الْمِهْرَقانيّ -بقاف- صدوقٌ [١٠].
رَوَى عن أبي أحمد الزبيري، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبي ضمرة أنس بن عياض، والقطان، وأبي داود الطيالسي، ومحمد بن سعيد بن سابق، وعبد الرزاق، ومكي بن إبراهيم، وغيرهم.
وعنه النسائيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وابن الضريس، وعلي بن سعيد، وعبد الله ابن أحمد الدشتكي، وأبو بكر محمد بن داود بن يزيد، ومحمد بن عمار بن عطية الرازيون، وابنه محمد بن حفص، ومحمد بن إبراهيم بن شعيب القاري، وغيرهم. قَالَ أبو زرعة: صدوقٌ، ما علمته إلا صدوقا. وَقَالَ أبو حاتم: صدوقٌ. وَقَالَ ابن حبّان: صدوقٌ حسن الْحَدِيث، يُغرِب. وَقَالَ النسائيّ فِي "مشيخته": رازي، لا بأس به. وَقَالَ مسلمة: ثقة.
تفرّد به المصنّف.
[تنبيه]: "الْمِهْرقانيّ -بكسر الميم، والراء، بعدها قاف: نسبة إلى مِهْرقان قريةٌ بالريّ. قاله فِي "اللباب" ٢/ ٢٨٢.
[تنبيه آخر]: كون حفص بن عمر فِي هَذَا السند هو المهرقانيّ هو الذي قاله الحافظ أبو القاسم ابن عساكر رحمه الله تعالى ردًّا عَلَى منْ ادّعى جهالته، كما نقله عنه فِي "تحفة الأشراف"، ونصّه ١/ ٤١٥ - ٤١٥ - : قَالَ ابن الكسّار: سمعت عبد الصمد البخاريّ يقول: حفص لا أعرفه، إلا أن يكون سقط الواو منْ حفص بن عَمرو الرَّبَاليّ المشهور بالرواية عن البصريين، وهو ثقةٌ. قَالَ أبو القاسم: وهذا حفص بن عمر، أبو عمر الْمِهْرَقانيّ الرازيّ معروف. انتهى. وكلام ابن الكسّار هَذَا سيأتي فِي "المجتبى" آخر "كتاب الإيمان" ٣٣/ ٥٠٤١. إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.
وقوله: "منْ صلّى صلاتنا الخ": المراد به منْ أظهر شعائر الإسلام.
والحديث أخرجه البخاريّ، وتقدّم فِي ١/ ٣٩٦٧ "كتاب تحريم الدم"، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله، ودلالته عَلَى ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى هنا واضحة، حيث إن فيه بيان صفة المسلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
***
стр. 17887
١٠ - (حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ)
٥٠٠٠ - (١) (أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَلَّى بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ، فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ كُلَّ حَسَنَةٍ، كَانَ أَزْلَفَهَا، وَمُحِيَتْ عَنْهُ كُلُّ سَيِّئَةٍ، كَانَ أَزْلَفَهَا، ثُمَّ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا، إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا، إِلاَّ أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا").
رجال هَذَا الإسناد: سبعة:
١ - (أحمد بن الْمُعَلّى) بن يزيد الأَسديّ، أبو بكر الدمشقيّ، نائب أبي زرعة فِي قضائها، صدوقٌ [١٢].
روى عن سليمان بن عبد الرحمن، وصفوان بن صالح، وخَتَنه دُحَيم، وأبي داود السجستانيّ، وغيرهم. وروى عنه النسائيّ، وابن جَوْصا، والطبرانيّ، وخيثمة، وأبو ميمون البجليّ، وأبو عليّ الحصائريّ، وغيرهم. قَالَ النسائيّ: لا بأس به. قَالَ محمد ابن يوسف الْهَرَويّ: مات فِي شهر رمضان سنة (٢٨٦ هـ). تفرّد به المصنّف بهذا الْحَدِيث فقط.
٢ - (صفوان بن صالح) بن صفوان بن دينار الثففي مولاهم أبو عبد الملك الدمشقي مؤذن الجامع، ثقة، كَانَ يدلّس تدليس التسوية [١٠].
رَوَى عن الوليد بن مسلم، ومروان بن محمد، وابن عيينة، ومحمد بن شعيب بن شابور، وسويد بن عبد العزيز، وغيرهم. وعنه أبو داود، روى له فِي "كتاب القدر"، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه فِي "التفسير" بواسطة عبد السلام بن عتيق الدمشقي، ويزيد بن محمد بن عبد الصمد، وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، وجعفر بن محمد بن
стр. 17888
المفضل، والحسن بن علي الخلال، وأحمد بن المعلى بن يزيد الأسدي، وزكرياء بن يحيى السجزي، وأبو زرعة الرازي، وأبو زرعة الدمشقي، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وعبد الله ابن حماد الآملي، وعلي بن الحسين بن الجنيد، وأبو حاتم، ويعقوب بن سفيان، ومحمد بن الحسن بن قتيبة، وجماعة.
قَالَ الآجري، عن أبي داود: حجة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ: كَانَ منتحل مذهب أهل الرأي. وَقَالَ الترمذيّ: هو ثقة عند أهل الْحَدِيث. ووثقه مسلمة بن قاسم، وأبو علي الجياني، وغيرهما. وَقَالَ ابن حبّان فِي آخر مقدمة "الضعفاء": سمعت بن جَوْصا، يقول: سمعت أبا زرعة الدمشقي، يقول: كَانَ صفوان بن صالح، ومحمد بن مُصَفّى يسويان الْحَدِيث -يعني يدلسان تدليس التسوية.
