← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 17466–17505 · переход к 17471.

стр. 17466

الْحَدِيث، فليس منْ هَذَا؛ لأنه لا يعارض به حكم الشرع، ولا يتكلفه، فلا نهى فيه، بل هو حسن، ويؤيد ما ذكرنا منْ التأويل، قوله ﷺ : "كسجع الأعراب"، فأشار إلى أن بعض السجع هو المذموم. والله أعلم. انتهى "شرح مسلم" ١١/ ١٧٨. وَقَالَ فِي "الفتح" -عند قوله: "فَقَالَ حمل بن النابغة الخ"-: وفي رواية عبد الرحمن ابن خالد: "فَقَالَ ولي المرأة التي غُرِّمت: كيف أغرم يا رسول الله، منْ لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يُطَلّ، فَقَالَ النبيّ ﷺ : إنما هَذَا منْ إخوان الكهان"، وفي مرسل سعيد بن المسيب عند مالك: "قضى فِي الجنين يُقتَل فِي بطن أمه، بغرة: عبد، أو وليدة"، وفي رواية الليث، منْ طريق سعيد، الموصولة نحوه عند الترمذيّ، ولكن قَالَ: "إن هَذَا ليقول بقول شاعر، بل فيه غرة"، وفيه: "ثم إن المرأة التي قضي عليها بالغرة توفيت، فقضى رسول الله ﷺ بأن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل عَلَى عصبتها"، وفي رواية عكرمة، عن ابن عباس: "فَقَالَ عمها: إنها قد أسقطت غلاما، قد نبت شعره، فَقَالَ أبو القاتلة: إنه كاذب، إنه والله ما استهل، ولا شرب ولا أكل، فمثله يُطَلّ، فَقَالَ النبيّ ﷺ : أسجع كسجع الجاهلية، وكهانتها؟ "، وفي رواية عُبيد بن نُضَيلة، عن المغيرة ﵁: "فجعل رسول الله ﷺ دية المقتولة عَلَى عصبة القاتلة، وغرّةً لما فيه بطنها، فَقَالَ رجل منْ عصبة القاتلة: أنغرم منْ لا أكل"، وفي آخره: "أسجع كسجع الأعراب، وجعل عليهم الدية"، وفي حديث عويم، عند الطبراني: "فَقَالَ أخوها، العلاء بن مسروح: يا رسول الله، أنغرم منْ لا شرب، ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، فمثل هَذَا يطل، فَقَالَ: أسجع كسجع الجاهلية"، ونحوه عند أبي يعلى، منْ حديث جابر، لكن قَالَ: "فقالت عاقلة القاتلة"، وعند البيهقي، منْ حديث أسامة بن عمير: "فَقَالَ أبوها: إنما يعقلها بنوها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فَقَالَ: الدية عَلَى العصبة، وفي الجنين غرة، فَقَالَ: ما وُضع فحل، ولا صاح فاستهل، فأبطله فمثله يطل". قَالَ الحافظ: وبهذا يجمع الاختلاف، فيكون كل منْ أبيها وأخيها وزوجها قالوا ذلك؛ لأنهم كلهم منْ عصبتها، بخلاف المقتولة، فان فِي حديث أسامة بن عمير أن المقتولة عامرية، والقاتلة هذلية، ووقع فِي رواية أسامة، فَقَالَ: "دعني منْ أراجيز الأعراب"، وفي لفظ: "أسجاعة بك؟ "، وفي آخر: "أسجع كسجع الجاهلية؟، قيل: يا رسول الله، إنه شاعر"، وفي لفظ: "لسنا منْ أساجيع الجاهلية فِي شيء"، وفيه: فَقَالَ: إن لها ولدا هم سادة الحي، وهم أحق أن يعقلوا عن أمهم، قَالَ: بل أنت أحق أن تعقل عن أختك منْ ولدها، فَقَالَ مالي شيء: قَالَ حمل: وهو يومئذ عَلَى صدقات هذيل،

стр. 17467

وهو زوج المرأة، وأبو الجنين، أقبض منْ صدقات هذيل"، أخرجه البيهقي، وفي رواية ابن أبي عاصم: "ما له عبد، أو أمة، قَالَ عشر منْ الإبل، قالوا: ما له منْ شيء، إلا أن تعينه منْ صدقة بني لحيان، فأعانه بها، فسعى حمل عليها حَتَّى استوفاها"، وفي حديثه عند الحارث بن أبي أسامة: "فقضى أن الدية عَلَى عاقلة القاتلة، وفي الجنين غرة: عبد، أو أمة، أوعشر منْ الإبل، أو مائة شاة". انتهى "فتح" ١٤/ ٢٤٢ - ٢٤٤. والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق تمام البحث فيه فِي الْحَدِيث الماضي، فلا تغفل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٨٢١ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: "أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ، فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، رَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى، فَطَرَحَتْ جَنِينَهَا، فَقَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ، أَوْ وَلِيدَةٍ"). قَالَ الجامع عفا والله تعالى عنه: الْحَدِيث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق شرحه، وبيان مسائله قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٨٢٢ - (قَالَ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَضَى فِي الْجَنِينِ، يُقْتَلُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ، أَوْ وَلِيدَةٍ، فَقَالَ الَّذِي قَضَى عَلَيْهِ: كَيْفَ أُغَرَّمُ مَنْ لَا شَرِبَ، وَلَا أَكَلَ، وَلَا اسْتَهَلّ، وَلَا نَطَقَ؟ فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا هَذَا مِنَ الْكُهَّانِ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "ابن القاسم": هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ الفقيه المصريّ. و"مالك": هو ابن أنس إمام دار الهجرة. وقوله: "منْ الْكُهّان" -بضم الكاف، وتشديد الهاء-: جمع كاهن، اسم فاعل منْ كهن له، كمنع، ونصر، وكرُم، كَهَانة بالفتح، وتكهّن تكهُّنًا: قضى له بالغيب، فهو كاهنٌ، ويُجمع عَلَى كَهَنَة، وحرفته الكِهانة بالكسر. قاله فِي "القاموس". وفي رواية: "إنما هَذَا منْ إخوان الْكُهّان"، قَالَ القرطبيّ: فسّره الراوي بقوله: "منْ أجل سجعه" يعني أنه تشبه بالكهّان، فسجع كما يسجعون، حين يُخبرون عن المغيّبات، كما قد ذكر ابن إسحاق منْ سجع شِقّ، وسَطيح، وغيرهما، وهي عادة مستمرّةٌ فِي الكهان. وقيل: إنما أنكر النبيّ ﷺ ذلك السجع؛ لأنه جاء به فِي مقابلة حكم الله، مستبعدًا له، ولا يذمّ منْ حيث السجع؛ لأن النبيّ ﷺ قد تكلّم بكلام يشبه السجع فِي غير ما موضع. وقيل: إنما أنكر عليه تكلّف الأسجاع عَلَى طرق الكهان،

стр. 17468

وحُوشية (١) الأعراب، وليس بسجع فصحاء العرب، ولا عَلَى مقاطعها. قَالَ القرطبيّ: وهذا القول الأخير إنما يصحّ أن يقال غلى قوله ﷺ : "أسجع كسجع الأعراب؟ "، لا عَلَى قوله: "إنما هَذَا منْ إخوان الكهّان"، فتأمله. انتهى "المفهم" ٥/ ٦٤ - ٦٥. والحديث مرسل صحيحٌ بما سبقه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٨٢٣ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَفٌ -وَهُوَ ابْنُ تَمِيمٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نُضَيْلَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَنَّ امْرَأَةً ضَرَبَتْ ضَرَّتَهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ، فَقَتَلَتْهَا، وَهِىَ حُبْلَى، فَأُتِيَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ بِالدِّيَةِ، وَفِى الْجَنِينِ غُرَّةً، فَقَالَ عَصَبَتُهَا: أَدِى مَنْ لَا طَعِمَ، وَلَا شَرِبَ، وَلَا صَاحَ فَاسْتَهَلّ، فَمِثْلُ هَذَا يُطَلّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الأَعْرَابِ"). رجال هَذَا الإسناد: سبعة: ١ - (عليّ بن محمد بن عليّ) بن أبي الْمَضَاء الْمِصِّيصيّ القاضي، ثقة [١١] ٨٣/ ٢٤١٥ منْ أفراد المصنّف. ٢ - (خلف بن تميم) بن أبي عتّاب أبو عبد الرحمن الكوفيّ، نزيل المِصّيصة، صدوقٌ عابدٌ [٩] ٨٣/ ٢٤١٥ منْ أفراد المصنّف، وابن ماجه. ٣ - (زائدة) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصلت الكوفيّ، ثقة ثبتٌ، صاحب سنّة [٧] ٧٤/ ٩١. ٤ - (منصور) بن المعتمر أبو عتّاب الكوفيّ، ثقة ثبت [٦] ٢/ ٢. ٥ - (إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقة فقيه، يرسل كثيرًا ٢٩/ ٣٣. ٦ - (عُبيد بن نُضَيلة) -بالتصغير فيهما-، ويقال: ابن نَضْلَة -بفتح النون، وسكون المعجمة- الْخُزاعيّ، أبو معاوية الكوفيّ المقرىء، ثقة [٣]. رَوَى عن ابن مسعود، والمغيرة بن شعبة، وسليمان بن صرد، وقرأ القرآن عَلَى علقمة، ورَوَى عنه، وعن مسروق، وعَبِيدة السلماني. وعنه إبراهيم النخعي، وأشعث ابن سليم، والحسن الْعُرَني، وحمران بن أعين، وقرأ عليه. قَالَ العجليّ: كوفيّ تابعيّ

стр. 17469

ثقة، كَانَ مُقرىء أهل الكوفة فِي زمانه. وَقَالَ النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وذكره أبو أحمد العسكري فِي "الصحابة"، ثم قَالَ: وليس يصح سماعه، وأكبر ظني أنه مرسل. وَقَالَ أبو نعيم الحافظ فِي "المعرفة": مختلف فِي صحبته. وذكره ابن سعد فِي الطبقة الأولى منْ أهل الكوفة، وَقَالَ: رَوَى عن علي فِي الفريضة، وقيل: إنه قرأ عَلَى عبد الله، ثم قرأ عَلَى علقمة. وذكره ابن حزم فِي "كتاب طبقات القراء" فِي الطبقة الأولى منْ أهل الكوفة، مع أبي عمرو الشيباني، وأبي عبد الرحمن السُّلَمي، وتميم بن حَذْلَم، وأبي ميسرة، عمرو بن شرحبيل، والحارث بن قيس، وهذيل بن شُرَحبيل، وَقَالَ: كل هؤلاء أخذ القراءة عن ابن مسعود، وأدركوا كلهم النبيّ ﷺ ، إلا أنهم لم يلقوه. وفي "كتاب الكني" للنسائي، عن ابن سيرين، قَالَ: ذكرت لأبي معاوية، عُبيد بن نُضيلة، وَقَالَ عاصم بن بهدلة: كَانَ والله قارئا للقرآن. وَقَالَ ابن حبّان فِي "الثقات": عُبيد بن نَضْلَة، وَقَدْ قيل: عُبيد بن نُضيلة، وَقَالَ: مات فِي ولاية بِشر بن مروان عَلَى العراق، سنة أربع وسبعين. وَقَالَ خليفة: مات فِي ولاية بشر بن مروان سنة (٣) أو (٧٤)، وَقَالَ ابن سعد: كَانَ ثقة، قليل الْحَدِيث. روى له مسلم، والأربعة، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث، كرّره ست مرّات، برقم ٤٨٢٣ و٤٨٢٤ و٤٨٢٥ و٤٨٢٦ و٤٨٢٧ و٤٨٢٨. وَقَالَ فِي "التهذيب": له فِي الكتب حديثان. ٧ - (المغيرة بن شعبة) بن مسعود بن مُعَتِّب الثقفيّ الصحابيّ المشهور، أسلم ﵁ قبل الحديبية، وولِيَ إِمْرة البصرة، ثم الكوفة، مات ﵁ سنة (٥٠ هـ) عَلَى الصحيح، تقدّمت ترجمته فِي ١٦/ ١٧. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخ المصنّف، فإنه منْ أفراده، وخلف بن تميم، فإنه منْ أفراده، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمصّيصيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) رضي الله تعالى عنه (أَنَّ امْرَأَةً ضَرَبَتْ ضَرَّتَهَا) بفتح الضاد المعجمة، وتشديد الراء: قَالَ أهل اللغة: كل واحدة منْ زوجتي الرجل ضَرَّةٌ للأخرى، سميت بذلك لحصول المُضَارَّة بينهما فِي العادة، تَضَرَّر كل واحدة بالأخرى. قاله

стр. 17470

النوويّ فِي "شرح مسلم". وَقَالَ الفيّوميّ: ضرّة المرأة: امرأة زوجها، والجمع ضَرّات عَلَى القياس، وسُمع ضَرَائر، وكأنها جمع ضَرِيرة، مثلُ كَرِيمة وكرائم، ولا يكاد يوجد لها نَظير، ورجلٌ مُضِرّ: ذو ضَرَائر، وامرأة مُضِرّ أيضًا: لها ضرائر، وهو اسم فاعل منْ أضرّ: إذا تزوّج عَلَى ضَرّ. انتهى. (بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ) "العَمُود" -بفتح العين-: الخشبة القائمة فِي وسط الخِباء، والجمع أَعمِدةٌ، وعُمُدٌ -بضمتين- والعَمَد -بفتحتين- اسم للجمع. أفاده فِي "اللسان". و"الفُسطاط" -بضمّ الفاء، وكسرها-: بيتٌ منْ الشَّعْر، والجمع فَسَاطيط. قاله فِي "المصباح". وفي رواية أخرى: "بحجر"، ولا تعارض بينهما؛ إذ يَحتمل أن تكون جمعت ذلك عليها، فأخبر أحد الراويين بإحدى الآلتين، والثاني بلأخرى. قاله فِي "المفهم" ٥/ ٥٩ - ٦٠ (فَقَتَلَتْهَا، وَهِيَ حُبْلَى) وفي رواية: "فقتلتها، وما فِي بطنها": قَالَ القرطبيّ: ظاهر العطف بالفاء أن القتل وقع عقب الضرب، وليس كذلك، لما فِي رواية سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁، قَالَ: "إن رسول الله ﷺ قضى فِي جنين امرأة، منْ بني لحيان، سقط ميتًا، بغرّة: عبد، أو وليدة، ثم إن المرأة تُوفّيت"، متَّفقٌ عليه، وتقدّم للمصنّف قبل ثلاثة أحاديث ٤٨١٩. قَالَ: وهذا فِي تأخّر موتها عن وقت الضرب، وفي هذه الرواية أيضًا بيان أن الجنين خرج ميتًا، والأولى محتملةٌ لأن يكون خرج، ولأن يكون لم يخرُج، لكنه مات، وبينهما فرقٌ، فإنه إذا مات فِي بطنها، ولم يخرج، فلا شيء فيه عند كافّة العلماء؛ لأنه لم تتحقّق حياته، ولأنه كالعضو منها، ولم ينفصل عنها، فلا شيء فيه. وأجمع أهل العلم عَلَى أن فِي الجنين الذي يسقط منْ ضرب أمه حيّا، ثم يموت الدية كاملةً فِي الخطإ، وفي العمد بعد القسامة، وقيل: بغير قسامة، لكن اختلفوا فيما به تُعلم حياته. وَقَدْ اتفقوا عَلَى أنه إذا استُهلّ صارخًا، أو ارتضع، أو تنفّس نفَسًا مُحقّقًا حيٌّ، فيه الدية كاملة. واختلفوا فيما إذا تحرّك، فَقَالَ الشافعيّ، وأبو حنيفة: حركته تدلّ عَلَى حياته. وَقَالَ مالك: لا، إلا أن يقارنها طول إقامة، وسببه اختلاف شهادة الحركة فِي الوجود للحياة. انتهى"المفهم" ٥/ ٦٠. (فَأُتِيَ) بالبناء للمفعول (فِيهَا) أي بسببها (النَّبِيُّ) بالرفع عَلَى أنه نائب فاعل "أُتي" ( ﷺ ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ بِالدِّيَةِ، وَفِي الْجَنِينِ غُرَّةً) قَالَ القرطبيّ: وهذا نصّ فِي أن الغرّة تقوم بها العاقلة، وبه قَالَ الكوفيّون، والشافعيّ، وهو أحد قولي مالك. وقيل: عَلَى الجاني، وهو المشهور منْ قول مالك، وقاله أهل البصرة.

