الدية؛ لذلك. [والثانية]: لا تكمل ديته، وهو مذهب قتادة؛ لأن منفعته الإنزال، والإحبال، والجماع، وَقَدْ عُدِم ذلك منه فِي حال الكمال، فلم تكمل ديته كالأشل، وبهذا فارق ذكر الصبي، والشيخ، واختلفت الرواية فِي ذَكَر الخصي، فعنه فيه دية كاملة، وهو قول سعيد بن عبد العزيز، والشافعي، وابن المنذر؛ للخبر، ولأن منفعة الذكر الجماع، وهو باق فيه. والثانية: لا تجب فيه، وهو قول مالك، والثوري، وأصحاب الرأي، وقتادة، وإسحاق؛ لما ذكرنا فِي ذكر العنين، ولأن المقصود منه تحصيل النسل، ولا يوجد ذلك منه، فلم يكمل ديته كالأشل، والجماع يذهب فِي الغالب، بدليل أن البهائم يذهب جماعها بخصائها، والفرق بمِن ذكر العنين، وذكر الخصي، أن الجماع فِي ذكر العنين أبعد منه فِي ذكر الخصي، واليأس منْ الإنزال متحقق، فِي ذكر الخصي، دون ذكر العنين، فعلى قولنا: لا تكمل الدية فِي ذكر الخصي. انتهى "المغني" ١٢/ ١٤٦ - ١٤٧.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بوجوب الدية الكاملة فِي الذكر، ولو كَانَ لعنّين، أو خصيّ، هو الأرجح؛ لإطلاق قوله ﷺ : "وفي الذكر الدية". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي دية الصلب:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: وفي الصلب الدية، إذا كسر فلم ينجبر، لما رُوي فِي كتاب النبيّ ﷺ لعمرو بن حزم: "وفي الصلب الدية"، وعن سعيد بن المسيب، أنه قَالَ: "مضت السنة أن فِي الصلب الدية"، وهذا ينصرف إلى سنة النبيّ ﷺ ، وممن قَالَ بذلك: زيد بن ثابت، وعطاء، والحسن، والزهري، ومالك.
وَقَالَ القاضي، وأصحاب الشافعيّ: ليس فِي كسر الصلب دية، إلا أن يذهب مشيه أو جماعه، فتجب الدية لتلك المنفعة؛ لأنه عضو لم تذهب منفعته، فلم تجب فيه فى دية كاملة، كسائر الأعضاء.
قَالَ: ولنا الخبر، ولأنه عضو ليس فِي البدن مثله، فيه جمال ومنفعة، فوجبت الدية فيِه بمفرده، كالأنف. انتهى. "المغني" ١٢/ ١٤٤ - ١٤٥.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الأولون منْ وجوب الدية فِي كسر الصلب، هو الأرجح عندي؛ لصحة حديث الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): فِي اختلاف أهل العلم فِي دية اليدين:
قَالَ الموفق رحمه الله تعالى: أجمع أهل العلم عَلَى وجوب الدية فِي اليدين،
стр. 17537
ووجوب نصفها فِي إحداهما، وروي عن معاذ بن جبل ﵁: أن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "وفي اليدين الدية، وفي الرجلين الدية"، أخرجه عبد الرزاق فِي "مصنّفه" ٩/ ٣٨٠، وفي كتاب النبيّ ﷺ ، لعمرو بن حزم: "وفي اليد خمسون منْ الإبل"، ولأن فيهما جمالا ظاهرا، ومنفعة كاملة، وليس فِي البدن منْ جنسهما غيرهما، فكان فيهما الدية، كالعينين.
واليد التي تجب فيها الدية منْ الكوع؛ لأن اسم اليد عند الإطلاق ينصرف إليها، بدليل أن الله تعالى لما قَالَ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] كَانَ الواجب قطعهما منْ الكوع، وكذلك التيمم يجب فيه مسح اليدين إلى الكوعين، فإن قطع يده منْ فوق الكوع، مثل أن يقطعها منْ المرفق، أو نصف الساعد، فليس عليه إلا دية اليد، نص عليه أحمد، فِي رواية أبي طالب، وهذا قول عطاء، وقتادة، والنخعي، وابن أبي ليلى، ومالك، وهو قول بعض أصحاب الشافعيّ، وظاهر مذهبه عند أصحابه: أنه يجب مع دية اليد حكومة لما زاد؛ لأن اسم اليد لها إلى الكوع، ولأن المنفعة المقصودة فِي اليد، منْ البطش، والأخذ، والدفع، بالكف، وما زاد تابع للكف، والدية تجب فِي قطعها منْ الكوع بغير خلاف، فتجب فِي الزائد حكومة، كما لو قطعه بعد قطع الكف، قَالَ أبو الخطاب: وهذا قول القاضي.
قَالَ: ولنا إن اليد اسم للجميع إلى المنكب، بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِق﴾ [المائدة: ٦]، ولما نزلت آية التيمم، مسحت الصحابة إلى المناكب، وَقَالَ ثعلب: اليد إلى المنكب، وفي عرف النَّاس أن جميع ذلك يسمى يدا، فإذا قطعها منْ فوق الكوع، فما قطع إلا يدا، فلا يلزمه أكثر منْ ديتها، فأما قطعها فِي السرقة، فلأن المقصود يحصل به، وقطع بعض الشيء يسمى قطعا له، كما يقال قطع ثوبه، إذا قطع جانبا منه، وقولهم: إن الدية تجب فِي قطعها منْ الكوع، قلنا: وكذلك تجب بقطع الأصابع منفردة، ولا يجب بقطعها منْ الكوع أكثر مما يجب فِي قطع الأصابع، والذكر يجب فِي قطعه منْ أصله، مثل ما يجب بقطع حشفته، فأما إذا قطع اليد منْ الكوع، ثم قطعها منْ المرفق، وجب فِي المقطوع ثانيا حكومة؛ لأنه وجبت عليه دية اليد بالقطع الأول، فوجبت بالثاني حكومة، كما لو قطع الأصابع، ثم قطع الكف، أو قطع حشفة الذكر، ثم قطع بقيته، أو كما لو فعل ذلك اثنان. انتهى "المغني" ١٢/ ١٣٨ - ١٤٠.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى منْ أنه إذا قطعهما منْ فوق الكوع، أو منْ المرفق، أو نصف الساعد تجب الدية فقط هو الأرجح؛ لظهور أدلته، كما حققه الموفّق رحمه الله تعالى آنفاً. والله تعالى أعلم
стр. 17538
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الحادية عشرة): فِي اختلاف أهل العلم فِي دية الرِّجْلين:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: أجمع أهل العلم على أن فِي الرجلين الديةَ، وفي إحداهما نصفَها، رُوي ذلك عن عمر، وعلي رضي الله تعالى عنهما، وبه قَالَ قتادة، ومالك، وأهل المدينة، والثوري، وأهل العراق، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي؛ لهذا الْحَدِيث. قَالَ: وفي قدم الأعرج، ويد الأعسم الديةُ؛ لأن الْعَرَج لمعنًى فِي غير القدم، والعَسَم: الاعوجاج فِي الرسغ، وليس ذلك عيبًا فِي قدم، ولا كفّ، فلم يمنع ذلك كمال الدية فيهما. وَقَالَ بعضهم فِي كل منهما ثلث الدية، كاليد الشلاء، وهذا غير صحيح؛ لأن هذين لم تبطل منفعتهما، فلم تنقص ديتهما، بخلاف اليد الشلاء. انتهى "المغني" ببعض تصرّف، وهو تحقيق نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية عشرة): فِي اختلاف أهل العلم فِي دية المأمومة:
وهي كما تقدّم: الشجة التي تصل إلى جلدة الدماغ، وأرشها ثلث الدية، فِي قول عامة أهل العلم، إلا مكحولا، فإنه قَالَ: إن كانت عمدا ففيها ثلثا الدية، وإن كانت خطأ ففيها ثلثها. وحجة الجمهور قولُ النبيّ ﷺ ، فِي كتاب عمرو بن حزم: "وفي المأمومة ثلث الدية"، وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبيّ ﷺ مثل ذلك. ورُوي نحوه عن علي ﵁. قاله فِي "المغني" ١٢/ ١٦٤ - ١٦٥.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنّ ما ذهب إليه الجمهور هو الحقّ؛ لحديث الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة عشرة): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم الجائفة:
ذهب عامة أهل العلم، منهم أهل المدينة، وأهل الكوفة، وأهل الْحَدِيث، وأصحاب الرأي: إلى أنه يجب فيها ثلت الدية، وخالف فِي ذلك مكحولٌ، فَقَالَ: إن كانت عمدًا، ففيها ثلثا الدية.
واحتجّ الجمهور بقول النبيّ ﷺ ، فِي كتاب عمرو بن حزم: "وفي الجائفة ثلث الدية"، وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبيّ ﷺ مثل ذلك، ولأنها جراحة فيها مُقدّر، فلم يختلف أرشها بالعمد والخطإ، كالموضحة، ولا نعلم فِي جراح البدن الخالية عن قطع الأعضاء، وكسر العظام مُقدّرا غير الجائفة.
والجائفة: ما وصل إلى الجوف، منْ بطن، أو ظهر، أو صدر، أو ثغرة نحر، أو وَرِك، أو غيره، وذكر ابن عبد البرّ: أن مالكا، وأبا حنيفة، والشافعي، وعثمان الْبَتِّيّ،
стр. 17539
وأصحابهم، اتفقوا عَلَى أن الجائفة لا تكون إلا فِي الجوف. قاله فِي "المغني" ١٢/ ١٦٦.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد اتّضح بما ذُكر أن الحقّ ما قاله الجمهور منْ وجوب ثلث الدية فِي الجائفة مطلقًا؛ لصحّة حديث الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة عشرة): فِي اختلاف أهل العلم فِي دية الهاشمة:
وهي التي تتجاوز الموضحة، فتَهشِم العظم: أي تكسره، سُمِّيت هاشمة؛ لهشمها العظم، وهي فِي الرأس، والوجه خاصّة:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: ولم يبلغنا عن النبيّ ﷺ فيها تقدير، وأكثر منْ بلغنا قوله منْ أهل العلم، عَلَى أن أرشها مُقَدَّر بعَشْر منْ الإبل، رَوَى ذلك قبيصة بن ذؤيب، عن زيد بن ثابت، وبه قَالَ قتادة، والشافعي، والعنبري، ونحوَه قَالَ الثوري، وأصحاب الرأي، إلا أنهم قدّرُوها بعشر الدية منْ الدراهم، وذلك عَلَى قولهم: ألف درهم، وكان الحسن لا يوقت فيها شيئا. وحُكِي عن مالك أنه قَالَ: لا أعرف الهاشمة، لكن فِي الإيضاح خمس، وفي الْهَشْم حكومة، قَالَ ابن المنذر: النظر يدل عَلَى قول الحسن، إذ لا سنة فيها، ولا إجماع، ولأنه لم يُنقل فيها عن النبيّ ﷺ تقدير، فوجبت فيها الحكومة، كما دون الموضحة. قَالَ: ولنا قول زيد، ومثل ذلك الظاهر أنه توقيف، ولأنه لم نَعرِف له مخالفا فِي عصره، فكان إجماعا، ولأنها شجة فوق الموضحة، تختص باسم، فكان فيها مقدر كالمأمومة. انتهى. "المغني" ١٢/ ١٦٢ - ١٦٣.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله الحسن رحمه الله تعالى أقرب؛ لما قاله ابن المنذر رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة عشرة): فِي أقوال أهل العلم فِي دية المنقّلة:
وهي التي تكسر العظام، وتزيلها عن مواضعها، فيحتاج إلى نقل العظم ليلتئم، وفيها خمس عشرة منْ الإبل، بإجماع منْ أهل العلم، حكاه ابن المنذر، وفي كتاب النبيّ ﷺ لعمرو بن حزم: "وفي المنقلة خمس عشرة منْ الإبل". قاله في "المغني" ١٢/ ١٦٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (خَالَفَهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ بِلَالٍ) يعني أن محمد بن بكّار بن بلال خالف الحكم بن موسى، فرواه عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم، عن الزهريّ به، كما بين روايته بقوله:
٤٨٥٦ - (أَخْبَرَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ مَرْوَانَ بْنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عِمْرَانَ الْعَنْسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
стр. 17540
بَكَّارِ بْنِ بِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ، بِكِتَابٍ فِيهِ الْفَرَائِضُ، وَالسُّنَنُ، وَالدِّيَاتُ، وَبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، فَقُرِىءَ عَلَى أَهْلِ الْيَمَنِ، هَذِهِ نُسْخَتُهُ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ: "وَفِي الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي الْيَدِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَهَذَا أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الهيثم بن مروان بن الهيثم بن عمران الْعَنْسيّ ": هو أبو الحكم الدمشقيّ، مقبول [١١] ٣/ ٣٧٢٢. و"محمد بن بكّار بن بلال": هو أبو عبد الله الدمشقيّ القاضي، صدوقٌ [٩] ٣/ ٣٧٢٢. و"يحيى": هو ابن حمزة المذكور فِي السند الماضي. و"سليمان بن أرقم": هو أبو معاذ البصريّ، ضعيف [٧] ٤١/ ٣٨٦٦.
وقوله: "وهذا أشبه بالصواب": يعني أن كونه منْ رواية سليمان بن أرقم، عن الزهريّ أشبه بالصواب منْ كونه منْ رواية سليمان بن داود، عن الزهريّ، وَقَدْ تقدّم أن أبا داود قَالَ أيضاً نحو هَذَا الكلام؛ لكن الذي يظهر لي أنه لا يبعد كون العكس صوابًا، فإن الحكم بن موسى ثقة، فيبعد توهيمه، بل الأولى إثبات الطريقين، فإن كلاً منْ السليمانين يروي عن الزهريّ، ويروي عنهما يحيى بن حمزة، فلا مانع أن يروياه معًا، فسليمان بن داود ثقة، يثبت بروايته الْحَدِيث، وسليمان بن أرقم ضعيف، لا اعتبار بروايته، ويؤيّد هَذَا المرسل، وتلقيّ الأئمة للحديث بالقبول، فإنه ما منْ إمام إلا واستدلّ بكتاب عمرو بن حزم ﵁ هَذَا، كما سبق شرحه، وتفصيله فِي المسألة الأولى منْ مسائل الْحَدِيث الماضي، فتأمله بإنصاف، ولا تتحيّر باعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب.
