مالك، والشافعي، وأحمد، وكل منْ يُحفَظ عنه العلم، كذا قَالَ ابن المنذر. ذكره فِي "المرقاة".
وفي "فتح الودود": وَقَدْ عمل بظاهره بعض العلماء، لكن عامتهم أوجبوا فيها حكومة عدل، وحملوا الْحَدِيث عَلَى أن الحكومة فِي تلك الواقعة، بلغت هَذَا القدر، لا أنه شرع الثلث فِي الدية عَلَى الإطلاق. انتهى. ذكر هَذَا كلّه فِي "عون المعبود" ١٢/ ٢٠١ - ٢٠٢.
(وَفِي الْيَدِ الشَّلاَّءِ) تأنيث الأشلّ، يقال: شَلَّت اليد تَشَلُّ شَلَلاً، منْ باب تَعِبَ، ويُدغم المصدر أيضا: إذا فسدت عُروقها، فبطلت حركتها. قاله الفيّوميّ (إِذَا قُطِعَتْ) بالبناء للمفعول (بِثُلُثِ دِيَتِهَا) أي بثلث دية اليد الصحيحة إذا قُطعت، وفيه عطف المعمولين عَلَى معمولي عاملين، فقوله: "وفي اليد" معطوف عَلَى "فِي العين"، وقوله: "بثلث ديتها" معطوف عَلَى "بثلث ديتها" السابق، وكذا إعراب قوله: (وَفِي السِّنِّ السَّوْدَاءِ، إِذَا نُزِعَتْ) بالبناء للمفعول (بِثُلُثِ دِيَتِهَا) أي بثلث دية السنّ الصحيحة إذا نُزعت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رحمه الله تعالى هَذَا حسن (١).
[فإن قلت]: كيفَ يكون حسنًا، وفيه العلاء بن الحارث، وَقَدْ ذكر فِي "التقريب" أنه اختلط؟.
[قلت]: إنما كَانَ حسنًا؛ لأن العلاء، وإن ذُكر أنه اختلط، لكنه لم يوصف بشدّة الاختلاط، بحيث تُردّ رواياته، راجع ترجمته فِي "تهذيب التهذيب" ٣/ ٣٤١ - ٣٤٢، ويشهد لحديثه هَذَا أثر عمر بن الخطاب ﵁ الآتي، وهو بمعناه. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخر جه هنا -٤٢/ ٤٨٤٢ - وفي "الكبرى" ٤١/ ٧٠٤٤. وأخرجه (د) فِي "الديات" ٤٥٦٧. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي العين العوراء، ونحوها:
стр. 17502
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: واختلفت الرواية عن أحمد فِي اليد الشلّاء، والعين العوراء، والسن السوداء: فعنه فِي كل واحدة ثلث ديتها، ورُوي هَذَا عن عمر بن الخطاب ﵁، ومجاهد، وبه قَالَ إسحاق، وعن زيد بن ثابت: فِي العين القائمة مائة دينار.
[والرواية الثالثة]: عن أحمد فِي كل واحدة حكومة، وهذا قول مسروق، والزهري، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، والنعمان، وابن المنذر؛ لأنه لا يمكن إيجاب دية كاملة؛ لكونها قد ذهبت منفعتها، ولا مُقَدَّر فيها، فتجب الحكومة فيها، كاليد الزائدة.
قَالَ: ولنا ما رَوَى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قَالَ: قضى رسول الله ﷺ ، فِي العين القائمة السادة لمكانها بثلث الدية، وفي اليد الشلاء إذا قطعت ثلث ديتها، وفي السن السوداء إذا قلعت ثلث ديتها، رواه النسائيّ، وأخرجه أبو داود فِي العين وحدها مختصرا، وقول عمر ﵁، رواه قتادة، عن خِلاس، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عباس رحمه الله تعالى: أن عمر بن الخطاب ﵁ قضى فِي العين القائمة إذا خُسفت، واليد الشلاء إذا قُطعت، والسن السوداء إذا كسرت، ثلثُ دية كل واحدة منهن. ولأنها كاملة الصورة، فكان فيها مقدر، كالصحيحة، وقولهم: لا يمكن إيجاب مقدر ممنوع، فإنا قد ذكرنا التقدير، وبيناه.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن المذهب الأول هو الأرجح؛ لظاهر حديث الباب، وهو حديث حسنٌ، وأثر عمر ﵁، المذكور، وهو صحيح، أخرجه البيهقيّ ٨/ ٩٨ منْ طريق سعيد بن منصور، ثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن عبد الله بن بُريدة، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عبّاس، عن عمر بن الخطّاب ﵃، أنه قَالَ: "فِي العين القائمة، والسنّ السوداء، واليد الشلّاء، ثلث ديتها". والله تعالى أعلم.
قَالَ الموفّق: قَالَ القاضي: قول أحمد ﵀: فِي السن السوداء ثلث ديتها، محمول عَلَى سن ذهبت منفعتها، بحيث لا يمكنه أن يَعَضَّ بها الأشياء، أو كانت تَفَتَّتَتْ، فأما إن كانت منفعتها باقية، ولم يذهب منها إلا لونها، ففيها كمال ديتها، سواء قَلَّت منفعتها، بأن عجز عن عَضِّ الأشياء الصَّلْبة بها، أو لم يعجز؛ لأنها باقية المنفعة، فكملت ديتها كسائر الأعضاء، وليس عَلَى مَن سَوَّدها إلا حكومة، وهذا مذهب الشافعيّ، والصحيح منْ مذهب أحمد ما يوافق ظاهر كلامه؛ لظاهر الأخبار، وقضاء عمر بن الخطاب ﵁، وقول أكثر أهل العلم، ولأنه ذهب جمالها بتسويدها، فكملت ديتها عَلَى منْ سَوَّدها، كما لو سَوّد وجهه، ولم يَجِب عَلَى مُتلفها أكثر منْ ثلث ديتها، كاليد الشلاء، وكالسن إذا كانت بيضاء، فانقلعت، ونبت مكانها سوداء لمرض
стр. 17503
فيها، فإن القاضي، وأصحاب الشافعيّ سَلَّموا أنها لا تكمل ديتها. انتهى "المغني" ١٢/ ١٥٤ - ١٥٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٤٣ - (عَقْلُ الأَسْنَانِ)
٤٨٤٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادٌ، عَنْ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فِي الأَسْنَانِ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن معاوية) بن مالج -بميم، وجيم- الأنماطيّ، أبو جعفر البغداديّ، صدوقٌ، ربّما وَهِم [١٠] ١٠٠/ ٢٨٥٨ منْ أفراد المصنّف.
٢ - (عبّاد) بن العوّام بن عمر الكلابيّ مولاهم، أبو سهل الواسطيّ، ثقة [٨] ٢/ ٣٩٠٧.
٣ - (حُسين) بن ذكوان المعلّم المكتب الْعَوْذيّ البصريّ، ثقة، ربما وهِم [٦] ١٢٢/ ١٧٤، والباقون تقدّموا قريبًا. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فِي الأَسْنَانِ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ") الجارّ والمجرور خبر مقدّم، و"خمسٌ" مبتدأ مؤخّر: أي خمس منْ الإبل واجب فِي قلع الأسنان، ولفظ أبي داود: "فِي الأسنان خمس خمس": أي فِي قلع سنّ واحدة خمس منْ الإبل، وأما لو قلع الأسنان كلها، فالواجب الدية كاملة، كما سيأتي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤٣/ ٤٨٤٣ و٤٨٤٤ - وفي "الكبرى" ٤٢/ ٧٠٤٥ و٧٠٤٦. وأخرجه
стр. 17504
(د) فِي "الديات" ٤٥٦٣. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي دية الأسنان:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: لا نعلم بين أهل العلم خلافا، فِي أن دية الأسنان خمس خمس، فِي كل سن، وَقَدْ رُوي ذلك عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، ومعاوية، وسعيد بن المسيب، وعروة، وعطاء، وطاوس، والزهري، وقتادة، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، وفي كتاب عمرو ابن حزم، عن النبيّ ﷺ : "فِي السن خمس منْ الإبل"، رواه النسائيّ ٤٦/ ٤٨٥٥، وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبيّ ﷺ قَالَ: "فِي الأسنان خمس خمس"، رواه أبو داود، والنسائيّ.
فأما الأضراس والأنياب، فأكثر أهل العلم عَلَى أنها مثل الأسنان، منهم: عروة، وطاوس، وقتادة، والزهري، ومالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، ورُوي ذلك عن ابن عباس، ومعاوية. ورُوي عن عمر ﵁ أنه قضى فِي الأضراس ببعير بعير. وعن سعيد بن المسيب، أنه قَالَ: لو كنت أنا لجعلت فِي الأضراس بعيرين بعيرين، فتلك الدية سواء، ورَوَى ذلك مالك فِي "موطائه" ٢/ ٨٦١، وعن عطاء نحوه، وحُكي عن أحمد رواية أن فِي جميع الأسنان، والأضراس الدية، فيتعين حمل هذه الرواية عَلَى مثل قول سعيد؛ للإجماع عَلَى أن فِي كل سن خمسا منْ الإبل، وورد الْحَدِيث به، فيكون فِي الأسنان ستون بعيرا؛ لأن فيه اثني عشر سنا، أربع ثنايا، وأربع رباعيات، وأربعة أنياب، فيها خمس، وفيه عشرون ضرسا، فِي كل جانب عشرة، خمسة منْ فوق، وخمسة منْ أسفل، فيكون فيها أربعون بعيرا، فِي كل ضرس بعيران، فتكمل الدية.
وحجة منْ قَالَ هَذَا أنه ذو عدد، يجب فيه الدية، فلم تزد ديته عَلَى دية الإنسان، كالأصابع، والأجفان، وسائر ما فِي البدن، ولأنها تشتمل عَلَى منفعة جنس، فلم تزد ديتها عَلَى الدية، كسائر منافع الجنس، ولأن الأضراس تختص بالمنفعة دون الجمال، والأسنان فيها منفعة وجمال، فاختلفا فِي الأرش.
قَالَ: ولنا ما رَوَى أبو داود بإسناده، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبيّ ﷺ قَالَ: "الأصابع سواء، والأسنان سواء، الثنية والضرس سواء، هذه وهذه سواء"، وهذا نصٌّ، وقوله فِي الأحاديث المتقدمة: "فِي الأسنان خمس خمس"، ولم يُفَصِّل، يدخل فِي عمومها الأضراس؛ لأنها أسنان، ولأن كل دية وجبت فِي جملة، كانت مقسومة عَلَى العدد، دون المنافع، كالأصابع، والأجفان، والشفتين، وَقَدْ أومأ ابن
стр. 17505
عباس إلى هَذَا، فَقَالَ: "لا أعتبرها بالأصابع"، فأما ما ذكروه منْ المعنى فلابد منْ مخالفة القياس فيه، فمن ذهب إلى قولنا، خالف المعنى الذي ذكروه، ومن ذهب إلى قولهم، خالف التسوية الثابتة بقياس سائر الأعضاء، منْ جنس واحد، فكان ما ذكرناه مع موافقة الأخبار، وقول أكثر أهل العلم أولى، وأما عَلَى قول عمر: إن فِي كل ضرس بعيرا، فيخالف القياسين جميعا، والأخبار، فإنه لا يوجب الدية الكاملة، وإنما يوجب ثمانين بعرِا، ويخالف بين الأعضاء المتجانسة. انتهى "المغني" ١٢/ ١٣٠ - ١٣٢.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه أكئر أهل العلم، منْ كون دية كلّ سنّ خمسًا منْ الإبل، ممواء كانت أضراسًا، أو غيرها هو الأرجح عندي؛ لصحّة الأخبار بذلك، كما سلف إيضاحه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٤٤ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ مَطَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الأَسْنَانُ سَوَاءٌ، خَمْسًا خَمْسًا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الحسين بن منصور": هو أبو علي النيسابوريّ، ثقة فقيه [١٠] ٢٥/ ١٦٦٤.
و"حفص بن عبد الرحمن" بن عمر بن فَرُّوخ بن فَضَالة، أبو عمر الْبَلْخيّ الفقيه النيسابوريّ قاضيها، صدوقٌ، عابدٌ رمي بالإرجاء [٩].
رَوَى عن خارجة بن مصعب، وحَجَّاج بن أرطأة، وإسرائيل، وسعيد بن أبي عروبة، وعاصم الأحول، ومحمد بن مسلم الطائفي، وابن أبي ذئب، وابن إسحاق، وأبي حنيفة، وغيرهم. وعنه ابن بنته إبراهيم بن منصور، وأبو داود الطيالسي، وبشر بن الحكم العبدي، ومحمد بن رافع، والحسين بن منصور بن جعفر، ويحيى بن أكثم، وغيرهم.
قَالَ أبو حاتم: صدوق، مضطرب الْحَدِيث. وَقَالَ النسائيّ: صدوق. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ الحاكم: وَلِيَ أبوه قضاء نيسابور فاستوطنها، ووُلِد له حفص، وعبد الله، وحفص أفقه أصحاب أبي حنيفة الخراسانيين، قَالَ ابن بنته: مات فِي ذي القعدة سنة (١٩٩). وَقَالَ ابن حبّان فِي ترجمته: كَانَ مرجئا. وَقَالَ الحاكم فِي ترجمته: ولي قضاء نيسابور، ثم نَدِم، وأقبل عَلَى العبادة، وأخبرني بعض أصحابنا أن ابن عيينة، وابن المبارك رويا عنه. وَقَدْ كَانَ يحيى بن يحيى كتب عنه، واختَلَف إليه. قَالَ أبو جعفر الجمال: كتب عنه ابن المبارك، فدخل حفص، فاستوى ابن المبارك جالسا، ولم يزل متبسما حَتَّى خرج، فقال: لقد جمع خصالا ثلاثة: الوقار، والفقَه، والورع. وَقَالَ أبو
стр. 17506
أحمد الفراء: كَانَ منْ فقهاء النَّاس. وَقَالَ حسين بن منصور: ما رأيت أبصر بمسألة بلوى منه. وَقَالَ إسحاق بن راهويه: ما رأيت أعقل منه، إلى هنا منْ تاريخ نيسابور. وَقَالَ الآجري: سألت أبا داود عنه، فَقَالَ: خراساني، مُرْجِيء، ولكنه صدوق. وَقَالَ الحاكم فِي سؤالات مسعود: هو ثقة، إلا أن البخاريّ نَقِمَ عليه الإرجاء. وَقَالَ الخليلي: مشهور، روى عنه شيوخ نيسابور، تَعرِفُ، وتُنكِر. وَقَالَ الدارقطنيّ: صالح. وَقَالَ السليماني: فيه نظر. انتهى. تفرّد به المصنّف، وأبو داود فِي "القدر"، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب ثلاثة أحاديث: هَذَا، و٤٤/ ٤٨٤٧ فِي الباب التالي، وفي "كتاب الزينة" ٤٣/ ٥١٨١ حديث علي ﵁: "نهاني رسول الله ﷺ عن لبس المعصفر … الحديث.
