الميلُ والأنس، والتشوّق موجودٌ لدينا، ومن شكّ فِي وجدان ذلك، أو أنكره، كَانَ عن جبِلّة الإنسانيّة خارجًا، وفي غمار المعتوهين والجًا.
وإذا تقرّر ذلك، فإذا كَانَ هَذَا الموصوف بذلك الكمال، قد أحسن إلينا، وفاضت نعمه علينا، ووصلنا ببرّه، وعطفه، ولطفه، تضاعف ذلك الميل، وتجدّد ذلك الأنس، حَتَّى لا نصبر عنه، بل يستغرقنا ذلك الحال إلى أن نذهل عن جميع الأشغال، بل ويطرأ عَلَى المشتهر بذلك نوع اختلال، وإذا كَانَ ذلك فِي حق منْ كماله، وجماله، مقيّدًا مشوبًا بالنقص، معَرّضًا للزوال، كَانَ مَنْ كماله وجماله واجبًا مطلقًا، لا يشوبه نقصٌ، ولا يعتريه زوال، وكان إنعامه، وإحسانه أكثر بحيث لا ينحصر، ولا يُعدّ، أولى بذلك الميل، وأحقّ بذلك الحبّ، وليس ذلك إلا لله وحده، ثم لمن خصه الله تعالى بما شاء منْ ذلك الكمال، وأكمل نوع الإنسان محمد ﷺ ، فمن تحقّق ما ذكرناه، واتّصف بما وصفناه، كَانَ الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كَانَ كذلك تأهّل للقائهما بالاتصاف بما يُرضيهما، واجتناب ما يُسخطهما، ويستلزم ذلك كلّه الإقبال بالكلية عليهما، والإعراض عمّا سواهما إلا بإذنهما، وأمرهما. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى "المفهم" ١/ ٢١٢ - ٢١٤. وهو كلام نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم.
وَقَالَ فِي "الفتح" عن بعضهم: محبّة الله عَلَى قسمين: فرض، وندب. [فالفرض]: المحبّة التي تبعث عَلَى امتثال أوامره، والانتهاء عن معاصيه، والرضا بما يُقَدّره، فمن وقع فِي معصية، مِن فعل مُحَرَّم، أو ترك واجب، فلتقصيره فِي محبّة الله، حيث قَدَّم هوى نفسه، والتقصير تارة يكون مع الاسترسال فِي المباحات، والاستكثار منها، فيورث الغفلة المقتضية للتوسع فِي الرجاء، فيُقْدِم عَلَى المعصية، أو تستمر الغفلة فيقع، وهذا الثاني يُسرع إلى الإقلاع مع الندم، وإلى الثاني يشير حديث: "لا يزني الزاني، وهو مؤمن".
[والندب]: أن يواظب عَلَى النوافل، ويتجنب الوقوع فِي الشبهات، والمتصف عموما بذلك نادر، قَالَ: وكذلك محبّة الرسول عَلَى قسمين، كما تقدم، ويزاد أن لا يتلقى شيئا منْ المأمورات والمنهيات، إلا منْ مشكاته، ولا يسلك إلا طريقته، ويرضى بما شرعه، حَتَّى لا يجد فِي نفسه حَرَجًا بما قضاه، ويتخلق بأخلاقه فِي الجود، والإيثار، والحلم، والتواضع، وغيرها، فمن جاهد نفسه عَلَى ذلك، وجد حلاوة الإيمان، وتتفاوت مراتب المؤمنين بحسب ذلك. انتهى "فتح" ١/ ٨٧ - ٨٨.
(وَمَنْ كَانَ أَنْ يُقْذَفَ) بالبناء للمفعول: أي يُرمى، والقذف: الرمى (فِي النارِ أَحَبَّ إِلَيْهِ، مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ، بَعْدَ أَنْ) بفتح الهمزة: هي المصدرية (أنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ) أي
стр. 17817
خلّصه، ونجّاه، وهو منْ الإنقاذ، كما قَالَ تعالى: ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ الآية [آل عمران: ١٠٣]، وثلاثيّه النَّقْذُ، قَالَ ابن دُريد: النقذ مصدر نَقِذَ بالكسر يَنقَذ نَقَذًا بالتحريك: إذا نجى.
وفي رواية الشيخين: "وأن يكره أن يعود فِي الكفر، كما يكره أن يُقذف فِي النار": قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذه الكراهية مُوحيةٌ لما انكشف للمؤمن منْ حسن الإسلام، ولمَا دخل قلبه منْ نور الإيمان، ولِمَا خلّصه منْ الله تعالى منْ رذائل الجهالات، وقبح الكفران، والحمد لله. انتهى. "المفهم" ١/ ٢١٥.
وَقَالَ فِي "الفتح": والانقاذ أعم منْ أن يكون بالعصمة منه إبتداء، بأن يولد عَلَى الإسلام ويستمرّ، أو بالإخراج منْ ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، كما وقع لكثير منْ الصحابة، وعلى الأول فيحمل قوله: "يعود" عَلَى معنى الصيرورة، بخلاف الثاني، فإن العود فيه عَلَى ظاهره.
[فإن قيل]: فلِمَ عَدَّى العودَ بـ"فِي"، ولم يُعَدِّه بـ"إلى".
[فالجواب]: أنه ضمنه معنى الاستقرار، وكأنه قَالَ: يستقر فيه، ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا﴾ [الأعراف: ٨٩]. انتهى. "فتح" ١/ ٨٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣/ ٤٩٩٠ و٤/ ٤٩٩١ - . وأخرجه (خ) فِي "الإيمان" ١٦ و٢١ و"الأدب" ٦٠٤١ و"الإكراه" ٦٩٤١ (م) فِي "الإيمان" ٤٣ (ت) فِي "الإيمان" ٢٦٢٤ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١١٥٩١ و١٢٣٥٤ و١٢٣٧٢ و١٢٩٩٤ و١٣١٨٠ و١٣٦٥٦. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حلاوة الإيمان، وهي منْ الأمور المحسوسة التي يجدها العبد المؤمن فِي باطنه، كما مضى تحقيقه، وليست منْ المجاز، كما ادُّعِي. (ومنها): أن هَذَا الْحَدِيث حديثٌ عظيم، وأصل منْ أصول الدين، كما قاله النوويّ رحمه الله تعالى. (ومنها): أن لهذه الحلاوة علامة تتحقّق بها، وتحصل عندها، وهي الأمور المذكورة فِي هَذَا الْحَدِيث. (ومنها): أنه استُدِلَّ به عَلَى فضل منْ
стр. 17818
أُكره عَلَى الكفر، فترك البتة إلى أَنْ قُتل. (ومنها): ما قيل: إنما قَالَ: "مما سواهما"، ولم يقل: "ممن"؛ ليعم منْ يعقل، ومن لا يعقل. (ومنها): ما قيل أيضًا: إن فِي قوله: "مما سواهما" دليلاً عَلَى أنه لا بأس بهذه التثنية، وأما قوله ﵁ للذي خطب، فَقَالَ: ومن يعصمهما: "بئس الخطيب أنت"، فليس منْ هَذَا؛ لأن المراد فِي الْخُطَب الإيضاح، وأما هنا فالمراد الإيجاز فِي اللفظ؛ ليحفظ، ويدل عليه أن النبيّ ﷺ ، قاله فِي موضع آخر، حيث قَالَ: "ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه".
[واعتُرض]: بأن هَذَا الْحَدِيث إنما ورد أيضًا فِي حديث خطبة النكاح.
[وأجيب]: بأن المقصود فِي خطبة النكاح أيضًا الإيجاز، فلا نقض، وثَمَّ أجوبة أخرى، [منها]: دعوى الترجيح، فيكون حَيِّزُ المنع أولي؛ لأنه عام، والآخر يحتمل الخصوصية، ولأنه ناقل، والآخر مبنيّ عَلَى الأصل، ولأنه قول، والآخر فعل. ورُدَّ بأن احتمال التخصيص فِي القول أيضًا حاصل، بكل قول ليس فيه صيغة عموم أصلاً. [ومنها]: دعوى أنه منْ الخصائص، فيمتنع منْ غير النبيّ ﷺ ، ولا يمتنع منه؛ لأن غيره إذا جَمَعَ أَوْهَم إطلاقة التسوية، بخلافه هو، فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك، وإلى هَذَا مال ابن عبد السلام. [ومنها]: دعوى التفرقة بوجه آخر، وهو أن كلامه ﷺ هنا جملة واحدة، فلا يحسن إقامة الظاهر فيها مكان المضمر، وكلام الذي خطب جملتان، لا يُكره إقامة الظاهر فيهما مقام المضمر.
وتُعُقِّب هَذَا بأنه لا يلزم منْ كونه لا يكره إقامة الظاهر فيهما مقام المضمر، أن يكره إقامة المضمر فيهما مقام الظاهر، فما وجه الرد عَلَى الخطيب، مع أنه هو ﷺ جمع كما تقدم؟.
ويجاب بأن قصة الخطيب كما قلنا، ليس فيها صيغة عموم، بل هي واقعة عين، فيحتمل أن يكون فِي ذلك المجلس مَن يُخشَى عليه توهم التسوية، كما تقدم.
ومن محاسن الأجوبة فِي الجمع بين حديث الباب، وقصة الخطيب أن تثنية الضمير هنا للإيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب منْ المحبتين، لا كل واحدة منهما، فإنها وحدها لاغية، إذا لم ترتبط بالأخرى، فمن يدعي حب الله تعالى مثلا، ولا يحب رسوله ﷺ لا ينفعه ذلك، ويشير إليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ٣١]، فأوقع متابعته مكتنفة بين قطري محبّة العباد، ومحبة الله تعالى للعباد، وأما أمر الخطيب بالإفراد، فلأن كل واحد منْ العصيانين، مستقل باستلزام الغواية، إذ العطف فِي تقدير التكرير، والأصل استقلال كل منْ المعطوفين فِي الحكم، ويشير إليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ الآية
стр. 17819
[النِّساء: ٥٩]، فأعاد أطيعوا فِي الرسول، ولم يعده فِي أولي الأمر؛ لأنهم لا استقلال لهم فِي الطاعة، كاستقلال الرسول. انتهى مُلَخَّصًا منْ كلام البيضاوي، والطيبي. [ومنها]: أجوبة أخرى فيها تكلف، منها أن المتكلم لا يدخل فِي عموم خطابه. [ومنها]: أن له أن يجمع بخلاف غيره. ذكره فِي "الفتح" ١/ ٨٨ - ٨٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٤ - (حَلَاوَةُ الإِسْلَامِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: المراد بـ"الإسلام" هنا "الإيمان"، فإنهما كما قيل: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، ومعنى ذلك أنه إذا ذُكر الإسلام مع الإيمان كَانَ المراد بالإسلام هو الاستسلام الظاهريّ، وبالإيمان هو الاعتقاد الباطنيّ، كما فسّره النبيّ ﷺ فِي حديث خبر جبريل ﵇ الآتي، ونظيرهما فِي هَذَا المعنى: الفقير والمسكين، فإنهما إذا ذكرا فِي موضع واحد، كما فِي آية الصدقة، كَانَ معنى المسكين منْ لا شيء له، كما قَالَ الله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾، بخلاف الفقير، فإنه منْ له شيء منْ المال، إلا أنه قليلٌ، كما قَالَ الشاعر [منْ البسيط]:
أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ … وَفْقَ الْعِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ
وَقَدْ تقدّم تمام البحث فِي ذلك فِي المسائل المذكورة أول "كتاب الإيمان"، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
٤٩٩١ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ، وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإِسْلَامِ، مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وَقَدْ تقدّموا غير مرّة. و"إسماعيل": هو ابن جعفر بن أبي كثير الأنصاريّ الزرقيّ المدنيّ الثقة الثبت [٨]. و"حميد": هو ابن أبي حُميد الطويل البصريّ الثقة الحافظ [٥]. والسند منْ رباعيّات المصنّف، وهو أعلى ما عنده منْ الأسانيد وهو (٢٣٨) منْ رباعيات الكتاب.
стр. 17820
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم شرحه، وبيان مسائله فِي الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
٥ - (بَابُ نَعْتِ الإِسْلَامِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "النَّعْت" -بفتح النون، وسكون العين المهملة-: الوصف، يقال: نعت الرجلُ صاحبه نَعْتًا، منْ باب نفع: وصفه، ونعت نفسَهُ بالخير: وصفها، وانتعت: اتّصف، ونَعُتَ الرجلَ بالضمّ: إذا كَانَ النعت له خِلْقَةً، نَعاتَةً، وله نُعُوتٌ حسنة. قاله الفيّوميّ.
وَقَالَ فِي باب الواو: وَصَفته وَصْفًا، منْ باب وَعَد: نعتّهُ بما فيه، ويقال: هو مأخوذٌ منْ قولهم: وَصَفَ الثوب الجسم: إذا أظهر حاله، وبيّن هيئته، ويقال: الصفة إنما هي بالحال المنتقلة، والنعت بما كَانَ فِي خَلق، أو خُلُق. انتهى.
والمراد بنعت الإسلام هنا: أركانه، وهي الأمور الخمسة المذكورة فِي قوله ﷺ : "أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله … " الْحَدِيث. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٩٩٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا كَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلَامِ، قَالَ: "أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً"، قَالَ: صَدَقْتَ، فَعَجِبْنَا إِلَيْهِ، يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ، قَالَ: "أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَالْقَدَرِ كُلِّهِ، خَيْرِهِ وَشَرِّهِ"، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ، قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ"، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: "مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ بِهَا مِنَ السَّائِلِ"، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا، قَالَ: "أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ
стр. 17821
رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ، الْعُرَاةَ، الْعَالَةَ، رِعَاءَ الشَّاءِ، يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ"، قَالَ عُمَرُ: فَلَبِثْتُ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا عُمَرُ، هَلْ تَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ " قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ ﵇، أَتَاكُمْ لِيُعَلِّمَكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ").
رجال هَذَا الإسناد: سبعة:
١ - (إسحاق بن ابراهيم) ابن راهويه المذكور قبل بابين.
٢ - (النضر بن شُميل) المازنيّ، أبو الحسن النحويّ البصريّ، نزيل مرو، ثقة ثبت، منْ كبار [٩] ٤١/ ٤٥.
٣ - (كهمس -بسين مهملة، قبلها ميم مفتوحة- ابن الحسن) التميميّ، أبو الحسن البصريّ، ثقة [٥] ٣٩/ ٦٨١.
٤ - (عبد الله بن بُريدة) أبو سهل المروزيّ، قاضيها، ثقة [٣] ٢٥/ ٣٩٣.
٥ - (يحيى بن يعمر) -بفتح التحتانية، والميم، بينهما مهملة ساكنة-: هو البصريّ، نزيل مرو، وقاضيها، ثقة، فصيحٌ، يرسل [٣] ٩/ ٤٦٧.
٦ - (عبد الله بن عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما ١٢/ ١٢.
٧ - (عمر بن الخطّاب) بن نُفيل العدويّ الخليفة الراشد رضي الله تعالى عنه ٦٠/ ٧٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات المراوزة. (ومنها): أن فيه ثلاثة منْ التابعين، يروي بعضهم عن بعض: كهمس، عن عبد الله، عن يحيى بن يعمر. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، والابن، عن أبيه. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ يَحْيىَ بْنِ يَعْمَرَ) رحمه الله تعالى (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما (قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) رضي الله تعالى عنه.
