← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

الثامن: فيه أنهم كانوا يَشْكُون إلى النبي ﷺ جميع ما ينزل بهم. التاسع: استدل به بعضهم على أن رؤية المتيمم الماء في صلاته لا ينقض طهارته. قال البدر العيني: لا يصح الاستدلال به لأنه ليس من باب ما ذكرناه من أن المعنى إذا كان أوسع من الاسم كان الحكم للمعنى لأنه هو فيما يقع تحت الجنس الواحد، ولا شك أن المقصود به جنس الخارجات من البدن، فالتعدي إلى غير الجنس المقصود به اغتصاب للأحكام، ذكر هذه الفوائد العيني في عمدة القاري ج ٢ ص ٢٥٢ - ٢٥٤ ونقلته عنه باختصار. المسألة الخامسة قد ذكر العلامة ابن دقيق العيد في هذه المسألة تحقيقا حسنا أحببت إيراده، وإن كان جُلّه مفهوما مما مر، غير أن فيه زيادة إيضاح، وتفصيل لمآخذ العلماء في إعْمال الأصل وطرح الشك. قال رحمه الله تعالى: الحديث أصل في إعمال الأصل وطرح الشك، وكان العلماء متفقون على هذه القاعدة، لكنهم يختلفون في كيفية استعمالها. مثاله: هذه المسألة التي دل عليها الحديث، وهي مَن شك في الحدث بعد سبق الطهارة، فالشافعي أعمل الأصل السابق، وهي الطهارة، وطرح الشك الطارئ، وأجاز الصلاة في هذه الحالة. ومالك منع من الصلاة مع الشك في بقاء الطهارة، وكأنه أعمل الأصل الأول، وهو ترتب الصلاة في الذمة، ورأى أن لا تزال إلا بطهارة متيقنة، وهذا الحديث ظاهر في إعمال الطهارة الأولى، واطراح الشك. والقائلون بهذا اختلفوا: فالشافعي اطرح الشك مطلقا، وبعض المالكية اطرحه بشرط أن يكون في الصلاة وهذا له وجه حسن، فإن القاعدة: أن مورد النص إذا وجد فيه معنى يمكن أن يكون معتبرا في الحكم فالأصل يقتضي اعتباره وعدم اطراحه، وهذا الحديث يدل على اطراح الشك إذا وجد

стр. 1787

في الصلاة، وكونه موجودا في الصلاة معنىً يمكن أن يكون معتبرا، فإن الدخول في الصلاة مانع من إبطالها على ما اقتضاه استدلالهم في مثل هذا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] فصارت صحة الصلاة أصلا سابقا على حالة الشك، مانعا من الإبطال، ولا يلزم من إلغاء الشك مع وجود المانع من اعتباره إلغاؤه مع عدم المانع، وصحة العمل ظاهرًا معنىً ينايسب عدم الالتفات إلى الشك يمكن اعتباره، فلا ينبغي الغاؤه. ومن أصحاب مالك مَنْ قَيَّد هذا الحكم -أعني اطراح هذا الشك- بقيد آخر، وهو أن يكون الشك في سبب حاضر كما جاء في الحديث حتى لو شك في تقدم الحدث على وقته الحاضر لم تبح له الصلاة ومأخذ هذا ما ذكرناه من أن مورد النص ينبغي اعتبار أوصافه التي ينبغي اعتبارها، ومورد النص اشتمل على هذا الوصف، وهو كونه شك في سبب حاضر فلا يلحق به ما ليس في معناه من الشك في سبب متقدم إلا أن هذا القول أضعف قليلًا من الأول؛ لأن صحة العمل ظاهرا، وانعقاد الصلاة سبب مانع مناسب لاطراح الشك، وأما كون السبب ناجزا فإما غير مناسب، أو مناسب مناسبة ضعيفة، والذي يمكن أن يقرر به قول هذا القائل أن يرى أن الأصل الأول -وهو ترتب الصلاة في ذمته- معمول به، فلا يخرج عنه إلا بما ورد فيه النص، وما بقي يعمل فيه بالأصل، ولا يحتاج في المحل الذي خرج عن الأصل بالنص إلى مناسبة كما في صور كثيرة عمل فيها العلماء هذا العمل -أعني أنهم اقتصروا على مورد النص إذا خَرَجَ عن الأصل أو القياس من غير اعتبار مناسبة، وسببه أن إعمال النص في مورده لابد منه، والعمل بالأصل- أو بالقياس المطرد- مسترسل، لا يخرج عنه إلا بقدر الضرورة، ولا ضرورة فيما زاد على مورد النص، ولا سبيل إلى إبطال النص في مورده، سواء كان مناسبا، أو لا، وهذا يحتاج معه إلى إلغاء وصف كونه في صلاة.

стр. 1788

ويمكن هذا القائل منع ذلك بوجهين: أحدهما: أن يكون هذا القائل نظر إلى ما في بعض الروايات، وهو أن يكون الشك لمن هو في المسجد، وكونه في المسجد أعم من كونه في الصلاة، فيؤخذ من هذا إلغاء ذلك القيد الذي اعتبره القائل الآخر، وهو كونه في الصلاة، ويبقى كونه شاكا في سبب ناجز، إلا أن القائل الأول له أن يحمل كونه في المسجد على كلونه في الصلاة، فإن الحضور في المسجد يراد للصلاة، فقد يلازمها فيعبر به عنها وهذا -وإن كان مجازا- إلا أنه يقوى إذا اعتبر الحديث الأول، وكان حديثا واحدا مخرجه من جهة واحدة، فحينئذ يكون ذلك الاختلاف اختلافا في عبارة الراوي بتفسير أحد اللفظين بالآخر ويرجع إلى أن المراد كونه في الصلاة. الثاني: -وهو أقوى من الأول- ما ورد في الحديث "إن الشيطان ينفخ بين أليتي الرجل"، وهذا المعنى يقتضي مناسبة السبب الحاضر لإلغاء الشك. قال: وإنما أوردنا هذه المباحث ليتلمح الناظر مآخذ العلماء في أقوالهم فيرى ما ينبغي ترجيحه فيرجحه، وما ينبغي إلغاؤه فيلغيه والشافعي ﵀ ألغى القيدين معا -أعني كونه في الصلاة، وكونه في سبب ناجز- واعتبر أصل الطهارة اهـ إحكام الأحكام ج ١ ص ٣١٨ - ٣٢٦. قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن في المسألة أربعة أقوال: عدم العمل بالشك مطلقا، العمل به مطلقا، عدم العمل إن عرض في الصلاة، والعمل به إن عرض خارجها، عدم العمل به إن كان في سبب حاضر، والعمل به إن كان شكا في سبب غير حاضر. ولا يخفى أن الراجح هو عدم العمل بالشك مطلقا كما هو مذهب الشافعي، والجمهور، لوضوح دليله. والله أعلم.

стр. 1789

١١٦ - الوُضُوء مِنَ النَّوْمِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على وجوب الوضوء من النوم. والنوم: غَشْية ثقيله تَهجُم على القلب، فتقطعه عن المعرفة بالأشياء، ولهذا قيل: هو آفة؛ لأن النوم أخو الموت، وقيل: النوم مزيل للقوة والعقل، وأما السِّنة ففي الرأس، والنعاس في العين، وقيل: السنة ريح النوم تبدو في الوجه ثم تنبعث إلى القلب فينعُسُ الإنسان فينام. قاله في المصباح، ج ٣ ص ٦٣١. ١٦١ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَحُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلَا يُدْخِلْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يُفْرِغَ عَلَيْهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ". رجال الإسناد: سبعة ١ - (إسماعيل بن مسعود) الجحدري البصري أبو مسعود ثقة من العاشرة، من أفراد المصنف مات سنة ٢٤٨، وتقدم في ٤٢/ ٤٧. ٢ - (حميد بن مسعدة) السامي الباهلي البصري صدوق من العاشرة مات سنة ٢٤٤ وتقدم في ٥/ ٥، وفي ٨٧/ ١٠٨. ٣ - (يزيد بن زريع) أبو معاوية البصري ثقة ثبت من الثامنة مات سنة ٨٢ أو تقدم في ٥/ ٥، وفي ٨٧/ ١٠٨.

стр. 1790

٤ - (معمر) بن راشد أبو عروة البصري نزيل اليمن ثقة ثبت -٧ - ، وتقدم في ١٠/ ١٠. ٥ - (الزهري) محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله، أبو بكر المدني الحجة المثبت -٤ - تقدم في١/ ١. ٦ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، والصحيح أن اسمه كنيته، ثقة -٣ - وتقدم في ١/ ١. ٧ - (أبو هريرة) عبد الله بن عمرو على الصحيح، أو عبد الرحمن ابن صخر على المشهور الدوسي الصحابي الجليل نقيب أهل الصفة رضي الله، عنه، تقدم في ١/ ١. لطائف الإسناد منها أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات إلا حميدا، فصدوق، وأنهم ما بين بصريين، وهم من قبل الزهري، ومعمر وإن كان يمانيا إلا أن أصله من البصرة، ومدنيين، وهم الباقون، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة المعروفين بالمدينة، وأنه ليس له اسم غير الكنية، وفيه أبو هريرة أحد المكثرين السبعة، روى -٥٣٧٤ - . شرح الحديث (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله قال: إذا استيقظ) أي انتبه، وليست السين والتاء للطلب، بل هو لازم بمعنى التيقظ. (أحدكم) ليس الرجال مخصوصا بهذا الحكم، بل النساء كذلك، فإنهن شقائق الرجال (من منامه) أي نومه، فالمنام مصدر ميمي لنام، وجواب "إذا" قوله (فلا يدخل) وفي الرواية المتقدمة في ١/ ١ "فلا يغمس" قال في الفتح ج ١ ص ٣١٧: رواية الغمس أبين في المراد من رواية الإدخال؛ لأن