و"سعيد بن أبي عَرُوبة "مِهْران": هو اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقة حافظ، له تصانيف، يدلس كثيرًا، واختلط، وكان منْ أثبت النَّاس فِي قتادة [٦] ٣٤/ ٣٨.
و"مطر": هو: ابن طهمان الورّاق، أبو رجاء السلميّ مولاهم، الخراسانيّ، سكن البصرة، صدوقٌ، كثير الخطإ، وحديثه عن عطاء ضعيف [٦] ٣٨/ ٣٢٧٦.
وقوله: "الأسنان سواء" مبتدأ وخبر: أي الأسنان مستوية فِي الأحكام، ضرسها، وأنيابها، وثناياه، وغيرها، لا يفضّل شيء منها بزيادة شيء منْ الدية، بل فِي سنّ منها خمس منْ الإبل.
وقوله: "خمسًا خمسًا": منصوبٌ عَلَى التمييز: أي متساوية منْ حيث وجوب خمس منْ الإبل فِي الدية. قاله السنديّ. ويحتمل أن يكون منصوبًا عَلَى الحال: أي حال كونها مقدّرة بخمس خمس منْ الإبل.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
٤٤ - (بَابُ عَقْلِ الأَصَابعِ)
٤٨٤٥ - (أَخْبَرَنَا أَبُو الأَشْعَثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ
стр. 17507
مَسْرُوقِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "فِي الأَصَابِعِ عَشْرٌ عَشْرٌ").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (أبو الأشعث) أحمد بن المِقْدام العجليّ البصريّ، صدوقٌ [١٠] ١٣٨/ ٣١٩.
٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجيميّ البصريّ ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٤.
٣ - (سعيد) بن أبي عروبة المذكور فِي السند الماضي.
٤ - (قتادة) بن دِعامة السدوسيّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقة ثبت، يدلس [٤] ٣٠/ ٣٤.
٥ - (مسروق بن أوس) التميميّ اليربُوعيّ الحنظليّ البصريّ، وقيل: أوس بن مسروق، وقيل: إن اسم جده مسروق، غزا فِي خلافة عمر ﵁، مقبول [٢].
روى عن أبي موسى الأشعري ﵁. وعنه حُميد بن هلال، وقتادة، وغالبٌ التمّار. ذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ الحافظ: بَيَّن المزّيّ فِي "الأطراف": أن الصواب مسروق بن أوس، وأن شعبة روى الْحَدِيث مرّة بالشكّ، وعنه أحمد، وغيره، منْ رواية شعبة عن غالب، سمعت أوس بن مسرودتى رجلًا منّا، كَانَ أخذ الدرهمين عَلَى عهد عمر بن الخطّاب، وغزا فِي خلافته، وسنده صحيح. انتهى. روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث، كرره ثلاث مرّات هنا ٤٨٤٥ و٤٨٤٦ و٤٨٤٧.
٦ - (أبو موسى) الأشعريّ عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضار الأشعريّ الصحابيّ المشهور ﵁ ٣/ ٣. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير مسروق بن أوس, فتفرّد به المصنّف، وأبو داود، وهذا أول محل ذكره فِي هَذَا الكتاب. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ رضي الله تعالى عنه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "فِي الأَصَابِعِ عَشْرٌ عَشْرٌ") مبتدأ وخبر، كما سبق نظيره فِي الباب الماضي، يعني أنه يجب فِي قطع الأصابع عشر منْ الإبل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 17508
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث.
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ هَذَا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه مسروق بن أوس، ولم يوثّقه غير ابن حبّان؟.
[قلت]: مسروق قد روى عنه حميد بن هلال، وقتادة، وغالب التمّار، وهو منْ كبار التابعين، وَقَدْ غزا فِي خلافة عمر ﵁، ووثقه ابن حبّان، فكون مثل هَذَا ثقة، وتصحيح حديثه واضحٌ، عَلَى أن لحديثه شواهد، منْ حديث ابن عباس، وعبد الله بن عمرو ﵃، كما سيأتي.
والحاصل أن الْحَدِيث صحيح. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤٤/ ٤٨٤٥ و٤٨٤٦ و٤٨٤٧ - وفي "الكبرى" ٤٣/ ٧٠٤٧ و٧٠٤٨ و٧٠٤٩ و٧٠٥٠. وأخرجه (د) فِي "الديات" ٤٥٥٧ (ق) فِي "الديات" ٢٦٥٤ (أحمد) ٤/ ٣٩٧ و٤٩٨ (الدارمي) ٢/ ١٩٤ (ابن حبّان) ١٥٢٧ (البيهقيّ) ٨/ ٩٢. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي دية الأصابع:
قَالَ ابن قُدامة رحمه الله تعالى: ذهب عامّة أهل العلم إلى أن فِي كل أصبع منْ اليدين والرجلين عشرًا، منْ الإبل، وفي كل أنملة منها ثلث عقلها، إلا الإبهام، فإنها مفصلان ففي كل مفصل منها خمس منْ الإبل، وممن قَالَ بهذا عمر، وعلي، وابن عباس ﵃، وبه قَالَ مسروق، وعروة، ومكحول، والشعبي، وعبد الله بن مَعقِل، والثوري، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وأصحاب الْحَدِيث، ولا نعلم فيه مخالفًا، إلا رواية عن عمر، أنه قضى فِي الإبهام بثلث غرة، وفي التي تليها باثنتي عشرة، وفي الوسطى بعشر، وفي التي تليها بتسع، وفي الخنصر بست. ورُوي عنه أنه لما أخبر بكتابٍ كَتَبَه النبيّ ﷺ لآل حزم: "وفي كل أصبع مما هنالك عشر منْ الإبل"، أخذ به، وترك قوله الأول. وعن مجاهد: فِي الإبهام خمس عشرة، وفي التي تليها ثلاث عشرة، وفي التي تليها عشر، وفي التي تليها ثمان، وفي التي تليها سبع.
وحجة الأولين ما رَوى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "دية أصابع اليدين والرجلين، عشر منْ الإبل، لكل أصبع"، أخرجه الترمذيّ، وَقَالَ. حديث صحيح، ورواه أبو داود، والنسائيّ عن أبي موسى، عن النبيّ ﷺ ، وعن
стр. 17509
ابن عباس، قَالَ رسول الله ﷺ : "هذه وهذه سواء"، يعني الإبهام والخنصر، أخرجه البخاريّ، وأبو داود، والنسائي، وفي كتاب النبيّ ﷺ لعمرو بن حزم: "وفي كل إصبع منْ أصابع اليدين والرجلين عشر منْ الإبل"، ولأنه جنسٌ ذو عدد، تجب فيه الدية، فكان سواء فِي الدية، كالأسنان، والأجفان، وسائر الأعضاء، ودية كل أصبع مقسومة عَلَى أناملها.
وفي كل أصبع ثلاث أنامل، إلا الإبهام فإنها أنملتان، ففي كل أنملة منْ غير الإبهام ثلث عقل الإبهام، ثلاثة أبعرة وثلث، وفي كل أنملة منْ الإبهام خمس منْ الإبل نصف ديتها.
وحكي عن مالك أنه قَالَ: الإبهام أيضا ثلاث أنامل: [إحداها]: باطنة، وليس هَذَا بصحيح، فإن الاعتبار بالظاهر، فإن قوله ﵇: "فِي كل أصبع عشر منْ الإبل"، يقتضي وجوب العشر فِي الظاهر؛ لأنها هي الأصبع التي يقع عليها الاسم، دون ما بطن منها، كما أن السن التي يتعلق بها وجوب ديتها، هي الظاهرة منْ لحم اللثة، دون سِنْخها، والحكم فِي أصابع اليدين والرجلين سواء؛ لعموم الخبر فيهما، وحصول الاتفاق عليهما. انتهى "المغني" ١٢/ ١٤٩ - ١٥٠.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الموفّق منْ تقرير مذهب الجمهور عندي هو الصواب؛ لظهور أدلته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي دية الأصبع الزائدة:
قَالَ ابن قُدامة رحمه الله تعالى: فِي الأصبع الزائدة حكومة، وبذلك قَالَ الثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي، وعن زيد بن ثابت ﵁ أن فيها ثلث دية الأصبع، وذكر القاضي أنه قياس المذهب، عَلَى رواية إيجاب الثلث فِي اليد الشلاء، والأول أصح؛ لأن التقدير لا يصار إليه إلا بالتوقيف، أو بمماثلته لما فيه توقيف، وليس ذلك هاهنا؛ لأن اليد الشلاء، يحصل بها الجمال، والأصبع الزائدة لا جمال فيها فِي الغالب، ولأن جمال اليد الشلاء، لا يكاد يختلف، والأصبع الزائد تختلف باختلاف محالها، وصفتها، وحُسنها، وقبحها، فكيف يصح قياسها عَلَى اليد؟. انتهى "المغني" ١٢/ ١٥٠ - ١٥١.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأول هو الأرجح عندي، كما صححه الموفّق؛ لظهور حجته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
٤٨٤٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ غَالِبٍ التَّمَّارِ، عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "الأَصَابِعُ سَوَاءٌ عَشْرًا").
стр. 17510
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"يزيد بن زُريع": هو أبو معاوية البصريّ الثقة الثبت [٨] ٥/ ٥.
[تنبيه]: كون "يزيد بن زريع" فِي هَذَا السند هو الذي وقع فِي بعض النسخ، ووقع فِي بعضها بدله: "محمد بن جعفر"، وهو غندر، وَقَدْ أخرجه فِي "الكبرى" منْ كلا الطريقين، لكن طريق غندر فيها إدخال "حميد بن هلال" بين غالب، ومسروق بن أوس، كرواية حفص بن عبد الرحمن الآتية، والظاهر أن الرواية ثابتة بالطريقين، وبه يظهر أن الذي وقع فِي بعض نسخ "المجتبى" منْ إبدال محمد بن جعفر عن يزيد بن زُريع فِي صحته نظرٌ؛ لأن رواية محمد بن جعفر فيها زيادة حميد بن هلال فِي السند، لكن وجدت ما يؤيد هذه النسخة فِي "سنن أبي داود"، فإنه قَالَ -بعد أن أخرج الْحَدِيث عن أبي الوليد، عن شعبة-: ما نضه: رواه محمد بن جعفر، عن شعبة، عن غالب، قَالَ: سمعت مسروق بن أوس. انتهى.
فعلى هَذَا يحتمل أن يكون محمد بن جعفر رواه بالطريقين، أعني الطريق التي فيها ذكر حميد بن هلال، والطريق التي فيها حذفه. والله تعالى أعلم.
وأما ما قع فِي النسخة "الهنديّة" هنا: منْ قوله: "حدّثنا محمد بن يزيد بن زُريع"، فإنه غلط محض، وإنما الصواب: إما محمد بن جعفر، وإما يزيد بن زريع، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
و"سعيد": هو ابن أبي عروبة.
و"غالب التمّار": هو ابن مِهران، وقيل: ابن ميمون العبديّ، أبو عَفّان، وقيل: أبو غِفار البصريّ، صدوقٌ [٦].
رَوَى عن أوس بن مسروق، وحميد بن هلال، وعامر الشعبي، وعبد الله بن إبراهيم. ورَوَى عنه قتادة، وهو أكبر منه، وشعبة، وسعيد بن أبي عروبة، وإسماعيل ابن علية، ومسعود بن واصل، وحنظلة بن أبي سفيان. قَالَ أبو حاتم: صالح. وَقَالَ ابن سعد: كَانَ ثقة. وَقَالَ ابن حبّان فِي "الثقات": غالب بن مِهْران، ويقال: ابن ميمون. ونَصَّ بن ماكولا عَلَى أن كنيته: أبو غفار -بالغين المعجمة المكسورة، والفاء الخفيفة- وكذا ذكره النسائيّ وغيره فِي "الكنى" فِي حرف الغين المعجمة. روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، له عندهم هَذَا الْحَدِيث فقط.
وقوله: "الأصابع سواء": مبتدأ وخبره، أي الأصابع كلها متساوية فِي الدية. وقوله: "عشراً" منصوب عَلَى الحال: أي حال كونها مقدّرة بعشر منْ الإبل، أو منصوب عَلَى التمييز: أي منْ حيث وجوب عشر منْ الإبل.
стр. 17511
والحديث صحيح، وَقَدْ سبق القول فيه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٤٧ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصٌ -وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَلْخِيُّ- عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ غَالِبٍ التَّمَّارِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: "قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّ الأَصَابِعَ سَوَاءٌ، عَشْرًا عَشْرًا مِنَ الإِبِلِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا السند إلى "سعيد"، وهو ابن أبي عروبة تقدّموا فِي الباب الماضي. و"حميد بن هلال": هو أبو نصر العدوي البصريّ، ثقة عالم، توقف فيه ابن سيرين لدخوله فِي عمل السلطان [٣] ٤/ ٤.
وقوله: "عشرًا عشرًا" سبق بيان إعرابه فيما قبله، والحديث صحيح، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٤٨ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّهُ لَمَّا وُجِدَ الْكِتَابُ الَّذِي عِنْدَ آلِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، الَّذِي ذَكَرُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ لَهُمْ، وَجَدُوا فِيهِ: "وَفِيمَا هُنَالِكَ مِنَ الأَصَابِعِ عَشْرًا عَشْرًا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "يحيى بن سعيد": هو الأنصاريّ.
وقوله: "لما وُجد" ببناء الفعل للمفعول. وقوله: "وفيما هنالك الخ" مفعول "وجدوا" محكيّ؛ لقصد لفظه، يعني أنهم وجدوا فِي ذلك الكتاب هَذَا النصّ. وقوله: "عشرًا عشرًا" نصب بفعل مقدّر: أي يعطي عشرًا، يعني أن الجاني يعطي للمجنيّ عليه لكلّ إصبع منْ أصابعه عشرًا منْ الإبل.
والحديث صحيح، وسيأتي تمام البحث فيه بعد باب، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٤٩ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي قَتَادَةُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضى الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ"- يَعْنِي الْخِنْصَرَ وَالإِبْهَامَ).
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن علي) الفلّاس الصيرفي البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (يحيي بن سعيد) القطّان البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧.
٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصريّ الثقة الثبت [٤] ٣٠/ ٣٤.
стр. 17512
٥ - (عكرمة) البربريّ، مولى ابن عباس، ثقة ثبت [٣] ٢/ ٣٢٥.
٦ - (ابن عباس) عبد الله رضي الله تعالى عنهما ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) وفي رواية للبخاريّ منْ طريق ابن أبي عديّ، عن شعبة: "قَالَ: سمعت النبيّ ﷺ " (قَالَ: "هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ") أي أن الخنصر، والإبهام متساويتان فِي الدية، ففي كلّ منهما عشر منْ الإبل، كما سبق بيانه فِي الأحاديث السابقة، واللاحقة.
(يَعْنِي) فِي رواية يزيد بن زريع، عن شعبة الآتية بعد هَذَا بحذف لفظة "يعني" (الْخِنْصَرَ) -بكسر الخاء المعجمة، وسكون النون، وكسر الصاد المهملة، وتفتح، آخره راء- قَالَ المجد فِي "القاموس": "الْخِنْصِرُ" ويُفتح الصاد: الإصبع الصغرى، أو الوسطى، مؤنث. انتهى.
