مالك عن القول بنقصان الإيمان؛ خشية أن يُتَأَوَّل عليه موافقة الخوارج، الذين يُكَفِّرون أهل المعاصي منْ المؤمنين بالذنوب، وَقَدْ قَالَ مالك بنقصان الإيمان، مثل قول جماعة أهل السنة، قَالَ عبد الرزاق: سمعت منْ أدركت منْ شيوخنا، وأصحابنا: سفيان الثوريّ، ومالك بن أنس، وعبيد الله بن عمر، والأوزاعيّ، ومعمر بن راشد، وابن جريج، وسفيان بن عيينة، يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وهذا قول ابن مسعود، وحذيفة، والنخعيّ، والحسن البصريّ، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وعبد الله بن المبارك، فالمعنى الذى يستحق به العبد المدح، والولاية منْ المؤمنين، هو إتيانه بهذه الأمور الثلاثة: التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح، وذلك أنه لا خلاف بين الجميع، أنه لو أقر، وعمل عَلَى غير علم منه ومعرفة بربه، لا يستحق اسم مؤمن، ولو عرفه وعمل، وجحد بلسانه، وكذَّب ما عُرف منْ التوحيد، لا يستحق اسم مؤمن، وكذلك إذا أقر بالله تعالى، وبرسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولم يعمل بالفرائض، لا يسمى مؤمنا بالإطلاق، وإن كَانَ فى كلام العرب، يسمى مؤمنا بالتصديق، فذلك غير مستحق فى كلام الله تعالى، لقوله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]، فأخبرنا : أن المؤمن منْ كانت هذه صفته.
وَقَالَ ابن بطال فى "باب منْ قَالَ الإيمان هو العمل": [فإن قيل]: قد قَدّمتم أن الإيمان هو التصديق، [قيل]: التصديق هو أول منازل الإيمان، ويوجب للمصدق الدخول فيه، ولا يوجب له استكمال منازله، ولا يسمى مؤمنا مطلقا، هَذَا مذهب جماعة أهل السنة، أن الإيمان قول وعمل، قَالَ أبو عبيد: وهو مالك، والثوريّ، والأوزاعيّ، ومن بعدهم، منْ أرباب العلم والسنة، الذين كانوا مصابيح الهدى، وأئمة الدين، منْ أهل الحجاز، والعراق، والشام، وغيرهم. قَالَ ابن بطال: وهذا المعنى أراد البخارى ﵀ إثباته فى "كتاب الإيمان"، وعليه بوب أبوابه كلها، فَقَالَ: "باب أمور الإيمان"، و"بابٌ الصلاةُ منْ الإيمان"، و"بابٌ الزكاةُ منْ الإيمان"، و"بابٌ الجهادُ منْ الإيمان"، وسائر أبوابه، وانما أراد الردّ عَلَى المرجئة فى قولهم: إن الإيمان قول بلا عمل، وتبيينُ غلطهم، وسوء اعتقادهم، ومخالفتهم للكتاب والسنة، ومذاهبِ الأئمة. ثم قَالَ ابن بطال فى باب آخر: قَالَ المهلب: الإسلام عَلَى الحقيقة هو الإيمان، الذي هو عقد القلب، المصدق لإقرار اللسان، الذي لا ينفع عند الله تعالى غيره. وقالت الكرامية، وبعض المرجئة: الإيمان هو الإقرار باللسان، دون عقد القلب، ومن أقوى ما
стр. 17782
يُرَدّ به عليهم إجماعُ الأمة عدى إكفار المنافقين، وإن كانوا قد أظهروا الشهادتين، قَالَ الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٨٣ - ٨٤ - ٨٥]. هَذَا آخر كلام ابن بطال.
وَقَالَ الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح ﵀: قوله ﷺ : "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطع إليه سبيلا، والإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر بالقدر، خيره وشره"، قَالَ: هَذَا بيان لأصل الإيمان، وهو التصديق الباطن، وبيان أصل الإسلام، وهو الاستسلام والانقياد، وحكم الإسلام فى الظاهر ثبت بالشهادتين، وإنما أضاف إليهما الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم؛ لكونها أظهر شعائر الإسلام، وأعظمها، وبقيامه بها يتم استسلامه، وتركه لها يُشعر بانحلال قيد انقياده، أو اختلاله، ثم إن اسم الإيمان يتناول ما فُسر به الإسلام فى هَذَا الْحَدِيث، وسائر الطاعات؛ لكونها ثمرات للتصديق الباطن، الذى هو أصل الإيمان، ومقويات، ومتممات، وحافظات له، ولهذا فسر ﷺ ، الإيمان فى حديث وفد عبد القيس، بالشهادتين، والصلاة، والزكاة، وصوم رمضان، وإعطاء الخمس منْ المغنم، ولهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق، عَلَى منْ ارتكب كبيرة، أو بدل فريضة؛ لأن اسم الشىء مطلقا، يقع عَلَى الكامل منه، ولا يستعمل فى الناقص ظاهرا، إلا بقيد، ولذلك جاز إطلاق نفيه عنه، فى قوله ﷺ : "لا يسرق السارق حين يسرق، وهو مؤمن"، واسم الإسلام يتناول أيضًا ما هو أصل الإيمان، وهو التصديق الباطن، ويتناول أصل الطاعات، فإن ذلك كله استسلام، قَالَ: فخرج مما ذكرناه، وحققنا أن الإيمان والإسلام، يجتمعان، ويفترقان، وأن كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا، قَالَ: وهذا تحقيق وافر، بالتوفيق بين متفرقات نصوص الكتاب والسنة، الواردة فى الإيمان والإسلام, التي طالما غَلِط فيها الخائضون، وما حققناه منْ ذلك، موافق لجماهير العلماء، منْ أهل الْحَدِيث، وغيرهم. هذ آخر كلام الشيخ أبى عمرو بن الصلاح.
فإذا تقرر ما ذكرناه منْ مذاهب السلف، وأئمة الخلف، فهي متظاهرة، متطابقة عَلَى كون الإيمان يزيد وينقص، وهذا مذهب السلف، والمحدثين، وجماعة منْ المتكلمين، وأنكر أكثر المتكلمين زيادته ونقصانه، وقالوا: متى قبل الزيادة كَانَ شكا وكفرا، قَالَ المحققون، منْ أصحابنا المتكلمين: نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص، والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته، وهي الأعمال ونقصانها، قالوا: وفى هَذَا توفيق بين
стр. 17783
ظواهر النصوص التي جاءت بالزيادة، وأقاويل السلف، وبين أصل وضعه فى اللغة، وما عليه المتكلمون، وهذا الذي قاله هؤلاء، وان كَانَ ظاهرا حسنا، فالأظهر -والله أعلم- أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر، وتظاهر الأدلة، ولهذا يكون إيمان الصديقين، أقوى منْ إيمان غيرهم، بحيث لا تعتريهم الشُّبَه، ولا يتزلزل إيمانهم بعارض، بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيرة، وإن اختلفت عليهم الأحوال، وأما غيرهم منْ المؤلفة، ومن قاربهم، ونحوهم، فليسوا كذلك، فهذا مما لا يمكن إنكاره، ولا يتشكك عاقل فى أن نفس تصديق أبى بكر الصديق رضى الله عنه، لا يساويه تصديق آحاد النَّاس، ولهذا قَالَ البخارى فى "صحيحه" قَالَ ابن أبى مليكة: أدركت ثلاثين منْ أصحاب النبيّ ﷺ ، كلهم يخاف النفاق عَلَى نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه عَلَى إيمان جبريل وميكائيل، والله أعلم. وأما إطلاق اسم الإيمان عَلَى الأعمال، فمتفق عليه عند أهل الحق، ودلائله فى الكتاب والسنة، أكثر منْ أن تحصر، وأشهر منْ أن تشهر، قَالَ الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أجمعوا عَلَى أن المراد صلاتكم، وأما الأحاديث، فستمر بك فى هَذَا الكتاب، منها جُمَلٌ مستكثرات، والله أعلم. واتفق أهل السنة منْ المحدثين، والفقهاء، والمتكلمين، عَلَى أن المؤمن الذي يُحكَم بأنه منْ أهل القبلة، ولا يخلد فى النار، لا يكون إلا منْ اعتقد بقلبه دين الإسلام، اعتقادا جازما، خاليًا منْ الشكوك، ونطق بالشهادتين، فإن اقتصر عَلَى إحداهما، لم يكن منْ أهل القبلة أصلاً، إلا اذا عجز عن النطق؛ لخلل فى لسانه، أو لعدم التمكن منه لمعاجلة المنية، أو لغير ذلك، فإنه يكون مؤمنا، أما إذا أتى بالشهادتين، فلا يشترط معهما، أن يقول: وأنا بريء منْ كل دين، خالف الإسلام، إلا إذا كَانَ منْ الكفار، الذين يعتقدون اختصاص رسالة نبينا ﷺ ، إلى العرب، فإنه لا يُحكم بإسلامه، إلا بأن يتبرأ، ومن أصحابنا أصحاب الشافعيّ ﵀ مَن شرط أن يتبرأ مطلقا، وليس بشيء، أما إذا اقتصر عَلَى قوله: لا إله إلا الله، ولم يقل: محمد رسول الله، فالمشهور منْ مذهبنا، ومذاهب العلماء أنه لا يكون مسلما، ومن أصحابنا منْ قَالَ: يكون مسلما، ويطالب بالشهادة الأخرى، فإن أبى جُعل مرتدا، ويُحتَجُّ لهذا القول، بقوله ﷺ : "أُمرت أن أقاتل النَّاس حَتَّى يقولوا: لا إله إلا الله، فاذا قالوا: ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم"، وهذا محمول عند الجماهير عَلَى قول الشاهدتين، واستغنى بذكر إحداهما عن الأخرى؛ لارتباطهما، وشهرتهما. والله أعلم. أما إذا أقر بوجوب الصلاة، أو الصوم، أو غيرهما منْ أركان الإسلام، وهو عَلَى خلاف ملته التي كَانَ عليها، فهل يجعل بذلك مسلما، فيه وجهان لأصحابنا، فمن جعله مسلما، قَالَ:
стр. 17784
كل ما يكفر المسلم بإنكاره يصير الكافر بالإقرار به مسلما، أما إذا أقر بالشهادتين بالعجمية، وهو يحسن العربية، فهل يُجعل بذلك مسلما، فيه وجهان لأصحابنا، الصحيح منهما أنه يصير مسلما؛ لوجود الإقرار، وهذا الوجه هو الحق، ولا يظهر للآخر وجه، وَقَدْ بينت ذلك مستقصى فى "شرح المهذب"، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ "شرح مسلم" ١/ ١٤٤ - ١٤٩. وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): قد حقّق هَذَا الموضوع شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى تحقيقا بالغًا، أحببت إيراده؛ تأكيدًا، وتفصيلاً لما سبق منْ كلام الأئمة الذين نقلنا نصوصهم فِي المسائل السابقة، قَالَ رحمه الله تعالى:
[اعلم]: أن الإيمان والإسلام يجتمع فيهما الدين كلّه، وَقَدْ كثر كلام النَّاس فِي حقيقة الإيمان والإسلام، ونزاعهم، واضطرابهم، وَقَدْ صُنّفت فِي ذلك مجلّدات، والنزاع فِي ذلك منْ حين خرجت الخوارج بين عامة الطوائف، ونحن نذكر ما يُستفاد منْ كلام النبيّ ﷺ ، مع ما يُستفاد منْ كلام الله تعالى، فيصل المؤمن إلى ذلك منْ نفس كلام الله تعالى ورسوله ﷺ ، فإن هَذَا هو المقصود، فلا نذكر اختلاف النَّاس ابتداء، بل نذكر منْ ذلك فِي ضمن ما يُستفاد منْ كلام الله تعالى، ورسوله ﷺ ما يبيّن أن ردّ موارد النزاع إلى الله تعالى، وإلى الرسول ﷺ خير، وأحسن تأويلاً، وأحسن عاقبة فِي الدنيا والآخرة.
فنقول: قد فرق النبيّ ﷺ فِي حديث جبريل ﵇ بين مسمّى الإسلام، ومسمّى الإيمان، ومسمّى الإحسان، فَقَالَ: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلا"، وَقَالَ: "الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه". والفرق مذكور فِي حديث عمر ﵁ الذي انفرد به مسلم، وفي حديث أبي هريرة ﵁ الذي اتفق البخاريّ ومسلم عليه، وكلاهما فيه أن جبريل جاءه فِي صورة إنسان أعرابيّ، فساله، وفي حديث عمر ﵁ أنه جاءه فِي صورة أعرابيّ. وكذلك فسر الإسلام فِي حديث ابن عمر المشهور، قَالَ: "بُني الإسلام عَلَى خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان". وحديث جبريل يبيّن أن الإسلام المبنيّ عَلَى خمس هو الإسلام نفسه، ليس المبنيّ غير المبنيّ عليه، بل جعل النبيّ ﷺ الدين ثلاث درجات: أعلاها الإحسان، وأوسطها الإيمان، ويليه الإسلام، فكل محسن مؤمن،
стр. 17785
وكلّ مؤمن مسلم، وليس كلّ مؤمن محسنًا، ولا كلّ مسلم مؤمنا، كما سيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى- فِي سائر الأحاديث، كالحديث الذي رواه حمّاد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل منْ أهل الشام، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ له: "أسلِم تسلم"، قَالَ: وما الإسلام؟ قَالَ: "أن تُسلم قلبك لله، وأن يسلم المسلمون منْ لسانك، ويدك"، قَالَ: فأي الإسلام أفضل؟ قَالَ: "الإيمان"، قَالَ: وما الإيمان؟ قَالَ: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبالبعث بعد الموت"، قَالَ: فأي الإيمان أفضل؟ قَالَ: "الهجرة"، قَالَ: وما الهجرة؟ قَالَ: "أن تهجر السوء"، قَالَ: فأي الهجرة أفضل؟ قَالَ: "الجهاد"، قَالَ: وما الجهاد؟ قَالَ: "أن تجاهد"، أو "تقاتل الكفار إذا لقيتهم، ولا تغلُل، ولا تجبُن"، ثم قَالَ رسول الله ﷺ : "عملان هما أفضل الأعمال، إلا منْ عمل بمثلهما" -قالها ثلاثا- "حجة مبرورة، أو عمرة"، رواه أحمد، ومحمد بن نصر المروزيّ.