стр. 1791

مطلق الإدخال لا يترتب عليه كراهة، كمن أدخل يده في إناء واسع فاغترف منه بإناء صغير من غير أن يلامس يده الماء. اهـ. فقوله يدخل مجزوم بلا الناهية. (يده في الإناء) أي الإناء الذي فيه ماء الوضوء فأل عوض عن المضاف إليه لما في الرواية الأخرى "في الوَضُوء"، بفتح الواو، قال العلامة السندي رحمه الله تعالى: فهذا يدل على أن الوقت وقت لإدخال اليد في الوَضوء وأخذ منه المصنف الترجمة. اهـ ج ١ ص ١٠١. وقال الحافظ ﵀: الظاهر اختصاص ذلك بإناء الوضوء، ويلحق به إناء الغسل لأنه وضوء وزيادة، وكذا باقي الأنية قياسا، لكن في الاستحباب من غير كراهة، لعدم ورود النهي فيها، وخرج بذكر الإناء البرَك والحيَاض التي لا تفسد بغمس اليد فيها على تقدير نجاستها فلا يتناولها النهي. اهـ فتح ج ١٠ ص ٣١٧ - ٣١٨. وهل هذا النهي للتحريم أم للتأديب تقدم الكلام فيه. في ١/ ١. (حتى يُفرغ عليها) من الإفراغ، أي يصب على يده (ثلاث مرات) من الغسل، قال الشافعي ﵀: فإن لم يغسلها إلا مرة أو مرتين أو لم يغسلها أصلا حين أدخلها في وضوئه فقد أساء (فإنه) الفاء للتعليل (لا يدري) أي لا يعلم (أبن باتت يده) كلمة "أين" سؤال عن مكان الشيء، أي في أيّ محل من جسده، أفي محل نجس، أم في محل طاهر؟ وفيه كما قال البيضاوي إيماء إلى علة النهي، وهي احتمال النجاسة، وسبب ذلك كما قال الشافعي ﵀: أن أهل الحجاز كانوا يستنجون بالحجارة وبلادهم حارّة، فهذا نام أحدهم وعَرقَ، فلا يأمن النائم أن تطوف يده على ذلك الموضع النجس أو على بثرة، أو قملة، أو قذر، وغير ذلك. قال الجامع عفا الله عنه: إذا كانت العلة هي احتمال النجاسة فهل إذا

стр. 1792

تيقن الطهارة تزول المشروعية لغسل اليد أم لا؟، الظاهر الثاني لأن الأحكام إنما يحتاج إلى أسبابها في الابتداء لا في الانتهاء، كما في مشروعية الرمل في الطواف. والله أعلم. ومسائل هذا الحديث جميعها تقدمت في ١/ ١ فلا نطيل الكتاب بإعادتها. وبالله التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان. (تنبيهات) (الأول) في مذاهب العلماء في انتقاض الوضوء بالنوم: قد فصل المذاهب في هذه المسألة الإمام النووي ﵀ في شرح المهذب تفصيلا حسنا أحببت إيراده هنا لحسنه: قال ﵀: الصحيح في مذهبنا -يعني الشافعية- أن النائم الممكن مقعده من الأرض، أو نحوها لا ينتقض وضوءه، وغيره ينتقض سواء كان في صلاة أو غيرها، وسواء طال نومه أم لا، وحكي عن أبي موسى الأشعري، وسعيد بن المسيب، وأبي مجْلَز، وحميد الأعرج أن النوم لا ينقض بحال، ولو كان مضطجعا، قال القاضي أبو الطيب وإليه ذهبت الشيعة. وقال إسحاق بن راهويه، وأبو عبيد، القاسم بن سلام والمزني: ينقض النوم بكل حال، ورواه البيهقي بإسناده عن الحسن البصري، قال ابن المنذر: وبه أقول، وروي معناه عن ابن عباس، وأنس، وأبي هريرة ﵃. وقال مالك، وأحمد في إحدى الروايتين ينقض كثير النوم بكل حال دون قليله، وحكاه ابن المنذر عن الزهري، وربيعة، والأوزاعي، وقال أبو حنيفة، وداود إن نام على هيئة من هيئات المصلي كالراكع، والساجد، والقائم، والقاعد، لم ينتقض، سواء كان في الصلاة أم لا، وإن نام مستلقيا أو مضطجعا انتقض. ولنا قول: إن نوم المصلي خاصة لا ينقض كيف كان، وحكاه أصحابنا عن ابن المبارك، وحكاه الماوردي عن جماعة من التابعين.

стр. 1793

فهذه ستة أقوال ذكرها في المجموع، وزاد في شرح مسلم قولين آخرين: الأول: أنه لا ينقض إلا نوم الراكع والساجد. قال النووي: وروي مثل هذا عن أحمد بن حنبل، ولعل وجهه أن هيئة الركوع والسجود مظنة للإنتقاض. قال الشوكاني ﵀: وقد ذكر هذا المذهب صاحب البدر التمام، وصاحب سبل السلام بلفظ "إنه ينقض إلا نوم الراكع والساجد" بحذف "لا"، واستدلاله بحديث "إذا نام العبد في سجوده" الحديث، قال: وقاس الركوع على السجود، والذي في شرح مسلم للنووي بلفظ: إنه لا ينقض، بإثبات "لا" فلينظر. اهـ نيل ج ١ ص ٢٨٩. الثاني: أنه لا ينقض إلا نوم الساجد، قال النووي: يُروَى أيضا عن أحمد، ولعل وجهه أن مظنة الانتقاض في السجود أشد منها في الركوع. قال الجامع: فمجموع الأقوال في هذه المسألة ثمانية. ثم ذكر ﵀ أدلتهم فقال: واحتُجَّ لأبي موسى، وموافقيه بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٦] فذكر سبحانه نواقض الوضوء، ولم يذكر النوم، وبحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا "لا وضوء إلا من صوت أو ريح" رواه الترمذي وغيره بأسانيد صحيحة، قالوا: ولأنا أجمعنا نحن وأنتم على أن النوم ليس حدثا في عينه، وأنتم أوجبتم الوضوء لاحتمال خروج الريح، والأصل عدمه فلا يجب الوضوء بالشك. قال: واحتج أصحابنا -يعني الشافعية- بحديث علي ﵁ مرفوعا "العينان وكاء السه، فمن نام فليتوضأ" رواه أبو داود، وابن ماجه وغيرهما بأسانيد حسنة، وبحديث صفوان ﵁ "ولكن من غائط، أو بول، أو نوم" وهو حديث حسن، وقد تقدم للنسائي في ١١٣/ ١٥٨، قال: وفي

стр. 1794

المسألة أحاديث كثيرة، ولأن النائم غير الممكن يخرج منه الريح غالبا، فأقام الشرع هذا الظاهر مقام اليقين كما أقام شهادة الشاهدين التي تفيد الظن مقام اليقين في شغل الذمة. والجواب عن احتجاجهم بالآية من وجهين: (أحدهما) أن جماعة من المفسرين قالوا: وردت الآية في النوم، أي إذا قمتم إلى الصلاة من النوم، فاغسلوا وجوهكم، وكذا حكاه الشافعي في الأم عن بعض أهل العلم بالقرآن قال: ولا أراه إلا كما قال. (الثاني) أن الآية ذكر فيها بعض النواقض، وبينت السنة الباقي، ولهذا لم يذكر البول، وهو حدث بالإجماع، وأما الجواب عن حديث أبي هريرة: فهو أنه ورد في دفع الشك لا في بيان أعيان الأحداث وحصرها، ولهذا لم يذكر فيه البول والغائط وزوال العقل، وهي أحداث بالإجماع، ونظيره حديث عبد الله بن زيد ﵁ "لا ينصرف حتي يسمع صوتا أو يجد ريحا"، وأما قولهم: خروج الخارج مشكوك فيه: فجوابه ما قدمنا أن الشرع جعل هذا الظاهر كاليقين، كما جعل شهادة شاهدين كاليقين. والله أعلم. واحتج من قال: ينقض بكل حال بعموم حديثي علي، وصفوان، ﵄، وبالقياس على الإغماء. واحتج أصحابنا -يعني الشافعية- (١) بحديث أنس ﵁: كان أصحاب رسول الله ﷺ "ينامون، ثم يصلون، ولا يتوضئون" رواه مسلم وهذا لفظه، ورواه أبو داود بلفظ "كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء

стр. 1795

الآخرة حتى تخفقَ رؤوسهم ثم يصلون، ولا يتوضئون" وإسناده صحيح وكذلك رواه الشافعي ﵀ في مسنده، وغيره، وفي رواية لأبي داود، والبيهقي، وغيرهما "كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون، ثم يصلون، ولا يتوضأون على عهد رسول الله ﷺ "، وفي رواية للبيهقي "لقد رأيت أصحاب رسول الله ﷺ يوقظون للصلاة حتى إني لأسمع لأحدهم غطيط، ثم يقومون، فيصلون، ولا يتوضأون". وعن أنس ﵁ قال: "أقيمت صلاة العشاء، فقال رجل لي حاجة، فقام النبي ﷺ يناجيه حتى نام القوم، أو بعض القوم، ثم صلوا"، وفي رواية "حتى نام أصحابه، ثم جاء فصلى بهم" رواه مسلم وعن ابن عمر ﵄ "أن النبي ﷺ شغل ليلة عن العشاء، فأخرها حتى رقدنا في المسجد، ثم استقيظنا، ثم خرج علينا". وعن ابن عباس ﵄ "أعتم رسول الله في بالعشاء حتى رقد الناس، واستيقظوا، ورقدوا، واستيقظوا"، رواهما البخاري في صحيحه. وظاهرهما أنهم صلوا بذلك الوضوء، وروى مالك، والشافعي، بإسناد صحيح أن ابن عمر ﵄ كان ينام، وهو جالس، ثم يصلي، ولا يتوضأ. ورَوَى البيهقي، وغيره معناه عن ابن عباس، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة، وأبي أمامة، ﵃، فهذه دلائل ظاهرة من الأحاديث الصحيحة والآثار. واحتج جماعة من أصحابنا بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "من نام جالسا فلا وضوء عليه، ومن وضع جنبه فعليه الوضوء"، وبحديث حذيفة ﵁ قال: "كنتَ أخفق برأسي فقلت يا رسول الله وجب علي وضوء؟ قال: لا حتى تضع جنبك"، لكن الحديثان ضعيفان بين البيهقي ضعفهما، وفيما سبق ما يغني عنهما.