قَالَ أبو زرعة الدمشقي: أخبرنا أن مولده سنة ثمان، أو تسع وستين. وَقَالَ يعقوب ابن سفيان: مات سنة سبع وثلاثين ومائتين. وَقَالَ عبد الرحمن بن الرواس: سنة ثمان. وَقَالَ أبو زرعة الدمشقي، وعمرو بن دُحيم: سنة (٩).
روى له المصنّف، وأبو داود فِي "القدر"، والترمذي، وابن ماجه فِي "التفسير"، وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الْحَدِيث فقط.
٣ - (الوليد) بن مسلم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقة، كثير التدليس، والتسوية [٨] ٥/ ٤٥٤.
٤ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الإمام الحجة الثبت [٧] ٧/ ٧.
٥ - (زيد بن أسلم) العدويّ المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ٦٤/ ٨٠.
٦ - (عطاء بن يسار) الهلاليّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، ثقة فاضل، صاحب مواعظ وعبادة، منْ صغار [٣] ٦٤/ ٨٠.
٧ - (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما ١٦٩/ ٢٦٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده، وصفوان، فتفرد به هو والترمذي، وابن ماجه، وأبو داود فِي "القدر". (ومنها): أن أوله مسلسل بالدمشقيين، إلى الوليد، وبعده بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: زيد، عن عطاء، وهو منْ رواية الأقران، وفيه أبو سعد الخدريّ ﵁ منْ المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
стр. 17889
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ) هَذَا الحكم يشترك فيه الرجال والنساء، وذكره بلفظ المذكر تغليبا (فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ) أي صار إسلامه حسنًا، باعتقاده، وإخلاصه، ودخوله فيه بالباطن والظاهر، وأن يستحضر عند عمله قرب ربه منه، واطلاعه عليه، كما دل عليه تفسير "الإحسان" فِي حديث سؤال جبريل ﵇ كما سبق (كَتَبَ اللَّهُ) أي أمر أن يكتب، ورواه الدارقطنيّ منْ طريق زيد بن شعيب، عن مالك، بلفظ: "يقول الله لملائكته: اكتبوا" (لَهُ كُلَّ حَسَنَةٍ، كَانَ أَزْلَفَهَا) أي أسلفها، وقدّمها، يقال: أزلف، وزلف، مخفّفًا، وزلّف مشدّدًا بمعنى واحد. وَقَالَ فِي "الفتح": قوله: "كَانَ أزلفها"، كذا لأبي ذرّ، ولغيره: "زَلَفَها"، وهي بتخفيف اللام، كما ضبطه صاحب "المشارق"، وَقَالَ النوويّ: بالتشديد، ورواه الدارقطنيّ منْ طريق طلحة بن يحيى، عن مالك، بلفظ: "ما منْ عبد يُسلم، فيُحسن إسلامه، إلا كتب الله كل حسنة زلفها، ومحا عنه كل خطيئة زلفها"، بالتخفيف فيهما، والنسائي نحوه، لكن قَالَ: "أزلفها"، وزَلّف -بالتشديد- وأزلف بمعنى واحد: أي أسلف، وقَدّم، قاله الخطّابيّ. وَقَالَ فِي "المحكم": أزلف الشيءَ: قَرّبه، وزلفه، مخففا، ومثقلاً: قَدَّمه. وفي "الجامع": الزلفة تكون فِي الخير والشر. وَقَالَ فِي "المشارق": زَلَفَ -بالتخفيف-: أي جَمَع، وكَسَب، وهذا يشمل الأمرين، وأما القربة فلا تكون إلا فِي الخير، فعلى هَذَا تترجح رواية غير أبي ذرّ، لكن منقول الخطّابيّ يساعدها.
(وَمُحِيَتْ) بالبناء للمفعول: أي أُزليت، يقال: محوته مَحْوًا، منْ باب نصر، ومحيته مَحْيًا بالياء، منْ باب نفع لغةٌ: أزلته، وانمحى الشيءُ: ذهب أثره. قاله فِي "المصباح". والمعنى هنا: أزيل (عَنْهُ) أي عن صحيفة أعماله (كُلُّ سَيِّئَةٍ، كَانَ أَزْلَفَهَا) أي قدّمها.
[تنبيه]: ذكر البخاريّ هَذَا الْحَدِيث فِي "صحيحه" معلّقًا، وسقط منْ روايته ذكر كتابة الحسنات المتقدّمة قبل الإسلام، فَقَالَ فِي "الفتح": قيل: إن المصنّف أسقط ما رواه غيره عمدًا؛ لأنه مشكل عَلَى القواعد. وَقَالَ المازري: الكافر لا يصح منه التقرب، فلا يثاب عَلَى العمل الصالح الصادر منه فِي شركه؛ لأن منْ شرط المتقرب، أن يكون عارفا لمن يتقرب إليه، والكافر ليس كذلك، وتابعه القاضي عياض عَلَى تقرير هَذَا الإشكال، واستضعف ذلك النوويّ، فَقَالَ: الصواب الذي عليه المحققون، بل نقل بعضهم فيه الإجماع، أن الكافر إذا فعل أفعالا جميلة، كالصدقة، وصلة الرحم، ثم أسلم، ومات عَلَى الإسلام، أن ثواب ذلك يكتب له، وأما دعوى أنه مخالف للقواعد، فغير مُسَلَّم؛
стр. 17890
لأنه قد يُعتَدّ ببعض أفعال الكافر فِي الدنيا، ككفارة الظهار، فإنه لايلزمه إعادتها إذا أسلم، وتجزئه. انتهى.
