← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 17711–17750 · переход к 17716.

стр. 17711

صحيح الإسناد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٩٥٢ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، كَانَ يَقُولُ: ثَمَنُهُ يَوْمَئِذٍ عَشْرَةُ دَرَاهِمَ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عُبيد الله بن سعد": هو الزهريّ البغداديّ. و"عمه": هو يعقوب بن إبراهيم الزهريّ البغداديّ. و"أبوه": هو إبراهيم بن سعد الزهريّ المدنيّ، نزيل بغداد. و"ابن إسحاق": هو محمد، إمام المغازي. والحديث موقوفٌ صحيح الإسناد، لكنّه شاذّ؛ لمخالفته الأحاديث الصحيحة المرفوعة المتقدّمة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٩٥٣ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى الْبَلْخِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ، كَانَ ثَمَنُ الْمِجَنِّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يُقَوَّمُ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ). "يحيى بن موسى البَلْخيّ": هو الملقّب بخَتّ، كوفيّ الأصل، ثقة [١٠] ١٤٦/ ٢٣٦. و"ابن نُمير": هو عبد الله الهمدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقة، صاحب حديث، منْ أهل السنّة، فِي كبار [٩] ٢٥/ ١٦٦٤. و"أيوب بن موسى": هو الأمويّ، أبو موسى المكيّ، ثقة [٦] ١٥٠/ ٢٤١. والحديث صحيح الإسناد، لكنه شاذّ؛ لما تقدّم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٩٥٤ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَطَاءٍ، مُرْسَلٌ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن موهب": هو أبو مُعافى الْحَرّانيّ، صدوقٌ [١٠] ١٩١/ ٣٠٦ منْ أفراد المصنّف. و"محمد بن سَلَمة": هو الحرّانيّ الثقة [٩]. وقوله: "مرسل": يعني أن عطاء قَالَ: كَانَ ثمن المجنّ عَلَى عهد رسول الله ﷺ يُقوّم عشرة دراهم، ولم يذكر ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما. والحكم عَلَى الْحَدِيث سبق فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٩٥٥ - (أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ سُفْيَانَ -وَهُوَ ابْنُ حَبِيبٍ- عَنِ الْعَرْزَمِيِّ -

стр. 17712

وَهُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ- عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: أَدْنَى مَا يُقْطَعُ فِيهِ ثَمَنُ الْمِجَنِّ، قَالَ: وَثَمَنُ الْمِجَنِّ يَوْمَئِذٍ عَشْرَةُ دَرَاهِمَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَأَيْمَنُ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لِحَدِيثِهِ مَا أَحْسَبُ أَنَّ لَهُ صُحْبَةً، وَقَدْ رُوِىَ عَنْهُ حَدِيثٌ آخَرُ يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "حميد بن مسعدة": هو الساميّ الباهليّ البصريّ، صدوقٌ [١٠] ٥/ ٥. و"سفيان بن حبيب": هو البصريّ البزّاز، ثقة [٩] ٦٧/ ٨٢. و"عبد الملك بن أبي سُليمان ميسرة الْعَرْزميّ الكوفيّ، صدوقٌ، له أوهام [٥] ٧/ ٤٠٦. والحديث مقطوعٌ، مخالف للإحاديث المرفوعة الصحيحة، فلا يُلتفت إليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وقوله: (قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي النسائيّ (وَأَيْمَنُ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لِحَدِيثِهِ مَا أَحْسَبُ) بفتح المهملة، وكسرها: أي ما أظن (أَنَّ لَهُ صُحْبَةً) وقوله: (وَقَدْ رُوِيَ) بالبناء للمفعول (عَنْهُ حَدِيثٌ آخَرُ، يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ) تعليلٌ لقوله: "ما أحسب الخ"، والمعنى: أن الدليل عَلَى ظنّي عدمَ الصحبة له كونه رُوي عنه حديث عن كعب الأحبار، بواسطة تُبيع، يعني منْ يروي بواسطة، عن كعب، وهو تابعيّ، بعيدٌ أن يكون صحابيّا، ثم ذكر الأثر الذي أشار إليه فَقَالَ: ٤٩٥٦ - (حَدَّثَنَا سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَوَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ ح وَأَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلاَّمٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْحَاقُ -هُوَ الأَزْرَقُ- قَالَ: حَدَّثَنَا بِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَيْمَنَ، مَوْلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَقَالَ خَالِدٌ فِي حَدِيثِهِ: مَوْلَى الزُّبَيْرِ، عَنْ تُبَيْعٍ، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: "مَنْ تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ صَلَّى" -وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ-: "فَصَلَّى الْعِشَاءَ الآخِرَةَ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَأَتَمَّ" -وَقَالَ سَوَّارٌ-: "يُتِمُّ رُكُوعَهُنَّ وَسُجُودَهُنَّ، وَيَعْلَمُ مَا يَقْتَرِىءُ" -وَقَالَ سَوَّارٌ-: "يَقْرَأُ فِيهِنَّ، كُنَّ لَهُ بِمَنْزِلَةِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "سوّار بن عبد الله بن سوّار" -بتشديد الواو-: هو أبو عبد الله بن قُدامة التميميّ العنبريّ البصريّ، قاضي الرُّصّافة، وغيرِها، ثقة [١٠] ١٦٠/ ١١٢٩. و"خالد بن الحارث": هو الْهُجيميّ البصريّ الثقة الثبت [٨]. و"عبد الرحمن بن محمّد بن سلّام" -بتشديد اللام-: هو أبو القاسم البغداديّ، ثم الطرسوسيّ، لا بأس به [١١] ١٧٢/ ١١٤١. و"إسحاق الأزرق": هو ابن يوسف المخزوميّ الواسطيّ، ثقة [٩] ٢٢/ ٤٨٩. و"عبد الملك": هو العرْزميّ المذكور فِي السند الماضي. و"عطاء": هو ابن أبي رباح.

стр. 17713

و"تُبَيعٌ" -بمثنّاة، ثم موحّدة، مصغّرًا- ابن عامر الْحِمْيريّ، ابن امرأة كعب، يُكنى أبا عُبيدة، ويقال: أبو عبيد، وقيل: غير ذلك، صدوقٌ، عالم بالكتب القديمة، مخضرمٌ [٢]. رَوَى عن كعب، وأبي الدرداء. ورَوَى عنه أيمن غير منسوب، وحسين بن شُفَيّ، وعطاء، ومجاهد، ومعاذ بن عبد الله بن خُبيب، وجماعة. قَالَ البخاريّ: رَوَى عنه عدة منْ أهل الأمصار. وَقَالَ أحمد بن محمد بن عيسى فِي "تاريخ الحمصيين"، فِي الطبقة العليا التي تلي الصحابة: كَانَ رجلاً مُرَجَّلاً، كَانَ دليلاً للنبي ﷺ ، فعَرَض عليه الإسلام، فلم يسلم حَتَّى تُوفي النبيّ ﷺ ، وأسلم مع أبي بكر، وَقَدْ كَانَ يَقُصّ عند أصحاب رسول الله ﷺ . وَقَالَ ابن سعد فِي الطبقة الثانية منْ تابعيّ أهل الشام: تُبيع ابن امرأة كعب، وكان عالما، قد قرأ الكتب، وسمع منْ كعب علما كثيرًا، وَقَالَ حسين بن شُفَيّ: كنت جالسا عند عبد الله بن عمرو، فأقبل تُبيع، فَقَالَ عبد الله: أتاكم أعرف مَن عليها، فذكر حديثا. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ ابن يونس: تبيع بن عامر الْكَلَاعِيّ منْ أَلْهَانَ، يكنى أبا غُطَيف ناقلة منْ حمص، توفي بالإسكندرية سنة (١٠١) قَالَ الحافظ: يغلب عَلَى ظني أن هَذَا الذي ذكره ابن يونس غير ابن امرأة كعب. انتهى. رَوَى له المصنّف هَذَا الأثر فقط. و"كعب": هو كعب بن ماتع الْحميريّ، أبو إسحاق المعروف بكعب الأحبار، ثقة مخضرم [٢] ٨٩/ ١٣٤٦. وقوله: "وَقَالَ عبد الرحمن" يعني شيخه الثانيّ. وهذا الأثر منْ أفراد المصنّف، وهو موقوف عَلَى كعب الأحبار، ويسمّى مقطوعًا، وليس له حكم الرفع؛ لأنه وإن لم يكن مما يقال بالرأي، لكن كعبًا معروف بالإسرائيليات، فالظاهر أنه منْ إسرائليّاته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٩٥٧ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَيْمَنَ، مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، عَنْ تُبَيْعٍ، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: "مَنْ تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ شَهِدَ صَلَاةَ الْعَتَمَةِ فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ صَلَّى إِلَيْهَا أَرْبَعًا مِثْلَهَا، يَقْرَأُ فِيهَا، وَيُتِمُّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا، كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عبد الحميد بن محمد": هو أبو عمر الْحَرّانيّ الثقة [١١] ٢٢/ ٩٣٢ منْ أفراد المصنّف. و"مخلد": هو ابن يزيد القرشيّ الحرّانيّ، صدوقٌ، له أوهام، منْ كبار [٩] ١٤١/ ٢٢٢.

стр. 17714

وقوله: "مولى ابن عمر" محلّ نظر. والأثر سبق الكلام فيه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٩٥٨ - (أَخْبَرَنَا خَلاَّدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: كَانَ ثَمَنُ الْمِجَنِّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، عَشْرَةَ دَرَاهِمَ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "خلّاد بن أسلم" الصّفّار، أبو بكر البغداديّ، مروزيّ الأصل، ثقة [١٠]. رَوَى عن عبد العزيز الدراوردي، ومحمد بن مصعب الْقُرْقُسَائي، وهشيم، وابن عيينة، والنضر بن شميل، وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رَوّاد، وغيرهم. وعنه الترمذيّ، والنسائي، وموسى بن هارون، وعبد الله بن أحمد، وابن ناجية، والبغوي، وابن صاعد، والمحاملي، وغيرهم. قَالَ النسائيّ: كتبنا عنه، ثقة. وَقَالَ الدارقطنيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ البغوي: مات بسَامَرّا، سنة (٢٤٩) فِي جمادى الآخرة. وكذا أرخه ابن حبّان، والقَرّاب، وأرخه ابن قانع سنة (٤٨). وَقَالَ مسلمة بن قاسم: ثقة، حدثنا عنه المحاملي، قَالَ: وَقَدْ قَالَ بعضهم تُوفي قبل الخمسين، أو عام الخمسين. روى عنه المصنّف، والترمذيّ، وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط. و"عبد الله بن إدريس": هو الأوديّ الكوفيّ الثقة [٨]. والحديث منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، وهو ضعيفٌ؛ لمخالفته الأحاديث الصحيحة السابقة أن ثمن المجنّ كَانَ ثلاثة دراهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١١ - (الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ يُسْرَقُ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "يُسرق" بالبناء للمجهول، والجملة فِي محلّ نصب عَلَى الحال، ويحتمل أن تكون صفة للثمر؛ لأن المعرّف بـ"أل" الجنسيّة بمنزلة النكرة، كما تقدّم غير مرّة. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٩٥٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الأَخْنَسِ، عَنْ عَمْرِو

стр. 17715

بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فِي كَمْ تُقْطَعُ الْيَدُ؟ قَالَ: "لَا تُقْطَعُ الْيَدُ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ، فَإِذَا ضَمَّهُ الْجَرِينُ، قُطِعَتْ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ، وَلَا تُقْطَعُ فِي حَرِيسَةِ الْجَبَلِ، فَإِذَا آوَى الْمُرَاحَ، قُطِعَتْ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أبو عوانة": هو الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ. و"عُبيد الله بن الأخنس": هو النخعيّ، أبو مالك الْخزّاز، صدوقٌ، كَانَ يخطىء كثيرًا [٧] ٣٢/ ١٦٨٦. [تنبيه]: وقع فِي نسخ "المجتبى": "عبد الله بن الأخنس"، مكبّرًا، وهو تصحيفٌ، والصواب "عُبيد الله" مصغّرًا، كما فِي "الكبرى" ٤/ ٣٤٣ - وهو الذي فِي "تحفة الأشراف" ٦/ ٣٢٦ - ٣٢٧ فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: "معلّق": أي بالأشجار. وقوله: "الجَرِين" -بوزن الأمير: موضع يُجمع فيه التمر، ويُجفّف. وقوله: "فِي حريسة الجبل": قَالَ فِي "النهاية" ١/ ٣٦٧ - : أي ليس فيما يُحرس بالجبل، إذا سُرق قطع؛ لأنه ليس بحرز، و"الْحَرِيسة": فَعلية بمعنى مفعولة: أي أنها لها منْ يحرُسها، ويحفظها، ومنهم منْ يجعل الْحَرِيسة السرقة نفسَها، يقال: حَرَس يحرُس حرْسًا، منْ باب ضرب: إذا سرق، فهو حارسٌ، ومُحترسٌ: أي ليس فيما يُسرق منْ الجبل قطع. قَالَ: ويقال للشاة التي يُدركها الليل قبل أن تَصِل إلى مُراحها: حَرِيسةٌ، وفلانٌ يأكل الحرسات: إذا سرق أغنام النَّاس، وأكلها، والاحتراس: أن يَسرِق الشيء منْ الْمَرْعَى. قاله شَمِر. انتهى. وَقَالَ الفيّوميّ: وحَريسة الجبل: الشاة التي يُدركها الليل قبل رجوعها إلى مأواها، فتُسرَق منْ الجبل، قَالَ ابن فارس: وفي حَرِيسة الجبل تفسيران: فبعضهم يجعلها السرقة نفسها، فيقال: حَرَسَ حَرْسًا، منْ باب ضرب: إذا سرق، وبعضهم يجعل الْحَريسة، بمعنى المحروسة، ويقول: ليس فيما يُحرس بالجبل قطعٌ؛ لأنه ليس بموضع حرزٍ. قَالَ الفارابيّ: واحترس: أي سرَقَ منْ الجبل. وَقَالَ ابن السّكّيت أيضًا: الْحَرِيسة: السرقة ليلاً. ومن جعل حَرَسَ بمعنى سَرَقَ، قَالَ: الفعل منْ الأضداد. واحترستُ منه: تحفّظتُ، وتحرّست مثله. انتهى. وقوله: "آوى الْمراح" فعل وفاعل، ومفعوله محذوف أي آواه المراحُ، وهو -بضم الميم، ويجوز فتحها: أي المحلّ الذي تأوي إليه، وتبيت فيه، قَالَ الفيّوميّ رحمه الله تعالى: الْمُراح بضم الميم: حيث تأوي الماشية بالليل، والْمُناخُ، والْمَأْوَى مثلُهُ، وفيح الميم بهذا المعنى خطأ؛ لأنه اسم مكان، واسم المكان، والزمان، والمصدر منْ أفعل

стр. 17716

بالألف، مُفْعَلٌ، بضم الميم، عَلَى صيغة اسم المفعول، وأما الْمَرَاح بالفتح، فاسم الموضع، منْ راحت بغير ألف، واسم المكان منْ الثلاثيّ بالفتح، والْمَرَاحُ بالفتح أيضًا: الموضع الذي يروح القوم منه، أو يرجعون إليه. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: فتبيّن منْ كلام الفيّوميّ رحمه الله تعالى المذكور أنه يجوز ضم الميم فِي الْحَدِيث هنا، عَلَى أنه اسم مكان منْ أراح الراعي الماشيةَ: إذا رجعها منْ الْمَرْعَى، وفتحها، عَلَى أنه اسم مكان منْ راحت الماشية: إذا رجعت هي منْ الْمَرْعَى. والله تعالى أعلم. وسيأتي تمام شرح الْحَدِيث، وبيان مسائله فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ١٢ - (الثَّمَرِ يُسْرَقُ بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "يُسْرَق" بالبناء للمفعول، وقوله: "يؤويه" بضم أوله مضارع آواه بالمد. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٩٦٠ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ؟، فَقَالَ: "مَا أَصَابَ مِنْ ذِي حَاجَةٍ، غَيْرِ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ، فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ، وَالْعُقُوبَةُ، وَمَنْ سَرَقَ شَيْئًا مِنْهُ، بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ، فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ، وَمَنْ سَرَقَ دُونَ ذَلِكَ، فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ، وَالْعُقُوبَةُ"). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء الغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (الليث) بن سعد الفهميّ، أبو الحارث المصريّ الإمام الحجة الفقيه الثبت [٧] ٣١/ ٣٥. ٣ - (ابن عجلان) هو محمد مولى فاطمة بنت الوليد المدنيّ، صدوقٌ [٥] ٣٦/ ٤٠.