ولهذا يذكر هذه المراتب الأربعة، فيقول: "المسلم منْ سلم المسلمون منْ لسانه، ويده، والمؤمن منْ أمنه النَّاس عَلَى دمائهم وأموالهم، والمهاجر منْ هجر السيئات، والمجاهد منْ جاهد نفسه"، وهذا مروي عن النبيّ ﷺ منْ حديث عبد الله بن عمرو، وفَضَالة بن عُبيد، وغيرهما بإسناد جيد، وهو فِي "السنن"، وبعضه فِي "الصحيحين". وَقَدْ ثبت عنه منْ غير وجه أنه قَالَ: "المسلم منْ سلم المسلمون منْ لسانه ويده، والمؤمن مَنْ أَمِنَهُ النَّاس عَلَى دمائهم وأموالهم"، ومعلوم أن منْ كَانَ مأمونا عَلَى الدماء والأموال كَانَ المسلمون يسلمون منْ لسانه ويده، ولولا سلامتهم منه لما ائتمنوه، وكذلك فِي حديث عُبيد بن عُمير، عن عمرو بن عَبَسَة ﵁. وفي حديث عبد الله بن عُبيد بن عُمير أيضًا، عن أبيه، عن جدّه أنه قيل لرسول الله ﷺ : ما الإسلام؟ قَالَ: "إطعام الطعام، وطيب الكلام"، قيل: فما الإيمان؟ قَالَ: "السماحة، والصبر"، قيل: فمن أفضل المسلمين إسلامًا؟ قَالَ: "منْ سلم المسلمون منْ لسانه ويده"، قيل: فمن أفضل المؤمنين إيمانًا؟ قَالَ: "أحسنهم خُلُقًا"، قيل: فما أفضل الهجرة؟ قَالَ: "منْ هجر ما حرم الله عليه"، قَالَ: أيّ الصلاة أفضل؟ قَالَ: "طول القنوت"، قَالَ: أي الصدقة أفضل؟ قَالَ: "جهد مقلّ"، قَالَ: أي الجهاد أفضل؟ قَالَ: "أن تجاهد بمالك، ونفسك، فيُعقرُ جوادك، وُيراق دمك"، قَالَ: أي الساعات أفضل؟ قَالَ: "جوف الليل الغابر".
ومعلوم أن هَذَا كله مراتب، بعضها فوق بعض، وإلا فالمهاجر لابدّ أن يكون مؤمنًا، وكذا المجاهد، ولهذا قَالَ: "الإيمان السماحة والصبر"، وَقَالَ فِي الإسلام: "إطعام الطعام، وطيب الكلام"، والأول مستلزم للثاني، فإن منْ كَانَ خلقه السماحة،
стр. 17786
فعل هَذَا بخلاف الأول، فإن الإنسان قد يفعل ذلك تخلّقا، ولا يكون فِي خلقه سماحة، وصبرٌ، وكذلك قَالَ: "أفضل المسلمين منْ سلم المسلمون منْ لسانه ويده"، وَقَالَ: "أفضل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا"، ومعلومٌ أن هَذَا يتضمّن الأول، فمن كَانَ حسن الخلق فعل ذلك. قيل للحسن البصريّ: ما حسن الخلق؟ قَالَ: بذل الندى، وكفّ الأذى، وطلاقة الوجه، فكفّ الأذى جزء منْ حسن الخلق، وستأتي الأحاديث الصحيحة بأنه جعل الأعمال الظاهرة منْ الإيمان، كقوله ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق"، وقوله لوفد عبد القيس: "آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟: شهادة أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم".
ومعلوم أنه لم يرد أن هذه الأعمال تكون إيمانًا بالله بدون إيمان القلب؛ لِمَا قد أخبر فِي غير موضع أنه لابد منْ إيمان القلب، فعُلم أن هذه مع إيمان القلب هو الإيمان. وفي "المسند" عن أنس ﵁ عن النبيّ ﷺ أنه قَالَ: "الإسلام علانية، والإيمان فِي القلب" (١)، وَقَالَ ﷺ : "إن فِي الجسد مضغةً إذا صلحت صلح سائر الجسد، وإذا فسدت فسد سائر الجسد، ألا وهي القلب"، فمن صلح قلبه صلح جسده قطعًا، بخلاف العكس. وَقَالَ سفيان بن عيينة: كَانَ العلماء فيما مضى يكتب بعضهم إلى بعض بهؤلاء الكلمات: منْ أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن أصلح ما بينه وبين الله، أصلح الله ما بينه وبين النَّاس، ومن عمل لآخرته، كفاه الله أمر دنياه. رواه ابن أبي الدنيا فِي "كتاب الإخلاص". فعلم أن القلب إذا صلح بالإيمان صلح الجسد بالإسلام، وهو منْ الإيمان، يدلّ عَلَى ذلك أنه قَالَ فِي حديث جبريل ﵇: "هَذَا جبريل جاءكم يُعلّمكم دينكم"، فجعل الدين هو الإسلام، والإيمان، والإحسان"، فتبين أن ديننا يجمع الثلاثة، لكن هو درجات ثلاث: مسلم، ثم مؤمن، ثم محسنٌ، كما قَالَ تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية [فاطر: ٣٢]، والمقتصد، والسابق كلاهما يدخل الجنّة بلا عقوبة، بخلاف الظالم لنفسه، وهكذا منْ أتى بالإسلام الظاهر مع تصديق القلب، لكن لم يقم بما يجب عليه منْ الإيمان الباطن، فإنه معرّضٌ للوعيد، كما سيأتي بيانه، إن شاء الله.
وأما الإحسان: فهو أعمّ منْ جهة نفسه، وأخصّ منْ أصحابه منْ الإيمان، والإيمان
стр. 17787
أعمّ منْ جهة نفسه، وأخصّ منْ جهة أصحابه منْ الإسلام، فالإحسان يدخل فيه الإيمان، والإيمان يدخل فيه الإسلام، والمحسنون أخصّ منْ المؤمنين، والمؤمنون أخصّ منْ المسلمين، وهذا كما يقال: فِي الرسالة، والنبوّة، فالنبوّة داخلة فِي الرسالة، والرسالة أعمّ منْ جهة نفسها، وأخصّ منْ جهة أهلها، فكل رسول نبيّ، وليس كلّ نبيّ رسولاً، فالأنبياء أعمّ، والنبوة نفسها جزء منْ الرسالة، فالرسالة تتناول النبوّة، وغيرها، بخلاف النبوّة، فإنها لا تتناول الرسالة. والنبيّ ﷺ فسّر الإسلام، والإيمان بما أجاب به، كما يجاب عن المحدود بالحدّ، إذا قيل: ما كذا؟ قيل: كذا وكذا، كما فِي الْحَدِيث الصحيح لَمّا قيل: ما الغيبة؟ قَالَ: "ذكرك أخاك بما يَكره"، وفي الْحَدِيث الآخر: "الكبر بطر الحقّ، وغمط النَّاس"، وبطر الحقّ: جحده، ودفعه، وغمط النَّاس: احتقارهم، وازدراؤهم. وسنذكر -إن شاء الله تعالى- سبب تنوّع أجوبته، وأنها كلّها حقّ. ولكن المقصود أن قوله ﷺ : "بُني الإسلام عَلَى خمس"، كقوله: الإسلام هو الخمس، كما ذكر فِي حديث جبرائيل ﵇، فإن الأمر مركّبٌ منْ أجزاء تكون الهيئة الاجتماعيّة فيه مبنيّة عَلَى تلك الأجزاء، ومركّبةً منها، فالاسلام مبنيّ عَلَى هذه الأركان -وسنبين إن شاء الله- اختصاص هذه الخمس بكونها هي الإسلام، وعليها بُني الإسلام، ولم خُصّت بذلك، دون غيرها منْ الواجبات.
وَقَدْ فسّر الإيمان فِي حديث وفد عبد القيس بما فسّر به الإسلام هنا، لكنه لم يذكر فيه الحجّ، وهو متَّفقٌ عديه، فَقَالَ: "آمركم بالإيمان بالله وحده، هل تدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قَالَ: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدّوا خمس ما غنمتم، أو خمسًا منْ المغنم". وَقَدْ رُوي فِي بعض طرقه: "الإيمان بالله، وشهادة أن لا إله إلا الله"، لكن الأول أشهر، وفي رواية أبي سعيد ﵁: "آمركم باربع، وأنهاكم عن أربع: اعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا".
وَقَدْ فَسَّر فِي حديث شعب الإيمان الإيمان بهذا، وبغيره، فَقَالَ: "الإيمان بضع وستّون، أو بضع وسبعون شعبةً، أفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شبعة منْ الإيمان". وَقَدْ ثبت عنه منْ وجوه متعدّدة أنه قَالَ: "الحياء شعبة منْ الإيمان" منْ حديث ابن عمر، وابن مسعود، وعمران بن حصين ﵃، وَقَالَ أيضًا: "لا يؤمن أحدكم حَتَّى أكون أحبّ إليه منْ ولده، ووالده، والناس أجمعين"، وَقَالَ: "لا يؤمن أحدكم حَتَّى يحبّ لأخيه ما يُحبّ لنفسه"، وَقَالَ: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن"، قيل: منْ يا رسول الله؛ قَالَ: "الذي لا يأمن جاره
стр. 17788
بوائقه". وَقَالَ: "منْ رأى منكم منكرًا، فليُغيره بيده، فإن لم يستطع، فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". وَقَالَ: "ما بعث الله منْ نبيّ، إلا كَانَ فِي أمته قوم يهتدون بهديه، ويستنّون بسنته، ثم إنه يخلُف منْ بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده، فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمنٌ، وليس وراء ذلك منْ الإيمان حبّة خردل"، وهذا منْ أفراد مسلم. وكذلك فِي أفراد مسلم قوله ﷺ : "والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حَتَّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حَتَّى تحابّوا، أو لا أدلّكم عَلَى شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم"، وَقَالَ فِي الْحَدِيث المتفق عليه منْ رواية أبي هريرة ﵁، ورواه البخاريّ منْ حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، قَالَ النبيّ ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها، وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق، وهو مؤمن، ولا ينتهب النهبة، يرفع النَّاس إليه فيها أبصارهم، وهو مؤمن".
فيقال: اسم الإيمان تارةَ يُذكر مفردًا، غير مقرون باسم الإسلام، ولا باسم العمل الصالح، ولا غيرهما، وتارة يُذكر مقرونًا، إما بالإسلام، كقوله فِي حديث جبرائيل: "ما الإسلام، وما الإيمان؟، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٥]، وقوله : ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] الآية، وقوله : ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦]. وكذلك ذكر الإيمان مع العمل الصالح، وذلك فِي مواضع منْ القرآن، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية [الكهف: ١٠٧]، وإما مقرونا بالذين أوتوا العلم، كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ﴾ الآية [الروم: ٥٦]، وقوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ الآية [المجادلة: ١١]، وحيث ذكر الذين آمنوا، فقد دخل فيهم الذين أوتوا العلم، فإنهم خيارهم، قَالَ تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] الآية، وَقَالَ: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية [النِّساء: ١٦٢].
ويذكر أيضًا لفظ المؤمنين، مقرونًا بالذين هادوا، والنصارى، والصابئين، ثم يقول: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]، فالمؤمنون فِي ابتداء الخطاب غير الثلاثة، والإيمان الآخر
стр. 17789
عمّهم، كما عمّهم فِي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧]، وسنبسط هَذَا إن شاء الله.
فالمقصود هنا العموم والخصوص بالنسبة إلى ما فِي الباطن والظاهر منْ الإيمان، وأما العموم بالنسبة إلى الملل، فتلك مسألة أخرى، فلما ذكر الإيمان مع الإسلام، جعل الإسلام هو الأعمال الظاهرة: الشهادتان، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وجعل الإيمان ما فِي القلب، منْ الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وهكذا فِي الْحَدِيث الذي رواه أحمد، عن أنس ﵁، عن النبيّ ﷺ أنه قَالَ: "الإسلام علانيةٌ، والإيمان فِي القلب" (١). وإذا ذكر اسم الإيمان مجرّدًا دخل فيه الإسلام، والأعمال الصالحة، كقوله ﷺ فِي حديث الشعب: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق"، وكذلك سائر الأحاديث التي يُجعل فيها أعمال البرّ منْ الإيمان.
ثم إن نَفَى الإيمان عند عدمها دلّ عَلَى أنها واجبة، وإن ذَكر فضل إيمان صاحبها، ولم ينف إيمانه دلّ عَلَى أنها مستحبة، فإن الله تعالى، ورسوله ﷺ لا ينفي اسم مُسمّى أمر، أمر الله به رسوله ﷺ إلا إذا ترك بعض واجباته، كقوله: "لا صلاة إلا بأم القرآن"، وقوله: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له"، ونحو ذلك.
فأما إذا كَانَ الفعل مستحبًا فِي العبادة لم ينفها لانتفها المستحبّ، فإن هَذَا لو جاز لجاز أن ينفي عن جمهور المؤمنين اسم الإيمان، والصلاة، والزكاة، والحج؛ لأنه ما منْ عمل إلا وغيره أفضل منه، وليس أحد يفعل أفعال البرّ مثل ما فعلها النبيّ ﷺ ، بل ولا أبو بكر، ولا عمر، فلو كَانَ منْ لم يأت بكمالها المستحبّ يجوز نفيها لجاز أن ينفى عن جمهور المسلمين منْ الأولين والآخرين، وهذا لا يقوله عاقل. فمن قَالَ: إن المنفيّ هو الكمال، فإن أراد أنه نفي الكمال الواجب الذي يُذمّ تاركه، ويتعرّض للعقوبة، فقد صدق، وإن أراد أنه نفي الكمال المستحبّ، فهذا لم يقع قط فِي كلام الله ورسوله ﷺ ، ولا يجوز أن يقع، فإن منْ فعل الواجب كما وجب عليه، ولم ينتقص منْ واجبه شيئاً، لم يجز أن يقال: ما فعله، لا حقيقةً، ولا مجازًا، فإذا قَالَ للأعرابيّ المسيء فِي صلاته: "ارجع، فصلّ، فإنك لم تصلّ"، وَقَالَ لمن صلّى خلف الصفّ، وَقَدْ أمره بالإعادة: "لا صلاة لفذّ خلف الصفّ"، كَانَ لترك واجب، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي
стр. 17790
سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥]، يبيّن أن الجهاد واجب، وترك ألاتياب واجب، والجهاد، وان كَانَ فرضًا عَلَى الكفاية، فجميع المؤمنين يخاطبون به ابتداء، فعليهم كلّهم اعتقاد وجوبه، والعزم عَلَى فعله، إذا تعيّن، ولهذا قَالَ النبيّ ﷺ : "منْ مات، ولم يغز، ولم يُحدث نفسه بغزو، مات عَلَى شعبة نفاق"، رواه مسلم، فأخبر أنه منْ لم يهمّ به كَانَ عَلَى شعبة نفاق.
وأيضًا فالجهاد جنس تحته أنواع متعدّدة، ولابدّ أن يجب عَلَى المؤمن نوع منْ أنواعه، وكذلك قوله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ الآية [الأنفال: ٢ - ٤]، هَذَا كله واجب، فإن التوكّل عَلَى الله واجب، منْ أعظم الواجبات، كما أن الإخلاص لله واجب، وحبّ الله ورسوله واجب، وَقَدْ أمر الله بالتوكّل عليه فِي غير آية، أعظم مما أمر بالوضوء، والغسل منْ الجنابة، ونهى عن التوكّل عَلَى غير الله، قَالَ تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وَقَالَ تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، وَقَالَ تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، وَقَالَ تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤].
وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]، فيقال: منْ أحوال القلب، وأعماله ما يكون منْ لوازم الإيمان الثابتة فيه، بحيث إذا كَانَ الإنسان مؤمنًا، لزم ذلك بغير قصد منه، ولا تعمّد له، واذا لم يوجد دلّ عَلَى أن الإيمان الواجب لم يحصل فِي القلب، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ الآية [المجادلة: ٢٢]، فأخبر أنك لا تجد مؤمنًا يوادّ المحادّين لله ورسوله، فإن نفس الإيمان ينافي موادّته، كما ينفي أحد الضدّين الآخر، فإذا وُجد الإيمان انتفى ضدّه، وهو موالاة أعداء الله، فإذا كَانَ الرجل يوالي أعداء الله بقلبه، كَانَ ذلك دليلاً عَلَى أن قلبه ليس فيه الإيمان الواجب.
ومثله قوله تعالى فِي الآية الأخرى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾
стр. 17791
[المائدة: ٨٠]، فذكر جملة شرطية تقتضي أنه إذا وُجد الشرط وُجد المشروط بحرف "لو" التي تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط، فَقَالَ: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ , فدلّ عَلَى أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء، ويُضادّه، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء فِي القلب، ودلّ ذلك عَلَى أن منْ اتخّذهم أولياء، ما فعل الإيمان الواجب، منْ الإيمان بالله، والنبيّ، وما أنزل إليه.
ومثله قوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ الآية [المائدة: ٥١]، فإنه أخبر فِي تلك الآيات أن متولّيهم لا يكون مؤمنًا، وأخبر هنا أن متولّيهم هو منهم، فالقرآن يصدّق بعضه بعضًا، قَالَ الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ الآية [الزمر: ٢٣]، وكذلك قوله تعالي: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ الآية [النور: ٦٢] دليلٌ عَلَى أن الذهاب المذكور بدون استئذانه لا يجوز، وأنه يجب أن لا يذهب حَتَّى يستأذن، فمن ذهب، ولم يستأذن، كَانَ قد ترك بعض ما يجب عليه منْ الإيمان، فلهذا نفى عنه الإيمان، فإن حرف "إنما" تدلّ عَلَى إثبات المذكور، ونفي غيره، ومن الأصوليين منْ يقول: "إن" للإثبات، و"ما" للنفي، فإذا جُمع بينهما دلّت عَلَى النفي والإثبات، وليس كذلك عند أهل العربيّة، ومن يتكلّم بعلم، فإن "ما" هذه هي الكافّة التي تدخل عَلَى "إن" وأخواتها، فتكفّها عن العمل؛ لأنها إنما تعمل إذا اختصّت بالجمل الاسميّة، فلما كُفّت بطل عملها، واختصاصها، فصار يليها الجمل الفعليّة، والاسميّة، فتغيّر معناها، وعملها جميعا بانضمام "ما" إليها، وكذلك "كأنما"، وغيرها.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ الي قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٤٧ - ٥١].
[فإن قيل]: إذا كَانَ المؤمن حقًّا هو الفاعل للواجبات، التارك للمحرّمات، فقد قَالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤]، ولم يذكر إلا خمسة أشياء، وكذلك قَالَ فِي الآية الأخرى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥]، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [النور: ٦٢].
стр. 17792
[قيل]: عن هَذَا جوابان:
[أحدهما]: أن يكون ما ذُكر مستلزمًا لما تُرك، فإنه ذَكَر وَجَلَ قلوبهم إذا ذُكر الله، وزيادة إيمانهم إذا تُليت عليهم آياته، مع التوكّل عليه، وإقام الصلاة عَلَى الوجه المأمور به باطنًا وظاهرًا، وكذلك الإنفاق منْ المال والمنافع، فكان هَذَا مستلزمًا للباقي، فإن وجَلَ القلبِ عند ذكر الله يقتضي خشيته، والخوف منه، وَقَدْ فسّروا "وجلت" بفَرِقَت، وفي قراءة ابن مسعود ﵁: "إذا ذُكر الله فرِقَت قلوبهم"، وهذا صحيح، فإن الوجل فِي اللغة هو الخوف، يقال: حمرة الْخَجَل، وصُفْرة الوجل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: يا رسول الله هو الرجل يزني، ويسرق، ويخاف أن يُعاقب؟ قَالَ: "لا يا ابنة الصّدّيق، هو الرجل يصليّ، ويصوم، ويتصدّق، ويَخاف أن لا يُقبل منه". وَقَالَ السّدّيّ فِي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٣٥]: هو الرجل يريد أن يظلم، أو يهمّ بمعصية، فينزع عنه، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١]، وقوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، قَالَ مجاهد، وغيره منْ المفسّرين: هو الرجل يهمّ بالمعصية، فيذكر مقامه بين يدي الله، فيتركها خوفًا منْ الله.
وإذا كَانَ وجل القلب منْ ذكره يتضمّن خشيته، ومخافته، فذلك يدعو صاحبه إلى فعل المأمور، وترك المحظور. قَالَ سهل بن عبد الله: ليس بين العبد وبين الله حجاب أغلظ منْ الدعوى، ولا طريق إليه أقرب منْ الافتقار، وأصل كل خير فِي الدنيا والآخرة الخوف منْ الله. ويدلّ عَلَى ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤]، فأخبر أن الهدى والرحمة للذين يرهبون الله. قَالَ مجاهد، وإبراهيم: هو الرجل يريد أن يذنب الذنب، فيذكر مقام الله، فيدع الذنب. رواه ابن أبي الدنيا عن ابن الجعد، عن شعبة، عن منصور، عنهما فِي قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، وهؤلاء هم أهل الفلاح المذكور فِي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥]، وهم المؤمنونِ، وهم المتّقون المذكورون فِي قوله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١ - ٢]، كما قَالَ فِي آية البرّ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وهؤلاء هم المتّبعون للكتاب، كما فِي قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣]، وإذا
стр. 17793
لم يضلّ، فهو متّبعٌ مهتد، وإذا لم يشقَ، فهو مرحوم، وهؤلاء هم أهل الصراط المستقيم الذين أنعم الله عليهم منْ النبيين والصّدّيقين، والشهداء، والصالحين، غير المغضوب عليهم، ولا الضّالّين، فإن أهل الرحمة ليسوا مغضوبًا عليهم، وأهل الهدى ليسوا ضالّين، فتبين أن أهل رهبة الله يكونون متّقين لله، مستحقّين للجنة بلا عذاب، وهؤلاء هم الذين أتوا بالإيمان الواجب.
ومما يدلّ عَلَى هَذَا المعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ الآية [فاطر: ٢٨]، والمعنى لا يخشاه إلا عالم، فقد أخبر الله أن كلّ منْ خشي الله فهو عالم، كما قَالَ فِي الآية الأخرى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ الآية [الزمر: ٩].
والخشية أبدًا متضمّنة للرجاء، ولولا ذلك لكانت قُنوطًا، كما أن الرجاء يستلزم الخوف، ولولا ذلك لكان أمنا، فأهل الخوف لله، والرجاء له هم أهل العلم الذين مدحهم الله. وَقَدْ رُوي عن أبي حيّان التيميّ أنه قَالَ: العلماء ثلاثة: فعالم بالله، ليس عالمًا بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس عالمًا بالله، وعالم بالله، عالم بأمر الله، فالعالم بالله هو الذي يخافه، والعالم بأمر الله هو الذي يعلم أمره ونهيه، وفي "الصحيح" عن النبيّ ﷺ أنه قَالَ: "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بحدوده". وإذا كَانَ أهل الخشية هم العلماء الممدوحون فِي الكتاب والسنّة، لم يكونوا مستحقّين للذّمّ، وذلك لا يكون إلا مع فعل الواجبات. ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٣ - ١٤]، وقوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، فوعد بنصر الدنيا، وبثواب الآخرة لأهل الخوف، وذلك إنما يكون لأنهم أدَّوا الواجب، فدلّ عَلَى أن الخوف يستلزم فعل الواجب، ولهذا يقال للفاجر: لا يخاف الله. ويدلّ عَلَى هَذَا المعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ﴾ الآية [النِّساء: ١٧]،. قَالَ أبو العالية: سألت أصحاب محمد ﷺ عن هذه الآية، فقالوا لي: كلُّ منْ عصى الله فهو جاهلٌ، وكلّ منْ تاب قبل الموت، فقد تاب منْ قريب، وكذلك قَالَ سائر المفسّرين، قَالَ مجاهد: كلّ عاص فهو جاهل حين معصيته. وَقَالَ الحسن، وقتادة، وعطاء، والسدّيّ، وغيرهم: إنما سُمُّوا جُهّالاً لمعاصيهم، لا أنهم غير مميّزين. وَقَالَ الزجّاج: ليس معنى الآية أنهم يجهلون أنه سوء؛ لأن المسلم لو أتى ما يجهله كَانَ كمن لم يواقع سوءًا، وإنما يحتمل أمرين:
стр. 17794
[أحدهما]: أنهم عملوه، وهم يجهلون المكروه فيه. [والثاني]: أنهم أقدموا عَلَى بصيرة وعلم بأن عاقبته مكروهة، وآثروا العاجل عَلَى الآجل، فسمّوا جُهّالاً؛ لإيثارهم القليل عَلَى الراحة الكثيرة، والعافية الدائمة، فقد جعل الزجّاج الجهل إما عدم العلم بعاقبة الفعل، وإما فساد الإرادة. وَقَدْ يقال: هما متلازمان.
والمقصود هنا أن كلّ عاص لله، فهو جاهل، وكلّ خائف منه فهو عالم، مطيع لله، وإنما يكون جاهلاً لنقص خوفه منْ الله؛ إذ لو تمّ خوفه منْ الله لم يَعصِ، ومنه قول ابن مسعود ﵁: كفى بخشية الله علمًا، وكفى بالاغترار به جهلاً، وذلك لأن تصوّر المخوف يوجب الهرب منه، وتصوّر المحبوب يوجب طلبه، فإذا لم يهرب منْ هَذَا، ولم يطلب هَذَا، دلّ عَلَى أنه لم يتصوّره تصوّرًا تامًا، ولكن قد يتصوّر الخبر عنه، وتصوّر الخبر، وتصديقه، وحفظ حروفه غير تصوّر المخبر عنه، وكذلك إذا لم يكن المتصوّر محبوبًا له، ولا مكروهًا، فإن الإنسان يصدّق بما هو مخوف عَلَى غيره، ومحبوب لغيره، ولا يورثه ذلك هربًا، ولا طلبًا، وكذلك إذا أُخبِر بما هو محبوبٌ له، ومكروه، ولم يكذّب المخبر، بل عرفه صدّقه، لكن قلبه مشغول بأمور أخرى عن تصوّر ما أُخبر به، فهذا لا يتحرّك للهَرَب، ولا للطلب. وفي الكلام المعروف عن الحسن البصريّ، وُيروى مرسلاً عن النبيّ ﷺ : "العلم علمان، فعلم فِي القلب، وعلم عَلَى اللسان، فعلم القلب هو العدم النافع، وعلم اللسان حجة الله عَلَى عباده". وَقَدْ أخرجا فِي "الصحيحين" عن أبي موسى الأشعريّ ﵁ عن النبيّ ﷺ أنه قَالَ: "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجّة طعمها طيّب، وريحها طيّبٌ، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة، طعمها صيّبٌ، ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيّبٌ، وطعمها مرٌ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة، طعمها مرٌ، ولا ريح لها". وهذا المنافق الذي يقرأ القرآن، يحفظه، ويتصوّر معانيه، وَقَدْ يصدّق أنه كلام الله، وأن الرسول حقّ، ولا يكون مؤمناً، كما أن اليهود يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وليسوا مؤمنين، وكذلك إبليس، وفرعون، وغيرهما، لكن منْ كَانَ كذلك، لم يكن حصل له منْ العلم التامّ، والمعرفة التامّة، فإن ذلك يستلزم العمل بموجبه، لا محالة، ولهذا صار يقال: لمن لم يعمل بعلمه: إنه جاهل، كما تقدّم.
وكذلك لفظ "العقل"، وإن كَانَ فِي الأصل مصدر عقل يعقل عقلاً -منْ باب ضرب- وكثير منْ النظَّار جعله منْ جنس العلوم، فلابدّ أن يُعتبر مع ذلك أنه علم يُعمل بموجبه، فلا يسمّى عاقلاً إلا منْ عرف الخير، فطلبه، والشرّ فتركه، ولهذا قَالَ
стр. 17795
أصحاب النار: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]، وَقَالَ عن المنافقين: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر: ١٤]، ومن فعل ما يعلم أنه يضرّه، فمثل هَذَا ما له عقلٌ، فكما أن الخوف منْ الله يستلزم العلم به، فالعلم به يستلزم خشيته، وخشيته تستلزم طاعته، فالخائف منْ الله ممتثلٌ لأوامره، مجتنب لنواهيه، وهذا هو الذي قصدنا بيانه أوّلاً.
ويدلّ عَلَى ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢)﴾ [الأعلى: ٩ - ١٢]، فأخبر أن منْ يخشاه يتذكّر، والتذكّر هنا مستلزم لعبادته، قَالَ الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ [غافر: ١٣]، وَقَالَ: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٨]، ولهذا قالوا فِي قوله تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى: ١٠]: سيتعظ بالقرآن منْ يخشى الله، وفي قوله: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾: إنما يتّعظ منْ يرجع إلى الطاعة، وهذا لأن التذكر التامّ يستلزم التأثّر بما تذكّره، فإن تذكّر محبوبًا طلبه، وإن تذكّر مرهوبًا هرب منه. ومنه قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]، وَقَالَ : ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس: ١١]، فنفى الإنذار عن غير هؤلاء مع قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، فأثبت لهم الإنذار منْ وجه، ونفاه عنهم منْ وجه، فالإنذار هو الإعلام بالمخوف، فالإنذار مثل التعليم، والتخويف، فمن علّمته، فتعلّم، فقد تمّ تعليمه، وآخر يقول: علمته، فلم يتعلّم، وكذلك منْ خوفته، فخاف، فهذا هو الذي تمّ تخويفه، وأما منْ خُوِّف فمِا خاف، فلم يتم تخويفه، وكذلك منْ هديته فاهتدى، تمّ هداه، ومنه قوله تعالى: ﴿هُدَى لّلِمُتَّقِينَ﴾، ومن هديته فلم يهتد، كما قَالَ تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ الآية [فصلت: ١٧]، فلم يتمّ هداه، كما تقول: قطعته فانقطع، وقطعته، فما انقطع. فالمؤثّر التامّ يستلزم أثره، فمتى لم يحصل أثره لم يكن تامًّا، والفعل إذا صادف محلاً قابلاً تمّ، وإلا لم يتمّ، والعلم بالمحبوب يورث طلبه، والعلم بالمكروه يورث تركه، ولهذا يُسمّى هَذَا العلم: الداعي، ويقال: الداعي مع القدرة، يستلزم وجود المقدور، وهو العلم بالمطلوب المستلزم لإرادة المعلوم المراد، وهذا كلّه إنما يحصل مع صحّة الفطرة، وسلامتها، وأما مع فسادها، فقد يُحسّ الإنسان باللذيذ، فلا يجد له لذّة، بل يؤلمه، وكذلك يلتذّ بالمؤلم لفساد فطرته، والفساد يتناول القوّة العلميّة، والقوّة العمليّة جميعًا، كالممرور الذي يجد العسل مُرًّا، فإنه فسد نفس إحساسه، حَتَّى كَانَ يُحسّ به عَلَى خلاف ما هو عليه للمرّة التي
стр. 17796
مازجته، وكذلك منْ فسد باطنه، قَالَ تعالى: ﴿يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩ - ١١٠]. وَقَالَ تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصفّ: ٥]، وَقَالَ: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النِّساء: ١٥٥] وَقَالَ فِي الآية الآخرى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨]، و"الغلف" جمع أغلف، وهو ذو الغلاف الذي فِي غلاف، مثل الأقلف، كأنهم جَعلوا المانع خلقة: أي خُلقت القلوب وعليها أغطية، فَقَالَ الله تعالى: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾، ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وَقَالَ تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٦].
