← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 17571–17610 · переход к 17576.

стр. 17571

٢ - (إسحاق الأزرق) إسحاق بن يوسف الواسطيّ، ثقة [٩] ٢٢/ ٤٨٩. ٣ - (الفُضيل بن غَزْوان) أبو الفضل الضبيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة، منْ كبار [٧] ٤٤/ ٤٥٦١. ٤ - (عكرمة) أبو عبد الله البربريّ، مولى ابن عباس، ثقة ثبت [٣] ٢/ ٣٢٥. ٥ - (ابن عباس) عبد الله رضي الله تعالى عنهما ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو، وأبو داود. (ومنها): أن فيه ابن عباس أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦). والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَزْنِي الْعَبْدُ حِينَ يَزْنِي، وَهُوَ مُؤْمِنٌ) أي متّصفٌ بصفة الإيمان (وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ) أي المال قليلاً كَانَ، أو كثيرًا (وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَقْتُلُ) أي النفس التي حرّم الله تعالى قتلها (وَهُوَ مُؤْمِنٌ) هَذَا وأمثاله مما حمله العلماء عَلَى التغليظ، والزجر، وعلى كمال الإيمان. وقيل: المراد بالإيمان الحياء؛ لكونه شعبة منْ الإيمان، فالمعنى لا يزني الزاني، وهو يستحيي منْ الله تعالى. وقيل: المراد بالمؤمن ذو الأمن منْ العذاب. وقيل: النفي بمعنى النهي: أي لا ينبغي للزاني أن يزني، والحال أنه مؤمن، فإن مُقتضى إيمانه أن لا يقع فِي مثل هذه الفاحشة. وَقَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: فِي "شرح صحيح مسلم" ٢/ ٤١: هَذَا الْحَدِيث مما اختلف العلماء فى معناه، فالقول الصحيح الذي قاله المحققون، أن معناه لا يفعل هذه المعاصى، وهو كامل الايمان، وهذا منْ الالفاظ التى تطلق عَلَى نفى الشىء، ويراد نَفْيُ كماله، ومختارِهِ، كما يقال: لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلا الابل، ولا عيش إلا عيش الآخرة، وإنما تأولناه عَلَى ما ذكرناه؛ لحديث أبى ذر ﵁ وغيره: "منْ قَالَ: لا اله الا الله، دخل الجنة، وإن زنى وإن سرق"، وحديث عبادة بن الصامت ﵁ الصحيح المشهور: أنهم بايعوه ﷺ عَلَى أن لا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يعصوا … إلى آخره، ثم قَالَ لهم ﷺ : "فمن وفى منكم فأجره عَلَى والله، ومن فعل شيئا منْ ذلك، فعوقب فى الدنيا فهو كفارته، ومن فعل، ولم يعاقب، فهو إلى الله تعالى، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه"، فهذان الحديثان مع نظائرهما فى الصحيح، مع قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [النِّساء: ٤٨]، مع إجماع أهل

стр. 17572

الحق، عَلَى أن الزانى، والسارق، والقاتل، وغيرهم منْ أصحاب الكبائر، غير الشرك، لا يكفرون بذلك، بل هم مؤمنون، ناقصو الإيمان إن تابوا سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا مصرين عَلَى الكبائر كانوا فى المشيئة، فإن شاء الله تعالى عفا عنهم، وأدخلهم الجنة أوّلاً، وان شاء عذبهم، ثم أدخلهم الجنة، وكل هذه الأدلة تضطرنا إلى تأويل هَذَا الْحَدِيث وشبهه، ثم إن هَذَا التأويل ظاهر، سائغ فى اللغة، مستعمل فيها، كثير، وإذا ورد حديثان مختلفان ظاهرا، وجب الجمع بينهما، وَقَدْ وردا هنا، فيجب الجمع، وَقَدْ جمعنا. وتأول بعض العلماء هَذَا الْحَدِيث، عَلَى منْ فعل ذلك مستحلا له، مع علمه بورود الشرع بتحريمه. وَقَالَ الحسن، وأبو جعفر، محمد بن جرير الطبرى: معناه يُنزع منه اسم المدح الذى يسمى به أولياء الله المؤمنون، ويستحق اسم الذم، فيقال سارق، وزان، وفاجر، وفاسق. وحكى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن معناه يُنزع منه نور الإيمان، وفيه حديث مرفوع. وَقَالَ المهلب: ينزع منه بصيرته فى طاعة الله تعالى. وذهب الزهرى إلى أن هذه الأحاديث، وما أشبهها يؤمن بها، وتُمرّ عَلَى ما جاءت، ولا يخاض فى معناها، وأنا لا نعلم معناها، وَقَالَ أَمِرّوها كما أمرها مَن قبلكم. وقيل فى معنى الْحَدِيث: غير ما ذكرته مما ليس بظاهر، بل بعضها غلط، فتركتها، وهذه الأقوال التى ذكرتها فى تأويله كلها محتملة، والصحيح فى معنى الْحَدِيث ما قدمناه أوّلا. والله أعلم. انتهى كلام النوويّ. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: بل أصحّ التأويلات هو تأويل ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما؛ لثبوته مرفوعًا، وسيأتي تمام البحث فِي ذلك فِي شرح حديث أبي هريرة ﵁ فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هَذَا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤٥/ ٤٨٧١ - وأخرجه (خ) فِي "الحدود" ٦٧٨٢ و٦٨٠٩. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): تحريم الزنى، وأنه مما يُنافي حقيقة الإيمان، إذ هو منْ الفواحش، كما قَالَ

стр. 17573

الله : ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]. (ومنها): تحريم شُرب الخمر؛ لأنها أم الخبائث، تجرّ إلى كلّ رَذِيلة. (ومنها): تحريم السرقة. (ومنها): تحريم قتل النفس التي حرّمها الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٤٥ - (كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: مناسبة هَذَا الكتاب للكتاب الماضي واضحة. وإضافة "كتاب" إلى "قطع" بمعنى اللام، وإضافة "قطع" إلى "السارق" منْ إضافة المصدر إلى مفعوله بعد حذف فاعله: أي هَذَا كتاب لبيان الأحاديث التي تبيّن حكم قطع الحاكم السارقَ. و"السارق": اسم فاعل، منْ سرَق مالاً يسرِقه، منْ باب ضرب، وسرق منه مالاً، يتعدّى إلى الأول بنفسه، وبالحرف عَلَى الزيادة، والمصدرُ سَرَقٌ -بفتحتين-، والاسم السِّرِقُ بكسر الراء، والسَّرِقة مثله، وتخفّف، مثل كلمة، ويُسمّى المسروق سَرِقَةُ، تسميةً بالمصدر. قاله الفيّوميّ. وَقَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: السرِقةُ، والسّرِق -بكسر الراء فيهما-: هو اسم الشيء المسروق، والمصدرُ، منْ سَرَقَ يَسْرِقُ سَرَقًا -بفتح الراء- كذا قاله الجوهريّ. وأصل هَذَا اللفظ إنما هو أخذ الشيء فِي خفية، ومنه استرق السمع، وسَارَقَهُ النظرَ. قَالَ ابن عَرَفة: السارق عند العرب هو منْ جاء مستترًا إلى حرز، فأخذ منه ما ليس له، فإن أخذ منْ ظاهر، فهو مختلسٌ، ومُستلبٌ، ومُنتهبٌ، ومُحترسٌ، فإن منع مما فِي يده، فهو غاصبٌ له. قَالَ القرطبيّ: وهذا الذي قاله ابنُ عرفة هو السارق فِي عُرف الشرع. ويستدعي النظر فِي هَذَا الباب النظرَ فِي السارق، والمسروق منه، والشيء المسروق، وحكم السارق، ولا خلاف فِي أن السارق إذا كملت شروطه، يُقطع، دون الغاصب، والمختلسِ، والخائن، وفيمن يستعير المتاع، فيجحده خلافٌ شاذٌّ، حُكي عن أحمد، وإسحاق، فقالا: يُقطع، والسلف، والخلف عَلَى خلافهما، وسيأتي القول فيه فِي حديث المخزوميّة.

стр. 17574

وإنما خصّ الشرع القطع بالسارق؛ لأن أخذ الشيء مُجاهرةً يُمكن أن يُسترجع منه غالباً، والخائن مكّنه ربّ الشيء منه، وكان ممكنًا منْ الاستيثاق بالبيّنة، وكذلك المعير، ولا يُمكن شيء منْ ذلك فِي السرقة، فبالغ الشرع فِي الزجر عنها. وَقَدْ أجمع المسلمون عَلَى أن اليمنى تُقطع إذا وُجدت؛ لأنها الأصل فِي محاولة كلّ الأعمال. انتهى "المفهم" ٥/ ٧٠ - ٧١. وَقَالَ فِي "الفتح": عند قول البخاريّ: "باب قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ الآية [المائدة: ٣٨]: ما نصّه: كذا أطلق فِي الآية اليد، وأجمعوا عَلَى أن المراد اليمنى إن كانت موجودة، واختلفوا فيما لو قُطعت الشمال عمدا أو خطأ، هل يجزىء، وقدم السارق عَلَى السارقة، وقدمت الزانية عَلَى الزاني؛ لوجود السرقة غالبا فِي الذكورية، ولأن داعية الزنا فِي الإناث أكثر؛ ولأن الأنثى سبب فِي وقوع الزنا، إذ لا يتأتى غالبا إلا بطواعيتها. وقوله بصيغة الجمع، ثم التثنية إشارة إلى أن المراد جنس السارق، فلوحظ فيه المعنى، فجمع، والتثنية بالنظر إلى الجنسين المتلفظ بهما. والسرقة -بفتح السين، وكسر الراء، ويجوز إسكانها، ويجوز كسر أوله، وسكون ثانيه-: الأخذ خفية، وعُرفت فِي الشرع بأخذ شيء خفية، ليس للآخذ أخذه، ومَن اشترط الحرز وهم الجمهور، زاد فيه: "منْ حرز مثله"، قَالَ ابن بطال: الحرز مستفاد منْ معنى السرقة، يعني فِي اللغة. ويقال لسارق الإبل: الخارب -بخاء معجمة- وللسارق بالمكيال: مطفف، وللسارق فِي الميزان: مخسر فِي أشياء أخرى ذكرها ابن خالويه فِي "كتاب ليس". قَالَ المازري، ومن تبعه: صان الله الأموال بإيجاب قطع سارقها، وخص السرقة لقلة ما عداها بالنسبة إليها، منْ الانتهاب، والغصب، ولسهولة إقامة البينة عَلَى ما عدا السرقة بخلافها، وشدد العقوبة فيها؛ ليكون أبلغ فِي الزجر، ولم يجعل دية الجناية عَلَى العضو المقطوع منها، بقدر ما يقطع فيه؛ حماية لليد، ثم لما خانت هانت، وفي ذلك إشارة إلى الشبهه التي نُسبت إلى أبي العلاء المْعَرَيِّ فِي قوله [منْ البسيط]: يَدٌ بِخَمْسِ مِئِينَ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ … مَا بَالُهَا قُطِعَتْ فِي رُبْعِ دِينَارِ فأجابه القاضي عبد الوهاب المالكي بقوله [منْ البسيط أيضًا]: صِيَانَةُ الْعُضْوِ أَغْلَاهَا وَأَرْخَصَهَا … صِيَانَةُ الْمَالِ فَافْهَمْ حِكْمَةَ الْبَارِي (١)

стр. 17575

وشرح ذلك أن الدية لو كانت ربع دينار، لكثرت الجنايات عَلَى الأيدي، ولو كَانَ نصاب القطع خمسمائة دينار، لكثرت الجنايات عَلَى الأموال، فظهرت الحكمة فِي الجانبين، وكان فِي ذلك صيانة منْ الطرفين. وَقَدْ عسر فهم المعنى المقدم ذكره فِي الفرق بين السرقة، وبين النهب ونحوه، عَلَى بعض منكري القياس، فَقَالَ: القطع فِي السرقة دون الغصب وغيره، غير معقول المعنى، فإن الغصب أكثر هتكا للحرمة منْ السرقة، فدل عَلَى عدم اعتبار القياس، لأنه إذا لم يعمل به فِي الأعلى، فلا يعمل به فِي المساوي. وجوابه أن الأدلة عَلَى العمل بالقياس أشهر منْ أن يُتَكلَّف لإيرادها. انتهى "فتح" ١٤/ ٥١ - ٥٢. وَقَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: قَالَ القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى: صان الله تعالى الأموال بإيجاب القطع عَلَى السارق، ولم يجعل ذلك فِي غير السرقة، كلاختلاس، والانتهاب، والغصب؛ لأن ذلك قليلٌ بالنسبة إلى السرقة، ولأنه يمكن استرجاع هَذَا النوع بالاستدعاء إلى ولاة الأمور، وتسهُل إقامة البينة عليه، بخلاف السرقة، فإنه تندر إقامة البينة عليها، فعظم أمرها، واشتدّت عقوبتها؛ ليكون أبلغ فِي الزجر عنها. وَقَدْ أجمع المسلمون عَلَى قطع السارق فِي الجملة، وإن اختلفوا فِي فروع منه. انتهى "شرح مسلم" ١٢/ ١٨١. وَقَالَ الموّفقٌ رحمه الله تعالى: الأصل فِي القطع فِي السرقة: الكتاب، والسنة، والإجماع، أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وأما السنة: فرَوت عائشة أن رسول الله ﷺ ، قَالَ: "تقطع اليد فِي ربع دينار فصاعدا"، وَقَالَ النبيّ ﷺ : "إنما هلك منْ كَانَ قبلكم بأنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه"، متَّفقٌ عليهما، فِي أخبار سوى هذين، نذكرها إن شاء الله فِي مواضعها. وأجمع المسلمون عَلَى وجوب قطع السارق فِي الجملة. انتهى "المغني" ١٢/ ٤١٥. (اعلم): أنه لا يجب القطع -كما قَالَ الموفّق- إلا بشروط سبعة: [أحدها]: السرقة، ومعنى السرقة أخذ المال، عَلَى وجه الخفية والاستتار، ومنه استراق السمع، ومسارقة النظر، إذا كَانَ يستخفي بذلك، فإن اختطف، أو اختلس، لم يكن سارقا، ولا قطع عليه، عند أحد علمناه، غير إياس بن معاوية، قَالَ: أقطع المختلس؛ لأنه يستخفي بأخذه، فيكون سارقا، وأهل الفقه والفتوى منْ علماء الأمصار عَلَى خلافه، وَقَدْ رُوي عن النبيّ ﷺ ، أنه قَالَ: "ليس عَلَى الخائن، ولا المختلس قطع"، وعن جابر ﵁-

стр. 17576

قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "ليس عَلَى المنتهب قطع"، رواهما أبو داود، وَقَالَ: لم يسمعهما ابن جريج منْ أبي الزبير، ولأن الواجب قطع السارق، وهذا غير سارق، ولأن الاختلاس نوع منْ الخطف والنهب، وإنما يستخفي فِي ابتداء اختلاسه، بخلاف السارق. [الثاني]: أن يكون المسروق نصابًا. [الثالث]: أن يكون المسروق مالاً، فإن سرق ما ليس مالاً كالحرّ، فلا قطع فيه، وفيه اختلاف بين العلماء، سيأتي بيانه، إن شاء الله تعالى. [الرابع]: أن يسرِق منْ حرز، وُيخرجه منه. [الخامس]، و [السادس]، و [السابع]: كون السارق مكلّفًا، وتثبت السرقة، ويُطالب المالك المسروق، وتنتفي الشبهات. وهذه الشروط فيها اختلاف بين أهل العلم سيأتي تحقيقه فِي المواضع المناسبة لها، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٨٧٢ - (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ، يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهَا أَبْصَارَهُمْ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ"). رجال هَذَا الإسناد: سبعة: ١ - (الربيع بن سليمان) بن عبد الجبّار الْمُراديّ، أبو محمد المصريّ المؤذّن، صاحب الشافعيّ، ثقة [١١] ١٩٥/ ٣١١. ٢ - (شُعيب بن الليث) الْفهميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقة، فقيهٌ، نبيلٌ، منْ كبار [١٠] ١٢٠/ ١٦٦. ٣ - (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الْفهميّ، والد شعيب الراوي عنه، المصريّ، ثقة ثبتٌ فقيه، إمام، مشهورٌ [٧] ٣١/ ٣٥. ٤ - (ابن عَجْلان) هو محمد القرشيّ، مودى فاطمة بنت الوليد, أبو عبد الله المدنيّ، صدُوقٌ، إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة ﵁[٥] ٣٦/ ٤٠. ٥ - (القعقاع) ابن حكيم الكنانىّ المدنيّ، ثقة [٤] ٣٦/ ٤٠. ٦ - (أبو صالح) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقة ثبتٌ [٣] ٣٦/ ٤٠. ٧ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم.