وقوله: "وسليمان بن أرقم متروك": وهكذا قَالَ غيره، منْ الأئمة: إنه متروك، فَقَالَ أبو حاتم، والترمذيّ، وأبو داود، وابن خراش، وأبو أحمد الحاكم، والدارقطنيّ، وغير واحد: متروك، وَقَالَ البخاريّ: تروكوه، راجع ترجمته فِي "تهذيب التهذيب" ٢/ ٨٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلاً) يعني أن يونس بن يزيد الأيليّ روى هَذَا الْحَدِيث عن الزهريّ، مرسلاً، ثم بين روايته بقوله:
٤٨٥٧ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَرَأْتُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، الَّذِي كَتَبَ لِعَمْرِو
стр. 17541
بْنِ حَزْمٍ، حِينَ بَعَثَهُ عَلَى نَجْرَانَ، وَكَانَ الْكِتَابُ عِنْدَ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَذَا بَيَانٌ مِنَ اللَّهِ، وَرَسُولِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، وَكَتَبَ الآيَاتِ مِنْهَا، حَتَّى بَلَغَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ١ - ٤]، ثُمَّ كَتَبَ: "هَذَا كِتَابُ الْجِرَاحِ، فِي النَّفْسِ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ، نَحْوَهُ).
وقوله: "حين بعثه عَلَى نجران": أي أرسله واليًا عليها.
وقوله: "هَذَا بيان الخ": يعني أن الآتي إيضاح منْ والله ، ومن رسوله ﷺ لأحكام كثيرة، تحتاج إليها الأمة فِي مُجتمعاتها، وأفرادها.
[تكميل]: لَمّا أشار فِي هذه الرواية إلى أنه ﷺ كتب الآيات منْ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، أحببت أن أذكر شرح الآيات شرحًا مختصرًا، تتميمًا للفائدة، وتكميلاً للعائدة، فأقول:
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾: قَالَ علقمة رحمه الله تعالى: كل ما فِي القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو مدني، و ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، فهو مكي، وهذا خرج عَلَى الأغلب، قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: وهذه الآية مما تلوح فصاحتها، وكثرة معانيها، عَلَى قلة ألفاظها، لكل ذي بصيرة بالكلام، فإنها تضمنت خمسة أحكام: [الأول]: الأمر بالوفاء بالعقود. [الثاني]: تحليل بهيمة الأنعام. [الثالث]: استثناء ما يلي بعد ذلك. [الرابع]: استثناء حال الإحرام فيما يصاد. [الخامس]: ما تقتضيه الآية منْ إباحة الصيد لمن ليس بمحرم.
وحكى النقاش: أن أصحاب الكندي قالوا له: أيها الحكيم اعمل لنا مثل هَذَا القرآن، فَقَالَ: نعم أعمل مثل بعضه، فاحتجب أياما كثيرة، ثم خرج، فَقَالَ: والله ما أقدر، ولا يُطيق هَذَا أحد، إني فتحت المصحف، فخرجت سورة المائدة، فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء، ونهى عن النكث، وحلل تحليلا عاما، ثم استثنى استثناء بعد استثناء، ثم أخبر عن قدرته وحكمته فِي سطرين، ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا إلا فِي أجلاد.
وقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا﴾: يقال وفي، وأوفى لغتان، قَالَ الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾، وَقَالَ تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾، وَقَالَ الشاعر [منْ البسيط]:
أَمَّا ابْنُ طَوْقٍ فَقَدْ أَوْفَى بِذِمَّتِهِ … كمَا وَفَى بِقِلَاصِ النَّجْمِ حَادِيهَا.
فجمع بين اللغتين. وقوله: ﴿بِالعُقُودٍ﴾: العقود الربوط، واحدها عَقْد، يقال: عقدت العهد، والحبل، وعقدت الغُلّ، فهو يستعمل فِي المعاني والأجسام.
فقد أمر والله سبحانه بالوفاء بالعقود، قَالَ الحسن: يعني بذلك عقود الدَّين، وهي ما عقده المرء عَلَى نفسه، منْ بيع، وشراء، وإجارة، وكراء، ومناكحة، وطلاق،
стр. 17542
ومزارعة، ومصالحة، وتمليك، وتخيير، وعتق، وتدبير، وغير ذلك منْ الأمور، ما كَانَ ذلك غير خارج عن الشريعة، وكذلك ما عقده عَلَى نفسه لله منْ الطاعات، كالحج، والصيام، والاعتكاف، والقيام، والنذر، وما أشبه ذلك منْ طاعات ملة الإسلام. وأما نذر المباح، فلا يلزم بإجماع منْ الأمة، قاله ابن العربي.
وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾: الخطاب لكل منْ التزم الإيمان عَلَى وجهه، وكماله، وكان للعرب سنن فِي الأنعام، منْ البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، فنزلت هذه الآية، رافعة لتلك الأوهام الخيالية، والآراء الفاسدة الباطلة.
واختلُف فِي معنى بهيمة الأنعام، والبهيمة: اسم لكل ذي أربع، سُمّيت بذلك لإبهامها، منْ جهة نقص نطقها، وفهمها، وعدم تمييزها وعقلها، ومنه بابٌ مُبهمٌ: أي مغلق، وليل بهيم، وبُهْمة للشجاع الذي لا يُدرَى منْ أين يُؤتى له.
والأنعام: الإبل، والبقر، والغنم، سُميت بذلك؛ للين مشيها، وقيل: غير ذلك فِي معنى الأنعام، انظر "تفسير القرطبيّ" ٦/ ٣٤ - ٣٥.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾:أي يقرأ عليكم القرآن, والسنة, منْ قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، وقوله ﵊: "وكل ذي ناب منْ السباع حرام"، رواه مسلم، والنسائيّ.
[فإن قيل]: الذي يتلى علينا الكتاب، ليس السنة.
[قلنا]: كل سنة لرسول الله ﷺ ، فهي منْ كتاب الله، والدليل عليه أمران:
[أحدهما]: حديث العسيف: "لأقضين بينكما بكتاب الله"، والرجم ليس منصوصا فِي كتاب الله.
[الثاني]: حديث ابن مسعود ﵁: "ومالي لا ألعن منْ لعن رسول الله ﷺ ، وهو فِي كتاب الله … " الْحَدِيث.
ويحتمل ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ الآن، أو ﴿يُتْلَى عَلَيْكُم﴾ فيما بعدُ منْ مستقبل الزمان، عَلَى لسان رسول الله ﷺ ، فيكون فيه دليل عَلَى جواز تأخير البيان، عن وقت لا يُفتقر فيه، إلى تعجيل الحاجة.
وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾: أي ما كَانَ صيدا فهو حلال فِي الإحلال، دون الإحرام، وما لم يكن صيدا فهو حلال فِي الحالين.
واختلف النحاة فِي: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى﴾: هل هو استثناء، أو لا؟، فَقَالَ البصريون: هو استثناء منْ ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾، و ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ استثناء آخر أيضا منه، فالاستثناءان جميعا منْ قوله: ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾، وهي المستثنى منها، التقدير: إلا ما يتلى عليكم،
стр. 17543
إلا الصيد، وأنتم محرمون. وقيل: هو مستثنى مما يليه منْ الاستثناء، فيصير بمنزلة قوله : ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ الآية [الحجر: ٥٨, ٥٩]، وفيه: أنه لو كَانَ كذلك لوجب إباحة الصيد فِي الإحرام؛ لأنه مستثنى منْ المحظور، إذ كَانَ قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُم﴾ مستثنى منْ الإباحة، وهذا وجه ساقط، فإذًا معناه: أحلت لكم بهيمة الأنعام، غير محلي الصيد وأنتم حرم، إلا ما يتلى عليكم، سوى الصيد. ويجوز أن يكون معناه أيضا: أوفوا بالعقود غير محلي الصيد، وأحلت لكم بهيمة الأنعام، إلا ما يتلى عليكم.
وأجاز الفراء أن يكون ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُم﴾ فِي موضع رفع عَلَى البدل، عَلَى أن يعطف بـ"إلا" كما يعطف بـ"لا"، ولا يجيزه البصريون إلا فِي النكرة، أو ما قاربها منْ أسماء الأجناس، نحو جاء القوم إلا زيدٌ.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنتُم حُرُمٌ﴾: يعني الإحرام بالحج والعمرة، يقال رجل حرام، وقوم حُرُم: إذا أحرموا بالحج، ومنه قول الشاعر [منْ الطويل]:
فَقُلْتُ لَهَا فِيئِي إِلَيْك فَإِنَّنِي … حَرَامٌ وَإِنِّي بَعْدَ ذَاكِ لَبِيبُ
أي مُلَبٍّ، وسُمي ذلك إحراما؛ لما يُحَرِّمه مَن دخل فيه عَلَى نفسه، منْ النِّساء، والطيب، وغيرهما، ويقال: أحرم: دخل فِي الحرم، فيحرم صيد الحرم أيضا.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اَللهَ يَحكُمُ مَا يُرِيدُ﴾: تقوية لهذه الأحكام الشرعية، المخالفة لمعهود أحكام العرب، أي فأنت يا محمد، السامع لنسخ تلك التي عُهِدت منْ أحكامهم تنبه، فإن الذي هو مالك الكل، يحكم ما يريد، ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾، يُشرع ما يشاء كما يشاء.
وقوله تعالى: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾: خطاب للمؤمنين حقا: أي لا تتعدوا حدود الله فِي أمر منْ الأمور، والشعائر جمع شعيرة، عَلَى وزن فعيلة، وَقَالَ ابن فارس: ويقال للواحدة: شِعَارة، وهو أحسن، والشعيرة: البدنة تُهدَى، وإشعارها أن يحز سنامها حَتَّى يسيل منه الدم، فيعلم أنها هدى، والإشعار: الإعلام عن طريق الإحساس، يقال: أشعر هديه: أي جعل له علامة ليعرف أنه هدى، ومنه المشاعر: المعالم واحدها مَشعَر، وهي المواضع التي قد أُشعرت بالعلامات.
فالشعائر عَلَى قولٍ: ما أُشعر منْ الحيوانات؛ لتهدى إلى بيت الله، وعلى قولٍ: جميعُ مناسك الحج، قاله ابن عباس. وَقَالَ مجاهد: الصفا والمروة، والهدي، والبدن، كل ذلك منْ الشعائر. وكان المشركون يحجون، ويعتمرون، ويُهدون، فأراد المسلمون أن يُغِيروا عليهم، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾. وَقَالَ عطاء بن أبي رباح:
стр. 17544
شعائر الله جميع ما أمر الله به، ونهى عنه. وَقَالَ الحسن: دين الله كله، كقوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]: أي دين الله.
قَالَ القرطبيّ. وهذا القول هو الراجح، الذي يقدم عَلَى غيره؛ لعمومه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَام﴾: اسم مفرد يدل عَلَى الجنس، فِي جميع الأشهر الحرم، وهي أربعة، واحد فرد، وثلاثة سرد: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب الذي بين جمادى وشعبان.
والمعنى: لا تستحلوها للقتال، ولا للغارة، ولا تبدّلوها، فإن استبدالها استحلال، وذلك ما كانوا يفعلونه منْ النسيء، وكذلك قوله: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾: أي لا تستحلوه، وهو عَلَى حذف مضاف: أي ولا ذوات القلائد، جمع قلادة، فنهى سبحانه عن استحلال الهدي جملة، ثم ذكر المقلد منه تأكيدا، ومبالغة فِي التنبيه عَلَى الحرمة فِي التقليد.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾: الهدي ما أُهدي إلى بيت الله تعالى، منْ ناقة، أو بقرة، أو شاة: الواحدة هَدْيَة، وهَدِيَّة، وهَدْي، فمن قَالَ: أراد بالشعائر المناسك، قَالَ: ذكر الهدي تنبيها عَلَى تخصيصها، ومن قَالَ: الشعائر الهدي، قَالَ: إن الشعائر ما كَانَ مُشعَرًا: أي مُعلَمًا بإسالة الدم منْ سنامه، والهدي ما لم يُشعَر اكتفى فيه بالتقليد.
وقيل: الفرق أن الشعائر: هي البدن، منْ الأنعام، والهدي: البقر، والغنم، والثياب، وكُلُّ ما يُهدَى. وَقَالَ الجمهور: الهدي عام فِي جميع ما يتقرب به، منْ الذبائح والصدقات.
قوله تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾: يعني القاصدين له، منْ قولهم: أممت كذا: أي قصدته، وقرأ الأعمش: "ولا آمي البيت الحرام" بالإضافة، كقوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾. والمعنى: لا تمنعوا الكفار القاصدين البيت الحرام، عَلَى جهة التعبد والقربة، وعليه فقيل: ما فِي هذه الآيات منْ نهي عن مشرك، أو مراعاة حرمة له، بقلادة، أو أم البيت، فهو كله منسوخ بآية السيف, فِي قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ , وقوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ , فلا يمكن المشرك منْ الحج، ولا يُؤَمَّن فِي الأشهر الحرم، وإن أهدى، وقَلَّد، وحج.
وقيل: الآية محكمة، لم تُنسخ، وهي فِي المسلمين، وَقَدْ نهى الله عن إخافة منْ يقصد بيته منْ المسلمين، والنهي عام فِي الشهر الحرام وغيره، ولكنه خَصَّ الشهر الحرام بالذكر؛ تعظيما وتفضيلاً.
стр. 17545
وقوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾: قَالَ فيه جمهور المفسرين: معناه: يبتغون الفضل والأرباح فِي التجارة، ويبتغون مع ذلك رضوانه. قَالَ ابن عطية رحمه الله تعالى: هذه الآية استئلاف منْ الله تعالى للعرب، ولُطف بهم؛ لتنبسط النفوس، ويتداخل النَّاس، ويردون الموسم، فيستمعون القرآن، ويدخل الإيمان فِي قلوبهم، وتقوم عندهم الحجة، كالذي كَانَ، وهذه الآية نزلت عام الفتح، فنسخ الله ذلك كله بعدَ عام سنةَ تسع، إذ حج أبو بكر ﵁، ونودي النَّاس بسورة براءة.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾: أمر إباحة بإجماع النَّاس، رفع ما كَانَ محظورا بالإحرام، حكاه كثير منْ العلماء، قَالَ القرطبيّ: وليس بصحيح، بل صيغة افْعَلْ الواردة بعد الحظر عَلَى أصلها، منْ الوجوب، وهو مذهب القاضي أبي الطيب وغيره؛ لأن المقتضى للوجوب قائم، وتقدم الحظر لا يصلح ما نعا، دليله قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾، فهذه "افعل" عَلَى الوجوب؛ لأن المراد بها الجهاد، وإنما فهمت الإباحة هناك، وما كَانَ مثله، منْ قوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾، منْ النظر إلى المعنى، والإجماعِ، لا منْ صيغة الأمر. والله أعلم. انتهى.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: أي لا يَحمِلَنَّكم، وهو يتعدى إلى مفعولين، يقال: جَرَمني كذا عَلَى بغضك: أي حملني عليه.