стр. 17717

٤ - (عمرو بن شعيب) بن محمد المدنيّ، أو الطائفيّ، صدوقٌ [٥] ١٠٥/ ١٤٠. ٥ - (أبوه) شُعيب بن محمد بن عبد الله الطائفيّ، صدوقٌ [٣] ١٠٥/ ١٤٠. ٦ - (جدّه) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما ٨٩/ ١١١. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن أبيه، عن جدّه، وتابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بن العاص رضي الله تعالى عنهما (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ) بفتح الثاء المثلّثة، والميم: هو اسم جامع للرطب، واليابس، منْ التمر، والعنب، وغيرهما. وَقَالَ الفيّوميّ رحمه الله تعالى: الثمر -بفتحتين، والثمرة مثلُهُ، فالأول مذكّرٌ، ويُجمع عَلَى ثِمار، مثلُ جبل وجِبال، ثم يُجمع الثمار عَلَى ثُمُر، مثلُ كتاب وكُتُب، ثم يُجمع عَلَى أَثمارٍ، مثلُ عُنُق وأَعناق، والثاني مؤنّثٌ، والجمع ثَمَرَات، مثلُ قصَبَة وقَصَبَات، والثمر: هو الْحَمْلُ الذي تُخرجه الشجرة، سواءٌ أُكل، أو لا، فيقال: ثَمَرُ الأراك، وثمر الْعَوْسَجِ، وثمرُ الدَّوْم، وهو الْمُقْلُ، كما يقال: ثمر النخل، وثمر العنب. قَالَ الأزهريّ: وأثمر الشجر: أطلع ثمره أولَ ما يُخرجه، فهو مُثمِرٌ، ومن هنا قيل لما لا نفع فيه: ليس له ثمرة. انتهى (الْمُعَلَّقِ) اسم مفعول منْ التعليق: أي المتدلّي منْ الشجر. (فَقَالَ) ﷺ (مَا أَصَابَ) "ما" اسم موصول، عبارة عن الثمر، والعائد محذوف: أي الذي أصابه، وفي رواية الترمذيّ: "منْ أصاب" (مِنْ ذِي حَاجَةٍ) "منْ" زائدة، و"ذي" فاعل "أصاب"، مرفوع بضمّة مقدّرة منع منْ ظهورها دخول الحرف الزائد. قَالَ السنديّ: حملوه عَلَى حالة الاضطرار، أي فقالوا: إنما أُبيح للمضطرّ. انتهى. وسيأتي اختلاف العلماء فيه فِي المسائل، إن شاء الله تعالى. (غَيْرَ مُتَّخِذٍ) بنصب "غير" عَلَى الحال: أي حال كونه غير متخذ (خُبْنَةً) بضم الخاء المعجمة، وسكون الباء الموحّدة، ونون- قَالَ الخطّابيّ: الخُبْنة: ما يأخذه الرجل فِي ثوبه، فيرفعه إلى فوقُ، ويقال للرجل إذا رفع ذيله فِي المشي: قد رفع خُبْنته. انتهى. وَقَالَ فِي "النهاية" ٢/ ٩ - : الْخُبْنة: مِعْطف الإزار، وطرف الثوب: أي لا يأخذ منه فِي ثوبه، يقال: أخبن الرجل: إذا خبأ شيئًا فِي خُبْنة ثوبه، أو سراويله. انتهى. (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أي عَلَى المصيب، ولابدّ منْ تقدير "فيه": أي فِي ذلك الثمر. قاله السنديّ.

стр. 17718

والمعنى: أنه لا يجب عَلَى ذلك المصيب منْ ذلك الثمر بسببه شيء منْ الغرامات، والعقوبات، وكذلك لا إثم عليه؛ لإباحة الشارع له ذلك القدر، عَلَى خلاف فِي كيفية الإباحة، سيأتي بيانه قريبًا، إن شاء الله تعالى. (وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ) الباء للتعدية (مِنْهُ) أي منْ الثمر المعلق (فَعَلَيْهِ غرَامَةُ مِثْلَيْهِ) بالتثنية، وَقَدْ جاء بالإفراد فِي بعض نسخ "سنن أبي داود"، قَالَ السنديّ: وهو أظهر، وأمثل بقواعد الشرع، والتثنية منْ باب التعزير بالمال (وَالعُقُوبَةُ) بالرفع عطفًا عَلَى "غرامةُ": أي التعزير، وَقَدْ فَسّرها فِي الرواية التالية بأنها جَلَدَات نَكَال (وَمَنْ سَرَقَ شَيْئًا مِنْهُ) أي منْ الثمر (بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ) بضم أوله، منْ الإيواء، وهو الضمّ (الْجَرينُ) بفتح الجيم، وكسر الراء: موضعٌ يُجمع فيه التمر، للتجفيف، وهو له كالبيدر (١) للحنطة، ويُجمع عَلَى جُرُن -بضمتين- كذا فِي "النهاية" (فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ) قد تقدّم أن الصحيح أنه ربع دينار، وهو ثلاثة دراهم (فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ) أي قطع يده؛ لسرقته نصابًا منْ الحرز (وَمَنْ سَرَقَ دُونَ ذَلِكَ) أي أقل منْ ثمن المجنّ (فَعَلَيْهِ غرَامَةُ مِثْلَيْهِ) بالتثنية (وَالْعُقُوبَةُ) أي البدنيّة، وهي أن يُضرب عدة جلَدَات. قَالَ أبو داود رحمه الله تعالى بعد ذكر الْحَدِيث: ما نصّه: الجرين: الْجُوخَانُ. انتهى. وَقَالَ الجوهريّ: الْجُوخان: الجرين بلغة أهل البصرة. انتهى. قَالَ الطيبيّ رحمه الله تعالى: [فإن قلت]: كيف طابق هَذَا جوابًا عن سؤاله عن التمر المعلّق، فإنه سُئل هل يُقطع فِي سرقة التمر المعلّق، وكان ظاهر الجواب أن يقال: لا، فلم أطنب ذلك الإطناب؟. [قلت]: ليُجيب عنه مُعلْلاً، كأنه قيل: لا يُقطع؛ لأنه لم يسرق منْ الحرز، وهو أن يؤويه الجرين. ذكره القاري. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث عبد الله بن عمرو رحمه الله تعالى هَذَا صحيح. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٢/ ٤٩٦٠ و٤٩٦١ - وفي الباب الماضي ١١/ ٤٩٥٩ - وفي "الكبرى" ١٩/ ٧٤٤٥ و٢٠/ ٧٤٤٦ و٢١/ ٧٤٤٧. وأخرجه (د) فِي "اللقطة" ١٧١٠ و"الحدود"

стр. 17719

٤٣٩٠ (ت) فِي "البيوع" ١٢٨٩. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم سرقة الثمر بعد أن يؤويه الجرين، وهو القطع، إذا بلغ نصابًا، وإلا غرامة مثليه، والعقوبة. (ومنها): أن فيه جواز أخذ المحتاج منْ الثمار المعلّقة بفيه لسدّ فاقته. (ومنها): أنه يحرم عليه إخراج شيء منه، فإن خرج منه بشيء، فلا يخلو منْ أن يكون قبل أن يُجذّ، وُيؤيه الجرين، أو بعده، فإن كَانَ قبل الجذّ، فعليه الغرامة، والعقوبة، وإن كَانَ بعد القطع، وإيواء الجرين، فعليه القطع، إن بلغ نصابًا، وهو ثمن المجنّ، ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، وإلا فعليه الغرامة، والعقوبة. (ومنها): أنه يؤخذ منه اشتراط الحرز فِي وجوب القطع فِي السرقة؛ لقوله ﷺ : "بعد أن يُؤويه الجَرِين"، وهو مذهب الجمهور، وهو الأرجح، كما تقدّم تحقيقه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي جواز أكل الثمار للمارّة: قَالَ الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه" رقم (٢٤٣٥): "بابٌ لا تُحتلب ماشية أحد بغير إذنه"، ثم أورد بسنده حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ قَالَ: "لا يحلُبنّ أحدٌ مَوَاشِيَ امرىء بغير إذنه، أيُحبّ أحدكم أن تُؤتى مَشرُبته، فتُكسرَ خِزانته، فيُنتقل طعامه؟، فإنم تخزن لهم ضروع ماشيتهم أطعماتهم، فلا يحلُبنّ أحد ماشية أحد إلا بإذنه". انتهى. فَقَالَ فِي "الفتح" ٥/ ١١٣: قَالَ ابن عبد البرّ: فِي الْحَدِيث النهي عن أن يأخذ المسلم للمسلم شيئا إلا بإذنه، وإنما خص اللبن بالذكر؛ لتساهل النَّاس فيه، فنبه به عَلَى ما هو أولى منه، وبهذا أخذ الجمهور، لكن سواء كَانَ بإذن خاصّ، أو إذن عامّ، واستثنى كثير منْ السلف، ما إذا عَلِم بطيب نفس صاحبه، وإن لم يقع منه إذن خاص، ولا عام. وذهب كثير منهم إلى الجواز مطلقا، فِي الأكل، والشرب، سواء علم بطيب نفسه، أو لم يعلم، والحجة لهم ما أخرجه أبو داود، والترمذي، وصححه منْ رواية الحسن، عن سمرة، مرفوعًا: "إذا أتى أحدكم عَلَى ماشية، فإن لم يكن صاحبها فيها، فليُصَوِّت ثلاثا، فإن أجاب فليستأذن، فإن أذن له، وإلا فليحلُب، وليشرب، ولا يحمل"، إسناده صحيح إلى الحسن، فمن صحح سماعه منْ سمرة صححه، ومن لا، أعلّه بالانقطاع، لكن له شواهد، منْ أقواها حديث أبي سعيد ﵁، مرفوعا: "إذا أتيت عَلَى راع، فناده ثلاثا، فإن أجابك، وإلا فاشرب منْ غير اْن تُفسِد، وإذا أتيت عَلَى حائط بستان، فذكر مثله"، أخرجه بن ماجه، والطحاوي، وصححه ابن حبّان، والحاكم.

стр. 17720

وأجيب عنه بأن حديث النهي أصح، فهو أولى بأن يُعمل به، وبأنه معارِضٌ للقواعد القطعية، فِي تحريم مال المسلم، بغير إذنه، فلا يُلتفت إليه. ومنهم منْ جمع بين الحديثين بوجوه منْ الجمع، منها: حمل الإذن عَلَى ما إذا علم طيب نفس صاحبه، والنهي عَلَى ما إذا لم يعلم، ومنها: تخصيص الإذن بابن السبيل، دون غيره، أو بالمضطرّ، أو بحال المجاعة مطلقا، وهي متقاربة. وحكى ابن بطال عن بعض شيوخه: أن حديث الإذن كَانَ فِي زمنه ﷺ ، وحديث النهي أشار به إلى ما سيكون بعده منْ التشاح، وترك المواساة. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الحمل فيه نظرٌ لا يخفى. ومنهم منْ حمل حديث النهي عَلَى ما إذا كَانَ المالك، أحوج منْ المارّ؛ لحديث أبي هريرة ﵁: بينما نحن مع رسول الله ﷺ فِي سفر، إذ رأينا إبلاً، مصرورةً، فثُبْنا إليها، فَقَالَ لنا رسول الله ﷺ : "إن هذه الإبل لأهل بيت منْ المسلمين، هو قوتهم، ويُمنهم بعد الله، أَيَسُرُّكم لو رجعتم إلى مزاودكم، فوجدتم ما فيها قد ذُهِب به، أتُرَون ذلك عدلاً؟ "، قلنا: لا، قَالَ: "فإن هَذَا كذلك"، قلنا: أفرأيتَ إن احتجنا إلى الطعام، والشراب؟، قَالَ: "كل، ولا تحمل، واشرب، ولا تحمل". أخرجه أحمد، وابن ماجه، واللفظ له، وفي حديث أحمد: "فابتدرها القوم ليحلُبُوها"، قالوا فيحمل حديث الإذن عَلَى ما إذا لم يكن المالك محتاجا، وحديث النهي عَلَى ما إذا كَانَ مستغنيا. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن حديث أبي هريرة ﵁ المذكور فِي سنده الحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، وسليط بن عبد الله الطهويّ مجهول. والله تعالى أعلم. ومنهم منْ حمل الإذن عَلَى ما إذا كانت، غير مَصرُورة، والنهي عَلَى ما إذا كانت مصرورة؛ لهذا الْحَدِيث، لكن وقع عند أحمد فِي آخره: "فإن كنتم لابُدّ فاعلين، فاشربوا، ولا تحملوا"، فدلّ عَلَى عموم الإذن فِي المصرورة وغيره، لكن بقيد عدم الحمل، ولابُدّ منه. واختار ابن العربيّ الحمل عَلَى العادة، قَالَ: وكانت عادة أهل الحجاز، والشام، وغيرهم المسامحة فِي ذلك، بخلاف بلدنا، قَالَ: ورأى بعضهم أن مهما (١) كَانَ عَلَى طريق لا يُعدَل إليه، ولا يُقصد جاز للمار الأخذ منه، وفيه إشارة إلى قصر ذلك عَلَى المحتاج، وأشار أبو داود فِي "السنن" إلى قصر ذلك عَلَى المسافر فِي الغزو، وآخرون إلى قصر الإذن عَلَى ما كَانَ لأهل الذمة، والنهي عَلَى ما كَانَ