والحق أنه لا يلزم منْ كتابة الثواب للمسلم، فِي حال إسلامه، تفضلاً منْ الله، وإحسانا أن يكون ذلك لكون عمله الصادر منه فِي الكفر مقبولاً، والحديث إنما تضمن كتابة الثواب، ولم يتعرض للقبول. ويحتمل أن يكون القبول يصير معلقًا عَلَى إسلامه، فيُقبل، ويثاب إن أسلم، وإلا فلا، وهذا قوي، وَقَدْ جزم بما جزم به النوويّ إبراهيم الحربي، وابن بطال، وغيرهما منْ القدماء، والقرطبي، وابن الْمُنَيِّر منْ المتأخرين، قَالَ ابن المنير: المخالف للقواعد دعوى أن يُكتَب له ذلك فِي حال كفره، وأما أن الله يُضيف إلى حسناته فِي الإسلام، ثواب ما كَانَ صدر منه، مما كَانَ يظنه خيرا، فلا مانع منه، كما لو تفضل عليه ابتداء، منْ غير عمل، وكما يتفضل عَلَى العاجز بثواب ما كَانَ يعمل، هو قادر، فإذا جاز أن يكتب له ثواب ما لم يعمل البتة، جاز أن يُكتب له ثواب ما عمله، غير مُوَفَّى الشروط. وَقَالَ ابن بطال: لله أن يتفضل عَلَى عباده بما شاء، ولا اعتراض لأحد عليه. واستَدَلَّ غيره: بأن منْ آمن منْ أهل الكتاب، يؤتى أجره مرتين، كما دل عليه القرآن، والحديث الصحيح، وهو لو مات عَلَى إيمانه الأول، لم ينفعه شيء منْ عمله الصالح، بل يكون هباء منثورا، فدل عَلَى أن ثواب عمله الأول، يكتب له مضافا إلى عمله الثاني، وبقوله ﷺ ، لَمّا سألته عائشة رضي الله تعالى عنها عن ابن جُدْعان، وما يصنعه منْ الخير، هل ينفعه؟، فَقَالَ: "إنه لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين"، فدل عَلَى أنه لو قالها، بعد أن أسلم نفعه ما عمله فِي الكفر. انتهى "فتح" ١/ ١٣٨.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي تمام البحث للمسألة قريبًا، إن شاء الله تعالى.
(ثُمَّ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ) أي كتابة المجازاة، والمماثلة الشرعيّة، وضعها الله تعالى؛ فضلاً منه، ولطفًا، لا العقليّة، و"القصاص": مرفوع عَلَى أنه اسم "كَانَ"، ويجوز أن تكون "كَانَ" تامة، وعبر بالماضي؛ لتحقق الوقوع، فكأنه وقع، كقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ الآية [الأعراف: ٤٤] (الْحَسَنَةُ) مبتدأ خبره قوله (بِعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا) والجملة مستأنفة؛ استئنافًا بيانيًّا، وهو ما وقع جوابًا لسؤال مقدّر، تقديره هنا: كيف القصاص؟. وقوله: (إِلَى سَبعِمِائَةِ ضِعْفٍ) متعلّق بمقدّر: أي منتهيةً إلى سبعمائة ضعف. وحَكَى الماوردي: أن بعض العلماء أخذ بظاهر هذه الغاية، فزعم أن التضعيف لا يتجاوز سبعمائة. ورُدَّ عليه بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١]، والآية محتملة للأمرين، فيحتمل أن يكون المراد، أنه يضاعف تلك المضاعفة، بأن يجعلها سبعمائة، ويحتمل أنه
стр. 17891
يضاعف السبعمائة، بأن يزيد عليها، والمُصَرِّح بالرد عليه حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المخرّج عند البخاريّ فِي "الرقاق"، ولفظه: "كتب الله له عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة".
(وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا) مبتدأ وخبر: أي تكتب بمثلها (إِلاَّ أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا") زاد سمويه فِي "فوائده": "إلا أن يغفر الله، وهو الغفور"، وفيه دليل عَلَى الخوارج، وغيرهم، منْ المكفرين بالذنوب، والموجبين لخلود المذنبين فِي النار، فأول الْحَدِيث يرُدّ عَلَى منْ أنكر الزيادة والنقص فِي الإيمان؛ لأن الحسن تتفاوت درجاته، وآخره يرُدّ عَلَى الخوارج والمعتزلة. قاله فِي "الفتح" ١/ ١٣٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هَذَا صحيح، وهو بهذا السياق منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، فلم يخرجه منْ أصحاب الأصول موصولاً غيره، أخرجه هنا ١٠/ ٥٠٠٠. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): ذكر الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه" هَذَا الْحَدِيث معلّقًا، فَقَالَ: قَالَ مالك: أخبرني زيد بن أسلم، أن عطاء بن يسار أخبره، أن أبا سعيد الخدريّ أخبره أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: إذا أسلم العبد … " فذكره.
