← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 17851–17890 · переход к 17856.

стр. 17851

[الشورى: ١١]، ومن توقف فِي هَذَا، فليعلم أنه إذا كَانَ حُجِب عن كيفية نفسه، مع وجودها، وعن كيفية إدراك ما يدرك به، فهو عن إدراك غيره أعجز. وغاية علم العلماء، وإدراك عقول الفضلاء أن يقطعوا بوجود فاعل لهذه المصنوعات، منزه عن الشبيه، مقدس عن النظير، متصف بصفات الكمال. ثم متى ثبت النقل، وأخبرنا الصادقون عنه بشيء منْ أوصافه، وأسمائه قبلناه، واعتقدناه، وما لم يتعرّضوا له، سكتنا عنه، وتركنا الخوض فيه، وهذه طريقة السلف، وما سواها مَهَاوٍ، وتَلَف، ويكفي فِي الردع عن الخوض فِي طرق المتكلمين، ما قد ورد فِي ذلك عن الأئمة المتقدمين، فمن ذلك قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: منْ جعل دينه غَرَضًا للخصومات، أكثر الشغل، والدين قد فُرغ منه، ليس بأمر يؤتكف عَلَى النظر فيه. وَقَالَ مالك بن أنس رحمه الله تعالى: ليس هَذَا الجدال منْ الدين فِي شيء، وَقَالَ: كَانَ يقال: لا تمكّن زائغ القلب منْ أذنك، فإنك لا تدري ما يَعلق منْ ذلك. وَقَالَ الشافعيّ رحمه الله تعالى: لأن يُبتلَى العبد بكلّ ما نهى الله عنه ما عدا الشرك خير له منْ أن ينظر فِي علم الكلام، وإذا سمعت منْ يقول: الاسم هو المسمّى، أو غير المسمّى، فاشهد أنه منْ أهل الكلام، ولا دين له. قَالَ: وحكمي فِي أهل الكلام أن يُضربُوا بالجريد، ويُطاف بهم فِي العشائر، والقبائل، ويقال: هَذَا جزاء منْ ترك الكتاب والسنّة، وأخذ فِي الكلام. وَقَالَ الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: لا يُفلح صاحب الكلام أبدًا، علماء الكلام زنادقة. وَقَالَ ابن عقيل: قَالَ بعض أصحابنا: أنا أقطع أن الصحابة ﵃ ماتوا، وما عرفوا الجوهر والعرض، فإن رضِيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت طريقة المتكلّين أولى منْ طريقة أبي بكر، وعمر، فبئسما رأيته. قَالَ: وَقَدْ أفضى هَذَا الكلام بأهله إلى الشكوك، وبكثير منهم إلى الإلحاد، وببعضهم إلى التهاون بوظائف العبادات، وسبب ذلك إعراضهم عن نصوص الشارع، وتطلبهم حقائق الأمور منْ غيره، وليس فِي قوة العقل ما يدرك ما فِي نصوص الشارع منْ الحكم التي استأثر بها، ولو لم يكن فِي الجدال، إلا أن النبيّ ﷺ قد أخبر أنه الضلال، كما قَالَ فيما خرّجه الترمذيّ: "ما ضلّ قوم بعد هُدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل"، وَقَالَ: إنه صحيح (١). قَالَ: وَقَدْ رجع كثير منْ أئمة المتكلّمين عن الكلام، بعد انقضاء أعمار مديدة، وآماد بعيدة، لَمّا لطف الله تعالى بهم، وأظهر لهم آياته، وباطن برهانه، فمنهم: إمام

стр. 17852

المتكلّمين أبو المعالي امام الحرمين (ت ٤٧٨ هـ)، فقد حكى عنه الثقات أنه قَالَ: لِقد خلّيت أهل الإسلام، وعلومهم، وركبت البحر الأعظم، وغُصت فِي كل شيء، نَهَى عنه أهل العلم رغبةً فِي طلب الحق، وهربًا منْ التقليد، والآن فقد رجعت عن الكلّ إلى كلمة الحقّ، عليكم بدين العجائز، وأختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص، والويل لابن الْجُوَينيّ. وَقَالَ لأصحابه عند موته: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أنه يبلغ بي ما بلغتُ، ما تشاغلت به. وَقَالَ أحمد بن سنان: كَانَ الوليد بن أبان الكرابيسيّ خالي، فلما حضرته الوفاة قَالَ لبنيه: تعلمون أحدًا أعلم مني؟ قالوا: لا، قَالَ: فتَتَّهِموني؟ قالوا: لا، قَالَ: فإني أوصيكم، أفتقبلون؟ قالوا: نعم، قَالَ: عليكم بما عليه أصحاب الْحَدِيث، فإني رأيت الحقّ معهم. وَقَالَ أبو الوفاء ابن عَقِيل: لقد بالغت فِي الأصول طول عمري، ثم عُدتُ القهقرى إلى مذهب المكتب. وهذا الشهرستاني، صاحب "نهاية الإقدام فِي علم الكلام" وصف حاله فيما وصل إليه منْ علم الكلام، وما ناله، فتمثّل بما قاله: لَعَمْرِي لَقَدْ طُفْتُ الْمَعَاهِدَ كُلَّهَا … وَصَيَّرْتُ طَرْفِي بَيْنَ تِلْكَ الْمَعَالِمِ فَلَمْ أَرَ إِلَّا وَاضِعًا كَفَّ حَائِرِ … عَلَى ذَقَنٍ أَوْ قَارعٍ سِنَّ نَادِمِ ثم قَالَ: عليكم بدين العجائز، فإنه أسنى الجوائز. قَالَ القرطبيّ: ولو لم يكن فِي الكلام شيء يُذمُّ به إلا مسئلتان، هما منْ مبادئه، لكان حقيقا بالذمّ، وجديرًا بالذكر: [إحداهما]: قول طائفة منهم: إن أول الواجبات الشك فِي الله تعالى؛ إذ هو اللازم عن وجوب النظر، أو القصد إلى النظر، واليه أشار الإمام بقوله: ركبت البحر. [والثانية]: قول جماعة منهم إن منْ لم يعرف الله تعالى بالطرق التي طرّقوها، والأبحاث التي حرروها، فلا يصح إيمانه، وهو كافر، فيلزمهم عَلَى هَذَا تكفير أكثر المسلمين، منْ السلف الماضين، وأئمة المسلمين، وأن منْ يبدأ بتكفيره أباه، وأسلافه، حَتَّى لقد أورد عَلَى بعضهم أن هَذَا يلزم منه تكفير أبيك، وأسلافك، وجيرانك، فَقَالَ: لا تُشَنِّع علي بكثرة أهل النار. قَالَ: وَقَدْ رَدّ بعض منْ لم يقل بهاتين المسألتين منْ المتكلّين ما عَلَى منْ قَالَ بهما، بطريق منْ النظر والاستدلال؛ بناء منهم عَلَى أن هاتين المسألتين نظريّتان، وهذا خطأ فاحشٌ، فالكلّ يُخَطِّئون، الطائفة الأولى بأصل القول بالمسألتين، والثانية بتسليم أن فسادها ليس بضروريّ، ومن شكّ فِي تكفير منْ قَالَ: إن الشكّ فِي الله تعالى واجب، وأن معظم الصحابة، والمسلمين كفّار، فهو

стр. 17853

كافر شرعًا، أو مُختلّ العقل وضعًا، إذ كلّ واحدة منهما معلومة الفساد بالضرورة الشرعيّة الحاصلة بالأخبار المتواترة القطعيّة، وإن لم يكن كذلك، فلا ضروريّ يُصار إليه فِي الشرعيّات، ولا العقليّات، عصمنا الله تعالى منْ بِدع المبتدعين، وسلك بنا طرُق السلف الماضين، وإنما طوّلت فِي هذه المسألة الأنفاس منْ هذه البدع فِي النَّاس، ولأنه قد اغترّ كثير منْ الجهال بزخرف تلك الأقوال، وَقَدْ بذلت ما وجب عليّ منْ النصيحة، والله تعالى يتولّى إصلاح القلوب الجريحة. انتهى كلام القرطبيّ "المفهم" ٦/ ٦٩٠ - ٦٩٤. ببعض تغيير منْ "الفتح". وَقَالَ الآمدي فِي "أبكار الأفكار": ذهب أبو هاشم منْ المعتزلة، إلى أن منْ لا يعرف الله بالدليل، فهو كافر؛ لأن ضد المعرفة النكرة، والنكرة كفر، قَالَ: وأصحابنا مجمعون عَلَى خلافه، وإنما اختلفوا فيما إذا كَانَ الاعتقاد موافقا، لكن عن غير دليل، فمنهم منْ قَالَ: إن صاحبه مؤمن عاص بترك النظر الواجب، ومنهم منْ اكتفى بمجرد الاعتقاد الموافق، وإن لم يكن عن دليل، وسماه علمًا، وعلى هَذَا فلا يلزم منْ حصول المعرفة بهذا الطريق، وجوب النظر، وَقَالَ غيره: منْ منع التقليد، وأوجب الاستدلال، لم يرد التعمق فِي طرق المتكلمين، بل اكتفى بما لا يخلو عنه منْ نشأ بين المسلمين، منْ الاستدلال بالمصنوع عَلَى الصانع، وغايته أنه يحصل فِي الذهن، مقدمات ضرورية، تتألف تألفا صحيحا، وتنتج العلم، لكنه لو سُئل كيف حصل له ذلك؟ ما اهتدى للتعبير به، وقيل: الأصل فِي هَذَا كله المنع منْ التقليد، فِي أصول الدين، وَقَدْ انفصل بعض الأئمة عن ذلك، بأن المراد بالتقليد أخذ قول الغير بغير حجة، ومن قامت عليه حجة بثبوت النبوة، حَتَّى حصل له القطع بها، فمهما سمعه منْ النبيّ ﷺ ، كَانَ مقطوعا عنده بصدقه، فإذا اعتقده لم يكن مقلدا؛ لأنه لم يأخذ بقول غيره بغير حجة، وهذا مستند السلف قاطبة، فِي الأخذ بما ثبت عندهم منْ آيات القرآن، وأحاديث النبيّ ﷺ ، فيما يتعلق بهذا الباب، فآمنوا بالمحكم منْ ذلك، وفوضوا أمر المتشابه منه إلى ربهم، وإنما قَالَ منْ قَالَ: إن مذهب الخلف أحكم بالنسبة إلى الرد عَلَى منْ لم يثبت النبوة، فيحتاج منْ يريد رجوعه إلى الحق أن يقيم عليه الأدلة إلى أن يُذعن، فيسلم، أو يعاند فيهلك، بخلاف المؤمن، فإنه لا يحتاج فِي أصل إيمانه إلى ذلك، وليس سبب الأول إلا جعل الأصل عدم الإيمان، فلزم إيجاب النظر المؤدي إلى المعرفة، وإلا فطريق السلف أسهل منْ هَذَا، كما تقدم إيضاحه منْ الرجوع إلى ما دلت عليه النصوص، حَتَّى يحتاج إلى ما ذكر منْ إقامة الحجة عَلَى منْ ليس بمؤمن، فاختلط الأمر عَلَى منْ اشترط ذلك، والله المستعان.

стр. 17854

قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رَدّ منْ لم يُثبتِ النبوّة لا يكون بما سلكه المتكلّمون منْ النظر، وإنما يكون بما جاء عن رسول الله ﷺ ، واقتدى به فِي ذلك أصحابه ﵃, ومن تبعهم بإحسان، منْ إقامة الحجة عَلَى منْ لم يُثبت نبوته ﷺ ، فليس هَذَا النفي جديدا فِي الأمة، وإنما هبم منْ أول ما جاء الإسلام، فقد قَالَ الله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ الآية [الرعد: ٤٣]، وَقَالَ تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ الآية [الفرقان: ٤١]، إلى غير ذلك منْ الآيات، فالطريق الذي سلكه ﷺ فِي إقناع هؤلاء ونحوهم، وإلزامهم الحجج القاهرة لهم، هو الطريق الصحيح، وأما طريق المكتلمين، فضلال مبين، فتنبّه لهذا هداني الله وإياك إلى الصراط المستقيم. واحتج بعض منْ أوجب الاستدلال، باتفاقهم عَلَى ذم التقليد، وذكروا الآيات، والأحاديث الواردة فِي ذم التقليد، وبأن كل أحد قبل الاستدلال، لا يدري أيّ الأمرين هو الهدى؟، وبأن كل ما لا يصح إلا بالدليل، فهو دعوى لا يعمل بها، وبأن العلم اعتقاد الشيء عَلَى ما هو عليه، منْ ضرورة، أو استدلال، وكل ما لم يكن علما فهو جهل، ومن لم يكن عالما فهو ضال. والجواب عن الأول أن المذموم منْ التقليد أخذ قول الغير بغير حجة، وهذا ليس منه حكم رسول الله ﷺ ، فإن الله أوجب اتباعه فِي كل ما يقول، وليس العمل فيما أمر به، أو نهى عنه داخلا تحت التقليد المذموم اتفاقا، وأما منْ دونه، ممن اتبعه فِي قول قاله، واعتقد أنه لو لم يقله لم يقل هو به، فهو المقلد المذموم، بخلاف ما لو اعتقد ذلك فِي خبر الله ورسوله، فإنه يكون ممدوحا. وأما احتجاجهم بأن أحدا لا يدري قبل الاستدلال، أيّ الأمرين هو الهدى، فليس بمسلم، بل منْ النَّاس منْ تطمئن نفسه، وينشرح صدره للإسلام منْ أول وهلة، ومنهم منْ يتوقف عَلَى الاستدلال، فالذي ذكروه هم أهل الشق الثاني، فيجب عليه النظر ليقي نفسه النار؛ لقوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]، ويجب عَلَى كل منْ استرشده أن يرشده، ويبرهن له الحق، وعلى هَذَا مضى السلف الصالح، منْ عهد النبيّ ﷺ وبعده. وأما منْ استقرت نفسه إلى تصديق الرسول، ولم تنازعه نفسه إلى طلب دليل، توفيقا منْ الله وتيسيرا، فهم الذين قَالَ الله فِي حقهم: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ٧]، وَقَالَ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ الآية [الأنعام: ١٢٥]، وليس هؤلاء مقلدين لآبائهم، ولا لرؤسائهم؛ لأنهم لو كَفَر