стр. 17471

واختلفوا، هل تلزمه الكفّارة مع الغرّة، أم لا؟، قولان: الأول لمالك. انتهى. (فَقَالَ عَصَبَتُهَا: أَدِي) مضارع وَدَى القاتل القتيل، منْ باب ضرب: إذا أعطى وليّه المال الذي هو بدل النفس (مَنْ لَا طَعِمَ) بكسر العين المهملة، منْ باب تَعِب (وَلَا شَرِبَ) بكسر الراء، بوزن سابقه (وَلَا صَاحَ) أي رفع صوته عند الولادة (فَاسْتَهَلَّ) أي فيقال: إنه استهلّ، ولابُدّ منْ تقدير مثل ذلك، والاستهلال هو الصياح عند الولادة، فلا يصحّ أن يُعطف عليه بالفاء، فيُتأمّل. قاله السنديّ (فَمِثْلُ هَذَا يُطَلُّ) مبتدأ وخبر، أي مثل هَذَا الجنين الذي سقط ميتا يهُدر دمه، ولا يستحقّ الضمان (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الأَعْرَابِ) الهمزة للاستفهام الإنكاريّ، و"سجعٌ" بالرفع خبر لمقدّر: أي أي أهذا سجعٌ مثلُ سَجع الأعراب؟. والسجع -بفتح، فسكون: الكلام المقَفَّى، أو موالاة الكلام عَلَى رويّ، جمعه أَسجاعٌ، كالأسجوعة بالضمّ، جمعه أَساجيع، وكمنع: نطق بكلام له فواصل، فهو سجّاعةٌ، وسجعت الحمامة: ردّدت صوتها، فهي ساجعةٌ، وسجوعٌ. قاله فِي "القاموس". [تنبيه]: أخرج الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى حديث المغيرة بن شعبة ﵁ هَذَا فِي "صحيحه" منْ طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عنه، ولفظه فِي "الديات": ٦٥٠٩ - حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا هشام، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة، عن عمر ﵁: أنه استشارهم فِي إملاص المرأة، فَقَالَ المغيرة: "قضى النبيّ ﷺ بالغرة، عبد: أو أمة، فشهد محمد بن مسلمة، أنه شهد النبيّ ﷺ قضى به". ٦٥١٠ - حدثنا عبيد الله بن موسى، عن هشام، عن أبيه، أن عمر نَشَدَ النَّاس، منْ سمع النبيّ ﷺ ، قضى فِي السقط؟ فَقَالَ المغيرة: أنا سمعته قضى فيه بغرة: عبد، أو أمة، قَالَ: ائت بمن يشهد معك عَلَى هَذَا، فَقَالَ محمد بن مسلمة: أنا أشهد عَلَى النبيّ ﷺ بمثل هَذَا. ولفظه فِي "فِي كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة": ٧٣١٧ - حدثنا محمد أخبرنا أبو معاوية، حدثنا هشام، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة، قَالَ: سأل عمر بن الخطاب، عن إملاص المرأة، وهي التي يُضرب بطنها، فتُلقِي جنينا؟ فَقَالَ: أيكم سمع منْ النبيّ ﷺ فيه شيئا؟ فقلت: أنا، فَقَالَ: ما هو؟ قلت: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "فيه غرة: عبدٌ، أو أمة"، فَقَالَ: لا تَبْرَح حَتَّى تجيئني بالمخرج فيما قلت، فخرجت، فوجدت محمد بن مسلمة، فجئت به، فشهد معي أنه سمع النبيّ ﷺ ، يقول: "فيه غرهّ: عبدٌ، أو أمةٌ".

стр. 17472

قَالَ فِي "الفتح": قوله: "فِي إملاص المرأة" فِي رواية البخاريّ فِي "الاعتصام" منْ طريق أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن المغيرة: "سأل عمر بن الخطاب فِي إملاص المرأة، وهي التي تُضرب بطنها، فتلقي جنينها، فَقَالَ: أيُّكم سمع منْ النبيّ ﷺ فيه شيئا"، وهذا التفسير أخص، منْ قول أهل اللغة: إن الإملاص أن تُزلِقَه المرأة قبل الولادة، أي قبل حين الولادة، هكذا نقله أبو داود فِي "السنن" عن أبي عبيد، وهو كذلك فِي "الغريب" له، وَقَالَ الخليل: أملصت المرأة، والناقة: إذا رمت ولدها. وَقَالَ ابن القطاع: أملصت الحامل: ألقت ولدها. ووقع فِي بعض الروايات: "ملاص" بغير ألف، كأنه اسم فعل الولد، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، أو اسم لتلك الولادة، كالْخِدَاج. ووقع عند الإسماعيلي منْ رواية ابن جريج، عن هشام، قَالَ هشام: الملاص للجنين، وهذا يتخرج أيضا عَلَى الحذف، وَقَالَ صاحب "البارع": الإملاص: الإسقاط، وإذا قبضت عَلَى شيء، فسقط منْ يدك، تقول: أملص منْ يدي إملاصا، وملص ملصا. وقوله: "فشهد محمد بن مسلمة، أنه شهد النبيّ ﷺ قضى به"، كذا فِي رواية وهيب مختصرا، وفي رواية ابن عيينة: "فَقَالَ عمر: منْ يشهد معك، فقام محمد، فشهد بذلك"، وفي رواية وكيع: "فَقَالَ ائثني بمن يشهد معك، فجاء محمد بن مسلمة، فشهد له"، وفي رواية أبي معاوية: "فَقَالَ: لا تبرح حَتَّى تجيء بالمخرج مما قلت، قَالَ: فخرجت، فوجدت محمد بن مسلمة، فجئت به، فشهد معي، أنه سمع النبيّ ﷺ ، قضى به". انتهى "فتح" ١٤/ ٢٤٥ - ٢٤٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث المغيرة بن شعبة ﵁ بهذا السياق متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٣٩/ ٤٨٢٣ و٤٠/ ٤٨٢٤ و٤٨٢٥ و٤٨٢٦ و٤٨٢٧ و٤٨٢٨ و٤٨٢٩ - وفي "الكبرى" ٣٨/ ٧٠٢٥ و٣٩/ ٧٠٢٦ و٧٠٢٧ و٧٠٢٨ و٧٠٢٩ و٧٠٣٠ و٧٠٣١. وأخرجه (خ) فِي "الديات" ٦٩٠٥ و٦٩٠٦ و٦٩٠٧ و"الاعتصام" ٧٣١٧ (م) فِي "القسامة" ١٦٨٢ و١٦٨٣ (د) فِي "الديات" ٤٥٦٨ و٤٥٧٠ (ت) فِي "الديات" ١٤١١ (ق) فِي "الديات" ٢٦٣٣ و٢٦٤٠ (أحمد) فِي "مسند الكوفيين" ١٧٦٧٠ و١٧٦٧١ و١٧٦٧٢ و١٧٧٤٨ (الدارمي) فِي "المقدمة" ٦٤٠ و"الديات" ٢٢٧٤. والله تعالى أعلم.

стр. 17473

(المسألة الثالثة): فِي فوائده (١): (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان وجوب دية جنين المرأة، إذا سقط ميتًا. قَالَ الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: الْحَدِيث أصل فِي إثبات دية الجنين، وأن الواجب فيه غرة، إما عبد، وإما أمة، وذلك إذا ألقته ميتا بسبب الجناية، وتَصَرَّف الفقهاءُ بالتقييد فِي سن الغرة، وليس ذلك منْ مقتضى الْحَدِيث، كما تقدم. (ومنها): أن فِي استشارة عمر ﵁ فِي ذلك أصل فِي سؤال الإمام عن الحكم، إذا كَانَ لا يعلمه، أو كَانَ عنده شك، أو أراد الاستثبات. (ومنها): أن فيه أن الوقائع الخاصة قد تَخفَى عَلَى الأكابر، ويعلمها منْ دونهم، وفي ذلك رَد عَلَى المقلد، إذا استُدِلَّ عليه بخبر يخالفه، فيُجِيب لو كَانَ صحيحا لعلمه فلان مثلا، فان ذلك إذا جاز خفاؤه عن مثل عمر ﵁، فخفاؤه عن منْ بعده أجوز. (ومنها): أنه قد تعلق بقول عمر ﵁ لتأتين بمن يشهد معك، مَن يَرَى اعتبار العدد فِي الرواية، ويَشتَرِط أنه لا يُقبل أقل منْ اثنين، كما فِي غالب الشهادات، وهو ضعيف، كما قَالَ ابن دقيق العيد، فإنه قد ثبت قبول الفرد فِي عدة مواطن، وطلب العدد فِي صورة جزئية، لا يدل عَلَى اعتباره فِي كل واقعة؛ لجواز المانع الخاص بتلك الصورة، أو وجود سبب يقتضي التثبت، وزيادةَ الاستظهار، ولاسيما إذا قامت قرينة، وقريب منْ هَذَا قصة عمر ﵁ مع أبي موسى ﵁ فِي الاستئذان، وَقَدْ صرح عمر ﵁ فِي قصة أبي موسى ﵁ بأنه أراد الاستثبات. (ومنها): أن قوله: "فِي إملاص المرأة" أصرح فِي وجوب الانفصال ميتا، منْ قوله فِي حديث أبي هريرة ﵁: "قضى فِي الجنين"، وَقَدْ شرط الفقهاء فِي وجوب الغرة انفصال الجنين ميتا بسبب الجناية، فلو انفصل حيا، ثم مات وجب فيه القوَدُ، أو الدية كاملة، ولو ماتت الأم، ولم ينفصل الجنين، لم يجب شيء عند الشافعيّة؛ لعدم تيقن وجود الجنين، وعلى هَذَا هل المعتبر نفس الانفصال، أو تحقق حصول الجنين، فيه وجهان: أصحهما الثاني، ويظهر أثره فيما لو قُدَّت نصفين، أو شق بطنها، فشوهد الجنين، وأما (٢) إذا خرج رأس الجنين مثلا بعدما ضرب، وماتت الأم، ولم ينفصل. قَالَ ابن دقيق العيد: ويحتاج منْ قَالَ ذلك إلى تأويل الرواية، وحملها عَلَى أنه

стр. 17474

انفصل، وان لم يكن فِي اللفظ ما يدل عليه. قَالَ الحافظ: وقع فِي حديث ابن عباس عند أبي داود: "فأسقطت غلاما، قد نبت شعره ميتا"، فهذا صريح فِي الانفصال، ووقع مجموع ذلك فِي حديث الزهريّ، ففي رواية عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الماضية فِي "الطب": "فأصاب بطنها، وهي حامل، فقتل ولدها فِي بطنها"، وفي رواية مالك فِي هَذَا الباب: "فطرحت جنينها". (ومنها): أنه استُدلَّ به عَلَى أن الحكم المذكور خاص بولد الحرة؛ لأن القصة وردت فِي ذلك، وقوله: "فِي إملاص المرأة"، وان كَانَ فيه عموم، لكن الراوي ذكر أنه شهد واقعة مخصوصة، وَقَدْ تصرف الفقهاء فِي ذلك، فَقَالَ الشافعيّة: الواجب فِي جنين الأمة عشر قيمة أمه، كما أن الواجب فِي جنين الحرة عشر ديتها. (ومنها): أنه استُدلّ به أيضًا عَلَى أن الحكم المذكور خاص بمن يُحكَم بإسلامه، ولم يتعرض لجنين محكوم بتهوده، أو تنصره، ومن الفقهاء منْ قاسه عَلَى الجنين المحكوم بإسلامه تبعا، وليس هَذَا منْ الْحَدِيث. (ومنها): أن فيه أن القتل المذكور لا يَجري مجرى العمد. (ومنها): أنه استُدِلّ به عَلَى ذم السجع فِي الكلام، ومحل الكراهة، إذا كَانَ ظاهر التكلف، وكذا لو كَانَ منسجما، لكنه فِي إبطال حق، أو تحقيق باطل، فأما لو كَانَ منسجما، وهو فِي حق، أو مباح، فلا كراهة، بل ربما كَانَ فِي بعضه ما يستحب، مثل أن يكون فيه إذعان مخالف للطاعة، كما وقع لمثل القاضي الفاضل (١) فِي بعض رسائله، أو إقلاعٌ عن معصية، كما وقع لمثل أبي الفرج ابن الجوزي، فِي بعض مواعظه، وعلى هَذَا يُحمل ما جاء عن النبيّ ﷺ ، وكذا منْ غيره منْ السلف الصالح. قَالَ الحافظ: والذي يظهر لي، أن الذي جاء منْ ذلك عن النبيّ ﷺ ، لم يكن عن قصد إلى التسجيع، وإنما جاء اتفاقا؛ لعظم بلاغته، وأما منْ بعده فقد يكون كذلك، وَقَدْ يكون عن قصد، وهو الغالب، ومراتبهم فِي ذلك متفاوتة جدا. ذكره فِي "الفتح" ١٤/ ٢٤٦ - ٢٤٧. (ومنها): ما قاله ابن بطال رحمه الله تعالى: لا يجوز للقاضي الحكم إلا بعد طلب حكم الحادثة منْ الكتاب، أو السنة، فإن عَدِمه رجع إلى الإجماع، فان لم يجده، نظر هل يصح الحمل عَلَى بعض الأحكام المقررة، لعلة تجمع بينهما، فإن وجد ذلك لزمه القياس عليها، إلا إن عارضتها علة أخرى، فيلزمه الترجيح، فإن لم يجد علة، استدل

