جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م
دَار آل بروم للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية - مكة المكرمة - المكتب الرئيسي التنعيم
صَ بُ: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - جوال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)
стр. 17642
٦ - (ذِكْرِ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ النَّاقِلِينَ لِخَبَرِ الزُّهْرِيِّ فِي الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه الاختلاف المذكور أن إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن منصور اختلفا فِي سياق اللفظ عدى ابن عيينة، وخالفهما رزق الله بن موسى، فَقَالَ: "أُتي النبيّ ﷺ بسارق الخ"، لكن هَذَا يحتمل أن يكون أراد بسارق أي بشخص سارق، فلا ينافي كونها امرأة.
ثم إن ابن عيينة، والليث بن سعد، وإسماعيل بن أميّة، وإسحاق بن راشد، ويونس بن يزيد فِي رواية ابن وهب عنه، رووه عن الزهريّ مرفوعًا، بلفظ "سرقت"، وخالفهم شعيب ابن أبي حمزة، فرواه عن الزهريّ، بلفظ: "استعارت". ورواه ابن المبارك، عن يونس، عن الزهريّ، عن عروة: أن امرأة سرقت الخ، فهذا صورته صورة الإرسال، إلا أن فِي آخره ما يدلّ عَلَى أنه موصول، ثم إن هذه الاختلافات لا تعارض بينها، وسيأتي وجه التوفيق، مع مزيد بسط فِي البحث، فِي المسألة الرابعة منْ مسائل الْحَدِيث التالي، إن شاء الله تعالى.
٤٨٩٦ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: كَانَتْ مَخْزُومِيَّةٌ، تَسْتَعِيرُ مَتَاعًا، وَتَجْحَدُهُ، فَرُفِعَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكُلِّمَ فِيهَا، فَقَالَ: "لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةَ، لَقَطَعْتُ يَدَهَا"، قِيلَ لِسُفْيَانَ: مَنْ ذَكَرَهُ؟ قَالَ: أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"أيوب بن موسى": هو ابن عمرو بن سعيد بن العاص، أبو موسى الأمويّ المكيّ، ثقة [٦] ١٥٠/ ٢٤١.
وقوله: "وكُلِّم فيها": أي كلمه أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما -كما بُيّن فِي الرواية التالية، وغيرها- أن يترك قطعها.
وقوله: "لو كانت فاطمة": بنصب "فاطمة" عَلَى أنه خبر "كَانَ"، واسمها ضمير يعود إلى المرأة، أي لو كانت هذه المرأة التي تشفعون فيها فاطمة بنت محمد ﷺ الخ. ويحتمل أن يكون بالرفع، عَلَى أنه اسم "كَانَ"، وخبرها محذوف، كما دلت عليه الروايات الآتية: أي سرقت.
стр. 17643
وقوله: "إن شاء الله تعالى": الظاهر أن سفيان كَانَ يتردّد أحيانًا، فلما حدث به إسحاق كَانَ متردّدًا، ولَمَا حدّث محمد بن منصور كَانَ جازمًا، فلذا رواية محمد بن منصور التي بعد هَذَا بالجزم. والله تعالى أعلم.
والحديث صحيح، ويأتي تمام شرحه قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
[تنبيه]: زاد فِي "الكبرى": ما نصّه: خالفه محمد بن منصور فِي لفظه. انتهى. ثم ساق لفظ ابن منصور، فَقَالَ:
٤٨٩٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ، فَأُتِيَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالُوا: مَنْ يَجْتَرِىءُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ أُسَامَةَ، فَكَلَّمُوا أُسَامَةَ، فَكَلَّمَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا أُسَامَةُ، إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ، حِينَ كَانُوا إِذَا أَصَابَ الشَّرِيفُ فِيهِمُ الْحَدَّ تَرَكُوهُ، وَلَمْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا أَصَابَ الْوَضِيعُ أَقَامُوا عَلَيْهِ، لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، لَقَطَعْتُهَا").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن منصور) الْخُزاعي الْجَوّاز المكيّ، وهو ثقة [١٠] ٤٦/ ٧٤١.
٢ - (سفيان) بن عيينة المكيّ، ثقة ثبت حجة [٨] ١/ ١. والباقون تقدّموا فِي السند الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أن نصفه الأول مكيون، ونصفه الثاني مدنيون، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: الزهريّ، عن عروة، ورواية الراوي عن خالته، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة رضي الله تعالى عنها منْ المكثرين السبعة (٢٢١٠) منْ الأحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله تعالى عنها، كذا قَالَ الحفاظ، منْ أصحاب ابن شهاب، عن عروة، وشَذَّ عمر بن قيس الماصِر -بكسر المهملة- فَقَالَ: "ابن شهاب، عن عروة، عن أم سلمة … " فذكر حديث الباب سواءً، أخرجه اْبو الشيخ فِي "كتاب السرقة"، والطبراني، وَقَالَ: تفرد به عمر بن قيس -يعني منْ حديث أم سلمة- قَالَ الدارقطنيّ فِي
стр. 17644
"العلل": الصواب رواية الجماعة. قاله فِي "الفتح" ١٤/ ٤٠.
(أَنَّ امْرَأَةً) وفي رواية الليث، عن الزهريّ الآتية: "أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزوميّة".
وقوله: "أن قريشا": اْي القبيلة المشهورة، والأكثرون عَلَى أنهم هم الذين ينتسبون إلى فهر بن مالك، والمراد بهم هنا منْ أدرك القصة التي تُذكر بمكة.
وقوله: "أهمهم شأن المرأة": أي أمرها المتعلق بالسرقة، وَقَدْ وقع فِي رواية مسعود ابن الأسود: "لَمّا سَرَقت تلك المرأة، أعظمنا ذلك، فأتينا رسول الله ﷺ "، ومسعود المذكور منْ بطن آخر، منْ قريش، وهو منْ بني عدي بن كعب، رَهْط عمر ﵁، وسبب إعظامهم ذلك خشيةُ أن تُقطع يدها؛ لعلمهم أن النبيّ ﷺ لا يرخص فِي الحدود، وكان قطع السارق معلوما عندهم قبل الإسلام، ونزل القرآن بقطع السارق، فاستمر الحال فيه.
وَقَدْ عقد ابن الكلبي بابا لمن قُطع فِي الجاهلية بسبب السرقة، فذكر قصة الذين سَرَقوا غزال الكعبة، فقُطعوا فِي عهد عبد المطلب، جَدِّ النبيّ ﷺ ، وذكر مَن قَطَع فِي السرقة عوفَ بن عبد بن عمرو بن مخزوم، ومقيس بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم، وغيرهما، وأن عوفًا السابق لذلك.
وقوله: "المخزومية": نسبة إلى مخزوم بن يَقَظَة -بفتح التحتانية، والقاف، بعدها ظاء معجمة مشالة- ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، ومخزوم أخو كلاب بن مرة الذي نُسب إليه بنو عبد مناف. ووقع فِي رواية إسماعيل بن أمية، عن محمد بن مسلم، وهو الذي عند النسائيّ ٦/ ٤٩٤٩٠٢ - : "سرقت امرأة منْ قريش، منْ بني مخزوم"، واسم المرأة على الصحيح فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد بن عبد الله بن عُمَرَ بن مخزوم، وهي بنت أخي أبي سلمة بن عبد الأسد الصحابيّ الجليل، الذي كَانَ زوج أم سلمة، قبل النبيّ ﷺ ، قُتِل أبوها كافرا يوم بدر، قتله حمزة بن عبد المطلب، ووهم مَن زَعَم أن له صحبة. وقيل: هي أم عمرو بنت سفيان بن عبد الأسد، وهي بنت عم المذكورة. أخرجه عبد الرزاق، عن ابن جريج، قَالَ: أخبرني بشر بن تيم، أنها أم عمرو بن سفيان بن عبد الأسد، وهذا مُعْضَلٌ، ووقع مع ذلك فِي سياقه، أنه قَالَ عن ظن، وحسبان، قَالَ الحافظ: وهو غلط ممن قاله؛ لأن قصتها مغايرة للقصة المذكورة فِي هَذَا الْحَدِيث. كما سيتّضح.
قَالَ ابن عبد البرّ فِي "الاستيعاب": فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد، هي التي قطع رسول الله ﷺ يدها؛ لأنها سرقت حُليا، فكَلَّمت قريش أسامةَ، فشفع فيها، وهو غلام … الحديث.
стр. 17645
قَالَ الحافظ: وَقَدْ ساق ذلك ابن سعد فِي ترجمتها فِي "الطبقات" منْ طريق الأجلح بن عبد الله الكندي، عن حبيب بن أبي ثابت، رفعه: "أن فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد، سَرَقت حليا عَلَى عهد رسول الله ﷺ ، فاستشفعوا … " الْحَدِيث. وأورد عبد الغني بن سعيد المصريّ فِي "المبهمات" منْ طريق يحيى بن سلمة بن كهيل، عن عمار الدُّهْني، عن شقيق، قَالَ: "سرقت فاطمة بنت أبي أسد، بنت أخي أبي سلمة، فأشفقت قريش أن يقطعها النبيّ ﷺ … " الْحَدِيث. قَالَ الحافظ: والطريق الأولى أقوى، ويمكن أن يقال: لا منافاة بين قوله: بنت الأسود، وبنت أبي الأسود؛ لاحتمال أن تكون كنية الأسود أبا الأسود.
وأما قصة أم عمرو: فذكرها ابن سعد أيضا، وابن الكلبي فِي "المثالب"، وتبعه الهيثم بن عدي، فذكروا: "أنها خرجت ليلا، فوقعت بِرَكْب، نزول، فأخذت عيبة لهم، فأخذها القوم، فأوثقوها، فلما أصبحوا أتوا بها النبيّ ﷺ ، فعاذت بحقوي أم سلمة، فأمر بها النبيّ ﷺ ، فقطعت، وأنشدوا فِي ذلك شعرًا، قاله خنيس بن يعلى بن أمية. وفي رواية ابن سعد أن ذلك كَانَ فِي حجة الوداع، وقصة فاطمة بنت الأسود كانت عام الفتح، فظهر تغاير القصتين، وأن بينهما أكثر منْ سنتين، ويظهر منْ ذلك خطأ منْ اقتصر عَلَى أنها أم عمرو، كابن الجرزي، ومن ردّدها بين فاطمة، وأم عمرو، كابن طاهر، وابن بشكوال، ومن تبعهما فللَّه الحمد.
وَقَدْ تقلد ابن حزم ما قاله بشر بن تيم، لكنه جعل قصة أم عمرو بنت سفيان، فِي جحد العارية، وقصة فاطمة فِي السرقة، وهو غلط أيضا؛ لوقوع التصريح فِي قصة أم عمرو بأنها سرقت. قاله فِي "الفتح" ١٤/ ٤٠ - ٤١.
(سَرَقَتْ) زاد يونس فِي روايته الآتية -٤٩٠٥ - "فِي عهد رسول الله ﷺ ، فِي غزوة الفتح"، ووقع بيان المسروق فِي حديث مسعود بن أبي الأسود المعروف بابن العجماء، فأخرج ابن ماجه، وصححه الحاكم، منْ طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن طلحة ابن رُكانة، عن أمه عائشة بنت مسعود بن الأسود، عن أبيها، قَالَ: "لَمّا سَرَقت المرأة تلك القطيفة، منْ بيت رسول الله ﷺ ، أعظمنا ذلك، فجئنا إلى رسول الله ﷺ ، نكلمه"، وسنده حسن، وَقَدْ صرح فيه ابن إسحاق بالتحديث، فِي رواية الحاكم، وسيأتى تمام البحث فِي المسائل، إن شاء الله تعالى.
(فَأَتِيَ) بالبناء للمفعول (بِهَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالُوا: مَنْ يَجْتَرِىءُ) وفي رواية الليث الآتية -٤٨٩٠١ - : "فقالوا: منْ يكلّم فيها رسول الله ﷺ ": أي يشفع عنده فيها، أن لا تُقطع، إما عفوًا، وأما بفداء، وَقَدْ وقع ما يدل عَلَى الثاني، فِي حديث مسعود بن الأسود،
стр. 17646
ولفظه بعد قوله: "أعظمنا ذلك، فجئنا إلى النبيّ ﷺ ، فقلنا: نحن نَفدِيها بأربعين أوقية، فَقَالَ: تُطَهَّر خير لها"، وكأنهم ظنوا أن الحد يَسقُط بالفدية، كما ظن ذلك منْ أَفتَى والد الْعَسِيف الذي زنى، بأنه يفتدي منه بمائة شاة، ووليدة، ولحديث مسعود هَذَا شاهدٌ عند أحمد منْ حديث عبد الله بن عمرو: "أن امرأة سَرَقت عَلَى عهد رسول الله ﷺ ، فَقَالَ قومها: نحن نفديها فقوله: (مَنْ) للاستفهام الإنكاري: أي لا أحد (يَجْتَرِىءُ) بسكون الجيم، وكسر الراء، يفتعل منْ الْجُرأة بضم الجيم، وسكون الراء، وفتح الهمزة، ويجوز فتح الجيم، والراء، مع المدّ، وهي الإقدام (عَلَى رَسُولِ الله ﷺ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أُسَامَةَ) والمعنى: أنه لا يوجد أحد يجترىء عليه ﷺ ، إلا أن يكون ذلك الأحد أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما؛ لكونه حِبه، وابن حبه.
وفي رواية الليث الآتية -٤٨٩٠١ - : "قالوا: ومن يجترىء عليه إلا أسامة بن زيد"، قَالَ الطيبي: الواو عاطفة عَلَى محذوف، تقديره: لا يجترىء عليه أحد لمهابته، لكن أسامة له عليه إدلال، فهو يجسُر عَلَى ذلك.
و"الْحِبّ" -بكسر المهملة، وتشديد الموحّدة-: بمعنى المحبوب، مثل قِسم بمعنى المقسوم، وفي ذلك تلميح بما أخرجه البخاريّ فِي "المناقب" منْ "صحيحه"، عن أسامة بن زيد ﵄، عن النبيّ ﷺ ، أنه كَانَ يأخذه، والحسنَ، ويقول: "اللَّهم إني أحبهما، فأحبهما".
وأخرج فِي "الأدب" منْ "صحيحه" أيضًا، عن أسامة بن زيد ﵄، كَانَ رسول الله ﷺ يأخذني، فيُقعدني على فخذه، وُيقعد الحسن عدى فخذه الأخرى، ثم يضمهما، ثم يقول: اللَّهم ارحمهما، فإني أرحمهما".
وكان السبب فِي اختصاص أسامة بذلك ما أخرجه ابن سعد، منْ طريق جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه: أن النبيّ ﷺ ، قَالَ لأسامة: "لا تشفع فِي حَدّ، وكان إذا شَفَعَ شَفَّعَه" -بتشديد الفاء-: أي قبل شفاعته، وكذا وقع فِي مرسل حبيب بن أبي ثابت: "وكان رسول الله ﷺ يشفعة".
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: لا تنافي بين السببين؛ لأن أحدهما نتيجة الآخر، فسبب قبول شفاعته هو كونه حبّه ﷺ وابن حبه رضي الله تعالى عنهما.
