استطعتم" (١)، وأمرنا بالستر عَلَى المسلمين، فكره أن يهتكه، وهو يجد السبيل إلى ستره، فلما تبيّن وجود السرقة منه يقينًا، أقام الحدّ عليه، وأمر بقطعه.
عَلَى أن فِي إسناد هَذَا الْحَدِيث مقالاً، والحديث إذا رواه رجلٌ مجهولٌ لم يكن حجةً، ولم يجب الحكم به.
وَقَدْ رُوي تلقين السارق عن جماعة منْ الصحابة ﵃، وأُتي عمر بن الخطاب ﵁ برجل، فسأله: أسرقت؟ قل: لا، قَالَ: فَقَالَ: لا، فتركه، ولم يقطعه، ورُوي مثل ذلك عن أبي الدرداء، وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، وكان أحمد، وإسحاق لا يريان بأسًا بتلقين السارق، إذا أُتي به، وكذلك قَالَ أبو ثور: إذا كَانَ السارق امرأةً، أو مصعوقًا. انتهى "معالم السنن" ٦/ ٢١٦ - ٢١٧.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث الباب لا يصحّ، فلا يستفاد منه الحكم المذكور، وما روي عن الصحابة، عَلَى تقدير صحّته لا حجة فيه. فتأمّل.
(قَالَ: بَلَى) أي سرقتُ، زاد فِي رواية أبي داود: "فأعاد عليه مرّتين، أو ثلاثًا" (قَالَ) ﷺ (اذْهَبُوا بِهِ، فَاقْطَعُوهُ) أي لثبوت سرقته بإقراره (ثُمَّ جِيئُوا بِهِ) أي ليأمره بالاستغفار (فَقَطَعُوهُ) أي قطعوا يده (ثُمَّ جَاءُوا بِهِ) إلى النبيّ ﷺ (فَقَالَ) ﷺ (لَهُ: "قُلْ: أَسْتَغفِرُ اللَّهَ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ) قَالَ السنديّ: لعل المراد بالاستغفار، والتوبة منْ سائر الذنوب، أو لعله قَالَ ذلك ليعزم عَلَى عدم العود إلى مثله، فلا دليل لمن قَالَ: الحدود ليست كفّارات لأهلها، مع ثبوت كونها كفّارات بالأحاديث الصحاح التي كادت تبلغ حدّ التواتر، كيف والاستغفار مما أُمر به النبيّ ﷺ ، فَقَالَ تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ الآية [غافر: ٥٥]، وَقَدْ قَالَ تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية [التوبة: ١١٧]، لمعان ومصالح ذكروا فِي محله، فمثله لا يصلح دليلا عَلَى بقاء ذنب السرقة. والله تعالى أعلم. انتهى. (فَقَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ) أي أطلب منه تعالى ستر معصيتي (وَأَتُوبُ إِلَيهِ) أي أرجع إليه سبحانه وتعالى عما فعلته، وذلك بأن لا يعود إلى مثله أبدًا (قَالَ) ﷺ (اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ) أي تقبّل توبته، أو ثبّته عليها.
قَالَ الشوكانيّ رحمه الله تعالى: فيه دليلٌ عَلَى مشروعية أمر المحدود بالاستغفار، والدعاء له بالتوبة بعد استغفاره، قَالَ: وفيه دليل عَلَى أنه يُسحبّ تلقين ما يُسقط الحدّ. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا كله عَلَى تقدير صحة الْحَدِيث، وإلا فهو
стр. 17607
ضعيف، كما سيأتي قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي أميّة المخزوميّ ﵁ هَذَا ضعيف؛ لجهالة أبي المنذر مولى أبي ذرّ ﵁.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣/ ٤٨٧٩ - وفي "الكبرى" ٦/ ٧٣٦٣. وأخرجه (د) فِي "الحدود" ٤٣٨٠ (ق) فِي "الحدود" ٢٥٩٧ (أحمد) فِي "باقي مسند الأنصار" ٢٢٠٠٢ (الدارمي) فِي "الحدود" ٢٢٠١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٤ - (الرَّجُلُ يَتَجَاوَزُ لِلسَّارِقِ عَنْ سَرِقَتِهِ بَعْدَ أَنْ يَأْتِىَ بِهِ الإِمَامَ وَذِكْرُ الاِخْتِلَافِ عَلَى عَطَاءٍ فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ فِيهِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه الاختلاف عَلَى عطاء، أن يزيد بن زيع رواه عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عطاء، عن صفوان بن أمية، وخالفه محمد بن جعفر، فرواه عن سعيد، عن قتادة، عن عطاء، عن طارق بن مرقّع، عن صفوان، فأدخل بين عطاء، وصفوان واسطة، وخالف الأوزاعيّ، قتادة، فرواه عن عطاء، أن رجلا سرق الخ، فأرسله.
وسيأتي تحقيق وجه الاختلاف، وترجيج الراجح منْ الروايات قريباً، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٨٨٠ - (أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، أَنَّ رَجُلاً سَرَقَ بُرْدَةً لَهُ، فَرَفَعَهُ إِلَى
стр. 17608
النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ تَجَاوَزْتُ عَنْهُ، فَقَالَ: "أَبَا وَهْبٍ، أَفَلَا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنَا بِهِ؟ "، فَقَطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ).
رجال هَذَا الإسناد: سبعة:
١ - (هلال بن العلاء) الباهليّ مولاهم الرّقّيّ، صدوقٌ [١١] ١٠/ ١١٩٩. منْ أفراد المصنّف.
٢ - (أبوه) العلاء بن بن هلال بن عمرو بن هلال، أبو محمد الرّقّيّ، فيه لينٌ [٩] ١٩٠/ ١١٦٧.
٣ - (يزيد بن زُرَيع) أبو معاوية البصريُّ، ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥.
٤ - (سعيد) بن أبي عروبة مِهْرَان اليشكريّ، أبو النضر البصريّ، ثقة ثبت، يُدلّس، وتغيّر بآخره [٦] ٣٤/ ٣٨.
٥ - (قتادة) بن دعامة السدوسيّ البصريّ، ثقة ثبت يُدلّس [٤] ٣٠/ ٣٤.
٦ - (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت فقيه فاضل، لكنه كثير الإرسال [٣] ١١٢/ ١٥٤.
٧ - (صفوان بن أميّة) بن خلف بن وهب بن قُدامة بن جمُح القرشيّ الْجُمحيّ المكيّ، صحابيّ منْ المؤلّفة قلوبهم، مات أيام قتل عثمان، وقيل: سنة (١)(٤٢) فِي أوائل خلافة معاوية، وتقدّم فِي ١١٢/ ٢٠٥٤. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وأبيه، فمن أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ) رضي الله تعالى عنه (أَنَّ رَجُلاً سَرَقَ بُرْدَةً لَهُ) بضم الموحّدة، وسكون الراء: كساء صغير، مربّعٌ، ويقال: كساء أسود صغيرٌ. قاله فِي "المصباح". وفي رواية الأوزاعيّ، عن عطاء: "أن رجلاً سرق ثوبًا"، وفي رواية عكرمة، عن صفوان: "أنه طاف بالبيت، وصلّى، ثم لفّ رداء له، منْ بُرد"، وفي رواية حُميد بن أخت صفوان، عن صفوان قَالَ: كنت نائمًا فِي المسجد عَلَى خميصة لي، ثمنها ثلاثون درهمًا"، ولا تنافي بين هذه الروايات؛ لأن يؤول إلى معنى واحد؛ فرواية ثوب أعمّ، منْ الجميع، ورواية خميصة لا تنافي البردة، ولا الرداء؛ لأن الخميصة: كساء أسود
стр. 17609
مُعْلمُ الطرفين، ويكون منْ خزّ، أو صوف، فإن لم يكن معلما، فليس بخميصة، فيمكن أن تكون البردة معلمة، فاتحدا، ثم تلك الخميصة كانت رداءً، والرداء بالكسر والمدّ: ما يُرتدى به، مذكّر، ولا يجوز تأنيثه، قاله فِي "المصباح"، وَقَالَ فِي "النهاية": هو الثوب، أو البُرد الذي يضعه الإنسان عَلَى عاتقيه، وبين كتفيه، فوق ثيابه. انتهى. وفي "اللسان": أن الرداء يقع عَلَى المنكبين، والكتفين، ومُجتمع العنق. انتهى.
(فَرَفَعَهُ) أي السارق (إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَمَرَ بقَطْعِهِ) أي بعد اعترافه، ففي رواية عكرمة الآتية: "فَقَالَ: إن هَذَا سرق ردائيّ، فَقَالَ له النبيّ ﷺ : أسرقتَ رداء هَذَا؟ قَالَ: نعم، قَالَ: اذهبا به، فاقطعا يده" (فَقَالَ) صفوان، صاحب الرداء (يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ تَجَاوَزْتُ عَنْهُ) أي عفوت عن سرقته، فلا تقطعه، وفي رواية الأوزاعيّ: "يا رسول الله، هو له"، وفي رواية عكرمة: "ما كنت أردت أن تُقطع يده فِي ردائي"، وفي رواية حميد: "أتقطعه منْ أجل ثلاثين درهمًا؟ أنا أبيعه، وأُنسئه ثمنها" (فَقَالَ) ﷺ (أَبَا وَهْبٍ) بحذف حرف النداء، أي يا أبا وهب، كنية صفوان ﵁ (أَفَلَا كَانَ) هَذَا التجاوز (قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنَا بهِ؟) أي قبل أن ترفعه إليّ متحاكمًا، يعني أنه لو تركه قبل إحضاره عنده ﷺ ليحكم به لنفعه ذلك، وأما بعد رفعه، وثبوت السرقة عليه، فالحقّ للشرع، لا للمالك (فَقَطَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي أمر بقطعه، فقُطع، كما تقدّم منْ قوله: "فأمر بقطعه"، وقوله ﷺ : "اذهبا به، فاقطعا يده". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث صفوان بن أميّة رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤/ ٤٨٨٠ و٤٨٨١ و٤٨٨٢ و٥/ ٤٨٨٣ و٤٨٨٤ و٤٨٨٥ و٤٨٨٦ - وفي "الكبرى" ٧/ ٧٣٦٤ و٧٣٦٥ و٧٣٦٦ و٨/ ٧٣٦٧ و٧٣٦٨ و٧٣٦٩ و٧٣٧٠. وأخرجه (د) فِي "الحدود" ٤٣٩٤ (ق) فِي "الحدود" ٢٥٩٥ (أحمد) فِي "مسند المكيين" ١٤٨٧٩ و"مسند القبائل" ٢٧٠٩٠ و٢٧٠٩٧ (الموطأ) فِي "الحدود" ١٥٧٩ و٢١٩٧. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي اختلاف الرواة فِي حديث صفوان بن أمية ﵁ هَذَا:
(اعلم): أن المصنّف رحمه الله تعالى، قد ذكر اختلاف الرواة فِي حديث صفوان بن أُميّة ﵁ هَذَا، فِي هَذَا الباب، وفي الباب الذي يليه، وَقَدْ بيّن ذلك الحافظ أبو عمر
стр. 17610
رحمه الله تعالى، فِي كتابه "التمهيد" أتمّ بيان، لذا أحببت إيراد ما قاله تتميمًا للفائدة، وتكميلاً للعائدة، فقلت: قَالَ رحمه الله تعالى:
"مالك، عن ابن شهاب، عن صفوان بن عبد الله بن صفوان بن أمية، أن صفوان بن أمية، قيل له: إنه منْ لم يهاجر هَلَكَ، فقدم صفوان بن أمية المدينة، فنام فِي المسجد، وتوسد رداءه، فجاءه سارق، فأخذ رداءه، فأخذ صفوان السارقَ، فجاء به إلى رسول الله ﷺ ، فأمر به رسول الله ﷺ ، أن تقطع يده، فَقَالَ صفوان: إني لم أُرد هَذَا يا رسول الله، هو عليه صدقة، فَقَالَ رسول الله ﷺ : فهلّا قبل أن تأتيني به".
هكذا رَوَى هَذَا الْحَدِيث جمهور أصحاب مالك، مرسلا، ورواه أبو عاصم النبيل، عن مالك، عن الزهريّ، عن صفوان بن عبد الله بن صفوان، عن جده، قَالَ: قيل لصفوان: منْ لم يهاجر هلك … وساق الْحَدِيث، عَلَى ما فِي "الموطإ"، ولم يقل أحد فيما علمت فِي هَذَا الْحَدِيث: "عن صفوان بن عبد الله بن صفوان، عن جده" غير أبي عاصم. ورَوَاه شبابة بن سَوار، عن مالك، عن الزهريّ، عن عبد الله بن صفوان، عن أبيه، أن صفوان إلخ.