قَالَ فِي "الفتح": هكذا ذكره معلقًا، ولم يوصله فِي موضع آخر، منْ هَذَا الكتاب، وَقَدْ وصله أبو ذر الهروي فِي روايته لـ"لصحيح"، فَقَالَ عقبه: أخبرناه النضروي، هو العبّاس بن الفضل، قَالَ: حدثنا الحسن بن إدريس، قَالَ: حدثنا هشام بن خالد، حدثنا الوليد بن مسلم، عن مالك به، وكذا وصله النسائيّ، منْ رواية الوليد بن مسلم، حدثنا مالك، فذكره أتم مما هنا، وكذا وصله الحسن بن سفيان، منْ طريق عبد الله بن نافع، والبزار منْ طريق إسحاق الفروي، والإسماعيلي، منْ طريق عبد الله بن وهب، والبيهقي فِي "الشعب" منْ طريق إسماعيل بن أبي أويس، كلهم عن مالك، أخرجه الدارقطنيّ، منْ طرق أخرى، عن مالك، وذكر أن معن بن عيسى، رواه عن مالك، فَقَالَ: "عن أبي هريرة" بدل "أبي سعيد"، وروايته شاذة. ورواه سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء مرسلاً، قَالَ الحافظ: ورويناه فِي "الخلعيات"، وَقَدْ حفظ مالك الوصل فيه، وهو أتقن لحديث أهل المدينة منْ غيره. وَقَالَ الخطيب: هو حديث ثابت، وذكر البزار أن مالكا تفرد بوصله. انتهى "فتح" ١/ ١٣٧. والله تعالى أعلم
стр. 17892
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي قبول حسنات الكافر بعد إسلامه: لقد أجاد الحافظ المحقّق ابن رَجَب رحمه الله تعالى فِي "شرح البخاريّ" حيث كتب بحثًا نفيسًا، تقدّم خلاصته، لكن لَمّا اشتمل فِي سياقه الطويل منْ التفصيل، والتحقيق أحببت إيراده هنا؛ تتميمًا للفائدة، وتكميلاً للعائدة، قَالَ رحمه الله تعالى:
إحسان الإسلام يُفسر بمعنيين: [أحدهما]: بإكمال واجباته، واجتناب محرّماته. ومنه الْحَدِيث المشهور المرويّ فِي "السنن": "منْ حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (١)، فكما حسن إسلامه بترك ما لا يعنيه، وفعل ما يَعنيه. ومنه حديث ابن مسعود ﵁ الذي خرّجاه فِي "الصحيحين" أن النبيّ ﷺ سُئل أنؤاخذ بأعمالنا فِي الجاهليّة؟، فَقَالَ: "منْ أحسن فِي الإسلام لم يؤاخذ بما عمل فِي الجاهليّة، ومن أساء فِي الإسلام أُخذ بالأول، والآخر". فإن المراد بإحسانه فِي الإسلام فعل واجباته، والانتهاء عن محرماته، وبالإساءة فِي الإسلام: ارتكاب بعض محظوراته التي كانت تُرتكب فِي الجاهليّة.
وفي حديث ابن مسعود ﵁ هَذَا، مع حديث أبي سعيد ﵁ الذي علقه البخاريّ هنا دليل عَلَى أن الإسلام إنما يُكفّر ما كَانَ قبله منْ الكفر، ولواحقه التي اجتنبها المسلم بإسلامه، فأما الذنوب التي فعلها فِي الجاهلية إذا أصرّ عليها فِي الإسلام، فإنه يؤاخذ بها، فإنه إذا أصرّ عليها فِي الإسلام لم يكن تائبًا منها، فلا يكفر عنه بدون التوبة منها. وَقَدْ ذكر طوائف منْ العلماء، منْ أصحابنا -الحنبلية- كأبي بكر عبد العزيز بن جعفر، وغيره، وهو قول طائفة منْ المتكلّمين، منْ المعتزلة، وغيرهم، وهو اختيار الْحَلِيميّ. قَالَ ابن رَجَب: وَقَدْ وجدته منصوصًا عن الإمام أحمد، فنقل الميمونيّ فِي "مسائله" عن أحمد، قَالَ: بلغني عن أبي حنيفة أنه كَانَ يقول: لا يؤاخذ بما كَانَ فِي الجاهليّة، والنبيّ ﷺ يقول فِي غير حديث: "إنه يؤاخذ"، يعني حديث شقيق، عن ابن مسعود، أراد: "إذا أحسنت فِي الإسلام". انتهى. وكذلك حكى الْجُوزجانيّ عن أهل الرأي أنهم قالوا: إن منْ أسلم، وهو مُصرّ عَلَى الكبائر كفّر الإسلام كبائره كلها، ثم أنكر ذلك عليهم، وجعله منْ جملة أقوال المرجئة.
وخالف فِي ذلك آخرون، وقالوا: بل يُغفر له فِي الإسلام كلُّ ما سبق منه فِي
стр. 17893
الجاهليّة، منْ كفر، وذنب، وإن أصرّ عليها فِي الإسلام. وهذا قول كثير منْ المتكلّمين، والفقهاء، منْ الحنابلة، وغيرهم، كابن حامد، والقاضي، وغيرهما.
واستدلّوا بقول النبيّ ﷺ : "الإسلام يهدِم ما كَانَ قبله"، أخرجه مسلم منْ حديث عمرو بن العاص ﵁.
وأجاب الأولون عنه بأن المراد أنه يَهدِم ما كَانَ قبله مما ينافيه الإسلام، منْ كفر، وشرك، ولواحق ذلك، مما يكون الإسلام توبة منه، وإقلاعًا عنه؛ جمعًا بينه وبين الحديثين المتقدّمين.
واستدلّوا بقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية [الأنفال: ٣٨].
وأجاب الأولون بأن المراد يُغفر لهم ما سلف مما انتهوا عنه. وتأول بعض أهل القرن الثاني حديث ابن مسعود ﵁ عَلَى أن إساءته فِي الإسلام ارتداده عنه إلى الكفر، فيؤاخذ بكفره الأول والثاني. ومنهم منْ حمله عَلَى إسلام المنافق. وهذا بعيدٌ جدًّا. ومتى ارتدّ عن الإسلام، أو كَانَ منافقًا، فلم يبق معه إسلام حَتَّى يُسِيىءَ فيه.