стр. 17721

للمسلمين، واستؤنس بما شرطه الصحابة عَلَى أهل الذمة منْ ضيافة المسلمين، وصح ذلك عن عمر، وذكر ابن وهب عن مالك فِي المسافر، ينزل بالذمي، قَالَ: لا يأخذ منه شيئا إلا بإذنه، قيل له: فالضيافة التي جُعلت عليهم؟ قَالَ: كانوا يومئذ يخفف عنهم بسببها، وأما الآن فلا. وجنح بعضهم إلى نسخ الإذن، وحملوه عَلَى أنه كَانَ قبل إيجاب الزكاة، قالوا: وكانت الضيافة حينئذ واجبة، ثم نسخ ذلك بفرض الزكاة، قَالَ الطحاوي: وكان ذلك حيق كانت الضيافة واجبة، ثم نسخت، فنسخ ذلك الحكم، وأورد الأحاديث فِي ذلك. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى النسخ هَذَا يحتاج إلى دليل. والله تعالى أعلم. وَقَالَ النوويّ فِي "شرح المهذب": اختلف العلماء، فيمن مر ببستان، أو زرع، أو ماشية، قَالَ الجمهور: لا يجوز أن يأخذ منه شيئا، إلا فِي حال الضرورة، فيأخذ، وَيغرَم عند الشافعيّ، والجمهور. وَقَالَ بعض السلف: لا يلزمه شيء. وَقَالَ أحمد: إذا لم يكن عَلَى البستان حائط، جاز له الأكل منْ الفاكهة الرطبة، فِي أصح الروايتين، ولو لم يحتج لذلك، وفي الأخرى إذا احتاج، ولا ضمان عليه فِي الحالين، وعَلَّق الشافعيّ القول بذلك عَلَى صحة الْحَدِيث، قَالَ البيهقي: يعني حديث ابن عمر مرفوعا: "إذا مر أحدكم بحائط، فليأكل، ولا يتخذ خبيئة"، أخرجه الترمذيّ، واستغربه، قَالَ البيهقي: لم يصح، وجاء منْ أوجه أخر غير قوية. قَالَ الحافظ: والحق أن مجموعها لا يقصر عن درجة الصحيح، وَقَدْ احتجوا فِي كثير منْ الأحكام بما هو دونها، وَقَدْ بينت ذلك فِي كتابي "المنحة فيما علق الشافعيّ القول به عَلَى الصحة". انتهى "فتح" ٥/ ٣٧٦ - ٥٧٧. "كتاب اللقطة" رقم ٢٤٣٥. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأرجح القول بجواز الأكل بغير ضمان، مطلقًا، سواء أذن صاحبه، أم لا؛ لصحّة الأحاديث بذلك، كما حقّقه الحافظ رحمه الله تعالى فِي كلامه المذكور آنفًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): فِي اختلاف أهل العلم فِي تضمين منْ سرق منْ الثمر المعلّق مثليه: ذهب الإمامان: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه رحمهما الله تعالى إلى أن منْ سرق منْ الثمر المعلق، فعليه غرامة مثليه؛ لحديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما المذكور فِي الباب، قَالَ أحمد رحمه الله تعالى: لا أعلم سببا يدفعه. وذهب أكثر الفقهاء إلى أنه لا يجب فيه أكثر منْ مثله، قَالَ ابن عبد البرّ: لا أعلم أحدا منْ

стр. 17722

الفقهاء قَالَ بوجوب غرامة مثليه، قَالَ الموفق: واعتذر بعض أصحاب الشافعيّ عن هَذَا الخبر، بأنه كَانَ حين كانت العقوبة فِي الأموال، ثم نسخ ذلك. قَالَ: ولنا قول النبيّ ﷺ ، وهو حجة، لا تجوز مخالفته، إلا بمعارضة مثله، أو أقوى منه، وهذا الذي اعتذر به هَذَا القائل، دعوى للنسخ بالاحتمال، منْ غير دليل عليه، وهو فاسد بالإجماع، ثم هو فاسد منْ وجه آخر؛ لقوله: "ومن سرق منه شيئا بعد أن يُؤيه الجرين، فبلغ ثمن المجن فعليه القطع"، فقد بَيَّن وجوب القطع، مع إيجاب غرامة مثليه، وهذا يبطل ما قاله، وَقَدْ احتج أحمد بأن عمر أغرم حاطب بن أبي بَلْتَعَة حين انتحر غلمانه ناقة رجل منْ مزينة، مثلي قيمتها، ورَوَى الأثرم الحديثين فِي "سننه" (١) قَالَ أصحابنا -أي الحنبليّة-: وفي الماشية تُسرق منْ المرعى، منْ غير أن تكون محرزة مثلا قيمتها؛ للحديث، وهو ما جاء فِي سياق حديث عمرو بن شعيب: أن السائل قَالَ: الشاة الْحَرِيسة منهن يا نبي الله؟ قَالَ: "ثمنها ومثله معه، والنَّكَال، وما كَانَ فِي الْمَرَاح ففيه القطع، إذا كَانَ ما يأخذه منْ ذلك ثمن المجن"، هَذَا لفظ رواية ابن ماجه، وما عدا هذين لا يُغَرَّم بأكثر منْ قيمته، أو مثله، إن كَانَ مثليا، هَذَا قول أصحابنا وغيرهم، إلا أبا بكر، فإنه ذهب إلى إيجاب غرامة المسروق، منْ غير حرز، بمثليه؛ قياسا عَلَى الثمر المعلق، وحَرِيسة الجَبَل؛ استدلالا بحديث حاطب. ولنا أن الأصل وجوب غرامة المثلي بمثله، والمتقوم بقيمته، بدليل المتلف، والمغصوب، والمنتهب، والمختلس، وسائر ما تجب غرامته، خولف فِي هذين الموضعين؛ للأثر، ففيما عداه يبقى عَلَى الأصل. انتهى كلام ابن قُدامة رحمه الله تعالى "المغني" ١٢/ ٤٣٨ - ٤٣٩. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي قرر به ابن قُدامة مذهب الحنابلة، منْ تغريم المثلين هو الحقّ، وَقَدْ استوفيت فِي "كتاب الزكاة" فِي "باب عقوبة مانع الزكاة" بيان مذاهب العلماء، وتحقيقها بأدلّتها، وترجيح الراجح منها. وخلاصة ما قلته هناك أن قول الجمهور بعدم مشروعيّة العقوبة بالمال مطلقا حَتَّى فِي المواضع التي صحّت عن النبيّ ﷺ ، مثل حديث الباب، محتجّين بالنصوص العامة المحرّمة لمال المسلم، فغير مقبول؛ لأن حرمة مال المسلم مشروط بقوله ﷺ : "إلا بحقّه"، وما ثبت عنه ﷺ كحديث الباب، فإنه منْ حقّه، فلا تتناوله نصوص التحريم، وكذلك القول بجوز العقوبة به مطلقًا، كما يقول الآخرون، فمما لا يُلتفت إليه؛ لقوّة

стр. 17723

نصوص تحريم مال المسلم إلا بحقّه، فما لم يصحّ عنه ﷺ لا يجوز استعمال القياس فيه؛ لتلك النصوص، فالقياس مع النصّ باطل، وما صحّ عنه استثناؤه، فالعمل به واجب، فتبصّر، ولا تتحيّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٩٦١ - (قَالَ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، وَهِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلاً مِنْ مُزَيْنَةَ، أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَرَى فِي حَرِيسَةِ الْجَبَلِ، فَقَالَ: "هِيَ وَمِثْلُهَا، وَالنَّكَالُ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَاشِيَةِ قَطْعٌ، إِلاَّ فِيمَا آوَاهُ الْمُرَاحُ، فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ، فَفِيهِ قَطْعُ الْيَدِ، وَمَا لَمْ يَبْلُغْ ثَمَنَ الْمِجَنِّ، فَفِيهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ، وَجَلَدَاتُ نَكَالٍ"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَرَى فِي الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ؟ قَالَ: "هُوَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ، وَالنَّكَالُ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ قَطْعٌ، إِلاَّ فِيمَا آوَاهُ الْجَرِينُ، فَمَا أُخِذَ مِنَ الْجَرِينِ، فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ، فَفِيهِ الْقَطْعُ، وَمَا لَمْ يَبْلُغْ ثَمَنَ الْمِجَنِّ، فَفِيهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ، وَجَلَدَاتُ نَكَالٍ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "ابن وهب": هو عبد الله. و"عمرو بن الحارث": هو أبو أيوب المصريّ الثقة الثبت. و"هشام بن سعد" المدنيّ، أبو عبّاد، ويقال: أبو سعد، القرشي مولاهم، صدوقٌ، له أوهام، ورُمي بالتشيّع، منْ كبار [٧]. رَوَى عن زيد بن أسلم، ونافع مولى ابن عمر، وعمرو بن شعيب، وأبي الزبير، وسعيد المقبري، وأبي حازم بن دينار، وغيرهم. وعنه الليث، والثوري، ووكيع، وابن أبي فديك، وابن وهب، وابن مهدي، وأبو عامر العقدي، وغيرهم. قَالَ أبو حاتم، عن أحمد: لم يكن هشام بالحافظ. وَقَالَ عبد الله بن أحمد، عن أبيه: هشام بن سعد كذا وكذا، كَانَ يحيى بن سعيد لا يروي عنه. وَقَالَ أبو طالب، عن أحمد: ليس هو محكم الْحَدِيث. وَقَالَ حرب لم يرضه أحمد. وَقَالَ الدوري عن ابن معين: ضعيف، وداود بن قيس أحب إلي منه. وَقَالَ ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: صالح، وليس بمتروك الْحَدِيث. وَقَالَ معاوية بن صالح، عن ابن معين: ليس بذاك القوي. وَقَالَ ابن أبي مريم، عن ابن معين: ليس بشيء، كَانَ يحيى بن سعيد لا يحدث عنه. وَقَالَ العجليّ: جائز الْحَدِيث، حسن الْحَدِيث. وَقَالَ أبو زرعة: محله الصدق، وهو أحب إلي منْ ابن إسحاق. وَقَالَ أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يحتج به، هو ومحمد بن إسحاق عندي واحد. وَقَالَ الآجري، عن أبي داود: هشام بن سعد أثبت النَّاس فِي زيد ابن أسلم. وَقَالَ النسائيّ: ضعيف، وَقَالَ مرة: ليس بالقوي. ورَوَى ابن عدي

стр. 17724

أحاديث، منها حديثه عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ ، وَقَدْ أفطر فِي رمضان، فَقَالَ له أعتق رقبة … الْحَدِيث، وَقَالَ مرة، عن الزهريّ، عن أنس، قَالَ: والروايتان جميعا خطأ، وإنما رواه الثقات عن الزهريّ، عن حميد، عن أبي هريرة، وهشام خالف فيه النَّاس، وله غير ما ذكرتُ، ومع ضعفه يكتب حديثه. وَقَالَ ابن سعد: كَانَ كثير الْحَدِيث، يُستضعف، وكان متشيعا، وَقَالَ ابن أبي شيبة، عن علي ابن المديني: صالح، وليس بالقوي. وَقَالَ الساجي: صدوقٌ، وذكره ابن الْبَرْقِيّ، فِي "باب منْ نسب إلى الضعف، ممن يكتب حديثه"، قَالَ: وَقَالَ لي ابن معين: ضعيف، حديثه مختلط. وَقَالَ الخليلي: أنكر الحفاظ حديثه فِي الْمُوَاقِعِ فِي رمضان منْ، حديث الزهريّ، عن أبي سلمة، قالوا: وإنما رواه الزهريّ عن حميد، قَالَ: ورواه وكيع عن هشام بن سعد، عن الزهريّ، عن أبي هريرة، منقطعا، قَالَ أبو زرعة الرازي: أراد وكيع الستر عَلَى هشام، بإسقاط أبي سلمة. وذكره يعقوب بن سفيان فِي "الضعفاء"، وَقَالَ الحاكم: أخرج له مسلم فِي الشواهد. قيل: مات فِي أول خلافة المهدي، وقيل: مات سنة ستين ومائة. قَالَ الحافظ: المهدي ولي فِي أواخر سنة تسع وخمسين، فالقولان بمعنى واحد، وفي سنة تسع ذكره ابن قانع. روى له البخاريّ فِي التعاليق، ومسلم، والأربعة، وله عند المصنّف هَذَا الْحَدِيث فقط، وَقَدْ ذكره متابعًا لعمرو بن الحارث الثقة الثبت. وقوله: "هي ومثلها": أي يجب عليه ردّ الحريسة: أي الشاة المسروقة، وردّ مثلها معها، قَالَ فِي "النهاية": هَذَا عَلَى سبيل الوعيد، والتغليظ، لا الوجوب؛ لينتهي فاعله عنه، وإلا فلا واجب عَلَى مُتلف الشيء أكثر منْ مثله. وقيل: كَانَ فِي صدر الإسلام، تقع العقوبات فِي الأموال، ثم نُسخ. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بأنه لمجرد الوعيد، وليس لإيجاب شيء، غير صحيح، وكذا دعوى النسخ، وَقَدْ تقدّم أن الأرجح القول بظاهر الْحَدِيث، فلا تغفُل. وقوله: "والنكال" -بفتح النون، وتخفيف الكاف-: أي العقوبة، قَالَ الفيّوميّ: نَكَل به ينكُلُ، منْ باب قتل نُكْلَة قبيحةً: أصابه بنازلة، ونكل به بالتشديد مبالغةٌ أيضًا، والاسم النَّكَال. انتهى. وقوله: "وجَلَدات نكال": الإضافة بيانيّة، أي أنه يُضرب ضربات، هي عقوبة رادعة له. وعبّر بجلدات، إشارةً إلى أنه لا حدّ لها، لكن لا يُتجاوز بها عشرُ جلدات؛ لما

стр. 17725

أخرجه الشيخان منْ حديث أبي بردة ﵁، قَالَ: كَانَ النبيّ ﷺ يقول: "لا يُجلَد فوق عشر جلدات، إلا فِي حد منْ حدود الله". والحديث صحيحٌ، وَقَدْ سبق الكلام فيه فِي الْحَدِيث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ١٣ - (بَابُ مَا لَا قَطْعَ فِيهِ) ٤٩٦٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ خَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ -يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ الْعَوْصِيَّ- عَنِ الْحَسَنِ -وَهُوَ ابْنُ صَالِحٍ- عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ"). رجال هَذَا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن خالد بن خَليّ) الْكَلاعيّ، أبو الحسين الحمصيّ، صدوقٌ [١١] ٧/ ١٤٦٦ منْ أفراد المصنّف. ٢ - (أبوه) خالد بن خَليّ -بالمعجمة، بوزن عليّ- الْكَلَاعيّ -بفتح الكاف، وتخفيف اللام- أبو القاسم الحمصيّ القاضي، صدوقٌ [١٠]. روى عن بقية، ومحمد بن حرب، وسلمة بن عبد الملك العوصيّ، ومحمد بن حمير السليحيّ، وغيرهم. وعنه البخاريّ، وروى له النسائيّ بواسطة ابنه محمد، وأبو زرعة الدمشقيّ، وغيرهم. قَالَ البخاريّ: صدوقٌ. وَقَالَ النسائيّ: ليس به بأس. وَقَالَ الخليليّ: ثقة. وَقَالَ الدارقطنيّ: ليس له شيء يُنكر. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". روى له البخاريّ، والمصنّف، وله فِي هَذَا الكتاب حديثان فقط: هَذَا، وفي "كتاب الزينة" باب صفة خاتم النبيّ ﷺ حديث أنس ﵁: "كَانَ خاتم رسول الله ﷺ منْ فضّة، وكان فصّه منه". ٣ - (سلمة بن عبد الملك الْعَوْصيّ) -بمهملتين- الكلبيّ الحمصيّ، صدوقٌ، يُخالَف [٩].