حدثنا سعيد بن نصر، قَالَ: حدثنا قاسم بن أصبغ، قَالَ: حدثنا ابن وضاح، قَالَ: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قَالَ: حدثنا شبابة، قَالَ: حدثنا مالك بن أنس، عن الزهريّ، عن عبد الله بن صفوان، عن أبيه، أن صفوان قيل له: منْ لم يهاجر هلك، فدعا براحلته فركبها، حَتَّى أتى المدينة، فسأل النبيّ ﷺ ؟، قَالَ: قد قيل لي: منْ لم يهاجر هلك، فَقَالَ النبيّ ﷺ : "ذهبت الهجرة، فارجع إلى بطحاء مكة"، فنام صفوان فِي المسجد، وتوسد رداءه، فأخذ منْ تحت رأسه، فجاء بسارقه إلى النبيّ ﷺ ، فأَمر به أن يقطع، فَقَالَ صفوان بن أمية يا رسول الله، إني لم أُرد هَذَا، ردائي عليه صدقة، يا رسول الله، إني لم أرد هَذَا، ردائي عليه صدقة، فَقَالَ له رسول الله ﷺ : "أفلا قبل أن تأتيني به".
ورواه أبو علقمة الفروي، عن مالك، كما رواه شبابة بن سوار عنه، بإسناده سواء:
حدثنا بحديث شبابة بن سوار، عن مالك خلف بن قاسم، حدثني أبو عيسى العبّاس ابن أحمد الأزدي، وأبو محمد الحسن بن رشيق، ونصر بن علي البزار، قالوا: حدثنا أبو العلاء محمد بن أحمد بن جعفر الكوفيّ، قَالَ: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا شبابة بن سوار المدائني، حدثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، فذكره.
وَقَدْ ذكر الطحاوي حديث شبابة، عن محمد بن أحمد بن جعفر، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن شبابة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن صفوان، عن أبيه، فذكره هكذا: ابن شهاب، عن عبد الله بن صفوان، عن أبيه.
стр. 17611
وَقَالَ الطحاوي: جائز أن يسمع ابن شهاب هَذَا الْحَدِيث، منْ عبد الله بن صفوان بن أمية، عن أبيه، ومن صفوان بن عبد الله، عن جده، وذلك غير مستنكر لابن شهاب، فِي أحاديثه عن غير هذين، ممن يحدث عنه، وغير مستنكر سماعه منْ عبد الله بن صفوان، لأن عبد الله بن صفوان قُتل مع عبد الله بن الزبير، فِي اليوم الذي قتل فيه، منْ سنة ثلاث وسبعين، قَالَ: والزهري يومئذ سِنُّهُ أربع عشرة سنة؛ لأن مولده كَانَ فِي السنة التي قُتل فيها الحسين بن علي ﵄، وهي سنة إحدى وستين.
قَالَ: فإن قَالَ قائل: قد يجوز أن يكون عبد الله بن صفوان هَذَا، هو عبد الله بن صفوان بن عبد الله، قيل له: ما نعلم لصفوان بن عبد الله، ابنا أُخذ عنه شيء منْ العلم، وإنما عبد الله بن صفوان هَذَا، هو عبد الله بن صفوان بن أمية.
قَالَ أبو عمر: قد روى هَذَا الْحَدِيث عطاء، وطاوس، عن صفوان بن أمية، ورواه حماد بن سلمة، عن قتادة، وقيس بن سعد، وحبيب المعلم، وحميد بن قيس، كلهم عن عطاء، ورواه حماد أيضا، عن عمرو بن دينار، عن طاوس جميعا، عن صفوان بن أمية، أنه كَانَ نائما فِي المسجد، تحت رأسه خميصة، فجاء لصّ، فانتزعها منْ تحت رأسه، وذكر الْحَدِيث، ولم يسمعه عطاء منْ صفوان بن أمية؛ لأن شعبة، وسعيد بن أبي عروبة، روياه عن قتادة، عن عطاء، عن طارق بن المرقع، عن صفوان بن أمية، أن رجلا سرق برده، فرفعه إلى النبيّ ﷺ ، فأمر بقطعه، فَقَالَ: يا رسول الله، قد تجاوزت عنه، قَالَ: "أفلا قبل أن تأتيني به أبا وهب"، فقطعه رسول الله ﷺ .
أخبرناه عبد الله بن محمد بن يحيى، وعبد الرحمن بن عبد الله بن خالد، قالا: حدثنا أحمد بن جعفر بن مالك، قَالَ: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قَالَ: حدثنا أبي، قَالَ: حدثنا محمد بن جعفر، قَالَ: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن عطاء، عن طارق بن المرقع، عن صفوان بن أمية … فذكره حرفا بحرف.
وذكره النسائيّ عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، بإسناده مثله سواء.
وأخبرنا قاسم بن محمد، قَالَ: حدثنا خالد بن سعد، قَالَ: حدثنا أحمد بن عمرو، قَالَ: حدثنا محد بن سنجر، قَالَ: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قَالَ: حدثنا وهب، عن عطاء، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن صفوان، أنه قيل له: إنه لا يدخل الجنة إلا منْ قد هاجر، فَقَالَ: لا أترك (١) منزلي، حَتَّى آتي النبيّ ﷺ ، فأتاه برجل، فَقَالَ: يا رسول والله، إن هَذَا سرق خميصة لي، والرجل معه، فأمر النبيّ ﷺ بقطعه، فَقَالَ: يا رسول
стр. 17612
الله، إني قد وهبتها له، قَالَ: "فهلا قبل أن تأتيني به؟ "، قَالَ: فقلت: يا رسول الله، إنهم يقولون: لا يدخل الجنة إلا منْ قد هاجر، فَقَالَ: "لا هجرة بعد فتح مكة، ولكن جهاد ونية، وإذا استُنفِرتم فانفروا". متَّفقٌ عليه.
وطاوس سماعه منْ صفوان بن أمية، ممكن؛ لأنه أدرك زمن عثمان، وذكر يحيى القطّان، عن زهير، عن ليث، عن طاوس، قَالَ: أدركت سبعين شيخا، منْ أصحاب رسول الله ﷺ . وَقَدْ قيل: إن طاوسًا تُوفي وهو ابن بضع وسبعين سنة، فِي سنة ست ومائة، قَالَ: فإذا كَانَ سنه هَذَا، فغير ممكن سماعه منْ صفوان بن أمية؛ لأن صفوان توفي سنة ست وثلاثين، وقيل: كانت وفاته بمكة، عند خروج النَّاس إلى الجمل.
وَقَدْ رُوي هَذَا الْحَدِيث عن طاوس، وعكرمة، عن ابن عباس، ذكره البزار منْ حديث الأشعث بن سوار، عن عكرمة، عن ابن عباس، ومن حديث زكرياء بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ ، وهذا لفظ حديث الأشعث، عن عكرمة، عن ابن عباس، قَالَ: كَانَ صفوان بن أمية، نائما فِي المسجد، فجاءه رجل، فأخذ رداءه، منْ تحت رأسه، فاتبعه، فأدركه، فأتى به النبيّ ﷺ ، فَقَالَ: هَذَا سرق ردائي، منْ تحت رأسي، فأمر به أن يُقطع، فَقَالَ: إن ردائي لم يبلغ أن يقطع فيه هَذَا، قَالَ: "أفلا قبل أن تأتيني به".
قَالَ البزار: ورواه جماعة عن عكرمة مرسلاً.
ثم ساقه أبو عمر بسنده إلى النسائيّ، فِي روايته عن أحمد بن عثمان بن حكيم الآتية فِي الباب التالي رقم ٤٨٨٥. انتهى كلام أبي عمر رحمه الله تعالى فِي كتابه "التمهيد" ١١/ ٢١٥ - ٢٢٠.
وذكر الحافظ أبو الحسن ابن القطّان فِي كتابه "بيان الوهم والإيهام": وذكر -يعني الحافظ عبد الحقّ الإشبيليّ صاحب "الأحكام الوسطى"- منْ طريق النسائيّ، عن صفوان ابن أمية، قَالَ: كنت نائما فِي المسجد عَلَى خميصة لي ثمنها ثلاثون درهمًا، فجاء رجل، فاختلسها … الْحَدِيث. ثم قَالَ: رواه سماك بن حرب، عن حُميد ابن أخت صفوان، عن صفوان. وعبد الملك بن أبي بشير، عن عكرمة، عن صفوان، وأشعث بن براز، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قَالَ: كَانَ صفوان نائمًا فِي المسجد. ورواه عمرو بن دينار، عن طاوس، عن صفوان. ذكر هذه الطرق النسائيّ. ورواه مالك فِي "الموطإ" عن ابن شهاب، عن صفوان بن عبد الله بن صفوان، أن صفوان بن أُميّة. وَقَدْ روي منْ غير هَذَا الوجه، ولا أعلمه يتّصل منْ وجه يُحتجّ به. انتهى.
قَالَ ابن القطّان: ولم يتبيّن به علته، وفيه وهم بيّنٌ، وهو تفسيره أشعث بأنه ابن
стр. 17613
براز، وفيه إيهام ضعف منْ ليس بضعيف، فلنُبيّن جميع هَذَا، فنقول:
أما الإسناد الذي رواه سماك بن حرب، عن حُميد ابن أخت صفوان، عن صفوان، فضعفه بَيّنٌ بحميد المذكور، فإنه لا يُعرف فِي غير هَذَا، وَقَدْ ذكره ابن أبي حاتم بذلك، ولم يزد عليه. وذكره البخاريّ، فَقَالَ: إنه حُميد بن حجير ابن أخت صفوان بن أمية، ثم ساق له هَذَا الْحَدِيث. وصحف فيه زائدة، فَقَالَ: جُعيد بن حُجير، وهو كما قلنا مجهول الحال. قَالَ: وأما الطريق التي فيها عبد الملك بن أبي بشير، فقد أوهم بقوله: لا أعلمه يتّصل منْ وجه يُحتجّ به ضعفَ عبد الملك هَذَا، وهو رجل ثقة، وثقه ابن حبّان، والقطان، وابن معين، وأبو زرعة، وَقَالَ سفيان: كَانَ شيخ صدقٍ. ولكن الطريق المذكورة يمكن أن تكون منقطعة، فإنها منْ رواية عبد الملك المذكور، عن عكرمة، عن صفوان، وعكرمة لا أعرف أنه سمع منْ صفوان، وانما يرويه عن ابن عبّاس، ومن دون عبد الملك المذكور إلى النسائيّ مخرجه ثقات.
وأما الطريق التي قَالَ فيها أشعث بن براز، عن عكرمة، عن ابن عباس، فقد اعتراه فيها خطأ فِي تفسير أشعث بأنه ابن براز، والصواب أنه أشعث بن سَوّار.
وأما الطريق التي فيها عمرو بن دينار، عن طاوس، عن صفوان، فيشبه أن لا تكون منقطعة، قَالَ أبو عمر بن عبد البرّ: أما طاوس، فسماعه منْ صفوان ممكن؛ لأنه أدرك زمان عثمان. وذكر يحيى القطّان، عن زهير، عن ليث، عن طاوس، قَالَ: أدركت سبعين شيخًا، منْ أصحاب رسول الله ﷺ .
فأما قول البزّار: إنه رواه طاوس مرسلاً، فيُشبه أن يقول ذلك لرواية لم يقل فيها: عن صفوان. والله أعلم. انتهى كلام القطّان الفاسي "بيان الوهم والإيهام" ٣/ ٥٦٨ - ٥٧١.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن حديث صفوان صحيح منْ رواية طاوس، عنه، ومن رواية عبد الله بن صفوان بن أمية، عن أبيه، كما تقدم عند ابن عبد البرّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي فوائده (١):
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم تجاوز المسروق منه عن السارق بعد رفعه إلى الإمام، وهو عدم جواز ذلك. (ومنها): جواز العفو عن السارق قبل الرافع إلى الإمام. (ومنها): وجوب قطع يد السارق إذا ثبتت السرقة.
стр. 17614
(ومنها): ما فِي قصّة "الموطّإ": أن الهجرة كانت قبل الفتح مفروضة. (ومنها): إباحة النوم فِي المسجد. (ومنها): جواز طي الثياب وتوسدها. (ومنها): أن ما جعله الإنسان تحت رأسه، فهو حرز له، فإذا سُرق وجب القطع؛ لأنه حرزه، وما سُرق منْ الحرز ففيه القطع، وسيأتي اختلاف العلماء فِي اشتراط الحرز للقطع، فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى.
(ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: لا أعلم بين أهل العلم اختلافا فِي الحدود، إذا بلغت إلى السلطان، لم يكن فيها عفو، لا له ولا لغيره، وجائز للناس أن يتعافوا الحدود ما بينهم، ما لم يبلغ السلطان، وذلك محمود عندهم.
ولذلك قيده الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه" بعدم الرفع إلى السلطان، فَقَالَ: "باب كراهية الشفاعة فِي الحدّ، إذا رُفع إلى السلطان"، ثم أورد حديث عائشة رضي الله تعالى عنها الآتي فِي قصّة المخزوميّة، وفيه: قوله ﷺ لأسامة ابن زيد رضي الله تعالى عنهما: "أتشفع فِي حدّ منْ حدود الله؟ ".