стр. 17577

لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المصريين إلى الليث، وبالمدنيين بعده، وفيه رواية الابن عن أبيه، شعيب، عن الليث، وفيه ثلاثة منْ التابعين يروي بعضهم عن بعض: ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، وفيه أبو هريرة ﵁ رأس المكثرين منْ الرواية، منْ الصحابة ﵃. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه (عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ) أنه (قَالَ: "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي، وَهُوَ مُؤْمِنٌ) قَيَّدَ نفيَ الإيمان بحالة ارتكابه لها، ومقتضاه أنه لا يستمر بعد فراغه، وهذا هو الظاهر، ويحتمل أن يكون المعنى: أن زوال ذلك إنما هو إذا أقلع الإقلاع الكلي، وأما لو فرغ، وهو مُصِرّ تلك المعصية، فهو كالمرتكب، فَيَتَّجِهُ أن نفي الإيمان عنه يستمرّ، ويؤيده قول ابن عباس: "فإن تاب عاد إليه"، ولكن أخرج الطبري منْ طريق نافع بن جبير بن مطعم، عن ابن عباس: قَالَ: "لا يزني حين يزني، وهو مؤمن، فإذا زال رجع إليه الإيمان، ليس إذا تاب منه، ولكن إذا تاخر عن العمل به"، ويؤيده أن الْمُصِرَّ، وإن كَانَ إثمه مستمرًّا، لكن ليس إثمة كمن باشر الفعل، كالسرقة مثلاً. قاله فِي "الفتح". (وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ) أي والحال أنه متّصفٌ بصفة الإيمان (وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا، وَهُوَ مُؤْمِنٌ) قَالَ ابن مالك رحمه الله تعالى: فيه جواز حذف الفاعل، بدلالة الكلام عليه، والتقدير: ولا يشرب الشارب الخمر الخ ولا يرجع الضمير إلى السارق؛ لئلا يختص به، بل هو عام في حق كل منْ شرب، وكذا القول فِي "لا يسرق"، و"لا يقتل"، وفي "لا يغل" يعني فِي الروايات التي ثبت فيها ذلك- ونظير حذف الفاعل بعد النفي، قراءة هشام: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٩]-بفتح الياء التحتانية أوَّلَهُ-: أي لا يَحْسَبَنَّ حاسبٌ. انتهى. (وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً) "النَّهب": الأخذ عَلَى وجه العلانية، والقهر، والغلبة، و"النّهْبة" بالفتح مصدرٌ، وبالضمّ: المال المنهوب، والتوصيف بالشرف باعتبار مُتَعَلَّقِهَا الذي، هو المال، والتوصيف برفع أبصار النَّاس لبيان قسوة قلب فاعلها، وقلّة رحمته، وحيائه. قاله السنديّ. وَقَالَ فِي "الفتح": "النهبة" -بضم النون، هو المال المنهوب، والمراد به المأخوذ

стр. 17578

جهرًا قهرًا، ووقع فِي رواية همام، عند أحمد: "والذي نفس محمد بيده، لا يَنْتَهِبَنَّ أحدُكم نُهْبةً … " الْحَدِيث. قاله فِي "الفتح". وَقَالَ القرطبيّ: "النُّهبةُ"، و"النُّهْبَى": اسم لما يُنتهب منْ المال: أي يؤخذ منْ غير قسمة، ولا تقدير، ومنه سُمّيت الغنيمة: نُهْبَى، كما قَالَ: "وأصبنا نَهْبَ إبل" متَفقٌ عليه: أي غنيمة إبل؛ لأنها تؤخذ منْ غير تقدير، تقول العرب: أنهب الرجل ماله، ونَهبُوه، وناهبوه. قاله الجوهريّ. انتهى. (ذَاتَ شَرَفٍ) أي ذات قيمة، وقدر، ورِفْعة، قَالَ القرطبيّ: والرواية الصحيحة بالشين المعجمة، وَقَدْ رواه الحربيّ: سرف بالسين المهملة، وَقَالَ: معناه: ذات مقدار كثير، ينكره النَّاس، كنهب الْفُسّاق فِي الفتن المالَ العظيم، مما يستعظمه النَّاس، بخلاف التمرة، والفلس، وما لا خطر له. انتهى. وَقَالَ فِي "الفتح": "ذات شرف": أي ذات قدر، حيث يُشرف النَّاس لها، ناظرين إليها، ولهذا وصفها بقوله: "يرفع النَّاس إليه فيها أبصارهم"، ولفظ "شَرَف" وقع فِي معظم الروايات فِي "الصحيحين"، وغيرهما بالشين المعجمة، وقيدها بعض رواة مسلم بالمهملة، وكذا نقل عن إبراهيم الحربي، وهي ترجع إلى التفسير الأول، قاله ابن الصلاح. انتهى "فتح" ١٤/ ٥. (يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهَا أَبْصَارَهُمْ) أي ينظرون إليها، ويستشرفونها. قَالَ فِي "الفتح": هكذا وقع تقييده بذلك فِي النهبة دون السرقة. قَالَ: وأشار برفع البصر إلى حالة المنهوبين، فإنهم ينظرون إلى منْ يَنهبهم، ولا يقدرون عَلَى دفعه، ولو تضرعوا إليه، ويحتمل أن يكون كناية عن عدم التستر بذلك، فيكون صفة لازمة للنهب، بخلاف السرقة، والاختلاس، فإنه يكون فِي خفية، والانتهاب أشد؛ لما فيه منْ مزيد الجراءة، وعدم المبالاة. (وَهُوَ مُؤْمِنٌ) تقدم معنى التقييد به قريبًا. [تنبيه]: زاد الإمام مسلم رحمه الله تعالى فِي "صحيحه" -بعد أن أخرج الْحَدِيث منْ طريق ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيّب، كلاهما عن أبي هريرة ﵁: ما نصّه: قَالَ ابن شهاب: فأخبرنى عبد الملك بن أبى بكر بن عبد الرحمن، أن أبا بكر، كَانَ يحدثهم هؤلاء، عن أبى هريرة، ثم يقولى: وكان أبو هريرة، يُلحِق معهن: "ولا ينتهب نهبة، ذات شرف، يرفع النَّاس إليه فيها أبصارهم، حين ينتهبها، وهو مؤمن". قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: ظاهر هَذَا الكلام، أن قوله: "ولا ينتهب، إلى آخره"، ليس منْ كلام النبى ﷺ ، بل هو منْ كلام أبى هريرة رضى الله عنه، موقوف عليه،

стр. 17579

ولكن جاء فى رواية أخرى، ما يدل عَلَى أنه منْ كلام النبى ﷺ ، وَقَدْ جمع الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀، فى ذلك كلاما حسنا، فَقَالَ: رَوَى أبو نعيم فى "مستخرجه عَلَى كتاب مسلم" ﵀، منْ حديث همام بن منبه هَذَا الْحَدِيث، وفيه: "والذى نفس محمد بيده، لا ينتهب أحدكم"، وهذا مُصَرِّح برفعه إلى النبى ﷺ ، قَالَ: ولم يستغن عن ذكر هَذَا، بأن البخارى رواه منْ حديث الليث بإسناده هَذَا الذى ذكره مسلم عنه، معطوفًا فيه ذكر النبهة عَلَى ما بعد قوله: قَالَ رسول الله ﷺ نسقا، منْ غير فصل بقوله: وكان أبو هريرة يُلحِق معهن ذلك، وذلك مراد مسلم ﵀ بقوله: واقتص الْحَدِيث يَذكُر مع ذكر النبهة، ولم يذكر "ذات شرف"، وإنما لم يكتف بهذا فى الاستدلال عَلَى كون النبهة منْ كلام النبى ﷺ ؛ لأنه قد يُعَدُّ ذلك منْ قبل المدرج فى الْحَدِيث، منْ كلام بعض رواته؛ استدلالاً بقول منْ فَصَلَ، فَقَالَ: وكان أبو هريرة يُلحق معهن، وما رواه أبو نعيم يرتفع عن أن يتطرق إليه هَذَا الاحتمال. وظهر بذلك أن قول أبى بكر بن عبد الرحمن: وكان أبو هريرة يُلحق معهن … معناه: يلحقها روايةَ عن رسول الله ﷺ ، لا منْ عند نفسه، وكأن أبا بكر خصها بذلك؛ لكونه بلغه أن غيره لا يرويها، ودليل ذلك ما تراه منْ رواية مسلم ﵀ الْحَدِيث، منْ رواية يونس، وعقيل، عن ابن شهاب، عن أبى سلمة، وابن المسيب، عن أبى هريرة، منْ غير ذكر النهبة. ثم إن فى رواية عقيل أن ابن شهاب، رَوَى ذكر النهبة عن أبى بكر بن عبد الرحمن نفسه، وفى رواية يونس، عن عبد الملك بن أبى بكر عنه، فكأنه سمع ذلك منْ ابنه عنه، ثم سمعه منه نفسه. انتهى كلام النوويّ "شرح مسلم" ٢/ ٤٢ - ٤٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هَذَا متَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١/ ٤٨٧٢ و٤٨٧٣ و٤٨٧٤ وفي "الأشربة" ٤٢/ ٥٩٦١ و٥٦٦٢ - وفي "الكبرى" ١/ ٧٣٥٤ و٧٣٥٥ و٧٣٥٦. وأخرجه (خ) فِي "المظالم والغصب" ٢٤٧٥ و"الأشربة" ٥٥٧٨ و"الحدود" ٦٧٧٢ و٦٨١٠ (م) فِي "الإيمان" ٥٧ (د) فِي "السنة" ٤٦٨٩ (ت) فِي "الإيمان" ٢٦٢٥ (ق) فِي "الفتن" ٢٩٣٦ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ٢٧٤١٩ و٨٦٧٨ و٨٧٨١ و٩٨٥٩ (الدارمي) فِي "الأضاحي" ١٩١٠

стр. 17580

و"الأشربة" ٢٠١٤. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده (١): (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تعظيم شأن السرقة، وأنها منْ الكبائر؛ لشدّة الوعيد فيها، قَالَ فِي "الفتح" ١٤/ ٨ - : وفي الْحَدِيث تعظيم شأن أخذ حق الغير بغير حق؛ لأنه ﷺ أقسم عليه، ولا يُقسِم إلا عَلَى إرادة تأكيد المقسم عليه. انتهى. (ومنها)؛ أن منْ زنى دخل فِي هَذَا الوعيد، سواء كَانَ بكرا، أو مُحصَنًا، وسواء كَانَ المزني بها أجنبية، أو مَحْرَما، ولا شك أنه فِي حق المحرم أفحش، ومن المتزوج أعظم، ولا يدخل فيه ما يُطلق عليه اسم الزنا، منْ اللمس الْمُحَرَّم، وكذا التقبيل، والنظر؛ لأنها وإن سُمِّيت فِي عرف الشرع زنا، فلا تدخل فِي ذلك؛ لأنها منْ الصغائر، كما قَالَ العلماء ذلك فِي تفسير اللمم فِي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ الآية [النجم: ٣٢]. قَالَ الحافظ: وفيه أن منْ سرق قليلاً أو كثيرًا، وكذا منْ انتهب، أنه يدخل فِي الوعيد، وفيه نظر، فقد شرط بعض العلماء، وهو لبعض الشافعيّة أيضًا فِي كون الغصب كبيرة، أن يكون المغصوب نصابا، وكذا فِي السرقة، وإن كَانَ بعضهم أطلق فيها، فهو محمول عَلَى ما اشتهر أن وجوب القطع فيها متوقف عَلَى وجود النصاب، وإن كَانَ سرقةُ ما دون النصاب حرامًا. (ومنها): أن فيه أن منْ شرب الخمر، دخل فِي الوعيد المذكور، سواء كَانَ المشروب كثيرا، أم قليلا؛ لأن شرب القليل منْ الخمر معدود منْ الكبائر، وإن كَانَ ما يترتب عَلَى الشرب منْ المحذور، منْ اختلال العقل، أفحش منْ شرب مالا يتغير معه العقل، وعلى القول الذي رجحه النوويّ منْ تأويل نفي الإيمان بنفي كماله، كما سبق، ويأتي أيضًا، لا إشكال فِي شيء منْ ذلك؛ لأن لنقص الكمال مراتب، بعضها أقوى منْ بعض. (ومنها): أنه استَدَلَّ به منْ قَالَ: إن الانتهاب كله حرام، حَتَّى فيما أذن مالكه، كالنِّثَار فِي العُرْس، ولكن صرح الحسن، والنخغي، وقتادة، فيما أخرجه ابن المنذر عنهم، بأن شرط التحريم أن يكون بغير إذن المالك، وَقَالَ أبو عبيدة: هو كما قالوا، وأما النُّهْبَةُ المختلف فيها، فهو ما أذن فيه صاحبه، وأباحه، وغرضه تساويهم، أو مقاربة التساوي، فإذا كَانَ القوي منهم يغلب الضعيف، ولم تطب نفس صاحبه بذلك، فهو مكروه، وَقَدْ ينتهى إلى التحريم، وَقَدْ صرح المالكية، والشافعية، والجمهور بكراهيته، وممن كرهه