وقيل: معنى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: أي لا يَكسِبَنكم بغضُ قومٍ أن تعتدوا الحق إلى الباطل، والعدل إلى الظلم.
قيل: لما صُدَّ المسلمون عن البيت عام الحديبية، مَرَّ بهم ناس منْ المشركين، يريدون العمرة، فَقَالَ المسلمون: نصدهم كما صدنا أصحابهم، فنزلت هذه الآية: أي لا تعتدوا عَلَى هؤلاء، ولا تصدوهم ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾: أي صدّكم أصحابهم، فـ"أن" بفتح الهمزة مفعول منْ أجله: أي لأن صدوكم.
وقوله: ﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾: فِي موضع نصب، لأنه مفعول به: أي لا يجرمنكم شنآن قوم الاعتداءَ.
وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾: قَالَ الأخفش: هو مقطوع منْ أول الكِلام، وهو أمر لجميع الخلق بالتعاون عَلَى البر والتقوى: أي ليُعِنْ بعضكم بعضا، وتَحَاثُّوا عَلَى ما أمر الله تعالى، واعملوا به، وانتهوا عما نهى الله عنه، وامتنعوا منه، وهذا موافق لما روي عن النبيّ ﷺ ، أنه قَالَ: "الدال عَلَى الخير كفاعله" (١)، وَقَدْ قيل:
стр. 17546
الدال عَلَى الشر كصانعه.
ثم قيل: البر والتقوى، لفظان بمعنى واحد، وكرر باختلاف اللفظ تأكيدا، ومبالغة، إذ كل بر تقوى، وكل تقوى بر. قَالَ ابن عطية: وفي هَذَا تسامح مّا، والعرف فِي دلالة هذين اللفظين: أن البر يتناول الواجب والمندوب إليه، والتقوى رعاية الواجب، فإن جُعِل أحدهما بدل الآخر فبتجوز. وَقَالَ الماوردي: ندب الله سبحانه إلى التعاون بالبر، وقرنه بالتقوى له؛ لأن فِي التقوى رضا الله تعالى، وفي البر رضا النَّاس، ومن جمع بين رضا الله تعالى، ورضا النَّاس، فقد تمت سعادته، وعَمَّت نعمته.
وَقَالَ ابن خويزمنداد فِي "أحكامه": والتعاون عَلَى البر والتقوى، يكون بوجوه: فواجب عَلَى العالم أن يعين النَّاس بعلمه، فيعلمهم، ويعينهم الغني بماله، والشجاع بشجاعته فِي سبيل الله، وأن يكون المسلمون متظاهرين، كاليد الواحدة، "المؤمنون تتكافؤ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد عَلَى منْ سواهم" (١)، ويجب الإعراض عن المتعدي، وترك النصرة له، ورَدُّه عما هو عليه.
ثم نهى الله تعالى، فَقَالَ: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾: وهو الحكم اللاحق عن الجرائم، وعن العدوان، وهو ظلم النَّاس، ثم أمر بالتقوى، وتوعد توعدا مجملا، فَقَالَ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب﴾.
وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾: هي التي تموت خنقا، وهو حبس النَّفَسِ، سواء فعل بها ذلك آدمي، أو اتّفق لها ذلك فِي حبل، أو بين عودين، أو نحوه. وذكر قتادة أن أهل الجاهلية كانوا يخنقون الشاة وغيرها، فإذا ماتت أكلوها. وذكر نحوه ابن عباس.
وقوله تعالى: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾: هي التي تُرمَى، أو تضرب بحجر، أو عصى حَتَّى تموت، منْ غير تذكية.
وقوله تعالى: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾: هي التي تتردى منْ العلو إلى السفل فتموت، كَانَ ذلك منْ جبل، أو فِي بئر، ونحوه، وهي مُتفعِلة منْ الرَّدَى، وهو الهلاك، وسواء تردت بنفسها، أو رَدّاها غيرها.
وقوله تعالى: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾: فَعِيلة بمعنى مفعولة، وهي الشاة تنطحها أخرى، أو غير ذلك فتموت، قبل أن تُذكَّى، وتأول قوم النطيحة بمعنى الناطحة؛ لأن الشاتين قد تتناطحان فتموتان، وقيل: نطيحة، ولم يقل: نَطيح، وحقُّ فعيل أن لا يذكر فيه الهاء، كما يقال: كّفٌّ خضيب، ولحية دهين، لكن ذكر الهاء هاهنا؛ لأن الهاء إنما تحذف منْ
стр. 17547
الفعيلة، إذ كانت صفة لموصوف منطوق به، فيقال شاة نطيح، وامرأة قتيل، فإن لم تذكر الموصوف أثبت الهاء، فتقول: رأيت قتيلة بني فلان، وهذه نطيحة الغنم؛ لأنك لو لم تذكر الهاء، فقلت: رأيت قتيل بني فلان، لم يعرف أرجل هو أم امرأة.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾: يريد كل ما افترسه ذو ناب وأظفار، منْ الحيوان، كالأسد، والنمر، والثعلب، والذئب، والضبع، ونحوها، هذه كلها سباع، يقال: سَبَعَ فلان فلانا: أي عَضّه بسِنِّهِ وسبعه: أي عابه، ووقع فيه، وفي الكلام إضمار: أي وما أكل منه السبع؛ لأن ما أكله السبع فقد فني، ومن العرب منْ يوقف اسم السبع عَلَى الأسد. وكانت العرب إذ أخذ السبع شاة، ثم خلصت منه أكلوها، وكذلك إن أكل بعضها.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾: نصب عَلَى الإستثناء المتصل عند الجمهور، منْ العلماء، والفقهاء، وهو راجع عَلَى كل ما أدرك ذكاته منْ المذكورات، وفيه حياة، فإن الذكاة عاملة فيه؛ لأن حق الإستثناء أن يكون مصروفا إلى ما تقدم منْ الكلام، ولا يجعل منقطعا إلا بدليل، يجب التسليم له. رَوَى ابن عيينة، وشريك، وجرير، عن الرُّكَين بن الرَّبِيع، عن أبي طلحة الأسدي، قَالَ: سألت ابن عباس، عن ذئب عدا عَلَى شاة، فشق بطنها حَتَّى انتثر قصبها، فأدركت ذكاتها، فذكيتها؟ فَقَالَ: كُلْ، وما انتثر منْ قصبها فلا تأكل. قَالَ إسحق بن راهويه: السنة فِي الشاة عَلَى ما وَصفَ ابنُ عباس، فإنها وإن خرجت مصارينها، فإنها حية بعدُ، وموضوع الذكاة منها سالم، وإنما ينظر عند الذبح، أحية هي، أم ميتة؟ ولا ينظر إلى فعل هل يعيش مثلها فكذلك المريضة، قَالَ إسحق: ومن خالف هَذَا، فقد خالف السنة منْ جمهور الصحابة، وعامة العلماء.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾: قَالَ ابن فارس: النصب حجر كَانَ ينصمب، فيعبد، وتصب عليه دماء الذبائح، وهو النَّصْبُ أيضا. وقيل: النصب جمع، واحده نِصاب كحمار وحمر. وقيل: هو اسم مفرد، والجمع أنصاب، وكانت ثلاثمائة وستين حجرا. قَالَ مجاهد: هي حجارة كانت حوالى مكة، يذبحون عليها.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾: معطوف عَلَى ما قبله، أي وحرم عليكم الاستقسام، والأزلام قِداح الميسر، واحدها زَلَمٌ -بفتحتين-، وزُلَم -بضم، ففتح-.
قالوا: والأزلام للعرب ثلاثة أنواع: منها الثلاثة التي كَانَ يتخذها كل إنسان لنفسه عَلَى، أحدها افعل، وعلى الثاني لا تفعل، والثالث مهمل، لا شيء عليه، فيجعلها فِي خَرِيطة معه، فإذا أراد فِعْل شيء أدخل يده، وهي متشابهة، فإذا خرج أحل ها ائتمر، وانتهى بحسب ما يخرج له، وإن خرج القِدْح الذي لا شيء عليه، أعاد الضرب، وهذه
стр. 17548
هي التي ضرب بها سراقة بن مالك بن جعشم، حين اتبع النبيّ ﷺ وأبا بكر، وقت الهجرة، وإنما قيل لهذا الفعل استقسام؛ لأنهم كانوا يستقسمون به الرزق، وما يريدون، كما يقال: الاستسقاء فِي الاستدعاء للسقي، ونظير هَذَا الذي حرمه الله تعالى، قول المنجم لا تخرج منْ أجل نجم كذا، واخرج منْ أجل نجم كذا.
[والنوع الثاني]: سبعة قداح، كانت عند هُبَل، فِي جوف الكعبة، مكتوب عليها ما يدور بين النَّاس منْ النوازل، كل قِدْح منها فيه كتاب، قدحٌ فيه العقل منْ أمر الديات، وفي آخر "منكم"، وفي آخر "منْ غيركم"، وفي آخر "مُلصق"، وفي سائرها أحكام المياه وغير ذلك.
وهي التي ضرب بها عبد المطلب عَلَى بنيه، إذ كَانَ نذر نحر أحدهم، إذا كملوا عشرة، الخبر المشهور، ذكره ابن اسحق.
وهذه السبعة أيضا كانت عند كل كاهن منْ كهان العرب، وحُكّامهم عَلَى نحو ما كانت فِي الكعبة عند هُبَل.
[والنوع الثالث]: هو قِداح الميسرِ، وهي عشرة: سبعة منها فيها حظوظ، وثلاثة أغفال، وكانوا يضربون بها مُقامرةً، لهوا ولعبًا، وكان عقلاؤهم يقصدون بها إطعام المساكين، والمعدم فِي زمن الشتاء، وكَلَبِ البرد وتعذر التَّحَرُّف.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾: إشارة إلى الاستقسام بالأزلام، والفسق الخروج، وقيل: يرجع إلى جميع ما ذكر منْ الاستحلال لجميع هذه المحرمات، وكل شيء منها فسق، وخروج منْ الحلال إلى الحرام، والانكفاف عن هذه المحرمات منْ الوفاء بالعقود، إذ قَالَ أوفوا بالعقود.
وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾: يعني أن ترجعوا إلى دينهم كفارا، قَالَ الضحاك: نزلت هذه الآية حين فتح مكة، وذلك أن رسول الله ﷺ فتح مكة لثمان بقين منْ رمضان سنة تسع، ويقال سنة ثمان، ودخلها، ونادى منادي رسول الله ﷺ : "ألا منْ قَالَ: لا إله إلا الله فهو آمن، ومن وضع السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن".
وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾: وذلك أن النبيّ ﷺ حين كَانَ بمكة، لم تكن إلا فريضة الصلاة وحدها، فلما قدم المدينة أنزل الله الحلال والحرام، إلى أن حج، فلما حج، وكمل الدين نزلت هذه الآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية.
وقوله تعالى: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾: أي بإكمال الشرائع والأحكام، وإظهار دين الإسلام، كما وعدتكم، إذ قلت: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتيِ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] وهي دخول مكة آمنين مطمئنين، وغير ذلك مما انتظمته هذه الملة الحنيفية، إلى دخول الجنة فِي رحمة
стр. 17549
الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾: أي أعلمتكم برضاي به لكم دينا، فإنه تعالى لم يزل راضيا بالإسلام لنا دينا، فلا يكون لاختصاص الرضا بذلك اليوم فائدة، إن حملناه عَلَى ظاهره، و"دينا" نصب عَلَى التمييز، وإن شئت عَلَى مفعول ثان. وقيل: المعنى: ورضيت عنكم إذا انقدتم لي بالدين الذي شرعته لكم، ويحتمل أن يريد رضيت لكم الإسلام دينا: أي رضيت إسلامكم الذي أنتم عليه دينا باقيا بكماله إلى آخر الأبد، لا أنسخ منه شيئا، والله أعلم.
والإسلام فِي هذه الآية: هو الذي فِي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾: وهو الذي يفسر فِي سؤال جبريل للنبي عليهما الصلاة والسلام، وهو الإيمان، والأعمال، والشعب.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾: يعني منْ دعته ضرورة إلى أكل الميتة، وسائر المحرمات فِي هذه الآية، والمخمصة الجوع، وخلاء البطن منْ الطعام، والْخَمَصُ: ضمور البطن.
وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾: أي غير مائل لحرام، وهو بمعنى ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ والجنف: الميل، والإثم الحرام.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أي فإن الله له غفور رحيم.
وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ الآية: نزلت بسبب عدي بن حاتم، وزيد بن مهلهل، وهو زيد الخيل، الذي سماه رسول الله ﷺ زيد الخير، قالا: يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب، والبزاة، وإن الكلاب تأخذ البقر، والحمر، والظباء، فمنه ما ندرك ذكاته، ومنه ما تقتله فلا ندرك ذكاته، وَقَدْ حرم الله الميتة، فماذا يحل لنا؟، فنزلت الآية.
وقوله تعالى: ﴿مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾: "ما" فِي موضع رفع بالابتداء، والخبر: ﴿أُحِلَّ لَهُمْ﴾، و"ذا" زائدة، وإن شئت بمعنى الذي، ويكون الخبر: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾، وهو الحلال، وكل حرام فليس بطيب، وقيل: ما التذه آكله وشاربه، ولم يكن عليه فيه ضرر فِي الدنيا، ولا فِي الآخرة. وقيل: الطيبات الذبائح؛ لأنها طابت بالتذكية. وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمَتُمُ﴾ أي وصيد ما علمتم، ففي الكلام إضمار لابد منه، ولولاه لكان المعنى يقتضي أن يكون الحل المسئول عنه متناولا للمعلم منْ الجوارح المكلبين، وذلك ليس مذهبًا لأحد.
وقوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾:معنى مكلبين أصحاب الكلاب، وهو كالمؤدب، صاحب التأديب. وقيل: معناه مُضَرِّين عَلَى الصيد كما تُضَرَّى الكلاب.