стр. 17475

بشواهد الأصول، وغلبة الاشتباه، فإن لم يتوجه له شيء منْ ذلك، رجع إلى حكم العقل، قَالَ: هَذَا قول ابن الطيب -يعني أبا بكر الباقلاني- ثم أشار إلى إنكار كلامه الأخير بقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية: [الأنعام: ٣٨]، وَقَدْ علم الجميع بأن النصوص، لم تحط بجميع الحوادث، فعرفنا أن الله قد أبان حكمها، بغير طريق النص، وهو القياس، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ الآية [النِّساء: ٨٣]؛ لأن الاستنباط هو الاستخراج، وهو بالقياس؛ لأن النص ظاهر، ثم ذَكَر فِي الرد عَلَى منكري القياس، وألزمهم التناقض؛ لأن منْ أصلهم إذا لم يوجد النص الرجوع إلى الإجماع، قَالَ: فيلزمهم أن يأتوا بالإجماع عَلَى ترك القول بالقياس، ولا سبيل لهم إلى ذلك، فوضح أن القياس إنما ينكر، إذا استُعمل مع وجود النص، أو الإجماع، لا عند فقد النص والإجماع. وبالله التوفيق. ذكره فِي "الفتح" فِي "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة" ١٥/ ٢٣٤ رقم ٧٣١٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٤٠ - (صِفَةِ شِبْهِ الْعَمْدِ، وَعَلَى مَنْ دِيَةُ الأَجِنَّةِ، وَشِبْهِ الْعَمْدِ؟) أي هَذَا باب ذكر الأحاديث الدالة عَلَى صفة شبه العمد، وعلى أي شخص تجب دية الأجنّة، ودية شبه العمد. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر صنيع المصنّف رحمه الله تعالى هَذَا يقتضي أنه يرى أن قتل هذه المرأة، وجنينها المذكور فِي حديث الباب منْ قسم شبه العمد، لا منْ العمد، وهذا مخالف لما سبق له منْ الاحتجاج به عَلَى وجوب القصاص فِي باب "قتل المرأة بالمرأة" ١١/ ٤٧٤١ - والذي يظهر لي أن ما هنا هو الأصحّ؛ لأن زيادة: "وأن تُقتل بها" لم ترو إلا منْ رواية ابن جريج، عن عمرو بن دينار، وخالف سفيان بن عيينة، فلم يذكرها، قَالَ المنذري فِي "مختصر السنن": قوله: "وأن تُقتل" لم يُذكر فِي غير هذه الرواية، وَقَدْ روي عن ابن دينار أنه شكّ فِي قتل المرأة بالمرأة. انتهى.

стр. 17476

والحاصل أن هذه الزيادة غير ثابتة؛ لأمور: [أحدها]: أن ابن جريج خالف ابن عيينة فِي ذكرها، وابن عيينة أثبت منه، كما نصّ عَلَى ذلك أحمد، وابن معين، وابن المدينيّ، وأبو حاتم رحمهم والله تعالى، كما أوضح ذلك الحافظ ابن رَجَب رحمه الله تعالى فِي "شرح علل الترمذيّ" ص ٢٧٤. وَقَدْ أشرت إلى ذلك فِي "ألفية العلل"، حيث قلت: وَابْنُ عُيَينَةَ بِعَمْرو أَعْلَمُ … كَمَا بِهِ جُلُّ الْوُعَاةِ حَكَمُوا [ثانيها]: أنه اختلُف فيه عَلَى ابن جريج، فقد راوه بعضهم عنه، ولم يذكرها، كما ذكر ذلك ابن بطّال عن بعض شيوخه، فِي كلامه الآتي، إن شاء الله تعالى. [ثالثها]: أن عمرو بن دينار كَانَ يشك فِي قتل المرأة بالمرأة، فلو كَانَ الرواية ثابتةً لما شك فيه. [رابعها]: أن هذه القصّة رويت فِي "الصحيحين"، وفي غيرهما منْ طرق مختلفة، وليس فِي شيء منها ذكر قتل المرأة أصلاً، كما أشار إليه المنذري رحمه الله تعالى، فدلّ ذلك كله عَلَى أن الزيادة غير ثابتة. فتبيّن بهذا أن الصواب أن قتل المرأة المذكورة فِي حديث الباب منْ نوع شبه العمد، لا منْ العمد، وأن استدلال المصنّف به عَلَى ما ترجم له هنا هو الصواب، بخلاف ما سبق له منْ الاحتجاج به عَلَى وجوب القصاص فِي قتل المرأة بالمرأة، وَقَدْ سبق بيان ذلك فِي ١١/ ٤٧٤١ - بحمد الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب. وأما قوله: (وَذِكْرِ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ النَّاقِلِينَ لِخَبَرِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نُضَيْلَةَ عَنِ الْمُغِيرَةِ ﵁). فوجه ذلك أنه اختُلف عَلَى إبراهيم النخعيّ، فرواه منصور بن المعتمر عنه، عن عُبيد ابن نُضيلة، عن المغيرة ﵁ موصولاً، وخالفه الأعمش، فرواه عنه، قَالَ: ضربت امرأة ضرّتها بحجر، وهي حبلى، فقتلتها، فجعل رسول الله ﷺ ما فِي بطنها غرّة … الْحَدِيث، فجعله مرسلاً، ولكن هَذَا الاختلاف لا يضرّ فِي صحّة الْحَدِيث؛ لأن منصورًا ثقة ثبت حافظ، فترجح روايته عَلَى رواية الأعمش، ولهذا أخرجها مسلم فِي "صحيحه". والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٨٢٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نُضَيْلَةَ الْخُزَاعِيِّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: ضَرَبَتِ امْرَأَةٌ ضَرَّتَهَا بِعَمُودِ الْفُسْطَاطِ، وَهِيَ حُبْلَى، فَقَتَلَتْهَا، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، دِيَةَ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ، وَغُرَّةً لِمَا فِي بَطْنِهَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ: أَنَغْرَمُ دِيَةَ مَنْ لَا أَكَلْ، وَلَا شَرِبَ، وَلَا

стр. 17477

اسْتَهَلّ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الأَعْرَابِ، فَجَعَلَ عَلَيْهِمُ الدِّيَةَ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن قُدامة": هو ابن أعين الهاشميّ مولاهم الْمِصّيصيّ، ثقة [١٠] ١٩/ ٥٢٨ منْ أفراد المصنّف، وأبي داود. و"جرير": هو ابن عبد الحميد. و"منصور": هو ابن العتمر. و"إبراهيم": هو ابن يزيد النخعيّ. وقوله: "فَقَالَ رجل الخ": تقدّم فِي حديث أبي هريرة ﵁ أنه حمل بن مالك ﵁. وقوله: "أنغرم" يحتمل أن يكون بفتح الراء، مضارع غَرِم، يقال: غَرِمتُ الدينَ، وغيره أغرَمُ، منْ باب تعِبَ، غُرْمًا بالضم، ومَغْرمًا بالفتح، وغَرامة بالفتح أيضًا: إذا أدّته، ويحتمل أن يكون بتشديدها، مبنيًّا للمفعول. والحديث متّفقٌ عليه، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله فِي الْحَدِيث الذي قبله، وَقَدْ سبق آنفاً أن استدلال المصنّف به عَلَى ما ترجم له هنا صحيح، بخلاف استدلاله به عَلَى سبق له فِي باب ١١/ ٤٧٤١ - "قتل المرأة بالمرأة"، وذلك أن الْحَدِيث فيه بيان صفة شبه العمد، وأن ديته، ودية الجنين عَلَى عصبة القاتلة. قَالَ الإمام ابن بطّال رحمه الله تعالى فِي "شرح البخاريّ": وفي هَذَا الْحَدِيث حجة لمن أوجب دية شبه العمد عَلَى العاقلة، وهو قول الثوريّ، والكوفيين، والشافعيّ، قالوا: منْ قتل إنسانًا بعصًى، أو حجر، أو شبهه، مما يمكن أن يموت به القتيل، ويمكن ألا يموت، فمات منْ ذلك أن فيه الدية عَلَى عاقلة القاتل، كما حكم النبيّ ﷺ فِي هَذَا القضيّة بدية المرأة عَلَى عاقلة القاتلة، قالوا: وهذا شبه العمد، والدية مغلّظة، ولا قَوَد فيه. وأنكر مالك، والليث شبه العمد، وَقَالَ مالك: هو باطلٌ، فكلّ ما عُمد به القتل، فهو عمدٌ، وفيه القوَد، والحجة لهم ما روى أبو عاصم النبيل، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عبّاس، عن عمر ﵃: أنه نشد النَّاس ما قضى به رسول الله ﷺ فِي الجنين، فقام حمل بن مالك ﵁، فَقَالَ: كنت بين امرأتين، فضربت إحداهما الأخرى بمِسطَح، فقتلتها، وجنينها، فقضى رسول الله ﷺ فِي جنينها بغرّة، وأن تُقتل المرأة". قالوا: وهذا مذهب عمر بن الخطّاب ﵁، روي عنه أنه قَالَ: يعمد أحدكم، فيضرب أخاه بمثل أكلة اللحم -قَالَ الحجاج-: يعني العصا، ثم يقول: لا قود عليّ، لا أوتى بأحد فعل ذلك، إلا أقدته. قَالَ ابن بطّال: فسألت بعض شيوخي عن حديث ابن جريج، عن عمرو بن دينار،

стр. 17478

فَقَالَ: الأحاديث التي أخرجها البخاريّ التي جاء فيها الدية عَلَى العاقلة أصحّ منه؛ لأن ابن عيينة قد رواه عن عمرو بن دينار، ولم يذكر فيه قتل المرأة الضاربة بالمسطح، وكذلك رواه الحميديّ عن هشام بن سليمان المخزوميّ، عن ابن جُريج، مثل رواية ابن عيينة، ولم يذكر فيه قتل المرأة، ورَوَى شعبة، عن قتادة، عن أبي المليح، عن حمَل بن مالك بن النابغة، قَالَ: "كانت لي امرأتان، فضربت إحداهما الأخرى بحجر، فأصابتها، فقتلتها، وهي حامل، فألقت جنينًا، وماتت، فقضى رسول الله ﷺ بالدية عَلَى العاقلة، وقضى فِي الجنين بغرّة: عبدٍ، أو أمة". قَالَ الطحاويّ: فلما اضطرب حديث حمل بن مالك، كَانَ بمنزلة ما لم يرد فيه شيء، وثبت ما روى أبو هريرة، والمغيرة فيها، وهو نفي القصاص، ولَمّا ثبت أن النبيّ ﷺ جعل دية المرأة عَلَى العاقلة، ثبت أن دية شبه العمد عَلَى العاقلة. وَقَدْ رُوي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قَالَ: شبه العمد بالعصا، والحجر الثقيل، وليس فيهما قَوَد. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي ادّعاه الطحاويّ منْ اضطراب حديث حمل ابن مالك ﵁ فيه نظرٌ لا يخفى، فإن الْحَدِيث ليس فيه اضطراب يوجب اطّراحه، فإن شرط الاضطراب أن لا يمكن ترجيح بعض الروايات عَلَى بعضها، وإلا فيُؤخذ بالراجح، ويطرح المرجوح، وما هنا كذلك، فقد تقدّم أن زيادة "وأن تُقتل المرأة" ليست ثابتة؛ لما أسلفناه منْ الأدلة، وإنما الثابت أنه ﷺ قضى عَلَى عصبة القاتلة بدية المرأة، وغرّة جنينها، كما هو الثابت فِي حديث أبي هريرة، والمغيرة بن شعبة، رضي الله تعالى عنهما، فتبصّر، ولا تتحيّر. والله تعالى أعلم. قَالَ: وَقَدْ تأول الأصيليّ حديث أبي هريرة، والمغيرة رضي الله تعالى عنهما عَلَى مذهب مالك، فَقَالَ: يحتمل أن يكون لَمّا وجب قتل المرأة، تطوّع قومها عاقلتُها ببذل الدية لأولياء المقتولة، ثم ماتت القاتلة، فقبل أولياء المقتولة الدية، وَقَدْ يكون ذلك قبل موتها، فقضى عليهم النبيّ ﷺ بأداء ما تطوّعوا به إلى ألياء المقتولة. انتهى كلام ابن بطال فِي "شرح البخاريّ" ٨/ ٥٥٥ - ٥٥٦. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: تأويل الأصيلي المذكور غير مقبول؛ لأنه خلاف ظواهر النصوص، فإنها واضحة فِي كونه ﷺ قضى عليهم بالدية؛ لكونه شبه عمد، لا لكونه عمدًا، تطوّع العاقلة ببذله، وأيضا أنهم إذا تطوّعوا لا حاجة إلى قضائه ﷺ عليهم، فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّر بالاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 17479

٤٨٢٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نُضَيْلَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَنَّ ضَرَّتَيْنِ ضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ، فَقَتَلَتْهَا، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالدِّيَةِ، عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ، وَقَضَى لِمَا فِي بَطْنِهَا بِغُرَّةٍ، فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: تُغَرِّمُنِي مَنْ لَا أَكَلْ، وَلَا شَرِبَ، وَلَا صَاحَ، فَاسْتَهَلّ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلّ، فَقَالَ: "سَجْعٌ كَسَجْعِ الْجَاهِلِيَّةِ؟ "، وَقَضَى لِمَا فِي بَطْنِهَا بِغُرَّةٍ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عبد الرحمن": هو ابن مهدي. و"سفيان": هو الثوريّ. وقوله: "فَقَالَ الأعرابيّ": هو حمل بن مالك ﵁، وهو زوج المرأة، ولعله سماه أعرابيّا لمشابهته الأعراب فِي مراجعته النبيّ ﷺ بقوله: "تُغرِّمني الخ"، فإن هَذَا منْ عادة الأعراب؛ لما فيهم منْ الجفاء، والبعد عن التعليم الإسلاميّ، كما وصفهم والله بذلك، فِي قوله: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ٩٧]، وأما الصحابة ﵃ فإنهم أجلّ قدرًا، وأعظم منزلة منْ أن يعترضوا عدى رسول الله ﷺ فِي حكمه، وقضائه، بل كَانَ هديهم التسديم، والرضى، طاعةً، وانقيادًا، وتسليمًا لقوله : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النِّساء: ٦٥]. ويحتمل أن يكون الأعرابيّ، أباها، أو أخاها، أو عفها، كما سبق اختلاف الروايات فِي القائل، ففي بعضها أنه أبوها (١)، وفي بعضها أنه أخوها، وفي بعضها أنه زوجها، وهو حمل بن ابن مالك ﵁. وقوله: ""تُغرِّمني" بتشديد الراء، مبنيّا للفاعل. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٨٢٦ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نُضَيْلَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: ضَرَبَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي لِحْيَانَ، ضَرَّتَهَا بِعَمُودِ الْفُسْطَاطِ فَقَتَلَتْهَا، وَكَانَ بِالْمَقْتُولَةِ حَمْلٌ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ بِالدِّيَةِ، وَلِمَا فِي بَطْنِهَا بِغُرَّةٍ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عليّ بن سعيد بن مسروق": هو الكنديّ الكوفيّ، صدوق [١٠] ٣٤/ ٤٨٠. و"إسرائيل": هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ

стр. 17480

الثقة الثبت. وقوله: "وكان بالمقتولة حمل" -بفتح، فسكون-: أي كانت تلك المرأة المضروبة حاملاً، فخرج حملها ميتًا. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٨٢٧ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نُضَيْلَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَنَّ امْرَأَتَيْنِ، كَانَتَا تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ، فَأَسْقَطَتْ فَاخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالُوا: كَيْفَ نَدِي مَنْ لَا صَاحَ وَلَا اسْتَهَلّ، وَلَا شَرِبَ وَلَا أَكَلْ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الأَعْرَابِ؟ "، فَقَضَى بِالْغُرَّةِ عَلَى عَاقِلَةِ الْمَرْأَةِ). قَالَ الجامع عفا اللَّهَ تعالى عنه: "عبد الله": هو ابن المبارك. وقوله: "كانتا تحت رجل": هو حمَلُ بن مالك ﵁، كما سبق. وقوله: "فقالوا": الضمير لعصبة القاتلة الذين قُضي عليهم بالدية. والحديث متّفقٌ عليه. كما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٨٢٨ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نُضَيْلَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَنَّ رَجُلاً مِنْ هُذَيْلٍ، كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى، بِعَمُودِ الْفُسْطَاطِ، فَأَسْقَطَتْ، فَقِيلَ: أَرَأَيْتَ مَنْ لَا أَكَلْ، وَلَا شَرِبَ، وَلَا صَاحَ فَاسْتَهَلّ؟، فَقَالَ: "أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الأَعْرَابِ؟ "، فَقَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ، وَجُعِلَتْ عَلَى عَاقِلَةِ الْمَرْأَةِ: أَرْسَلَهُ الأَعْمَشُ). قَالَ الجامع عفا الله تعالي عنه: "أبو داود": هو الطيالسيّ, سليمان بن داود بن الجارود البصريّ الثقة الثبت. وقوله: "أن رجلاً" تقدم أنه حمل بن مالك ﵁. وقوله: "كَانَ له امرأتان": تقدم أن إحداهما هذليّة، والأخرى عامريّة، وفي حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: أن اسم إحداهما مُليكة، والأخرى أم غُطيف -بضم الغين المعجمة، وفتح الطاء المهملة-، وقيل: أم عَفيف -بفتح العين المهملة، وكسر الفاء، أفاده المنذريّ فِي "مختصر السنن" ٦/ ٣٦٨. وقوله: "فرمت إحداهما الأخرى" تقدّم أن الضاربة هي الهذليّة، والمضروبة هى العامريّة.

стр. 17481

وقوله: "وجُعلت عَلَى عاقلة المرأة" صريح فِي أن الغرّة تتحمّلها العاقلة، وهذا هو القول الراجح منْ أقوال العلماء فِي ذلك، كما سبق إيضاحه. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٨٢٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُصْعَبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ضَرَبَتِ امْرَأَةٌ ضَرَّتَهَا بِحَجَرٍ، وَهِىَ حُبْلَى، فَقَتَلَتْهَا، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا فِي بَطْنِهَا غُرَّةً، وَجَعَلَ عَقْلَهَا عَلَى عَصَبَتِهَا، فَقَالُوا: نُغَرَّمُ مَنْ لَا شَرِبَ، وَلَا أَكَلْ، وَلَا اسْتَهَلّ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلّ، فَقَالَ: "أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الأَعْرَابِ؟ هُوَ مَا أَقُولُ لَكُمْ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "مصعب": هو ابن المقدام الْخَثْعميّ مولاهم، أبو عبد الله الكوفيّ، صدوق، له أوهام [٩] ٤٩/ ٢٧٢٠. و"داود": هو ابن نُصير أبو سليمان الطائيّ الكوفيّ، ثقة فقيهٌ، زاهد [٨] ٧٤/ ١٠٠٣. وقوله: "وجعل ما فِي بطنها غُرّةٌ" هو عَلَى حذف مضاف: أي دية ما فِي بطنها. وقوله: "نُغرَّم" بتشديد الراء، مبنيًا للمفعول. وقوله: "هو ما أقول لكم": أي الحكم ما ذكرته لكم، منْ كون غرّة الجنين عليكم. والحديث مرسلٌ صحيح بما سبقه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٨٣٠ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ أَسْبَاطٍ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَتِ امْرَأَتَانِ جَارَتَانِ، كَانَ بَيْنَهُمَا صَخَبٌ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَأَسْقَطَتْ غُلَامًا، قَدْ نَبَتَ شَعْرُهُ مَيْتًا، وَمَاتَتِ الْمَرْأَةُ، فَقَضَى عَلَى الْعَاقِلَةِ الدِّيَةَ، فَقَالَ عَمُّهَا: إِنَّهَا قَدْ أَسْقَطَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ غُلَامًا، قَدْ نَبَتَ شَعْرُهُ، فَقَالَ أَبُو الْقَاتِلَةِ: إِنَّهُ كَاذِبٌ، إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا اسْتَهَلّ، وَلَا شَرِبَ، وَلَا أَكَلْ، فَمِثْلُهُ يُطَلّ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَكِهَانَتِهَا؟ إِنَّ فِي الصَّبِيِّ غُرَّةً"، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَتْ إِحْدَاهُمَا مُلَيْكَةَ، وَالأُخْرَى أُمَّ غَطِيفٍ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أحمد بن عثمان بن حكيم": هو الأوديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة [١١] ١٦٠/ ٢٥٢. "عمرو": هو ابن محمد العَنقَزيّ -بفتح العين المهملة، والقاف، بينهما نون ساكنة، آخره زاي-، أبو سعيد الكوفيّ، ثقة [٩] ٦٠/ ١٧٨٢. و"أسباط": هو ابن نَصْر الْهَمْدانيّ، أبو يوسف، أو أبو نصر الكوفيّ، صدوقٌ، كثير الخطإ، ويُغْرب [٨] ١٤/ ٤٠٩. و"سماك": هو ابن حرب بن أوس بن

стр. 17482

خالد الذُّهْليّ البكريّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ، وروايته عن عكرمة خاصّة مضطربةٌ، وَقَدْ تغيّر بآخره، فكان ربما يُلقَّن [٤] ٢/ ٣٢٥. و"عكرمة": هو مولى ابن عبّاس البربريّ المدنيّ، الثقة الثبت العالم بالتفسير [٣] ٢/ ٣٢٥. والله تعالى أعلم. وقوله: "جارتان": أي ضرّتان، قَالَ الفيّوميّ: والجارة: الضرّة، قيل لها: جارة؛ استكراهًا للفظ الضرة، وكان ابن عبّاس ينام بين جارتيه: أي زوجتيه. انتهى. وَقَالَ ابن منظور: الجارة: الضرّة، منْ المجاورة بينهما، وفي حديث أمّ زرع: "مِلء كسائها، وغَيْظُ جارتها": أي أنها ترى حُسنها، فتَغِيظها بذلك، ومنه الْحَدِيث: "كنتُ بين جارتين لي": أي ضرّتين، وحديث عمر ﵁ عند البخاريّ، قَالَ لحفصة رضي الله تعالى عنها: لا يَغُرّنّكِ أن كانت جارتك هي أوسم منك": يعني عائشة ﵂. انتهى "لسان العرب" ٤/ ١٥٣. وقوله: "كَانَ بينهما صَخَبٌ" -بفتحتين: أي ارتفاع صوت، ومخاصمة. قَالَ الفيّوميّ: صَخِبَ صَخَبًا، منْ باب تَعِبَ، ورجلٌ صَخِبٌ، وصاخبٌ، وصَخّابٌ، وصَخْبَانُ: أي كثير اللَّغَط، والْجَلَبَة، والمرأة صَخْبَى، وبالهاء فِي الثاني، وإبدال الصاد سينًا لغةٌ، وسمعتُ اصطخاب الطير: أي أصواتها. انتهى. وقوله: "وكهانتها" -بفتح الكاف: مصدر كَهَن، منْ باب فتح، ونصر، وكرم: إذا قضى له بالغيب، وبكسر الكاف: الصناعة. وقوله: "كَانَ إحداهما مُليكة، والأخرى أم غُطيف": قَالَ المنذريّ فِي "مختصر السنن" ٦/ ٣٦٨: و"غُطيف" -بضمّ الغين المعجمة، وفتح الطاء المهملة، وسكون الياء آخر الحروف، وفاء-، ويقال: أم عَفِيف -بعين مهملة مفتوحة، وفاء مكسورة، وياء آخر الحروف، ساكنة، وفاء أخرى-. و"مُليكة" -بضم الميم، وفتح اللام، وسكون الياء آخر الحروف، وكاف مفتوحة، وتاء تأنيث. انتهى كلام المنذريّ. وَقَالَ فِي "الإصابة" فِي حرف الميم: مُليكة بنت عُويمر الْهُذليّة، وقيل: بنت عُوَيم بغير راء، وتُكنى أم عَفيف، وقيل: أم غُطيف، والأول المعتمد، والثاني وقع فِي كلام أبي عمر، فهو تصحيفٌ. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: فِي دعواه التصحيف لما وقع عند أبي عمر نظرٌ، لا يخفى، لأنه هو الذي وقع فِي رواية النسائيّ هنا، وكذا عند أبي داود فِي "سننه" رقم ٤٥٧٤، فكيف يكون تصحيفًا؟ فتبصّر. وَقَالَ فِي باب الكنى: أم عَفيف، ويقال: أم غُطيف بنت مسروح الهُذليّة، زوج حمَل ابن مالك الْهُذَليّ، تقدم ذكرها فِي مُليكة. ثم قَالَ فِي الغين المعجمة-: أم غطيف

стр. 17483

الهذليّة، فِي أم عَفيف فِي العين المهملة. انتهى. "الإصابة" ١٣/ ١٣٥ و٢٥٤. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي ذكره فِي "الإصابة" يدلّ عَلَى أن مليكة هي التي وقع الاختلاف فِي كنيتها، هل هي أم غطيف، أو أم عَفيف، وهذا بعيد جدًّا، فإن الاختلاف أنما هو فِي كنية المرأة الأخرى، لا فِي كنية مُليكة، فتبصر. وَقَالَ السنديّ فِي "شرحه": وذكر القسطلاني فِي "الديات"، ورواية البيهقيّ، وأبي نعيم فِي "المعرفة" عن ابن عباس أن المرأة الأخرى أم غُطيف، وذكر أن الذي فِي "مسند أحمد"، والطبرانيّ أن الرامية أم عَفِيف. انتهى. وَقَالَ السيوطيّ فِي "شرحه": المعروف أم عَفيف بنت مسروح، زوج حمل بن مالك، كذا فِي "مبهمات الخطيب"، و"أسد الغابة"، ولم يذكر فِي الصحابيّات منْ اسمها أم غُطيف. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا غريب منْ السيوطيّ، فإن أراد أم عطيف بالعين المهملة، فليس أحد قَالَ ذلك، حَتَّى يردّ عليه بما قاله، وإن أراد بالغين المعجمة، فقد ثبت عند المصنّف هنا، وكذا فِي "سنن أبي داود"،، وفي "الإصابة"، كما أسلفته، وفي "الاستيعاب" للحافظ ابن عبد البرّ ١٣/ ١٥٩ فِي ترجمة مُليكة بنت عويمر الهلاليّة. فتنبّه، والله تعالى أعلم. وتمام شرح الْحَدِيث سبق فِي شرح الأحاديث الماضية. والحديث ضعيف؛ لأنه منْ رواية سماك عن عكرمة، وَقَدْ عرفت حالها قريبًا، وَقَدْ أخرجه المصنّف هنا -٤٠/ ٤٨٣٥ - وفي "الكبرى" ٣٩/ ٧٠٣٢. وأخرجه (د) فِي "الديات" ٤٥٧٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٨٣١ - (أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا، يَقُولُ: كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَلَى كُلِّ بَطْنٍ عُقُولَةً، وَلَا يَحِلُّ لِمَوْلًى أَنْ يَتَوَلَّى مُسْلِمًا بِغَيْرِ إِذْنِهِ). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ) العنبريّ، أبو الفضل البصريّ، ثقة حافظ، منْ كبار [١١] ٩٦/ ١١٩. ٢ - (الضحاك بن مَخْلَد) الشيبانيّ، أبو عاصم النبيل البصريّ، ثقة ثبت [٩] ١٩/ ٤٢٤. ٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج -نُسب لجده- الأموي مولاهم، أبو خالد، وأبو الوليد المكيّ، ثقة فقيه فاضل، لكنه يدلّس ويرسل [٦] ٢٨/ ٣٢.

стр. 17484

٤ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوق، يدلّس [٤] ٣١/ ٣٥. ٥ - (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام السِّلَميّ الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، سوى شيخه والضحاك، فبصريان، وجابر مدني مكيّ. (ومنها): أن فيه جابرًا رضي الله تعالى عنه منْ المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، نُسب لجدّه، أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تدرُس المكيّ (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا) هو ابن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ رضي الله تعالى عنهما (يَقُولُ: كَتَبَ) أي أثبت، وأوجب (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَلَى كُلِّ بَطْنٍ) -بفتح الموحدة، وسكون الطاء المهملة، آخره نون-: هو دون القبيلة، مؤنّثة، وإن أُريد الحيّ، فمذكّر، والجمع بُطُون، وَأَبْطَنٌ. أفاده فِي "المصباح". [فائدة]: قَالَ بعضهم: طبقات النسب سبع: الشَّعْبُ، والقبيلة، والعِمارة، والبطنُ، والفخذ، والفَصيلة، بوزن قَبيلة، والْعَشِيرة، وكلّ واحدة تدخل فيما قبلها، فالقبائل تحت الشُّعُوب، والعمائر تحت القبائل، والبطون تحت العمائر، والأفخاذ تحت البطون، والفصائل تحت الأفخاذ، والعشائر تحت الفصائل، فخُزَيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عِمارة، وقُصيّ بطنٌ، وعبد مناف فخذ، وبنو هاشم فَصِيلةٌ، والعبّاس عشيرة، وليس بعد العشيرة حيّ يُوصَف، وسُمي الشعب شَعبًا لتشعّب القبائل منه. ذكره سليمان ابن عمر المعروف بالجمل فِي "حاشيته عَلَى الجلالين" فِي تفسير "سورة الحجرات" ٤/ ١٨٥. وَقَالَ ابن منظور: قَالَ الشيخ ابن بَرّيّ: الصحيح فِي هَذَا ما رتّبه الزبير بن بكّار، وهو الشعب، ثم القبيلة، ثم العِمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة، قَالَ أبو أُسامة: هذه الطبقات عَلَى ترتيب خَلْق الإنسان، فالشَّعب أعظمها، مشتقّ منْ شَعْب الرأس، ثم القبيلة منْ قَبِيلة الرأس؛ لاجتماعها، ثم العِمارة، وهي الصدر، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة، وهي الساق. انتهى "لسان العرب" ١/ ٥٠٠ - ٥٠١.