стр. 17581

منْ الصحابة أبو مسعود البدري ﵁، ومن التابعين النخعي، وعكرمة، قَالَ ابن المنذر: ولم يكرهوه منْ الجهة المذكورة، بل لكون الأخذ فِي مثل ذلك، إنما يحصل لمن فيه فضل قوة، أو قلة حياء. واحتج الحنفية، ومن وافقهم، بأنه ﷺ قَالَ فِي الْحَدِيث الذي أخرجه أبو داود، منْ حديث عبد الله بن قرظ: أن النبيّ ﷺ قَالَ فِي البدن التي نحرها: "منْ شاء اقتطع"، واحتجوا أيضا بحديث معاذ ﵁، رفعه: إنما نهيتكم عن نُهْبَى العساكر، فأما العرسان (١) فلا … " الْحَدِيث، وهو حديث ضعيف، فِي سنده ضعف، وانقطاع. قَالَ ابن المنذر: هي حجة قوية، فِي جواز أخذ ما يُنثَر فِي العرس ونحوه؛ لأن المبيح لهم قد علم اختلاف حالهم فِي الأخذ، كما علم النبيّ ﷺ ذلك، وأذن فيه فِي أخذ البدن التي نحرها، وليس فيها معنى، إلا وهو موجود فِي النثار. قَالَ الحافظ: بل فيها معنى، ليس فِي غيرها، بالنسبة إلى المأذون لهم، فإنهم كانوا الغاية فِي الورع، والإنصاف، وليس غيرهم فِي ذلك مثلهم. انتهى. "فتح" ١٤/ ٩. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي تعقب به الحافظ كلام الإمام ابن المنذر رحمهما الله تعالى فيه نظر؛ لأنه لو كَانَ المعنى الذي ذكره هو المبيح، لبيّن النبيّ ﷺ عليه، وَقَالَ: هَذَا لا يجوز إلا لمن كَانَ عَلَى صفتكم، فلما أطلق، ولم يقيّده علمنا أنه مباح، وَقَدْ مال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه"، إلى جوازه بإذن المالك، حيث قَالَ فِي "كتاب المظالم": "باب النُّهْبَى بغير إذن صاحبه"، ثم أورد أحاديث النهي عن النهبى، فقد أفاد بتقييده الترجمة أن النهي إذا لم يأذن المالك، وإلا جاز. والحاصل أن القول بجواز النهبى فِي العرس ونحوه هو الأرجح؛ لما ذُكر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فِي ذكر أقوال أهل العلم فِي تأويل هَذَا الْحَدِيث: لقد أجاد الحافظ رحمه الله تعالى فِي تلخيص أقوالهم، وتهذيبها فِي "الفتح"، فَقَالَ: قَالَ الطبري: اختلف الرواة فِي أداء لفظ هَذَا الْحَدِيث، وأنكر بعضهم أن يكون ﷺ قاله، ثم ذكر الاختلاف فِي تأويله، ومن أقوى ما يُحمَل عَلَى صرفه عن ظاهره، إيجاب الحد فِي الزنا، عَلَى أنحاء مختلفة، فِي حق الحر المحصن، والحر البكر، وفي حق العبد، فلو كَانَ المراد بنفي الإيمان ثبوت الكفر، لاستووا فِي العقوبة؛ لأن المكلفين

стр. 17582

فيما يتعلق بالإيمان والكفر سواء، فلما كَانَ الواجب فيه منْ العقوبة مختلفا، دل عَلَى أن مرتكب ذلك ليس بكافر حقيقة. وَقَالَ النوويّ: اختلف العلماء فِي معنى هَذَا الْحَدِيث، والصحيح الذي قاله المحققون، أن معناه: لا يفعل هذه المعاصي، وهو كامل الإيمان، هَذَا منْ الألفاظ التي تُطلق عَلَى نفي الشيء، والمراد نفي كماله، كما يقال: لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلا الإبل، ولا عيش إلا عيش الآخرة، وإنما تأولناه؛ لحديث أبي ذر ﵁: "منْ قَالَ لا إله إلا الله، دخل الجنة، وإن زنا وإن سرق"، وحديث عبادة ﵁ الصحيح المشهور: أنهم بايعوا رسول الله ﷺ عَلَى أن لا يسرقوا، ولا يزنوا … الْحَدِيث، وفي آخره: "ومن فعل شيئا منْ ذلك، فعوقب به فِي الدنيا، فهو كفارة له، ومن لم يعاقب فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه"، فهذا مع قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [النِّساء: ٤٨]، مع إجماع أهل السنة عَلَى أن مرتكب الكبائر لا يكفر إلا بالشرك، يَضطَرُّنا إلى تأويل الْحَدِيث إلى آخر كلام النوويّ الذي سبق نقله فِي الباب الماضي. قَالَ: وَقَدْ ورد فِي تأويله بالمستحلّ حديث مرفوع، عن علي ﵁ عند الطبراني فِي "الصغير"، لكن فِي سنده راو كذبوه. فمن الأقوال التي لم يذكرها: ما أخرجه الطبري، منْ طريق محمد بن زيد بن واقد ابن عبد الله بن عمر: أنه خبر بمعنى النهي، والمعنى: لا يَزْنِيَنَّ مؤمن، ولا يَسْرِقَنَّ مؤمن. وَقَالَ الخطّابيّ: كَانَ بعضهم يرويه: "ولا يشرب" بكسر الباء عَلَى معنى النهي، والمعنى: المؤمن لا ينبغي له أن يفعل ذلك، ورد بعضهم هَذَا القول بأنه لا يبقى للتقييد بالظرف فائدة، فإن الزنا منهي عنه فِي جميع الملل، وليس مختصا بالمؤمنين. قَالَ الحافظ: وفي هَذَا الرد نظر واضح لمن تأمله. [ثانيها]: أن يكون بذلك منافقا، نفاق معصية، لا نفاق كفر، حكاه ابن بطال عن الأوزاعي. [ثالثها]: أن معنى نفي كونه مؤمنا، أنه شابه الكافر فِي عمله، وموقع التشبيه أنه مثله فِي جواز قتله، فِي تلك الحالة؛ ليكف عن المعصية، ولو أَدَّى إلى قتله، فإنه لو قتل فِي تلك الحالة، كَانَ دمه هدرا، فانتفت فائدة الإيمان فِي حقه، بالنسبة إلى زوال عصمته فِي تلك الحالة، وهذا يقوي ما تقدم منْ التقييد بحالة التلبس بالمعصية. [رابعها]: معنى قوله: ليس بمؤمن: أي ليس بمستحضر فِي حالة تلبسه بالكبيرة جلال منْ آمن به، فهو كناية عن الغفلة، التي جلبتها له غلبة الشهوة، وعبر عن هَذَا ابن الجوزي بقوله: فإن المعصية تُذهله عن مراعاة الإيمان، وهو تصديق القلب، فكانه

стр. 17583

نسي مَن صَدَّق به، قَالَ ذلك فِي تفسير نزع نور الإيمان، ولعل هَذَا هو مراد المهلب. [خامسها]: معنى نفي الإيمان نفي الأمان منْ عذاب الله؛ لأن الإيمان مشتق منْ الأمن. [سادسها]: أن المراد به الزجر والتنفير، ولا يراد ظاهره، وَقَدْ أشار إلى ذلك الطيبي، فَقَالَ: يجوز أن يكون منْ باب التغليظ والتهديد، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾: يعني أن هذه الخصال ليست منْ صفات المؤمن؛ لأنها منافية لحاله، فلا ينبغي أن يتصف بها. [سابعها]: أنه يسلب الإيمان حال تلبسه بالكبيرة، فإذا فارقها عاد إليه، وهو ظاهر ما أسنده البخاريّ، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فِي باب "إثم الزناة" منْ "كتاب المحاربين" عن عكرمة عنه، بنحو حديث الباب، قَالَ عكرمة: قلت لابن عباس: كيف يُنزع منه الإيمان؟ قَالَ: هكذا، وشَبَّك بين أصابعه، ثم أخرجها، فإذا تاب عاد إليه، هكذا. ثم شبك بين أصابعه، وجاء مثل هَذَا مرفوعا، أخرجه أبو داود، والحاكم بسند صحيح، منْ طريق سعد المقبري، أنه سمع أبا هريرة ﵁ رفعه: "إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان، فكان عليه كالظلة، فإذا أقلع رجع إليه الإيمان"، وأخرج الحاكم منْ طريق بن حُجَيرة، أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: "منْ زنى، أو شرب الخمر، نزع الله منه الإيمان، كما يَخْلَع الإنسان القميص منْ رأسه" (١)، وأخرج الطبراني بسند جيد، منْ رواية رجل منْ الصحابة، لم يُسَمَّ رفعه: "منْ زنى خرج منه الإيمان، فإن تاب تاب الله عليه"، وأخرج الطبري، منْ طريق عبد الله بن رواحة ﵁: "مَثَلُ الإيمان مثل قميص، بينما أنت مُدبر عنه إذ لبسته، وبينما أنت قد لبسته إذ نزعته". قَالَ ابن بطال: وبيان ذلك أن الإيمان هو التصديق، غير أن للتصديق معنيين: [أحدهما]: قول، والآخر عمل، فإذا رَكِب المصدق كبيرة، فارقه اسم الإيمان، فإذا كَفَّ عنها عاد له الاسم؛ لأنه فِي حال كفه عن الكبيرة، مجتنب بلسانه، ولسانه مصدق عقد قلبه، وذلك معنى الإيمان. قَالَ الحافظ: وهذا القول قد يلاقي ما أشار اليه النوويّ، فيما نقله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: "يُنزع منه نور الإيمان"؛ لأنه يُحمَل منه عَلَى أن المراد فِي هذه الأحاديث نور الإيمان، وهو عبارة عن فائدة التصديق، وثمرته، وهو العمل بمقتضاه، ويمكن رد هَذَا القول إلى القول الذي رجحه النوويّ، فقد قَالَ ابن بطال فِي آخر كلامه،

стр. 17584

تبعا للطبري: الصواب عندنا قول منْ قَالَ: يزول عنه اسم الإيمان، الذي هو بمعنى المدح، إلى الاسم الذي بمعنى الذم، فيقال: له فاسق مثلا، ولا خلاف أنه يُسَمَّى بذلك ما لم تظهر منه التوبة، فالزائل عنه حينئذ اسم الإيمان بالإطلاق، والثابت له اسم الإيمان بالتقييد، فيقال: هو مصدق بالله ورسوله، لفظا واعتقادا، لا عملا، ومن ذلك الكف عن المحرمات. قَالَ الحافظ: وأظن ابن بطال تلقى ذلك منْ ابن حزم، فإنه قَالَ: المعتمد عليه عند أهل السنة، أن الإيمان اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالجوارح، وهو يشمل عمل الطاعة، والكف عن المعصية، فالمرتكب لبعض ما ذُكر لم يختل اعتقاده، ولا نطقه، بل اختلت طاعته فقط، فليس بمؤمن، بمعنى أنه ليس بمطيع، فمعنى نفي الإيمان محمول عَلَى الإنذار بزواله، ممن اعتاد ذلك؛ لأنه يُخشَى عليه أن يُفْضِي به إلى الكفر، وهو كقوله: "ومن يَرتَع حول الحمى … " الْحَدِيث، أشار اليه الخطّابيّ. وَقَدْ أشار المازري إلى أن القول المصحح هنا، مبني عَلَى قول مَن يرى أن الطاعات تسمى إيمانا. قَالَ الحافظ: والعجب منْ النوويّ، كيف جزم بأن فِي التأويل المنقول عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حديثا مرفوعا، ثم صحح غيره، فلعله لم يطلع عَلَى صحته، وَقَدْ قدمتُ أنه يمكن رده إلى القول الذي صححه. وَقَالَ الطيبي: يحتمل أن يكون الذي نقص منْ إيمان المذكور الحياءُ، وهو المعبر عنه فِي الْحَدِيث الآخر بالنور، وَقَدْ مضى أن الحياء منْ الإيمان، فيكون التقدير: لا يزني حين يزني، وهو يستحي منْ الله؛ لأنه لو استحى منه، وهو يَعرف أنه مشاهد حاله، لم يرتكب ذلك، وإلى ذلك تصح إشارة ابن عباس بتشبيك أصابعه، ثم إخراجها منها، ثم إعادتها إليها، ويعضده حديث: "منْ استحى منْ الله حق الحياء، فليحفظ الرأس، وما وعى، والبطن، وما حوى" (١). انتهى. قَالَ الحافظ: وحاصل ما اجتمع لنا منْ الأقوال فِي معنى هَذَا الْحَدِيث ثلاثة عشر قولاً، خارجا عن قول الخوارج، وعن قول المعتزلة، وَقَدْ أشرت إلى بعض الأقوال المنسوبهَ لأهل السنة، يمكن رد بعضها إلى بعض. قَالَ المازري: هذه التأويلات تَدفع قول الخوارج، ومن وافقهم منْ الرافضة، أن

стр. 17585

مرتكب الكبيرة كافر، مخلد فِي النار، إذا مات منْ غير توبة، وكذا قول المعتزلة: إنه فاسق مخلد فِي النار، فإن الطوائف المذكورين تعلقوا بهذا الْحَدِيث، وشبهه، وإذا احتمل ما قلناه، اندفعت حجتهم. قَالَ القاضي عياض: أشار بعض العلماء، إلى أن فِي الْحَدِيث تنبيها عَلَى جميع أنواع المعاصي، والتحذير منها، فنبه بالزنا عَلَى جميع الشهوات، وبالسرقة عَلَى الرغبة فِي الدنيا، والحرص عدى الحرام، وبالخمر على جميع ما يَصُدُ عن الله تعالى، ويوجب الغفلة عن حقوقه، وبالانتهاب الموصوف عَلَى الاستخفاف بعباد الله، وترك توقيرهم، والحياء منهم، وعلى جمع الدنيا منْ غير وجهها. وَقَالَ القرطبيّ بعد أن ذكره ملخصا: وهذا لا يتمشى إلا مع المسامحة، والأولى أن يقال: إن الْحَدِيث يتضمن التحرز منْ ثلاثة أمور، هى منْ أعظم أصول المفاسد، وأضدادها منْ أصول المصالح، وهى استباحة الفروج المحرمة، وما يؤدى إلى اختلال العقل، وخص الخمر بالذكر؛ لكونها أغلب الوجوه فِي ذلك، والسرقة بالذكر؛ لكونها أغلب الوجوه التي يؤخذ بها مال الغير بغير حق. قَالَ الحافظ: وأشار بذلك إلى أن عموم ما ذكره الأول، يشمل الكبائر والصغائر، وليست الصغائر مرادة هنا؛ لأنها تُكَفَّر باجتناب الكبائر، فلا يقع الوعيد عليها، بمثل التشديد الذي فِي هَذَا الْحَدِيث. انتهى ما لَخّصه الحافظ رحمه الله تعالى فِي "الفتح" ١٤/ ٦ - ٨. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي لَخّص فيه الحافظ رحمه الله تعالى أقوال أهل العلم فِي تأويل حديث الباب نفيسٌ جدًّا، ويتضح منه أن أحسن التأويل هو ما نُقل عن حبر الأمة، وبحرها، وترجمان القرآن عبد الله بن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، وهو أنه يُنزع منه نور الإيمان، وَقَدْ أوضح كيفيّة نزعه لَمّا سأله عكرمة بأن شبّك أصابه، وأخرجها، ثم أعادها؛ لأنه ورد مرفوعاً، وخير ما فُسر به الوارد هو الوارد، ولأنه تفسير صحابي، وهو الراوي له، قَالَ فِي "ألفية الأثر": وَخَيْرُهُ مَا جَاءَ مِنْ طَرِيقٍ أَوْ … عَنِ الصَّحَابِيِّ وَرَاوٍ قَدْ حَكَوْا وَقَدْ صحّ، كما سبق حديث أبي هريرة ﵁ رفعه: "إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان، فكان عليه كالظلة، فإذا أقلع رجع إليه الإيمان"، فلا تفسير أحسن منْ تفسير حديثه ﷺ بحديثه، قَالَ الله : ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، و"صاحب البيت أدرى بما فيه". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 17586