قَالَ فِي "الفتح" ١٤/ ٣٩ - قوله: "باب كراهية الشفاعة فِي الحدّ، إذا رُفع إلى السلطان"، كذا قَيَّدّ ما أطلقه فِي حديث الباب: "أتشفع فِي حدّ منْ حدود الله"، وليس القيد صريحا فيه، وكأنه أشار إلى ما ورد فِي بعض طرقه صريحا، وهو فِي مرسل حبيب ابن أبي ثابت الذي أشرت إليه، وفيه: أن النبيّ ﷺ قَالَ لأسامة، لَمّا شفع فيها: "لا تشفع فِي حدّ، فان الحدود إذا انتهت إليَّ، فليس لها مَتْرَك"، وله شاهد منْ حديث عمرو بن شمعيب، عن أبيه، عن جده، رفعه: "تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني منْ حَدّ، فقد وجب"، ترجم له أبو داود: "العفو عن الحد، ما لم يبلغ السلطان"، وصححه الحاكم، وسنده إلى عمرو بن شعيب صحيح، وأخرج أبو داود أيضًا، وأحمد، وصححه الحاكم منْ طريق يحيى بن راشد، قَالَ: خرج علينا ابن عمر، فَقَالَ: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "منْ حالت شفاعته دون حد منْ حدود الله، فقد ضاد الله فِي أمره"، وأخرجه ابن أبي شيبة منْ وجه آخر، أصح منه، عن ابن عمر، موقوفًا، وللمرفوع شاهد منْ حديث أبي هريرة، فِي "الأوسط" للطبراني، وَقَالَ: "فقد ضادّ الله فِي ملكه"، وأخرج أبو يعلى منْ طريق أبي المحياة، عن أبي مطر، رأيت عليا أُتى بسارق، فذكر قصة فيها: أن رسول الله ﷺ ، أُتى بسارق، فذكر قصة فيها: قالوا: يا رسول الله، أفلا عفوت؟ قَالَ: "ذلك سلطان سُوء، الذي يعفو عن الحدود بينكم"، وأخرج الطبراني، عن عروة بن الزبير، قَالَ: لقي الزبير سارقا، فشفع فيه، فقيل له: حَتَّى يبلغ الامام، فَقَالَ: إذا بلغ الإمام، فلعن الله الشافع، والمشفِّع"، وأخرج فِي
стр. 17615
"الموطإ" عن ربيعة، عن الزبير، وهو منقطع مع وقفه، وهو عند ابن أبي شيبة، بسند حسن، عن الزبير موقوفا، وبسند آخر حسن، عن عليّ نحوه كذلك، وبسند صحيح عن عكرمة أن ابن عباس، وعمارا، والزبير، أخذوا سارقا، فخَلَّوا سبيله، فقلت لابن عباس: بئسما صنعتم، حين خليتم سبيله، فَقَالَ: لا أُمَّ لك، أما لو كنت أنت لسرك أن يُخَلَّى سبيلُك، وأخرجه الدارقطنيّ، منْ حديث الزبير موصولا مرفوعا، بلفظ: "اشفعوا ما لم يصل إلى الوالي، فإذا وصل الوالي فعفا، فلا عفا الله عنه". والموقوف هو المعتمد.
وفي الباب غيرُ ذلك، حديث صفوان بن أمية، عند أحمد، وأبي داود، والنسائي -يعني حديث الباب- وابن ماجه، والحاكم، فِي قصة الذي سرق رداؤه، ثم أراد أن لا يُقطع، فَقَالَ له النبيّ ﷺ : "هل لا قبل أن تأتيني به"، وحديث ابن مسعود، فِي قصة الذي سَرَق، فأمر النبيّ ﷺ بقطعه، فرأوا منه أَسَفًا عليه، فقالوا: يا رسول الله، كأنك كرهت قطعه؟ فَقَالَ: "وما يمنعني، لا تكونوا أعوانا للشيطان عَلَى أخيكم، إنه ينبغي للإمام إذا أُنهي إليه حدٌّ أن يقيمه، والله عَفُوٌّ يحب العفو". وفي الْحَدِيث قصة مرفوعة، وأُخرج موقوفًا، أخرجه أحمد، وصححه الحاكم.
وحديث عائشة مرفوعا: "أقيلوا ذوي الهيآت زلاتهم، إلا فِي الحدود"، أخرجه أبو داود (١)، ويستفاد منه جواز الشفاعة فيما يَقتضي التعزير، وَقَدْ نقل ابن عبد البرّ، وغيره فيه الاتفاق، ويدخل فيه سائر الأحاديث الواردة فِي ندب الستر عَلَى المسلم، وهي محمولة عَلَى ما لم يبلغ الإمام. انتهى ما فِي "الفتح" ١٤/ ٣٩.
(ومنها): ما قاله أيضًا: فِي هَذَا دليل، عَلَى أن لصاحب السرقة فِي ذلك، ما ليس للسلطان، وذلك ما لم يبلغ السلطان، فإذا بلغ السارق إلى السلطان، لم يكن للمسروق منه شيء منْ حكمه، فِي عفو، ولا غيره، لأنه لا يتبعه بما سرق منه إذا وهبه له، ألا ترى أنهم قد أجمعوا عَلَى أن السارق لو أقر بسرقة، عند الإمام يجب فِي مثلها القطع، سرقها منْ رجل غائب، أنه يقطع، وإن لم يحضر رب السرقة، ولو كَانَ لرب السرقة فِي ذلك مقال، لم يقطع حَتَّى يحضر، فيُعرَف ما عنده فيه. انتهى "التمهيد" ١١/ ٢٢٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): فِي اختلاف أهل العلم فِي عفو المالك عن السارق:
قَالَ الموفق رحمه الله تعالى: إذا ملك العين المسروقة، بهبة، أو بيع، أو غيرهما،
стр. 17616
منْ أسباب الملك، لم يخل منْ أن يملكها قبل رفعه إلى الحاكم، والمطالبة بها عنده، أو بعد ذلك، فإن ملكها قبله، لم يجب القطع؛ لأن منْ شرطه المطالبة بالمسروق، وبعد ملكه له لا تصح المطالبة، وإن ملكها بعده، لم يسقط القطع.
وبهذا قَالَ مالك، والشافعي، وإسحاق. وَقَالَ أصحاب الرأي: يسقط؛ لأنها صارت ملكه، فلا يقطع فِي عين هي ملكه، كما لو ملكها قبل المطالبة بها، ولأن المطالبة شرط، والشرط يعتبر دوامها، ولم يبق لهذه العين مطالب.
قَالَ: ولنا حديث صفوان بن أميّة ﵁ وفيه: "فهلا قبل أن تأتيني به"، فإن هَذَا يدل عَلَى أنه لو وُجد قبل رفعه إليه، لدرأ القطع، وبعده لا يسقطه، وقولهم: إن المطالبة شرط، قلنا: هي شرط القطع، بدليل أنه لو استرد العين، لم يسقط، وَقَدْ زالت المطالبة.
قَالَ: وإن أقر المسروق منه، أن المسروق كَانَ ملكا للسارق، أو قامت به بينة، أو أن له فيه شبهة، أو أن المالك أذن له فِي أخذها، أو أنه سلبها، لم يقطع؛ لأننا تبينا أنه لم يجب، بخلاف ما لو وهبه إياها، فإن ذلك لا يمنع كون الحد واجبا، وإن أقر له بالعين سقط القطع أيضا؛ لأن إقراره يدل عَلَى تقدم ملكه لها، فيحتمل أن تكون له حال أخذها، والمنصوص عن أحمد أن القطع لا يسقط؛ لأنه ملك تجدد سببه بعد وجوب القطع، فأشبه الهبة، ولأن ذلك حيلة عَلَى إسقاط القطع بعد وجوبه، فلم يسقط بها كالهبة. انتهى "المغني" ١٢/ ٤٥١ - ٤٥٣. بتصرّف.
وَقَالَ الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى: واختلفوا أيضا فِي السارق يُرفع إلى الحاكم، وسرقته بيده، فيحكم عليه بالقطع لثبوت سرقته، بإقراره، أو ببينة عدول، قامت عليه، فيهب له المسروق منه ما سرقه، هل يقطع أم لا؟، فَقَالَ مالك، وأهل المدينة، والشافعي، وأهل الحجاز: يقطع؛ لأن الهبة إنما وقعت بعد وجوب الحد، فلا يسقط ما قد وجب لله، كما أنه دو غصب جارية، ثم نكحها قبل أن يقام عليه الحد، لم يسقط ذلك الحد عنه، قَالَ الطحاوي: ويختلفون فِي هذه المسألة، لو كانت الهبة قبل أن يؤتى بالسارق إلى الإمام، فَقَالَ أهل الحجاز، منهم مالك، والشافعي: يقطع، ووافقهم عَلَى ذلك ابن ابي ليلى، وَقَالَ أبو يوسف: فِي هَذَا لا يقطع، وأما أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، فقالا: لا يقطع فِي شيء منْ ذلك، مع وقوع مالكه عَلَى السرقة قبل أن يرفع إلى الإمام، وبعد أن يرفع إليه، وحجة أبي يوسف قوله ﷺ : "فهلا قبل أن تأتيني به"، وهذا يدل عَلَى أنه لو وهب للسارق رداءه، قبل أن يأتيه به لما قطع. والله أعلم.
стр. 17617
قَالَ أبو عمر: الحجة قائمة لمالك، والشافعي عَلَى أبي حنيفة بالحديث المذكور فِي هَذَا الباب؛ لأن رسول الله ﷺ ، قطع يد السارق الذي سرق ثوب صفوان بن أمية بعد أن وهبه له، وَقَالَ: "هلا قبل أن تأتيني به"، ومعنى قوله عندهم: "فهلا قبل أن تأتيني به": هلا كَانَ ما أردت منْ العفو عنه، قبل أن تأتيني به، فإن الحدود إذا لم أوت بها، ولم أعرفها لم أقمها، وإذا أتتني لم يجز العفو عنها، ولا لغيري، هَذَا معناه. والله أعلم. وَقَدْ احتج الشافعيّ بالزاني، توهب له الأمة التي زنى بها، أو يشتريها إنَّ ملكه الطارىء لا يزيل الحد عنه، فكذلك السرقة.
ومن حجة أبي حنيفة فِي قوله: متى وهب السرقة صاحبها للسارق سقط الحد، قوله ﷺ : "تعافوا عن الحدود بينكم، فما بلغني منْ حد فقد وجب"، قَالَ: فهذا الحد قد عفي عنه بالهبة، وَقَدْ حصلت ملكا للسارق قبل أن يبلغ السلطان، فلم يبلغ الحد السلطان، إلا وهو معفو عنه، قَالَ: وما حصل ملكا السارق، استحال أن يقطع فيه؛ لأنه إنما يقطع فِي ملك غيره، لا فِي ملك نفسه.
ومن حجتهم أيضا: أن الطارىء منْ الشبهة فِي الحدود، بمنزلة ما هو موجود فِي الحال، قياسا عَلَى الشهادات. وبالله التوفيق.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي قالوه كله قياس فِي مقابلة النصّ، فيكون فاسدًا، ولقد أحسن منْ قَالَ، وأجاد فِي المقال:
إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا … تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
قَالَ أبو عمر: وَقَدْ اختلفوا فِي السارق تُدَّعَى عليه السرقة فِي ثوب هو بيده يدعيه لنفسه وصاحب السرقة غائب فَقَالَ أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما لا يخاصمه فِي ذلك أحد إلا رب الثوب ولا يسمع منْ غيره فِي ذلك بينة ولا خصومة فِي ذلك بينه وبين منْ يدعي عليه حَتَّى يأتي رب الثوب أو وكيله فِي ذلك وَقَالَ ابن أبي ليلى ومالك كل منْ خاصمه فِي ذلك منْ النَّاس كَانَ خصما له وسمعت بينته فإن قبلت قطع وإن لم يأت بمدفع وهذه المسائل كلها فِي معنى الْحَدِيث فلذلك ذكرناها وبالله التوفيق. انتهى "التمهيد" ١١/ ٢٢٥.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه المسألة أيضا منْ نوع الذي قبلها، فهي غير صحيحة، والحاصل أن الحقّ أن التجاوز عن السرقة إنما يجوز قبل أن يُرفع إلى الإمام، فأما بعد رفعه، فلا يجوز؛ للنصّ الصحيح الصريح، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالتقليد والاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 17618
(المسألة السادسة): فِي اختلاف أهل العلم فِي اشتراط الحرز فِي وجوب قطع السارق:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: ما حاصله: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن منْ شروط قطع السارق أن يسرق منْ حرز، ويخرجه منه، وهو مذهب عطاء، والشعبي، وأبي الأسود الدؤلي، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، وعمرو بن دينار، والثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي، ولا نعلم عن أحد منْ أهل العلم خلافهم، إلا قولاً حُكي عن عائشة، والحسن، والنخعي، فيمن جمع المتاع، ولم يَخرُج به منْ الحرز عليه القطع، وعن الحسن مثل قول الجماعة، وحُكي عن داود، أنه لا يعتبر الحرز؛ لأن الآية لا تفصيل فيها، وهذه أقوال شاذة، غير ثابتة عمن نقلت عنه، قَالَ ابن المنذر: وليس فيه خبر ثابت، ولا مقال لأهل العلم إلا ما ذكرناه، فهو كالإجماع، والإجماع حجة عَلَى منْ خالفه، ورَوَى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رجلا منْ مُزينة، سأل النبيّ ﷺ عن الثمار؟ فَقَالَ: "ما أُخذ فِي غير أكمامه، فاحتُمِل، ففيه قيمته، ومثله معه، وما كَانَ فِي الخزائن، ففيه القطع، إذا بلغ ثمن الْمِجَنَّ"، رواه أبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وغيرهما، وهذا الخبر يخص الآية كما خصصناها فِي اعتبار النصاب. انتهى "المغني" ١٢/ ٤٢٦ - ٤٢٧.