стр. 17485

وَقَالَ أبو عبد الله القرطبيّ فِي "تفسيره": وحكى أبو عبيد، عن ابن الكلبيّ، عن أبيه: الشعب أكبر منْ القبيلة، ثم الفصيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ. وقيل: الشعب، ثم القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة، ثم العَشِيرة، وَقَدْ نظمها بعض الأدباء، فَقَالَ [منْ الخفيف]: اقْصِدِ الشَّعْبَ فَهْوَ أَكْثَرُ حَيٍّ … عَدَدًا فِي الْحِوَاءِ ثُمَّ الْقَبِيلَهْ ثُمَّ تَتْلُوهَا الْعِمَارَةُ ثُمَّ الـ … ـبَطنُ وَالْفَخْذُ بَعْدَهَا وَالْفَصِيلَهْ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهَا العَشِيرَةُ لَكِنْ … هِيَ فِي جَنْبِ مَا ذَكَرْنَاهُ قَلِيلَهْ وَقَالَ آخر [منْ البسيط]: قَبِيلَةٌ قَبْلَهَا شَعْبٌ وَبَعْدَهُمَا … عِمَارَةٌ ثُمَّ بَطْنٌ تِلْوُهُ فَخِذُ وَلَيْسَ يُؤْوِي الْفَتَى إِلَّا فَصِيلَتُهُ … وَلَا سَدَادَ لِسَهْمٍ مَالَهُ قُذَذَ (١) انتهى "الجامع لأحكام القرآن" فِي تفسير "سورة الحجُرات" ١٦/ ٣٤٥. وقوله: (عُقُولَهُ) بالنصب مفعول "كتب"، والهاء ضمير البطن، والعُقُول -بضم العين المهملة-: الديات، واحدها عَقْل -بفتح، فسكون، كفلس وفُلوس، ومعناه: أن الدية فِي قتل الخطإ، وعمد الخطإ، وهو شبه العمد، تجب عَلَى العاقلة، وهم العصبات، سواء الآباء، والأبناء، وإن علوا، أو سفلوا. أفاده النوويّ رحمه الله تعالى فِي "شرح صحيح مسلم" ١٠/ ٣٨٩ - ٣٩٠. [تنبيه]: قوله "عقوله" هكذا وقع فِي النسخة "الهنديّة" بإضافة "عقول" إلى الضمير الراجع إلى "بطن"، وهو الموافق لما فِي "صحيح مسلم"، كما أسلفت ما قاله النوويّ فِي "شرحه"، ووقع فِي النسخ المطبوعة، وكذا فِي "الكبرى" بلفظ: "عُقُولَةً" آخره تاء تأنيث، وليس ضميرًا، والظاهر أنه تصحيف، فتنبّه. والله تعالى أعلم. وَقَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: ما حاصله: أن النبيّ ﷺ لَمّا هاجر إلى المدينة، واستقرّ أمره فيها، آخى بين المهاجرين والأنصار، وصالح منْ كَانَ فيها منْ اليهود، وميّز القبائل، بعضها منْ بعض، وضمّ البطون بعضها إلى بعض فيما ينوبهم منْ الحقوق، والغرامات، وكان بينهم دماء، ودياتٌ بسبب الحروب العظيمة التي كانت بينهم قبل الإسلام، فرفع تعالى كلَّ ذلك عنهم، وألّف بين قلوبهم ببركة الإسلام، وبركة

стр. 17486

النبيّ ﷺ ، حَتَّى صاروا كما قَالَ الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ الآية [آل عمران: ١٠٣] انتهى "المفهم" ٤/ ٣٤٠. (وَلَا يَحِلُّ) بكسر الحاء المهملة، مضارع حلّ، منْ باب ضرب: ضدُّ حرُم (لِمَوْلًى) أي لمعتَق بفتح التاء؛ إذ المولى يُطلق عَلَى المعتِق بكسر التاء أيضًا، وليس مرادًا هنا (أَن يَتَوَلَّى مُسْلِمًا) أي يُنسب إلى غير معتقه، وفي رواية مسلم: "ولا يحلّ أن يتوالى مولى رجل مسلمٌ" برفع "مسلم" عَلَى أنه فاعل يتولى، قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: هَذَا يقتضي تحريم أن ينسُب أحدٌ مولى رجل لنفسه، وحديث أبي هريرة ﵁ (١) يقتضي تحريم نسبة المولى لغير مُعتقه، وكلاهما محرّم هنا، كما هو محرّم فِي النسب، وَقَدْ سوّى النبيّ ﷺ بينهما فِي الردع، والوعيد، فَقَالَ: "منْ ادّعَى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه، فالجنّة عليه حرام". انتهى "المفهم" ٤/ ٣٤٠. (بغَيْرِ إِذْنِهِ) قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: يعني بغير إذن السادة، ودليل خطابه يدلّ علىَ أن السيّد إذا أذِن فِي ذلك جاز، كما قد ذهب إليه بعض النَّاس، وليس بصحيح، والجمهور عَلَى منع ذلك، وإن أذن السيّد؛ لأن السيّد إذا أذن فِي ذلك بعوض، فهو المبايعة للولاء المنهيّ عنها، أو ما فِي معناه، وإن كَانَ بغير عوض، فهي هبة الولاء، وما معناها، ولا يجوز واحد منهما، وإنما جرى ذكر الإذن فيه؛ لأن أكثر ما يقع منْ ذلك، إنما يكون بغير إذن السادة، فلا دليل خطاب لمثل هَذَا اللفظ، وَقَدْ بيّنا فِي أصول الفقه أن ما يدُلّ عَلَى جهة النطق مُرجّحٌ عَلَى ما يدلّ عَلَى جهة المفهوم. انتهى "المفهم" ٤/ ٣٤١. وَقَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: ما معناه: قد احتجّ قوم بقوله: "بغير إذنه" عَلَى جواز التولّي بإذن مواليه، والصحيح الذي عليه الجمهور أنه لا يجوز، وإن أذنوا، كما لا يجوز الانتساب إلى غير أبيه، وإن أذن أبوه فيه، وحملوا التقييد فِي الْحَدِيث عَلَى الغالب؛ لأن غالب ما يقع هَذَا بغير إذن الموالي، فلا يكون له مفهوم يُعمل به، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ الآية [النِّساء: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ الآية [الأنعام: ١٥١] وغير ذلك منْ الآيات التي قُيد فيها للغالب، وليس لها مفهوم يُعمل به. انتهى "شرح مسلم" ١٠/ ٣٨٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 17487

مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث جابر ﵁ هَذَا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤٠/ ٤٨٣٠ - وفي "الكبرى" ٣٩/ ٧٥٣٣. وأخرجه (م) فِي "العتق" ١٥٠٧ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١٤٠٣٦ و١٤٧٦٠. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان وجوب الدية عَلَى العاقلة. (ومنها): تحريم موالاة غير الموالي؛ لأن الولاء لُحمة كلُحمة النسب، لا يجوز نقله منْ شخص إلى شخص آخر. (ومنها): أن الحكم لا يختلف لو أذن له المولى؛ لأن التقييد خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٨٣٢ - (أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُصَفًّى، قَالَا: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَطَبَّبَ، وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ قَبْلَ ذَلِكَ، فَهُوَ ضَامِنٌ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: كَانَ الأولى للمصنّف رحمه الله تعالى أن يترجم لهذا الْحَدِيث ترجمة مستقلّة، كما فعل فِي "الكبرى" حيث ترجم له آخر "كتاب القسامة" ٤/ ٢٤٨ رقم ٧٠٦٨ بـ"تضمين المتطبّب"، مع أنه أورده فِي هَذَا الباب ٤/ ٢٤١ رقم ٧٠٣٤ و٧٠٣٥ كما فعل هنا، وكما فعل أبو داود رحمه الله تعالى فِي "سننه"، حيث ترجم له بقوله: "باب فيمن تطبّب بغير علم"، ولعلّه أراد بإدخاله فِي هَذَا الباب بيان كونه منْ جملة شبه العمد، فيُضمن بالدية، وتتحملها العاقلة، وليس منْ نوع العمد الذي يجب به القصاص. والله تعالى أعلم. ورجال هَذَا الإسناد: سبعة: ١ - (عمرو بن عثمان) بن سعيد بن كثير بن دينار القرشيّ مولاهم، أبو حفص الحمصيّ، صدوقٌ [١٠] ٢١/ ٥٣٥. ٢ - (محمد بن مصفّى) بن بهلول القرشيّ الحمصيّ، صدوقٌ، له أوهام، وكان يدلّس [١٠] ٣/ ٣٦٣٢. ٣ - (الوليد) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقة، كثير التدليس

стр. 17488

والتسوية [٨] ٥/ ٤٥٤، وابن جريج سبق فِي السند الماضي، والباقون تقدّموا قبل بابين، وكذا لطائف الإسناد تعلم مما سبق. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ) شعيب (عَنْ جَدِّهِ) عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَطَبَّبَ) بتشديد الباء الموحّدة الأولى: أي تكلّف، وتعاطى علم الطبّ، وعالج مريضًا (وَلَمْ يُعْلَمْ) بالبناء للمفعول (مِنْهُ طِبٌّ) أي معالجة صحيحة غالبة عَلَى الخطإ (قَيْلَ ذَلِكَ) أي قبل أن يعالج منْ مات بسبب طبّه، ففي الكلام تقدير: أي فأخطأ فِي طبه، وتلف المريض الذي عالجه، أو شيء منه. والجملة الفعليّة فِي محلّ نصب عَلَى الحال، والحال أنه لا يُعرف كونه طبيبًا قبل أن يعالج هَذَا المريض الذي مات بسبب طبّه (فَهُوَ ضَامِنٌ) أي لما أتلفه بطبه، لأنه تولّد منْ فعله الهلاك، وهو متعدّ فيه؛ إذ لا يُعرف ذلك منه، فتكون جنايته مضمونة عَلَى عاقلته. قَالَ الخطابيّ رحمه الله تعالى: لا أعلم خلافًا فِي أن المعالج إذا تعدّى، فتلف المريض كَانَ ضامنًا، والمتعاطي علمًا، أو عملاً لا يعرفه متعدّ، فإذا تولّد منْ فعله التلف ضمن الدية، وسقط القود عنه؛ لأنه لا يستبدّ بذلك، دون إذن المريض، وجناية الطبيب فِي قول عامّة الفقهاء عَلَى عاقلته. انتهى "معالم السنن" ٦/ ٣٧٨ - ٣٧٩. وأخرج أبو داود فِي "سننه" منْ طريق عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، قَالَ: حدّثني بعض الوفد الذين قَدِموا عَلَى أبي، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "أيما طبيب تطبّب عَلَى قوم، لا يعرف له تطبّبٌ قبل ذلك، فأعنت، فهو ضامن"، قَالَ عبد العزيز: أما إنه ليس بالنعت، إنما هو قطع العُرُوق، والبطّ، والكيّ. انتهى. وقوله: "فأعنت": أي أضرّ بالمريض، وأفسده. وقوله: "البطّ": أي الشقّ. و"الكيّ": أي حرق الجلد بحديدة، ونحوها. ومراد عبد العزيز -والله أعلم- أن لفظ الطبيب الواقع فِي الْحَدِيث ليس المقصود منه معناه الوصفيّ العامّ الشامل لكلّ منْ يُعالج، بل المقصود منه قاطع العروق، والباطّ، والكاوي، ولكن أنت تعلم أن لفظ الطبيب فِي اللغة عامّ لكلّ منْ يعالج الجسم، فلابدّ للتخصيص ببعض الأنواع منْ دليل. انتهى "عون المعبود" ١٢/ ٣٣٠ - ٣٣١. وَقَالَ المنذريّ رحمه الله تعالى فِي "مختصر السنن" ٦/ ٣٨١: بعض الوافدين مجهول، ولا يُعلم له صحبة، أم لا؟. انتهى. يعني أن الْحَدِيث ضعيف؛ للجهالة المذكورة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 17489

مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هَذَا قَالَ الحاكم فِي "المستدرك" ٤/ ٢١٢ - : صحيح الإسناد، ووافقه الذهبيّ، وفيه نظر؛ لأن فيه مدلّسين: الوليد، وابن جريج، وَقَدْ عنعناه، لكن الوليد، وإن عنعنه هنا، لكنه صرّح بالتحديث عند الدارقطنيّ، والحاكم، فقد زالت العلة عنه، وبقيت عنعنة ابن جريج، لكن يشهد للحديث ما تقدّم لأبي داود منْ رواية عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وَقَدْ تقدم أن بعض الوفد الذي روى عنه مجهول، وَقَدْ حسنه الشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى (١) بمجموع الطرقين، ولا يبعد ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤٠/ ٤٨٣٢ و٤٨٣٣ - وفي "الكبرى" ٣٩/ ٧٠٣٤ و٧٠٣٥. وأخرجه (د) فِي "الديات" ٤٥٨٦ (ق) فِي "الطبّ" ٣٤٦٦. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان كون القتل بالطبّ منْ نوع شبه العمد، كما أسلفه فِي أول الباب. (ومنها): مشروعية التداوي بالطبّ، إذا كَانَ الطبيب معروفًا به. (ومنها): تحريم الطب عَلَى منْ لا يُتقنه، ولا يُحسنه؛ لأنه إلحاق ضرر بالمسلمين. (ومنها): وجوب الضمان عَلَى منْ تطبب بغير علم، فتلف به إنسان، أو شيء منه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فيما قاله أهل العلم فِي ضمان الطبيب، ونحوه: قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: ما حاصله: لا يضمن المتطبّب، ولا الحجام، ولا الختّان، إذا فعلوا ما أُمروا به، بشرطين: [أحدهما]: أن يكونوا دْوي حِذْقٍ فِي صناعتهم، ولهم بها بَصَارةٌ، ومعرفة؛ لأنه إذا لم يكن كذلك لم يحلّ له مباشرة القطع، وإذا قطع مع هَذَا كَانَ فعلاً محرّمًا، فيضمن سِرايته، كالقطع ابتداء. [الثاني]: أن لا تَجني أيديهم، فيتجاوزوا ما ينبغي أن يُقطَع، فإذا وُجد هذان الشرطان، لم يضمنوا؛ لأنهم قطعوا قطعًا مأذونا فيه، فلم يضمنوا سرايته، كقطع الإمام بد السارق، أو فعل فعل مباحا مأذونًا فِي فعله، فأشبه ما ذكرنا، فأما إن كَانَ حاذقًا،