[تنبيهان]:
(الأول): حديث عمر ﵁ هَذَا لم يخرجه البخاريّ فِي "صحيحه"، فذكر فِي "الفتح" سبب ذلك، فَقَالَ: إنما لم يخرجه؛ للاختلاف فيه عَلَى بعض رواته، فمشهوره رواية كهمس بن الحسن، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن عبد الله بن عمر، عن أبيه عمر بن الخطاب، رواه عن كهمس جماعة منْ الحفاظ، وتابعه مطر
стр. 17822
الوراق، عن عبد الله بن بريدة، وتابعه سليمان التيمي، عن يحيى بن يعمر، وكذا رواه عثمان بن غياث، عن عبد الله بن بريدة، لكنه قَالَ: عن يحيى بن يعمر، وحميد بن عبد الرحمن معا، عن ابن عمر، عن عمر، زاد فيه حميدا وحميد له فِي الرواية المشهورة ذكر، لا رواية، وأخرج مسلم هذه الطرق، ولم يسق منها إلا متن الطريق الأولى، وأحال الباقي عليها، وبينها اختلاف كثير، سنشير إلى بعضه، فأما رواية مطر، فأخرجها أبو عوانة فِي "صحيحه" وغيره، وأما رواية سليمان التيمي، فأخرجها ابن خزيمة فِي "صحيحه" وغيره، وأما رواية عثمان بن غياث، فأخرجها أحمد فِي "مسنده"، وَقَدْ خالفهم سليمان بن بريدة، أخو عبد الله، فرواه عن يحيى بن يعمر، عن عبد الله بن عمر، قَالَ: بينما نحن عند النبيّ ﷺ ، فجعله منْ مسند ابن عمر، لا منْ روايته عن أبيه، أخرجه أحمد أيضًا، وكذا رواه أبو نعيم فِي "الحلية" منْ طريق عطاء الخراساني، عن يحيى بن يعمر، وكذا رُوِي منْ طريق عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن عمر، أخرجه الطبراني.
وفي الباب: عن أنس، أخرجه البزار، والبخاري فِي "خلق أفعال العباد"، وإسناده حسن، وعن جرير البجلي، أخرجه أبو عوانة فِي "صحيحه"، وفي إسناده خالد بن يزيد، وهو العمري، ولا يصلح للصحيح، وعن ابن عباس، وأبي عامر الأشعري، أخرجهما أحمد، وإسنادهما حسن، وفي كل منْ هذه الطرق فوائد، سنذكرها -إن شاء الله تعالى- فِي اثناء الكلام عَلَى حديث الباب، وإنما جمعت طرقها هنا، وعزوتها إلى مخرجيها؛ لتسهيل الحوالة عليها، فرارا منْ التكرار، المباين لطريق الاختصار. انتهى كلام صاحب "الفتح" ١/ ١٥٨ - ١٥٩.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وأنا -بعون الله تعالى- سألخّص ما ذكره صاحب "الفتح" وغيره منْ اختلاف هذه الطرق، وما احتوت عليه منْ الفوائد فِي شرح هَذَا الْحَدِيث -إن شاء الله تعالى- والله تعالى وليّ التوفيق، ومنه العون والعصمة، وعليه التكلان.
(الثاني): هَذَا الْحَدِيث فِي أوله قصّة ساقها مسلم فِي "صحيحه"، فَقَالَ:
حدثني أبو خيثمة، زهير بن حرب، حدثنا وكيع، عن كهمس، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر ح وحدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، وهذا حديثه، حدثنا أبي، حدثنا كهمس، عن ابن بريدة، عن يحيى بن يعمر، قَالَ: كَانَ أولَ منْ قَالَ فِي القدر، بالبصرة مَعْبَد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري، حاجين، أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحدا منْ أصحاب رسول الله ﷺ ، فسألناه عما يقول هولاء
стр. 17823
فِي القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب، داخلا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: أبا عبد الرحمن، إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن، ويتقفرون العلم، وذكر منْ شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أُنُفٌ، قَالَ: فإذا لقيت أولئك، فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر، لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه، ما قبل الله منه، حَتَّى يؤمن بالقدر، ثم قَالَ: حدثني أبي، عمر بن الخطاب، قَالَ: بينما نحن عند رسول الله ﷺ ، ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر … " الْحَدِيث.
(قَالَ) عمر ﵁ (بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) "بينما" هي "بين" الظرفيّة زيدت عليها "ما"، لتكفها عن عملها الخفض لما دخلت عليه، ومثلها "بينا" زيدت عليها الألف، فما بعدهما مرفوع بالابتداء فِي اللغة المشهورة، ومنهم منْ يخفضه، كقول الشاعر:
بَيْنَا تَعَانِقِهِ الْكُمَاةَ وَرَوْغهِ … يَوْمًا أُتِيحَ لَهُ جَرِيءٌ سَلْفَعُ
رُوي بخفض "تعانقه" ورفعه، وعلى هَذَا فـ"ما"، والألف ليستا للكفّ.
(ذَاتَ يَوْمٍ) أي يومًا منْ الأيام، فـ"ذات" مقحمة، وقيل: هي منْ إضافة الشيء لنفسه، عَلَى رأي منْ يُجيز ذلك (إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ) أي ملك، فِي صورة رجل، و"إذ": هي الفجائيّة: أي فاجأنا طلوع رجل، و"طلع علينا" منْ باب منع، ونصر: أي أتانا، ومثله "اطّلع"، أفاده فِي "القاموس". (شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَاب، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ) بفتح العين المهملة، وسكونها، زاد فِي رواية ابن حبّان: "سواد اللحية" (لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ) ببناء الفعل للمفعول، قَالَ النوويّ: ضبطناه بالياء المثنّاة، منْ تحتُ المضمومة، وكذلك ضبطناه فِي "الجمع بين الصحيحين"، وغيره، وضبطه الحافظ أبو حازم العُذْريّ بالنون المفتوحة، وكذا هو فِي "مسند أبي يعلى الموصلي"، وكلاهما صحيح. انتهى. وَقَالَ القرطبيّ: هكذا مشهور رواية هَذَا اللفظ "يُرى" مبنيًا لما لم يُسمّ فاعله بالياء باثنين منْ تحتها، "ولا يعرفه" بالياء أيضًا، وَقَدْ رواه أبو حازم العذريّ: "لا نَرى عليه أثر السفر، ولا نعرفه" بالنون فيهما، مبنيًا للفاعل، ونون الجماعة، وكلاهما واضحٌ المعنى. انتهى.
وفي البخاريّ فِي "التفسير": "إذ أتاه رجل يمشي"، وفي حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ الآتي: "وإنا لجلوس، ورسول الله ﷺ فِي مجلسه؛ إذ أقبل رجل، أحسن النَّاس وجهًا، وأطيب النَّاس ريحًا، كأن ثيابه لم يمسها دنس، حَتَّى سلّم فِي طرَف البساط،
стр. 17824
فَقَالَ: السلام عليكم يا محمد"
(وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ) أي ركبتي النبيّ ﷺ . وفي رواية لسليمان التيميّ: "ليس عليه سحناء السفر، وليس منْ البلد، فتخطّى، حَتَّى برك بين يدي النبيّ ﷺ ، كما يجلس أحدنا فِي الصلاة".
(وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ) قَالَ النوويّ: معناه أن الرجل الداخل وضع كفيه عَلَى فخذي نفسه، وجلس عَلَى هيئة المتعلّم. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الصحيح أن معناه أنه وضع كفه عَلَى فخذي النبيّ ﷺ ؛ لما يأتي التصريح به فِي حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ رضي الله تعالى عنهما الآتي بعد هَذَا، ولفظه: "حَتَّى وضع يده عدى ركبتي رسول الله ﷺ "، وَقَالَ فِي "الفتح": وكذا فِي حديث ابن عبّاس، وأبي عامر الأشعري: "ثم وضع يده عَلَى ركبتي النبيّ ﷺ "، فأفادت هذه الرواية أن الضمير فِي قوله: "عَلَى فخذيه" يعود عَلَى النبيّ ﷺ ، وبه جزم البغوي، وإسماعيل التيمي؛ لهذه الرواية، ورجحه الطيبي بحثا؛ لأنه نسق الكلام، خلافا لما جزم به النوويّ، ووافقه التوربشتى؛ لأنه حمله عَلَى أنه جلس كهيئة المتعلم، بين يدي منْ يتعلم منه، وهذا وإن كَانَ ظاهرا منْ السياق، لكن وضعه يديه عَلَى فخذ النبيّ ﷺ مُنَبِّه للإصغاء إليه، وفيه إشارة لما ينبغي للمسئول منْ التواضع، والصَّفْح عما يبدو منْ جفاء السائل، والظاهر أنه أراد بذلك المبالغة فِي تعمية أمره؛ ليقوى الظن بأنه منْ جُفَاة الأعراب، ولهذا تخطى النَّاس، حَتَّى انتهى إلى النبيّ ﷺ ، كما تقدم، ولهذا استغرب الصحابة صنيعه، ولأنه ليس منْ أهل البلد، وجاء ماشيا، ليس عليه أثر سفر.
[فإن قيل]: كيف عَرَف عمر ﵁ أنه لم يعرفه أحد منهم.
[أجيب]: بأنه يحتمل أن يكون استند فِي ذلك إلى ظنه، أو إلى صريح قول الحاضرين. وهذا الثاني -كما قَالَ الحافظ- أولي، فقد جاء كذلك فِي رواية عثمان بن غياث، فإن فيها: "فنظر القوم بعضهم إلى بعض، فقالوا: ما نعرف هَذَا".
وأفاد مسلم، فِي رواية عمارة بن القعقاع، سبب ورود هَذَا الْحَدِيث، فعنده فِي أوله: "قَالَ رسول الله ﷺ : سلوني، فهابوا أن يسألوه، قَالَ: فجاء رجل … "، ووقع فِي رواية ابن منده، منْ طريق يزيد بن زريع، عن كهمس: بينا رسول الله ﷺ يخطب، إذ جاءه رجل، فكأن أمره لهم بسؤاله، وقع فِي خطبته، وظاهره أن مجيء الرجل، كَانَ فِي حال الخطبة، فإما أن يكون وافق انقضاءها، أو كَانَ ذكر ذلك القدر جالسا، وعبر عنه الراوي بالخطبة. انتهى "فتح" ١/ ١٥٩ - ١٦٠.
(ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ) قيل: كيف بدأ بالسؤال قبل السلام؟. أجيب: بأنه يحتمل أن
стр. 17825
يكون ذلك مبالغةً فِي التعمية لأمره، أو ليبين أن ذلك غير واجب، أو سلم فلم ينقله الراوي.
وهذا الثالث هو الصواب، فقد ثبت فِي رواية حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ الآتي، ففيه: "حَتَّى سلم منْ طرف البساط، فَقَالَ: السلام عليك يا محمد، فرد ﵇، قَالَ: أدنو يا محمد؟ قَالَ: ادن، فما زال يقول: أدنو؟ مرارا، ويقول له: ادن"، ونحوه فِي رواية عطاء، عن ابن عمر، لكن قَالَ: "السلام عليك يا رسول الله"، وفي رواية مطر الوراق: "فَقَالَ: يا رسول الله أدنو منك؟ قَالَ: ادن"، ولم يذكر السلام، فاختلفت الروايات، هل قَالَ له: يا محمد، أو يا رسول الله، وهل سلم، أولا، فأما السلام فمن ذكره مقدم عَلَى منْ سكت عنه. وَقَالَ القرطبيّ، بناء عَلَى أنه لم يسلم، وَقَالَ: يا محمد: إنه أراد بذلك التعمية، فصنع صنيع الأعراب.
قَالَ الحافظ: ويجمع بين الروايتين، بأنه بدأ أولا بندائه باسمه، لهذا المعنى، ثم خاطبه بقوله: يا رسول الله. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأقرب أن يحمل عَلَى تصرف الرواة، فيقال: إنه قَالَ: يا محمد، فعبر بعض الرواة بقوله: يا رسول الله؛ لأن هَذَا أقرب إلى التعمية المذكورة. والله تعالى أعلم.
ووقع عند القرطبيّ: أنه قَالَ: "السلام عليكم يا محمد"، فاستنبط منه أنه يستحب للداخل أن يعمم بالسلام، ثم يخصص منْ يريد تخصيصه. انتهى.
قَالَ الحافظ: والذي وقفت عليه منْ الروايات، إنما فيه الأفراد، وهو قوله: "السلام عليك يا محمد".
(أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلَامِ) بدأ بالإسلام، لأنه يتعلّق بالأمر الظاهر، وثنى بالإيمان، لأنه يتعلّق بالأمر الباطن، وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاريّ: "فَقَالَ: ما الإيمان"، فبدأ بالإيمان؛ لأنه الأصل، وثَنَّى بالإسلام؛ لأنه يُظهر مِصداق الدعوى، وثَلّث بالإحسان؛ لأنه مُتَعَلِّق بهما. ورجح الطيبي الأول؛ لما فيه منْ الترقّي، ولا شك أن القصة واحدة، اختلف الرواة فِي تأديتها، وليس فِي السياق ترتيب، ويدل عليه رواية مطر الوراق، فإنه بدأ بالإسلام، وثَنَّى بالإحسان، وثَلَّث بالإيمان، فالحق أن الواقع أمر واحد، والتقديم والتأخير وقع منْ الرواة، والله تعالى أعلم. قاله الحافظ.
وَقَالَ القرطبيّ: الإسلام فِي اللغة: هو الاستسلام، والانقياد، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ الآية [الحجرات: ١٤]: أي انقدنا، وهو فِي الشرع: الانقياد بالأفعال الظاهرة الشرعيّة، ولذلك قَالَ ﷺ فيما رواه أنس ﵁ عنه: "الإسلام علانية،
стр. 17826
والإيمان فِي القلب" ذكره ابن أبي شيبة فِي "مصنّفه" ١١/ ١١ (١). انتهى "المفهم" ١/ ١٣٩.
(قَالَ) ﷺ (أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) "أن" الأولى هي المصدريّة الناصبة للمضارع، والجملة فِي تأويل المصدر خبر لمحذوف: أي هو شهادة أن لا إله إلا الله. وفي حديث أبي هريرة ﵁: "الإسلام أن تعبد الله، ولا تشرك به". قَالَ النوويّ فِي "شرحه": يحتمل أن يكون المراد بالعبادة، معرفة الله، فيكون عطف الصلاة وغيرها عليها؛ لإدخالها فِي الإسلام، ويحتمل أن يكون المراد بالعبادة الطاعة مطلقا، فيدخل فيه جميع الوظائف، فعلى هَذَا يكون عطف الصلاة وغيرها، منْ عطف الخاص عَلَى العام.
قَالَ الحافظ: أما الاحتمال الأول فبعيد؛ لأن المعرفة منْ متعلقات الإيمان، وأما الإسلام فهو أعمال قولية وبدنية، وَقَدْ عبر فِي حديث عمر ﵁ هنا بقوله: "أن تشهد أن لا إله الا الله وأن محمد رسول الله"، فدل عَلَى أن المراد بالعبادة فِي حديث الباب، النطق بالشهادتين، وبهذا تبين دفع الاحتمال الثاني، ولَمّا عبر الراوي بالعبادة، احتاج أن يوضحها بقوله: "ولا تشرك به شيئا"، ولم يحتج إليها فِي رواية عمر؛ لاستلزامها ذلك.
[فإن قيل]: السؤال عامّ؛ لأنه سأل عن ماهية الإسلام، والجواب خاصّ؛ لقوله: "أن تعبد"، أو "تشهد"، وكذا قَالَ فِي الإيمان: "أن تؤمن"، وفي الإحسان "أن تعبد".
[والجواب]: أن ذلك لنكتة الفرق بين المصدر، وبين "أن" والفعل؛ لأن "أن تفعل" تدل عَلَى الاستقبال، والمصدر لا يدلّ عَلَى زمان، عَلَى أن بعض الرواة أورده هنا بصيغة المصدر، ففي رواية عثمان بن غياث قَالَ: "شهادة أن لا إله الا الله"، وكذا فِي حديث أنس، وليس المراد بمخاطبته بالإفراد اختصاصه بذلك، بل المراد تعليم السامعين الحكم فِي حقهم، وحق منْ أشبههم منْ المكلفين، وَقَدْ تبين ذلك بقوله فِي آخره: "يعلم النَّاس دينهم".
(وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ) زاد فِي حديث أبي هريرة عند مسلم "المكتوبة": أي المفروضة، وإنما عبر بالمكتوبة للتفنن فِي العبارة، فإنه عبر فِي الزكاة بالمفروضة، ولا تباع قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النِّساء: ١٠٣].