(فَكَلَّمُوا أُسَامَةَ) ووقع فِي حديث مسعود بن الأسود عند ابن ماجه بعد قوله: "تطهر خير لها، فلما سمعنا لِين قول رسول الله ﷺ ، أتينا أسامة"، ووقع فِي رواية يونس عند البخاريّ فِي "غزوة الفتح": "ففزع قومها إلى أسامة": أي لجؤا إليه، وفي رواية أيوب ابن موسى عنده أيضًا فِي "الشهادات": "فلم يجترىء أحد أن يكلمه، إلا أسامة".
стр. 17647
(فَكَلَّمَهُ) أي كلّم أسامة رسول الله ﷺ فِي شأن المرأة.
قَالَ فِي "الفتح": وفي الكلام شيء مطوي، تقديره: فجاءوا إلى أسامة، فكلموه فِي ذلك، فجاء أسامة إلى النبيّ ﷺ ، فكلمه، ووقع فِي رواية يونس: "فأَتَى بها رسولَ الله ﷺ ، فكلمه فيها"، فأفادت هذه الرواية أن الشافع يَشفع بحضرة المشفوع له، ليكون أعذر له عنده، إذا لم تُقبل شفاعته. وعند النسائيّ -٤٩٠٢ - منْ رواية إسماعيل بن أمية: "فكلمه، فزبره"، بفتح الزاي والموحدة: أي أغلظ له فِي النهي، حَتَّى نسبه إلى الجهل؛ لأن الزبر -بفتح، ثم سكون: هو العقل. وفي رواية يونس: "فكلمه، فتلون وجه رسول الله- ﷺ "، زاد شعيب عند النسائيّ: "وهو يكلمه"، وفي مرسل حبيب بن أبي ثابت: "فلما أقبل أسامة، ورآه النبيّ ﷺ ، قَالَ: لا تكلمني يا أسامة". انتهى ما فِي "الفتح" ١٤/ ٤٦.
(فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا أُسَامَةُ) وفي رواية الليث، عن الزهريّ الآتية -٤٩٨٠ - : "أتشفع فِي حدّ منْ حدود الله": قَالَ فِي "الفتح": قوله: "أتشفع فِي حدّ الخ" بهمزة الاستفهام الإنكاري؛ لأنه كَانَ سبق له منع الشفاعة فِي الحد قبل ذلك، زاد يونس، وشعيب: فَقَالَ أسامة: استغفر لي يا رسول الله، ووقع فِي حديث جابر عند مسلم، والنسائي -٤٨٩٣ - : "أن امرأة منْ بني مخزوم سَرَقَت، فأُتى بها النبيّ ﷺ ، فعاذت بأم سلمة" -بذال معجمة-: أي استجارت، أخرجاه منْ طريق معقل بن عبيد الله (١)، عن أبي الزبير، عن جابر، وذكره أبو داود تعليقا، والحاكم موصولا، منْ طريق موسى بن عقبة، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁، فعاذت بزينب بنت رسول الله ﷺ "، قَالَ المنذري: يجوز أن تكون عاذت بكل منهما. وتعقبه العراقيّ فِي "شرح الترمذيّ": بأن زينب بنت رسول الله ﷺ ، كانت ماتت قبل هذه القصة؛ لأن هذه القصة كما تقدم كانت فِي غزوة الفتح، وهي فِي رمضان، سنة ثمان، وكان موت زينب قبل ذلك فِي جمادى الأولى، منْ السنة، فلعل المراد أنها عاذت بزينب، ربيبة النبيّ ﷺ ، وهي بنت أم سلمة، فتصحفت عَلَى بعض الرواة.
قَالَ الحافظ: أو نُسبت زينب بنت أم سلمة إلى النبيّ ﷺ مجازًا؛ لكونها ربيبته، فلا يكون فيها تصحيف، ثم قَالَ العراقيّ: وَقَدْ أخرج أحمد هَذَا الْحَدِيث، منْ طريق ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، وَقَالَ فيه: "فعاذت بربيب النبيّ- ﷺ " براء، وموحدة مكسورة، وحذف لفظ "بنت"، وَقَالَ فِي آخره: قَالَ ابن أبي الزناد: وكان ربيب النبيّ
стр. 17648
- ﷺ ، سلمة بن أبي سلمة، وعمر بن أبي سلمة، فعاذت بأحدهما.
قَالَ الحافظ: وَقَدْ ظَفِرت بما يدل عَلَى أنه عمر بن أبي سلمة، فأخرج عبد الرزاق، منْ مرسل الحسن بن محمد بن علي: قَالَ: "سرقت امرأة … " فذكر الْحَدِيث، وفيه: فجاء عمر بن أبي سلمة، فَقَالَ للنبي ﷺ : أي أبه، إنها عمتي، فَقَالَ: لو كانت فاطمة بنت محمد، لقطعت يدها"، قَالَ عمرو بن دينار الراوي عن الحسن: فلم أشك أنها بنت الأسود بن عبد الأسد.
قَالَ الحافظ: ولا منافاة بين الروايتين عن جابر، فإنه يحمل عَلَى أنها استجارت بأم سلمة، وبأولادها، واختصها بذلك؛ لأنها قريبتها، وزوجها عمها، وإنما قَالَ عمر بن أبي سلمة: عمتي منْ جهة السنّ، وإلا فهي بنت عمه، أخي أبيه، وهو كما قالت خديجة لورقة، فِي قصة المبعث: أي عم، اسمَعْ منْ ابن أخيك، وهو ابن عمها، أخي أبيها أيضا.
ووقع عند أبي الشيخ، منْ طريق أشعث، عن أبي الزبير، عن جابر: "أن امرأة منْ بني مخزوم سرقت، فعاذت بأسامة"، وكأنها جاءت مع قومها، فكلموا أسامة، بعد أن استجارت بأم سلمة.
ووقع فِي مرسل حبيب بن أبي ثابت: "فاستشفعوا عَلَى النبيّ ﷺ بغير واحد، فكلموا أسامة".
(إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ) وفي رواية الليث: "ثُمَّ قام، فخطب، فَقَالَ: إنما هلك الذين قبلكم، أنهم كانوا … " وفي رواية يونس -٤٩٠٤ - : "فلما كَانَ العشيُّ، قام رسول الله ﷺ خطيبًا، فأثنى عَلَى الله بما هو أهله، ثم قَالَ: أما بعد، فإنما هلك النَّاس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف … "، وفي رواية البخاريّ: "إنما ضَلّ منْ كَانَ قبلكم".
قَالَ ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: الظاهر أن هَذَا الحصر ليس عاما، فإن بني إسرائيل، كَانَ فيهم أمور كثيرة، تقتضي الإهلاك، فيحمل ذلك عَلَى حصر المخصوص، وهو الإهلاك بسبب المحاباة فِي الحدود، فلا ينحصر ذلك فِي حد السرقة.
قَالَ الحافظ: يؤيد هَذَا الاحتمال ما أخرجه أبو الشيخ فِي "كتاب السرقة"، منْ طريق زاذان، عن عائشة، مرفوعا: "إنهم عَطَّلوا الحدود عن الاغنياء، وأقاموها عَلَى الضعفاء". والأمور التي أشار إليها ابن دقيق العيد: منها: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فِي قصة اليهوديين اللذين زنيا، وَقَدْ تقدّم، وحديث ابن عباس رضي الله
стр. 17649
تعالى عنهما فِي أخذ الدية منْ الشريف إذا قتل عمدا، والقصاص منْ الضعيف، وَقَدْ سبق أيضًا، وغير ذلك.
(حِينَ كَانُوا إِذَا أَصَابَ الشَّرِيفُ فِيهِمُ الْحَدَّ) أي ما يوجب الحد، وهو السرقة، كما سيأتي: "إذا سرق فيهم الشريف، تركوه" (تَرَكُوهُ، وَلَمْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ) هذه الجملة تفسير لجملة "تركوه" (وَإِذَا أَصَابَ الْوَضِيعُ) بوزن الشريف، وهو خلافه معنًى (أَقَامُوا عَلَيْهِ) أي قطعوه (لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ) وفي رواية شعيب: "والذي نفس محمد بيده"، وفي رواية إسماعيل بن أمية: "والذي نفسي بيده"، وفي رواية الليث: "وايم الله، لو أن فاطمة بنت محمد ﷺ سرقت، لقطعت يدها".
قَالَ فِي "الفتح": هَذَا منْ الأمثلة التي صح فيها أن "لو" حرف امتناع لامتناع، وَقَدْ أتقن القول فِي ذلك صاحب "المغني".
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد لخّص السيوطيّ البحث فِي "لو" فِي "الكوكب الساطع"، حيث قَالَ:
و"لَو" لِشَرْطِ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ … نَزْرٌ فَلِلرَّبْطِ فَقَطْ أَبُو عَلِي
وِلِلَّذِي كَانَ حَقِيقًا سَيَقَعْ … أَيْ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ عَمْرُو اتَّبَعْ
وَالْمُعْرِبُونَ وَالَّذِي فِي الفَنِّ شَاعْ … بِأنَّهَا حَرْفُ امْتِنَاعِ لامْتِنَاعْ
وَالْمُرتَضَى امْتِنَاعُ مَا يَلِيهِ … مَع كَوْنِهِ يَسْتَلْزِمُ التَّالِيهِ
ثُمَّ إِذَا نَاسَبَ تَالٍ يَنْتَفِي … إِنْ أَوَّلاً خِلَافُهُ لَم يَخْلُفِ
كَقَوْلِهِ ﴿لَوْ كَانَ﴾ لِلآخِرِ لَا … ذُو خَلَفٍ وَيَثْبُتُ الَّذي تَلَا
إِنْ لَمْ يُنَافِ وَبِأَوْلَى نَصِّهِ … نَاسَبَهُ "لَوْ لَمْ يَخَفْ لَمْ يَعْصِهِ"
أَوِ الْمُسَاوِي نَحْوُ "لَوْ لَمْ تَكُنِ … رَبِيبَتِي" الْحَدِيثَ أَوْ بِالأَدْوَنِ
فإن أردت إيضاح معاني الأبيات، فعليك بشرحي "الجليس الصالح النافع بشرح الكوكب الساطع" ص ١٣٠ - ١٣٣. والله تعالى ولي التوفيق.
وَقَدْ ذكر ابن ماجه فِي "سننه" -٢٥٤٧ - عن محمد بن رمح، شيخه فِي هَذَا الْحَدِيث: سمعت الليث يقول، عقب هَذَا الْحَدِيث: "قد أعاذها الله منْ أن تَسرِق، وكل مسلم ينبغي له أن يقول هَذَا".
ووقع للشافعي، أنه لما ذكر هَذَا الْحَدِيث قَالَ: "فذكر عضوا شريفا، منْ امرأة شريفة"، واستحسنوا ذلك منه؛ لما فيه منْ الأدب البالغ، وإنما خص ﷺ فاطمة ابنته
стр. 17650
رضي الله تعالى عنها بالذكر؛ لأنها أعز أهده عنده، ولأنه لم يبق منْ بناته حينئذ غيرها، فأراد المبالغة فِي إثبات إقامة الحد، عَلَى كل مكلف، وترك المحاباة فِي ذلك، ولأن اسم السارقة وافق اسمها ﵍، فناسب أن يضرب المثل بها.
وَقَالَ الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: قوله: "لو كانت فاطمة الخ" فيه مبالغة فِي النهي عن المحاباة فِي حدود الله تعالى، وإن فُرضت فِي أبعد النَّاس منْ الوقوع فيها، وَقَدْ قَالَ الليث بن سعد رحمه الله تعالى بعد روايته لهذا الْحَدِيث: وَقَدْ أعاذها الله منْ ذلك- أي حفظها منْ الوقوع فِي ذلك، وحماها منه، إذ هي بضعة منْ النبيّ ﷺ ، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ الآية [الحاقة: ٤٤]، وهو ﷺ معصوم منْ ذلك، وَقَدْ سمعنا أشياخنا رحمهم الله تعالى عند قراءة هَذَا الْحَدِيث يقولون: أعاذها الله منْ ذلك، وبلغنا عن الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى أنه لم ينطق هَذَا اللفظ؛ إعظامًا لفاطمة رضي الله تعالى عنها، وإجلالاً لمحلّها، وإنما قَالَ: فذكر عضوًا شريفًا منْ امرأة شريفة، وما أحسن هَذَا، وأنزهه، والظاهر أن ذكر فاطمة رضي الله تعالى عنها، دون غيرها؛ لأنها أفضل نساء زمانها، فهي عائشة (١) فِي النِّساء، لا شيء بعدها، فلا يحصل تأكيد المبالغة إلا بذكرها، وانضمّ إلى هَذَا أنها عضو منْ النبيّ ﷺ ، ومع ذلك، فلم يحمله ذلك عَلَى محاباتها فِي الحقّ، وفيها شيء آخر، وهو أنها مشاركة هذه المرأة فِي الاسم، فينتقل اللفظ، والذهن منْ إحداهما إلى الأخرى، وإن تباين ما بين المحلّين. أنتهى "طرح التثريب" ٨/ ٣٥ - ٣٦. وهو تحقيق نفيس، وبحث أنيس. والله تعالى أعلم.
(لَقَطَعْتُهَا) وفي الرواية الآتية: "لقطعت يدها"، وفي رواية البخاريّ: "لقطع محمد يدها"، وفيه تجريد، وَقَدْ سبق فِي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: "قم يا بلال، فخذ بيدها، فاقطعها"، وفي رواية: "فأمر بها، فقطعت".
وفي رواية ابن المبارك عن يونس، عند البخاريّ: "ثم أمر بتلك المرأة التي سَرَقت، فقُطعت يدها"، وفي حديث جابر ﷺ عند الحاكم: "فقطعها"، وذكر أبو داود تعليقا عن محمد بن عبد الرحمن بن غَنَج، عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد، نحو حديث المخزومية، وزاد فيه: "قَالَ: نشهد عليها"، وزاد يونس أيضا فِي روايته: قالت عائشة: "فحسنت توبتها بعدُ، وتزوجت، وكانت تأتيني بعد ذلك، فارفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ "، وأخرجه الإسماعيلي، منْ طريق نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، وفيه: "قَالَ
стр. 17651
عروة: قالت عائشة"، ووقع فِي رواية شعيب، عند الإسماعيلي فِي "الشهادات"، وفي رواية ابن أخي الزهريّ، عند أبي عوانة، كلاهما عن الزهريّ، قَالَ: وأخبرني القاسم ابن محمد، أن عائشة، قالت: "فنكحت تلك المرأة رجلا منْ بني سليم، وتابت، وكانت حسنة التلبس، وكانت تأتيني، فأرفع حاجتها … " الْحَدِيث.