(وَالْإبْهَامَ) قَالَ المجد أيضًا: الإبهام بالكسر فِي اليد، والقدم أكبر الأصابع، وَقَدْ تذكّر، جمعه أَباهيم، وأَباهِم. انتهى.
قَالَ الترمذيّ رحمه الله تعالى بعد أن أخرج الْحَدِيث: والعمل عَلَى هَذَا عند أهل العلم، وبه يقول الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. انتهى.
وَقَالَ فِي "الفتح": وبه قَالَ جميع فقهاء الأمصار، وكان فيه خلاف قديم، فأخرج ابن أبي شيبة، منْ رواية سعيد بن المسيب، عن عمر: "فِي الإبهام خمسة عشر، وفي السبابة والوسطى عشر عشر، وفي البنصر تسع، وفي الخنصر ست"، ومثله عن مجاهد، وفي "جامع الثوري" عن عمر نحوه، وزاد: قَالَ سعيد بن المسيب: حَتَّى وَجَدَ عمر فِي كتاب الديات لعمرو بن حزم: "فِي كل إصبع عشر"، فرجع إليه.
وكتاب عمرو بن حزم، أخرجه مالك، فِي "الموطإ" عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه: "أن فِي الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن
стр. 17513
حزم، فِي العقول: أن فِي العشرة مائة منْ الإبل"، وفيه: "وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون، وفي كل إصبع مما هناك عشر منْ الإبل"، ووصله أبو داود فِي "المراسيل"، والنسائي منْ وجه آخر، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده مطولاً، وصححه ابن حبّان، وأعله أبو داود، والنسائي، وأخرج عبد الرزاق، عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه: "فِي الإبهام، والتي تليها نصف دية اليد، وفي كل واحدة عشر". وأخرج ابن أبي شيبة، عن مجاهد، نحو أثر عمر، إلا أنه قَالَ: "فِي البنصر ثمان، وفي الخنصر سبع". ومن طريق الشعبي: كنت عند شُريح، فجاءه رجل، فسأله، فَقَالَ: "فِي كل إصبع عشر"، فَقَالَ: سبحان الله، هذه وهذه سواء، الإبهام والخنصر؟ قَالَ: ويحك، إن السنة مَنَعَت القياسَ، اتَّبع، ولا تبتدع. وأخرجه ابن المنذر، وسنده صحيح. وأخرج مالك فِي "الموطإ": أن مروان بعث أبا غَطَفان المزني إلى ابن عباس: ماذا فِي الضرس؟، فَقَالَ: خمس منْ الإبل، قَالَ: فرَدَّني إليه، أتجعل مقدم الفم، مثل الأضراس؟ فَقَالَ: لو لم تعتبر ذلك إلا فِي الأصايع عقلها سواء. وهذا يقتضي أن لا خلاف عند ابن عباس ومروان فِي الأصابع، وإلا لكان فِي القياس المذكور نظر.
قَالَ الخطّابيّ: هَذَا أصل فِي كل جناية، لا تضبط كميتها، فإذا فاق ضبطها منْ جهة المعنى، واعتُبِرت منْ حيث الاسم، فتتساوى ديتها، وإن اختلف حالها، ومنفعتها، ومبلغ فعلها، فان للابهام منْ القوة ما ليس للخنصر، ومع ذلك فديتهما سواء، ومثله فِي الجنين غُرَّةٌ، سواء كَانَ ذكرا أو أنثى، وكذا القول فِي المواضح ديتها سواء، ولو اختلفت فِي المساحة، وكذلك الأسنان نفع بعضها أقوى منْ بعض، وديتها سواء، نظرا للاسم فقط. وما أخرجه مالك فِي "الموطإ" عن ربيعة: سألت سعيد بن المسيب، كم فِي إصبع المرأة؟ قَالَ: عشر، قلت: ففي إصبعين؟ قَالَ: عشرون، قلت: ففي ثلاث؟ قَالَ: ثلاثون، قلت: ففي أربع؟ قَالَ: عشرون، قلت: حين عَظُم جُرْحها، واشتدت مصيبتها نقص عقلها، قَالَ: يا ابن أخي هي السنة، فإنما قَالَ ذلك؛ لأن دية المرأة نصف دية الرجل، كنها عنده تساويه فيما كَانَ قدر ثلث الدية، فما دونه، فإذا زاد عَلَى ذلك رجعت إلى حكم النصف. انتهى ما فِي "الفتح" ١٤/ ٢١٤ - ٢١٦.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم فِي المسألة الثالثة منْ مسائل الْحَدِيث الأول فِي الباب تحقيق الخلاف، وترجيح الراجح فِي هذه المسألة، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
стр. 17514
حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما هَذَا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤٤/ ٤٨٤٩ و٤٨٥٠ - وفي "الكبرى" ٤٣/ ٧٠٥٢ و٧٠٥٣. وأخرجه (خ) فِي "الديات" ٦٨٩٦ (د) فِي "الديات" ٤٥٥٨ (ت) فِي "الديات" ١٣٩٢ (ق) فِي "الديات" ٢٦٥٢ (أحمد) فِي "مسند بني هاشم" ٢٠٠٠ و٣١٤٠ و٣٢١٠ (الدارمي) فِي "الديات" ٢٢٦٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٥٠ - (أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "فَهَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ، الإِبْهَامُ وَالْخِنْصَرُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
و"نصر بن عليّ": هو الجهضميّ البصريّ، ثقة ثبتٌ، طُلب للقضاء، فامتنع، وهو أحد مشايخ الستة بلا واسطة [١٠] ٢٠/ ٣٨٦.
والحديث موقوف صحيح، تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٤٤/ ٤٨٥٠ - وفي "الكبرى" ٤٣/ ٧٠٥٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٥١ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "الأَصَابِعُ عَشْرٌ عَشْرٌ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
وقوله: "الأصابع عشر عشر": مبتدأ وخبر عَلَى حذف مضاف: أي دية الأصابع عشرٌ، يعني أن دية كل إصبع منْ أصابع اليدين، والرجلين عشر، منْ الإبل، فهي متساوية فِي الحكم، وإن اختلفت فِي المعاني، والمنافع، قصدًا للضبط، وكذا الأسنان، كما سبق، فلو اعتُبرت المنفعة فِي كلها، لاختلف الأمر اختلافًا شديدًا.
والحديث موقوف صحيح أيضًا، تفرد به المصنّف، فأخرجه هنا -٤٤/ ٤٨٥١ - وفي "الكبرى" ٤٣/ ٧٠٥٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٥٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، قَالَ فِي خُطْبَتِهِ: "وَفِي الأَصَابِعِ عَشْرٌ عَشْرٌ").
стр. 17515
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "إسماعيل بن مسعود": هو الْجَحْدريّ البصريّ. و"خالد بن الحارث": هو الْهُجَيميّ البصريّ. و"حسين المعلّم": هو ابن ذَكْوان البصريّ.
والحديث صحيح، أخرجه المصنّف هنا -٤٤/ ٤٨٥٢ - وفي "الكبرى" ٤٣/ ٧٠٥٥. وأخرجه (د) فِي "الديات" ٤٥٦٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٥٣ - (أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْهَيْثَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ فِي خُطْبَتِهِ، وَهُوَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ: "الأَصَابِعُ سَوَاءٌ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عبد الله بن الْهَيْثَم": بن عثمان، ويقال: ابن محمد بن الهيثم العبديّ، أبو محمد البصريّ، نزيل الرَّقَّة، لا بأس به [١١] ٦٧/ ٢٣٢٤ منْ أفراد المصنّف. و"حجّاج": هو ابن محمد الأعور الْمِصِّيصيّ. و"همّام": هو ابن يحيى الْعَوْذيّ البصريّ.
والحديث صحيح، تفرد به المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٤٤/ ٤٨٥٣ - وفي "الكبرى" ٤٣/ ٧٠٥٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٤٥ - (الْمَوَاضِحُ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "المواضح" بفتح الميم: جمع موضِحة، وهي الشّجّة التي توضح العظم: أي تظهره.
قال ابن منظور: الواضحة منْ الشِّجاج: التي تبدي وضَحَ العظم: أي بياضه. قال ابن سيدَهْ: والموضحة منْ الشِّجاج التي بلغت العظم، فأوضحت عنه. وقيل: هي التي تَقْشِر الجِلدة التي بين اللحم والعظم، أو تشقّها حَتَّى يبدو وَضحُ العظم، وهي التي يكون فيها القصاص خاصّةً؛ لأنه ليس منْ الشِّجاج شيء له حدّ يَنتهي إليه سواها، وأما غيرها منْ الشجاج، ففيها ديتها. انتهى "اللسان".
وقال ابن الأثير: وفي حديث الشِّجاج ذِكرُ الموضحة فِي أحاديث كثيرة، وهي التي تُبدي وَضَحَ العظم: أي بياضه، والجمع الْمَوَاضِحُ، والتي فُرض فيها خمس منْ الإبل، هي ما كانت فِي الرأس والوجه، فأما الموضِحة فِي غيرهما، ففيها الحكومة. انتهى
стр. 17516
"النهاية" ٥/ ١٩٦.
وَقَالَ ابن منظور أيضًا "الشجّة": الْجُرح يكون فِي الوجه والرأس، فلا يكون فِي غيرهما منْ الجسم، وجمعها شِجاج، وشَجّه يِشُجُّهُ -بالضم- ويشِجَه -بالكسر- شَجّا، فهو مشجوج، وشَجِيجٌ، منْ قوم شَجًى.
وَقَالَ أيضًا: الشَّجّةُ: واحدة شِجَاج الرأس، وهس عشرة:
١ - الحارصة، وهي التي تَقشِرُ الجلدَ، ولا تُدميه، و٢ - الدامعة بالعين المهملة-: وهي التي تُظهر الدم كالدمع، ولا تُسيله، و٣ - الدامية: وهي التي تُدميه، و٤ - الباضعة: وهي التي تشُقُّ اللحم شقّا كبيرًا، و٥ - السِّمْحاقُ: وهي التي يَبقَى بينها وبين اللحم جلدة رقيقةٌ، فهذه خمس شِجاج، ليس فيها قصاص، ولا أرشٌ مقدّر، وتجب فيها حكومة.
و٦ - الموضحة: وهي التي تَبلُغ إلى العظم، وفيها خمس منْ الإبل، ثم ٧ - الهاشمة: وهي التي تَهشِم العظمَ: أي تكسره، وفيها عشر منْ الإبل، و٨ - الْمُنَقِّلةُ: وهي التي يُنقل منها العظم منْ موضع إلى موضع، وفيها خمس عشرة منْ الإبل، ثم ٩ - المأمومة، ويقال لها: الآمّة: وهي التي لا يَبقى بينها وبين الدمَاغ إلا جلدة رقيقة، وفيها ثلث الدية، و١٠ - الدامغة: وهي التي تبلغ الدماغ، وفيها أيضًا ثلث الدية. انتهى "لسان العرب" ٢/ ٣٠٣ - ٣٠٤ بزيادة إصلاح لما سقط منْ نسخته (١). والله تعالى أعلم.
[فائدة]: قَالَ الأزهريّ: معنى الحكومة فِي أرش الجراحات التي ليس فيها ديةٌ معلومة: أن يُجرح الإنسان فِي موضع فِي بدنه مما يُبقِى شَينَهُ، ولا يُبطل العضوَ، فيقتاسُ الحاكم أرشه بأن يقول: هَذَا المجروح لو كَانَ عبدًا غيرَ مَشِين هَذَا الشَّيْنَ بهذه الجراحة كانت قيمته ألف درهم، وهو مع هَذَا الشين قيمته تسعمائة درهم، فقد نقصه الشين عُشر قيمته، فيجب عَلَى الجارح عُشرُ ديته فِي الحرّ؛ لأن المجروح حر، وهذا وما أشبهه بمعنى الحكومة التي يستعملها الفقهاء فِي أرش الجراحات، فاعلمه. انتهى "اللسان" ١٢/ ١٤٥.
وفي "الدرّ المختار" منْ كتب الحنفية: ما معناه: حكومة العدل أن يُنظر، كم مقدار هذه الشجّة منْ الموضحة، فيجب بقدر ذلك منْ نصف عشر الدية. قاله الكرخيّ. وَقَالَ الطحاويّ: يقوّم المشجوج عبدًا بلا هَذَا الأثر، ثم معه، فقدر التفاوت بين القيمتين فِي الحرّ منْ الدية، وفي العبد منْ القيمة، فإن نقص الحرّ عشر قيمته أخذ عشر ديته، وكذا فِي النصف، والثلث. انتهى "الدّرّ" ٦/ ٦١٩ - ٦٢٠ بنسخة "حاشية ردّ المحتار" لابن عابدين. والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 17517
٤٨٥٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، قَالَ فِي خُطْبَتِهِ: "وَفِي الْمَوَاضِحِ خَمْسٌ خَمْسٌ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الإسناد هو الذي سبق قبل حديث فِي الباب الماضي. وهو سند مسلسل بالبصريين إلى عمرو. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بن العاص رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ) أي فِي شهر رمضان منْ السنة الثامنة منْ الهجرة (قَالَ فِي خُطْبَتِهِ: "وَفِي الْمَوَاضِحِ خَمْسٌ خَمْسٌ) مبتدأ مؤخَرٌ، وخبرٌ مقدّم، كما سبق، يعني أنه يجب دفع خمس منْ الإبل فِي شجّ الإنسان غيره فِي رأسه، أو وجهه، بجراحة تزيل اللحم منْ العظم، وتظهره، وهذا إذا كَانَ خطأ، فأما إذا كَانَ عمدًا ففيه القصاص.
قَالَ فِي "المغني" ١٢/ ١٥٨ - ١٥٩: الموضحة فِي الرأس، والوجه سواء، وهي التي تبرز العظم، وليس فِي الشجاج ما فيه قصاص سواها، ولا يجب المقدر فِي أقل منها، وهي التي تصل إلى العظم، سُمّيت موضحة؛ لأنها أبدت وَضَحَ العظم، وهو بياضه. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه الموجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤٥/ ٤٨٥٤ - وفي "الكبرى" ٤٤/ ٧٠٥٧. وأخرجه (د) فِي "الديات" ٤٥٦٦ (ت) فِي "الديات" ١٣٩٠ (ق) فِي "الديات" ٢٦٥٥ (أحمد) فِي "مسند المكثرين" ٦٦٤٣ و٦٧٣٣ و٦٨٩٤ (الدارمي) فِي "الديات" ٢٢٦٦. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي المواضح:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: أجمع أهل العلم عَلَى أن أرش الموضحة، مقدر، قاله ابن المنذر، وفي كتاب النبيّ ﷺ لعمرو بن حزم: "وفي الموضحة خمس منْ الإبل"، رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي، وَقَالَ: حديث حسن.