стр. 17550
وقوله تعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾: أنث الضمير مراعاة للفظ الجوارح، إذ هو جمع جارحة، ولا خلاف بين العلماء فِي شرطين فِي التعليم، وهما: أن ياتمر إذا أُمر، وينزجر إذا زُجر، لا خلاف فِي هذين الشرطين فِي الكلاب، وما فِي معناها، منْ سباع الوحوش، واختلف فيما يصاد به الطير، فالمشهور أن ذلك مشترط فيها عند الجمهور، وذكر ابن حبيب منْ المالكيّة أنه لا يشترط فيها أن تنزجر إذا زجرت، فإنه لا يتأتى ذلك فيها غالبا، فيكفي أنها إذا أُمرت أطاعت. وَقَالَ ربيعة: ما أجاب منها إذا دعي فهو المعلم الضاري؛ لأن أكثر الحيوان بطبعه ينشلي -أي يغرى- وَقَدْ شرط الشافعيّ، وجمهور منْ العلماء فِي التعليم، أن يمسك عَلَى صاحبه، ولم يشترطه مالك فِي المشهور عنه، والأول أصح.
وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾: أي حبسن لكم، واختلف العلماء فِي تأويله، فَقَالَ ابن عباس، وأبو هريرة، والنخعي، وقتادة، وابن جبير، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة والشافعي، وأحمد، وإسحق، وأبو ثور، والنعمان وأصحابه: المعنى ولم يأكل، فإن أكل لم يؤكل ما بقي؛ لأنه أمسك عَلَى نفسه، ولم يمسك عَلَى ربه.
وَقَالَ سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وسلمان الفارسي، وأبو هريرة فِي رواية عنه: المعنى وإن أكل، فإذا أكل الجارح كلبا كَانَ، أو فهدا، أو طيرا، أُكل ما بقي منْ الصيد وإن لم يبق إلا بضعة، وهذا قول مالك، وجميع أصحابه، وهو القول الثاني للشافعي.
وقول الأولين هو الصواب؛ لما روى مسلم فِي "صحيحه" منْ عديّ بن حاتم ﵁, مرفوعًا: "وإذا أكل فلا تأكل، فإنما أمسك عَلَى نفسه"، وهذا نص صريح يرد عَلَى القول الثاني، فتبصّر.
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾: أمر بالتسمية قيل: عند الإرسال عَلَى الصيد، وقيل المراد: بالتسمية هنا التسمية عند الأكل، والحقّ أنه يشمل الأمرين.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أمر بالتقوى عَلَى الجملة، والإشارة القريبة هي ما تضمنته هذه الآيات منْ الأوامر.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ لأنه تعالى قد أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، فلا يحتاج إلى محاولة عَدٍّ، ولا عقد، كما يفعله الْحُسّاب، ولهذا قَالَ: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾، فهو سبحانه يحاسب الخلائق دفعة واحدة. ويحتمل أن يكون المراد به الوعيد بيوم القيامة، كأنه قَالَ: إن حساب الله لكم سريع إتيانه، إذ يوم القيامة قريب. ويحتمل أن يريد بالحساب المجازاة، فكأنه توعد فِي الدنيا بمجازاة سريعة
стр. 17551
قريبة، إن لم يتقوا الله. انتهى ملخّصًا منْ "تفسير القرطبيّ" رحمه الله تعالى.
والحديث مرسلٌ صحيحٌ، كما سبق بيانه فِي حديث أول الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٥٨ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ -وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ- عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: جَاءَنِي أَبُو بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، بِكِتَابٍ فِي رُقْعَةٍ مِنْ أَدَمٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "هَذَا بَيَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ "، فَتَلَا مِنْهَا آيَاتٍ، ثُمَّ قَالَ: "فِي النَّفْسِ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ، وَفِي الْعَيْنِ خَمْسُونَ، وَفِي الْيَدِ خَمْسُونَ، وَفِي الرِّجْلِ خَمْسُونَ، وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ فَرِيضَةً، وَفِي الأَصَابِعِ عَشْرٌ عَشْرٌ، وَفِي الأَسْنَانِ خَمْسٌ خَمْسٌ، وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أحمد بن عبد الواحد": هو التميميّ المعروف بابن عبود الدمشقيّ، صدوقٌ [١١] ١/ ٣٥٨٨. و"مروان بن محمد": هو الأسديّ الدمشقيّ الطاطَرِيّ، ثقة [٨] ١٢٨/ ١٠٩١. و"سعيد بن عبد العزيز": هو التَّنُوخيّ الدمشقيّ، ثقة إمام، سوّاه أحمد بالأوزاعيّ، وقدّمه أبو مُسهر، لكنه اختلط فِي آخر عمره [٧] ٥/ ٤٦٠.
وقوله: "فِي رُقعة" -بضم، فسكون-: هي التي يُكتب فيها، وما يُرقع به الثوب، جمعها رقاع بالكسر، مثل بُرْمة وبِرَام.
وقوله: "منْ أدَم" -بفتحتين-: جمع أَدِيم، وهو الجلد المدبوغ، ويُجمع أيضًا عَلَى أُدُم -بضمّتين- وهو القياس، مثلُ بَرِيد وبُرُد. أفاده الفيّوميّ.
وقوله: "فريضة": قَالَ ابن الأثير رحمه الله تعالى: الفريضة: هو البعير المأخوذ فِي الزكاة، سُمي فريضةً؛ لأنه فرضٌ واجبٌ عَلَى رب المال، ثم اتُّسِعَ فيه، حَتَّى سُمِّي البعير فريضةً فِي غير الزكاة. انتهى "النهاية" ٣/ ٤٣٢. والمراد به هنا الناقة التي تؤخذ فِي الدية.
والحديث مرسلٌ صحيحٌ، كما سبق بيانه فِي حديث أول الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٥٩ - (قَالَ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: الْكِتَابُ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، فِي الْعُقُولِ: "إِنَّ فِي النَّفْسِ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ، وَفِي الأَنْفِ إِذَا أُوعِيَ جَدْعًا، مِائَةً مِنَ الإِبِلِ، وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ النَّفْسِ، وَفِي
стр. 17552
الْجَائِفَةِ مِثْلُهَا، وَفِي الْيَدِ خَمْسُونَ، وَفِي الْعَيْنِ خَمْسُونَ، وَفِي الرِّجْلِ خَمْسُونَ، وَفِي كُلِّ إِصْبَعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ، وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ، وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ").
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه وهو مصريّ ثقة حافظ. و"ابن القاسم": هو عبد الرحمن الْعُتقيّ الفقيه الثقة المصريّ. و"مالك": هو ابن أنس إمام دار الهجرة. و"عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم": هو الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقة [٥] ١١٨/ ١٦٣.
وقوله: "الكتاب الخ": مبتدأٌ خبره جملة: "إن فِي النفس الخ".
وقوله: فِي "العُقُول" متعلّق بـ"كتب"، وهو -بالضمّ- جمع عقل بفتح، فسكون: وهو الدية. وقوله: "إذا أوعي" بضم أوله، مضارع أَوعى المتاع بالألف: إذا جمعه فِي الوعاء، قَالَ الشاعر [منْ البسيط]:
الْخَيْرُ يَبْقَى وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ بِهِ … وَالشَّرُّ أَخْبَثُ مَا أَوْعَيْتُ مِنْ زَادِ
والمراد به هنا قطع جميعه، فهو بمعنى ما تقدّم: "وفي الأنف إذا أُوعِب جدعُهُ الدية": أي إذا قُطع جميعه.
والحديث مرسل صحيح، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٦٠ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى بَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَلْقَمَ عَيْنَهُ خُصَاصَةَ الْبَابِ، فَبَصُرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَتَوَخَّاهُ بِحَدِيدَةٍ، أَوْ عُودٍ؛ لِيَفْقَأَ عَيْنَهُ، فَلَمَّا أَنْ بَصُرَ انْقَمَعَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "أَمَا إِنَّكَ لَوْ ثَبَتَّ، لَفَقَأْتُ عَيْنَكَ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث، والحديث الذي بعده منْ أحاديث الباب التالي، فكان الأولى إيرادهما فيه، لكن المصنّف كثيرًا ما يفعل هَذَا، فيقدّم بعض أحاديث باب فِي باب قبده، وَقَدْ نبّهت على هَذَا قبل هَذَا مرارا، فَلْيُتَنَبَّهْ. والله تعالى أعلم.
ورجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن منصور) النسائيّ المذكور فِي أول حديث الباب.
٢ - (مسلم بن إبراهيم) الأزديّ الفراهيديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقة مأمون، مكثرٌ، عَمِي بآخره [٩] ٥/ ٢٣١٥.
٣ - (أبان) بن يزيد العطّار، أبو يزيد البصريّ، ثقة، له أفراد [٧] ٩/ ٧٨٧.
стр. 17553
٤ - (يحيى) بن أبي كثير الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقة ثبتٌ، يدلّس، ويرسل [٥] ٢٣/ ٢٤.
٥ - (إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقة حجة [٤] ٥٤/ ٦٨.
٦ - (أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: يحيى، عن إسحاق. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن عمه. (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ خادم رسول الله ﷺ ، وأحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر منْ مات منْ الصحابة بالبصرة، مات سنة (٢) أو (٩٣)، وَقَدْ جاوز مائة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى بَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَلْقَمَ عَيْنَهُ خُصَاصَةَ الْبَابِ) بفتح الخاء المعجمة: أي فرجته، قَالَ المجد: "الْخَصَاصُ، والْخَصَاصَة"، و"الْخَصَاصاء" بفتحهنّ: الفقرُ، والْخَلَلُ، أو كلُّ خلَل، وخَرْق فِي باب، ومُنْخُلٍ، وبُرْقُع، ونحوه، أو الثُّقْبُ الصغير، والْفُرَجُ بين الأَثَافي. انتهى.
والمعنى هنا: أنه جعل فرجة الباب مُحاذية لعينه، كأنها لقمة لها (فَبَصُرَ بِهِ) بضم الصاد المهملة، وكسرها، قَالَ المجد: بصُر به، ككرُم، وفرِح بَصَرًا، وبَصَارةً بالفتح، ويُكسر: صار مُبصِرًا. انتهى: أي أبصر (النَّبِيُّ ﷺ ) ذلك الأعرابيّ، وهو فِي تلك الحال (فَتَوَخَّاهُ) بتشديد الخاء: أي قصده، وطلبه ليطعنه (بِحَدِيدَةٍ، أَوْ) للشكّ منْ الراوي (عُودٍ) بالضمّ: أي خشب. وفي رواية البخاريّ منْ طريق عبيد الله بن أبي بكر بن أنس، عن أنس ﵁: "أن رجلاً اطلع منْ بعض حُجر النبيّ ﷺ ، فقام إليه بمِشقص، أو بمشاقص، وجعل يَختِله ليطعنه.
والمِشقص بالكسر: النصل العريض، وقوله: "يَختله" بفتح أوله، وسكون ثانيه، منْ الختل، وهو الإصابة عَلَى غفلة.
(لِيَفْقَأَ عَيْنَهُ) بفتح، أوله، وثالثه، منْ باب منع: أي ليشُقّها (فَلَمَّا أَنْ) زائدة؛ لوقوعها بعد "لَمّا" الحينيّه، كما فِي قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ الآية
стр. 17554
[العنكبوت: ٣٣] (بَصُرَ انْقَمَعَ) أي ردّ بصره، ورجع (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ (أَمَا) بفتح الهمزة، وتخفيف الميم: أداة تنبيه، "ألا" (إِنَّكَ لَوْ ثَبَتَّ) أي عَلَى ما أنت عليه منْ النظر فِي داخل البيت (لَفَقَأْتُ عَيْنَكَ) زاد فِي رواية سهل ﵁ الآتية: "إنما جُعل الإذن منْ أجل البصر". وفيه تحريم النظر إلى داخل بيت غيره بغير إذنه، وأن لصاحب البيت أن يفقأ عينه، وأنه لو فعل ذلك لا شيء عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أنس بن مالك ﵁ هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤٦/ ٤٨٦٠ - وفي "الكبرى" ٤٤/ ٧٠٦٣. وأخرجه (خ) فِي "الاستئذان" ٦٢٤٢ و"الديات" ٦٨٨٩ و٦٩٠٠ (م) فِي "الآداب" ٢١٥٧ (د) فِي "الأدب" ٥١٧١ (ت) فِي "الاستئذان" ٢٧٠٨ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١١٦٤٤ و١٣٠٩٥ و١٣١٣١. وفوائد الْحَدِيث، واختلاف العلماء تأتي فِي الْحَدِيث التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٦١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَجُلاً اطَّلَعَ مِنْ جُحْرٍ، فِي بَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مِدْرَى يَحُكُّ بِهَا رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَنْظُرُنِي لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ، إِنَّمَا جُعِلَ الإِذْنُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ").
رجال هَذَا الإسناد: أربعة:
١ - (قتيبة) بن سعيد البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد الإمام المصريّ المشهور الحجة الثبت [٧] ٣١/ ٣٥.
٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ المدنيّ الحجة الثبت الفقيه [٤] ١/ ١.
٤ - (سَهْلُ بنُ سَعْدٍ) بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ أبا العبّاس الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما، مات سنة (٨٨ هـ) وقيل: بعدها، وَقَدْ جاوز المائة، تقدّمت ترجمته فِي ٤٠/ ٧٣٤. والله تعالى أعلم.
стр. 17555
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ رباعيات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (٢٣٦) منْ رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم (أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ) رضي الله تعالى عنهما (السَّاعِدِيَّ) نسبة إلىَ ساعدة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة الأنصاريّ. قاله فِي "اللباب" ٢/ ٩٢. (أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَجُلاً اطَّلَعَ مِنْ جُحْرٍ) بتقديم الجيم المضمومة، عَلَى الحاء المهملة الساكنة، واحد الْجِحَرَة، وهي مكامن الوحش، ولَمّا كانت نَقْبًا فِي الأرض، سُمّي بذلك النَّقبُ فِي الباب، وفي الحائط، وغير ذلك. انتهى "المفهم" ٥/ ٤٧٩ أي منْ ثُقْب (فِي بَابِ) وفي رواية عند البخاريّ: "منْ باب" (رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مِدْرَى) بكسر الميم، وسكون الدال المهملة، مقصورًا: هي حديدة يُسَوَّى بها شعر الرأس. وقيل: هو شبه الْمُشط. وقيل: هي أعواد تُحدّد، وتُجعل شبه المشط. وقيل: هو عُود تسوِّي به المرأة شعرها، وجمعه مَدَارَى، ويقال فِي الواحد أيضًا: مِدْراة، ودرايةٌ أيضًا، ويقال: تدَرّيتُ بالمدرى. قاله النوويّ. "شرح مسلم" ١٤/ ١٣٧.