قَالَ الحافظ: وكأن هذه الزيادة، كانت عند الزهريّ، عن عروة، وعن القاسم جميعا عن عائشة، وعندهما زيادة عَلَى الآخر، وفي آخر حديث مسعود بن الحكم، عند الحاكم: "قَالَ ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر، أن النبيّ ﷺ ، كَانَ بعد ذلك يرحمها، ويَصِلُها"، وفي حديث عبد الله بن عمرو، عند أحمد: "أنها قالت: هل لي منْ توبة يا رسول الله، فَقَالَ: أنت اليوم منْ خطيئتك، كيوم ولدتك أمك". انتهى "فتح" ١٤/ ٤٦ - ٤٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٦/ ٤٨٩٦ و٤٨٩٧ و٤٨٩٨ و٤٨٩٩ و٤٨٩٠٠ و٤٨٩٠١ و٤٨٩٠٢ و٤٨٩٠٣ و٤٨٩٠٤ و٤٨٩٠٥ - وفي "الكبرى" ١١/ ٧٣٨١ و٧٣٨٢ و٧٣٨٣ و٧٣٨٤ و٧٣٨٥ و٧٣٨٦ و٧٣٨٧ و٧٣٨٨ و٧٣٨٩ و٧٣٩٠. وأخرجه (خ) فِي "الشهادات" ٢٦٤٨ و"أحاديث الأنبياء" ٣٤٧٥ و"المناقب" ٣٧٣٣ و"المغازي" ٤٣٠٤ و"الحدود" ٦٧٨٧ و٦٧٨٨ و٦٨٠٠ (م) فِي "الحدود" ١٦٨٨ (د) فِي "الحدود" ٤٣٧٣ (ت) فِي "الحدود" ١٤٣٠ (ق) فِي "الحدود" ٢٥٤٧ (أحمد) فِي "باقي مسند الأنصار" ٢٤٧٦٩ (الدارمي) فِي "الحدود" ٢٢٠٠. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): منع الشفاعة فِي الحدود، وَقَدْ تقدم أن ذلك مقيّدٌ بما إذا انتهى ذلك إلى أولي الأمر، واختلف العلماء فِي ذلك، فَقَالَ أبو عمر بن عبد البر: لا أعلم خلافا أن الشفاعة فِي ذوي الذنوب، حسنة جميلة، ما لم تبلغ السلطان، وأن عَلَى السلطان أن يقيمها، إذا بلغته. وذكر الخطّابيّ، وغيره، عن مالك: أنه فرق بين منْ عُرِف بأذى النَّاس، ومن لم يُعرَف، فَقَالَ: لا يُشفع للأول مطلقا، سواء بلغ الإمام أم لا، وأما منْ لم يُعرف بذلك، فلا باس أن يُشفع له ما لم يبلغ الإمام.
стр. 17652
(ومنها): أنه تمسك بحديث الباب منْ أوجب إقامة الحد عَلَى القاذف، إذا بلغ الإمام، ولو عفا المقذوف، وهو قول الحنفية، والثوري، والأوزاعي، وَقَالَ مالك، والشافعي، وأبو يوسف: يجوز العفو مطلقًا، ويدرأ بذلك الحد؛ لأن الإمام لو وجده بعد عفو المقذوف، لجاز أن يقيم البينة بصدق القاذف، فكانت تلك شبهة قوية.
(ومنها): أن فيه دخول النِّساء مع الرجال فِي حد السرقة. (ومنها): أن فيه قبول توبة السارق. (ومنها): أن فيه منقبةً لأسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما. (ومنها): أن فيه ما يدل عَلَى أن فاطمة رضي الله تعالى عنها، عند أبيها ﷺ ، فِي أعظم المنازل؛ فإن فِي القصة إشارةً إلى أنها الغاية فِي ذلك عنده. ذكره ابنُ هبيرة.
(ومنها): ما قيل: إنه يؤخذ منه أن فاطمة أفضل منْ عائشة رضي الله تعالى عنهما؛ لأنه ﷺ جعلها غاية فِي أعز النَّاس عليه، فدلالته ظاهرة، خلافاً لما قاله الحافظ فِي "الفتح"، حيث بناه عَلَى ما سبق له منْ مناسبة اسم فاطمة لاسم السارقة.
(ومنها): أن فيه ترك المحاباة فِي إقامة الحد، عَلَى منْ وجب عليه، ولو كَانَ ولدًا، أو قريبًا، أو كبير القدر، والتشديد فِي ذلك، والإنكار عَلَى منْ رَخَّص فيه، أو تَعَرَّض للشفاعة فيمن وجب عليه.
(ومنها): أن فيه جوازَ ضرب المثل بالكبير القدر، للمبالغة فِي الزجر عن الفعل، ومراتب ذلك مختلفة، ولا يخفى ندب الاحتراز منْ ذلك، حيث لا يترجح التصريح بحسب المقام، كما تقدم نقله عن الليث، والشافعي رحمهما الله تعالى.
(ومنها): أنه يؤخذ منه جواز الإخبار عن أمر مُقَدّر، يفيد القطع بأمر مُحَقَّق. (ومنها): جواز الحلف منْ غير استحلاف، وهو مستحبّ إذا كَانَ فيه تفخيم لأمر مطلوب، كما فِي هَذَا الْحَدِيث، ونظائره. (ومنها): أن منْ حلف عَلَى أمر، لا يتحقق أنه يفعله، أو لا يفعله، لا يحنث، كمن قَالَ لمن خاصم أخاه: والله لو كنتُ حاضرا، لهشمت أنفك، خلافا لمن قَالَ: يحنث مطلقا. (ومنها): أن فيه جوازَ التوجع لمن أقيم عليه الحد، بعد إقامته عليه، وَقَدْ حَكَى ابن الكلبي فِي قصة أم عمرو بنت سفيان: أن امرأة أُسيد بن حُضير أَوَتها بعد أن قُطعت، وصَنَعت لها طعامًا، وأن أُسيدًا، ذكر ذلك للنبي ﷺ ، كالمنكر عَلَى امرأته، فَقَالَ: "رحمتها، رحمها الله".
(ومنها): أن فيه الاعتبارَ بأحوال منْ مضى، منْ الأمم، ولاسيما منْ خالف أمر الشرع. (ومنها): أنه تمسك به بعض منْ قَالَ إن شرع منْ قبلنا شرع لنا؛ لأن فيه إشارةً إلى تحذير منْ فعل الشيء الذي جَرَّ الهلاك إلى الذين منْ قبلنا؛ لئلا نهلك كما هلكوا، وفيه نظر، وإنما يتم أن لو لم يَرِد قطع السارق فِي شرعنا، وأما اللفظ العام فلا دلالة فيه
стр. 17653
عَلَى المدعى أصلاً. قاله فِي "الفتح" ١٤/ ٤٩.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: مسألة "شرعُ منْ قبلنا شرع لنا" قد تقدّم البحث عنها غير مرّة، وأن هَذَا هو الأرجح، وهو الذي جرى عليه البخاريّ، ومسلم، بل والمحدثون عمومًا فِي مؤلفاتهم، حيث يبوّبون أبوابًا، ولا يوردون فِي ذلك الباب إلا حديثًا يتعلّق بذكر بني إسرائل، كقول البخاريّ فِي "كتاب الأدب" منْ "صحيحه": "باب رحمة النَّاس، والبهائم"، ثم أورد فيه حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قَالَ: "بينما رجل يمشي بطريق، اشتد عليه العطش، فوجد بئرا، فنزل فيها، فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يلهث، يأكل الثرى منْ العطش، فَقَالَ الرجل: لقد بلغ هَذَا الكلبَ منْ العطش مثلُ الذي كَانَ بلغ بي، فنزل البئر، فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له"، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا فِي البهائم أجرًا؟ فَقَالَ: "نعم، فِي كل ذات كبد رطبة أجر". انتهى. ولو سلكت فِي تعداد ما فِي "صحيح البخاريّ، ومسلم" منْ ذلك لخرجت منْ المقصود، وَقَدْ ذكرت ذلك فِي هَذَا الشرح غير مرّة. فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالتقليد والاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي سبب قطع هذه المرأة، هل هو جحد العارية، أم سرقتها؟، ومنشؤ الخلاف اختلاف الروايات فِي ذلك:
قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى فِي "الفتح" عند قوله: (أهمتهم المرأة المخزومية التي سَرَقَتْ): ما حاصله: زاد يونس فِي روايته: "فِي عهد رسول الله ﷺ ، فِي غزوة الفتح"، ووقع بيان المسروق فِي حديث مسعود بن أبي الأسود المعروف بابن العجماء، فأخرج ابن ماجه، وصححه الحاكم، منْ طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن طلحة ابن رُكانة، عن أمه عائشة بنت مسعود بن الأسود، عن أبيها، قَالَ: "لَمّا سَرَقت المرأة تلك القطيفة، منْ بيت رسول الله ﷺ ، أعظمنا ذلك، فجئنا إلى رسول الله ﷺ ، نكلمه"، وسنده حسن، وَقَدْ صرح فيه ابن إسحاق بالتحديث، فِي رواية الحاكم، وكذا علقه أبو داود، فَقَالَ: رَوَى مسعود بن الأسود، وَقَالَ الترمذيّ بعد حديث عائشة المذكور هنا: "وفي الباب عن مسعود بن العجماء"، وَقَدْ أخرجه أبو الشيخ فِي "كتاب السرقة"، منْ طريق يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن طلحة، فَقَالَ: "عن خالته بنت مسعود بن العجماء، عن أبيها"، فيحتمل أن يكون محمد بن طلحة، سمعه منْ أمه، ومن خالته، ووقع فِي مرسل حبيب بن أبي ثابت: "أنها سرقت حليا".
قَالَ الحافظ: ويمكن الجمع بأن الحلى، كَانَ فِي القطيفة، فالذي ذكر القطيفة، أراد
стр. 17654
بما فيها، والذي ذكر الحلي، ذكر المظروف، دون الظرف، ثم رجح عندي أن ذكر الحلي فِي قصة هذه المرأة وَهَمٌ، كما سأبينه، روقع فِي مرسل الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، فيما أخرجه عبد الرزاق، عن ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار، أن الحسن أخبره، قَالَ: "سرقت امرأة"، قَالَ عمرو: وحسبت أنه قَالَ: "منْ ثياب الكعبة … " الْحَدِيث، وسنده إلى الحسن صحيح، فإن أمكن الجمع، وإلا فالأول أقوى.
وَقَدْ وقع فِي رواية معمر عن الزهريّ، فِي هَذَا الْحَدِيث: أن المرأة المذكورة، كانت تستعير المتاع، وتجحده، أخرجه مسلم، وأبو داود، وأخرجه النسائيّ، منْ رواية شعيب ابن أبي حمزة، عن الزهريّ، بلفظ: "استعارت امرأة، عَلَى ألسنة ناس يعرفون، وهي لا تعرف حليا، فباعته، وأخذت ثمنة … " الْحَدِيث، وَقَدْ بينه أبو بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام، فيما أخرجه عبد الرزاق، بسند صحيح إليه: أن امرأة جاءت امرأةً، فقالت: إن فلانة تستعيرك حليا، فأعارتها إياه، فمكثت لا تراه، فجاءت إلى التي استعارت لها، فسألتها؟ فقالت: ما استعرتك شيئا، فرجعت إلى الأخرى، فأنكرت، فجاءت إلى النبيّ ﷺ ، فدعاها، فسألها، فقالت: والذي بعثك بالحق، ما استعرت منها شيئًا، فَقَالَ: اذهبوا إلى بيتها تجدوه تحت فراشها، فأتوه، فأخذوه، وأمر بها … " الْحَدِيث.
فيحتمل أن تكون سَرَقت القطيفة، وجحدت الحلي، وأطلق عليها فِي جحد الحلي فِي رواية حبيب بن أبي ثابت "سرقت" مجازًا، قَالَ العراقيّ فِي "شرح الترمذيّ": اختُلِف عَلَى الزهريّ، فَقَالَ الليث، ويونس، وإسماعيل بن أمية، وإسحاق بن راشد: "سرقت"، وَقَالَ معمر، وشعيب: "إنها استعارت، وجحدت"، قَالَ: ورواه سفيان بن عيينة، عن أيوب بن موسى، عن الزهريّ، فاختُلِف عليه سندا ومتنًا، فرواه البخاريّ، عن عَلَى بن المديني، عن ابن عيينة، قَالَ: ذهبت أسال الزهريّ، عن حديث المخزومية، فصاح عليّ، فقلت لسفيان: فلم يحفظه عن أحد، قَالَ: وجدت فِي كتاب كتبه أيوب بن موسى، عن الزهريّ، وَقَالَ فيه: إنها سرقت، وهكذا قَالَ محمد بن منصور، عن ابن عيينة: "انها سرقت"، أخرجه النسائيّ عنه -يعني هذه الرواية- ٤٨٩٧ - وعن رِزْق الله بن موسى -يعني الرواية التي تلي ٤٨٩٦ - عن سفيان كذلك، لكن قَالَ: "أُتي النبيّ ﷺ بسارق، فقطعه … "، فذكره مختصرا، ومثله لأبي يعلى، عن محمد بن عباد، عن سفيان. وأخرجه أحمد، عن سفيان كذلك، لكن فِي آخره: قَالَ سفيان: لا أدري ما هو؟ وأخرجه النسائيّ أيضًا عن إسحاق ابن راهويه، عن
стр. 17655
سفيان، عن الزهريّ -يعني الرواية التي قبل هَذَا -٤٨٩٦ - بلفظ: "كانت مخزومية تستعير المتاع، وتجحده … " الْحَدِيث، وَقَالَ فِي آخره: قيل لسفيان: منْ ذكره؟ قَالَ: أيوب بن موسى، فذكره بسنده المذكور، وأخرجه منْ طريق ابن أبي زائدة، عن ابن عيينة، عن الزهريّ -٤٨٩٩ - بغير واسطة، وَقَالَ فيه: "سرقت" قَالَ العراقيّ: وابن عيينة لم يسمعه منْ الزهريّ، ولا ممن سمعه منْ الزهريّ، إنما وجده فِي كتاب أيوب بن موسى، ولم يصرح بسماعه منْ أيوب بن موسى، ولهذا قَالَ فِي رواية أحمد: لا أدري كيف هو؟ كما تقدم.
وجزم جماعة بأن معمرا تفرد عن الزهريّ بقوله: "استعارت، وجحدت"، وليس كذلك، بل تابعه شعيب، كما ذكره العراقيّ عند النسائيّ -٤٨٩٠ - ويونس كما أخرجه أبو داود، منْ رواية أبي صالح، كاتب الليث، عن الليث، عنه، وعلقه البخاريّ لليث عن يونس، لكن لم يسق لفظه، وكذا ذكر البيهقي أن شبيب بن سعيد، رواه عن يونس، وكذلك رواه ابن أخي الزهريّ، عن الزهريّ، أخرجه ابن أيمن فِي "مصنفه" عن إسماعيل القاضي بسنده إليه، وأخرج أصله أبو عوانة فِي "صحيحه".