стр. 1796

وأما الجواب عن حديث علي، وصفوان ﵄ فهو أنه محمول على نوم غير الممكن، وهذا يتعين المصير إليه للجمع بين الأحاديث الصحيحة. وأما قياسهم على الإغماء فالفرق ظاهر؛ لأن المغمى عليه ذاهب العقل لا يحيى بشيء أصلا، والنائم يحس، ولهذا إذا صيح به تنبه. واحتج من قال ينقض كثير النوم كيف كان دون قليله بحديث أنس ﵁: "أنهم كانوا ينامون، فتخفق رؤوسهم" وهذا يكون في النوم القليل، ولأنه مع الاستثقال يغلب خروج الخارج بخلاف القليل. واحتج أصحابنا بالأحاديث السابقة وليس فيها فرق بين القليل والكثير، والجواب عن حديث أنس أنا قد بينا أنه حجة لنا وليس فيه فرق بين قليله وكثيره، ودعواهم أن خفق الرؤوس إنما يكون في القليل لا يقبل، وأما المعنى الذي ذكروه فلا نسلمه؛ لأن النوم إمّا أن يجعل حدثًا في عينه كالإغماء، وهم لا يقولون به، وإما دليلا على الخارج، وحينئذ إنما تظهر دلالته إذا لم يكن المحل ممكنا، وأما المتمكن فيبعد خروجه منه، ولا يحيى به، فلا ينتقض بالوهم. واحتج من قال لا ينقض النوم على هيئة من هيئآت الصلاة بما رواه أبو خالد الدّالاني عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، قال قال النبي ﷺ "إنما الوضوء على من نام مضطجعا فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله" وبحديث حذيفة الذي قدمناه أنه نام جالسا فقال يا رسول الله أمن هذا وضوء؟ قال: "لا حتى تضع جنبك على الأرض". واحتج أصحابنا بالأحاديث الصحيحة السابقة كحديث علي، وصفوان وغيرهما من غير تعرض لهذا الفرق الذي زعموه، ولا أصل له، ولأنه نام غير ممكن مقعده من الأرض فأشبه المضطجع، ولأنا اتفقنا

стр. 1797

نحن وهم على أن النوم ليس حدثا في عينه، وإنما هو دليل للخارج، فضبطناه نحن بضابط صحيح جاءت به السنة، ومناسبته ظاهرة، وضبطوه بما لا أصل، ولا معنى، يقتضيه، فإن الساجد والراكع كالمضطجع، ولا فرق بينهما في خروج الخارج. وأما حديث الدَّالاني فجوابه أنه حديث ضعيف باتفاق أهل الحديث، وممن صرح بضعفه من المتقدمين أحمد بن حنبل، والبخاري، وأبو داود، قال أبو داود، وإبراهيم الحربي: هو حديث منكر، ونقل إمام الحرمين في كتابه الأساليب إجماع أهل الحديث على ضعفه، وهو كما قال، والضعف عليه بين. وأجاب أصحابنا عنه بأجوبة وتأولوه تأويلات لا حاجة إليها مع الاتفاق على ضعفه، فإنه لا يلزم الجواب عما ليس بدليل. وأما حديث حذيفة فضعيف أيضا كما سبق بيانه قريبا. واحتج من قال: لا ينتقض وضوء النائم في الصلاة كيف كان بحديث المباهاة وهو ما روي عنه ﷺ أنه قال: "إذا نام العبد في صلاته باهى الله به ملائكته يقول انظروا إلى عبدي روحه عندي وجسده ساجد بين يدي". ولأن الحاجة تدعوا إليه، ولا يمكن لمتهجد ونحوه الاحتراز منه إلا بعسر، فعفي عنه كما عفي عن أشياء كثيرة في الصلاة للحاجة. واحتج أصحابنا بما احتجوا به على القائلين: لا ينقض النوم على هيئة المصلي، وأجابوا عن حديث المباهاة بالاتفاق على ضعفه، (١) ولو صح لكان تسميته ساجدا باسم ما كان عليه فمدحه على مكابدة العبادة. وأما المعنى الذي ذكروه فلا يقبل لأن الأحداث لا تثبت إلا توقيفا، وكذا العفو عنها، فحصل في هذه المسألة جمل من الأحاديث جمعنا

стр. 1798

بَيْنَهَا، ولم نَرُدَّ حديثا منها صحيحا، ولله الحمد، وهو أعلم بالصواب اهـ كلام النووي رحمه الله تعالى في المجموع ج ١ ص ١٧ - ٢٠ ببعض تصرف وزيادة. قال الجامع عفا الله عنه: أقوى المذاهب في هذه المسألة، هو مذهب الإمام الشافعي ﵁، وقد عرفت قوته من الأدلة التى ساقها النووي ﵀، وقد رجح الشوكاني ﵀ هذا المذهب في نيل الأوطار، ودونك عبارته، قال ﵀ بعد ذكر مذهب الشافعي، وأن النوم ليس حدثا في نفسه عنده، وإنما هو دليل على خروج الخارج ما نصه: وهذا أقرب المذاهب عندي، وبه يجمع بين الأدلة، وقوله: إن النوم ليس حدثا في نفسه، هو الظاهر، وحديث الباب -يعني حديث صفوان المتقدم- وإن أشعر بأنه من الأحداث باعتبار اقترانه بما هو حدث بالإجماع، فلا يخفى ضعف دلالة الاقتران وسقوطها عن الاعتبار عند أئمة الأصول، والتصريح بأن النوم مظنة استطلاق الوكاء كما في حديث معاوية، واسترخاء المفاصل كما في حديث ابن عباس مشعر أتم إشعار بنفي كونه حدثا في نفسه. وحديث أن الصحابة كانوا على عهد رسول الله ﷺ ينامون ثم يصلون ولا يتوضئون، من المؤيدات لذلك ويبعد جهل الجميع منهم كونه ناقضا. والحاصل أن الأحاديث المطلقة في النوم تحمل على المقيدة بالاضطجاع، وقد جاء في بعض الروايات بلفظ الحصر، والمقال الذي فيه منجبر بما له من الطرق والشواهد. ومن المؤيدات لهذا الجمع حديث ابن عباس ﵁ قال: "بت في بيت خالتي ميمونة فقام رسول الله ﷺ فقمت إلى جنبه" الحديث وفيه

стр. 1799

"فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني" رواه مسلم، وحديث "وإذا العبد في صلاته باهى الله به ملائكته" أخرجه الدارقطني، وابن شاهين من حديث أبي هريرة، والبيهقي من حديث أنس، وابن شاهين أيضا من حديث أبي سعيد، وفي جميع طرقه مقال. وحديث: "من استحق النوم وجب عليه الوضوء" عند البيهقي من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح، ولكنه قال البيهقي: روي ذلك مرفوعا ولا يصح. وقال الدارقطني: وقفه أصح. وقد فسر استحقاق النوم بوضع الجنب. اهـ كلام الشوكاني. نيل ج ١ ص ٢٨٩ - ٢٩٠ بتصرف يسير. (التنبيه الثاني) قال النووي ﵀ أيضا: كان من خصائص نبينا ﷺ أنه لا ينتقض وضوءه بالنوم مضطجعا للأحاديث الصحيحة: منها حديث ابن عباس ﵄ في الصحيحين "أنه ﷺ نام حتى سمع غطيطه، ثم صلى، ولم يتوضأ"، وقال ﷺ "إن عيني تنامان ولا ينام قلبي". فإن قيل: هذا مخالف للحديث الصحيح "أن النبي ﷺ نام في الوادي عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس" ولو كان غير نائم القلب لما ترك صلاة الصبح، فجوابه من وجهين: أحدهما وهو المشهور في كتب المحدثين والفقهاء أنه لا مخالفة بينهما فإن القلب يقظان يحس بالحدث وغيره مما يتعلق بالبدن، ويشعر به القلب، وليس طلوع الفجر والشمس من ذلك، ولا هو مما يدرك بالقلب، وإنما يدرك بالعين، وهي نائمة. والجواب الثاني حكاه الشيخ أبو حامد في تعليقه في هذا الباب عن بعض أصحابنا قال كان للنبي ﷺ نومان: أحدهما ينام قلبه وعينه، والثاني عينه دون قلبه فكان نوم الوادي من النوع الأول. والله أعلم. اهـ المجموع. ج ١ ص ٢٠ - ٢١.