стр. 17827
وَقَالَ القرطبيّ: والصلاة فِي اللغة: الدعاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]: أي ادع، وَقَالَ الأعشى:
عَلَيْكِ مِثْلَ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي … نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعَا
وقيل: إنها مأخوذة منْ الصَّلَا، والصلا: عِرْقٌ عند أصل الذنب، ومنه قيل للفرس الثاني فِي الحلبة: مصَلٍّ؛ لأن رأسه عند صلا السابق، قَالَ الشاعر:
فَصَلَّى أَبُوهُ لَهُ سَابِقُ … بِأَنْ قِيلَ فَاتَ الْعِذَارُ الْعِذَارَا (١)
والأول أولى وأشهر، وهي فِي الشرع: أفعال مخصوصةٌ، بشروط مخصوصة، الدعاء جزء منها. انتهى.
(وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ) زاد فِي أبي هريرة: "المفروضة". قَالَ القرطبيّ: الزكاة لغة: هي النماء، والزيادة، يقال: زكا الزرع والمالُ، وسُمّي أخذ جزء منْ مال المسلم الحرّ زكاةً؛ لأنها إنما تؤخذ منْ الأموال النامية، أو لأنها قد نمت، وبلغت النصاب، أو لأنها تُنَمِّي المال بالبركة، وحسنات مؤديها بالتكثير. انتهى.
(وَتَصُومَ رَمَضَانَ) قَالَ القرطبيّ: والصوم: هو الإمساك مطلقًا، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ الآية [مريم: ٢٦]: أي إمساكًا عن الكلام، وَقَالَ الشاعر:
خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ … تَحْتَ الْعَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلِكُ اللُّجُمَا
أي ممسكة عن الحركة. وهو فِي الشرع: إمساك جميع أجزاء اليوم عن أشياء مخصوصة، بشرط مخصوص. انتهى.
واستُدل به عَلَى جواز قول "رمضان" منْ غير إضافة "شهر"، إليه. قاله فِي "الفتح". وَقَدْ تقدّم تمام البحث فِي هَذَا فِي "كتاب الصيام"، وبالله تعالى التوفيق.
(وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) قَالَ القرطبيّ: الحج: هو القصد المتكرّر فِي اللغة، قَالَ الشاعر:
وَأَشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُلُولاً كثِيرَةً … يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا
وهو فِي الشرع: القصد إلى بيت الله المعضم؛ لفعل عبادة مخصوصة، والحجّ بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم، وقُرىء بهما: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧].
والاستطاعة: هي القوّة عَلَى الشيء، والتمكّن منه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٧]. انتهى. وَقَدْ تقدّم بيان كلّ ذلك
стр. 17828
مستوفًى فِي محالّه منْ هَذَا الشرح، وإنما أعدته تذكيرًا بما سلف. والله تعالى ولي التوفيق.
[تنبيه]: قد اختلف الرواة فِي ذكر الحجّ هنا، فمنهم منْ ذكره، ومنهم منْ أسقطه، إما غفلة، أو نسيانًا.
قَالَ فِي "الفتح": [فإن قيل]: لم لم يذكر الحج؟ أجاب بعضهم باحتمال أنه لم يكن فُرِض. وهو مردود بما رواه ابن منده فِي "كتاب الإيمان" بإسناده الذي عَلَى شرط مسلم، منْ طريق سليمان التيمي، فِي حديث عمر ﵁ أوله: أن رجلا فِي آخر عمر النبيّ ﷺ ، جاء إلى رسول الله ﷺ ، فذكر الْحَدِيث بطوله، وآخر عمره ﷺ يحتمل أن يكون بعد حجة الوداع، فإِنها آخر سفراته، ثم بعد قدومه بقليل، دون ثلاثة أشهر مات، وكأنه إنما جاء بعد إنزال جميع الأحكام، لتقرير أمور الدين التي بَلّغها متفرقة، فِي مجلس واحد؛ لتنضبط. ويُستنبط منه جواز سؤال العالم، ما لا يجهله السائل؛ ليعلمه السامع. وأما الحج فقد ذُكِر لكن بعض الرواة إما ذَهِل عنه، وإما نسيه، والدليل عَلَى ذلك اختلافهم فِي ذكر بعض الأعمال دون بعض، ففي رواية كهمس: "وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا"، وكذا فِي حديث أنس، وفي رواية عطاء الخراساني لم يذكر الصوم، وفي حديث أبي عامر ذَكَر الصلاة، والزكاة حسب، ولم يذكر فِي حديث ابن عباس مزيدا عَلَى الشهادتين، وذَكَر سليمان التيمي فِي روايته الجميع، وزاد بعد قوله: "وتحج": "وتعتمر، وتغتسل منْ الجنابة، وتتمم الوضوء"، وَقَالَ مطر الوراق فِي روايته: "وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة"، قَالَ: فذكر عُرَى الإسلام، فتبين ما قلناه: إن بعض الرواة ضبط ما لم يضبطه غيره. انتهى "فتح" ١/ ١٦٣ - ١٦٤.
(قَالَ) الرجل السائل (صَدَقْتَ، فَعَجبْنَا إِلَيْهِ) وفي رواية مسلم: "له" بدل "إليه" (يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ) وفي حديث أبي هريرة، وأبَي ذرّ الآتي: "فلما سمعنا قول الرجل: صدقت أنكرناه"، وفي رواية مطر الوراق: "انظروا إليه كيف يسأله، وانظروا إليه كيف يصدقه"، وفي حديث أنس: "انظروا وهو يسأله، وهو يصدقه، كأنه أعلم منه"، وفي رواية سليمان بن بريدة قَالَ القوم: "ما رأينا رجلاً مثل هَذَا، كأنه يُعَلِّم رسول الله- ﷺ ، يقول له: صدقت صدقت"، قَالَ القرطبيّ: إنما عجبوا منْ ذلك؛ لأن ما جاء به النبيّ ﷺ ، لا يُعرَف إلا منْ جهته، وليس هَذَا السائل ممن عُرف بلقاء النبيّ ﷺ ، ولا بالسماع منه، ثم هو يسأل سؤال عارف، محقق مصدق؛ فتعجبوا منْ ذلك، تعجب المستبعد لأن يكون أحد يعرف تلك الأمور المسؤول عنها منْ غير جهة النبىّ. انتهى. "المفهم" ١/ ١٥١.
(ثُمَّ قَالَ) الرجل (أَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ، قَالَ) ﷺ (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ) قَالَ أبو العبّاس
стр. 17829
القرطبيّ: الإيمان بالله: هو التصديق بوجوده، وأنه لا يجوز عليه العدم، وأنه تعالى موصوفٌ بصفات الجلال والكمال، منْ العلم، والقدرة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر، والحياة، والرضا، والمحبة، وغيرها، وأنه منزّه عن صفات النقص التي هي أضداد تلك الصفات، وعن صفات الأجسام، والمتحيزات، وأنه واحد، صمد، فردٌ، خالق جميع المخلوقات، متصرّف فيها بما يشاء منْ التصرّفات، يفعل فِي ملكه ما يريد، ويحكم فِي خلقه ما يشاء. انتهى. بزيادة.
وَقَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فِي "العقيدة الواسطيّة" حينما يصف اعتقاد الفرقة الناجية المنصور: ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه فِي كتابه، وبما وصفه رسوله ﷺ منْ غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل، بل يؤمنون بأن الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يُحرّفون الكلم عن مواضعه، ولا يُلحدون فِي أسمائه، وآياته، ولا يكيفون، ولا يمثّلون، صفاته بصفات خلقه؛ لأنه لا سميّ له، ولا كفء له، ولا ندّ له، ولا يقاس بخلقه ، فإنه أعلم بنفسه، وبغيره، وأصدق قيلاً، وأحسن حديثًا منْ خلقه، ثم رسله صادقون، مصدّقون، بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون، ولهذا قَالَ تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢]، فسبّح نفسحه عما وصفه به المخالفون للرسل، وسلّم عَلَى المرسلين؛ لسلامة ما قالوه منْ النقص والعيب، وهو قد جمع فيما وصف، وسمَّى به نفسه بين النفي والإثبات، فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون، فإنه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم منْ النبيين والصديقين، والشهداء، والصالحين. انتهى كلامه مختصرًا.
وَقَالَ فِي "الفتح": قوله: "قَالَ: الإيمان: أن تؤمن بالله … الخ": دل الجواب أنه عَلِم أنه سأله عن متعلقات الإيمان، لا عن معنى لفظه، وإلا لكان الجواب الإيمان: التصديق، وَقَالَ الطيبي: هَذَا يوهم التكرار، وليس كذلك، فإن قوله: "أن تؤمن بالله"، مُضَمَّن معنى أن تعترف به، ولهذا عداه بالباء: أي أن تصدق، معترفا بكذا.
قَالَ الحافظ: والتصديق أيضًا يعدى بالباء، فلا يحتاج إلى دعوى التضمين. وَقَالَ الكرماني: ليس هو تعريفا للشيء بنفسه، بل المراد منْ المحدود الإيمان الشرعي، ومن الحد الإيمان اللغوي.
قَالَ الحافظ: والذي يظهر أنه إنما أعاد لفظ الإيمان؛ للاعتناء بشأنه، تفخيما لأمره،
стр. 17830
ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] فِي جواب ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]: يعني أن قوله: "أن تؤمن" ينحل منه الإيمان، فكأنه قَالَ: الإيمان الشرعي: تصديق مخصوص، وإلا لكان الجواب الإيمان: التصديق، والإيمان بالله: هو التصديق بوجوده، وأنه متصف بصفات الكمال، منزه عن صفات النقص. انتهى.
(وَمَلَائِكَتِهِ) معنى الإيمان بالملائكة: هو التصديق بوجودهم، وأنهم كما وصفهم الله تعالى: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧] ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] و ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]، وأنهم سفراء الله بينه وبين رسله، والمتصرّفون كما أذن لهم فِي خَلْقه.
وقَدم الملائكة عَلَى الكتب والرسل؛ نظرَا للترتيب الواقع؛ لأنه ، أرسل الملك بالكتاب إلى الرسول، وليس فيه مُتَمَسَّك لمن فَضَّل الملك عَلَى الرسول. قاله فِي "الفتح".
(وَكُتُبِهِ) معنى الإيمان بكتب الله تعالى: التصديق بأنه كلام الله تعالى، وأن ما تضمّنته حقّ وصدق.
[تنبيه]: زاد فِي حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاريّ بعد قوله: "وكتبه": قولَهُ: "وبلقائه": قَالَ فِي "الفتح": كذا وقعت هنا بين الكتب والرسل، وكذا لمسلم منْ الطريقين، ولم تقع فِي بقية الروايات، وَقَدْ قيل: إنها مكررة؛ لأنها داخلة فِي الإيمان بالبعث، والحقّ أنها غير مكررة، فقيل: المراد بالبعث القيامُ منْ القبور، والمراد باللقاء ما بعد ذلك، وقيل: اللقاء يحصل بالانتقال منْ دار الدنيا، والبعث بعد ذلك، ويدل عَلَى هَذَا رواية مطر الوراق، فإن فيها: "وبالموت، وبالبعث بعد الموت"، كذا فِي حديث أنس وابن عباس ﵃، وقيل: المراد باللقاء رؤية الله، ذكره الخطّابيّ، وتعقبه النوويّ بأنّ أحدا لا يقطع لنفسه برؤية الله، فإنها مختصة بمن مات مؤمنا، والمرء لا يدري بم يختم له، فكيف يكون ذلك منْ شروط الإيمان؟.
وأجيب بأن المراد الإيمانُ بأن ذلك حقّ فِي نفس الأمر، وهذا منْ الأدلة القوية؛ لأهل السنة فِي إثبات رؤية الله تعالى فِي الآخرة، إذ جعدت منْ قواعد الإيمان. انتهى "فتح" ١/ ١٦١.
(وَرُسُلِهِ) ووقع فِي حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ الآتي "وملائكته، والكتاب، والنبيين"، وكل منْ السياقين فِي القرآن، فِي البقرة، والتعبير "بالنبيين" يشمل "الرسل"،
стр. 17831
منْ غير عكس.
ومعنى الإيمان بالرسل: التصديق بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى، وأن الله تعالى أيّدهم بالمعجزات الدّالّة عَلَى صدقهم، وأنهم بلّغوا عن الله تعالى رسالاته، وبينوا للمكلّفين ما أمرهم الله تعالى بيانه، وأنه يجب احترامهم، وألا يُفرَّق بين أحد منهم. قاله القرطبيّ.
وَقَالَ فِي "الفتح": ودل الإجمال فِي الملائكة، والكتب، والرسل عَلَى الاكتفاء بذلك، فِي الإيمان بهم، منْ غير تفصيل، إلا منْ ثبت تسميته، فيجب الإيمان به عَلَى التعيين، وهذا التريب مطابق للآية: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، ومناسبة الترتيب المذكور، وإن كانت الواو لا ترتب، بل المراد منْ التقديم، أن الخير، والرحمة منْ الله، ومن أعظم رحمته، أن أنزل كتبه إلى عباده، والمتلقِّي لذلك منهم الأنبياء، والواسطة بين الله وبينهم الملائكة. انتهى.
(وَالْيَوْم الآخِرِ) وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاريّ: "وتؤمن بالبعث"، زاد فِي "التفسير": "الآخر"، قَالَ فِي "الفتح": فأما البعث الآخر، فقيل: ذُكر "الآخر" تأكيدا، كقولهم: أمس الذاهب، وقيل: لأن البعث وقع مرتين: الأولى الإخراج منْ العدم إلى الوجود، أو منْ بطون الأمهات بعد النطفة، والْعَلَقَة إلى الحياة الدنيا، والثانية البعث منْ بطون القبور، إلى محل الاستقرار، وأما اليوم الآخر، فقيل له: ذلك؛ لأنه آخر أيام الدنيا، أو آخر الأزمنة المحدودة.
ومعنى الإيمان باليوم الآخر: هو: التصديق بيوم القيامة، وما اشتمل عليه منْ الإعادة بعد الموت، والنشر، والحشر، والحساب، والميزان، والصراط، والجنة والنار، وأنهما دار ثوابه، وجزائه للمحسنين، والمسيئين، إلى غير ذلك، مما صحّ نصّه، وثبت نقله. انتهى "المفهم" ١/ ١٤٥.
(وَالْقَدَرِ) -بفتحتين، أو بفتح، فسكون-: القضاء، والحكم. وَقَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: الْقَدَر: مصدر قَدَرتُ الشيء، خفيفة الدال، أقدره، وأقدُره -منْ بابي ضرب، ونصر- قَدْرًا -بفتح، فسكون- وقَدَرًا -بفتحتين، وقُدُرا: إذا أحطت بمقداره، ويقال فيه: قدّرتُ أُقدّر تقديرًا -مشدّد الدال- للتضعيف، فإذا قلنا: إن الله تعالى: قدّر الأشياء، فمعناه: أنه تعالى علم مقاديرها، وأحوالها، وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق فِي علمه أنه يوجده عَلَى نحو ما سبق فِي علمه، فلا مُحْدَث فِي العالم العلويّ والسفليّ إلا وهو صادرٌ عن علمه تعالى، وقدرته، وإرادته. انتهى "المفهم" ١/ ١٣٢.
стр. 17832
وَقَالَ فِي "الفتح" بعد ذكر نحو كلام القرطبيّ هَذَا: ما نصّه: هَذَا هو المعلوم منْ الدين بالبراهين القطعية، وعليه كَانَ السلف منْ الصحابة، وخيار التابعين، إلى أن حدثت بدعة القدر فِي أواخر زمن الصحابة ﵃، وَقَدْ رَوَى مسلم القصة فِي ذلك، منْ طريق كهمس، عن ابن بريدة، عن يحيى بن يعمر، قَالَ: كَانَ أول منْ قَالَ فِي القدر بالبصرة معبد الجهني، قَالَ: فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الْحِمْيَري، فذكر اجتماعهما بعبد الله بن عمر، وأنه سأله عن ذلك، فأخبره بأنه بَرِيء ممن يقول ذلك، وأن الله لا يقبل ممن لم يؤمن بالقدر عملا.