قَالَ الحافظ: والذي اتضح لي أن الحديثين محفوظان، عن الزهريّ، وأنه كَانَ يحدث تارة بهذا، وتارة بهذا، فحدث يونس عنه بالحديثين، واقتصرت كل طائفة منْ أصحاب الزهريّ، غير يونس عَلَى أحد الحديثين، فقد أخرج أبو داود، والنسائي ٤٨٨٩ و٤٨٩٠ - وأبو عوانة، فِي "صحيحه" منْ طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: "أن امرأة مخزومية، كانت تستعير المتاع، وتجحده، فأمر النبيّ ﷺ بقطع يدها"، وأخرجه النسائيّ -٤٨٩١، وأبو عوانة أيضا، منْ وجه آخر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، بلفظ: "استعارت حليا". انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد اتّضح بما ذُكر أن رواية "سرقت"، ورواية "جحدت" ثابتتان؛ لكن سبب القطع هو السرقة، وأما الجحد، فهو لبيان أنها كانت متّصفة به، ومعروفة لدى النَّاس بذلك، ثم اتّفق أن سرقت يوم الفتح قطيفة، فقُطعت بذلك، وسيأتي مزيد تحقيق فِي المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): فِي اختلاف أهل العلم فِي القطع بجحد العارية:
قد اختلف نظر العلماء فِي ذلك، فأخذ بالقطع به أحمد، فِي أشهر الروايتين عنه، وإسحاق، وانتصر له ابن حزم منْ الظاهرية. وذهب الجمهور، إلى أنه لا يقطع فِي جحد العارية، وهي رواية عن أحمد أيضا.
стр. 17656
وأجابوا عن الْحَدِيث بأن رواية مَن رَوَى: "سرقت" أرجح، وبالجمع بين الروايتين بضرب منْ التأويل:
فأما الترجيح، فنقل النوويّ أن رواية معمر شاذة، مخالفة لجماهير الرواة، قَالَ: والشاذة لا يعمل بها، وَقَالَ ابن المنذر فِي "الحاشية"، وتبعه المحب الطبري: قيل إن معمرا انفرد بها. وَقَالَ القرطبيّ: روايةُ "أنها سرقت" أكثر، وأشهر منْ رواية الجحد، فقد انفرد بها معمر وحده، منْ بين الأئمة الحفاظ، وتابعه عَلَى ذلك مَن لا يُقتدى بحفظه، كابن أخي الزهريّ، ونمطه، هَذَا قول المحدثين.
قَالَ الحافظ: سبقه لبعضه القاضي عياض، وهو يُشعر بأنه لم يقف عَلَى رواية شعيب، ويونس بموافقة معمر، إذ لو وقف عليها لم يجزم بتفرد معمر، وأن منْ وافقه كابن أخي الزهريّ ونمطه، ولا زاد القرطبيّ نسبة ذلك للمحدثين، إذ لا يُعرف عن أحد منْ المحدثين أنه قرن شعيب بن أبي حمزة، ويونس بن يزيد، وأيوب بن موسى، بابن أخي الزهريّ، بل هم متفقون عَلَى أن شعيبًا، ويونس أرفع درجة فِي حديث الزهريّ، منْ ابن أخيه، ومع ذلك فليس فِي هَذَا الاختلاف، عن الزهريّ ترجيح بالنسبة إلى اختلاف الرواة عنه، إلا لكون رواية "سَرَقت" متفقا عليها، ورواية "جَحَدت" انفرد بها مسلم، وهذا لا يدفع تقديم الجمع، إذا أمكن بين الروايتين، وَقَدْ جاء عن بعض المحدثين عكس كلام القرطبيّ، فَقَالَ: لم يختلف عَلَى معمر، ولا عَلَى شعيب، وهما فِي غاية الجلالة فِي الزهريّ، وَقَدْ وافقهما ابن أخي الزهريّ، وأما الليث، ويونس، وإن كانا فِي الزهريّ كذلك، فقد اختلف عليهما فيه، وأما إسماعيل بن أمية، وإسحاق بن راشد، فدون معمر، وشعيب، فِي الحفظ.
قَالَ الحافظ: وكذا اختلف عَلَى أيوب بن موسى، كما تقدم، وعلى هَذَا فيتعادل الطريقان، ويتعين الجمع، فهو أولى، منْ اطراح أحد الطريقين.
فَقَالَ بعضهم، كما تقدم عن ابن حزم، وغيره: هما قصتان مختلفتان، لامرأتين مختلفتين. وتُعُقّب بأن فِي كل منْ الطريقين أنهم استشفعوا بأسامة، وأنه شفع، وأنه قيل له: "لا تشفع فِي حد منْ حدود الله"، فيبعد أن أسامة يسمع النهي المؤكد عن ذلك، ثم يعود إلى ذلك مرة أخرى، ولاسيما إن اتحد زمن القصتين، وأجاب ابن حزم بأنه يجوز أن يَنسَى، ويجوز أن يكون الزجر عن الشفاعة في حد السرقة تقدم، فظن أن الشفاعة فِي جحد العارية جائز، وأن لا حد فيه، فشفع، فأجيب بأن فيه الحد أيضا.
ولا يخفى ضعف الاحتمالين.
وحكى ابن المنذر، عن بعض العلماء، أن القصة لامرأة واحدة، استعارت،
стр. 17657
وجحدت، وسرقت، فقطعت للسرقة، لا للعارية، قَالَ: وبذلك نقول.
وَقَالَ الخطّابيّ فِي "معالم السنن" -بعد أن حكى الخلاف، وأشار إلى ما حكاه ابن المنذر-: وانما ذُكرت العارية، والجحد فِي هذه القصة، تعريفا لها بخاص صفتها، أذ كانت تكثر ذلك، كما عرفت بأنها مخزومية، وكأنها لما كثر منها ذلك، ترقت إلى السرقة، وتجرّأت عليها، وتَلَقَّف هَذَا الجواب منْ الخطّابيّ جماعة، منهم البيهقي، فَقَالَ: تحمل رواية مَن ذَكَر جحد الجارية عَلَى تعريفها بذلك، والقطع عَلَى السرقة، وَقَالَ المنذري نحوه، ونقله المازري، ثم النوويّ عن العلماء.
وَقَالَ القرطبيّ: يترجح أن يدها قُطعت عَلَى السرقة، لا لأجل جحد العارية منْ أوجه: [أحدها]: قوله فِي آخر حديث الذي ذُكرت فيه العارية: "لو أن فاطمة سَرَقت"، فإن فيه دلالة قاطعة عَلَى أن المرأة قُطعت فِي السرقة، إذ لو كَانَ قطعها لأجل الجحد، لكان ذكر السرقة لاغيا، ولقال: لو أن فاطمة جَحَدت العارية. وهذا قد أشار إليه الخطّابيّ أيضا. [ثانيها]: لو كانت قُطعت فِي جحد العارية، لوجب قطع كل منْ جحد شيئا، إذا ثبت عليه، ولو لم يكن بطريق العارية. [ثالثها]: أنه عارض ذلك حديث: "ليس عَلَى خائن، ولا مُختلس، ولا مُنتهب قطع"، وهو حديث قويّ، أخرجه الأربعة، وصححه أبو عوانة، والترمذيّ، منْ طريق ابن جُريج، عن أبي الزبير، عن جابر، رفعه، وصرح ابن جريج فِي رواية النسائيّ (١)، بقوله: "أخبرني أبو الزبير"، ووَهَّم بعضهم هذه الرواية، فقد صرح أبو داود، بأن أبن جريج لم يسمعه منْ أبي الزبير، قَالَ: وبلغني عن أحمد، إنما سمعه ابن جريج منْ ياسين الزيات، ونقل أبن عدي فِي "الكامل" عن أهل المدينة أنهم قالوا: لم يسمع ابن جريج منْ أبي الزبير، وَقَالَ النسائيّ: رواه الحفاظ منْ أصحاب أبن جريج عنه، عن أبي الزبير، فلم يقل أحد منهم: أخبرني، ولا أحسبه سمعه.
قَالَ الحافظ: لكن وُجد له متابع عن أبي الزبير، أخرجه النسائيّ أيضا، منْ طريق المغيرة بن مسلم، عن أبي الزبير، لكن أبو الزبير مدلس أيضا، وَقَدْ عنعنه عن جابر، لكن أخرجه ابن حبّان منْ وجه أخر، عن جابر بمتابعة أبي الزبير، فقوي الْحَدِيث.
وَقَالَ الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى -بعد أن ذكر كلام النسائيّ المتقدّم-: ما نصّه: فإن ترجح أن ابن جريج لم يسمعه منْ أبي الزبير، فقد تابعه عليه مغيرة بن مسلم، فرواه عن أبى الزبير كذلك، ورواه النسائيّ منْ طريقه، وقولُ ابن حزم: مغيرة بن مسلم
стр. 17658
ليس بالقويّ، مردود، فقد وثّقه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو حاتم، وابن حبّان، والدارقطنيّ، وَقَدْ تابع أبا الزبير عليه عمرو بن دينار، رواه ابن حبّان فِي "صحيحه" منْ طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، وعمرو بن دينار، عن جابر ﵁، فذكره، وهذا يرد عَلَى قول ابن حزم فِي "الإيصال": إنه لم يروه أحد منْ النَّاس إلا أبو الزبير، عن جابر، فظهر بما قرّرناه قوّة هَذَا الْحَدِيث، وصلاحيته للاحتجاج به، ثم إننا نقيس المختلف فيه منْ ذلك عَلَى المتّفق عليه، فإن أحمد يجزم بعدم القطع عَلَى الخائن فِي العارية بغير الحجد، وعلى الخائن فِي الوديعة، وعلى المنتهب، والمختلس، والغاصب، فلم يقل أحد بالقطع فِي الحجد مطلقًا. انتهى "طرح التثريب" ٦/ ٨/ ٣٢ - ٣٣.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث: "ليس عَلَى خائن، ولا منتهب، ولا مختلس قطع" صحيح، سيأتي الكلام عليه فِي ١٣/ ٤٩٧٣ - إن شاء الله تعالى.
قَالَ فِي "الفتح": وَقَدْ أجمعوا عَلَى العمل به -أي بحديث جابر المذكور- إلا منْ شذّ، فنقل ابن المنذر، عن إياس بن معاوية، أنه قَالَ: المختلس يُقطع، كأنه ألحقه بالسارق؛ لاشتراكهما فِي الأخذ خُفْية، ولكنه خلاف ما صرح به فِي الخبر، وإلا ما ذُكر منْ قطع جاحد العارية، وأجمعوا عَلَى أنه لا قطع عَلَى الخائن فِي غير ذلك، ولا عَلَى المنتهب، إلا إن كَانَ قاطع طريق. والله أعلم.
وعارضه غيره ممن خالف، فَقَالَ ابن القيم الحنبلي: لا تنافي بين جحد العارية، وبين السرقة، فإن الجحد داخل فِي اسم السرقة، فيجمع بين الروايتين بأن الذين قالوا: "سرقت" أطلقوا عَلَى الجحد سرقة. قَالَ الحافظ: ولا يخفى بُعدُهُ.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: بُعد تسوية ابن القيم بين الجحد والسرقة فِي المعنى مما لا يخفى، ومن أقوى ما يبطله حديث النسائيّ الآتي قريبًا حيث إنه ﷺ استتاب تلك المرأة التي كانت تجحد العارية مرارًا، فإن فيه بيان أنهما ليسا بمعنى واحد؛ لأنه لا خلاف أن السرقة إذا ثبتت عند الإمام لا يجوز له استتابة السارق، وَقَدْ استتاب ﷺ هذه المرأة، فلو كَانَ الجحد سرقةً، لما استتابها، بل أمر بقطعها، فعلمنا أن الجحد ليس بمعنى السرقة، وأن قطع هَذَا المرأة إنما هو لكونها سرقت، بعد أن اعتادت جحد العارية، فافهم. والله تعالى أعلم.
قَالَ: والذي أجاب به الخطّابيّ مردود؛ لأن الحكم المرتب عَلَى الوصف، معمول به، ويقويه أن لفظ الْحَدِيث، وترتيبه فِي إحدى الروايتين القطعَ عَلَى السرقة، وفي الأخرى عَلَى الجحد، عَلَى حدّ سواء، وترتيب الحكم عَلَى الوصف، يُشعِر بالعلية،
стр. 17659
فكل منْ الروايتين دال، عَلَى أن علة القطع كل منْ السرقة وجحد العارية عَلَى انفراده، ويؤيد ذلك أن سياق حديث ابن عمر ليس فيه ذكر للسرقة، ولا للشفاعة منْ أسامة، وفيه التصريح بأنها قُطعت فِي ذلك.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: فِي هَذَا الكلام نظر؛ إذ يحتمل أن الرواية أيضًا فيها اختصار، كما فِي بعض روايات عائشة رضي الله تعالى عنها، فتأمل.
قَالَ الحافظ: وأبسط ما وجدت منْ طرقه، ما أخرجه النسائيّ، فِي رواية له: أن امرأة كانت تستعير الحلي، فِي زمن رسول الله ﷺ ، فاستعارت منْ ذلك حليا، فجمعته، ثم أمسكته، فقام رسول الله ﷺ ، فَقَالَ: "لتتب هذه المرأة إلى الله تعالى، وتؤد ما عندها"، مرارا، فلم تفعل، فأمر بها، فقطعت.
وأخرج النسائيّ بسند صحيح، منْ مرسل سعيد بن المسيب: أن امرأة منْ بني مخزوم، استعارت حليا عَلَى لسان أناس، فجحدت، فأمر بها النبيّ ﷺ ، فقُطعت، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح أيضا، إلى سعيد، قَالَ: أُتى النبيّ ﷺ بامرأة منْ بيت عظيم، منْ بيوت قريش، قد أتت أناسا، فقالت: إن آل فلان، يستعيرونكم كذا، فأعاروها، ثم أتوا أولئك، فانكروا، ثم أنكرت هي، فقطعها النبيّ ﷺ .
وَقَالَ ابن دقيق العيد: صنيع صاحب "العمدة" حيث أورد الْحَدِيث بلفظ الليث، ثم قَالَ: وفي لفظ، فذكر لفظ معمر، يقتضي أنها قصة واحدة، واختلف فيها، هل كانت سارقة، أو جاحدة، يعني لأنه أَورد حديث عائشة باللفظ الذي أخرجاه، منْ طريق الليث، ثم قَالَ: وفي لفظ كانت امرأة تستعير المتاع، وتجحده، فأمر النبيّ ﷺ بقطع يدها، وهذه رواية معمر فِي مسلم فقط، قَالَ: وعلى هَذَا فالحجة فِي هَذَا الخبر، فِي قطع المستعير ضعيفة؛ لأنه اختلاف فِي واقعة واحدة، فلا يُبَتُّ الحكم فيه بترجيح منْ روى أنها جاحدة، عَلَى الرواية الأخرى، يعني وكذا عكسه، فيصح أنها قطعت بسبب الأمرين، والقطع فِي السرقة متَّفقٌ عليه، فيترجح عَلَى القطع فِي الجحد المختلف فيه.
قَالَ الحافظ: وهذه أقوى الطرق فِي نظري، وَقَدْ تقدم الرد عَلَى منْ زعم أن القصة وقعت لامرأتين، فقطعتا فِي أوائل الكلام عَلَى هَذَا الْحَدِيث، والالزام الذي ذكره القرطبيّ، فِي أنه لو ثبت القطع فِي جحد العارية، للزم القطع فِي جحد غير العارية قويّ أيضا، فإن منْ يقول بالقطع فِي جحد العارية، لا يقول به فِي جحد غير العارية، فيقاس المختلف فيه عَلَى المتفق عليه، إذ لم يقل أحد بالقطع فِي الجحد عَلَى الإطلاق.