وَقَالَ أبو العبّاس القرطبيّ: الْمِدْرَى بالدال المهملة: واحد المَدَاري، قَالَ ثابتٌ: هي الأمشاط، وفي هَذَا التفسير تسامحٌ، وأوضح منه، وأصحّ قول النضر بن شُميل، وابن كيسان: إنه عُودٌ، أو عاجٌ تَنشُر به المرأة شعرها، وتجعده، قَالَ امرؤ القيس [منْ الطويل]:
غَدَئِرُهُ مُسْتَشْزِرَاتٌ إِلَى الْعُلَا … تَظَلُّ الْمَدَارِي (١) فِي مُثَنًّى وَمُرْسَلِ
وموؤنّثه مِدْراةٌ، وَقَدْ عبّر عنه فِي الرواية الأخرى: "بمشقص، أو بمشاقص"، وَقَدْ قلنا: إن المِشقص: نَصْلٌ عَريضٌ. وقيل: هو السّكّين، فيحتمل أن يكون هَذَا المدرى منْ حديد، وكما يُعمل منْ عاج، وعُود يجوز أن يُعمل منْ حديد، أو يكون شبّهه بالسكين. انتهى "المفهم" ٥/ ٤٧٩.
وَقَالَ فِي "الفتح": قوله: "مِدرًى" قد يخالفه قوله: "مشقص"، فيحمل عَلَى تعدد القصة، ويحتمل أن رأس المدرى كَانَ محدّدًا، فأشبه النصل. انتهى.
(يَحُكُّ بِهَا رَأْسَهُ) أي يقشُره، يقال: حكَكتُ الشيءَ حَكًّا، منْ باب قتل: قشرته،
стр. 17556
والمراد تسريح شعره ﵁، فهو بمعنى رواية مسلم بلفظ: "ومع رسول الله ﷺ مِدْرًى يُرَجّل به رأسه". وترجيل الشعر: تسريحه، ومَشطه. (فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَنْظُرُنِي) وفي رواية البخاريّ: "لو أعلم أنك تنتظرني"، ولمسلم: "لو علمت أنك تنتظرني"، قَالَ النوويّ: هكذا هو فِي أكثر النسخ، أو كثير منها، وفي بعضها: "تنظرني"، بحذف التاء الثانية، قَالَ القاضي: الأول رواية الجمهور، قَالَ: والصواب الثاني. انتهى.
(لَطَعَنْتُ بهِ) أي بهذا المدرى (فِي عَيْنِكَ) بالإفراد، وفي رواية عند البخاريّ: "فِي عينيك" بالتثنيَة. قَالَ فِي "الفتح": وهذا مما يقوي تعدد القصّة؛ لأنه فِي حديث أنس ﵁ جزم بأنه اطّلع، وأراد أن يطعنه، وفي حديث سهل ﵁ علّق طعنه عَلَى نظره. انتهى.
قَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: يمكن أن يُحمل حديث سهل، وأنس رضي الله تعالى عنهما عَلَى أن الذي همّ به النبيّ ﷺ منْ طعن الْمُطَّلع عَلَى الخصوص ببيِت النبيّ ﷺ ؛ لعِظَم حرمته، وحرمة أهل بيته، غير أن حديث أبي هريرة ﵁ يقتضي إباحة ذلك عامّة فِي بيته، وبيت غيره، فإنه قَالَ فيه: "منْ اطّلَعَ فِي بيت قوم بغير إذنهم، فقد حلّ لهم أن يفقؤوا عينه" (١)، فإذًا هَذَا الحكم ليس مخصوصًا به. انتهى "المفهم" ٥/ ٤٨١.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي قرره القرطبيّ رحمه الله تعالى أخيرًا منْ عدم كونه مخصوصًا بالنبيّ ﷺ هو الحقّ؛ للنصوص الواضحة فيه. والله تعالى أعلم.
(إِنَّمَا جُعِلَ الإِذْنُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ) وفي رواية للبخاريّ: "منْ قِبَل البصر"، وفي رواية "النظر" بدل "البصر". قَالَ النوويّ: قوله ﷺ : "إنما جُعل الإذن منْ أجل البصر": معناه أن الاستئذان مشروعٌ، ومأمور به، وإنما جُعل؛ لئلا يقع البصر عَلَى الحرام، فلا يحلّ لأحد أن ينظر فِي جُحْر باب، ولا غيره، مما هو متعرّض فيه لوقوع بصره عَلَى امرأة أجنبيّة. انتهى "شرح مسلم" ١٤/ ١٣٧ - ١٣٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث سهل بن سعد الساعديّ ﵁ هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية)؛ فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
стр. 17557
أخرجه هنا -٤٦/ ٤٨٦١ - وفي "الكبرى" ٤٥/ ٧٠٦٤. وأخرجه (خ) فِي "اللباس" ٥٩٢٤ و"الاستئذان" ٦٢٤١ و"الديات" ٦٩٠١ (م) فِي "الآداب" ٢١٥٦ (ت) فِي "الاستئذان" ٢٧٠٩ (أحمد) فِي "باقي مسند الأنصار" ٢٢٢٩٦ و٢٢٣٢٦ (الدارمي) فِي "الديات" ٢٢٧٨ و٢٢٧٩. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده (١):
(منها): جواز أخذ الإنسان حقّه ممن ظلمه، دون أن يسألَ الإمام، وهو الذي ترجم له المصنّف فِي الباب الآتي؛ وذلك لأن الشارع أذن فِي فقأ عين منْ اطّلع فِي بيت قوم بغير إذنهم، ولم يشرط فِي ذلك أن يأذن له الإمام. (ومنها): إبقاء شعر الرأس، وتربيته، واتخاذ آلة يزيل بها عنه الهوّام، ويَحُكُّ بها؛ لدفع الوسخ، أو القمل. (ومنها): ما قاله القبرطبيّ: فيه دليلٌ عَلَى استحباب إصلاح الشعر، وإكرامه، كما قَالَ ﷺ : "منْ كانت له جُمَّةٌ، فليُكرمها" (٢)، ولكن لا ينتهي بذلك إلى أن يخرُج إلى الترفّه، والسرَف المنهيّ عنه بقوله ﷺ فيما رواه عنه فَضَالة بن عُبيد ﵁، حيث قَالَ: "نهانا رسول الله ﷺ عن كثير منْ الإرفاه، وأمرنا أن نحتفي أحيانًا" (٣) انتهى "المفهم" ٥/ ٤٨٠. (ومنها): أن فيه مشروعيةَ الاستئذان عَلَى منْ يكون فِي بيتٍ مُغلَق الباب. (ومنها): تحريم التطلع عَلَى منْ كَانَ داخل بيت مغلَق منْ خلل الباب. (ومنها): استحباب الامتشاط، وجواز استعمال المدرى، قَالَ النوويّ: قَالَ العلماء: الترجيل مستحبّ للنساء مطلقًا، وللرجل بشرط أن لا يفعله كلّ يوم، أو كلّ يومين، ونحو ذلك، بل بحيث يخفّ الأول. انتهى "شرح مسلم" ١١٤/ ١٣٧. (ومنها): أن الاستئذان لا يختص بغير المحارم، بل يُشرع عَلَى منْ كَانَ منكشفًا، ولو كَانَ أما، أو أختا. (ومنها): أنه استُدِلّ به عَلَى جواز رمي منْ يتجسس، ولو لم يندفع بالشيء الخفيف جاز بالثقيل، وأنه إن أصيبت نفسه، أو بعضه فهو هدر، وبهذا قَالَ الجمهور، وخالف المالكيّة، فقالوا: لا يجوز ذلك، وما قاله الجمهور هو الحقّ؛ لصحّة الأحاديث بذلك، وسيأتي تمام البحث فيه فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى. (ومنها): ما قاله القرطبيّ فِي "المفهم" ٥/ ٤٨٠ - : قوله: "إنما جُعل الاستئذان منْ أجل البصر": فيه دليل عَلَى صحة
стр. 17558
التعليل القياسيّ، فهو حجة للجمهور عَلَى نفاة القياس. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فيمن رمى إنسانًا يتجسس عَلَى بيته، فقتله:
ذهب الجمهور إلى أنه لا شيء عليه، وذهبت المالكية إلى وجوب القصاص، وأنه لا يجوز قصد العين، ولا غيرها، واعتلوا بأن المعصية، لا تدفع بالمعصية.
وأجاب الجمهور بأن المأذون فيه، إذا ثبت الإذن، لا يسمى معصية، وإن كَانَ الفعل، لو تجرد عن هَذَا السبب يُعَدُّ معصية، وَقَدْ اتفقوا عَلَى جواز دفع الصائل، ولو أتى عَلَى نفس المدفوع، وهو بغير السبب المذكور معصية، فهذا ملحق به، مع ثبوت النص فيه.
وأجابوا عن الْحَدِيث بأنه ورد عَلَى سبيل التغليظ، والإرهاب، ووافق الجمهورَ منهم ابنُ نافع، وَقَالَ يحيى بن عمر منهم: لعل مالكا لم يبلغه الخبر.
وَقَالَ القرطبيّ فِي "المفهم": ما كَانَ ﵊ بالذي يَهُمُّ أن يفعل ما لا يجوز، أو يؤدي إلى ما لا يجوز، والحمل عَلَى رفع الإثم، لا يتم مع وجود النص، برفع الحرَج، وليس مع النص قياس.
واعتل بعض المالكية أيضا بالإجماع، عَلَى أن منْ قصد النظر إلى عورة الآخر ظاهرًا أن ذلك لا يبيح فقء عينه، ولا سقوط ضمانها عمن فقأها، فكذا إذا كَانَ المنظور فِي بيته، وتجسس الناظر إلى ذلك. ونازع القرطبيّ فِي ثبوت هَذَا الإجماع، وَقَالَ: إن الخبر يتناول كل مُطَّلِع، قَالَ: وإذا تناول المطلعَ فِي البيت مع المظنة، فتناوله المحقق أولى.
قَالَ الحافظ: وفيه نظر؛ لأن التطلع إلى ما فِي داخل البيت لم ينحصر فِي النظر إلى شيء معين كعورة الرجل مثلا بل يشمل استكشاف الحريم وما يقصد صاحب البيت ستره منْ الأمور التي لا يحبّ اطلاع كل أحد عليها، ومن ثم ثبت النهي عن التجسُّس، والوعيدُ عليه؛ حسما لمواد ذلك، فلو ثبت الإجماع الْمُدَّعَى لم يستلزم رَدّ هَذَا الحكمَ الخاصَّ، ومن المعلوم أن العاقل يشتد عليه أن الأجنبي يرى وجه زوجته، وابنته، ونحو ذلك، وكذا فِي حالة ملاعبته أهله أشدّ مما لو رأى الأجنبي ذكره منكشفًا، والذي ألزمه القرطبيّ صحيح فِي حق منْ يروم النظر، فيدفعه المنظور إليه، وفي وجه للشافعية لا يُشرَع فِي هذه الصورة، وهل يشترط الإنذار قبل الرمي وجهان: قيل: يشترط كدفع الصائل، وأصحهما لا؛ لقوله فِي الْحَدِيث: "يَخْتِلُهُ بذلك"، وفي حكم المتطلعِ منْ خلل باب الناظرُ منْ كوّة منْ الدار، وكذا منْ وقف فِي الشارع، فنظر إلى حريم غيره، أو إلى شَيْء فِي دار غيره. وقيل: المنع مختص بمن كَانَ فِي ملك المنظور إليه.
стр. 17559
وهل يلحق الاستماع بالنظر وجهان: الأصح لا؛ لأن النظر إلى العورة أشد منْ استماع ذِكْرِها، وشرط القياس المساواة، أو أولوية المقيس، وهنا بالعكس. انتهى "الفتح" ١٤/ ٢٣٨ - ٢٣٩.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الذي ذهب إليه الجمهور منْ جواز رمي منْ تجسس فِي بيت غيره، وأنه لو هلك منْ ذلك، أو بعض أعضائه يكون هدرًا؛ لظاهر النصّ: "منْ اطّلع فِي بيت قوم بغير إذنهم، ففقؤوا عينه، فلا دية له، ولا قصاص"، كما سيأتي فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
٤٧ - (بابُ مَنِ اقْتَصَّ، وَأَخَذَ حَقَّهُ دُونَ السُّلْطَانِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر ترجمة المصنّف رحمه الله تعالى يدلّ عَلَى أنه يرى جواز الاقتصاص، وأخذ الحق، دون إذن السلطان، ووجه استدلاله بحديثي الباب، أن حديث أبي هريرة ﵁ صريح فِي جواز فقأ العين، دون إذن الإمام، وكذلك حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، فإنه ضرب ولد مروان، دون استئذان؛ عملاً بأمر النبيّ ﷺ بمقاتلته، فلما جاز استيفاء الحقّ المباح، فإن فقأ عين المطّلع، ومقاتلة المارّ مباحان، لا واجبان، فاستيفاء ما وجب منْ الحقّ، وهو القصاص أولى. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: هذه الترجمة نحو ترجمة الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه"، حيث قَالَ: "باب منْ أخذ حقّه، أو اقتصّ دون السلطان".
فقوله: "منْ اقتصّ": أي إذا وجب له قصاصٌ عَلَى أحد. وقوله: "وأخذ حقّه": أي منْ جهة غريمه. وقوله: "دون السلطان": أي دون حكم الحاكم.
قَالَ فِي "الفتح": أي إذا وجب له عَلَى أحد قصاصٌ فِي نفس، أو طرف، هل يشترط أن يرفع أمره إلى الحاكم، أو يجوز أن يستوفيه دون الحاكم، وهو المراد بالسلطان فِي الترجمة.
стр. 17560
قَالَ ابن بطال رحمه الله تعالى: اتفق أئمة الفتوى عَلَى أنه لا يجوز لأحد أن يقتص منْ حقه، دون السلطان، قَالَ: وإنما اختلفوا فيمن أقام الحد عَلَى عبده، كما تقدم تفصيله.
قَالَ: وأما أخذ الحق، فإنه يجوز عندهم أن يأخذ حقه منْ المال خاصة، إذا جحده إياه، ولا بينة عليه.
ثم أجاب عن حديث الباب بأنه خرج عَلَى التغليظ، والزجر عن الاطلاع عَلَى عورات النَّاس. انتهى.
قَالَ الحافظ: فأما نقله الاتفاق فكأنه استند فيه إلى ما أخرجه إسماعيل القاضي، فِي نسخة أبي الزناد، عن الفقهاء الذين يُنتَهَى إلى قولهم: ومنه: لا ينبغي لأحد أن يقيم شيئا منْ الحدود، دون السلطان، إلا أن للرجل أن يقيم حد الزنا عَلَى عبده. وهذا إنما هو اتفاق أهل المدينة، فِي زمن أبي الزناد.