стр. 17726

روى عن الحسن، وعليّ ابني صالح، والمعافى بن عمران، وإسرائيل، وعبيد الله ابن عمر، وغيرهم. وعنه ابناه عبد الله، ومحمد، وخالد بن خليّ الكلاعيّ، وأبو عُتبة أحمد بن الفرج الحجازيّ، وغيرهم. ذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ: ربّما أخطأ. تفرّد به به المصنّف بالحديثين المذكورين فِي الترجمة التي قبله. ٤ - (الحسن بن صالح) أخو عليّ بن صالح، تقدّم قبل بابين. ٥ - (يحيى بن سعيد) الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقة ثبت [٥] ٢٢/ ٢٣. ٦ - (القاسم بن محمد بن أبي بكر) الصدّيق التيميّ، المدنيّ الثقة الثبت، أحد الفقهاء السبعة، منْ كبار [٣] ١٢٠/ ١٦٦. ٧ - (رافع بن خَدِيج) بن عديّ الحارثيّ الأوسيّ الأنصاريّ الصحابيّ الشهير، أول مشاهده أُحُدٌ، ثم الخندق، مات ﵁ سنة (٣) أو (٧٤) وقيل: قبل ذلك، تقدّم فِي ١١٢/ ١٥٥. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ) بفتحتين، قَالَ فِي "النهاية" ١/ ٢٢١ - : الثمر الرُّطَب ما دام فِي رأس النخلة، فإذا قُطع فهو الرُّطَب، فإذا كُنِزَ فهو التمر. قَالَ: وواحد الثمر ثمرةٌ، ويقع عَلَى كلّ الثمار، ويغلب عَلَى ثمر النخل. انتهى. وَقَدْ فُسّر الثمر هنا بما كَانَ معلّقًا بالشجر قبل أن يُجذّ، ويُحرز، قَالَ الخطّابيّ: قَالَ الشافعيّ: هو ما عُلّق بالنخل قبل جذّه، وحرزه. انتهى. وَقَدْ تقدّم بيان ذلك، وتفصيله فِي حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما المذكور فِي الباب الماضي. وقيل: المراد به أنه لا قطع فيما يتسارع إليه الفساد، ولو بعد الإحراز (وَلَا كَثَرٍ) بفتح الكاف، والمثلّثة: هو جُمّار النخل، وهو شحمه الذي فِي وسط النخلة. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حدث رافع ﵁ هَذَا اختصره المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه قصّة، وَقَدْ ساقه أبو داود رحمه الله تعالى فِي "سننه" مطوّلاً، فَقَالَ: ٤٣٨٠ - حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبّان، أن عبدا سرق وَدِيًّا منْ حائط رجل، فغرسه فِي حائط سيده، فخرج صاحب الوَدِيّ، يلتمس وديه، فوجده، فاستعدى عَلَى العبد مروان بن الحكم، وهو أمير المدينة يومئذ، فسَجَن مروان العبد، وأراد قطع يده، فانطلق سيد العبد إلى رافع بن خديج، فسأله عن ذلك؟ فأخبره أنه سمع رسول الله ﷺ ، يقول: "لا قطع فِي

стр. 17727

ثمر، ولا كَثَر"، فَقَالَ الرجل: إن مروان أخذ غلامي، وهو يريد قطع يده، وأنا أحب أن تمشي معي إليه، فتخبره بالذي سمعت منْ رسول الله ﷺ ، فمشى معه رافع بن خديج، حَتَّى أتى مروان بن الحكم، فَقَالَ له رافع: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "لا قطع فِي ثمر، ولا كثر"، فأمر مروان بالعبد، فأرسل. زاد فِي رواية أخرى: "فجلده مروان جَلَدات، وخَلَّى سبيله". وَقَدْ بيّن البيهقيّ فِي روايته أن السارق عبد لواسع بن حبّان، ولفظه منْ طريق حماد ابن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حَبّان، أن غلامًا لعمّه واسع بن حبّان سرق وَدِيّا منْ أرض جار له، فغرسه فِي أرضه، فرُفع إلى مروان بن الحكم، فأمر بقطعه، فأتى مولاه رافع بن خديج ﵁ … الْحَدِيث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث رافع بن خديج ﵁ هَذَا صحيح، إلا أن هَذَا الإسناد فيه شذوذ، وذلك لأن الحسن بن صالح، خالف جمهور الحفاظ منْ أصحاب يحيى بن سعيد، -وهم يحيى القطّان، وحماد بن زيد، وأبو معاوية، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، والدراورديّ، وأبو أسامة- فَقَالَ الحسن: "عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد"، وقالوا هم: "عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبّان"، كما سيأتي بيانها فِي الروايات الآتية فِي الباب. والحاصل أن رواية الحسن بن صالح، شاذّة، والحديث صحيحٌ بالطرق المذكورة. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قد اختُلف فِي حديث رافع ﵁ هَذَا بالوصل، والإرسال، قَالَ الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى فِي "الجامع" ٤/ ٥٢ بعد أن أخرج الْحَدِيث منْ طريق الليث ابن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حَبان: ما نصّه: قَالَ أبو عيسى: هكذا روى بعضهم، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبّان، عن عمه واسع ابن حبّان، عن رافع بن خديج، عن النبيّ ﷺ ، نحو رواية الليث بن سعد، ورَوَى مالك ابن أنس، وغير واحد هَذَا الْحَدِيث، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبّان، عن رافع بن خديج، عن النبيّ ﷺ ، ولم يذكروا فيه "عن واسع بن حبّان". انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أنه أرسله يحيى القطّان، وحمّاد بن زيد،

стр. 17728

وأبو معاوية، والثوريّ فِي رواية مخلد، وأبي نعيم عنه، وكلها ستأتي فِي هَذَا الباب، ومالك فِي "الموطإ" ٢/ ٨٣٩ كلهم عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حَبّان، عن رافع بن خديج ﵁. ووصله الليث بن سعد، كما سيأتي هنا ٤٩٦٩ - وابن عيينة عند الحميدي فِي "مسنده" ٤٠٧ - وابن حبّان ٤٤٦٦ وابن الجارود ٨٢٦ - والبيهقيّ ٨/ ٢٦٣، وغيرهم، والثوريّ منْ رواية وكيع عنه، كما سيأتي فِي ٤٩٦٨، ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حَبان، عن عمه واسع بن حبّان. وجمهور أهل الْحَدِيث فِي مثل هَذَا عَلَى ترجيح الوصل عَلَى الإرسال؛ لأنه منْ رواية هؤلاء الثقات الحفاظ، وعندهم زيادة علم عَلَى الذين أرسلوا، فتقدّم روايتهم. قَالَ فِي "التلخيص الحبير" ٤/ ١٢١: قَالَ الطحاويّ رحمه الله تعالى: هَذَا الْحَدِيث تلقّت العلماء متنه بالقبول. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٣/ ٤٩٦٢ و٤٩٦٣ و٤٩٦٤ و٤٩٦٥ و٤٩٦٦ و٤٩٦٧ و٤٩٦٨ و٤٩٦٩ و٤٩٦٧٠ و٤٩٧١ و٤٩٧٢ - وفي "الكبرى" ٢٢/ ٧٤٤٨ و٧٤٤٩ و٧٤٥٠ و٧٤٥١ و٧٤٥٢ و٧٤٥٣ و٧٤٥٤ و٧٤٥٥ و٧٤٥٦ و٧٤٥٧ و٧٤٥٨ و٧٤٥٩ و٧٤٦٠. وأخرجه (د) فِي "الحدود" ٤٣٨٨ (ت) فِي "الحدود" ١٤٤٩ (ق) فِي "الحدود" ٢٥٩٣ (أحمد) فِي "مسند المكيين" ١٥٣٧٧ و١٥٣٨٧ و"مسند الشاميين" ١٦٨٠٩و١٦٨٣٠ (الموطا) فِي "الحدود" ١٥٨٣ (الدارمي) فِي "الحدود" ٢٢٠٢ و٢٢٠٣ و٢٢٠٤ و٢٢٠٥ و٢٢٠٦. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي قطع منْ سرق ثمرًا، أو كَثَرًا: ذهب أكثر الفقهاء إلى أنه لا قطع فِي الثمر فِي البستان قبل إدخاله الحرز، وكذلك الكثر المأخوذ منْ النخل، وهو جُمّار النخل، رُوي معنى هَذَا القول عن ابن عمر، وبه قَالَ عطاء، ومالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي. وَقَالَ أبو ثور: إن كَانَ ثمرًا، أو بستانًا مُحْرزًا، ففيه القطع، وبه قَالَ ابن المنذر، إن لم يصح خبر رافع، قَالَ: ولا أحسبه ثابتا، واحتجا بظاهر الآية، وبقياسه عَلَى سائر المحرزات. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الْحَدِيث ثابتٌ، كما تقدّم فِي المسألة الأولى، واحتجّ به الأوّلون، وبحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﷺ ، أنه سئل عن الثمر المعلق؟، فَقَالَ: "منْ أصاب بفيه منْ ذي حاجة،

стр. 17729

غير متخذ خبنة، فلا شيء عليه … الْحَدِيث، وهو أيضًا حديث صحيح، كما سبق بيانه فِي الباب الماضي. قَالَ الإمام ابن حبّان رحمه الله تعالى فِي "صحيحه" ١٠/ ٣١٨ رقم ٤٤٦٦ - بعد أن أخرج الْحَدِيث-: ما نصّه: عموم الخطاب فِي الكتاب قوله جلّ وعلا: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، فأمر بقصع السارق، إذا ما سرق، ثم فسرته السنّة بأن لا قطع عَلَى سارق الثمر، ولا الكثر، وأن لا قطع إلا فِي ربع دينار، فكان المراد منْ الخطاب، منْ الكتاب، فاقطعوا أيديهما إذا سرق ربع دينار، وما يقوم مقامه، سوى الثمر، والكثر. انتهى كلامه. والحاصل أن ما قاله أكثر الفقهاء، منْ عدم قطع سارق الثمر، والْكَثَر، حَتَّى يؤويه الجرين، هو الحق؛ لصحّة الأحاديث بذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٩٦٣ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ، يَقُولُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"يحيى بن سعيد": هو الأنصاريّ. و"محمد بن يحيى بن حَبّان -بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة-: هو الأنصاريّ المدنيّ، ثقة فقيه [٤] ٢٢/ ٢٣. والحديث منقطع؛ لأن محمد بن يحيى لم يلق رافعًا ﵁، لكن تقدّم أنه موصول منْ طرق أخرى ستأتي قريبًا، وهي أرجح، فالحديث صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٩٦٤ - (أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "يحيى بن حبيب بن عربيّ": هو البصريّ الثقة [١٠] ٦٠/ ٧٥. و"حمّاد": هو ابن زيد الثقة الثبت الحجة [٨] و"يحيى": هو ابن سعيد الأنصاريّ المذكور قبله. والحديث منقطع أيضًا، لكن متنه صحيحٌ؛ لما سبق بيانه فيما قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 17730

٤٩٦٥ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلاَّمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عبد الرحمن بن محمد بن سلّام": تقدّم قبل بابين. و"أبو معاوية": هو محمد بن خازم الضرير الكوفيّ الثقة. والحديث فيه انقطاع، لكنه صحيح، كما بيّناه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٩٦٦ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عبد الحميد بن محمد"، و"مخلد" بن يزيد تقدّما أيضًا قبل بابين. و"سفيان": هو الثوريّ. و"يحيى": هو الأنصاريّ. والحديث فيه انقطاعٌ، لكنه صحيح، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٩٦٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن إسماعيل": هو المعروف أبوه بابن عُليّة. و"أبو نُعيم": هو الفضل بن دُكين. والباقون هم المذكورون فيما قبله. والحديث فيه انقطاعٌ، لكنه صحيح، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٩٦٨ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أحمد بن محمد بن عُبيد الله بن أَبي رجاء": هو الثَّغْريّ، أبو جعفر النجّار الطَّرَسُوسيّ، صدوقٌ [١١] ٤٩/ ١٧٣٧ منْ أفراد المصنّف. و"وكيع": هو ابن الجَرّاح. و"واسع بن حبّان" -بفتح المهملة، وتشديد الموحّدة- ابن مُنقذ بن عمرو الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ عَلَى الصحيح، وقيل: بل هو تابعيّ ثقة تقدّم فِي ٢٢/ ٢٣.

стр. 17731

والباقون هم المذكورون فيما قبله. وهذا الطريق موصول، وهو الذي تقدّم أنه الأرجح، والحديث به صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٩٦٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ، أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ، وَلَا كَثَرٍ"، وَالْكَثَرُ الْجُمَّارُ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الليث": هو ابن سعد الإمام الحجة الفقيه المصريّ. وعم يحيى: هو واسع المذكور فِي السند الماضي. وقوله: "والكثر الجمّار": الظاهر أنه مدرج، منْ تفسير بعض الرواة. وهذا السند أيضًا موصول، كسابقه، فالحديث صحيح به أيضًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٩٧٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ أَبِي مَيْمُونٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ، وَلَا كَثَرٍ". قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا خَطَأٌ، أَبُو مَيْمُونٍ لَا أَعْرِفُهُ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن عليّ بن ميمون": هو الرَّقّيّ، أبو العبّاس العطّار، ثقة [١١] ١٤/ ٤١٨ منْ أفراد المصنّف. و"سعيد بن منصور" بن شعبة، أبو عثمان الْخُراسانيّ، المروزي، ويقال: الطالقاني، يقال: وُلد بجوزجان، ونشأ ببلخ، وطاف البلاد، وسكن مكة، ومات بها، ثقة، مصنّفٌ، وكان لا يرجع عما فِي كتابه؛ لشدّة وثوقه به [١٠]. رَوَى عن مالك، وحماد بن زيد، وأبي قدامة الحارث بن عبيد، وداود بن عبد الرحمن، وابن أبي الزناد، وأبي شهاب، عبد ربه بن نافع، وابن أبي حازم، والداروردي، وفليح، وجماعة. ورَوى عنه مسلم، وأبو داود، والباقون بواسطة يحيى ابن موسى، خَتّ، وأبي ثور، وعبد الله الدارمي، ومحمد بن علي بن ميمون الرَّقّيّ، والعباس بن عبد الله السنديّ، وعمر بن منصور النسائيّ، والذهلي، وأبو حاتم، وأبو بكر الأثرم، وحرب الكرماني، وأحمد بن حنبل حدث عنه، وهو حي، والحسن بن محمد الزعفراني، وأبو زرعة الرازي، والدمشقي، ومحمد بن علي بن زيد الصائغ، وأحمد بن نجدة بن الْعُريان، وهما راويا "كتاب السنن" عنه، وبشر بن موسى، وأحمد ابن خُليد الحلبي، وطائفة.