وأجاب ابن القيم بأن الفرق بين جحد العارية، وجحد غيرها، أن السارق لا يمكن الاحتراز منه، وكذلك جاحد العارية، خلاف المختلس منْ غير حرز، والمنتهب، قَالَ:
стр. 17660
ولا شك أن الحاجة ماسة بين النَّاس إلى العارية، فلو علم المعير أن المستعير إذا جحد لا شيء عليه، لَجَرّ ذلك إلى سد باب العارية، وهو خلاف ما تدل عليه حكمة الشريعة، بخلاف ما إذا عَلم أنه يُقطع، فإن ذلك يكون أدعى إلى استمرار العارية، وهي مناسبة لا تقوم بمجردها حجة، إذا ثبت حديث جابر ﵁ فِي أن لا قطع عَلَى خائن.
وَقَدْ فَرَّ مِن هَذَا بعض منْ قَالَ بذلك، فخص القطع بمن استعار عَلَى لسان غيره، مخادعا للمستعار منه، ثم تصرف فِي العارية، وأنكرها لما طولب بها، فإن هَذَا لا يقطع بمجرد الخيانة، بل لمشاركته السارق فِي أخذ المال خفية.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وفي هَذَا نظر لا يخفى، لأن الذين قالوا بالقطع فِي حجد العارية، لم يقيّدوه بهذا القيد، فتبصّر.
والحاصل أن ما ذهب إليه الجمهور منْ أنه لا قطع عَلَى جاحد العارية هو الحقّ؛ لقوّة أدلّته، ومن أقواها حديث جابر ﵁ مرفوعًا: "ليس عَلَى خائن، ولا منتهب، ولا مختلس قطع"، وهو حديث صحيح، واستتابة النبيّ ﷺ للمرأة فِي جحدها العارية؛ إذ لو كَانَ الجحد سرقة، لما استتابها، لأن الإمام لا يستتيب السارق بلا خلاف، ومن أقواها أيضًا ما سبق قريبا منْ كلام ابن دقيق العيد الذي قَالَ فيه الحافظ: وهذه أقوى الطرق فِي نظري.
وَقَدْ أجاد ابن قُدامة رحمه الله تعالى فِي تصحيحه رواية أحمد أنه لا قطع على جاحد العريّة، كما هو مذهب الجمهور، ودنك خلاصة عبارته:
واختلفت الرواية عن أحمد، فِي جاحد العارية، فعنه عليه القطع، وهو قول إسحاق، ثم ذكر دليله، وهو حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: "أن امرأة كانت تستعير المتاع، وتجحده … " الْحَدِيث، ثم قَالَ: وعنه: لا قطع عليه، وهو قول الخرقي، وأبي إسحاق بن شاقلا، وأبي الخطاب، وسائر الفقهاء، وهو الصحيح -إن شاء الله تعالى- لقول رسول الله ﷺ : "لا قطع عَلَى الخائن"، ولأن الواجب قطع السارق، والجاحد غير سارق، وإنما هو خائن، فأشبه جاحد الوديعة، والمرأة التي كانت تستعير المتاع، إنما قُطعت لسرقتها، لا بجحدها، ألا ترى قوله: "إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه"، وقولَهُ: و"الذي نفسي بيده، لو كانت فاطمة بنت محمد ﷺ ، لقطعت يدها"، وفي بعض ألفاظ رواية هذه القصة، عن عائشة: "أن قريشا أهمهم شأن المخزومية، التي سرقت"، وذكرت القصة، رواه البخاريّ، وفي حديث: "أنها سرقت قَطِيفة"، فروى الأثرم بإسناده، عن مسعود بن الأسود، قَالَ: "لَمّا سَرَقت المرأة تلك القطيفة، منْ بيت رسول الله ﷺ ، أعظمنا ذلك، وكانت امرأة منْ
стр. 17661
قريش، فجئنا إلى رسول اللَّهِ ﷺ ، فقلنا: نحن نَفْديها بأربعين أوقية، قَالَ: تُطَهَّر خير لها، فلما سمعنا لِين قولِ رسول الله ﷺ ، أتينا أسامة، فقلنا: كَلِّم لنا رسول الله ﷺ … " وذكر الْحَدِيث، نحو سياق عائشة، وهذا ظاهر فِي أن القصة واحدة، وأنها سرقت، فقطعت بسرقتها، وإنما عَرَّفَتها عائشة بجحدها للعارية؛ لكونها مشهورة بذلك، ولا يلزم أن يكون ذلك سببا، كما لو عَرَّفتها بصفة منْ صفاتها، وفيما ذكرنا جمع بين الأحاديث، وموافقة لظاهر الأحاديث، والقياس، وفقهاء الأمصار، فيكون أولى، فأما جاحد الوديعة، وغيرها منْ الأمانات، فلا نعلم أحدا يقول بوجوب القطع عليه. انتهى كلام ابن قُدامة رحمه الله تعالى "المغني" ١٢/ ٤١٦ - ٤١٨. وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: قول سفيان المتقدم، ذهبت أسال الزهريّ، عن حديث المخزومية التي سرقت، فصاح عليّ مما يكثر السؤال عنه، وعن سببه، وَقَدْ أوضح ذلك بعض الرواة، عن سفيان، فرأينا فِي كتاب "المحدث الفاصل" لأبي محمد الرامهرمزي، منْ طريق سليمان بن عبد العزيز، أخبرني محمد بن إدريس، قَالَ: قلت لسفيان بن عيينة، كم سمعت منْ الزهريّ؟ قَالَ: أما مع النَّاس، فما أحصي، وأما وحدي فحديث واحد، دخلت يوما منْ باب بني شيبة، فإذا أنابه جالس إلى عمود، فقلت: يا أبا بكر، حدثني حديث المخزومية، التي قطع رسول الله ﷺ يدها، قَالَ: فضرب وجهي بالحصى، ثم قَالَ: قم، فما يزال عبد يَقدَم علينا بما نكره، قَالَ: فقمت منكرا، فمر رجل، فدعاه، فلم يسمع، فرماه بالحصى، فلم يبلغه، فاضطر إليّ، فَقَالَ: ادعه لي، فدعوته له، فأتاه، فقضى حاجته، فنظر إلي، فَقَالَ: تعال، فجئت، فَقَالَ: أخبرني سعيد بن المسيب، وأبو سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ ، قَالَ: "العجماء جبار … " الْحَدِيث، ثم قَالَ لي: هَذَا خير لك منْ الذي أردت.
قَالَ الحافظ: وهذا الْحَدِيث الأخير أخرجه مسلم، والأربعة، منْ طريق سفيان، بدون قصة. انتهى "فتح" ١٤/ ٤١ - ٤٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٩٨ - (أَخْبَرَنَا رِزْقُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِسَارِقٍ فَقَطَعَهُ، قَالُوا: مَا كُنَّا نُرِيدُ أَنْ يَبْلُغَ مِنْهُ هَذَا، قَالَ: "لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةَ لَقَطَعْتُهَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "رزق الله بن موسى" أبو بكر، ويقال: أبو الفضل الناجيّ البغداديّ الإسكافي الْكَلَوْذَاني، يقال: اسمه: عبد الأكرم، صدوقٌ يهم [١٠].
стр. 17662
رَوَى عن أبن عيينة، وخالد بن عبد الله الواسطي، وعبد الرحمن بن مهدي، ويعقوب بن إسحاق الحضرميّ، وشبابة بن سوار، ومعن بن عيسى، وغيرهم. وعنه النسائيّ، وابن ماجه، والْبُجَيري، وابن ناجية، وأسلم بن سهل، وابن خزيمة، والباغَنْدي، وابن صاعد، والمحاملي، وغيرهم. قَالَ الخطيب: كَانَ ثقة. وَقَالَ ابن شاهين فِي "الأفراد": هو وعلي بن شعيب، ثقتان جليلان. وَقَالَ العقيلي: فِي حديثه وَهَم. قَالَ الذهبيّ: رفع حديثا موقوفا. وذكره النسائيّ فِي "مشيخته"، وَقَالَ: بصري صالح. وَقَالَ مسلمة الأندلسي: رَوَى عن يحيى بن سعيد، وبقيةَ أحاديثَ منكرة، وهو صالح، لا بأس به. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ: مات سنة (٢٦٠) أو قبلها بقليل، أو بعدها بقليل. وَقَالَ إبراهيم بن محمد الكندي: مات فِي ذي القعدة، سنة (٢٥٦). روى عنه المصنّف، وابن ماجه، وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط.
و"سفيان": هو ابن عيينة.
وقوله: "أتي النبيّ- ﷺ بسارق": ببناء الفعل للمفعول، وهذا يخالف روايتي سفيان المتقدّمتين، حيث إن فيهما: "أن امرأةً سرقت"، فقيل: هَذَا منْ أوهام رزق الله، ويحتمل أن يكون عَلَى تأويل السارق بالشخص، فلا تنافي بينه وبين بقيّة الروايات أنها امرأة، ويحتمل أن يكون هَذَا واقعة أخرى، وهذا بعيد، فالاحتمالان الأولان أقرب.
والحديث بهذا الإسناد ضعيف، وفي متنه نكارة، كما أشرت إليه آنفاً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٨٩٩ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: مَا نُكَلِّمُهُ فِيهَا، مَا مِنْ أَحَدٍ يُكَلِّمُهُ إِلاَّ حِبُّهُ أُسَامَةُ، فَكَلَّمَهُ، فَقَالَ: "يَا أُسَامَةُ، إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ، هَلَكُوا بِمِثْلِ هَذَا، كَانَ إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِنْ سَرَقَ فِيهِمُ الدُّونُ قَطَعُوهُ، وَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ لَقَطَعْتُهَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "علي بن سعيد بن مسروق": هو الكنديّ الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] ٣٤/ ٤٨٠٤. و"يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة": هو الهمدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقة متّقِنٌ، منْ كبار [٩] ١٤٤/ ٢٢٦.
وقوله: "ما نكلّمه فيها": أي لا نستطيع أن نكلّمه فِي شأن هذه المرأة، مهابةً له. وقوله: "إلا حِبّه أسامة" -بكسر الحاء المهملة: أي محبوبه. و"أسامة" بدل منْ "حبه".
стр. 17663
وقوله: "الدّون" بالضمّ: هو بمعنى الضيعف، أو الوضيع فِي الروايات الأخرى، قَالَ الفيّوميّ: وشيءٌ منْ دونٍ بالتنوين: أي حقيرٌ ساقطُ، ورجلٌ منْ دونِ، هَذَا أكثر كلام العرب، وَقَدْ تحذف "منْ"، وتجُعل "دونٌ" نعتًا، ولا يُشتقّ منه. انتهى.
وَقَالَ فِي "اللسان": و"الدُّون": الحقير الخسيس، وَقَالَ الشاعر [منْ المتقارب]:
إِذَا مَا عَلَا الْمَرْءُ رَامَ الْعَلاءَ … وَيَقْنَعُ بِالدُّونِ مَنْ كَانَ دُونَا
ولا يُشتقّ منه فعل، وبعضهم يقول منه: دان يدُون دَوْنًا، وأُدِينَ إِدانةً. انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٩٠٠ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ شُعَيْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتِ: اسْتَعَارَتِ امْرَأَةٌ عَلَى أَلْسِنَةِ أُنَاسٍ يُعْرَفُونَ، وَهِيَ لَا تُعْرَفُ، حُلِيًّا فَبَاعَتْهُ، وَأَخَذَتْ ثَمَنَهُ، فَأُتِيَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَسَعَى أَهْلُهَا إِلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيهَا، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ يُكَلِّمُهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتَشْفَعُ إِلَيَّ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ "، فَقَالَ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشِيَّتَئِذٍ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّمَا هَلَكَ النَّاسُ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ الشَّرِيفُ فِيهِمْ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ الضَّعِيفُ فِيهِمْ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ، لَقَطَعْتُ يَدَهَا"، ثُمَّ قَطَعَ تِلْكَ الْمَرْأَةَ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عمران بن بكّار": هو الكَلاعيّ الْبَرَّاد الْحِمصيّ المؤذّن، ثقة [١١] ١٧/ ١٥٤١ منْ أفراد المصنّف. و"بشر بن شُعيب": هو أبو القاسم الحمصيّ، ثقة، منْ كبار [١٠] ٧/ ١٤٦٦. و"أبوه": هو شُعيب بن أبي حمزة/ دينار الأمويّ مولاهم، أبو بشر المحصيّ، ثقة عابدٌ، قَالَ ابن معين: منْ أثبت النَّاس فِي الزهريّ [٧] ٦٩/ ٨٥.
وقوله: "عَلَى ألسنة أُناس الخ": أي باسمهم، ولأجلهم، يعني أنها تأتي أناسًا، وتقول لهم: إن فلانة ممن يعرفونها، أرسلتني إليكم تستعير الحلي الفلاني، فيُعطونها؛ لكونهم يعرفون تلك المرأة.
وقوله: "يُعرفون" بالبناء للمفعول، وكذا قوله: "وهي لا تُعرَف".
وقوله: "عشيّتئذ" بنصب "عشيّة" عَلَى الظرفيّة لـ"قام"، وهو مضاف إلى "إذ". و"العشيّة" ما بين الزوال إلى الغروب، وقيل: هو آخر النهار، وقيل: منْ الزوال إلى الصباح.
стр. 17664
والحديث صحيح، كما سبق تمام البحث فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٩٠١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِىءُ عَلَيْهِ إِلاَّ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، "أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ"، ثُمَّ قَامَ، فَخَطَبَ، فَقَالَ: "إِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ، لَقَطَعْتُ يَدَهَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وَقَدْ تقدّموا غير مرّة.
وقوله: "وايم الله": قسم مختصر منْ: "وأيمن الله"، قَالَ الفيّوميّ: و"أيمنٌ": اسم استُعمل فِي القسم، والتُزم رفعه، كما التُزم رفعُ "لعمرُ الله"، وهمزته عند البصريين وصلٌ، واشتقاقه عندهم منْ الْيُمْن، وهو البركة، وعند الكوفيين قطعٌ؛ لأنه جمعُ يمين عندهم، وَقَدْ يُختصر منه، فيقال: "وايم الله" بحذف الهمزة والنون، ثم اختُصر ثانيًا، فقيل: "مُ الله" بضم الميم. انتهى.
والحديث متَّفقٌ عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٩٠٢ - (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَرَقَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ، مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، فَأُتِيَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُهُ فِيهَا، قَالُوا: أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَأَتَاهُ فَكَلَّمَهُ، فَزَبَرَهُ، وَقَالَ: "إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ الْوَضِيعُ قَطَعُوهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُهَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أبو بكر بن إسحاق": هو محمد بن إسحاق الصاغانيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبت [١١] ١٣/ ٣٤٧. و "أبو الْجَوّاب": هو الأحوص بن الْجَوّاب الضبيّ الكوفيّ، صدوقٌ ربما وهِم [٩] ١٠٢/ ١٣٥. و"عمّار بن رُزيق" -بتقديم الراء، مصغّرًا-: هو الضبّيّ، أو التميميّ، أبو الأحوص الكوفيّ، لا بأس به [٨] ١٠٢/ ١٣٥. و"محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى": هو الأنصاريّ الكوفيّ القاضي، أِبو عبد الرحمن، صدوقٌ، سيء الحفظ جدًّا [٧] ١٩/ ٢١٤٩. و"إسماعيل بن أُميّة":
стр. 17665
هو الأمويّ، ثقة ثبتٌ [٦] ٢٤٦٨/ ١٦. و"محمد بن مسلم": هو ابن شهاب الزهريّ الإمام.