قَالَ: وقولُ الْخِرَقي: "فِي موضحة الحر" يحترز به منْ موضحة العبد. وقوله: سواء
стр. 17518
كَانَ منْ رجل، أو امرأة، يعني أنهما لا يختلفان فِي أرش الموضحة؛ لأنها دون ثلث الدية، وهما يستويان فيما دون الثلث، ويختلفان فيما زاد، وعند الشافعيّ أن موضحة المرأة عَلَى النصف منْ موضحة الرجل، بناءً عَلَى أن جراح المرأة عَلَى النصف منْ جراح الرجل، فِي الكثير والقليل.
قَالَ: وعموم الْحَدِيث الذي رويناه حجة عليه، وفيه كفاية.
وأكثر أهل العلم عَلَى أن الموضحة فِي الرأس والوجه سواء، رُوي ذلك عن أبي بكر، وعمر ﵄، وبه قَالَ شريح، ومكحول، والشعبي، والنخعي، والزهري، وربيعة، وعبيد الله بن الحسن، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
ورُوي عن سعيد بن المسيب، أنه قَالَ: تضعف موضحة الوجه عَلَى موضحة الرأس، فيجب فِي موضحة الوجه عشر منْ الإبل؛ لأن شينها أكثر، وذكره القاضي رواية عن أحمد، وموضحة الرأس يسترها الشعر والعمامة. وَقَالَ مالك: إذا كانت فِي الأنف، أو فِي اللِّحْي الأسفل، ففيها حكومة؛ لأنها تبعد عن الدماغ، فأشبهت موضحة سائر البدن.
قَالَ: ولنا عموم الأحاديث، وقول أبي بكر وعمر ﵄: الموضحة فِي الرأس والوجه سواء، ولأنها موضحة، فكان أرشها خمسا منْ الإبل، كغيرها مما سلموه، ولا عبرة بكثر الشين، بدليل التسوية بين الصغيرة والكبيرة، وما ذكروه لمالك لا يصح، فإن الموضحة فِي الصدر أكثر ضررا، وأقرب إلى القلب، ولا مقدر فيها. وَقَدْ رُوي عن أحمد ﵀، أنه قَالَ: موضحة الوجه أحرى أن يزاد فِي ديتها، وليس معنى هَذَا أنه يجب فيها أكثر والله أعلم- وإنما معناه أنها أولى بإيجاب الدية، فإنه إذا وجب فِي موضحة الرأس مع قلة شينها، واستتارها بالشعر، وغطاء الرأس خمس منْ الإبل، فلأن يجب ذلك فِي الوجه الظاهر الذي هو مجمع المحاسن، وعنوان الجمال أولى، وجَعلُ كلام أحمد عَلَى هَذَا أولى منْ حيله عَلَى ما يخالف الخبر والأثر، وقولَ أكثر أهل العلم، ومصيره إلى التقدير بغير توقيف، ولا قياس صحيح.
قَالَ: وبجب أرش الموضحة فِي الصغيرة، والكبيرة، والبارزة، والمستورة بالشعر؛ لأن اسم الموضحة يشمل الجميع، وحد الموضحة ما أفضى إلى العظم، ولو بقدر إبرة، ذكره ابن القاسم والقاضي. انتهى "المغني" باختصار ١٢/ ١٥٨ - ١٦٠.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكره ابن قُدامة رحمه الله تعالى أن الأرجح هو ما ذهب إليه أحمد ومن معه منْ أنَّ فِي الموضحة خمسًا منْ الإبل مطلقًا، سواء كَانَ منْ الرجل، أو المرأة؛ عملاً بظاهر عموم حديث الباب. والله تعالى أعلم
стр. 17519
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي موضحة غير الرأس والوجه:
ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه ليس فِي موضحة غير الرأس والوجه مقدر، وبه قَالَ مالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، قَالَ ابن عبد البرّ: ولا يكون فِي البدن موضحة -يعني ليس فيها مقدر- قَالَ: وعلى ذلك جماعة العلماء، إلا الليث بن سعد، قَالَ: الموضحة تكون فِي الجسد أيضا، وَقَالَ الأوزاعي: فِي جراحة الجسد عَلَى النصف منْ جراحة الرأس، وحُكي نحو ذلك عن عطاء الخراساني، قَالَ فِي الموضحة فِي سائر الجسد: خمسة وعشرون دينارا.
وحجة الأولين أن اسم الموضحة إنما يُطلق عَلَى الجراحة المخصوصة، فِي الوجه والرأس، وقول الخليفتين الراشدين -يعني أبا بكر، وعمر رضي الله تعالى عنهما-: الموضحة فِي الوجه والرأس سواء، يَدُلُّ عَلَى أن باقي الجسد بخلافه، ولأن الشين فيما فِي الرأس والوجه أكثر، وأخطر مما فِي سائر البدن، فلا يلحق به، ثم إيجاب ذلك فِي سائر البدن يفضي إلى أن يجب فِي موضحة العضو أكثر منْ ديته، مثل أن يوضح أنملة ديتها ثلاثة وثلث، ودية الموضحة خمس، وأما قول الأوزاعي، وعطاء الخراساني، فتَحَكُّم، لا نص فيه، ولا قياس يقتضيه، فيجب اطِّراحه. قاله فِي "الغني" ١٢/ ١٦١.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأرجح هو ما عليه الجمهور منْ أنه لا مقدّر فِي موضحة غير الرأس والوجه، بل يجب فيها حكومة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٤٦ - (ذِكْرِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِى الْعُقُولِ وَاخْتِلَافِ النَّاقِلِينَ لَهُ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "العُقُول": بالضمّ جمع عَقْل بالفتح، كفلس وفُلُوس.
ووجه الاختلاف فِي هَذَا الْحَدِيث أنه اختُلِف فيه عَلَى يحيى بن حمزة، فرواه عنه الحكم بن موسى، عن سليمان بن داود، عن الزهريّ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو
стр. 17520
ابن حزم، عن أبيه، عن جدّه: أن رسول الله ﷺ ، وخالفه محمد بن بكّار، فرواه عن يحيى، عن سليمان بن أرقم، عن الزهريّ، عن أبي بكر، به، ورجّح المصنّف هَذَا الطريق، مع أن سليمان متروك، وجعل رواية الحكم بن موسى خطأ، وكذلك قَالَ أبو داود فِي "المراسيل": وَقَدْ وَهِم الحكم بن موسى فِي قوله: سليمان بن داود، وَقَالَ أيضًا: قد أُسند هَذَا الْحَدِيث، ولا يصحّ، والذي فِي إسناده سلييان بن داود وَهَمٌ، إنما هو سليمان بن أرقم. انتهى.
وخالفهما يونس بن يزيد، فرواه ٤٨٥٧ - عن الزهريّ، مرسلا، وكذلك رواه سعيد ابن عبد العزيز ٤٨٥٨ - عن الزهر، فأرسله، ورواه مالك ٤٨٥٩ - عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، مرسلا، ورجح الأكثرون أن المرسل هو المحفوظ؛ لأن طريق الوصل فيه سليمان بن أرقم، وهو متروك، كما قَالَ المصنّف، لكن المرسل قد اعتضد بتلقّى الأمة بالقبول، فهو صحيح، وسيأتي مزيد إيضاح لذلك إن شاء الله تعالى.
٤٨٥٥ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ كِتَابًا، فِيهِ الْفَرَائِضُ، وَالسُّنَنُ، وَالدِّيَاتُ، وَبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، فَقُرِئَتْ عَلَى أَهْلِ الْيَمَنِ، هَذِهِ نُسْخَتُهَا: "مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ ﷺ ، إِلَى شُرَحْبِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، وَنُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، وَالْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، قَيْلِ ذِي رُعَيْنٍ، وَمُعَافِرَ، وَهَمْدَانَ، أَمَّا بَعْدُ … وَكَانَ فِي كِتَابِهِ: أَنَّ مَنِ اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا قَتْلاً، عَنْ بَيِّنَةٍ، فَإِنَّهُ قَوَدٌ، إِلاَّ أَنْ يَرْضَى أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ، وَأَنَّ فِي النَّفْسِ الدِّيَةُ، مِائَةً مِنَ الإِبِلِ، وَفِي الأَنْفِ إِذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ، وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وَفِي الصُّلْبِ الدِّيَةُ، وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشَرَةَ مِنَ الإِبِلِ، وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ، عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ، وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ، وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ، وَأَنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ").
رجال هَذَا الإسناد: ثمانية:
١ - (عمرو بن منصور) أبو سعيد النسائيّ، ثقة ثبتٌ [١] ١٠٨/ ١٤٧ منْ أفراد المصنّف.
٢ - (الحكم بن موسى) بن أبي زُهير شير زاد البغداديّ، أبو صالح الْقَنْطريّ، صدوقٌ [١٠].
رَأَى مالك بن أنس، وروى عن ضمرة بن ربيعة، وإسماعيل بن عياش، وشعيب بن
стр. 17521
إسحاق، وابن المبارك، والوليد بن مسلم، ويحيى بن حمزة الحضرميّ، وعيسى بن يونس، والْهِقْل بن زياد، ومعاذ بن معاذ العنبري، وغيرهم. ورَوى عنه البخاريّ تعليقًا، ومسلم، وأبو داود فِي "المراسيل"، ورَوَى له النسائيّ، وابن ماجه بواسطة عمرو بن منصور، وأبي زرعة، وأبو حاتم، وأحمد بن حنبل، وابنه عبد الله، والدارمي، وأبو قدامة السرخسي، وابن المديني، والذهلي، والزعفراني، وأبو زرعة الدمشقي، وغيرهم.
قَالَ ابن معين: ليس به بأس، وَقَالَ مرة: ثقة، وكذا قَالَ العجليّ. وَقَالَ أبو حاتم: صدوقٌ. وَقَالَ ابن سعد: ثقة، كثير الْحَدِيث، وكان رجلا صالحا، ثَبْتًا فِي الْحَدِيث. وَقَالَ موسى بن هارون: حدثنا الحكم بن موسى، أبو صالح الشيخ صالح، وَقَالَ: بلغني عن ابن المديني أنه قَالَ كذلك، وكذا قَالَ البغوي. وَقَالَ الصالح جزرة: الثقة المأمون. وَقَالَ ابن قانع: ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ البخاريّ، وجماعة: مات سنة (٢٣٢) زاد البغوي: ليومين منْ شوال.
روى له البخاريّ فِي التعاليق، ومسلم، والمصنّف، وأبو داود فِي "المراسيل"، وابن ماجه، وله عند المصنّف هَذَا الْحَدِيث فقط.
٣ - (يحيى بن حمزة) أبو عبد الرحمن الحضرميّ الدمشقيّ القاضي، ثقة، رُمي بالقدر [٨] ٦٠/ ١٧٦٨.
٤ - (سليمان بن داود) الخولانيّ، أبو داود الدمشقيّ الدرانيّ، سكن داريا، صدوقٌ [٧] وفي "تهذيب التهذيب" ٢/ ٩٣ - : رَوَى عن الزهريّ، وعمر بن عبد العزيز، وأبي بردة بن أبي موسى، وأبي قلابة، وأيوب بن نافع بن كيسان. وعنه يحيى بن حمزة الحضرميّ، وصدقة بن عبد الله السمين، وهشام بن الغاز، والْوَضِين بن عطاء. قَالَ القاضي، أبو علي الخولاني فِي "تاريخ داريا": كَانَ حاجبا لعمر بن عبد العزيز، وكان مُقَدَّما عنده، وولده بداريا إلى اليوم.
ورَوَى الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزهريّ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، حديثَ الصدقات بطوله، وفيه: الدياتُ وغيرُ ذلك، قَالَ أبو داود: هَذَا وَهَم منْ الحكم، ورواه محمد بن بكار بن بلال، عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم، عن الزهريّ، وكذا حَكَى غير واحد أنه قرأه فِي أصل يحيى بن حمزة، وَقَالَ النسائيّ: هَذَا أشبه بالصواب، وسليمان بن أرقم متروك. وَقَالَ أبو يعلى الموصلي، عن ابن معين: ليس بمعروف، وليس يصح هَذَا الْحَدِيث. وَقَالَ أبو حاتم: لا بأس به، يقال: إنه سليمان بن أرقم. وَقَالَ ابن
стр. 17522
المديني: منكر الْحَدِيث، وضعفه. وَقَالَ غير واحد، عن ابن معين: ليس بشيء.
قَالَ عثمان الدارمي: أرجو أنه ليس كما قَالَ، فإن يحيى بن حمزة، رَوَى عنه أحاديث حسانا، كأنها مستقيمة، وَقَالَ البغوي: سمعت أحمد بن حنبل، سُئل عن حديث الصدقات، الذي يرويه يحيى بن حمزة، أصحيح هو؟ فَقَالَ: أرجو أن يكون صحيحا. وَقَالَ ابن عدي: للحديث أصل فِي بعض ما رواه معمر، عن الزهريّ، لكنه أفسد إسناده، ورواه سليمان بن داود هَذَا، فجوّد الإسناد. وَقَالَ يعقوب بن سفيان: لا أعلم فِي جميع الكتب أصح منْ كتاب عمرو بن حزم. وَقَالَ ابن حبّان: سليمان بن داود الخولاني، منْ أهل دمشق، ثقة مأمون، وسليمان بن داود اليمامي، لا شيء، وجميعا يرويان عن الزهريّ.
وَقَالَ البيهقي: وَقَدْ أثنى عَلَى سليمان بن داود أبو زرعة، وأبو حاتم، وعثمان بن سعيد، وجماعة منْ الحفاظ، ورأوا هَذَا الْحَدِيث الذي رواه فِي الصدقات، موصول الإسناد حسنًا. قَالَ الحافظ: أما سليمان بن داود الخولاني، فلا ريب فِي أنه صدوقٌ، لكن الشبهة دخلت عَلَى حديث الصدقات، منْ جهة أن الحكم بن موسى غلط، فِي اسم والد سليمان، فَقَالَ: سليمان بن داود، وإنما هو سليمان بن أرقم، فمن أخذ بهذا ضَعَّفَ الْحَدِيث، ولاسيما مع قول منْ قَالَ: إنه قرأ كذلك فِي أصل يحيى بن حمزة، فقد قَالَ صالح جزرة: نظرت فِي أصل كتاب يحيى بن حمزة حديثَ عمرو بن حزم، فِي الصدقات، فإذا هو عن سليمان بن أرقم، قَالَ صالح: كتب عنّي مسلم بن الحجاج هَذَا الكلام. وَقَالَ الحافظ أبو عبد الله بن مندهْ: قرأت فِي كتاب يحيى بن حمزة بخطه، عن سليمان بن أرقم، عن الزهري.
وأما منْ صححه، فأخذوه عَلَى ظاهره، فِي أنه سليمان بن داود، وقَوِيَ عندهم أيضا بالمرسل الذي رواه معمر، عن الزهريّ، والله أعلم. وذكر ابن حبّان أن أبا اليمان، روى عن شعيب، عن الزهريّ بعض الْحَدِيث. انتهى. تفرّد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط، وكذلك أبو داود فِي "المراسيل".
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي تمام البحث فِي هَذَا الْحَدِيث فِي المسألة الأولى، إن شاء الله تعالى.
