "شرح مسلم" ١١/ ١٧٨.
وَقَالَ فِي "الفتح" -عند قوله: "فَقَالَ حمل بن النابغة الخ"-: وفي رواية عبد الرحمن ابن خالد: "فَقَالَ ولي المرأة التي غُرِّمت: كيف أغرم يا رسول الله، منْ لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يُطَلّ، فَقَالَ النبيّ ﷺ : إنما هَذَا منْ إخوان الكهان"، وفي مرسل سعيد بن المسيب عند مالك: "قضى فِي الجنين يُقتَل فِي بطن أمه، بغرة: عبد، أو وليدة"، وفي رواية الليث، منْ طريق سعيد، الموصولة نحوه عند الترمذيّ، ولكن قَالَ: "إن هَذَا ليقول بقول شاعر، بل فيه غرة"، وفيه: "ثم إن المرأة التي قضي عليها بالغرة توفيت، فقضى رسول الله ﷺ بأن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل عَلَى عصبتها"، وفي رواية عكرمة، عن ابن عباس: "فَقَالَ عمها: إنها قد أسقطت غلاما، قد نبت شعره، فَقَالَ أبو القاتلة: إنه كاذب، إنه والله ما استهل، ولا شرب ولا أكل، فمثله يُطَلّ، فَقَالَ النبيّ ﷺ : أسجع كسجع الجاهلية، وكهانتها؟ "، وفي رواية عُبيد بن نُضَيلة، عن المغيرة ﵁: "فجعل رسول الله ﷺ دية المقتولة عَلَى عصبة القاتلة، وغرّةً لما فيه بطنها، فَقَالَ رجل منْ عصبة القاتلة: أنغرم منْ لا أكل"، وفي آخره: "أسجع كسجع الأعراب، وجعل عليهم الدية"، وفي حديث عويم، عند الطبراني: "فَقَالَ أخوها، العلاء بن مسروح: يا رسول الله، أنغرم منْ لا شرب، ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، فمثل هَذَا يطل، فَقَالَ: أسجع كسجع الجاهلية"، ونحوه عند أبي يعلى، منْ حديث جابر، لكن قَالَ: "فقالت عاقلة القاتلة"، وعند البيهقي، منْ حديث أسامة بن عمير: "فَقَالَ أبوها: إنما يعقلها بنوها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فَقَالَ: الدية عَلَى العصبة، وفي الجنين غرة، فَقَالَ: ما وُضع فحل، ولا صاح فاستهل، فأبطله فمثله يطل".
قَالَ الحافظ: وبهذا يجمع الاختلاف، فيكون كل منْ أبيها وأخيها وزوجها قالوا ذلك؛ لأنهم كلهم منْ عصبتها، بخلاف المقتولة، فان فِي حديث أسامة بن عمير أن المقتولة عامرية، والقاتلة هذلية، ووقع فِي رواية أسامة، فَقَالَ: "دعني منْ أراجيز الأعراب"، وفي لفظ: "أسجاعة بك؟ "، وفي آخر: "أسجع كسجع الجاهلية؟، قيل: يا رسول الله، إنه شاعر"، وفي لفظ: "لسنا منْ أساجيع الجاهلية فِي شيء"، وفيه: فَقَالَ: إن لها ولدا هم سادة الحي، وهم أحق أن يعقلوا عن أمهم، قَالَ: بل أنت أحق أن تعقل عن أختك منْ ولدها، فَقَالَ مالي شيء: قَالَ حمل: وهو يومئذ عَلَى صدقات هذيل،
стр. 17467
وهو زوج المرأة، وأبو الجنين، أقبض منْ صدقات هذيل"، أخرجه البيهقي، وفي رواية ابن أبي عاصم: "ما له عبد، أو أمة، قَالَ عشر منْ الإبل، قالوا: ما له منْ شيء، إلا أن تعينه منْ صدقة بني لحيان، فأعانه بها، فسعى حمل عليها حَتَّى استوفاها"، وفي حديثه عند الحارث بن أبي أسامة: "فقضى أن الدية عَلَى عاقلة القاتلة، وفي الجنين غرة: عبد، أو أمة، أوعشر منْ الإبل، أو مائة شاة". انتهى "فتح" ١٤/ ٢٤٢ - ٢٤٤.