стр. 17855

آباؤهم، أو رؤساؤهم لم يتابعوهم، بل يجدون النفرة عن كل منْ سمعوا عنه ما يخالف الشريعة، وأما الآيات والأحاديث، فإنما وردت فِي حق الكفار، الذين اتبعوا منْ نُهُوا عن اتباعه، وتركوا اتباع منْ أُمِروا باتباعه، وإنما كلفهم الله الإتيان ببرهان عَلَى دعواهم، بخلاف المؤمنين، فلم يَرِد قط أنه أسقط اتباعهم حَتَّى يأتوا بالبرهان، وكل منْ خالف الله ورسوله، فلا برهان له أصلا، وإنما كلف الإتيان بالبرهان، تبكيتا وتعجيزا، وأما منْ اتبع الرسول فيما جاء به، فقد اتبع الحق الذي أمر به، وقامت البراهين عَلَى صحته، سواء علم هو بتوجيه ذلك البرهان، أم لا. وقول منْ قَالَ منهم: إن الله ذكر الاستدلال، وأمر به مُسَلَّم، لكن هو فعل حسن مندوب، لكل منْ أطاقه، وواجب عَلَى كل منْ لم تسكن نفسه إلى التصديق، كما تقدم تقريره. وبالله التوفيق. وَقَالَ غيره: قول منْ قَالَ: طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أحكم، ليس بمستقيم؛ لأنه ظن أن طريقة السلف مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث، منْ غير فقه فِي ذلك، وأن طريقه الخلف، هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها، بأنواع المجازات، فجمع هَذَا القائل بين الجهل بطريقة السلف، والدعوى فِي طريقة الخلف، وليس الأمر كما ظن، بل السلف فِي غاية المعرفة بما يليق بالله تعالى، وفي غاية التعظيم له، والخضوع لأمره، والتسليم لمراده، وليس منْ سلك طريق الخلف واثقا بأن الذي يتأوله هو المراد، ولا يمكنه القطع بصحة تأويله، وأما قولهم فِي العلم، فزادوا فِي التعريف: عن ضرورة، أو استدلال، وتعريف العلم انتهى عند قوله: "عليه"، فإن أبوا إلا الزيادة، فليزدادوا: "عن تيسير الله له ذلك، وخلقه ذلك المعتقد فِي قلبه"، وإلا فالذي زادوه هو محل النزاع، فلا دلالة فيه، وبالله التوفيق. وَقَالَ أبو المظفر ابن السمعاني: تعقب بعض أهل الكلام قول منْ قَالَ: إن السلف منْ الصحابة والتابعين، لم يعتنوا بإيراد دلائل العقل فِي التوحيد، بأنهم لم يشتغلوا بالتعريفات فِي أحكام الحوادث، وَقَدْ قبل الفقهاء ذلك، واستحسنوه، فَدَوَّنوه فِي كتبهم، فكذلك علم الكلام، ويمتاز علم الكلام، بأنه يتضمن الرد عَلَى الملحدين، وأهل الأهواء، وبه تزول الشبهة عن أهل الزيغ، ويثبت اليقين لأهل الحق، وَقَدْ علم الكل أن الكتاب، لم تعلم حقيته، والنبي لم يثبت صدقه إلا بأدلة العقل. وأجاب أما أولا، فإن الشارع، والسلف الصالح نهوا عن الابتداع، وأمروا بالاتباع، وصح عن السلف أنهم نهوا عن علم الكلام، وعدوه ذريعة للشك والارتياب. وأما الفروع فلم يثبت عن أحد منهم النهي عنها، إلا منْ ترك النص الصحيح، وقدم عليه

стр. 17856

القياس. وأما منْ اتبع النص، وقاس عليه، فلا يحفظ عن أحد منْ أئمة السلف إنكار ذلك؛ لأن الحوادث فِي المعاملات لا تنقضي، وبالناس حاجة إلى معرفة الحكم، فمن ثَمَّ تواردوا عَلَى استحباب الاشتغال بذلك، بخلاف علم الكلام. وأما ثانيا: فإن الدين كمل؛ لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فإذا كَانَ أكمله وأتمه، وتلقاه الصحابة عن النبيّ ﷺ ، واعتقده منْ تلقى عنهم، واطمأنت به نفوسهم، فأي حاجة بهم إلى تحكيم العقول، والرجوع إلى قضاياها، وجعلها أصلا، والنصوص الصحيحة الصريحة تُعرَض عليها، فتارة يُعمل بمضمونها، وتارة تحرف عن مواضعها؛ لتوافق العقول، وإذا كَانَ الدين قد كَمُل فلا تكون الزيادة فيه إلا نقصانا فِي المعنى، مثل زيادة أصبع فِي اليد، فإنها تنقص قيمة العبد الذي يقع به ذلك. وَقَدْ توسط بعض المتكلمين، فَقَالَ: لا يكفي التقليد، بل لابد منْ دليل ينشرح به الصدر، وتحصل به الطمأنينة العلمية، ولا يشترط أن يكون بطريق الصناعة الكلامية، بل يكفي فِي حق كل أحد بحسب ما يقتضيه فهمه. انتهى. والذي تقدم ذكره منْ تقليد النصوص، كاف فِي هَذَا القدر. وَقَالَ بعضهم: المطلوب منْ كل أحد التصديق الجزميّ، الذي لا ريب معه بوجود الله تعالى، والإيمان برسله، وبما جاءوا به، كيفما حصل، وبأي طريق إليه يوصل، ولو كَانَ عن تقليد محض، إذا سلم منْ التزلزل. وَقَالَ القرطبيّ: هَذَا الذي عليه أئمة الفتوى، ومن قبلهم منْ أئمة السلف، واحتج بعضهم بما تقدم منْ القول فِي أصل الفطرة، وبما تواتر عن النبيّ ﷺ ، ثم الصحابة أنهم حكموا بإسلام منْ أسلم منْ جفاة العرب، ممن كَانَ يعبد الأوثان، فقبلوا منهم الإقرار بالشهادتين، والتزام أحكام الإسلام، منْ غير إلزام بتعلم الأدلة، وإن كَانَ كثير منهم إنما أسلم لوجود دليلٍ ما، فأسلم بسبب وضوحه له، فالكثير منهم قد أسلموا طوعا منْ غير تقدم استدلال، بل بمجرد ما كَانَ عندهم منْ أخبار أهل الكتاب، بأن نبيا سيبعث، وينتصر عَلَى منْ خالفه، فلما ظهرت لهم العلامات فِي محمد ﷺ ، بادروا إلى الإسلام، وصدّقوه فِي كل شيء قاله، ودعاهم إليه، منْ الصلاة، والزكاة، وغيرهما، وكثير منهم كَانَ يؤذن له فِي الرجوع إلى معاشه، منْ رعاية الغنم وغيرها، وكانت أنوار النبوة وبركاتها تشملهم، فلا يزالون يزدادون إيمانا ويقينا. وَقَالَ أبو المظفر ابن السمعاني أيضًا: ما مُلَخَّصه: إن العقل لا يوجب شيئا، ولا يحرم شيئا، ولا حظ له فِي شيء منْ ذلك، ولو لم يرد الشرع بحكم، ما وجب عَلَى

стр. 17857

أحد شيء؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النِّساء: ١٦٥]، وغير ذلك منْ الآيات، فمن زعم أن دعوة رسل الله عليهم الصلاة والسلام، إنما كانت لبيان الفروع، لزمه أن يجعل العقل هو الداعي إلى الله، دون الرسول، ويلزمه أن وجود الرسول وعدمه بالنسبة إلى الدعاء إلى الله سواء، وكفى بهذا ضلالا، ونحن لا ننكر أن العقل يرشد إلى التوحيد، وإنما ننكر أنه يستقل بإيجاب ذلك، حَتَّى لا يصح إسلام إلا بطريقه، مع قطع النظر عن السمعيات؛ لكون ذلك خلاف ما دلت عليه آيات الكتاب، والأحاديث الصحيحة، التي تواترت، ولو بالطريق المعنويّ، ولو كَانَ كما يقول أولئك، لبطلت السمعيات، التي لا مجال للعقل فيها، أو أكثرها، بل يجب الإيمان بما ثبت منْ السمعيات، فإن عقلناه فبتوفيق الله، وإلا اكتفينا باعتقاد حقيته، عَلَى وفق مراد الله . انتهى. ويؤيد كلامه ما أخرجه أبو داود، عن ابن عباس، أن رجلا قَالَ لرسول الله ﷺ : أَنْشُدُك الله، آلله أرسلك أن نشهد أن لا إله إلا الله، وأن ندع اللات والعزى، قَالَ: نعم، فأسلم، وأصله فِي "الصحيحين" فِي قصة ضمام بن ثعلبة، وفي حديث عمرو بن عَبَسَةَ عند مسلم أنه أتى النبيّ ﷺ ، فَقَالَ: ما أنت؟ قَالَ: "نبي الله"، قلت: آلله أرسلك؟ قَالَ: "نعم"، قلت: بأي شيء؟ قَالَ: "أوحد الله لا أشرك به شيئا … " الْحَدِيث، وفي حديث أسامة بن زيد، فِي قصة قتله الذي قَالَ: لا إله إلا الله، فأنكر عليه النبيّ ﷺ ، وحديث المقداد فِي معناه، وَقَدْ تقدما فِي "كتاب الديات"، وفي كتب النبيّ ﷺ إلى هرقل، وكسرى، وغيرهما منْ الملوك، يدعوهم إلى التوحيد، إلى غير ذلك منْ الأخبار المتواترة التواتر المعنوي، الدال عَلَى أنه ﷺ لم يزد فِي دعائه المشركين، عَلَى أن يؤمنوا بالله وحده، ويصدقوه فيما جاء به عنه، فمن فعل ذلك قبِلَ منه، سواء كَانَ إذعانه عن تقدم نظر، أم لا، ومن توقف منهم، نَبَّهَه حينئذ عَلَى النظر، أو أقام عليه الحجة إلى أن يُذعِن أو يستمرّ عَلَى عناده. وَقَالَ البيهقي فِي "كتاب الاعتقاد": سلك بعض أئمتنا فِي إثبات الصانع، وحدوث العالم طريق الاستدلال، يمعجزات الرسالة، فإنها أصل فِي وجوب قبول ما دعا إليه النبيّ ﷺ ، وعلى هَذَا الوَجه وقع إيمان الذين استجابوا للرسل، ثم ذكر قصة النجاشي، وقول جعفر بن أبي طالب له: بعث الله إلينا رسولا، نعرف صدقه، فدعانا إلى الله، وتلا علينا تنزيلا منْ الله، لا لِشبهه شيء، فصدقناه، وعرفنا أن الذي جاء به الحق … الْحَدِيث بطوله، وَقَدْ أخرجه ابن خزيمة فِي "كتاب الزكاة" منْ "صحيحه" منْ رواية ابن

стр. 17858

إسحاق، وحاله معروفة، وحديثه فِي درجة الحسن. قَالَ البيهقي: فاستدلوا بإعجاز القرآن عَلَى صدق النبيّ، فآمنوا بما جاء به، منْ إثبات الصانع، ووحدانيته، وحدوث العالم، وغير ذلك، مما جاء به الرسول ﷺ ، فِي القرآن وغيره، واكتفاء غالب منْ أسلم بمثل ذلك مشهور فِي الأخبار، فوجب تصديقه فِي كل شيء ثبت عنه بطريق السمع، ولا يكون ذلك تقليدا، بل هو اتباع. والله أعلم. وَقَدْ استدل منْ اشترط النظر بالآيات، والأحاديث الواردة فِي ذلك، ولا حجة فيها؛ لأن منْ لم يشترط النظر لم ينكر أصل النظر، وإنما أنكر توقف الإيمان عَلَى وجود النظر، بالطرق الكلامية، إذ لا يلزم منْ الترغيب فِي النظر، جعله شرطا. واستدل بعضهم بأن التقليد لا يفيد العلم، إذ لو أفاده لكان العلم حاصلا، لمن قلد فِي قدم العالم، ولمن قلد فِي حدوثه، وهو محال لإفضائه إلى الجمع بين النقيضين، وهذا إنما يتأتى فِي تقليد غير النبيّ ﷺ ، وأما تقليده ﷺ ، فيما أخبر به عن ربه، فلا يتناقض أصلا. واعتذر بعضهم عن اكتفاء النبيّ ﷺ ، والصحابة بإسلام منْ أسلم منْ الأعراب، منْ غير نظر، بأن ذلك كَانَ لضرورة المبادىء، وأما بعد تقرر الإسلام، وشهرته، فيجب العمل بالأدلة، ولا يخفى ضعف هَذَا الاعتذار. والعجب أن منْ اشترط ذلك منْ أهل الكلام، ينكرون التقليد، وهم أول داع إليه، حَتَّى استقر فِي الأذهان، أن منْ أنكر قاعدة منْ القواعد التي أصلوها، فهو مبتدع، ولو لم يفهمها، ولم يعرف مأخذها، وهذا هو محض التقليد، فآل أمرهم إلى تكفير منْ قلد الرسول ﵊، فِي معرفة الله تعالى، والقولِ بإيمان منْ قلدهم، وكفى بهذا ضلالا، وما مَثَلهم إلا كما قَالَ بعض السلف: إنهم كمثل قوم كانوا سَفْرًا، فوقعوا فِي فلاة، ليس فيها ما يقوم به البدن، منْ المأكول والمشروب، ورأوا فيها طرقا شتى، فانقسموا قسمين. فقسم وجدوا منْ قَالَ لهم: أنا عارف بهذه الطرق، وطريق النجاة منها واحدة، فاتبعونى فيها، تنجوا، فتبعوه فنجوا، وتخلفت عنه طائفة، فأقاموا، إلى ان وقفوا عَلَى أمارة ظهر لهم أن فِي العمل بها النجاة، فعملوا بها فنجوا، وقسم هجموا بغير مرشد، ولا أمارة فهلكوا، فليس نجاة منْ اتبع المرشد بدون نجاة منْ أخذ بالإمارة، إن لم تكن أولى منها. قَالَ الحافظ: ونقلت منْ جزء الحافظ صلاح الدين العلائي: يمكن أن يُفَصَّل، فيقال: منْ لا له أهلية لفهم شيء منْ الأدلة أصلا، وحصل له اليقين التام بالمطلوب، إما بنشأته عَلَى ذلك، أو لنور يقذفه الله فِي قلبه، فإنه يكتفى منه بذلك، ومن فيه أهلية

стр. 17859

لفهم الأدلة، لم يكتف منه إلا بالإيمان عن دليل، ومع ذلك فدليل كل أحد بحسبه، وتكفي الأدلة المجملة، التي تحصل بأدنى نظر، ومن حصلت عنده شبهة وجب عليه التعلم إلى أن تزول عنه، قَالَ فبهذا يحصل الجمع بين كلام الطائفة المتوسطة. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الجمع لا حاجة لنا إليه أصلاً؛ لأن إيجاب النظر عَلَى أيّ أحد قول بلا دليلٌ، فتنبّه. قال: وأما منْ غلا، فقالى: لا يكفي إيمان المقلد، فلا يلتفت إليه، لما يلزم منه منْ القول بعدم إيمان أكثر المسلمين، وكذا منْ غلا أيضًا، فقال: لا يجوز النظر فِي الأدلة؛ لما يلزم منه منْ أن أكابر السلف لم يكونوا منْ أهل النظر. انتهى ملخصا. انتهى "فتح" ١٤/ ٢٩٦ - ٣٠٣. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "لما يلزم منه منْ أن أكابر السلف الخ": هَذَا هو الواقع، فلم يُنقل منْ الصحابة، فمن بعدهم أنهم استعملو شيئا منْ أدلة المتكلّمين، فمن ادّعى ذلك فقد افترى عليهم، بل السلف الذين حدث فِي عصرهم علم الكلام، كالشافعيّ، وأحمد، وغيرهما قد أنكروه، وحرّموه، ونفّروا النَّاس عنه، فأين السلف الذين تعلّموا علم الكلام، فكانوا منْ أهل النظر، حاشا وكلّا، ثم حاشا وكلّا. والحاصل أن الحقّ الذي لا محيد عنه، ولا يجوز لأحد أن يخالفه أن الإيمان هو معرفة الله تعالى، ومعرفة رسوله ﷺ عن طريق النقل، لا عن طريق علم الكلام، فمن أبى هَذَا فهو ضالٌ مضلّ، اللَّهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]. هَذَا ما أردت نقله منْ كلام المحققين، وإنما أطلت فِي النقول؛ لما رأيت منْ انهماك كثير ممن ينتسب إلى العلم بتصويب آراء الخلف المخالفة لهدي رسولى الله ﷺ الذي أتى ليهدي النَّاس إلى ربهم بأقوم طريق، وأحسنه، وأبينه، وأسهله، وأيسره، وما ذاك إلا لبعدهم عما كَانَ عليه السلف منْ التحذير عن بدع المتكلمين، وحثّهم النَّاس بالتمسّك بهدي الكتاب والسنة الذين بهما الكفاية فِي هداية الخلق أجمعين، رزقنا الله تعالى التمسّك بهما، والاكتفاء بهديهما، إنه سميع قريب مجيب الدعوات، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". ***