والاختلاف فِي هذه المسألة مبنيّ عَلَى أصول:
[أحدها]: أن التوبة منْ ذنب تصحّ مع الإصرار عَلَى غيره. وهذا قول جمهور أهل السنّة والجماعة، والخلاف فيه عن الإمام أحمد، لا يثبت، وَقَدْ تأوّل ما رُوي عنه فِي ذلك المحقّقون منْ أصحابه، كابن شَاقَلا، والقاضي فِي كتاب "المعتمد"، وابن عقيل فِي "فصوله". وأما المعتزلة، فخالفوا فِي ذلك، وَقَالَ منْ قَالَ منهم، كالجبّائيّ؛ بناء عَلَى هَذَا: إن الكافر لا يصح إسلامه، مع إصراره عَلَى كبيرة، كَانَ عليها فِي حال كفره. وهذا قول باطل، لم يوافقهم عليه أحدٌ منْ العلماء
[الأصل الثاني]: أن التوبة، هل منْ شرط صحّتها إصلاح العمل بعدها، أم لا؟، وفي ذلك اختلاف بين العلماء، وَقَدْ ذكره، ابن حامد منْ الحنبليّة، وأشار إلى بناء الخلاف فِي هذه المسألة عَلَى ذلك، والصحيح عنده، وعند كثير منْ العلماء أن ذلك ليس بشرط.
[والأصل الثالث]: أن بعض الذنوب قد يُعفى عنها بشرط اجتناب غيرها، فإن لم يحصل الشرط، لم يحصُل ما علّق عليه. وهذا مأخذ أبي بكر عبد العزيز منْ الحنابلة، وجعل منْ هَذَا أن الصغائر إنما تكفّر باجتناب الكبائر، فإن لم يجتنب الكبائر وقعت المؤاخذة بالصغائر والكبائر. وهذا فيه خلاف، وجعل منه أن النظرة الأولى يُعفى عنها بشرط عدم المعاودة، فإن أعاد النظرة أُخذ بالأولى والثانية.
стр. 17894
[والأصل الرابع]: أن التوبة منْ الذنب هي الندم عليه بشرط الإقلاع عنه، والعزم عَلَى عدم العود إليه، فالكافر إذا أسلم، وهو مصرّ عَلَى ذنب آخر، صحّت توبته، مما تاب منه، وهو الكفر، دون الذنب الذي لم يتُب منه، بل هو مصرّ عليه. وأخرج النسائيّ حديث مالك الذي علّقه البخاريّ هنا، وزاد فِي أوله: "كتب الله له كل حسنة كَانَ أزلفها". وهذا يشبه قول النبيّ ﷺ لحكيم بن حزام ﵁ لَمّا قَالَ له: أرأيت أُمورًا، كنت أتبرّر بها فِي الجاهليّة، هل لي منها منْ سيء؟ فَقَالَ رسول الله ﷺ : "أسلمت عَلَى ما أسلفت منْ خير". أخرجه مسلم. وكلاهما يدلّ عَلَى أن الكافر إذا عمل حسنة فِي حال كفره، ثم أسلم، فإنه يُثاب عليها، ويكون إسلامه المتأخّر كافيًا له فِي حصول الثواب عَلَى حسناته السابقة منه قبل إسلامه. ورجّح هَذَا القول ابن بطّال، والقرطبيّ، وغيرهما، وهو مقتضى قول منْ قَالَ: إنه يُعاقب بما أصرّ عليه منْ سيئاته إذا أسلم، كما سبق، وحُكي مثله عن إبراهيم الحربيّ، ويدلّ عليه أيضًا أن عائشة رضي الله تعالى عنها لَمّا سألت النبيّ ﷺ عن ابن جُدْعان، وما كَانَ يصنعه منْ المعروف، هل ينفعه؟ فَقَالَ ﷺ : "إنه لم يقل يومًا قط: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين". وهذا يدلّ عَلَى أنه لو قَالَ ذلك يومًا منْ الدهر، ولو قبل موته بلحظة لنفعه ذلك.
ومما يُستدلّ به أيضًا قول النبيّ ﷺ في مؤمن أهل الكتاب إذا أسلم: "إنه يؤتى أجره مرتين"، متّفق عليه، مع أنه لو وافى عَلَى عمله بكتابه الأول لكان حابطًا، وهذا هو اللائق بكرم الله، وجوده، وفضله.
وخالف فِي ذلك طوائف، منْ المتكلمين، وغيرهم، وقالوا: الأعمال فِي حال الكفر حابطة، لا ثواب لها بكلّ حال، وتأوّلوا هذه النصوص الصحيحة بتأويلات مستكرهة، مستبعدة. ولذلك (١) منْ كَانَ له عمل صالح، فعمل سيّئة أحبطته، ثم تاب، فإنه يعود إليه ثواب ما حُبط منْ عمله بالسيّئات. وَقَدْ ورد فِي هَذَا آثار عن السلف، قَالَ ابن مسعود ﵁: "عَبدَ اللهَ رجلٌ سبعين سنة، ثم أصاب فاحشة، فاحبط الله عمله، ثم أصابته زمانة، وأُقعد، فرأى رجلاً يتصدّق عَلَى مساكين، فجاء إليه، فأخذ منه رغيفًا، فتصدّق به عَلَى مسكين، فغفر الله له، وردّ عليه عمل سبعين سنة". أخرجه ابن المبارك فِي "كتاب البر والصلة". بل عود العمل هاهنا بالتوبة أولى؛ لأن العمل الأول كَانَ مقبولاً، وإنما طرأ عليه ما يُحبطه، بخلاف عمل الكافر قبل إسلامه. ومن كَانَ مسلمًا، وعمِل صالحًا فِي إسلامه، ثم ارتدّ، ثم عاد إلى الإسلام، ففي حبوط عمله الأول بالردّة خلاف مشهور، ولا يبعد أن
стр. 17895
يقال: إنه يعود إليه بإسلامه الثاني عَلَى تقدير حبوطه. والله أعلم.