وَقَالَ الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى: واختلف العلماء فِي السارق منْ غير حرز، فأما فقهاء الأمصار بالحجاز، والعراق، والشام، فإنهم اعتبروا جميعا الحرز فِي وجوب القطع، باتفاق منهم عَلَى ذلك، وقالوا: منْ سرق منْ غير حرز، فلا قطع عليه، بلغ المقدار، أو زاد، والحجة لما ذهب إليه الفقهاء فِي ذلك، قوله ﷺ : "لا قطع فِي حريسة جبل (١)، حَتَّى يأويها المراح (٢) "، وأجمعوا أن السارق منْ مال المضاربة والوديعة، لا قطع عليه، وَقَالَ ﷺ : "لا قطع عَلَى خائن، ولا مختلس"، وأجمعوا عَلَى ذلك، وفي إجماعهم عَلَى أن لا قطع عَلَى خائن، ولا مختلس دليل عَلَى مراعاة الحرز.
وَقَالَ أهل الظاهر، وبعض أهل الْحَدِيث، وأحمد بن حنبل، فِي رواية عنه: كل سارق يقطع، سرق منْ حرز، وغير حرز؛ لأن الله أمر بقطع السارق أمرا مطلقًا، وبين النبيّ ﷺ المقدار، ولم يذكر الحرز، قَالَ أبو عمر: الحجة عليهم ما ذكرنا، وبالله توفيقنا. انتهى "التمهيد" ١١/ ٢٢١ - ٢٢٢.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبين بما ذُكر منْ الأدلّة أن الحقّ هو ما عليه
стр. 17619
الجمهور، منْ اشتراط الحرز لوجوب قطع السارق؛ لوضوح أدلّته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): فِي معنى الحرز:
قَالَ الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى: واختلف الفقهاء فِي أبواب منْ معاني الحرز، يطول ذكرها، فجملة قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي، وأصحابهم: أن السارق منْ غير حرز، لا قطع عليه، وجملة قول مالك، والشافعي فِي الحرز: أن الحرز كل ما يَحرز به النَّاس أموالهم، إذا أرادوا التحفظ بها، وهو يختلف باختلاف الشيء المحروز، واختلاف المواضع، فإذا ضم المتاع فِي السوق إلى موضع، وقعد عليه صاحبه، فهو حرز، وكذلك إذا جعل فِي ظرف، فأخرج منه، وعليه منْ يحرزه، أو كانت إبلٌ قُطِر (١) بعضها إلى بعض، أو أنيخت فِي صحراء، حيث يُنظر إليها، أو كانت غنما فِي مَراحها، أو متاعا فِي فسطاط، أو بيتا مغلقا عَلَى شيء، أو مقفولا عليه، وكل ما تنسبه العامة إلى أنه حرز، عَلَى اختلاف أزمانها، وأحوالها.
قَالَ الشافعيّ: ورداء صفوان كَانَ محرزا، باضطجاعه عليه، فقَطَعَ النبيّ ﷺ سارقه، قَالَ: ويقطع النباش إذا أخرج الكفن منْ جميع القبر؛ لأن هَذَا حرز مثله، ومذهب المالكيين، والشافعيين فِي هَذَا الباب متقارب جدا، ولا سبيل إلى إيراد مسائل السرقة، عَلَى اختلاف أنواع الحرز، وَقَدْ ذكرناها هنا جُمَلا تَكفي، ومن أراد الوقوف عَلَى الفروع، نظر فِي كتب الفقهاء، وبان له ما ذكرناه، وبالله التوفيق. انتهى "التمهيد" ١١/ ٢٢٢.
وَقَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: إذا ثبت اعتبار الحرز، والحرز ما عُدَّ حرزا فِي العرف، فإنه لَمّا ثبت اعتباره فِي الشرع منْ غير تنصيص عَلَى بيانه، عُلِم أنه رَدَّ ذلك إلى أهل العرف؛ لأنه لا طريق إلى معرفته، إلا منْ جهته، فيُرجَع إليه كما رجعنا إليه فِي معرفة القبض، والفرقة فِي البيع، وأشباه ذلك.
إذا ثبت هَذَا فإن مِن حرز الذهب والفضة والجواهر الصناديقَ تحت الأغلاق، والأقفال الوثيقة فِي العمران، وحرز الثياب، وما خَفَّ منْ المتاع، كالصفر، والنحاس، والرصاص فِي الدكاكين، والبيوت المقفلة فِي العمران، أو يكون فيها حافظ، فيكون حرزا، وإن كانت مفتوحة، وإن لم تكن مغلقة، ولا فيها حافظ، فليست بحرز، وإن كانت فيها خزائن مغلقة، فالخزائن حرز لما فيها، وما خرج عنها فليس بمحرز، وَقَدْ
стр. 17620
روي عن أحمد فِي البيت الذي ليس عليه غلق يسرق منه، أراه سارقا، وهذا محمول عَلَى أن أهله فيه.
فأما البيوت التي فِي البساتين، أو الطرق، أو الصحراء، فإن لم يكن فيها أحد، فليست حرزا، سواء كانت مغلقة، أو مفتوحة؛ لأن منْ ترك متاعه فِي مكان خال منْ النَّاس والعمران، وانصرف عنه، لا يُعَدّ حافظا له، وإن أغلق عليه، وإن كَانَ فيها أهلها، أو حافظ فهي حرز، سواء كانت مغلقة، أو مفتوحة، وإذا كَانَ لابسا للثوب، أو متوسدا له، نائما، أو مستيقظا، أو مفترشا له، أو متكئا عليه، فِي أي موضع كَانَ منْ البلد، أو بريّة، فهو محرز، بدليل أن رداء صفوان، سُرق وهو متوسد له، فقَطَع النبيّ ﷺ سارقه، وإن تدحرج عن الثوب، زال الحرز، إن كَانَ نائما، وإن كَانَ الثوب بين يديه، أو غيره منْ المتاع، كبز البزازين، وقُماش الباعة، وخبز الخبازين، بحيث يشاهده، وينظر إليه فهو محرز، وإن نام، أو كَانَ غائبا عن موضع مشاهدته، فليس بمحرز، وإن جعل المتاع فِي الغرائز، وعَلم عليها، ومعها حافظ يشاهدها، فهي محرزة، وإلا فلا. انتهى "المغني" ١٢/ ٤٢٧ - ٤٢٨.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد اتّضح مما سبق أن الحرز هو ما تعارفه النَّاس لحفظ أموالهم، وهيّؤوه لذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٨١ - (أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ مُرَقَّعٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، أَنَّ رَجُلاً سَرَقَ بُرْدَةً، فَرَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ تَجَاوَزْتُ عَنْهُ، قَالَ: "فَلَوْلَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ، يَا أَبَا وَهْبٍ"، فَقَطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل": الشيبانيّ، أبو عبد الرحمن، ولد الإمام المشهور، ثقة [١٢] ٤٥/ ٢٢٥٣ منْ أفراد المصنّف. و"أبوه": هو الإمام المشهور العلم الحجة أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيبانيّ، أبو عبد الله المروزيّ، نزيل بغداد الثقة الثبت الحجة الفقيه، رأس [١٠] ٤٩/ ٩٥٨.
و"محمد بن جعفر": هو المعروف بـ"غندر". و"سعيد": هو ابن أبي عروبة.
[تنبيه]: قوله: "حدثنا سعيد" هكذا وقع فِي نسخ "المجتبى"، و"الكبرى"، وكذا هو فِي "تحفة الأشراف" ٤/ ١٨٨ - بل قَالَ فيه: وهو ابن أبي عروبة. لكن أشار فِي هامش
стр. 17621
"الهنديّة"، وغيرها إلى أنه وقع فِي بعض نسخ "المجتبى" "حدثنا شعبة" بدل "حدثنا سعيد"، وهو الذي وقع عند أبي عمر ابن عبد البرّ فِي "التمهيد" ١١/ ٢١٨ - كما سبق: "حدّثنا شعبة" بدل "سعيد"، وأشار إلى أنه هكذا عند النسائيّ، حيث قَالَ بعد إخراجه بسنده: وذكره النسائيّ عن عبد الله بن أحمد بن حنبل بإسناده مثله سواءً. انتهى. ومعلومٌ أن غندرًا يروي عن كلّ منْ شعبة، وسعيد بن أبي عروبة، لكنه بشعبة ألصق، فقد جالسه نحوًا منْ عشرين سنة، وهو ربيبه، وكتابه عنه منْ أصحّ الكتب، وكان أصحاب شعبة إذا اختلفوا يرجعون إليه، فهو الحكم بينهم، فليُتأمّل، وليُحرّر، فالله تعالى أعلم بالصواب.
و"طارق بن مُرَقّع" حجازيّ مقبول [٣].
رَوَى عن صفوان بن أمية، وعنه عطاء بن أبي رباح.
ذكر ابن مندهْ فِي "الصحابة" طارق بن المرقع، وساق حديث ميمونة بنت كَرْدَم، وفيه فدنا أبي منْ رسول الله ﷺ ، فأخذ بقدمه، وَقَالَ أبي، شَهِدت جيش عيزار، فَقَالَ طارق بن المرقع مَن يُعطيني رمحا بثوابه، قَالَ: قلت وما ثوابه؟ قَالَ: أزوجه أول بنت لي … الْحَدِيث. وَقَالَ أبو نعيم فِي "الصحابة": طارق بن المرقع، إن كَانَ إسلاميا فهو تابعيّ، وأما المرقع بن كَرْدم فلا يعرف له فِي الاسلام أثر، ولا ذكر، فكيف فِي الصحابة، وذكره ابن عبد البرّ فِي "الاستيعاب"، وَقَالَ رَوَى عنه ابنه عبد الله، وعطاء بن أبي رباح، وفي صحبته نظر. وذكر خليفة أن معاوية وَلي مكة أخاه عنبسة، فكان إذا شخص إلى الطائف، استخلف طارق بن المرقع. انتهى "تهذيب التهذيب" ٢/ ٢٣٤. تفرد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط.
[تنبيه]: "مرقّع" لم يتبين لي ضبطه، هل هو بصيغة اسم المفعول المضعف، كما هو مضبوط بالقلم، أو هو بصيغة اسم الفاعل المضعّف، لم أر منْ حقّق ذلك. والله تعالى أعلم.
والحديث صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصح، وفيه مجهولٌ؛ وهو طارق بن مرقّع، فإنه لم يرو عنه غير عطاء؟.
[قلت]: لم ينفرد به طارق، بل تابعه عليه طاوس، وعكرمة، كما سيأتي فِي الباب التالي، وأيضًا فقد مرّ آنفاً أن ابن عبد البرّ ذكر ممن روى عنه ابنه عبد الله، فإن صحّ هَذَا فقد زالت جهالة عينه.
والحاصل أن الْحَدِيث صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
стр. 17622
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
[تنبيه]: زاد فِي "الكبرى" آخر الْحَدِيث الماضي: ما نصّه: "خالفه الأوزاعيّ، فأرسل الْحَدِيث": يعني أن الأوزاعيّ خالف قتادة، فرواه مرسلاً، ثم بيّن طريق الأوزاعيّ بقوله:
٤٨٨٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ نُعَيْمٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا حِبَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: أَنَّ رَجُلاً سَرَقَ ثَوْبًا، فَأُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ لَهُ، قَالَ: "فَهَلاَّ قَبْلَ الآنَ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن حاتم بن نُعيم": هو المروزيّ الثقة [١٢] ١/ ٣٩٧ منْ أفراد المصنّف. و"حبّان" -بكسر الحاء المهملة-: هو ابن موسى بن سَوّار السلميّ، أبو محمد المروزيّ، ثقة [١٠] ١/ ٣٩٧. و"عبد الله": هو ابن المبارك الإمام المشهور. و"الأوزاعيّ": هو عبد الرحمن بن عمرو الإمام المشهور.
وقوله: "فهلّا قبل الآن": "هلّا" بتشديد اللام منْ أدواة التحضيض، كما قَالَ ابن مالك رحمه الله تعالى: فِي "خلاصته":
"لَوْلَا" و"لَوْمَا" يَلْزَمَانِ الابْتِدَا … إِذَا مْتِنَاعًا بِوُجُودٍ عَقَدَا
وِبِهمَا التَّحْضِيضَ مِزْ و"هَلَّا" … "أَلَّا" "أَلَا" وَأْوِلِيَنْهَا الْفِعْلَا
وَقَدْ يَلِيهَا اسْمٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرِ … عُلِّقَ أَوْ بِظَاهِرِ مُؤَخَّرِ
والمعنى هنا: هلّا وهبت له قبل هَذَا الوقت الذي وجب فيه قطع يده.