٥ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة المشهور [٤] ١/ ١.
٦ - (أَبو بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ) الأنصاريّ النّجّاريّ -بالنون، والجيم- المدنيّ القاضي، اسمه كنيته، وقيل: إنه يُكنى أبا محمد، ثقة عابدٌ [٥] مات سنة (١٢٠هـ) وقيل: غير ذلك تقدم فِي ١١٨/ ١٦٣.
стр. 17523
٧ - (محمد بن عمرو بن حزم) بن زيد بن لُوذان، الأنصاريّ النَّجّاري، أبو عبد الملك المدنيّ، ويقال: أبو سليمان، له رؤية، وليس له سماعٌ، إلا منْ الصحابة.
وفي "تهذيب التهذيب" ٣/ ٦٦٠: وُلد فِي حياة النبيّ ﷺ ، سنة عشر بنجران، قاله ابن سعد، رَوَى عن أبيه، وعمر بن الخطاب، وعمرو بن العاص. ورَوَى عنه ابنه أبو بكر، وعمر بن كثير بن أفلح. قَالَ النسائيّ: ثقة. وَقَالَ ابن سعد عن الواقدي: كَانَ ثقة قليل الْحَدِيث. قَالَ ابن سعد: وقُتل يوم الْحَرَّة، سنة ثلاث وستين، وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ: وَلَّته الأنصار أمرها يوم الحرة. قَالَ الحافظ: أمير الأنصار يوم الحرة عبد الله بن حنظلة بن الغسيل، هَذَا ما لا خلاف فيه، ولعلهم بعد قتل ابن حنظلة أجمعوا عَلَى ابن حزم، فالله تعالى أعلم، ثم ظهر لي أنه كَانَ مُقَدَّما عَلَى الخزرج، وكان ابن حنظلة مقدما عَلَى الأوس، ولما قتل ابن حزم كَانَ سبب هزيمة أهل المدينة. وَقَالَ البخاريّ فِي "تاريخه": قَالَ محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده محمد بن عمرو، قَالَ: كنت أتكنى أبا القاسم، فجئت أخوالي بني ساعدة، فنهوني، وقالوا: إن النبيّ ﷺ قَالَ: "منْ تسمى باسمي، فلا يكتن بكنيتي"، فحولت كنيتي بأبي عبد الملك. روى له المصنّف، وأبو داود فِي "المراسيل"، وله عند المصنّف هَذَا الْحَدِيث فقط، كرره مرّتين، هَذَا، والحديث التالي.
٨ - (عمرو بن حزم) الأنصاريّ الصحابيّ المشهور، شَهِد الخندق، فما بعدها، وكان عامل النبيّ ﷺ عَلَى نجران، مات بعد (٥٠)، وقيل: فِي خلافة عمر، وهو وَهَمٌ تقدّم فِي ١٠٥/ ٢٠٤٥. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ) محمد بن عمرو (عَنْ جَدِّهِ) عمرو ابن حزم ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، كَتَبَ) أي أمر بأن يُكتب (إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ) والمراد أهل نجران، كما سيأتي بعدُ، ولا تنافي؛ لأن نجران منْ اليمن، قَالَ الفيّوميّ: ونَجْران: بلدة منْ بلاد هَمْدان، منْ اليمن، قَالَ البكريّ: سُميت باسم بانيها نجران بن زيد بن يشْجُب بن يَعْرُب بن قَحْطان. انتهى. (كِتَابًا، فِيهِ الفَرَائِضُ) أي بيانها (وَالسُّنَنُ) منْ عطف العامّ عَلَى الخاصّ (وَالدِّيَاتُ) أي بيان مقدارها، وأسنانها، و"الديات" بكسر الدال، وتخفيف التحتانيّة: جمع دِيَة، مثلُ عِدات وعِدَة، وأصلها وَدْية بفتح الواو، وسكون الدال، تقول: وَدَى القتيلَ يَدِيه: إذا أعطى وَلِيَّه دِيته، وهي ما جُعل فِي مقابلة النفس، وسُمّي ديةً تسميةً بالمصدر، وفاؤها محذوفةٌ، والهاء عِوَضٌ، وفي الأمر:
стр. 17524
القتيلَ بدال مكسورة حسبُ،، فإن وقفتَ قُلتَ: دِهْ بهاء السكت (وَبَعَثَ بِهِ) أي بذلك الكتاب (مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ) أي حين ولّاه ﷺ عَلَى أهل نجران، أرسل بالكتاب معه؛ ليقرأه عليهم (فَقُرِئَتْ) أنّث الضمير مع أن مرجعه مذكّرٌ، وهو الكتاب؛ لتأويله بالنسخة (عَلَى أهْلِ الْيَمَنِ) أي وهم أهل نجران (هَذِهِ نُسْخَتُهَا) أي هذه الكلمات، أو الجمل الآتية نسخة ذلك الكتاب، والنسخة بضم، فسكون: الكتاب المنقول، والجمع نُسَخٌ، كغرفة وغُرَف، يقال: نسختُ الكتاب نَسْخًا، منْ باب نفَعَ: إذا نقلته، وانتسخته كذلك، قاله فِي "المصباح"، والظاهر أن هَذَا الكتاب الذي كَانَ عند أبي بكر بن محمد بن عمرو كَانَ منسوخًا منْ الكتاب الأصليّ الذي بعث به النبيّ ﷺ عمرو بن حزم، والله تعالى أعلم.
(مِنْ مُحَمَّدٍ) متعلّق بمقدّر، خبر لمحذوف: أي هَذَا مبعوث منْ محمد ﷺ ، ومثله الجارّ بعده (النَّبِيِّ ﷺ ، إِلَى شُرَحْبِيلَ) بضم المعجمة، وفتح الراء، وسكون المهملة (بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ) بضم الكاف (وَنُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، وَالْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، قَيْلِ ذِي رُعَيْنٍ) "القَيْلُ" بفتح، فسكون، كالْمِقْوَلِ، كمِنبر: المَلِكُ، أو منْ ملوك حمير، يقول ما شاء، فيَنفُذُ، أو هو دون الملك الأعلى، فهو فِي حِمْير كالوزير فِي الإسلام، كما فِي "فقه اللغة" للثعالبيّ، وأصل قَيْل قَيّل، كفَيْعِلٍ، سمّي به لأنه يقول ما شاء، فيَنفُذُ، جمعه أقوالٌ، وأقيالٌ، ومَقَاولُ، ومَقاوِلةٌ. أفاده فِي "القاموس"، مع زيادة يسيرة. فـ"قيل" مضاف، و"ذي رُعين" وما بعده مضاف إليه. و"ذو رُعين" كزُبير: ملك حِمير. قاله فِي القاموس (وَمَعَافِرَ) بفتح الميم: أبو حيّ منْ همدان، لا ينصرف. قاله فِي "القاموس" أيضًا (وَهَمْدَانَ) بفتح، فسكون: قبيلة باليمن، قاله فِي "القاموس" أيضًا (أَمَّا بَعْدُ) رواية المصنّف رحمه الله تعالى هذه فيها اختصار، فإنَّ الْحَدِيث طويل، وَقَدْ ساقه الحافظ الزيلعيّ فِي كتابه "نصب الراية فِي تخريج أحاديث الهداية"، فِي "كتاب الزكاة" فِي "باب صدقة السوائم" ٢/ ٣٣٩ - ٣٤٢ - عند قول صاحب "الهداية": "بهذا اشتهرت كتب الصدقات منْ رسول الله ﷺ "، فذكر "كتاب أبي بكر الصدّيق ﵁"، و"كتاب عمر ﵁"، ثم قَالَ:
ومنها كتاب عمرو بن حزم أخرجه النسائيّ فِي "الديات" وأبو داود فِي "مراسيله"، النسائيّ عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزهريّ، ثم أخرجه عن يحيى، عن سليمان بن أرقم، عن الزهريّ به، وَقَالَ: هَذَا أشبه بالصواب، وسليمان بن أرقم متروك الْحَدِيث. انتهى. وأبو داود فِي "مراسيله" عن سليمان بن أرقم، عن الزهريّ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ ، كتب إلى أهل اليمن، بكتاب فيه الفرائض، والسنن، والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم،
стр. 17525
فقرئت عَلَى أهل اليمن، وهذه نسختها:
"بسم الله الرحمن الرحيم، منْ محمد النبيّ ﷺ إلى شرحبيل بن عبد كُلال، قَيْلِ ذي رُعَين، ومَعَافر، وهَمْدان: أما بعد، فقد رجع رسولكم، وأعطيتم منْ المغانم خمس الله، وما كَتَب الله عَلَى المؤمنين، منْ العشر فِي العقار، وما سقت السماء، وكان سَيْحًا، أو كَانَ بَعْلًا فيه العشر، إذا بلغ خمسة أوسق، وما سُقِي بالرِّشَا والدالية، ففيه نصف العشر، وفي كل خمس منْ الإبل سائمةً شاةٌ، إلى أن تبلغ أربعا وعشرين، فإذا زادت واحدة عَلَى أربع وعشرين، ففيها بنت مخاض، فإن لم توجد ابنة مخاض، فابن لبون ذكر، إلى ان يبلغ خمسا وثلاثين، فإن زادت عَلَى خمس وثلاثين واحدة، ففيها ابنت لبون، إلى أن تبلغ خمسا وأربعين، فإن زادت واحدة، ففيها حقة، طَرُوقة الْجَمَل، إلى أن تبلغ ستين، فإن زادت عَلَى ستين واحدة، ففيها جذعة إلى أن تبلغ خمسا وسبعين، فإن زادت واحدة عَلَى خمس وسبعين، ففيها ابنتا لبون، إلى أن تبلغ تسعين، فان زادت واحدة، ففيها حقتان، طروقتا الجمل، إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فما زادت عَلَى عشرين ومائة، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة طروقة الجمل، وفي كل ثلاثين باقورة، تبيع جذع، أو جذعة، وفي كل أربعين باقورة بقرة، وفي كل أربعين شاةً سائمةً شاةٌ، إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فإذا زادت عَلَى العشرين ومائة واحدة، ففيها شاتان، إلى أن تبلغ مائتين، فإن زادت واحدة، ففيها ثلاث شياه، إلى أن تبلغ ثلاثمائة، فان زادت ففي كل مائة شاةٍ شاةٌ، ولا يؤخذ فِي الصدقة هَرِمَةٌ، ولا عَجْفاء، ولا ذات عَوَار، ولا تَيْسُ الغنم، ولا يُجمَع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع، خشيةَ الصدقة، وما أخذ منْ الخليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، وفي كل خمس أواق، منْ الورق، خمسة دراهم، وما زاد ففي كل أربعين درهما درهم، وليس فيما دون خمس أواق شيء، وفي كل أربعين دينارا دينار، والصدقة لا تحل لمحمد، ولا لأهل بيته، إنما هي الزكاة، تُزَكَّى بها أنفسهم، فِي فقراء المؤمنين، وفي سبيل الله، وليس فِي رقيق، ولا مزرعة، ولا عُمَّالها شيء، إذا كانت تؤدي صدقتها منْ العشر، وأنه ليس فِي عبد مسلم، ولا فرسه شيء.
وكان فِي الكتاب إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة، الإشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير حق، والفرار فِي سبيل الله يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وأن العمرة الحج الأصغر، ولا يمس القرآن إلا طاهر، ولا طلاق قبل إملاك، ولا عتاق حَتَّى يبتاع، ولا يُصَلِّيَنَّ أحدكم فِي ثوب واحد، وشقه باد، ولا يصلين أحدكم عاقصا شعره.
стр. 17526
وكان فِي الكتاب أن منْ اعتبط مؤمنا قتلا، عن بينة، فإنه قود، إلا أن يرضى أولياء المقتول، وأن فِي النفس الدية مائة منْ الإبل، وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، والرجل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة منْ الإبل، وفي كل إصبع منْ أصابع اليد، أو الرجل عشر منْ الإبل، وفي السن خمس منْ الإبل، وفي الموضحة خمس منْ الإبل، وأن الرجل يُقتل بالمرأة، وعلى أهل الذهب ألف دينار. انتهى.
(وَكَانَ فِي كِتَابِهِ) أي كتاب رسول الله ﷺ المذكور (أَنَّ مَنِ اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا) أي قتله بلا ذنب يوجب قتله. قَالَ الفيّوميّ: عبطتُ الشاة عَبْطًا، منْ باب ضرب: ذبحتها، صحيحةً، منْ غير علّة بها، ولحمٌ عَبِيطٌ: أي صحيحٌ طَريّ، ودمٌ عبيطٌ: طريّ خالصٌ، لا خَلْط فيه، قَالَ فِي "التهذيب": العَبيط منْ اللحم ما كَانَ سَليمًا منْ الآفات، إلا الكسر، ولا يقال: عبيط إذا كَانَ الذبح منْ آفة، ولا يقال للشاة عبيطة، ومُعتَبِطةٌ إذا ذُبحت منْ آفةٍ، غيرِ الكسر. انتهى.
والمراد به هنا: أنه قتل مؤمنا بلا جناية كانت منه، ولا جريرة توجب قتله. وقوله "قَتْلاً) مصدر لـ"اعتبط" منْ غير لفظه، كقعدت جلوسا (عَنْ بَيِّنَةٍ) أي بحجة، والمراد وجود الشهود عَلَى قتله، أو ثبوته بإقراره (فَإِنَّهُ قَوَدٌ) بفتحتين: أي فإن القاتل يُقتل به قصاصًا (إِلاَّ أَنْ يَرْضَى أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ) أي بقبول الدية، فلهم ذلك، وفيه أن الأصل القصاص، وأن قبول الدية تخفيف منْ الله (وَأَنَّ فِي النَّفْسِ الدِّيَةُ) أي الكاملة (مِائَةً مِنَ الإِبِلِ) بالنصب عَلَى أنه بدل منْ "الديةَ".
(وَفِي الأَنْفِ إِذَا أُوعِبَ) بضم أوله: أي أخذ كله، قَالَ فِي "المصباح": وَعَبته وَعْبًا، منْ باب وَعَدَ، وأوعبته إيعابًا، واستوعبته، كلُّها بمعنًى، وهو أخذ الشيء جميعِهِ. قَالَ الأزهريّ: الْوَعْبُ: إيعابك الشيءَ فِي الشيء، حَتَّى تأتي عليه كله: أي تُدخله فيه، وفي الْحَدِيث: "فِي الأنف إذا استُوعب جَدْعًا الديةُ": أي إذا لم يُترَك منه شيء، وجاءوا موعِبين: أي جميعهم، لم يبق منهم أحد. انتهى (جَدْعُهُ) بالرفع فاعل "أُوعِب"، و"الجدع" بفتح، فسكون: القطع (الدِّيَةُ) مبتدأ مؤخّر خبره الجارّ والمجرور قبله، أي "فِي الأنف"، و"إذا" يحتمل أن تكون ظرفاً مجرّدا عن الشرط، فتتعلّق بالنسبة الحاصلة بين المبتدإ والخبر، أو هي شرطية، معترضة بين المبتدإ والخبر، وجوابها ما دلّ عليه المبتدأ والخبر.
