- ﷺ بأمره، وهنا جعله فِي عهد أبي بكر ﵁ بأمره، لكن الذي يظهر أنهما قضيّتان، فلا تعارض بينهما. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٤/ ٤٩٧٩ - وفي "الكبرى" ٢٤/ ٧٤٧٠. وهو منْ أفراده، لم يخرجه منْ أصحاب الأصول غيره، وأخرجه منْ غيرهم الحاكم فِي "المستدرك" ٤/ ٣٨٢ والبيهقيّ فِي "السنن الكبرى" ٨/ ٢٧٢ - ٢٧٣ والطبراني فِي "المعجم الكبير" ١/ ١٦٦/ ٢. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي أي اليدين تُقطع؟، وفي محلّ القطع:
ذهب الجمهور إلى أن أول شيء يقطع منْ السارق اليد اليمنى، واحتجّوا بقراءة ابن مسعود رحمه الله تعالى: "فاقطعوا أيمانهما"، وأخرج سعيد بن منصور بسند صحيح، عن إبراهيم قَالَ: هي قراءتنا، يعني أصحاب ابن مسعود ﵁، ونقل فيه عياض الإجماع. وتُعُقّب، نعم قد شذ منْ قَالَ: إذا قطع الشمال أجزأت مطلقا، كما هو ظاهر ما ذكره البخاريّ عن قتادة، حيث قَالَ: وَقَالَ قتادة فِي امرأة سرقت، فقُطعت شمالها، ليس إلا ذلك. وَقَالَ مالك: إن كَانَ عمدا وجب القصاص عَلَى القاطع، ووجب قطع اليمين، وإن كَانَ خطأ وجبت الدية، ويجزىء عن السارق، وكذا قَالَ أبو حنيفة، وعن الشافعيّ، وأحمد قولان فِي السارق. قاله فِي "الفتح".
وَقَالَ البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه": "وقطع علي ﵁ منْ الكف"، قَالَ فِي "الفتح": أشار بهذا الأثر إلى الاختلاف فِي محل القطع، وَقَدْ اختلف فِي حقيقة اليد، فقيل: أولها منْ المنكب، وقيل: منْ المرفق، وقيل: منْ الكوع، وقيل: منْ أصول الأصابع.
فحجة الأول أن العرب تُطلق الأيدي عَلَى ذلك، ومن الثاني آية الوضوء، ففيها: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، ومن الثالث آية التيمم، ففي القرآن: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، وبينت السنة كما تقدم فِي بابه، أنه ﵊، مسح عَلَى كفيه فقط، وأخذ بظاهر الأول بعض الخوارج، ونقل عن سعيد بن المسيب، واستنكره جماعة، والثاني لا نعلم منْ قَالَ به فِي السرقة، والثالث قول الجمهور، ونقل بعضهم فيه الإجماع، والرابع نقل عن علي، واستحسنه أبو ثور، ورُدّ بأنه لا يسمى مقطوع اليد لغة، ولا عرفا، بل مقطوع الأصابع.
وبحسب هَذَا الاختلاف وقع الخلاف فِي محل القطع، فَقَالَ بالأول الخوارج، وهم
стр. 17747
محجوجون بإجماع السلف عَلَى خلاف قولهم، وألزم ابن حزم الحنفية بأن يقولوا بالقطع منْ المرفق، قياسا عَلَى الوضوء، وكذا التيمم عندهم، قَالَ: وهو أولى منْ قياسهم قدر المهر عَلَى نصاب السرقة، ونقله عياض قولا شاذا، وحجة الجمهور الأخذ بأقل ما ينطلق عليه الاسم؛ لأن اليد قبل السرقة، كانت محترمة، فلما جاء النص بقطع اليد، وكانت تطلق عَلَى هذه المعاني، وجب أن لا يترك المتيقن، وهو تحريمها إلا بمتيقن، وهو القطع منْ الكف. وأما الأثر عن علي ﵁، فوصله الدارقطنيّ منْ طريق حُجَيّة بن عدي، أن عليا قطع منْ المفصل. وأخرج ابن أبي شيبة منْ مرسل رجاء بن حيوة: أن النبيّ ﷺ قطع منْ المفصل، وأورده أبو الشيخ فِي "كتاب حد السرقة"، منْ وجه آخر عن رجاء، عن عدي، رفعه مثله، ومن طريق وكيع، عن سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر رفعه مثله. وأخرج سعيد بن منصور، عن حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، قَالَ: كَانَ عمر ﵁ يقطع منْ المفصل، وعلي يقطع منْ مشط القدم. وأخرج ابن أبي شيبة، منْ طريق ابن أبي حيوة أن عليا قطعه منْ المفصل، وجاء عن علي أنه قطع اليد منْ الأصابع، والرجل منْ مشط القدم، أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة عنه، وهو منقطع، وإن كَانَ رجال السند منْ رجال الصحيح. وَقَدْ أخرج عبد الرزاق، منْ وجه آخر: أن عليا كَانَ يقطع الرجل منْ الكعب. وذكر الشافعيّ فِي "كتاب اختلاف" عليّ وابن مسعود، أن عليا كَانَ يقطع منْ يد السارق الخنصر والبنصر والوسطى خاصة، ويقول: أستحي منْ الله أن أتركه بلا عمل، وهذا يحتمل أن يكون بقي الإبهام والسبابة، وقطع الكف والأصابع الثلاثة، ويحتمل أن يكون بقي الكف أيضًا، والأول أليق؛ لأنه موافق لما نقل البخاريّ أنه قطع منْ الكف. انتهى "فتح" ١٤/ ٥٢.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبين مما سبق أن الأرجح هو ما ذهب إليه الجمهور، منْ القطع ليمين السارق، وأنه يكون منْ الكوع؛ لقوة حجتهم، كما سلف آنفاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي قطع أيدي السارق، وأرجله:
قَالَ فِي "الفتح" ١٤/ ٥٣ - ٥٤ - : واختلف السلف فيمن سَرَق، فقُطِع، ثم سرق ثانيا، فَقَالَ الجمهور: تُقطع رجله اليسرى، ثم إن سرق فاليد اليسرى، ثم إن سرق فالرجل اليمنى، واحتُج لهم بآية المحاربة، وبفعل الصحابة، وبأنهم فهموا منْ الآية أنها فِي المرة الواحدة، فإذا عاد السارق وجب عليه القطع ثانيا، إلى أن لا يبقى له ما يُقطع، ثم إن سرق عُزِّر، وسُجِن، وقيل يقتل فِي الخامسة، قاله أبو مصعب الزهريّ المدنيّ، صاحب مالك، وحجته ما أخرجه أبو داود، والنسائي، منْ حديث جابر ﵁، قَالَ:
стр. 17748
جيء بسارق إلى النبيّ ﷺ ، فَقَالَ: "اقتلوه"، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق، قَالَ: "اقطعوه"، ثم جيء به الثانية، فَقَالَ: "اقتلوه"، ذكر مثله، إلى أن قَالَ: فأُتي به الخامسة: فَقَالَ: "اقتلوه"، قَالَ جابر: فأنطلقنا به، فقتلناه، ورميناه فِي بئر، قَالَ النسائيّ: هَذَا حديث منكر، ومصعب بن ثابت راويه، ليس بالقوي. وَقَدْ قَالَ بعض أهل العلم، كابن المنكدر، والشافعي: إن هَذَا منسوخ، وَقَالَ بعضهم: هو خاص بالرجل المذكور، فكأن النبيّ ﷺ اطلع عَلَى أنه واجب القتل، ولذلك أمر بقتله، منْ أول مرة، ويحتمل أنه كَانَ منْ المفسدين فِي الأرض.
قَالَ الحافظ: وللحديث شاهد منْ حديث الحارث بن حاطب ﵁، أخرجه النسائيّ، ولفظه: أن النبيّ ﷺ ، أُتي بلصّ، فَقَالَ: "اقتلوه"، فقالوا: إنما سرق، فذكر نحو حديث جابر ﵁ فِي قطع أطرافه الأربع، إلا أنه قَالَ فِي آخره: ثم سرق الخامسة فِي عهد أبي بكر، فَقَالَ أبو بكر: كَانَ رسول الله ﷺ أعلم بهذا، حين قَالَ: "اقتلوه"، ثم دفعه إلى فتية منْ قريش، فقتلوه، قَالَ النسائيّ: لا أعلم فِي هَذَا الباب حديثا صحيحا.
قَالَ الحافظ: نقل المنذري تبعا لغيره فيه الإجماع، ولعلهم أرادوا أنه استقر عَلَى ذلك، وإلا فقد جزم الباجي، فِي اختلاف العلماء أنه قول مالك، ثم قَالَ: وله قول آخر: لا يُقتل، وَقَالَ عياض: لا أعلم أحدا منْ أهل العلم قَالَ به، إلا ما ذكر أبو مصعب، صاحب مالك فِي "مختصره" عن مالك، وغيره منْ أهل المدينة، فَقَالَ: ومن سرق ممن بلغ الحلم قطع يمينه، ثم ان عاد فرجله اليسرى، ثم إن عاد فيده اليسرى، ثم إن عاد فرجله اليمنى، فإن سرق فِي الخامسة قُتل كما قَالَ رسول الله ﷺ ، وعمر بن عبد العزيز. انتهى.
وفيه قول ثالث، تُقطع اليد بعد اليد، ثم الرجل بعد الرجل، نُقل عن أبي بكر وعمر، ولا يصح، وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح، عن القاسم بن محمد، أن أبا بكر قطع يد سارق فِي الثالثة، ومن طريق سالم بن عبد الله، أن أبا بكر إنما قطع رجله، وكان مقطوع اليد، ورجال السندين ثقات، مع انقطاعهما.
وفيه قول رابع: تقطع الرجل اليسرى بعد اليمنى، ثم لا قطع، أخرجه عبد الرزاق منْ طريق الشعبي، عن علي ﵁، وسنده ضعيف، ومن طريق أبي الضحى، أن عليا نحوه، ورجاله ثقات مع انقطاعه، وبسند صحيح عن إبراهيم النخعي، كانوا يقولون: لا يترك ابن آدم مثل البهيمة، ليس له يد يأكل بها، ويستنجي بها، وبسند حسن عن عبد الرحمن بن عائذ، أن عمر أراد أن يقطع فِي الثالثة، فَقَالَ له علي: اضربه،
стр. 17749
واحبسه، ففعل، وهذا قول النخعي، والشعبي، والأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة. وفيه قول خامس، قاله عطاء: لا يقطع شيء منْ الرجلين أصلاً، عَلَى ظاهر الآية، وهو قول الظاهرية، قَالَ ابن عبد البرّ: حديث القتل فِي الخامسة منكر، وَقَدْ ثبت: "لا يحل دم امرىء مسلم، إلا بإحدى ثلاث"، وثبت: "السرقة فاحشة، وفيها عقوبة"، وثبت عن الصحابة قطع الرجل بعد اليد، وهم يقرءون: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ الآية [المائدة: ٣٨]، كما اتفقوا عَلَى الجزاء فِي الصيد، وإن قتل خطأ، وهم يقرءون: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ الآية [المائدة: ٩٥]، ويمسحون عَلَى الخفين، وهم يقرءون غسل الرجلين، وإنما قالوا جميع ذلك بالسنة. انتهى "فتح" ١٤/ ٥٣ - ٥٤.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد اتّضح بما ذُكر أن الأرجح قول الجمهور منْ قطع الأرجل بعد الأيد؛ لقوّة حجته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): فِي اختلاف أهل العلم فِي قتل السارق فِي المرّة الخامسة:
قَالَ الخطّابيّ رحمه الله تعالى: هَذَا الْحَدِيث فِي بعض إسناده مقال، وَقَدْ عارض الْحَدِيث الصحيح، وهو أن النبيّ ﷺ قَالَ: لا يحلّ دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس"، والسارق ليس بواحد منْ الثلاثة، فالوقوف عن دمه واجبٌ، ولا أعلم أحدا منْ الفقهاء، يبيح دم السارق، وإن تكررت منه السرقة مرّة بعد أخرى، وَقَدْ يُخَرَّج عَلَى مذاهب بعض الفقهاء أن يباح دمه، وهو أن يكون هَذَا منْ المفسدين فِي الأرض، فإن للإمام أن يجتهد فِي تعزير المفسدين، ويبلغ به ما رأى منْ العقوبة، وإن زاد عَلَى مقدار الحد، وإن رأى القتلَ قتل، ويعزى هَذَا الرأي إلى مالك بن أنس، وهذا الْحَدِيث -إن كَانَ له أصل- فهو يؤيّد هَذَا الرأي، وَقَدْ يدلّ عَلَى ذلك منْ نفس الْحَدِيث أنه ﷺ قد أمر بقتله لَمّا جيء به أول مرّة، ثم كذلك فِي الثانية، والثالثة، والرابعة إلى أن قُتل فِي الخامسة، فقد يحتمل أن يكون هَذَا رجلاً مشهورًا بالفساد، مخبورًا معلومًا منْ أمره أنه سيعود إلى سوء فعله، ولا ينتهي عنه حَتَّى ينتهي خبره. انتهى "معالم السنن" ٦/ ٢٣٦ - ٢٣٧.
وَقَالَ المنذريّ: قَالَ الشافعيّ: والقتل منسوخ بهذا الْحَدِيث، وغيره، وهذا ما لا اختلاف فيه عند أحد منْ اْهل العلم علمته، يريد حديث قبيصة بن ذؤيب، وفيه: "ووضع القتل، فكانت رخصة"، وَقَالَ الشافعيّ أيضًا فِي موضع آخر: ثم حُفظ عن النبيّ ﷺ جلد الشارب العدد الذي قَالَ: يقتل بعده، ثم جيء به، فجلده، ورفع القتل، وصارت رخصة. وَقَالَ بعضهم: يحتمل أن يكون ما فعله، إن صح الْحَدِيث، فإنما
стр. 17750
فعله بوحي منْ الله سبحانه، فيكون معنى الْحَدِيث خاصا فيه. والله أعلم.
وتعقّب العلّامة ابن القيّم رحمه الله تعالى منْ ادّعى الإجماع على عدم القتل، والنسخ فِي مسألة قتل شارب الخمر فِي المرة الرابعة، فَقَالَ: أما دعوى الإجماع عَلَى خلافه، فلا إجماع، قَالَ عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو: "ايتوني به فِي الرابعة، فعليّ أن أقتله". وهذا مذهب بعض السلف. وأما ادعاء نسخه بحديث عبد الله بن حمار، فإنما يَتمّ بثبوت تأخره، والإتيان به بعد الرابعة، ومنافاته للأمر بقتله. وأما دعوى نسخه بحديث: "لا يحلّ دم امرىء مسلم، إلا بإحدى ثلاث"، فلا يصحّ؛ لأنه عامّ، وحديث القتل خاصّ، والذي يقتضيه الدليل أن الأمر بقتله ليس حتمًا، ولكنه تعزيرٌ بحسب المصلحة، فإذا أكثر النَّاس منْ الخمر، ولم ينزجروا بالحدّ، فرأى الإمام أن يقتُل فيه قَتَل، ولهذا كَانَ عمر ﵁ ينفي فيه مرة، ويَحلق فيه الرأس مرّة، وجلد فيه ثمانين، وَقَدْ جلد رسول الله ﷺ ، وأبو بكر ﵁ أربعين، فقتله فِي الرابعة ليس حدًّا، وإنما هو تعزيرٌ بحسب المصلحة، وعلى هَذَا يتخرّج حديث الأمر بقتل السارق، إن صحّ، والله تعالى أعلم. انتهى كلام ابن القيّم فِي "مختصر السنن" ٦/ ٢٣٦ - ٢٣٨.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي قاله الإمام ابن القيّم رحمه الله تعالى منْ التوفيق بين النصوص فِي قضيّة قتل السارق فِي المرة الخامسة، والشارب فِي المرّة الرابعة حسنٌ جدًّا.