وأما الجواب، فإن أراد أنه لا يُعمل بظاهر الخبر، فهو محل النزاع. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم فِي مسائل الْحَدِيث الماضي أن الأرجح جواز فقأ عين منْ اطّلع فِي بيت إنسان بغير إذنه؛ لصحة الخبر بذلك، وأما جواز القصاص فِي النفس، أو الطرف، دون إذن السلطان، فقد سبق آنفًا وجه استنباطه منْ أحاديث الباب.
وأما أخذ الحقّ منْ المال، فله أيضًا أدلة أخرى، كحديث قضيّة هند بن عتبة امرأة أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما، فقد أخرج الشيخان منْ حديث عائشة ﵂، قالت: جاءت هند بنت عتبة بن ربيعة، فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل مِسِّيك، فهل علي حَرَجٌ، أن أطعم منْ الذي له عيالنا؟ فَقَالَ: "لا حرج عليك، أن تطعميهم بالمعروف".
وفي رواية: قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شَحِيحٌ، وليس يعطيني ما يكفيني، وولدي إلا ما أخذت منه، وهو لا يعلم؟ فَقَالَ: "خذي ما يكفيك، وولدك بالمعروف".
وأخرج الشيخان أيضًا منْ حديث عقبة بن عامر ﵁ قَالَ: قلنا للنبي ﷺ : إنك تبعثنا، فننزل بقوم، لا يَقرونا، فما ترى فيه؟ فَقَالَ لنا: "إن نزلتم بقوم، فأُمر لكم بما ينبغي للضيف، فاقبلوا، فإن لم يفعلوا، فخذوا منهم حَقَّ الضيف".
وَقَدْ استدلّ الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه"، بحديث عقبة ﵁ هَذَا عَلَى جواز الأخذ منْ مال ظالمه، فترجم بقوله: "باب قصاص المظلوم إذا وَجد مال ظالمه"، وَقَالَ ابن سيرين يُقاصّ، وقرأ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الآية [النحل: ١٢٦].
стр. 17561
قَالَ فِي "الفتح" فِي شرح هذه الترجمة: أي هل يأخذ منه بقدر الذي له، ولو بغير حكم حاكم؟، وهي المسألة المعروفة بمسألة الظفر، وَقَدْ جنح البخاريّ إلى اختياره، ولهذا أورد أثر ابن سيرين عَلَى عادته فِي الترجيح بالآثار. انتهى.
وَقَالَ أيضًا: واستُدلّ به عَلَى مسألة الظفر، وبها قَالَ الشافعيّ، فجزم بجواز الأخذ، إذا لم يمكن تحصيل الحقّ بالقاضي، كأن يكون غريمه منكرًا، ولا بيّنة له عند وجود الجنس، فيجوز عنده أخذه، إن ظفِر به، وأخذ غيره بقدره، إن لم يجده، ويجتهد فِي التقويم، ولا يَحيف، فإن أمكن تحصيل الحقّ بالقاضي، فالأصحّ عند أكثر الشافعيّة الجواز أيضًا، وعند المالكيّة الخلاف، وجوزه الحنفيّة فِي المثليّ، دون المتقوّم لِمَا يُخشى فيه منْ الحيف. واتّفقوا عَلَى أن محلّ الجواز فِي الأموال، لا فِي العقوبات البدنيّة؛ لكثرة الغوائل فِي ذلك. ومحلّ الجواز فِي الأموال أيضًا ما إذا أمن الغائلة، كنسبته إلى السرقة، ونحو ذلك. انتهى "فتح" ٥/ ٣٩٨ - ٤٠٠. "كتاب المظالم".
والحاصل أن الأرجح جواز استيفاء الحقّ الماليّ منْ ظالمه، دون رفعه إلى السلطان، وأما استيفاء القصاص، سواء كَانَ فِي النفس، أو الطرَف، فظاهر صنيع البخاريّ، والمصنّف جوازه، مستدلّين بأحاديث الباب، وهو الظاهر. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٨٦٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ، بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، فَفَقَئُوا عَيْنَهُ، فَلَا دِيَةَ لَهُ، وَلَا قِصَاصَ").
رجال هَذَا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن المثنّى) الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٦٤/ ٨٠.
٢ - (معاذ بن هشام) الدستوائي البصريّ، صدوقٌ ربما وهم [٩] ٣٠/ ٣٤.
٣ - (أبوه) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت، ورمي بالقدر، منْ كبار [٧] ٣٠/ ٣٤.
٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي، أبو الخطاب البصريّ، ثقة ثبت يدلس [٤] ٣٠/ ٣٤.
٥ - (النضر بن أنس) بن مالك الأنصاريّ، أبو مالك البصريّ، ثقة [٣] ٢/ ٣٣٩٣.
٦ - (بَشير بن نَهِيك) -بفتح النون، وكسر الهاء-: هو السدوسيّ، ويقال: السلوليّ، أبو الشعثاء البصريّ، ثقة [٣] ١٤١/ ١١٠٧.
٧ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم.
стр. 17562
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه ثلاثة منْ التابعين يروي بعضهم عن بعض: قتادة، عن النضر، عن بَشِير بن نَهِيك، ورواية بشير عن النضر منْ روايهَ الأقران. (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ منْ المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ، بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، فَفَقَئُوا عَيْنَهُ، فَلَا دِيَةَ لَهُ، وَلَا قِصَاصَ) ولفظ مسلم: "منْ اطلع فِي بيت قوم بغير إذنهم، فقد حلّ لهم أن يفقؤوا عينه".
قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: هَذَا نصّ فِي الإباحة، والتحليل، وعلى هَذَا فلا ضمان، ولا دية إذا وقع ذلك، ولا يُستبعد هَذَا منْ الشرع، فإنه عقوبة عَلَى جناية سابقة، غير أن هَذَا خرج مخرج التعزيرات، لا مخرج الحدود، ألا ترى قوله: "فقد حلّ"، ولم يقُل: فقد وجب، وإنما مقصود هَذَا الْحَدِيث إسقاط الْقَوَد، والمؤاخذة بذلك، إن وقع ذلك.
وَقَالَ أيضًا: هَذَا ظاهر قويّ فِي الذي قرّرناه، ويفيد أيضًا أن هَذَا الحكم جار فيمن اطّلع عَلَى عورة الإنسان، وإن لم يكن منْ باب، فإن قوله: "اطّلع عليك" -يعني فِي الْحَدِيث التالي- يتناول كلَّ مُطّلع كيفما كَانَ، ومن أي جهة كَانَ، بل يتعين أن يقال: إن الشرع إذا علّق هَذَا الحكم عَلَى الاطّلاع فِي البيت؛ لأنه مظنّة الاطّلاع عَلَى العورة، فلأَنْ يُعلّق عَلَى نفس الاطّلاع عَلَى العورة أحرى، وأولى، وهذا نظرٌ راجحٌ، غير أن أصحابنا -يعني المالكيّة- حكوا الإجماع عَلَى أن منْ اطّلع عَلَى عورة رجل بغير إذنه، ففقأ عينه أنه لا يَسقط عنه الضمان، كما ذكرنا، فإن صحّ هَذَا الإجماع، فهو واجب الاتّباع، وإن وُجد خلافٌ، فما ذكرناه هو الإنصاف. انتهى "المفهم" ٥/ ٤٨١ - ٤٨٢.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد عرفت فيما سبق قريبًا عدم صحة دعوى الإجماع، وإنما هو اتفاق أهل المدينة فقط، فلا تغفل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هَذَا متّفقٌ عليه.
стр. 17563
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤٧/ ٤٨٦٢ و٤٨٦٣ - وفي "الكبرى" ٤٤/ ٧٠٦٥ و٧٠٦٦. وأخرجه (خ) فِي "الديات" ٦٨٨٨ و٦٩٠٢ (م) فِي "الآداب" ٢١٥٨ (د) فِي "الأدب" ٥١٧٢ (أحمد) فِي باقي مسند المكثرين" ٧٥١٦ و٨٧٧١ و٩٠٩٦ و٩٢٤١ و١٠٤٤٥. وفوائد الْحَدِيث تقدّمت فِي الْحَدِيث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٦٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ، بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَخَذَفْتَهُ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، مَا كَانَ عَلَيْكَ حَرَجٌ"، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: "جُنَاحٌ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن منصور": هو الْجَوّاز المكيّ. و"سفيان": هو ابن عُيينة. و"أبو الزناد": هو عبد الله بن ذكوان. و"الأعرج" هو عبد الرحمن بن هُرْمُز.
وقوله: "بغير إذن": احتراز ممن اطلع بإذن.
وقوله: "فخذفته": بالخاء، والذال المعجمتين، وفي رواية البخاريّ: "فحذفته" -بالحاء المهملة- قَالَ فِي "الفتح": وقوله: "فحذفته" بالحاء المهملة، عند أبي ذرّ، والقابسي، وعند غيرهما بالخاء المعجمة، وهو أوجه؛ لأن الرمي (١) بحصاة، أو نواة، ونحوهما، إما بين الإبهام والسبابة، وإما بين السبابتين. وجزم النوويّ بأنه فِي مسلم بالمعجمة. وَقَالَ القرطبيّ: الرواية بالمهملة خطأ؛ لأن فِي نفس الخبر أنه الرمي بالحصى، وهو بالمعجمة جزما.
قَالَ الحافظ: ولا مانع منْ استعمال المهملة فِي ذلك مجازا.
وقوله: "ففقأت عينه": بقاف، ثم همزة ساكنه: أي شققت عينه. قَالَ ابن القطاع: ففقأ عينه أطفأ ضوءها. انتهى "فتح" ١٤/ ٢٠٣.
وقوله: "ما كَانَ عليك حرجٌ" وَقَالَ مرّةً أخرى: "جُناحٌ". ولفظ البخاريّ: "لم يكن عليك جُناح"، ولفظ مسلم: "ما كَانَ عليك منْ جناح".
والمراد بالجناح هنا الحرج. قَالَ فِي "الفتح": وفيه رد عَلَى منْ حمل الجناح هنا عَلَى الإثم، ورَتَّب عَلَى ذلك وجوب الدية؛ إذ لا يلزم منْ رفع الإثم رفعها؛ لأن وجوب الدية منْ خطاب الوضع، ووجه الدلالة أن إثبات الحل، يمنع ثبوت القصاص والدية. وورد منْ وجه آخر عن أبي هريرة أصرح منْ هَذَا، عند أحمد، وابن أبي عاصم، والنسائي (٢)، وصححه ابن حبّان، والبيهقي، كلهم منْ رواية بشير بن نَهِيك عنه
стр. 17564
بلفظ: "منْ اطلع منْ بيت قوم بغير إذنهم، ففقؤا عينه، فلا دية ولا قصاص"، وفي رواية منْ هَذَا الوجه: "فهو هدر". انتهى.
وَقَالَ فِي "الفتح " أيضاً: واستُدلّ به عَلَى اعتبار قدر ما يُرْمُى به، بحصى الخذف المقدم بيانها فِي كتاب الحج؛ لقوله فِي حديث الباب: "فخذفته"، فلو رماه بحجر يقتل، أو سهم تعلق به القصاص، وفي وجه لا ضمان مطلقا، ولو لم يندفع إلا بذلك جاز، ويستثنى منْ ذلك منْ له فِي تلك الدار زوج، أو محرم، أو متاع، فأراد الاطلاع عليه، فيمتنع رميه للشبهة. وقيل: لا فرق. وقيل: يجوز إن لم يكن فِي الدار غير حريمه، فإن كَانَ فيها غيرهم أنذر، فان انتهى، وإلا جاز، ولو لم يكن فِي الدار إلا رجل واحد، هو مالكها، أو ساكنها لم يجز الرمي قبل الإنذار، إلا إن كَانَ مكشوف العورة. وقيل: يجوز مطلقا؛ لأن منْ الأحوال ما يكره الاطلاع عليه كما تقدم، ولو قَضَر صاحب الدار بأن ترك الباب مفتوحا، وكان الناظر مجتازا، فنظر غير قاصد، لم يجز، فإن تعمد النظر فوجهان: أصحهما لا، ويلتحق بهذا منْ نظر منْ سطح بيته، ففيه الخلاف، وَقَدْ توسع أصحاب الفروع فِي نظائر ذلك، قَالَ ابن دقيق العيد: وبعض تصرفاتهم مأخوذة منْ إطلاق الخبر الوارد فِي ذلك، وبعضها منْ مقتضى فهم المقصود، وبعضها بالقياس عَلَى ذلك. والله أعلم. انتهى "فتح" ١٤/ ٢٣٩.
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم تخريجه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٦٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي، فَإِذَا بِابْنٍ لِمَرْوَانَ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَرَأَهُ، فَلَمْ يَرْجِعْ، فَضَرَبَهُ، فَخَرَجَ الْغُلَامُ يَبْكِي، حَتَّى أَتَى مَرْوَانَ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ مَرْوَانُ لأَبِي سَعِيدٍ: لِمَ ضَرَبْتَ ابْنَ أَخِيكَ؟ قَالَ: مَا ضَرَبْتُهُ، إِنَّمَا ضَرَبْتُ الشَّيْطَانَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ، فَأَرَادَ إِنْسَانٌ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَدْرَؤُهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن مصعب) هو: محمد بن محمد بن مصعب، الشاميّ، أبو عبد الله الصوريّ، نُسِب لجدّه، لقبه وَحْشيّ -بمهملة ساكنة، ثم معجمة- صدوقٌ [١١].
قَالَ ابن أبي حاتم: سمعت منه بمكة، وهو صدُوقٌ ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط، وعند أبي داود له حديثان.
стр. 17565
٢ - (محمد بن المبارك) الصوريّ، نزيل دمشق القَلانسيّ القرشيّ، ثقة، منْ كبار [١٠] ١٧/ ١٥٤١.
٣ - (عبد العزيز بن محمد) الدراورديّ، أبو محمد الْجُهنيّ مولاهم المدنيّ، صدوقٌ، كَانَ يحدّث منْ كتب غيره، فيخطىء [٨] ٨٤/ ١٠١.
٤ - (صفوان بن سُليم) الزهريّ مولاهم، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة مفتٍ، عابدٌ، رُمي بالقدر [٤] ٤٧/ ٥٩.
٥ - (عطاء بن يسار) الهلاليّ مولى ميمونة، أبو محمد المدنيّ، ثقة فاضل، صاحب مواعظ وعبادة، منْ صغار [٣] ٦٤/ ٨٠.