وكذلك قالوا: ﴿يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١]، قَالَ: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾: أي لأفهم ما سمعوه، ثم قَالَ: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾: أي ولو أفهمهم مع هذه الحال التي هم عليها ﴿لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣]، فقد فسدت فطرتهم، فلم يفهموا، ولو فهموا لم يعملوا، فنفى عنهم صحّة القوّة العلميّة، وصحة القوّة العمليّة. وَقَالَ: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ , وَقَالَ: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾، وَقَالَ: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]، وَقَالَ عن المنافقين: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨].
ومن النَّاس منْ يقول: لَمّا لم ينتفعوا بالسمع والبصر، والنطق، صاروا منْ الصُّمِّ العمي البكم، وليس كذلك، بل نفس قلوبهم عميت، وصُمت، وبكمت، كما قَالَ الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. والقلب هو الملك، والأعضاء جنوده، وإذا صلح صلح سائر الجسد، وإذا فسد فسد سائر الجسد، فيبقى يسمع بالأذن الصوت، كما تسمع البهائم، والمعنى: لا يفقه، وإن فقه بعض الفقه لم يفقه فقهًا تامًا، فإن الفقه التامّ يستلزم تأثيره فِي القلب محبّة المحبوب، وبغض المكروه، فمتى لم يحصل هَذَا لم يكن التصوّر حاصلاً، فجاز نفيه؛ لاْن ما لم يتمّ ينفى، كقوله ﷺ للذي أساء فِي صلاته: "صلّ، فإنك لم تصلّ"، فنَفْيُ الإيمان
стр. 17797
حيث نُفي منْ هَذَا الباب.
وَقَدْ جمع الله تعالى بين وصفهم بوجَل القلب إذا ذُكر الله، وبزيادة الإيمان إذا سمعوا آياته، قَالَ الضحّاك: زادتهم يقينًا. وَقَالَ الربيع بن أنس: خشيةً. وعن ابن عبّاس تصديقًا. وهكذا قد ذكر الله هذين الأصلين فِي مواضع، قَالَ تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦].
والخشوع يتضمّن معنيين: [أحدهما]: التواضع والذلّ. [والثاني]: السكون والطمأنينة، وذلك مستلزم للين القلب المنافي للقسوة، فخشوع القلب يتضمّن عبوديّته لله، وطمأنينته أيضًا، ولهذا كَانَ الخشوع فِي الصلاة يتضمّن هَذَا، وهذا: التواضع، والسكون. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فِي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢]: قَالَ: مخبتون أذِلّاءُ. وعن الحسن، وقتادة: خائفون. وعن مقاتل: متواضعون. وعن عليّ ﵁: الخشوع فِي القلب، وأن تُلين للمرء المسلم كنفك، ولا تلتفت يمينًا وشمالًا. وَقَالَ مجاهد: غضّ البصر، وخفض الْجناح. وكان الرجل منْ العلماء إذا قام إلى الصلاة يهاب الرحمن، أن يشدّ بصره، أو أن يُحدّث نفسه بشيء منْ أمر الدنيا. وعن عمرو بن دينار: ليس الخشوع الركوع والسجود، ولكنه السكون، وحبّ حسن الهيئة فِي الصلاة. وعن ابن سيرين وغيره: كَانَ النبيّ ﷺ ، وأصحابه يرفعون أبصارهم فِي الصلاة إلى السماء، وينظرون يمينًا وشمالاً حَتَّى نزلت هذه الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]، فجعلوا بعد ذلك أبصارهم حيث يسجدون، وما رؤي أحد منهم بعد ذلك ينظر إلا إلى الأرض. وعن عطاء: هو أن لا تعبث بشيء منْ جسدك، وأنت فِي الصلاة. وأبصر النبيّ ﷺ رجلاً يعبث بلحيته فِي الصلاة، فَقَالَ: "لو خشع قلب هَذَا لخشعت جوارحه" (١).
وخشوع الجسد تبع لخشوع القلب، إذا لم يكن الرجل مرائيًا يُظهر ما ليس فِي قلبه، كما روي: "تعوّذوا منْ خشوع النفاق"، وهو أن يري الجسد خاشعًا، والقلب خاليًا لاهيًا، فهو سبحانه استبطأ المؤمنين بقوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦]، فدعاهم إلى خشوع القلب لذكره، وما نزل منْ كتابه، ونهاهم أن يكونوا كالذين طال عليهم الأمد، فقست قلوبهم، وهؤلاء هم ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ
стр. 17798
اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢].
وكذلك فِي الآية الأخرى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]، والذين يخشون ربهم هم الذين إذا ذكر الله تعالى وجلت قلوبهم.
[فإن قيل]: فخشوع القلب لذكر الله، وما نزل منْ الحقّ واجبٌ.
[قيل]: نعم، لكن النَّاس فيه عَلَى قسمين: مقتصدٌ، وسابقٌ، فالسابقون يختصّون بالمستحبّات، والمقتصدون الأبرار هم عموم المؤمنين المستحقّين للجنة، ومن لم يكن منْ هؤلاء، ولا هؤلاء، فهو ظالم لنفسه، وفي الْحَدِيث الصحيح، عن النبيّ ﷺ : "اللَّهم إني أعوذ بك منْ علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، ودعاء لا يسمع".
وَقَدْ ذمّ الله قسوة القلوب المنافية للخشوع فِي غير موضع، فَقَالَ تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ الآية [البقرة: ٧٤]. قَالَ الزجّاج: قست فِي اللغة: غلُظت، ويبست، وعسيت، فقسوة القلب: ذهاب اللين والرحمة، والخشوع منه، والقاسي، والعاسي: الشديد الصلابة. وَقَالَ ابن قُتيبة: قست، وعست، وعتت: أي يبست، وقوّة القلب المحمودة غير قسوته المذمومة، فإنه ينبغي أن يكون قويًّا منْ غير عنف، ولينا منْ غير ضعف. وفي الأثر: "القلوب آنية الله فِي أرضه، فأحبّها إلى الله أصلبها، وأرقّها، وأصفاها"، وهذا كاليد، فإنها قويّة، ليّنة، بخلاف ما يقسو منْ العقب، فإنه يابس، لا لين فيه، وإن كَانَ فيه قوّة، وهو سبحانه ذكر وَجَلَ القلب منْ ذكره، ثم ذكر زيادة الإيمان عند تلاوة كتابه علمًا وعملاً.
ثم لابدّ منْ التوكل على الله تعالى فيما لا يقدر عليه، ومن طاعته فيما يقدر عليه، وأصل ذلك الصلاة، والزكاة، فمن قام بهذه الخمس، كما أُمر لزم أن يأتي بسائر الواجبات.
بل الصلاة نفسها إذا فعلها كما أثمر، فهي تنهى عن الفحشاء والمنكر، كما روي عن ابن مسعود، وابن عبّاس ﵃: "إن فِي الصلاة منتهًى، ومُزدجرًا عن معاصي الله، فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد بصلاته منْ الله إلا بُعدًا"، وقوله: "لم يزدد إلا بُعدًا" إذا كَانَ ما ترك منْ الواجب منها أعظم مما فعله، أبعده ترك الواجب الأكثر منْ الله أكثر مما قرّبه فعل الواجب الأقلّ، وهذا كما فِي "الصحيح" عن النبيّ ﷺ أنه قَالَ: "تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس حَتَّى إذا كانت بين قرني شيطان، قام فنقر أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا". وَقَدْ قَالَ
стр. 17799
الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النِّساء: ١٤٢]. وفي "السنن" عن عمّار ﵁ عن النبيّ ﷺ أنه قَالَ: "إن العبد لينصرف منْ صلاته، ولم يُكتب له منه إلا نصفها، إلا ثلثها"، حَتَّى قَالَ: "إلا عشرها"، وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، قَالَ: "ليس لك منْ صلاتك إلا ما عقلت منها"، وهذا وإن لم يؤمر بإعادة الصلاة عند أكثر العلماء، لكن يؤمر بأن يأتي منْ التطوّعات بما يجبُر نقص فرضه، ومعلومٌ أن منْ حافظ عَلَى الصلوات بخشوعها الباطن، وأعمالها الظاهرة، وكان يخشى الله الخشية التي أمره بها، فإنه يأتي بالواجبات، ولا يأتي كبيرة، ومن أتى الكبائر، مثل الزنا، أو السرقة، أو شرب الخمر، وغير ذلك، فلابدّ أن يذهب ما فِي قلبه منْ تلك الخشية، والخشوع، والنور، وإن بقي أصل التصديق فِي قلبه، وهذا منْ الإيمان الذي يُنزع منه عند فعل الكبيرة، كما قَالَ النبيّ ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق، وهو مؤمن". فإن المتقين كما وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]، فإذا طاف بقلوبهم طائف منْ الشيطان تذكّروا، فيُبصرون. قَالَ سعيد بن جُبير: هو الرجل يغضب الغضبة، فيذكر الله، فيكظم الغيظ. وَقَالَ ليث، عن مجاهد: هو الرجل يهمّ بالذنب، فيذكر الله، فيدعه، والشهوة، والغضب مبدأ السيّئات، فإذا أبصر رجع، ثم قَالَ: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢]: أي وإخوان الشياطين تُمدّهم الشياطين فِي الغيّ، ثم لا يقصرون. قَالَ ابن عبّاس: لا الإنس تقصر عن السيّئات، ولا الشياطين تُمسك عنهم، فإذا لم يبصر بقي قلبه فِي غيّ، والشيطان يمدّه فِي غيّه، وإن كَانَ التصديق فِي قلبه لم يكذب، فذلك النور والإبصار، وتلك الخشية والخوف، يخرج منْ قلبه، وهذا كما أن الإنسان يغمض عينيه، فلا يرى شيئًا، وإن لم يكن أعمى، فكذلك القلب بما يغشاه منْ رين الذنوب، لا يُبصر الحقّ، وإن لم يكن أعمى كعمى الكافر.
وهكذا جاء فِي الآثار، قَالَ أحمد بن حنبل فِي "كتاب الإيمان": حدّثنا يحيى، عن أشعث، عن الحسن، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "يُنزع منه الإيمان، فإن تاب أُعيد إليه". وَقَالَ: حدّثنا يحيى، عن عوف، قَالَ: قَالَ الحسن: "يُجانبه الإيمان ما دام كذلك، فإن راجع راجعه الإيمان". وَقَالَ أحمد: حدّثنا معاوية، عن أبي إسحاق، عن الأوزاعيّ، قَالَ: وَقَدْ قلت للزهريّ حين ذكر هَذَا الْحَدِيث: "لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن"، فإنهم يقولون: فإن لم يكن مؤمنًا، فما هو؟ قَالَ: فأنكر ذلك، وكره مسألتي
стр. 17800
عنه. وَقَالَ أحمد: حدّثنا عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، أنه قَالَ لغلمانه: منْ أراد منكم الباءة زوّجناه، لا يزني منكم زان، إلا نزع الله منه نور الإيمان، فإن شاء أن يردّه ردّه، وإن شاء أن يمنعه منعه". وَقَالَ أبو داود السجستانيّ: حدّثنا عبد الوهّاب بن نَجْدة، حدّثنا بقية بن الوليد، حدّثنا صفوان بن عمرو، عن عبد الله بن ربيعة الحضرميّ، أنه أخبره، عن أبي هريرة ﵁ أنه كَانَ يقول: "إنما الإيمان كثوب أحدكم، يلبسه مرّةً، ويقلعه أخرى"، وكذلك رواه بإسناده عن عمر ﵁. ورى عن الحسن، عن النبيّ ﷺ مرسلاً. وفي حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا إلى النبيّ ﷺ : "إذا زنى الزاني خرج منه الإيمان، فكان كالظلّة، فإذا انقطع رجع إليه الإيمان". انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى "مجموع الفتاوى" ٧/ ٥ - ٣٣. وهو تحقيق نفيس جدًّا، لا تجده فِي كتاب غيره، فاغتنمه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي إطلاق الإنسان قوله: أنا مؤمنٌ:
قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: اختلف العلماء منْ السلف وغيرهم، فى إطلاق الإنسان قوله: أنا مؤمن، فَقَالَ طائفة: لا يقول: أنا مؤمن، مقتصرا عليه، بل يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وحَكَى هَذَا المذهب بعض أصحابنا عن أكثر أصحابنا المتكلمين، وذهب آخرون إلى جواز الإطلاق، وأنه لا يقول: إن شاء الله، وهذا هو المختار، وقول أهل التحقيق، وذهب الأوزاعيّ، وغيره إلى جواز الأمرين، والكل صحيح باعتبارات مختلفة، فمن أطلق نظر إلى الحال، وأحكام الإيمان جارية عليه فى الحال، ومن قَالَ: إن شاء الله، فقالوا فيه: هو إما للتبرك، وإما لاعتبار العاقبة، وما قدر الله تعالى، فلا يدري أيثبت عَلَى الإيمان، أم يُصرَف عنه، والقول بالتخيير حسن صحيح، نظرًا إلى مأخذ القولين الأولين، ورفعًا لحقيقة الخلاف.
وأما الكافر ففيه خلاف غريب لأصحابنا، منهم منْ قَالَ: يقال: هو كافر، ولا يقول: إن شاء الله، ومنهم منْ قَالَ: هو فى التقييد كالمسلم عَلَى ما تقدم، فيقال على قول التقييد: هو كافر إن شاء الله نظرا إلى الخاتمة، وأنها مجهولة، وهذا القول اختاره بعض المحققين، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ.