وَقَدْ حَكَى المصنفون فِي المقالات، عن طوائف منْ القدرية إنكار كون البارىء عالما بشيء منْ أعمال العباد، قبل وقوعها منهم، وإنما يعلمها بعد كونها، قالوا: لأنه لا فائدة لعلمه بها قبل إيجادها، وهو عبثٌ، وهو عَلَى الله محالٌ.
قَالَ القرطبيّ وغيره: وَقَدْ روي عن مالك رحمه الله تعالى أنه فسّر القدريّة بنحو ذلك، وهذا المذهب هو الذي وقع لأهل البصرة، وهو الذي أنكره ابن عمر، ولا شكّ فِي تكفير منْ يذهب إلى ذلك، فإنه جحد معلومٍ منْ الشرع ضرورةً، ولذلك تبرّأ منهم ابن عمر، وأفتى بأنهم لا تقبل منهم أعمالهم، ولا نفقاتهم، وأنهم كما قَالَ الله تعالى فيهم: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ٥٤].
وهذا المذهب هو مذهب طائفة منهم تُسمّى السُّكْبيّة، وَقَدْ تُرك اليوم، فلا يُعرف منْ يُنسب إليه منْ المتأخّرين، منْ أهل البدع المشهورين. والقدرية اليومَ مطبقون عَلَى أن الله عالم بأفعال العباد، قبل وقوعها، وإنما خالفوا السلف فِي زعمهم بأن أفعال العباد مقدورة لهم، وواقعة منهم عَلَى جهة الاستقلال، وهو مع كونه مذهبا باطلاً أخفّ منْ المذهب الأول، وأما المتأخرون منهم، فأنكروا تعلق الإرادة بأفعال العباد؛ فرارًا منْ تعلق القديم بالمحدث، وهم مخصومون بما قَالَ الشافعيّ: إن سلم القدري العلمَ خُصِم -يعني يقال له: أيجوز أن يقع فِي الوجود خلاف ما تضمنه العلم، فإن منع وافق قول أهل السنة، وإن أجاز لزمه نسبة الجهل، تعالى الله عن ذلك. "المفهم" ١/ ١٣٢ - ١٣٣ بزيادة منْ "الفتح" ١/ ١٦٢ - ١٦٣.
وَقَالَ القرطبيّ أيضًا: والإيمان بالقدر: هو التصديق بما تقدّم ذكره، وحاصله هو ما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافّات: ٩٦]، وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] وقوله ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]. وإجماع السلف والخلف عَلَى صدق قول القائل: ما شاء الله كَانَ، وما لم يشأ لم يكن، وقوله
стр. 17833
- ﷺ : "كلّ شيء بقدر حَتَّى العجز والكيس". رواه مسلم.
ولما كثر منْ ينكر القدر منْ الكفّار، ولهذا كثر تكراره فِي القرآن، وتنويهًا بذكره، ليحصل الاهتمام بشأنه أكّده بقوله: (كُلِّهِ) ثم قرّر ذلك بما أبدل منه، بقوله (خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) زاد فِي رواية: "حُلْوه، ومرّه"، وزاد فِي أخرى: "منْ الله".
[تنبيه]: ظاهر السياق يقتضى أن الإيمان، لا يُطلق إلا عَلَى منْ صَدَّق بجميع ما ذُكر، وَقَدْ اكتفى الفقهاء بإطلاق الإيمان عَلَى منْ آمن بالله تعالى، ورسوله ﷺ ، ولا اختلاف أن الإيمان برسول الله ﷺ المراد به الإيمان بوجوده، وبما جاء به عن ربه، فيدخل جميع ما ذكر تحت ذلك. والله تعالى أعلم. قاله فِي "الفتح" ١/ ١٦٣.
(قَالَ) الرجل (صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْني عَنِ الإحْسَانِ) قَالَ فِي "الفتح": هو مصدر أحسن يُحسن إحسانا، ويتعدى بنفسه وبغيره، تقول: أحسنت كذا: إذا أتقنته، وأحسنت إلى فلان: إذا أوصلت إليه النفع، والأول هو المراد؛ لأن المقصود إتقان العبادة، وَقَدْ يلحظ الثاني بأن المخلص مثلا محسن بإخلاصه إلى نفسه، وإحسانُ العبادة: الإخلاص فيها، والخشوع وفراغ البال حالَ التلبس بها، ومراقبة المعبود.
وَقَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: الإحسان هو مصدر أحسن يُحسن إحسانًا، ويقال عَلَى معنيين: [أحدهما]: متعدّ بنفسه، كقولك: أحسنت كذا، وفي كذا: إذا حسّنته، وكمّلته، وهو منقول بالهمزة منْ حسُن الشيءُ. [وثانيهما]: متعدّ بحرف جرّ، كقولك: أحسنت إلى كذا: أي أوصلت إليه ما ينتفع به، وهو فِي هَذَا الْحَدِيث بالمعنى الأول، لا بالمعنى الثاني، إذ حاصله راجع إلى إتقان العبادات، ومراعاة حقوق الله تعالى فيها، ومراقبته، واستحضار عظمته، وجلاله حالةَ الشروع، وحالة الاستمرار فيها.
وأرباب القلوب فِي هذه المراقبة عَلَى حالين: [أحدهما]: غالب عليه مشاهدة الحقّ، فكأنه يراه، ولعلّ النبيّ ﷺ أشار إلى هذه الحالة بقوله: "وجُعلت قُرّة عيني فِي الصلاة" (١)، رواه أحمد، والنسائيّ.
[وثانيهما]: لا ينتمي إلى هذه الحالة، لكن يغلب عليه أن الحقّ مطّلع عليه، ومشاهد له، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي. السَّاجِدِين﴾ [الشعراء: ٢١٨ - ٢١٩] وبقوله تعالى: ﴿وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١]، وهاتان الحالتان ثمرة معرفة الله تعالى، وخشيته، ولذلك فسّر الإحسان فِي حديث أبي هريرة ﵁ بقوله: "أن
стр. 17834
تخشى الله كأنك تراه"، فعبّر عن المسبب باسم السبب توسّعًا، والألف واللام اللذان فِي "الإحسان" المسؤول عنه للعهد، وهو الذي قَالَ الله تعالى فيه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ الآية [يونس: ٢٦]، وقوله: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] وقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].
ولَمّا تكرّر الإحسان فِي القرآن، وترتّب عليه هَذَا الثواب العظيم، سأل عنه جبريل النبيّ ﷺ ، فأجابه ببيانه؛ ليعمل النَّاس عليه، فيحصل لهم هَذَا الحظّ العظيم. انتهى "المفهم" ١/ ١٤٣ - ١٤٤.
(قَالَ) ﷺ (أَنْ تَعْبُدَ اللهَ) "أن" مصدريّة، والجملة فِي تأويل المصدر خبر لمحذوف: أي هو عبادة الله تعالى (كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) قَالَ فِي "الفتح": أشار فِي الجواب إلى حالتين، أرفعهما أن يغلب عليه مشاهدة الحق بقلبه، حَتَّى أنه يراه بعينه، وهو قوله: "كأنك تراه": أي وهو يراك، والثانية أن يستحضر أن الحق مُطلِع عليه، يَرَى كل ما يعمل، وهو قوله: "فإنه يراك"، وهاتان الحالتان يثمرهما معرفة الله، وخشيته، وَقَدْ عبر فِي رواية عمارة بن القعقاع بقوله: "أن تخشى الله كأنك تراه"، وكذا فِي حديث أنس ﵁. وَقَالَ النوويّ: معناه إنك إنما تراعي الآداب المذكورة، إذا كنت تراه ويراك؛ لكونه يراك، لا لكونك تراه، فهو دائما يراك، فأحسن عبادته، وإن لم تره، فتقدير الْحَدِيث: فإن لم تكن تراه، فاستمر عَلَى إحسان العبادة، فإنه يراك، قَالَ: وهذا القدر منْ الْحَدِيث أصل عظيم، منْ أصول الدين، وقاعدة مهمة منْ قواعد المسلمين، وهو عمدة الصديقين، وبغية السالكين، وكنز العارفين، ودأب الصالحين، وهو منْ جوامع الكلم التي أوتيها ﷺ ، وَقَدْ ندب أهل التحقيق إلى مجالسة الصالحين؛ ليكون ذلك مانعا منْ التلبس بشيء منْ النقائص؛ احتراما، واستحياء منهم، فكيف بمن لا يزال الله مطلعا عليه، فِي سره وعلانيته. انتهى. وَقَدْ سبق إلى أصل هَذَا القاضي عياض وغيره.
(قَالَ) الرجل السائل (فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ) أي متى تقوم الساعة؟ وَقَدْ صرّح به فِي رواية عمارة بن القعقاع، واللام للعهد، والمراد يوم القيامة. قاله فِي "الفتح" ١/ ١٦٥.
وَقَالَ القرطبيّ: الساعة: هي فِي أصل الوضع: مقدارٌ منْ الزمان، غير معيّن، ولا محدود؛ لقوله تعالى: ﴿مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] وفي عرف الشرع: عبارة عن يوم القيامة، وفي عرف المعدّلين (١): جزء منْ أربعة وعشرين جزءًا منْ أوقات الليل والنهار. قاله فِي "المفهم" ١/ ١٤٧.
стр. 17835
(قَالَ) ﷺ (مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا) "ما" نافيةٌ، وزاد فِي حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ ﵄ الآتي: "قَالَ: فنكّس، فلم يُجبه شيئًا، ثم أعاد، فلم يُجبه شيئًا، ثم أعاد، فلم يجبه شيئًا، ورفع رأسه، فَقَالَ: ما المسؤول … " (بِأَعْلَمَ بِهَا) الباء زائدة لتأكيد النفي، وهذا وإن كَانَ مشعرا بالتساوي فِي العلم، لكن المراد التساوي فِي العلم بأن الله تعالى استأثر بعلمها؛ لقوله بعدُ: "فِي خمس لا يعلمها إلا الله"، وسيأتي نظير هَذَا التركيب فِي أواخر الكلام عَلَى الْحَدِيث الآتي فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى، فِي قوله: "ما كنت بأعلم به منْ رجل منكم"، فإن المراد أيضًا التساوي فِي عدم العلم به، وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فَقَالَ: "سبحان الله، خمس منْ الغيب، لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا الآية".
(مِنَ السَّائِلِ) إنما عدل عن قوله: لست بأعلم بها منك، إلى لفظٍ يُشعر بالتعميم؛ تعريضا للسامعين: اْي أن كل مسئول، وكل سائل، فهو كذلك.
[فائدة]: هَذَا السؤال والجواب، وقع بين عيسى ابن مريم وجبريل عليهم الصلاة والسلام، لكن كَانَ عيسى سائلا، وجبريل مسؤولا، قَالَ الحميدي، فِي "نوادره": حدثنا سفيان، حدثنا مالك بن مِغْول، عن إسماعيل بن رجاء، عن الشعبي، قَالَ: "سأل عيسى ابن مريم جبريل، عن الساعة؟ قَالَ: فانتفض بأجنحته، وَقَالَ: ما المسئول عنها بأعلم منْ السائل". ذكره فِي "الفتح" ١/ ١٦٦.
(قَالَ) السائل (فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا) هكذا فِي حديث عمر ﵁ أن السائل قَالَ له ﷺ : "فأخبرني عن أماراتها"، وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاريّ فِي "الإيمان": "وسأخبرك عن أشراطها"، وفي "التفسير": "ولكن سأحدثك"، وفي الرواية الآتية فِي الباب التالي: "ولكن لها علامات، تعرف بها".
ويجمع بين هذه الاختلافات بأنه ﷺ ابتدأ بقوله: "وسأخبرك"، فَقَالَ له السائل: "فأخبرني"، ويدل عَلَى ذلك رواية سليمان التيمي، ولفظها: "ولكن إن شئت، نبأتك عن أشراطها، قَالَ: أجل"، ونحوه فِي حديث ابن عباس، وزاد: "فحدثني".
ويُستفاد منْ اختلاف الروايات: أن التحديث، والإخبار، والإنباء، بمعنى واحد، وإنما غاير بينها أهل الْحَدِيث اصطلاحا.
و"الأمارات": جمع أمارة بالفتِح، كالعلامة وزنًا ومعنًى. و"الأشراط" -بفتح الهمزة- جمع شَرَط -بفتحتين- كقَلَم وأقْلام: هي الأمارات، والعلامات، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨]، وبها سُمّي الشُّرَط؛ لأنهم يُعلّمون أنفسهم بعلامات يُعرفون بها.
стр. 17836
وَقَالَ القرطبيّ: علامات الساعة عَلَى قسمين: ما يكون منْ نوع المعتاد، أو غيره، والمذكور هنا الأول، وأما الغير: مثل طلوع الشمس منْ مغربها، فتلك مقارنة لها، أو مضايقة، والمراد هنا العلامات السابقة عَلَى ذلك، والله تعالى أعلم. ذكره فِي "الفتح" ١/ ١٦٦.
(قَالَ) ﷺ (أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا) هو فِي تأويل المصدر خبر لمحذوف: أي هي: أي الأمرات ولادة الأمة ربتها.
قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: الأمة هنا: هي الجارية المستولدة، وربّها سيّدها، وَقَدْ سُمّي بعلاً فِي الرواية الأخرى، كما سمّاه الله تعالى بعلاً فِي قوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ [الصّافّات: ١٢٥]، فِي قول ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، وحُكي عنه أنه قَالَ: لم أدر ما البعل؟ حَتَّى قلت لأعرابي: لمن هذه الناقة؟ فَقَالَ: أنا بعلها، وَقَدْ سُمي الزوج بعلاً، وُيجمع علي بُعُولة، كما قَالَ تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢]. و"ربّتها": تأنيث ربّ. انتهى "المفهم" ١/ ١٤٨.
وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاريّ بلفظ: "إذا ولدت الأمة ربها"، بالتذكير، قَالَ فِي "الفتح": وفي "التفسير": "ربتها" بتاء التأنيث، وكذا فِي حديث عمر، ولمحمد ابن بشر مثله، وزاد: "يعني السراري"، وفي رواية عمارة بن القعقاع: "إذا رأيت المرأة تلد ربها"، ونحوه لأبي فَرْوة، وفي رواية عثمان بن غياث: "الإماء أربابهن" بلفظ الجمع، والمراد بالرب: المالك، أو السيد.
وَقَالَ أيضًا: "التعبير بـ"إذا" للإشعار بتحقق الوقوع، ووقعت هذه الجملة بيانا للأشراط نظرًا إلى المعنى، والتقدير: ولادةُ الأمة، وتطاول الرعاة.
[فإن قيل]: الأشراط جمع، وأقله ثلاثة عَلَى الأصح، والمذكور هنا اثنان، أجاب الكرماني بأنه قد تستقرض القلة للكثرة، وبالعكس، أو لأن الفرق بالقلة والكثرة، إنما هو فِي النكرات، لا فِي المعارف، أو لفقد جمع الكثرة للفظ "الشرط".
قَالَ الحافظ: وفي جميع هذه الأجوبة نظر، ولو أُجيب بأن هَذَا دليل القول الصائر إلى أن أقل الجمع اثنان، لَمَا بَعُد عن الصواب، والجواب المرضيّ أن المذكور منْ الأشراط ثلاثة، وإنما بعض الرواة اقتصر عَلَى اثنين منها؛ لأنه هنا -يعنى فِي حديث أبي هريرة عند البخاريّ فِي "الإيمان"، ومثله فِي حديث عمر عند النسائيّ هنا- ذكر الولادة، والتطاول، وفي "التفسير" ذكر الولادة، وتَرَؤُّس الحفاة، وفي رواية محمد بن بشر التي أخرج مسلم إسنادها، وساق ابن خزيمة لفظها، عن أبي حيان، ذكر الثلاثة، وكذا فِي
стр. 17837
"مستخرج الإسماعيلي"، منْ طريق ابن علية، وكذا ذكرها عُمارة بن القعقاع، ووقع مثل ذلك فِي حديث عمر ﵁، ففي رواية كهمس -يعني رواية النسائيّ هنا- ذكر الولادة والتطاول فقط، ووافقه عثمان بن غياث، وفي رواية سليمان التيمي ذكر الثلاثة، ووافقه عطاء الخراساني، وكذا ذُكِرت فِي حديث ابن عباس، وأبي عامر ﵃. انتهى "فتح" ١/ ١٦٦ - ١٦٧. وسيأتي اختلاف العلماء فِي معنى "أن تلد الأمة ربتها" فِي المسألة الخامسة، إن شاء الله تعالى.
(وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ) بالضم: جمع حاف، وهو الذي لا يلبس فِي رجله شيئا (الْعُرَاةَ) بالضمّ أيضًا: جمعه عار: وهو الذي لا يلبس عَلَى جسده ثوبًا (الْعَالَةَ) بتخفيف اللام: جمع عائل، وهو الفقير، والعيلة: الفقر، يقال: عال الرجل يَعِيل عَيْلةً: إذا افتقر، وأعال يُعيل: إذا كثُر عياله (رِعَاءَ الشَّاءِ) بالكسر: جمع راع، وأصل الرعي: الحفظ، و"الشاء": جمع شاة، وهو منْ الجمع الذي يفرّق بينه وبين واحده بالهاء، وهو كثير فيما كَانَ خِلْقةً لله تعالى، كشجرة وشجر، وثمرة وثمر، وإنما خصّ رعاء الشاء بالذكر؛ لأنهم أضعف أهل البادية. قاله فِي "المفهم" ١/ ١٥.
وفي حديث أبي هريرة ﵁ الآتي: "إذا رأيت الرعاء البهم"، وعند البخاريّ: "وإذا تطاول رعاة الإبل البهم".
قَالَ فِي "الفتح": قوله: "تطاول": أي تفاخروا فِي تطويل البنيان، وتكاثروا به. قوله: "رعاة الإبل": هو بضم الراء جمع راع، كقضاة وقاض. و"البهم": بضم الموحدة، ووقع فِي رواية الأصيلي بفتحها، ولا يتجه مع ذكر الإبل، وإنما يتجه مع ذكر الشياه، أو مع عدم الإضافة، كما فِي رواية مسلم: "رعاء البهم"، وميم "البهم" فِي رواية البخاريّ، يجوز ضمها عَلَى أنه صفة "الرعاة"، ويجوز الكسر عَلَى أنها صفة "الإبل"، يعني الإبل السُّود، وقيل: إنها شر الألوان عندهم، وخيرها الْحُمْر التي ضرب بها المثل، فقيل: "خير منْ حُمر النَّعَم"، ووصف الرعاة بالبهم: إما لأنهم مجهولو الأنساب، ومنه أُبهِم الأمر، فهو مبهم: إذا لم تعرف حقيقته. انتهى.
وَقَالَ القرطبيّ و"البهم" بفتح الباء-: جمع بهيمة، وأصلها صغار الضأن والمعز، وَقَدْ يختصّ بالمعز، وأصله منْ استبهم عن الكلام، ومنه البهيمة. ووقع فِي البخاريّ: "رعاة الإبل البهم" -بضم الباء-: جمع أبهم، وهو الأسود الذي لا يُخالطه لون آخر، وقُيّدت ميم البهم بالكسر، والضمّ، فمن كسرها جعلها صفة للإبل، ومن رفعها جعلها صفة للرعاء. وقيل: معناه لا شيء لهم، كقوله ﷺ : "يُحشَر النَّاس حُفاة، عُراة، بهُما"، قَالَ: وهذا التأويل فيه نظر، لاْنه قد نسب له إبلاً، وظاهرها الملك. وَقَالَ الخطّابيّ: هو
стр. 17838
جمع بهيم، وهو المجهول الذي لا يُعرف.
قَالَ: والأَوْلَى أن يُحمَل عَلَى أنهم سُود الألوان؛ لأن الأُدْمة غالبة عَلَى ألوانهم. انتهى كلام القرطبيّ.
وأجاب الحافظ عن قول القرطبيّ: فيه نظر الخ بأنه يُحمل عَلَى أنها إضافة اختصاص، لا ملك، وهذا هو الغالب أن الراعي يرعى لغيره بالأجرة، وأما المالك، فقَلَ أن يباشر الرعي بنفسه. انتهى.
وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: "وإذا رأيت الحفاة العراة الصمّ البكم ملوك الأرض".
وقيل لهم: ذلك مبالغةً فِي وصفهم بالجهل: أي لم يستعملوا أسماعهم، ولا أبصارهم فِي شيء منْ أمر دينهم، وإن كانت حواسهم سليمة.
والمراد بهؤلاء: هم أهل البادية، كما صرح به فِي رواية سليمان التيمي وغيره، قَالَ: "ما الحفاة العراة؟ "، قَالَ: "الْعُرَيب"، وهو بالعين المهملة عَلَى التصغير، وفي الطبراني منْ طريق أبي جمرة، عن ابن عباس، مرفوعا: "منْ انقلاب الدين تَفَصُّح النَّبَط، واتخاذهم القصور فِي الأمصار".
وَقَالَ القرطبيّ: وَقَدْ وصفهم فِي حديث أبي هريرة ﵁ بأنهم صمّ بُكم، عُميٌ، ويعني بذلك -والله تعالى أعلم- أنهم جَهَلةٌ رعاع، لم يستعملوا أسماعهم، ولا كلامهم فِي علم، ولا فِي شيء منْ أمر دينهم، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] أطلق ذلك عليهم، مع أنهم كانت لهم أسماع، وأبصارٌ، ولكنهم لَمّا لم تحصُل لهم ثمرات تلك الإدراكات، صاروا كأنهم عَدِموا أصلها، وَقَدْ أوضح هَذَا المعنى قوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
قَالَ: ومقصود هَذَا الْحَدِيث: الإخبارُ عن تبدل الحال، وتغيّره، بأن يستولي أهل البادية الذين هذه صفاتهم عَلَى أهل الحاضرة، ويتملكوا بالقهر والغلبة، فتكثر أموالهم، وتتسع فِي حُطام الدنيا آمالهم، فتنصرف هممهم إلى تشييد المباني، وهدم الدين، وشريف المعاني، وأن ذلك إذا وُجد، كَانَ منْ أشراط الساعة، ويؤيد هَذَا ما ذُكر عن رسول الله ﷺ أنه قَالَ: "لا تقوم الساعة، حَتَّى يكون أسعد النَّاس بالدنيا لُكَع ابن لُكَع"، ومنه الْحَدِيث الآخر، ومنه: "إذا وُسِّد الأمر": أي أُسند- "إلى غير أهله، فانتظروا الساعة"، وكلاهما فِي الصحيح، وَقَدْ شُوهد هَذَا كله عيانًا فِي هَذَا الزمان، فكان ذلك عَلَى صدق رسول الله ﷺ ، وعلى قرب الساعة، حجةً، وبرهانًا. انتهى
стр. 17839
"المفهم" ١/ ١٥٠ - ١٥١ ببعض تصرّف.
(يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ) أي يتفاخرون فِي تطويل البيان، ويتكاثرون به.
(قَالَ عُمَرُ) بن الخطاب ﵁ (فَلَبِثْتُ) بكسر الباء الموحّدة: أي مكثتُ، يقال: لبِث بالمكان لَبَثًا، منْ باب تعب، وجاء فِي المصدر السكون للتخفيف، واللَّبْثة بالفتح: المرّة، وبالكسر: الهيئة، والنوع، والاسم: اللُّبْث بالضمّ، واللَّبَاث. قاله فِي "المصباح" (ثَلَاثًا) أي ثلاث ليال، وفي رواية مسلم: "فلبثت مليًا"، قَالَ النوويّ: معنى: "مليّا" بتشديد الياء: وقتًا طويلاً، وفي رواية أبي داود، والترمذيّ أنه قَالَ ذلك بعد ثلاث، وفي "شرح السنّة" للبغوي: "بعد ثالثة"، وظاهر هَذَا أنه بعد ثلاث ليال، وفي ظاهر هَذَا مخالفة لقوله فِي حديث أبي هريرة ﵁ بعد هَذَا: "ثم أدبر الرجل، فَقَالَ رسول الله ﷺ رُدُّوا عليّ الرجلَ، فأخذوا ليردّوه، فلم يروا شيئًا، فَقَالَ النبيّ ﷺ : هَذَا جبريل … الْحَدِيث.
فيحتمل الجمع بينهما أن عمر ﵁ لم يحضر قول النبيّ ﷺ لهم فِي الحال، بل كَانَ قد قام منْ المجلس، فأخبر النبيّ ﷺ الحاضرين فِي الحال، وأخبر عمر ﵁ بعد ثلاث، إذ لم يكن حاضرًا وقت إخبار الباقين. والله تعالى أعلم. انتهى "شرح مسلم" ١/ ١٦٠.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الجمع هو الأحسن، وسيأتي وجه آخر فِي الجمع فِي عبارة "الفتح" قريبًا، إن شاء الله تعالى.
(ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا عُمَرُ، هَلْ تَدْرِي) أي تعلم (مَنِ السَّائِلُ؟ " قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) ﷺ (فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ ﵇، أَتَاكُمْ لِيُعَلِّمَكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ) أي قواعد دينكم، أو كليّات دينكم. وفي حديث أبي هريرة ﵁: "هَذَا جبريل جاء يعلّم النَّاس دينكم".
وللإسماعيلي: "أراد أن تعلموا، إذ لم تسألوا"، وفي الرواية الآتية فِي الباب التالي: "والذي بعث محمدا بالحق، ما كنت بأعلم به منْ رجل منكم، وإنه لجبريل"، وفي حديث أبي عامر: "ثم وَلَّى، فلما لم نر طريقه، قَالَ النبيّ ﷺ : سبحان الله، هَذَا جبريل، جاء ليعلم النَّاس دينهم، والذي نفس محمد بيده، ما جاءني قط، إلا وأنا أعرفه إلا أن تكون هذه المرة"، وفي رواية سليمان التيمي: "ثم نَهَض، فوَلَّى، فَقَالَ رسول الله ﷺ : علي بالرجل، فطلبناه كل مطلب، فلم نقدر عليه، فَقَالَ: هل تدرون منْ هَذَا؟ هَذَا جبريل، أتاكم ليعلمكم دينكم، خذوا عنه، فوالذي نفسي بيده، ما شُبِّه عليّ منذ أتاني،
стр. 17840
قبل مرتي هذه، وما عرفته حَتَّى وَلَّى"، قَالَ ابن حبّان تفرد سليمان التيمي بقوله: "خذوا عنه".
قَالَ الحافظ: وهو منْ الثقات الأثبات. وفي قوله: "جاء ليعلم النَّاس دينهم": إشارة إلى هذه الزيادة، فما تفرد إلا بالتصريح، وإسناد التعليم إلى جبريل مجازيّ؛ لأنه كَانَ السبب فِي الجواب، فلذلك أمر بالأخذ عنه.
واتفقت هذه الروايات عَلَى أن النبيّ ﷺ ، أخبر الصحابة بشأنه، بعد أن التمسوه، فلم يجدوه، وأما ما وقع عند مسلم، وغيره، منْ حديث عُمَر ﵁ فِي رواية كهمس: "ثم انطلق، قَالَ عمر: فلبثت، ثم قَالَ: يا عمر، أتدري منْ السائل؟، قلت: الله ورسوله أعلم، قَالَ: فإنه جبريل".
فقد جَمَع بين الروايتين بعضُ الشراح بأن قوله: "فلبثت مليّا": أي زمانا بعد انصرافه، فكأن النبيّ ﷺ أعلمهم بذلك، بعد مضيّ وقت، ولكنه فِي ذلك المجلس، لكن يَعكُر عَلَى هَذَا الجمع قوله فِي رواية النسائيّ، والترمذي: "فلبثت ثلاثا"، لكن ادَّعَى بعضهم فيها التصحيف، وأن "مليا" صُغّرت ميمها، فاشبهت "ثلاثا"، لأنها تكتب بلا ألف، وهذه الدعوى مردودة، فإن فِي رواية أبي عوانة: فلبثنا ليالي، فلقيني رسول الله ﷺ ، بعد ثلاث"، ولابن حبّان: "بعد ثالثة"، ولابن منده: "بعد ثلاثة أيام".
وجمع النوويّ بين الحديثين بأن عمر، لم يحضر قول النبيّ ﷺ ، فِي المجلس، بل كَانَ ممن قام، إما مع الذين توجهوا فِي طلب الرجل، أو لشغل آخر، ولم يرجع مع منْ رجع؛ لعارض عَرَض له، فأخبر النبيّ ﷺ الحاضرين فِي الحال، ولم يتفق الإخبار لعمر، إلا بعد ثلاثة أيام، ويدل عليه قوله: "فلقيني"، وقوله: فَقَالَ لي: "يا عمر"، فوجه الخطاب له وحده، بخلاف إخباره الأول، وهو جمع حسن. قاله فِي "الفتح" ١/ ١٧٠.
[تنبيه]: دلت الروايات التي تقدّم ذكرها، عَلَى أن النبيّ ﷺ ، ما عرف أنه جبريل، إلا فِي آخر الحال، وأن جبريل أتاه فِي صورة رجل، حسن الهيئة، لكنه غير معروف لديهم، وأما ما وقع فِي رواية النسائيّ، منْ طريق أبي فروة، فِي آخر الْحَدِيث: "وإنه لجبريل نزل فِي صورة دحية الكلبي"، فإن قوله: "نزل فِي صورة دحية الكلبي"، وَهَمٌ؛ لأن دحية معروف عندهم، وَقَدْ قَالَ عمر ﵁: ما يعرفه منا أحد، وَقَدْ أخرجه محمد ابن نصر المروزي فِي "كتاب الإيمان" له منْ الوجه الذي أخرجه منه النسائيّ، فَقَالَ فِي آخره: "فإنه جبريل، جاء ليعلكم دينكم"، حَسْبُ، وهذه الرواية هي المحفوظة؛
стр. 17841
لموافقتها باقي الروايات. قاله فِي "الفتح" ١/ ١٧٠ - ١٧١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته: حديث عمر بن الخطاب ﵁ هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٥/ ٤٩٩٠ - . وأخرجه (م) فِي "الإيمان" ٨ (د) فِي "السنة" ٤٦٩٥ (ت) فِي "الإيمان" ٢٦١٠ (ق) فِي "المقدمة" ٦٣ (أحمد) فِي "مسند العشرة" ١٨٥ و٣٦٩. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان نعت الإسلام. (ومنها): أن فيه أن الملك يجوز أن يتمثل لغير النبيّ ﷺ ، فيراه، ويتكلم بحضرته، وهو يسمع، وَقَدْ ثبت عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما أنه كَانَ يسمع كلام الملائكة.
(ومنها): أن فيه دليلاً عَلَى أن الله تعالى مكّن الملائكة منْ أن يتمثّلوا فيما شاءوا منْ صور بني آدم، كما نصّ الله عَلَى ذلك فِي قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] وَقَدْ كَانَ جبريل ﵇ يتمثل للنبيّ ﷺ فِي صورة دحية بن خليفة الكلبيّ ﵁، وَقَدْ كَانَ لجبريل صورة خاصّة، خُلق عليها، لم يره النبيّ ﷺ عليها غير مرّتين، كما صح الْحَدِيث بذلك. قاله فِي "المفهم" ١/ ١٥٢.
(ومنها): استحباب تحسين الثياب والهيئة، والنظافة عند الدخول عَلَى العلماء، والفضلاء، والملوك، فإن جبريل ﵇ أتى معلّمًا للناس، كما أخبر به النبيّ ﷺ ، فيكون تعليمه بحاله، ومقاله.
(ومنها): ابتداء الداخل بالسلام عَلَى جميع منْ دخل عليهم، وإقباله عَلَى رئيس القوم، فإن جبريل ﵇ قَالَ: "السلام عليكم"، فعمّ، ثم قَالَ: "يا محمد"، فخصّ.