стр. 1800

قال الجامع: هذا الجواب الثاني كما قال الأذرعي ضعيف مخالف لظاهر حديث "ولا ينام قلبي" فلا يقبل إلا بدليل، والصحيح الأول. (التنبيه الثالث) قال النووي ﵀ أيضا: أجمعت الأمة على انتقاض الوضوء بالجنون والإغماء، وقد نقل الإجماع فيه ابن المنذر، وآخرون. واستدل له أصحابنا وغيرهم بحديث عائشة أن النبي ﷺ "أغمي عليه، ثم أفاق فاغتسل ليصلي، ثم أغمي عليه، ثم أفاق فاغتسل". رواه الشيخان. اهـ المجموع ج ١ ص ١١. وقال في شرح مسلم: واتفقو على أن زوال العقل بالجنون والإغماء والسكر بالخمر، أو النبيذ، أو البنج، أو الدواء ينقض الوضوء، سواء قل، أو كثر، وسواء كان ممكن المقعدة، أو غير ممكنها. اهـ قال الشوكاني ﵀: وفي البحر: أن السكر كالجنون عند الأكثر، وعند المسعودي أنه غير ناقض إن لم يغش. اهـ نيل ج ١ ص ٢٩٠. والله تعالى أعلم. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 1801

١١٧ - بَابُ النَّعَاسِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم النعاس. قال في "ق": النُّعاس بالضم: الوَسَن، أو فترة في الحواس، نَعَسَ، كمنع، فهو ناعس، ونَعسَانُ قليلة. اهـ ص ٧٤٥. والذي في المصباح، والبصائر: أن نَعَس من باب قتل، وهو ظاهر عبارة اللسان. وقال في اللسان ج ٦ ص ٢٣٣: النعاس: النوم، وقيل: هو مُقَارَبَتُه وقيل: ثَقْلَتُهُ وقال الأزهري: حقيقة النعاس: السنة من غير نوم. اهـ والوَسَن محركة، وبهاء، والوَسْنَة، والسِّنَةُ كعدَة: شدة النوم، أو أوله، أو النعاس قاله في "ق"، ونقل ابن القطاع وغيره أن الوسن يقال: للاستيقاظ، فهو من الأضداد. أفاده نصر الهوريني في تعليقه على "ق" ص ١٥٩٨. وقد تقدم في الباب الماضي عبارة المصباح في الفرق بين النوم والسنة، والنعاس، فارجع إليه تزدد علما. والموافق من هذه المعاني لغرض المصنف هو ما قاله الأزهري حيث إنه ساق حديث الباب استدلالا على أن النعاس لا ينقض الوضوء، فلو كان معنى النعاس النوم الثقيل لنقض الوضوء، ووجه استدلاله أنه لو كان ناقضا للوضوء لما منع النبي ﷺ عن الصلاة بخشيته أن يدعو على نفسه، بل وجب أن يذكر أنه لا تصح صلاته مع النعاس أو نحوه لانتقاض وضوئه. أفاده السندي. ١٦٢ - أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا نَعَسَ

стр. 1802

الرَّجُلُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنْصَرِفْ، لَعَلَّهُ يَدْعُو عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ لَا يَدْرِي". رجال الإسناد: ستة ١ - (بشر بن هلال) الصّوّاف البصري أبو محمَّد النميري -بضم النون- ثقة، من العاشرة، مات سنة -٢٤٧ - اهـ "ت"، ص ٤٥ وفي "تت" روى عن جعفر بن سليمان، وعبد الوارث بن سعيد، ويزيد بن زريع، ويحيى القطان، وغيرهم. وروى عنه الجماعة، إلا البخاري، وإسحاق الكوسج، وبَقيّ بن مخلد، وحرب الكرماني، وابن خز يمة، وأبو حاتم. وقال: محله الصدق، وكان أيقظ من بشر بن معاذ. وقال ابن حبان في الثقات: يُغْرب، وقال الحافظ: وثقه النسائي في أسماء شيوخه، وأبو علي الجياني في أسماء شيوخ أبي داود. اهـ ج ١ ص ٣٦٢ أخرج عنه مسلم، والأربعة. ٢ - (عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان العنبري مولاهم أبو عبيدة التنوري (١) بفتح المثناة وتشديد النون البصري، ثقة ثبت رمي بالقدر، ولم يثبت عنه، من الثامنة، مات سنة -١٨٠ - . وفي "صة" أحد الأعلام، رمي بالقدر، ولم يصح. عن عبد العزيز ابن صهيب، وأبي التياح، وأيوب، وسليمان التيمي، وخلق. وعنه ابنه عبد الصمد، والقطان، وعفان بن مسلم، وخلائق. قال النسائي: ثقة ثبت. وقال الحافظ الذهبي: أجمع المسلمون على الاحتجاج به. اهـ ج ٢ ص ١٨٥ وتقدم في ٦/ ٦.

стр. 1803

٣ - (أيوب) بن أبي تميمة السختياني البصري الحجة ثقة ثبت -٥ - تقدم في ٥٥/ ٦٩ وفي ٤٢/ ٤٨. ٤ - (هشام بن عروة) المدني ثقة فقيه -٥ - تقدم في ٤٩/ ٦١. ٥ - (عروة) بن الزبير بن العوام المدني أحد الفقهاء السبعة ثقة -٣ - تقدم في ٤٩/ ٦١. ٦ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ٥/ ٥. لطائف هذا الإسناد منها أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم ممن اتفقوا على التخريج لهم إلا شخيه، فلم يخرج له البخاري كما مر آنفا، وأنهم ما بين بصريين، وهم من قبل هشام، ومدنيين، وهم الباقون، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وعائشة من المكثرين السبعة. شرح الحديث (عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: قال رسول الله ﷺ : إذا نَعَس الرجل) من باب منع كما في "ق"، وفي المصباح: نَعَس، ينعُس من باب قتل، والاسم: النعاس، فهو ناعس، والجمع نُعَّس، مثل راكِعِ ورُكَّع، والمرأة ناعسة، والجمع نَوَاعس، وربما قيل: نعسان ونَعْسَى، حملوه على وسَنان ووَسْنَى. وأول النوم النعاس وهو أن يحتاج الإنسان إلى النوم، ثم الوسن، وهو ثقل النعاس، ثم التَّرْنيقُ، وهو مخالطة النعاس للعين، ثم الكَرَى، والغَمْض، وهو أن يكون الإنسان بين النائم واليَقْظان، ثم العَفْق وهو النوم، وأنت تسمع كلام القوم، ثم الهُجُود والهُجُوع. وروي "أن أهل الجنة لا ينامون" لأن النوم موت أصغر، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ

стр. 1804

يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، وكثيرا ما يحمل الشيء على نظيره، قال الفراء: وأحسن ما يكون ذلك في الشعر قال الأزهري: حقيقة النُّعاس: الوسن من غير نوم. اهـ عبارة المصباح ج ٢ ص ٦١٣. وفي رواية البخاري: "إذا نعس أحدكم" (وهو في الصلاة) جملة حالية، من الرجل وفي الكُبرى "وهو يصلي" (فلينصرف) أي بالتسليم بعد إكمالها بالتخفيف. وقال الحافظ ﵀: وحمله المهلب على ظاهره، فقال: بقطع الصلاة لغلبة النوم عليه، فدل على أنه إذا كان النعاس أقل من ذلك عفي عنه. قال: وقد أجمعوا على أن النوم القليل لا ينقض الوضوء، وخالف في ذلك المزني فقال: ينقض قليله وكثيره، فخرق بذلك الإجماع. كذا قال المهلب، وتبعه ابن بطال، وابن التين، وغيرهما وقد تحاملوا على المزني في هذه الدعوى، فقد نقل ابن المنذر، وغيره عن بعض الصحابة والتابعين المصير إلى أن النوم حدث ينقض قليله وكثيره، وهو قول أبي عبيد، وإسحاق بن راهويه، قال ابن المنذر: وبه أقول، لعموم حديث صفوان بن عسال، يعني الذي صححه ابن خزيمة، وغيره، ففيه: "إلا من غائط، أو بول، أو نوم" فسوّى بينهما في الحكم، والمراد بقليله وكثيره طول زمانه وقصره لامباديه. والذين ذهبوا إلى أن النوم مظنة الحدث اختلفوا على أقوال: التفرقة بين قليله وكثيره، وهو قول الزهري، ومالك، وبين المضطجع وغيره، وهو قول الثوري، وبين المضطجع والمستند وغيرهما، وهو قول أصحاب الرأي، وبينهما والساجد بشرط قصده النوم وبين غيرهم، وهو قول أبي يوسف، وقيل: لا ينقض نوم غير القاعد مطلقا، وهو قول الشافعي في

стр. 1805

القديم، وعنه التفصيل بين خارج الصلاة فينقضى أو داخلها فلا، وفَصَّل في الجديد بين القاعد المتمكن فلا ينقض وبين غيره فينقض اهـ فتح ج ١ ص ٣٧٦. وقد تم البحث عن هذه الأقوال مستوفى في الباب الماضي. ثم ذكر سبب أمره بالانصراف فقال (لعله يدعو على نفسه) مكان الدعاء لها، بسبب غلبة النعاس عليه، وهذا هو محل استنباط المصنف ﵀ عدم انتقاض الوضوء بالنعاس، حيث إن النبي ﷺ بيّن سبب الأمر بالانصرف، وهو الدعاء على نفسه، ولو كان النعاس ناقضا للوضوء لعلل الأمر بالانصراف به. وهو استنباط حسن. ولفظ البخاري لعله "يستغفر، فيسب نفسه". قال في الفتح: يحتمل أن يكون علة النهي خشية أن يوافق ساعة الإجابة، قاله ابن أبي جمرة. اهـ ج ١ ص ٣٧٦. وقال البدر العيني: فإن قلت: كيف يصح ها هنا معنى الترجي؟ قلت الترجي فيه عائد إلى المصلي لا إلى المتكلم به، أي لا يدري أمستغفر، أم سابّ مترجيا للاستغفار، فهو بضد ذلك، أو استعمل بمعنى التمكن بَيْنَ الاستغفار والسب؛ لأن الترجي بين حصول المرجو وعدمه، فمعناه لا يدري: أيستغفر، أم يسب، وهو متمكن منهما على السوية. اهـ عمدة ج ٢ ص ٤٢٥ وقال الحافظ ﵀: قال المهلب: فيه إشارة إلى العلة الموجبة لقطع الصلاة، فمن صار في مثل هذه الحال، فقد انتقض وضوؤه بالإجماع. كذا قال، وفيه نظر، فإن الإشارة إنما هي إلى جواز قطع الصلاة أو الانصراف إذا سلم منها. وأما النقض فلا يتبين من سياق الحديث؛ لأن جريان ما ذكر على اللسان ممكن من الناعس، وهو القائل إن قليل النوم لا ينقض فكيف بالنعاس، وما ادعاه من الإجماع منتقض، فقد صح عن أبي موسى الأشعري، وابن عمر، وسعيد بن المسيب: أن النوم لا ينقض مطلقا، وفي صحيح مسلم، وأبي داود: "وكان