وحاصله أن الأمر بقتل السارق، والشارب ليس حدًّا محتومًا، وإنما هو منْ باب التعزيز؛ للمصلحة، فإذا رأى الإمام أن شرّهما مستطيرٌ، وأنهما لا يرتدعان بالحدّ المقرّر، بل يعودان إلى سوء فعلهما، إلا إذا قتلهما، فله ذلك، وهذا لا ينافي عموم "لا يحلّ دم امرىء مسلم … " الْحَدِيث، بل هو داخل فيه؛ لأنه منْ باب قمع المفسدين فِي الأرض، فبهذا تجتمع النصوص، ولا تتعارض. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
***
стр. 17751
١٥ - (بَابُ قَطْعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ مِنَ السَّارِقِ)
٤٩٨٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَقِيلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: جِيءَ بِسَارِقٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "اقْتُلُوهُ"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا سَرَقَ، قَالَ: "اقْطَعُوهُ"، فَقُطِعَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: "اقْتُلُوهُ"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا سَرَقَ، قَالَ: "اقْطَعُوهُ"، فَقُطِعَ فَأُتِيَ بِهِ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: "اقْتُلُوهُ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا سَرَقَ، فَقَالَ: "اقْطَعُوهُ"، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ: "اقْتُلُوهُ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا سَرَقَ، قَالَ: "اقْطَعُوهُ". فَأُتِيَ بِهِ الْخَامِسَةَ قَالَ: "اقْتُلُوهُ"، قَالَ جَابِرٌ: فَانْطَلَقْنَا بِهِ إِلَى مِرْبَدِ النَّعَمِ، وَحَمَلْنَاهُ، فَاسْتَلْقَى عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ كَشَّرَ بِيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، فَانْصَدَعَتِ الإِبِلُ، ثُمَّ حَمَلُوا عَلَيْهِ الثَّانِيَةَ، فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَمَلُوا عَلَيْهِ الثَّالِثَةَ، فَرَمَيْنَاهُ بِالْحِجَارَةِ، فَقَتَلْنَاهُ، ثُمَّ أَلْقَيْنَاهُ فِي بِئْرٍ، ثُمَّ رَمَيْنَا عَلَيْهِ بِالْحِجَارَةِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَهَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَمُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ، لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِي الْحَدِيثِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن عبد الله بن عُبيد بن عَقِيل: هو الهلاليّ، أبو مسعود البصريّ، صدوقٌ [١١] ١٩/ ٤٧٦٦. و"جدّه": هو عُبيد بن عَقِل" -بفتح العين المهملة، مكبّرًا-: هو أبو عمرو الهلاليّ البصريّ الضرير المعلّم، صدوقٌ، منْ صغار [٩] ١٩/ ٤٧٦٦.
و"مُصعب بن ثابت" بن عبد الله بن الزبير بن العوّام الأسديّ، ليّن الْحَدِيث، وكان عابدًا [٧].
أرسل عن جده، وروى عن أبيه، وعمه عامر، وابن عم أبيه عكاشة بن مصعب، وابن عم أبيه الآخر هشام بن عروة، ونافع مولى ابن عمر، وابن المنكدر، وعطاء بن أبي رباح، وجماعة. وعنه ابنه عبد الله، وزيد بن أسلم، وهو أكبر منه، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وهو منْ أقرانه، وابن المبارك، والداروردي، وحميد بن الأسود، وعُبيد بن عَقِيل، وآخرون. قَالَ عبد الله بن أحمد، عن أبيه: أراه ضعيف الْحَدِيث، لم أر النَّاس يَحمدون حديثه. وَقَالَ عثمان الدارمي، عن ابن معين: ضعيف. وَقَالَ معاوية ابن صالح، عن ابن معين: ليس بشيء. وَقَالَ أبو حاتم: صدوقٌ، كثير الغلط، ليس
стр. 17752
بالقوي. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ أبو حاتم: مات سنة سبع وخمسين ومائة، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة. له عند النسائيّ حديث عن ابن المنكدر، عن جابر، فِي قتل السارق بعد الخامسة، قَالَ النسائيّ عقبه: هَذَا حديث منكر، ومصعب بن ثابت ليس بالقوي فِي الْحَدِيث، زاد فِي "الكبرى": ولم يتركه يحيى القطّان. وَقَالَ الطبراني فِي "المعجم الأوسط": لم يروه عن ابن المنكدر، إلا مصعب.
وَقَالَ الزهريّ: كَانَ منْ أعبد أهل زمانه، قيل: كَانَ يصوم الدهر، ويصلي فِي اليوم والليلة ألف ركعة، وعاش إحدى وسبعين سنة. وَقَالَ ابن حبّان فِي "الضعفاء": انفرد بالمناكير عن المشاهير، فلما كثر ذلك فيه استحق مجانبة حديثه، ولما ذكره فِي "الثقات" قَالَ: قد أدخلته فِي "الضعفاء"، وهو ممن أستخير الله تعالى فيه. وَقَالَ ابن سعد: كَانَ كثير الْحَدِيث، يُستضعف. وَقَالَ الدارقطني: مدني ليس بالقوي، رَوَى عبد الله بن المبارك، عن مصعب بن ثابت، عن عبد الله بن الزبير حديثاً، فَقَالَ الذهبيّ: تفرد عنه ابن المبارك وحده، لا يكاد يُعرف، أو هو الأول، أرسل عن جده (١). روى له المصنّف هَذَا الْحَدِيث فقط، وأبو داود، وابن ماجه.
و"محمد بن المنكدر": هو التيميّ المدنيّ، ثقة فاضلٌ [٣] ١٠٣/ ١٣٨.
وقوله: "إلى مِربد النعم" -بكسر الميم، وسكون الراء-: موقفها، مشتقّ منْ ربد بالمكان رَبْدًا، منْ باب ضرب: أقام فيه، وربدته رَبْدًا أيضًا: حبسته. أفاده الفيّوميّ.
وقوله: "ثم كشر بيديه، ورجليه": قَالَ السنديّ: قيل: هكذا فِي النسخ، والكشر ظهور الأسنان للضحك، وليس له كثير معنى هاهنا، وفي "الكبرى": "كسر" بالمهملة، وصُحّح عليها، وليس له كثير معنى، وَقَدْ جاء كَشِيشُ الأفعى -بشينين معجمتين بلا راء- بمعنى صوتِ جلدها إذا تحرّكت، يقال: كشت تكش، وهذا المعنى صحيح هنا لو ساعدته رواية. قلت: وقوع تحريف قليل منْ الناسخ غير بعيد. والله تعالى أعلم. انتهى كلام السنديّ.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن هذه التكلّفات التي تعب فيها السنديّ، مما لا داعي له، فإن كشر بالشين المعجمة له معنى صحيح فِي اللغة، فقد قَالَ ابن منظور رحمه الله تعالى: كشر السبع عن نابه -أي منْ باب ضرب-: إذا هرّ للحراش (٢)،
стр. 17753
وكشر فلان لفلان: إذا تنمّر له، وأوعده، كأنه سبع، ويقال: اكشر عن أنيابك: أي أوعده، وهو مجاز. انتهى "لسان العرب" ٥/ ١٤٥ - بزيادة منْ "تاج العروس، شرح القاموس" ٣/ ٥٢٣.
فالمعنى هنا أن هَذَا الرجل أظهر يديه، ورجليه، وهي مقطوعة، فحرّكها حَتَّى تهرب الإبل، كما يدلّ عليه قوله: "فانصدعت الإبل"، وهذا معنى صحيح، لا غبار عليه، ولا معنى لدعوى التحريف، وأن ما وقع فِي "المجتبى" بالشين المعجمة أظهر مما وقع فِي "الكبرى" بالمهملة.
وقوله: "فتصدعت الإبل": أي تفرّقت. وتمام شرح الْحَدِيث يُعلم مما سبق فِي شرح حديث الحارث بن حاطب رضي الله تعالى عنهما.
وقوله: "قَالَ أبو عبد الرحمن الخ": ونصّ "الكبرى": قَالَ أبو عبد الرحمن: ومصعب بن ثابت ليس بالقويّ، ويحيى القطّان لم يتركه، وهذا الْحَدِيث ليس بصحيح، ولا أعلم فِي هَذَا الباب حديثًا صحيحًا عن النبيّ ﷺ . انتهى.
وهذا الذي قاله المصنّف رحمه الله تعالى، محلّ نظر، وَقَدْ أجاد الشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى فِي "الإرواء"، حيث قَالَ ما حاصله: لم يتفود مصعب بالحديث، فقد تابعه هشام بن عروة، وله عنه ثلاث طرق: [الأولى]: عن محمد بن يزيد بن سنان، نا أبي عنه. ومحمد بن سنان، وأبوه ضعيفان. [الثانية]: عن عائذ بن حبيب، عنه. وعائذ صدوقٌ، كما فِي "التقريب". [الثالثة]: عن سعيد بن يحيى، نا هشام بن عروة به مثله. وسعيد هَذَا هو ابن يحيى بن صالح اللَّخْميّ، قَالَ عنه فِي "القريب": صدوقٌ وسطٌ، ماله فِي البخاريّ سوى حديث واحد.
أخرج هذه الطرق كلها الدارقطنيّ فِي "السنن"، قَالَ الشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى: وهي، وإن كانت لا تخلوا مفرداتها منْ ضعف، ولكنه ضعف يسير، فبعضها يقوّي بعضًا، كما هو مقرّر فِي "المصطلح"، فإذا انضمّ إليها طريق مصعب ازداد الْحَدِيث بذلك قوّةً، لاسيّما، وله شاهد منْ حديث الحارث بن حاطب، مع شيء منْ المغايرة فِي لفظه، يعني الْحَدِيث المذكور فِي الباب الماضي.
قَالَ: والخلاصة أن الْحَدِيث منْ رواية جابر ثابت بمجموع طريقيه، وهو فِي المعنى مثل حديث أبي هريرة ﵁، فهو عَلَى هَذَا صحيحٌ، إن شاء الله تعالى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي هريرة ﵁ الذي أشار إليه هو ما أخرجه الدارقطنيّ فِي "سننه" منْ طريق الواقديّ، عن ابن أبي ذئب، عن خالد بن سلمة، أراه عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إن سرق، فاقطعوا يده، ثم
стр. 17754
إن سرق، فاقطعوا رجله". وصححه الشيخ الألبانيّ فِي "الإرواء" ٨/ ٨٥ - ٨٦ أي بشواهده.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي حقّقه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى حسنٌ جدًّا، وحاصله أن حديث جابر ﵁ هَذَا صحيح بما ذكر.
والحديث أخرجه المصنّف هنا -١٥/ ٤٩٨٥ - وفي "الكبرى" ٢٥/ ٧٤٧١. وأخرجه (د) فِي "الحدود" ٤٤١٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
١٦ - (الْقَطْعُ فِي السَّفَرِ)
٤٩٨١ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَقِيَّةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ بُسْرَ بْنَ أَبِي أَرْطَاةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "لَا تُقْطَعُ الأَيْدِي فِي السَّفَرِ").
رجال هَذَا الإسناد: سبعة.
١ - (عمرو بن عثمان) القرشيّ مولاهم، أبو حفص الحمصيّ، صدوقٌ [١٠] ٢١/ ٥٣٥.
٢ - (بقية) بن الوليد الحمصيّ، صدوقٌ، كثير التدليس عن الضعفاء [٨] ٤٥/ ٥٥.
٣ - (نافع بن يزيد) الْكَلاعيّ، أبو يزيد المصريّ، ثقة عابد [٧] ٣/ ٢٠٩٨.
٤ - (حيوة بن شُريح) التجيبيّ، أبو زرعة المصريّ، ثقة ثبتٌ، فقيه، زاهد [٧] ٧/ ٤٧٨.
٥ - (عيّاش بن عبّاس) الْقِتبانيّ المصريّ، ثقة [٥] (١) ٢/ ١٣٧١.
٦ - (جنادة بن أبي أميّة) الأزديّ، أبو عبد الله الشاميّ، يقال: اسم أبيه كبير، مختلف فِي صحبته، فَقَالَ العجليّ: تابعيّ ثقة، والحقّ أنهما اثنان، صحابيّ، وتابعيّ،
стр. 17755
متفقان فِي الاسم وكنية الأب، قاله فِي "التقريب"، والظاهر أن هَذَا هو التابعيّ.
٧ - (بُسر بن أبي أرطاة) ويقال: ابن أرطاة، واسم أبي أرطاة عُمير بن عُويمر بن عمران ابن الْحُلَيس بن سَيّار بن نِزَار بن مُعيص بن عامر بن لؤي القرشي العامري الشاميّ، أبو عبد الرحمن، مختلف فِي صحبته، رَوَى عن النبيّ ﷺ حديثين: أحدهما: "لا تقطع الأيدي فِي السفر"، والآخر "اللَّهم أحسن عاقبتنا فِي الأمور كلها … " الْحَدِيث، وعنه جنادة بن أبي أمية، وأيوب بن ميسرة بن حلبس، وغيرهما، قَالَ ابن عساكر: سكن دمشق، وشهد صِفِّين مع معاوية، وكان عَلَى الرجالة، ولاه معاوية اليمن، وكانت له بها آثار غير محمودة، وقيل: إنه خَرِف قبل موته. وَقَالَ ابن سعد عن الواقدي: قُبض النبيّ ﷺ ، وبسر صغير، ولم يسمع منْ النبيّ ﷺ شيئا. وَقَالَ ابن يونس: بسر منْ أصحاب رسول الله ﷺ ، شهد فتح مصر، واختط بها، وكان منْ شيعة معاوية، وكان معاوية وجهه إلى اليمن، والحجاز فِي أول سنة (٤٠) وأمره أن يَتَقَرّى منْ كَانَ فِي طاعة علي، فيوقع بهم، ففعل بمكة، والمدينة، واليمن أفعالا قبيحة، وَقَدْ ولي البحر لمعاوية، وكان قد وُسوس فِي آخر أيامه. وَقَالَ ابن عدي: مشكوك فِي صحبته، ولا أعرف له، إلا هذين الحديثين. وَقَالَ الدارقطنيّ: له صحبة، ولم يكن له استقامة بعد النبيّ ﷺ . وَقَالَ البخاريّ فِي "التاريخ الصغير": حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد، عن زياد، عن ابن إسحاق، قَالَ: بعث معاوية بسر بن أرطاة سنة (٣٩) فقدم المدينة، فبايع، ثم انطلق إلى مكة واليمن، فقتل عبد الرحمن، وقُثَم ابني عبيد الله بن عباس. وَقَالَ الدُّوري، عن ابن معين: أهل المدينة ينكرون أن يكون بسر سمع منْ النبيّ ﷺ ، وأهل الشام يروون عنه عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: وسمعت يحيى يقول: كَانَ بسر بن أرطاة رجل سوء. وَقَالَ خليفة: مات فِي ولاية عبد الملك بن مروان، وَقَدْ خَرِف. وحكى المسعودي فِي "مروج الذهب": أن عليا ﵁ دعا عَلَى بسر أن يَذهب عقله لما بلغه قتله ابني عبيد الله بن العبّاس، وأنه خرف، ومات فِي أيام الوليد بن عبد الملك سنة (٨٦) وله فِي مسند الشاميين للطبراني حديث ثالث، وَقَالَ ابن حبّان فِي "الصحابة": منْ قَالَ ابن أرطاة، فقد وهم، وَقَالَ فِي "صحيحه": سمعت عبد الله بن سلم يقول: سمعت هشام بن عمار يقول: سمعت محمد بن أيوب بن ميسرة بن حلبس يقول: سمعت أبي يقول: سمعت بسر بن أبي أرطاة يقول: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "اللَّهم أحسن عاقبتنا فِي الأمور كلها … " الْحَدِيث.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي القول بثبوت الصحبة له؛ لأن حديث الباب، وحديث ابن حبّان المذكور إسنادهما صحيح. والله تعالى أعلم.