стр. 17860

٦ - (صِفَةِ الإِيمَانِ وَالإِسْلَامِ) ٤٩٩٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي ذَرٍّ، قَالَا: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَجْلِسُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِهِ، فَيَجِيءُ الْغَرِيبُ، فَلَا يَدْرِي أَيُّهُمْ هُوَ، حَتَّى يَسْأَلَ، فَطَلَبْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنْ نَجْعَلَ لَهُ مَجْلِسًا، يَعْرِفُهُ الْغَرِيبُ إِذَا أَتَاهُ، فَبَنَيْنَا لَهُ دُكَّانًا مِنْ طِينٍ، كَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهِ، وَإِنَّا لَجُلُوسٌ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَجْلِسِهِ، إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ، أَحْسَنُ النَّاسِ وَجْهًا، وَأَطْيَبُ النَّاسِ رِيحًا، كَأَنَّ ثِيَابَهُ لَمْ يَمَسَّهَا دَنَسٌ، حَتَّى سَلَّمَ فِي طَرَفِ الْبِسَاطِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، فَرَدَّ ﵇، قَالَ: أَدْنُو يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: "ادْنُهْ" فَمَا زَالَ يَقُولُ: أَدْنُو مِرَارًا، وَيَقُولُ لَهُ: "ادْنُ"، حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رُكْبَتَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ: "الإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ، وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ"، قَالَ: إِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ، فَقَدْ أَسْلَمْتُ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: صَدَقْتَ، فَلَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَ الرَّجُلِ صَدَقْتَ، أَنْكَرْنَاهُ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: "الإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَالْكِتَابِ، وَالنَّبِيِّينَ، وَتُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ"، قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ، فَقَدْ آمَنْتُ؟، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ"، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي مَا الإِحْسَانُ؟، قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: فَنَكَسَ، فَلَمْ يُجِبْهُ شَيْئًا، ثُمَّ أَعَادَ، فَلَمْ يُجِبْهُ شَيْئًا، ثُمَّ أَعَادَ، فَلَمْ يُجِبْهُ شَيْئًا، وَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: "مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَلَكِنْ لَهَا عَلَامَاتٌ تُعْرَفُ بِهَا، إِذَا رَأَيْتَ الرِّعَاءَ الْبُهُمَ، يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ، وَرَأَيْتَ الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ، مُلُوكَ الأَرْضِ، وَرَأَيْتَ الْمَرْأَةَ تَلِدُ رَبَّهَا، خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلاَّ اللَّهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]، ثُمَّ قَالَ: "لَا وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ، هُدًى وَبَشِيرًا، مَا كُنْتُ بِأَعْلَمَ بِهِ مِنْ رَجُلٍ مِنْكُمْ، وَإِنَّهُ لَجِبْرِيلُ ﵇، نَزَلَ فِي صُورَةِ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ"). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن قُدَامة) الهاشميّ مولاهم، المِصِّيصيّ، ثقة [١٠] ١٩/ ٥٢٨. ٢ - (و"جرير) بن عبد الحميد المذكور قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (أبو فروة (١)) عروة بن الحارث الْهَمدانيّ الكوفيّ، ثقة [٥] ١٠٠/ ٢٠٣٣.

стр. 17861

٤ - (أبو زرعة) بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجليّ الكوفيّ، قيل: اسمه هَرِم، وقيل: عمرو، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: جرير، ثقة [٣] ٤٣/ ٥٠. ٥ - (أبو هريرة) الصحابيّ الشهير، نقيب أهل الصُّفَّة رضي الله تعالى عنه ١/ ١. ٦ - (أبو ذرّ) الغفاريّ الصحابيّ المشهور، اسمه جندب بن جُنادة عَلَى الأصحّ، وقيل: غيره، تقدّم إسلامه، وتأخّرت هجرته، فلم يشهد بدرًا، مات ﵁ سنة (٣٢) فِي خلافة عثمان ﵁. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين، غير شيخه، فمصيصي. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، عن صحابيين. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، وَأَبِي ذَرٍّ) رضي الله تعالى عنهما، أنهما (قَالَا: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ ، يَجْلِسُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِهِ) أي بينهم، قَالَ الفيّوميّ: هو نازل بين ظهرانيهم -بفتح النون- قَالَ ابن فارس: ولا تُكسر. وَقَالَ جماعة: الألف، والنون زائدتان؛ للتأكيد، وبين ظَهْريهم، وبين أَظْهُرهم، كلُّها بمعنى: بينهم، وفائدة إدخاله فِي الكلام أن إقامته بينهم عَلَى سبيل الاستظهار بهم، والاستناد إليهم، وكأن المعنى: أن ظهرًا منهم قُدّامه، وظهرًا منهم وراءه، فكأنه مكنوف منْ جانبيه، هَذَا أصله، ثم كثُر، حَتَّى استُعمل فِي الإقامة بين القوم، وإن كَانَ غير مكنوف بينهم. انتهى. (فَيَجِيءُ الْغَرِيبُ) أي الشخص الذي ليس مقيمًا بالمدينة (فَلَا يَدْرِي أَيُّهمْ هُوَ، حَتَّى يَسْأَلَ، فَطَلَبْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَنْ نَجْعَلَ لَهُ مَجْلِسًا) بفتح الميم، وكسر اللام-: أي موضعًا يجلس فيه (يَعْرِفُهُ الْغَرِيبُ إِذَا أَتَاهُ) الجملة فِي محلّ نصب صفة لـ"مجلسًا" بتقدير رابط: أي به، و"إذا" ظرت متعلّق بـ"يعرفه": أي وقت إتيانه إياه (فَبَنَيْنَا لَهُ دُكَّانًا مِنْ طِينٍ) بضمّ الدال، وتشديد الكاف-: قيل: معرّبٌ، وُيطلق عَلَى الحانوت، وعلى الدَّكّة التي يُقعَدُ عليها، وهذا المعنى هو المراد هنا. والدَّكّة بفتح الدال، وتشديد الكاف: هي

стр. 17862

المكان المرتفع، يُجلس عليه، وهو المِسْطَبّة، معرّبٌ، والجمع دِكَكٌ، مثل قصْعة وقِصَعٌ. أفاده فِي "المصباح". وفيه جواز اختصاص العالم بموضع مرتفع منْ المسجد، إذا دعت الحاجة إليه، كما تقدّم إيضاحه فِي المسألة الثالثة منْ مسائل حديث الباب الماضي (كَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهِ، وَإِنَّا لَجُلُوسٌ) جمع جالس، كالقُعُود، أو هو منْ إطلاق المصدر موضع الجمع (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَجْلِسِهِ، إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ) "إذ" هي الفجائيّة، وفي بعض النسخ "إذا" بدل "إذ"، وهي أيضًا تأتي للمفاجأة (أَحْسَنُ النَّاسِ وَجْهًا، وَأَطْيَبُ النَّاسِ رِيحًا، كَأَنَّ ثِيَابَهُ لَمْ يَمَسَّهَا) بفتح الميم، وضمها، منْ باب تَعِبَ، ونصر (دَنَسٌ) بفتحتين: أي وسخٌ (حَتَّى سَلَّمَ فِي طَرَفِ الْبِسَاطِ) بالكسر، كالفراش وزنًا ومعنى، جمع بُسُطٌ، وهو فعالٌ بمعنى مفعولٌ، ككتاب بمعنى مكتوب، وهذا يدلّ عَلَى أنهم فرشوا له ﷺ بساطًا يجلس عليه. وفي شرح السنديّ: "منْ طرف السماط" بالميم بدل الموحّدة، وَقَالَ: السماط بكسر السين: الصفّ منْ النَّاس. انتهى. ولم أر هذه النسخة فيما عندي منْ النسخ، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ) إنما ناداه باسمه زيادة فِي التعمية، كما تقدّم (فَرَدَّ) النبيّ ﷺ (عَلَيْهِ) أي عَلَى الرجل السَّلَامُ، (قَالَ) الرجل (أَدْنُو يَا مُحَمَّدُ؟) بفتح الهمزة، وهي همزة المتكلّم، أي أأدنو "ففيه حذف همزة الاستفهام، وهو مضارع دنا، منْ الدنوّ، وهو القرب (قَالَ) ﷺ (ادْنُهْ) فعل أمر منْ الدنّوّ، والهاء للسكت. (فَمَا زَالَ يَقُولُ) الرجل (أَدْنُو مِرَارًا، وَيَقُولُ) ﷺ (لَهُ: "ادْنُ"، حَتى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رُكْبَتَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: وإنما فعل جبريل ﵇ ذلك -والله أعلم- تنبيهًا عَلَى ما ينبغي للسائل، منْ قوّة النفس عند السؤال، وعدم المبالاة بما يقطع عليه خاطره، وإن كَانَ المسؤول ممن يُحترم، ويُهاب، وعلى ما ينبغي للمسؤول منْ التواضع، والصفح عن السائل، وإن تعدّى عَلَى ما ينبغي منْ الاحترام والأدب انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الأقرب عندي فِي الوجه الأول، وهو قوله: "تنبيها عَلَى ما ينبغي للسائل الخ" أنه إنما فعل ذلك تعميةً لحاله عَلَى الحاضرين. والله تعالى أعلم. (قَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي مَا الإِسْلَامُ؟) قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: ما معناه: إن سؤال جبريل ﵇ عن الإسلام والإيمان بلفظ "ما" يدلّ عَلَى أنه إنما سأل عن حقيقتهما عنده، لا عن شرح لفظهما فِي اللغة، ولا عن حكمهما؛ لأن "ما" فِي أصلها إنما يُسأل بها عن الحقائق، والماهيّات، ولذلك أجابه النبيّ ﷺ بقوله: "أن تؤمن بالله، وبكذا، وكذا، فلو كَانَ سائلا عن شرح لفظهما فِي اللغة لما كَانَ هَذَا جوابًا له؛ لأنه

стр. 17863

المذكور فِي الجواب، هو المذكور فِي السؤال. انتهى "المفهم" ١/ ١٤٤. (قَالَ) ﷺ (الْإسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ) أي توحده بلسانك عَلَى وجه يُعتدّ به، فشمل الشهادتين، فيوافق هَذَا الْحَدِيث حديث عمر ﵁ المذكور فِي الباب الماضي وكذا حديث بُني الإسلام عَلَى خمس الآتي، وجملة قول: (وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا) للتأكيد (وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ) زاد فِي رواية مسلم: "المكتوبة" (وَتُؤْتيَ الزَّكَاةَ) زاد فِي رواية البخاريّ: "المفروضة" (وَتَحُجَّ الْبَيْتَ) ولم يذكر فِي رواية البخاريّ الحجّ (وَتَصُومَ رَمَضَانَ"، قَالَ) الرجل (إِذَا فَعَلتُ) بضم التاء (ذَلِكَ) أي ما ذكر منْ الأركان الخمسة (فَقَدْ أَسْلَمْتُ؟) بتقدير همزة الاستفهام (قَالَ) ﷺ (نَعَمْ"، قَالَ) الرجل (صَدَقْتَ، فَلَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَ الرَّجُلِ صَدَقْتَ، أَنْكَرْنَاهُ) أي استنكرنا، واستبعدنا كلامه، وقلنا: إنه سائل، ومُصدّقٌ، وبين الوصفين تناف (قَالَ) الرجل (يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْني مَا الْإيمَانُ؟ قَالَ) ﷺ (الإِيمَانُ باللهِ) خبر لمحذوف: أي هو الإيمان بالله تعالى (وَمَلَائِكَتِهِ، وَالْكِتَابِ) "أل" فيه للجنس، أي جنس الكتاب الذي أنزله الله تعالى عَلَى رسله (وَالنَّبِيِّينَ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ) بنصب "تؤمن" عطفًا عَلَى "الإيمان بالله"، فهو منْ عطف الفعل علَى الاسم الصرَيح، فيُنصب بـ"ن" مقدّرة،، كما فِي قول الشاعر: وَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي … أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ وإلى هَذَا فِي "الخلاصة"، حيث قَالَ: وَإنْ عَلَى اسْم خَالِصٍ فِعْلٌ عُطِفْ … تَنْصِبُهُ "أَنْ" ثَابِتًا أَوْ مُنْحَذِف (قَالَ) الرجل (فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ، فَقَدْ آمَنْتُ؟، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "نَعَمْ"، قَالَ) الرجل (صَدَقْتَ، قَالَ) الرجل (يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي مَا الإِحْسَانُ؟، قَالَ) ﷺ (أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، قَالَ) الرجل (صَدَقْتَ، قَالَ) الرجل (يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي مَتَى السَّاعَةُ؟) أي متى يقوم يوم القيامة (قَالَ) الراوي فَنَكَس) منْ باب نصر: أي طأطا رَأسه (فَلَم يُجِبْهُ) ﷺ (شَيْئًا، ثُمَّ أَعَادَ) أي الرجل السؤال عن الساعة (فَلَمْ يُجِبْهُ) ﷺ (شَيْئًا، ثُمَّ أَعَادَ) الرجل السؤال مرّة ثالثة (فَلَمْ يُجِبْهُ) ﷺ (شَيْئًا، وَرَفَعَ) ﷺ (رَأْسَهُ، فَقَالَ: "مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ) الباء زائدة لتأكيد النفي (مِنَ السَّائِلِ) يعني أن النَّاس كلهم فِي وقت الساعة سواء، فكلهم غير عالمين به عَلَى الحقيقة، ولهذا قَالَ: "فِي خمس لا يعلمهنّ إلا الله". وَقَالَ فِي "الفتح": وهذا وإن كَانَ مُشعرًا بالتساوي فِي العلم، لكن المراد التساوي فِي العلم بأن الله تعالى استأثر بها؛ لقوله بعد: "خمس لا يعلهما إلا الله الخ"، وسيأتي نظير هَذَا التركيب فِي أواخر الكلام عَلَى هَذَا الْحَدِيث فِي قوله: "ما كنت بأعلم به منْ رجل منكم"، فإن المراد أيضًا التساوي فِي عدم العلم به. وفي حديث ابن عبّاس هنا، فَقَالَ: "سبحان الله، خمس منْ الغيب، لا يعلمهنّ إلا الله، ثم تلا الآية". انتهى.