(ومنها): جواز الاستئذان فِي القرب منْ الإمام مرارًا، وإن كَانَ الإمام فِي موضع مأذون فِي دخوله. (ومنها): ترك الاكتفاء بالاستئذان مرّة، أو مرّتين عَلَى جهة التعظيم، والاحترام.
(ومنها): جواز اختصاص العالم بموضع مرتفع منْ المسجد، إذا دعت الحاجة إلى ذلك، لضرورة التعليم، أو غيره؛ لما يأتي فِي حديث الباب التالي: "فبنينا له دكّانًا منْ طين، كَانَ يجلس عليه".
(ومنها): أنه ينبغي لمن حضر مجلس العالم إذا علم بأهل المجلس حاجةً إلى
стр. 17842
مسألة، لا يسألون عنها، أن يسأل هو عنها؛ ليحصل الجواب للجميع. (ومنها): أنه ينبغي للعالم أن يرفق بالسائل، ويُدنيه منه؛ ليتمكّن منْ سؤاله، غير هائب، ولا منقبض، وأنه ينبغي للسائل أن يرفق فِي سؤاله.
(ومنها): أنه ينبغي للعالم إذا سئل عما لا يعلم، أن يصرح بأنه لا يعلمه، ولا يكون فِي ذلك نقص منْ مرتبته، بل يكون ذلك دليلا عَلَى مزيد ورعه. قاله النوويّ رحمه الله تعالى.
(ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: مقصود هَذَا السؤال كَفُّ السامعين عن السؤال، عن وقت الساعة؛ لأنهم قد أكثروا السؤال عنها، كما ورد فِي كثير منْ الآيات، والأحاديث، فلما حصل الجواب بما ذُكر هنا، حصل اليأس منْ معرفتها، بخلاف الأسئلة الماضية، فإن المراد بها استخراج الأجوبة، ليتعلمها السامعون، ويعملوا بها، ونبه بهذه الأسئلة عَلَى تفصيل ما يمكن معرفته، مما لا يمكن.
(ومنها): ما قاله ابن المُنَيِّر رحمه الله تعالى: فِي قوله: "يعلمكم دينكم"، دلالة عَلَى أن السؤال الحسن، يُسَمَّى علمًا، وتعليمًا؛ لأن جبريل ﵇ لم يصدر منه سوى السؤال، ومع ذلك فقد سماه النبيّ ﷺ معلما، وَقَدْ اشتهر قولهم: حُسنُ السؤال نصف العلم"، ويمكن أن يؤخذ منْ هَذَا الْحَدِيث؛ لأن الفائدة فيه انبنت عَلَى السؤال والجواب معا.
(ومنها): ما قاله القرِطبي رحمه الله تعالى: هَذَا الْحَدِيث يصلح، أن يقال له: أم السنة؛ لما تضمنه منْ جُمَل علم السنة، كما سُمّيت الفاتحة أم الكتاب؛ لِمَا تضمّنته منْ جمُل معاني القرآن. وَقَالَ الطيبي: لهذه النكتة استفتح به البغوي، كتابيه "المصابيح"، و"شرح السنة"؛ اقتداء بالقرآن فِي افتتاحه بالفاتحة؛ لأنها تضمنت علوم القرآن إجمالا.
وَقَالَ القاضي عياض قد اشتمل هَذَا الْحَدِيث، عَلَى جميع وظائف العبادات، الظاهرة والباطنة، منْ عقود الإيمان، ابتداء، وحالا، ومآلا، ومن أعمال الجوارح، ومن إخلاص السرائر، والتحفظ منْ آفات الأعمال، حَتَّى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه، ومتشعبة منه. قَالَ: وعلى هَذَا الْحَدِيث، وأقسامه الثلاثة، ألّفنا كتابنا الذي سمّيناه بـ"المقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان"، إذ لا يشذّ شيء منْ الواجبات، والسنن، والرغائب، والمحظورات، والمكروهات عن أقسامه الثلاثة. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي إتمام البحث المتعلّق بتفسير الإحسان:
قَالَ فِي "الفتح": دل سياق الْحَدِيث، عَلَى أن رؤية الله فِي الدنيا بالأبصار غير
стр. 17843
واقعة، وأما رؤية النبيّ ﷺ ، فذاك لدليل آخر، وَقَدْ صرح مسلم فِي روايته، منْ حديث أبي إمامة ﵁ بقوله ﷺ : "واعلموا أنكم لن تروا ربكم حَتَّى تموتوا".
وَقَالَ الحافظ ابن رَجَب رحمه الله تعالى فِي "شرح البخاريّ": وأما الإحسان ففسّره بنفوذ البصائر فِي الملكوت حَتَّى يصير الخبر للبصيرة كالعيان، فهذه أعلى درجات الإيمان، ومراتبه، ويتفاوت المؤمنون، والمحسنون فِي تحقيق هَذَا المقام تفاوتًا كثيرًا بحسب تفاوتهم فِي قوة الإيمان والإحسان، وَقَدْ أشار النبيّ ﷺ إلى ذلك هاهنا بقوله: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك". قيل: المراد أن نهاية مقام الإحسان أن يعبد المؤمن ربه كأنه يراه بقلبه، فيكون مستحضرًا ببصيرته وفكرته لهذا المقام، فإن عجز عنه، وشقّ عليه انتقل إلى مقام آخر، وهو أن يعبد الله عَلَى أن الله يراه، ويطّلع عَلَى سره، وعلانيته، ولا يخفى عليه شيء منْ أمره. وَقَدْ وصّى النبيّ ﷺ طائفة منْ أصحابه أن يعبدوا الله كأنهم يرونه، منهم ابن عمر، وأبو ذرّ ﵃، ووصّى معاذًا ﵁ أن يستحيي منْ الله كما يستحيي منْ رجل ذي هيبة منْ أهله. قَالَ بعض السلف: منْ عمل لله عَلَى المشاهدة، فهو عارف، ومن عمل عَلَى مشاهدة الله إياه فهو مخلص. فهذان مقامان: [أحدهما]: مقام المراقبة، وهو أن يستحضر العبد قرب الله منه، واطّلاعه عليه، فيتخايل أنه لا يزال بين يدي الله تعال، فيراقبه فِي حركاته، وسكناته، وسرّه، وعلانيته، فهذا مقام المراقبين المخلصين، وهو أدنى مقام الإحسان. [والثاني]: أن يشهد العبد بقلبه ذلك شهادة، فيصير كأنه يرى الله، ويُشاهده، وهذا نهاية مقام الإحسان، وهو مقام العارفين، وحديث حارثة ﵁ هو منْ هَذَا المعنى (١)، فإنه قَالَ: كأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنّة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يتعاوون فيها، فَقَالَ النبيّ ﷺ "عرفت، فالزم، عبدٌ نوّر الله الإيمانَ فِي قلبه". وهو حديث مرسلٌ، وَقَدْ روي مسندًا بإسناد ضعيف. وكذلك قول ابن عمر لعروة لَمّا خطب إليه ابنته فِي الطواف، فلم يردّ عليه، ثم لقيه، فاعتذر إليه، وَقَالَ: كنا فِي الطواف نتخايل الله بين أعيننا. ومنه الأثر الذي ذكره الفضيل بن عياض: يقول الله: ما أنا مطّلع عَلَى أحبابي إذا جنّهم الليل، جعلت أبصارهم فِي قلوبهم، ومَثَلتُ نفسي بين أعينهم، فخاطبوني عَلَى المشاهدة، وكلّموني عَلَى حضوري.
وبهذا فُسّر المثل الأعلى المذكور فِي قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧]، ومثله قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ
стр. 17844
فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ [النور: ٣٥]. قَالَ أبيّ بن كعب وغيره منْ السلف: مثل نوره فِي قلب المؤمن. فمن وصل إلى هَذَا المقام فقد وصل إلى نهاية الإحسان، وصار الإيمان لقلبه بمنزلة العيان، فعرف ربه، وأَنِس به فِي خلوته، وتنعم بذكره، ومناجاته، ودعائه، حَتَّى ربما استوحش منْ خلقه، كما قَالَ بعضهم: عجبت للخليقة كيف أَنَسَتْ بسواك؟ بل عجبتُ للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر سواك. وقيل لآخر: أما تستوحش؟ قَالَ: كيف أستوحش، وهو يقول: أنا جليس منْ ذكرني؟. وقيل لآخر: أما تستوحش وحدك؟ قَالَ: ويستوحش مع الله أحد؟. وكان حبيب أبو محمد يخلو فِي بيته، ويقول: منْ لم تقرّ عينه بك، فلا قرّت عينه، ومن لم يأنس بك، فلا أَنِس. وَقَالَ الفضيل: طوبى لمن استوحش منْ النَّاس، وكان الله جليسه. وَقَالَ معروف لرجل: توكّل عَلَى الله حَتَّى يكون جليسك، وأنيسك، وموضع شكواك. وَقَالَ ذو النون: علامة المحبّين لله أن لا يأنسوا بسواه، ولا يستوحشوا معه، ثم قَالَ: إذا سكن القلبَ حبُّ الله أنس بالله؛ لأن الله أجلّ فِي صدور العارفين أن يُحبّوا غيره.
وقوله ﷺ : "اعبد الله كأنك تراه" إشارةٌ إلى أن العابد يتخيّل ذلك فِي عبادته، لا أنه يراه حقيقة ببصره، ولا بقلبه.
وأما منْ زعم أن القلوب تصل فِي الدنيا إلى رؤية الله عيانًا، كما تراه الأبصار فِي الآخرة، كما يزعم ذلك منْ يزعمه منْ الصوفيّة، فهو زعم باطل، فإن هَذَا المقام هو الذي قَالَ منْ قَالَ منْ الصحابة، كأبي ذرّ، وابن عباس، وغيرهما، ورُوي عن عائشة أيضًا أنه حصل للنبيّ ﷺ مرّتين. وروي فِي ذلك أحاديث مرفوعة أيضًا. وكذا قَالَ جماعة منْ التابعين: إنه رآه بقلبه، منهم الحسن، وأبو العالية، ومجاهد، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وإبراهيم التيميّ، فلو كَانَ هؤلاء لا يعتقدون أن رؤية القلب مشتركة بين الأنبياء وغيرهم، لم يكن فِي تخصيص النبيّ ﷺ بذلك مزيّة له، ولاسيما، وإنما قالوا: إنها حصلت له مرّتين، فإن هؤلاء الصوفيّة يزعمون أن رؤية القلب تصير حالاً، ومقامًا دائمًا، أو غالبًا لهم، ومن هنا ينشأ تفضيل الاْولياء عَلَى الأنبياء، ويتفرّع عَلَى ذلك أنواع منْ الضلالات، والمحالات، والجهالات، والله يهدي منْ يشاء إلى صراط مستقيم.
فهذه المقامات الثلاث: الإسلام، والإيمان، والإحسان يشملها اسم الدين، فمن
стр. 17845
استقام عَلَى الإسلام إلى موته عصمه الإسلام منْ الخلود فِي النار، وإن دخلها بذنوبه، ومن استقام عَلَى الإحسان إلى الموت، وصل إلى الله ، قَالَ تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وَقَدْ فسّر النبيّ ﷺ الزيادة بالنظر إلى وجه الله. خرّجه مسلم منْ حديث صهيب. انتهى كلام الحافظ ابن رَجَب رحمه الله تعالى فِي "شرح البخاريّ" ١/ ٢١١ - ٢١٥ وهو تحقيق مفيد جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): فِي اختلاف أهل العلم فِي معنى قوله ﷺ : "أن تلد الأمة ربتها":
قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى فِي "الفتح": وَقَدْ اختلف العلماء قديما وحديثا، فِي معنى ذلك، قَالَ ابن التين: اختلف فيه عَلَى سبعة أوجه: فذكرها، لكنها متداخلة، وَقَدْ لخصتها بلا تداخل، فإذا هي أربعة أقوال:
[الأول]: قَالَ الخطّابيّ: معناه اتساع الإسلام، واستيلاء أهله عَلَى بلاد الشرك، وسبي ذراريهم، فإذا ملك الرجل الجارية، واستولدها، كَانَ الولد منها بمنزلة ربها؛ لأنه ولد سيدها. قَالَ النوويّ، وغيره: إنه قول الأكثرين.
قَالَ الحافظ: لكن فِي كونه المراد نظر؛ لأن استيلاد الإماء كَانَ موجودا، حين المقالة، والاستيلاء عَلَى بلاد الشرك، وسبي ذراريهم، واتخاذهم سراريّ، وقع أكثره فِي صدر الإسلام، وسياق الكلام يقتضي الإشارة إلى وقوع ما لم يقع، مما سيقع قرب قيام الساعة، وَقَدْ فسره وكيع فِي رواية ابن ماجه، بأخص منْ الأول، قَالَ: أن تلد العجم العرب، ووجهه بعضهم بأن الإماء، يلدن الملوك، فتصير الأم منْ جملة الرعية، والملك سيد رعيته، وهذا لإبراهيم الحربي، وقَرَّبَهُ بان الرؤساء فِي الصدر الأول، كانوا يستنكفون غالبا منْ وطء الإماء، ويتنافسون فِي الحرائر، ثم انعكس الأمر، ولاسيما فِي أثناء دولة بني العبّاس، ولكن رواية: "ربتها" بتاء التأنيث، قد لا تساعد عَلَى ذلك، ووجهه بعضهم بأن إطلاق ربتها عَلَى ولدها مجاز؛ لأنه لما كَانَ سببا فِي عتقها بموت أبيه، أطلق عليه ذلك، وخصه بعضهم بأن السبي إذا كثر، فقد يُسبَى الولد أولا، وهو صغير، ثم يُعتَق، ويكبر، ويصير رئيسا، بل ملكا، ثم تُسبى أمه فيما بعدُ، فيشريها عارفا بها، أو وهو لا يشعر أنها أمه، فيستخدمها، أو يتخذها موطوءة، أو يُعتقها ويتزوجها، وَقَدْ جاء فِي بعض الروايات: "أن تلد الأمة بَعْلها"، وهي عند مسلم، فتُحمل عَلَى هذه الصورة، وقيل: المراد بالبعل المالك، وهو أولى؛ لتتفق الروايات.
[الثاني]: أن تبيع السادة أمهات أولادهم، ويكثر ذلك، فيتداول الملاك المستولدة، حَتَّى يشتريها ولدها، ولا يشعر بذلك، وعلى هَذَا فالذي يكون منْ الأشراط غلبة الجهل
стр. 17846
بتحريم بيع أمهات الأولاد، أو الاستهانة بالأحكام الشرعية.
[فإن قيل]: هذه المسألة مختلف فيها، فلا يصلح الحمل عليها؛ لأنه لا جهل، ولا استهانة عند القائل بالجواز.
[قلنا]: يصلح أن يحمل عَلَى صورة اتفاقية، كبيعها فِي حال حملها، فإنه حرام بالإجماع. [الثالث]: وهو منْ نمط الذي قبله، قَالَ النوويّ: لا يختص شراء الولد أمه بأمهات الأولاد، بل يُتصور فِي غيرهن، بأن تلد الأمة حرا منْ غير سيدها، بوطء شبهة، أو رقيقا بنكاح، أو زنا، ثم تباع الأمة فِي الصورتين بيعا صحيحا، وتدور فِي الأيدي، حَتَّى يشتريها ابنها، أو ابنتها، ولا يعكُر عَلَى هَذَا تفسير محمد بن بشر، بأن المراد السراري؛ لأنه تخصيص بغير دليل.
[الرابع]: أن يكثر العقوق فِي الأولاد، فيعامل الولد أمه، معاملة السيد أمته، منْ الإهانة بالسب، والضرب، والاستخدام، فأطلق عليه ربها مجازا لذلك، أو المراد بالرب المربي، فيكون حقيقة.
قَالَ الحافظ: وهذا أَوْجَهُ الأَوْجُه عندي؛ لعمومه، ولأن المقام يدلّ عَلَى أن المراد حالة، تكون مع كونها تدل عَلَى فساد الأحوال، مستغربةَ.