стр. 17756
روى له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا؛ لحديث فقط. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين منْ نافع بن يزيد، والباقون شاميّون. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ) الأزديّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ بُسْرَ بْنَ أَبِي أَرْطَاةَ) ﵁ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي فِي السَّفَرِ) وفي رواية الترمذيّ، والدارمي: "فِي الغزو"، بدل "السفر". والحديث فيه قصّة، ساقها الإمام أبو داود رحمه الله تعالى فِي "سننه"، فَقَالَ:
٤٤٠٨ - حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني حيوة بن شريح، عن عياش بن عباس الْقِتْباني، عن شُيَيْم بن بَيْتان، ويزيد بن صُبح الأصبحي، عن جُنادة بن أبي أمية، قَالَ: كنا مع بُسر بن أرطاة فِي البحر، فأُتي بسارق، يقال له: مِصْدَرٌ، قد سرق بُخْتِيّة، فَقَالَ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تقطع الأيدي فِي السفر، ولولا ذلك لقطعته". انتهى.
و"البختيّة": هي الأنثى منْ الجمال، طِوال الأعناق، والذكر بُخْتِيّ، والجمع بُخْتٌ، وبَخَاتيّ. قاله فِي "المجمع". وَقَالَ فِي "القاموس": البخت بالضم: الإبل الخرسانية، كالبختية، والجمع بَخاتيّ، وبَخات.
والسفر المطلق هنا يحمل عَلَى المقيد، قاله الطيبي. يعني سفر الغزو. وَقَالَ العزيزي فِي "شرح الجامع الصغير": قوله: "فِي السفر": أي فِي سفر الغزو؛ مخافةَ أن يَلحق المقطوع بالعدو، فإذا رجعوا قُطع، وبه قَالَ الأوزاعي، قَالَ: وهذا لا يختص بحد السرقة، بل يجري حكمه فيما فِي معناه منْ حد الزنا، وحد القذف، وغير ذلك، والجمهور عَلَى خلافه. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث بسر بن أبي أرطاة ﵁ هَذَا صحيح.
стр. 17757
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه بقيّة، وهو معروف بتدليس التسوية؟.
[قلت]: قد صرّح بقيّة بالتحديث فيه، وفي شيخه، وأيضًا لم ينفرد بالحديث، فقد تابعه عليه عبد الله بن وهب، عن حيوة، كما تقدّم فِي سند أبي داود. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قد تكلّموا فِي بسر بن أبي أرطاة، وفي ثبوت صحبته، فقد قَالَ الشوكانيّ: واختلف فِي صحبة بسر المذكور، فقيل: له صحبة، وقيل: لا صحبة له، وأن مولده بعد وفاة النبيّ ﵌، وله أخبار مشهورة، وكان يحيى بن معين، لا يحسن الثناء عليه، قَالَ المنذري: وهذا يدلّ عَلَى أنه عنده لا صحبة له، ونقل فِي "الخلاصة" عن ابن معين أنه قَالَ: لا صحبة له، وأنه رجل سوء، ولي اليمن، وله بها آثار قبيحة. انتهى. ونقل عبد الغني، أن حديثه فِي الدعاء، فيه التصريح بسماعه، منْ النبيّ ﵌، وَقَدْ غمزه الدارقطنيّ، ولا يرتاب منصف أن الرجل ليس بأهل للرواية، وَقَدْ فَعَل فِي الإسلام أفاعيل، لا تصدر عمن فِي قلبه مثقال حبة منْ إبمان، كما تضمنت ذلك كتب التاريخ المعتبرة، فثبوت صحبته لا يرفع القدح عنه، عَلَى ما هو المذهب الراجح، بل هو إجماع، لا يختلف فيه أهل العلم، كما حققنا ذلك فِي غير هَذَا الموضع، وحققه العلامة محمد بن إبراهيم الوزير، فِي "تنقيحه"، ولكن إذا كَانَ المناط فِي قبول الرواية، هو تحري الصدق، وعدم الكذب، فلا ملازمة بين القدح فِي العدالة، وعدم قبول الرواية، وهذا يتمشى عَلَى قول منْ قَالَ: إن الكفر والفسق، مظنة تهمة، لا منْ قَالَ: إنهما سلب أهلية، عَلَى ما تقرر فِي الأصول. انتهى كلام الشوكانيّ "نيل الأوطار" ٧/ ١٤٤ - ١٤٥.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم فِي ترجمته أن الأرجح ثبوت صحبته ﵁، فإذا ثبتت صحبته، فالأفاعيل التي ألزقتها به كتب التواريخ، منها ما لا يصح؛ لأن هذه الكتب مشحونة بما لا يثبت أصلا، وما ثبت منها، فيُحمل عَلَى الاجتهاد الذي نحمل عليه ما جرى بين الصحابة فِي وقعتي الجمل، وصفيّن؛ حيث سُفكت فيها الدماء، فنقول: إن أحد الفريقين صاحب حقّ، والآخر مجتهد، والمجتهد يصيب، ويخطىء، فيكون ما فعله هَذَا الصحابيّ منْ هَذَا القبيل، وأما ما قاله الشوكانيّ فأراه مما لا ينبغي أن يصدر عن مثله فيمن ثبتت صحبته، مع إمكان حمله عَلَى المحامل الحسنة، فيا ليته لم يقل مثل هَذَا فِي جانب منْ ثبتت صحبته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
стр. 17758
أخرجه هنا -١٦/ ٤٩٨١ - وفي "الكبرى" ٢٦/ ٧٤٧٢. وأخرجه (د) فِي "الحدود" ٤٤٠٨ (ت) فِي "الحدود" ١٤٥٠ (أحمد) فِي "مسند الشاميين" ١٧١٧٤ (الدارمي) فِي "السير" ٢٣٨١. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي قطع السارق فِي السفر:
قَالَ الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى -بعد أن أخرج الْحَدِيث-: والعمل عَلَى هَذَا عند بعض أهل العلم، منهم الأوزاعيّ، لا يرون أن يقام الحدّ فِي الغزو بحضرة العدوّ؛ مخافة أن يلحق منْ يُقام عليه الحدّ بالعدوّ، فإذا خرج الإمام منْ أرض الحرب، ورجع إلى دار الإسلام، أقام الحدّ عَلَى منْ أصابه، كذلك قَالَ الأوزاعيّ. انتهى.
وَقَالَ القاري: قَالَ التوربشتي: ولعل الأوزاعي، رأى فيه احتمال افتتان المقطوع، بأن يَلحَق بدار الحرب، أو رأى أنه إذا قُطعت يده، والأمير متوجه إلى الغزو، لم يتمكن منْ الدفع، ولا يُغني عنا، فيُترك إلى أن يَقفل الجيش، قَالَ: وَقَالَ القاضي: ولعله ﵊ أراد به المنع منْ القطع فيما يؤخذ منْ الغنائم. انتهى.
ويشهد لما ذهب إليه الجمهور، حديث عبادة ﵁: أن رسول الله ﷺ قَالَ: "جاهدوا النَّاس فِي الله، القريب والبعيد، ولا تبالوا فِي الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله فِي الحضر والسفر"، رواه عبد الله بن أحمد فِي "مسند أبيه" كذا فِي "المنتقى".
قَالَ فِي "النيل": وحديث عبادة بن الصامت ﵁ أخرج أوله الطبراني فِي "الأوسط"، و"الكبير"، قَالَ فِي "مجمع الزوائد": وأسانيد أحمد وغيره ثقات، يشهد لصحته عمومات الكتاب، والسنة، وإطلاقاتهما؛ لعدم الفرق فيها بين القريب والبعيد، والمقيم والمسافر. ولا معارضة بين الحديثين؛ لأن حديث بُسرة أخصّ مطلقًا منْ حديث عبادة، فيُبنى العامّ عَلَى الخاصّ، وبيانه أن السفر المذكور فِي حديث عبادة ﵁ أعمّ مطلقًا منْ الغزو المذكور فِي حديث بسر ﵁؛ لأن المسافر قد يكون غازيًا، وَقَدْ لا يكون، وأيضًا حديث بسر فِي حدّ السرقة، وحديث عبادة فِي عموم الحدّ. انتهى كلام الشوكانيّ فِي "نيل الأوطار" ٧/ ١٤٥.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي قاله الشوكانيّ فِي وجه الجمع بين الحديثين حسنٌ جدًّا.
والحاصل أن ما ذهب إليه الأوزاعيّ، منْ عدم إقامة الحدّ فِي سفر الغزو هو الأرجح؛ لصحّة حديث الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٩٨٢ - (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو
стр. 17759
عَوَانَةَ، عَنْ عُمَرَ -وَهُوَ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ- عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِذَا سَرَقَ الْعَبْدُ فَبِعْهُ، وَلَوْ بِنَشٍّ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِي الْحَدِيثِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث لا يناسب هَذَا الباب، فكان الأولى للمصنّف رحمه الله تعالى أن يترجم له، كما فعل فِي "الكبرى"، حيث ترجم بقوله: "ما يُفعَل بالمملوك إذا سرق"، فتأمّل.
ورجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (الحسن بن مُدرك) بن بشير السدوسيّ، أبو عليّ البصريّ الطحّان الحافظ، لا بأس به، ونسبه أبو داود إلى تلقين المشايخ [١].
رَوَى عن يحيى بن حماد، ومحبوب بن الحسن، وعبد العزيز الأويسي. وعنه البخاريّ، والنسائي، وابن ماجه، وبقي بن مخلد، وأحمد بن الحسين الصوفي، وَقَالَ: كَانَ ثقة. وَقَالَ الآجري، عن أبي داود: كذاب، كَانَ يأخذ أحاديث فهد بن عوف، فيلقيها عَلَى يحيى بن حماد. وَقَالَ النسائيّ فِي "أسماء شيوخه": بصري لا بأس به. وَقَالَ ابن عدي: كَانَ منْ حفاظ أهل البصرة، وَقَالَ ابن أبي حاتم: قَالَ أبو زرعة: كتبنا عنه. وَقَالَ أبو حاتم: هو شيخ. وَقَالَ مسلمة بن قاسم الأندلسي: كتب عنه منْ أهل بلدنا ابن وَضّاح، وهو صالح فِي الرواية. تفرد به البخاريّ، والمصنّف، وابن ماجه، وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط.
٢ - (يحيى بن حمّاد) الشيبانيّ مولاهم البصريّ، ختن أبي عوانة، ثقة عابدٌ، منْ صغار [٩] ٤٣/ ٢٢٢٥.
٣ - (أبو عوانة) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ الثقة الثبت [٧] ٤١/ ٤٦.
٤ - (عمر بن أبي سلمة) الزهريّ، قاضي المدينة، صدوقٌ، يخطىء [٦] ٢/ ٣٩١١.
٥ - (أبوه) أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، أحد الفقهاء السبعة عَلَى بعض الأقوال، والمشهور أن اسمه كنيته، وقيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل [٣] ١/ ١.
٦ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم موثّقون. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين منْ عمر. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة ﵁ أحفظ منْ روى الْحَدِيث فِي دهره. والله تعالى أعلم.
стр. 17760
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "إِذَا سَرَقَ الْعَبْدُ فَبِعْهُ) أي بعد بيان عيبه؛ لئلا يكون غاشًّا لمشتريه، فقد أخرج مسلم فِي "صحيحه" منْ حديث تميم الداري ﵁، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "إنما الدين النصيحة"، قالوا: لمن يا رسول الله، قَالَ: "لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم". ولحديث أنس ﵁، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حَتَّى يُحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه"، متّفقٌ عليه. "وَلَوْ بنَشٍّ) بفتح النون، وتشديد الشين العجمة-: هو نصف الأوقيّة، وهي أربعون درهمًا، فيكون نصفها عشرين درهمًا، وقيل: يُطلق عَلَى النصف منْ كلّ شيء، فالمراد ولو بنصف القيمة، أو بنصف درهم. وإنما أمره النبيّ ﷺ ببيعه، مع أنه ينبغي له أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، كما تقدم آنفاً؛ لأن الإنسان قد لا يقدر عَلَى إصلاح حاله، ويكون غيره قادرًا عليه. والله تعالى أعلم.
وقوله: (قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي النسائيّ رحمه الله تعالى (عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِي الْحَدِيثِ) أشار به إلى ضعف هَذَا الْحَدِيث؛ لضعف عمر هَذَا، وهذا الذي قاله فِي عمر قاله غيره أيضًا، فَقَالَ ابن سعد: كَانَ كثير الْحَدِيث، وليس يُحتجّ بحديثه. عن ابن المدينيّ: كَانَ شعبة يضغفه. وَقَالَ ابن مهديّ: أحاديثه واهية. وضعفه ابن معين فِي رواية عنه. وَقَالَ الجوزجانيّ: ليس بقويّ فِي الْحَدِيث. وَقَالَ ابن خزيمة: لا يُحتجّ بحديثه. وقوّاه آخرون، فَقَالَ أحمد: هو صالح ثقة إن شاء الله. وَقَالَ البخاريّ: صدوقٌ، إلا أنه يخالف فِي بعض حديثه. وَقَالَ ابن أبي خيثمة، عن أبيه: صالح، إن شاء الله. وَقَالَ أبو حاتم: هو عندي صالح، صدوقٌ فِي الأصل، ليس بذاك القوي، يكتب حديثه، ولا يحتجّ به، يخالف فِي بعض الشيء. وَقَالَ العجليّ: لا بأس به. وَقَالَ ابن عديّ: حسن الْحَدِيث، لا بأس به. وَقَالَ الدُّوريّ: سألت ابن معين عن حديث منْ حديثه؟، فَقَالَ. صحيح، وسألته عن آخر؟ فاستحسنه. وذكره ابن الْبَرْقيّ فِي "باب منْ احتُمل حديثه منْ المعروفين" قَالَ: وأكثر أهل العلم بالحديث يُثَبِّتونه. انظر ترجمته فِي "تهذيب التهذيب" ٣/ ٢٣٠.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: يتبين مما ذُكر منْ أقوال أهل العلم أن عمر بن أبي سلمة وسط، فالصحيح ما قاله فِي "التقريب": صدوقٌ يُخطىء، فلا ينزل حديثه عن درجة الحسن. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 17761
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هَذَا حسنٌ.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٦/ ٤٩٨٢ - وفي "الكبرى" ٢٧/ ٧٤٧٣. وأخرجه (د) فِي "الحدود" ٤٤١٢ (ق) فِي "الحدود" ٢٥٨٩. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي حكم سرقة العبد:
ظاهر هَذَا الْحَدِيث يدلّ عَلَى أنه لا يجب قطعه؛ لأنه ﷺ أمر ببيعه إذا سرق، ولم يأمر بقطعه، لكن جمهور أهل العلم عَلَى وجوب قطعه؛ لعموم الآية، وهو الحقّ.
قَالَ فِي "المغني" ١٢/ ٤٤٩ - : ما حاصله:
والحر والحرة، والعبد والأمة فِي وجوب القطع سواء، أما الحر والحرة، فلا خلاف فيهما، وَقَدْ نص الله تعالى عَلَى الذكر والأنثى، بقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، ولأنهما استويا فِي سائر الحدود، فكذلك فِي هَذَا، وَقَدْ قطع النبيّ ﷺ سارق رداء صفوان، وقطع المخزومية التي سرقت القطيفة.