والحديث فيه محمد بن أبي ليلى متكلّم فيه، لكنه صحيح بما قبله، وما بعده. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٩٠٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَبَلَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا؟ قَالُوا: مَنْ يَجْتَرِىءُ عَلَيْهِ إِلاَّ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ سَرَقَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ لَقَطَعْتُ يَدَهَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن جَبَلة": ويقال: ابن خالد بن جَبَلَةَ الرافقيّ، بتقديم الفاء، خراسانيّ الأصل، صدوقٌ [١١] ١٩٠/ ١١٦٧.
و"محمد بن موسى بن أعين": هو أبو يحيى الْجَزَريّ الْحَرَانيّ، صدوقٌ، منْ كبار [١٠] ٤/ ٤٠٣. و"أبوه": هو موسى بن أعين الجزريّ، مولى قريش، أبو سعيد، ثقة عابدٌ [٨] ١١/ ٤١٥.
و"إسحاق بن راشد": هو أبو سليمان الجزريّ، ثقة فِي حديثه عن الزهريّ بعض الوَهَم [٧] ٣٩/ ٢١٩٢.
والحديث سبق شرحه، وبيان مسائله، وفيه إسحاق بن راشد، متكلم فيه فِي حديث الزهريّ، لكنه صحيح بما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٩٠٤ - (قَالَ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، أَخْبَرَهُ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَأُتِيَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَكَلَّمَهُ فِيهَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَلَمَّا كَلَّمَهُ تَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ"، فَقَالَ لَهُ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ إِنَّمَا هَلَكَ النَّاسُ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ"، ثُمَّ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ، قَطَعْتُ يَدَهَا").
стр. 17666
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وهو ثقة حافظ، وتقدّموا غير مرّة.
وقوله: "تلوّن وجه رسول الله ﷺ ": أي تغيّر وجهه؛ لإنكاره شفاعة أسامة ﵁.
والحديث متَّفقٌ عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٩٠٥ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ - (١) عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ- مُرْسَلٌ، فَفَزِعَ قَوْمُهَا إِلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، يَسْتَشْفِعُونَهُ، قَالَ عُرْوَةُ: فَلَمَّا كَلَّمَهُ أُسَامَةُ فِيهَا، تَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "أَتُكَلِّمُنِي فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ "، قَالَ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّمَا هَلَكَ النَّاسُ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا"، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِيَدِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ فَقُطِعَتْ، فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَتْ عَائِشَةُ رضى الله عنها: وَكَانَتْ تَأْتِينِي بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وهو سُويد بن نصر، أبو الفضل المروزيّ، لقبه الشاه، راوية ابن المبارك، ثقة [١٠] ٤٥/ ٥٥. و"عبد الله": هو ابن المبارك الإمام المشهور. و"يونس": هو ابن يزيد الأيليّ الثقة الثبت.
وقوله: "مرسل": أي هَذَا الْحَدِيث مرسلٌ، لقول عروة: "أن امرأة سرقت الخ"، ولم يذكر عائشة، لكن هَذَا الإرسال إرسال صوريّ؛ لأن عروة ذكر فِي آخره ما يدلّ عَلَى أنه أخذه منْ عائشة رضي الله تعالى عنها، حيث قَالَ: قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: وكانت تأتيني الخ.
قَالَ فِي "الفتح": قوله: "أخبرني عروة بن الزبير، أن امرأة سرقت"، كذا فيه بصورة
стр. 17667
الإرسال، لكن فِي آخره ما يقتضي أنه عن عائشة؛ لقوله فِي آخره: "قالت عائشة، فكانت تأتيني بعد ذلك، فأرفع حاجتها"، وعند الإسماعيليّ منْ طريق الزهريّ، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، قالت: "فتابت، فحسنت توبتها، وكانت تأتيني، فأرفع حاجتها إلى النبيّ ﷺ ". انتهى. "فتح" ٨/ ٣٤٠ - ٣٤١ "كتاب المغازي" رقم ٤٣٠٤.
والحاصل أن الْحَدِيث، وإن كَانَ صورته صورة مرسل، إلا أنه فِي الحقيقة متّصل، ولذا أخرجه البخاريّ فِي "صحيحه" فِي "المغازي" برقم ٤٣٠٤. فَقَالَ: حدّثنا محمد ابن مقاتل، أخبرنا عبد الله، بسند المصنّف، ومتنه سواء بسواء. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٧ - (التَّرْغِيبِ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ)
٤٩٠٦ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ عِيسَى بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَرِيرُ بْنُ يَزِيدَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا زُرْعَةَ بْنَ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "حَدٌّ يُعْمَلُ فِي الأَرْضِ، خَيْرٌ لأَهْلِ الأَرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا ثَلَاثِينَ صَبَاحًا").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (عيسى بن يزيد) الأزرق، أبو معاذ المروزيّ النحويّ، مقبول [٧].
روى عن إسماعيل بن أمية، وجرير بن يزيد البجليّ، وخالد بن كيسان، وغيرهم. وعنه ابن المبارك، وعيسى بن موسى غنجار، وحكّام بن سِلْم، وغيرهم. ذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ: كَانَ عَلَى قضاء سرخس، وبها مات. روى له المصنّف، وابن ماجه، له عندهما هَذَا الْحَدِيث فقط.
٢ - (جرير بن يزيد) بن جرير بن عبد الله البجلي، ضعيفٌ [٧].
روى عن أبيه، وابن عمه أبي زرعة بن عمرو. وعنه جرير بن عبد الحميد، وعيسى ابن يزيد، ويونس بن عبيد، وهشيم بن بشير. قَالَ أبو زرعة: شاميّ، منكر الْحَدِيث. تفرّد به المصنّف، وابن ماجه، وله عندهما هَذَا الْحَدِيث، وعند ابن ماجه حديث آخر
стр. 17668
أيضًا فِي "المسح عَلَى الخفين".
٣ - (أبو زرعة بن عمرو بن جرير) البجليّ الكوفيّ، قيل: اسمه هَرِم، وقيل: عمرو، وقيل: غير ذلك، ثقة [٣] ٤٣/ ٥٠.
٤ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والباقيان تقدّما فِي الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عِيسَى بْنِ يَزِيدَ) الأزرق النحويّ المروزيّ، أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي جَرِيرُ بْنُ يَزِيدَ) البجليّ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا زُرْعَةَ بْنَ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ) البجليّ الكوفيّ (يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "حَدٌّ) مبتدأ خبره "خير"، وجملة قوله: (يُعْمَلُ فِي الْأَرْضِ) صفة لـ"حدّ" (خَيْرٌ لأَهْلِ الأَرْضِ) أي أكثر بركةً فِي الرزق، منْ الثمار والأنهار، وغير ذلك (مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا) بالبناء للمفعول، يقال: مطرت السماء تمطُر مَطَرًا، منْ باب طَلَبَ، فهي ماطرةٌ فِي الرحمة، وأمطرت بالألف أيضًا لغة، وفي العذاب أمطرت بالألف، لا غير، كما تفيده عبارة "المصباح" (ثَلَاثِينَ صَبَاحًا) وفي الرواية التالية: "خير منْ مطر أربعين ليلة"، وفي رواية أحمد فِي "مسنده" ٢/ ٣٦٢ منْ طريق زكريا بن عديّ، عن ابن المبارك: "ثلاثين، أو أربعين صباحًا"، وكونه أربعين هو الأصحّ؛ لعدم الشك فيه.
وفي الْحَدِيث: الحثّ والترغيب فِي إقامة الحدود، وبيان فضله فِي الأمة؛ ووجه ذلك أنَّ الله قَالَ: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩]، وَقَدْ بيّن فِي هَذَا الْحَدِيث أن إقامة الحدّ خيرٌ منْ نزول الأمطار أربعين ليلة، فثبت به ما لها منْ كثرة الخيرات والبركات. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هَذَا حسن، بلفظ "أربعين"، كما هو فِي الرواية التالية.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه جرير بن يزيد، وهو ضعيف؟.
[قلت]: إنما صحّ لأن له شاهدًا منْ حديث ابن عبّاس رضى الله تعالى عنهما، مرفوعًا، أخرجه الطبراني فِي "الكبير"، و"الأوسط"، بإسناد حسن، كما قَالَ المنذريّ، والعراقيّ، بلفظ: "حدّ يقام فِي الأرض، أزكى فيها، منْ مطر أربعين يومًا"، وَقَدْ تكلّم
стр. 17669
فِي إسناده الشيخ الألباني، ولكنه قَالَ: لا بأس به فِي الشواهد.
وأيضًا فقد أخرجه ابن حبّان فِي "صحيحه" (١٥٠٧) منْ طريق يونس بن عبيد، عن عمرو بن سعيد، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا، بلفظ: "إقامة حدّ بأرض خير لأهلها منْ مطر أربعين صباحًا"، وسنده صحيح، رجاله كلهم ثقات، إلا أن للشيخ الألباني كلامًا فيه، فراجع "السلسة الصحيحة" ١/ ٤٠٩ - ٤١٠.
والحاصل أن الْحَدِيث بمجموعه، لا ينقص عن درجة الحسن. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤٩٠٦ و٤٩٠٧ - وفي "الكبرى" ١٢/ ٧٣٩١ و٧٣٩٢. وأخرجه (ق) فِي "الحدود" ٢٥٣٨ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ٨٩٧٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٩٠٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: "إِقَامَةُ حَدٍّ بِأَرْضٍ خَيْرٌ لأَهْلِهَا مِنْ مَطَرِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عمرو بن زُرارة": هو الكلابيّ، أبو محمد النيسابوريّ، ثقة ثبت [١٠] ٧/ ٣٦٨. و"إسماعيل": هو ابن عليّة الحجة الثبت. و"يونس بن عُبيد": هو أبو عبيد البصريّ، ثقة ثبتٌ فاضلٌ ورع [٥] ٨٨/ ١٠٩. والحديث حسنٌ، كما سبق فِي الذي قبله، فهو وإن كَانَ موقوفًا؛ إلا أن له حكمَ الرفع؛ لأنه لا يقال منْ قبل الرأي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٨ - (الْقَدْرِ الَّذِي إِذَا سَرَقَهُ السَّارِقُ قُطِعَتْ يَدُهُ)
٤٩٠٨ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مِجَنٍّ، قِيمَتُهُ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، كَذَا قَالَ).
стр. 17670
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عبد الحميد بن محمد": هو ابن الْمُسْتَام، أبو عمر الْحَرّانيّ، إمام مسجدها، ثقة [١١] ٢٢/ ٩٣٢. و"مخلد": هو ابن يزيد القرشيّ الحرّانيّ، صدوقٌ، له أوهام، منْ كبار [٩] ١٤١/ ٢٢٢. والباقون يأتون فِي السند التالي.
وقوله: "قيمته خمسة دراهم" شاذّ مردودة، كما سيأتي تحقيقه قريبًا، وسيأتي تمام شرح الْحَدِيث، وبيان مسائله فِي الْحَدِيث التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٩٠٩ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ، أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُمْ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا الصَّوَابُ).
قَال أَبُو عَبْد الرحْمَنِ: هَذَا الصوَابُ).
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (يونس بن عبد الأعلى) الصدفيّ المصريّ، ثقة، منْ صغار [١٠] ١/ ٤٤٩.
٢ - (ابن وهب) عبد الله المصريّ الحافظ، ثقة عابد [٩] ٩/ ٩.
٣ - (حنظلة) بن أبي سفيان الجُمَحيّ المكيّ، ثقة حجة [٦] ١٢/ ١٢.
٤ - (نافع) مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/ ١٢.
٥ - (عبد الله بن عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه فيه مصريين، ومدنيين، ومكيّا. (ومنها): أن فيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما منْ العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
عن حنظلة بن أبي سفيان الْجُمحيّ المكيّ (أَنَّ نَافِعًا) مولى ابن عمر (حَدَّثَهُمْ) أي حدّث حنظلة، ومن معه (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطّاب رضي الله تعالى عنهما (قَالَ: قَطَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي أمر بالقطع، لا أنه تولّى القطع بنفسه؛ لأنه ﷺ لم يكن يباشره بنفسه، وَقَدْ تقدّم فِي قصة المخزوميّة أنه ﷺ أمر بلالاً أن يقطعها، فيحتمل أن يكون هو المأمور هنا، ويحتمل أن يكون غيره (فِي مِجَنٍّ) بكسر الميم، وفتح الجيم،
стр. 17671
وتشديد النون-: مِفْعلٌ منْ الاجتنان، وهو الاستتار مما يُحاذره المستتر، وكُسرت ميمه لأنه آلة للاستتار (ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ) وفي الرواية السابقة: "قيمته" بدل "ثمنه ثلاثة"، وَقَدْ اختلف الرواة فِي هذه اللفظة، فرواه بعضهم بلفظ القيمة، وبعضهم بلفظ الثمن، فقد أخرجه المصنّف منْ طريق مخلد بن يزيد، عن حنظلة، فِي الرواية الماضية بلفظ: "قيمته"، وكذا منْ طريق سفيان، عن أيوب، وإسماعيل بن أمية، وعبد الله، وموسى ابن عقبة، أربعتهم عن نافع أيضًا بلفظ: "قيمته"، قَالَ الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه" بعد أن أخرجه منْ طريق موسى بن عقبة، عن نافع بلفظ: "ثمنه": ما: نصّه: وتابعه محمد بن إسحاق، وَقَالَ الليث: حدثني نافع: "قيمته". انتهى.