٦ - (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان رضي الله تعالى عنه ١٦٩/ ٢٦٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به المصنّف، وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين منْ عبد العزيز، والباقيان شاميان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أبا سعيد ﵁ منْ المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) رضي الله تعالى عنهما (أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي) وفي رواية الشيخين منْ طريق حميد بن هلال، عن أبي صالح السمّان، قَالَ: رأيت أبا سعيد الخدريّ ﵁ فِي يوم جمعة، يصليّ إلى شيء يستره منْ النَّاس" (فَإِذَا بِابْنٍ لِمَرْوَانَ) بن الحكم، وكان مروان والي المدينة وقتئذ، وسيأتي تسميته عند عبد الرزاق: "داود بن مروان" (يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ) أي بين يدي أبي سعيد ﵁.
وفي رواية البخاريّ: "فأراد شاب منْ بني أبي معيط"، قَالَ فِي "الفتح": وقع فِي "كتاب الصلاة" لأبي نعيم أنه الوليد بن عقبة بن أبي معيط، أخرجه عن عبد الله بن عامر الأسلمي، عن زيد بن أسلم، قَالَ: بينما أبو سعيد قائم يصلي فِي المسجد، فأقبل الوليد بن عقبة بن أبى معيط، فأراد أن يمر بين يديه، فدفعه، فأبى إلا أن يمر بين يديه، فدفعه"، هَذَا آخر ما أورده منْ هذه القصة.
وفي تفسير الذي وقع فِي "الصحيح" بأنه الوليد هَذَا نظر؛ لأن فيه أنه دخل عَلَى
стр. 17566
مروان، زاد الإسماعيلي: "ومروان يومئذ عَلَى المدينة". انتهى. ومروان إنما كَانَ أميرا عَلَى المدينة فِي خلافة معاوية، ولم يكن الوليد حينئذ بالمدينة؛ لأنه لما قُتِل عثمان تحول إلى الجزيرة، فسكنها حَتَّى مات فِي خلافة معاوية، ولم يحضر شيئا منْ الحروب التي كانت بين علي ومن خالفه، وأيضا فلم يكن الوليد يومئذ شابا، بل كَانَ فِي عشر الخمسين، فلعله كَانَ فيه: فأقبل ابن للوليد بن عقبة فيتجه، وروى عبد الرزاق حديث الباب، عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، فَقَالَ فيه: "إذ جاء شاب"، ولم يسمه أيضا، وعن معمر، عن زيد بن أسلم، وَقَالَ فيه: "فذهب ذو قرابة لمروان"، ومن طريق أبي العلاء فيه عن أبي سعيد: "فَقَالَ فيه مَرَّ رجل بين يديه منْ بني مروان"، وللنسائي منْ وجه آخر: "فمر ابن لمروان" وسماه عبد الرزاق منْ طريق سليمان بن موسى: "داود بن مروان"، ولفظه: "أراد داود بن مروان، أن يمر بين يدي أبي سعيد، ومروان يومئذ أمير المدينة"، فذكر الْحَدِيث، وبذلك جزم ابن الجوزي، ومن تبعه فِي تسمية المبهم الذي فِي "الصحيح" بأنه داود بن مروان.
قَالَ الحافظ: وفيه نظر؛ لأن فيه أنه منْ بني أبي معيط، وليس مروان منْ بنيه، بل أبو معيط ابن عم والد مروان؛ لأنه أبو معيط بن أبي عمرو بن أمية، ووالد مروان هو الحكم ابن أبي العاص بن أمية، وليست أم داود، ولا أم مروان، ولا أم الحكم منْ ولد أبي معيط، فيحتمل أن يكون داود نُسب إلى أبي معيط منْ جهة الرضاعة، أو لكون جده لأمه عثمان بن عفان، كَانَ أخا للوليد بن عقبة بن أبي معيط لأمه، فنُسب داود إليه مجازا، وفيه بُعْدٌ، والأقرب أن تكون الواقعه تعددت لأبي سعيد مع غير واحد، ففي مصنف ابن أبي شيبة منْ وجه آخر، عن أبي سعيد، فِي هذه القصة: "فأراد عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام أن يمر بين يديه"، الْحَدِيث، وعبد الرحمن مخزومي، ما له منْ أبي معيط نسبة. والله أعلم. انتهى "فتح" ٢/ ١٦٥ - ١٦٦.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن الأولى الحمل عَلَى تعدّد الواقعة. والله تعالى أعلم.
(فَدَرَأَهُ) أي دفعه أبو سعيد (فَلَمْ يَرْجِعْ) أي منْ المرور، بل استمرّ عليه؛ لأنه لم يجد ممرًّا غير ذلك الموضع، وفي رواية البخاريّ: "فلم يجد مساغًا"، فنال منْ أبي سعيد" (فَضَرَبَهُ) أي ضرب أبو سعيد ذلك الولد (فَخَرَجَ الْغُلَامُ يَبْكِي، حَتَّى أَتَى مَرْوَانَ) ابن الحكم (فَأَخْبَرَهُ) أي بما فعل به أبو سعيد، منْ الضرب، وفي رواية البخاريّ: "ثم دخل عَلَى مروان، فشكا إليه ما لقِي منْ أبي سعيد، ودخل أبو سعيد خلفه عَلَى مروان، فَقَالَ: ما لك، ولابن أخيك يا أبا سعيد؟ " (فَقَالَ مَرْوَانُ لأَبِي سَعِيدٍ) ﵁ (لِمَ ضَرَبْتَ
стр. 17567
ابْنَ أَخِيكَ؟) أطلق الأخوّة باعتبار الإيمان (قَالَ) أبو سعيد (مَا ضَرَبْتُهُ، إِنَّمَا ضَرَبْتُ الشَّيْطَانَ) قَالَ السنديّ: أي ما ضربته، وهو ابن أخي، ولكن ضربته، وهو شيطان، فلا يَرِد أنه لا يصح نفي الحقيقة، فلا يصحّ أن يقول: ما ضربته إلا أن يكون كذبًا. انتهى (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ) وفي رواية البخاريّ: "إذا صلّى أحدكم إلى شيء يستره منْ النَّاس" (فَأَرَادَ إِنْسَانٌ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ) فيه حذف "أن" المصدريّة، والأصل: "أن يمرّ"، وحذفها، مع رفع الفعل قياس، وليس شاذًّا، كما ادّعاه بعض النحاة؛ لوروده فِي القرآن، قَالَ الله : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ الآية [الروم: ٢٤]، وإنما الشاذّ النصب مع الحذف، كما أشار إلى ذلك ابن مالك رحمه الله تعالى فِي "الخلاصة"، حيث قَالَ:
وَشَذَّ حَذْفُ "أَنْ" وَنَصْبٌ فِي سِوَى … مَا مَرَّ فَاقْبَلْ مِنْهُ مَا عَدْلٌ رَوَى
(فَيَدْرَؤُهُ) أي يدفعه (مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ) المراد حقيقة القتال، وَقَدْ تقدم فِي "كتاب الصلاة" ٨/ ٧٥٧ - منْ فسّره بالإشارة، ولطيف المنع، والردُّ، عليه، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وهذا هو محلّ استدلال المصنّف لما ترجم له؛ ووجه ذلك أنه ﷺ أمر المصلّي أن يقاتل المارّ، ولم يشترط عليه استئذان السلطان، وهو الذي فهمه أبو سعيد ﵁ راويه، ووافقه عليه مروان، وهو أمير المدينة يومئذ، حيث لم ينكر عليه ضرب ابنه، وإنما سأله عن سبب الضرب، فلما ذكر له الْحَدِيث، سكت، فلم يطالبه، لا بقصاص، ولا بغيره. والله تعالى أعلم.
(فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ") أي فعله فعل الشيطان؛ لأنه أبى إلا التشويش عَلَى المصلي، وإطلاق الشيطان عَلَى المارِدِ منْ الإنس سائغ شائع، وَقَدْ جاء فِي القرآن قوله تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]، وَقَالَ ابن بطال: فِي هَذَا الْحَدِيث جواز إطلاق لفظ الشيطان عَلَى منْ يفتن فِي الدين، وأن الحكم للمعاني، دون الأسماء لاستحالة أن يصير المار شيطانا بمجرد مروره. انتهى.
قَالَ الحافظ: وهو مبني عَلَى أن لفظ الشيطان، يطلق حقيقة عَلَى الجن، ومجازا عَلَى الإنس، وفيه بحث. ويحتمل أن يكون المعنى: فإنما الحامل له عَلَى ذلك الشيطان، وَقَدْ وقع فِي رواية الإسماعيلي: "فإن معه الشيطان"، ونحوه لمسلم منْ حديث ابن عمر بلفظ: "فإن معه القرين". وَقَدْ تقدّم تمام البحث فِي هَذَا الْحَدِيث فِي "كتاب الصلاة" بالرقم المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 17568
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هَذَا متَّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم تخريجه فِي "كتاب الصلاة"، بالرقم المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٤٨ - (مَا جَاءَ فِي كِتَابِ الْقِصَاصِ مِنَ الْمُجْتَبَى، مِمَّا لَيْسَ فِي السُّنَنِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: لم يتبيّن لي إيراد وجه هذه الأحاديث هنا مع أنه أوردها فِي "كتاب تحريم الدم"- باب "تعظيم الدم"، وأيضًا، فمناسبتها لكتاب القصاص غير واضحة، وأيضًا قوله: "مما ليس فِي "السنن"، إن أراد أنها لم تذكر فِي "السنن" هنا فمسلّم، وإن أراد أنها لم تذكر فيها أصلاً، ففيه نظر، فقد ذُكرت فِي الباب المذكور، فليُتأمّل، فالله تعالى أعلم.
(تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النِّساء: ٩٣])
٤٨٦٥ - (حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَفْظًا، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: أَمَرَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى، أَنْ أَسْأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾، فَسَأَلْتُهُ؟ فَقَالَ: لَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ، وَعَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨]، قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أبو عبد الرحمن": هو النسائيّ صاحب الكتاب، وقائل: "حدثنا" تلميذه، والظاهر أنه ابن السني؛ لأنه المشهور برواية السنن الصغرى عن المؤلّف.
وقوله: "لفظا" منصوب عَلَى التمييز، يعني أنه أخذه عنه بالسماع منْ لفظه، لا بالقراءة عليه.
стр. 17569
و"محمد": هو ابن جعفر، غندر. و"منصور": هو ابن المعتمر.
والحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم سندًا ومتنًا فِي ٢/ ٤٠٠٣ وتقدّم البحث عنه هناك مُستَوفًى، فليُراجع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٦٦ - (أَخْبَرَنَا أَزْهَرُ بْنُ جَمِيلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي هَذِهِ الآيَةِ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾، فَرَحَلْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَسَأَلْتُهُ؟ فَقَالَ: نَزَلَتْ فِي آخِرِ مَا أُنْزِلَتْ، وَمَا نَسَخَهَا شَيْءٌ).
"المغيرة بن النعمان": هو النخعيّ الكوفيّ الثقة [٦].
والحديث صحيح وَقَدْ تقدّم سندًا ومتنًا فِي ٢/ ٤٠٠١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٦٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: هَلْ لِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: لَا، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ الآيَةَ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾، قَالَ: هَذِهِ آيَةٌ مَكِّيَّةٌ، نَسَخَتْهَا آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾).
"القاسم بن أبي بزّة": هو المكيّ القارىء، ثقة [٥].
والحديث تقدّم سندًا ومتنًا فِي ٢/ ٤٠٠٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٦٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَمَّنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا، ثُمَّ تَابَ، وَآمَنَ، وَعَمِلَ صَالِحًا، ثُمَّ اهْتَدَى؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَنَّى لَهُ التَّوْبَةُ، سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ ، يَقُولُ: يَجِيءُ مُتَعَلِّقًا بِالْقَاتِلِ، تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُ دَمًا، يَقُولُ: سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِى؟ ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَنْزَلَهَا، وَمَا نَسَخَهَا).
"سفيان ": هو ابن عُيينة. و"عمّارٌ الدهنيّ": هو ابن معاوية البجليّ الكوفيّ، صدوقٌ، يتشيّع [٥]. و"سالم بن أبي الجعد/ رافع: هو الغطفانيّ الأشجعيّ الكوفيّ، ثقة يُرسل [٣].
وقوله: "يجيء": أي القاتل، كما بُين فِي رواية أخرى. وقوله: "تشخب أوداجه": منْ بابي قتل، ونفع: أي تجري عروقه.
والحديث صحيح وَقَدْ سبق سندًا ومتنًا فِي ٢/ ٤٠٠٠ وسبق تمام البحث فيه هناك.
стр. 17570
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٦٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ح وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "الْكَبَائِرُ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَقَوْلُ الزُّورِ").
"خالد": هو ابن الحارث الْهُجيميّ. و"عبيد والله بن أبي بكر": هو ابن أنس بن مالك الأنصاريّ البصريّ، ثقة [٤].
والحديث متَّفقٌ عليه، وتقدم فِي ٢/ ٤٠١٠ وسبق تمام البحث فيه هناك، وبالله تعالى التوفيق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٧٠ - (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ شُمَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا فِرَاسٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "الْكَبَائِرُ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ").
"عبدة بن عبد الرحيم": هو المروزيّ، نزيل دمشق، صدوقٌ، منْ صغار [١٠] منْ أفراد المصنّف. و"ابن شُميل": هو النضر المتقدّم فيما قبله. و"فِراس": هو ابن يحيى الخارفيّ الهمدانيّ الكوفيّ، صدوقٌ ربما وهِم [٦].
وقوله: "واليمين الغَمُوس" -بفتح الغين المعجمة، فَعولٌ للمبالغة: ومعناها: اليمين الكاذبة الفاجرة، كالتي يَقتطع بها الحالف مال غيره ظلمًا، سُمّيت غَموسًا؛ لأنها تغمس صاحبها فِي الإثم، ثم فِي النار.
والحديث أخرجه البخاريّ، وَقَدْ تقدّم فِي ٢/ ٤٠١١ وسبق شرحه، وبيان مسائله هناك، وبالله تعالى التوفيق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٧١ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلاَّمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الأَزْرَقُ، عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَزْنِي الْعَبْدُ حِينَ يَزْنِي، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَقْتُلُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلاَّمٍ) البغداديّ، ثم الطَرَسوسيّ، لا بأس به [١١] ١٧٢/ ١١٤١.
стр. 17571
٢ - (إسحاق الأزرق) إسحاق بن يوسف الواسطيّ، ثقة [٩] ٢٢/ ٤٨٩.