وأما العبد والأمة، فإن جمهور الفقهاء، وأهل الفتوى عَلَى أنهما يجب قطعهما بالسرقة، إلا ما حُكي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قَالَ: لا قطع عليهما؛ لأنه حد لا يمكن تنصيفه، فلم يجب فِي حقهما، كالرجم، ولأنه حدّ، فلا يساوي العبد فيه الحر كسائر الحدود.
وحجة الجمهور عموم الآية، ورَوَى الأثرم أن رقيقا لحاطب بن أبي بلتعة، سرقوا ناقة لرجل منْ مزينة، فانتحروها، فأمر كثير بن الصَّلْت أن تقطع أيديهم، ثم قَالَ عمر ﵁: والله إني لأراك تُجيعهم، ولكن لأُغَرِّمنك غرما يشق عليك، ثم قَالَ للمزني: كم ثمن ناقتك؟ قَالَ: أربعمائة درهم، قَالَ عمر: أعطه ثمانمائة درهم. ورَوَى القاسم بن محمد عن أبيه، أن عبدا أقر بالسرقة عند علي ﵁، فقطعه، وفي رواية قَالَ: كَانَ عبدا يعني الذي قطعه علي، رواه الإمام أحمد بإسناده، وهذه قِصَصٌ تنتشر، ولم تُنكر، فتكون إجماعا، وقولهم: لا يمكن تنصيفه، قلنا: ولا يمكن تعطيله، فيجب تكميله، وقياسهم نقلبه عليهم، فنقول: حدّ، فلا يتعطل فِي حق العبد والأمة، كسائر الحدود، وفارق الرجم، فإن حد الزاني، لا يتعطل بتعطيله، بخلاف القطع، فإن حد السرقة يتعطل بتعطيله. انتهى "المغني" ١٢/ ٤٤٩ - ٤٥٠.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن ما قاله الجمهور منْ وجوب قطع
стр. 17762
العبد والأمة إذا سرقا، هو الحقّ؛ لعموم الآية. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
١٧ - (حَدِّ الْبُلُوغِ، وَذِكْرِ السِّنِّ الَّذِي إِذَا بَلَغَهَا الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ أُقِيمَ عَلَيْهِمَا الْحَدُّ)
٤٩٨٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، قَالَ: كُنْتُ فِي سَبْي قُرَيْظَةَ، وَكَانَ يُنْظَرُ، فَمَنْ خَرَجَ شِعْرَتُهُ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ تَخْرُجِ اسْتُحْيِيَ، وَلَمْ يُقْتَلْ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "إسماعيل بن مسعود": هو الجحدريّ البصريّ الثقة. و"خالد": هو ابن الحارث الهجيميّ البصريّ الثقة الثبت. و"عبد الملك بن عُمير": اللَّخْميّ الْفَرَسيّ الكوفيّ، ثقة فقيه، تغير حفظه، وربما دلّس [٣] ٤١/ ٩٤٧. و"عطيّة": هو القرظيّ الصحابيّ الصغير، نزيل الكوفة ﵁ تقدّم فِي ٢٠/ ٣٤٥٨.
وقوله: "وكان يُنظر" بالبناء للمفعول.
وقوله: "شِعْرته" -بكسر الشين المعجمة، وسكون العين المهملة-: قَالَ الفيّوميّ: الشِّعْرة، وزان سِدْرة: شَعْر الرَّكَب للنساء خاصّة، قاله فِي "الْعُبَاب"، وَقَالَ الأزهريّ: الشِّعْرة: الشَّعْر النابت عَلَى عانة الرجل، ورَكَب المرأة، وعلى ما وراءهما. انتهى.
وما قاله الأزهريّ هو المناسب هنا.
والرَّكب بفتحتين، قَالَ ابن السّكّيت: هو مَنبِت العانة، وعن الخليل: هو للرجل خاصّة، وَقَالَ الفرّاء للرجل والمرأة، وأنشد:
لَا يُقْنِعُ الْجَارِيَةَ الْخِضَابُ … وَلَا الْوِشَاحَانِ وَلَا الْجِلْبَابُ
مِنْ دُونِ أَن تَلْتَقِيَ الأَرْكَابُ … وَيَقْعُدَ الأَيْرُ (١) لَهُ لُعَابُ
стр. 17763
وقوله: "استُحيي" بالبناء للمفعول: أي تُرك حَيّا.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث تقدّم شرحه، وبيان مسائله فِي "كتاب الطلاق" -٢٠/ ٣٤٥٦ - "باب متى يقع طلاق الصبي؟ " وبقي منْ مسائله بيان ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، فأقول:
[مسألة]: فِي اختلاف أهل العلم فِي حدّ بلوغ الصبيّ:
قَالَ فِي "الفتح" ٥/ ٦٠٩ - ٦١١ - : اختلف العلماء فِي أقل سن تحيض فيه المرأة، ويحتلم فيه الرجل، وهل تنحصر العلامات فِي ذلك، أم لا؟، وفي السن الذي إذا جاوزه الغلام، ولم يحتلم، والمرأة لم تحض، يُحكَم حينئذ بالبلوغ، فاعتبر مالك، والليث، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، الإنباتَ، إلا أن مالكا لا يُقيم به الحد؛ للشبهة، واعتبره الشافعيّ فِي الكافر، واختلَف قولُهُ فِي المسلم، وَقَالَ أبو حنيفة: سن البلوغ تسع عشرة، أو ثمان عشرة للغلام، وسبع عشرة للجارية، وَقَالَ أكثر المالكية: حده فيهما سبع عشرة، أو ثمان عشرة، وَقَالَ الشافعيّ، وأحمد، وابن وهب، والجمهور: حدّه فيهما استكمال خمس عشرة سنة، عَلَى ما فِي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: "أن رسول الله ﷺ " عرضه يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة سنة، فلم يُجزني، ثم عرضني يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنة، فأجازني". قَالَ نافع: فقدِمت عَلَى عمر بن عبد العزيز، وهو خليفة، فحدّثته الْحَدِيث، فَقَالَ: إن هَذَا لحدٌّ بين الصغير والكبير، وكتب إلى عُمّاله أن يَفرضُوا لمن بلغ خمس عشرة سنة. متّفقٌ عليه. انتهى.
وَقَالَ فِي "المغني" ٦/ ٥٩٧ - ٦٠٠ - : ويحصل البلوغ فِي حق الغلام، والجارية بأحد ثلاثة أشياء، وفي حق الجارية بشيئين، يختصان بها، أما الثلاثة المشتركة بين الذكر والأنثى، فأولها خروج المني منْ قبله، وهو الماء الدافق الذي يُخلق منه الولد، فكيفما خرج فِي يقظة، أو منام، بجماع، أو إحتلام، أو غير ذلك، حصل به البلوغ، لا نعلم فِي ذلك اختلافا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ الآية [النور: ٥٩]، وقولِه: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾ الآية [النور: ٥٨] وقولِ النبيّ ﷺ : "رُفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حَتَّى يحتلم"، وقولِهِ ﵇ لمعاذ ﵁: "خذ منْ كل حالم دينارا"، رواهما أبو داود (١). وَقَالَ ابن المنذر: وأجمعوا عَلَى أن الفرائض، والأحكام تجب عَلَى المحتلم العاقل، وعلى المرأة بظهور الحيض منها.
стр. 17764
وأما الإنبات، فهو أن يَنْبُت الشعرُ الخشنُ حولَ ذكر الرجل، او فرج المرأة، الذي استحق أخذه بالموسى، وأما الزَّغَبُ (١) الضعيف، فلا اعتبار به، فإنه يثبت فِي حق الصغير، وبهذا قَالَ مالك، والشافعي، وأحمد، فِي قول، وَقَالَ الشافعيّ فِي قوله الآخر: هو بلوغٌ فِي حق المشركين، وهل هو بلوغ فِي حق المسلمين فيه قولان. وَقَالَ أبو حنيفة: لا اعتبار به؛ لأنه نبات شعر، فأشبه نبات شعر سائر البدن.
واحتجّ الأولون بأن النبيّ ﷺ لما حَكَّم سعد بن معاذ ﵁ فِي بني قريظة حَكَم بأن تُقتل مقاتلتهم، وتُسبى ذراريهم، وأمر أن يُكشف عن مؤتزرهم، فمن أنبت فهو منْ المقاتلة، ومن لم ينبت ألحقوه بالذرية، وَقَالَ عطية القرظي: عُرِضت عَلَى رسول الله ﷺ ، يوم قريظة، فشَكُّوا فِيَّ، فأمر النبيّ ﷺ ، أن يُنظَر إليَّ، هل أنبتُّ، بعدُ؟ فنظروا إليّ، فلم يجدوني أنبتّ بعدُ، فألحقوني بالذرية، متَّفقٌ عَلَى ما معناه. وكتب عمر ﵁ إلى عامله أن لا تَأخُذِ الجزيةَ إلا ممن جرت عليه المواسي. وروى محمد بن يحيى بن حبّان أن غلاما منْ الأنصار، شَبَّب بإمرأة فِي شعره، فرُفع إلى عمر ﵁ فلم يجده أنبت، فَقَالَ: لو أنبت الشعر لحددتك، ولأنه خارج يلازمه البلوغ غالبا، ويستوي فيه الذكر والأنثى، فكان علما عَلَى البلوغ، كالاحتلام، ولأن الخارج ضربان: متصل، ومنفصل، فلما كَانَ منْ المنفصل ما يثبت به البلوغ، كَانَ كذلك المتصل، وما كَانَ بلوغا فِي حق المشركين، كَانَ بلوغا فِي حق المسلمين، كالاحتلام، والسن.
وأما السن: فإن البلوغ به فِي الغلام والجارية بخمس عشرة سنة، وبهذا قَالَ الأوزاعي، والشافعي، وأبو يوسف، ومحمد، وَقَالَ داود: لا حد للبلوغ منْ السن؛ لقوله ﵇: "رُفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حَتَّى يحتلم"، وإثبات البلوغ بغيره، يخالف الخبر، وهذا قول مالك، وَقَالَ أصحابه: سبع عشرة، أو ثماني عشرة، ورُوري عن أبي حنيفة فِي الغلام روايتان، إحداهما: سبع عشرة، والثانية ثماني عشرة، والجارية سبع عشرة بكل حال؛ لأن الحد لا يثبت إلا بتوقيف، أو اتفاق، ولا توقيف فِي هَذَا، ولا إتفاق.
واحتج الأولون بأن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قَالَ: "عُرضت عَلَى رسول الله ﷺ ، وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يُجزني فِي القتال، وعرضت عليه، وأنا ابن خمس عشرة، فأجازني"، متَّفقٌ عليه، وفي لفظ: "عرضت عليه يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة، فردني، ولم يرني بلغت، وعرضت عليه عام الخندق، وأنا ابن خمس عشرة،
стр. 17765
فأجازني"، فأُخبر بهذا عمر بن عبد العزيز، فكتب إلى عماله، أن لا تفرضوا إلا لمن بلغ خمس عشرة، رواه الشافعيّ فِي "مسنده"، ورواه الترمذيّ، وَقَالَ: حديث حسن صحيح. ورُوي عن أنس ﵁ أن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة، كُتب ما له، وما عليه، وأُخذت منه الحدود"، ولأن السن معنى يحصل به البلوغ، يشترك فيه الغلام والجارية، فاستويا فيه، كالإنزال، وما ذكره أصحاب أبي حنيفة، ففيما رويناه جواب عنه، وما احتج به داود، لا يمنع إثبات البلوغ بغير الاحتلام، إذا ثبت بالدليل، ولهذا كَانَ إنبات الشعر عَلَمًا عليه. وأما الحيض فهو عَلَمٌ عَلَى البلوغ، لا نعلم فيه خلافا، وَقَدْ قَالَ النبيّ ﷺ : "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار"، رواه الترمذيّ، وَقَالَ: حديث حسن. وأما الحمل: فهو عَلَى البلوغ؛ لأن الله تعالى أجرى العادة أن الولد، لا يخلق إلا منْ ماء الرجل وماء المرأة، قَالَ الله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٥ - ٧]، وأخبر النبيّ ﷺ بذلك فِي الأحاديث، فمتى حملت حُكم ببلوغها، فِي الوقت الذي حملت فيه. انتهى "المغني" ٦/ ٥٩٧ - ٦٠٠.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبين مما سبق إيضاحه أن الأرجح حصول البلوغ فِي حقّ الغلام والجارية بأحد ثلاثة أشياء: خروج المنيّ، والإنبات، وبلوغ خمس عشرة سنة، وأما الجارية، فتزيد الحيض، والحمل، وَقَدْ عرفتَ أدلتها بالتفصيل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
١٨ - (تَعْلِيقِ يَدِ السَّارِقِ فِي عُنُقِهِ)
٤٩٨٤ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ، قَالَ: سَأَلْتُ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ، عَنْ تَعْلِيقِ يَدِ السَّارِقِ فِي عُنُقِهِ؟ قَالَ: "سُنَّةٌ، قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَ سَارِقٍ، وَعَلَّقَ يَدَهُ فِي عُنُقِهِ").
رجال هَذَا الإسناد: سبعة:
١ - (سُويد بن نصر) أبو الفضل المروزيّ الملقّب بالشاه، ثقة [١٠] ٤٥/ ٥٥.
стр. 17766
٢ - (عبد الله) بن المبارك الحنظليّ المروزيّ الإمام الحجة الثبت [٨] ٣٢/ ٣٦.
٣ - (أبو بكر بن عليّ) بن عطاء بن مُقَدَّم -بوزن محمد- الثقفيّ الْمُقَدَّميّ البصريّ، مقبول [٧].
روى عن الحجاج بن أرطاة، وحبيب بن أبي عمرة، ويونس بن عُبيد. وعنه ابن المبارك، وأبو سعيد جعفر بن مسلمة الوراق، مولى خُزاعة. قَالَ البخاريّ: حدثنا محمد بن أبي بكر، قَالَ: مات أبي سنة (١٦٧) قبل حماد بن سلمة بشهرين. وَقَالَ الدارقطنيّ: لا يُعرف له اسم. تفرّد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط.
٤ - (الحجّاج) بن أرطاة -بفتح الهمزة- ابن ثور بن هُبيرة النخعيّ، أبو أرطاة الكوفيّ القاضي، أحد الفقهاء، صدوقٌ، كثير الخطأ، والتدليس [٧] ١٣/ ٢١٢٧.
٥ - (مكحول) أبو عبد الله الشاميّ، ثقة، فقيه، كثير الإرسال، مشهورٌ، مات سنة بضع عشرة ومائة [٥] ٤/ ٦٣٠.
[تنبيه]: لا يوجد فِي الكتب الستّة منْ اسمه مكحول إلا هَذَا، ولهم مكحول الأزديّ البصريّ، أبو عبد الله، صدوقٌ [٤]، أخرج له البخاريّ فِي "الأدب المفرد"، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
٦ - (ابن مُحَيريز) هو: عبد الرحمن بن محيريز الْجُمحيّ، روى عن فَضَالة بن عُبيد، وأبي أمامة، وزيد بن أرقم. وعنه مكحول الشاميّ، وأبو قلابة الْجَرْميّ، وإبراهيم بن محمد ابن حاطب. قَالَ البخاريّ: وُيذكر عن عيسى سنان، عن أبي بكر بن بَشير أنه رآه مع ابن عمر، وأبي أمامة، وواثلة ببيت المقدس. وذكره ابن عبد البرّ فِي "الصحابة"، وأشار إلى أنه وُلد فِي عهد رسول الله ﷺ ، قَالَ: وكان فاضلاً. وذكره ابن حبّان فِي ثقات التابعين. وَقَالَ ابن القطّان: لا يُعرف. روى له الأربعة هَذَا الْحَدِيث فقط، وَقَالَ الترمذيّ: حسنٌ غريب.