وَقَدْ وردت نصوصٌ أُخر تدلّ عَلَى أن الكافر إذا أسلم، وحسن إسلامه، فإنه تُبدّل سيئاته فِي حال كفره حسنات، وهذا أبلغ مما قبله، وهو يدلّ عَلَى أن التائب منْ ذنب تُبدل سيئاته قبل التوبة بالتوبة حسنات، كما دلّت عليه الآية فِي "سورة الفرقان"، وفي ذلك كلام يطول ذكره هاهنا. ولا يستبعد إثابة المسلم فِي الآخرة بما عمل قبل إسلامه منْ الحسنات، فإنه لابُدّ أن يثاب عليها فِي الدنيا، وفي إثابته عليها فِي الآخرة بتخفيف العذاب نزاعٌ مشهور، فإذا لم يكن بدّ منْ إثابته عليها، فلا يستنكر أن يثاب عليها بعد إسلامه فِي الآخرة؛ لأن المانع منْ إثابته عليها فِي الآخرة هو الكفر، وَقَدْ زال.
وَقَدْ يُستدلّ لهذا أيضًا بقول الله فِي قصّة أسارى بدر: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٧٠]، وَقَدْ كَانَ العبّاس بن عبد المطلب ﵁ وهو منْ جملة هؤلاء الأسارى- يقول: أما أنا فقد آتاني الله خيرًا مما أُخذ مني وعدني المغفرة. أخرجه ابن جرير فِي "تفسيره" ١٠/ ٣٥.
فهذه الآية تدلّ عَلَى أن الكافر إذا أُصيب بمصيبة فِي حال كفره، ثم أسلم، فإنه يُثاب عَلَى مصيبته، فلأن يُثاب عَلَى ما سلف منه منْ أعماله الصالحة أولى، فإن المصائب يُثاب عَلَى الصبر عليها، والرضى بها، وأما نفس المصيبة فقد قيل: إنه يُثاب عليها، وقيل: إنه لا يثاب عليها، وانما يُكفَّر عنه ذنوبه. وهذا هو المنقول عن كثير منْ الصحابة.
[والمعنى الثاني]: مما يُفسّر به إحسان الإسلام أن تقع طاعات المسلم عَلَى أكمل وجوهها، وأتمها، بحيث يستحضر العامل فِي حال عمله قرب الله تعالى منه، واطّلاعه عليه، فيعمل له عَلَى المراقبة، والمشاهدة لربّه بقلبه، وهذا هو الذي فسر النبيّ ﷺ به الإحسان فِي حديث سؤال جبريل ﵇.
وَقَدْ دلّ حديث أبي سعيد، وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما المذكوران (١) عَلَى أن مضاعفة الحسنات للمسلم بحسب حسن إسلامه. وأخرج ابن أبي حاتم منْ رواية عطيّة العوفيّ، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قَالَ: نزلت ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ
стр. 17896
أَمْثَالِهَا﴾ الآية [الأنعام: ١٦٠] فِي الأعراب، فَقَالَ رجلٌ: يا أبا عبد الرحمن، فما للمهاجرين؟ قَالَ: ما هو أكثر، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النِّساء: ٤٠]. ويشهد لهذا المعنى ما ذكره الله فِي حقّ أزواج نبيّه ﷺ ، فَقَالَ: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٠ - ٣٢]، فدلّ عَلَى أن منْ عظمت منزلته، ودرجته عند الله، فإن عمله يُضاعف له أجره. وَقَدْ تأول بعض السلف منْ بني هاشم دخول آل النبيّ ﷺ فِي هَذَا المعنى؛ لدخول أزواجه، فلذلك (١) منْ حسن إسلامه بتحقيق إيمانه وعمله الصالح، فإنه يضاعف له أجر عمله، بحسب حسن إسلامه، وتحقيق إيمانه وتقواه. والله أعلم.
ويشهد لذلك أن الله ضاعف لهذه الأمة لكونها خير أمة أُخرجت للناس أجرها مرّتين، قَالَ الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ الآية [الحديد: ٢٨].
وفي الْحَدِيث الصحيح: "إن أهل التوراة عملوا إلى نصف النهار عَلَى قيراط قيراط، وعمِل أهل الإنجيل إلى العصر عَلَى قيراط قيراط، وعمِلتم أنتم منْ العصر إلى غروب الشمس عَلَى قيراطين، فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: ما لنا أكثر عملاً، وأقلّ أجرًا؟ فَقَالَ الله: هل ظلمتكم منْ أجوركم شيئًا؟ قالوا: لا، قَالَ: فذلك فضلي أوتيه منْ أشاء".
وأما منْ أحسن عمله، وأتقنه، وعمِله عَلَى الحضور والمراقبة، فلا ريب أنه يتضاعف بذلك أجره، وثوابه فِي هَذَا العمل بخصوصه عَلَى منْ عمل ذلك العمل بعينه عَلَى وجه السهو والغفلة.
ولهذا رُوي فِي حديث عمّار ﵁ المرفوع: "إن الرجل ينصرف منْ صلاته، وما كُتب له إلا نصفها، إلا ثلثها، إلا ربعها، حَتَّى بلغ العشر"، فليس ثواب منْ كُتب له عشر عمله كثواب منْ كتب له نصفه، ولا ثواب منْ كتب له نصفه كثواب منْ كتب له عمله كلّه. والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ابن رَجَب رحمه الله تعالى فِي "شرح صحيح البخاريّ" ١/ ١٥٤ - ١٦٣.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تحرّر مما سبق أن الحق قول منْ قَالَ: إن الكافر
стр. 17897
إذا أسلم وحَسُنَ إسلامه، يُكتَبُ له ما عمله منْ أعمال البرّ فِي حال كفره؛ فضلاً منْ الله وكرمًا ببركة إسلامه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
١١ - (أَيُّ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟)
٥٠٠١ - (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأُمَوِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ، وَهُوَ بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (سعيد بن يحيى بن سعيد الأمويّ) أبو عثمان البغداديّ، ثقة، ربما أخطأ [١٠] ٤٣/ ٧٣٧.