٤٨٧٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ ح وَأَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَالَ أَحْمَدُ فِي حَدِيثِهِ: قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، ثُمَّ التَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "ابن أبي عديّ": هو محمد بن إبراهيم. و"سليمان": هو الأعمش المذكور فِي السند التالي. و"أحمد بن سيّار" بن أيوب، أبو الحسن المروزيّ الفقيه، ثقة حافظ [١١]. رَوَى عن عفان، وعبدان، وسليمان بن حرب، ويحيى بن بكير، وغيرهم. وعنه النسائيّ، والبخاري فِي غير "الجامع"، وَقَدْ رَوَى فِي "الجامع" عن أحمد غير منسوب، عن محمد بن أبي بكر المقدّمي، فقيل: هو هو، وأبو عَمْرو المستملى، وابن أبي داود، ومحمد بن نصر الفقيه، وابن صاعد، ومحمد بن المنذر شَكَّر، وأبو العبّاس المحبوبي، وحاجب الطوسي، وغيرهم. قَالَ النسائيّ: ثقة، وفي موضع آخر: لا بأس به. وَقَالَ ابن أبي حاتم: رأيت أبي يُطنِب فِي مدحه، وذكره بالفقه والعلم. وَقَالَ الدارقطنيّ: رحل إلى الشام، ومصر، وصنف، وله كتاب فِي أخبار مرو، وهو ثقة فِي الْحَدِيث. وَقَالَ ابن أبي داود: كَانَ منْ حفاظ الْحَدِيث. وَقَالَ ابن الْبَيِّع: حدثني بعض مشايخنا بمرو، أنه كَانَ يُقاس بابن المبارك فِي عصره. وَقَالَ ابن حبّان فِي "الثقات": كَانَ منْ الجَمَّاعين للحديث، والرحالين فيه، مع التيقظ، والإتقان، والذب عن المذهب، والتضييق عَلَى أهل البدع. انتهى. وهو أحد منْ أدخل فقه الشافعيّ عَلَى خراسان، أخذه عن الربيع وغيره، وله "كتاب فتوح خراسان". وَقَالَ ابن عساكر: كانت له رحلة واسعة. وَقَالَ الحربي: كنا نعرفه بالفضل والورع، تُوفي (٢٦٨) ليلة الاثنين النصف منْ شهر ربيع الآخر. وذكر ابن ماكولا أنه عاش سبعين سنة وثلاثة أشهر. تفرّد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط. و"عبد الله بن عثمان": هو ابن جَبَلَة بن أبي رَوّاد الْعَتَكيّ، أبو عبد الرحمن المروزيّ المعروف بـ"عبدان"، ثقة حافظ [١٠] ٦/ ٤٠٢٢. و"أبو حمزة": هو السّكّريّ، محمد ابن ميمون المروزيّ، ثقة فاضل [٧] ٢٢/ ٢٠٦. وقوله: "وَقَالَ أحمد الخ": بيّن به اختلاف ألفاظ شيخيه، فمحمد بن المثنّى قَالَ:

стр. 17587

"عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ "، وأحمد قَالَ: "عن أبي هريرة، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ ". وقوله: "ولا يسرق الخ": تقدّم أن فاعله ليس ضمير "الزاني"، وإنما هو محذوفٌ: أي لا يسرق السارق، وهكذا قوله: "ولا يشرب الخمر": أي لا يشرب الشارب. وقوله: "والتوبة معروضة بعدُ": أي الرجوع إلى الله تعالى بعد هذه الجرائم مهيّأةٌ، وميسّرة لمن أرادها، يقال: عرض لك الخير منْ باب ضرب: إذا أمكنك أن تفعله، كما فِي "المصباح". يعني أن منْ تاب إلى الله بشروط التوبة، بعد أن يرتكب شيئا منْ هذه الذنوب، فإن الله تعالى يقبله، كما أخبر تعالى بقوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥]، وَقَالَ : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]. وشروط التوية: هي الإقلاع عن المعصية، والندم عَلَى فعلها، والعزم أن لا يعود إليها، وإن كانت منْ حقوق العباد، ردها إليهم، أو استحلّهم منها. وَقَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: هَذَا منه ﷺ إرشاد لمن وقع فِي كبيرة، أو كبائر إلى الطريق التي بها يتخلّص، وهي التوبة، ومعنى كونها معروضةً: أي عرضَها الله تعالى عَلَى العباد، حيث أمرهم بها،، وأوجبها عليهم، وأخبر عن نفسه أنه تعالى يقبلها، كلُّ ذلك فضلٌ منْ الله تعالى، ولُطفٌ بالعبد، لَمَّا علم الله تعالى منْ ضعفه عن مقاومة الحوامل عَلَى المخالفات التي هي النفس، والهوى، والشيطان الإنسيّ، والجنّيّ، فلما علم الله تعالى أنه يقع فِي المخالفات، رحمه بأن أرشده إلى التوبة، فعرضها عليه، وأوجبها، وأخبر بقبولها، وأيضًا فإنه يجب عَلَى النصحاء أن يَعرِضوها عَلَى أهل المعاصي، ويُعرّفونهم بها، ويوجبونها عليهم، وبعقوبة الله تعالى لمن تركها، وذلك كله لُطْفٌ متّصلٌ إلى طلوع الشمس منْ مغربها، أو إلى أن يُغرغر العبد. وقوله: "بَعدُ" ظرف مبنيّ عَلَى الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة لفظًا، وإرادة المصاف إليه ضمنًا، ويُقابلها "قبلُ"، كما قَالَ الله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ الآية [الروم: ٤]. انتهى "المفهم" ١/ ٢٤٨. وَقَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: وَقَدْ أجمع العلماء رحمهم الله تعالى على قبول التوبة، ما لم يغرغر، كما جاء فِي الْحَدِيث، وللتوبة ثلاثة أركان: أن يُقلع عن المعصية، ويندم عَلَى فعلها، ويعزم أن لا يعود إليها، فإن تاب منْ ذنب، ثم عاد إليه لم تبطل توبته، وإن تاب منْ ذنب، وهو متلبّسٌ بآخر، صحّت توبته، هَذَا مذهب أهل

стр. 17588

الحقّ، وخالفت المعتزلة فِي المسألتين. والله أعلم. انتهى "شرح مسلم" ٢/ ٤٥. والحديث متَّفقٌ عليه، كما سبق بيانه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٨٧٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ، أَبُو عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ يَزِيدَ -وَهُوَ ابْنُ أَبِي زِيَادٍ- عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَذَكَرَ رَابِعَةً فَنَسِيتُهَا، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن يحيى، أبو عليّ المروزيّ": هو اليشكُريّ الصائغ، ثقة [١١] ٥٣/ ٣٥٢٤. و"يزيد بن أبي زياد" القرشي الهاشمي مولاهم، أبو عبد الله الكوفيّ، ضعيفٌ، كبر، فتغيّر، وصار يتلقّن، وكان شيعيًّا [٥]. رَأى أنسا، ورَوَى عن مولاه عبد الله بن الحارث بن نوفل، وإبراهيم النخعي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الرحمن بن أبي نعم، وأبي صالح السمان، وعبد الله بن معقل بن مقرن، وجماعة. وعنه إسماعيل بن أبي خالد، وهو منْ أقرانه، وزائدة، وشعبة، وزهير بن معاوية، وعبد العزيز بن مسلم، وهشيم، وأبو عوانة، وآخرون. قَالَ النضر بن شميل، عن شعبة: كَانَ رَفّاعا. وَقَالَ علي بن المنذر، عن ابن فضيل: كَانَ منْ أئمة الشيعة الكبار. وَقَالَ عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ليس حديثه بذاك، وَقَالَ مرة: ليس بالحافظ. وَقَالَ عثمان الدارمي، عن ابن معين: ليس بالقوي. وَقَالَ أبو يعلى الموصلي، عن ابن معين: ضعيف، قيل له: أيما أحب إليك، هو أو عطاء بن السائب؟ فَقَالَ: ما أقربهما. وَقَالَ عثمان بن أبي شيبة، عن جرير: كَانَ أحسن حفظا منْ عطاء. وَقَالَ العجليّ: جائز الْحَدِيث، وكان بآخره يُلَقَّن، وأخوه بُرْد بن أبي زياد ثقة، وهو أرفع منْ أخيه يزيد. وَقَالَ أحمد بن سنان القطّان، عن ابن مهدي: ليث بن أبي سليم، وعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، ليث أحسنهم حالا عندي. وَقَالَ أبو زرعة: لين يكتب حديثه، ولا يحتج به. وَقَالَ أبو حاتم: ليس بالقوي. وَقَالَ الجوزجاني: سمعتهم يضعفون حديثه. وَقَالَ الآجري، عن أبي داود: لا أعلم أحدا ترك حديثه، وغيره أحب إلي منه. وَقَالَ ابن عدي: هو منْ شيعة الكوفة، ومع ضعفه يكتب حديثه. وَقَالَ ابن المبارك: ارْمِ به.

стр. 17589

قَالَ الحافظ: كذا هو فِي "تاريخه"، ووقع فِي أصل المزي: أَكْرِم به، وهو تحريف، وَقَدْ نقله عَلَى الصواب أبو محمد بن حزم فِي "المحلي"، وأبو الفرج بن الجوزي فِي "الضعفاء" له. وَقَالَ وكيع: يزيد بن أبي زياد، عن إبراهيم بن علقمة، عن عبد الله، حديث الرايات ليس بشيء. وَقَالَ أبو أسامة: لو حلف لي خمسين يمينا قسامة، ما صدقته يعني فِي هَذَا الْحَدِيث-. وَقَالَ الحاكم، أبو أحمد: أبو عبد الله يزيد ابن أبي زياد ليس بالقوي عندهم. وَقَالَ يعقوب بن سفيان: ويزيد وإن كانوا يتكلمون فيه لتغيره، فهو عَلَى العدالة والثقة، وإن لم يكن مثل الحكم، ومنصور. وَقَالَ ابن شاهين فِي "الثقات": قَالَ أحمد بن صالح المصريّ: يزيد بن أبي زياد ثقة، ولا يعجبني قول منْ تكلم فيه. وَقَالَ ابن سعد: كَانَ ثقة فِي نفسه، إلا أنه اختلط فِي آخر عمره، فجاء بالعجائب. وَقَالَ البرديجي: رَوَى عن مجاهد، وفي سماعه منه نظر، وليس هو بالقوي. وَقَالَ ابن خزيمة: فِي القلب منه شيء. وَقَالَ النسائيّ: ليس بالقوي. وَقَالَ الدارقطنيّ: لا يخرج عنه فِي الصحيح، ضعيف، يخطىء كثيرًا، ويُلَقَّن إذا لُقِّن. وَقَالَ ابن حبّان: كَانَ صدوقا، إلا أنه لما كبر ساء حفظه وتغير. وكان يُلَقَّن ما لُقِّن، فوقعت المناكير فِي حديثه، فسماع منْ سمع منه قبل التغير صحيح، وُلد سنة سبع وأربعين، وتُوفي سنة ست وثلاثين ومائة، وفيها أرخه خليفة، وابن سعد، وابن قانع، وَقَالَ: وهو ضعيف. وَقَالَ جرير عن يزيد: قُتل الحسين بن علي وأنا ابن أربع عشرة، أو خمس عشرة سنة. وَقَالَ مطين: مات سنة سبع وثلاثين ومائة. روى له البخاريّ فِي التعاليق، ومسلم، والأربعة، وله عند المصنّف ثلاثة أحاديث هَذَا، وفي "كتاب الزينة" ٨٧/ ٥٣٠٣ - حديث حُذيفة ﵁، مرفوعًا: "لا تشربوا فِي إناء الذهب والفضّة … " الْحَدِيث، وفي "كتاب الأشربة" ٤٤/ ٥٦٧١ حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، مرفوعًا: "منْ شرب الخمر، فجعلها فِي بطنه … " الْحَدِيث. وقوله: "وذكر رابعة، فنسيتها": يحتمل كونه قوله: "ولا ينتهب نهبة الخ". وقوله: "خلع رِبقة الإسلام": هو بكسر الراء، وسكون الموحدة، قَالَ ابن الأثير رحمه الله تعالى: الرِّبقة فِي الأصل عُروة فِي حبل، تجُعل فِي عُنق البهيمة، أو يدها تُمسكها، فاستعارها للإسلام، يعني ما يشُدّ به المسلم نفسه، منْ عُرَى الإسلام: أي حدوده، وأحكامه، وأوامره، ونواهيه، وتُجمع الرِّبْقة عَلَى رِبَقٍ، مثلُ

стр. 17590

كِسْرة وكِسَر، ويقال للحبل الذي تكون فيه الربقة: رِبْق، ويُجمع عَلَى أرباق، ورِبَاق. انتهى "النهاية" ٢/ ١٩٠. وَقَالَ السنديّ: والمراد هاهنا تشبيه الإسلام بها، كأنه طَوْقٌ فِي عنق المسلم، لازم له لزوم الربقة لعنق الدابّة، فإذا باشر هذه الأفعال، فكأنه خلع هَذَا الطوق منْ عنُقه. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد عرفت فِي تحقيق ما سبق أن الأرجح كونُ المراد خَلْعَ نورِ الإسلام، وكماله، لا أصله، فتنبّه. والله تعالى أعلم. والحديث موقوف ضعيفٌ؛ لضعف زياد بن أبي زياد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٨٧٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمُخَرِّمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ ح وَأَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ"). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمُخَرِّمِيُّ) (١) أبو جعفر البغداديّ الثقة الحافظ [١١] ٤٣/ ٥٠. ٢ - (أحمد بن حرب) الطائيّ الموصليّ، صدوقٌ [١٠] ١٠٢/ ١٣٥ منْ أفراد المصنّف. ٣ - (أبو مُعاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ الثقة، منْ أثبت النَّاس فِي الأعمش [٩] ٢٦/ ٣٠. ٤ - (الأعمش) سليمان بن مِهْران الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقة ثبت ورع، لكنه يدلّس [٥] ١٧/ ١٨. ٥ - (أبو صالح) ذكوان السمان المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ٣٦/ ٤٠. ٦ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم

стр. 17591

رجال الصحيح، غير شيخه الثاني، فمن أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ أحفظ منْ روى الْحَدِيث فِي دهره. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) وفي رواية البخاريّ منْ طريق حفص بن غِياث، عن الأعمش، قَالَ: سمعت أبا صالح، فصرّح الأعمش بالسماع، قَالَ فِي "الفتح": فِي رواية محمد بن الحسين، عن أبي الحنين، عن عمر بن حفص، شيخ البخاريّ فيه: "سمعت أبا هريرة"، وكذا فِي رواية عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن أبي صالح: سمعت أبا هريرة، وَقَالَ ابن حزم: وَقَدْ سلم منْ تدليس الأعمش، قَالَ الحافظ: ولم ينفرد به الأعمش، أخرجه أبو عوانة فِي "صحيحه"، منْ رواية أبي بكر بن عياش، عن أبي حَصِين، عن أبي صالح. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ) أي طرده، الله تعالى، وأبعده منْ رحمته. قَالَ الداودي رحمه الله تعالى: هَذَا يحتمل أن يكون خبرا؛ ليرتدع منْ سمعه عن السرقة، ويحتمل أن يكون دعاء. قَالَ الحافظ: ويحتمل أن لا يراد به حقيقة اللعن، بل للتنفير فقط. وَقَالَ الطيبي: لعل هنا المراد باللعن الإهانة، والخذلان، كأنه قيل لَمّا استعمل أعز شيء، فِي أحقر شيء-: خذله الله حَتَّى قطع. وَقَالَ عياض: جوز بعضهم لعن المعين، ما لم يُحَدَّ؛ لأن الحد كفارة، قَالَ: وليس هَذَا بسديد؛ لثبوت النهي عن اللعن فِي الجملة، فحمله عَلَى المعين أولى، وَقَدْ قيل: إن لعن النبيّ ﷺ لأهل المعاصي، كَانَ تحذيرا لهم عنها، قبل وقوعها، فإذا فعلوها استغفر لهم، ودعا لهم بالتوبة، وأما منْ أغلظ له، ولعنه تأديبا عَلَى فعلٍ فَعَله، فقد دخل فِي عموم شرطه، حيث قَالَ: "سألت ربي أن يجعل لعني له كفارة ورحمة". قَالَ الحافظ: هو مقيد بما إذا صدر فِي حق منْ ليس له بأهل، كما قيد له بذلك فِي "صحيح مسلم". قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي قاله الحافظ هو الحقّ؛ لما فِي "صحيح مسلم" منْ طريق إسحق بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك ﵁ قَالَ: كانت عند أم سليم يتيمة، -وهي أم أنس- فرأى رسول الله ﷺ اليتيمة، فَقَالَ؛ "آنت هيه؟ لقد كبرتِ، لا كبر سنك"، فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكي، فقالت أم سليم: ما لك يا بنية؟ قالت الجارية: دعا علي نبي الله ﷺ ، أن لا يكبر سني، فالآن لا يكبر سني أبدا،

стр. 17592

أو قالت: قرني (١)، فخرجت أم سليم، مستعجلة، تلوث خمارها (٢) حَتَّى لقيت رسول الله ﷺ ، فَقَالَ لها رسول الله ﷺ : "ما لك يا أم سليم؟ "، فقالت: يا نبي الله، أدعوت عَلَى يتيمتي؟ قَالَ: "وما ذاك يا أم سليم؟ "، قالت: زعمت أنك دعوت أن لا يكبر سنها، ولا يكبر قرنها، قَالَ: فضحك رسول الله ﷺ ، ثم قَالَ: "يا أم سليم، أما تعلمين أن شرطي عَلَى ربي، أني اشترطت عَلَى ربي، فقلت: إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عليه، منْ أمتي بدعوة، ليس لها بأهل، أن يجعلها له طَهُورًا، وزكاةً، وقربة يقربه بها منه يوم القيامة". فقد تبيّن بهذا أن لعنه ﷺ إنما يكون كفارة ورحمة، إذا كَانَ الملعون لا يستحقّه، وإلا فلا. والله تعالى أعلم. (يَسْرِقُ) بكسر الراء، منْ باب ضرب (الْبَيْضَةَ) بفتح الموحّدة، وسكون التحتانيّة: أي بيضة الدجاجة (فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ) بفتح، فسكون (فَتُقْطَعُ يَدُهُ"). وهذا مثلٌ تقليل لمسروقه بالنظر إلى يده المقطوعة، فكأنه كالبيضة، والحبل، مما لا قيمة له. وقيل: المراد أنه يسرق البيضة، والحبل أوّلاً، ثم يجترىء إلى أن تُقطع يده. وقيل: المراد بالبيضة بيضة الحديد، وبالحبل حبل السفينة، وكلّ واحد منهما له قيمة، ولا يخفى أنه لا يناسب سياق الْحَدِيث، فإنه مسوقٌ لتحقير مسروقه، وتعظيم عقوبته. قَالَ البخاريّ فِي "صحيحه" -بعد أن أخرج الْحَدِيث-: قَالَ الأعمش: كانوا يَرون أنه بيض الحديد، والحبلُ كانوا يرون أنه منها ما يُساوي دراهم. انتهى. قَالَ فِي "الفتح": قوله: "كانوا يَرون" -بفتح أوله، منْ الرأي، وبضمه منْ الظن. قَالَ الخطّابيّ: تأويل الأعمش هَذَا، غير مطابق لمذهب الْحَدِيث، ومخرج الكلام فيه، وذلك أنه ليس بالشائع فِي الكلام، أن يقال فِي مثل ما ورد فيه الْحَدِيث، منْ اللوم، والتثريب: أخزى الله فلانا، عَرَّض نفسه للتلف فِي مال له قدر ومزية، وفي عرض له قيمة، إنما يُضرب المثل فِي مثله بالشيء الذي لا وزن له، ولا قيمة، هَذَا حكم العرف الجاري فِي مثله، وإنما وجه الْحَدِيث، وتأويله ذم السرقة، وتهجين أمرها، وتحذير سُوء مَغَبَّتها فيما قَلَّ، وكَثُر منْ المال، كأنه يقول: إن سرقة الشيء اليسير، الذي لا قيمة له، كالبيضة الْمَذِرَة، والحبل الخَلَق، الذي لا قيمة له، إذا تعاطاه، فاستمرت به العادة، لم ييأس أن يؤديه ذلك إلى سرقة ما فوقها، حَتَّى يبلغ قدر

стр. 17593

ما تقطع فيه اليد، فتقطع يده، كأنه يقول: فليحذر هَذَا الفعل، وليتوقه، قبل أن تملكه العادة، ويمرن عليها؛ ليسلم منْ سوء مغبته، ووَخِيم عاقبته. وسبق الخطّابيّ إلى ذلك أبو محمد بن قتيبة، فيما حكاه ابن بطال، فَقَالَ: احتج الخوارج بهذا الْحَدِيث، عَلَى أن القطع يجب فِي قليل الأشياء وكثيرها، ولا حجة لهم فيه، وذلك أن الآية لَمّا نزلت قَالَ ﵇ ذلك عَلَى ظاهر ما نزل، ثم أعلمه الله أن القطع لا يكون إلا فِي ربع دينار، فكان بيانا لما أُجمل، فوجب المصير إليه، قَالَ: وأما قول الأعمش: إن البيضة فِي هَذَا الْحَدِيث بيضة الحديد، التي تجعل فِي الرأس فِي الحرب، وأن الحبل منْ حبال السفن، فهذا تأويل بعيد، لا يجوز عند منْ يَعرف صحيح كلام العرب؛ لأن كل واحد منْ هذين يبلغ دنانير كثيرة، وهذا ليس موضع تكثير لما سرقه السارق، ولأن منْ عادة العرب والعجم، أن يقولوا: قَبَّح الله فلانا، عَرَّض نفسه للضرب فِي عقد جوهر، وتعرض للعقوبة بالغلول فِي جراب مسك، وإنما العادة فِي مثل هَذَا، أن يقال: لعنه الله، تعرّض لقطع اليد فِي حبل رَثٍّ، اْو فِي كُبَّة شعر، أو رداء خَلَقٍ، وكل ما كَانَ نحو ذلك كَانَ أبلغ. انتهى. قَالَ الحافظ: ورأيته فِي غريب الْحَدِيث لابن قتيبة، وفيه: حضرت يحيى بن أكثم بمكة، قَالَ: فرأيته يذهب إلى هَذَا التأويل، ويَعجَب به، ويبديء ويعيد، قَالَ: وهذا لا يجوز، فذكره. وَقَدْ تعقبه أبو بكر بن الأنباري، فَقَالَ: ليس الذي طعن به ابن قتيبة عَلَى تأويل الخبر بشيء؛ لأن البيضة منْ السلاح، ليست عَلَمًا فِي كثرة الثمن، ونهايةً فِي غلو القيمة، فتجري مجرى العقد منْ الجوهر، والجراب منْ المسك، اللذين ربما يساويان الألوف منْ الدنانير، بل البيضة منْ الحديد، ربما اشتريت بأقل مما يجب فيه القطع، وإنما مراد الْحَدِيث، أن السارق يُعَرض قطع يده بما لا غنى له به؛ لأن البيضة منْ السلاح، لا يستغني بها أحد، وحاصله أن المراد بالخبر، أن السارق يسرق الجليل، فتُقطع يده، ويسرق الحقير، فتُقطع يده، فكأنه تعجيز له، وتضعيفٌ لاختياره؛ لكونه باع يده بقليل الثمن، وكثيره. وَقَالَ المازري: تأول بعض النَّاس البيضة فِي الْحَدِيث، ببيضة الحديد؛ لأنه يساوي نصاب القطع. وحمله بعضهم عَلَى المبالغة فِي التنبيه عَلَى عظم ما خَسِرَ، وحقر ما حَصل، وأراد منْ جنس البيضة والحبل ما يبلغ النصاب. قَالَ القرطبيّ: ونظير حمله عَلَى المبالغة، ما حُمل عليه قوله ﷺ : "منْ بنى لله مسجدا، ولو كمَفْحَص قطاة"، فإن أحدَ ما قيل فيه: إنه أراد المبالغة فِي ذلك، وإلا

стр. 17594

فمن المعلوم أن مَفحَص القطاة، وهو قدر ما تَحضُن فيه بيضها، لا يتصور أن يكون مسجدًا، قَالَ: ومنه: "تصدقن ولو بظلف مُحرَق"، وهو مما لا يتصدق به، ومثله كثير فِي كلامهم. وَقَالَ عياض: لا ينبغي أن يلتفت لما ورد أن البيضة بيضة الحديد، والحبل حبل السفن؛ لأن مثل ذلك له قيمة وقدر، فإن سياق الكلام يقتضي ذَمّ منْ أخذ القليل، لا الكثير، والخبر إنما ورد لتعظيم ما جَنَى عَلَى نفسه، بما تقل به قيمته، لا بأكثر، والصواب تأويله عَلَى ما تقدم منْ تقليل أمره، وتهجين فعله، وأنه إن لم يُقطع فِي هَذَا القدر، جرته عادته إلى ما هو أكثر منه. وأجاب بعض منْ انتصر لتأويل الأعمش، أن النبيّ ﷺ قاله عند نزول الآية مجملة، قبل بيان نصاب القطع. انتهى. وَقَدْ أخرج ابن أبي شيبة، عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي ﵁ أنه قطع يد سارق فِي بيضة حديد، ثمنها ربع دينار، ورجاله ثقات، مع انقطاعه، ولعل هَذَا مستند التأويل الذي أشار إليه الأعمش. وَقَالَ بعضهم: البيضة فِي اللغة تستعمل فِي المبالغة فِي المدح، وفي المبالغة فِي الذم، فمن الأولى قولهم: فلان بيضة البلد، إذا كَانَ فردا فِي العظمة، وكذا فِي الاحتقار، ومنه قول أخت عمرو بن عبد وَدّ، لَمّا قَتَل علي أخاها، يوم الخندق، فِي مرثيتها له [منْ البسيط]: لَكِنَّ قَاتِلَهُ مَنْ لَا يُعَابُ بِهِ … مَنْ كَانَ يُدْعَى قَدِيمًا بَيْضَةَ الْبَلَدِ ومن الثاني قول الآخر، يَهْجُو قومًا [منْ البيسط أيضًا]: تَأْبَى قُضَاعَةُ أَنْ تُبْدِي لَكُمْ نَسَباَ … وَابْنَا نِزَارٍ فَأَنْتُمْ بَيْضَةُ الْبَلَدِ ويقال فِي المدح أيضا: بيضة القوم: أي وسطهم، وبيضة السنام: أي شحمته، فلما كانت البيضة تستعمل فِي كل منْ الأمرين، حسن التمثيل بها، كأنه قَالَ: يسرق الجليل، والحقير، فيقطع، فرب (١) أنه عذر بالجليل، فلا عذر له بالحقير، وأما الحبل فأكثر ما يستعمل فِي التحقير، كقولهم: ما ترك فلان عِقَالاً، ولا ذهب منْ فلان عِقالٌ، فكأن المراد أنه إذا اعتاد السرقة، لم يتمالك مع غلبة العادة التمييز بين الجليل والحقير، وأيضا فالعار الذي يلزمه بالقطع، لا يساوي ما حصل له، ولو كَانَ جليلا.