والحديث مرسلٌ صحيح بما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٥ - (مَا يَكُونُ حِرْزًا، وَمَا لَا يَكُونُ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: استدلال المصنّف رحمه الله تعالى بأحاديث الباب عَلَى ما يكون حرزًا، واضح؛ لأنه يدلّ عَلَى أنه إذا كَانَ صاحب المتاع عنده، كنوم صفوان عَلَى ردائه، فإنه فِي حرز، وأما استدلاله عَلَى ما لا يكون حرزًا، ففيه خفاء.
стр. 17623
والله تعالى أعلم.
و"الحِرْزُ" -بكسر الحاء المهملة، وسكون الراء، آخره زاي-: المكان الذي يُحفظ فيه، والجمع أَحراز، مثلُ حِمْل وأَحمال، وأحرزتُ المتاعَ: جعلته فِي الحرز، ويقال: حِرْزٌ حَرِيزٌ للتأكيد، كما يقال: حِصْنٌ حَصِين، واحترز منْ كذا: أي تحفّظ، وتحرز مثلُهُ، وأحرزتُ الشيءَ إحرازًا: ضممته، ومنه قولهم: "أحرز قَصَب السَّبْقِ": إذا سبق إليها، فضمها، دون غيره. قاله الفيّوميّ.
وَقَدْ تقدم اختلاف العلماء فِي اشتراط الحرز لوجوب القطع فِي السرقة فِي الباب الماضي، فلا تغفل. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٨٨٣ - (أَخْبَرَنِي هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ -هُوَ ابْنُ أَبِي بَشِيرٍ- قَالَ: حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، أَنَّهُ طَافَ بِالْبَيْتِ، وَصَلَّى، ثُمَّ لَفَّ رِدَاءً لَهُ مِنْ بُرْدٍ، فَوَضَعَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ، فَنَامَ، فَأَتَاهُ لِصٌّ، فَاسْتَلَّهُ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ، فَأَخَذَهُ، فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا سَرَقَ رِدَائِي، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "أَسَرَقْتَ رِدَاءَ هَذَا؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "اذْهَبَا بِهِ فَاقْطَعَا يَدَهُ"، قَالَ صَفْوَانُ: مَا كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ فِي رِدَائِي، فَقَالَ لَهُ: "فَلَوْ مَا قَبْلَ هَذَا". خَالَفَهُ أَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "هلال بن العلاء" سبق فِي الباب الماضي.
و"حُسين": هو ابن عياش بن حازم السلميّ مولاهم، أبو بكر الباجُدّائيّ -بموحدة، وجيم مضمومة، ودال ثقيلة، وبعد الألف همزة- ثقة [١٠] ٥/ ١٤٨٤ منْ أفراد المصنّف. و"زُهير": هو ابن معاوية بن حُديج، أبو خيثمة الجعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقة ثبتٌ [٧] ٣٧/ ٤٢.
و"عبد الملك بن أبي بشير" البصريّ، نزيل المدائن، ثقة [٦].
رَوَى عن عكرمة، وعبد الله بن مساور، وحفصة بنت سيرين، وآخرون. وعنه ليث ابن أبي سليم، والثوري، وزهير بن معاوية، والمحاربي، وجنيد بن العلاء، ومحمد بن حمران القيسي، وغيرهم.
قَالَ: مؤمل، عن سفيان، حدثنا عبد الملك بن أبي بشير، وكان شيخ صدق. وَقَالَ علي، عن القطّان: كَانَ ثقة. وَقَالَ الأثرم، عن أحمد: زعموا أنه كَانَ رجلا صالحا. وَقَالَ أحمد أيضا، وابن معين، وأبو زرعة، والعجلي، ويعقوب بن سفيان، والنسائي: ثقة. وَقَالَ أبو حاتم: صالح الْحَدِيث. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات".
وله ذكر فِي "صحيح البخاريّ"، فِي سند أثر معلق فِي "الأطعمة"، قَالَ البخاريّ:
стр. 17624
قَالَ أبو بكر ﵁: الطافي حلال، ووصله الدارقطنيّ، منْ طريق سفيان الثوري، عن عبد الملك هَذَا، عن عكرمة، عن ابن عباس، قَالَ: أشهد عَلَى أبي بكر بهذا. وفي "البر والصلة" لابن المبارك، فِي أثناء إسناد: كَانَ مرضيا. روى له البخاريّ فِي "الأدب المفرد"، وأبو داود، والمصنّف، والترمذيّ، وله عند المصنّف هَذَا الْحَدِيث فقط.
و"عكرمة": هو مولى ابن عبّاس.
وقوله: "أنه طاف بالبيت" هذه الزيادة شاذّة؛ لأن المشهور أن هذه القصّة وقعت فِي المدينة، فسيأتي للمصنّف بعد حديثين: ما لفظه: "وهو نائم فِي مسجد النبيّ ﷺ "، وَقَدْ تقدّم منْ رواية مالك فِي "الموطإ" أنه قيل له: إنه منْ لم يهاجر هلك، فقدِم صفوان بن أمية المدينة، فنام فِي المسجد … الْحَدِيث، فثبت أن الواقعة ليست بمكة، وإنما هي بالمدينة، فتنبّه.
وقوله: "فاستلّه": أي أخذه بخفية.
وقوله: "اذهبا به الخ" بضمير التثنية، ولعله كَانَ عنده ﷺ وقت ذاك رجلان.
وقوله: "فلو ما قبل هَذَا": تقدم أن "لو ما" مثل "لولا"، و"هلّا"، و"ألا" تستعمل للتحضيض، أي هلّا كَانَ هَذَا العفو عنه قبل هَذَا الوقت.
والحديث صحيح إلا الزيادة المذكورة، كما سبق آنفاً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (خَالَفَهُ أَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ) يعني أن أشعث بن سوّار خالف عبد الملك بن أبي بشير فِي إسناد هَذَا الْحَدِيث، فَقَالَ: "عن عكرمة، عن ابن عباس"، لكن مخالفته هذه لا تضرّ برواية عبد الملك، فإنه ثقة، بخلاف أشعث، فإنه ضعيفٌ، كما سيأتي للمصنّف، ثم ساق رواية أشعث بقوله:
٤٨٨٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامٍ -يَعْنِي ابْنَ أَبِي خِيَرَةَ- قَالَ" حَدَّثَنَا الْفَضْلُ -يَعْنِي ابْنَ الْعَلَاءِ الْكُوفِيَّ- قَالَ: حَدَّثَنَا أَشْعَثُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ صَفْوَانُ نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ، وَرِدَاؤُهُ تَحْتَهُ، فَسُرِقَ، فَقَامَ، وَقَدْ ذَهَبَ الرَّجُلُ، فَأَدْرَكَهُ، فَأَخَذَهُ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ، قَالَ صَفْوَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَلَغَ رِدَائِي أَنْ يُقْطَعَ فِيهِ رَجُلٌ، قَالَ: "هَلاَّ كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنَا بِهِ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَشْعَثُ ضَعِيفٌ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن هشام بن أبي خِيَرَة" -بكسر المعجمة، وفتح التحتانيّة-: هو البصريّ، نزيل مصر، ثقة مصنفٌ [١٠] ٤٠/ ٢٢٠٦ منْ أفراد
стр. 17625
المصنّف، وأبي داود.
و"الفضل بن العلاء" أبو العبّاس، ويقال: أبو العلاء، الكوفيّ، نزيل البصرة، صدوقٌ، له أوهام [٩].
رَوَى عن فطر بن خليفة، وعثمان بن حكيم، وليث بن أبي سليم، وموسى بن عُبيدة، وأشعث بن سَوّار، وإسماعيل بن أمية، وإبراهيم بن مسلم الْهَجَري، وطلحة بن عمرو المكيّ، وجماعة. وعنه أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وعمرو بن علي الفلّاس، وأبو بكر بن الأسود، ومحمد بن هشام بن شبيب بن أبي خِيَرَة، ومحمد بن إبراهيم بن صدران، ومحمد بن عبد الأعلى الصنعاني، وخليفة بن خياط، وعلي بن الحسين الدرهمي، وأزهر بن جميل، وأحمد بن بكار، وآخرون.
قَالَ أبو حاتم: شيخ يكتب حديثه. وَقَالَ النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ ابن شاهين فِي "الثقات": قَالَ ابن معين: لا بأس به. وَقَالَ علي بن المديني: ثقة. وَقَالَ الدارقطنيّ: كَانَ كثير الوهم.
رَوَى له البخاريّ حديثا واحدا، مقرونا بغيره، منْ مسند ابن عباس أيضا، فِي بعث معاذ إلى اليمن، والمصنّف هَذَا الْحَدِيث فقط.
و"أشعث": هو ابن سَوّار الكنديّ النجّار الكوفيّ، مولى ثقيف، ويقال له: أشعث النجار، وأشعث التابوتي، وأشعث الأفرق، ويقال: الأثرم، صاحب التوابيت، وكان عَلَى قضاء الأهواز، ضعيف [٦].
رَوَى عن الحسن البصريّ، والشعبي، وعدي بن ثابت، وعكرمة، وأبي إسحاق، وعون بن أبي جحيفة، والحكم بن عتيبة، وغيرهم. وعنه شعبة، والثوري، وهشيم، وحفص بن غياث، والفضل بن العلاء، وابنه عبد الله بن أشعث، ويزيد بن هارون، آخر منْ حدث عنه، رَوَى عنه أبو إسحاق السبيعي، وهو منْ شيوخه.
قَالَ الثوري: أشعث أثبت منْ مجالد. وَقَالَ يحيى بن سعيد: الحجاج بن أرطاة، ومحمد بن إسحاق عندي سواء، وأشعث دونهما. وَقَالَ عمرو بن عَلَى: كَانَ يحيى، وعبد الرحمن لا يحدثان عنه، ورأيت عبد الرحمن يَخُطُّ عَلَى حديثه. وَقَالَ أبو موسى: ما سمعت يحيى، ولا عبد الرحمن حدثا، عن سفيان عنه بشيء قط. وَقَالَ الدوري، عن ابن معين: أشعث بن سَوّار أحب إلى منْ إسماعيل بن مسلم، وسمع منْ الشعبي، ولم يسمع منْ إبراهيم، وَقَالَ مرة: ضعيف. وَقَالَ ابن الدورقي عنه: ثقة. وَقَالَ أحمد: هو أمثل فِي الْحَدِيث منْ محمد بن سالم، ولكنه عَلَى ذلك ضعيف الْحَدِيث. وَقَالَ العجليّ: أمثل منْ محمد بن سالم. وَقَالَ أبو زرعة: لين. وَقَالَ النسائيّ، والدارقطني:
стр. 17626
ضعيف. وَقَالَ ابن عدي: ولأشعث بن سَوار روايات عن مشايخه، وفي بعض ما ذكرت يخالفونه، وفي الجملة يكتب حديثه، وأشعث بن عبد الملك خير منه، ولم أجد له فيما يرويه متنا منكرا، إنما فِي الأحايين يخلط فِي الإسناد، ويخالف. وَقَالَ البرقاني: قلت للدارقطني: أشعث عن الحسن؟ قَالَ: هم ثلاثة يحدثون جميعا، عن الحسن: الحمرانيُّ وهو ابن عبد الملك، أبو هانىء، ثقة، وابن عبد الله بن جابر الْحُدَّاني، يعتبر به، وابن سَوّار يعتبر به، وهو أضعفهم، روى عنه شعبة حديثا واحدا. وَقَالَ ابن حبّان: فاحش الخطاء، كثير الوهم. وَقَالَ ابن سعد: كَانَ ضعيفا فِي حديثه. وَقَالَ العجليّ: ضعيف يُكتب حديثه. وَقَالَ مرة: لا بأس به، وليس بالقوي، قَالَ وَقَالَ ابن مهدي: هو أرفع منْ مجالد، قَالَ: والناس لا يتابعونه عَلَى هَذَا، مجالد أرفع منه. وَقَالَ ابن شاهين فِي "الثقات": عن عثمان بن أبي شيبة: صدوقٌ، قيل: حجة؟ قَالَ: لا. وَقَالَ بندار: ليس بثقة. وَقَالَ الآجري: قلت لأبي داود: أشعث، وإسماعيل بن مسلم، أيهما أعلى؟ قَالَ: إسماعيل، دون أشعث، وأشعث ضعيف. وَقَالَ البزار: لا نعلم أحدا ترك حديثه، إلا منْ هو قليل المعرفة، واستنكر له العقيلي روايته، عن الحسن، عن أبي موسى، حديث: "الأذنان منْ الرأس"، وَقَالَ: لا يتابع عليه. قَالَ عمرو بن عَلَى: مات سنة (١٣٦).
روى له البخاريّ فِي "الأدب المفرد"، ومسلم فِي المتابعات، والترمذي، والمصنّف، وله عنده حديثان: هَذَا، وفِي ١٣/ ٤٩٧٨ - حديث جابر ﵁: "ليس عَلَى خائن قطع".
وقوله: (قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَشْعَثُ ضَعِيفٌ) قد تقدّم ما قاله غيره منْ الأئمة فِي ترجمته الآنف الذكر.