ومُحَصَّله الإشارة إلى أن الساعة، يقرب قيامها عند انعكاس الأمور، بحيث يصير الْمُرَبَّى مُرَبيًا، والسافل عاليا، وهو مناسب لقوله فِي العلامة الأخرى: "أن تصير الحفاة ملوك الأرض".
(تنبيهان):
[أحدهما]: قَالَ النوويّ: ليس فيه دليل عَلَى تحريم بيع أمهات الأولاد، ولا عَلَى جوازه، وَقَدْ غَلِطَ مَنِ استَدَلَّ به لكلٍّ منْ الأمرين؛ لأن الشيء إذا جُعل علامةً عَلَى شيء آخر، لا يدلّ عَلَى حظر، ولا إباحة.
[الثاني]: يُجمَع بين ما فِي هَذَا الْحَدِيث، منْ إطلاق الرب عَلَى السيد المالك، فِي قوله: "ربها"، وبين ما فِي الْحَدِيث الآخر، وهو فِي "الصحيح": "لا يَقُل أحدكم: أطعم ربك، وَضِّئ ربك، اسق ربك، وليقل: سيدي، ومولاي"، بأن اللفظ هنا خرج عَلَى سبيل المبالغة، أو المراد بالرب هنا المربي، وفي المنهي عنه السيد، أو أن النهي عنه متأخر، أو مختص بغير الرسول ﷺ . انتهى "فتح" ١/ ١٦٧ - ١٦٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): قَالَ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فِي "العقيدة الواسطيّة": وتؤمن الفرقة الناجية منْ أهل السنة والجماعة بالقدر خيره وشرّه، والإيمان بالقدر عَلَى
стр. 17847
درجتين، كلّ درجة تتضمّن شيئين: فالدرجة الأولى بأن الله تعالى عليم بالخلق، وهم عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلاً وأبدًا، وعلم جميع أحوالهم منْ الطاعات، والمعاصي، والأرزاق، والآجال، ثم كتب الله فِي اللوح المحفوظ مقادير الخلق، فأول ما خلق الله القلم، قَالَ له: اكتب، قَالَ: ما أكتب؟ قَالَ: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فما أصاب الإنسان، لم يكن ليُخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفّت الأقلام، وطُويت الصحف، كما قَالَ تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]، وَقَالَ تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]، وهذا التقدير التابع لعلمه يكون فِي مواضع جملة وتفصيلاً، فقد كتب فِي اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكًا، فيؤمر بأرع كلمات، فيقال له: اكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقيّ، أم سعيد، ونحو ذلك، فهذا التقدير قد كَانَ ينكره غُلاة القدريّة قديمًا، ومنكروه اليوم قليل.
وأما الدرجة الثانية: فهي مشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كَانَ، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما فِي السموات، وما فِي الأرض منْ حركة، ولا سكون إلا بمشيئة الله ، لا يكون فِي ملكه ما لا يُريد، وأنه عَلَى كل شيء قدير منْ الموجودات، والمعدومات، فما منْ مخلوق فِي الأرض، ولا فِي السماء إلا الله خالقه ، لا خالق غيره، ولا رب سواه، ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته، وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته، وهو يحبّ المتّقين، والمحسنين، والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يُحبّ الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحبّ الفساد. والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن، والكافر، والبر، والفاجر، والمصلّي، والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة، والله خالقهم، وقدرَتهم، وإرادَتهَم، كما قَالَ تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩].
وهذه الدرجة منْ القدَر يُكذّب بها عامّة القدريّة الذين سمّاهم النبيّ ﷺ مجوس هذه الأمة، ويغلو فيها قوم منْ أهل الإثبات حَتَّى سلبوا العبد قدرته، واختياره، ويُخرجون عن أفعال الله، وأحكامه حكمها، ومصالحها. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله
стр. 17848
تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): فِي بحث مهمّ يتعلّق بالإيمان، قد خالف فيه طوائف منْ المتأخّرين هدي رسول الله ﷺ الذي أرسله الله تعالى لهداية الخلق أجمعين، وهدي أصحابه الأكرمين، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين:
قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: مذهب السلف، وأئمة الفتوى منْ الخلف أن منْ صدّق بهذه الأمور تصديقًا جزمًا، لا ريب فيه، ولا تردّد، ولا توقّف، كَانَ مؤمنًا حقيقةً، وسواء كَانَ ذلك عن براهين ناصعة، أو عن اعتقادات جازمة، عَلَى هَذَا انقرضت الأعصار الكريمة، وبهذا صرحت فتاوى أئمة الهدى المستقيمة، حَتَّى حدثت مذاهب المعتزلة المبتدعة، فقالوا: إنه لا يصحّ الإيمان الشرعيّ إلا بعد الإحاطة بالبراهين العقليّة والسمعيّة، وحصول العلم بنتائجها، ومطالبها، ومن لم يحصُل إيمانه كذلك، فليس بمؤمن، ولا يجزىء إيمانه بغير ذلك، وتبعهم عَلَى ذلك جماعة منْ متكلمي أصحابنا، كالقاضي أبي بكر، وأبي إسحاق الإسفراينيّ، وأبي المعالي فِي أول قوليه، والأول هو الصحيح؛ إذ المطلوب منْ المكلّفين ما يقال عليه: إيمان، كقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾، والإيمان هو التصديق لغةً وشرعًا، فمن صدق بذلك كلّه، ولم يجوّز نقيض شيء منْ ذلك، فقد عمل بمقتضى ما أمره الله تعالى به عَلَى نحو ما أمره الله تعالى، ومن كَانَ كذلك، فقد تفصّى عن عهدة الخطاب؛ إذ قد عمل بمقتضى السنّة والكتاب؛ ولأن رسول الله ﷺ ، وأصحابه بعده حكموا بصحّة إيمان كلّ منْ آمن وصدّق بما ذكرناه، ولم يفرّقوا بين منْ آمن عن برهان، أو عن غيره؛ ولأنهم لم يأمروا أجلاف العرب بترديد النظر، ولا سألوهم عن أدلّة تصديقهم، ولا أرجؤوا إيمانهم حَتَّى ينظروا، وتحاشوا عن إطلاق الكفر عَلَى أحد منهم، بل سمَّوهم المؤمنين، والمسلمين، وأجروا عليهم أحكام الإيمان والإسلام؛ ولأن البراهين التي حرّرها المتكلّمون، ورتّبها الجدليّون، إنما أحدثها المتأخّرون، ولم يخُض فِي شيء تلك الأساليب السلف الماضون، فمن المحال والْهَذَيَان أن يُشترط فِي صحّة الإيمان ما لم يكن معروفًا، ولا معمولاً به لأهل ذلك الزمان، وهم منْ هم؟ فهما عن الله تعالى، وأخذًا عن رسول الله ﷺ ، وتبليغًا لشريعته، وبيانًا لسنّته، وطريقته. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى "المفهم" ١/ ١٤٥ - ١٤٦.
وَقَدْ ذكر الحافظ رحمه الله تعالى فِي "الفتح" بحثًا نفيسًا، مستقصيًا للموضوع، عند شرح حديث بعث معاذ ﵁ إلى اليمن، فَقَالَ عند قوله: "فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحّدوا الله، فإذا عرفوا ذلك … " الْحَدِيث: ما نصه: وَقَدْ تمسك به منْ قَالَ: أول
стр. 17849
واجبٍ المعرفةُ، كإمام الحرمين، واستَدَلّ بأنه لا يتأتى الإتيان بشيء منْ المأمورات، علىَ قصد الامتثال، ولا الانكفاف عن شيء، منْ المنهيات عَلَى قصد الانزجار، إلا بعد معرفة الآمر والناهي. واعتُرِض عليه بأن المعرفة لا تتأتى إلا بالنظر والاستدلال، وهو مقدمة الواجب، فيجب، فيكون أول واجبٍ النظر، وذهب إلى هَذَا طائفة، كابن فورك.
وتُعُقّب بأن النظر ذو أجزاء، يترتب بعضها عَلَى بعض، فيكون أول واجب جزأ منْ النظر، وهو محكيّ عن القاضي أبي بكر بن الطيب، وعن الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني، أول واجب القصد إلى النظر، وجمع بعضهم بين هذه الأقوال، بأن منْ قَالَ: أول واجب المعرفة، أراد طلبا وتكليفا، ومن قَالَ: النظر، أو القصد أراد امتثالاً؛ لأنه يُسَلِّم أنه وسيلة إلى تحصيل المعرفة، فيدل ذلك عَلَى سبق وجوب المعرفة.
قَالَ: وَقَدْ ذكرتُ فِي "كتاب الإيمان" منْ أعرض عن هَذَا منْ أصله، وتَمَسَّكَ بقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] , وحديث: "كلُّ مولود يولد عَلَى الفطرة … "، فإن ظاهر الآية والحديث أن المعرفة حاصلة بأصل الفطرة، وأن الخروج عن ذلك يطرأ عَلَى الشخص؛ لقوله ﵊: "فأبواه يَهُوِّدانه، وينصرانه"، وَقَدْ وافق أبو جعفر السمناني، وهو منْ رءوس الأشاعرة عَلَى هَذَا، وَقَالَ: إن هذه المسألة بقيت فِي مقالة الأشعري، منْ مسائل المعتزلة، وتفرع عليها أن الواجب عَلَى كل أحد معرفة الله بالأدلة الدالة عليه، وأنه لا يكفي التقليد فِي ذلك. انتهى.
قَالَ: وقرأت فِي جزء منْ كلام شيخ شيخنا الحافظ صلاح الدين العلائي: ما ملخصه: إن هذه المسألة مما تناقضت فيها المذاهب، وتباينت بين مُفَرِّط، ومُفْرِط، ومتوسط:
فالطرف الأول: قول منْ قَالَ: يكفي التقليد المحض فِي إثبات وجود الله تعالى، ونفي الشريك عنه، وممن نسب إليه إطلاق ذلك عبيد الله بن الحسن العنبري، وجماعة منْ الحنابلة، والظاهرية، ومنهم منْ بالغ، فَحَرَّم النظر فِي الأدلة، واستند إلى ما ثبت عن الأئمة الكبار، منْ ذم الكلام كما سيأتي بيانه.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا المذهب هو الحق الذي كَانَ عليه السالف الصالح، كما سبق فِي كلام القرطبيّ، ويأتي أيضًا، فليس فيه تفريط، كما يدلّ عليه كلام العلائيّ هَذَا، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف، ونسأل الله تعالى أن يهدينا إلى سواء السبيل.
стр. 17850
قَالَ: والطرف الثاني: قول منْ وَقَفَ صحة إيمان كل أحد عَلَى معرفة الأدلة، منْ علم الكلام، ونُسب ذلك لأبي إسحاق الإسفرايني، وَقَالَ الغزالي: أسرفت طائفة، فكفروا عوام المسلمين، وزعموا أن منْ لم يعرف العقائد الشرعية، بالأدلة التي حرروها، فهو كافر، فضيقوا رحمة الله الواسعة، وجعلوا الجنة مختصة بشرذمة يسيرة منْ المتكلمين، وذكر نحوه أبو المظفر ابن السمعانيّ، وأطال فِي الرد عَلَى قائله، ونقل عن أكثر أئمة الفتوى أنهم قالوا: لا يجوز أن تكلف العوام اعتقاد الأصول بدلائلها؛ لأن فِي ذلك منْ المشقة أشد منْ المشقة فِي تعلم الفروع الفقهية.
قَالَ: وأما المذهب المتوسط، فذكره، وسأذكره مُلَخَّصًا بعد هَذَا.
وَقَالَ القرطبيّ فِي "المفهم" فِي شرح حديث: "أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم"، الذي تقدم شرحه فِي أثناء "كتاب الأحكام"، وهو فِي أوائل "كتاب العلم" منْ "صحيح مسلم": هَذَا الشخص الذي يبغضه الله، هو الذي يقصد بخصومته مدافعة الحق، ورده بالأوجه الفاسدة، والشُّبَه الموهمة، وأشد ذلك الخصومة فِي أصول الدين، كما يقع لأكثر المتكلمين، المعرضين عن الطرق التي أرشد إليها كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وسلف أمته، إلى طرق مبتدعة، واصطلاحات مخترعة، وقوانين جدلية، وأمور صناعية، مدار أكثرها عَلَى آراء سوفسطائية، أو مناقضات لفظية، ينشأ بسببها عَلَى الآخذ فيها شُبَهٌ، ربما يعجز عنها، وشكوك يذهب الايمان معها، وأحسنهم انفصالا عنها أجدلهم، لا أعلمهم، فكم منْ عالم بفساد الشبهة، لا يقوى عَلَى حلها، وكم منْ منفصل عنها، لا يدرك حقيقة علمها، ثم إن هؤلاء المتكلّمين قد ارتكبوا أنواعا منْ المحال، لا يرتضيها الْبُلْهُ، ولا الأطفال، لَمَّا بحثوا عن تحيز الجواهر، والأكوان، والأحوال، ثم إنهم أخذوا يبحثون فيما أمسك عنه السلف الصالح، ولم يوجد عنهم بحثٌ واضح، وهو كيفية تعلقات صفات الله تعالى، وتعديدها، واتحادها فِي نفسها، وهل هي الذات أو غيرها؟، وفي الكلام، هل هو متحد، أو منقسم؟، وعلى الثاني، هل ينقسم بالنوع، أو الوصف؟، وكيف تعلق فِي الأزل بالمأمور، مع كونه حادثا؟، ثم إذا انعدم المأمور، فهل يبقى ذلك التعلق؟، وهل الأمر لزيد بالصلاة مثلا، هو نفس الأمر لعمرو بالزكاة؟ إلى غير ذلك منْ الأبحاث المبتدعة، التي لم يأمر الشارع بالبحث عنها، وسكت عنها الصحابة ﵃، ومن سلك سبيلهم، بل نهوا عن الخوض فيها؛ لعلمهم بأنه بحث عن كيفية ما لا تعلم كيفيته بالعقل، لكون العقول لها حد تقف عنده، وهو العجز عن التكييف، لا يتعدّاه، ولا فرق بين البحث عن كيفية الذات، وكيفية الصفات، ولذلك قَالَ العليم الخبير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
стр. 17851
[الشورى: ١١]، ومن توقف فِي هَذَا، فليعلم أنه إذا كَانَ حُجِب عن كيفية نفسه، مع وجودها، وعن كيفية إدراك ما يدرك به، فهو عن إدراك غيره أعجز.
وغاية علم العلماء، وإدراك عقول الفضلاء أن يقطعوا بوجود فاعل لهذه المصنوعات، منزه عن الشبيه، مقدس عن النظير، متصف بصفات الكمال.