وَقَالَ الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى فِي "الكوكب الساطع":
وَجَازَ أَنْ يَقُولَ إِنِّي مُؤْمِنُ … إِنْ شَاءَ رَبِّي خَشْيَةَ أَنْ يُفْتَنُ
بَلْ هُوَ أَوْلَى عِنْدَ جُلِّ السَّلَفِ … وَأَنْكَرَ الْقَوْلَ بِهَذَا الْحَنَفِي
يعني أن قوله: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى جائز؛ خشية أن يُفتن، لا شكًّا فِي
стр. 17801
الإيمان، وهذا مذهب جلّ السلف، فقد حُكي ذلك عن عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وعائشة، والحسن، وابن سيرين، ومنصور، ومغيرة، والأعمش، وليث بن أبي سُليم، وعطاء بن السائب، وعمارة بن القعقاع، والعلاء بن المسيب، وإسماعيل بن أبي خالد، وعبد الله بن شُبْرُمة، والثوريّ، وابن عُيينة، وَقَالَ: إنه توكيد للإيمان، وحمزة الزيات، وعلقمة، وحماد بن زيد، والنضر بن شُميل، ويزيد بن زُريع، ويحيى ابن سعيد القطّان، والنخعيّ، وطاوس، وأبي الْبَخْتَريّ سعيد بن فَيروز، ويزيد بن أبي زياد، وعلي بن خليفة، ومعمر، وجرير بن عبد الحميد، وابن المبارك، والأوزاعيّ، ومالك، وابن مهديّ، والشافعيّ، وأبي ثور، وآخرين، واختاره أبو منصور الماتريديّ، بل بلغ قوم منْ السلف، وقالوا: إنه أولى، وعابوا عَلَى قائل: إني مؤمن. أخرج ذلك ابن أبي شيبة فِي "كتاب الإيمان". ومنع منْ ذلك أبو حنيفة، وطائفة، وقالوا: هو شكّ، والشكّ فِي الإيمان كفر. وأجيب عن ذلك باوجه: [أحدها]: أنه لا يقال شكّا، بل خوفًا منْ سوء الخاتمة؛ لأن الأعمال معتبرة بخواتمها، كما أن الصائم لا يحكم له بالصوم إلا فِي آخر النهار. [الثانية]: أنه للتبرّك، وإن لم يكن شكٌّ، كقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ الآية [الفتح: ٢٧]. [الثالثة]: أن المشيئة راجعة إلى الإيمان، فقد يُخلّ ببعضه، فيستثني لذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، راجع ما كتبته عَلَى "الكوب الساطع" ص ٦٠١ - ٦٠٢.
وَقَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: الاستثناء فِي الإيمان سنة عند أصحابنا، وأكثر أهل السنّة، وقالت المرجئة والمعتزلة: لا يجوز الاستثناء فيه، بل هو شكّ، والاسثناء أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أو مؤمن أرجو، أو آمنت بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، أو إن كنت تريد الإيمان الذي يَعصم دمي فنعم، وإن كنت تريد: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] فالله أعلم.
ثم هنا ثلاثة أقوال: إما أن يقال: الاسثناء واجبٌ، فلا يجوز القطع، وهذا قول القاضي فِي "عيون المسائل" وغيره. وإما أن يقال: هو مستحبّ، ويجوز القطع باعتبار آخر. وإما أن يقال: كلاهما جائز باعتبار. وإنما ذكر أن الاستثناء سنة بمعنى أنه جائز، ردًّا عَلَى منْ نهى عنه. فإذا قلنا: هو واجب، فمأخذ القاضي أنه لو جاز القطع عَلَى أنّا مؤمنون، لكان ذلك قطعًا عَلَى أنّا فِي الجنة؛ لأن الله تعالى وعد المؤمنين الجنة، ولا يجوز القطع عَلَى الوعد بالجنة؛ لأن منْ شرط ذلك الموافاة بالإيمان، ولا يعلم ذلك إلا الله، وكذلك الإيمان إنما يحصل بالموافاة، ولا يعلم ذلك، ولهذا قَالَ ابن مسعود ﵁: هلا وكل الأولى كما وكل الآخرة، يريد بذلك ما استدلّ به منْ أنَّ رجلا قَالَ
стр. 17802
عنده: إني مؤمن، فقيل لابن مسعود ﵁: هَذَا يزعم أنه مؤمن، قَالَ: فسلوه أفي الجنّة هو، أو فِي النار؟ فسألوه، فَقَالَ: الله أعلم، فَقَالَ عبد الله: فهلا وكلت الأولى كما وكلت الثانية.
قَالَ ابن تيميّة: ويُستدلّ أيضًا عَلَى وجوب الاسثناء بقول عمر ﵁: منْ قَالَ: إنه مؤمن، فهو كافر، ومن زعم أنه فِي الجنة، فهو فِي النار، ومن زعم أنه عالم، فهو جاهل، ولما استدلّ المنازع بأن الاستثناء إنما يحتاج إليه لمستقبل يشكّ فِي وقوعه قَالَ: الجواب أن هنا مستقبلًا يُشكّ فِي وقوعه، وهو الموافاة بالإيمان، والإيمان مرتبط بعضه ببعض، فهو كالعبادة الواحدة.
قَالَ: فحقيقة هَذَا القول أن الإيمان اسم للعبادة منْ أول الدخول فيه إلى أن يموت عليه، فإذا انتقض تبيّن بطلان أولها، كالحدث فِي آخر الصلاة، والوطء فِي آخر الحج، والأكل فِي آخر النهار، وقول مؤمن عند الإطلاق يقتضي فعل الإيمان كله، كقول مصلّ، وصائم، وحاجّ، فهذا مأخذ القاضي، وَقَدْ ذكر بعد هَذَا فِي "المعتمد" مسألة الموافاة، وهي متّصلة بها، وهو أن المؤمن الذي علم الله أنه يموت كافرًا، وبالعكس، هل يتعلّق رضا الله، وسخطه، ومحبّته، وبغضه بما هو عليه، أو بما يوافي به، والمسألة متعققة بالرضا والسخط، هل هو قديم، أو محدث؟.
[والمأخذ الثاني]: أن الاسم عند الإطلاق يقتضي الكمال، وهذا غير معلوم للمتكلّم، كما قَالَ اْبو العالية (١): أدركت ثلاثين منْ أصحاب محمد ﷺ كلهم يخاف النفاف عَلَى نفسه، لا يقول: إن إيماني كإيمان جبريل، فإخبار الرجل عن نفسه أنه كامل الإيمان خبر بما لا يعلمه، وهذا معنى قول ابن المنزل: إن المرجئة تقول: إن حسناتها مقبولة، وأنا لا أشهد بذلك، وهذا مأخذ يصلح لوجوب الاستثناء، وهذا المأخذ الثاني للقاضي، فإن المنازع احتجّ بأنه لما لم يجز الاستثناء فِي الإسلام، فكذلك فِي الإيمان. قَالَ: والجواب أن الإسلام مجرّد الشهادتين، وَقَدْ أتى بهما، والإيمان أقوال، وأعمال؛ لقوله ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون بابا"، وهو لا يتحقّق كلّ ذلك منه.
[والمأخذ الثالث]: أن ذلك تزكية للنفس، وَقَدْ قَالَ الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية [النجم: ٣٢]، وهذا يصلح للاستحباب، وإلا فإخبار الرجل بصفته التي هو عليها جائز، وإن كَانَ مدحًا، وَقَدْ يصلح للإيجاب، قَالَ الأثرم فِي "السنّة": حدثنا أحمد بن
стр. 17803
حنبل، سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما أدركت أحدًا منْ أصحابنا، ولا بلغني إلا عَلَى الاستثناء، قَالَ الأثرم: سمعت أبا عبد الله، يسأل عن الاستثناء فِي الإيمان، ما تقول فيه؟ قَالَ: أما أنا فلا أَعيبه (١) فاستثنى مخافة، واحتياطًا، ليس كما يقولن عَلَى الشكّ، إنما يستثني للعمل، قَالَ أبو عبد الله: قَالَ الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ الآية: أي إن هَذَا الاستثناء لغير شكّ، وَقَدْ قَالَ النبيّ ﷺ : "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون": أي لم يكن يشك فِي هَذَا، وَقَدْ استثنى، وذكر قول النبيّ ﷺ : "نبعث إن شاء الله" منْ القبر، وذكر قول النبيّ ﷺ : "إني والله لأرجو أن أكون أخشاكم لله"، قَالَ: هَذَا كله تقوية للاستثناء فِي الإيمان. قلت لأبي عبد الله: فكأنك لا ترى بأسًا أن لا يُستثنى، فَقَالَ: إذا كَانَ ممن يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فهو أسهل عندي، ثم قَالَ أبو عبد الله: إن قومًا تضعف قلوبهم عن الاستثناء، فتعجّب منهم، وذكر كلامًا طويلاً تركته. فكلام أحمد يدلّ عَلَى أن الاستثناء لأجل العمل، وهذا المأخذ الثاني، وأنه لغير شكّ فِي الأصل، وهو يُشبه الثالث، ويقتضي أن يجوز ترك الاستثناء، وأما جواز إطلاق القول بأني مؤمن، فيصحّ إذا عنَى أصل الإيمان، دون كماله، والدخول فيه، دون تمامه، كما يقول: أنا حاج، وصائمٌ لمن شرع فِي ذلك، وكما يُطلقه فِي قوله: آمنت بالله ورسله، وفي قوله: إن كنت تعني كذا وكذا أن جواز إخباره بالفعل يقتضي جواز إخباره بالاسم مع القرينة، وعلى هَذَا يخرّج ما رُوي عن معاذ بن جبل ﵁، وما رُوي فِي حديث الحارث الذي قَالَ: "أنا مؤمنٌ حقًا"، وفي حديث الوفد الذين قالوا: "نحن المؤمنون"، وإن كَانَ فِي الإسنادين نظر. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى "مجموع الفتاوى" ٧/ ٦٦٦ - ٦٦٩.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق أن الأرجح هو ما عليه جلّ السلف رحمهم الله تعالى منْ أنه يجوز أن يقول الإنسان: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى؛ خوفًا منْ العاقبة، وتبرّكًا بذكر المشيئة، لا شكًّا فِي أصل الإيمان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة) [اعلم]: أن مذهب أهل الحق، أنه لا يُكَفَّر أحد منْ أهل القبلة بذنب، ولا يكفر أهل الأهواء والبدع، وأن منْ جحد ما يُعلم منْ دين الإسلام ضرورة، حُكم بردته، وكفره، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ونحوه ممن يخفى عليه، فيُعَرَّف ذلك، فإن استمر حُكم بكفره، وكذا حكم منْ استحل الزنا،
стр. 17804
أو الخمر، أو القتل، أو غير ذلك منْ المحرمات التي يُعلم تحريمها ضرورة. انتهى "النوويّ عَلَى صحيح شرح مسلم" ١/ ١٤٤ - ١٥٠.
وَقَالَ الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى فِي "الكوكب الساطع":
وَلَا نَرَى تَكْفِيرَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ … وَلَا الْخُرُوجَ أَيْ عَلَى الأَئِمَّةِ
وقلت فِي "شرحي" عليه: أشار به إلى ما قاله الشافعيّ، وأبو حنيفة، والأشعريّ: لا نكفّر أحدًا منْ أهل القبلة بذنب أجرمه، وروى البيهقيّ بسند صحيح أن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما سُئل، هل كنتم تسمّون منْ الذنوب كفرًا، أو شركًا، أو نفاقًا؟ قَالَ: معاذ الله، لكنا نقول: مؤمنون مذنبون.
وَقَالَ الإمام الذهبيّ رحمه الله تعالى فِي "سير أعلام النبلاء" ١٥/ ٨٨ - فِي ترجمة أبي الحسن الأشعريّ رحمه الله تعالى: ما نصه: رأيت للأشعريّ كلمة أعجبتني، وهي ثابتةٌ، رواها البيهقيّ، سمعت أبا حازم العبدريّ، سمعت زاهر بن أحمد السرخسيّ يقول: لَمّا قرب أجل أبي الحسن الأشعريّ فِي داري ببغداد، دعاني، فأتيته، فَقَالَ: اشهَدْ عليّ أني لا أكفّر أحدا منْ أهل القبلة؛ لأن الكلّ يُشيرون إلى معبود واحد، وإنما هَذَا كله اختلاف العبارات. قَالَ الذهبيّ: وبنحو هَذَا أدين، وكذا كَانَ شيخنا ابن تيميّة فِي أواخر أيامه يقول: أنا لا أكفّر أحدًا منْ الأمة، قَالَ النبيّ ﷺ : لا يُحافظ عَلَى الوضوء إلا مؤمن" (١). فمن لازم الصلوات بوضوء، فهو مسلم. انتهى كلام الذهبيّ رحمه الله تعالى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي قاله هؤلاء الأئمة منْ عدم تكفير أهل القبلة بالذنوب هو الحقّ، فينبغي التنبّه له، وعدم التسرّع إلى القول بتكفير أحد منهم إلا ببيّنة واضحة، لا يُقبل معها التأويل. والله تعالى أعلم بالصواب.
هذه جُمَلٌ منْ المسائل المتعلقة بالإيمان، قدمتها فى صدر الكتاب، تمهيدا لكونها مما يكثر الاحتياج إليها، ولكثرة تكرارها، وتردادها فى الأحاديث، فقدمتها فِي موضع واحد؛ ليسهل فهمها، ويقرب إداركها، ويتيسّر الإحالة عليها، إذا مرّ فِي الأبواب الآتية ما يتعلّق بها. والله أعلم بالصواب، وله الحمد والنعمة، وبه التوفيق والعصمة.
…
стр. 17805
١ - (ذِكْرِ أَفْضَلِ الأَعْمَالِ)
٤٩٨٧ - (حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، مِنْ لَفْظِهِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، سُئِلَ أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ").
قَالَ الجَامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة.
والقائل: "حدّثنا أبو عبد الحمن الخ" هو تلميذ المصنّف، والظاهر أنه الحافظ أبو بكر بن السنّيّ رحمه الله تعالى؛ لأنه المشهور برواية "المجتبى" عن المصنّف رحمه الله تعالى. و"عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"إبراهيم ابن سعد": هو الزهريّ المدنيّ الثقة الثبت [٨].
والسند فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه ابن المسيب أحد الفقهاء السبعة، وفيه أنه منْ أصحّ أسانيد أبي هريرة ﵁، وفيه أبو هريرة ﵁ رئيس المكثرين السبعة، روى منْ الأحاديث (٥٣٧٤). والله تعالى أعلم.