والحديث صحيح، كما سبق، لكن هَذَا الإسناد ضعيف؛ لمخالفة أشعث، وهو ضعيف، لعبد الملك بن أبي بشير، وهو ثقة، لكن سبق الْحَدِيث بالأسانيد الصحيحة، فلا يضرّه ضعف هَذَا الإسناد، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٨٥ - (أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ أَسْبَاطٍ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ أُخْتِ صَفْوَانَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: كُنْتُ نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ، عَلَى خَمِيصَةٍ لِي، ثَمَنُهَا ثَلَاثُونَ دِرْهَمًا، فَجَاءَ رَجُلٌ، فَاخْتَلَسَهَا مِنِّي، فَأُخِذَ الرَّجُلُ، فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَمَرَ بِهِ لِيُقْطَعَ، فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: أَتَقْطَعُهُ مِنْ أَجْلِ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا؟ أَنَا أَبِيعُهُ، وَأُنْسِئُهُ ثَمَنَهَا، قَالَ: "فَهَلاَّ كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ").
стр. 17627
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أحمد بن عثمان بن حكيم": هو الأوديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة [١١] ١٦٠/ ٢٥٢.
و"عمرو": هو ابن حمّاد بن طلحة القَنَّاد أبو محمد الكوفيّ، وَقَدْ يُنسَبُ إلى جدّه، صدوقٌ رُمِيَ بالرفض [١٠].
روى عن أسباط بن نصر، وعلي بن هاشم، وعامر بن يسار وغيرهم. وروى عنه مسلم، وأبو داود، والمصنف، وابن ماجه، وغيرهم.
قَالَ ابن معين وأبو حاتم: صدوقٌ، وَقَالَ أبو داود: كَانَ منْ الرافضة ذكر عثمان بشيء، فطلبه السلطان فهرب. وَقَالَ مطيّن: ثقة تُوفي فِي صفر سنة (٢٢٢)، وكذا ذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وكذا أرخه ابن سعد، وَقَالَ: كَانَ ثقة إن شاء الله. وَقَالَ الساجي: كَانَ يُتَّهَمُ فِي عثمان، وعنده مناكير. رَوَى له البخاريّ فِي "الأدب المفرد"، ومسلم، وأبو داود، والمصنف، وابن ماجه فِي "التفسير". وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط.
و"أسباط": هو ابن نصر الهمدانيّ، الكوفيّ، صدوقٌ، كثير الخطأ، يُغرب [٨] ١٤/ ٤٠٩.
و"سماك": هو ابن حرب، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ، مضطرب فِي حديث عكرمة، وتغيّر بآخره، فكان يتلقّن [٤] ٢/ ٣٢٥.
و"حُميد ابن أخت صفوان" بن أميّة المكيّ، وقيل: اسمه جُعيد، مقبول [٧].
روى عن خاله صفوان قصّة الخميصة. وعنه سماك بن حرب، وبعضهم سمّاه جُعيدًا، ذكره ابن حبّان فِي "الثقات". سمّاه البخاريّ حُميد بن حُجير، وَقَالَ: إن زائدة صحّفه، فَقَالَ: جُعيد بن حُجير. وَقَالَ ابن القطّان: إنه مجهول الحال. تفرّد به أبو داود، والمصنّف، له عندهما هَذَا الْحَدِيث فقط.
وقوله: "فأخذ الرجل، فاتي به الخ" بالبناء للمفعول. وقوله: "فأمر" بالبناء للفاعل. وقوله: "ليُقطع" بالبناء للمفعول.
وقوله: "أنسئه ثمنها": أي أُأَخِّرُ عنه.
[فإن قلت]: هَذَا مخالف للروايات السابقة، بأنه قَالَ: "تجاوزت عنه"، وفي رواية: "هو له"، وفي بعض الروايات: "هو عليه صدقة"، وفي بعضها أنه وهبه له.
[قلت]: هذه الرواية ضعيفة، لجهالة حميد ابن أخت صفوان، فلا تعارض الروايات الصحيحة، وعلى تقدير صحّتها، يحتمل أنه قَالَ أوّلاً: "أبيعه"، فلما عزم ﷺ بقطعه، وهبه له، ظنًّا منه أنه إنما عزم عَلَى القطع؛ لكونه باعه منه، ولم يحصل منه القبول،
стр. 17628
فربما لا يرضى بالبيع، وربما لا يفي بثمنه، فوهبه له؛ ليخفّف عنه التبعة، حَتَّى يترك ﷺ قطعه؛ لدخوله فِي ملكه بلا عوض، يُخشى أن لا يقوم بدفعه. والله تعالى أعلم.
والحديث -وإن كَانَ فِي سنده حميد، وهو مجهول، إلا أنه صحيح بالأسانيد الماضية، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٨٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا -وَذَكَرَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ- عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، أَنَّهُ سُرِقَتْ خَمِيصَتُهُ، مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ، وَهُوَ نَائِمٌ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَخَذَ اللِّصَّ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ، فَقَالَ صَفْوَانُ: أَتَقْطَعُهُ؟ قَالَ: "فَهَلاَّ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ تَرَكْتَهُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم": هو ابن الْبَرْقيّ المصريّ، ثقة [١١] ١٧/ ١٥٤٠ منْ أفراد المصنّف، وأبي داود. و"أسد بن موسى": هو الأمويّ المعروف بأسد السنّة، المصريّ، صدوقٌ، يُغْرِب، وفيه نَصْبٌ [٩] ٤١/ ٣١٧٦.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٨٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "تَعَافَوُا الْحُدُودَ قَبْلَ أَنْ تَأْتُونِي بِهِ، فَمَا أَتَانِي مِنْ حَدٍّ، فَقَدْ وَجَبَ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: مناسبة هَذَا الْحَدِيث، للباب غير واضحة، فكان الأولى للمصنّف رحمه الله تعالى أن يورده فِي الباب الماضى، فإنه به أليق، وله أنسب. والله تعالى أعلم.
ورجال إسناده: ستة:
١ - (محمد بن هاشم) القرشيّ البعلبكيّ، صدوقٌ، منْ صغار [١٠] ٣/ ٤٥٤ منْ أفراد المصنّف.
٢ - (الوليد) بن مسلم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقة، كثير التدليس والتسوية [٨] ٥/ ٤٥٤.
٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلس [٦] ٢٨/ ٣٢.
٤ - (عمرو بن شُعيب) المدنيّ، ويقال: الطائفيّ، صدوقٌ [٥] ١٠٥/ ١٤٠.
٥ - (أبوه) شُعيب بن محمد بن عبد الله الطائفيّ، صدوقٌ [٣] ١٠٥/ ١٤٠.
стр. 17629
٦ - (جدّه) عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما ٨٩/ ١١١. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ) شعيب بن محمد (عَنْ جَدِّهِ) عبد الله بن عمرو بن العاص، وفي رواية ابن وهب، عن ابن جُريج التالية: "عن عبد الله بن عمرو"، ولأبي داود: "عن عبد الله بن عمرو بن العاص" (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "تَعَافَوُا) أمر منْ التعافي، والخطاب لغير الأئمة؛ لأنهم لا يجوز لهم أن يعفوا بعد أن يثبت لديهم بالبينة، أو الاعتراف، اللَّهم إلا إذا كانت السرقة منهم، فعفوا عن السارق دون الرفع إلى مجلس الحكم، فإنه يجوز (الْحُدُودَ) أي تجاوزا عنها، ولا ترفعوها إليّ، ولفظ رواية ابن وهب: "تعافوا الحدود فيما بينكم" (قَبْلَ أَنْ تَأْتُونِي بِهِ) أي قبل أن تأتوا إليّ بمن وجبت عليه الحدود، فتذكير الضمير باعتبار "منْ وجبت عليه" (فَمَا أَتَانِي مِنْ حَدٍّ، فَقَدْ وَجَبَ) أي فما ثبت منْ حدّ بالبينة الشرعيّة، فقد وجب عليّ تنفيذه، ولا يجوز تركه؛ لعفو صاحبه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيح، إن سلم منْ عنعنة ابن جريج، فإني لم أر له تصريحًا بالتحديث، ونحوه، وَقَدْ صححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، وذكر فِي "السلسلة الصحيحة" ما يشهد له، ولكن لا تطمئنّ له النفس. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٥/ ٤٨٨٧ و٤٨٨٨ - وفي "الكبرى" ٨/ ٧٣٧٢ و٧٣٧٣. وأخرجه (د) فِي "الحدود" ٤٣٧٦. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): استحباب التعافي فِي الحدود، قبل الرفع إلى الإمام. (ومنها): أنه لا يجوز للإمام أن يعفو عن الحدود إذا رفعت إليه. (ومنها): ما قاله القاري فِي "المرقاة": إنه بإطلاقه يدلّ عَلَى أن ليس للمالك أن يُجري الحدّ عَلَى مملوكه، بل يعفو عنه، أو يرفع إلى الحاكم أمره، فإنه دخل تحت هَذَا الأمر، وهو للاستحباب. انتهى.
стр. 17630
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قول القاري "ليس للمالك أن يجري الحدّ إلخ" فيه نظر لا يخفى، فقد جاءت الأحاديث الصحيحة بإقامة السيد الحدَّ عَلَى مماليكه، انظر ما كتبه أبو محمد ابن حزم فِي كتابه "المحلى" جـ ١١ ص ١٦٤ - ١٦٧. والله تعالى أعلم. (ومنها): استحباب الستر عَلَى المسلم، وَقَدْ جاءت فيه أحاديث كثيرة:
[فمنها]: ما أخرجه الشيخان، منْ عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قَالَ: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يُسلمه، ومن كَانَ فِي حاجة أخيه كَانَ الله فِي حاجته، ومن فَرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه كربة منْ كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة".
(ومنها): ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة ﵁، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "منْ نَفَّس عن مؤمن كربة منْ كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة منْ كرب يوم القيامة، ومن يسر عَلَى معسر، يسر الله عليه فِي الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله فِي الدنيا والآخرة، والله فِي عون العبد ما كَانَ العبد فِي عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له به طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم فِي بيت منْ بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بَطّأ به عمله، لم يُسرع به نسبه". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٨٨ - (قَالَ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ جُرَيْجٍ، يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "تَعَافَوُا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ، فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "ابن وهب": هو عبد الله. والحديث تقدّم تمام البحث فيه فِي الْحَدِيث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٨٩ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضى الله عنهما، "أَنَّ امْرَأَةً مَخْزُومِيَّةً، كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ، فَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الأحاديث الآتية مناسبتها للباب غير واضحة؛ فكان الأولى له أن يفردها بباب، كما فعل غيره، فالله تعالى أعلم.
ورجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (محمود بن غيلان) العدوي مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة
стр. 17631
[١٠] ٣٣/ ٣٧.
٢ - (عبد الرزّاق) بن همّام بن نافع الحميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظ مصنّ شهير، عَمِي فِي آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] ٦١/ ٧٧.
٣ - (معمر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت [٧] ١٠/ ١٠.
٤ - (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت حجة فقيه عابد [٥] ٤٢/ ٤٨.
٥ - (نافع) مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/ ١٢.
٦ - (ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. (ومنها): أن هَذَا الإسناد أصحّ الأسانيد مطلقًا، كما نُقل عن الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى. (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضى الله عنهما، أَنَّ امْرَأَةً مَخْزُومِيَّةً) نسبة إلى مخزوم بن يَقَظة -بفتح التحتانيّة، والقاف، بعدها ظاء معجمة مُشالة- ابن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب، ومخزوم أخو كلاب بن مُرّة الذي نُسب إليه بنو عبد مناف. واسم المرأة عَلَى الصحيح فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وهي بنت أخي أبي سلمة بن عبد الأسد الصحابيّ الجليل، الذي كَانَ زوج أم سلمة قبل النبيّ ﷺ ، وسيأتي تمام البحث فِي هَذَا فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى (كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ) وفي الرواية التاية: "تستعير متاعًا عَلَى ألسنة جاراتها"، وفي رواية: "كانت تستعير الحليّ للناس، ثم تُمسكه"، وفي رواية: "استعارت حليا عَلَى لسان أناس".
قيل: ذكرت العارية تعريفًا لحالها الشنيعة، لا لأنها سبب قطعها، فإن سببه هو السرقة، كما جاء فِي الرواية، لا جحد العارية، وبهذا قطع الجمهور، وقالوا: لا قطع عَلَى منْ جحد العارية، وخالف فِي ذلك أحمد، وإسحاق، وبعض طائفة، فقالوا: يقطع جاحد العارية.
قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى فِي "شرح مسلم": قَالَ العلماء: قُطعت بالسرقة، وإنما
стр. 17632
ذُكرت العارية تعريفًا لها، ووصفا لها، لا أنها سبب القطع، وَقَدْ ذكر مسلم هَذَا الْحَدِيث فِي سائر الطرق المصرّحة بأنها سرقت، وقُطعت بسبب السرقة، فيتعيّن حمل هذه الرواية عَلَى ذلك جمعًا بين الروايات، فإنها قضيّة واحدة، مع أن جماعة منْ الأئمة قالوا: إن هذه الرواية -يعني رواية معمر، عن الزهريّ لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها بلفظ الاستعارة- شاذّة، فإنها مخالفة لجماهير الرواة، والشاذّة لا يُعمل بها. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى الشذوذ للرواية المذكورة، غير صحيحة، وسيأتي الردّ عليها فِي الباب الآتي، إن شاء الله تعالى.