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق تمام البحث فيه فِي الْحَدِيث الماضي، فلا تغفل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٢١ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: "أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ، فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، رَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى، فَطَرَحَتْ جَنِينَهَا، فَقَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ، أَوْ وَلِيدَةٍ").
قَالَ الجامع عفا والله تعالى عنه: الْحَدِيث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق شرحه، وبيان مسائله قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٢٢ - (قَالَ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَضَى فِي الْجَنِينِ، يُقْتَلُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ، أَوْ وَلِيدَةٍ، فَقَالَ الَّذِي قَضَى عَلَيْهِ: كَيْفَ أُغَرَّمُ مَنْ لَا شَرِبَ، وَلَا أَكَلَ، وَلَا اسْتَهَلّ، وَلَا نَطَقَ؟ فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا هَذَا مِنَ الْكُهَّانِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "ابن القاسم": هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ الفقيه المصريّ. و"مالك": هو ابن أنس إمام دار الهجرة.
وقوله: "منْ الْكُهّان" -بضم الكاف، وتشديد الهاء-: جمع كاهن، اسم فاعل منْ كهن له، كمنع، ونصر، وكرُم، كَهَانة بالفتح، وتكهّن تكهُّنًا: قضى له بالغيب، فهو كاهنٌ، ويُجمع عَلَى كَهَنَة، وحرفته الكِهانة بالكسر. قاله فِي "القاموس".
وفي رواية: "إنما هَذَا منْ إخوان الْكُهّان"، قَالَ القرطبيّ: فسّره الراوي بقوله: "منْ أجل سجعه" يعني أنه تشبه بالكهّان، فسجع كما يسجعون، حين يُخبرون عن المغيّبات، كما قد ذكر ابن إسحاق منْ سجع شِقّ، وسَطيح، وغيرهما، وهي عادة مستمرّةٌ فِي الكهان. وقيل: إنما أنكر النبيّ ﷺ ذلك السجع؛ لأنه جاء به فِي مقابلة حكم الله، مستبعدًا له، ولا يذمّ منْ حيث السجع؛ لأن النبيّ ﷺ قد تكلّم بكلام يشبه السجع فِي غير ما موضع. وقيل: إنما أنكر عليه تكلّف الأسجاع عَلَى طرق الكهان،
стр. 17468
وحُوشية (١) الأعراب، وليس بسجع فصحاء العرب، ولا عَلَى مقاطعها.
قَالَ القرطبيّ: وهذا القول الأخير إنما يصحّ أن يقال غلى قوله ﷺ : "أسجع كسجع الأعراب؟ "، لا عَلَى قوله: "إنما هَذَا منْ إخوان الكهّان"، فتأمله. انتهى "المفهم" ٥/ ٦٤ - ٦٥.
والحديث مرسل صحيحٌ بما سبقه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٢٣ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَفٌ -وَهُوَ ابْنُ تَمِيمٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نُضَيْلَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَنَّ امْرَأَةً ضَرَبَتْ ضَرَّتَهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ، فَقَتَلَتْهَا، وَهِىَ حُبْلَى، فَأُتِيَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ بِالدِّيَةِ، وَفِى الْجَنِينِ غُرَّةً، فَقَالَ عَصَبَتُهَا: أَدِى مَنْ لَا طَعِمَ، وَلَا شَرِبَ، وَلَا صَاحَ فَاسْتَهَلّ، فَمِثْلُ هَذَا يُطَلّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الأَعْرَابِ").
رجال هَذَا الإسناد: سبعة:
١ - (عليّ بن محمد بن عليّ) بن أبي الْمَضَاء الْمِصِّيصيّ القاضي، ثقة [١١] ٨٣/ ٢٤١٥ منْ أفراد المصنّف.
٢ - (خلف بن تميم) بن أبي عتّاب أبو عبد الرحمن الكوفيّ، نزيل المِصّيصة، صدوقٌ عابدٌ [٩] ٨٣/ ٢٤١٥ منْ أفراد المصنّف، وابن ماجه.