وقوله: "أيّ الأعمال أفضل الخ": قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: قد وردت فِي أفضل الأعمال أحاديث مختلفة، ذكر العلماء فِي التوفيق بينها وجوهًا، وأحسن ما قالوا أنه خاطب كلّ شخص بالنظر إلى مقامه، وما يقتضيه حاله، كما هو حال الحكيم، نعم لا إشكال فِي هَذَا الْحَدِيث، فإن الظاهر أن الإيمان أفضل الأعمال عَلَى الإطلاق، وفيه إطلاق اسم العمل عَلَى الإيمان، وأنه لا يختصّ بأفعال الجوارح، وعلى هَذَا فعطف العمل عَلَى الإيمان فِي مواضع منْ القرآن، مثل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الكهف: ١٠٧]، منْ عطف الأعمّ عَلَى الأخصّ، إلا أن يخصّ العمل فِي الآية بعمل الجوارح بقرينة المقابلة، فيكون منْ عطف المتباينين. والله تعالى أعلم. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم فِي "كتاب الحجّ" بيان أقوال العلماء فِي الجمع بين الأحاديث المختلفة فِي بيان أفضل الأعمال، مستوفًى، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وحديث أبي هريرة ﵁ هَذَا متَّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم فِي "كتاب الحجّ" ٤/ ٢٦٢٤ وتقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله هناك. ومطابقته للترجمة واضحة. والله تعالى أعلم
стр. 17806
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٩٨٨ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَلِيٍّ الأَزْدِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُبْشِيٍّ الْخَثْعَمِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، سُئِلَ أَىُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: "إِيمَانٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَجِهَادٌ لَا غُلُولَ فِيهِ، وَحَجَّةٌ مَبْرُورَةٌ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "هارون بن عبد الله": هو أبو موسى الْحَمّال البغداديّ الحافظ الثبت. و"حجّاج": هو ابن محمد الأعور المصّيصيّ الحافظ الثقة. و"عثمان بن أبي سليمان": هو القرشيّ النوفليّ المكيّ، قاضيها، ثقة [٦] ١٣/ ١٢٠٥. و"عليّ الأزديّ": هو ابن عبد الله البارقيّ، أبو عبد الله، صدوقٌ [٣] ١٢/ ٤١٦. و"عُبيد بن عمير": هو الليثيّ، أبو عاصم المكيّ، مجمع عَلَى ثقته [٢] ١٢/ ٤١٦. و"عبد الله بن حُبشيّ" -بضم الحاء المهملة، وسكون الموحّدة، بعدها معجمة، ثم ياء ثقيلة- أبو قُتيلة، صحابيّ مقلّ فِي الرواية ﵁، تقدّم فِي ٤٩/ ٢٥٢٦.
وقوله: "لا شك فيه": أي فِي متعلّقه، وهو الْمُؤْمَن به، والمراد بنفي الشكّ نفي احتمال مُتعلّقه النقيض بوجه منْ الوجوه، كما هو المعنى اللغويّ، لا نفي الاحتمال المساوي، كما هو المتعارف فِي الاصطلاح، فرجع حاصل الجواب إلى أنه التصديق اليقيني، دون الظنّيّ، فإن التصديق يكون عَلَى وجه اليقين والظنّ، فلا يرد أن الشكّ لا يجتمع مع التصديق أصلاً، فلا فائدة فِي هَذَا الوصف، وحملُ الشكّ فيه عَلَى إظهار الشكّ فيه بلفظ الاستثناء بأن يقول: أنا مؤمنٌ، إن شاء الله بعيدٌ. قاله السنديّ رحمه الله تعالى.
وقوله: "وجهاد لا غلول فيه": أي لا خيانة فِي غنائمه. وقوله: "وحجة مبرورة": أي حجة لا يخالطها شيء منْ المآثم، وقيل: هي المقبولة المقابلة بالبر، وهو الثواب.
والحديث صحيحٌ، وَقَدْ تقدّم فِي "كتاب الزكاة" ٤٩/ ٢٥٢٦. وتقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
***
стр. 17807
٢ - (طَعْمُ الإِيمَانِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الطَّعْم" بالفتح: ما يؤدّيه الذّوق، فيقال: طَعْمه حُلْوٌ، أو حامضٌ، وتغيّر طَعْمه: إذا خرج عن وصفه الْخِلْقيّ، والطَّعْمُ: ما يُشتهى منْ الطعام، وليس للغثّ طَعْمٌ، والطَّعَم بفتحتين لغةٌ كلابيّةٌ. قاله فِي "المصباح". والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٩٨٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ، وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ، وَطَعْمَهُ، أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ فِي اللَّهِ، وَأَنْ يُبْغِضَ فِي اللَّهِ، وَأَنْ تُوقَدَ نَارٌ عَظِيمَةٌ، فَيَقَعُ فِيهَا أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظليّ المروزي المعروف بابن راهويه، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب، قيل: كَانَ فِي آخره يَهِم منْ حفظه [٩] ٢/ ٢.
٣ - (منصور) بن المعتمر، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقة ثبت [٦] ٢/ ٢.
٤ - (طلق -بسكون اللام- ابن حبيب) الْعَنَزيّ -بفتح المهملة، والنون- البصريّ، صدوقٌ، عابد، رُمي بالإرجاء [٣].
رَوَى عن عبد الله بن عباس، وابن الزبير، وابن عمرو بن العاص، وجابر، وجندب، وحيدة رجل له صحبة، وأبي طليق رجل له صحبة، وأنس بن مالك، والأحنف بن قيس، وسعيد بن المسيب، ووالده حبيب، وغيرهم. وعنه طاوس، وهو منْ أقرانه، وسعيد بن المهلب، والأعمش، ومنصور، ومصعب بن شيبة، وسليمان التيمي، ويونس ابن خباب، وسَعْد بن إبراهيم، والمختار بن فُلْفُل، وغيرهم. قَالَ أبو حاتم: صدوقٌ فِي الْحَدِيث، وكان يرى الإرجاء. وَقَالَ حماد بن زيد، عن أيوب: قَالَ لي سعيد بن جبير: لا تجالسه، قَالَ حماد: وكان يرى الإرجاء. وَقَالَ طاوس: كَانَ طلق ممن يخشى الله تعالى. وَقَالَ مالك بن أنس: بلغني أن طلق بن حبيب، كَانَ منْ العباد، وأنه هو وسعيد ابن جبير، وقراء كانوا معهم طلبهم الحجاج، وقتلهم. وَقَالَ أبو زرعة: كوفيّ سمع ابن
стр. 17808
عباس، وهو ثقة، لكن كَانَ يرى الإرجاء. وَقَالَ ابن سعد: كَانَ مرجئا، ثقة إن شاء الله تعالى. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ: كَانَ مرجئا عابدا. وَقَالَ العجليّ: مكي (١) تابعيّ ثقة، كَانَ منْ أعبد أهل زمانه. وَقَالَ أبو بكر البزار فِي "مسنده": لا نعلمه سمع منْ أبي ذر شيئا. وَقَالَ أبو الفتح الأزدي: كَانَ داعية إلى مذهبه، تركوه. وذكره البخاريّ فِي "الأوسط" فيمن مات بين التسعين إلى المائة. وَقَالَ البخاريّ: ثنا علي، ثنا محمد بن بكر، ثنا أبو معدان، قَالَ: سمعت حبيب بن أبي ثابت قَالَ: كنت مع طلق بن حبيب، وهو مُكَبَّل بالحديد، حين جيء به إلى الحجاج، مع سعيد بن جبير، ويقال: إنه أخرج منْ سجن الحجاج بعد موته، وتُوفي بعد ذلك بواسط. وَقَالَ أبو جعفر الطبري فِي "تاريخه": كتب الحجاج إلى الوليد، أن أهل الشقاق لجأوا إلى مكة، فكتب الوليد إلى القسري، فأخذ عطاء، وسعيد بن جبير، ومجاهدا، وطلق بن حبيب، وعمرو بن دينار، فأما عمرو، وعطاء، ومجاهد، فأُرسلوا؛ لأنهم كانوا منْ أهل مكة، وأما الآخران فبَعث بهما إلى الحجاج، فمات طلق فِي الطريق.
روى له البخاريّ فِي "الأدب المفرد"، ومسلم، والأربعة، وله فِي هَذَا الكتاب حديثان فقط، هَذَا، وفي "كتاب الزينة" ١/ ٥٠٤٢ و٥٠٤٣ و٥٠٤٤ - حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، مرفوعًا: "عشرة منْ الفطرة … " الْحَدِيث.
٥ - (أنس بن مالك) الأنصاريّ الصحابيّ الخادم المشهور رضي الله تعالى عنه ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه أنسًا رضي الله تعالى عنه منْ المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر منْ مات منْ الصحابة رضي الله تعالى عنهم بالبصرة، سنة (٢) أو (٩٣) وَقَدْ جاوز المائة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ثَلَاثٌ) ذكر العدد لتقدير المعدود مؤنثًا: أي ثلاث خصال، أو خصالٌ ثلاثٌ، فـ"ثلاث" مبتدأ لتخصيصه بالمقدّر المذكور، والجملة الشرطيّة خبره، أو صفة له، وقوله: "أن يكون الله الخ" خبره.
стр. 17809
قَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: إنما خصّ هذه الثلاث بهذا المعنى؛ لأنها لا توجد إلا ممن تنوّر قلبه بأنوار الإيمان واليقين، وانكشفت له محاسن تلك الأمور، التي أوجبت له تلك المحبّة التي هي حال العارفين. انتهى "المفهم" ١/ ٢١١ - ٢١٢.
(مَنْ كُنَّ فِيهِ) أي منْ وُجدن فيه، فـ"كَانَ" تامّة، أو منْ كُنّ مجتمعةً فيه، فهي ناقصة (وَجَدَ بِهِنَّ) أي بسبب وجودهنّ فيه، أو اجتماعهن فيه (حَلَاوَةَ الأيمَانِ) قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: هي عبارة عما يجده المؤمن المحقّق فِي إيمانه، المطمئنّ قلبه به، منْ انشراح صدره، وتنويره بمعرفة الله تعالى، ومعرفة رسوله ﷺ ، ومعرفة منّة الله تعالى عليه فِي أن أنعم عليه بالإسلام، ونَظَمَه فِي سلك أمة محمد ﷺ خير الأنام، وحبّب إليه الإيمان والمؤمنين، وبغض إليه الكفر والكافرين، وأنجاه منْ قبيح أفعالهم، ورَكاكة أحوالهم، وعند مطالعة هذه المنن، والوقوف عَلَى تفاصيل تلك النعم، تطير القلوب فرَحًا، وسُرورًا، وتمتلىء إشراقًا وتورًا، فيالها منْ حلاوة ما ألذّها، وحالة ما أشرفها، فنسأل الله تعالى أن يمنّ بدوامها، وكمالها، كما منّ بابتدائها وحصولها، فإن المؤمن عند تذكّر تلك النعم والمنن، لا يخلو عن إدراك تلك الحلاوة، غير أن المؤمنين فِي تمكّنها، ودوامها متفاوتون، وما منهم إلا وله منها شِرْبٌ معلوم، وذلك بحسب ما قُسم لهم منْ هذه المجاهدات الرياضيّة، والمنح الربّانيّة. انتهى "المفهم" ١/ ٢١٠.
(وَطَعْمَهُ) بفتح الطاء، كما تقدّم أول الباب، وعطفه عَلَى ما قبله منْ باب عطف التفسير.
وقيل: الحلاوة: الحسن، وبالجملة فللإيمان لذّة فِي القلب تشبه الحلاوة الحسّيّة، بل ربّما يغلب عليها حَتَّى يدفع بها أشدّ المرارت، وهذا مما يَعلَم به مَنْ شَرِح اللهُ صدره
للإسلام، اللَّهم ارزقناها مع الدوام عليها (أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا) بنصب "أحبّ" عَلَى أنه خبر "يكون". قيل: المراد هو الحب الاختياريّ، لا الطبيعيّ، ومرجعه إلى أن يختار طاعتهما عَلَى هوى النفس، وغيرها (وَأَنْ يُحِبَّ) أي غيرَ الله (فِي اللهِ) أي لأجله، لا لأجل أمر آخر منْ الأمور الدنيويّة (وَأَنْ يَبْغُضَ فِي اللهِ) أي لأجله، وهما جميعًا خصلة واحدة؛ للّزوم بينهما عادةً، وحاصل هَذَا هو أن يكون الله تعالى هو المحبوب بالكلّيّة، فلا يقدّم حظوظ نفسه عَلَى محابّه، بل لا يرى نفسه أصلا، إلا منْ حيث كونها عبدا له تعالى، فعند ذلك تصير نفسه وغيره سواء؛ لوجود هَذَا القدر فِي الكلّ، فينظر إلى الكلّ عَلَى حدّ سواء، فلا يُرجّح نفسه عَلَى غيرها أصلاً، ولا يرجح أحدًا عَلَى أحد إلا بقدر قربه منه ، وحينئذ يظهر عليه آثار قوله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حَتَّى يُحبّ لأخيه ما يُحبّ لنفسه"، نعم هَذَا لا ينافي
стр. 17810
تقديم نفسه عَلَى غيره فِي الإنفاق ونحوه، لأن ذلك بأمر الله له بذلك (وَأَنْ تُوقَدَ نَارٌ عَظِيمَةٌ، فَيَقَعُ فِيهَا أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا) قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: ظاهره أنه مبتدأ، خبره "أحبّ إليه"، لكن عدّ الجملة منْ الخصال غير مستقيم، فالوجه أن يقدّر "أن يكون"، ويُجعل "أن يوقد" اسما له، و"أحبّ" بالنصب خبرًا: أي وأن يكون إيقاد نار عظيمة، فوقوعه فيها أحبّ إليه منْ الشرك: أي يصير الشرك عنده لقوّة اعتقاده بجزائه الذي هو النار المؤبّد بمنزلة جزائه فِي الكراهة، والنفرة عنه، فكما أنه لو خُيّر بين نار الآخرة، ونار الدنيا، لاختار نار الدنيا، كذلك لو خيّر بين الشرك، ونار الدنيا، لاختار نار الدنيا، ومرجع هَذَا أن يصير الغيب عنده منْ قوّة الاعتقاد كالعيان، كما رُوي عن عليّ ﵁: "لو كُشف الغطاء ما ازددت يقينًا". ولا يخفى أن منْ تكون عقيدته منْ القوّة بهذا الوجه، ومحبّة الله تعالى بذلك الوجه، فهو حقيق بأن يجد منْ لذّة الإيمان ما يجد. والله تعالى أعلم. انتهى كلام السنديّ رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أنس بن مالك ﵁ هَذَا صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٢/ ٤٩٨٩ - . وفوائده ستأتي قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٣ - (حَلَاوَةُ الإِيْمَانِ)
٤٩٩٠ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، رضى الله عنه، يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ، وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ أَحَبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ ، وَمَنْ كَانَ اللَّهُ ، وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ كَانَ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ أَحَبَّ إِلَيْهِ، مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ، بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (سُويد بن نصر) المروزيّ، راوية ابن المبارك، ثقة [١٠] ٤٥/ ٥٥.
стр. 17811
٢ - (عبد الله) بن المبارك الحنظليّ، أبو عبد الرحمن المروزيّ، ثقة ثبت حجة [٨] ٣٢/ ٣٦.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت المشهور [٧] ٢٧/ ٢٤.