стр. 17864

(وَلَكِنْ لَهَا عَلَامَاتٌ تُعْرَفُ بِهَا) ببناء الفعل للمفعول (إِذَا رَأَيْتَ) هذه الجملة تفسير للعلامات (الرِّعَاءَ الْبُهُمَ) بضمتين: نعت للرعاء: أي السود، وقيل: جمع بَهِيم، بمعنى المجهول: أي الذين لا يُعرفون، ومنه أُبهم الأمر: إذا لم تُعرف حقيقته. وقيل: الفقراء الذي لا شيء لهم، وعلى هَذَا فهم رعاء لإبل غيرهم، لا لإبلهم، إذ المفروض أنه لا شيء لهم، وَقَدْ يقال: منْ يملك قدر القوت عَلَى وجه الضيق لا يسمّى غنيًّا، ولا يوصف بأن عنده شيئًا، فلا إشكال. أفاده السنديّ. وفي رواية لمسلم: "رعاء الْبَهْمِ" بالإضافة: قَالَ النوويّ: هو بفتح الباء، وإسكان الهاء، وهي الصغار منْ ألاد الغنم: الضأن، والمعز جميعًا، وقيل: أولاد الضأن خاصّةً، واقتصر عليه الجوهريّ فِي "صحاحه"، والواحدة بَهْمَة، قَالَ الجوهريّ: وهي تقع عَلَى المذكّر والمؤنّث، والسِّخال أولاد المعزى، قَالَ: فإذا جمعت بينهما قلت: بهام، وبهَم أيضًا. وقيل: إن البهم يختصّ بأولاد المعز، وإليه أشار القاضي عياض بقوله: وَقَدْ يختصّ بالمعز، وأصله كلّ ما استبهم عن الكلام، ومنه البهيمة. انتهى. "شرح مسلم" ١/ ١٦٣ - ١٦٤. وَقَالَ القرطبيّ: ورواية مسلم فِي رعاء البَهْم منْ غير ذكر الإبل أولى؛ لأنها الأنسب لمساق الْحَدِيث، ولمقصوده، فإن مقصوده أن أضعف أهل البادية، وهم رعاء الشاء سينقلب بهم الحال إلى أن يصيروا ملوكًا، مع ضعفهم، وبُعدهم عن أسباب ذلك، وأما أصحاب الإبل فهم أهل الفخر والخيلاء؛ فإن الإبل عزّ لأهلها، ولأن أهل الإبل ليسوا عالةً، ولا فقراء غالبًا. انتهى "المفهم" ١/ ١٥٠ - ١٥١. وَقَدْ تقدّم البحث فِي هَذَا فِي الباب الماضي بأتمّ مما هنا، فراجعه تستفد. (يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ) أي يتفاخرون فِي تشييد البنيان (وَرَأَيْتَ الحُفَاةَ الْعُرَاةَ، مُلُوكَ الْأَرْضِ) أي رؤساء النَّاس (وَرَأَيتَ الْمَرأَةَ تَلِدُ رَبَّهَا) تقدّم الخلاف فِي المراد بالربّ هنا. قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: قد اقتصر فِي هَذَا الْحَدِيث عَلَى ذكر بعض الأشراط التي يكون وقوعها قريبًا منْ زمانه، وإلا فالشروط كثيرة، وهي أكثر مما ذُكر هنا، كما دلّ عليه الكتاب، والسنّة، ثم إنها منقسمة إلى ما يكون منْ نوع المعتاد، كهذه الأشراط المذكورة فِي هَذَا الْحَدِيث، وكرفع العلم، وظهور الجهل، وكثرة الزنا، وشرب الخمر، إلى غير ذلك، وأما التي ليست منْ النوع المعتاد، فكخروج الدجّال، ونزول عيسى ابن مريم ﵉، وخروج يأجوج ومأجوج، ودابة الأرض، وطلوع الشمس منْ مغربها، والدخان، والنار التي تسوق النَّاس، وتحشرهم. انتهى "المفهم" ١/ ١٥٥.

стр. 17865

(خَمْسٌ) هكذا رواية المصنّف، وعلى هَذَا فهو مبتدأ خبره جملة "لا يعلمها": أي خمس منْ الخصال لا يعلمها إلا الله، ولفظ "الصحيحين": "فِي خمس" بزيادة "فِي"، قَالَ فِي "الفتح": قوله: "فِي خمس": أي علم وقت الساعة داخل فِي جملة خمس، وحَذْفُ متعلق الجار سائغ، كما فِي قوله تعالى: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ [النمل: ١٢]: أي اذهب إلى فرعون بهذه الآية، فِي جملة تسع آيات. وفي رواية عطاء الخراساني: "قَالَ: فمتى الساعة؟ قَالَ: هي فِي خمس منْ الغيب، لا يعلمها إلا الله". انتهى. وَقَالَ القرطبيّ: قوله: "فِي خمس الخ": فيه حذف، وتوسّعٌ: أي هي منْ الخمس التي قد انفرد الله بعلمها، أو فِي عددهنّ، فلا مطمع لأحد فِي علم شيء منْ هذه الأمور الخمس، ولقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] فلا طريق لعلم شيء منْ ذلك، إلا أن يُعْلِم الله تعالى بذلك، أو بشيء منه أحدًا ممن شاءه، كما قَالَ تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]، فمن ادّعى علم شيء منْ هذه الأمور كَانَ فِي دعواه كاذبًا، إلا أن يُسند ذلك إلى رسول بطريق تفيد العلم القطعيّ، ووجود ذلك متعذّر، بل ممتنعٌ، وأما ظنّ الغيب، فلم يتعرّض شيء منْ الشرع لنفيه، ولا لإثباته، فقد يجوز أن يظنّ المنجّم، أو صاحب خطّ الرمل، أو نحو هَذَا شيئًا مما يقع فِي المستقبل، فيقع عَلَى ما ظنّه، فيكون ذلك ظنًا صادقًا، إذا كَانَ عن موجب عاديّ، يقتضي ذلك الظنّ، وليس بعلم، فيُفهم هَذَا منه، فإنه موضع غَلِطَ بسببه رجالٌ، وأُكلت به أموالٌ. [ثم اعلم]: أن أخذ الأجرة، والْجُعْل، وإعطائها عَلَى ادّعاء علم الغيب، أو ظنّه لا يجوز بالإجماع، عَلَى ما حكاه أبو عمر ابن عبد البرّ. انتهى "المفهم" ١/ ١٥٥ - ١٥٦. وَقَالَ فِي "الفتح": وجاء عن ابن مسعود ﵁ قَالَ: أُوتي نبيكم ﷺ علم كل شيء، سوى هذه الخمس. وعن ابن عمر مرفوعًا نحوه، أخرجهما أحمد. وأخرج حميد بن زنجويه، عن بعض الصحابة، أنه ذُكر العلم بوقت الكسوف قبل ظهوره، فأنكر عليه، فَقَالَ: إنما الغيب خمس، وتلا هذه الآية، وما عدا ذلك غيب، يعلمه قوم, ويجهله قوم. [تنبيه]: تضمن الجواب زيادة عَلَى السؤال؛ للاهتمام بذلك، إرشادًا للأمة؛ لما يترتب عَلَى معرفة ذلك منْ المصلحة. [فإن قيل]: ليس فِي الآية أداة حصر، كما فِي الْحَدِيث؟. أجاب الطيبي بأن الفعل، إذا كَانَ عظيم الخطر، وما ينبنى عليه الفعل رفيع الشأن، فُهم منه الحصر، عَلَى سبيل الكناية، ولاسيما إذا لُوحظ ما ذُكر فِي أسباب النزول، منْ أن العرب كانوا يَدَّعُون علم

стр. 17866

نزول الغيث، فيُشعر بأن المراد منْ الآية نفى علمهم بذلك، واختصاصه بالله . [فائدة]: النكتة فِي العدول عن الإثبات إلى النفي فِي قوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]، وكذا التعبير بالدراية، دون العلم؛ للمبالغة والتعميم، إذ الدراية اكتساب علم الشيء بحيلة، فإذا انتفى ذلك عن كل نفس، مع كونه منْ مختصاتها، ولم تقع منه عَلَى علم، كَانَ عدم اطلاعها عَلَى علم غير ذلك منْ بابٍ أولى. انتهى ملخصا منْ كلام الطيبي. (لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللهُ) ، ثم تلا الآية، وهي قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ يعني أنه قرأ إلى آخر السور. وأما ما وقع عند البخاريّ فِي "التفسير" منْ قوله: ﴿إلي الأرحام﴾، فهو تقصير منْ بعض الرواة، والسياق يرشد إلى أنه تلا الآية كلها. قاله فِي "الفتح" ١/ ١٦٩. (ثُمَّ قالَ) ﷺ للناس الحاضرين عنده بعد أن خرج الرجل، وأمر بأن يردّوه عليه، فلم يجدوه (لَا) نافية، أُكد بـ"ما" النافية الآتية (وَالَّذِى بَعَثَ مُحَمَّدًا بالْحَقِّ) وهو الله (هُدًى) بضم، ففتح- أي هاديًا، ففيه وصفه بالمصدر؛ مبالغةً (وَبَشِيرًا) أي مبشّرًا منْ اتبعه بالجنّة (مَا) زائدة زيدت تأكيدا لـ"لا" السابقة (كُنْتُ بأَعْلَمَ بِهِ مِنْ رَجُلٍ مِنْكُمْ، وَإِنَّهُ لَجِبْرِيلُ ﵇ وأما قوله: (نَزَلَ فِي صُورَةِ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ) فقد تقدّم أنها زيادة شاذّة؛ مخالفة لسياق الْحَدِيث، فقد تقدّم فِي حديث عمر ﵁: "لا يعرفه منّا أحد"، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ رضي الله تعالى عنهما هَذَا متّفق عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٦/ ٤٩٩٣ - . وأخرجه (خ) فِي "الإيمان" ٥٠ و"التفسير" ٤٧٧٧ (م) فِي "الإيمان" ٩ و١٠ (د) فِي "السنّة" ٤٦٩٨ (ق) فِي "المقدّمة" ٦٤ و"الفتن" ٤٠٤٤ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ٩٢١٧. وأما فوائد الْحَدِيث، وسائر المسائل المتعلّقة به، فقد تقدّمت فِي الباب الماضي، فراجعها تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". ***

стр. 17867

٧ - (تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنّف رحمه الله تعالى بهذا الباب الإشارة إلى أن الإسلام يُطلق، ويراد به الأعمال الظاهرة، وهو معنى الإسلام فِي هذه الآية الكريمة، كما أنه يُطلق، ويراد ما يعمّ الاعتقاد الباطنيّ، وهو معنى الإسلام فِي آية: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ الآية [المائدة: ٣]، وآية: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ الآية [آل عمران: ١٩]. وهذا هو معنى ما ترجم له الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه" حيث قَالَ: "باب إذا لم يكن الإسلام عَلَى الحقيقة، وكان عَلَى الاستسلام، أو الخوف منْ القتل؛ لقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، فإذا كَانَ عَلَى الحقيقة، فهو عَلَى قوله جلّ ذكرُهُ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. قَالَ فِي "الفتح ": قوله: "باب إذا لم يكن الإسلام عَلَى الحقيقه"، حذف جواب قوله: "إذا"؛ للعلم به، كأنه يقول: إذا كَانَ الإسلام كذلك لم يُنتَفع به فِي الآخرة، ومُحَصَّل ما ذكره، واستدل به: أن الإسلام يُطلق ويراد به الحقيقة الشرعية، وهو الذي يرادف الإيمان، وينفع عند الله، وعليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ , وقوله تعالى: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦]، ويطلق ويراد به الحقيقة اللغوية، وهو مجرد الانقياد والاستسلام، فالحقيقه فِي كلام المصنّف هنا هي الشرعية، ومناسبة الْحَدِيث للترجمة ظاهرة، منْ حيث إن المسلم يُطلق عَلَى منْ أظهر الإسلام، وإن لم يُعلم باطنه، فلا يكون مؤمنا؛ لأنه ممن لم تصدق عليه الحقيقة الشرعية، وأما اللغويه فحاصلة. انتهى. وَقَالَ الحافظ ابن رَجَب رحمه الله تعالى فِي "شرح البخاريّ" بعد ذكر ترجمة البخاريّ المذكورة: ما حاصله: معنى هَذَا الكلام أن الإسلام يُطلق باعتبارين: [أحدهما]: باعتبار الإسلام الحقيقيّ، وهو دين الإسلام الذي قَالَ الله تعالى فيه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾. [والثاني]: باعتبار الاستسلام ظاهرًا، مع عدم إسلام الباطن، إذا وقع خوفًا كإسلام المنافقين، واستَدلّ

стр. 17868

بقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، وحمله عَلَى الاستسلام خوفًا، وتَقِيَّةً. وهذا مروي عن طائفة منْ السلف، منهم مجاهدٌ، وابن زيد، ومقاتل بن حيّان، وغيرهم. وكذلك رجحه محمد بن نصر المروزيّ، كما رجحه البخاريّ؛ لأنهما لا يفرّقان بين الإسلام والإيمان، فإذا انتفى أحدهما انتفى الآخر، وهو اختيار ابن عبد البرّ، وحكاه عن أكثر أهل السنة، منْ أصحاب مالك، والشافعيّ، وداود. وأما منْ يفرّق بين الإسلام والإيمان، فإنه يستدلّ بهذه الآية عَلَى الفرق بينهما، ويقول: نفي الإيمان عنهم، لا يلزم منه نفي الإسلام، كما نفَى الإيمان عن الزاني، والسارق، والشارب، وإن كَانَ الإسلام عنهم غير منفيّ. وَقَدْ ورد هَذَا فِي الآية عن ابن عباس، وقتادة، والنخعيّ، ورُوي عن ابن زيد معناه أيضًا، وهو قول الزهريّ، وحمّاد ابن زيد، وأحمد، ورجحه ابن جرير، وغيره. واستدلّوا به عَلَى التفريق بين الإسلام والإيمان، وكذا قَالَ قتادة فِي هذه الآية، قَالَ: ﴿قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾: شهادة أن لا إله إلا الله، وهو دين الله، والإسلام درجة، والإيمان تحقيقٌ فِي القلب، والهجرة فِي الإيمان درجة، والجهاد فِي الهجرة درجة، والقتل فِي سبيل الله درجة. خرجه ابن أبي حاتم. فجعل قتادة الإسلام الكلمة، وهي أصل الدين، والإيمان ما قام بالقلب منْ تحقيق التصديق بالغيب، فهؤلاء القوم لم يحقّقوا الإيمان فِي قلوبهم، وإنما دخل فِي قلوبهم تصديق ضعيفٌ بحيث صحّ به إسلامهم، ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات: ١٤]. واختَلف منْ فرق بين الإسلام والإيمان فِي حقيقة الفرق بينهما، فقالت طائفة: الإسلام كلمة الشهادتين، والإيمان العمل، وهذا مرويّ عن الزهريّ، وابن أبي ذئب، وهو رواية عن أحمد، وهي المذهب عند القاضي أبي يعلى، وغيره منْ أصحابه، ويشبه هَذَا قول ابن زيد فِي تفسيره هذه الآية، قَالَ: لم يصدّقوا إيمانهم بأعمالهم، فردّ الله تعالى عليهم، وَقَالَ: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ , فَقَالَ: الإسلام إقرارٌ، والإيمان تصديق، وهو قول أبي خيثمة وغيره منْ أهل الْحَدِيث، وَقَدْ ضعّف ابن حامد منْ الحنابلة هَذَا القول عن أحمد، وَقَالَ: الصحيح أن مذهبه أن الإسلام قولٌ، وعملٌ، روايةً واحدةً، ولكن لا يُدخل كلّ الأعمال فِي الإسلام، كما يُدخل فِي الإيمان، وذكر أن المنصوص عن أحمد أنه لا يكفر تارك الصلاة، فالصلاة منْ خصال الإيمان، دون الإسلام، وكذلك اجتناب الكبائر منْ شرائط الإيمان، دون الإسلام، كذا قَالَ، وأكثر أصحاب أحمد أن ظاهر مذهب أحمد تكفير تارك الصلاة، فلو لم تكن الصلاة منْ