стр. 17595

قاله فِي "الفتح" ١٤/ ٣١ - ٣٤. وسيأتي مزيد بسط لهذا فِي "باب القدر الذي إذا سرقه السارق، قُطعت يده"، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١/ ٤٨٧٥ - وفي "الكبرى" ٢/ ٧٣٥٨. وأخرجه (خ) فِي "الحدود" ٦٧٨٢ و٦٧٩٩ (م) فِي "الحدود" ١٦٨٧ (ق) فِي "الحدود" ٢٥٨٣ (أحمد) فِي "مسند المكثرين" ٧٣٨٨. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تعظيم شأن السرقة، ووجهه أنه لو لم يكن شأنها عظيمًا، لما استحقّ السارق اللعن. (ومنها): جواز لعن غير المعين، منْ العصاة؛ لأنه لعن للجنس، لا لمعيّن، ولعن الجنس جائزٌ، كما قَالَ الله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، وأما المعيّن، فلا يجوز لعنه. قَالَ القاض عياض: وأجاز بعضهم لعن المعيّن، ما لم يُحَدَّ، فإذا حُدّ لم يجز لعنه، فإن الحدود كفّارات لأهلها. قَالَ القاضي: وهذا التأويل باطلٌ؛ للأحاديث الصحيحة فِي النهي عن اللعن، فيجب حمل النهي عَلَى المعيّن؛ ليُجمع بين الأحاديث. انتهى. وَقَالَ الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه": "باب لعن السارق إذا لم يُسمّ"، قَالَ فِي "الفتح": قوله: "لعن السارق إذا لم يُسَمَّ": أي إذا لم يعين، إشارة إلى الجمع بين النهي عن لعن الشارب المعين، كما مضى تقريره، وبين حديث الباب، قَالَ ابن بطال: معناه: لا ينبغي تعيين أهل المعاصي، ومواجهتهم باللعن، وإنما ينبغي أن يُلعَن فِي الجملة منْ فعل ذلك؛ ليكون ردعا لهم، وزجرا عن انتهاك شيء منها، ولا يكوِن لمعين؛ لئلا يَقنَط، قَالَ: فإن كَانَ هَذَا مراد البخاريّ، فهو غير صحيح؛ لأنه إنما نَهَى عن لعن الشارب، وَقَالَ: "لا تعينوا عليه الشيطان"، بعد إقامة الحد عليه. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث لعن الشارب هو ما أخرجه البخاريّ فِي "صحيحه"

стр. 17596

منْ حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلا على عهد النبيّ ﷺ ، كَانَ اسمه عبد الله، وكان يُلَقّب حِمَارًا، وكان يُضحِكُ رسولَ الله ﷺ ، وكان النبيّ ﷺ ، قد جلده فِي الشراب، فأُتي به يوما، فأَمر به، فَجُلد، فَقَالَ رجل منْ القوم: اللَّهم العنه، ما أكثر ما يُؤتَى به؟، فَقَالَ النبيّ ﷺ : "لا تلعنوه، فوالله ما علمتُ، إنه يحب الله ورسوله" (١). وأخرج منْ حديث أبي هريرة ﵁، قَالَ: أُتي النبيُّ ﷺ بسكران، فأَمر بضربه، فمنا منْ يضربه بيده، ومنا منْ يضربه بنعله، ومنا منْ يضربه بثوبه، فلما انصرف قَالَ رجل: ما له أخزاه الله؟ فَقَالَ رسول الله ﷺ : "لا تكونوا عون الشيطان عَلَى أخيكم" (٢). قَالَ فِي "الفتح": قوله: "باب ما يكره منْ لعن شارب الخمر، وأنه ليس بخارج منْ الملة"، يشير إلى طريق الجمع بين ما تضمنه حديث الباب منْ النهي عن لعنه، وما تضمنه حديث الباب الأول: "لا يشرب الخمر، وهو مؤمن"، وأن المراد به نفي كمال الإيمان، لا أنه يخرج عن الإيمان جملة، وعَبّر بالكراهه هنا إشارة، إلى أن النهي للتنزيه، فِي حق منْ يستحق اللعن، إذا قصد به اللاعن محض السبّ، لا إذا قصد معناه الأصلي، وهو الابعاد عن رحمة الله، فأما إذا قصده، فيحرم، ولاسيما فِي حق منْ لا يستحق اللعن، كهذا الذي يحب الله ورسوله، ولاسيما مع إقامة الحد عليه، بل يندب الدعاء له بالتوبة والمعفرة، وبسبب هَذَا التفصيل عدل عن قوله، فِي الترجمة: كراهية لعن شارب الخمر إلى قوله: "ما يكره منْ"، فأشار بذلك إلى التفصيل، وعلى هَذَا التقرير، فلا حجة فيه لمنع لعن الفاسق المعين مطلقا، وقيل: إن المنع خاص بما يقع فِي حضرة النبيّ ﷺ ؛ لئلا يتوهم الشارب عند عدم الإنكار أنه مستحق لذلك، فربما أوقع الشيطان فِي قلبه ما يتمكن به منْ فتنه، وإلى ذلك الإشارة بقوله، فِي حديث أبي هريرة: "لا تكونوا عون الشيطان عَلَى أخيكم"، وقيل: المنع مطلقا فِي حق منْ أقيم عليه الحد؛ لأن الحد قد كفر عنه الذنب المذكور، وقيل: المنع مطلقا فِي حق ذي الزلة، والجواز مطلقا فِي حق المجاهرين، وصوب ابن المنير أن المنع مطلقا فِي حق المعين، والجواز فِي حق غير المعين؛ لأنه فِي حق غير المعين زجرٌ عن تعاطي ذلك الفعل، وفي حق المعين أَذّى له، وسب وَقَدْ ثبت النهي عن أذى المسلم، واحتج منْ أجاز لعن المعين، بأن النبيّ ﷺ ، إنما لعن منْ يستحق اللعن، فيستوي المعين وغيره. وتعقب بأنه إنما يستحق اللعن بوصف الإبهام، ولو كَانَ لعنه قبل الحد جائزا،

стр. 17597

لاستمر بعد الحد، كما لا يسقط التغريب بالجلد، وأيضا فنصيب غير المعين منْ ذلك يسير جدا. والله أعلم. وَقَالَ النوويّ فِي "الأذكار": وأما الدعاء عَلَى إنسان بعينه، ممن اتصف بشيء منْ المعاصي، فظاهر الْحَدِيث أنه لا يحرم، وأشار الغزالي إلى تحريمه، وَقَالَ فِي "باب الدعاء عَلَى الظلمة"، بعد أن أورد أحاديث صحيحة فِي الجواز، قَالَ الغزالي: وفي معنى اللعن الدعاء عَلَى الإنسان بالسوء، حَتَّى عَلَى الظالم، مثل "لا أصح الله جسمه"، وكل ذلك مذموم. انتهى. قَالَ الحافظ: والأولى حمل كلام الغزالي عَلَى الأول، وأما الأحاديث، فتدل عَلَى الجواز كما ذكره النوويّ، فِي قوله ﷺ للذي قَالَ: "كل بيمينك"، فَقَالَ: لا أستطيع، فَقَالَ: "لا استطعت"، فيه: دليل عَلَى جواز الدعاء عَلَى منْ خالف الحكم الشرعي، ومال هنا إلى الجواز قبل إقامة الحد، والمنع بعد إقامته، وصنيع البخاريّ يقتضي لعن المتصف بذلك، منْ غير أن يعين باسمه، فيجمع بين المصلحتين؛ لأن لعن المعين، والدعاء عليه، قد يحمله عَلَى التمادي، أو يُقَنِّطه منْ قبول التوبة، بخلاف ما إذا صرف ذلك إلى المتصف، فإن فيه زجرا وردعا عن ارتكاب ذلك، وباعثا لفاعله عَلَى الإقلاع عنه، ويقويه النهي عن التثريب عَلَى الأمة، إذا جُلِدت عَلَى الزنا. واحتج الامام البلقيني عَلَى جواز لعن المعين بالحديث الوارد فِي المرأة، إذا دعاها زوجها إلى فراشه، فأبت لعنتها الملائكة حَتَّى تصبح، وهو فِي "الصحيح"، وَقَدْ توقف فيه بعضهم بأن اللاعن لها الملائكة، فيتوقف الاستدلال به عَلَى جواز التأسي بهم، وعلى التسليم فليس فِي الخبر تسميتها، قَالَ الحافظ: ما قاله البلقينيّ أقوى، فأن الملك معصوم، والتأسي بالمعصوم مشروع، والبحث فِي جواز لعن المعين، وهو الموجود. انتهى. "فتح" ١٤/ ٢٤ - ٢٥. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن قول منْ أجاز لعن غير المعيّن، ومنع لعن المعيّن هو الأقرب، وبه تجتمع الأدلّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". ***

стр. 17598

٢ - (بَابُ امْتِحَانِ السَّارِقِ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن المصنّف رحمه الله تعالى يرى جواز امتحان السارق بالضرب، والحبس، فأما جواز الحبس، فأخذه منْ حديثي الباب ظاهر، وأما الضرب، فالذي يظهر أن النعمان ﵁ إنما قَالَ لهم: "إن شئتم أضربهم" منْ باب الإرهاب لهم، كما قاله أبو داود رحمه الله تعالى فِي "سننه"، لا أنه يريد ضربهم حقيقةً، فلا يكون حجة لمشروعيّة ضرب المتّهم. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٨٧٦ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنِي أَزْهَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَرَازِيُّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، أَنَّهُ رَفَعَ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنَ الْكَلَاعِيِّينَ، أَنَّ حَاكَةً سَرَقُوا مَتَاعًا، فَحَبَسَهُمْ أَيَّامًا، ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُمْ، فَأَتَوْهُ، فَقَالُوا: خَلَّيْتَ سَبِيلَ هَؤُلَاءِ، بِلَا امْتِحَانٍ، وَلَا ضَرْبٍ؟ فَقَالَ النُّعْمَانُ: مَا شِئْتُمْ، إِنْ شِئْتُمْ أَضْرِبْهُمْ، فَإِنْ أَخْرَجَ اللَّهُ مَتَاعَكُمْ فَذَاكَ، وَإِلاَّ أَخَذْتُ مِنْ ظُهُورِكُمْ مِثْلَهُ، قَالُوا: هَذَا حُكْمُكَ؟ قَالَ: هَذَا حُكْمُ اللَّهِ ، وَرَسُولِهِ ﷺ ). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) المعروف بابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (بقية بن الوليد) الكلاعيّ، أبو يُحمِد الحمصيّ، صدوقٌ، كثير التدليس عن الضعفاء [٨] ٤٥/ ٥٥. ٣ - (صفوان بن عمرو) السكسيّ، أبو عمرو الحمصيّ، ثقة [٥] ١١٢/ ٢٠٥٣. ٤ - (أزهر بن عبد الله الْحَرَازيّ) -بمهملة، وراء خفيفة، وبعد الألف زاي-: ويقال: أزهر بن سعيد الحمصيّ، صدوقٌ [٥] ٩/ ١٦١٧. ٥ - (النعمان بن بَشِير) بن سعد بن ثعلبة الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما، سكن الشام، ثم ولي إمرة الكوفة، ثم قُتل بحمص سنة (٦٥) وله (٦٤) سنة، وتقدم فِي ١٩/ ٥٢٨. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم

стр. 17599

رجال الصحيح، وبقية علق له البخاريّ، وأخرج له مسلم فِي المتابعات. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين، غير شيخه، فمروزيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، صفوان، عن أزهر، وكلاهما منْ الطبقة الخامسة، فهو منْ رواية الأقران. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ) رضي الله تعالى عنهما (أَنَّهُ رَفَعَ إِلَيْهِ نَفَرٌ) ببناء الفعل للفاعل، و"نفرٌ" مرفوع عَلَى الفاعليّة: أي أبلغ النعمان ﵁ جماعةٌ (مِنَ الْكَلَاعِيِّينَ) بفتح الكاف، وتخفيف اللام: نسبة إلى ذي الكَلاع قبيلة منْ حِمْيَر. أفاده فِي "لبّ اللباب" (أَنَّ حَاكَةً) بتخفيف الكاف: جمع حائك، اسم فاعل، منْ حاك الثوب حَوْكًا، منْ باب قَالَ، وحِيَاكًا، وحِيَاكة: نسَجَه، فهو حائك، ويُجمع أيضًا عَلَى حَوَكَة. أفاده فِي "القاموس" (سَرَقُوا مَتَاعًا، فَحَبَسَهُمْ أَيَّامًا) أي حبس الحاكة، حَتَّى يتبين له صدق المدّعيين، إما بالاعتراف، أو بإقامة البينة عليهم (ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُمْ) أي ترك حبسهم لَمّا لم يتبيّن له ثبوت ما ادُّعِي عليهم (فَأَتَوْهُ) أي أتى الكلاعيّون النعمان ﵁ (فَقَالُوا: خَلَّيْتَ سَبِيلَ هَؤُلَاءِ، بِلَا امْتِحَانٍ) أي بمساءلتهم، والتشديد فِي مناقشتهم (وَلَا ضَرْبٍ؟) أي ليعترفوا بالسرقة (فَقَالَ النُّعْمَانُ) ﵁ (مَا شِئْتُمْ) يحتمل أن تكون "ما" استفهاميّة، أي أيّ شيء أردتم؟، ويحتمل أن تكون موصولة مبتدأ، وخبره محذوف: أي الذي أردتم فهو لكم، ثم فصّل ذلك بقوله (إِنْ شِئْتُمْ) مفعوله محذوف: أي إن شئتم ضربَهم (أَضْرِبْهُمْ) يجوز جزمه، وهو الأحسن، ورفعه؛ لأن فعل الشرط إذا كَانَ ماضيًا يجوز الوجهان فِي الجواب، كما أشار إليه ابن مالك فِي "الخلاصة"، حيث قَالَ: وَبَعْدَ مَاضٍ رَفْعُكَ الْجَزَا حَسَنْ … وَرَفْعُهُ بَعْدَ مُضَارعٍ وَهَنْ وقوله: "حسن" يدلّ عَلَى جزمه أحسن منه (فَإِنْ أَخْرَجَ اللَّهُ مَتَاعَكُمْ فَذَاكَ) أي فذاك خير لكم (وَإِلاَّ أَخَذْتُ مِنْ ظُهُورِكُمْ مِثْلَهُ) أي قصاصًا، قَالَ أبو داود رحمه الله تعالى فِي "سننه": إنما أرهبهم بهذا القول: أي لا يجب الضرب إلا بعد الاعتراف. انتهى. وَقَالَ السنديّ: كنى به أنه لا يحلّ ضربهم، فإنه لو جاز لجاز ضربكم أيضاً قصاصًا. انتهى (قَالُوا: هَذَا حُكْمُكَ؟) بتقدير همزة الاستفهام: أي أهذا الذي قلته حكمك الذي حكمت به اجتهادًا؟ (قَالَ) النعمان ﵁ (هَذَا حُكْمُ اللهِ ، وَرَسُولِه ﷺ ) أي إن حبس المتّهم، وتخليته إذا لم يعترف هو الحكم الذي شرعه الله ، ورسوله ﷺ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 17600

مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما هَذَا حسنٌ. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢/ ٤٨٧٦ - وفي "الكبرى" ٤/ ٧٣٦١. وأخرجه (د) فِي "الحدود" ٤٣٨٣. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم امتحان السارق بالضرب، والحبس، وهذا عَلَى ما فهمه المصنّف رحمه الله تعالى منْ قول النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما: "إن شئتم أضربهم"، وتقدّم ما فيه. (ومنها): جواز حبس المتّهم؛ ليعترف بما ادُّعي عليه، وهذا ظاهر منْ حديثي الباب. (ومنها): ثبوت القصاص عَلَى منْ أكره شخصًا بضرب شخص، حيث إن النعمان ﵁ بيّن لهم أنه إذا لم يثبت الحقّ بعد الضرب ضربهم. (ومنها): أن الصحابة ﵃ كانوا يحكمون أحيانًا باجتهادهم؛ حيث إن النعمان لم ينكر قولهم: هَذَا حكمك، بل بيّن لهم أن هَذَا مما حكم الله ورسوله ﷺ ، لا منْ حكمه، وإن كَانَ يحكم باجتهاده. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٨٧٧ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلاَّمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، حَبَسَ نَاسًا فِي تُهْمَةٍ). رجال هَذَا الإسناد: سبعة: ١ - (عبد الرحمن بن محمد بن سلّام) البغداديّ، لا بأس به، وهو المذكور قبل باب. ٢ - (أبو أُسامه) حمّاد بن أُسامة، ثقة ثبت، ربما دلّس [٩] ٤٤/ ٥٢. ٣ - (ابن المبارك) عبد الله الإمام الحجة الثبت المشهور [٨] ٣٢/ ٣٦. ٤ - (معمر) بن راشد، أبو عروة البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقة ثبت [٧] ١٠/ ١٠. ٥ - (بهز بم حكيم) القشيريّ، أبو عبد الملك البصريّ، صدوقٌ [٦] ١/ ٢٤٣٦. ٦ - (أبوه) حكيم بن معاوية بن حَيْدة القشيريّ البصريّ، صدوقٌ [٦] ١/ ٢٤٣٦. ٧ - (جدّه) معاوية بن حيدة بن معاوية بن كعب القشيريّ، صحابيّ نزل البصرة، ومات بخراسان رضي الله تعالى عنه ١/ ٢٤٣٦. والله تعالى أعلم.