والمعنى أنه إذا قطع أنف الشخص كلّه خطأ وجبت فيه الدية الكاملة، ويأتي تمام
стр. 17527
البحث فيه فِي المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى.
(وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ) مبتدأ وخبر، وكذا ما بعده: يعني أنه إذا قُطع لسان الإنسان خطأ وجبت الدية الكاملة، وسيأتي تمام البحث فيه فِي المسألة الخامسة إن شاء الله تعالى.
(وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ) أي إذا قطع شفاه العليا والسفلى وجبت به الدية الكاملة. قَالَ فِي "المغني" ١٢/ ١٢٣ - ١٢٤: حدّ الشفة السفلى منْ أسفل ما تجافَى عن الأسنان، واللِّثَة مما ارتفع عن جلدة الذَّقَن. وحدُّ العليا منْ فوق ما تجافى عن الأسنان، واللِّثَةِ إلى اتِّصاله بالمَنْخِرين والحاجز، وحدّهما طولاً طولُ الفم إلى حاشية الشِّدْقَين، وليست حاشية الشدقين منهما. انتهى. وسيأتي تمام البحث فيه فِي المسألة السادسة، إن شاء الله تعالى.
(وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ) أي فِي قطع الأنثيين خطأ الدية الكاملة. وسيأتي تمام البحث فِي ذلك، فِي المسألة السابعة إن شاء الله تعالى.
(وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ) أي قطع ذكره خطأ ففيه الدية الكاملة وسيأتي تمام البحث فيه فِي المسألة الثامنة، إن شاء الله تعالى (وَفِي الصُّلْبِ) بضم الصاد المهملة، وسكون اللام، وتُضمّ للإتباع: هو كلُّ ظهر له فَقَارٌ (الدِّيَةُ) أي إذا قطع صلبه خطأ، ففيه الدية الكاملة وسيأتي تمام البحث فيه فِي المسألة التاسعة، إن شاء الله تعالى (وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ) أي إذا أصيبت عيناه خطأ، ففيه الدية الكاملة، وَقَدْ سبق تمام البحث فيه فِي ٤٢/ ٤٨٤٢ - باب "العين العوراء الخ"، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(وَفِي الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ) أي قطعت رجله الواحدة خطأ ففيها نصف الدية، وسيأتي تمام البحث فيه فِي المسألة الحادية عشرة، إن شاء الله تعالى.
(وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ) أي فِي الجراحة التي تصل إلى جلدة الدماغ، ويقال لها: الآمّة أيضًا، قَالَ ابن عبد البرّ: أهل العراق يقولون لها: الآمة، وأهل الحجاز: المأمومة، وهي الجراحة الواصلة إلى أُمّ الدماغ، سُمِّيت أم الدماغ، لأنها تحوطه وتجمعه، فإذا وصلت الجراحة إليها سميت آمّة، ومأمومة، يقال: أمّ الرجلُ آمّة، ومأمومة. انتهى. وسيأتي تمام البحث فيه فِي المسألة الثانية عشرة، إن شاء الله تعالى.
(وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ) الجائفة: هي الطعنة التي تصل إلى جوف الرأس، أو جوف البطن، فإذا كانت خطأ وجب فيها ثلث الدية، وسيأتي البحث عنه فِي المسألة الثالثة عشرة، إن شاء الله تعالى.
(وَفِي الْمُنَقِّلَةِ) قَالَ فِي "المغني" ١٢/ ١٦٤: المنقلة زائدة عَلَى الهاشمة، وهي التي تكسر العظام، وتزيلها عن مواضعها، فيحتاج إلى نقل العظم؛ ليلتئم. انتهى. (خَمْسَ عَشَرَةَ مِنَ الإِبِلِ) هَذَا بإجماع منْ أهل العلم، حكاه ابن المنذر. تاقاله فِي "المغني" وسيأتي
стр. 17528
تمام البحث فيه فِي المسألة الخامسة عشرة، إن شاء الله تعالى.
(وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ، عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ) أي إذا قطع أحد أصابع اليدين، أو الرجلين ففيه عشر منْ الإبل؛ لأن فِي كلها الديةَ كاملة، ففي واحدة منها عشر الدية؛ لأنها عشر الكلّ، وهذا قول عامّة أهل العلم؛ لهذا الْحَدِيث، وَقَدْ تقدم تمام البحث فيه فِي ٤٤/ ٤٨٤٥ - "باب عقل الأصابع"، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ) أي فِي كلّ سنّ إذا أُصيبت خطأ ففيها خمس منْ الإبل، بلا خلاف بين أهل العلم فِي ذلك، وَقَدْ تقدّم تمام البحث فيه فِي ٤٣/ ٤٨٤٣ - باب "عقل الأسنان"، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ) أي تجب خمس منْ الإبل إذا جرحه موضحة فِي رأسه، أو وجهه، و"الموضحة" اسم فاعل منْ أوضح، وهي منْ شِجاج الرأس، أو الوجه، وليس فِي الشجاج ما فيه قصاص سواها، ولا يجب المقدر فِي أقل منها، وهي التي تصل إلى العظم، سُميت موضحة؛ لأنها أبدت وَضَحَ العظم، وهو بياضه، وأجمع أهل العلم عَلَى أن أرشها مُقَدّرٌ، قاله ابن المنذر. وَقَدْ تقدّم تمام البحث فيها فِي الباب الماضي، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(وَأَنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ) يعني أنه إذا قتل الرجل المرأة عمدًا ظلمًا يقتل بها قصاصًا، وَقَدْ تقدّم تمام البحث فِي هَذَا فِي باب "القَوَد منْ الرجل للمرأة"، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ) أي يجب عَلَى منْ لا يجد إبلاً يؤدّيها ديةً، إذا كَانَ منْ أهل الذهب أن يؤدّي ألف دينار دية منْ قتله خطأ، وَقَدْ تقدّم اختلاف العلماء، هل الأصل فِي الدية، الإبل، وما عداها بدل عنها، أو كلّ أصل برأسه، والأول أرجح، فراجع باب "٣٢/ ٤٧٩٣ - كم دية شبه العمد؟ "، تستفد، وبالله تعالى التوفيق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حيث عمرو بن حزم ﵁ هَذَا صحيحٌ عندي، فقد صححه ابن حبّان، والحاكم، والبيهقيّ، ونقل عن أحمد أنه قَالَ: أرجو أن يكون صحيحًا، بل قَالَ ابن الجوزيّ فِي "التحقيق": قَالَ أحمد رحمه الله تعالى: كتاب عمرو بن حزم فِي الصدقات صحيح.
والحاصل أنه وإن رجّح الأكثرون إرساله لكن تصحيحه هو الأرجح عندي؛ لما سيأتي.
(اعلم): أنه قد تكلّم أهل العلم فِي هَذَا الْحَدِيث، ومنهم المصنّف، ودونك عباراتهم:
стр. 17529
قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى فِي "التلخيص الحبير" ٤/ ٣٤:
قوله: رُوي عن عمرو بن حزم: أن النبيّ ﷺ ، كتب فِي كتابه إلى أهل اليمن: "أن الذكر يقتل بالأنثى": هَذَا طرف منْ كتاب النبيّ ﷺ ، وهو مشهور، قد رواه مالك، والشافعي عنه، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه: أن فِي الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم فِي العقول، ووصله نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، عن معمر، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن أبيه، عن جده، وجَدُّه محمد بن عمرو بن حزم، وُلِد فِي عهد النبيّ ﷺ ، ولكن لم يسمع منه. وكذا أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، ومن طريقه الدارقطنيّ، ورواه أبو داود، والنسائي، منْ طريق ابن وهب، عن يونس، عن الزهريّ، مرسلاً، ورواه أبو داود فِي "المراسيل" عن ابن شهاب، قَالَ: قرأت فِي كتاب رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى نجران، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم، ورواه النسائيّ، وابن حبّان، والحاكم، والبيهقي، موصولاً، مطولاً، منْ حديث الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، حدثني الزهريّ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده. وفرّقه الدارمي فِي "مسنده" عن الحكم مُقَطَّعا.
وَقَدْ اختلف أهل الْحَدِيث، فِي صحة هَذَا الْحَدِيث، فَقَالَ أبو داود فِي "المراسيل": قد أُسنِد هَذَا الْحَدِيث، ولا يصح، والذي في إسناده سليمان بن داود وَهَمٌ، إنما هو سليمان بن أرقم.
وَقَالَ فِي موضع آخر: لا أُحَدِّث به، وَقَدْ وَهِمَ الحكم بن موسى، فِي قوله: سليمان ابن داود، وَقَدْ حدثني محمد بن الوليد الدمشقي، أنه قرأه فِي أصل يحيى بن حمزة: "سليمان بن أرقم"، وهكذا قَالَ أبو زرعة الدمشقي: إنه الصواب، وتبعه صالح بن محمد جزرة، وأبو الحسن الهروي، وغيرهما. وَقَالَ جزرة: نا دُحَيم، قَالَ: قرأت فِي كتاب يحيى بن حمزة، حديث عمرو بن حزم، فإذا هو: "عن سليمان بن أرقم"، قَالَ صالح: كتب هذه الحكاية عَنّي مسلم بن الحجاج.
قَالَ الحافظ: ويؤكد هَذَا ما رواه النسائى، عن الهيثم بن مروان، عن محمد بن بَكّار، عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم، عن الزهريّ، وَقَالَ: هَذَا أشبه بالصواب. وَقَالَ ابن حزم: صحيفة عمرو بن حزم منقطعة، لا تقوم بها حجة، وسليمان ابن داود متَّفقٌ عَلَى تركه. وَقَالَ عبد الحق: سليمان بن داود هَذَا الذي يروي هذه النسخة، عن الزهريّ ضعيف، ويقال: إنه سليمان بن أرقم.
وتعقبه ابن عدي، فَقَالَ: هَذَا خطأ، إنما هو سليمان بن داود، وَقَدْ جَوَّده الحكم بن
стр. 17530
موسى انتهى.
وَقَالَ أبو زرعة: عرضته عَلَى أحمد، فَقَالَ: سليمان بن داود هَذَا ليس بشيء. وَقَالَ ابن حبّان: سليمان بن داود اليمامي ضعيف، وسليمان بن داود الخولاني ثقة، وكلاهما يروي عن الزهريّ، والذي رَوَى حديث الصدقات هو الخولاني، فمن ضعفه، فإنما ظن أن الراوي له هو اليمامي.
قَالَ الحافظ: ولولا ما تقدم منْ أن الحكم بن موسى وَهِمَ فِي قوله سليمان بن داود، وإنما هو سليمان بن أرقم، لكان لكلام ابن حبّان وجه.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: لماذا لا يكون الْحَدِيث منْ كليهما؟؛ فإن كلاً منهما ممن روى عن الزهريّ، فيحتمل أن يكون يحيى بن حمزة سمعه منْ سليمان بن داود، ومن سليمان بن أرقم، وكلاهما رواياه عن الزهريّ، فيكون صحيحًا منْ رواية ابن داود، ولذا صححه بعض المحدثين، كما نقله الحافظ بقوله:
وصححه الحاكم، وابن حبّان كما تقدم، والبيهقي، ونقل عن أحمد بن حنبل، أنه قَالَ: أرجو أن يكون صحيحا، قَالَ: وَقَدْ أثنى عَلَى سليمان بن داود الخولاني هَذَا أبو زرعة، وأبو حاتم، وعثمان بن سعيد، وجماعة منْ الحفاظ، قَالَ الحاكم: وحدثني أبو أحمد الحسين بن علي، عن ابن أبي حاتم، عن أبيه، أنه سُئل عن حديث عمرو بن حزم؟ فَقَالَ: سليمان بن داود عندنا ممن لا بأس به.
وَقَدْ صحح الْحَدِيث بالكتاب المذكور جماعة منْ الأئمة، لا منْ حيث الإسناد، بل منْ حيث الشهرة، فَقَالَ الشافعيّ فِي "رسالته": لم يقبلوا هَذَا الْحَدِيث، حَتَّى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله ﷺ . وَقَالَ ابن عبد البرّ: هَذَا كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم، معرفة يُستَغنى بشهرتها عن الإسناد؛ لأنه أشبه المتواتر فِي مجيئه؛ لتلقي النَّاس له بالقبول والمعرفة، قَالَ: ويدل عَلَى شهرته ما رَوَى ابنُ وهب، عن مالك، عن الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قَالَ: وُجِد كتابٌ عند آل حزم، يذكرون أنه كتاب رسول الله ﷺ . وَقَالَ العقيلي: هَذَا حديث ثابت محفوظ، إلا أنا نَرَى أنه كتاب غير مسموع، عمن فوق الزهريّ. وَقَالَ يعقوب بن سفيان: لا أعلم فِي جميع الكتب المنقولة، كتابا أصح منْ كتاب عمرو بن حزم هَذَا، فإن أصحاب رسول الله ﷺ ، والتابعين، يرجعون إليه، ويدعون رأيهم. وَقَالَ الحاكم: قد شهد عمر بن عبد العزيز، وإمام عصره الزهريّ، لهذا الكتاب بالصحة، ثم ساق ذلك بسنده إليهما. انتهى "التلخيص الحبير" ٤/ ٣٤ - ٣٦.
وَقَالَ الحافظ الزيلعيّ رحمه الله تعالى فِي كتابه "نصب الراية" ٢/ ٣٤١ - ٣٤٢: قَالَ
стр. 17531
النسائيّ: وسليمان بن أرقم متروك. انتهى. ورواه عبد الرزاق فِي "مصنفه": أنبأ معمر، عن عبد الله بن أبي بكر به، وعن عبد الرزاق، رواه الدارقطنيّ فِي "سننه"، وأخرجه الدارقطنيّ أيضا عن إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر به، ورواه كذلك ابن حبّان فِي "صحيحه" فِي "النوع السابع والثلاثين" منْ "القسم الخامس"، والحاكم فِي "المستدرك" كلاهما عن سليمان بن داود، حدثني الزهريّ به، قَالَ الحاكم: إسناده صحيح، وهو منْ قواعد الإسلام. انتهى.
وَقَالَ ابن الجوزي ﵀ فِي "التحقيق": قَالَ أحمد بن حنبل ﵁: كتاب عمرو ابن حزم فِي الصدقات صحيح، قَالَ: وأحمد يشير بالصحة إلى هذه الرواية، لا لغيرها؛ لما سيأتي، وَقَالَ بعض الحفاظ منْ المتأخرين: ونسخة كتاب عمرو ابن حزم، تلقاها الأئمة الأربعة بالقبول، وهي متوارثة، كنسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهي دائرة عَلَى سليمان بن أرقم، وسليمان بن أبي داود الخولاني، عن الزهريّ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، وكلاهما ضعيف، بل المرجح فِي روايتهما سليمان بن أرقم، وهو متروك، لكن قَالَ الشافعيّ ﵁ فِي "الرسالة": لم يقبلوه حَتَّى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله ﷺ ، وَقَالَ أحمد ﵁: أرجو أن يكون هَذَا الْحَدِيث صحيحا. وَقَالَ يعقوب بن سفيان الفسوي: لا أعلم فِي جميع الكتب المنقولة أصح منه، كَانَ أصحاب النبيّ ﷺ والتابعون يرجعون إليه، ويَدَعُون آراءهم. انتهى.