قَالَ فِي "الفتح": قوله: "تابعه محمد بن إسحاق": يعني عن نافع، أي فِي قوله: "ثمنه"، وروايته موصولة عند الإسماعيلي، منْ طريق عبد الله بن المبارك، عن مالك، ومحمد بن إسحاق، وعبيد الله بن عمر، ثلاثتهم عن نافع: "عن النبيّ ﷺ ، أنه قطع فِي مجن ثمنه ثلاثة دراهم"، وَقَدْ أخرجه البخاريّ ﵀ منْ رواية جُوَيرية، وهو ابن أسماء مثل هَذَا السياق سواء، ومن رواية عبيد الله، وهو ابن عمر، أي العمري مثله، ومن رواية موسى بن عقبة، عن نافع، بلفظ: "قطع النبيّ ﷺ يد سارق … " مثله. وقوله: "وَقَالَ الليث: حدثني نافع: "قيمته": يعني أن الليث رواه عن نافع كالجماعة، لكن قَالَ: "قيمته"، بدل قولهم: "ثمنه"، ورواية الليث وصلها مسلم، عن قتيبة، ومحمد بن رمح، عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر: "أن النبيّ ﷺ قطع سارقا، فِي مجن، قيمته ثلاثة دراهم"، وأخرجه مسلم أيضًا، منْ رواية سفيان الثوري، عن أبي أيوب السختياني، وأيوب بن موسى، وإسماعيل بن أمية، ومن رواية ابن وهب، عن حنظلة بن أبي سفيان، ومالك، وأسامة بن زيد، كلهم عن نافع، قَالَ بعضهم: "ثمنه"، وَقَالَ بعضهم: "قيمته"، هَذَا لفظ مسلم، ولم يميز، وَقَدْ أخرجه أبو داود، منْ رواية ابن جريج، أخبرني إسماعيل بن أمية، عن نافع، ولفظه "أن النبيّ ﷺ قطع يد رجل سرق ترسًا، منْ صُفَّة النِّساء، ثمنه ثلاثة دراهم"، وأخرجه النسائيّ منْ رواية ابن وهب، عن حنظلة وحده، بلفظ: "ثمنه"، ومن طريق مَخلَد بن يزيد، عن حنظلة، بلفظ: "قيمته"، فوافق الليث، فِي قوله: "قيمته"، لكن خالف الجميع، فَقَالَ: "خمسة دراهم"، وقول الجماعة: "ثلاثة دراهم"، هو المحفوظ. وَقَدْ أخرجه الطحاوي، منْ طريق عبيد الله بن عمر، بلفظ: "قطع فِي مجن، قيمته"، ومن رواية أيوب، ومن رواية مالك، قَالَ مثله، ومن رواية ابن إسحاق بلفظ: "أُتي برجل سرق حَجَفَة قيمتها ثلاثة دراهم، فقطعه".
стр. 17672
[تنبيه]: "قيمةُ الشيء": هو ما تنتهي إليه الرغبة فيه، وأصله قِوْمَةٌ، فأُبدلت الواو ياء؛ لوقوعها بعد كسرة. و"الثمن": هو ما يُقابل به المبيع عند البيع.
قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: والذي يظهر أن المراد هنا القيمة، وأن منْ رواه بلفظ الثمن إما تجوّزًا، وإما أن القيمة والثمن كانا حينئذ مستويين. قَالَ ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: القيمة، والثمن قد يختلفان، والمعتبرُ إنما هو القيمة، ولعل التعبير بالثمن؛ لكونه صادف القيمة فِي ذلك الوقت، فِي ظن الراوي، أو باعتبار الغلبة. قاله فِي "الفتح" ١٤/ ٦٠ - ٦١.
وقوله: (قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) النسائيّ رحمه الله تعالى: (هَذَا الصَّوَابُ) يعني أن قوله: "ثلاثة دراهم" هو الصواب، وأما قوله: "خمسة دراهم" فخطأ؛ لمخالفة مخلد بن يزيد، لمن هو أوثق، وأحفظ منه، وهو ابن وهب، كما فِي هَذَا السند، وَقَدْ تقدّم فِي ترجمة مخلد أن له أوهامًا، فيكون هَذَا منها، وَقَدْ رواه مالك ٤٩١٠ وإسماعيل بن أمية ٤٩١١ وأيوب السختيانيّ، وعبيد الله بن عمر، وموسى بن عقبة ٤٩١٢ - وأيوب بن موسى عند مسلم خمستهم عن نافع بلفظ "ثلاثة دراهم"، فتبين بهذا أن رواية مخلد بلفظ: "خمسة دراهم" شاذّة مطّرحة، وإنما المحفوظ ما رواه الجماعة بلفظ: "ثلاثة دراهم". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٨/ ٤٩٠٨ و٤٩٠٩ و٤٩١٠ و٤٩١١ و٤٩١٢ - وفي "الكبرى" ١٣/ ٧٣٩٣ و٧٣٩٤ و٧٣٩٥ و٧٣٩٦ و٧٣٩٧. وأخرجه (خ) فِي "الحدود" ٦٧٩٥ و٦٧٩٦ و٦٧٩٧ و٦٧٩٨ (م) فِي "الحدود" ١٦٨٦ (د) فِي "الحدود" ٤٣٨٥ و٤٢٨٦ (ت) فِي "الحدود" ١٤٤٦ (ق) فِي "الحدود" ٢٥٨٤ (أحمد) فِي "مسند المكثرين" ٤٤٨٩ و٥١٣٥ و٥٢٨٨ و٥٤٩٣ و٥٥١٨ و٦٢٨١ (الموطأ) فِي "الحدود" ١٥٧٢ و٢١٩٩. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان القدر الذي إذا سرقه السارق قُطعت يده، وهو ثمن المجنّ. (ومنها): أنه استَدلّ به منْ قَالَ بوجوب قطع يد السارق، ولو لم يسرق منْ حرز، وهو قول الظاهرية، وأبي عبيد الله البصريّ، منْ
стр. 17673
المعتزلة، وخالفهم الجمهور، فقالوا: العام إذا خُصّ منه شيء بدليل، بقي ما عداه عَلَى عمومه، وحجيته، سواء كَانَ لفظه ينبىء عما ثبت فِي ذلك الحكم بعد التخصيص، أم لا؛ لأن آية السرقة عامة، فِي كل مَن سَرق، فخَصّ الجمهور منها مَن سَرق منْ غير حرز، فقالوا: لا يقطع، وليس فِي الآية ما ينبىء عن اشتراط الحرز، وطرد البصريّ أصله فِي الاشتراط المذكور، فلم يشترط الحرز، ليستمر الاحتجاج بالآية، نعم وزعم ابن بطال أن شرط الحرز مأخوذ منْ معنى السرقة، فان صح ما قَالَ، سقطت حجة البصريّ أصلا. (ومنها): أنه استُدِل به عَلَى أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب؛ لأن آية السرقة نزلت فِي سارق رداء صفوان، أو سارق المجنّ، وعَمِل بها الصحابة فِي غيرهما منْ السارقين. (ومنها): أنه استُدل بإطلاق حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: "قطع رسول الله ﷺ فِي ربع دينار"، عَلَى أن القطع يجب بما صَدَق عليه ذلك، منْ الذهب، سواء كَانَ مضروبا، أو غير مضروب، جَيِّدًا كَانَ، أو رديئا، وَقَدْ اختَلَف فيه الترجيح عند الشافعيّة، ونص الشافعيّ فِي "الزكاة" عَلَى ذلك، وأطلق فِي "السرقة"، فجزم الشيخ أبو حامد، وأتباعه بالتعميم هنا، وَقَالَ الإصطخري: لا يقع إلا فِي المضروب، ورجحه الرافعي، وقيد الشيخ أبو حامد النقل عن الإصطخري بالقدر الذي ينقص بالطبع.
(ومنها): أنه استُدِل بالقطع فِي الْمِجَنّ، عَلَى مشروعية القطع فِي كل ما يُتَمَوَّل قياسا، واستثنى الحنفية ما يُسرع إليه الفساد، وما أصله الإباحة، كالحجارة، واللبن، والخشب، والملح، والتراب، والكلإ، والطير، وفيه رواية عن الحنابلة، والراجح عندهم فِي مثل السرجين القطع، تفريعا عَلَى جواز بيعه، وفي هَذَا تفاريع أخرى، محل بسطها كتب الفقه، وبالله التوفيق. قاله فِي "الفتح" ١٤/ ٦٣ - ٦٤.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بالتعميم هو الأظهر؛ لإطلاق النصوص. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي اعتبار النصاب لوجوب قطع السارق:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: الشرط الثاني: أن يكون المسروق نصابا، ولا قطع فِي القليل، فِي قول الفقهاء كلهم، إلا الحسن، وداود، وابن بنت الشافعيّ، والخوارج، قالوا: يُقطع فِي القليل والكثير؛ لعموم الآية؛ ولِمَا روى أبو هريرة ﵁، أن النبيّ ﷺ قَالَ: "لعن الله السارق يَسرِق الحبل، فتقطع يده، وشرق البيضة، فتقطع يده"، متَّفقٌ عليه، ولأنه سارق منْ حرز، فتقطع يده كسارق الكثير.
قَالَ: ولنا قول النبيّ ﷺ : "لا قطع إلا فِي ربع دينار، فصاعدا"، متَّفقٌ عليه، وإجماعُ
стр. 17674
الصحابة عَلَى ما سنذكره، وهذا يخص عموم الآية، والحبل يحتمل أن يساوي ذلك، وكذلك البيضة يحتمل أن يراد بها بيضة السلاح، وهي تساوي ذلك.
واختلفت الرواية عن أحمد فِي قدر النصاب، الذي يجب القطع بسرقته، فرَوَى عنه أبو إسحاق الجوزجاني، أنه ربع دينار منْ الذهب، أو ثلاثة دراهم منْ الورق، أو ما قيمته ثلاثة دراهم، منْ غيرهما، وهذا قول مالك، وإسحاق.
وروى عنه الأثرم: أنه إن سرق منْ غير الذهب والفضة ما قيمته ربع دينار، أو ثلاثة دراهم قُطع، فعلى هَذَا يُقَوَّم غير الأثمان بأدنى الأمرين، منْ ربع دينار، أو ثلاثة دراهم. وعنه أن الأصل الورق، ويُقَوَّم الذهب به، فإن نقص ربع دينار عن ثلاثة دراهم، لم يقطع سارقه، وهذا يُحكى عن الليث، وأبي ثور، وقالت عائشة: "لا قطع إلا فِي ربع دينار فصاعدا"، ورُوي هَذَا عن عمر، وعثمان، وعلي ﵃، وبه قَالَ الفقهاء السبعة، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، والشافعي، وابن المنذر؛ لحديث عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ ، قَالَ: "لا قطع إلا فِي ربع دينار فصاعدا".
وَقَالَ عثمان البتي: تقطع اليد فِي درهم، فما فوقه، وعن أبي هريرة، وأبي سعيد: أن اليد تقطع منْ أربعة دراهم فصاعدا، وعن عمر: "أن الخمس لا تُقطع إلا فِي الخمس"، وبه قَالَ سليمان بن يسار، وابن أبي ليلى، وابن شُبْرُمة، ورُوي ذلك عن الحسن. وَقَالَ أنس: قطع أبو بكر فِي مجن، قيمته خمسة دراهم، رواه الجوزجاني بإسناده. وَقَالَ عطاء، وأبو حنيفة، وأصحابه: لا تقطع اليد، إلا فِي دينار، أو عشرة دراهم؛ لما روى الحجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبيّ ﷺ ، أنه قَالَ: "لا قطع إلا فِي عشرة دراهم"، ورَوَى ابنُ عباس، قَالَ: قطع رسول الله ﷺ ، يد رجل فِي مجن، قيمته دينار، أو عشرة دراهم. وعن النخعي: لا تقطع اليد إلا فِي أربعين درهما. قَالَ: ولنا ما روى ابنُ عمر: أن رسول الله ﷺ ، قطع فِي مجن، ثمنه ثلاثة دراهم، متَّفقٌ عليه، قَالَ ابن عبد البرّ: هَذَا أصح حديث، يُروَى فِي هَذَا الباب، لا يختلف أهل العلم فِي ذلك. وحديثُ أبي حنيفة الأول، يرويه الحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، والذي يرويه عن الحجاج ضعيف أيضًا، والحديث الثاني، لا دلالة فيه عَلَى أنه لا يُقطع بما دونه، فإن منْ أوجب القطع بثلاثة دراهم، أوجبه بعشرة. انتهى كلام ابن قُدامة رحمه الله تعالى "المغني" ١٢/ ٤١٨ - ٤٢٠.
وَقَالَ فِي "الفتح": وَقَدْ تمسك مالك رحمه الله تعالى بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فِي اعتبار النصاب بالفضة، وأجاب الشافعيّة، وسائر منْ خالفه، بأنه ليس فِي طرقه أنه لا يقطع فِي أقل منْ ذلك، وأورد الطحاوي حديث سعد، الذي أخرجه
стр. 17675
مالك أيضًا، وسنده ضعيف، ولفظه: "لا يقطع السارق، إلا فِي المجن"، قَالَ: فعلمنا أنه لا يقطع فِي أقل منْ ثمن المجن، لكن اخْتُلف فِي ثمن المجن، ثم ساق حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قَالَ: كَانَ قيمة المجن الذي قَطع فيه رسول الله ﷺ عشرة دراهم، قَالَ: فالاحتياط أن لا يُقطع إلا فيما اجتمعت فيه هذه الآثار، وهو عشرة، ولا يقطع فيما دونها؛ لوجود الاختلاف فيه.
وتعقب بأنه لو سلم فِي الدراهم، لم يسلم فِي النص الصريح فِي ربع دينار، كما تقدم إيضاحه، ودفع ما أعله به، والجمع بين ما اختلفت الروايات فِي ثمن المجن ممكن، بالحمل عَلَى اختلاف الثمن والقيمة، أو عَلَى تعدد المجان التي قطع فيها، وهو أولى.
وَقَالَ ابن دقيق العيد: الاستدلال بقوله: "قطع فِي مجن" عَلَى اعتبار النصاب ضعيف؛ لأنه حكاية فعل، ولا يلزم منْ القطع فِي هَذَا المقدار، عدم القطع فيما دونه، بخلاف قوله: "يُقطع فِي ربع دينار فصاعدا"، فإنه بمنطوقه يدل عَلَى أنه يُقطع فيما إذا بلغ، وكذا فيما زاد عليه، وبمفهومه عَلَى أنه لا قطع فيما دون ذلك، قَالَ: واعتمادُ الشافعيّ عَلَى حديث عائشة -وهو قول- أقوى فِي الاستدلال، منْ الفعل المجرد، وهو قوي فِي الدلالة عَلَى الحنفية؛ لأنه صريح فِي القطع فِي دون القدر الذي يقولون بجواز القطع فيه، ويدل عَلَى القطع فيما يقولون به بطريق الفحوى، وأما دلالته عَلَى عدم القطع فِي دون ربع دينار، فليس هو منْ حيث منطوقه، بل منْ حيث مفهومه، فلا يكون حجة عَلَى منْ لا يقول بالمفهوم.
قَالَ الحافظ: وقرر الباجي طريق الأخذ بالمفهوم هنا، فَقَالَ: دل التقويم عَلَى أن القطع يتعلق بقدر معلوم، وإلا فلا يكون لذكره فائدة، وحينئذ فالمعتمد ما ورد به النص صريحا مرفوعا، فِي اعتبار ربع دينار.
وَقَدْ خالف منْ المالكية فِي ذلك منْ القدماء ابنُ عبد الحكم، وممن بعدهم ابن العربي، فَقَالَ: ذهب سفيان الثوري مع جلالته فِي الْحَدِيث، إلى أن القطع لا يكون إلا فِي عشرة دراهم، وحجته أن اليد محترمة بالإجماع، فلا تستباح إلا بما أُجمع عليه، والعشرة متَّفقٌ عَلَى القطع فيها عند الجميع، فيُتَمَسَّك به ما لم يقع الاتفاق عَلَى ما دون ذلك.
وتُعُقّب بأن الآية دلت عَلَى القطع، فِي كل قليل وكثير، وإذا اختلفت الروايات فِي النصاب، أُخِذ بأصح ما ورد فِي الأقل، ولم يصح أقل منْ ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، فكان اعتبار ربع دينار أقوى منْ وجهين: [أحدهما]: أنه صريح فِي الحصر، حيث ورد بلفظ: "لا تقطع اليد إلا فِي ربع دينار فصاعدا"، وسائر الأخبار الصحيحة الواردة حكاية
стр. 17676
فعل، لا عموم فيها.