стр. 1806

أصحاب النبي ﷺ ينتظرون الصلاة مع النبي ﷺ فينامون، ثم يصلون، ولا يتوضئون"، فحمل على أن ذلك كان، وهم قعود، لكن في مسند البزار بإسناد صحيح في هذا الحديث: "فيضعون جنوبهم، فمنهم من ينام، ثم يقومون إلى الصلاة". اهـ فتح ج ١ ص ٣٧٦. (وهو لا يدري) جملة حالية من الضمير في يدعوا، أي والحال أنه لا يعلم دعاءه على نفسه، فلعله يوافق ساعة الإجابة، فيكون ضررا عليه. وسيأتي للمصنف في رقم -٤٤٣ - وهو في الكبرى برقم ١٨٧ من حديث أنس: "أن رسول الله ﷺ قال: "إذا نعس أحدكم في صلاته فلينصرف، وليرقد"، ولفظ البخاري: "فلينم". قال المهلب: إنما هذا في صلاة الليل؛ لأن الفريضة ليست في أوقات النوم، ولا فيها من التطويل ما يوجب ذلك. ورد عليه بأن العبرة بعموم اللفظ فيعمل به أيضا في الفرائض إن وقع ما أُمنَ بقاءُ الوقت. أفاده في الفتح ج ١ ص ٣٧٧. وقال البدر العيني ﵀: فإن قلت: فقد جاء في حديث ابن عباس ﵁ في نومه في بيت ميمونة ﵂ "فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني" ولم يأمره بالنوم. قلت: لأنه جاء تلك الليلة ليتعلم منه ففعل ذلك ليكون أثبت له. اهـ عمدة ج ٢ ص ٤٢٥. وبالله التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكره عند المصنف: هذا الحديث أخرجه الصنف هنا ١١٧/ ١٦٢، وفي الكبرى ١٠١/ ١٥٤ بهذا السند. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول، وغيرهم:

стр. 1807

أخرجه (خ م د) فأخرجه (خ) في الطهارة -٥٥/ ١ - عن عبد الله ابن يوسف و (م) في الصلاة ١٣٩/ ٤ عن قتيبة، و (د) في الصلاة ٣٠٩/ ١ عن القعنبي ثلاثتهم، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂. وأخرجه أحمد في ٦/ ٥٦، و ٦/ ٢٠٥ و ٦/ ٢٠٢ - ، وأخرجه البيهقي في ٣/ ١٦. المسألة الرابعة: قال الحافظ ﵀: هذا الحديث ورد على سبب، وهو ما رواه محمَّد بن نصر من طريق ابن إسحاق عن هشام في قصة الحولاء بنت تُويت. اهـ فتح ج ١ ص ٣٧٧. قال الجامع عفا الله عنه: وقصتها هو ما رواه البخاري في الصحيح عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها، وعندها امرأة، قال: من هذه قالت: فلانة تذكر من صلاتها قال: "مه عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا". وكان أحب الدين إليه ما دام عليه صاحبه. المسألة الخامسة: في فوائده: في هذا الحديث: الأمر بالانصراف عند غلبة النوم، وأن النعاس لا ينقض الوضوء إذا كان خفيفا، وفيه: الأخذ بالاحتياط؛ لأنه علله بأمر محتمل، وفيه الدعاء في الصلاة، وفيه الحث على الخشوع، وحضور القلب في العبادة، وذلك لأن الناعس لا يحضر قلبه، والخشوع إنما يكون بحضور القلب. والله تعالى أعلم. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 1808

١١٨ - الوُضُوءُ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على إيجاب الوضوء من مس الرجل ذكره. والذكر الفرج من الحيو ان جمعه: ذكَرَة، مثل عنَبَة، وَمذَاكير على غير قياس. اهـ المصباح ج ١ ص ٢٠٩. ١٦٣ - أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، أَنْبَأَنَا مَالِكٌ (ح) وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَذَكَرْنَا مَا يَكُونُ مِنْهُ الْوُضُوءُ، فَقَالَ مَرْوَانُ: مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ الْوُضُوءُ. فَقَالَ عُرْوَةُ: مَا عَلِمْتُ ذَلِكَ، فَقَالَ مَرْوَانُ: أَخْبَرَتْنِي بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ". رجال الإسناد: تسعة ١ - (هارون بن عبد الله) بن مروان البغدادي أبو موسى الحَمَّال بالمهملة، البزاز ثقة، من العاشرة، مات سنة -٢٤٣ - وقد ناهز الثمانين وقد تقدم في ٥٠/ ٦٢.

стр. 1809

٢ - (معن) بن عيسى بن يحيى ى الأشجعي مولاهم، أبو يحيى المدني القزاز، ثقة ثبت، قال أبو حاتم: هو أثبت أصحاب مالك، من كبار العاشرة، مات سنة ١٩٨. وتقدم في ٥٠/ ٦٢. ٣ - (مالك) بن أنس الإمام العلم المشهور -٧ - تقدم في ٧/ ٧. ٤ - (الحارث بن مسكين) بن محمَّد بن يوسف، أبو عمرو المصري ثقة -١٠ - تقدم في ٩/ ٩. ٥ - (ابن القاسم) هو عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جُنَادة العُتَقي -بضم المهملة وفتح المثناة بعدها قاف، أبو عبد الله المصري الفقيه صاحب مالك، ثقة، من كبار العاشرة، مات سنة ٢٥١. تقدم في ١٩/ ٢٠. ٦ - (عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم) الأنصاري المدني، القاضي، ثقة، من الخامسة، مات سنة -١٣٥ - وهو ابن -٧٠ - رَوَى عن أبيه، وأنس، وعباد بن تميم. وعنه الزهري وهشام ابن عروة، والسفيانان. قال النسائي: ثقة ثبت. تقدم في ١١٨/ ١٦٣. ٧ - (عروة بن الزبير) بن العوام الأسدي، أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه -٣ - ، تقدم في ٤٩/ ٦١ أو في ٤٠/ ٤٤. ٨ - (مروان بن الحكم) بن أبي العاص بن أمية، أبو عبد الملك الأموي، المدني، ولي الخلافة في آخر سنة -٦٤ - ، ومات سنة ٦٥ في رمضان وله -٣ أو -٦١ - سنة لا يثبت له صحبة، من الثالثة. روى عن عثمان، وعلي. وعنه ابنه عبد الملك، وسهل بن سعد، أكبر منه في صحيح البخاري. استولى على مصر، والشام، ومات بدمشق سنة -٦٥ - اهـ "صة"ج ٣ ص ١٩. وفي "تت": كتب لعثمان، وولي امرة المدينة أيام معاوية، وبويع له

стр. 1810

بالخلافة بعد موت معاوية بن يزيد بن معاوية بالجابية، وكان الضحاك ابن قيس غلب على دمشق، ودعا لابن الزبير، ثم دعا لنفسه فواقعه مروان بمرج راهط، فقتل الضحاك، وغلب مروان على دمشق، ثم على مصر، ومات في رمضان سنة ٦٥ وكانت ولايته تسعة أشهر. قال البخاري: لم ير النبي ﷺ ، وقال ابن عبد البر في الاستيعاب: ولد يوم الخندق، وعن مالك: أنه ولد يوم أحد، وقد قال مروان في كلام دار بينه وبين روح بن زنبَاع عندما طلب الخلافة: ليس ابن عمر بأخير مني، ولكنه أسن مني، وكانت له صحبة، وعاب الإسماعيلي على البخاري تخريج حديثه، وعدّ من موبقاته أنه رَمَى طلحة أحد العشرة يوم الجَمَل، وهما جميعا مع عائشة، فقتله، ثم وثب على الخلافة بالسيف. اهـ. "تت" ج ١٠ ص ٩٢ واعتذر عنه في هدي الساري بما حاصله: يقال: له رؤية، فإن ثبتت فلا يعرج على من تكلم فيه، وقال عروة بن الزبير: كان مروان لا يتهم في الحديث، وقد روى عنه سهل بن سعد الساعدي الصحابي اعتمادا على صدقه. ونقموا عليه أنه رَمَى طلحة يوم الجمل بسهم، فقتله، ثم شهر السيف في طلب الخلافة حتى جرى ما جرى. فأما قتل طلحة فكان متأولا فيه، كما قرره الإسماعيلي، وغيره، وأما ما بعد ذلك فإنما حَمَل عنه سهلُ بن سعد، وعروةُ، وعلي بن الحسين، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وهؤلاء أخرج البخاري أحاديثهم عنه في صحيحه لما كان أميرا عندهم بالمدينة قبل أن يبدو منه في الخلاف على ابن الزبير ما بدا، والله أعلم. وقد اعتمد مالك على حديثه ورأيه، والباقون (١) سوى مسلم. اهـ هدي الساري مقدمة فتح الباري ص ٤٦٦. ٩ - (بسرة بنت صفوان) -بضم أولها وسكون المهملة- بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، الأسدية صحابية لها سابقة وهجرة، عاشت إلى ولاية معاوية. اهـ "ت" ص ٤٦٦.

стр. 1811

وفي "تت": أخت عقبة بن أبي معيط لأمه، هكذا نسبها الزبير، وقال: ليس لصفوان بن نوفل عقب إلّا من بسرة، هي أم معاوية بن المغيرة ابن أبي العاص، وهي جدة عبد الملك بن مروان؛ لأن أمه عائشة بنت معاوية، وقال غيره: بسرة بنت صفوان بن أمية بن مُحَرِّث بن حمل بن سعد بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة خالة مروان بن الحكم. روت عن النبي ﷺ . وعنها أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، ولها صحبة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومروان بن الحكم، وعروة ابن الزبير، وحميد بن عبد الرحمن بن عوف. قال ابن عبد البر: ليس قول من قال: إنها من كنانة بشيء، والصواب أنها من بني أسد. وقال ابن حبان: خديجة زوج النبي ﷺ عمة أبيها، وكانت من المهاجرات وقال مصعب: هي من المبايعات، وقال الشافعي: لها سابقة وهجرة قديمة. عاشت إلى ولاية معاوية. أخرج لها الجماعة اهـ "تت" ج ١٢ ص ٤٠٤. لطائف هذا الإسناد منها أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم مدنيون إلا هارون، فبغدادي، والحارث، وابن القاسم فمصريان، وفيه كلمة (ح) وقد تقدم شرحها غير مرة، وفيه قوله: الحارث بن مسكين قراءة عليه، وأنا أسمع، وقد مر شرحه في -٩/ ٩ - وفيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم، عن بعض: عبد الله، وعروة، ومروان، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه الإخبار، والإنباء والسماع، والتحديث، والعنعنة. وقوله: والحارث عطف على قوله: هارون. وفيه ما تقدم من القاعدة المشهورة، وهي تقدير لفظ "قال" بين ألفاظ التحديث، فيقال: حدثنا هارون بن عبد الله، قال: حدثنا معن، قال أنبأنا: مالك الخ. وقد تقدم البحث عنه غير مرة.