стр. 17732

قَالَ حرب: سمعت أحمد، يحسن الثناء عليه. وَقَالَ سلمة بن شبيب: ذكرته لأحمد، فأحسن الثناء عليه، وفَخَّم أمره. وَقَالَ حنبل، عن أحمد: هو منْ أهل الفضل والصدق. وَقَالَ ابن نمير، وابن خراش: ثقة. وَقَالَ أبو حاتم: ثقة، منْ المتقنين الأثبات، ممن جمع، وصنَّف، وكان محمد بن عبد الرحيم: إذا حدث عنه، أثنى عليه، وكان يقول: حدثنا سعيد، وكان ثبتا. وَقَالَ أبو زرعة الدمشقي: أخبرني أحمد بن صالح، وعبد الرحمن بن إبراهيم، أنهما حضرا يحيى بن حسان، يقدمه، ويرى له حفظه، وكان حافظا. وَقَالَ الحاكم: سكن مكة مجاورا، وكان راوية ابن عيينة، وأحد أئمة الْحَدِيث، له مصنفات. وَقَالَ حرب: كتبت عنه سنة، أملى علينا نحوا منْ عشرة آلاف حديث، منْ حفظه، ثم صنف بعد ذلك. وَقَالَ يعقوب بن سفيان: كَانَ إذا رأى فِي كتابه خطأ، لم يرجع عنه. قَالَ ابن سعد، وغيره: مات سنة سبع وعشرين ومائتين، زاد ابن يونس: فِي شهر رمضان. وَقَالَ أبو زرعة الدمشقي: سنة (٦)، وَقَالَ غيره: سنة (٨)، وَقَالَ موسى بن هارون: سنة (٩)، والصحيح الأول. وَقَالَ ابن يونس: مات بمصر، حَكَى فِي "تهذيب الكمال" عن ابن يونس، مع ابن سعد، وغيرهما: أنه مات بمكة. وَقَالَ البخاريّ فِي "تاريخه": مات سنة (٢٩) أو نحوها، بمكة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ: كَانَ ممن جمع، وصنف، وكان منْ المتقنين الأثبات. وَقَالَ ابن قانع: ثقة ثبت. وَقَالَ الخليلي: ثقة متَّفقٌ عليه. ووثقه أيضًا مسلمة بن قاسم. وَقَالَ يعقوب بن سفيان: كَانَ سعيد، وهو بمكة يقول: لا تسألوني عن حديث حماد بن زيد، فإن أبا أيوب -يعني سليمان بن حرب- يجعلنا عَلَى طبق، لا تسألوني عن حديث بن عيينة، فإن هَذَا الحميدي يجعلنا عَلَى طبق. روى له الجماعة، وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط. و"عبد العزيز بن محمد": هو الدَّرَاورديّ، أبو محمد الجُهَنيّ مولاهم، المدنيّ، صدوقٌ، كَانَ يُحدّث منْ كتب غيره، فيُخطىء [٨] ٨٤/ ١٠١. و"أبو ميمون": مجهول [٤] تفرّد به المصنّف بهذا الْحَدِيث، وَقَالَ: لا أعرفه. وقوله: "خطأ": أي لأن المعروف منْ رواية الحفاظ الأثبات، أنه عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى، عن عمه واسع بن حَبّان، عن رافع ﵁، كما هو رواية الليث، والثوريّ المذكورين قبله، وعن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبّان، عن رافع ﵁، كما هو رواية الآخرين. والحديث صحيحٌ بالطرق الماضية، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 17733

٤٩٧١ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الحسين بن منصور": هو السلميّ، أبو عليّ النيسابوريّ، ثقة، فقيه [١٠] ٢٥/ ١٦٦٤ منْ أفراد البخاريّ، والمصنّف. و"أبو أُسامة": هو حمّاد بن أُسامة الكوفيّ الثقة الحافظ [٩]. والحديث فِي سنده مجهول، لكنه صحيح، بما سبق منْ الأسانيد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٩٧٢ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، أَنَّ رَجُلاً مِنْ قَوْمِهِ، حَدَّثَهُ عَنْ عَمٍّ لَهُ، أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"بشر": هو ابن الْمُفَضَّل بن لاحق، أبو إسماعيل الرَّقَاشيّ البصريّ، ثقة ثبت عابدٌ [٨] ٦٦/ ٨٢. وقوله: "أن رجلاً منْ قومه": هو محمد بن يحيى بن حبّان، وعمه: هو واسع بن حَبّان، كما بُيّن فِي الروايات السابقة. [تنبيه]: وقع فِي جميع النسخ، منْ "المجتبى"، و"الكبرى": "عن عمة له"، وهو غلطٌ فاحشٌ، والصواب: "عن عمّ له"، كما هو فِي "تحفة الأشراف" ٣/ ١٦. والحديث صحيح بما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٩٧٣ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ مَخْلَدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ، وَلَا مُنْتَهِبٍ، وَلَا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ"، لَمْ يَسْمَعْهُ سُفْيَانُ، مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (عبد الله بن عبد الصمد بن عليّ) الأسديّ الْمَوْصليّ، صدوقٌ [١١] ١٩/ ١٦٥٥. ٢ - (مخلد) بن يزيد القرشيّ الْحَرّانيّ، صدوقٌ، له أوهامٌ، منْ كبار [٩] ١٤١/ ٢٢٢. ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة ثبت حجة [٧] ٣٣/ ٣٧. ٤ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوقٌ، يدلّس [٤] ٣١/ ٣٥. ٥ - (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم.

стр. 17734

لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أن فيه جابرًا رضي الله تعالى عنه منْ المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ جَابِر) بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أنه (قَالَ: لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ) هو الآخذ مما فِي يده منْ الأمانة. قَالَ المجد فِي "القاموس": الْخَوْنُ: أن يؤتمن الإنسان، فلا يَنصَحَ، خانه خَوْنًا، وخِيانة، وخَانَةً، ومَخَانةً، واختانه، فهو خائنٌ، وخائنةٌ، وخَؤُونٌ، وخَوَّانٌ، جمعه خانَةٌ، وخَوَنَةٌ، وخُوّانٌ. انتهى. وَقَالَ فِي "المرقاة": الخيانة: أن يؤتمن عَلَى شيء بطريق العارية، أو الوديعة، فيأخذه، ويدّعي ضَيَاعه، أو يُنكر أنه كَانَ عنده وديعةٌ، أو عاريةٌ. انتهى. وَقَالَ الفيّوميّ: فرّقوا بين الخائن، والسارق، والغاصب، بأن الخائن هو الذي خان ما جُعِل عليه أمينًا، والسارق: منْ أخذ خُفْيةً منْ موضع كَانَ ممنوعًا منْ الوصول إليه، وربّما قيل: كلُّ سارق خائنٌ، دون عكسٍ، والغاصب: منْ أخذ جهرًا، معتمدًا عَلَى قُوّته. انتهى. (وَلَا مُنْتَهِبٍ) اسم فاعل منْ الانتهاب، افتعالٌ، منْ النَّهْبِ، وهو أخذ المال عَلَى وجه الغلبة، والقهر، يقال: نهبته نَهْبًا، منْ باب نفع، وانتهبته انتهابًا، فهو منهوبٌ، والنُّهْبة، مثالُ غُرْفة، والنُّهْبَى بزيادة ألف التأنيث: اسم للمنهوب، ويتعدّى بالهمزة إلى ثانٍ، فيقال: أنهبتُ زيدًا المالَ، ويقال أيضًا: أنهبت المالَ إنهابًا: إذا جعلتَهُ نَهْبًا، يُغارُ عليه، وهذا زمان النَّهْب: أي الانتهاب، وهو الغلبة عَلَى المال، والقهرُ. قاله الفيّوميّ (وَلَا مُخْتَلِسٍ) اسم فاعل منْ الاختلاس، وهو أخذ الشيء بسرعة عَلَى غفلة، قَالَ الفيّوميّ: خَلَستُ الشيءَ خَلْسَةً، منْ باب ضرب: اختطفته بسرعة عَلَى غفلة، واختلسته كذلك، والْخَلْسةُ بالفتح: المرّة، والْخُلْسَة بالضمّ: ما يُخْلَسُ، ومنه: "لا قَطْعَ فِي الْخُلْسَة". انتهى (قَطْعٌ) بالرفع اسم "ليس" مؤخّرًا. قَالَ القاضي عياض رحمه الله تعالى: شرع الله تعالى إيجاب القطع عَلَى السرقة، ولم يجعل ذلك فِي غيرها، كالاختلاس، والانتهاب، والغصب؛ لأن ذلك قليلٌ بالنسبة إلى السرقة، ولأنه يمكن استرجاع هَذَا النوع بِاسْتِعْدَاءِ ولاة الأمور، ويسهُلُ إقامة البينة عليه، بخلافها، فيعظم أمرها، واشتدّت عقوبتها؛ لتكون أبلغ فِي الزجر عنها. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 17735

مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث جابر ﵁ هَذَا صحيح. [تنبيه]: قد أعل المصنّف رحمه الله تعالى وغيره هَذَا الْحَدِيث بعدم سماع سفيان، وابن جريج له منْ أبي الزبير، أما عدم سماع سفيان، فقد صرح به هنا، فَقَالَ: لم يسمعه سفيان، منْ أبي الزبير،، وأما عدم سماع ابن جريج، فسيأتي فِي الْحَدِيث التالي، وَقَدْ تكلّم فِي هَذَا أيضًا أبو داود فِي "سننه"، فَقَالَ -بعد أن أخرج الْحَدِيث منْ طريقين: طريق محمد بن بكر، وطريق عيسى بن يونس، كلاهما عن ابن جريج-: وهذان الحديثان لم يسمعهما ابن جريج، عن أبي الزبير، وبلغني عن أحمد بن حنبل، أنه قَالَ: إنما سمعهما ابن جريج منْ ياسين الزيّات. انتهى. وَقَالَ الحافظ فِي "التلخيص" ٤/ ١٢٣ - : وَقَالَ ابن أبي حاتم فِي "العلل"، عن أبيه: لم يسمعه ابن جريج، منْ أبي الزبير، إنما سمعه منْ ياسين الزيات، وهو ضعيف، وكذا قَالَ أبو داود، وزاد: وَقَدْ رواه المغيرة بن مسلم، عن أبي الزبير، عن جابر، وأسنده النسائيّ منْ حديث المغيرة -٤٩٧٧ - ، ورواه عن سُويد بن نصر أي فِي "الكبرى" ٤/ ٣٤٧ رقم ٧٤٦٣ - ، عن ابن المبارك، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، وأعله ابن القطّان بأنه منْ معنعن أبي الزبير، عن جابر، وهو غير قادح، فقد أخرجه عبد الرزاق، فِي "مصنفه"، عن ابن جريج، وفيه التصريح بسماع أبي الزبير له منْ جابر، وله شاهد منْ حديث عبد الرحمن بن عوف، رواه ابن ماجه بإسناد صحيح، وآخر منْ رواية الزهريّ، عن أنس، أخرجه الطبراني فِي "الأوسط" فِي ترجمة أحمد بن القاسم، ورواه ابن الجوزي فِي "العلل" منْ حديث ابن عباس، وضعفه. انتهى كلام الحافظ. وَقَالَ المنذري: وحديث المغيرة بن مسلم الذي ذكره أبو داود معلقا، قد أخرجه النسائيّ فِي "سننه" مسندا، وياسين الزيات، هو أبو خلف ياسين بن معاذ الكوفيّ، وأصله يمامي، لا يحتج بحديثه، والمغيرة بن مسلم، هو السراج، خراساني، كنيته أبو سلمة، قَالَ ابن معين: صالح الْحَدِيث، صدوقٌ، وَقَالَ أبو داود الطيالسي: أخبرنا المغيرة بن مسلم، وكان صدوقا مسلما، وأخرجه الترمذيّ، والنسائي، وابن ماجه، وَقَالَ الترمذيّ: حسن صحيح، ولفظ الترمذيّ، والنسائي: "ليس عَلَى خائن، ولا منتهب، ولا مختلس قطع"، ولفظ ابن ماجه فِي موضع: "منْ انتهب نهُبة مشهورة، فليس منا"، وفي موضع: "لا يقطع الخائن، ولا المنتهب، ولا المختلس". قَالَ أبو عبد الرحمن النسائيّ: وَقَدْ رَوَى هَذَا الحديثَ عن ابن جريج عيسى بنُ

стр. 17736

يونس، والفضل بن موسى، وابن وهب، ومحمد بن ربيعة، ومخلد بن يزيد، وسلمة ابن سعيد، فلم يقل أحد منهم فيه: حدثني أبو الزبير، ولا أحسبه سمعه منْ أبي الزبير. والله أعلم. هَذَا آخر كلامه. وَقَدْ صححه الترمذيّ، منْ حديث ابن جريج، عن أبي الزبير، وهذا يدل عَلَى أنه تحقق اتصاله، وَقَدْ حَدَّث به عن أبي الزبير المغيرة بن مسلم، وأشار إليه أيضًا الترمذيّ، والمغيرة بن مسلم صدوقٌ. انتهى كلام المنذري. وَقَالَ الشوكاني: وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضا، ولاسيما بعد تصحيح الترمذيّ، وابن حبّان لحديث الباب. انتهى. وَقَالَ الشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى بعد ذكر إعلال أبي داود، والنسائي المتقدّم: ما نصه: وَقَالَ ابن أبي حاتم فِي "العلل" ١/ ٤٥٠ - : سألت أبي، وأبا زرعة عن حديث ابن جريج. فذكره، فقالا: لم يسمع ابن جريج هَذَا الْحَدِيث منْ أبي الزبير، يقال: إنه سمعه منْ ياسين: أنا حدثت به ابن جريج، عن أبي الزبير، فقلت لهما: ما حال ياسين؟ فقالا: ليس بقويّ. قَالَ الشيخ الألبانيّ: ياسين الزيّات متّهم، فلا يُصدّق فِي قوله: إنه هو الذي حدث به ابن جريج، عَلَى أنه لو صُدّق فِي ذلك، فهو لا ينافي أن يكون ابن جريج سمعه بعد ذلك منْ أبي الزبير، ولولا أن ابن جريج معروف بالتدليس لم نقبل هَذَا الجزم بعدم سماعه هَذَا الْحَدِيث منْ أبي الزبير، ولكن القطع بردّ هَذَا، يحتاج إلى رواية فيها التصريح بسماعه منْ أبي الزبير، وَقَدْ وجدتها -والحمد لله- وذلك منْ طريقين: [الأولى]: قَالَ الدارميّ: أخبرنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قَالَ: أنا أبو الزبير، قَالَ جابر. [والأخرى]: قَالَ الحافظ فِي "التلخيص" ٤/ ٦٥: وراه النسائيّ عن سويد بن نصر (١)، عن ابن المبارك، عن ابن جريج: أخبرني أبو الزبير. قَالَ: فهذان إسنادان صحيحان إلى ابن جريج بتصريحه بالتحديث، فزالت شبهة تدليسه، وطاح بذلك الجزم بأنه لم يسمعه منْ أبي الزبير، عَلَى أنه لم يتفرّد به ابن جريج، فقد تابعه سفيان الثوريّ عن أبي الزبير به، أخرجه النسائيّ ٤٩٧٣ - وابن حبّان ٤٤٥٨ والخطيب البغداديّ فِي "تاريخه" ٩/ ١٣٥ منْ طرق به، لكن قَالَ النسائيّ عقبه: لم يسمعه سفيان منْ أبي الزبير، ثم ساق منْ طريق أبي داود الْحَفَريّ، عن سفيان، عن ابن جريج، عن أبي الزبير …