[والثاني]: أن المعول عليه فِي القيمة الذهب؛ لأنه الأصل فِي جواهر الأرض كلها، ويؤيده ما نَقَل الخطّابيّ استدلالا عَلَى أن أصل النقد فِي ذلك الزمان الدنانير، بأن الصكاك القديمة، كَانَ يُكتب فيها عشرة دراهم، وزن سبعة مثاقيل، فعُرفت الدراهم بالدنانير، وحُصرت بها. والله أعلم. انتهى "فتح" ١٤/ ٦١.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد اتَّضح بما سبق أن الحقّ اعتبار النصاب لوجوب القطع فِي السرقة؛ لصحة الأحاديث الوادة فِي ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): فِي ذكر المذاهب فِي القدر الذي يقطع فيه السارق:
[الأول]: يقطع فِي كل قليل وكثير، تافها كَانَ أو غير تافه، نُقل ذلك عن أهل الظاهر، والخوارج، ونُقل عن الحسن البصريّ، وبه قَالَ أبو عبد الرحمن ابن بنت الشافعيّ.
[الثاني]: وهو مقابل هَذَا القول فِي الشذوذ: ما نقله عياض، ومن تبعه، عن إبراهيم النخعي: أن القطع لا يجب إلا فِي أربعين درهمًا، أو أربعة دنانير.
[الثالث]: مثل الأول، إلا إن كَانَ المسروق شيئا تافها؛ لحديث عروة: "لم يكن القطع فِي شيء منْ التافه"، ولأن عثمان قطع فِي فَخارة خسيسة، وَقَالَ: "لمن يسرق السياط: لأن عدتم لأقطعن فيه"، وقطع ابن الزبير فِي نعلين، أخرجهما ابن أبي شيبة.
وعن عمر بن عبد العزيز: أنه قطع فِي مُدّ، أو مدين.
[الرابع]: تُقطع فِي درهم فصاعدا، وهو قول عثمان الْبَتِّيّ -بفتح الموحدة، وتشديد المثناة- منْ فقهاء البصرة، وربيعة منْ فقهاء المدينة، ونسبة القرطبيّ إلى عثمان، فأطلق ظنا منه أنه الخليفة، وليس كذلك.
[الخامس]: فِي درهمين، وهو قول الحسن البصريّ، جزم به ابن المنذر عنه.
[السادس]: فيما زاد عَلَى درهمين، ولو لم يبلغ الثلاثة، أخرجه ابن أبي شيبة بسند قوي، عن أنس: أن أبا بكر ﵁ قطع فِي شيء ما يساوي درهمين، وفي لفظ: لا يساوي ثلاثة دراهم.
[السابع]: فِي ثلاثة دراهم، ويُقَوَّم ما عداها بها، ولو كَانَ ذهبا، وهي رواية عن أحمد، وحكاه الخطّابيّ عن مالك.
[الثامن]: مثله، لكن إن كَانَ المسروق ذهبا، فنصابه ربع دينار، وإن كَانَ غيرهما، فإن بلغت قيمته ثلاثة دراهم قطع به، وان لم تبلغ لم يقطع، ولو كَانَ نصف دينار، وهذا
стр. 17677
قول مالك، عند أتباعه، وهي رواية عن أحمد، واحتُجَّ له بما أخرجه أحمد، منْ طريق محمد بن راشد، عن يحيى بن يحيى الغساني، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة، مرفوعا: "اقطعوا فِي ربع دينار، ولا تقطعوا فِي أدنى منْ ذلك، قالت: وكان ربع دينار، قيمته يومئذ ثلاثة دراهم"، والمرفوع منْ هذه الرواية نص، فِي أن المعتمد والمعتبر فِي ذلك الذهب، والموقوف منه يقتضي أن الذهب يُقَوَّم بالفضة، وهذا يمكن تأويله، فلا يرتفع به النص الصريح.
[التاسع]: مثله إلا إن كَانَ المسروق غيرهما قطع به، إذا بلغت قيمته أحدهما، وهو المشهور عن أحمد، ورواية عن إسحاق.
[العاشر]: مثله، لكن لا يكتفي بأحدهما، إلا إذا كانا غالبين، فإن كَانَ أحدهما غالبا، فهو المعول عليه، وهو قول جماعة منْ المالكية. وهو [الحادى عشر].
[الثانى عشر]: ربع دينار، أو ما يبلغ قيمته، منْ فضة، أو عرض، وهو مذهب الشافعيّ، وَقَدْ تقدم تقريره، وهو قول عائشة، وعمرة، وأبي بكر بن حزم، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، والليث، ورواية عن إسحاق، وعن داود، ونقله الخطّابيّ وغيره عن عمر، وعثمان، وعلي، وَقَدْ أخرج ابن المنذر عن عمر بسند منقطع، أنه قَالَ: "إذا أخذ السارق ربع دينار قطع"، ومن طريق عمرة: أُتى عثمان بسارق سرق أتْرُجّة، قُوِّمت بثلاثة دراهم، منْ حساب الدينار باثنى عشر، فقُطع. ومن طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، أن عليا ﵁: "قطع فِي ربع دينار، كانت قيمته درهمين ونصفا".
[الثالث عشر]: أربعة دراهم، نقله عياض عن بعض الصحابة، ونقله ابن المنذر عن أبي هريرة، وأبي سعيد.
[الرابع عشر]: ثلث دينار، حكاه ابن المنذر، عن أبي جعفر الباقر.
[الخامس عشر]: خمسة دراهم، وهو قول ابن شبرمة، وابن أبي ليلى، منْ فقهاء الكوفة، ونُقل عن الحسن البصريّ، وعن سليمان بن يسار، أخرجه النسائيّ، وجاء عن عمر بن الخطاب: "لا تقطع الخمس إلا فِي خمس"، أخرجه ابن المنذر، منْ طريق منصور، عن مجاهد، عن سعيد بن المسيب عنه. وأخرج ابن أبي شيبة، عن أبي هريرة، وأبي سعيد مثله، ونقل أبو زيد الدبوسي، عن مالك، وشذ بذلك.
[السادس عشر]: عشرة دراهم، أو ما بلغ قيمتها، منْ ذهب، أو عرض، وهو قول أبي حنيفة، والثوريّ، وأصحابهما.
[السابع عشر]: دينارٌ، أو ما بلغ قيمته، منْ فضّة، أو عرض، حكاه ابن حزم، عن طائفة، وجزم ابن المنذر بأنه قول النخعي.
стр. 17678
[الثامن عشر]: دينار، أو عشرة دراهم، أو ما يساوي أحدهما، حكاه ابن حزم أيضًا، وأخرجه ابن المنذر عن علي، بسند ضعيف، وعن ابن مسعود بسند منقطع، قَالَ: وبه قَالَ عطاء.
[التاسع عشر]: ربع دينار فصاعدا، منْ الذهب، عَلَى ما دل عليه حديث عائشة، ويُقطع فِي القليل والكثير، منْ الفضة، والعروض، وهو قول ابن حزم، ونقل ابن عبد البرّ نحوه عن داود، واحتَجَّ بأن التحديد فِي الذهب ثبت صريحا، فِي حديث عائشة، ولم يثبت التحديد صريحا فِي غيره، فبقي عموم الآية عَلَى حاله، فيقطع فيما قل أو كثر، إلا إذا كَانَ الشيء تافها، وهو موافق للشافعي، إلا فِي قياس أحد النقدين عَلَى الآخر، وَقَدْ أيده الشافعيّ بأن الصرف يومئذ، كَانَ موافقا لذلك، واستَدَلَّ بأن الدية عَلَى أهل الذهبْ ألف دينار، وعلى أهل الفضة اثنى عشر ألف دينار، وتقدم فِي قصة الأترجة قريبا ما يؤيده، ويخرج منْ تفصيل جماعة منْ المالكية، أن التقويم يكون بغالب نقد البلد، إن ذهبا فبالذهب، وإن فضة فبالفضة، تمام العشرين مذهبا.
وَقَدْ ثبت فِي حديث ابن عمر، أنه ﷺ ، قطع فِي مجن قيمته ثلاثة دراهم، وثبت: "لا قطع فِي أقل منْ ثمن المجن"، وأقل ما ورد فِي ثمن المجن ثلاثة دراهم، وهي موافقة للنص الصريح فِي القطع، فِي ربع دينار، وإنما ترك القول بأن الثلاثة دراهم نصاب، يُقطع فيه مطلقا؛ لأن قيمة الفضة بالذهب تختلف، فبقي الاعتبار بالذهب، كما تقدم، والله أعلم. انتهى ما فِي "الفتح" ١٤/ ٦١ - ٦٣.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الأرجح هو ما ذهب إليه أحمد، وإسحاق، منْ أنه إذا كَانَ المسروق ذهبًا، فالنصاب ربع دينار، وإن كَانَ فضّةً، فالنصاب ثلاثة دراهم، وإن كَانَ غيرهما، يُقطع إذا بلغت قيمته أحدهما، فإن هَذَا القول هو الموافق للحديث المتّفق عليه: "تُقطع اليد فِي ربع دينا"، وحديث: "قطع رسول الله ﷺ فِي مجنّ قيمته ثلاثة دراهم"، فالحديث الثاني يدلّ عَلَى أن غير الذهب والفضّة يقوّم بهما. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٩١٠ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَطَعَ فِي مِجَنٍّ، ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وَقَدْ تقدّموا غير مرّة. والسند منْ رباعيّات المصنّف، وهو (٢٣٧) منْ رباعيات الكتاب، وهو أعلى الأسانيد له، وَقَدْ تقدّم غير مرّة، وهو أصح الأسانيد عَلَى الإطلاق، فيما نُقل عن الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى: "مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما".
стр. 17679
وقوله: "فِي مجنّ" بكسر الميم، وفتح الجيم، وتشديد النون: جمعه مَجَانَّ بالفتح، كدوابّ، وهو الترس، مِفعل منْ الاجتنان، والاستتار، والاختفاء، وما يقارب ذلك، ومنه الْمِجَنّ، وكسرت ميمه؛ لأنه آلة فِي الاجتنان، كأن صاحبه يستتر به عمّا يُحاذره. والحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ مضى شرحه، وبيان مسائله فِي الْحَدِيث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٩١١ - (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَطَعَ يَدَ سَارِقٍ، سَرَقَ تُرْسًا، مِنْ صُفَّةِ النِّسَاءِ، ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه يوسف بن سعيد بن مسلم الْمِصّيصيّ، فإنه منْ منْ أفراده، وهو ثقة حافظٌ [١١] ١٣١/ ١٩٨. و"حجّاج": هو ابن محمد الأعور المصّيصيّ الثقة الحافظ [٩] و"إسماعيل ابن أميّة" تقدّم قبل باب.
وقوله: "سرق": منْ باب ضرب.
قول: "ترسًا" -بضمّ المثنّاة الفوقانيّة، وسكون الراء-: قَالَ فِي "اللسان": التُّرْس منْ السلاح: المتوقّى بها، معروفٌ، وجمعه أَتراسٌ، وتِراسٌ، وتِرَسَةٌ، وتُرُوسٌ، قَالَ الشاعر [منْ الرجز]:
كَأَنَّ شَمْسًا نَازَعَتْ شُمُوسًا … دُرُوعَنَا وَالْبَيْضَ وَالتُّرُوسَا
وَقَالَ فِي "المصباح": التُّرسُ: معروفٌ، والجمع تِرَسَةٌ، مثالُ عِنَبَةٍ، وتُرُوسٌ، وتِرَاسٌ، مثلُ فُلُوسٍ، وسِهَام، وربّما قيل: أَتْرَاسٌ، قَالَ ابن السِّكِّيت: ولا يُقال: أَتْرِسةٌ، وزانُ أَرْغِفَةٍ، وتترّس بالشيء: جعله كالترس، وتستّر به، وكلُّ شيء تترّست به، فهو مِتْرَسَةٌ له، وقولهم: "مَتَرْسٌ" بفتح الميم، والتاء، وسكون الراء: معناه: لك الأمان، فلا تخف، قيل: فارسيّ، وإذا كَانَ التُّرسُ منْ جلود، ليس فيه خشبٌ، ولا عَقَبٌ، سُمّي حَجَفَةً، ودَرَقَةً. انتهى.
وقوله: "منْ صُفَّة النِّساء" -بضم الصاد المهملة، وتشديد الفاء، جمعها صُفَفٌ، مثلُ غُرْفة وغُرَف-: أي موضع مخصّص بالنساء، ولعلّه أراد موضعًا مخصوصًا بهنّ منْ المسجد النبويّ.
قَالَ فِي "اللسان": وصُفّةُ الدار: واحدة الصُّفَف، قَالَ الليث: الصُّفّة منْ البنيان: شِبْهُ الْبَهْوِ (١) الواسع الطويل السَّمْك، وفي الْحَدِيث ذكرُ أهل الصفّة، قَالَ: هم فقراء
стр. 17680
المهاجرين، ومن لم يكن له منهم منزل يسكنه، وفي الْحَدِيث: مات رجلٌ منْ أهل الصفّة، هو موضعٌ مُظَلَّلٌ منْ المسجد، كَانَ يأوي إليه المساكين، وصُفّة البنيان: طُرَّته. انتهى.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٩١٢ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَيُّوبَ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ، وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَطَعَ فِي مِجَنٍّ، قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن إسماعيل بن إبراهيم": هو المعروف أبوه بابن عُليّة، وهو ثقة حافظ، منْ أفراد المصنّف. و"أبو نُعيم": هو الفضل بن دُكين الحافظ الثبت. و"سفيان": هو الثوريّ. و"أيوب": هو السختيانيّ. و"عُبيد الله": هو ابن عمر العمريّ الثقة الثبت.
[تنبيه]: كون "عبيد الله" هَذَا مصغّرًا هو الذي فِي النسخة "الهنديّة"، وهو الذي فِي "تحفة الأشراف" ٦/ ٥٧ - ٥٨ وهو الصواب، ووقع فِي النسخ المطبوعة منْ "المجتبى"، و"الكبرى": "عبد الله" مكبرًا، وهو تصحيفٌ، فليُتنبّه. والله تعالى أعلم.
و"موسى بن عُقْبة" هو الأسديّ مولاهم، ثقة فقيه، إمام فِي المغازي [٥] ٩٦/ ١٢٢.
والحديث متّفق عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٩١٣ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ"، قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا خَطَأٌ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"عبد الله بن الصبّاح": هو الهاشميّ العطّار البصريّ، ثقة، منْ كبار [١٠] ٤٩/ ١٧٣٩. و"أبو علي الحنفيّ": هو عبيد الله بن عبد المجيد البصريّ، صدوقٌ، لم يثبت أن ابن معين ضعّفه [٩] ١٥١/ ١١١٨.
و"هشام": هو الدستوائيّ.
والحديث تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى، فأخرجه هنا -٨/ ٤٩١٣ و٤٩١٤ - وفي "الكبرى" ١٣/ ٧٣٩٨ و٧٣٩٩. وَقَدْ حكم المصنّف رحمه الله تعالى عليه بأنه خطأ،