٢ - (أبوه) يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص الأمويّ الأمويّ، أبو أيوب الكوفيّ، نزيل بغداد، لقبه الْجَمَل، صدوقٌ، يُغرب، منْ كبار [٩] ٤٣/ ٧٣٧.
٣ - (أبو بُردة بريد بن عبد الله بن أبي بردة) الكوفيّ، ثقة، يخطىء قليلاً [٦] ٢٥/ ١٥٠٣.
٤ - (أبو بردة) بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقة [٣] ٣/ ٣.
٥ - (أبو موسى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار الأشعريّ الصحابيّ اليمنيّ المشهور، مات ﵁ سنة (٥٠ هـ) وقيل: بعدها، تقدّمت ترجمته فِي ٣/ ٣. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، وسعيد بن يحيى، وإن كَانَ بغداديًا إلا أنه كوفيّ الأصل، وفيه رواية الراوي، عن جدّه، عن أبيه. والله تعالى أعلم.
[تنبيهان]: (الأول): هَذَا الإسناد هو الذي أخرج به البخاريّ هَذَا الْحَدِيث فِي
стр. 17898
"صحيحه". والله تعالى أعلم.
(الثاني): أن يحيى بن سعيد فِي هَذَا الكتاب أربعة: [أحدهما]: يحيى بن سعيد بن أبان الأمويّ هَذَا. [والثاني]: يحيى بن سعيد بن فرّوخ القطّان، وهما منْ الطبقة التاسعة، والقطّان أكثر رواية فِي الكتاب. [والثالث]: يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاريّ القاضي، أبو سعيد المدنيّ، منْ الطبقة الخامسة. [والرابع]: يحيى بن سعيد بن حيّان، أبو حيّان التيميّ الكوفيّ، وهو منْ الطبقة السادسة، والأنصاريّ أكثر روايةً فِي الكتاب منْ التيميّ. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: قُلْنَا) وفي رواية البخاريّ: "قالوا": ورواه ابن منده، منْ طريق حسين بن محمد الغساني، أحد الحفاظ، عن سعيد بن يحيى هَذَا، بلفظ: "قلت"، فتعين أن السائل أبو موسى.
ولا تخالف بين الروايات؛ لأنه فِي رواية ابن منده صرّح بأنه الذي تولّى السؤال، وفي رواية المصنّف أخبر عن جماعة، هو داخل فيهم، إذ الراضي بالسؤال فِي حكم السائل، وكذا فِي رواية البخاريّ أراد الصحابة الحاضرين، وهو منهم، والحاصل أن المباشر للسؤال هو أبو موسى، وإنما نُسب إلى الآخرين تجوّزًا لرضاهم به. وَقَدْ جمع بعضهم بحمله عَلَى تعدد الواقعة، والأول أولى.
وَقَدْ سأل هَذَا السؤال أيضًا أبو ذر ﵁، رواه ابن حبّان، وعمير بن قتادة، رواه الطبراني. قاله فِي "الفتح" ١/ ٧٩.
(يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْإسْلَامِ أَفْضَلُ؟) فيه حذف: أيْ أيُّ ذوي الإسلام، كما يدلّ عليه الجواب، ويؤيّده رواية مَسلم: "أي المسلمين أفضل؟ "، وبه يظهر دخول "أيّ" عَلَى متعدّد. ويمكن أن يقال: المراد أيّ أفراد الإسلام أفضل. أفاده السنديّ.
وَقَالَ فِي "الفتح": [إن قيل]: الإسلام مفرد، وشرط "أَيّ" أن تدخل عَلَى متعدد. [أجيب]: بأن فيه حذفا تقديره: أي ذوي الإسلام أفضل؟، ويؤيده رواية مسلم: "أي المسلمين أفضل"، والجامع بين اللفظين، أن أفضلية المسلم حاصلة بهذه الخصلة، وهذا التقدير أولي منْ تقدير بعض الشراح هنا: أيُّ خصال الإسلام؟، وإنما قلت: إنه أولي؛ لأنه يلزم عليه سؤال آخر، بأن يقال: سُئِل عن الخصال، فأجاب بصاحب الخصلة، فما الحكمة فِي ذلك؟. وَقَدْ يجاب بأنه يتأتّى، نحوَ قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٥]، والتقدير "بأيُّ ذوي الإسلام؟ " يقع الجواب مطابقا له، بغير تأوبل.
стр. 17899
[فإن قيل]: "أفضل" أفعل تفضيل، وَقَدْ تقرّر فِي محلّه أن أفعل التفضيل لا يُستعمل إلا بأحد الأوجه الثلاثة، وهي: الإضافة،، و"منْ"، واللام، ولا يوجد شيء منها هنا.
[أجيب]: بأنه يجوز تجريده منْ كلها عند العلم به، نحو قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] أي وأخفى منْ السرّ. وقولك: "الله أكبر": أي أكبر منْ كلّ شيء، فالتقدير هنا: أفضل منْ غيره، ومعنى الأفضل: هو اكثر ثوابًا عند الله تعالى، كما تقول: الصدق أفضل منْ غيره: أي هو أكثر ثوابًا عند الله تعالى منْ غيره. أفاده فِي "عمدة القاري" ١/ ١٥٣ - ١٥٤.