ورواه البيهقي فِي "سننه" بسند ابن حبّان، ثم قَالَ: وَقَدْ أثنى جماعة منْ الحفاظ، عَلَى سليمان بن داود الخولاني، منهم أحمد بن حنبل، وأبو حاتم، وأبو زرعة الرازيان، وعثمان بن سعيد الدارمي، وابن عدي الحافظ، قَالَ: وحديثه هَذَا يوافق رواية منْ رواه مرسلاً، ويوافق رواية منْ رواه منْ جهة أنس بن مالك، وغيره موصولاً. انتهى "نصب الراية فِي تخريج أحاديث الهداية" ٢/ ٣٤١ - ٣٤٢.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن الْحَدِيث صحيحٌ، فإنه إن ثبتت رواية سليمان بن داود، -كما قاله كثيرون- فواضح، وإلا فهو مرسلٌ عضده تلقّي الأئمة بالقبول، فهو صحيحٌ بذلك. والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له:
هَذَا الْحَدِيث منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى لم يُخرجه منْ أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا -٤٦/ ٤٨٥٥ و٤٨٥٦ و٤٨٥٧ و٤٨٥٨ و٤٨٥٩ و٤٤/ ٤٨٤٨ - وفي "الكبرى" ٤٥/ ٧٠٤٨ و٧٠٤٩ و٧٠٦٠ و٧٠٦١ و٧٠٦٢ و٤٣/ ٧٠٥١. وأخرجه
стр. 17532
مالك فِي "الموطّإ" فِي "كتاب العقول" ٢/ ٨٤٩ و (الدارمي) فِي "الديات" ٢/ ١٩٣، وأبو داود فِي "المراسيل" والحاكم فِي "المستدرك" ١/ ٣٩٧ والبيهقي فِي "سننه" ٨/ ٧٣ و١٠٠. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان كتاب عمرو بن حزم ﵁، وبيان اختلاف الناقلين له، وَقَدْ أسلفت بيان ذلك فِي أول الباب. (ومنها): ما كَانَ عله النبيّ ﷺ منْ شدّة اهتمامه فِي تبليغ الأحكام إلى الأمة، فكان يُرسل أصحابه إلى البلدان النائية، ويولّيهم ليطّدوا الإسلام بين ربوعها. (ومنها): أن الإمام ينبغي له أن يكتب إلى رؤساء القبائل، والبلدان بما يريد أن يأمرهم به، حَتَّى تسجيب رعيّتهم إذا استجابوا. (ومنها): أنه ينبغي تفخيم رئيس القوم، ووصفه بأحب الأصاف إليه، حَتَّى لا يأنف منْ الدعوة، ويتكبّر عنها، فإنه ﷺ وصفهم بأنهم قَيْلُ ذي رُعَين، ومَعَافِر، وهَمْدان، والقَيْلُ: هو المَلِكُ، كما سبق بيانه. (ومنها): جواز كتابة الْحَدِيث، وَقَدْ كَانَ فيه خلاف بين السلف، ثم ارتفع، فصار مجمعًا عليه، وسبب الاختلاف ما أخرجه مسلم فِي "صحيحه" منْ حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، مرفوعًا: "لا تكبوا عني شيئًا إلا القرآن، ومن كتب عني شيئاً غير القرآن، فليمحُه"، وَقَدْ أجاب عنه العلماء، كما أشار إلى ذلك السيوطيّ فِي "ألفية الْحَدِيث"، حيث قَالَ:
كتَابَةُ الْحَدِيثِ فِيهِ اخْتُلِفَا … ثُمَّ الْجَوَازُ بَعدُ إِجْمَاعًا وَفَا
مُسْتَنَدُ الْمَنْعِ حَدِيثُ مُسْلِمِ … "لَا تَكتُبُوا عَنِّيَ" فَالْخُلْفُ نُمِي
فَبعْضُهُمْ أَعَلّهُ بِالوَقْفِ … وَآخَرُونَ عَلَّلُوا بِالْخَوْفِ
مِنِ اخْتِلَاطٍ بِالْقُرَانِ فَانْتَسَخْ … لأَمْنِهِ وَقِيلَ ذَا لِمَنْ نَسَخْ
الْكُلَّ فِي صَحِيفَةٍ وَقِيلَ بَلْ … لآمِنٍ نِسيَانَهُ لَا ذِي خَلَلْ
(ومنها): أن منْ قتل مؤمنًا عمدًا، فالواجب عليه القصاص، إلا إذا رضي أولياء المقتول أن يأخذوا الدية، فلهم ذلك؛ تحفيفًا منْ الله عَلَى هذه الأمة، كما سبق بيانه مستوفًى. (ومنها): أن الأصل فِي دية قتل الخطإ مائة منْ الإبل، وما عداها منْ الذهب، وغيره فبدل عنها. (ومنها): وجوب الديات فِي الجراحات، والشجاج المذكورة فِي هَذَا الْحَدِيث، وسأذكرها، مع بيان أقوال أهل العلم، وأدلّتهم مفصّلة فِي المسائل التالية، إن شاء الله تعالى.
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي الأنف إذا جُدع:
стр. 17533
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى فِي "المغني" ١٢/ ١١٩ - ١٢١: وفي الأنف الدية، إذا كَانَ قطع مارنه، بغير خلاف بنيهم، حكاه ابن عبد البرّ، وابن المنذر عمن يحفظ عنه منْ أهل العلم، وفي كتاب عمرو بن حزم، عن النبيّ ﷺ ، أنه قَالَ: "وفي الأنف إذا أُوعب جدعًا الدية"، وفي رواية مالك فِي "الموطإ": "إذا أُوعِي جدعًا -يعني إذا استوعب، واستؤصل"، ولأنه عضو فيه جمال ومنفعة، ليس فِي البدن منه إلا شيء واحد، فكانت فيه الدية كاللسان، وإنما الدية فِي مارنه، وهو ما لان منه، هكذا قَالَ الخليل وغيره؛ لأنه يُروَى عن طاوس، أنه قَالَ: كَانَ فِي كتاب رسول الله ﷺ : "وفي الأنف إذا أوعب مارنه جدعًا الدية"، ولأن الذي يقطع فيه ذلك، فانصرف الخبر إليه، فإن قُطع بعضه ففيه بقدره منْ الدية، يُمسَح، ويعرف قدر ذلك منه، كما قلنا فِي الأذنين، وَقَدْ روي هَذَا عن عمر بن عبد العزيز، والشعبي، والشافعي، وإن قطع أحد المنخرين، ففيه ثلث الدية، وفي المنخرين ثلثاها، وفي الحاجز بينهما الثلث، قَالَ أحمد: فِي الْوَتَرَة (١) الثلث، وفي الْخَرَمَة (٢) فِي كل واحد منهما الثلث، وبهذا قَالَ إسحاق، وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعيّ؛ لأن المارن يشتمل عَلَى ثلاثة أشياء منْ جنس، فتوزعت الدية عَلَى عددها، كسائر ما فيه عدد منْ جنس، منْ اليدين، والأصابع، والأجفان الأربعة.
قَالَ: وإن قطع المارن مع القصبة، ففيه الدية فِي قياس المذهب، وهذا مذهب مالك، ويحتمل أن تجب الدية فِي المارن، وحكومة فِي القصبة، وهذا مذهب الشافعيّ؛ لأن المارن وحده موجب للدية، فوجبت الحكومة فِي الزائدة، كما لو قطع القصبة وحدها، مع قطع لسانه.
قَالَ: ولنا قوله ﵇: "فِي الأنف إذا أُوعب جدعا الدية"، ولأنه عضو واحد فلم يجب به أكثر منْ دية، كالذكر إذا قطع منْ أصله، وما ذكروه يبطل بهذا، ويفارق ما إذا قطع لسانه، وقصبته لأنهما عضوان، فلا تدخل دية أحدهما فِي الآخر، وأما العضو الواحد فلا يبعد أن يجب فِي جميعه ما يجب فِي بعضه، كالذكر يجب فِي حشفته الدية التي يجب فِي جميعه، وأصابع اليد يجب فيها ما يجب فِي اليد منْ الكوع، وكذلك أصابع الرجل، وفي الثدي كله مثلُ ما فِي حَلَمَته، فأما إن قطع الأنف وما تحته منْ اللحم، ففي اللحم حكومة؛ لأنه ليس منْ الأنف، فأشبه ما لو قطع الذكر واللحم الذي تحته. انتهى.
стр. 17534
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن المذهب الأول هو الأرجح؛ لظاهر حديث عمرو بن حزم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): فِي أقوال أهل العلم فِي اللسان إذا قُطع:
قَالَ ابن قُدامة رحمه الله تعالى: أجمع أهل العلم عَلَى وجوب الدية فِي لسان الناطق، ورُوي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود ﵃، وبه قَالَ أهل المدينة، وأهل الكوفة، وأصحاب الرأي، وأصحاب الْحَدِيث، وغيرهم، وفي كتاب النبيّ ﷺ لعمرو بن حزم: "وفي اللسان الدية"، ولأن فيه جمالا ومنفعة، فأشبه الأنف، فأما الجمال، فقد رُوي أن النبيّ ﷺ ، سئل عن الجمال؟، فَقَالَ: "فِي اللسان" (١)، ويقال: جمال الرجل فِي لسانه، والمرء بأصغريه: قلبه، ولسانه، ويقال: ما الإنسان لولا اللسان، إلا صورة ممثلة، أو بهيمة مهملة، وأما النفع، فإن به تُبْلَغُ الأغراض، وتُستَخلَص الحقوق، وتُدفُع الآفات، وتُقضَى به الحاجات، وتُتَمُّ العبادات فِي القراءة، والذكر، والشكر، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتعليم، والدلالة عَلَى الحق المبين، والصراط المستقيم، وبه يَذوق الطعام، ويستعين فِي مضغه، وتقليبه، وتنقية الفم، وتنظيفه، فهو أعظم الأعضاء نفعا، وأتمها جمالا، فإيجاب الدية فِي غيره تنبيه عَلَى إيجابها فيه، وإنما تجب الدية فِي لسان الناطق، فإن كَانَ أخرس لم تجب فيه دية كاملة، بغير خلاف؛ لذهاب نفعه المقصود منه، كاليد الشلاء، والعين القائمة. انتهى كلام ابن قدامة، وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): فِي أقوال أهل العلم فِي دية الشفتين:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: لا خلاف بين أهل العلم، أن فِي الشفيتين الديةَ، وفي كتاب عمرو بن حزم، الذي كتبه له رسول الله ﷺ : "وفي الشفتين الدية"، ولأنهما عضوان ليس فِي البدن مثلهما، فيهما جمال ظاهر، ومنفعة كاملة، فإنهما طَبَقٌ عَلَى الفم، تقيانه ما يؤذيه، ويستران الأسنان، ويردان الرِّيق، ويُنفَخ بهما، ويَتِم بهما الكلام، فإن فيهما بعض مخارج الحروف، فتجب فيهما الدية، كاليدين والرجلين، وظاهر المذهب أن فِي كل واحدة منهما نصف الدية، ورُوي هَذَا عن أبي بكر، وعلي ﵄، وإليه ذهب أكثر الفقهاء، ورُوي عن أحمد ﵀ رواية أخرى: أن فِي العُليا ثلث الدية، وفي السفلى الثلثين؛ لأن هَذَا يُروى عن زيد بن ثابت، وبه قَالَ سعيد بن المسيب، والزهري، ولأن المنفعة بها أعظم؛ لأنها التي تدور، وتتحرك، وتحفظ الريق
стр. 17535
والطعام، والعليا ساكنة، لا حركة فيها.
قَالَ: ولنا قول أبي بكر، وعلي ﵄، ولأن كل شيئين وجبت فيهما الدية، وجب فِي أحدهما نصفها، كسائر الأعضاء، ولأن كل ذي عدد، وجبت فيه الدية، يُسَوَّى بين جميعه فيها، كالأصابع، والأسنان، ولا اعتبار بزيادة النفع؛ بدليل ما ذكرنا منْ الأصل. انتهى "المغني" ١٢/ ١٢٢ - ١٢٣.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي صححه ابن قُدامة رحمه الله تعالى هو الذي يظهر لي ترجيحه؛ لوضوح حجته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): فِي أقوال أهل العلم فِي دية الأنثيين:
قَالَ الموفق رحمه الله تعالى: لا نعلم فِي هَذَا خلافا أن فِي الأنثيين الديةَ، وفي كتاب النبيّ ﷺ لعمرو بن حزم: "وفي البيضتين الديةُ"، ولأن فيهما الجمال والمنفعة، فإن النسل يكون بهما، فكانت فيهما الدية كاليدين، ورَوَى الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، أنه قَالَ: مضت السنة أنه فِي الصلب الدية، وفي الأنثيين الدية، وفى إحداهما نصف الدية، فِي قول أكثر أهل العلم. وحُكي عن سعيد بن المسيب: أن فِي اليسرى ثلثي الدية، وفي الثانية ثلثها؛ لأن نفع اليسرى أكثر؛ لأن النسل يكون بها.