стр. 1812

شرح الحديث (عن عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم) بالحاء المهملة والزاي المعجمة (أنه سمع عروة بن الزبير بقول) جملة حالية على الأصح؛ لأن سمع يتعدى إلى مفعول واحد كما تقدم غير مرة (دخلت على مروان بن الحكم فذكرنا) وفي الموطأ "فتذاكرنا" (ما يكون منه الوضوء) "ما" يحتمل أن تكون استفهامية مبتدأ خبره الجملة بعده، والجملة مفعول "ذكر" معلق عنها العامل، أي فذكرنا أيّ شيء يجب منه الوضوء، ويحتمل أن تكون موصولة، أي فذكر الشيء الذي يكون منه الوضوء، والوضوء هنا بالضم؛ لأن المراد به الفعل (فقال مروان من مَسِّ الذكر الوضوء) الجار والمجرور خبر مقدم، و"الوضوء" مبتدأ مؤخر، وليس المراد بالوضوء الوضوء اللغوي، وهو غسل اليد، بل المراد الوضوء الشرعي، لما في رواية ابن حبان: "مَن مس فرجه، فليتوضأ وضوءه للصلاة"، وفي أخرى له: "مَن مس فرجه فليعد الوضوء"، والإعادة لا تكون إلا لوضوء الصلاة، فالحديث يدل على انتقاض الوضوء من مس الذكر، أفاده في عون المعبود ج ١ ص ٣٠٧ - ٣٠٨ (فقال عروة) فيه التفات، إذا الظاهر أن يقول: فقلت (ما علمت ذلك) أي ما علمت أن مس الذكر ينقض الوضوء، وقال ذلك إنكارا على مروان فيما ادّعاه، ولذا احتج عليه مروان بحديث بسرة هذا (فقال مروان) محتجا عليه في ذلك (أخبرتني بسرة) بضم الباء وسكون السين المهملة (بنت صفوان أنها سمعت رسول الله ﷺ قول: إذا مس أحدكم ذكره) أي من غير حائل لما في رواية أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : "من أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه ستر، فقد وجب عليه الوضوء"، رواه أحمد وابن حبان قاله في المنهل ج ٢ ص ١٩٢، ولأن المس في الأصل الإفضاء إلى الشىء باليد من غير حائل، قال في المصباح: مَسسْته من باب تَعبَ، وفي لغة مَسَسْته مَسًا من باب قتل: أفضيت إليه بيدي من

стр. 1813

غير حائل، هكذا قيدوه، والاسم المسيس مثل كريم. اهـ ج ٢ ص ٥٧٢. (فليتوضأ) أي وضوء الصلاة كما مرّ آنفا. وفيه دليل على انتقاض الوضوء من مس الذكر، وسيأتي الكلام عليه وبيان مذاهب العلماء وأدلتهم آخر الباب إن شاء الله تعالى. ١٦٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: ذَكَرَ مَرْوَانُ فِي إِمَارَتِهِ عَلَى الْمَدِينَةِ أَنَّهُ يُتَوَضَّأُ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ، إِذَا أَفْضَى إِلَيْهِ الرَّجُلُ بِيَدِهِ، فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ، وَقُلْتُ: لَا وُضُوءَ عَلَى مَنْ مَسَّهُ، فَقَالَ: مَرْوَانُ: أَخْبَرَتْنِي بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَكَرَ مَا يُتَوَضَّأُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَيُتَوَضَّأُ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ". قَالَ عُرْوَةُ: فَلَمْ أَزَلْ أُمَارِي مَرْوَانَ حَتَّى دَعَا رَجُلاً مِنْ حَرَسِهِ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى بُسْرَةَ، فَسَأَلَهَا عَمَّا حَدَّثَتْ مَرْوَانَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بُسْرَةُ بِمِثْلِ الَّذِي حَدَّثَنِي عَنْهَا مَرْوَانُ.

стр. 1814

رجال الإسناد: ثمانية ١ - (أحمد بن محمَّد بن المغيرة) بن سنان الأزدي الحمصي، صدوق من الحادية عشرة، مات سنة -٢٦٤ - وفي "تت" وقيل: إن اسم جده سيار، رَوَى عن أبي حيوة شريح بن يزيد الحمصي، وبشر بن شعيب بن أبي حمزة، وعثمان بن سعيد بن كثير، وغيرهم. وعنه النسائي، وقال: ثقة، وابن جوصا، وأبو عوانة، وابن أبي حاتم، وقال: ثقة صدوق، وابن جرير، وغيرهم. وأرخ ابن قانع وفاته سنة -٢٦٤ - بحمص. اهـ ج ١ ص ٧٧ - تقدم في ٦٩/ ٨٥. ٢ - (عثمان بن سعيد) بن كثير بن دينار القرشي مولاهم أبو عمرو. الحمصي، ثقة عابد، من التاسعة، مات سنة ٢٠٩، وفي "تت": قال أحمد وابن معين: ثقة، وقال عبد الوهاب بن نجدة كان يقال هو من الأبدال، وقال أيضا هو ريحانة الشام عندنا، وقال الحاكم في المستدرك: ثقة اهـ باختصار ج ٧ ص ١١٨، أخرج له أبو داود، والمصنف، وابن ماجه. ٣ - (شعيب) بن أبي حمزة -دينارالحمصي ثقة ثبت -٧ - تقدم في ٦٩/ ٨٥. ٤ - (الزهري) محمَّد بن مسلم المدني الحجة ثقة فقيه حافظ -٤ - تقدم في ١/ ١. وأما ٥، ٦، ٧، ٨ فقد تقدموا في السند السابق. لطائف هذا الإسناد منها أنه من ثمانياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأن الثلاثة الأولين حمصيون والباقون مدنيون، وأن شيخه ممن انفرد هو به عن سائر الأئمة. شرح الحديث (عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم) هو المذكور في السند السابق لكن هنا أسقط محمدا أبا أبي بكر، ونسبه إلى جده (أنه سمع

стр. 1815

عروة بن الزبير يقول: ذكر مروان) بن الحكم (في إمارته) بكسر الهمزة: الولاية، ومثلها الإمْرة، بالكسر أيضا، يقال: أمَرَ على القوم يأمُر، من باب قَتَل، فهو أمير، والجمع أمَرَاء، يُعَدَّى بالتضعيف، فيقال: أمَّرته تأميرا. قاله في المصباح ج ١ ص ٢٢ أي في أيام ولايته (على المدينة) النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والتسليم. والمدينة في الأصل: المصر الجامع، ووزنها فَعيلة؛ لأنها من مَدَن، وقيل مَفعَلة، بفتح الميم؛ لأنها من دان والجمع مُدُن، ومدائن بالهمز على القول بأصالة الميم ووزنها فعائل، وبغير همز، على القول بزيادة الميم، ووزنها مفاعل لأن للياء أصلا في الحركلة فترد إليه، ونظيرها في الاختلاف معايش. قاله في المصباح ج ٢ ص ٥٦٦ - ٥٦٧. وقال ابن منظور ﵀: مَدَن بالمكان أقام به، فعل ممُاَت، أي غير مستعمل، ومنه المدينة، وهي فعيلة، وتجمع على مدائن بالهمز، ومَدَن ومَدَّن بالتخفيف، والتثقيل، وفيه قول آخر أنه مَفعلة من دنْتُ -أي بالكسر- بمعني مُلكتُ، قال ابن بَرّىّ: لو كانت الميم في مدينة زائدة لم يجز جمعها على مُدُن، وفلان مَدَّن المدائن كما يقال: مَصَّرَ الأمصار، قال: وسئل أبو علي الفسويّ عن همزة مدائن فقال: فيه قولان: من جعله فَعيلة من قولك مدن بالمكان أي أقام به هَمَزَه، ومن جعله مفعلة من قولك دينَ أي مُلكَ لم يهمزه كما لا يهمز معايش. والمدينة الحصين يبنى في أصْطُمَة (١) الأرض، مشتق من ذلك، وكل أرض يُبنى بها حصن في أصطمتها فهي مدينة، والنسبة إليها مديني، والجمع مدائن ومُدُن. والمدينة: اسم مدينة رسول الله ﷺ خاصة غلبت عليها تفخيما لها شرفها الله وصانها، وإذا نسبت إلى المدينة فالرجل، والثوب، مَدَني والطير، ونحوه، مَديني، لا يقال: غير ذلك.