٧ - (فضالة بن عُبيد) بن نافذ بن قيس الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ﵁، أول مشاهده أحدٌ، ثم نزل دمشق، وولي قضاءها، ومات سنة (٥٨) وقيل: قبلها، تقدمت ترجمته فِي ٤٨/ ١٢٨٤. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَن) عبد الرحمن (ابْنِ مُحَيْرِيزٍ) أنه (قَالَ: سَأَلْتُ فَضَالَةَ) -بفتح الفاء، وتخفيف الضاد المعجمة- (بْنَ عُبَيْدٍ) -بضم العين المهملة، مصغّرًا- رضي الله تعالى عنه (عَنْ تَعْلِيقِ يَدِ السَّارِقِ فِي عُنُقِهِ؟ قَالَ) فضالة ﵁ (سُنَّةٌ) بالرفع خبر لمحذوف: أي هو سنة، ثم بيّن كونه سنة النبيّ ﷺ ، فَقَالَ (قَطَعَ رَسُولُ الله ﷺ يَدَ سَارِقٍ، وَعَلَّقَ يَدَهُ فِي
стр. 17767
عُنُقِهِ) أي ليكون عبرة، ونَكَالاً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث فَضالة بن عُبيد ﵁ هَذَا ضعيفٌ؛ لتفرّد الحجّاج بن أرطاة به، وهو ضعيف، كما قَالَ المصنّف رحمه الله تعالى، وزاد أبو الحسن ابن القطّان جهالة ابن محيريز، فلا عبرة بتحسين الترمذيّ، ولا بسكوت أبي داود، كما سبق. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٨/ ٤٩٨٤ و٤٩٨٥ - وفي "الكبرى" ٢٩/ ٧٤٧٥ و٧٤٧٦. وأخرجه (د) فِي "الحدود" ٤٤١١ (ت) فِي "الحدود" ١٤٤٧ (ق) فِي "الحدود" ٢٥٨٧ (أحمد) فِي "باقي مسند الأنصار" ٢٢٤٢٨. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي تعليق يد الساق فِي عنقه:
قَالَ الموفق رحمه الله تعالى: ويُسنّ تعليق اليد فِي عنقه؛ لما روى فَضَالة بن عُبيد ﵁ أن النبيّ ﷺ "أُتي بسارق، فقُطعت يده، ثم أمر بها، فعُلّقت فِي عنقه"، رواه أصحاب السنن، وفعل ذلك عليّ ﵁؛ ولأن فيه رَدْعًا، وزجرًا. انتهى. "المغني" ١٢/ ٤٤٢.
وَقَالَ ابن الهمام: المنقول عن الشافعيّ، وأحمد أنه يُسنّ تعليق يده فِي عنقه؛ لأنه ﷺ أمر به، وعندنا ذلك مطلق للإمام، إن رآه، ولم يثبت عنه ﷺ فِي كلّ قطعه؛ ليكون سنّة. انتهى نقله فِي "تحفة الأحوذيّ" ٤/ ٦١٤.
وَقَالَ الشوكانيّ فِي "نيل الأوطار": فِي هَذَا الْحَدِيث دليلٌ عَلَى مشروعيّة تعليق يد السارق فِي عنقه؛ لأن فِي ذلك منْ الزجر ما لا مزيد عليه، فإن السارق ينظر إليها مقطوعة، معلّقة، فيتذكّر السبب لذلك، وما جرّ إليه ذلك الأمر منْ الخسارة بمفارقة ذلك العضو النفيس، وكذلك الغير يحصل له بمشاهدة اليد عَلَى تلك الصورة ما تنقطع به وساوسه الرديئة. انتهى. وَقَالَ ابن العربيّ فِي "شرح الترمذيّ": ولو ثبت هَذَا الحكم لكان حسنًا صحيحًا، لكنه لم يثبت، ويرويه الحجّاج بن أرطاة. انتهى. وَقَالَ السنديّ: والحديث قد حسنه الترمذيّ، وسكت عليه أبو داود، وإن تكلّم فيه النسائيّ. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث فضالة الذي استدلّوا به ضعيف، كما قَالَ المصنّف، ولا عبرة بتحسين الترمذيّ؛ لأن هَذَا منْ تساهله، وكذلك لا عبرة بسكوت
стр. 17768
أبي داود، وليس فِي تعليق اليد فِي العنق دليلٌ صحيح يُعتمد طيه، فالظاهر كما قَالَ الحنفيّة، أنه إن رأى الإمام ذلك، فعله تنكيلاً، وزجرًا، كما فعل عليّ ﵁، وإلا فلا يُسنّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٩٨٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَيْرِيزٍ، قَالَ: قُلْتُ لِفَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ: أَرَأَيْتَ تَعْلِيقَ الْيَدِ فِي عُنُقِ السَّارِقِ، مِنَ السُّنَّةِ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَارِقٍ، فَقَطَعَ يَدَهُ، وَعَلَّقَهُ فِي عُنُقِهِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ ضَعِيفٌ، وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عمر بن علي المقدّميّ": هو أخو أبي بكر المذكور قبله، بصريّ، واسطيّ الأصل، ثقة، يدلس تدليس التسوية [٨] ٣٦/ ٣٤٩٤.
و"الحجاج ": هو ابن أرطاة المذكور قبله.
وقوله: "ضعيف الخ"، وهو أيضًا مدلس، وَقَدْ عنعنه، وكذا عمر بن عليّ معروف بتدليس التسوية، وهو أن يدلّس عَلَى شيخه، أو هو أن يسقط ضعيفًا بين ثقتين، وَقَدْ عنعنعه فيما فوق شيخه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٩٨٦ - (أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ، يُحَدِّثُ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "لَا يُغَرَّمُ صَاحِبُ سَرِقَةٍ، إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَلَيْسَ بِثَابِتٍ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث لا يناسب الترجمة، فكان الأولى للمصنف رحمه الله تعالى أن يترجم له ترجمة مناسبة له، كما فعل فِي "الكبرى"، حيث ترجم له بقوله: "باب لا يُغَرَّم صاحب السرقة". انتهى، فتنبّه.
ورجال هَذَا الإسناد: سبعة:
١ - (عمرو بن منصور) النسائيّ، ثقة ثبت [١١] ١٠٨/ ١٤٧.
٢ - (حسان بن عبد الله) بن سهل الكنديّ، أبو عليّ الواسطيّ، نزيل مصر، صدوقٌ يخطىء [١٠].
رَوَى عن المفضل بن فضالة، وابن لهيعة، والليث، وخلاد بن سليمان، ويعقوب بن عبد الرحمن، وغيرهم. وعنه البخاريّ، وروى له النسائيّ، وابن ماجه بواسطة
стр. 17769
الصغاني، وعمرو بن منصور، وإبراهيم بن محمد الفريابي، وأبو حاتم الرازي، وأبو عبيد، ويحيى بن معين، ويعقوب بن سفيان، والربيع الجيزي، ويحيى بن عثمان بن صالح السهمي، وغيرهم. قَالَ أبو حاتم: ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ: يخطىء. وَقَالَ ابن يونس: صدوقٌ، حسن الْحَدِيث، كَانَ أبوه واسطيا، ووُلد حسان بمصر، ومات بها سنة (٢٢٢). تفرّد به البخاريّ، والمصنّف، وابن ماجه، وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط.
٣ - (المفضّل بن فَضَالة) الْقِتْبانيّ، أبو معاوية المصريّ القاضي، ثقة فاضلٌ، عابدٌ [٨] ٤٢/ ٥٨٦.
٤ - (يونس بن يزيد) الأيليّ، ثقة [٧] ٩/ ٩.
٥ - (سعد بن إبراهيم) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، قاضيها، ثقة فاضل، عابدٌ [٥] ١١/ ٥١٨.
٦ - (المسور بن إبراهيم) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، مقبول [٤].
روى عن جدّه هَذَا الْحَدِيث، ولم يُدركه. وعنه سعد بن إبراهيم أخوه. تفرّد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط.
[تنبيه]: قَالَ فِي "تهذيب التهذيب": لم يُنسَب -يعني المسور- فِي رواية النسائيّ، وَقَدْ روى إسحاق بن الفرات، عن مفضّل بن فضالة، عن يونس بن يزيد، عن سعد بن إبراهيم، عن المسور بن مخرمة، عن عبد الرحمن بن عوف، والظاهر أنه وهِم فِي نسبة المسور، فقد وقع منسوبًا فِي رواية الدارقطنيّ، والْجُوزجانيّ، فإنهما أخرجاه منْ طرق، عن مفضّل بن صالح، عن يونس، عن سعد بن إبراهيم، عن أخيه المسور به، وَقَالَ: المسور لم يُدرك عبد الرحمن.
قَالَ: قرأت بخط مغلطاي أنه وجد بخطّ أبي إسحاق الصَّرِيفينيّ الحافظ أن المسور ابن إبراهيم هَذَا مات سنة (١٠٧). انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: لم ينسبه فِي رواية النسائيّ فيه نظر لا يخفى، فإنه فِي روايته منسوب فِي "المجتبى"، وفي "الكبرى" أيضًا، ولعله وقع فِي نسخته غير منسوب.
وقوله: "مفضّل بن صالح" هَذَا فيه تصحيف، فإنه ابن فَضالة، كما هو عند الدارقطنيّ، وغيره. والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: قَالَ فِي "النكت الظراف" ٧/ ٢١٣ - : رواه إسحاق بن الفرات، عن المفضّل بن فَضالة، عن يونس، فأدخل بينه وبين سعد بن إبراهيم "ابنَ شهاب"، أخرجه
стр. 17770
الدارقطنيّ فِي "سننه" ٣/ ١٨٣ وَقَالَ: هَذَا وَهَمٌ منْ وجوه، وأخرجه منْ وجه آخر عن مفضّل منْ غير ذكر "ابن شهاب"، لكن قَالَ فيه: سعيد بن إبراهيم، عن المسور ابن إبراهيم، وَقَالَ: سعيد مجهول. قَالَ الحافظ: بل معروف، والصواب "سعد" -بسكون العين- وهو ابن إبراهيم، والمسور أخوه. وَقَدْ أخرجه الطبريّ فِي "تهذيبه" عن أحمد بن الحسن، عن سعيد بن عُفير، عن مُفضّل، عن يونس، عن سعد بن إبراهيم، حدثني أخي المسور بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف. زاد فيه "عن أبيه" مجوّدة، ولكنّه خولف فِي هذه الزيادة. انتهى "النكت". والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) الصحابيّ المشهور، أحد العشرة المبشّرين بالجنة ﵃ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: لَا يُغَرَّمُ) بتشديد الراء، مبنيًّا للمفعول، منْ التغريم: أي لا يُلزم بالغرامة، ويحتمل أن يكون بتخفيف الراء، مبنيًّا للفاعل، منْ باب تَعِبَ، قَالَ الفيّوميّ: غَرِمت الدية، والدين، وغير ذلك أَغْرَم، منْ باب تَعِب: أدّيته، غُرْمًا، ومَغْرَمًا، وغَرامةً، ويتعدّى بالتضعيف، فيقال: غَرَّمته، وأغرمته بالألف: جعلته غارمًا. انتهى. فقوله: (صَاحِبُ سَرِقَةٍ) نائب فاعل عَلَى الأول، وفاعل عَلَى الثاني، والمراد به السارق (إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ) يعني أنه لا يُجمع عَلَى السارق بين العقوبة، وهو قطع يده، والغرامة، وهو ضمان ما سرقه إذا تلف، وأما إذا كانت العين قائمة، فلا خلاف فِي وجوب ردّها، كما سيأتي قريبًا، إن شاء الله تعالى.
وقوله: (قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَهَذَا مُرْسَلٌ) أي منقطع، وَقَدْ تقدّم أن المصنّف، وأبا داود، وغيرهما منْ المحدثين يُطلقون المرسل عَلَى المنقطع، والمشهور فِي كتب المتأخّرين منْ أهل الاصطلاح أن المرسل هو ما رفعه التابعيّ إلى النبيّ ﷺ ، وهذا ليس منه؛ لأنه صحابيّه مذكور، وهو عبد الرحمن بن عوف، وإنما المحذوف الواسطة بين المسور، وعبد الرحمن، فتنبّه وقوله: (وَلَيْسَ بثَابتٍ) أي للانقطاع المذكور. وَقَالَ عبد الحقّ فِي أحكامه: إسناده منقطع. قَالَ ابن القطّان فِي كتابه: وفيه مع الانقطاع بين المسور وعبد الرحمن انقطاعٌ آخر بين المفضل ويونس، فقد رواه إسحاق بن الفرات عن المفضّل بن فَضالة، فجعل فيه الزهريّ بين يونس بن يزيد، وسعد بن إبراهيم، قَالَ: وفيه مع ذلك الجهل بحال المسور، فإنه لا يُعرف له حال. انتهى. وَقَالَ ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديثٍ رواه المفضل بن فَضالة؟ فَقَالَ أبي: هَذَا حديثٌ منكر، ومِسور لم يلق عبد الرحمن. انتهى "التعليق المغني على الدارقطنيّ" ٣/ ١٨٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 17771
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ هَذَا ضعيف؛ للانقطاع المذكور، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -١٨/ ٤٩٨٦ - وفي "الكبرى" ٣٠/ ٧٤٧٧. وأخرجه الدارقطنيّ فِي "سننه" ٣/ ١٨٢ - ١٨٣، والبيهقي فِي "السنن الكبرى" ٨/ ٢٧٧. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): فِي اختلاف أهل العلم فِي تضمين السارق بعد قطع يده:
قَالَ الموفّق رحمه الله تعالى: لا يختلف أهل العلم فِي وجوب رد العين المسروقة عَلَى مالكها، إذا كانت باقية، فأما إن كانت تالفة، فعلى السارق رد قيمتها، أو مثلها إن كانت مثلية، قُطِع، أو لم يُقطَع، موسرا كَانَ، أو معسرًا، وهذا قول الحسن، والنخعي، وحماد، والْبَتّيّ، والليث، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور.
وَقَالَ الثوري، وأبو حنيفة: لا يجتمع الغُرْم والقطع، إن غَرِمها قبل القطع، سقط القطع، وإن قُطع قبل الغرم سقط الغرم.
وَقَالَ عطاء، وابن سيرين، والشعبي، ومحكول: لا غَرْم عَلَى السارق إذا قُطع، ووافقنا مالك فِي المعسر، ووافقهم فِي الموسر. قَالَ أبو حنيفة فِي رجل سرق مرات، ثم قطع: يَغرَم الكلَّ، إلا الأخيرة، وَقَالَ أبو يوسف: لا يغرم شيئا؛ لأنه قُطع بالكل، فلا يغرم شيئا منه، كالسرقة الأخيرة، واحتج بما رُوي عن عبد الرحمن بن عوف، عن رسول الله ﷺ ، أنه قَالَ: "إذا أقيم الحد عَلَى السارق، فلا غُرْم عليه"، ولأن التضمين يقتضي التمليك، والملك يمنع القطع، فلا يجمع بينهما.