قَالَ: ولنا أن ما وجبت الدية فِي شيئين منه، وجب فِي أحدهما نصفها كاليدين، وسائر الأعضاء، ولأنهما ذو عدد تجب فيه الدية، فاستوت ديتهما كالأصابع، وما ذكروه ينتقض بالأصابع، والأجفان، تستوي دياتها مع اختلاف نفعها، ثم يحتاج إلى إثبات ذلك الذي ذكره. انتهى "المغني" ١٢/ ١٤٧ - ١٤٨.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه أكثر العلم منْ وجوب نصف الدية فِي واحدة منْ الأنثيين هو الأرجح؛ لظهور حجته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): فِي اختلاف أهل العلم فِي دية الذكر:
قَالَ الموفق رحمه الله تعالى: أجمع أهل العلم على أن فِي الذكر الدية، وفي كتاب النبيّ ﷺ لعمرو بن حزم: "وفي الذكر الديةُ"، ولأنه عضو واحد، فيه الجمال والمنفعة، فكملت فيه الدية، كالأنف، واللسان، وفي شَلَلِهِ ديته؛ لأنه ذهب بنفعه، فأشبه ما لو أشل لسانه، وتجب الدية فِي ذكر الصغير، والكبير، والشيخ، والشاب سواء، قدر عَلَى الجماع، أو لم يقدر، فأما ذكر العِنين فأكثر أهل العلم عَلَى وجوب الدية؛ لعموم الْحَدِيث؛ ولأنه غير مأيوس منْ جماعه، وهو عضو سليم فِي نفسه، فكملت ديته، كذكر الشيخ. وذكر القاضي فيه عن أحمد روايتين: [إحداهما] تجب فيه
стр. 17536
الدية؛ لذلك. [والثانية]: لا تكمل ديته، وهو مذهب قتادة؛ لأن منفعته الإنزال، والإحبال، والجماع، وَقَدْ عُدِم ذلك منه فِي حال الكمال، فلم تكمل ديته كالأشل، وبهذا فارق ذكر الصبي، والشيخ، واختلفت الرواية فِي ذَكَر الخصي، فعنه فيه دية كاملة، وهو قول سعيد بن عبد العزيز، والشافعي، وابن المنذر؛ للخبر، ولأن منفعة الذكر الجماع، وهو باق فيه. والثانية: لا تجب فيه، وهو قول مالك، والثوري، وأصحاب الرأي، وقتادة، وإسحاق؛ لما ذكرنا فِي ذكر العنين، ولأن المقصود منه تحصيل النسل، ولا يوجد ذلك منه، فلم يكمل ديته كالأشل، والجماع يذهب فِي الغالب، بدليل أن البهائم يذهب جماعها بخصائها، والفرق بمِن ذكر العنين، وذكر الخصي، أن الجماع فِي ذكر العنين أبعد منه فِي ذكر الخصي، واليأس منْ الإنزال متحقق، فِي ذكر الخصي، دون ذكر العنين، فعلى قولنا: لا تكمل الدية فِي ذكر الخصي. انتهى "المغني" ١٢/ ١٤٦ - ١٤٧.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بوجوب الدية الكاملة فِي الذكر، ولو كَانَ لعنّين، أو خصيّ، هو الأرجح؛ لإطلاق قوله ﷺ : "وفي الذكر الدية". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي دية الصلب:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: وفي الصلب الدية، إذا كسر فلم ينجبر، لما رُوي فِي كتاب النبيّ ﷺ لعمرو بن حزم: "وفي الصلب الدية"، وعن سعيد بن المسيب، أنه قَالَ: "مضت السنة أن فِي الصلب الدية"، وهذا ينصرف إلى سنة النبيّ ﷺ ، وممن قَالَ بذلك: زيد بن ثابت، وعطاء، والحسن، والزهري، ومالك.
وَقَالَ القاضي، وأصحاب الشافعيّ: ليس فِي كسر الصلب دية، إلا أن يذهب مشيه أو جماعه، فتجب الدية لتلك المنفعة؛ لأنه عضو لم تذهب منفعته، فلم تجب فيه فى دية كاملة، كسائر الأعضاء.
قَالَ: ولنا الخبر، ولأنه عضو ليس فِي البدن مثله، فيه جمال ومنفعة، فوجبت الدية فيِه بمفرده، كالأنف. انتهى. "المغني" ١٢/ ١٤٤ - ١٤٥.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الأولون منْ وجوب الدية فِي كسر الصلب، هو الأرجح عندي؛ لصحة حديث الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): فِي اختلاف أهل العلم فِي دية اليدين:
قَالَ الموفق رحمه الله تعالى: أجمع أهل العلم عَلَى وجوب الدية فِي اليدين،
стр. 17537
ووجوب نصفها فِي إحداهما، وروي عن معاذ بن جبل ﵁: أن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "وفي اليدين الدية، وفي الرجلين الدية"، أخرجه عبد الرزاق فِي "مصنّفه" ٩/ ٣٨٠، وفي كتاب النبيّ ﷺ ، لعمرو بن حزم: "وفي اليد خمسون منْ الإبل"، ولأن فيهما جمالا ظاهرا، ومنفعة كاملة، وليس فِي البدن منْ جنسهما غيرهما، فكان فيهما الدية، كالعينين.
واليد التي تجب فيها الدية منْ الكوع؛ لأن اسم اليد عند الإطلاق ينصرف إليها، بدليل أن الله تعالى لما قَالَ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] كَانَ الواجب قطعهما منْ الكوع، وكذلك التيمم يجب فيه مسح اليدين إلى الكوعين، فإن قطع يده منْ فوق الكوع، مثل أن يقطعها منْ المرفق، أو نصف الساعد، فليس عليه إلا دية اليد، نص عليه أحمد، فِي رواية أبي طالب، وهذا قول عطاء، وقتادة، والنخعي، وابن أبي ليلى، ومالك، وهو قول بعض أصحاب الشافعيّ، وظاهر مذهبه عند أصحابه: أنه يجب مع دية اليد حكومة لما زاد؛ لأن اسم اليد لها إلى الكوع، ولأن المنفعة المقصودة فِي اليد، منْ البطش، والأخذ، والدفع، بالكف، وما زاد تابع للكف، والدية تجب فِي قطعها منْ الكوع بغير خلاف، فتجب فِي الزائد حكومة، كما لو قطعه بعد قطع الكف، قَالَ أبو الخطاب: وهذا قول القاضي.
قَالَ: ولنا إن اليد اسم للجميع إلى المنكب، بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِق﴾ [المائدة: ٦]، ولما نزلت آية التيمم، مسحت الصحابة إلى المناكب، وَقَالَ ثعلب: اليد إلى المنكب، وفي عرف النَّاس أن جميع ذلك يسمى يدا، فإذا قطعها منْ فوق الكوع، فما قطع إلا يدا، فلا يلزمه أكثر منْ ديتها، فأما قطعها فِي السرقة، فلأن المقصود يحصل به، وقطع بعض الشيء يسمى قطعا له، كما يقال قطع ثوبه، إذا قطع جانبا منه، وقولهم: إن الدية تجب فِي قطعها منْ الكوع، قلنا: وكذلك تجب بقطع الأصابع منفردة، ولا يجب بقطعها منْ الكوع أكثر مما يجب فِي قطع الأصابع، والذكر يجب فِي قطعه منْ أصله، مثل ما يجب بقطع حشفته، فأما إذا قطع اليد منْ الكوع، ثم قطعها منْ المرفق، وجب فِي المقطوع ثانيا حكومة؛ لأنه وجبت عليه دية اليد بالقطع الأول، فوجبت بالثاني حكومة، كما لو قطع الأصابع، ثم قطع الكف، أو قطع حشفة الذكر، ثم قطع بقيته، أو كما لو فعل ذلك اثنان. انتهى "المغني" ١٢/ ١٣٨ - ١٤٠.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى منْ أنه إذا قطعهما منْ فوق الكوع، أو منْ المرفق، أو نصف الساعد تجب الدية فقط هو الأرجح؛ لظهور أدلته، كما حققه الموفّق رحمه الله تعالى آنفاً. والله تعالى أعلم
стр. 17538
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الحادية عشرة): فِي اختلاف أهل العلم فِي دية الرِّجْلين:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: أجمع أهل العلم على أن فِي الرجلين الديةَ، وفي إحداهما نصفَها، رُوي ذلك عن عمر، وعلي رضي الله تعالى عنهما، وبه قَالَ قتادة، ومالك، وأهل المدينة، والثوري، وأهل العراق، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي؛ لهذا الْحَدِيث. قَالَ: وفي قدم الأعرج، ويد الأعسم الديةُ؛ لأن الْعَرَج لمعنًى فِي غير القدم، والعَسَم: الاعوجاج فِي الرسغ، وليس ذلك عيبًا فِي قدم، ولا كفّ، فلم يمنع ذلك كمال الدية فيهما. وَقَالَ بعضهم فِي كل منهما ثلث الدية، كاليد الشلاء، وهذا غير صحيح؛ لأن هذين لم تبطل منفعتهما، فلم تنقص ديتهما، بخلاف اليد الشلاء. انتهى "المغني" ببعض تصرّف، وهو تحقيق نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية عشرة): فِي اختلاف أهل العلم فِي دية المأمومة:
وهي كما تقدّم: الشجة التي تصل إلى جلدة الدماغ، وأرشها ثلث الدية، فِي قول عامة أهل العلم، إلا مكحولا، فإنه قَالَ: إن كانت عمدا ففيها ثلثا الدية، وإن كانت خطأ ففيها ثلثها. وحجة الجمهور قولُ النبيّ ﷺ ، فِي كتاب عمرو بن حزم: "وفي المأمومة ثلث الدية"، وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبيّ ﷺ مثل ذلك. ورُوي نحوه عن علي ﵁. قاله فِي "المغني" ١٢/ ١٦٤ - ١٦٥.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنّ ما ذهب إليه الجمهور هو الحقّ؛ لحديث الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة عشرة): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم الجائفة:
ذهب عامة أهل العلم، منهم أهل المدينة، وأهل الكوفة، وأهل الْحَدِيث، وأصحاب الرأي: إلى أنه يجب فيها ثلت الدية، وخالف فِي ذلك مكحولٌ، فَقَالَ: إن كانت عمدًا، ففيها ثلثا الدية.
واحتجّ الجمهور بقول النبيّ ﷺ ، فِي كتاب عمرو بن حزم: "وفي الجائفة ثلث الدية"، وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبيّ ﷺ مثل ذلك، ولأنها جراحة فيها مُقدّر، فلم يختلف أرشها بالعمد والخطإ، كالموضحة، ولا نعلم فِي جراح البدن الخالية عن قطع الأعضاء، وكسر العظام مُقدّرا غير الجائفة.
والجائفة: ما وصل إلى الجوف، منْ بطن، أو ظهر، أو صدر، أو ثغرة نحر، أو وَرِك، أو غيره، وذكر ابن عبد البرّ: أن مالكا، وأبا حنيفة، والشافعي، وعثمان الْبَتِّيّ،
стр. 17539
وأصحابهم، اتفقوا عَلَى أن الجائفة لا تكون إلا فِي الجوف. قاله فِي "المغني" ١٢/ ١٦٦.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد اتّضح بما ذُكر أن الحقّ ما قاله الجمهور منْ وجوب ثلث الدية فِي الجائفة مطلقًا؛ لصحّة حديث الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة عشرة): فِي اختلاف أهل العلم فِي دية الهاشمة:
وهي التي تتجاوز الموضحة، فتَهشِم العظم: أي تكسره، سُمِّيت هاشمة؛ لهشمها العظم، وهي فِي الرأس، والوجه خاصّة:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: ولم يبلغنا عن النبيّ ﷺ فيها تقدير، وأكثر منْ بلغنا قوله منْ أهل العلم، عَلَى أن أرشها مُقَدَّر بعَشْر منْ الإبل، رَوَى ذلك قبيصة بن ذؤيب، عن زيد بن ثابت، وبه قَالَ قتادة، والشافعي، والعنبري، ونحوَه قَالَ الثوري، وأصحاب الرأي، إلا أنهم قدّرُوها بعشر الدية منْ الدراهم، وذلك عَلَى قولهم: ألف درهم، وكان الحسن لا يوقت فيها شيئا. وحُكِي عن مالك أنه قَالَ: لا أعرف الهاشمة، لكن فِي الإيضاح خمس، وفي الْهَشْم حكومة، قَالَ ابن المنذر: النظر يدل عَلَى قول الحسن، إذ لا سنة فيها، ولا إجماع، ولأنه لم يُنقل فيها عن النبيّ ﷺ تقدير، فوجبت فيها الحكومة، كما دون الموضحة. قَالَ: ولنا قول زيد، ومثل ذلك الظاهر أنه توقيف، ولأنه لم نَعرِف له مخالفا فِي عصره، فكان إجماعا، ولأنها شجة فوق الموضحة، تختص باسم، فكان فيها مقدر كالمأمومة. انتهى. "المغني" ١٢/ ١٦٢ - ١٦٣.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله الحسن رحمه الله تعالى أقرب؛ لما قاله ابن المنذر رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة عشرة): فِي أقوال أهل العلم فِي دية المنقّلة:
وهي التي تكسر العظام، وتزيلها عن مواضعها، فيحتاج إلى نقل العظم ليلتئم، وفيها خمس عشرة منْ الإبل، بإجماع منْ أهل العلم، حكاه ابن المنذر، وفي كتاب النبيّ ﷺ لعمرو بن حزم: "وفي المنقلة خمس عشرة منْ الإبل". قاله في "المغني" ١٢/ ١٦٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (خَالَفَهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ بِلَالٍ) يعني أن محمد بن بكّار بن بلال خالف الحكم بن موسى، فرواه عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم، عن الزهريّ به، كما بين روايته بقوله:
٤٨٥٦ - (أَخْبَرَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ مَرْوَانَ بْنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عِمْرَانَ الْعَنْسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
стр. 17540
بَكَّارِ بْنِ بِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ، بِكِتَابٍ فِيهِ الْفَرَائِضُ، وَالسُّنَنُ، وَالدِّيَاتُ، وَبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، فَقُرِىءَ عَلَى أَهْلِ الْيَمَنِ، هَذِهِ نُسْخَتُهُ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ: "وَفِي الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي الْيَدِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَهَذَا أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الهيثم بن مروان بن الهيثم بن عمران الْعَنْسيّ ": هو أبو الحكم الدمشقيّ، مقبول [١١] ٣/ ٣٧٢٢. و"محمد بن بكّار بن بلال": هو أبو عبد الله الدمشقيّ القاضي، صدوقٌ [٩] ٣/ ٣٧٢٢. و"يحيى": هو ابن حمزة المذكور فِي السند الماضي. و"سليمان بن أرقم": هو أبو معاذ البصريّ، ضعيف [٧] ٤١/ ٣٨٦٦.
وقوله: "وهذا أشبه بالصواب": يعني أن كونه منْ رواية سليمان بن أرقم، عن الزهريّ أشبه بالصواب منْ كونه منْ رواية سليمان بن داود، عن الزهريّ، وَقَدْ تقدّم أن أبا داود قَالَ أيضاً نحو هَذَا الكلام؛ لكن الذي يظهر لي أنه لا يبعد كون العكس صوابًا، فإن الحكم بن موسى ثقة، فيبعد توهيمه، بل الأولى إثبات الطريقين، فإن كلاً منْ السليمانين يروي عن الزهريّ، ويروي عنهما يحيى بن حمزة، فلا مانع أن يروياه معًا، فسليمان بن داود ثقة، يثبت بروايته الْحَدِيث، وسليمان بن أرقم ضعيف، لا اعتبار بروايته، ويؤيّد هَذَا المرسل، وتلقيّ الأئمة للحديث بالقبول، فإنه ما منْ إمام إلا واستدلّ بكتاب عمرو بن حزم ﵁ هَذَا، كما سبق شرحه، وتفصيله فِي المسألة الأولى منْ مسائل الْحَدِيث الماضي، فتأمله بإنصاف، ولا تتحيّر باعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب.
وقوله: "وسليمان بن أرقم متروك": وهكذا قَالَ غيره، منْ الأئمة: إنه متروك، فَقَالَ أبو حاتم، والترمذيّ، وأبو داود، وابن خراش، وأبو أحمد الحاكم، والدارقطنيّ، وغير واحد: متروك، وَقَالَ البخاريّ: تروكوه، راجع ترجمته فِي "تهذيب التهذيب" ٢/ ٨٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلاً) يعني أن يونس بن يزيد الأيليّ روى هَذَا الْحَدِيث عن الزهريّ، مرسلاً، ثم بين روايته بقوله:
٤٨٥٧ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَرَأْتُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، الَّذِي كَتَبَ لِعَمْرِو