стр. 17737

قَالَ الشيخ الألباني: الرواية الأولى عن سفيان أصحّ عندي؛ لأنه اتّفق عليها الجماعة، وهم: مخلد، وهو ابن يزيد الْحَرّانيّ عند النسائيّ ٤٩٧٣ ومؤمّل بن إسماعيل عند ابن حبّان ٤٤٥٨ وخالد بن يزيد عند الخطيب، والأول ثقة منْ رجال الشيخين، والثاني صدوقٌ، سيّىء الحفظ، والثالث مقبول عند الحافظ، فالقلب إلى ما اجتمع عليه هولاء أميل. والله أعلم. وتابعه أيضًا المغيرة بن مسلم، كما سبق عند أبي داود معلّقًا، وَقَدْ وصله النسائيّ ٤٩٧٧ والطحاويّ، والبيهقيّ منْ طريق شبابة بن سَوّار، قَالَ: ثنا المغيرة بن مسلم، عن أبي الزبير، عن جابر. والمغيرة بن مسلم صدوقٌ، قاله ابن معين وغيره، كما فِي "نصب الراية" ٣/ ٣٦٤ وجزم به الحافظ فِي "التقريب". فقد صحّ بما تقدّم السند إلى أبي الزبير، وبقي النظر فِي عنعنته أيضًا، فإنه مدلّس، وبذلك أعلّه ابن القطّان، وتعقبه الحافظ بقوله: وهو غير قادح، فقد أخرجه عبد الرزّاق فِي "مصنّفه" عن ابن جريج، وفيه التصريح بسماع أبي الزبير له منْ جابر (١). قَالَ: وجواب آخر، وهو أن أبا الزبير قد توبع، فإن ابن حبّان قد قرن معه عمرو بن دينار، منْ طريق مؤمل بن إهاب، حدّثنا عبد الرزّاق، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، وعمرو بن دينار- عن جابر. وهذا إسناد جيد، وبه يزول ما أُعلّ به هَذَا الْحَدِيث، وتثبت صحّته، والله وليّ التوفيق. ولبعضه شاهد منْ حديث عبد الرحمن بن عوف، مرفوعًا بلفظ: "ليس عَلَى المختلس قطعٌ"، أخرجه ابن ماجه ٢٥٩٢. وإسناده صحيح، كما قَالَ الحافظ، ورجاله ثقات، رجال الشيخين، غير محمد بن عاصم بن جعفر المصريّ، وهو ثقة. وله شاهد تامّ، منْ حديث أنس بن مالك، مرفوعًا به مثل لفظ الترمذيّ المتقدّم، أخرجه الطبرانيّ فِي "الأوسط": حدّثنا أحمد بن القاسم بن المساور، ثنا أبو معمر إسماعيل بن إبراهيم، قَالَ: أملى عليّ عبد الله بن وهب منْ حفظه، عن يونس، عن الزهريّ، عن أنس به، وَقَالَ: لم يروه عن الزهريّ إلا يونس، ولا عن يونس إلا ابن وهب، تفرّد به أبو معمر. كذا فِي "نصب الراية". قَالَ: وهو ثقة منْ رجال الشيخين، وكذلكِ منْ فوقه، وابن المساور ثقة، فالسند صحيح، وسكت عنه الحافظ. انتهى كلام الشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى "إرواء الغليل" ٨/ ٦٣ - ٦٥. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا البحث الذي حقّقه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى بحث نفيسٌ جدًّا. وخلاصته أن العلل التي أثيرت فِي حديث جابر ﵁ عنه هَذَا قد زالت، وصح

стр. 17738

الْحَدِيث، فالحمد للَّه تعالى أوّلاً وآخرًا. والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٣/ ٤٩٧٣ و٤٩٧٤ و٤٩٧٥ و٤٩٧٦ و٤٩٧٧ و٤٩٧٨ - وفي "الكبرى" ٢٣/ ٧٤٦١ و٧٤٦٢ و٧٤٦٣ و٧٤٦٤ و٧٤٦٥ و٧٤٦٦ و٧٤٦٨ و٧٤٦٩. وأخرجه (د) فِي "الحدود" ٤٣٩١ (ت) فِي "الحدود" ١٤٤٨ (ق) فِي "الحدود" ٢٥٩١ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١٤٦٥٢ (الدارمي) فِي "الحدود" ٢٢٠٧. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان ما لا قطع فيه، ففيه أنه لا قطع عَلَى خائن، ولا عَلَى منتهب، ولا عَلَى مختلس، قَالَ ابن قُدامة رحمه الله تعالى: فإن اختطف، أو اختلس، لم يكن سارقًا، ولا قطع عليه عند أحد علمناه، غير إياس بن معاوية، قَالَ: أقطع المختلس؛ لأنه يستخفي بأخذه، فيكون سارقًا، وأهل الفقه، والفتوى منْ علماء الأمصار عَلَى خلافه. انتهى "المغني" ١٢/ ٤١٦. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن جمهور أهل العلم عَلَى أنه لا يقطع الخائن، والمنتهب، والمختلس، وهو الحقّ؛ لصحّة حديث الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وقوله: (لَمْ يَسْمَعْهُ سُفْيَانُ) أي الثوريّ (مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) ولفظ "الكبرى": "قَالَ أبو عبد الرحمن: لم يسمعه سفيان الخ"، وأشار به إلى أن هَذَا السند فيه انقطاع، وذلك؛ لأن سفيان لم يسمعه منْ أبي الزبير، بل بينه وبينه واسطة، وهو ابن جريج، كما بين ذلك بقوله: ٤٩٧٤ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ، وَلَا مُنْتَهِبٍ، وَلَا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ". وَلَمْ يَسْمَعْهُ أَيْضًا ابْنُ جُرَيْجٍ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عَنه: "أبو داود الْحَفَري" -بفتح الحاء المهملة، والفاء-: نسبة إلى موضع بالكوفة، واسمه عُمَر بن سَعْد بن عُبيد الكوفيّ، ثقة عابدٌ [٩] ١٥/ ٥٢٣. والحديث صحيح، كما سبق. وقوله: (وَلَمْ يَسْمَعْهُ أَيْضًا ابْنُ جُرَيْجٍ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) أشار به إلى انقطاع آخر، وهو أن ابن جريج لم يسمعه منْ أبي الزبير، بل بينه وبينه واسطة، كما أشار إلى ذلك بقوله:

стр. 17739

٤٩٧٥ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ حَجَّاجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "لَيْسَ عَلَى الْمُخْتَلِسِ قَطْعٌ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "إبراهيم بن الحسن": هو أبو إسحاق المِصِّيصيّ الْمِقْسميّ، ثقة [١١] ٥١/ ٦٤. و"حجّاج": هو ابن محمد الأعور المِصّيصيّ. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه استدلال المصنّف رحمه الله تعالى بهذه الرواية عَلَى عدم سماع ابن جريج منْ أبي الزبير أنه لَمّا قَالَ: "قَالَ أبو الزبير الخ"، وهو معروفٌ بالتدليس احتمل أن يكون مما سمعه منْ غيره، لكن فِي هَذَا الاستدلال نظرٌ منْ وجهين: [الأول]: أن هَذَا احتمال، وهو لا يدلّ عَلَى الجزم بعدم سماعه. [الثاني]: أنه ثبت تصريحه بالسماع، كما سبق. والحاصل أن الراجح سماع ابن جريج هَذَا الْحَدِيث منْ أبي الزبير. والله تعالى أعلم. والحديث صحيح، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٩٧٦ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ حَجَّاجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: قَالَ جَابِرٌ: "لَيْسَ عَلَى الْخَائِنِ قَطْعٌ". قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عِيسَى بْنُ يُونُسَ، وَالْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، وَابْنُ وَهْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَمَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، وَسَلَمَةُ بْنُ سَعِيدٍ -بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ، قَالَ ابْنُ أَبِي صَفْوَانَ: وَكَانَ خَيْرَ أَهْلِ زَمَانِهِ- فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ: "حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ"، وَلَا أَحْسَبُهُ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا أورد فِي نسخ "المجتبى" هَذَا الْحَدِيث موقوفًا، وأورده فِي "الكبرى" مرفوعًا، ولفظه: "قَالَ جابر: قَالَ رسول الله ﷺ : "ليس عَلَى الخائن قطعٌ". والظاهر أن ما فِي "الكبرى" هو الصواب، والله تعالى أعلم. وقوله: (قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي النسائيّ (وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ) بالنصب عَلَى أنه مفعول مقدّم، والفاعل "عيسى"، وما عطف عليه (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقة مأمون [٨] ٨/ ٨ (وَالْفَضْلُ بْنُ مُوسَى) السِّينانيّ المروزيّ الثقة الثبت، منْ كبار [٩] ٨٣/ ١٠٠ (و) عبد الله (ابْنُ وَهْبٍ) القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه الثقة الحافظ العابد [٩] ٩/ ٩ (وَمُحَمَّدُ بْنُ

стр. 17740

رَبيعَةَ) الكلابيّ الكوفيّ، ابن عمّ وكيع، صدوقٌ [٩] ٤/ ١٤٥٣ (وَمَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ) القَرشيّ الْحَرّانيّ، صدوقٌ، له أوهامٌ، منْ كبار [٩] ١٤١/ ٢٢٢ (وَسَلَمَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بن عطيّة، ويقال: ابن عطاء البصريّ، رَوَى عن معمر، وابن جريج، وخالد بن أبي عمران. وروى عنه الحباب بن محمد الْجُمَحيّ، ومحمد بن عثمان بن أبي صفوان الثقفيّ، وَقَالَ: كَانَ خير أهل زمانه. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ فِي "التقريب": صدوقٌ منْ التاسعة، ذكره المصنّف هنا، وله فِي "كتاب الاستعاذة" - "باب الاستعاذة منْ المغرم والمأثم" ٩/ ٥٤٥٧ حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: كَانَ رسول الله ﷺ أكثر ما يتعوّذ منْ المأثم … الْحَدِيث. وقوله (بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ) خبر لمحذوف: أي هو بصريّ ثقة، يعني أن سلمة بن سعيد منْ أهل البصرة، وهو ثقة عند أهل الْحَدِيث (قَالَ ابْنُ أَبِي صَفْوَانَ) هو محمد بن عثمان بن أبي صفوان الثقفيّ، ثقة [١١] ١٠/ ٤٦٨ (وَكانَ) أي سلمة بن سعيد (خَيْرَ أَهْلِ زَمَانِهِ) أراد المصنّف بهذا إثبات كون سلمة ثقة (فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ) أي منْ هؤلاء الستّة (حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيرِ) غرض المصنّف رحمه الله تعالى بهذا تقوية عدم سماع ابن جريج هَذَا الْحَدِيث منْ أبي الزبير، كما أكّد ذلك بقوله (وَلَا أَحْسَبُهُ) بفتح السين، وكسرها (سَمِعَهُ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) أي لا أظنّ ابن جريج سمع هَذَا الْحَدِيث منْ أبي الزبير (وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ). وحاصل ما أشار إليه فِي كلامه هَذَا أنه ينفي سماع ابن جريج منْ أبي الزبير هَذَا الْحَدِيث؛ لعدم تصريح هؤلاء بتحديث أبي الزير لابن جريج، لكن قد عرفت فيما سبق أن هَذَا لا يكفي لإثبات الْمُدَّعَى؛ لأن عدم تصريح هؤلاء بالتحديث لا ينفي إثبات منْ أثبته؛ فقد تقدَّم إثبات منْ أثبته ومن حفظ حجة عَلَى منْ لم يحفظ، عَلَى أنه لم ينفرد به، فقد تابعه الثوريّ، كما سبق، والمغيرة بن مسلم، كما سيأتي، وأيضًا لحديثه شواهد يصحّ بها، كما سبق بيان ذلك قريبًا، فتبصّر، ولا تتحيّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٩٧٧ - (أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ رَوْحٍ الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -يَعْنِي ابْنَ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوَهِبٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيْسَ عَلَى مُخْتَلِسٍ، وَلَا مُنْتَهِبٍ، وَلَا خَائِنٍ قَطْعٌ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "خالد بن رَوح" بن السَّرِيّ بن أَبي حُجَير الثقفيّ، أبو عبد الرحمن الدمشقيّ، ثقة [١٢]. رَوَى عن صفوان بن صالح، وسليمان بن عبد الرحمن، ويزيد بن خالد بن موهب، وغيرهم. وعنه النسائيّ، وابن جَوْصا، وأبو الميمون البجليّ، وأبو القاسم الطبرانيّ،

стр. 17741

وغيرهم. قَالَ النسائيّ: ثقة. وَقَالَ ابن زبر، عن محمد بن يوسف الْهَرَويّ: مات سنة (٢٨٠) تفرّد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط. و"يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موهب" -بفتح الهاء- الْحَمْدانيّ، أبو خالد الرَّمْلِيّ الزاهد، ثقة عابدٌ [١٠]. روى عن الليث بن سعد، ومُفضّل بن فَضَالة، وشبابة، وغيرهم. وعنه أبو داود، وخالد بن روح، وهارون بن محمد، وغيرهم. قَالَ أبو بكر بن المقرىء، عن حمزة بن أحمد بن محمد بن ضمرة السِّجْزيّ: سمعت أبي يقول: ما رأيت أحدًا منْ أهل الْحَدِيث أخشع لله منْ يزيد بن موهَب، ما حضرناه قطّ، فانتفعنا به منْ البكاء. وَقَالَ ابن قانع: صالحٌ. وَقَالَ مسلمة بن قاسم: قَالَ بقيّ بن مَخْلد: كَانَ ثقةً جدًا. وَقَالَ مسلمة: مشهورًا بكنيته. وذكره ابن حبّان فى "الثقات"، وَقَالَ: مات سنة (٢٣٢) وَقَالَ ابن عساكر: ويقال: سنة ثلاث، ويقال: سنة سبع. روى له أبو داود، والمصنف، وابن ماجه، وله عند المصنّف هَذَا الْحَدِيث فقط. و"شبابة": هو ابن سَوّار المدائنيّ، ثقة حافظ، رُمي بالإرجاء [٩] ٥٠/ ١٧٤٣. و"المغيرة بن مسلم": هو الْقَسْمَليّ، أبو سَلَمة السّرّاج المدائيّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ [٦] ١٤/ ٤٠٥٩. [تنبيه]: قَالَ المصنّف فِي "الكبرى" ٤/ ٣٤٨ رقم ٧٤٦٧ - : المغيرة بن مسلم ليس بالقويّ فِي أبي الزبير، وعنده غير حديث منكر. انتهى. هكذا قَالَ المصنّف، ونحوه نقل عن ابن معين، فِي رواية ابن الجنيد عنه، انظر هامش "تهذيب الكمال" ٢٨/ ١٩٦ - لكن الجمهور عَلَى توثيقه، فقد قَالَ أحمد: ما أرى به بأسًا، وَقَالَ الغلابيّ عن ابن معين: ثقة، وَقَالَ ابن أبي خيثمة عن ابن معين: صالح. وَقَالَ أبو حاتم: صالح الْحَدِيث، صدوقٌ. وَقَالَ الدارقطنيّ: لا بأس به. وَقَالَ أبو داود الطيالسيّ: كَانَ صدوقًا مسلمًا. وَقَالَ العجليّ: ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". راجع ترجمته فِي "تهذيب الكمال" ٢٨/ ١٩٥ - ١٩٧ و"تهذيب التهذيب" ٤/ ١٣٧ - ١٣٨. و"الخلاصة" ص ٣٨٥. والحاصل أن الأكثرين عَلَى توثيقه، ولم ينفرد برواية هَذَا الْحَدِيث عن أبي الزبير، فقد تابعه عليه ابن جريج، والثوريّ، فحديثه هَذَا صحيح، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٩٧٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ أَبِي