قَالَ: ولنا أنها عين يجب ضمانها بالرد، لو كانت باقية، فيجب ضمانها إذا كانت تالفة، كما لو لم يُقطع، ولأن القطع والغرم حقان، يجبان لمستحقين، فجاز اجتماعهما، كالجزاء، والقيمة فِي الصيد الحرمي المملوك، وحديثهم يرويه سعد بن إبراهيم، عن منصور، وسعد بن إبراهيم مجهول، قاله ابن المنذر، وَقَالَ ابن عبد البرّ: الْحَدِيث ليس بالقوي، ويحتمل أنه أراد ليس عليه أجرة القاطع، وما ذكروه فهو بناءٌ عَلَى أصولهم، ولا نسلمها لهم. انتهى "المغني" ١٢/ ٤٥٤.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الأولون منْ وجوب الْغَرَامَة مطلقًا هو الأرجح؛ لعدم ثبوت ما يُسقطها، والحديث ضعيف، كما سبق إيضاحه. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قوله: "يرويه سعد بن إبراهيم، عن منصور الخ" فيه خطئان: [أحدهما]:
стр. 17772
قوله: "عن منصور" والصواب "عن المسور". [والثاني]: قوله: "وسعد مجهول"، والصواب: "والمسور مجهول"، وأما سعد، فمشهور، وهو الزهريّ، قاضي المدينة الثقة الفاضل العابد، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤٦ - (كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: لم يظهر لي وجه إدخال المصنّف "كتاب الإيمان" بين "كتاب قطع السارق"، وبين "كتاب الزينة"، ويمكن أن يقال: إن قطع السارق تطهير له منْ درن جريمته، فيكون تخلية له، والإيمان تحلية لقلب العبد وقالبه، فتحصل المناسبة بين التخلية والتحلية؛ لأنه إذا تخلّى عن الرذائل، تحلّى بالفضائل.
[تنبيه]: هَذَا الكتاب خاصِّ بـ"المجتبى"، فلا يوجد فِي "السنن الكبرى" كتاب "الإيمان"، غير أن محققها ألحقه فِي آخر المجلد السادس، بعد "كتاب التفسير"، ونبّه فِي هامشه عَلَى أنه منْ "الصغرى" أضافه إلى "الكبرى" إكمالاً للفائدة، راجعه ٦/ ٥٣٩. والله تعالى أعلم.
ثم إنه ذكر فِي الترجمة شيئين:
[أحدهما الإيمان]: وهو طويل البحث، متشعّب الفروع، فلذا نؤخّر الكلام فيه.
[والثاني]: شرائعه، وهو جمع شريعة، بفتح الشين المعجمة، وهي أمور الدين، والمراد بها شعب الإيمان.
قَالَ الفيّوميّ: الشِّرْعة بالكسر: الدين، والشِّرْع، والشريعة مثله، مأخوذ منْ الشريعة، وهي مورد النَّاس للاستقاء، وسُمّيت بذلك لوضوحها، وظهورها، قَالَ: وشرع الله لنا كذا يشرعه -أي منْ باب نفع-: أظهره، وأوضحه، والمشرعة بفتح الميم، والراء: شريعة الماء، قَالَ الأزهريّ: ولا تسميها العرب مَشْرَعَةً حَتَّى يكون الماء عِدًّا، لا انقطاع له، كماء الأنهار، ويكون ظاهرًا مَعِينًا، ولا يُستقَى منه برشاء، فإن كَانَ منْ ماء الأمطار، فهو الْكَرَع بفتحتين، والناس فِي هَذَا الأمر شَرَعٌ بفتحين، وتسكّن الراء للتخفيف: أي سواء. انتهى "المصباح المنير".
وَقَالَ ابن منظور: الشريعة: موضع عَلَى شاطىء البحر، تَشْرَع فيه الدّابّ،
стр. 17773
والشريعة، والشِّرعة: ما سنّ الله تعالى منْ الدين، وأمر به، كالصوم، والصلاة، والحجّ، والزكاة، وسائر أعمال البرّ، مشتقٌ منْ شاطىء البحر. ومنه قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، قيل فِي تفسيره: الشرعة: الدين، والمنهاج: الطريق، وقيل: الشرعة، والمنهاج جميعًا: الطريق، والطريق هاهنا: الدين، ولكن اللفظ إذا اختلف أتى به بالفاظ يؤكّد بها القصّة والأمر، كقول عَنْتَرَة:
أَقْوَى وَأَقْفَر بَعْدَ أُمِّ الْهَيْثَم
فمعنى أقوى، وأقفر واحدٌ عَلَى الخلوة، إلا أن اللفظين أوكد في الخلوة. وَقَالَ محمد بن يزيد: "شرعةً": معناها: ابتداءُ الطريق، والمنهاج: الطريق المستقيم. وَقَالَ ابن عبّاس: "شرعة ومنهاجًا": سبيلاً وسنّةً. وَقَالَ قتادة: "شرعة ومنهاجًا": الدين واحدٌ، والشريعة مختلفة. وَقَالَ الفرّاء فِي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ الآية [١٨]: عَلَى دين، وملّة، ومنهاجٍ، وكلُّ ذلك يقال. وَقَالَ القُتَبيّ: "عَلَى شريعة": عَلَى مثال، ومذهب، ومنه يقال: شرع فلان فِي كذا وكذا: إذا أخذ فيه، ومنه مَشَارع الماء، وهي الْفُرَضُ التي تَشْرَعُ فيها الواردة، ويقال: فلانٌ يَشْتَرع شِرْعته، ويَفْتَطِر فِطْرَته، ويَمْتَلُّ مِلَّتَه، كلُّ ذلك منْ شِرْعة الدين، وفطرته، ومِلّته. وشَرَع الدين يَشْرَعُهُ شَرْعًا: سَنَّه، وفي التنزيل: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]، قَالَ ابن الأعرابيّ: شرع: أي أظهر، وَقَالَ فِي قوله: ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]: قَالَ: أظهروا لهم. والشارع الرّبّانيّ: وهو العالم العامل المعلِّمُ. وشرع فلانٌ: إذا أظهر الحقّ، وقَمَعَ الباطل. قَالَ الأزهريّ: معنى شَرَعَ: بيّن، وأوضح، مأخوذٌ منْ شُرِعَ الإِهابُ: إذا شُقَّ، ولم يُزَقَّقْ: أي يجعل زِقّا، ولم يُرَجّل، وهذه ضُرُوب منْ السَّلْخِ معروفة، أوسعها، وأبينها الشَّرْعُ، قَالَ: وإذا أرادوا أن يجعلوها زِقًا سَلَخُوها منْ قِبَل قفاها، ولا يشقّوها شَقًا، وقيل فِي قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]: إن نوحًا ﵇ أوّل منْ أتى بتحريم البنات، والأخوات، والأمّهات، وقوله : ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ الآية [الشورى: ١٣]: أي وشرَعَ لكم ما أوحينا إليك، وما وصينا به الأنبياء قبلك. انتهى "لسان العرب" ٨/ ١٧٦.
وأما الجزء الأول منْ الترجمة -وهو "الإيمان"- ففيه مسائل:
(المسألة الأولى): فِي تعريف الإيمان لغة، وشرعًا:
قَالَ فِي "الفتح" -١/ ٦٧ - ٦٨: الإيمان لغةً التصديق، وشرعًا تصديق الرسول ﷺ فيما جاء به عن ربّه ، وهذا القدر متَّفقٌ عليه، ثم وقع الاختلاف، هل يُشترط
стр. 17774
مع ذلك مزيد أمر منْ جهة إبداء هَذَا التصديق باللسان المعبِّرِ عما فِي القلب، إذ التصديق منْ أفعال القلوب؟ أو منْ جهة العمل بما صدّق به منْ ذلك، كفعل المأمورات، وترك المنهيّات، كما سيأتي ذكره، إن شاء الله تعالى. والإيمان -فيما قيل- مشتقّ منْ الأمن، وفيه نظرٌ؛ لتباين مدلولي الاْمن والتصديق، إلا إن لوحظ فيه معنى مجازيّ، فيقال: أمنه: إذا صدّقه: أي أمنه التكذيب. انتهى.
وَقَالَ فِي "القاموس": وآمن به إيمانًا: صدّقه، والإيمان: الثقة، وإظهار الخضوع، وقبول الشريعة. انتهى. وَقَالَ المرتضى فِي "شرحه": والإيمان: التصديق، وهو الذي جزم به الزمخشريّ فِي "الأساس"، واتّفق عليه أهل العلم منْ اللغويين، وغيرهم. وَقَالَ السعد: إنه حقيقة، وظاهر كلامه فِي "الكشاف" أن حقيقة آمن به آمنه التكذيب؛ لأن أمن ثلاثيًّا متعدّ لواحد بنفسه، فإذا نُقل لباب الإفعال تعدّى لاثنين، فالتصديق عليه معنى مجازيّ للإيمان، وهو خلاف كلامه فِي "الأساس"، ثم إن آمن يتعدّى لواحد بنفسه، وبالحرف، ولاثنين بالهمزة، عَلَى ما فِي "الكشّاف"، و"المصباح"، وغيرهما، وقيل: إنه بالهمزة يتعدّى لواحد، كما نقله عبد الحكيم فِي "حاشية القاضي"، وَقَالَ فِي "حاشية المطوّل": أمِن يتعدّى، ولا يتعدّى. وَقَالَ بعض المحقّقين: الإيمان يتعدّى بنفسه، كصَدّق، وباللام باعتبار معنى الإذعان، وبالباء باعتبار معنى الاعتراف، إشارةً إلى أن التصديق لا يُعتبر بدون اعتراف. وَقَدْ يكون الإيمان بمعنى الثقة، يتعدّى بالباء، بلا تضمين. قاله البيضاويّ. انتهى "تاج العروس" ٩/ ١٢٥.
وَقَالَ الراغب الأصفهانيّ رحمه الله تعالى: آمن إنما يقال عَلَى وجهين: [أحدهما]: متعدّيا بنفسه، يقال: آمنته: أي جعلت له الأمن، ومنه قيل لله: مؤمن. [والثاني]: غير متعدّ، ومعناه صار ذا أمن.
والإيمان يُستعمل تارة اسما للشريعة التي جاء بها محمد ﷺ ، وعلى ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ الآية [المائدة: ٦٩]، ويوصف به كلّ منْ دخل فِي شريعته، مُقرّا بالله، وبنبوّته، قيل: وعلى هَذَا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦].
وتارة يُستعمل عَلَى سبيل المدح، ويراد به إذعان النفس للحقّ عَلَى سبيل التصديق، وذلك باجتماع ثلاثة أشياء: تحقيق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بحسب ذلك بالجوارح، وعلى هَذَا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ الآية [الحديد: ١٩]. ويقال لكل واحد منْ الاعتقاد، والقول الصدق، والعمل الصالح: إيمان، قَالَ تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أي صلاتكم، وجُعل
стр. 17775
الحياء، وإماطة الأذى منْ الإيمان". قَالَ تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧]، قيل: معناه: بمصدّق لنا، إلا أن الإيمان هو التصديق الذي معه أمن، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ﴾ [النِّساء: ٥١]، فذلك مذكور عَلَى سبيل الذمّ لهم، وأنه قد حصل لهم الأمن بما لا يقع به الأمن، إذ ليس منْ شأن القلب -ما لم يكن مطبوعًا عليه- أن يطمئنّ إلى الباطل، وإنما ذلك كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]، وهذا كما يقال: إيمانه الكفر، وتحيّته الضرب، ونحو ذلك. وجعل النبيّ ﷺ أصل الإيمان ستة أشياء فِي خبر جبريل، حيث سأله، فَقَالَ: ما الإيمان؟، والخبر معروف. انتهى "مفردات ألفاظ القرآن" ص ٩١ - ٩٢.
وَقَالَ ابن منظور رحمه الله تعالى: وحَدّ الزَّجّاج الإيمانَ، فَقَالَ: الإيمان: إظهار الخضوع، والقبول للشريعة، ولما أتى به النبيّ ﷺ ، واعتقاده، وتصديقه بالقلب، فمن كَانَ عَلَى هذه الصفة، فهو مؤمنٌ مسلمٌ، غير مُرتاب، ولا شاكّ، وهو الذي يرى أن أداء الفرائض واجب عليه، لا يدخله فِي ذلك ريبٌ، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧]: أي بمصدّق، فالإيمان: التصديق. وَقَالَ فِي "التهذيب": وأما الإيمان، فهو مصدر آمن يؤمن إيمانًا، فهو مؤمنٌ، واتّفق أهل العلم منْ اللغويين، وغيرهم أن الإيمان: معناه التصديق، قَالَ الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ الآية [الحجرات: ١٤]، قَالَ: وهذا موضع يحتاج إلى تفهيمه، وأين ينفصل المؤمن منْ المسلم، وأين يستويان، والإسلام: إظهار الخضوع، والقبول لما أتى به النبيّ ﷺ , وبه يُحْقَن الدم، فإن كَانَ مع ذلك الإظهارِ اعتقادٌ، وتصديقٌ بالقلب، فذلك الإيمانُ الذي يقال للموصوف به هو مؤمنٌ مسلمٌ، وهو المؤمن بالله تعالى، ورسوله ﷺ ، غير مرتاب، ولا شاكّ، وهو الذي يرى أن أداء الفرائض واجبٌ عليه، وأن الجهاد بنفسه وماله واجب عليه، لا يدخله فِي ذلك ريبٌ، فهو المؤمن، وهو المسلم حقًّا، كما قَالَ الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥]: أي أولئك الذين قالوا إنا مؤمنون، فهم الصادقون، فأما منْ أظهر قبول الشريعة، واستسلم لدفع المكروه، فهو فِي الظاهر مسلم، وباطنه غير مصدّق، فذلك الذي يقول: أسلمت؛ لأن الإيمان لابدّ منْ أن يكون صاحبه صِدِّيقًا؛ لأن قولك: آمنت بالله، أو قَالَ قائل: آمنت بكذا وكذا، فمعناه: صدّقت، فأخرج الله هؤلاء منْ الإيمان، فَقَالَ: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ
стр. 17776
الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]: أي لم تُصدّقوا، إنما أسلمتم تعوّذًا منْ القتل، فالمؤمن مُبطنٌ منْ التصديق مثل ما يُظهر، والمسلم التامّ الإسلام، مظهر للطاعة، مؤمن بها، والمسلم الذي أظهر الإسلام تعوّذًا غير مؤمن فِي الحقيقة، إلا أن حكمه فِي الظاهر حكم المسلمين، وَقَالَ الله تعالى حكايةَ عن قول إخوة يوسف ﵇ لأبيهم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧]: لم يختلف أهل التفسير أن معناه: ما أنت بمصدّق لنا، والأصل فِي الإيمان الدخول فِي صدق الأمانة التي ائتمنه الله عليها، فإذا اعتقد التصديق بقلبه، كما صدق بلسانه، فقد أدّى الأمانة، وهو مؤمن، ومن لم يعتقد التصديق بقلبه، فهو غير مؤدٍّ للأمانة التي ائتمنه الله عليها، وهو منافقٌ، ومن زعم أن الإيمان هو إظهار القول، دون التصديق بالقلب، فإنه لا يخلو منْ وجهين: [أحدهما]: أن يكون منافقًا يَنضَح عن المنافقين، تأييدًا لهم، أو يكون جاهلاً، لا يعلم ما يقول، وما يُقال له، أخرجه الجهل، واللَّجَاج إلى عناد الحقّ، وترك قبول الصواب، أعاذنا الله منْ هذه الصفة، وجعلنا ممن علم، فاستعمل ما علم، أو جهل، فتعلّم ممن علم، وسلمنا منْ آفات أهل الزيغ، والبدع بمنّه، وكرمه.