(فَتَجْحَدُهُ) أي تنكر كونها استعارت ذلك المتاع (فَأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بقَطْعِ يَدِهَا) أي بسبب جحدها المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث؛
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيحٌ.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٥/ ٤٨٨٩ و٤٨٩٠ و٨٩١ و٤٨٩٢ - وفي "الكبرى" ٨/ ٧٣٧٤ و٧٣٧٥ و٩/ ٧٣٧٦ و٧٣٧٧. وأخرجه (د) فِي "الحدود" ٤٣٩٥. وبقيّة المسائل ستأتي فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٩٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضى الله عنهما، قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ، تَسْتَعِيرُ مَتَاعًا، عَلَى أَلْسِنَةِ جَارَاتِهَا، وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه.
وقوله: "عَلَى ألسنة جاراتها": "الجاراة" جمع جارة، مؤنّث جار، وهو الذي يجاورك بيتَ بيتَ، أفاده فِي "المصباح".
والمعنى: أن تلك المرأة تأتي إلى بيوت النَّاس، فتستعير المتاع منهم، مدّعية أن إحدى جاراتها أرسلتها، تستعير لها، وذلك لكونها غير معروفة عندهم، فتحتال عليهم بمن يعرفونها منْ بعض جاراتها، حَتَّى لا يمنعوها العارية؛ لكونها غير معروفة عندهم. والله تعالى أعلم.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه فِي الْحَدِيث الذي قبله. والله تعالى أعلم
стр. 17633
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٩١ - (أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْجَنْبِيُّ، أَبُو مَالِكٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضى الله عنهما، أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْحُلِيَّ لِلنَّاسِ، ثُمَّ تُمْسِكُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لِتَتُبْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَرُدَّ مَا تَأْخُذُ عَلَى الْقَوْمِ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قُمْ يَا بِلَالُ، فَخُذْ بِيَدِهَا، فَاقْطَعْهَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ترجم فِي "الكبرى" هنا بقوله: "ذكر الاختلاف عَلَى عبيد الله فِي حديث نافع". ووجه الاختلاف فيه أن عمرو بن هاشم الجنبيّ رواه عنه، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فوصله، وخالفه شُعيب بن إسحاق، فرواه عنه، عن نافع: أن امرأة كانت الخ، فأرسله، والحكم هنا للواصل، فقد تابع عبيدَ الله أيوبُ السخيانيّ -كما فِي الروايتين السابقتين قبله-، فرواه عن نافع، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، موصولاً. والله تعالى أعلم.
و"عثمان بن عبد الله": هو ابن خُرَّزَاد، أبو عمرو البصريّ، نزيل أَنطاكية، ثقة [١١] ١١٢/ ١٥٥ منْ أفراد المصنّف.
و"الحسن بن حَمّاد" بن كُسيب -بضم الكاف، مصغّرًا- المحضرميّ، أبو عليّ البغداديّ، يُلقّب سجّادة، صدوقٌ [١٠].
روى عن أبي بكر بن عيّاش، وحفص بن غياش، ويحيى بن سعيد الأمويّ، وأبي مالك الجَنْبيّ، وغيرهم. وعنه أبو داود، وابن ماجه، وروى له النسائيّ بواسطة عثمان ابن خُرَّزاد، وأبو زرعة، وعليّ بن الحسين بن الجنيد، وغيرهم. قَالَ أحمد: صاحب سنة، ما بلغني عنه إلا خير. وَقَالَ الخطيب: كَانَ ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ البخاريّ: مات يوم السبت لثمان بقين منْ رَجَب سنة (٢٤١). روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عند المصنّف هَذَا الْحَدِيث فقط.
"عمرو بن هاشم، أبو عليّ الْجَنبي" -بفتح الجيم، وسكون النون، بعدها موحّدة- الكوفيّ، ليّن الْحَدِيث، أفرط فيه ابن حبّان [٩].
رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، وعبيد الله بن عمر، وهشام بن عروة، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وحجاج بن أرطاة، والأجلح الكندي، وغيرهم. وعنه ابنه عمار، وعبد الرحمن بن صالح الأزدي، ومحمد بن عبيد المحاربي، ويحيى بن معين، ويعقوب الدورقي، والحسن بن حماد الحضرميّ، ومحمد بن أبي السَّرِي العسقلاني، وآخرون.
стр. 17634
قَالَ أحمد: صدوقٌ، ولم يكن صاحب حديث. وَقَالَ البخاريّ: فيه نظر. وَقَالَ أبو حاتم: لين الْحَدِيث، يُكتب حديثه. وَقَالَ النسائيّ: ليس بالقوي. وَقَالَ ابن عدي: هو صدوقٌ إن شاء الله. وَقَالَ ابن سعد: كَانَ صدوقا، ولكنه كَانَ يخطىء كثيرا. وَقَالَ مسلم فِي "الكنى": ضعيف. وَقَالَ أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. وَقَالَ النسائيّ فِي "الكنى": أنا سليمان بن الأشعث، سألت ابن معين عنه، فقلت: أبو مالك الجنبي؟ قَالَ: سمعت منه، ولم يكن به بأس. وَقَالَ ابن حبّان: كَانَ يقلب الأسانيد، ويروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات، لا يجوز الاحتجاج بخبره. وَقَالَ العقيلي بعد أن ساق له عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: "لا نكاح إلا بولي، وشاهدين"-: لم يتابع عليه، والرواية فِي الشاهدين لَيِّنَة. روى له البخاريّ فِي "الأدب المفرد"، والمصنف، وأبو داود، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط.
و"عُبيد الله بن عمر": هو ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقة ثبتٌ، قدّمه أحمد بن صالح عَلَى مالك فِي نافع، وقدّمه ابن معين فِي القاسم، عن عائشة عَلَى الزهريّ، عن عروة، عنها [٥] ١٥/ ١٥.
وقوله: "الحلي": يحتمل أن يكون -بفتح الحاء المهملة، وسكون اللام، وتخفيف المثناة التحتانية، مفردًا، ويحتمل أن يكون -بضم الحاء، وكسر اللام، وتشديد التحتانيّة، جمع حَلْي، بفتح، فسكون، كفلس وفُلُوس، ويؤيّد الأول قوله: "ثم تُمسكه" بضمير المذكّر، لأنه لو كَانَ بصيغة الجمع لكان التأنيث أولى.
قَالَ المجد رحمه الله تعالى فِي "القاموس": الْحَلْيُ -بالفتح: ما يُتزيّن به، منْ مصوغ المعدنيّات، أو الحجارة، جمعه حُلِيّ، كدُلِيّ، أو هو جمعٌ، والواحد حَلْية، كظَبْيةٍ، والْحِلْيةُ -بالكسر-: الحَلْيُ، جمعها حِلًى، وحُلًى. انتهى.
وقوله: "للناس" أي تستعير الحلي لأجل النَّاس، ثم تُمسكه لنفسها.
والحديث -وإن كَانَ فِي سنده عمرو بن هاشم، وهو متكلّم فيه، كما سبق آنفاً- إلا أنه صحيح؛ لأنه يشهد له ما سبق قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٩٢ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْخَلِيلِ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْحُلِيَّ، فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَعَارَتْ مِنْ ذَلِكَ حُلِيًّا، فَجَمَعَتْهُ، ثُمَّ أَمْسَكَتْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لِتَتُبْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ، وَتُؤَدِّي مَا عِنْدَهَا، مِرَارًا، فَلَمْ تَفْعَلْ، فَأَمَرَ بِهَا، فَقُطِعَتْ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن الخليل" بن حمّاد بن سليمان الْخُشَنيّ -
стр. 17635
بمعجمتين مضمومة، ثم مفتوحة، ثم نون- أبو عبد الله الدمشقيّ الْبَلاطيّ -بفتح الموحّدة، مخفّفًا: نسبة إلى قرية، صدوقٌ [١٠].
رَوَى عن شعيب بن إسحاق، ومروان بن معاوية الفزاري، وإسماعيل بن عياش، وغيرهم. ورَوَى عنه النسائيّ، وابن ابنه محمد بن أحمد بن الخليل، وأبو حاتم الرازي، ومحمد بن وضاح القرطبيّ، وإبراهيم بن دحيم، وآخرون. قَالَ أبو حاتم: شيخ. وَقَالَ النسائيّ: لا بأس به. وَقَالَ مسلمة. صدوقٌ. تفرد به المصنّف بحديثين: هَذَا، وفي "كتاب الاستعاذة" -٦٠/ ٥٥٣٢.
و"شُعيب بن إسحاق": هو الأموي مولاهم البصريّ، ثم الدمشقيّ، ثقة، رُمي بالإرجاء، منْ كبار [٩] ٦٠/ ١٧٦٦.
وقوله: "مرارًا" أي كرر هَذَا القول عدّة مرّات.
والحديث مرسل، صحيح بما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٩٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْدَانَ بْنِ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ سَرَقَتْ، فَأُتِيَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَعَاذَتْ بِأُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، لَقَطَعْتُ يَدَهَا، فَقُطِعَتْ يَدُهَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، محمد بن معدان بن عيسى الْحَرّانيّ، فإنه منْ أفراده، وهو ثقة [١١] ١٦/ ٦٤٩. و"الحسن بن أعين": هو الحسن بن محمد بن أعين، أبو عليّ الحرّانيّ، نسب لجدّه، صدوقٌ [٩] ١٦/ ٦٤٩. و"معقِل": هو ابن عُبيد الله العبْسيّ مولاهم، أبو عبد الله الْجزريّ، صدوقٌ يُخطىء [٨] ٣٧/ ٩٤٠. و"أبو الزبير": هو محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوقٌ، يدلّس [٤] ٣١/ ٣٥.
وقوله: "سرقت": هَذَا هو الذي تمسّك به الجمهور عَلَى أن قطع هذه المرأة كَانَ لسرقتها، لا لجحدها العارية، ويؤيّد هَذَا ما سبق فِي الْحَدِيث الذي قبله، منْ قوله ﷺ : "لتتب هذه المرأة، وتؤدّي ما عندها، مرارًا"؛ لأنه لكان القطع للجحد لما أمرها بالتوبة، وردّ ما أخذته، بل قطعها فورًا؛ لأن السارق لا يؤمر بالتوبة بعد ثبوت السرقة عليه، بل يُقطع، وهذا واضحٌ، فما قاله الجمهور هو الأرجح، وسيأتي تمام البحث فِي ذلك قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 17636
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث جابر رضي الله تعالى عنه هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٥/ ٤٨٩٣ - وفي "الكبرى" ٩/ ٧٣٧٨. وأخرجه (م) فِي "الحدود" ١٦٨٩ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١٤٧٢٩ و١٤٨٢٥. وشرح الْحَدِيث، وبقيّة مسائله، ستأتي فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٩٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، اسْتَعَارَتْ حُلِيًّا عَلَى لِسَانِ أُنَاسٍ، فَجَحَدَتْهَا، فَأَمَرَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ فَقُطِعَتْ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أبو معاذ": هو هشام الدستوائيّ. و"سعيد بن يزيد" البصريّ، لم يرو عنه غير قتادة، إلا أنه قديم الموت [٦].
رَوَى عن ابن المسيّب هَذَا الْحَدِيث، وعنه قتادة. قَالَ أبو حاتم: شيخٌ. وَقَالَ ابن المدينيّ: شيخٌ بصريّ، لا أعرفه. تفزد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط.
وقوله: "استعارت الخ": أي ثم سرقت بعد ذلك، فأمر ﷺ بقطع يدها للسرقة، كما سبق.
والحديث مرسلٌ صحيحٌ بما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٩٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي عَاصِمٍ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، حَدَّثَهُ نَحْوَهُ).
قال الجامع عفا الله عنه: "عبد الصمد": هو ابن عبد الوارث بن سعيد البصريّ، صدوقٌ [٩] ١٢٢/ ١٧٤. و"همّام": هو يحيى الْعَوْذيّ البصريّ، ثقة، ربما وَهِم [٧] ٥/ ٤٦٥. و"داود بن أبي عاصم": ابن عروة بن مسعود الثقفيّ المكيّ، ثقة [٣] ٥٦/ ٣٥٤٤.
والحديث مرسلٌ صحيحٌ بما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
***
стр. 17637
قَالَ الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير، محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم بن موسى الإِتْيُوبيّ الولّويّ، نزيل مكة المكرّمة، عفا الله تعالى عنه وعن والديه ومشايخه آمين:
قد انتهيت منْ كتابة الجزء السادس والثلاثين منْ شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائيّ رحمه الله تعالى، المسمّى "ذخيرةَ العُقْبَى فِي شرح المجتبى"، أو "غاية المنى فِي شرح المجتنى".
وذلك بحيّ الزهراء، مخطط الأمير طلال، فى مكة المكرمة زادها الله تعالى تشريفًا وتعظيمًا، وجعلني منْ خيار أهلها حيًّا وميتًا، وأعْظِمْ به تكريمًا.
وأخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾.
"اللَّهم صلّ عَلَى محمد، وعلى آل محمد، كما صليت عَلَى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللَّهم بارك عَلَى محمد، وعلى آل محمد، كما باركت عَلَى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام عليك أيها النبيّ، ورحمة الله، وبركاته".
ويليه -إن شاء الله تعالى- الجزء السابع والثلاثون مفتتحًا بالباب ٦ - "ذكرُ اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر الزهريّ فِي المخزومية التي سرقت" الْحَدِيث رقم ٤٨٩٦.
"سبحانك اللهمّ، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".
***
стр. 17638
شرح
سنن النسائي
المسَمَّى
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى
لجامعة الفقير إلى مولاه الغني القدير
محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الأتيوبي الوَلَّوِي
المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة
عفا الله عنه وعن والديه آمين
الجُزْءُ السابع والثلاثون
стр. 17639
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 17640
شرح
سنن النسائيّ
стр. 17641
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م
دَار آل بروم للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية - مكة المكرمة - المكتب الرئيسي التنعيم
صَ بُ: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - جوال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)
стр. 17642
٦ - (ذِكْرِ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ النَّاقِلِينَ لِخَبَرِ الزُّهْرِيِّ فِي الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه الاختلاف المذكور أن إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن منصور اختلفا فِي سياق اللفظ عدى ابن عيينة، وخالفهما رزق الله بن موسى، فَقَالَ: "أُتي النبيّ ﷺ بسارق الخ"، لكن هَذَا يحتمل أن يكون أراد بسارق أي بشخص سارق، فلا ينافي كونها امرأة.
ثم إن ابن عيينة، والليث بن سعد، وإسماعيل بن أميّة، وإسحاق بن راشد، ويونس بن يزيد فِي رواية ابن وهب عنه، رووه عن الزهريّ مرفوعًا، بلفظ "سرقت"، وخالفهم شعيب ابن أبي حمزة، فرواه عن الزهريّ، بلفظ: "استعارت". ورواه ابن المبارك، عن يونس، عن الزهريّ، عن عروة: أن امرأة سرقت الخ، فهذا صورته صورة الإرسال، إلا أن فِي آخره ما يدلّ عَلَى أنه موصول، ثم إن هذه الاختلافات لا تعارض بينها، وسيأتي وجه التوفيق، مع مزيد بسط فِي البحث، فِي المسألة الرابعة منْ مسائل الْحَدِيث التالي، إن شاء الله تعالى.
٤٨٩٦ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: كَانَتْ مَخْزُومِيَّةٌ، تَسْتَعِيرُ مَتَاعًا، وَتَجْحَدُهُ، فَرُفِعَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكُلِّمَ فِيهَا، فَقَالَ: "لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةَ، لَقَطَعْتُ يَدَهَا"، قِيلَ لِسُفْيَانَ: مَنْ ذَكَرَهُ؟ قَالَ: أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"أيوب بن موسى": هو ابن عمرو بن سعيد بن العاص، أبو موسى الأمويّ المكيّ، ثقة [٦] ١٥٠/ ٢٤١.
وقوله: "وكُلِّم فيها": أي كلمه أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما -كما بُيّن فِي الرواية التالية، وغيرها- أن يترك قطعها.
وقوله: "لو كانت فاطمة": بنصب "فاطمة" عَلَى أنه خبر "كَانَ"، واسمها ضمير يعود إلى المرأة، أي لو كانت هذه المرأة التي تشفعون فيها فاطمة بنت محمد ﷺ الخ. ويحتمل أن يكون بالرفع، عَلَى أنه اسم "كَانَ"، وخبرها محذوف، كما دلت عليه الروايات الآتية: أي سرقت.
стр. 17643
وقوله: "إن شاء الله تعالى": الظاهر أن سفيان كَانَ يتردّد أحيانًا، فلما حدث به إسحاق كَانَ متردّدًا، ولَمَا حدّث محمد بن منصور كَانَ جازمًا، فلذا رواية محمد بن منصور التي بعد هَذَا بالجزم. والله تعالى أعلم.
والحديث صحيح، ويأتي تمام شرحه قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
[تنبيه]: زاد فِي "الكبرى": ما نصّه: خالفه محمد بن منصور فِي لفظه. انتهى. ثم ساق لفظ ابن منصور، فَقَالَ:
٤٨٩٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ، فَأُتِيَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالُوا: مَنْ يَجْتَرِىءُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ أُسَامَةَ، فَكَلَّمُوا أُسَامَةَ، فَكَلَّمَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا أُسَامَةُ، إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ، حِينَ كَانُوا إِذَا أَصَابَ الشَّرِيفُ فِيهِمُ الْحَدَّ تَرَكُوهُ، وَلَمْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا أَصَابَ الْوَضِيعُ أَقَامُوا عَلَيْهِ، لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، لَقَطَعْتُهَا").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن منصور) الْخُزاعي الْجَوّاز المكيّ، وهو ثقة [١٠] ٤٦/ ٧٤١.
٢ - (سفيان) بن عيينة المكيّ، ثقة ثبت حجة [٨] ١/ ١. والباقون تقدّموا فِي السند الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أن نصفه الأول مكيون، ونصفه الثاني مدنيون، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: الزهريّ، عن عروة، ورواية الراوي عن خالته، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة رضي الله تعالى عنها منْ المكثرين السبعة (٢٢١٠) منْ الأحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله تعالى عنها، كذا قَالَ الحفاظ، منْ أصحاب ابن شهاب، عن عروة، وشَذَّ عمر بن قيس الماصِر -بكسر المهملة- فَقَالَ: "ابن شهاب، عن عروة، عن أم سلمة … " فذكر حديث الباب سواءً، أخرجه اْبو الشيخ فِي "كتاب السرقة"، والطبراني، وَقَالَ: تفرد به عمر بن قيس -يعني منْ حديث أم سلمة- قَالَ الدارقطنيّ فِي
стр. 17644
"العلل": الصواب رواية الجماعة. قاله فِي "الفتح" ١٤/ ٤٠.
(أَنَّ امْرَأَةً) وفي رواية الليث، عن الزهريّ الآتية: "أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزوميّة".
وقوله: "أن قريشا": اْي القبيلة المشهورة، والأكثرون عَلَى أنهم هم الذين ينتسبون إلى فهر بن مالك، والمراد بهم هنا منْ أدرك القصة التي تُذكر بمكة.
وقوله: "أهمهم شأن المرأة": أي أمرها المتعلق بالسرقة، وَقَدْ وقع فِي رواية مسعود ابن الأسود: "لَمّا سَرَقت تلك المرأة، أعظمنا ذلك، فأتينا رسول الله ﷺ "، ومسعود المذكور منْ بطن آخر، منْ قريش، وهو منْ بني عدي بن كعب، رَهْط عمر ﵁، وسبب إعظامهم ذلك خشيةُ أن تُقطع يدها؛ لعلمهم أن النبيّ ﷺ لا يرخص فِي الحدود، وكان قطع السارق معلوما عندهم قبل الإسلام، ونزل القرآن بقطع السارق، فاستمر الحال فيه.
وَقَدْ عقد ابن الكلبي بابا لمن قُطع فِي الجاهلية بسبب السرقة، فذكر قصة الذين سَرَقوا غزال الكعبة، فقُطعوا فِي عهد عبد المطلب، جَدِّ النبيّ ﷺ ، وذكر مَن قَطَع فِي السرقة عوفَ بن عبد بن عمرو بن مخزوم، ومقيس بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم، وغيرهما، وأن عوفًا السابق لذلك.
وقوله: "المخزومية": نسبة إلى مخزوم بن يَقَظَة -بفتح التحتانية، والقاف، بعدها ظاء معجمة مشالة- ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، ومخزوم أخو كلاب بن مرة الذي نُسب إليه بنو عبد مناف. ووقع فِي رواية إسماعيل بن أمية، عن محمد بن مسلم، وهو الذي عند النسائيّ ٦/ ٤٩٤٩٠٢ - : "سرقت امرأة منْ قريش، منْ بني مخزوم"، واسم المرأة على الصحيح فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد بن عبد الله بن عُمَرَ بن مخزوم، وهي بنت أخي أبي سلمة بن عبد الأسد الصحابيّ الجليل، الذي كَانَ زوج أم سلمة، قبل النبيّ ﷺ ، قُتِل أبوها كافرا يوم بدر، قتله حمزة بن عبد المطلب، ووهم مَن زَعَم أن له صحبة. وقيل: هي أم عمرو بنت سفيان بن عبد الأسد، وهي بنت عم المذكورة. أخرجه عبد الرزاق، عن ابن جريج، قَالَ: أخبرني بشر بن تيم، أنها أم عمرو بن سفيان بن عبد الأسد، وهذا مُعْضَلٌ، ووقع مع ذلك فِي سياقه، أنه قَالَ عن ظن، وحسبان، قَالَ الحافظ: وهو غلط ممن قاله؛ لأن قصتها مغايرة للقصة المذكورة فِي هَذَا الْحَدِيث. كما سيتّضح.
قَالَ ابن عبد البرّ فِي "الاستيعاب": فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد، هي التي قطع رسول الله ﷺ يدها؛ لأنها سرقت حُليا، فكَلَّمت قريش أسامةَ، فشفع فيها، وهو غلام … الحديث.
стр. 17645
قَالَ الحافظ: وَقَدْ ساق ذلك ابن سعد فِي ترجمتها فِي "الطبقات" منْ طريق الأجلح بن عبد الله الكندي، عن حبيب بن أبي ثابت، رفعه: "أن فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد، سَرَقت حليا عَلَى عهد رسول الله ﷺ ، فاستشفعوا … " الْحَدِيث. وأورد عبد الغني بن سعيد المصريّ فِي "المبهمات" منْ طريق يحيى بن سلمة بن كهيل، عن عمار الدُّهْني، عن شقيق، قَالَ: "سرقت فاطمة بنت أبي أسد، بنت أخي أبي سلمة، فأشفقت قريش أن يقطعها النبيّ ﷺ … " الْحَدِيث. قَالَ الحافظ: والطريق الأولى أقوى، ويمكن أن يقال: لا منافاة بين قوله: بنت الأسود، وبنت أبي الأسود؛ لاحتمال أن تكون كنية الأسود أبا الأسود.
وأما قصة أم عمرو: فذكرها ابن سعد أيضا، وابن الكلبي فِي "المثالب"، وتبعه الهيثم بن عدي، فذكروا: "أنها خرجت ليلا، فوقعت بِرَكْب، نزول، فأخذت عيبة لهم، فأخذها القوم، فأوثقوها، فلما أصبحوا أتوا بها النبيّ ﷺ ، فعاذت بحقوي أم سلمة، فأمر بها النبيّ ﷺ ، فقطعت، وأنشدوا فِي ذلك شعرًا، قاله خنيس بن يعلى بن أمية. وفي رواية ابن سعد أن ذلك كَانَ فِي حجة الوداع، وقصة فاطمة بنت الأسود كانت عام الفتح، فظهر تغاير القصتين، وأن بينهما أكثر منْ سنتين، ويظهر منْ ذلك خطأ منْ اقتصر عَلَى أنها أم عمرو، كابن الجرزي، ومن ردّدها بين فاطمة، وأم عمرو، كابن طاهر، وابن بشكوال، ومن تبعهما فللَّه الحمد.
وَقَدْ تقلد ابن حزم ما قاله بشر بن تيم، لكنه جعل قصة أم عمرو بنت سفيان، فِي جحد العارية، وقصة فاطمة فِي السرقة، وهو غلط أيضا؛ لوقوع التصريح فِي قصة أم عمرو بأنها سرقت. قاله فِي "الفتح" ١٤/ ٤٠ - ٤١.
(سَرَقَتْ) زاد يونس فِي روايته الآتية -٤٩٠٥ - "فِي عهد رسول الله ﷺ ، فِي غزوة الفتح"، ووقع بيان المسروق فِي حديث مسعود بن أبي الأسود المعروف بابن العجماء، فأخرج ابن ماجه، وصححه الحاكم، منْ طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن طلحة ابن رُكانة، عن أمه عائشة بنت مسعود بن الأسود، عن أبيها، قَالَ: "لَمّا سَرَقت المرأة تلك القطيفة، منْ بيت رسول الله ﷺ ، أعظمنا ذلك، فجئنا إلى رسول الله ﷺ ، نكلمه"، وسنده حسن، وَقَدْ صرح فيه ابن إسحاق بالتحديث، فِي رواية الحاكم، وسيأتى تمام البحث فِي المسائل، إن شاء الله تعالى.
(فَأَتِيَ) بالبناء للمفعول (بِهَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالُوا: مَنْ يَجْتَرِىءُ) وفي رواية الليث الآتية -٤٨٩٠١ - : "فقالوا: منْ يكلّم فيها رسول الله ﷺ ": أي يشفع عنده فيها، أن لا تُقطع، إما عفوًا، وأما بفداء، وَقَدْ وقع ما يدل عَلَى الثاني، فِي حديث مسعود بن الأسود،