стр. 1816

وقال بعد ذلك: وإذا نسبت إلى مدينة الرسول ﵊ قلت: مَدَني، وإلى مدينة المنصور، مديني، وإلى مدائن كسرى مدائني، للفرق بين النسب، لئلا يختلط. اهـ لسان باختصار ج ١٣ ص ٤٠٢ - ٤٠٣. قال الجامع عفا الله عنه: وهذا الذي قاله في الفرق بين النسب هو المشهور، وعبارة المجد في القاموس: والنسبة إلى مدينة النبي ﷺ مَدَني وإلى مدينة المنصور، وأصفهان، وغيرهما: مديني، أو الإنسان مدني، والطائر ونحوه مديني، وذكر قبيل ذلك أن المدينة تطلق عَلى ستة عشر بلدا. والحاصل أن المدينة صارت علما بالغلبة على طيبة زادها الله شرفا وعزا (أنه) أي الشأن والأمر (يتوضأ) بالبناء للمفعول (من مس الذكر) أي بيده بغير حائل كما هو ظاهر قوله (إذا أفضى إليه الرجل) أي وصل إليه (بيده) من دون ساتر، لما في حديث أبي هريرة ﵁: "أن النبي ﷺ قال: من أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه ستر، فقد وجب عليه الوضوء" رواه أحمد وابن حبان، وقال: صحيح سنده، عدول نقلته، وصححه الحاكم، وابن عبد البر. وهذا الحديث يدل على وجوب الوضوء من المس، ويرد قول من قال بالاستحباب، وقد استدل به الشافعية في أن النقض إنما يكون إذا مس الذكر بباطن الكف لما يعطيه لفظ الإفضاء، قال الحافظ في التلخيص: لكن نازع في دعوى أن الإفضاء لا يكون إلا ببطن الكف غير واحد. قال ابن سيده في المحكم: أفضى فلان إلى فلان: وصل إليه، والوصول أعم من أن يكون بظاهر الكف كما يكون بباطنها، قال: ولا دليل على ما قالوه. يعني التخصيص بالباطن من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا قول صاحب، ولا قياس، ولا رأي صحيح. وقال المجد ابن تيمية في المنتقى بعد ذكر حديث أبي هريرة ما نصه:

стр. 1817

وهو يمنع تأويل غيره على الاستحباب، ويثبت بعمومه النقض ببطن الكف وظهره، وينفيه بمفهومه من وراء حائل، وبغير اليد. وفي لفظ الشافعي: "إذا أفضى أحدكم إلى ذكره ليس بينها وبينه شيء فليتوضأ". اهـ نيل الأوطار ج ١ ص ٣٠٢. قال عروة (فأنكرت ذلك) عليه (وقلت: لا وضوء على من مسه) أي الذكر، وإنما أنكر عليه لظنه أنه رَأيٌ رءاه مروان بلا مستند. لكنه ذكر مستنده كما أوضحه قوله (فقال مروان: أخبرتنى بسرة بنت صفوان) ﵂ (أنها سمعت رسول الله ﷺ ذكر) بالبناء للفاعل (ما) موصولة مفعول "ذكر" (يُتوضأ منه) بالبناء للمفعول، أي الشيء الذي يجب الوضوء منه. وجملة "ذكر" حال على تقدير "قد" على مذهب البصريين، وبدونها على مذهب الكوفيين، وهو الأولى (١) (فقال رسول الله ﷺ ) بالفاء التفصيلية، فالجملة بيان لجملة "ذكر"، أي فقال: يتوضأ من كذا، ويتوضأ من كذا (ويتوضأ من مس الذكر) بالبناء للمفعول، فالجملة عطف على مقدر. واستدل بقوله الذكر من دون إضافة أن مس ذكر غيره ينقض الوضوء لإطلاقه. قال الجامع: لكن الظاهر أن أن هنا عوض عن المضاف إليه، أي ذكره بدليل الرواية الأخرى، فلا يتم الاستدلال. فتأمل. والله أعلم. (قال عروة فلم أزل أماري مروان) يقال ماريته، أماريه، مُمَاراة، ومرَاء: جادلته، ويقال ماريته أيضا: إذا طعنت في قوله تزييفا للقول، وتصغيرا للقائل، ولا يكون المراء إلا اعتراضا، بخلاف الجدال فإنه يكون ابتداء واعتراضا. قاله في المصباح. ج ٢ ص ٥٧٠ وقال في مادة جدل: جَدل الرجلُ، جَدَلًا، فهو جَدل، من باب تَعبَ: إذا اشتدت

стр. 1818

خصومته، وجادل مجادلة، وجدَالا: إذا خاصم بما يَشْغَل عن ظهور الحق، ووضوح الصواب، هذا أصله، ثم استعمل على لسان حملة الشرع في مقابلة الأدلة لظهور أرجحها، وهو محمود إن كان للوقوف على الحق، وإلا فمذموم، ويقال: أول من دون الجدل أبو علي الطبري. اهـ ج ١ ص ٩٣. (حتى دعا) أي نادى، يقال: دعوت زيدا: ناديته، وطلبت إقباله. قاله في المصباح ج ١ ص ١٩٤ (رجلا من حرسه) أي أعوانه وحفظته، لا واحد له، ولذا ينسب إلى لفظه فيقال حَرَسيّ. قال في المصباح: حَرَسَه يَحرُسُه من باب قتل: حفظه، والاسم الحرَاسة، فهو حارس، والجمع حَرَس وحُرَّاس، مثل خادم، وخدم، وخدام، وحرسُ السلطان: أعوانه، جُعل عَلَما على الجمع لهذه الحالة المخصوصة، ولا يستعمل له واحد من لفظه، ولهذا نسب إلى الجمع، فقيل: حرسي ولو جعل الحرس هنا جمع حارس لقيل: حارسي، قالوا: ولا يقال: حارسي إلا إذا ذُهب به إلى معنى الحرَاسَة دون الجنس. اهـ ج ١ ص ٢٩. ثم إنه لم يعرف ذلك الحرسي، ولذا طعن مَن طعن في هذا الحديث بجهالته، لكن ثبت أن عروة لم يكتف بهذا، بل لقي بسرة فأخبرته وسيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى (فأرسله إلى بسرة) ليسألها (فسألها عما حدثت مروان) أي عن الحديث الذي حدثته (فأرسلت إليه بسرة) أظهر في مقام الإضمار للإيضاح (بمثل) الحديث (الذي حدثني عنها مروان) أظهر أيضًا للإيضاح. وبالله التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 1819

مسائل تتعلق بحديث بسرة رضى الله عنها المسألة الأولى في درجته: حديث بسرة ﵂ هذا صحيح. المسألة الثانية في بيان مواضعه عند المصنف: أخرج المصنف حديث بسرة ﵂ في: ١٦٣، ١٦٤، ٤٤٤، ٤٤٥، ٤٤٦، ٤٤٧. المسألة الثالثة فيمن أخرجه: أخرج حديث بسرة ﵂ (د ت س ق) فأخرجه (د) في الطهارة -٧٠/ ١ - عن القعنبي عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر، أنه سمع عروة، يقول: دخلت على مروان بن الحكم، فذكرنا ما يكون منه الوضوء، فقال مروان: ومن مس الذكر، فقال عروة: ما علمت ذلك، فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان به. وأخرجه (ت) فيه -٦١/ ١ - عن إسحاق بن منصور، عن يحيى بن سعيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن بسرة به. وقال: حسن صحيح، وفي -٦١/ ٢ - عن علي بن حُجْر، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه عن عروة، عن بسرة نحوه. وأخرجه (س) فيه ١١٨/ ١٦٣ عن هارون بن عبد الله، عن معن بن عيسى، و ١١٨/ ١٦٣ عن الحارث بن مسكين، عن ابن القاسم- كلاهما عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عروة، عن مروان، عن بسرة به. و ١١٨/ ١٦٤ عن أحمد بن محمَّد بن المغيرة، عن عثمان بن سعيد، عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن عروة، عن مروان به. وعن عروة، عن رجل، من حرس مروان بن الحكم، عن بسرة به. وفيه قصة. و٣٠/ ٤٤٤ عن قتيبة. عن سفيان، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة، عن بسرة، به. و ٣٠/ ٤٤٥ عن عمران بن موسى، عن محمَّد

стр. 1820

ابن سَوَاء، عن سعيد، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن بسرة به. و ٣٠/ ٤٤٦ عن قتيبة، عن ليث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن بسرة به. وعن عروة، عمن أخبره عن بسرة، به. و ٣٠/ ٤٤٧ عن إسحاق بن منصور، عن يحيى بن سعيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن بسرة به. قال النسائي: هشام لم يسمع من أبيه هذا الحديث. وأخرجه (ق) فيه -٦٣/ ١ - عن محمَّد بن عبد الله بن نمير، عن عبد الله بن إدريس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن مروان عن بسرة به. اهـ تحفة الأشراف ج ١١ ص ٢٧٢. وأخرجه (الدارمي): ب ٥٠، وأخرجه ما- ك ٢ ج ٥٨، و ٦٠ - ٦٣، و-عد- ج ٨ ص ١٧٩ ز-ح ٢٤، وحم ثان ص ٢٢٣ و ٣٣٣، رابع ص ٣٣ و ٢٣، خامس ص ١٩٤، سادس ص ٣٤٩٦، ط- ح ١٦٥٧ (١) قاله في مفتاح كنوز السنة ص ٥٢٦. وأخرجه البيهقي ج ١ ص ١٢٨. المسألة الرابعة في مذاهب العلماء في انتقاض الوضوء بمس الذكر: المذهب الأول: مذهب من أوجب الوضوء به: وممن قال به عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وأبو هريرة، وابن عباس، وعائشة، وسعد ابن أبي وقاص، وعطاء، والزهري، وابن المسيب، ومجاهد، وأبان ابن عثمان، وسليمان بن يسار، وإسحاق، ومالك، والشافعي، وأحمد. واحتج هؤلاء بحديث الباب، وبما رواه الدراقطني: عن بسرة مرفوعا "إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ وضوءه للصلاة"، وفي رواية أخرى: "من مس ذكره فليعد الوضوء"، وبما رواره عن عائشة رضي