٣ - (الفُضيل بن غَزْوان) أبو الفضل الضبيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة، منْ كبار [٧] ٤٤/ ٤٥٦١.
٤ - (عكرمة) أبو عبد الله البربريّ، مولى ابن عباس، ثقة ثبت [٣] ٢/ ٣٢٥.
٥ - (ابن عباس) عبد الله رضي الله تعالى عنهما ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو، وأبو داود. (ومنها): أن فيه ابن عباس أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦). والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَزْنِي الْعَبْدُ حِينَ يَزْنِي، وَهُوَ مُؤْمِنٌ) أي متّصفٌ بصفة الإيمان (وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ) أي المال قليلاً كَانَ، أو كثيرًا (وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَقْتُلُ) أي النفس التي حرّم الله تعالى قتلها (وَهُوَ مُؤْمِنٌ) هَذَا وأمثاله مما حمله العلماء عَلَى التغليظ، والزجر، وعلى كمال الإيمان. وقيل: المراد بالإيمان الحياء؛ لكونه شعبة منْ الإيمان، فالمعنى لا يزني الزاني، وهو يستحيي منْ الله تعالى. وقيل: المراد بالمؤمن ذو الأمن منْ العذاب. وقيل: النفي بمعنى النهي: أي لا ينبغي للزاني أن يزني، والحال أنه مؤمن، فإن مُقتضى إيمانه أن لا يقع فِي مثل هذه الفاحشة.
وَقَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: فِي "شرح صحيح مسلم" ٢/ ٤١: هَذَا الْحَدِيث مما اختلف العلماء فى معناه، فالقول الصحيح الذي قاله المحققون، أن معناه لا يفعل هذه المعاصى، وهو كامل الايمان، وهذا منْ الالفاظ التى تطلق عَلَى نفى الشىء، ويراد نَفْيُ كماله، ومختارِهِ، كما يقال: لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلا الابل، ولا عيش إلا عيش الآخرة، وإنما تأولناه عَلَى ما ذكرناه؛ لحديث أبى ذر ﵁ وغيره: "منْ قَالَ: لا اله الا الله، دخل الجنة، وإن زنى وإن سرق"، وحديث عبادة بن الصامت ﵁ الصحيح المشهور: أنهم بايعوه ﷺ عَلَى أن لا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يعصوا … إلى آخره، ثم قَالَ لهم ﷺ : "فمن وفى منكم فأجره عَلَى والله، ومن فعل شيئا منْ ذلك، فعوقب فى الدنيا فهو كفارته، ومن فعل، ولم يعاقب، فهو إلى الله تعالى، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه"، فهذان الحديثان مع نظائرهما فى الصحيح، مع قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [النِّساء: ٤٨]، مع إجماع أهل
стр. 17572
الحق، عَلَى أن الزانى، والسارق، والقاتل، وغيرهم منْ أصحاب الكبائر، غير الشرك، لا يكفرون بذلك، بل هم مؤمنون، ناقصو الإيمان إن تابوا سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا مصرين عَلَى الكبائر كانوا فى المشيئة، فإن شاء الله تعالى عفا عنهم، وأدخلهم الجنة أوّلاً، وان شاء عذبهم، ثم أدخلهم الجنة، وكل هذه الأدلة تضطرنا إلى تأويل هَذَا الْحَدِيث وشبهه، ثم إن هَذَا التأويل ظاهر، سائغ فى اللغة، مستعمل فيها، كثير، وإذا ورد حديثان مختلفان ظاهرا، وجب الجمع بينهما، وَقَدْ وردا هنا، فيجب الجمع، وَقَدْ جمعنا.
وتأول بعض العلماء هَذَا الْحَدِيث، عَلَى منْ فعل ذلك مستحلا له، مع علمه بورود الشرع بتحريمه. وَقَالَ الحسن، وأبو جعفر، محمد بن جرير الطبرى: معناه يُنزع منه اسم المدح الذى يسمى به أولياء الله المؤمنون، ويستحق اسم الذم، فيقال سارق، وزان، وفاجر، وفاسق. وحكى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن معناه يُنزع منه نور الإيمان، وفيه حديث مرفوع. وَقَالَ المهلب: ينزع منه بصيرته فى طاعة الله تعالى. وذهب الزهرى إلى أن هذه الأحاديث، وما أشبهها يؤمن بها، وتُمرّ عَلَى ما جاءت، ولا يخاض فى معناها، وأنا لا نعلم معناها، وَقَالَ أَمِرّوها كما أمرها مَن قبلكم. وقيل فى معنى الْحَدِيث: غير ما ذكرته مما ليس بظاهر، بل بعضها غلط، فتركتها، وهذه الأقوال التى ذكرتها فى تأويله كلها محتملة، والصحيح فى معنى الْحَدِيث ما قدمناه أوّلا. والله أعلم. انتهى كلام النوويّ.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: بل أصحّ التأويلات هو تأويل ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما؛ لثبوته مرفوعًا، وسيأتي تمام البحث فِي ذلك فِي شرح حديث أبي هريرة ﵁ فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هَذَا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤٥/ ٤٨٧١ - وأخرجه (خ) فِي "الحدود" ٦٧٨٢ و٦٨٠٩. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): تحريم الزنى، وأنه مما يُنافي حقيقة الإيمان، إذ هو منْ الفواحش، كما قَالَ
стр. 17573
الله : ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]. (ومنها): تحريم شُرب الخمر؛ لأنها أم الخبائث، تجرّ إلى كلّ رَذِيلة. (ومنها): تحريم السرقة. (ومنها): تحريم قتل النفس التي حرّمها الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٤٥ - (كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: مناسبة هَذَا الكتاب للكتاب الماضي واضحة.
وإضافة "كتاب" إلى "قطع" بمعنى اللام، وإضافة "قطع" إلى "السارق" منْ إضافة المصدر إلى مفعوله بعد حذف فاعله: أي هَذَا كتاب لبيان الأحاديث التي تبيّن حكم قطع الحاكم السارقَ.
و"السارق": اسم فاعل، منْ سرَق مالاً يسرِقه، منْ باب ضرب، وسرق منه مالاً، يتعدّى إلى الأول بنفسه، وبالحرف عَلَى الزيادة، والمصدرُ سَرَقٌ -بفتحتين-، والاسم السِّرِقُ بكسر الراء، والسَّرِقة مثله، وتخفّف، مثل كلمة، ويُسمّى المسروق سَرِقَةُ، تسميةً بالمصدر. قاله الفيّوميّ.
وَقَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: السرِقةُ، والسّرِق -بكسر الراء فيهما-: هو اسم الشيء المسروق، والمصدرُ، منْ سَرَقَ يَسْرِقُ سَرَقًا -بفتح الراء- كذا قاله الجوهريّ. وأصل هَذَا اللفظ إنما هو أخذ الشيء فِي خفية، ومنه استرق السمع، وسَارَقَهُ النظرَ. قَالَ ابن عَرَفة: السارق عند العرب هو منْ جاء مستترًا إلى حرز، فأخذ منه ما ليس له، فإن أخذ منْ ظاهر، فهو مختلسٌ، ومُستلبٌ، ومُنتهبٌ، ومُحترسٌ، فإن منع مما فِي يده، فهو غاصبٌ له.
قَالَ القرطبيّ: وهذا الذي قاله ابنُ عرفة هو السارق فِي عُرف الشرع.
ويستدعي النظر فِي هَذَا الباب النظرَ فِي السارق، والمسروق منه، والشيء المسروق، وحكم السارق، ولا خلاف فِي أن السارق إذا كملت شروطه، يُقطع، دون الغاصب، والمختلسِ، والخائن، وفيمن يستعير المتاع، فيجحده خلافٌ شاذٌّ، حُكي عن أحمد، وإسحاق، فقالا: يُقطع، والسلف، والخلف عَلَى خلافهما، وسيأتي القول فيه فِي حديث المخزوميّة.
стр. 17574
وإنما خصّ الشرع القطع بالسارق؛ لأن أخذ الشيء مُجاهرةً يُمكن أن يُسترجع منه غالباً، والخائن مكّنه ربّ الشيء منه، وكان ممكنًا منْ الاستيثاق بالبيّنة، وكذلك المعير، ولا يُمكن شيء منْ ذلك فِي السرقة، فبالغ الشرع فِي الزجر عنها.
وَقَدْ أجمع المسلمون عَلَى أن اليمنى تُقطع إذا وُجدت؛ لأنها الأصل فِي محاولة كلّ الأعمال. انتهى "المفهم" ٥/ ٧٠ - ٧١.
وَقَالَ فِي "الفتح": عند قول البخاريّ: "باب قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ الآية [المائدة: ٣٨]: ما نصّه: كذا أطلق فِي الآية اليد، وأجمعوا عَلَى أن المراد اليمنى إن كانت موجودة، واختلفوا فيما لو قُطعت الشمال عمدا أو خطأ، هل يجزىء، وقدم السارق عَلَى السارقة، وقدمت الزانية عَلَى الزاني؛ لوجود السرقة غالبا فِي الذكورية، ولأن داعية الزنا فِي الإناث أكثر؛ ولأن الأنثى سبب فِي وقوع الزنا، إذ لا يتأتى غالبا إلا بطواعيتها.
وقوله بصيغة الجمع، ثم التثنية إشارة إلى أن المراد جنس السارق، فلوحظ فيه المعنى، فجمع، والتثنية بالنظر إلى الجنسين المتلفظ بهما.
والسرقة -بفتح السين، وكسر الراء، ويجوز إسكانها، ويجوز كسر أوله، وسكون ثانيه-: الأخذ خفية، وعُرفت فِي الشرع بأخذ شيء خفية، ليس للآخذ أخذه، ومَن اشترط الحرز وهم الجمهور، زاد فيه: "منْ حرز مثله"، قَالَ ابن بطال: الحرز مستفاد منْ معنى السرقة، يعني فِي اللغة.
ويقال لسارق الإبل: الخارب -بخاء معجمة- وللسارق بالمكيال: مطفف، وللسارق فِي الميزان: مخسر فِي أشياء أخرى ذكرها ابن خالويه فِي "كتاب ليس".
قَالَ المازري، ومن تبعه: صان الله الأموال بإيجاب قطع سارقها، وخص السرقة لقلة ما عداها بالنسبة إليها، منْ الانتهاب، والغصب، ولسهولة إقامة البينة عَلَى ما عدا السرقة بخلافها، وشدد العقوبة فيها؛ ليكون أبلغ فِي الزجر، ولم يجعل دية الجناية عَلَى العضو المقطوع منها، بقدر ما يقطع فيه؛ حماية لليد، ثم لما خانت هانت، وفي ذلك إشارة إلى الشبهه التي نُسبت إلى أبي العلاء المْعَرَيِّ فِي قوله [منْ البسيط]:
يَدٌ بِخَمْسِ مِئِينَ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ … مَا بَالُهَا قُطِعَتْ فِي رُبْعِ دِينَارِ
فأجابه القاضي عبد الوهاب المالكي بقوله [منْ البسيط أيضًا]:
صِيَانَةُ الْعُضْوِ أَغْلَاهَا وَأَرْخَصَهَا … صِيَانَةُ الْمَالِ فَافْهَمْ حِكْمَةَ الْبَارِي (١)
стр. 17575
وشرح ذلك أن الدية لو كانت ربع دينار، لكثرت الجنايات عَلَى الأيدي، ولو كَانَ نصاب القطع خمسمائة دينار، لكثرت الجنايات عَلَى الأموال، فظهرت الحكمة فِي الجانبين، وكان فِي ذلك صيانة منْ الطرفين.
وَقَدْ عسر فهم المعنى المقدم ذكره فِي الفرق بين السرقة، وبين النهب ونحوه، عَلَى بعض منكري القياس، فَقَالَ: القطع فِي السرقة دون الغصب وغيره، غير معقول المعنى، فإن الغصب أكثر هتكا للحرمة منْ السرقة، فدل عَلَى عدم اعتبار القياس، لأنه إذا لم يعمل به فِي الأعلى، فلا يعمل به فِي المساوي.
وجوابه أن الأدلة عَلَى العمل بالقياس أشهر منْ أن يُتَكلَّف لإيرادها. انتهى "فتح" ١٤/ ٥١ - ٥٢.
وَقَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: قَالَ القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى: صان الله تعالى الأموال بإيجاب القطع عَلَى السارق، ولم يجعل ذلك فِي غير السرقة، كلاختلاس، والانتهاب، والغصب؛ لأن ذلك قليلٌ بالنسبة إلى السرقة، ولأنه يمكن استرجاع هَذَا النوع بالاستدعاء إلى ولاة الأمور، وتسهُل إقامة البينة عليه، بخلاف السرقة، فإنه تندر إقامة البينة عليها، فعظم أمرها، واشتدّت عقوبتها؛ ليكون أبلغ فِي الزجر عنها. وَقَدْ أجمع المسلمون عَلَى قطع السارق فِي الجملة، وإن اختلفوا فِي فروع منه. انتهى "شرح مسلم" ١٢/ ١٨١.
وَقَالَ الموّفقٌ رحمه الله تعالى: الأصل فِي القطع فِي السرقة: الكتاب، والسنة، والإجماع، أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وأما السنة: فرَوت عائشة أن رسول الله ﷺ ، قَالَ: "تقطع اليد فِي ربع دينار فصاعدا"، وَقَالَ النبيّ ﷺ : "إنما هلك منْ كَانَ قبلكم بأنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه"، متَّفقٌ عليهما، فِي أخبار سوى هذين، نذكرها إن شاء الله فِي مواضعها. وأجمع المسلمون عَلَى وجوب قطع السارق فِي الجملة. انتهى "المغني" ١٢/ ٤١٥.
(اعلم): أنه لا يجب القطع -كما قَالَ الموفّق- إلا بشروط سبعة: [أحدها]: السرقة، ومعنى السرقة أخذ المال، عَلَى وجه الخفية والاستتار، ومنه استراق السمع، ومسارقة النظر، إذا كَانَ يستخفي بذلك، فإن اختطف، أو اختلس، لم يكن سارقا، ولا قطع عليه، عند أحد علمناه، غير إياس بن معاوية، قَالَ: أقطع المختلس؛ لأنه يستخفي بأخذه، فيكون سارقا، وأهل الفقه والفتوى منْ علماء الأمصار عَلَى خلافه، وَقَدْ رُوي عن النبيّ ﷺ ، أنه قَالَ: "ليس عَلَى الخائن، ولا المختلس قطع"، وعن جابر ﵁-