٤ - (قتادة) بن دِعامة السدوسيّ البصريّ، ثقة ثبت يُدلّس [٤] ٣٠/ ٣٤. والصحابيّ مرّ فِي السند الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو والترمذي. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين، غير شيخه، وعبد الله فمروزيان. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة السَّدُوسيّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، ﵁، يُحَدِّثُ) جملة فِي محلّ نصب عَلَى الحال منْ الفاعل: أي حال كونه محدّثًا (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "ثَلَاثٌ) مبتدأ، وجاز الابتداء بالنكرة؛ لأن التنوين عوض المضاف إليه، تقديره: ثلاث خصال، أو "ثلاث" صفة لمصوف محذوف: تقديره: خصالٌ ثلاثٌ، والخبر عَلَى هذين التقديرين جملة "منْ كنّ فيه الخ"، وذكر العينيّ فِي "شرح البخاريّ" وجها ثالثًا منْ الإعراب، وهو أن يكون "ثلاثٌ" مبتدأ، وجملة الشرط بعده صفته، والخبر قوله: "أن يكون الله الخ"، ولا يظهر لي توجيهه، والله تعالى أعلم (منْ كن فيه) أي حصلن فيه فـ"كَانَ" تامة (وَجَدَ حَلَاوَةَ الإيمَانِ) قَالَ فِي "الفتح": فيه استعارة تخييلية، شَبَّه رَغْبةَ المؤمن فِي الإيمان، بشيء حلو، وأَثبت له لازم ذلك الشيء، وأضافه إليه، وفيه تلميح إلى قصة المريض والصحيح؛ لأن المريض الصفراوي، يجد طعم العسل مُرّا، والصحيح يذوق حلاوته عَلَى ما هي عليه، وكلما نقصت الصحة شيئًا ما، نقص ذوقه بقدر ذلك، فكانت هذه الاستعارة منْ أوضح ما يُقَوّي استدلال البخاريّ عَلَى الزيادة والنقص، أي عَلَى زيادة الإيمان، ونقصه. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذكره صاحب "الفتح" منْ دعوى الاستعارة فِي الحلاوة، فيه نظر؛ لأنه إخراج للفظ الْحَدِيث إلى معنى مجازيّ منْ غير حاجة إليه، بل الأولى أن تكون الحلاوة عَلَى معناها الحقيقيّ، كما قَالَ بعض المحقّقين رحمه الله تعالى: اختلف العلماء هل الحلاوة محسوسة، أو معنوية، فحملها قوم عَلَى المعنى، وحملها قوم عَلَى المحسوس، وأبقوا اللفظ عَلَى ظاهره، منْ غير أن يتأولوه،
стр. 17812
قَالَ: والصواب معهم فِي ذلك -والله أعلم- لأن ما ذهبوا إليه أبقوا به لفظ الْحَدِيث عَلَى ظاهره، منْ غير تأويل، وهو أحسن منْ التأويل، ما لم يُعارض لظاهر اللفظ معارضٌ، ويشهد لما ذهبوا إليه أحوال الصحابة ﵃، والسلف الصالح، وأهل المعاملات؛ لأنه قد حُكي عنهم أنهم وجدوا الحلاوة محسوسة، فمن جملة ما حُكي فِي ذلك حديث بلال ﵁ حين صنع به ما صنع فِي الرمضاء إكراهًا عَلَى الكفر، وهو يقول: أَحَدٌ أحدٌ، فمزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان، وكذلك أيضًا عند موته أهله يقولون: واكرباه، وهو يقول: واطرباه.
غَدًا أَلْقَى الأَحِبَّهْ مُحَمَّدًا وَصَحْبَهْ
فمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء، وهي حلاوة الإيمان. ومنها حديث الصحابيّ الذي سُرق فرسه بليل، وهو فِي الصلاة، فرأى السارق حين أخذه، فلم يقطع لذلك صلاته، فقيل له فِي ذلك؟ فَقَالَ: ما كنت فيه أكبر منْ ذلك، وما ذاك إلا للحلاوة التي وجدها محسوسة فِي وقته ذلك. ومنها: حديث الصحابيّين اللذين جعلهما النبيّ ﷺ فِي بعض مغازيه ليلةً يحرُسان جيش المسلمين، فنام أحدهما، وقام الآخر يصليّ، فإذا الجاسوس منْ قبل العدوّ، وَقَدْ أقبل، فرآهما، فكبد الجاسوس القوس، ورمى الصحابيّ، فأصابه، فبقي عَلَى صلاته، ولم يقطعها، ثم رماه ثانيةً، فأصابه، فلم يقطع لذلك صلاته، ثم رماه ثالثةً، فأصابه، فعند ذلك أيقظ صاحبه، وَقَالَ: لولا أني خِفتُ عَلَى المسلمين ما قطعت صلاتي. وما ذاك إلا لشدّة ما وجد فيها منْ الحلاوة، حَتَّى أذهبت عنه ما يجده منْ ألم السهام. انتهى.
وَقَالَ أيضًا: ما حاصله: إنما عبر بالحلاوة؛ لأن الله شبة الإيمان بالشجرة فِي قوله تعالى: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ الآية، فالكلمة الطيبة: هي كلمة الإخلاص، وهي أسّ الدين، وبها قوامه، فكلمة الإخلاص فِي الإيمان، كأصل الشجرة لابدّ منه أوّلاً، وأغصان الشجرة فِي الإيمان عبارة عما تضمّنته كلمة الإخلاص، منْ اتباع الأمر، واجتناب النهي، والزهر فِي الشجرة هو فِي الإيمان عبارة عما يحدث للمؤمن فِي باطنه منْ أفعال البر، وما ينبت فِي الشجرة منْ الثمرة هو فِي الإيمان عبارة عن أفعال الطاعات، وحلاوة الثمرة فِي الشجرة هي فِي الإيمان عبارة عن كماله، وعلامة كماله هو ما ذكره النبيّ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيث؛ لأن غاية فائدة الثمرة فِي تناهي حلاوة ثمرها، وكماله، ولهذا قَالَ تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٥]. انتهى (١).
стр. 17813
(وَمَنْ أَحَبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ قَالَ أبو العبّاس: يعني بالمرء هنا: المسلم المؤمن؛ لأنه هو الذي يمكن أن يُخْلَصَ لله تعالى فِي محبّته، وأن يُتقرَّب لله تعالى باحترامه، وحرمته، فإنه الموصوف بالأخوّة الإيمانيّة، والمحبّة الدينيّة، كما قَالَ الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ الآية [الحجرات: ١٠]، وكما قَالَ تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وَقَدْ أفاد هَذَا الْحَدِيث أن محبّة المؤمن الموصلة لحلاوة الإيمان لابدّ أن تكون خالصة لله تعالى، غير مشوبة بالأعراض الدنيويّة، ولا الحظوظ البشريّة، فإن منْ أحبه لذلك انقطعت محبّته إن حصل له ذلك الغرض، أو يئس منْ حصوله، ومحبة المؤمن وظيفة متعيّنة عَلَى الدوام، وُجدت الأعراض، أو عُدمت. ولَمّا كانت المحبة للأعراض هي الغالبة قلّ وجدان تلك الحلاوة، بل قد انعدم، لاسيّما فِي هذه الأزمان التي قد امحى فيها أكثر رسوم الإيمان. وعلى الجملة فمحبّة المؤمنين منْ العبادات التي لابدّ فيها منْ الإخلاص فِي حسن النيّات. انتهى "المفهم" ١/ ٢١٤ - ٢١٥.
وَقَالَ يحيى بن معاذ: حقيقة الحب فِي الله أن لا يزيد بالبرّ، ولا ينقص بالجفاء. ذكره فِي "الفتح" ١/ ٨٩.
(وَمَنْ كَانَ اللَّهُ ، وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا) بنصب "أحبَّ"؛ لأنه خبر "يكون".
قَالَ البيضاوي: المراد بالحب هنا الحب العقلي، الذي هو إيثار ما يقتضي العقل السليم رجحانه، وإن كَانَ عَلَى خلاف هوى النفس، كالمريض يَعاف الدواء بطبعه، فينفر عنه، ويميل إليه بمقتضى عقله، فيَهْوَى تناوله، فإذا تأمل المرء أن الشارع لا يأمر، ولا ينهى إلا بما فيه صلاح عاجل، أو خلاص آجل، والعقل يقتضي رجحان جانب ذلك، تَمَرَّن عَلَى الائتمار بأمره، بحيث يصير هواه تبعا له، ويلتذ بذلك التذاذا عقليا؛ إذ الالتذاذ العقلي: إدراك ما هو كمال، وخير منْ حيث هو كذلك، وعبر الشارع عن هذه الحالة بالحلاوة؛ لأنها أظهر اللذائذ المحسوسة. قَالَ: وإنما جعل هذه الأمور الثلاثة عنوانا لكمال الإيمان؛ لأن المرء إذا تأمل أن المنعم بالذات هو الله تعالى، وأن لا مانح، ولا مانع فِي الحقيقة سواه، وأن ما عداه وسائط، وأن الرسول ﷺ هو الذي يبين له مراد ربه، اقتضى ذلك أن يتوجه بكليته نحوه، فلا يحب إلا ما يحب، ولا يحب منْ يحب إلا منْ أجله، وأن يتقين أن جملة ما وَعَد، وأوعد حقّ يقينا، ويُخَيَّل إليه الموعود كالواقع، فيحسب أن مجالس الذكر رياض الجنة، وأن العود إلى الكفر إلقاء فِي النار. انتهى ملخصا.
стр. 17814
وشاهد الْحَدِيث منْ القرآن، قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى أن قَالَ: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، ثم هَدَّد عَلَى ذلك، وتوعد بقوله: ﴿فَتَرَبَصُواْ﴾ الآية [التوبة: ٢٤]. ذكره فِي "الفتح" ١/ ٨٧.
وَقَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: فيه دليل عَلَى جواز إضافة المحبّة لله تعالى، وإطلاقها عليه، ولا خلاف فِي أن إطلاق ذلك عليه صحيحٌ، محبّا، ومحبوبًا، كما قَالَ تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ الآية [المائدة: ٥٤]، وهو فِي السنّة كثير، ولا يختلف النظّار منْ أهل السنة، وغيرهمِ أنها مؤوّلة فِي حقّ الله تعالى؛ لأن المحبّة المتعارفة فِي حقّنا، إنما هي ميلٌ لما فيه غرَض يستكمل به الإنسان ما نقصه، وسكون لما تلتذّ به النفس، وتكمل بحصوله، والله تعالى منزّه عن ذلك.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي قاله القرطبيّ منْ أنه لا يختلف النظّار منْ أهل السنة الخ أراد به المتكلّمين، فليس هَذَا مذهب أهل السنة منْ السلف، ومن تبعهم منْ أهل الْحَدِيث، فإنهم لا يؤوّلون صفة المحبّة التي أثبتها الله تعالى لنفسه، بل يثبونها كما أثبتها عَلَى ظاهرها، عَلَى الوجه الذي يليق بجلاله ، وأما تفسيره المحبّة بأنها ميلٌ لما فيه غرض الخ فليس أحد ممن له عقل صريح يتخيّل المحبّة التي ثبتت لله بهذا المعنى، فإنها هي المحبّة الثابتة للمخلوق، وهذا التصوّر هو الذي حمل هؤلاء المؤولين عَلَى ما صاروا إليه منْ تحريف صفات الله تعالى، فلو أنهم نظروا إلى الحقيقة لوجدوا الفرق بين صفات الخالق، والمخلوق، فالله له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، ومنها المحبّة والرضا، والغضب، ونحوها، عَلَى الوجه الذي يليق بجلاله ، ﴿تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرًا﴾. ونسأل الله تعالى أن يهدينا إلى سواء السبيل.
قَالَ: وَقَدْ اختلف أئمتنا فِي تأويلها فِي حقّ الله تعالى، فمنهم منْ صرفها إلى إرادته تعالى إنعامًا مخصوصًا عَلَى منْ أخبر أنه يحبه منْ عباده، وعلى هَذَا ترجع إلى صفة ذاته، ومنهم منْ صرفها إلى نفس الإنعام والإكرام، وعلى هَذَا فتكون منْ صفات الفعل، وعلى هَذَا المنهاج يتمشّى القول فِي الرحمة، والنعمة، والرضا، والغضب، والسخط، وما كَانَ فِي معناها.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي قاله القرطبيّ جوابه ما تقدّم قبله، فمذهب السلف، وأهل الْحَدِيث أن هذه الصفات منْ الرحمة، والنعمة، والرضا، والغضب، والسخط، وما فِي معناها، صفات أثبتها الله لنفسه، فهم يثبتونها له كما أثبتها لنفسه، منْ غير تشبيه، ولا تمثيل، ومن غير تعطيل، ولا تأويل، بل هي عَلَى
стр. 17815
ظاهرها، عَلَى ما يليق بجلاله ؛ لأنه لا داعي لتأويلها، ولأن المعاني التي يؤولون إليها يوجد فيها منْ المحذور عَلَى قولهم ما يلزم فيها؛ فإن الإنعام الذي أولت به المحبّة، أو إرادته هو أيضًا منْ صفات المخلوق، فإذا لزم التشبيه فِي المحبّة، لزم فيه أيضًا، فيفرّون منْ ورطة، ويقعون فِي أخرى.
والحاصل أن التأويل مذهب فاسد؛ لأنه لا يحصل به التخلّص منْ المحذور الذي زعموه، فالحقّ أن تُثبت هذه الصفات لله تعالى، عَلَى ظاهرها الحقيقيّ، كما أثبتها لنفسه، عَلَى ما يليق بجلاله. ونسأل الله تعالى الهداية والتوفيق.
قَالَ: فأما محبّة العبد لله تعالى، فقد تأولها بعض المتكلّمين؛ لأنهم فسّروا المحبّة بالإرادة، والإرادةُ إنما تتعلق بالحادث، لا بالقديم. ومنهم منْ قَالَ: لأن محبتنا إنما تتعلّق بمستلذّ محسوس، والله تعالى منزّه عن ذلك، وهؤلاء تأولوا محبّة العبد لله تعالى بطاعته له، وتعظيمه إياه، وموافقته له عَلَى ما يُريد منه. وأما أرباب القلوب، فمنهم منْ لم يتأول محبّة العبد لله تعالى، حَتَّى قَالَ: المحبّة لله تعالى هي الميل الدائم بالقلب الهائم. وَقَالَ أبو القاسم القشيريّ: أما محبّة العبد لله تعالى، فحالة يجدها العبد منْ قلبه، تلطف عن العبارة، وَقَدْ تحمله تلك الحالة عَلَى التعظيم لله تعالى، وإيثار رضاه، وقلّة الصبر عنه، والاحتياج إليه، وعدم الفرار عنه، ووجود الاسئناس بدوام ذكره.
قَالَ: فهؤلاء قد صرّحوا بأن محبّة العبد لله تعالى هي ميلٌ منْ العبد، وتوقان، وحال يجدها المحبّ منْ نفسه، منْ نوع ما يجده فِي محبوباته المعتادة له، وهو صحيح، والذي يوضّحه أن الله تعالى قد جبلنا عَلَى الميل إلى الحسن، والجمال، والكمال، فبقدر ما ينكشف للعاقل منْ حسن الشيء، وجماله، مال إليه، وتعلّق قلبه به، حَتَّى يُفضي الأمر إلى أن يستولي ذلك المعنى عليه، فلا يقدر عَلَى الصبر عنه، وربّما لا يشتغل بشيء دونه.