стр. 1821

الله عنها: "أن النبي ﷺ قال: ويل للذين يمسون فروجهم، ثم يصلون، ولا يتوضئون"، وهو دعاء بالشر، ولا يكون إلَّا على ترك واجب، وبما رواه أحمد، والطحاوي في شرح معاني الآثار، من طريق محمَّد بن إسحاق عن عروة، أيضا عن زيد بن خالد الجهني، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من مس فرجه فليتوضأ"، قال الطحاوي هذا الحديث منكر وأخْلق به أن يكون غَلَطا لأن عروة حين سأله مروان عن مس الفرج فأجابه من رَأيه أن لا وضوء فيه، فلما قال له مروان عن بسرة، عن النبي ﷺ ما قال، قال له عروة ما سمعت به، وهذا بعد موت زيد بن خالد بكم ما شاء الله، فكيف يجوزأن ينكر عروة على بسرة ما قد حدثه إياه زيد بن خالد، عن النبي ﷺ ؟ اهـ وحاصله أن حديث زيد غلط لأن عروة أنكر سماع نقض الوضوء من مس الذكر بعد أن أخبره مروان بسماعه من بسرة وإثباته ذلك، وكان ذلك بعد موت زيد بن خالد بزمن طويل، فلو كان حديث زيد ثابتًا ما أنكر عروة مدلوله على مروان. وما قاله الطحاوي من تقدم موت زيد بن خالد الجهني توهم منه، ولا ينبغي لأهل العلم أن يطعنوا في الإخبار بالتوهم، فإن المعوّل عليه أن زيد بن خالد مات سنة -٧٨ (١) - من الهجرة، ومروان بن الحكم مات سنة -٦٥ - كما تقدم، فيجوز أن يكون عروة لم يسمعه من أحد حين سأله مروان، ثم سمعه من بسرة، ثم سمعه من زيد بن خالد، فعلم أن حديث زيد بن خالد الذي أخرجه أحمد، والطحاوي ثابت يحتج به على نقض الوضوء من مس الذكر، فإن رجاله كلهم ثقات محتج بهم، فلا مَعْنَى لرده، وأن عروة روى الحديث عن كل من مروان، وزيد بن

стр. 1822

خالد، وثبت بإقرار الطحاوي أيضا أن زيد بن خالد الجهني لم يحدث عروة قبل تحديث مروان له، وأن الطحاوي بَنَى كلامه على رواية ضعيفة، في موت زيد بن خالد في خلافة معاوية، وترك رواية الأكثرين. المذهب الثاني مذهب من قال: لا ينقض مس الذكر الوضوء: وهو مذهب علي، وابن مسعود، وعمار، والحسن البصري، وربيعة، والعترة، والثوري، وأبي حنيفة، وأصحابه. واحتج هؤلاء بحديث طلق الآتي، قال الطحاوي فيه: إسنادُهُ مستقيم غير مضطرب، وصححه الطبراني، وابن حزم، وقال ابن المديني: هو أحسن من حديث بسرة. وبما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار عن علي ﵁ قال: ما أبالي أنفي مسست، أو أذني، أو ذكري. وبما رواه أيضا عن ابن مسعود، وحذيفة نحوه، وقالوا في حديث بسرة إنه خبر آحاد فيما تعم به البلوى، ولو ثبت لاشتهر، وعلى تسليم ثبوته فهو محمول على غسل اليد؛ لأن الصحابة كانوا يستنجون بالأحجار فإذا مسوه بأيديهم تلوثت، خصوصا في أيام الصيف، وبعضهم سلك طريق الجمع بين الروايتين، فجعل مس الذكر كناية عما يخرج منه لأن مسه يعقبه غالبا خروج الحدث كما كنى الله تعالى بالمجيء من الغائط عن قضاء الحاجة. لكن حديث طلق قد ضعفه الشافعي، والدارقطني، والبيهقي، وابن الجوزي. وقال الشافعي: قد سألنا عن قيس بن طلق فلم نجد من يعرفه، فبم يكون لنا قبول خبره، وقال أبو حاتم، وأبو زرعة: قيس بن طلق ليس ممن تقوم به الحجة، وعلى تسليم صحته فهو منسوخ بحديث

стр. 1823

بسرة لأنها أسلمت عام الفتح (١) سنة ثمان من الهجرة. وطلق قدم على النبي ﷺ وهو يبني المسجد في السنة الأولى من الهجرة ففي الدارقطني: حدثنا إسماعيل بن يونس بن ياسين، نا إسحاق بن أبي إسرائيل، نا محمَّد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه، قال: أتيت رسول الله ﷺ وهم يؤسسون مسجد المدينة، قال: وهم ينقلون الحجارة، قال فقلت: يا رسول الله ألا ننقل كما ينقلون؟ قال: "لا"، ولكن اخلط لهم الطين يا أخا اليمامة، فأنت أعلم به، فجعلت أخلط لهم، وهم ينقلون ثم رجع إلى قومه، ولم يثبت رجوعه إلى النبي ﷺ بعد ذلك. واحتجوا أيضا بحديث أبي هريرة "إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره ليس بينه وبينها شيء فليتوضأ". رواه الدارقطني. وإسلام أبي هريرة كان عام خيبر في السنة السابعة. وبما رُويَ عن طلق نفسه بلفظ "من مس فرجه فليتوضأ". أخرجه الطبراني وصححه، وقال: فيشبه أن يكون سمع الحديث الأول من النبي ﷺ قبل هذا، ثم سمع هذا بعدُ فوافق حديث بسرة. وممن قال بالنسخ ابن حبان، والطبراني، وابن العربي، والحازمي. وسلك بعضهم مسلك الترجيح فقال: حديث بسرة أرجح من حديث طلق، لكثرة من صححه من الأئمة منهم الترمذي، والدارقطني، وابن معين، وأحمد، وقال البخاري: إنه أصح شيء في الباب. اهـ المنهل ج ٢ ص ١٩٢ - ١٩٤. وقال الحافظ ﵀ في التلخيص: ما ملخصه: حديث بسرة بنت صفوان: صححه الترمذي، ونقل عن البخاري أنه أصح شيء في الباب، وقال أبو داود: قلت لأحمد: حديث بسرة ليس بصحيح؟ قال

стр. 1824

بلى، هو صحيح. وقال الدارقطني: صحيح ثابت، وصححه أيضا يحيى بن معين، فيما حكاه ابن عبد البر، وأبو حامد بن الشرقي، والبيهقي، والحازمي، وقال البيهقي: هذا الحديث وإن لم يخرجه الشيخان لاختلاف وقع في سماع عروة منها، أو من مروان، فقد احتجا بجميع رواته واحتج البخاري بمروان بن الحكم في عدة أحاديث فهو على شرط البخاري بكل حال. وقال الإسماعيلي في صحيحه في أواخر تفسير سورة آل عمران: إنه يلزم البخاري إخراجه، فقد أخرج نظيره، وغاية ما يعلل به هذا الحديث أنه من رواية عروة، عن مروان، عن بسرة، وأن رواية من رواه عن عروة، عن بسرة منقطعة، فإن مروان حدث به عروة، فاستراب عروة بذلك، فأرسل مروان رجلا من حرسه إلى بسرة فعاد إليه بأنها ذكرت ذلك، فرواية من رواه عن عروة عن بسرة منقطعة، والواسطة بينه وبينها إما مروان، وهو مطعون في عدالته، أو حرسيه، وهو مجهول، وقد جزم ابن خزيمة، وغير واحد من الأئمة بأن عروة سمعه من بسرة، وفي صحيح ابن خزيمة، وابن حبان: قال عروة: فذهبت إلى بسرة، فسألتها؟ فصدقته، واستدل على ذلك برواية جماعة من الأئمة له عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن مروان، عن بسرة، قال عروة: ثم لقيت بسرة فصدقته، وبمعنى هذا أجاب الدارقطني، وابن حبان. وقد أكثر ابن خزيمة، وابن حبان، والدراقطني، والحاكم من سياق طرقه بما اجتمع لي في الأطراف التي جمعتها لكتبهم، وبسط الدراقطني في علله الكلام عليه في نحو كراسين. وأما الطعن في مروان فقد قال ابن حزم: لا نعلم لمروان شيئا يجرح به قبل خروجه على ابن الزبير، وعروة لم يلقه إلا قبل خروجه على أخيه.

стр. 1825

(تنبيه) نقل بعض المخالفين عن يحيى بن معين أنه قال: ثلاثة أحاديث لا تصح: حديث "مس الذكر"، و"لا نكاح إلا بولي"، "وكل مسكر حرام". ولا يعرف هذا عن ابن معين، وقد قال ابن الجوزي: إن هذا لا يثبت عن ابن معين، وقد كان مذهبه انتقاض الوضوء بمسه. وقد روى الميموني عن يحيى بن معين أنه قال إنما يطعن في حديث بسرة من لا يذهب إليه. وفي سؤالات مضر بن محمَّد له، قلت ليحيى: أيّ شيء صح في مس الذكر؟ قال: حديث مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة، عن بسرة، فإنه يقول فيه: سمعت، ولولا هذا لقلت: لا يصح فيه شيء، فهذا يدل بتقدير ثبوت الحكاية المتقدمة عنه على أنه رجع عن ذلك، وأثبت صحته بهذه الطريق خاصة. (تنبيه آخر) طعن الطحاوي في رواية هشام بن عروة، عن أبيه لهذا الحديث بأن هشاما لم يسمع من أبيه، إنما أخذه عن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، وكذا قال النسائي: إن هشاما لم يسمع هذا من أبيه. وقال الطبراني في الكبير: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا حجاج، حدثنا همام، عن هشام، عن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو، عن عروة. وهذه الرواية لا تدل على أن هشاما لم يسمعه من أبيه، بل فيها أنه أدخل بينه وبينه واسطة، والدليل على أنه سمعه من أبيه أيضا: ما رواه الطبراني أيضا: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، حدثنا يحيى بن سعيد، قال: قال شعبة: لم يسمع هشام حديث أبيه في مس الذكر، قال يحيى: فسألت هشاما؟ فقال: أخبرني أبي. رواه الحاكم من طريق عمرو بن علي، حدثنا يحيى بن سعيد، عن هشام، حدثني أبي. ورواه الجمهور من أصحاب هشام عنه عن أبيه بلا واسطة، فهذا إما أن يكون هشام سمعه من أبي بكر عن أبيه، ثم سمعه من أبيه، فكان يحدث به تارة هكذا، وتارة هكذا، أو يكون سمعه من أبيه وثَبَّته فيه أبو بكر،
следующие страницы →