стр. 17869

الإسلام لم يكن تاركها عنده كافرًا. والنصوص الدّالّة عَلَى أن الأعمال داخلة فِي الإسلام كثيرة. وَقَدْ ذهبت طائفة إلى أن الإسلام عامّ، والإيمان خاصّ، فمن ارتكب الكبائر، خرج منْ دائرة الإيمان الخاصّة إلى دائرة الإسلام العامّة، هَذَا مرويّ عن أبي جعفر محمد بن عليّ، وضعّفه ابن نصر المروزيّ، منْ جهة راويه عنه، وهو فُضيل بن يسار، وطعن فيه، وروي عن حماد بن زيد نحو هَذَا أيضًا. وحُكي رواية عن أحمد أيضًا، فإنه قَالَ فِي رواية الشالنجي فِي مرتكب الكبائر: يخرج منْ الإيمان، ويقع فِي الإسلام، ونَقَل حنبلٌ عن أحمد معناه. وَقَدْ تأوّل هذه الرواية القاضي أبو يعلى، وأقرّها غيره، وهي اختيار أبي عبد الله بن بَطّة، وابن حامد، وغيرهما منْ الأصحاب. وقالت طائفة: الفرق بين الإسلام والإيمان أن الإيمان هو التصديق، تصديق القلب، فهو علم القلب، وعمله، والإسلام الخضوع، والاستسلام، والانقياد، فهو عمل القلب والجوارح. وهذا قول كثير منْ العلماء، وَقَدْ حكاه أبو الفضل التميميّ عن أصحاب أحمد، وهو قول طائفة منْ المتكلّمين، لكن المتكلّمون عندهم أن الأعمال لا تدخل فِي الإيمان، وتدخل فِي الإسلام. وأما أصحاب أحمد، وغيرهم منْ أهل الْحَدِيث، فعندهم أن الأعمال تدخل فِي الإيمان، مع اختلافهم فِي دخولها فِي الإسلام، كما سبق، فلهذا قَالَ كثير منْ العلماء: إن الإسلام والإيمان تختلف دلالتهما بالإفراد والاقتران، فإن أُفرد أحدهما دخل فيه الآخر، وإن قرن بينهما كانا شيئين حينئذ، وبهذا يُجمع بين حديث سؤال جبريل ﵇ عن الإسلام والإيمان، ففرق النبيّ ﷺ بينهما، وبين حديث وفد عبد القيس، حيث فسّر النبيّ ﷺ الإيمان المنفرد بما فسّر به الإيمان (١) المقرون فِي حديث جبريل ﵇. وَقَدْ حكى هَذَا القول أبو بكر الإسماعيلي عن كثير منْ أهل السنّة والجماعة، ورُوي عن أبي بكر بن أبي شيبة ما يدلّ عليه، وهو أقرب الأقوال فِي هَذَا المسألة، وأشبهها بالنصوص، والله أعلم. والقول بالفرق بين الإسلام والإيمان مرويّ عن الحسن، وابن سيرين، وشَريك، وعبد الرحمن بن مهديّ، ويحيى بن معين، ومؤمل بن إهاب، وحُكي عن مالك أيضًا، وَقَدْ سبق حكايته عن قتادة، وداود بن أبي هند، والزهريّ، وابن أبي ذئب، وحماد بن

стр. 17870

زيد، وأحمد، وأبي خيثمة، وكذلك حكاه أبو بكر بن السمعانيّ عن أهل السنة والجماعة جملةً. فحكاية ابن نصر، وابن عبد البرّ عن الأكثرين التسوية بينهما غير جيّدة، بل قيل: إن السلف لم يُروَ عنهم غير التفريق. والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ابن رَجَب رحمه الله تعالى فِي "شرح صحيح البخاريّ" ١/ ١٢٥ - ١٣٠. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم هَذَا البحث بأتمّ مما هنا فِي المسائل المذكورة أول "كتاب الإيمان"، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: سبب نزل هذه الآية هو ما ذكره الواحديّ ص ٤١٢ - أن هذه الآية نزلت فِي أعراب منْ بني أسد بن خزيمة قدموا عَلَى رسول الله ﷺ المدينة فِي سنة جدبة، فأظهروا الشهادتين، ولم يكونوا مؤمنين فِي السرّ، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات، وأغلوا أسعارها، وكانو ايقولون لرسول الله ﷺ : أتيناك بالأثقال، والعيال، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، فأعطنا منْ الصدقة، وجعلوا يمنّون عليه، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٩٩٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -وَهُوَ ابْنُ ثَوْرٍ- قَالَ مَعْمَرٌ: وَأَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَعْطَى النَّبِيُّ ﷺ رِجَالاً، وَلَمْ يُعْطِ رَجُلاً مِنْهُمْ شَيْئًا، قَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطَيْتَ فُلَانًا وَفُلَانًا، وَلَمْ تُعْطِ فُلَانًا شَيْئًا، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَوْ مُسْلِمٌ"، حَتَّى أَعَادَهَا سَعْدٌ ثَلَاثًا، وَالنَّبِىُّ ﷺ يَقُولُ: "أَوْ مُسْلِمٌ"، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنِّي لأُعْطِي رِجَالاً، وَأَدَعُ مَنْ هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُمْ، لَا أُعْطِيهِ شَيْئًا؛ مَخَافَةَ أَنْ يُكَبُّوا فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ"). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ، ثم البصريّ، ثقة [١٠] ٥/ ٥. ٢ - (محمد بن ثور) الصنعانيّ، أبو عبد الله، ثقة عابد [٩] ١٠٢/ ٢٠٣٥. ٣ - (معمر) بن راشد الصنعانيّ الثقة الثبت [٧] ١٠/ ١٠. ٤ - (الزهريّ) محمد بن مسليم الإمام الحافظ الحجة الفقيه [٤] ١/ ١. ٥ - (عامر بن سعد بن أبي وقّاص) الزهريّ المدنيّ، ثقة [٣] ٣٨/ ٦٧٩١. ٦ - (أبوه) سعد بن أبي وقاص مالك بن وُهَيْب الزهريّ، أبو إسحاق الصحابيّ الشهير، مات ﵁ سنة (٥٥) عَلَى الأصحّ ٩٦/ ١٢١. والله تعالى أعلم.

стр. 17871

لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير محمد بن ثور، فقد تفرّد به المصنّف، وأبو داود. (ومنها): أن نصفه الأول صنعانيون، والثاني مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه. (ومنها): أن صحابيّه أحد العشرة المبشّرين بالجنة رضي الله تعالى عنهم، وهو آخرهم موتًا، وهو أول منْ رمى بسهم فِي سبيل الله . والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) رحمه الله تعالى (عَنْ أَبِيهِ) سعد رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: أَعْطَى النَّبِيُّ ﷺ رِجَالاً) ولفظ البخاريّ: "أعطىَ رهطًا، وسعد جالسٌ": والرهط عدد منْ الرجال، منْ ثلاثة إلى عشرة، قَالَ الْقَزّاز: وربما جاوزوا ذلك قليلا، ولا واحد له منْ لفظه، ورهط الرجل بنو أبيه الأدنى، وقيل: قبيلته، وللإسماعيلي منْ طريق ابن أبي ذئب: "أنه جاءه رهط، فسألوه، فأعطاهم، فترك رجلا منهم". وقوله: "وسعد جالس": فيه تجريد. وقوله: "أعجبهم إليّ": فيه التفاتٌ، وأورده فِي "الزكاة" بلفظ: "أعطى رهطا، وأنا جالس"، بلا تجريد، ولا التفات، وزاد فيه: "فقمت إلى رسول الله ﷺ ، فساررته"، وغفل بعضهم، فعزا هذه الزيادة إلى مسلم فقط. قاله فِي "الفتح". (وَلَمْ يُعْطِ رَجُلاً مِنْهُمْ شَيْئًا) الرجل المتروك اسمه جُعيل بن سُراقة الضمري، سماه الواقدي فِي "المغازي". قاله فِي "الفتح". (قَالَ سَعْدٌ) ﵁ (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطَيْتَ فُلَانًا وَفُلَانًا، وَلَمْ تُعْطِ فُلَانًا شَيْئًا، وَهُوَ مُؤْمِنٌ) ولفظ البخاريّ: "فقلت: يا رسول الله، ما لك عن فلان؛، فوالله لأراه مؤمنًا": والمعنى: أيّ سبب لعدولك عنه إلى غيره؟، ولفظ "فلان" كناية عن اسم أُبهِم بعد أن ذُكر. وقوده: "فواللَّه" فيه القسم فِي الإخبار على سبيل التأكيد. وقوله: "لأراه" قَالَ الحافظ: وقع فِي روايتنا منْ طريق أبي ذرّ وغيره بضم الهمزة هنا، وفي "الزكاة"، وكذا هو فِي رواية الإسماعيلي وغيره. وَقَالَ الشيخ محيي الدين رحمه الله تعالى: بل هو بفتحها: أي أعلمه، ولا يجوز ضمها، فيصير بمعنى "أظنه"؛ لأنه قَالَ بعد ذلك: "غلبني ما أعلم منه". انتهى. قَالَ الحافظ: ولا دلالة فيما ذَكَر عَلَى تعين الفتح؛ لجواز إطلاق العلم عَلَى الظن الغالب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠]، سلمنا، لكن لا يلزم

стр. 17872

منْ إطلاق العلم، أن لا تكون مقدماته ظنيةً، فيكون نظريا، لا يقينيا، وهو الممكن هنا، وبهذا جزم صاحب "المفهم فِي شرح مسلم"، فَقَالَ: الرواية بضم الهمزة. واستَنْبَط منه جواز الحلف عَلَى غلبة الظن؛ لأن النبيّ ﷺ ، ما نهاه عن الحلف، كذا قَالَ، وفيه نظر لا يخفي؛ لأنه أقسم عَلَى وجدان الظن، وهو كذلك، ولم يقسم عَلَى الأمر المظنون، كما ظَنَّ. انتهى "فتح" ١/ ١١٢ - ١١٣. (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَوْ مُسْلِمٌ") بالرفع خبر لمحذوف: أي بل: هو مسلم، فـ"أو" بسكون الواو، لا بفتحها كما ظُنَّ غلطًا، وهي للإضراب، بمعنى "بل"، وليست للتشريك، ولا لغيره، كما قيل، وفي رواية البخاريّ "أو مسلمًا" بالنصب، قَالَ فِي "الفتح": قوله: "فَقَالَ: أو مسلما": هو بإسكان الواو، لا بفتحها، فقيل: هي للتنويع، وَقَالَ بعضهم: هي للشك، وأنه أمره أن يقولهما معا؛ لأنه أحوط، وَيرُدُّ هَذَا رواية ابن الأعرابيّ فِي "معجمه" فِي هَذَا الْحَدِيث، فَقَالَ: "لا تقل: مؤمن، بل مسلم"، فوضح أنها للاضراب. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي عزاه إلى "معجم ابن الأعرابيّ" هو المذكور للمصنّف فِي الرواية التالية، فكان الأولى أن يعزوه إليه، فتنبّه. قَالَ: وليس معناه الإنكار، بل المعنى أن إطلاق المسلم عَلَى منْ لم يُخْتَبر حاله الخبرةَ الباطنَةَ أولي منْ إطلاق المؤمن؛ لأن الإسلام معلوم بحكم الظاهر، قاله الشيخ محيي الدين، ملخصًا. وتعقبه الكرماني بأنه يلزم منه أن لا يكون الْحَدِيث دالا عَلَى ما عُقِد له الباب، ولا يكون لرد الرسول ﷺ عَلَى سعد فائدة. قَالَ الحافظ: وهو تعقب مردود، وَقَدْ بينا وجه المطابقه بين الْحَدِيث والترجمه قبلُ. ومُحَصَّلُ القصه أن النبيّ ﷺ ، كَانَ يوسع العطاء لمن أظهر الإسلام؛ تأليفًا، فلما أعطى الرهط، وهم منْ المؤلفة، وترك جُعيلا، وهو منْ المهاجرين، مع أن الجميع سألوه، خاطبه سعد فِي أمره؛ لأنه كَانَ يرى أن جعيلا أحق منهم؛ لما اختبره منه دونهم، ولهذا راجع فيه أكثر منْ مرة، فأرشده النبيّ ﷺ إلى أمرين: [أحدهما]: إعلامه بالحكمة فِي إعطاء أولئك، وحرمان جعيل، مع كونه أحب إليه ممن أعطى؛ لأنه لو ترك إعطاء المؤلف، لم يؤمن ارتداده، فيكون منْ أهل النار. [ثانيهما]: إرشاده إلى التوقف عن الثناء بالأمر الباطن، دون الثناء بالأمر الظاهر، فوضح بهذا فائدة رد الرسول ﷺ عَلَى سعد، وأنه لا يستلزم محض الإنكار عليه، بل كَانَ أحد الجوابين عَلَى طريق المشورة بالأولى، والآخر عَلَى طريق الاعتذار.

стр. 17873

[فإن قيل]: كيف لم تُقبَل شهادة سعد لجعيل بالإيمان، ولو شهد له بالعدالة لقُبِل منه، وهي تستلزم الإيمان؟. [فالجواب]: أن كلام سعد ﵁ لم يخرج مخرج الشهادة، وإنما خرج مخرج المدح له، والتوسل فِي الطلب لأجله، فلهذا نوقش فِي لفظه، حَتَّى ولو كَانَ بلفظ الشهادة، لما استلزمت المشورة عليه بالأمر الأولى رَدَّ شهادته، بل السياق يرشد إلى أنه قبل قوله فيه، بدليل أنه اعتذر إليه. وفي "مسند محمد بن هارون الروياني"، وغيره، بإسناد صحيح إلى أبي سالم الجيشاني، عن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قَالَ له: "كيف ترى جعيلا؟ "، قَالَ: قلت: كشكله منْ النَّاس -يعني المهاجرين- قَالَ: "فكيف ترى فلانا؟ "، قَالَ: قلت: سيد منْ سادات النَّاس، قَالَ: "فجُعيل خير منْ ملء الأرض منْ فلان"، قَالَ: قلت: ففلان هكذا، وأنت تصنع به ما تصنع؟ قَالَ: إنه رأس قومه، فأنا أتالّفهم به"، فهذه منزلة جعيل المذكور عند النبيّ ﷺ ، كما ترى، فظهرت بهذا الحكمة فِي حرمانه، وإعطاء غيره، وأن ذلك لمصلحة التأليف، كما قررناه. انتهى "فتح" ١/ ١١٣ - ١١٤. (حَتَّى أَعَادَهَا سَعْدٌ ثَلَاثًا) أي حَتَّى كرّر سعد بن أبي وقاص ﵁ قوله: "يا رسول الله أعطيت فلانا الخ"، وأنثّ الضمير باعتبار أنها جُملٌ (وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "أَوْ مُسْلِمٌ) أي: بل هو مسلم (ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنِّي لأُعْطِي رِجَالاً) حُذف المفعول الثاني للتعميم: أي أيَّ عطاء (وَأَدَعُ) أي أترك (مَنْ هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُمْ، لَا أُعْطِيهِ شَيْئًا) تأكيد لمعنى "وأدع" (مَخَافَةَ) منصوب عَلَى أنه مفعول لأجله، وهو مضاف إلى قوله (أَنْ يُكَبُّوا) بالبناء للمفعول، والواو ضمير الرجال الذين يُعطيهم النبيّ ﷺ ، يقال: أكب الرجل: إذا أَطرق، وكبه غيره: إذا قلبه، وهذا عَلَى خلاف القياس؛ لأن الفعل اللازم، يتعدى بالهمزة، وهذا زيدت عليه الهمزة، فقصر، وَقَدْ ذكر البخاريّ هَذَا فِي "كتاب الزكاة"، فَقَالَ: يقال: أكب الرجلُ: إذا كَانَ فعله غير واقع عَلَى أحد، فإذا وقع الفعل، قلت: كبه، وكببته، وجاء نظير هَذَا فِي أحرف يسيرة، منها: أنسل ريشُ الطائر، ونسلته، وأنزفتِ البئرُ، ونزفتها، وحكى ابن الأعرابيّ فِي المتعدي: كبه، وأكبه معا. قاله فِي "الفتح". وفي "اللسان": وحكى ابن الأعرابيّ أكبّه، وأنشد [منْ الرجز]: يَا صَاحِبَ الْقَعْوِ الْمُكَبِّ الْمُدْبِرِ … إِنْ تَمنَعِي قَعْوَكِ أَمْنَعْ مِحْوَرِي وكبّه لوجهه، فانكبّ: أي صرعه، وأكبّ هو عَلَى وجهه، وهذا منْ النوادر أن يقال: أفعلتُ أنا، وفعلتُ غيري، يقال: كبّ الله عدوّ المسلمين، ولا يقال: أكب. انتهى.