وفي قوله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥] ما يُبيّن لك أن المؤمن هو المتضمّن لهذه الصفة، وأن منْ لم يتضمّن هذه الصفة، فليس بمؤمن؛ لأن "إنما" فِي كلام العرب تجيء لتثبيت شيء، ونفي ما خالفه، ولا قوّة إلا بالله. انتهى "لسان العرب" ١٣/ ٢٣ - ٢٤. وهو تحقيق نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): فِي أن الإيمان قول، وعمل، ويزيد وينقص:
قَالَ فِي "الفتح": والكلام هنا فِي مقامين: [أحدهما]: كونه قولا وعملا. [والثاني]: كونه يزيد وينقص، فأما القول: فالمراد به النطق بالشهادتين، وأما العمل: فالمراد به ما هو أعم منْ عمل القلب والجوارح؛ ليدخل الاعتقاد والعبادات، ومراد منْ أدخل ذلك فِي تعريف الإيمان، ومن نفاه، إنما هو بالنظر إلى ما عند الله تعالى، فالسلف قالوا: هو اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالأركان، وأرادوا بذلك أن الأعمال شرط فِي كماله، ومن هنا نشأ لهم القول بالزيادة والنقص، كما سيأتي. والمرجئة قالوا: هو اعتقاد، ونطق فقط، والكرامية قالوا: هو نطق فقط، والمعتزلة قالوا: هو العمل والنطق والاعتقاد، والفارق بينهم وبين السلف أنهم جعلوا الأعمال شرطا فِي صحته، والسلف جعلوها شرطا فِي كماله، وهذا كله كما قلنا بالنظر إلى ما
стр. 17777
عند الله تعالى، أما بالنظر إدى ما عندنا، فالإيمان هو الإقرار فقط، فمن أقر أُجريت عليه الأحكام فِي الدنيا، ولم يحكم عليه بكفر، إلا إن اقترن به فعلٌ يدلّ عَلَى كفره، كالسجود للصنم، فإن كَانَ الفعل لا يدلّ عَلَى الكفر، كالفسق، فمن أطلق عليه الإيمان، فبالنظر إلى إقراره، ومن نفى عنه الإيمان، فبالنظر إلى كماله، ومن أطلق عليه الكفر، فبالنظر إلى أنه فَعَل فعل الكافر، ومن نفاه عنه، فبالنظر إلى حقيقته، وأثبتت المعتزلة الواسطه، فقالوا: الفاسق لا مؤمن، ولا كافر.
[وأما المقام الثاني]: فذهب السلف إلى أن الإيمان يزيد وينقص، وأنكر ذلك أكثر المتكلمين، وقالوا: متى قَبِل ذلك كَانَ شكا، قَالَ الشيخ محيى الدين: والأظهر المختار، أن التصديق يزيد وينقص بكثرة النظر، ووضوح الأدلة، ولهذا كَانَ إيمان الصديق أقوى منْ إيمان غيره، بحيث لا يعتريه الشبهة، ويؤيده أن كل أحد يعلم أن ما فِي قلبه يتفاضل، حَتَّى إنه يكون فِي بعض الأحيان الإيمان أعظم يقينا، وإخلاصًا، وتوكلا منه فِي بعضها، وكذلك فِي التصديق والمعرفة، بحسب ظهور البراهين وكثرتها، وَقَدْ نقل محمد بن نصر المروزي فِي كتابه "تعظيم قدر الصلاة" عن جماعة منْ الأئمة نحو ذلك، وما نقل عن السلف، صَرح به عبد الرزاق فِي "مصنفه" عن سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وابن جريج، ومعمر، وغيرهم، وهؤلاء فقهاء الأمصار فِي عصرهم، وكذا نقله أبو القاسم اللالكائي فِي "كتاب السنة" عن الشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد، وغيرهم منْ الأئمة، ورَوَى بسنده الصحيح عن البخاريّ، قَالَ: لقيت أكثر منْ ألف رجل، منْ العلماء بالأمصار، فما رأيت أحدا منهم، يختلف فِي أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص، وأطنب ابن أبي حاتم، واللالكائي فِي نقل ذلك بالأسانيد، عن جمع كثير منْ الصحابة، والتابعين، وكل منْ يدور عليه الإجماع منْ الصحابة والتابعين، وحكاه فضيل بن عياض، ووكيع عن أهل السنة والجماعة. وَقَالَ الحاكم فِي "مناقب الشافعيّ": حدثنا أبو العبّاس الأصم، أخبرنا الربيع، قَالَ: سمعت الشافعيّ يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، أخرجه أبو نعيم فِي ترجمة الشافعيّ منْ "الحلية" منْ وجه آخر، عن الربيع، وزاد: يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية, ثم تلا: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ الآية [المدثر: ٣١] انتهى "فتح" ١/ ٦٨ - ٦٩.
وَقَالَ فِي "الفتح" أيضًا فِي موضع آخر: قد نقل أبو عوانة الإسفرايني فِي "صحيحه" عن المزني، صاحب الشافعيّ، الجزم بأنهما -أي الإيمان والإسلام- عبارة عن معنى واحد، وأنه سمع ذلك منه، وعن الإمام أحمد الجزم بتغايرهما، ولكل منْ القولين أدلة
стр. 17778
متعارضة. وَقَالَ الخطّابيّ: صنف فِي المسألة إمامان كبيران، وأكثرا منْ الأدلة للقولين، وتباينا فِي ذلك، والحق أن بينهما عموما وخصوصا، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا. انتهى كلامه ملخصًا. ومقتضاه أن الإسلام لا يُطلق عَلَى الاعتقاد والعمل معا، بخلاف الإيمان، فإنه يطلق عليهما معا، ويَرُدّ عليه قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فإن الإسلام هنا يتناول العمل والاعتقاد معا؛ لأن العامِل غير المعتقد، ليس بذي دين مرضيّ، وبهذا استدل المزني، وأبو محمد البغوي، فَقَالَ فِي الكلام عَلَى حديث جبريل هَذَا: جعل النبيّ ﷺ الإسلام هنا اسما لما ظهر منْ الأعمال، والإيمان اسما لما بطن منْ الاعتقاد، وليس ذاك لأن الأعمال ليست منْ الإيمان، ولا لأن التصديق ليس منْ الإسلام، بل ذاك تفصيل لجملةِ كُلُّها شيء واحد، وجِمَاعُها الدين، ولهذا قَالَ ﷺ : "أتاكم يعلمكم دينكم"، وَقَالَ : ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، ولا يكون الدين فِي محل الرضا والقبول، إلا بانضمام التصديق. انتهى كلامه. قَالَ الحافظ: والذي يظهر منْ مجموع الأدلة، أن لكل منهما حقيقة شرعية، كما أن لكل منهما حقيقة لغوية، لكن كل منهما مستلزم للآخر، بمعنى التكميل له، فكما أن العامل لا يكون مسلما كاملا، إلا إذا اعتقد، فكذلك المعتقد لا يكون مؤمنا كاملا، إلا إذا عمل، وحيث يطلق الإيمان فِي موضع الإسلام، أو العكس، أو يطلق أحدهما عَلَى إرادتهما معا، فهو عَلَى سبيل المجاز، ويتبين المراد بالسياق، فإن وردا معا فِي مقام السؤال، حُمِلا عَلَى الحقيقة، وإن لم يردا معا، أو لم يكونا فِي مقام سؤال، أمكن الحمل عَلَى الحقيقة، أو المجاز بحسب ما يظهر منْ القرائن، وَقَدْ حكى ذلك الإسماعيلي عن أهل السنة والجماعة، قالوا: إنهما تختلف دلالتهما بالاقتران، فإن أفرد أحدهما دخل الآخر فيه، وعلى ذلك يُحمَل ما حكاه محمد بن نصر، وتبعه ابن عبد البر عن الأكثر، أنهم سووا بينهما، عَلَى ما فِي حديث عبد القيس، وما حكاه اللالكائي، وابن السمعانيّ عن أهل السنة، أنهم فرقوا بينهما عَلَى ما فِي حديث جبريل. والله تعالى وليّ التوفيق. انتهى "فتح" ١/ ١٥٧ - ١٥٨ بيسير منْ التصرّف.
وَقَالَ الإمام النوويّ رحمه الله تعالى: فِي "شرح صحيح مسلم": أهم ما يُذكر فى الباب اختلاف العلماء فى الإيمان والإسلام، وعمومهما وخصوصهما، وأن الايمان يزيد وينقص، أم لا؟ وأن الأعمال منْ الإيمان أم لا، وَقَدْ أكثر العلماء رحمهم الله تعالى منْ المتقدمين والمتأخرين، القول فى كل ما ذكرناه، وأنا أقتصر عَلَى نقل أطراف، منْ متفرقات كلامهم، يحصل منها مقصود ما ذكرته، مع زيادات كثيرة، قَالَ
стр. 17779
الامام أبو سليمان حمد بن محمد إبن ابراهيم الخطابى البستى الفقيه الأديب الشافعى المحقق ﵀ فى كتابه "معالم السنن": ما أكثر ما يَغلَط النَّاس فى هذه المسألة، فأما الزهرى، فَقَالَ: الاسلام الكلمة، والإيمان العمل، واحتج بالآية يعنى قوله : ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ١٤]. وذهب غيره إلى أن الإسلام والإيمان شىء واحد، واحتج بقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦]، قَالَ الخطابى: وَقَدْ تكلم فى هَذَا الباب رجلان، منْ كبراء أهل العلم، وصار كل واحد منهما إلى قول منْ هذين، ورد الآخر منهما عَلَى المتقدم، وصنف عليه كتابا يبلغ عدد أوراقه المئين، قَالَ الخطابى: والصحيح منْ ذلك أن يقيد الكلام فى هَذَا، ولا يُطلَق، وذلك أن المسلم قد يكون مؤمنًا فى بعض الأحوال، ولا يكون مؤمنا فى بعضها، والمؤمن مسلم فى جميع الأحوال، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا، وإذا حملت الأمر عَلَى هَذَا، استقام لك تاويل الآيات، واعتدل القول فيها، ولم يختلف شىء منها. وأصل الإيمان: التصديق، وأصل الإسلام: الاستسلام، والانقياد، فقد يكون المرء مستسلما فى الظاهر، غير منقاد فى الباطن، وَقَدْ يكون صادقا فى الباطن، غير منقاد فى الظاهر.
وَقَالَ الخطابى أيضًا، فى قول النبى ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون شعبة": فى هَذَا الْحَدِيث، بيان أن الإيمان الشرعي اسم لمعنى ذى شُعَب، وأجزاء، له أدنى، وأعلى، والاسم يتعلق ببعضها، كما يتعلق بكلها، والحقيقة تقتضى جميع شعبه، وتَستَوْفِي جملة أجزائه، كالصلاة الشرعية، لها شُعب وأجزاء، والاسم يتعلق ببعضها، والحقيقة تقتضي جميع أجزائها، وتستوفيها، ويدل عليه قوله ﷺ : "الحياء شعبة منْ الإيمان"، وفيه إثبات التفاضل فى الايمان، وتباين المؤمنين فى درجاته. هَذَا آخر كلام الخطّابيّ.
وَقَالَ الإمام أبو محمد، الحسين بن مسعود البغوى الشافعيّ ﵀، فى حديث سؤال جبريل ﷺ ، عن الإيمان والإسلام، وجوابه، قَالَ: جعل النبيّ ﷺ الإسلام اسما لما ظهر منْ الأعمال، وجعل الإيمان اسما لما بطن منْ الاعتقاد، وليس ذلك لأن الأعمال ليست منْ الإيمان، والتصديق بالقلب ليس منْ الإسلام، بل ذلك تفصيل لجملة، هي كلها شيء واحد، وجمِاعها الدين، ولذلك قَالَ ﷺ : "ذاك جبريل أتاكم يعلمكم دينكم"، والتصديق والعمل، يتناولهما اسم الإيمان والإسلام جميعا، يدلّ عليه قوله : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ
стр. 17780
الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] , فأخبر ، أن الدين الذي رضيه، ويقبله منْ عباده هو الإسلام، ولا يكون الدين فى محل القبول والرضا، إلا بانضمام التصديق إلى العمل. هَذَا كلام البغوي.
وَقَالَ الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن محمد بن الفضل التميميّ الأصبهانيّ الشافعيّ ﵀ فى كتابه "التحرير فى شرح صحيح مسلم": الإيمان فى اللغة هو التصديق، فإن عُنِي به ذلك، فلا يزيد ولا ينقص؛ لأن التصديق ليس شيئا يتجزأ، حَتَّى يتصور كماله مرة، ونقصه أخرى، والإيمان فى لسان الشرع، هو التصديق بالقلب، والعمل بالأركان، وإذا فُسر بهذا، تطرق إليه الزيادة والنقص، وهو مذهب أهل السنة، قَالَ: فالخلاف فى هَذَا عَلَى التحقيق، إنما هو أن المصدّق بقلبه، إذا لم يَجمَع إلى تصديقه العملَ بموجَب الإيمان، هل يُسمى مؤمنا مطلقا، أم لا؟ والمختار عندنا أنه لا يسمى به، قَالَ رسول الله ﷺ : "لا يزنى الزانى حين يزني، وهو مؤمن"، لأنه لم يعمل بموجب الإيمان، فيستحق هَذَا الإطلاق. هَذَا آخر كلام صاحب "التحرير".
وَقَالَ الامام أبو الحسن علي بن خَلَف بن بطال المالكيّ المغربيّ، فى "شرح صحيح البخاريّ": مذهب جماعة أهل السنة، منْ سلف الأمة وخلفها، أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، والحجة عَلَى زيادته ونقصانه، ما أورده البخاريّ منْ الآيات -يعني قوله : ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، وقوله تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]، وقوله تعالى: ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢].
قَالَ ابن بطال: فإيمان منْ لم تحصل له الزيادة ناقص، قَالَ: [فإن قيل]: الإيمان فى اللغة التصديق، [فالجواب]: أن التصديق يكمل بالطاعات كلها، فكلما ازداد المؤمن منْ أعمال البر كَانَ إيمانه أكمل، وبهذه الجملة يزيد الإيمان، وبنقصانها ينقص، فمتى نقصت أعمال البر، نقص كمال الإيمان، ومتى زادت زاد الايمان كمالا، هَذَا توسط القول فى الإيمان، وأما التصديق بالله تعالى، ورسوله ﷺ ، فلا ينقص، ولذلك توقف مالك ﵀ فى بعض الروايات، عن القول بالنقصان، إذ لا يجوز نقصان التصديق؛ لأنه إذا نقص صار شكًا، وخرج عن اسم الإيمان، وَقَالَ بعضهم: إنما توقف
стр. 17781
مالك عن القول بنقصان الإيمان؛ خشية أن يُتَأَوَّل عليه موافقة الخوارج، الذين يُكَفِّرون أهل المعاصي منْ المؤمنين بالذنوب، وَقَدْ قَالَ مالك بنقصان الإيمان، مثل قول جماعة أهل السنة، قَالَ عبد الرزاق: سمعت منْ أدركت منْ شيوخنا، وأصحابنا: سفيان الثوريّ، ومالك بن أنس، وعبيد الله بن عمر، والأوزاعيّ، ومعمر بن راشد، وابن جريج، وسفيان بن عيينة، يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وهذا قول ابن مسعود، وحذيفة، والنخعيّ، والحسن البصريّ، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وعبد الله بن المبارك، فالمعنى الذى يستحق به العبد المدح، والولاية منْ المؤمنين، هو إتيانه بهذه الأمور الثلاثة: التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح، وذلك أنه لا خلاف بين الجميع، أنه لو أقر، وعمل عَلَى غير علم منه ومعرفة بربه، لا يستحق اسم مؤمن، ولو عرفه وعمل، وجحد بلسانه، وكذَّب ما عُرف منْ التوحيد، لا يستحق اسم مؤمن، وكذلك إذا أقر بالله تعالى، وبرسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولم يعمل بالفرائض، لا يسمى مؤمنا بالإطلاق، وإن كَانَ فى كلام العرب، يسمى مؤمنا بالتصديق، فذلك غير مستحق فى كلام الله تعالى، لقوله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]، فأخبرنا : أن المؤمن منْ كانت هذه صفته.