стр. 17601

شرح الْحَدِيث (عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ) رضي الله تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، حَبَسَ نَاسًا) لغة فِي أُناس (فِي تُهْمَةٍ) -بضم المثنّاة الفوقية، وفتح الهاء، كهُمَزة: ما يُتَّهَم عليه، قاله فِي "القاموس". وَقَالَ ابن الأثير: "التُّهْمة" فُعْلةٌ منْ الْوَهْم، والتاء بدلٌ منْ الواو، وَقَدْ تُفتح الهِاء، واتهمته: أي ظننت فيه ما نُسِب إليه. انتهى "النهاية" ١/ ٢٠١. وَقَالَ الفيّوميّ: وأَتْهَمْتُهُ بكذا: ظننته به، فهو تَهيم، واتهمته فِي قوله: شككت فِي صدقه، والاسم "التُّهَمَة"، وزانُ رُطَبة، والسكون لغة حكاها الفارابيّ، وأصل التاء واو. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: يُستفاد مما ذُكر أن التُّهمة بضم التاء، وفتح الهاء، وسكونها لغتان فصيحتان، وَقَدْ صرّح بذلك السيّد مرتضى فِي "تاج العروس شرح القاموس" ٩/ ٩٧. والله تعالى أعلم. وفي الرواية التالية: "حبس رجلاً فِي تهمة، ثم خلّى سبيله". وَقَالَ فِي "تحفة الأحوذيّ" ٤/ ٥٦٨: قوله: "حبس رجلاً فِي تهمة": أي فِي أداء شهادة بأن كذب فيها، أو بأن ادَّعَى عليه رجلٌ ذنبًا، أو دينًا، فحبسه ﷺ ليعلم صدق الدَّعْوى بالبيّنة، ثم لَمّا لم يُقِم البيّنة خلّى عنه: أي ترك حبسه، بأن أخرجه منه، قَالَ: وهذا يدلّ عَلَى أن الحبس منْ أحكام الشرع. كذا فِي "المرقاة"، وَقَالَ فِي "اللمعات": فيه أن حبس المدّعى عليه مشروع قبل أن تُقام البيّنة. انتهى. وَقَالَ الترمذيّ رحمه الله تعالى بعد أن أخرج الْحَدِيث: وَقَدْ روى إسماعيل بن إبراهيم، عن بهز بن حكيم هَذَا الْحَدِيث أتمّ منْ هَذَا، وأطول. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية إسماعيل أخرجها الإمام أحمد رحمه الله تعالى فِي "مسنده"، فَقَالَ: ١٩٥١٥ - حدثنا إسماعيل، أخبرنا بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، أن أباه، أو عمه، قام إلى النبيّ ﷺ ، فَقَالَ: جيراني بم أخذوا؟، فأعرض عنه، ثم قَالَ: أخبرني بم أخذوا؟ فأعرض عنه، فَقَالَ: لئن قلتَ ذاك، إنهم ليزعمون أنك تَنْهَى عن الغي، وتستخلي به، فَقَالَ النبيّ ﷺ : "ما قَالَ؟ "، فقام أخوه، أو ابن أخيه، فَقَالَ: يا رسول الله، إنه قَالَ، فَقَالَ: "لقد قلتموها"، أو "قائلكم، ولئن كنتُ أفعل ذلك، إنه لَعَلَيَّ، وما هو عليكم، خَلُّوا له عن جيرانه". ١٩٥١٧ - حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن بهز بن حكيم بن معاوية، عن أبيه، عن جده، قَالَ: أخذ النبيّ ﷺ ناسا، منْ قومي فِي تهمة، فحبسهم، فجاء رجل منْ

стр. 17602

قومي، إلى النبيّ ﷺ ، وهو يخطب، فَقَالَ: يا محمد علام تحبس جيرتي، فصمت النبيّ ﷺ عنه، فَقَالَ: إن ناسا ليقولون: إنك تنهى عن الشر، وتستخلي به، فَقَالَ النبيّ ﷺ : "ما يقول؟ قَالَ: فجعلت أعرض بينهما بالكلام، مخافة أن يسمعها، فيدعو عَلَى قومي دعوة، لا يفلحون بعدها أبدًا، فلم يزل النبيّ ﷺ به، حَتَّى فهمها، فَقَالَ: "قد قالوها"، أو"قائلها منهم، والله لو فعلتُ لكان عليّ، وما كَانَ عليهم، خَلُّوا له عن جيرانه". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث معاوية بن حَيْدة رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيحٌ. [تنبيه]: تكلّم النَّاس فِي حديث بهز بن حكيم بن معاوية، عن أبيه، عن جدّه، فصححه قوم، وممن صححه ابن معين، قَالَ إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة، وَقَالَ أيضا: إسناد صحيح، إذا كَانَ دون بهز ثقة. وَقَالَ أبو جعفر السبتي: بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده صحيح. وَقَالَ ابن البراء، عن ابن المديني: ثقة. وَقَالَ النسائيّ: ثقة. وَقَالَ ابن قتيبة: كَانَ منْ خيار النَّاس. وَقَالَ الترمذيّ: وَقَدْ تكلم شعبة فِي بهز، وهو ثقة عند أهل الْحَدِيث. وَقَالَ أبو جعفر، محمد بن الحسين البغداديّ، فِي "كتاب التمييز": قلت لأحمد -يعني ابن حنبل: ما تقول فِي بهز بن حكيم؟ قَالَ: سألت غندرا عنه؟ فَقَالَ: قد كَانَ شعبة مَسَّه، ثُمَّ تَبَيَّنَ معناه، فكتبت عنه، قَالَ: وسألت ابن معين، هل روى شعبة عن بهز؟ قَالَ: نعم حديث: "أترعون عن ذكر الفاجر؟ "، وَقَدْ كَانَ شعبة متوقفا عنه. وَقَالَ ابن عدي: قد رَوَى عنه ثقات النَّاس، وَقَدْ روى عنه الزهريّ، وأرجو أنه لا بأس به، ولم أر له حديثا منكرا، وإذا حدث عنه ثقة، فلا بأس به. وَقَالَ الآجري، عن أبي داود: هو عندي حجة، وعند الشافعيّ ليس بحجة، ولم يحدث شعبة عنه، وَقَالَ له: منْ أنت، ومن أبوك؟. وَقَالَ أبو زرعة: صالح، ولكنه ليس بالمشهور. وَقَالَ أبو حاتم: هو شيخ، يكتب حديثه، ولا يحتج به. وَقَالَ أيضا: عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أحب إلي. وَقَالَ صالح جزرة: إسناد أعرابي. وَقَالَ الحاكم: كَانَ منْ الثقات، ممن يجمع حديثه، وإنما أسقط منْ الصحيح روايته، عن أبيه، عن جده؛ لأنها شاذة، لا متابع له عليها. وَقَالَ ابن حبّان: كَانَ يخطىء كثيرا، فأما أحمد وإسحاق، فهما يحتجان به، وتركه جماعة منْ أئمتنا، ولولا حديثه: "إنا آخذوها وشطر ماله" لأدخلناه فِي الثقات، وهو ممن

стр. 17603

أستخير الله فيه. وَقَالَ أحمد بن بشير: أتيت البصرة فِي طلب الْحَدِيث، فأتيت بهزا، فوجدته يلعب بالشطرنج، مع قوم، فتركته، ولم أسمع منه. انتهى ملخّصًا منْ "تهذيب التهذيب": ١/ ٢٥١ - ٢٥٢. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد اتّضح مما سبق أن الأكثرين عَلَى تصحيح حديث بهز، وتصحيح إسناد بهز بن حكيم بن معاوية، عن أبيه، عن جدّه، ومثله عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وبهذين الإسنادين نسختان جاءت فيهما أحاديث، وَقَدْ رجّح بعضهم الأولى عَلَى الثانية؛ لأن البخاريّ استشهد بها فِي "الصحيح"، دونها، ومنهم منْ عكس، كما هو رأي أبي حاتم الرازيّ، قالوا: إن البخاريّ صحح نسخة عمرو، وهو أقوى منْ استشهاده بنسخة بهز. أفاده السيوطيّ فِي "تدريب الراوي" ٢/ ٢٥٩. وتعقّب بعضهم قوله: دونها، بأن البخاريّ أيضا استشهد بها أيضًا، وَقَدْ أشار السيوطيّ فِي "ألفية الأثر" إلى هَذَا بقوله: وَمَا لِعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِهْ … عَنْ جَدِّهِ فَالأَكْثَرُونَ احْتجَّ بِهْ حَمْلاً لِجَدِّهِ عَلَى الصَّحَابِي … وَقِيلَ بِالإِفْصَاحِ وَاسْتِيعَابِ وَهَكَذَا نُسْخَةُ بَهْزٍ وَاخْتُلِفْ … أَيُّهُمَا أَرْجَحُ وَالأُولَى أُلِفْ والحاصل أن هذين الإسنادين صحيحان، وَقَدْ جريت فِي هَذَا الشرح بتصحيح الأحاديث التي جاءت منْ هذين الطريقين، وإن كَانَ الشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى يُحسّنها. فتبه لهذه القاعدة، تفيدك فِي كثير منْ الأحاديث التي أصححها، مخالفًا له. والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخر جه هنا -٢/ ٤٨٧٧ و٤٨٧٨ - وفي "الكبرى" ٥/ ٧٣٦٢ و٧٣٨٣. وأخرجه (د) فِي "الأقضية" ٢٦٣١ (ت) فِي "الديات" ١٤١٧. وفوائد الْحَدِيث تقدّمت فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٨٧٨ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، حَبَسَ رَجُلاً فِي تُهْمَةٍ، ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه؛ "عليّ بن سعيد بن مسروق": هو الكنديّ الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] ٣٤/ ٤٨٠٤. وقوله: "خلّى سبيله": أي تركه يذهب حيث شاء.

стр. 17604

والحديث صحيح، وَقَدْ سبق تمام البحث فيه فِي الْحَدِيث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٣ - (تَلْقِينُ السَّارِقِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "التلقين": مصدر لقّن، قَالَ الفيّوميّ: لَقِنَ الرجلُ الشيءَ لَقَنًا، فهو لَقِنٌ، منْ باب تعب: فهِمه، ويُعَدَّى بالتضعيف إلى ثان، فيقال: لقّنته الشيءَ، فتلقّنه: إذا أخذه منْ فيك، مشافهةً، وَقَالَ الفارابيّ: تلقّن الكلامَ: أخذه، وتمكّن منه، وَقَالَ الأزهريّ، وابن فارس: لَقِنَ الشيءَ، وتلقّنه: فهمه، وهدْا يصدُقُ عَلَى الأخذ، مشافهة، وعلى الأخذ منْ المصحف. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٨٧٩ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي الْمُنْذِرِ، مَوْلَى أَبِي ذَرٍّ، عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أُتِيَ بِلِصٍّ، اعْتَرَفَ اعْتِرَافًا، وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ"، قَالَ: بَلَى، قَالَ: "اذْهَبُوا بِهِ، فَاقْطَعُوهُ ثُمَّ جِيئُوا بِهِ، فَقَطَعُوهُ، ثُمَّ جَاءُوا بِهِ، فَقَالَ لَهُ: "قُلْ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَأَتُوبُ إِلَيْه"، فَقَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، قَالَ: "اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ"). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (سُويد بن نصر) أبو الفضل المروزيّ، راوية ابن المبارك، ثقة [١٠] ٤٥/ ٥٥. ٢ - (عبد الله بن المبارك) المذكور فِي الباب الماضي. ٣ - (حماد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابد, تغير بآخره [٨] ١٨١/ ٢٨٨. ٤ - (إسحاق بن بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاريّ المدنيّ، ثقة حجة [٤] ١٩/ ٢٠. ٥ - (أبو المنذر مولى أبي ذرّ) الغفاري، مقبول [٢]. روى عن مولاه، وأبي أميّة المخزوميّ. وعنه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة. روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عندهم هَذَا الْحَدِيث فقط.

стр. 17605

٦ - (أبو أُميّة المخزوميّ) ويقال: الأنصاريّ، حجازيّ، روى عن النبيّ ﷺ هَذَا الْحَدِيث، وعنه أبو المنذر مولى أبي ذرّ، ويقالى: مولى آل أبي ذرّ، قال الحافظ: ولم يُختلف عَلَى حماد بن سلمة أنه مخزوميّ، والذي قَالَ: إنه أنصاريّ همّام بن يحيى. روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه حديث الباب فقط. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أُتِيَ) بالبناء للمفعول (بِلِصٍّ) بتثليث اللام، وتشديد الصاد المهملة: أي بسارق. قَالَ الفيّوميّ: اللّصّ بكسر اللام: السارق، وضمّها لغة، حكاها الأصمعيّ، والجمع لُصوصٌ، وهو لصّ بَيّن اللَّصُوصيّة بفتح اللام، وَقَدْ تُضمّ، ولَصَّ الرجلُ الشيءَ لَصّا، منْ باب قتل: سرقه. انتهى. وفي "القاموس": اللَّصّ: فعل الشيء فِي سَتْر، وإغْلَاقُ الباب، وإطباقه، والسارق، ويُثلّث، جمعه لُصُوصٌ، وأَلْصَاصٌ، وهي لَصَّةٌ، جمعها لَصّات، ولَصَائصُ، والمصدر: اللَّصَصُ، واللَّصَاصُ، واللَّصُوصِيّةُ بالفتح، واللُّصُوصيّة بالضمّ. انتهى. (اعْتَرَفَ اعْتِرَافًا) أي أقرّ إقرارًا صحيحًا (وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ) أي منْ المسروق (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا إِخَالُكَ) بكسر الهمزة، وفتحها، والكسر هو الأفصح، وأصله الفتح، قُلبت الفتحة كسرةً عَلَى خلاف القياس، ولا يَفتح همزته إلا بنو أسد، فإنهم يُجرونها عَلَى القياس، وهو منْ خال الشيءَ يخاله خَيْلاً، منْ باب نال: إذا ظنّه، وخاله يَخيله، منْ باب باع لغة: (سَرَقْتَ) أي ما أظنك سرقت شيئاً، قاله دَرْأً للقطع. قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: قيل: أراد ﷺ تلقين الرجوع عن الاعتراف، وللإمام ذلك فِي السارق، إذا اعترف، كما يُشير إليه ترجمة المصنّف، ومن لا يقول به يقول: لعله ظنّ بالمعترف غفلة عن معنى السرقة، وأحكامها، أو لأنه استبعد اعترافه بذلك؛ لأنه ما وُجِد معه متاع، واستدلّ به منْ يقول: لابدّ فِي السرقة منْ تعدّد الإقرار. انتهى. وقال الخطّابيّ رحمه الله تعالى: وجه هَذَا الْحَدِيث عندي -والله أعلم- أنه ظنّ بالمعترف بالسرقة غَفْلَةً، أو يكون قد ظنّ أنه لا يعرف معنى السرقة، ولعله قد كَانَ مالا له، أو اختلسه، أو نحو ذلك، مما يخرج منْ هَذَا الباب عن معاني السرقة، والمعترف به قد يحسب أن حكم ذلك حكم السرقة، فوافقه رسول الله ﷺ ، واستثبت الحكم فيه، إذ كَانَ منْ سنّته: أن الحدود تُدرأ بالشبهات، ورُوي عنه أنه قال: "ادرؤا الحدود ما