стр. 17742

الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: "لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ قَطْعٌ". قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ ضَعِيفٌ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن العلاء": هو أبو كريب الهمدنيّ الكوفيّ الثقة الحافظ أحد مشايخ الأئمة الستة [١٠] ٩٥/ ١١٧. و"أبو خالد": هو سليمان بن حيان الأزديّ الأحمر الكوفيّ، صدوقٌ يُخطىء [٨] ٣٠/ ٩٢١. و"أشعث": هو ابن سوّار الكنديّ النجار الأفرق الأثرم، صاحب التوابيت، قاضي الأهواز، ضعيف [٦] ٥/ ٤٨٨٤. وقوله: "أشعث الخ" لفظ "الكبرى": "أشعث ضعيف، لا يُحتَجّ بحديثه". والحديث موقوف ضعيف؛ لضعف أشعث، ومخالفته للثقات، حيث رووه مرفوعًا، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ١٤ - (بَابُ قَطْعِ الرِّجْلِ مِنَ السَّارِقِ بَعْدَ الْيَدِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "الرِّجْل" -بكسر الراء، وسكون الجيم. وظاهر هذه الترجمة يدلّ عَلَى أن المصنّف يرى مشروعيّة قطع الأيد والأرجل فِي السرقة، وهو مذهب الجمهور، وهو الحقّ؛ لقوة أدلّته، وسيأتي فِي المسألة الثالثة بيان مذاهب العلماء فِي ذلك، وترجيح الراجح منها، إن شاء الله تعالى. ٤٩٧٩ - (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سَلْمٍ الْمَصَاحِفِيُّ الْبَلْخِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا يُوسُفُ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أُتِيَ بِلِصٍّ، فَقَالَ: "اقْتُلُوهُ"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا سَرَقَ، فَقَالَ: "اقْتُلُوهُ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا سَرَقَ، قَالَ: "اقْطَعُوا يَدَهُ"، قَالَ: ثُمَّ سَرَقَ، فَقُطِعَتْ رِجْلُهُ، ثُمَّ سَرَقَ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ رضى الله عنه، حَتَّى قُطِعَتْ قَوَائِمُهُ كُلُّهَا، ثُمَّ سَرَقَ أَيْضًا الْخَامِسَةَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رضى الله عنه: كَانَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ ، أَعْلَمَ بِهَذَا، حِينَ قَالَ: "اقْتُلُوهُ"، ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى فِتْيَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ؛ لِيَقْتُلُوهُ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ يُحِبُّ الإِمَارَةَ، فَقَالَ:

стр. 17743

أَمِّرُونِي عَلَيْكُمْ، فَأَمَّرُوهُ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ إِذَا ضَرَبَ ضَرَبُوهُ، حَتَّى قَتَلُوهُ). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (سليمان بن سَلْم) الْهَدَاديّ، أبو داود المصاحفيّ البلْخيّ، ثقة [١١] ١١٨/ ١٠٧٥. [فائدة]: "المصاحفيّ": نسبة إلى كتابة المصاحف. قاله فِي "لبّ اللباب" ٢/ ٢٥٩. ٢ - (النضر بن شُميل) أبو الحسن المازنيّ النحويّ البصريّ، نزيل مرو، ثقة ثبت، منْ كبار [٩] ٤١/ ٤٥. ٣ - (حماد) بن سلمة بن دينار البصريّ، أبو سلمة، ثقة عابد، أثبت النَّاس فِي ثابت، وتغيّر حفظه بآخره، منْ كبار [٨] ١٨١/ ٢٨٨. ٤ - (يوسف) بن سعد الْجُمحيّ مولاهم، أبو يعقوب، ويقال: أبو سعد البصريّ، ويقال: هو يوسف بن مازن، وقيل: هما اثنان، ثقة [٣]. رَوَى عن الحارث، ومحمد ابني حاطب الجمحي، والحسن بن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن جبير بن حية، وعبد الملك بن أبي عياش الجذامي، وعلي الأزدي. وعنه خالد الحذّاء، وداود بن أبي هند، والربيع بن صَبِيح، والقاسم بن الفضل الْحُدَاني، وحماد بن سلمة، وغيرهم. قَالَ ابن الجنيد، عن ابن معين: يوسف بن سعد ثقة. وَقَالَ الترمذيّ: مجهول، وقيل: هو يوسف بن مازن. وَقَالَ البخاريّ: يوسف بن مازن يُعَدُّ فِي البصريين. وَقَالَ إسحاق بن منصور، عن ابن معين: يوسف بن مازن المدنيّ، روى عنه القاسم بن الفضل مشهور. قَالَ الحافظ: وفرق البخاريّ بين يوسف بن سعد، ويوسف بن مازن، فَقَالَ فِي ابن سعد: إنه مولى ابن مظعون، وقيل: مولى ابن حاطب، وأنه روى عن عمر، وعلي، ومحمد بن حاطب، وزيد بن ثابت فِي آخرين، رَوَى عنه القاسم بن الفضل، والربيع ابن مسلم، وخالد الحذّاء، وحماد بن سلمة، وأبو بشر، وعلي بن زيد يُعَدُّ فِي البصريين، وَقَالَ فِي يوسف بن مازن الراسبي. روى عنه القاسم بن الفضل، ونوح بن قيس، يُعَدّ فِي البصريين، ولا يلزم منْ اشتراكهما فِي رواية القاسم بن الفضل، عن كل منهما، وفي كونهما بصريين أن يكونا واحدا، وَقَدْ تبع البخاريَّ ابنُ أبي حاتم فِي التفرقة بينهما، وترجم لكل منهما كما ترجم البخاريّ، وزاد فِي ابن مازن ما نقل عن يحيى بن معين، أنه مشهور، وفرق ابن حبّان بين يوسف بن سعد، شيخ الربيع بن مسلم، وذكر أنه يروي عن أبي هريرة، وبين ابن سعد، مولى محمد بن حاطب، فَقَالَ فِي "الثقات":

стр. 17744

يوسف بن سعد، مولى ابن حاطب يروي عن زيد بن ثابت، وعنه داود بن أبي هند، وأبو بشر، قَالَ الحافظ: وعندي أنه وَهِمَ فِي جعله اثنين، ولم يتعرض ليوسف بن مازن فِي "الثقات" انتهى. تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط. ٥ - (الحارث بن حاطب) بن الحارث بن معمر بن حَبيب بن وهب بن حُذافة بن جمُح القرشيّ الْجُمَحيّ، هاجر أبوه إلى الحبشة، فوُلد له الحارث بها، ومحمد، قاله الزهريّ، وفي كلام مصعب ما يدل عَلَى أن الحارث وُلد قبل هجرة الحبشة، وأن الذي وُلد له فيها أخوه محمد، وذَهِلَ ابن منده، فحكى عن ابن إسحاق فيمن هاجر إلى الحبشة الحارث بن حاصب، والذي فِي "مغازي ابن إسحاق"، ومختصرها لابن هشام حاطب بن الحارث، وللحارث بن حاطب رواية عن النبيّ ﷺ ، وروى عنه يوسف بن سعد الْجُمَحيّ، وأبو القاسم حسين بن الحارث الْجَدَليّ، استعمله ابن الزبير عَلَى مكة سنة (٦٦). وَقَالَ مصعب الزبيريّ: استعمله مروان عَلَى المساعي -أي بالمدينة- وعمل لابنه عبد الملك عَلَى مكة، وأما ابن حبّان، فذكره فِي التابعين، فوَهِم؛ لأن نصّ حديثه: "عهِد إلينا رسول الله ﷺ ". انتهى "الإصابة" ٢/ ١٥١ - ١٥٢ و"تهذيب التهذيب" ١/ ٣٢٨. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): اْنه مسلسل بالمدنيين. (ومنها): أن صحابيه منْ المقلّين منْ الرواية، فليس له إلا حديثان فقط، هَذَا الْحَدِيث عند المصنّف، وحديث: "عهد إلينا رسول الله ﷺ أن ننسُك للرؤية … " الْحَدِيث عند أبي داود فِي "الصيام". راجع "تحفة الأشراف" ٣/ ٤. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنِ الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبٍ) الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما (أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ ، أُتِيَ) بالبناء للمفَعول (بِلِصٍّ) بتثليث اللام: أي سارق (فَقَالَ) ﷺ (اقْتُلُوهُ) ولعله ﷺ اطّلع عَلَى أنه لا يرتدع بقطع أطرافه، فالأولى فِي حقّه قتله مرّة واحدة (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا سَرَقَ) أي لم يفعل ما يستحق به القتل (فَقَالَ) ﷺ (اقْتُلُوهُ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا سَرَقَ، قَالَ) ﷺ (اقْطَعُوا يَدَهُ) أي لسرقته (قَالَ) الحارث (ثُمَّ

стр. 17745

سَرَقَ، فَقُطِعَتْ رِجْلُهُ) هَذَا محلّ الشاهد للترجمة، ففيه أن رجل السارق يُقطع بعد يده، والظاهر أن هَذَا بعد سرقته فِي المرة الثالثة؛ لأن الثانية فيها قطع اليد اليسرى. والله تعالى أعلم (ثُمَّ سَرَقَ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ ﵁، حَتَّى قُطِعَتْ قَوَائِمُهُ كُلُّهَا) المراد به يداه، ورجلاه (ثُمَّ سَرَقَ أَيْضًا الخَامِسَةَ) بالنصب: أي السرقة الخامسة (فَقَالَ أَبُو بَكْر ﵁: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، أَعْلَمَ بِهذَا حِينَ قَالَ: "اقتُلُوهُ) أي أمر بقتله؛ إذ لا ينفعِ فيه قطع أطرافه (ثُمَّ دَفَعَهُ) أي أبو بكر ﵁ (إِلَى فِتْيَةٍ) بكسر، فسكون: جمع قِلّة لـ"فَتَى" بفتحتين، وهو الشابّ الْحَدَث، وجمع الكثرة فِتيان (مِنْ قُرَيْش؛ لِيَقْتُلُوهُ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيرِ) رضي الله تعالى عنهما (وَكَانَ يُحِبُّ الإِمَارَةَ) بكسر الهمزة، ويقال فيها: الإمرة بكسر، فسكون: وهي الولاية، يقال: أَمَرَ عَلَى القوم يأمُرُ، منْ باب قتل، فهو أميرٌ، والجمع الأمراء، ويُعَدَّى بالتضعيف، فيقال: أَمّرته تأميرًا. قاله الفيّوميّ (فَقَالَ: أَمِّرُونِي عَلَيْكُمْ) بتشديد الميم: أي اجعلوني أميرًا فِي شأن هَذَا السارق الذي أمر أبو بكر ﵁ بقتله (فَأَمَّرُوهُ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ إِذَا ضَرَبَ) أي إذا ضرب عبد الله بن الزبير السارق (ضَرَبُوهُ، حَتَّى قَتَلُوهُ). قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: سبحان منْ أجرى عَلَى لسانه ﷺ ما آل إليه عاقبة أمره. والحديث يدل بظاهره عَلَى أن السارق فِي المرّة الخامسة يُقتل، وَقَدْ جاء القتل فِي المرّة الخامسة مرفوعًا عن جابر ﵁ فِي أبي فى داود، والنسائيّ -أي فِي الرواية الآتية فِي الباب التالي-، والفقهاء عَلَى خلافه، فقيل: لعلّه وُجد منه ارتدادٌ، أوجب قتله، وهذا الاحتمال أوفق بما فِي حديث جابر ﵁ أنهم جرّوه، وألقوه فِي البئر؛ إذ المؤمن، وإن ارتكب كبيرةً، فإنه يقبر، ويُصلّى عليه، ولاسيّما بعد إقامة الحدّ عليه، وتطهيره، وأما الإهانة بهذا الوجه، فلا يليق بحال المسلم، وقيل: بل حديث القتل فِي المرّة الخامسة منسوخٌ بحديث: "لا يحلّ دم امرىء مسلم … " الْحَدِيث، وأبو بكر ﵁ ما علِمَ بنسخه، فعمل به، وفيه أن الحصر فِي ذلك الْحَدِيث محتاج إلى التوجيه، فكيف يحكم بنسخ هَذَا الْحَدِيث، على أن التاريخ، غير معلوم. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث الحارث بن حاطب رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيحٌ، وَقَدْ صححه الحاكم فِي "المستدرك" ٤/ ٣٨٢ لكن تعقّبه الذهبيّ بأنه منكرٌ، ولم يُبيّن وجه النكارة. ولعل وجهها مخالفته لحديث جابر ﵁ الآتي فِي الباب التالي، فإن فيه أن قتله كَانَ فِي عهده