стр. 17874

(فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ) الجارّان متعلّقان بـ"يُكبّوا": والمعنى: إني لأعطي رجالا منْ المال؛ خوفًا عليهم أي يتكلموا بما لا يليق، أو يرتدّوا؛ لضعف إيمانهم، إن لم أعطهم، أو فيلقيهم الله تعالى فِي نار جهنم منكوسين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ هَذَا متَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٧/ ٤٩٩٤ و٤٩٩٥ - . وأخرجه (خ) فِي "الإيمان" ٢٧ و"الزكاة" ١٤٧٨ (م) فِي "الإيمان" ١٥٠ (د) فِي "السنة" ٤٦٨٣ و٤٦٨٥ (أحمد) فِي "مسند العشرة" ١٥٢٥ و١٥٨٣. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تأويل الآية الكريمة، وَقَدْ بينت الرواية التالية أن الزهريّ قَالَ بعد أن رواه: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾. (ومنها): التفرقة بين حقيقتي الإيمان والإسلام. (ومنها): ترك القطع بالإيمان الكامل، لمن لم يَنُصّ عليه الشارع، وأما منع القطع بالجنة، فلا يؤخذ منْ هَذَا صريحا، وإن تعرض له بعض الشارحين، نعم هو كذلك، فيمن لم يثبت فيه النص. قاله فِي "الفتح". (ومنها): أن فيه الردَّ عَلَى غلاة المرجئة فِي اكتفائهم فِي الإيمان بنطق اللسان. (ومنها): جواز تصرف الإمام فِي مال المصالح، وتقديم الأهم فالأهم، وإن خفي وجه ذلك عَلَى بعض الرعية. (ومنها): جواز الشفاعة عند الإمام، فيما يعتقد الشافع جوازه. (ومنها): تنبيه الصغير للكبير، عَلَى ما يظن أنه ذَهِلَ عنه، ومراجعة المشفوع إليه فِي الأمر، إذا لم يؤد إلى مفسدة. (ومنها): أن الإسرار بالنصيحه أولى منْ الإعلان، فقد ثبت عند البخاريّ فِي "كتاب الزكاة" قول سعد ﵁: "فقمت إليه، فساررته"، وَقَدْ يتعين إذا جر الإعلان إلى مفسدة. (ومنها): أن منْ أشير عليه بما يعتقده المشير مصلحةً، لا ينكر عليه، بل يبين له وجه الصواب. (ومنها): الاعتذار إلى الشافع إذا كانت المصلحة فِي ترك إجابته، وأن لا عيب عَلَى الشافع، إذا رُدّت شفاعته لذلك. (ومنها): استحباب ترك الالحاح فِي السؤال، كما استنبطه البخاريّ منه فِي "الزكاة"، ووجه ذلك: إما لأن سياقه يُشعر بأنه ﷺ كره منْ سعد إلحاحه فِي المسألة، أو منْ جهة أن المشفوع له ترك السؤال، فمُدح. أفاده فِي "الفتح" ١/ ١١٤ و٤/ ١٠٧.

стр. 17875

(ومنها): ما قيل: إنه يدلّ عَلَى جواز الحلف عَلَى الظنّ، وهي يمين اللغو، وهو قول مالك، والجمهور. قاله فِي "عمدة القاري" ١/ ٢٢٣. (ومنها): أن الإقرار باللسان لا ينفع إلا إذا اقترن به الاعتقاد بالقلب، وعليه الإجماع، ولهذا كفر المنافقون. (ومنها)؛ ما قاله القاضي عياض رحمه الله تعالى: هَذَا الْحَدِيث أصحّ دليل عَلَى الفرق بين الإسلام والإيمان، وأن الإيمان باطنٌ، ومن عمل القلب، والإسلام ظاهر، ومن عمل الجوارح، لكن لا يكون مؤمن إلا مسلمًا، وَقَدْ يكون مسلم غير مؤمن، ولفظ هَذَا الْحَدِيث يدلّ عليه. وَقَالَ الخطابيّ رحمه الله تعالى: هَذَا الْحَدِيث ظاهره يوجب الفرق بين الإسلام والإيمان، فيقال له: مسلم: أي مستسلم، ولا يقال له: مؤمن، وهذا معنى الْحَدِيث، قَالَ الله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ الآية [الحجرات: ١٤]: أي استسلمنا، وَقَدْ يتفقان فِي استواء الظاهر والباطن، فيقال للمسلم: مومن، وللمؤمن مسلم (١). وَقَدْ تقدّم تحقيق ذلك مستوفًى فِي أول "كتاب الإيمان"، فراجعه، تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٩٩٥ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلاَّمُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مَعْمَرًا، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَسَمَ قَسْمًا، فَأَعْطَى نَاسًا، وَمَنَعَ آخَرِينَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطَيْتَ فُلَانًا، وَمَنَعْتَ فُلَانًا، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، قَالَ: "لَا تَقُلْ: مُؤْمِنٌ، وَقُلْ مُسْلِمٌ"، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [الحجرات: ١٤]). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عمرو بن منصور": هو أبو سعيد النسائيّ الثقة الثبت [١١] ١٠٨/ ١٤٧ منْ أفراد المصنّف. و"هشام بن عبد الملك": هو أبو الوليد الطيالسيّ البصريّ الثقة الثبت [٩] ١٢٢/ ١٧٢. و"سلّام بن أبي مطيع": هو أبو سعيد الْخُزَاعيّ مولاهم البصريّ، ثقة، صاحب سنّة، فِي روايته عن قتادة ضعف [٧] ٧٨/ ١٩٩١. [تنبيه]: روى مسلم هَذَا الْحَدِيث فِي "صحيحه" عن محمد بن يحيى بن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، ووقع فِي إسناده وَهَمٌ منه، أو منْ شيخه؛ لأن معظم الروايات فِي "الجوامع"، و"المسانيد" عن ابن عيينة، عن معمر، عن الزهريّ، بزيادة معمر بينهما، وكذا حدث به ابن أبي عمر، شيخ مسلم فِي "مسنده" عن ابن عيينة، وكذا أخرجه أبو نعيم فِي "مستخرجه"، منْ طريقه، وزعم أبو مسعود فِي "الأطراف" أن

стр. 17876

الوهم منْ ابن أبي عمر، قَالَ الحافظ: وهو محتمل؛ لأن يكون الوهم صدر منه، لَمّا حَدّث به مسلما، لكن لم يتعين الوهم فِي جهته، وحمله الشيخ محيي الدين عَلَى أن ابن عيينة، حدث به مرة بإسقاط معمر، ومرةً بإثباته، وفيه بُعْدٌ؛ لأن الروايات قد تضافرت عن ابن عيينة بإثبات معمر، ولم يوجد بإسقاطه إلا عند مسلم، والموجود فِي مسند شيخه بلا إسقاط، كما قدمناه، وَقَدْ أوضحت ذلك بدلائله فِي كتاب "تغليق التعليق". ورواه أحمد، والحميديّ، وغيرهما عن عبد الرزّاق، عن معمر، وفيه أنه أعاد السؤال ثلاثًا، وفيه منْ الزيادة: قَالَ الزهريّ: "فترى أن الإسلام الكلمة، والإيمان العمل". وَقَدْ استُشكل هَذَا بالنظر، إلى حديث سؤال جبريل، فإن ظاهره يخالفه، ويمكن أن يكون مراد الزهريّ أن المرء يُحكم بإسلامه، ويُسَمّى مسلما، إذا تلفظ بالكلمة، أي كلمة الشهادة، وأنه لا يسمى مؤمنا إلا بالعمل، والعمل يشمل عمل القلب والجوارح، وعمل الجوارح يدلّ عَلَى صدقه، وأما الإسلام المذكور فِي حديث جبريل ﵇، فهو الشرعي الكامل، المراد بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾. انتهى "فتح" ١/ ١١٥. [تنبيه آخر]: روى هَذَا الحديثَ ابنُ وهب، ورِشْدِين بن سعد جميعا، عن يونس، عن الزهريّ بسند آخر، قَالَ: "عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه"، أخرجه ابن أبي حاتم، ونقل عن أبيه أنه خطأ منْ راويه، وهو الوليد بن مسلم عنهما. أفاده فِي "الفتح". يعني أن الصواب: "عن الزهريّ، عن عامر بن سعد، عن أبيه". والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق شرحه، وبيان مسائله فِي الْحَدِيث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٩٩٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ بِشْرِ بْنِ سُحَيْمٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، أَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ: "أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ مُؤْمِنٌ، وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ"). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفىّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (حماد) بن زيد بن درهم، الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت ٣/ ٣. ٣ - (عمرو) بن دينار الأثرم الجمحيّ، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤. ٤ - (نافع بن جبير بن مُطعم) النوفليّ المدنيّ، ثقة فاضلّ [٣] ٩٦/ ١٢٤.

стр. 17877

٥ - (بِشْر بن سُحَيم) الغفاريّ، ويقال: الْخُزَاعيّ، صحابيّ، له هَذَا الْحَدِيث، وقيل: عنه، عليّ ﵁. وَقَالَ ابن سعد: كَانَ يسكن كراع الغميم، وضِجْنان. انتهى. تفرّد به المصنّف، وابن ماجه بهذا الْحَدِيث. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير الصحابيّ، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. (ومنها): أن صحابيّه منْ المقلّين منْ الرواية، فليس له إلا هَذَا الْحَدِيث عند أحمد، والمصنّف، وابن ماجه انظر "الإصابة" ١/ ٢٤٩ - ٢٥٠. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ بِشْرِ بْنِ سُحَيْمٍ) الغفاريّ ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، أَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ) ويقال لها: الأيام المعدودات، وأيام منى، وهي الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر منْ ذي الحجة، واختلفوا فِي تعيين أيام التشريق، والأصحّ أن أيام التشريق ثلاثة أيام بعد يوم النحر، سُمّيت بذلك لتشريق النَّاس لحوم الأضاحي فيها، وهو تقديدها، ونشرها فِي الشمس. وَقَالَ فِي "الفتح": وَقَدْ اختُلف فِي كونها -يعني أيام التشريق يومين، أو ثلاثة، قَالَ: وسميت أيام التشريق؛ لأن لحوم الأضاحي تُشرَق فيها: أي تُنشر فِي الشمس، وقيل: لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس، وقيل: لأن صلاة العيد تقع عند شروق الشمس. وقيل التشريق التكبير دبر كل صلاة. انتهى. (أَنَّهُ) الضمير للشأن: أي أن الشأن والحال (لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ) قَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: وإنما أمر النبيّ ﷺ أن ينادى فِي الموسم: "لا يدخل الجنة إلا مؤمن" ليسمع منْ لم يحضر خطبة النبيّ، وليسمع منْ كَانَ هناك منْ المنافقين، حَتَّى يُحقّقوا إيمانهم، ويُجدّدوا يقينهم. انتهى "المفهم" ٣/ ٢٠٠ (وَهِيَ) أي أيام التشريق (أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ) يعني أنه لا يصحّ صومها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث بشر بن سُحيم ﵁ هَذَا صحيح. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

стр. 17878

أخرجه هنا -٧/ ٤٩٩٦ - وفي "الكبرى" فِي "الصيام" ٢٨٩٥ و٢٨٩٦. وأخرجه (ق) فِي "الصيام" ١٧٢٠ (أحمد) فِي "مسند المكيّين" ١٥٠٢ و"مسند الكوفيين" ١٨٤٧٦ (الدارمي) فِي "الصوم" ١٧٠١. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تأويل الآية الكريمة، ووجه ذلك أن الْحَدِيث دلّ عَلَى أنه لا يدخل الجنة أحد إلا إذا كَانَ مؤمنًا، والإيمان هو عقد القلب المصدّق لإقرار اللسان الذي لا ينفع عند الله تعالى غيره، وهذا هو الذي نفته الآية عن هؤلاء الأعراب؛ حيث إنهم أظهروا الاستسلام، وتظاهروا بالأعمال الظاهرة، فقالوا: آمنا بألسنتهم، وليس ذلك فِي صميم قلوبهم، فحيث انتفى عنهم ذلك، فإنهم لا يدخلون الجنّة. (ومنها): أنه استُدِلّ بهذا عَلَى تحريم صوم أيام التشريق، وفي ذلك خلاف بين الصحابة، فمن بعدهم، قَالَ فِي "الفتح": وَقَدْ رَوَى ابن المنذر وغيره، عن الزبير بن العوام، وأبي طلحة، منْ الصحابة الجواز مطلقا. وعن علي، وعبد الله بن عمرو بن العاص، المنع مطلقا، وهو المشهور عن الشافعيّ، وعن ابن عمر، وعائشة، وعُبيد بن عمير، فِي آخرين، منعه إلا للمتمتع الذي لا يجد الهدي، وهو قول مالك، والشافعي فِي القديم، وعن الأوزاعي، وغيره أيضًا يصومها المحصر، والقارن. انتهى. واستَدَلّ القائلون بالمنع مطلقا، بأحاديث الباب التي لم تقيد بالجواز للمتمتع، واستدل القائلون بالجواز للمتمتع، بحديث عائشة، وابن عمر ﵃ قالا: لم يُرخَّص فِي أيام التشويق أن يُصَمْن إلا لمن لم يجد الهدي. رواه البخاريّ. وهذه الصيغة لها حكم الرفع، وَقَدْ أخرجه الدارقطنيّ، والطحاوي، بلفظ: "رَخَّص رسول الله ﵌ للمتمتع، إذا لم يجد الهدي أن يصوم أيام التشريق"، وفي إسناده يحيى بن سلام، وليس بالقوي، ولكنه يؤيد ذلك عموم الآية، قالوا: وحمل المطلق عَلَى المقيد واجب، وكذلك بناء العام عَلَى الخاص، وهذا أقوى المذاهب. وأما القائل بالجواز مطلقا، فترد عليه الأحاديث، كحديث الباب، وحديث كعب بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ بعثه، وأوس بن الْحَدَثَان أيام التشريق: "أنه لا يدخل الجنّة إلا مؤمن، وأيام منى أيام أكل وشرب". رواه أحمد، ومسلم. وحديث أنس ﵁: أن النبيّ ﷺ نهى عن صوم خمسة أيام فِي السنة: يوم الفطر، ويوم النحر، وثلاثة أيام التشريق"، رواه الدارقطنيّ، وفي سنده محمد بن خالد الطحان، ضعيف. وفي الباب عن عبد الله بن حُذافة السهمي، عند الدارقطنيّ، بلفظ: "لا تصوموا فِي

стр. 17879

هذه الأيام، فإنها أيام أكل، وشرب، وبعال" -يعني أيام منى. وفي إسناده الواقدي. وعن أبي هريرة ﵁ عند الدارقطنيّ، وفي إسناده سعد بن سلام، وهو قريب منْ الواقدي، وفيه أن المنادي بُديل بن ورقاء، وأخرجه أيضًا ابن ماجه منْ وجه آخر، وابن حبّان. وعن ابن عباس عند الطبراني بنحو حديث عبد الله بن حُذافة، وفيه: "والبعال وقاع النِّساء"، وفي إسناده إسماعيل بن أبي حبيب، وهو ضعيف. وعن عمر بن خَلْدة، عن أبيه، عند أبي يعلى، وعبد بن حميد، وابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه بنحوه، وفي إسناده موسى بن عُبيدة الرَّبَذِيّ، وهو ضعيف. وعن مسعود بن الحكم، عن أمه، عند النسائيّ فِي "الكبرى" رقم ٢٨٧٩: أنها رأت وهي بمنى، فِي زمن رسول الله ﵌، راكبا يصيح، يقول: يا أيها النَّاس، إنها أيام أكل، وشرب، ونساء، وبعال، وذكر الله"، قالت: فقلت: منْ هَذَا؟ فقالوا: علي بن أبي طالب، وأخرجه البيهقي منْ هَذَا الوجه، لكن قَالَ: إن جدته حدثته، وأخرجه ابن يونس فِي "تاريخ مصر" منْ طريق يزيد بن الهاد، عن عمرو بن سليم الزرقي، عن أمه، قَالَ يزيد: فسألت عنها؟ فقيل: إنها جدته. ذكره فِي "التخليص الحبير" ٢/ ٣٧٥ - ٣٧٧. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما ذكر أن أصح المذاهب مذهب القائلين بتحريم صوم أيام التشريق؛ إلا لمن عليه صوم التمتّع، فيجوز أن يصوم فيها؛ لحديث البخاريّ المتقدّم. والله تعالى أعلم. (ومنها): أن هذه الأيام يستحبّ فيها الإكثار منْ ذكر الله تعالى؛ للزيادة التي فِي رواية مسلم منْ حديث نُبيشة الْهُذَليّ ﵁، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "أيام التشريق، أيام أكل، وشُرب، وذكر لله"، فزاد ذكر الله تعالى، فدلّ عَلَى استحباب الإكثار منه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٨ - (صِفَةُ الْمُؤْمِنِ) ٤٩٩٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ

стр. 17880

لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ، وَأَمْوَالِهِمْ"). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة) المذكور فِي الباب الماضي. ٢ - (الليث) بن سعد الإمام الحجة الفقيه المصريّ [٧] ٣١/ ٣٥. ٣ - (ابن عجلان) هو محمد القرشيّ، مولى فاطمة بنت الوليد، أبو عبد الله المدنيّ، صدوقٌ، إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة ﵁[٥] ٣٦/ ٤٠. ٤ - (القعقاع بن حكيم) الكناني المدنيّ، ثقة [٤] ٣٦/ ٤٠. ٥ - (أبو صالح) ذكون السمّان الزيّات المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ٣٦/ ٤٠، ٦ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، والليث، فمصريان. (ومنها): أن فيه ثلاثة منْ التابعين يروي بعضهم عن بعض: ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، وفيه أبو هريرة ﵁ أَحْفَظُ منْ روى الْحَدِيث فِي دهره. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) أنه (قَالَ: "الْمُسْلِمُ) مبتدأ خبره قوله: "منْ سلم الخ". قَالَ فِي "الفتح": قيل: الألف واللام فيه للكمال، نحو زيد الرجل: أي الكامل فِي الرجولية. وتُعُقّب بأنه يستلزم أن منْ اتصف بهذا خاصة، كَانَ كاملا، ويجاب بأن المراد بذلك مع مراعاة باقي الأركان. قَالَ الخطّابيّ: المراد أفضل المسلمين، مَنْ جَمَع إلى أداء حقوق الله تعالى أداء حقوق المسلمين. انتهى. وإثبات اسم الشيء عَلَى معنى إثبات الكمال له مستفيض فِي كلامهم. ويحتمل أن يكون المراد بذلك أن يبين علامة المسلم، التي يُستَدّل بها عَلَى إسلامه، وهي سلامة المسلمين منْ لسانه ويده، كما ذُكر مثله فِي علامة المنافق. ويحتمل أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى الحث، عَلَى حسن معاملة العبد مع ربه؛ لأنه إذا أحسن معاملة إخوانه، فأولى أن يحسن معاملة ربه، منْ باب التنبيه بالأدنى عَلَى الأعلى. (مَنْ سلِمَ النَّاسُ) المراد بالناس هنا المسلمون، كما فِي حديث عبد الله بن عمرو الآتي بعده، فهم النَّاس حقيقة عند الإطلاق؛ لأن المطلق يُحمل عَلَى الكامل، ولا

стр. 17881

كمال فِي غير المسلمين، ويمكن حمله عَلَى عمومه، عَلَى إرادة شرط، وهو إلا بحق، مع إن إرادة هَذَا الشرط متعينةً عَلَى كل حال؛ لما سيأتي منْ استثناء إقامة الحدود، ونحوها عَلَى المسلم. أفاده فِي "الفتح" ١/ ٧٩. (مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) أي منْ لا يؤذي أحدًا بوجه منْ الوجوه، لا باليد، ولا باللسان، ولا اعتراض بإجراء الحدود، والتعزير، وما يستحقّه المرء؛ لأن ذلك مستثنًى منْ هَذَا العامّ بالإجماع، ولأنه إصلاح، أو طلب للحقّ، لا إيذاء شرعًا. والمقصود أن الكمال فِي الإسلام لا يتحقّق بدون هَذَا، ولا يكون المرء بدون هَذَا الوصف مؤمنا كاملاً، لا أنه إذا تحقّق هَذَا الوصف تحقّق هَذَا الكمال فِي الإسلام، وإن كَانَ مع ترك الصلاة، ونحوها؛ لجواز عموم المحمول منْ الموضوع. وَقَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: أي منْ كانت هذه حاله، كَانَ أحقّ بهذا الاسم، وأمكنهم فيه، ويُبيّن ذلك أنه لا ينتهي الإنسان إلى هَذَا حَتَّى يتمكّن منْ قلبه خوف عقاب الله تعالى، ورجاء ثوابه، فيُكسبُهُ ذلك وَرَعًا يحمله عَلَى ضبط لسانه ويده، فلا يتكلّم إلا بما يَعنيه، ولا يفعل إلا ما يسلم فيه، ومن كَانَ كذلك فهو المسلم الكامل، والمتّقي الفاضل. ويقرب منْ هَذَا المعنى، بل يزيد عليه قوله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حَتَّى يُحبّ لأخيه ما يُحبّ لنفسه"، إذ معناه أنه لا يتمّ إيمان أحد الإيمان التامّ الكامل حَتَّى يضمّ إلى سلامة النَّاس منه إرادته الخير لهم، والنصح لجميهم، فيما يُحاوله معهم. انتهى "المفهم" ١/ ٢٢٤. وإنما خص اللسان بالذكر؛ لأنه المعبر عما فِي النفس، وهكذا اليد؛ لأن أكثر الأفعال بها، والحديث عام بالنسبة إلى اللسان، دون اليد؛ لأن اللسان يمكنه القول فِي الماضين، والموجودين، والحادثين بعدُ بخلاف اليد، نعم يمكن أن تشارك اللسانَ فِي ذلك بالكتابة، وأن أثرها فِي ذلك لعظيم. وقدّم اللسان عَلَى اليد؛ لأن إيذاء اللسان أكثر وقوعًا، وأسهل؛ ولأنه أنه أشدّ نكايةً، ولهذا كَانَ النبيّ ﷺ يقول لحسّان ﵁: "اهجُ المشركين، فإنه أشدّ عليهم منْ رَشْق النبل"، وَقَالَ الشاعر: جِرَاحَاتُ السِّنَانِ لَهَا الْتِئَامُ … وَلَا يَلْتَامُ مَا جَرَحَ اللِّسَانُ وفي التعبير باللسان دون القول نكتة، فيدخل فيه منْ أخرج لسانه عَلَى سبيل الاستهزاء، وفي ذكر اليد دون غيرها منْ الجوارح نكتة، فيدخل فيها اليد المعنوية، كالاستيلاء عَلَى حق الغير بغير حق. (وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ) بكسر الميم، منْ باب تعب (النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ، وَأَمْوَالِهِمْ) يعني

стр. 17882

أنه لا يظلم النَّاس، لا فِي أنفسهم، ولا فِي أموالهم، فهذه الجملة بمعنى الجملة السابقة، فهي متضمّنةٌ لمعناها، وإنما أعادها نظرًا إلى تغاير لفظي "المسلم"، و"المؤمن". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٨/ ٤٩٩٧ - . وأخرجه (ت) فِي "الإيمان" ٢٦٢٧ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ٨٧١٢. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان صفة المؤمن الكامل، وهو كونه متّصفًا بأمن النَّاس له عَلَى دمائهم، وأموالهم. (ومنها): أنه يستفاد منه أن الأصل فِي الحقوق النفسيّة، والماليّة التحريم، فلا يحلّ شيء منها إلا بوجه شرعيّ. (ومنها): أن فيه بيان تفاوت درجات المسلمين، حيث إن بعضهم وصل إلى درجة الكمال، وبعضه لم يصل إليها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٩ - (صِفَةُ الْمُسْلِمِ) ٤٩٩٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ"). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلّاس الصيرفيّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤/ ٤.

стр. 17883

٣ - (إسماعيل) بن أبي خالد البجليّ الأحمسيّ، ثقة ثبت [٤] ١٣/ ٤٧١. ٤ - (عامر) بن شَرَاحيل، أبو عمرو الشعبيّ الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٦٦/ ٨٢. ٥ - (عبد الله بن عمرو) بن العاص رضي الله تعالى عنهما ٨٩/ ١١١. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: وقع فِي جميع النسخ التي بين يديّ، منا "المجتبى، والكبرى": "عبد الله بن عمر" بضم العين، وفتح الميم، وهو غلط فاحش، والصواب "ابن عَمرو" بفتح المهملة، وسكون الميم، وهو الذي فِي "الصحيحين"، وغيرهما، وكذا هو فِي "تحفة الأشراف" ٦/ ٣٤٥ - ٣٤٦. فتنبّه. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، وَقَدْ تقدّموا غير مرّة. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) ابن العاص رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، يَقُولُ: "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) قَالَ فِي "الفتح": ذكر المسلمين هنا خرج مخرج الغالب؛ لأن محافظة المسلم عَلَى كف الأذى عن أخيه المسلم، أشد تأكيدا؛ ولأن الكفار بصدد أن يقاتلوا، وإن كَانَ فيهم منْ يجب الكف عنه، والإتيان بجمع التذكير للتغليب، فإن المسلمات يدخلن فِي ذلك. انتهى. وَقَالَ الحافظ ابن رَجَب رحمه الله تعالى: ما حاصله: يقتضي حصر المسلم فيمن سلم المسلمون منْ لسانه ويده، والمراد بذلك الكامل فِي الإسلام، فمن لم يَسلَم المسلمون منْ لسانه ويده، فإنه ينتفي عنه كما الإسلام الواجب، فإن سلامة المسلمين منْ لسان العبد ويده واجبة، فإن أذى المسلم حرامٌ، باللسان، وباليد، فأذى اليد الفعل، وأذى اللسان القول. والظاهر أن النبيّ ﷺ إنما وصف بهذا فِي هَذَا الْحَدِيث؛ لأن السائل كَانَ مسلمًا، قد أتى بأركان الإسلام الواجبة لله ، وإنما يجهل دخول هَذَا القدر الواجب منْ حقوق العباد فِي الإسلام، فبيّن له النبيّ ﷺ ما جهله. ويشبه هَذَا أن النبيّ ﷺ لَمّا خطب فِي حجة الوداع، وبين للناس حرمة دمائهم، وأموالهم، وأعراضهم، أتبع ذلك بقوله: "سأُخبركم مَنِ المسلم؟: منْ سلم المسلمون

стр. 17884

منْ لسانه ويده، والمؤمن منْ أَمِنه النَّاس عَلَى أموالهم، وأنفسهم". خرجه ابن حبّان فِي "صحيحه" منْ حديث فَضَالة بن عُبيد. وكان النبيّ ﷺ أحيانا يجمع لمن قَدِم عليه يريد الإسلام بين ذكر حقّ الله تعالى، وحقّ العباد، كما فِي "مسند الإمام أحمد" عن عمرو ابن عَبَسَة ﵁, قَالَ: قَالَ رجل: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قَالَ: "أن تُسلم قلبك لله، وأن يَسلَم المسلمون منْ لسانك، ويدك". وفيه أيضًا عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه ﵁ أنه أتى النبيّ ﷺ ليُسلم، فَقَالَ له: أسألك بوجه الله بم بعثك الله ربنا إلينا؟ قَالَ: "بالإسلام"، قَالَ: وما آية الإسلام؟ قَالَ: "أن تقول: أسلمت وجهي لله، وتخلّيتُ، وتُقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وكلّ مسلم عَلَى مسلم محرّم"، وذكر الْحَدِيث، وَقَالَ فيه: قلت: يا رسول الله هَذَا ديننا؟ قَالَ: "هَذَا دينكم"، وأخرجه النسائيّ بمعناه رقم ٢٤٣٦. انتهى كلام ابن رَجَب فِي "شرح البخاريّ" ١/ ٣٧ - ٣٩. (وَالْمُهَاجِرُ) هو فِي الأصل منْ فارق عشيرته، ووطنه، وهو مبتدأ خبره قوله: (مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ) أي ترك فعل الشي الذي نهى الله تعالى عن فعله. يقال: هجره يهجُره هَجْرًا، منْ باب نصر، وهِجْرانًا، والاسم الهجرة، وفي "العباب": الهجرة: ضدّ الوصل، والتركيب يدلّ عَلَى القطع، والقطيعة، والمهاجر مُفاعلٌ منه. قاله فِي "عمدة القاري" ١/ ١٤٩. وَقَالَ فِي "الفتح": والمهاجر هو بمعنى الهاجر، وإن كَانَ لفظ المفاعل يقتضي وقوع فعل منْ اثنين، ولكنه هنا للواحد، كالمسافر. ويحتمل أن يكون عَلَى بابه؛ لأن مِنْ لازم كونه هاجرا وطنه مثلا، أنه مهجور منْ وطنه. وهذه الهجرة ضربان: ظاهرة، وباطنة، فالباطنة: ترك ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء والشيطان، والظاهرة: الفرار بالدين منْ الفتن، وكأن المهاجرين خوطبوا بذلك؛ لئلا يتكلوا عَلَى مجرد التحول منْ دارهم، حَتَّى يمتثلوا أوامر الشرع ونواهيه، ويحتمل أن يكون ذلك قيل بعد انقطاع الهجرة، لَمّا فتحت مكة؛ تطييبا لقلوب منْ لم يُدرك ذلك، بل حقيقة الهجرة تحصل لمن هجر ما نهى الله عنه، فاشتملت هاتان الجملتان، عَلَى جوامع منْ معاني الحكم، والأحكام. انتهى "فتح" ١/ ٧٨. وَقَالَ الحافظ ابن رَجَب رحمه الله تعالى: أصل الهجرة هجران الشرّ، ومباعدته لطلب الخير، ومحبّته، والرغبة فيه، والهجرة عند الإطلاق فِي الكتاب والسنة إنما تنصرف إلى هجران بلد الشرك إلى دار الإسلام؛ رغبة فِي تعلم الإسلام، والعمل به، وإذا كَانَ كذلك، فأصل الهجرة أن يهجُر ما نهاه الله تعالى عنه، منْ المعاصي، فيدخل