стр. 17606

استطعتم" (١)، وأمرنا بالستر عَلَى المسلمين، فكره أن يهتكه، وهو يجد السبيل إلى ستره، فلما تبيّن وجود السرقة منه يقينًا، أقام الحدّ عليه، وأمر بقطعه. عَلَى أن فِي إسناد هَذَا الْحَدِيث مقالاً، والحديث إذا رواه رجلٌ مجهولٌ لم يكن حجةً، ولم يجب الحكم به. وَقَدْ رُوي تلقين السارق عن جماعة منْ الصحابة ﵃، وأُتي عمر بن الخطاب ﵁ برجل، فسأله: أسرقت؟ قل: لا، قَالَ: فَقَالَ: لا، فتركه، ولم يقطعه، ورُوي مثل ذلك عن أبي الدرداء، وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، وكان أحمد، وإسحاق لا يريان بأسًا بتلقين السارق، إذا أُتي به، وكذلك قَالَ أبو ثور: إذا كَانَ السارق امرأةً، أو مصعوقًا. انتهى "معالم السنن" ٦/ ٢١٦ - ٢١٧. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث الباب لا يصحّ، فلا يستفاد منه الحكم المذكور، وما روي عن الصحابة، عَلَى تقدير صحّته لا حجة فيه. فتأمّل. (قَالَ: بَلَى) أي سرقتُ، زاد فِي رواية أبي داود: "فأعاد عليه مرّتين، أو ثلاثًا" (قَالَ) ﷺ (اذْهَبُوا بِهِ، فَاقْطَعُوهُ) أي لثبوت سرقته بإقراره (ثُمَّ جِيئُوا بِهِ) أي ليأمره بالاستغفار (فَقَطَعُوهُ) أي قطعوا يده (ثُمَّ جَاءُوا بِهِ) إلى النبيّ ﷺ (فَقَالَ) ﷺ (لَهُ: "قُلْ: أَسْتَغفِرُ اللَّهَ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ) قَالَ السنديّ: لعل المراد بالاستغفار، والتوبة منْ سائر الذنوب، أو لعله قَالَ ذلك ليعزم عَلَى عدم العود إلى مثله، فلا دليل لمن قَالَ: الحدود ليست كفّارات لأهلها، مع ثبوت كونها كفّارات بالأحاديث الصحاح التي كادت تبلغ حدّ التواتر، كيف والاستغفار مما أُمر به النبيّ ﷺ ، فَقَالَ تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ الآية [غافر: ٥٥]، وَقَدْ قَالَ تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية [التوبة: ١١٧]، لمعان ومصالح ذكروا فِي محله، فمثله لا يصلح دليلا عَلَى بقاء ذنب السرقة. والله تعالى أعلم. انتهى. (فَقَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ) أي أطلب منه تعالى ستر معصيتي (وَأَتُوبُ إِلَيهِ) أي أرجع إليه سبحانه وتعالى عما فعلته، وذلك بأن لا يعود إلى مثله أبدًا (قَالَ) ﷺ (اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ) أي تقبّل توبته، أو ثبّته عليها. قَالَ الشوكانيّ رحمه الله تعالى: فيه دليلٌ عَلَى مشروعية أمر المحدود بالاستغفار، والدعاء له بالتوبة بعد استغفاره، قَالَ: وفيه دليل عَلَى أنه يُسحبّ تلقين ما يُسقط الحدّ. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا كله عَلَى تقدير صحة الْحَدِيث، وإلا فهو

стр. 17607

ضعيف، كما سيأتي قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أبي أميّة المخزوميّ ﵁ هَذَا ضعيف؛ لجهالة أبي المنذر مولى أبي ذرّ ﵁. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٣/ ٤٨٧٩ - وفي "الكبرى" ٦/ ٧٣٦٣. وأخرجه (د) فِي "الحدود" ٤٣٨٠ (ق) فِي "الحدود" ٢٥٩٧ (أحمد) فِي "باقي مسند الأنصار" ٢٢٠٠٢ (الدارمي) فِي "الحدود" ٢٢٠١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٤ - (الرَّجُلُ يَتَجَاوَزُ لِلسَّارِقِ عَنْ سَرِقَتِهِ بَعْدَ أَنْ يَأْتِىَ بِهِ الإِمَامَ وَذِكْرُ الاِخْتِلَافِ عَلَى عَطَاءٍ فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ فِيهِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه الاختلاف عَلَى عطاء، أن يزيد بن زيع رواه عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عطاء، عن صفوان بن أمية، وخالفه محمد بن جعفر، فرواه عن سعيد، عن قتادة، عن عطاء، عن طارق بن مرقّع، عن صفوان، فأدخل بين عطاء، وصفوان واسطة، وخالف الأوزاعيّ، قتادة، فرواه عن عطاء، أن رجلا سرق الخ، فأرسله. وسيأتي تحقيق وجه الاختلاف، وترجيج الراجح منْ الروايات قريباً، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٨٨٠ - (أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، أَنَّ رَجُلاً سَرَقَ بُرْدَةً لَهُ، فَرَفَعَهُ إِلَى

стр. 17608

النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ تَجَاوَزْتُ عَنْهُ، فَقَالَ: "أَبَا وَهْبٍ، أَفَلَا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنَا بِهِ؟ "، فَقَطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ). رجال هَذَا الإسناد: سبعة: ١ - (هلال بن العلاء) الباهليّ مولاهم الرّقّيّ، صدوقٌ [١١] ١٠/ ١١٩٩. منْ أفراد المصنّف. ٢ - (أبوه) العلاء بن بن هلال بن عمرو بن هلال، أبو محمد الرّقّيّ، فيه لينٌ [٩] ١٩٠/ ١١٦٧. ٣ - (يزيد بن زُرَيع) أبو معاوية البصريُّ، ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥. ٤ - (سعيد) بن أبي عروبة مِهْرَان اليشكريّ، أبو النضر البصريّ، ثقة ثبت، يُدلّس، وتغيّر بآخره [٦] ٣٤/ ٣٨. ٥ - (قتادة) بن دعامة السدوسيّ البصريّ، ثقة ثبت يُدلّس [٤] ٣٠/ ٣٤. ٦ - (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت فقيه فاضل، لكنه كثير الإرسال [٣] ١١٢/ ١٥٤. ٧ - (صفوان بن أميّة) بن خلف بن وهب بن قُدامة بن جمُح القرشيّ الْجُمحيّ المكيّ، صحابيّ منْ المؤلّفة قلوبهم، مات أيام قتل عثمان، وقيل: سنة (١) (٤٢) فِي أوائل خلافة معاوية، وتقدّم فِي ١١٢/ ٢٠٥٤. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وأبيه، فمن أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ) رضي الله تعالى عنه (أَنَّ رَجُلاً سَرَقَ بُرْدَةً لَهُ) بضم الموحّدة، وسكون الراء: كساء صغير، مربّعٌ، ويقال: كساء أسود صغيرٌ. قاله فِي "المصباح". وفي رواية الأوزاعيّ، عن عطاء: "أن رجلاً سرق ثوبًا"، وفي رواية عكرمة، عن صفوان: "أنه طاف بالبيت، وصلّى، ثم لفّ رداء له، منْ بُرد"، وفي رواية حُميد بن أخت صفوان، عن صفوان قَالَ: كنت نائمًا فِي المسجد عَلَى خميصة لي، ثمنها ثلاثون درهمًا"، ولا تنافي بين هذه الروايات؛ لأن يؤول إلى معنى واحد؛ فرواية ثوب أعمّ، منْ الجميع، ورواية خميصة لا تنافي البردة، ولا الرداء؛ لأن الخميصة: كساء أسود

стр. 17609

مُعْلمُ الطرفين، ويكون منْ خزّ، أو صوف، فإن لم يكن معلما، فليس بخميصة، فيمكن أن تكون البردة معلمة، فاتحدا، ثم تلك الخميصة كانت رداءً، والرداء بالكسر والمدّ: ما يُرتدى به، مذكّر، ولا يجوز تأنيثه، قاله فِي "المصباح"، وَقَالَ فِي "النهاية": هو الثوب، أو البُرد الذي يضعه الإنسان عَلَى عاتقيه، وبين كتفيه، فوق ثيابه. انتهى. وفي "اللسان": أن الرداء يقع عَلَى المنكبين، والكتفين، ومُجتمع العنق. انتهى. (فَرَفَعَهُ) أي السارق (إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَمَرَ بقَطْعِهِ) أي بعد اعترافه، ففي رواية عكرمة الآتية: "فَقَالَ: إن هَذَا سرق ردائيّ، فَقَالَ له النبيّ ﷺ : أسرقتَ رداء هَذَا؟ قَالَ: نعم، قَالَ: اذهبا به، فاقطعا يده" (فَقَالَ) صفوان، صاحب الرداء (يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ تَجَاوَزْتُ عَنْهُ) أي عفوت عن سرقته، فلا تقطعه، وفي رواية الأوزاعيّ: "يا رسول الله، هو له"، وفي رواية عكرمة: "ما كنت أردت أن تُقطع يده فِي ردائي"، وفي رواية حميد: "أتقطعه منْ أجل ثلاثين درهمًا؟ أنا أبيعه، وأُنسئه ثمنها" (فَقَالَ) ﷺ (أَبَا وَهْبٍ) بحذف حرف النداء، أي يا أبا وهب، كنية صفوان ﵁ (أَفَلَا كَانَ) هَذَا التجاوز (قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنَا بهِ؟) أي قبل أن ترفعه إليّ متحاكمًا، يعني أنه لو تركه قبل إحضاره عنده ﷺ ليحكم به لنفعه ذلك، وأما بعد رفعه، وثبوت السرقة عليه، فالحقّ للشرع، لا للمالك (فَقَطَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي أمر بقطعه، فقُطع، كما تقدّم منْ قوله: "فأمر بقطعه"، وقوله ﷺ : "اذهبا به، فاقطعا يده". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث صفوان بن أميّة رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤/ ٤٨٨٠ و٤٨٨١ و٤٨٨٢ و٥/ ٤٨٨٣ و٤٨٨٤ و٤٨٨٥ و٤٨٨٦ - وفي "الكبرى" ٧/ ٧٣٦٤ و٧٣٦٥ و٧٣٦٦ و٨/ ٧٣٦٧ و٧٣٦٨ و٧٣٦٩ و٧٣٧٠. وأخرجه (د) فِي "الحدود" ٤٣٩٤ (ق) فِي "الحدود" ٢٥٩٥ (أحمد) فِي "مسند المكيين" ١٤٨٧٩ و"مسند القبائل" ٢٧٠٩٠ و٢٧٠٩٧ (الموطأ) فِي "الحدود" ١٥٧٩ و٢١٩٧. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي اختلاف الرواة فِي حديث صفوان بن أمية ﵁ هَذَا: (اعلم): أن المصنّف رحمه الله تعالى، قد ذكر اختلاف الرواة فِي حديث صفوان بن أُميّة ﵁ هَذَا، فِي هَذَا الباب، وفي الباب الذي يليه، وَقَدْ بيّن ذلك الحافظ أبو عمر

стр. 17610

رحمه الله تعالى، فِي كتابه "التمهيد" أتمّ بيان، لذا أحببت إيراد ما قاله تتميمًا للفائدة، وتكميلاً للعائدة، فقلت: قَالَ رحمه الله تعالى: "مالك، عن ابن شهاب، عن صفوان بن عبد الله بن صفوان بن أمية، أن صفوان بن أمية، قيل له: إنه منْ لم يهاجر هَلَكَ، فقدم صفوان بن أمية المدينة، فنام فِي المسجد، وتوسد رداءه، فجاءه سارق، فأخذ رداءه، فأخذ صفوان السارقَ، فجاء به إلى رسول الله ﷺ ، فأمر به رسول الله ﷺ ، أن تقطع يده، فَقَالَ صفوان: إني لم أُرد هَذَا يا رسول الله، هو عليه صدقة، فَقَالَ رسول الله ﷺ : فهلّا قبل أن تأتيني به". هكذا رَوَى هَذَا الْحَدِيث جمهور أصحاب مالك، مرسلا، ورواه أبو عاصم النبيل، عن مالك، عن الزهريّ، عن صفوان بن عبد الله بن صفوان، عن جده، قَالَ: قيل لصفوان: منْ لم يهاجر هلك … وساق الْحَدِيث، عَلَى ما فِي "الموطإ"، ولم يقل أحد فيما علمت فِي هَذَا الْحَدِيث: "عن صفوان بن عبد الله بن صفوان، عن جده" غير أبي عاصم. ورَوَاه شبابة بن سَوار، عن مالك، عن الزهريّ، عن عبد الله بن صفوان، عن أبيه، أن صفوان إلخ. حدثنا سعيد بن نصر، قَالَ: حدثنا قاسم بن أصبغ، قَالَ: حدثنا ابن وضاح، قَالَ: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قَالَ: حدثنا شبابة، قَالَ: حدثنا مالك بن أنس، عن الزهريّ، عن عبد الله بن صفوان، عن أبيه، أن صفوان قيل له: منْ لم يهاجر هلك، فدعا براحلته فركبها، حَتَّى أتى المدينة، فسأل النبيّ ﷺ ؟، قَالَ: قد قيل لي: منْ لم يهاجر هلك، فَقَالَ النبيّ ﷺ : "ذهبت الهجرة، فارجع إلى بطحاء مكة"، فنام صفوان فِي المسجد، وتوسد رداءه، فأخذ منْ تحت رأسه، فجاء بسارقه إلى النبيّ ﷺ ، فأَمر به أن يقطع، فَقَالَ صفوان بن أمية يا رسول الله، إني لم أُرد هَذَا، ردائي عليه صدقة، يا رسول الله، إني لم أرد هَذَا، ردائي عليه صدقة، فَقَالَ له رسول الله ﷺ : "أفلا قبل أن تأتيني به". ورواه أبو علقمة الفروي، عن مالك، كما رواه شبابة بن سوار عنه، بإسناده سواء: حدثنا بحديث شبابة بن سوار، عن مالك خلف بن قاسم، حدثني أبو عيسى العبّاس ابن أحمد الأزدي، وأبو محمد الحسن بن رشيق، ونصر بن علي البزار، قالوا: حدثنا أبو العلاء محمد بن أحمد بن جعفر الكوفيّ، قَالَ: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا شبابة بن سوار المدائني، حدثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، فذكره. وَقَدْ ذكر الطحاوي حديث شبابة، عن محمد بن أحمد بن جعفر، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن شبابة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن صفوان، عن أبيه، فذكره هكذا: ابن شهاب، عن عبد الله بن صفوان، عن أبيه.
следующие страницы →