ثم الحسن، والكمال نوعان: محسوسٌ، ومعنويّ، فالمحسوس، كالصور الجميلة المشتهاة لنيل اللذّة الجسمانية، وهذا فِي حقّ الله تعالى محال قطعًا. وأما المعنويّ، فكمن اتّصف بالعلوم الشريفة، والأفعال الكريمة، والأخلاق الحميدة، فهذا النوع تميل إليه النفوس الفاضلة، والقلوب الكاملة ميلاً عظيمًا، فترتاح لذكره، وتتنعّم بخُبْرِهِ، وخَبَرِه، وتهتزّ لسماع أقواله، وتتشوف لمشاهدة أحواله، وتلتذّ بذلك لذّة روحانيّة، لا جسمانيّةً، كما تجده عند ذكر الأنبياء، والعلماء، والفضلاء، والكرماء، منْ الميل، واللذّة، والرّقّة، والأُنس، وإن كنّا لا نعرف صورهم المحسوسة، وربّما قد نسمع أن بعضهم منْ غير الأنبياء قبيح الصورة الظاهرة، أو أعمى، أو أجذم، ومع ذلك، فذلك
стр. 17816
الميلُ والأنس، والتشوّق موجودٌ لدينا، ومن شكّ فِي وجدان ذلك، أو أنكره، كَانَ عن جبِلّة الإنسانيّة خارجًا، وفي غمار المعتوهين والجًا.
وإذا تقرّر ذلك، فإذا كَانَ هَذَا الموصوف بذلك الكمال، قد أحسن إلينا، وفاضت نعمه علينا، ووصلنا ببرّه، وعطفه، ولطفه، تضاعف ذلك الميل، وتجدّد ذلك الأنس، حَتَّى لا نصبر عنه، بل يستغرقنا ذلك الحال إلى أن نذهل عن جميع الأشغال، بل ويطرأ عَلَى المشتهر بذلك نوع اختلال، وإذا كَانَ ذلك فِي حق منْ كماله، وجماله، مقيّدًا مشوبًا بالنقص، معَرّضًا للزوال، كَانَ مَنْ كماله وجماله واجبًا مطلقًا، لا يشوبه نقصٌ، ولا يعتريه زوال، وكان إنعامه، وإحسانه أكثر بحيث لا ينحصر، ولا يُعدّ، أولى بذلك الميل، وأحقّ بذلك الحبّ، وليس ذلك إلا لله وحده، ثم لمن خصه الله تعالى بما شاء منْ ذلك الكمال، وأكمل نوع الإنسان محمد ﷺ ، فمن تحقّق ما ذكرناه، واتّصف بما وصفناه، كَانَ الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كَانَ كذلك تأهّل للقائهما بالاتصاف بما يُرضيهما، واجتناب ما يُسخطهما، ويستلزم ذلك كلّه الإقبال بالكلية عليهما، والإعراض عمّا سواهما إلا بإذنهما، وأمرهما. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى "المفهم" ١/ ٢١٢ - ٢١٤. وهو كلام نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم.
وَقَالَ فِي "الفتح" عن بعضهم: محبّة الله عَلَى قسمين: فرض، وندب. [فالفرض]: المحبّة التي تبعث عَلَى امتثال أوامره، والانتهاء عن معاصيه، والرضا بما يُقَدّره، فمن وقع فِي معصية، مِن فعل مُحَرَّم، أو ترك واجب، فلتقصيره فِي محبّة الله، حيث قَدَّم هوى نفسه، والتقصير تارة يكون مع الاسترسال فِي المباحات، والاستكثار منها، فيورث الغفلة المقتضية للتوسع فِي الرجاء، فيُقْدِم عَلَى المعصية، أو تستمر الغفلة فيقع، وهذا الثاني يُسرع إلى الإقلاع مع الندم، وإلى الثاني يشير حديث: "لا يزني الزاني، وهو مؤمن".
[والندب]: أن يواظب عَلَى النوافل، ويتجنب الوقوع فِي الشبهات، والمتصف عموما بذلك نادر، قَالَ: وكذلك محبّة الرسول عَلَى قسمين، كما تقدم، ويزاد أن لا يتلقى شيئا منْ المأمورات والمنهيات، إلا منْ مشكاته، ولا يسلك إلا طريقته، ويرضى بما شرعه، حَتَّى لا يجد فِي نفسه حَرَجًا بما قضاه، ويتخلق بأخلاقه فِي الجود، والإيثار، والحلم، والتواضع، وغيرها، فمن جاهد نفسه عَلَى ذلك، وجد حلاوة الإيمان، وتتفاوت مراتب المؤمنين بحسب ذلك. انتهى "فتح" ١/ ٨٧ - ٨٨.
(وَمَنْ كَانَ أَنْ يُقْذَفَ) بالبناء للمفعول: أي يُرمى، والقذف: الرمى (فِي النارِ أَحَبَّ إِلَيْهِ، مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ، بَعْدَ أَنْ) بفتح الهمزة: هي المصدرية (أنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ) أي
стр. 17817
خلّصه، ونجّاه، وهو منْ الإنقاذ، كما قَالَ تعالى: ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ الآية [آل عمران: ١٠٣]، وثلاثيّه النَّقْذُ، قَالَ ابن دُريد: النقذ مصدر نَقِذَ بالكسر يَنقَذ نَقَذًا بالتحريك: إذا نجى.
وفي رواية الشيخين: "وأن يكره أن يعود فِي الكفر، كما يكره أن يُقذف فِي النار": قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذه الكراهية مُوحيةٌ لما انكشف للمؤمن منْ حسن الإسلام، ولمَا دخل قلبه منْ نور الإيمان، ولِمَا خلّصه منْ الله تعالى منْ رذائل الجهالات، وقبح الكفران، والحمد لله. انتهى. "المفهم" ١/ ٢١٥.
وَقَالَ فِي "الفتح": والانقاذ أعم منْ أن يكون بالعصمة منه إبتداء، بأن يولد عَلَى الإسلام ويستمرّ، أو بالإخراج منْ ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، كما وقع لكثير منْ الصحابة، وعلى الأول فيحمل قوله: "يعود" عَلَى معنى الصيرورة، بخلاف الثاني، فإن العود فيه عَلَى ظاهره.
[فإن قيل]: فلِمَ عَدَّى العودَ بـ"فِي"، ولم يُعَدِّه بـ"إلى".
[فالجواب]: أنه ضمنه معنى الاستقرار، وكأنه قَالَ: يستقر فيه، ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا﴾ [الأعراف: ٨٩]. انتهى. "فتح" ١/ ٨٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣/ ٤٩٩٠ و٤/ ٤٩٩١ - . وأخرجه (خ) فِي "الإيمان" ١٦ و٢١ و"الأدب" ٦٠٤١ و"الإكراه" ٦٩٤١ (م) فِي "الإيمان" ٤٣ (ت) فِي "الإيمان" ٢٦٢٤ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١١٥٩١ و١٢٣٥٤ و١٢٣٧٢ و١٢٩٩٤ و١٣١٨٠ و١٣٦٥٦. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حلاوة الإيمان، وهي منْ الأمور المحسوسة التي يجدها العبد المؤمن فِي باطنه، كما مضى تحقيقه، وليست منْ المجاز، كما ادُّعِي. (ومنها): أن هَذَا الْحَدِيث حديثٌ عظيم، وأصل منْ أصول الدين، كما قاله النوويّ رحمه الله تعالى. (ومنها): أن لهذه الحلاوة علامة تتحقّق بها، وتحصل عندها، وهي الأمور المذكورة فِي هَذَا الْحَدِيث. (ومنها): أنه استُدِلَّ به عَلَى فضل منْ
стр. 17818
أُكره عَلَى الكفر، فترك البتة إلى أَنْ قُتل. (ومنها): ما قيل: إنما قَالَ: "مما سواهما"، ولم يقل: "ممن"؛ ليعم منْ يعقل، ومن لا يعقل. (ومنها): ما قيل أيضًا: إن فِي قوله: "مما سواهما" دليلاً عَلَى أنه لا بأس بهذه التثنية، وأما قوله ﵁ للذي خطب، فَقَالَ: ومن يعصمهما: "بئس الخطيب أنت"، فليس منْ هَذَا؛ لأن المراد فِي الْخُطَب الإيضاح، وأما هنا فالمراد الإيجاز فِي اللفظ؛ ليحفظ، ويدل عليه أن النبيّ ﷺ ، قاله فِي موضع آخر، حيث قَالَ: "ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه".
[واعتُرض]: بأن هَذَا الْحَدِيث إنما ورد أيضًا فِي حديث خطبة النكاح.
[وأجيب]: بأن المقصود فِي خطبة النكاح أيضًا الإيجاز، فلا نقض، وثَمَّ أجوبة أخرى، [منها]: دعوى الترجيح، فيكون حَيِّزُ المنع أولي؛ لأنه عام، والآخر يحتمل الخصوصية، ولأنه ناقل، والآخر مبنيّ عَلَى الأصل، ولأنه قول، والآخر فعل. ورُدَّ بأن احتمال التخصيص فِي القول أيضًا حاصل، بكل قول ليس فيه صيغة عموم أصلاً. [ومنها]: دعوى أنه منْ الخصائص، فيمتنع منْ غير النبيّ ﷺ ، ولا يمتنع منه؛ لأن غيره إذا جَمَعَ أَوْهَم إطلاقة التسوية، بخلافه هو، فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك، وإلى هَذَا مال ابن عبد السلام. [ومنها]: دعوى التفرقة بوجه آخر، وهو أن كلامه ﷺ هنا جملة واحدة، فلا يحسن إقامة الظاهر فيها مكان المضمر، وكلام الذي خطب جملتان، لا يُكره إقامة الظاهر فيهما مقام المضمر.
وتُعُقِّب هَذَا بأنه لا يلزم منْ كونه لا يكره إقامة الظاهر فيهما مقام المضمر، أن يكره إقامة المضمر فيهما مقام الظاهر، فما وجه الرد عَلَى الخطيب، مع أنه هو ﷺ جمع كما تقدم؟.
ويجاب بأن قصة الخطيب كما قلنا، ليس فيها صيغة عموم، بل هي واقعة عين، فيحتمل أن يكون فِي ذلك المجلس مَن يُخشَى عليه توهم التسوية، كما تقدم.
ومن محاسن الأجوبة فِي الجمع بين حديث الباب، وقصة الخطيب أن تثنية الضمير هنا للإيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب منْ المحبتين، لا كل واحدة منهما، فإنها وحدها لاغية، إذا لم ترتبط بالأخرى، فمن يدعي حب الله تعالى مثلا، ولا يحب رسوله ﷺ لا ينفعه ذلك، ويشير إليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ٣١]، فأوقع متابعته مكتنفة بين قطري محبّة العباد، ومحبة الله تعالى للعباد، وأما أمر الخطيب بالإفراد، فلأن كل واحد منْ العصيانين، مستقل باستلزام الغواية، إذ العطف فِي تقدير التكرير، والأصل استقلال كل منْ المعطوفين فِي الحكم، ويشير إليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ الآية
стр. 17819
[النِّساء: ٥٩]، فأعاد أطيعوا فِي الرسول، ولم يعده فِي أولي الأمر؛ لأنهم لا استقلال لهم فِي الطاعة، كاستقلال الرسول. انتهى مُلَخَّصًا منْ كلام البيضاوي، والطيبي. [ومنها]: أجوبة أخرى فيها تكلف، منها أن المتكلم لا يدخل فِي عموم خطابه. [ومنها]: أن له أن يجمع بخلاف غيره. ذكره فِي "الفتح" ١/ ٨٨ - ٨٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٤ - (حَلَاوَةُ الإِسْلَامِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: المراد بـ"الإسلام" هنا "الإيمان"، فإنهما كما قيل: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، ومعنى ذلك أنه إذا ذُكر الإسلام مع الإيمان كَانَ المراد بالإسلام هو الاستسلام الظاهريّ، وبالإيمان هو الاعتقاد الباطنيّ، كما فسّره النبيّ ﷺ فِي حديث خبر جبريل ﵇ الآتي، ونظيرهما فِي هَذَا المعنى: الفقير والمسكين، فإنهما إذا ذكرا فِي موضع واحد، كما فِي آية الصدقة، كَانَ معنى المسكين منْ لا شيء له، كما قَالَ الله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾، بخلاف الفقير، فإنه منْ له شيء منْ المال، إلا أنه قليلٌ، كما قَالَ الشاعر [منْ البسيط]:
أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ … وَفْقَ الْعِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ
وَقَدْ تقدّم تمام البحث فِي ذلك فِي المسائل المذكورة أول "كتاب الإيمان"، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
٤٩٩١ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ، وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإِسْلَامِ، مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وَقَدْ تقدّموا غير مرّة. و"إسماعيل": هو ابن جعفر بن أبي كثير الأنصاريّ الزرقيّ المدنيّ الثقة الثبت [٨]. و"حميد": هو ابن أبي حُميد الطويل البصريّ الثقة الحافظ [٥]. والسند منْ رباعيّات المصنّف، وهو أعلى ما عنده منْ الأسانيد وهو (٢٣٨) منْ رباعيات الكتاب.
стр. 17820
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم شرحه، وبيان مسائله فِي الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٥ - (بَابُ نَعْتِ الإِسْلَامِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "النَّعْت" -بفتح النون، وسكون العين المهملة-: الوصف، يقال: نعت الرجلُ صاحبه نَعْتًا، منْ باب نفع: وصفه، ونعت نفسَهُ بالخير: وصفها، وانتعت: اتّصف، ونَعُتَ الرجلَ بالضمّ: إذا كَانَ النعت له خِلْقَةً، نَعاتَةً، وله نُعُوتٌ حسنة. قاله الفيّوميّ.
وَقَالَ فِي باب الواو: وَصَفته وَصْفًا، منْ باب وَعَد: نعتّهُ بما فيه، ويقال: هو مأخوذٌ منْ قولهم: وَصَفَ الثوب الجسم: إذا أظهر حاله، وبيّن هيئته، ويقال: الصفة إنما هي بالحال المنتقلة، والنعت بما كَانَ فِي خَلق، أو خُلُق. انتهى.
والمراد بنعت الإسلام هنا: أركانه، وهي الأمور الخمسة المذكورة فِي قوله ﷺ : "أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله … " الْحَدِيث. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٩٩٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا كَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلَامِ، قَالَ: "أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً"، قَالَ: صَدَقْتَ، فَعَجِبْنَا إِلَيْهِ، يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ، قَالَ: "أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَالْقَدَرِ كُلِّهِ، خَيْرِهِ وَشَرِّهِ"، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ، قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ"، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: "مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ بِهَا مِنَ السَّائِلِ"، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا، قَالَ: "أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