стр. 17885

فِي ذلك هجران بلد الشرك؛ رغبةً فِي دار الإسلام، وإلا فمجرّد هجرة بلد الشرك، مع الإصرار عَلَى المعاصي ليس بهجرة تامّة كاملة، بل الهجرة التامّة الكاملة هجران ما نهى الله تعالى عنه، ومن جملة ذلك هجران بلد الشرك مع القدرة عليه. انتهى "شرح البخاريّ" ١/ ٣٩. [فائدة]: فِي الْحَدِيث منْ أنواع البديع: تجنيس الاشتقاق، وهو أن يرجع اللفظان فِي الاشتقاق إلى أصل واحد، نحو قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾ الآية [الروم: ٤٣]، فإن ﴿فَأَقِمْ﴾، و ﴿الْقَيِّمِ﴾ يرجعان فِي الاشتقاق إلى القيام. قاله فِي "عمدة القاري" ١/ ١٤٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث عبد الله عمرو رضي الله تعالى عنهما هَذَا متَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٩/ ٤٩٩٨ - . وأخرجه (خ) فِي "الإيمان" ١٠ و"الرقاق" ٦٤٨٤ (م) فِي "الإيمان" ٤٠ (د) فِي "الجهاد" ٢٤٨١ (أحمد) فِي "مسند المكثرين" ٦٤٥١ و٦٤٧٩ و٦٧١٤ و٦٧٥٣ و٦٧٦٧ و٦٧٩٦ و٦٧٩٨ و٦٨٧٣ و٦٨٨٦ و٦٩١٤ و٦٩٤٣ و٦٩٧٨ و٧٠٤٦ (الدارمي) فِي "الرقاق" ٢٦٠٠. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان صفة المسلم. (ومنها): الحثّ عَلَى ترك أذى المسلمين بأيّ نوع منْ الأذى، وسرّ الأمر فِي ذلك حسن التخلّق مع العالم، كما قَالَ الحسن البصريّ فِي تفسير الأبرار: هم الذين لا يؤذون الذَّرّ، ولا يرضون الشرّ. ذكره فِي "العمدة" ١/ ١٥٠. (ومنها): أن فيه الردّ عَلَى المرجئة، فإنه ليس عندهم إسلام ناقص. (ومنها): أن فيه الحثَّ عَلَى ترك المعاصي، واجتناب المناهي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٩٩٩ - (أَخْبَرَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ سِيَاهٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا، فَذَلِكُمُ الْمُسْلِمُ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "حفص بن عمر" بن عبد الرحمن الرازيّ، أبو عمر

стр. 17886

الْمِهْرَقانيّ -بقاف- صدوقٌ [١٠]. رَوَى عن أبي أحمد الزبيري، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبي ضمرة أنس بن عياض، والقطان، وأبي داود الطيالسي، ومحمد بن سعيد بن سابق، وعبد الرزاق، ومكي بن إبراهيم، وغيرهم. وعنه النسائيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وابن الضريس، وعلي بن سعيد، وعبد الله ابن أحمد الدشتكي، وأبو بكر محمد بن داود بن يزيد، ومحمد بن عمار بن عطية الرازيون، وابنه محمد بن حفص، ومحمد بن إبراهيم بن شعيب القاري، وغيرهم. قَالَ أبو زرعة: صدوقٌ، ما علمته إلا صدوقا. وَقَالَ أبو حاتم: صدوقٌ. وَقَالَ ابن حبّان: صدوقٌ حسن الْحَدِيث، يُغرِب. وَقَالَ النسائيّ فِي "مشيخته": رازي، لا بأس به. وَقَالَ مسلمة: ثقة. تفرّد به المصنّف. [تنبيه]: "الْمِهْرقانيّ -بكسر الميم، والراء، بعدها قاف: نسبة إلى مِهْرقان قريةٌ بالريّ. قاله فِي "اللباب" ٢/ ٢٨٢. [تنبيه آخر]: كون حفص بن عمر فِي هَذَا السند هو المهرقانيّ هو الذي قاله الحافظ أبو القاسم ابن عساكر رحمه الله تعالى ردًّا عَلَى منْ ادّعى جهالته، كما نقله عنه فِي "تحفة الأشراف"، ونصّه ١/ ٤١٥ - ٤١٥ - : قَالَ ابن الكسّار: سمعت عبد الصمد البخاريّ يقول: حفص لا أعرفه، إلا أن يكون سقط الواو منْ حفص بن عَمرو الرَّبَاليّ المشهور بالرواية عن البصريين، وهو ثقةٌ. قَالَ أبو القاسم: وهذا حفص بن عمر، أبو عمر الْمِهْرَقانيّ الرازيّ معروف. انتهى. وكلام ابن الكسّار هَذَا سيأتي فِي "المجتبى" آخر "كتاب الإيمان" ٣٣/ ٥٠٤١. إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم. وقوله: "منْ صلّى صلاتنا الخ": المراد به منْ أظهر شعائر الإسلام. والحديث أخرجه البخاريّ، وتقدّم فِي ١/ ٣٩٦٧ "كتاب تحريم الدم"، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله، ودلالته عَلَى ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى هنا واضحة، حيث إن فيه بيان صفة المسلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". ***

стр. 17887

١٠ - (حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ) ٥٠٠٠ - (١) (أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَلَّى بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ، فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ كُلَّ حَسَنَةٍ، كَانَ أَزْلَفَهَا، وَمُحِيَتْ عَنْهُ كُلُّ سَيِّئَةٍ، كَانَ أَزْلَفَهَا، ثُمَّ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا، إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا، إِلاَّ أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا"). رجال هَذَا الإسناد: سبعة: ١ - (أحمد بن الْمُعَلّى) بن يزيد الأَسديّ، أبو بكر الدمشقيّ، نائب أبي زرعة فِي قضائها، صدوقٌ [١٢]. روى عن سليمان بن عبد الرحمن، وصفوان بن صالح، وخَتَنه دُحَيم، وأبي داود السجستانيّ، وغيرهم. وروى عنه النسائيّ، وابن جَوْصا، والطبرانيّ، وخيثمة، وأبو ميمون البجليّ، وأبو عليّ الحصائريّ، وغيرهم. قَالَ النسائيّ: لا بأس به. قَالَ محمد ابن يوسف الْهَرَويّ: مات فِي شهر رمضان سنة (٢٨٦ هـ). تفرّد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط. ٢ - (صفوان بن صالح) بن صفوان بن دينار الثففي مولاهم أبو عبد الملك الدمشقي مؤذن الجامع، ثقة، كَانَ يدلّس تدليس التسوية [١٠]. رَوَى عن الوليد بن مسلم، ومروان بن محمد، وابن عيينة، ومحمد بن شعيب بن شابور، وسويد بن عبد العزيز، وغيرهم. وعنه أبو داود، روى له فِي "كتاب القدر"، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه فِي "التفسير" بواسطة عبد السلام بن عتيق الدمشقي، ويزيد بن محمد بن عبد الصمد، وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، وجعفر بن محمد بن

стр. 17888

المفضل، والحسن بن علي الخلال، وأحمد بن المعلى بن يزيد الأسدي، وزكرياء بن يحيى السجزي، وأبو زرعة الرازي، وأبو زرعة الدمشقي، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وعبد الله ابن حماد الآملي، وعلي بن الحسين بن الجنيد، وأبو حاتم، ويعقوب بن سفيان، ومحمد بن الحسن بن قتيبة، وجماعة. قَالَ الآجري، عن أبي داود: حجة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ: كَانَ منتحل مذهب أهل الرأي. وَقَالَ الترمذيّ: هو ثقة عند أهل الْحَدِيث. ووثقه مسلمة بن قاسم، وأبو علي الجياني، وغيرهما. وَقَالَ ابن حبّان فِي آخر مقدمة "الضعفاء": سمعت بن جَوْصا، يقول: سمعت أبا زرعة الدمشقي، يقول: كَانَ صفوان بن صالح، ومحمد بن مُصَفّى يسويان الْحَدِيث -يعني يدلسان تدليس التسوية. قَالَ أبو زرعة الدمشقي: أخبرنا أن مولده سنة ثمان، أو تسع وستين. وَقَالَ يعقوب ابن سفيان: مات سنة سبع وثلاثين ومائتين. وَقَالَ عبد الرحمن بن الرواس: سنة ثمان. وَقَالَ أبو زرعة الدمشقي، وعمرو بن دُحيم: سنة (٩). روى له المصنّف، وأبو داود فِي "القدر"، والترمذي، وابن ماجه فِي "التفسير"، وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط. ٣ - (الوليد) بن مسلم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقة، كثير التدليس، والتسوية [٨] ٥/ ٤٥٤. ٤ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الإمام الحجة الثبت [٧] ٧/ ٧. ٥ - (زيد بن أسلم) العدويّ المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ٦٤/ ٨٠. ٦ - (عطاء بن يسار) الهلاليّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، ثقة فاضل، صاحب مواعظ وعبادة، منْ صغار [٣] ٦٤/ ٨٠. ٧ - (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما ١٦٩/ ٢٦٢. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده، وصفوان، فتفرد به هو والترمذي، وابن ماجه، وأبو داود فِي "القدر". (ومنها): أن أوله مسلسل بالدمشقيين، إلى الوليد، وبعده بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: زيد، عن عطاء، وهو منْ رواية الأقران، وفيه أبو سعد الخدريّ ﵁ منْ المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.

стр. 17889

شرح الْحَدِيث (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ) هَذَا الحكم يشترك فيه الرجال والنساء، وذكره بلفظ المذكر تغليبا (فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ) أي صار إسلامه حسنًا، باعتقاده، وإخلاصه، ودخوله فيه بالباطن والظاهر، وأن يستحضر عند عمله قرب ربه منه، واطلاعه عليه، كما دل عليه تفسير "الإحسان" فِي حديث سؤال جبريل ﵇ كما سبق (كَتَبَ اللَّهُ) أي أمر أن يكتب، ورواه الدارقطنيّ منْ طريق زيد بن شعيب، عن مالك، بلفظ: "يقول الله لملائكته: اكتبوا" (لَهُ كُلَّ حَسَنَةٍ، كَانَ أَزْلَفَهَا) أي أسلفها، وقدّمها، يقال: أزلف، وزلف، مخفّفًا، وزلّف مشدّدًا بمعنى واحد. وَقَالَ فِي "الفتح": قوله: "كَانَ أزلفها"، كذا لأبي ذرّ، ولغيره: "زَلَفَها"، وهي بتخفيف اللام، كما ضبطه صاحب "المشارق"، وَقَالَ النوويّ: بالتشديد، ورواه الدارقطنيّ منْ طريق طلحة بن يحيى، عن مالك، بلفظ: "ما منْ عبد يُسلم، فيُحسن إسلامه، إلا كتب الله كل حسنة زلفها، ومحا عنه كل خطيئة زلفها"، بالتخفيف فيهما، والنسائي نحوه، لكن قَالَ: "أزلفها"، وزَلّف -بالتشديد- وأزلف بمعنى واحد: أي أسلف، وقَدّم، قاله الخطّابيّ. وَقَالَ فِي "المحكم": أزلف الشيءَ: قَرّبه، وزلفه، مخففا، ومثقلاً: قَدَّمه. وفي "الجامع": الزلفة تكون فِي الخير والشر. وَقَالَ فِي "المشارق": زَلَفَ -بالتخفيف-: أي جَمَع، وكَسَب، وهذا يشمل الأمرين، وأما القربة فلا تكون إلا فِي الخير، فعلى هَذَا تترجح رواية غير أبي ذرّ، لكن منقول الخطّابيّ يساعدها. (وَمُحِيَتْ) بالبناء للمفعول: أي أُزليت، يقال: محوته مَحْوًا، منْ باب نصر، ومحيته مَحْيًا بالياء، منْ باب نفع لغةٌ: أزلته، وانمحى الشيءُ: ذهب أثره. قاله فِي "المصباح". والمعنى هنا: أزيل (عَنْهُ) أي عن صحيفة أعماله (كُلُّ سَيِّئَةٍ، كَانَ أَزْلَفَهَا) أي قدّمها. [تنبيه]: ذكر البخاريّ هَذَا الْحَدِيث فِي "صحيحه" معلّقًا، وسقط منْ روايته ذكر كتابة الحسنات المتقدّمة قبل الإسلام، فَقَالَ فِي "الفتح": قيل: إن المصنّف أسقط ما رواه غيره عمدًا؛ لأنه مشكل عَلَى القواعد. وَقَالَ المازري: الكافر لا يصح منه التقرب، فلا يثاب عَلَى العمل الصالح الصادر منه فِي شركه؛ لأن منْ شرط المتقرب، أن يكون عارفا لمن يتقرب إليه، والكافر ليس كذلك، وتابعه القاضي عياض عَلَى تقرير هَذَا الإشكال، واستضعف ذلك النوويّ، فَقَالَ: الصواب الذي عليه المحققون، بل نقل بعضهم فيه الإجماع، أن الكافر إذا فعل أفعالا جميلة، كالصدقة، وصلة الرحم، ثم أسلم، ومات عَلَى الإسلام، أن ثواب ذلك يكتب له، وأما دعوى أنه مخالف للقواعد، فغير مُسَلَّم؛

стр. 17890

لأنه قد يُعتَدّ ببعض أفعال الكافر فِي الدنيا، ككفارة الظهار، فإنه لايلزمه إعادتها إذا أسلم، وتجزئه. انتهى. والحق أنه لا يلزم منْ كتابة الثواب للمسلم، فِي حال إسلامه، تفضلاً منْ الله، وإحسانا أن يكون ذلك لكون عمله الصادر منه فِي الكفر مقبولاً، والحديث إنما تضمن كتابة الثواب، ولم يتعرض للقبول. ويحتمل أن يكون القبول يصير معلقًا عَلَى إسلامه، فيُقبل، ويثاب إن أسلم، وإلا فلا، وهذا قوي، وَقَدْ جزم بما جزم به النوويّ إبراهيم الحربي، وابن بطال، وغيرهما منْ القدماء، والقرطبي، وابن الْمُنَيِّر منْ المتأخرين، قَالَ ابن المنير: المخالف للقواعد دعوى أن يُكتَب له ذلك فِي حال كفره، وأما أن الله يُضيف إلى حسناته فِي الإسلام، ثواب ما كَانَ صدر منه، مما كَانَ يظنه خيرا، فلا مانع منه، كما لو تفضل عليه ابتداء، منْ غير عمل، وكما يتفضل عَلَى العاجز بثواب ما كَانَ يعمل، هو قادر، فإذا جاز أن يكتب له ثواب ما لم يعمل البتة، جاز أن يُكتب له ثواب ما عمله، غير مُوَفَّى الشروط. وَقَالَ ابن بطال: لله أن يتفضل عَلَى عباده بما شاء، ولا اعتراض لأحد عليه. واستَدَلَّ غيره: بأن منْ آمن منْ أهل الكتاب، يؤتى أجره مرتين، كما دل عليه القرآن، والحديث الصحيح، وهو لو مات عَلَى إيمانه الأول، لم ينفعه شيء منْ عمله الصالح، بل يكون هباء منثورا، فدل عَلَى أن ثواب عمله الأول، يكتب له مضافا إلى عمله الثاني، وبقوله ﷺ ، لَمّا سألته عائشة رضي الله تعالى عنها عن ابن جُدْعان، وما يصنعه منْ الخير، هل ينفعه؟، فَقَالَ: "إنه لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين"، فدل عَلَى أنه لو قالها، بعد أن أسلم نفعه ما عمله فِي الكفر. انتهى "فتح" ١/ ١٣٨. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي تمام البحث للمسألة قريبًا، إن شاء الله تعالى. (ثُمَّ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ) أي كتابة المجازاة، والمماثلة الشرعيّة، وضعها الله تعالى؛ فضلاً منه، ولطفًا، لا العقليّة، و"القصاص": مرفوع عَلَى أنه اسم "كَانَ"، ويجوز أن تكون "كَانَ" تامة، وعبر بالماضي؛ لتحقق الوقوع، فكأنه وقع، كقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ الآية [الأعراف: ٤٤] (الْحَسَنَةُ) مبتدأ خبره قوله (بِعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا) والجملة مستأنفة؛ استئنافًا بيانيًّا، وهو ما وقع جوابًا لسؤال مقدّر، تقديره هنا: كيف القصاص؟. وقوله: (إِلَى سَبعِمِائَةِ ضِعْفٍ) متعلّق بمقدّر: أي منتهيةً إلى سبعمائة ضعف. وحَكَى الماوردي: أن بعض العلماء أخذ بظاهر هذه الغاية، فزعم أن التضعيف لا يتجاوز سبعمائة. ورُدَّ عليه بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١]، والآية محتملة للأمرين، فيحتمل أن يكون المراد، أنه يضاعف تلك المضاعفة، بأن يجعلها سبعمائة، ويحتمل أنه
следующие страницы →