стр. 17746

- ﷺ بأمره، وهنا جعله فِي عهد أبي بكر ﵁ بأمره، لكن الذي يظهر أنهما قضيّتان، فلا تعارض بينهما. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٤/ ٤٩٧٩ - وفي "الكبرى" ٢٤/ ٧٤٧٠. وهو منْ أفراده، لم يخرجه منْ أصحاب الأصول غيره، وأخرجه منْ غيرهم الحاكم فِي "المستدرك" ٤/ ٣٨٢ والبيهقيّ فِي "السنن الكبرى" ٨/ ٢٧٢ - ٢٧٣ والطبراني فِي "المعجم الكبير" ١/ ١٦٦/ ٢. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي أي اليدين تُقطع؟، وفي محلّ القطع: ذهب الجمهور إلى أن أول شيء يقطع منْ السارق اليد اليمنى، واحتجّوا بقراءة ابن مسعود رحمه الله تعالى: "فاقطعوا أيمانهما"، وأخرج سعيد بن منصور بسند صحيح، عن إبراهيم قَالَ: هي قراءتنا، يعني أصحاب ابن مسعود ﵁، ونقل فيه عياض الإجماع. وتُعُقّب، نعم قد شذ منْ قَالَ: إذا قطع الشمال أجزأت مطلقا، كما هو ظاهر ما ذكره البخاريّ عن قتادة، حيث قَالَ: وَقَالَ قتادة فِي امرأة سرقت، فقُطعت شمالها، ليس إلا ذلك. وَقَالَ مالك: إن كَانَ عمدا وجب القصاص عَلَى القاطع، ووجب قطع اليمين، وإن كَانَ خطأ وجبت الدية، ويجزىء عن السارق، وكذا قَالَ أبو حنيفة، وعن الشافعيّ، وأحمد قولان فِي السارق. قاله فِي "الفتح". وَقَالَ البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه": "وقطع علي ﵁ منْ الكف"، قَالَ فِي "الفتح": أشار بهذا الأثر إلى الاختلاف فِي محل القطع، وَقَدْ اختلف فِي حقيقة اليد، فقيل: أولها منْ المنكب، وقيل: منْ المرفق، وقيل: منْ الكوع، وقيل: منْ أصول الأصابع. فحجة الأول أن العرب تُطلق الأيدي عَلَى ذلك، ومن الثاني آية الوضوء، ففيها: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، ومن الثالث آية التيمم، ففي القرآن: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، وبينت السنة كما تقدم فِي بابه، أنه ﵊، مسح عَلَى كفيه فقط، وأخذ بظاهر الأول بعض الخوارج، ونقل عن سعيد بن المسيب، واستنكره جماعة، والثاني لا نعلم منْ قَالَ به فِي السرقة، والثالث قول الجمهور، ونقل بعضهم فيه الإجماع، والرابع نقل عن علي، واستحسنه أبو ثور، ورُدّ بأنه لا يسمى مقطوع اليد لغة، ولا عرفا، بل مقطوع الأصابع. وبحسب هَذَا الاختلاف وقع الخلاف فِي محل القطع، فَقَالَ بالأول الخوارج، وهم

стр. 17747

محجوجون بإجماع السلف عَلَى خلاف قولهم، وألزم ابن حزم الحنفية بأن يقولوا بالقطع منْ المرفق، قياسا عَلَى الوضوء، وكذا التيمم عندهم، قَالَ: وهو أولى منْ قياسهم قدر المهر عَلَى نصاب السرقة، ونقله عياض قولا شاذا، وحجة الجمهور الأخذ بأقل ما ينطلق عليه الاسم؛ لأن اليد قبل السرقة، كانت محترمة، فلما جاء النص بقطع اليد، وكانت تطلق عَلَى هذه المعاني، وجب أن لا يترك المتيقن، وهو تحريمها إلا بمتيقن، وهو القطع منْ الكف. وأما الأثر عن علي ﵁، فوصله الدارقطنيّ منْ طريق حُجَيّة بن عدي، أن عليا قطع منْ المفصل. وأخرج ابن أبي شيبة منْ مرسل رجاء بن حيوة: أن النبيّ ﷺ قطع منْ المفصل، وأورده أبو الشيخ فِي "كتاب حد السرقة"، منْ وجه آخر عن رجاء، عن عدي، رفعه مثله، ومن طريق وكيع، عن سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر رفعه مثله. وأخرج سعيد بن منصور، عن حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، قَالَ: كَانَ عمر ﵁ يقطع منْ المفصل، وعلي يقطع منْ مشط القدم. وأخرج ابن أبي شيبة، منْ طريق ابن أبي حيوة أن عليا قطعه منْ المفصل، وجاء عن علي أنه قطع اليد منْ الأصابع، والرجل منْ مشط القدم، أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة عنه، وهو منقطع، وإن كَانَ رجال السند منْ رجال الصحيح. وَقَدْ أخرج عبد الرزاق، منْ وجه آخر: أن عليا كَانَ يقطع الرجل منْ الكعب. وذكر الشافعيّ فِي "كتاب اختلاف" عليّ وابن مسعود، أن عليا كَانَ يقطع منْ يد السارق الخنصر والبنصر والوسطى خاصة، ويقول: أستحي منْ الله أن أتركه بلا عمل، وهذا يحتمل أن يكون بقي الإبهام والسبابة، وقطع الكف والأصابع الثلاثة، ويحتمل أن يكون بقي الكف أيضًا، والأول أليق؛ لأنه موافق لما نقل البخاريّ أنه قطع منْ الكف. انتهى "فتح" ١٤/ ٥٢. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبين مما سبق أن الأرجح هو ما ذهب إليه الجمهور، منْ القطع ليمين السارق، وأنه يكون منْ الكوع؛ لقوة حجتهم، كما سلف آنفاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي قطع أيدي السارق، وأرجله: قَالَ فِي "الفتح" ١٤/ ٥٣ - ٥٤ - : واختلف السلف فيمن سَرَق، فقُطِع، ثم سرق ثانيا، فَقَالَ الجمهور: تُقطع رجله اليسرى، ثم إن سرق فاليد اليسرى، ثم إن سرق فالرجل اليمنى، واحتُج لهم بآية المحاربة، وبفعل الصحابة، وبأنهم فهموا منْ الآية أنها فِي المرة الواحدة، فإذا عاد السارق وجب عليه القطع ثانيا، إلى أن لا يبقى له ما يُقطع، ثم إن سرق عُزِّر، وسُجِن، وقيل يقتل فِي الخامسة، قاله أبو مصعب الزهريّ المدنيّ، صاحب مالك، وحجته ما أخرجه أبو داود، والنسائي، منْ حديث جابر ﵁، قَالَ:

стр. 17748

جيء بسارق إلى النبيّ ﷺ ، فَقَالَ: "اقتلوه"، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق، قَالَ: "اقطعوه"، ثم جيء به الثانية، فَقَالَ: "اقتلوه"، ذكر مثله، إلى أن قَالَ: فأُتي به الخامسة: فَقَالَ: "اقتلوه"، قَالَ جابر: فأنطلقنا به، فقتلناه، ورميناه فِي بئر، قَالَ النسائيّ: هَذَا حديث منكر، ومصعب بن ثابت راويه، ليس بالقوي. وَقَدْ قَالَ بعض أهل العلم، كابن المنكدر، والشافعي: إن هَذَا منسوخ، وَقَالَ بعضهم: هو خاص بالرجل المذكور، فكأن النبيّ ﷺ اطلع عَلَى أنه واجب القتل، ولذلك أمر بقتله، منْ أول مرة، ويحتمل أنه كَانَ منْ المفسدين فِي الأرض. قَالَ الحافظ: وللحديث شاهد منْ حديث الحارث بن حاطب ﵁، أخرجه النسائيّ، ولفظه: أن النبيّ ﷺ ، أُتي بلصّ، فَقَالَ: "اقتلوه"، فقالوا: إنما سرق، فذكر نحو حديث جابر ﵁ فِي قطع أطرافه الأربع، إلا أنه قَالَ فِي آخره: ثم سرق الخامسة فِي عهد أبي بكر، فَقَالَ أبو بكر: كَانَ رسول الله ﷺ أعلم بهذا، حين قَالَ: "اقتلوه"، ثم دفعه إلى فتية منْ قريش، فقتلوه، قَالَ النسائيّ: لا أعلم فِي هَذَا الباب حديثا صحيحا. قَالَ الحافظ: نقل المنذري تبعا لغيره فيه الإجماع، ولعلهم أرادوا أنه استقر عَلَى ذلك، وإلا فقد جزم الباجي، فِي اختلاف العلماء أنه قول مالك، ثم قَالَ: وله قول آخر: لا يُقتل، وَقَالَ عياض: لا أعلم أحدا منْ أهل العلم قَالَ به، إلا ما ذكر أبو مصعب، صاحب مالك فِي "مختصره" عن مالك، وغيره منْ أهل المدينة، فَقَالَ: ومن سرق ممن بلغ الحلم قطع يمينه، ثم ان عاد فرجله اليسرى، ثم إن عاد فيده اليسرى، ثم إن عاد فرجله اليمنى، فإن سرق فِي الخامسة قُتل كما قَالَ رسول الله ﷺ ، وعمر بن عبد العزيز. انتهى. وفيه قول ثالث، تُقطع اليد بعد اليد، ثم الرجل بعد الرجل، نُقل عن أبي بكر وعمر، ولا يصح، وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح، عن القاسم بن محمد، أن أبا بكر قطع يد سارق فِي الثالثة، ومن طريق سالم بن عبد الله، أن أبا بكر إنما قطع رجله، وكان مقطوع اليد، ورجال السندين ثقات، مع انقطاعهما. وفيه قول رابع: تقطع الرجل اليسرى بعد اليمنى، ثم لا قطع، أخرجه عبد الرزاق منْ طريق الشعبي، عن علي ﵁، وسنده ضعيف، ومن طريق أبي الضحى، أن عليا نحوه، ورجاله ثقات مع انقطاعه، وبسند صحيح عن إبراهيم النخعي، كانوا يقولون: لا يترك ابن آدم مثل البهيمة، ليس له يد يأكل بها، ويستنجي بها، وبسند حسن عن عبد الرحمن بن عائذ، أن عمر أراد أن يقطع فِي الثالثة، فَقَالَ له علي: اضربه،

стр. 17749

واحبسه، ففعل، وهذا قول النخعي، والشعبي، والأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة. وفيه قول خامس، قاله عطاء: لا يقطع شيء منْ الرجلين أصلاً، عَلَى ظاهر الآية، وهو قول الظاهرية، قَالَ ابن عبد البرّ: حديث القتل فِي الخامسة منكر، وَقَدْ ثبت: "لا يحل دم امرىء مسلم، إلا بإحدى ثلاث"، وثبت: "السرقة فاحشة، وفيها عقوبة"، وثبت عن الصحابة قطع الرجل بعد اليد، وهم يقرءون: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ الآية [المائدة: ٣٨]، كما اتفقوا عَلَى الجزاء فِي الصيد، وإن قتل خطأ، وهم يقرءون: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ الآية [المائدة: ٩٥]، ويمسحون عَلَى الخفين، وهم يقرءون غسل الرجلين، وإنما قالوا جميع ذلك بالسنة. انتهى "فتح" ١٤/ ٥٣ - ٥٤. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد اتّضح بما ذُكر أن الأرجح قول الجمهور منْ قطع الأرجل بعد الأيد؛ لقوّة حجته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): فِي اختلاف أهل العلم فِي قتل السارق فِي المرّة الخامسة: قَالَ الخطّابيّ رحمه الله تعالى: هَذَا الْحَدِيث فِي بعض إسناده مقال، وَقَدْ عارض الْحَدِيث الصحيح، وهو أن النبيّ ﷺ قَالَ: لا يحلّ دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس"، والسارق ليس بواحد منْ الثلاثة، فالوقوف عن دمه واجبٌ، ولا أعلم أحدا منْ الفقهاء، يبيح دم السارق، وإن تكررت منه السرقة مرّة بعد أخرى، وَقَدْ يُخَرَّج عَلَى مذاهب بعض الفقهاء أن يباح دمه، وهو أن يكون هَذَا منْ المفسدين فِي الأرض، فإن للإمام أن يجتهد فِي تعزير المفسدين، ويبلغ به ما رأى منْ العقوبة، وإن زاد عَلَى مقدار الحد، وإن رأى القتلَ قتل، ويعزى هَذَا الرأي إلى مالك بن أنس، وهذا الْحَدِيث -إن كَانَ له أصل- فهو يؤيّد هَذَا الرأي، وَقَدْ يدلّ عَلَى ذلك منْ نفس الْحَدِيث أنه ﷺ قد أمر بقتله لَمّا جيء به أول مرّة، ثم كذلك فِي الثانية، والثالثة، والرابعة إلى أن قُتل فِي الخامسة، فقد يحتمل أن يكون هَذَا رجلاً مشهورًا بالفساد، مخبورًا معلومًا منْ أمره أنه سيعود إلى سوء فعله، ولا ينتهي عنه حَتَّى ينتهي خبره. انتهى "معالم السنن" ٦/ ٢٣٦ - ٢٣٧. وَقَالَ المنذريّ: قَالَ الشافعيّ: والقتل منسوخ بهذا الْحَدِيث، وغيره، وهذا ما لا اختلاف فيه عند أحد منْ اْهل العلم علمته، يريد حديث قبيصة بن ذؤيب، وفيه: "ووضع القتل، فكانت رخصة"، وَقَالَ الشافعيّ أيضًا فِي موضع آخر: ثم حُفظ عن النبيّ ﷺ جلد الشارب العدد الذي قَالَ: يقتل بعده، ثم جيء به، فجلده، ورفع القتل، وصارت رخصة. وَقَالَ بعضهم: يحتمل أن يكون ما فعله، إن صح الْحَدِيث، فإنما

стр. 17750

فعله بوحي منْ الله سبحانه، فيكون معنى الْحَدِيث خاصا فيه. والله أعلم. وتعقّب العلّامة ابن القيّم رحمه الله تعالى منْ ادّعى الإجماع على عدم القتل، والنسخ فِي مسألة قتل شارب الخمر فِي المرة الرابعة، فَقَالَ: أما دعوى الإجماع عَلَى خلافه، فلا إجماع، قَالَ عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو: "ايتوني به فِي الرابعة، فعليّ أن أقتله". وهذا مذهب بعض السلف. وأما ادعاء نسخه بحديث عبد الله بن حمار، فإنما يَتمّ بثبوت تأخره، والإتيان به بعد الرابعة، ومنافاته للأمر بقتله. وأما دعوى نسخه بحديث: "لا يحلّ دم امرىء مسلم، إلا بإحدى ثلاث"، فلا يصحّ؛ لأنه عامّ، وحديث القتل خاصّ، والذي يقتضيه الدليل أن الأمر بقتله ليس حتمًا، ولكنه تعزيرٌ بحسب المصلحة، فإذا أكثر النَّاس منْ الخمر، ولم ينزجروا بالحدّ، فرأى الإمام أن يقتُل فيه قَتَل، ولهذا كَانَ عمر ﵁ ينفي فيه مرة، ويَحلق فيه الرأس مرّة، وجلد فيه ثمانين، وَقَدْ جلد رسول الله ﷺ ، وأبو بكر ﵁ أربعين، فقتله فِي الرابعة ليس حدًّا، وإنما هو تعزيرٌ بحسب المصلحة، وعلى هَذَا يتخرّج حديث الأمر بقتل السارق، إن صحّ، والله تعالى أعلم. انتهى كلام ابن القيّم فِي "مختصر السنن" ٦/ ٢٣٦ - ٢٣٨. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي قاله الإمام ابن القيّم رحمه الله تعالى منْ التوفيق بين النصوص فِي قضيّة قتل السارق فِي المرة الخامسة، والشارب فِي المرّة الرابعة حسنٌ جدًّا. وحاصله أن الأمر بقتل السارق، والشارب ليس حدًّا محتومًا، وإنما هو منْ باب التعزيز؛ للمصلحة، فإذا رأى الإمام أن شرّهما مستطيرٌ، وأنهما لا يرتدعان بالحدّ المقرّر، بل يعودان إلى سوء فعلهما، إلا إذا قتلهما، فله ذلك، وهذا لا ينافي عموم "لا يحلّ دم امرىء مسلم … " الْحَدِيث، بل هو داخل فيه؛ لأنه منْ باب قمع المفسدين فِي الأرض، فبهذا تجتمع النصوص، ولا تتعارض. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". ***
следующие страницы →