стр. 17490

وجنت يده، مثل أن يتجاوز قطع الختان إلى الحشفة، أو إلى بعضها، أو قطع فِي غير محلّ القطع، أو يقطع الطبيب سَلْعَةً (١) منْ إنسان، فيتجاوزها، أو يقطع بآلة كالّةٍ يكثُرُ ألمها، أو فِي وقت لا يصلح القطع فيه، وأشباه هَذَا، ضمن فيه كلِّهِ؛ لأنه إتلافٌ لا يَختلِف ضمانه بالعمد والخطإ، فأشبه إتلاف المال، ولأن هَذَا فعل مُحرّمٌ، فيَضمَن سِرايته، كالقطع ابتداءً، وكذلك الحكم فىِ النَّزَّاع (٢)، والقاطع فِي القصاص، وقاطع يد السارق، وهذا مذهب الشافعيّ، وأحمد، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه خلافًا. انتهى "المغني" ٨/ ١١٧ بتصرّف وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٨٣٣ - (أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، مِثْلَهُ سَوَاءً). قَالَ الجامع عفاَ الله تعالى عنه: "محمد بن خالد": هو السلميّ، أبو عليّ الدمشقيّ، ثقة، منْ صغار [١٠] ٤٥/ ٥٩٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٤١ - (هَلْ يُؤْخَذُ أَحَدٌ بِجَرِيرَةِ غَيْرِهِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "هل يؤخذ أحد إلخ" أي هَذَا باب ذكر الأحاديث الدّالّة عَلَى جواب السؤال بـ"هل يُؤخذ أحد بجريرة غيره؟ "، والجواب: لا؛ للحديث الآتي. و"الجَرِيرة" -بفتح الجيم، وكسر الراء-: هي ما يجرّه الشخص إلى نفسه منْ الذنب، قَالَ الفيّوميّ رحمه الله تعالى: جررتُ الحبلَ، ونحوَه جَرّا: سحبته، فانجرّ، وجرّرته -بالتشديد-: مبالغةٌ، وتكثيرٌ، وجرّيته -بالياء- عَلَى البدل، والجريرة: ما يجرّه الإنسان منْ ذنب، فَعِيلة بمعنى مفعولة، والْجَرِير: حبلٌ منْ أدم، يُجعل فِي عنق الناقة، وبه سُمّي الرجل، مع نزع الألف واللام. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 17491

٤٨٣٤ - (أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبْجَرَ، عَنْ إِيَادِ بْنِ لَقِيطٍ، عَنْ أَبِي رِمْثَةَ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، مَعَ أَبِي، فَقَالَ: "مَنْ هَذَا مَعَكَ؟ "، قَالَ: ابْنِي، أَشْهَدُ بِهِ، قَالَ: "أَمَا إِنَّكَ لَا تَجْنِي عَلَيْهِ، وَلَا يَجْنِي عَلَيْكَ"). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (هارون بن عبد الله) بن مرون الحمّال البزاز، أبو موسى البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] ٥٠/ ٦٢. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت المكيّ [٨] ١/ ١. ٣ - (عبد الملك بن أبجر) هو عبد الملك بن سعيد بن حيان -بالتحتانيّة- ابن أبجر -بالموحّدة، وجيم- نُسب لجدّه الهمداني ويقال الكناني الكوفيّ ثقة عابد [٦]. رَوَى عن أبي الطفيل، وعكرمة، وأبي إسحاق السبيعي، وطلحة بن مُصَرِّف، وواصل الأحدب، والشعبي، وأبي رَزِين لقيط، وغيرهم. وعنه ابنه عبد الرحمن، والثوري، وزهير بن معاوية، وعبد الله بن إدريس، وعبيد الله الأشجعي، وابن عيينة، وأبو أسامة، وغيرهم. قَالَ البخاريّ، عن علي: له نحو أربعين حديثا. وَقَالَ عبد الله ابن أحمد، عن أبيه: عبد الملك بن أبجر ثقة. وَقَالَ سفيان: حدثنا منْ لم تر عيناك مثله، ابن أبجر، وَقَالَ أيضا: هو منْ الأبرار. وَقَالَ ابن معين، والنسائي: ثقة. وَقَالَ أبو زرعة، وأبو حاتم: هو أحب إلينا منْ إسرائيل. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ ابن إدريس، قَالَ لي الأعمش: ألا تعجب منْ عبد الملك بن أبجر، جاء رجل، فَقَالَ: إني لم أَمْرَض قط، وأنا اشتهي أن اْمرض، قَالَ: كل سمكا مالحا، واشرب نبيذا مَرِيسا، واقعد فِي الشمس، واستمرض الله, قَالَ: فجعل الأعمش يضحك، ويقول كأنما قَالَ له: استشف الله. وَقَالَ العجليّ: كَانَ ثقة ثبتا فِي الْحَدِيث، صاحب سنة، وكان منْ أطب النَّاس، فكان لا يأخذ عليه أجرا، ولما حضرت الثوري الوفاة أوصى أن يصلي عليه ابن أبجر، وكان الثوري يقول: بالكوفة خمسة يزدادون كل يوم خيرا، فعده فيهم، قَالَ: وكانت به قرحة، لو كانت بالبعير لما أطاقها، فكانوا إذا سألوه عنها؟ قَالَ: ما أرضاني عن الله . وَقَالَ يعقوب بن سفيان: كَانَ منْ خيار الكوفيين، وثقاتهم. روى له مسلم، والمصنف، وأبو داود، والترمذيّ، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط. ٤ - (إياد -بكسر أوله، ثم تحتانيّة- ابن لَقِيط) السدوسيّ الكوفيّ، ثقة [٤] ١٦/ ١٥٧٢. ٥ - (أبو رِمّثة) -بكسر أوله، وسكون الميم، بعدها مثلّثة- الْبَلَويّ، أو التيميّ، أو

стр. 17492

التميميّ، وقيل: هما اثنان، قيل: اسمه: رِفاعة بن يَثْربيّ، وقيل: عكسه، وقيل: عمارة بن يثربيّ، وقيل: حبّان بن وُهيب، وقيل: جندب، وقيل: خَسْخَاش. صحابيّ مات بإفريقية، تقدّمت ترجمته فِي ١٦/ ١٥٧٢. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير الصحابيّ، فتفرد به المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ. (ومنها): أن صحابيه منْ المقلّين منْ الرواية، فليس له عندهم إلا ثلاثة أحاديث فقط، كما فِي "تحفة الأشراف" ٩/ ٢٠٨ - ٢٠٩. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ أَبِي رِمْثَةَ) رفاعة بن يَثْربيّ، وقيل: غيره رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، مَعَ أَبِي) يثربيّ ﵁ ترجمه فِي "الإصابة" ١٠/ ٣٣٤ ولم يزد عَلَى أن أورد فيه هَذَا الْحَدِيث فقط (فَقَالَ) ﷺ (مَنْ هَذَا مَعَكَ؟) "منْ" اسم استفهام مبتدأ، واسم الإشارة خبره، أو بالعكس، والظرف: أي حال كونه مصاحبا لك. وفي رواية أبي داود: "آبنك هَذَا؟، قَالَ: إي وربّ الكعبة، قَالَ: حقّا، قَالَ: أشهد به، قَالَ: فتبسّم رسول الله ﷺ ضاحكًا منْ ثَبْتِ شبهي فِي أبي، ومن حلف أبي عليّ … الْحَدِيث (قَالَ) يثربيّ ﵁ (ابْنِي، أَشْهَدُ بِهِ) بهمزة المتكلّم: أي أشهد بكونه ابني، ويحتمل أن يكون بوصل الهمزة، فعل أمر، ومعناه: كن أنت شاهدًا بأنه ابني منْ صلبي، قيل: المقصود التزام ضمان الجنايات عنه، عَلَى ما كانوا عليه فِي الجاهليّة، منْ مؤاخذة كلّ منْ الوالد، والولد بجناية الآخر. وإنما سأله النبيّ ﷺ عنه، مع ظهور شبهه به؛ تأكيدًا للحكم الذي يخبره بعده. (قَالَ) ﷺ (أَمَا) بفتح الهمزة: أداة تنبيه، مثلُ "ألا" (إِنَّكَ لَا تَجْنِي) بفتح أوله، منْ الجناية: أي لا يؤاخذ بذنبك (عَلَيْهِ، وَلَا يَجْنِي عَلَيْكَ) أي لا تؤاخذ أنت بذنبه. يعني أن جناية كلّ منهما قاصرة عَلَى نفسه، لا تتعدّاه إلى غيره، ولو كَانَ أقرب قريب له. ثم إنه يحتمل أن يكون المراد به الإثم، وإلا فالدية متعدّية إلى العاقلة، ويحتمل أن تخص الجناية بالعمد، والمراد أنه لا يُقتَل إلا القاتل، كما كَانَ عليه أمر الجاهليّة، منْ قتل أبيه، أو ابنه، أو أخيه، أو نحوهم، منْ الأقارب، فيكون هَذَا إخبارًا ببطلان أمر الجاهلية، وهذا هو الذي يؤيّده الْحَدِيث الآتي بعد هَذَا فِي قصّة بني ثعلبة. وَقَالَ فِي "النهاية" ١/ ٣٠٩ - : الجناية الذنب، والْجُرْم، وما يفعله الإنسان، مما

стр. 17493

يوجب عليه العذاب، أو القصاص فِي الدنيا والآخرة. والمعنى: أنه لا يُطالب بجناية غيره منْ أقاربه، وأباعده، فإذا جنى أحدهما جناية، لا يُعاقب بها الآخر. انتهى. وزاد فِي رواية أبي داود: "وقرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: أي لا غمل نفس آثمة إثم نفس أخرى. [تنبيه]: أخرج حديث أبي رمثة ﵁ هَذَا الإمام أحمد فِي "مسنده"، مطوَّلاً، فَقَالَ: ١٧٠٤١ - حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا المسعودي (١) عن إياد بن لَقِيط، عن أبي رِمْثة، قَالَ: أتيت النبيّ ﷺ ، وهو يخطب، ويقول: "يد المعطي العليا، أمَّكَ، وأباك، وأختَكَ، وأخاك، وأدناك فأدناك"، قَالَ: فدخل نفر منْ بني ثعلبة بن يربوع، فَقَالَ رجل منْ الأنصار: يا رسول الله، هؤلاء النفر اليربوعيون، الذين قتلوا فلانا، فَقَالَ رسول الله ﷺ : "ألا لا تجني نفس عَلَى أخرى"، مرتين. حدثنا عبد الله (٢)، حدثنا محمد بن بكار -هو ابن الريان- حدثنا قيس بن الربيع الأسدي، عن إياد بن لقيط، عن أبي رمثة، قَالَ: انطلقت مع أبي وأنا غلام، فأتينا رجلا فِي الهاجرة، جالسا فِي ظل بيت، عليه بردان أخضران، وشعره وَفْرة، وبرأسه رَدْعٌ منْ حِنَّاء، قَالَ: فَقَالَ لي أبي: أتدري منْ هَذَا؟ فقلت: لا، قَالَ: هَذَا رسول الله ﷺ ، فذكره. ٧٠٦٥ - حدثنا عمرو بن الهيثم، أبو قطن، وأبو النضر، قالا: حدثنا المسعودي، عن إياد بن لقيط، عن أبي رمثة، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "يد المعطي العليا، أمَّكَ، وأباك، وأختَكَ، وأخاك، ثم أدناك أدناك"، وَقَالَ رجل: يا رسول الله، هؤلاء بنو يربوع قَتَلَةُ فلان، قَالَ: "ألا لا تجني نفس عَلَى أخرى". وقَالَ أبي (٣): قَالَ أبو النضر فِي حديثه: دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ يخطب، ويقول: "يد المعطي العليا … " والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أبي رِمْثة ﵁ هَذَا صحيح.

стр. 17494

(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤١/ ٤٨٣٤ - وفي "الكبرى" ٤٠/ ٧٠٣٦. وأخرجه (د) فِي "الترجّل" ٤٢٠٨ و"الديات" ٤٤٩٥ (ت) فِي "الأدب" ٢٨١٢ (أحمد) فِي "مسند المكثرين" ٧٠٦٤ و٧٠٧١ و٧٠٧٧ و٧٠٣٧ (الدارمي) فِي "الديات" ٣٢٨١. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان أنه لا يؤخذ أحد بجريرة غيره، وإنما يؤاخذ بجريرة نفسه. (ومنها): بيان اهتمام النبيّ ﷺ بتوضيح الأحكام، وتقريبه إلى الأفهام. (ومنها): أن هَذَا الْحَدِيث بيان لمعنى قوله : ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ الآية [فاطر: ١٨]. (ومنها): أن تَحَمُّل العاقلة الدية عن القاتل فِي الخطإ، وشبه العمد ليس منْ باب تحمّل جناية غيرها، بل هو منْ باب التناصر، والتعاون؛ تخفيفاً عن الجاني، حيث تحمّل جناية يُعذر فيها، ولذا لا تتحمل العاقلة جناية العمد؛ لأنه لا يُعذر فيها، بل هو الذي يتحملها، لكونه جانيًا عَلَى نفسه، متعدًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٨٣٥ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَهْدَمٍ الْيَرْبُوعِيِّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَخْطُبُ فِي أُنَاسٍ، مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَؤُلَاءِ بَنُو ثَعْلَبَةَ بْنِ يَرْبُوعٍ، قَتَلُوا فُلَانًا، فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَهَتَفَ بِصَوْتِهِ: "أَلَا لَا تَجْنِي نَفْسٌ عَلَى الأُخْرَى"). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (محمود بن غيلان) أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ٣٣/ ٣٧. ٢ - (بشر بن السّريّ) أبو عمرو الأفوه البصريّ، نزيل مكة، ثقة متقنٌ، طُعن برأي جهم، ثم اعتذر، وتاب [٩] ١٠٤/ ١٣٦٥. ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٣٣/ ٣٧. ٤ - (أشعث) بن أبي الشعثاء سُليم بن الأسود المحاربيّ الكوفيّ، ثقة [٦] ٩٠/ ١١٢. ٥ - (الأسود بن هلال) المحاربيّ، أبو سلامة الكوفيّ المخضرم الثقة الجليل [٢] ١٧/ ١٥٢٩. ٦ - (ثعلبة بن زهدم) الحنظليّ، حديثه فِي الكوفيين، مختلف فِي صحبته، وقال العجليّ: تابعيّ ثقة، تقدم فِي ١٧/ ١٥٢٩. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم

стр. 17495

رجال الصحيح، غير ثعلبة، فتفرد به المصنّف، وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزي، ثم بغداديّ، وبشري، فبصري، ثم مكي. (ومنها): أن صحابيه ليس له إلا هَذَا الْحَدِيث. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَهْدَمٍ الْيَرْبُوعِيِّ) قَالَ فِي "الإصابة" -٢/ ٢٠ - : قَالَ ابن أبي حاتم، عن أبيه: يقال: له صحبة. وَقَالَ البخاريّ: قَالَ الثوريّ: له صحبة، ولا يصحّ، وذكره مسلم، والعجليّ، وغيرهما فِي التابعين، وله فِي النسائيّ حديث بإسناد صحيح إليه. انتهى. وَقَالَ فِي "تهذيب التهذيب" ١/ ٢٧١ - : جزم بصحّة صحبته ابنُ حبّان، وابن السكن، وأبو محمد بن حزم، وجماعة ممن صنّف فِي الصحابة، يطول تعدادهم. وذكره البخاريّ فِي "التاريخ الكبير"، وَقَالَ: قَالَ الثوريّ: له صحبة، ولا يصحّ. وَقَالَ الترمذيّ فِي "تاريخه": أدرك النبيّ ﷺ ، وعامّة روايته عن الصحابة. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الأكثرون عَلَى ثبوت الصحبة له، والظاهر أنه الأرجح. والله تعالى أعلم. (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَخْطُبُ فِي أُنَاسٍ) بضم الهمزة، لغة فِي ناس (مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالُوا) أي الأنصار (يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَؤُلَاءِ بَنُو ثَعْلَبَةَ بْنِ يَرْبُوعٍ، قَتَلُوا فُلَانًا) وفي الرواية الآتية: "قتلوا فلاناً رجلاً منْ أصحاب النبيّ ﷺ (فِي الْجَاهِلَيَّةِ) أي قبل أن يسلموا، زاد فِي رواية طارق المحاربيّ الآتية آخر الباب: "فخذ لنا بثأرنا" (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَهَتَفَ بِصَوْتِهِ) أي صاح، يقال: هَتَف به هَتْفًا، منْ باب ضرب: صاح به، ودعاه، وهتف به هاتفٌ: سمع صوته، ولم ير شَخْصَهُ، وهتَفَت الحمَامة: صوّتت. قاله فِي "المصباح" (أَلَا) بفتح الهمزة، للتنبيه، كـ"أما" المذكورة فِي الْحَدِيث الماضي (لَا) نافية، والفعل بعدها مرفوع (تَجْنِي نَفْسٌ عَلَى الأُخْرَى") يعني أن الذي قتله ليس معهم، حَتَّى يؤاخذ بجريرته، فلا يجوز لنا أن نؤاخذهم بجريرته؛ لأنه لا تجني نفس عَلَى نفس أخرى، وأنما جنايتها قاصرة عليها. وفي رواية طارق المحاربيّ الآتية: "فرفع يديه حَتَّى رأيت بياض إبطيه، وهو يقول: لا تجني أمّ على ولد، مرّتين". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ثعلبة بن زهدم هَذَا صحيح، وَقَدْ عرفت أن الأكثرين عَلَى أن له صحبة. وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٤١/ ٤٨٣٥ و٤٨٣٦ و٤٨٣٧ و٤٨٣٨ و٤٨٣٩ و٤٨٤٠ - وفي "الكبرى" ٤٠/ ٧٠٣٧ و٧٠٣٨ و٧٠٣٩ و٧٠٤٠

стр. 17496

و٧٠٤١ و٧٠٤٢. وأخرجه (أحمد) فِي "مسند المدنيين" ١٦١٧٧ و"باقي مسند الأنصار" ٢٢٦٩١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٨٣٦ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَهْدَمٍ، قَالَ: انْتَهَى قَوْمٌ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ يَخْطُبُ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَؤُلَاءِ بَنُو ثَعْلَبَةَ بْنِ يَرْبُوعٍ، قَتَلُوا فُلَانًا، رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، "لَا تَجْنِي نَفْسٌ عَلَى أُخْرَى"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أحمد بن سليمان": هو أبو الحسين الرُّهاويّ الثقة الحافظ [١١] ٣٨/ ٤٢ منْ أفراد المصنّف. و"معاوية بن هِشام": هو القصّار، أبو الحسن الكوفيّ، مولى بني أسد، ويقال له: معاوية بن العبّاس، صدوقٌ، له أوهامٌ، منْ صغار [٩] ٣٩/ ١٧٠٤. والباقون تقدّموا فِي الذي قبله. وقوله: "رجلاً منْ أصحاب النبيّ ﷺ " بالنصب بدلٌ منْ "فلانًا". والحديث صحيح، سبق القول فيه فىِ الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٨٣٧ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، قَالَ: سَمِعْتُ الأَسْوَدَ بْنَ هِلَالٍ، يُحَدِّثُ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ يَرْبُوعٍ، أَنَّ نَاسًا مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ، أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَؤُلَاءِ بَنُو ثَعْلَبَةَ بْنِ يَرْبُوعٍ، قَتَلُوا فُلَانًا، رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تَجْنِي نَفْسٌ عَلَى أُخْرَى"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أبو داود": هو الطيالسيّ، سليمان بن داود بن الجارود البصريّ الحافظ. والحديث صحيح، وَقَدْ سبق القول فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٨٣٨ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَتَّابٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ، وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ يَرْبُوعٍ، أَنَّ نَاسًا مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ، أَصَابُوا رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَؤُلَاءِ بَنُو ثَعْلَبَةَ، قَتَلَتْ فُلَانًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَجْنِي نَفْسٌ عَلَى أُخْرَى". قَالَ شُعْبَةُ: أَيْ لَا يُؤْخَذُ أَحَدٌ بِأَحَدٍ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ).

стр. 17497

قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أبو داود": هو سليمان بن سيف الْحرّانيّ، ثقة حافظ [١١] ١٠٣/ ١٣٦ منْ أفراد المصنّف. و"أبو عتّاب": هو سهل بن حماد الدّلّال البصريّ، صدوقٌ [٩] ١٠٣/ ١٣٦. وقوله: "قد أدرك النبيّ ﷺ ": يعني أن الأسود بن هلال كَانَ رجلاً فِي زمن النبيّ ﷺ ، لكنه لم يلقه، فهو مخضرم، كما سبق فِي ترجمته. وقوله: "قتلت" هكذا النسخ، بصيغة الفعل الماضي المسند إلى ضمير المؤنّثة، وهو جائز؛ لأن الجمع يجوز إلحاق تاء التأنيث فِي فعله، وتركها، مطلقًا عند الكوفيين، وفي غير جمعي السلامة عند البصريين، قَالَ الله تعالى: ﴿آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ الآية [يونس: ٩٠]، راجع "حاشية الخضري عَلَى شرح ابن عقيل، عَلَى الخلاصة" فِي "باب الفاعل" ١/ ٢٤١. والله تعالى أعلم. والحديث صحيح، والظاهر أن الرجل المبهم هو ثعلبة بن زهدم، وإلا فلا يضرّ إبهام الصحابيّ؛ لأنهم كلهم عدولٌ، كما مر غير مرّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٨٣٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ يَرْبُوعٍ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَهُوَ يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَؤُلَاءِ بَنُو ثَعْلَبَةَ بْنِ يَرْبُوعٍ، الَّذِينَ أَصَابُوا فُلَانًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا -يَعْنِي- لَا تَجْنِي نَفْسٌ عَلَى نَفْسٍ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أبو عوانة": هو الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ. و"أبو الأشعث": هو سُليم بن الأسود بن حنظلة المحاربيّ الكوفيّ، ثقة، منْ كبار [٣] ٩٠/ ١١٢. وقوله: "يتكلّم": هو بمعنى قوله الماضي: "يخطب". وقوله: "أصابوا فلانا": أي قتلوه. والحديث صحيح، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٨٤٠ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، فِي حَدِيثِهِ عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي يَرْبُوعٍ، قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ يُكَلِّمُ النَّاسَ، فَقَامَ إِلَيْهِ نَاسٌ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَؤُلَاءِ بَنُو فُلَانٍ، الَّذِينَ قَتَلُوا فُلَانًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَجْنِي نَفْسٌ عَلَى أُخْرَى"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أبو الأحوص": هو سلّام بن سُليم الحنفيّ الكوفيّ الثقة الحافظ.

стр. 17498

وقوله: "فِي حديثه عن أبي الأحوص": هَذَا منْ كلام المصنّف رحمه الله تعالى: أي حدثنا هنّاد هَذَا الْحَدِيث فِي جملة أحاديث حدّثنا بها عن أبي الأحوص. والحديث صحيح، كما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٨٤١ - (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ زِيَادِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ- عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ طَارِقٍ الْمُحَارِبِيِّ، أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَؤُلَاءِ بَنُو ثَعْلَبَةَ، الَّذِينَ قَتَلُوا فُلَانًا، فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَخُذْ لَنَا بِثَأْرِنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: "لَا تَجْنِي أُمٌّ عَلَى وَلَدٍ"، مَرَّتَيْنِ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "يوسف بن عيسى": هو ابن دينار الزهريّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقة فاضل [١٠] ٣٢/ ٩٢٤. و"الفضل بن موسى": هو السِّينانيّ، أبو عبد الله المروزيّ، ثقة ثبتٌ، ربّما أغرب، منْ كبار [٩] ٨٣/ ١٠٠. و"يزيد ابن زياد بن أبي الْجَعْد": هو الأشجعيّ الكوفيّ، صدوقٌ، [٧] ٥١/ ٢٥٣٢. و"جامع بن شَدّاد": هو المحاربيّ، أبو صخرة الكوفيّ، ثقة [٥] ١٠٨/ ١٤٥. و"طارق المحاربيّ": هو ابن عبد الله الصحابيّ الكوفيّ ﵁ ٣٣/ ٧٢٦. والسند رجاله رجال الصحيح، غير "يزيد بن زياد"، فإنه منْ أفراد المصنّف، وابن ماجه، والبخاريّ فِي "خلق أفعال العباد"، و"طارق" ﵁، فإنه منْ رجال الأربعة، والبخاريّ فِي الكتاب المذكور. وقوله: "فرفع يديه الخ" أي تأكيدًا للأمر. وقوله: "حَتَّى رأيت بياض إبطيه": أي مبالغة فِي رفع يديه. وقوله: "لا تجني أمّ عَلَى ولد": يعني أن جناية الأمّ لا يتعدّاها إلى ولدها، وإن كَانَ أقرب النَّاس إليها، ففيه مبالغة فِي قطع ما كانت الجاهليّة تفعله، منْ مؤاخذة أقارب الجاني بسببه. وقوله: "مرّتين": أي قَالَ هَذَا الكلام مرّتين. ولفظ ابن ماجه: "ألا لا تجني أم عَلَى ولد، ألا لا تجني أم عَلَى ولد". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث طارق المحاربيّ ﵁ هَذَا صحيح. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

стр. 17499

أخرجه هنا -٤١/ ٤٨٤١ - وفي "الكبرى" ٤٠/ ٧٠٤٣. وأخرجه (ق) فِي "الديات" ٢٦٧٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٤٢ - (الْعَيْنِ الْعَوْرَاءِ السَّادَّةِ لِمَكَانِهَا إِذَا طُمِسَتْ) ٤٨٤٢ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عَائِذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ -وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ- عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَضَى فِي الْعَيْنِ الْعَوْرَاءِ السَّادَّةِ لِمَكَانِهَا، إِذَا طُمِسَتْ، بِثُلُثِ دِيَتِهَا، وَفِى الْيَدِ الشَّلاَّءِ إِذَا قُطِعَتْ، بِثُلُثِ دِيَتِهَا، وَفِى السِّنِّ السَّوْدَاءِ، إِذَا نُزِعَتْ بِثُلُثِ دِيَتِهَا). رجال هَذَا الإسناد: سبعة: ١ - (أحمد بن إبراهيم بن محمد) الْبُسْريّ (١)، أبو عبد الملك الدمشقيّ، صدوقٌ [١١] ٧١/ ٢٣٧٧ ٢ - (ابن عائذ) هو: محمد بن عائذ، أبو أحمد الدمشقيّ، صاحب المغازي، صدوقٌ رُمي بالقدر [١٠] ٧١/ ٢٣٧٧. ٣ - (الهيثم بن حُميد) الغسّانيّ مولاهم، أبو أحمد، أو أبو الحارث، صدوقٌ، رُمي بالقدر [٧] ٤٠/ ١٧١٢. ٤ - (العلاء بن الحارث) بن عبد الوارث الْحَضْرميّ، أبو وهب الدمشقيّ، صدوقٌ، فقية، لكن رُمي بالقدر، وَقَدْ اختلط [٥] ١٧/ ١٥٤١، والباقون تقدّموا قبل باب. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالدمشقيين، إلى عمرو، ومنه طائفيون. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن جد. (ومنها) أن فيه ثلاثة منْ التابعين يروي بعضهم عن

стр. 17500

بعض: العلاء، وعمرو، وأبوه. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ) شعيب بن محمد (عَنْ جَدِّهِ) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالىَ عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَضَى) أي حكم (فِي الْعَيْنِ الْعَوْرَاءِ) بفتح المهملة، وسكون الواو تأنيث الأعور، يقال: عَوِرت العين عَوَرًا، منْ باب تعب: نقصت، أو غارت، فالرجل أعور، والأنثى عوراء. قاله الفيّوميّ (السَّادَّةِ لِمَكَانِهَا) بتشديد الدّال: أي الباقية الثابتة فِي مكانها: أي لم تخرج منْ الحَدَقَة، فبقيت فِي الظاهر عَلَى ما كانت، ولم يذهب جمال الوجه، لكن ذهب إبصارها. وَقَالَ التوربشتيّ: أراد بها العين التي لم تخرُج منْ الحدقة، ولم يخل موضعها، فبقيت فِي رأي العين عَلَى ما كانت، لم يشوّه خلقتها، ولم يذهب بها جمال الوجه. وَقَالَ المجد فِي "القاموس": والسُّدُدُ -بضمّتين-: العيون الْمُفَتَّحَةُ، لا تُبصر بَصَرًا قويًّا، وهي عينٌ سادّة، أو التي ابيَضَّت، ولا يُبْصَرُ بها، ولم تَنْفَقِىءْ بَعْدُ. انتهى (إِذَا طُمِسَتْ) بالبناء للمفعول: أي انمحت (بِثُلُثِ دِيَتِهَا) متعلّق بـ"قضى" أي قضى بثلث دية العين الصحيحة إذا طُمست. وإنما وجب فيها ثلث دية العين الصحيحة؛ لأنها كانت بعد ذهاب بصرها باقية الجمال، فإذا قُلِعت، أو فُقِئت ذهب ذلك. قَالَ ابن الملك: عمل بظاهر الْحَدِيث إسحاق، وأوجب الثلث فِي العين المذكورة، وعامة العلماء أوجبوا حكومة العدل؛ لأن المنفعة لم تفت بكمالها، فصارت كالسنّ، إذا سْوَدّت بالضرب، وحملوا الْحَدِيث عَلَى معنى الحكومة، إذ الحكومة بلغت ثلث الدية. وفي شرح الطيبي: وكان ذلك بطريق الحكومة، وإلا فاللازم فِي ذهاب ضوئهما الدية، وفي ذهاب ضوء إحداهما نصف الدية عند الفقهاء. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي فِي المسألة الثالثة ترجيح ما ذهب إليه إسحاق رحمه الله تعالى؛ لظاهر حديث الباب. والله تعالى أعلم. وَقَالَ فِي "شرح السنة": معنى الحكومة: أن يقال: لو كَانَ هَذَا المجروح عبدا، كم كَانَ ينتقص بهذه الجراحة منْ قيمته؟، فيجب منْ ديته بذلك القدر، وحكومةُ كل عضو لا تبلغ فيه المقدرةَ، حَتَّى لو جُرح رأسه جراحة دون الموضحة، لا تبلغ حكومتها أرشَ الموضحة، وإن قَبُحَ شَيْنُها. وَقَالَ الشمني؛ حكومة العدل، هي أن يُقَوَّم المجني عليه عبدا بلا هَذَا الأثر، ثم يُقَوَّم عبدا مع هَذَا الأثر، فقَدْرُ التفاوت بين القيمتين، منْ الدية، هو هي، أي ذلك القدر هي حكومة العدل، وهذا تفسير الحكومة عند الطحاوي، وبه أخذ الحلواني، وهو قول