ثم متى ثبت النقل، وأخبرنا الصادقون عنه بشيء منْ أوصافه، وأسمائه قبلناه، واعتقدناه، وما لم يتعرّضوا له، سكتنا عنه، وتركنا الخوض فيه، وهذه طريقة السلف، وما سواها مَهَاوٍ، وتَلَف، ويكفي فِي الردع عن الخوض فِي طرق المتكلمين، ما قد ورد فِي ذلك عن الأئمة المتقدمين، فمن ذلك قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: منْ جعل دينه غَرَضًا للخصومات، أكثر الشغل، والدين قد فُرغ منه، ليس بأمر يؤتكف عَلَى النظر فيه. وَقَالَ مالك بن أنس رحمه الله تعالى: ليس هَذَا الجدال منْ الدين فِي شيء، وَقَالَ: كَانَ يقال: لا تمكّن زائغ القلب منْ أذنك، فإنك لا تدري ما يَعلق منْ ذلك. وَقَالَ الشافعيّ رحمه الله تعالى: لأن يُبتلَى العبد بكلّ ما نهى الله عنه ما عدا الشرك خير له منْ أن ينظر فِي علم الكلام، وإذا سمعت منْ يقول: الاسم هو المسمّى، أو غير المسمّى، فاشهد أنه منْ أهل الكلام، ولا دين له. قَالَ: وحكمي فِي أهل الكلام أن يُضربُوا بالجريد، ويُطاف بهم فِي العشائر، والقبائل، ويقال: هَذَا جزاء منْ ترك الكتاب والسنّة، وأخذ فِي الكلام. وَقَالَ الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: لا يُفلح صاحب الكلام أبدًا، علماء الكلام زنادقة. وَقَالَ ابن عقيل: قَالَ بعض أصحابنا: أنا أقطع أن الصحابة ﵃ ماتوا، وما عرفوا الجوهر والعرض، فإن رضِيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت طريقة المتكلّين أولى منْ طريقة أبي بكر، وعمر، فبئسما رأيته. قَالَ: وَقَدْ أفضى هَذَا الكلام بأهله إلى الشكوك، وبكثير منهم إلى الإلحاد، وببعضهم إلى التهاون بوظائف العبادات، وسبب ذلك إعراضهم عن نصوص الشارع، وتطلبهم حقائق الأمور منْ غيره، وليس فِي قوة العقل ما يدرك ما فِي نصوص الشارع منْ الحكم التي استأثر بها، ولو لم يكن فِي الجدال، إلا أن النبيّ ﷺ قد أخبر أنه الضلال، كما قَالَ فيما خرّجه الترمذيّ: "ما ضلّ قوم بعد هُدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل"، وَقَالَ: إنه صحيح (١).
قَالَ: وَقَدْ رجع كثير منْ أئمة المتكلّمين عن الكلام، بعد انقضاء أعمار مديدة، وآماد بعيدة، لَمّا لطف الله تعالى بهم، وأظهر لهم آياته، وباطن برهانه، فمنهم: إمام
стр. 17852
المتكلّمين أبو المعالي امام الحرمين (ت ٤٧٨ هـ)، فقد حكى عنه الثقات أنه قَالَ: لِقد خلّيت أهل الإسلام، وعلومهم، وركبت البحر الأعظم، وغُصت فِي كل شيء، نَهَى عنه أهل العلم رغبةً فِي طلب الحق، وهربًا منْ التقليد، والآن فقد رجعت عن الكلّ إلى كلمة الحقّ، عليكم بدين العجائز، وأختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص، والويل لابن الْجُوَينيّ.
وَقَالَ لأصحابه عند موته: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أنه يبلغ بي ما بلغتُ، ما تشاغلت به. وَقَالَ أحمد بن سنان: كَانَ الوليد بن أبان الكرابيسيّ خالي، فلما حضرته الوفاة قَالَ لبنيه: تعلمون أحدًا أعلم مني؟ قالوا: لا، قَالَ: فتَتَّهِموني؟ قالوا: لا، قَالَ: فإني أوصيكم، أفتقبلون؟ قالوا: نعم، قَالَ: عليكم بما عليه أصحاب الْحَدِيث، فإني رأيت الحقّ معهم. وَقَالَ أبو الوفاء ابن عَقِيل: لقد بالغت فِي الأصول طول عمري، ثم عُدتُ القهقرى إلى مذهب المكتب. وهذا الشهرستاني، صاحب "نهاية الإقدام فِي علم الكلام" وصف حاله فيما وصل إليه منْ علم الكلام، وما ناله، فتمثّل بما قاله:
لَعَمْرِي لَقَدْ طُفْتُ الْمَعَاهِدَ كُلَّهَا … وَصَيَّرْتُ طَرْفِي بَيْنَ تِلْكَ الْمَعَالِمِ
فَلَمْ أَرَ إِلَّا وَاضِعًا كَفَّ حَائِرِ … عَلَى ذَقَنٍ أَوْ قَارعٍ سِنَّ نَادِمِ
ثم قَالَ: عليكم بدين العجائز، فإنه أسنى الجوائز.
قَالَ القرطبيّ: ولو لم يكن فِي الكلام شيء يُذمُّ به إلا مسئلتان، هما منْ مبادئه، لكان حقيقا بالذمّ، وجديرًا بالذكر:
[إحداهما]: قول طائفة منهم: إن أول الواجبات الشك فِي الله تعالى؛ إذ هو اللازم عن وجوب النظر، أو القصد إلى النظر، واليه أشار الإمام بقوله: ركبت البحر.
[والثانية]: قول جماعة منهم إن منْ لم يعرف الله تعالى بالطرق التي طرّقوها، والأبحاث التي حرروها، فلا يصح إيمانه، وهو كافر، فيلزمهم عَلَى هَذَا تكفير أكثر المسلمين، منْ السلف الماضين، وأئمة المسلمين، وأن منْ يبدأ بتكفيره أباه، وأسلافه، حَتَّى لقد أورد عَلَى بعضهم أن هَذَا يلزم منه تكفير أبيك، وأسلافك، وجيرانك، فَقَالَ: لا تُشَنِّع علي بكثرة أهل النار. قَالَ: وَقَدْ رَدّ بعض منْ لم يقل بهاتين المسألتين منْ المتكلّين ما عَلَى منْ قَالَ بهما، بطريق منْ النظر والاستدلال؛ بناء منهم عَلَى أن هاتين المسألتين نظريّتان، وهذا خطأ فاحشٌ، فالكلّ يُخَطِّئون، الطائفة الأولى بأصل القول بالمسألتين، والثانية بتسليم أن فسادها ليس بضروريّ، ومن شكّ فِي تكفير منْ قَالَ: إن الشكّ فِي الله تعالى واجب، وأن معظم الصحابة، والمسلمين كفّار، فهو
стр. 17853
كافر شرعًا، أو مُختلّ العقل وضعًا، إذ كلّ واحدة منهما معلومة الفساد بالضرورة الشرعيّة الحاصلة بالأخبار المتواترة القطعيّة، وإن لم يكن كذلك، فلا ضروريّ يُصار إليه فِي الشرعيّات، ولا العقليّات، عصمنا الله تعالى منْ بِدع المبتدعين، وسلك بنا طرُق السلف الماضين، وإنما طوّلت فِي هذه المسألة الأنفاس منْ هذه البدع فِي النَّاس، ولأنه قد اغترّ كثير منْ الجهال بزخرف تلك الأقوال، وَقَدْ بذلت ما وجب عليّ منْ النصيحة، والله تعالى يتولّى إصلاح القلوب الجريحة. انتهى كلام القرطبيّ "المفهم" ٦/ ٦٩٠ - ٦٩٤. ببعض تغيير منْ "الفتح".
وَقَالَ الآمدي فِي "أبكار الأفكار": ذهب أبو هاشم منْ المعتزلة، إلى أن منْ لا يعرف الله بالدليل، فهو كافر؛ لأن ضد المعرفة النكرة، والنكرة كفر، قَالَ: وأصحابنا مجمعون عَلَى خلافه، وإنما اختلفوا فيما إذا كَانَ الاعتقاد موافقا، لكن عن غير دليل، فمنهم منْ قَالَ: إن صاحبه مؤمن عاص بترك النظر الواجب، ومنهم منْ اكتفى بمجرد الاعتقاد الموافق، وإن لم يكن عن دليل، وسماه علمًا، وعلى هَذَا فلا يلزم منْ حصول المعرفة بهذا الطريق، وجوب النظر، وَقَالَ غيره: منْ منع التقليد، وأوجب الاستدلال، لم يرد التعمق فِي طرق المتكلمين، بل اكتفى بما لا يخلو عنه منْ نشأ بين المسلمين، منْ الاستدلال بالمصنوع عَلَى الصانع، وغايته أنه يحصل فِي الذهن، مقدمات ضرورية، تتألف تألفا صحيحا، وتنتج العلم، لكنه لو سُئل كيف حصل له ذلك؟ ما اهتدى للتعبير به، وقيل: الأصل فِي هَذَا كله المنع منْ التقليد، فِي أصول الدين، وَقَدْ انفصل بعض الأئمة عن ذلك، بأن المراد بالتقليد أخذ قول الغير بغير حجة، ومن قامت عليه حجة بثبوت النبوة، حَتَّى حصل له القطع بها، فمهما سمعه منْ النبيّ ﷺ ، كَانَ مقطوعا عنده بصدقه، فإذا اعتقده لم يكن مقلدا؛ لأنه لم يأخذ بقول غيره بغير حجة، وهذا مستند السلف قاطبة، فِي الأخذ بما ثبت عندهم منْ آيات القرآن، وأحاديث النبيّ ﷺ ، فيما يتعلق بهذا الباب، فآمنوا بالمحكم منْ ذلك، وفوضوا أمر المتشابه منه إلى ربهم، وإنما قَالَ منْ قَالَ: إن مذهب الخلف أحكم بالنسبة إلى الرد عَلَى منْ لم يثبت النبوة، فيحتاج منْ يريد رجوعه إلى الحق أن يقيم عليه الأدلة إلى أن يُذعن، فيسلم، أو يعاند فيهلك، بخلاف المؤمن، فإنه لا يحتاج فِي أصل إيمانه إلى ذلك، وليس سبب الأول إلا جعل الأصل عدم الإيمان، فلزم إيجاب النظر المؤدي إلى المعرفة، وإلا فطريق السلف أسهل منْ هَذَا، كما تقدم إيضاحه منْ الرجوع إلى ما دلت عليه النصوص، حَتَّى يحتاج إلى ما ذكر منْ إقامة الحجة عَلَى منْ ليس بمؤمن، فاختلط الأمر عَلَى منْ اشترط ذلك، والله المستعان.
стр. 17854
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رَدّ منْ لم يُثبتِ النبوّة لا يكون بما سلكه المتكلّمون منْ النظر، وإنما يكون بما جاء عن رسول الله ﷺ ، واقتدى به فِي ذلك أصحابه ﵃, ومن تبعهم بإحسان، منْ إقامة الحجة عَلَى منْ لم يُثبت نبوته ﷺ ، فليس هَذَا النفي جديدا فِي الأمة، وإنما هبم منْ أول ما جاء الإسلام، فقد قَالَ الله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ الآية [الرعد: ٤٣]، وَقَالَ تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ الآية [الفرقان: ٤١]، إلى غير ذلك منْ الآيات، فالطريق الذي سلكه ﷺ فِي إقناع هؤلاء ونحوهم، وإلزامهم الحجج القاهرة لهم، هو الطريق الصحيح، وأما طريق المكتلمين، فضلال مبين، فتنبّه لهذا هداني الله وإياك إلى الصراط المستقيم.
واحتج بعض منْ أوجب الاستدلال، باتفاقهم عَلَى ذم التقليد، وذكروا الآيات، والأحاديث الواردة فِي ذم التقليد، وبأن كل أحد قبل الاستدلال، لا يدري أيّ الأمرين هو الهدى؟، وبأن كل ما لا يصح إلا بالدليل، فهو دعوى لا يعمل بها، وبأن العلم اعتقاد الشيء عَلَى ما هو عليه، منْ ضرورة، أو استدلال، وكل ما لم يكن علما فهو جهل، ومن لم يكن عالما فهو ضال.
والجواب عن الأول أن المذموم منْ التقليد أخذ قول الغير بغير حجة، وهذا ليس منه حكم رسول الله ﷺ ، فإن الله أوجب اتباعه فِي كل ما يقول، وليس العمل فيما أمر به، أو نهى عنه داخلا تحت التقليد المذموم اتفاقا، وأما منْ دونه، ممن اتبعه فِي قول قاله، واعتقد أنه لو لم يقله لم يقل هو به، فهو المقلد المذموم، بخلاف ما لو اعتقد ذلك فِي خبر الله ورسوله، فإنه يكون ممدوحا.
وأما احتجاجهم بأن أحدا لا يدري قبل الاستدلال، أيّ الأمرين هو الهدى، فليس بمسلم، بل منْ النَّاس منْ تطمئن نفسه، وينشرح صدره للإسلام منْ أول وهلة، ومنهم منْ يتوقف عَلَى الاستدلال، فالذي ذكروه هم أهل الشق الثاني، فيجب عليه النظر ليقي نفسه النار؛ لقوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]، ويجب عَلَى كل منْ استرشده أن يرشده، ويبرهن له الحق، وعلى هَذَا مضى السلف الصالح، منْ عهد النبيّ ﷺ وبعده.
وأما منْ استقرت نفسه إلى تصديق الرسول، ولم تنازعه نفسه إلى طلب دليل، توفيقا منْ الله وتيسيرا، فهم الذين قَالَ الله فِي حقهم: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ٧]، وَقَالَ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ الآية [الأنعام: ١٢٥]، وليس هؤلاء مقلدين لآبائهم، ولا لرؤسائهم؛ لأنهم لو كَفَر
стр. 17855
آباؤهم، أو رؤساؤهم لم يتابعوهم، بل يجدون النفرة عن كل منْ سمعوا عنه ما يخالف الشريعة، وأما الآيات والأحاديث، فإنما وردت فِي حق الكفار، الذين اتبعوا منْ نُهُوا عن اتباعه، وتركوا اتباع منْ أُمِروا باتباعه، وإنما كلفهم الله الإتيان ببرهان عَلَى دعواهم، بخلاف المؤمنين، فلم يَرِد قط أنه أسقط اتباعهم حَتَّى يأتوا بالبرهان، وكل منْ خالف الله ورسوله، فلا برهان له أصلا، وإنما كلف الإتيان بالبرهان، تبكيتا وتعجيزا، وأما منْ اتبع الرسول فيما جاء به، فقد اتبع الحق الذي أمر به، وقامت البراهين عَلَى صحته، سواء علم هو بتوجيه ذلك البرهان، أم لا.
وقول منْ قَالَ منهم: إن الله ذكر الاستدلال، وأمر به مُسَلَّم، لكن هو فعل حسن مندوب، لكل منْ أطاقه، وواجب عَلَى كل منْ لم تسكن نفسه إلى التصديق، كما تقدم تقريره. وبالله التوفيق.
وَقَالَ غيره: قول منْ قَالَ: طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أحكم، ليس بمستقيم؛ لأنه ظن أن طريقة السلف مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث، منْ غير فقه فِي ذلك، وأن طريقه الخلف، هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها، بأنواع المجازات، فجمع هَذَا القائل بين الجهل بطريقة السلف، والدعوى فِي طريقة الخلف، وليس الأمر كما ظن، بل السلف فِي غاية المعرفة بما يليق بالله تعالى، وفي غاية التعظيم له، والخضوع لأمره، والتسليم لمراده، وليس منْ سلك طريق الخلف واثقا بأن الذي يتأوله هو المراد، ولا يمكنه القطع بصحة تأويله، وأما قولهم فِي العلم، فزادوا فِي التعريف: عن ضرورة، أو استدلال، وتعريف العلم انتهى عند قوله: "عليه"، فإن أبوا إلا الزيادة، فليزدادوا: "عن تيسير الله له ذلك، وخلقه ذلك المعتقد فِي قلبه"، وإلا فالذي زادوه هو محل النزاع، فلا دلالة فيه، وبالله التوفيق.
وَقَالَ أبو المظفر ابن السمعاني: تعقب بعض أهل الكلام قول منْ قَالَ: إن السلف منْ الصحابة والتابعين، لم يعتنوا بإيراد دلائل العقل فِي التوحيد، بأنهم لم يشتغلوا بالتعريفات فِي أحكام الحوادث، وَقَدْ قبل الفقهاء ذلك، واستحسنوه، فَدَوَّنوه فِي كتبهم، فكذلك علم الكلام، ويمتاز علم الكلام، بأنه يتضمن الرد عَلَى الملحدين، وأهل الأهواء، وبه تزول الشبهة عن أهل الزيغ، ويثبت اليقين لأهل الحق، وَقَدْ علم الكل أن الكتاب، لم تعلم حقيته، والنبي لم يثبت صدقه إلا بأدلة العقل.
وأجاب أما أولا، فإن الشارع، والسلف الصالح نهوا عن الابتداع، وأمروا بالاتباع، وصح عن السلف أنهم نهوا عن علم الكلام، وعدوه ذريعة للشك والارتياب. وأما الفروع فلم يثبت عن أحد منهم النهي عنها، إلا منْ ترك النص الصحيح، وقدم عليه