وَقَالَ ابن بطال فى "باب منْ قَالَ الإيمان هو العمل": [فإن قيل]: قد قَدّمتم أن الإيمان هو التصديق، [قيل]: التصديق هو أول منازل الإيمان، ويوجب للمصدق الدخول فيه، ولا يوجب له استكمال منازله، ولا يسمى مؤمنا مطلقا، هَذَا مذهب جماعة أهل السنة، أن الإيمان قول وعمل، قَالَ أبو عبيد: وهو مالك، والثوريّ، والأوزاعيّ، ومن بعدهم، منْ أرباب العلم والسنة، الذين كانوا مصابيح الهدى، وأئمة الدين، منْ أهل الحجاز، والعراق، والشام، وغيرهم. قَالَ ابن بطال: وهذا المعنى أراد البخارى ﵀ إثباته فى "كتاب الإيمان"، وعليه بوب أبوابه كلها، فَقَالَ: "باب أمور الإيمان"، و"بابٌ الصلاةُ منْ الإيمان"، و"بابٌ الزكاةُ منْ الإيمان"، و"بابٌ الجهادُ منْ الإيمان"، وسائر أبوابه، وانما أراد الردّ عَلَى المرجئة فى قولهم: إن الإيمان قول بلا عمل، وتبيينُ غلطهم، وسوء اعتقادهم، ومخالفتهم للكتاب والسنة، ومذاهبِ الأئمة. ثم قَالَ ابن بطال فى باب آخر: قَالَ المهلب: الإسلام عَلَى الحقيقة هو الإيمان، الذي هو عقد القلب، المصدق لإقرار اللسان، الذي لا ينفع عند الله تعالى غيره. وقالت الكرامية، وبعض المرجئة: الإيمان هو الإقرار باللسان، دون عقد القلب، ومن أقوى ما
стр. 17782
يُرَدّ به عليهم إجماعُ الأمة عدى إكفار المنافقين، وإن كانوا قد أظهروا الشهادتين، قَالَ الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٨٣ - ٨٤ - ٨٥]. هَذَا آخر كلام ابن بطال.
وَقَالَ الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح ﵀: قوله ﷺ : "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطع إليه سبيلا، والإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر بالقدر، خيره وشره"، قَالَ: هَذَا بيان لأصل الإيمان، وهو التصديق الباطن، وبيان أصل الإسلام، وهو الاستسلام والانقياد، وحكم الإسلام فى الظاهر ثبت بالشهادتين، وإنما أضاف إليهما الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم؛ لكونها أظهر شعائر الإسلام، وأعظمها، وبقيامه بها يتم استسلامه، وتركه لها يُشعر بانحلال قيد انقياده، أو اختلاله، ثم إن اسم الإيمان يتناول ما فُسر به الإسلام فى هَذَا الْحَدِيث، وسائر الطاعات؛ لكونها ثمرات للتصديق الباطن، الذى هو أصل الإيمان، ومقويات، ومتممات، وحافظات له، ولهذا فسر ﷺ ، الإيمان فى حديث وفد عبد القيس، بالشهادتين، والصلاة، والزكاة، وصوم رمضان، وإعطاء الخمس منْ المغنم، ولهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق، عَلَى منْ ارتكب كبيرة، أو بدل فريضة؛ لأن اسم الشىء مطلقا، يقع عَلَى الكامل منه، ولا يستعمل فى الناقص ظاهرا، إلا بقيد، ولذلك جاز إطلاق نفيه عنه، فى قوله ﷺ : "لا يسرق السارق حين يسرق، وهو مؤمن"، واسم الإسلام يتناول أيضًا ما هو أصل الإيمان، وهو التصديق الباطن، ويتناول أصل الطاعات، فإن ذلك كله استسلام، قَالَ: فخرج مما ذكرناه، وحققنا أن الإيمان والإسلام، يجتمعان، ويفترقان، وأن كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا، قَالَ: وهذا تحقيق وافر، بالتوفيق بين متفرقات نصوص الكتاب والسنة، الواردة فى الإيمان والإسلام, التي طالما غَلِط فيها الخائضون، وما حققناه منْ ذلك، موافق لجماهير العلماء، منْ أهل الْحَدِيث، وغيرهم. هذ آخر كلام الشيخ أبى عمرو بن الصلاح.
فإذا تقرر ما ذكرناه منْ مذاهب السلف، وأئمة الخلف، فهي متظاهرة، متطابقة عَلَى كون الإيمان يزيد وينقص، وهذا مذهب السلف، والمحدثين، وجماعة منْ المتكلمين، وأنكر أكثر المتكلمين زيادته ونقصانه، وقالوا: متى قبل الزيادة كَانَ شكا وكفرا، قَالَ المحققون، منْ أصحابنا المتكلمين: نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص، والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته، وهي الأعمال ونقصانها، قالوا: وفى هَذَا توفيق بين
стр. 17783
ظواهر النصوص التي جاءت بالزيادة، وأقاويل السلف، وبين أصل وضعه فى اللغة، وما عليه المتكلمون، وهذا الذي قاله هؤلاء، وان كَانَ ظاهرا حسنا، فالأظهر -والله أعلم- أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر، وتظاهر الأدلة، ولهذا يكون إيمان الصديقين، أقوى منْ إيمان غيرهم، بحيث لا تعتريهم الشُّبَه، ولا يتزلزل إيمانهم بعارض، بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيرة، وإن اختلفت عليهم الأحوال، وأما غيرهم منْ المؤلفة، ومن قاربهم، ونحوهم، فليسوا كذلك، فهذا مما لا يمكن إنكاره، ولا يتشكك عاقل فى أن نفس تصديق أبى بكر الصديق رضى الله عنه، لا يساويه تصديق آحاد النَّاس، ولهذا قَالَ البخارى فى "صحيحه" قَالَ ابن أبى مليكة: أدركت ثلاثين منْ أصحاب النبيّ ﷺ ، كلهم يخاف النفاق عَلَى نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه عَلَى إيمان جبريل وميكائيل، والله أعلم. وأما إطلاق اسم الإيمان عَلَى الأعمال، فمتفق عليه عند أهل الحق، ودلائله فى الكتاب والسنة، أكثر منْ أن تحصر، وأشهر منْ أن تشهر، قَالَ الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أجمعوا عَلَى أن المراد صلاتكم، وأما الأحاديث، فستمر بك فى هَذَا الكتاب، منها جُمَلٌ مستكثرات، والله أعلم. واتفق أهل السنة منْ المحدثين، والفقهاء، والمتكلمين، عَلَى أن المؤمن الذي يُحكَم بأنه منْ أهل القبلة، ولا يخلد فى النار، لا يكون إلا منْ اعتقد بقلبه دين الإسلام، اعتقادا جازما، خاليًا منْ الشكوك، ونطق بالشهادتين، فإن اقتصر عَلَى إحداهما، لم يكن منْ أهل القبلة أصلاً، إلا اذا عجز عن النطق؛ لخلل فى لسانه، أو لعدم التمكن منه لمعاجلة المنية، أو لغير ذلك، فإنه يكون مؤمنا، أما إذا أتى بالشهادتين، فلا يشترط معهما، أن يقول: وأنا بريء منْ كل دين، خالف الإسلام، إلا إذا كَانَ منْ الكفار، الذين يعتقدون اختصاص رسالة نبينا ﷺ ، إلى العرب، فإنه لا يُحكم بإسلامه، إلا بأن يتبرأ، ومن أصحابنا أصحاب الشافعيّ ﵀ مَن شرط أن يتبرأ مطلقا، وليس بشيء، أما إذا اقتصر عَلَى قوله: لا إله إلا الله، ولم يقل: محمد رسول الله، فالمشهور منْ مذهبنا، ومذاهب العلماء أنه لا يكون مسلما، ومن أصحابنا منْ قَالَ: يكون مسلما، ويطالب بالشهادة الأخرى، فإن أبى جُعل مرتدا، ويُحتَجُّ لهذا القول، بقوله ﷺ : "أُمرت أن أقاتل النَّاس حَتَّى يقولوا: لا إله إلا الله، فاذا قالوا: ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم"، وهذا محمول عند الجماهير عَلَى قول الشاهدتين، واستغنى بذكر إحداهما عن الأخرى؛ لارتباطهما، وشهرتهما. والله أعلم. أما إذا أقر بوجوب الصلاة، أو الصوم، أو غيرهما منْ أركان الإسلام، وهو عَلَى خلاف ملته التي كَانَ عليها، فهل يجعل بذلك مسلما، فيه وجهان لأصحابنا، فمن جعله مسلما، قَالَ:
стр. 17784
كل ما يكفر المسلم بإنكاره يصير الكافر بالإقرار به مسلما، أما إذا أقر بالشهادتين بالعجمية، وهو يحسن العربية، فهل يُجعل بذلك مسلما، فيه وجهان لأصحابنا، الصحيح منهما أنه يصير مسلما؛ لوجود الإقرار، وهذا الوجه هو الحق، ولا يظهر للآخر وجه، وَقَدْ بينت ذلك مستقصى فى "شرح المهذب"، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ "شرح مسلم" ١/ ١٤٤ - ١٤٩. وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): قد حقّق هَذَا الموضوع شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى تحقيقا بالغًا، أحببت إيراده؛ تأكيدًا، وتفصيلاً لما سبق منْ كلام الأئمة الذين نقلنا نصوصهم فِي المسائل السابقة، قَالَ رحمه الله تعالى:
[اعلم]: أن الإيمان والإسلام يجتمع فيهما الدين كلّه، وَقَدْ كثر كلام النَّاس فِي حقيقة الإيمان والإسلام، ونزاعهم، واضطرابهم، وَقَدْ صُنّفت فِي ذلك مجلّدات، والنزاع فِي ذلك منْ حين خرجت الخوارج بين عامة الطوائف، ونحن نذكر ما يُستفاد منْ كلام النبيّ ﷺ ، مع ما يُستفاد منْ كلام الله تعالى، فيصل المؤمن إلى ذلك منْ نفس كلام الله تعالى ورسوله ﷺ ، فإن هَذَا هو المقصود، فلا نذكر اختلاف النَّاس ابتداء، بل نذكر منْ ذلك فِي ضمن ما يُستفاد منْ كلام الله تعالى، ورسوله ﷺ ما يبيّن أن ردّ موارد النزاع إلى الله تعالى، وإلى الرسول ﷺ خير، وأحسن تأويلاً، وأحسن عاقبة فِي الدنيا والآخرة.
فنقول: قد فرق النبيّ ﷺ فِي حديث جبريل ﵇ بين مسمّى الإسلام، ومسمّى الإيمان، ومسمّى الإحسان، فَقَالَ: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلا"، وَقَالَ: "الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه". والفرق مذكور فِي حديث عمر ﵁ الذي انفرد به مسلم، وفي حديث أبي هريرة ﵁ الذي اتفق البخاريّ ومسلم عليه، وكلاهما فيه أن جبريل جاءه فِي صورة إنسان أعرابيّ، فساله، وفي حديث عمر ﵁ أنه جاءه فِي صورة أعرابيّ. وكذلك فسر الإسلام فِي حديث ابن عمر المشهور، قَالَ: "بُني الإسلام عَلَى خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان". وحديث جبريل يبيّن أن الإسلام المبنيّ عَلَى خمس هو الإسلام نفسه، ليس المبنيّ غير المبنيّ عليه، بل جعل النبيّ ﷺ الدين ثلاث درجات: أعلاها الإحسان، وأوسطها الإيمان، ويليه الإسلام، فكل محسن مؤمن،
стр. 17785
وكلّ مؤمن مسلم، وليس كلّ مؤمن محسنًا، ولا كلّ مسلم مؤمنا، كما سيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى- فِي سائر الأحاديث، كالحديث الذي رواه حمّاد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل منْ أهل الشام، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ له: "أسلِم تسلم"، قَالَ: وما الإسلام؟ قَالَ: "أن تُسلم قلبك لله، وأن يسلم المسلمون منْ لسانك، ويدك"، قَالَ: فأي الإسلام أفضل؟ قَالَ: "الإيمان"، قَالَ: وما الإيمان؟ قَالَ: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبالبعث بعد الموت"، قَالَ: فأي الإيمان أفضل؟ قَالَ: "الهجرة"، قَالَ: وما الهجرة؟ قَالَ: "أن تهجر السوء"، قَالَ: فأي الهجرة أفضل؟ قَالَ: "الجهاد"، قَالَ: وما الجهاد؟ قَالَ: "أن تجاهد"، أو "تقاتل الكفار إذا لقيتهم، ولا تغلُل، ولا تجبُن"، ثم قَالَ رسول الله ﷺ : "عملان هما أفضل الأعمال، إلا منْ عمل بمثلهما" -قالها ثلاثا- "حجة مبرورة، أو عمرة"، رواه أحمد، ومحمد بن نصر المروزيّ.
ولهذا يذكر هذه المراتب الأربعة، فيقول: "المسلم منْ سلم المسلمون منْ لسانه، ويده، والمؤمن منْ أمنه النَّاس عَلَى دمائهم وأموالهم، والمهاجر منْ هجر السيئات، والمجاهد منْ جاهد نفسه"، وهذا مروي عن النبيّ ﷺ منْ حديث عبد الله بن عمرو، وفَضَالة بن عُبيد، وغيرهما بإسناد جيد، وهو فِي "السنن"، وبعضه فِي "الصحيحين". وَقَدْ ثبت عنه منْ غير وجه أنه قَالَ: "المسلم منْ سلم المسلمون منْ لسانه ويده، والمؤمن مَنْ أَمِنَهُ النَّاس عَلَى دمائهم وأموالهم"، ومعلوم أن منْ كَانَ مأمونا عَلَى الدماء والأموال كَانَ المسلمون يسلمون منْ لسانه ويده، ولولا سلامتهم منه لما ائتمنوه، وكذلك فِي حديث عُبيد بن عُمير، عن عمرو بن عَبَسَة ﵁. وفي حديث عبد الله بن عُبيد بن عُمير أيضًا، عن أبيه، عن جدّه أنه قيل لرسول الله ﷺ : ما الإسلام؟ قَالَ: "إطعام الطعام، وطيب الكلام"، قيل: فما الإيمان؟ قَالَ: "السماحة، والصبر"، قيل: فمن أفضل المسلمين إسلامًا؟ قَالَ: "منْ سلم المسلمون منْ لسانه ويده"، قيل: فمن أفضل المؤمنين إيمانًا؟ قَالَ: "أحسنهم خُلُقًا"، قيل: فما أفضل الهجرة؟ قَالَ: "منْ هجر ما حرم الله عليه"، قَالَ: أيّ الصلاة أفضل؟ قَالَ: "طول القنوت"، قَالَ: أي الصدقة أفضل؟ قَالَ: "جهد مقلّ"، قَالَ: أي الجهاد أفضل؟ قَالَ: "أن تجاهد بمالك، ونفسك، فيُعقرُ جوادك، وُيراق دمك"، قَالَ: أي الساعات أفضل؟ قَالَ: "جوف الليل الغابر".
ومعلوم أن هَذَا كله مراتب، بعضها فوق بعض، وإلا فالمهاجر لابدّ أن يكون مؤمنًا، وكذا المجاهد، ولهذا قَالَ: "الإيمان السماحة والصبر"، وَقَالَ فِي الإسلام: "إطعام الطعام، وطيب الكلام"، والأول مستلزم للثاني، فإن منْ كَانَ خلقه السماحة،