стр. 17501

مالك، والشافعي، وأحمد، وكل منْ يُحفَظ عنه العلم، كذا قَالَ ابن المنذر. ذكره فِي "المرقاة". وفي "فتح الودود": وَقَدْ عمل بظاهره بعض العلماء، لكن عامتهم أوجبوا فيها حكومة عدل، وحملوا الْحَدِيث عَلَى أن الحكومة فِي تلك الواقعة، بلغت هَذَا القدر، لا أنه شرع الثلث فِي الدية عَلَى الإطلاق. انتهى. ذكر هَذَا كلّه فِي "عون المعبود" ١٢/ ٢٠١ - ٢٠٢. (وَفِي الْيَدِ الشَّلاَّءِ) تأنيث الأشلّ، يقال: شَلَّت اليد تَشَلُّ شَلَلاً، منْ باب تَعِبَ، ويُدغم المصدر أيضا: إذا فسدت عُروقها، فبطلت حركتها. قاله الفيّوميّ (إِذَا قُطِعَتْ) بالبناء للمفعول (بِثُلُثِ دِيَتِهَا) أي بثلث دية اليد الصحيحة إذا قُطعت، وفيه عطف المعمولين عَلَى معمولي عاملين، فقوله: "وفي اليد" معطوف عَلَى "فِي العين"، وقوله: "بثلث ديتها" معطوف عَلَى "بثلث ديتها" السابق، وكذا إعراب قوله: (وَفِي السِّنِّ السَّوْدَاءِ، إِذَا نُزِعَتْ) بالبناء للمفعول (بِثُلُثِ دِيَتِهَا) أي بثلث دية السنّ الصحيحة إذا نُزعت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رحمه الله تعالى هَذَا حسن (١). [فإن قلت]: كيفَ يكون حسنًا، وفيه العلاء بن الحارث، وَقَدْ ذكر فِي "التقريب" أنه اختلط؟. [قلت]: إنما كَانَ حسنًا؛ لأن العلاء، وإن ذُكر أنه اختلط، لكنه لم يوصف بشدّة الاختلاط، بحيث تُردّ رواياته، راجع ترجمته فِي "تهذيب التهذيب" ٣/ ٣٤١ - ٣٤٢، ويشهد لحديثه هَذَا أثر عمر بن الخطاب ﵁ الآتي، وهو بمعناه. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخر جه هنا -٤٢/ ٤٨٤٢ - وفي "الكبرى" ٤١/ ٧٠٤٤. وأخرجه (د) فِي "الديات" ٤٥٦٧. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي العين العوراء، ونحوها:

стр. 17502

قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: واختلفت الرواية عن أحمد فِي اليد الشلّاء، والعين العوراء، والسن السوداء: فعنه فِي كل واحدة ثلث ديتها، ورُوي هَذَا عن عمر بن الخطاب ﵁، ومجاهد، وبه قَالَ إسحاق، وعن زيد بن ثابت: فِي العين القائمة مائة دينار. [والرواية الثالثة]: عن أحمد فِي كل واحدة حكومة، وهذا قول مسروق، والزهري، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، والنعمان، وابن المنذر؛ لأنه لا يمكن إيجاب دية كاملة؛ لكونها قد ذهبت منفعتها، ولا مُقَدَّر فيها، فتجب الحكومة فيها، كاليد الزائدة. قَالَ: ولنا ما رَوَى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قَالَ: قضى رسول الله ﷺ ، فِي العين القائمة السادة لمكانها بثلث الدية، وفي اليد الشلاء إذا قطعت ثلث ديتها، وفي السن السوداء إذا قلعت ثلث ديتها، رواه النسائيّ، وأخرجه أبو داود فِي العين وحدها مختصرا، وقول عمر ﵁، رواه قتادة، عن خِلاس، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عباس رحمه الله تعالى: أن عمر بن الخطاب ﵁ قضى فِي العين القائمة إذا خُسفت، واليد الشلاء إذا قُطعت، والسن السوداء إذا كسرت، ثلثُ دية كل واحدة منهن. ولأنها كاملة الصورة، فكان فيها مقدر، كالصحيحة، وقولهم: لا يمكن إيجاب مقدر ممنوع، فإنا قد ذكرنا التقدير، وبيناه. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن المذهب الأول هو الأرجح؛ لظاهر حديث الباب، وهو حديث حسنٌ، وأثر عمر ﵁، المذكور، وهو صحيح، أخرجه البيهقيّ ٨/ ٩٨ منْ طريق سعيد بن منصور، ثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن عبد الله بن بُريدة، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عبّاس، عن عمر بن الخطّاب ﵃، أنه قَالَ: "فِي العين القائمة، والسنّ السوداء، واليد الشلّاء، ثلث ديتها". والله تعالى أعلم. قَالَ الموفّق: قَالَ القاضي: قول أحمد ﵀: فِي السن السوداء ثلث ديتها، محمول عَلَى سن ذهبت منفعتها، بحيث لا يمكنه أن يَعَضَّ بها الأشياء، أو كانت تَفَتَّتَتْ، فأما إن كانت منفعتها باقية، ولم يذهب منها إلا لونها، ففيها كمال ديتها، سواء قَلَّت منفعتها، بأن عجز عن عَضِّ الأشياء الصَّلْبة بها، أو لم يعجز؛ لأنها باقية المنفعة، فكملت ديتها كسائر الأعضاء، وليس عَلَى مَن سَوَّدها إلا حكومة، وهذا مذهب الشافعيّ، والصحيح منْ مذهب أحمد ما يوافق ظاهر كلامه؛ لظاهر الأخبار، وقضاء عمر بن الخطاب ﵁، وقول أكثر أهل العلم، ولأنه ذهب جمالها بتسويدها، فكملت ديتها عَلَى منْ سَوَّدها، كما لو سَوّد وجهه، ولم يَجِب عَلَى مُتلفها أكثر منْ ثلث ديتها، كاليد الشلاء، وكالسن إذا كانت بيضاء، فانقلعت، ونبت مكانها سوداء لمرض

стр. 17503

فيها، فإن القاضي، وأصحاب الشافعيّ سَلَّموا أنها لا تكمل ديتها. انتهى "المغني" ١٢/ ١٥٤ - ١٥٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٤٣ - (عَقْلُ الأَسْنَانِ) ٤٨٤٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادٌ، عَنْ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فِي الأَسْنَانِ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ"). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن معاوية) بن مالج -بميم، وجيم- الأنماطيّ، أبو جعفر البغداديّ، صدوقٌ، ربّما وَهِم [١٠] ١٠٠/ ٢٨٥٨ منْ أفراد المصنّف. ٢ - (عبّاد) بن العوّام بن عمر الكلابيّ مولاهم، أبو سهل الواسطيّ، ثقة [٨] ٢/ ٣٩٠٧. ٣ - (حُسين) بن ذكوان المعلّم المكتب الْعَوْذيّ البصريّ، ثقة، ربما وهِم [٦] ١٢٢/ ١٧٤، والباقون تقدّموا قريبًا. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فِي الأَسْنَانِ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ") الجارّ والمجرور خبر مقدّم، و"خمسٌ" مبتدأ مؤخّر: أي خمس منْ الإبل واجب فِي قلع الأسنان، ولفظ أبي داود: "فِي الأسنان خمس خمس": أي فِي قلع سنّ واحدة خمس منْ الإبل، وأما لو قلع الأسنان كلها، فالواجب الدية كاملة، كما سيأتي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيح. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤٣/ ٤٨٤٣ و٤٨٤٤ - وفي "الكبرى" ٤٢/ ٧٠٤٥ و٧٠٤٦. وأخرجه

стр. 17504

(د) فِي "الديات" ٤٥٦٣. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي دية الأسنان: قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: لا نعلم بين أهل العلم خلافا، فِي أن دية الأسنان خمس خمس، فِي كل سن، وَقَدْ رُوي ذلك عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، ومعاوية، وسعيد بن المسيب، وعروة، وعطاء، وطاوس، والزهري، وقتادة، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، وفي كتاب عمرو ابن حزم، عن النبيّ ﷺ : "فِي السن خمس منْ الإبل"، رواه النسائيّ ٤٦/ ٤٨٥٥، وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبيّ ﷺ قَالَ: "فِي الأسنان خمس خمس"، رواه أبو داود، والنسائيّ. فأما الأضراس والأنياب، فأكثر أهل العلم عَلَى أنها مثل الأسنان، منهم: عروة، وطاوس، وقتادة، والزهري، ومالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، ورُوي ذلك عن ابن عباس، ومعاوية. ورُوي عن عمر ﵁ أنه قضى فِي الأضراس ببعير بعير. وعن سعيد بن المسيب، أنه قَالَ: لو كنت أنا لجعلت فِي الأضراس بعيرين بعيرين، فتلك الدية سواء، ورَوَى ذلك مالك فِي "موطائه" ٢/ ٨٦١، وعن عطاء نحوه، وحُكي عن أحمد رواية أن فِي جميع الأسنان، والأضراس الدية، فيتعين حمل هذه الرواية عَلَى مثل قول سعيد؛ للإجماع عَلَى أن فِي كل سن خمسا منْ الإبل، وورد الْحَدِيث به، فيكون فِي الأسنان ستون بعيرا؛ لأن فيه اثني عشر سنا، أربع ثنايا، وأربع رباعيات، وأربعة أنياب، فيها خمس، وفيه عشرون ضرسا، فِي كل جانب عشرة، خمسة منْ فوق، وخمسة منْ أسفل، فيكون فيها أربعون بعيرا، فِي كل ضرس بعيران، فتكمل الدية. وحجة منْ قَالَ هَذَا أنه ذو عدد، يجب فيه الدية، فلم تزد ديته عَلَى دية الإنسان، كالأصابع، والأجفان، وسائر ما فِي البدن، ولأنها تشتمل عَلَى منفعة جنس، فلم تزد ديتها عَلَى الدية، كسائر منافع الجنس، ولأن الأضراس تختص بالمنفعة دون الجمال، والأسنان فيها منفعة وجمال، فاختلفا فِي الأرش. قَالَ: ولنا ما رَوَى أبو داود بإسناده، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبيّ ﷺ قَالَ: "الأصابع سواء، والأسنان سواء، الثنية والضرس سواء، هذه وهذه سواء"، وهذا نصٌّ، وقوله فِي الأحاديث المتقدمة: "فِي الأسنان خمس خمس"، ولم يُفَصِّل، يدخل فِي عمومها الأضراس؛ لأنها أسنان، ولأن كل دية وجبت فِي جملة، كانت مقسومة عَلَى العدد، دون المنافع، كالأصابع، والأجفان، والشفتين، وَقَدْ أومأ ابن

стр. 17505

عباس إلى هَذَا، فَقَالَ: "لا أعتبرها بالأصابع"، فأما ما ذكروه منْ المعنى فلابد منْ مخالفة القياس فيه، فمن ذهب إلى قولنا، خالف المعنى الذي ذكروه، ومن ذهب إلى قولهم، خالف التسوية الثابتة بقياس سائر الأعضاء، منْ جنس واحد، فكان ما ذكرناه مع موافقة الأخبار، وقول أكثر أهل العلم أولى، وأما عَلَى قول عمر: إن فِي كل ضرس بعيرا، فيخالف القياسين جميعا، والأخبار، فإنه لا يوجب الدية الكاملة، وإنما يوجب ثمانين بعرِا، ويخالف بين الأعضاء المتجانسة. انتهى "المغني" ١٢/ ١٣٠ - ١٣٢. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه أكئر أهل العلم، منْ كون دية كلّ سنّ خمسًا منْ الإبل، ممواء كانت أضراسًا، أو غيرها هو الأرجح عندي؛ لصحّة الأخبار بذلك، كما سلف إيضاحه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٨٤٤ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ مَطَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الأَسْنَانُ سَوَاءٌ، خَمْسًا خَمْسًا"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الحسين بن منصور": هو أبو علي النيسابوريّ، ثقة فقيه [١٠] ٢٥/ ١٦٦٤. و"حفص بن عبد الرحمن" بن عمر بن فَرُّوخ بن فَضَالة، أبو عمر الْبَلْخيّ الفقيه النيسابوريّ قاضيها، صدوقٌ، عابدٌ رمي بالإرجاء [٩]. رَوَى عن خارجة بن مصعب، وحَجَّاج بن أرطأة، وإسرائيل، وسعيد بن أبي عروبة، وعاصم الأحول، ومحمد بن مسلم الطائفي، وابن أبي ذئب، وابن إسحاق، وأبي حنيفة، وغيرهم. وعنه ابن بنته إبراهيم بن منصور، وأبو داود الطيالسي، وبشر بن الحكم العبدي، ومحمد بن رافع، والحسين بن منصور بن جعفر، ويحيى بن أكثم، وغيرهم. قَالَ أبو حاتم: صدوق، مضطرب الْحَدِيث. وَقَالَ النسائيّ: صدوق. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ الحاكم: وَلِيَ أبوه قضاء نيسابور فاستوطنها، ووُلِد له حفص، وعبد الله، وحفص أفقه أصحاب أبي حنيفة الخراسانيين، قَالَ ابن بنته: مات فِي ذي القعدة سنة (١٩٩). وَقَالَ ابن حبّان فِي ترجمته: كَانَ مرجئا. وَقَالَ الحاكم فِي ترجمته: ولي قضاء نيسابور، ثم نَدِم، وأقبل عَلَى العبادة، وأخبرني بعض أصحابنا أن ابن عيينة، وابن المبارك رويا عنه. وَقَدْ كَانَ يحيى بن يحيى كتب عنه، واختَلَف إليه. قَالَ أبو جعفر الجمال: كتب عنه ابن المبارك، فدخل حفص، فاستوى ابن المبارك جالسا، ولم يزل متبسما حَتَّى خرج، فقال: لقد جمع خصالا ثلاثة: الوقار، والفقَه، والورع. وَقَالَ أبو
следующие страницы →