٣ - (زائدة) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصلت الكوفيّ، ثقة ثبتٌ، صاحب سنّة [٧] ٧٤/ ٩١.
٤ - (منصور) بن المعتمر أبو عتّاب الكوفيّ، ثقة ثبت [٦] ٢/ ٢.
٥ - (إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقة فقيه، يرسل كثيرًا ٢٩/ ٣٣.
٦ - (عُبيد بن نُضَيلة) -بالتصغير فيهما-، ويقال: ابن نَضْلَة -بفتح النون، وسكون المعجمة- الْخُزاعيّ، أبو معاوية الكوفيّ المقرىء، ثقة [٣].
رَوَى عن ابن مسعود، والمغيرة بن شعبة، وسليمان بن صرد، وقرأ القرآن عَلَى علقمة، ورَوَى عنه، وعن مسروق، وعَبِيدة السلماني. وعنه إبراهيم النخعي، وأشعث ابن سليم، والحسن الْعُرَني، وحمران بن أعين، وقرأ عليه. قَالَ العجليّ: كوفيّ تابعيّ
стр. 17469
ثقة، كَانَ مُقرىء أهل الكوفة فِي زمانه. وَقَالَ النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وذكره أبو أحمد العسكري فِي "الصحابة"، ثم قَالَ: وليس يصح سماعه، وأكبر ظني أنه مرسل. وَقَالَ أبو نعيم الحافظ فِي "المعرفة": مختلف فِي صحبته. وذكره ابن سعد فِي الطبقة الأولى منْ أهل الكوفة، وَقَالَ: رَوَى عن علي فِي الفريضة، وقيل: إنه قرأ عَلَى عبد الله، ثم قرأ عَلَى علقمة. وذكره ابن حزم فِي "كتاب طبقات القراء" فِي الطبقة الأولى منْ أهل الكوفة، مع أبي عمرو الشيباني، وأبي عبد الرحمن السُّلَمي، وتميم بن حَذْلَم، وأبي ميسرة، عمرو بن شرحبيل، والحارث بن قيس، وهذيل بن شُرَحبيل، وَقَالَ: كل هؤلاء أخذ القراءة عن ابن مسعود، وأدركوا كلهم النبيّ ﷺ ، إلا أنهم لم يلقوه. وفي "كتاب الكني" للنسائي، عن ابن سيرين، قَالَ: ذكرت لأبي معاوية، عُبيد بن نُضيلة، وَقَالَ عاصم بن بهدلة: كَانَ والله قارئا للقرآن. وَقَالَ ابن حبّان فِي "الثقات": عُبيد بن نَضْلَة، وَقَدْ قيل: عُبيد بن نُضيلة، وَقَالَ: مات فِي ولاية بِشر بن مروان عَلَى العراق، سنة أربع وسبعين. وَقَالَ خليفة: مات فِي ولاية بشر بن مروان سنة (٣) أو (٧٤)، وَقَالَ ابن سعد: كَانَ ثقة، قليل الْحَدِيث.
روى له مسلم، والأربعة، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث، كرّره ست مرّات، برقم ٤٨٢٣ و٤٨٢٤ و٤٨٢٥ و٤٨٢٦ و٤٨٢٧ و٤٨٢٨. وَقَالَ فِي "التهذيب": له فِي الكتب حديثان.
٧ - (المغيرة بن شعبة) بن مسعود بن مُعَتِّب الثقفيّ الصحابيّ المشهور، أسلم ﵁ قبل الحديبية، وولِيَ إِمْرة البصرة، ثم الكوفة، مات ﵁ سنة (٥٠ هـ) عَلَى الصحيح، تقدّمت ترجمته فِي ١٦/ ١٧. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخ المصنّف، فإنه منْ أفراده، وخلف بن تميم، فإنه منْ أفراده، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمصّيصيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) رضي الله تعالى عنه (أَنَّ امْرَأَةً ضَرَبَتْ ضَرَّتَهَا) بفتح الضاد المعجمة، وتشديد الراء: قَالَ أهل اللغة: كل واحدة منْ زوجتي الرجل ضَرَّةٌ للأخرى، سميت بذلك لحصول المُضَارَّة بينهما فِي العادة، تَضَرَّر كل واحدة بالأخرى. قاله
стр. 17470
النوويّ فِي "شرح مسلم". وَقَالَ الفيّوميّ: ضرّة المرأة: امرأة زوجها، والجمع ضَرّات عَلَى القياس، وسُمع ضَرَائر، وكأنها جمع ضَرِيرة، مثلُ كَرِيمة وكرائم، ولا يكاد يوجد لها نَظير، ورجلٌ مُضِرّ: ذو ضَرَائر، وامرأة مُضِرّ أيضًا: لها ضرائر، وهو اسم فاعل منْ أضرّ: إذا تزوّج عَلَى ضَرّ. انتهى.
(بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ) "العَمُود" -بفتح العين-: الخشبة القائمة فِي وسط الخِباء، والجمع أَعمِدةٌ، وعُمُدٌ -بضمتين- والعَمَد -بفتحتين- اسم للجمع. أفاده فِي "اللسان". و"الفُسطاط" -بضمّ الفاء، وكسرها-: بيتٌ منْ الشَّعْر، والجمع فَسَاطيط. قاله فِي "المصباح".
وفي رواية أخرى: "بحجر"، ولا تعارض بينهما؛ إذ يَحتمل أن تكون جمعت ذلك عليها، فأخبر أحد الراويين بإحدى الآلتين، والثاني بلأخرى. قاله فِي "المفهم" ٥/ ٥٩ - ٦٠ (فَقَتَلَتْهَا، وَهِيَ حُبْلَى) وفي رواية: "فقتلتها، وما فِي بطنها": قَالَ القرطبيّ: ظاهر العطف بالفاء أن القتل وقع عقب الضرب، وليس كذلك، لما فِي رواية سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁، قَالَ: "إن رسول الله ﷺ قضى فِي جنين امرأة، منْ بني لحيان، سقط ميتًا، بغرّة: عبد، أو وليدة، ثم إن المرأة تُوفّيت"، متَّفقٌ عليه، وتقدّم للمصنّف قبل ثلاثة أحاديث ٤٨١٩.
قَالَ: وهذا فِي تأخّر موتها عن وقت الضرب، وفي هذه الرواية أيضًا بيان أن الجنين خرج ميتًا، والأولى محتملةٌ لأن يكون خرج، ولأن يكون لم يخرُج، لكنه مات، وبينهما فرقٌ، فإنه إذا مات فِي بطنها، ولم يخرج، فلا شيء فيه عند كافّة العلماء؛ لأنه لم تتحقّق حياته، ولأنه كالعضو منها، ولم ينفصل عنها، فلا شيء فيه. وأجمع أهل العلم عَلَى أن فِي الجنين الذي يسقط منْ ضرب أمه حيّا، ثم يموت الدية كاملةً فِي الخطإ، وفي العمد بعد القسامة، وقيل: بغير قسامة، لكن اختلفوا فيما به تُعلم حياته. وَقَدْ اتفقوا عَلَى أنه إذا استُهلّ صارخًا، أو ارتضع، أو تنفّس نفَسًا مُحقّقًا حيٌّ، فيه الدية كاملة. واختلفوا فيما إذا تحرّك، فَقَالَ الشافعيّ، وأبو حنيفة: حركته تدلّ عَلَى حياته. وَقَالَ مالك: لا، إلا أن يقارنها طول إقامة، وسببه اختلاف شهادة الحركة فِي الوجود للحياة. انتهى"المفهم" ٥/ ٦٠.
(فَأُتِيَ) بالبناء للمفعول (فِيهَا) أي بسببها (النَّبِيُّ) بالرفع عَلَى أنه نائب فاعل "أُتي" ( ﷺ ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ بِالدِّيَةِ، وَفِي الْجَنِينِ غُرَّةً) قَالَ القرطبيّ: وهذا نصّ فِي أن الغرّة تقوم بها العاقلة، وبه قَالَ الكوفيّون، والشافعيّ، وهو أحد قولي مالك. وقيل: عَلَى الجاني، وهو المشهور منْ قول مالك، وقاله أهل البصرة.