[تنبيه]: وقع التعبير فِي حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ هنا بلفظ: "أفضل"، وفي حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما الآتي فِي الباب التالي بلفظ "خير"، فَقَالَ الحافظ ابن رَجَب رحمه الله تعالى: والذي ظهر لي فِي الفرق بين "أفضل"، و"خير" أن لفظة "أفضل" إنما تستعمل فِي شيئين اشتركا فِي غير فضل، وامتاز أحدهما عن الآخر بفضل اختص به، فهذا الممتاز قد شار ذاك فِي الفضل، واختصّ عنه بفضل زائد، فهو ذاك. وأما لفظة "خير" فتستعمل فِي شيئين، فِي كلّ منهما نوع منْ الخير، أرجح مما فِي الآخر، سواء كَانَ لزيادة عليه فِي ذاته، أو فِي نفعه، أو غير ذلك، وإن اختلف جنساهما، فترجيح أحدهما عَلَى الآخر يكون بلفظة "خير"، فيقال مثلاً: النفع المتعدّي خير منْ النفع القاصر، وإن كَانَ جنسهما مختلفًا، ويقال: زيد أفضل منْ عمرو، إذا اشتركا فِي علم، أو دين، ونحو ذلك، وامتاز أحدهما عَلَى الآخر بزيادة. وإن استُعمل فِي النوع الأول لفظة "أفضل"، مع اختلاف الجنسين، فقد يكون المراد أن ثواب أحدهما أفضل منْ ثواب الآخر، وأزيد منه، فقد وقع الاشتراك فِي الثواب، وامتاز أحدهما بزيادة منه.
وحينئذ فمن سلم المسلمون منْ لسانه ويده إسلامه أفضل منْ إسلام غيره، ممن ليس كذلك؛ لاشتراكهما فِي الإتيان بحقوق الله تعالى فِي الإسلام منْ الشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ونحو ذلك، وامتاز أحدهما بالقيام بحقوق المسلمين، فصار هَذَا الإسلام أفضل منْ ذلك.
وأما المسلم: فيقال: هَذَا أفضل منْ ذاك؛ لأن إسلامه أفضل منْ إسلامه، ويقال: هو خير منْ ذاك؛ لترجح خيره عَلَى خير غيره، وزيادته عليه. انتهى "شرح البخاريّ" لابن رَجَب رحمه الله تعالى ١/ ٤٠ - ٤١.
(قَالَ) ﷺ (مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) "منْ": موصولة، عَلَى حذف مضاف، خبرٌ لمحذوف: أي هو إسلام منْ سلم الخ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
стр. 17900
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١١/ ٥٠٠١ وفي "الكبرى" ١١/ ١١٧٣٠. وأخرجه (خ) فِي "الإيمان" ١١ (م) فِي "الإيمان" ٤٢ (ت) فِي "صفة القيامة" ٢٥٠٤ و"الإيمان" ٢٦٢٨. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان أفضل خصال الإسلام. (ومنها): أن فيه تفاوت المسلمين فِي درجاتهم عند الله تعالى عَلَى حسب تفاوت أعمالهم الصالحة. (ومنها): الحث عَلَى الاجتناب منْ إيذاء المسلمين بيد، أو لسان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
١٢ - (أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟)
٥٠٠٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: "تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة.
و"الليث": هو ابن سعد الإمام المصريّ. و"يزيد بن أبي حبيب" سُويد: هو أبو رجاء المصريّ الثقة الفقيه [٥] ١٣٤/ ٢٠٧. و"أبو الخير": هو مَرْثد بن عبد الله الْيَزنيّ المصريّ الثقة الفقيه [٣] ٣٨/ ٥٨٢.
والسند مسلسل بثقات المصريين، غير شيخه، فإنه بغلانيّ، وَقَدْ دخل مصر أيضًا، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
стр. 17901
شرح الْحَدِيث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بن العاص رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ رَجُلاً) قَالَ الحافظ: لم أعرف اسمه، وقيل: إنه أبو ذر ﵁، وفي ابن حبّان أن هانىء بن يزيد، والد شُريح سأل عن معنى ذلك، فأجيب بنحو ذلك.
(سَأَلَ رَسُولَ اللهِ) وفي رواية البخاريّ: "النبيّ" ( ﷺ ، أَيُّ الإِسْلَام خَيْرٌ؟) فيه ما فِي الذي قبله منْ السؤال، والتقديرُ: أيُّ خصال الإسلام خير؟، قدره فيَ "الفتح": وَقَالَ: وإنما لم أختر تقدير "خصال" فِي الأول؛ فرارا منْ كثرة الحذف، وأيضًا فتنويع التقدير، يتضمن جواب منْ سأل، فَقَالَ: السؤالان بمعنى واحد، والجواب يختلف، فيقال له: إذا لاحظت هذين التقديرين، بَانَ الفرقُ. ويمكن التوفيق بأنهما متلازمان، إذ الإطعام مستلزم لسلامة اليد، والسلام لسلامة اللسان، قاله الكرماني، وكأنه أراد فِي الغالب. ويحتمل أن يكون الجواب اختلف لاختلاف السؤال عن الأفضلية، إن لُوحظ بين لفظ "أفضل"، ولفظ "خير" فرق. وَقَالَ الكرماني: الفضل بمعنى كثرة الثواب فِي مقابلة القلة، والخير بمعنى النفع فِي مقابلة الشر، فالأول منْ الكمية، والثاني منْ الكيفية، فافترقا.
واعتُرِض بأن الفرق لا يتم، إلا إذا اختص كل منهما بتلك المقولة، أما إذا كَانَ كل منهما يُعقَل تأتيه فِي الأخرى فلا، وكأنه بنى عَلَى أن لفظ "خير" اسم، لا أفعل تفضيل، وعلى تقدير اتحاد السؤالين جواب مشهور، وهو الحمل عَلَى اختلاف حال السائلين، أو السامعين، فيمكن أن يراد فِي الجواب الأول، تحذيرُ منْ خَشِيَ منه الايذاء بيد، أو لسان، فأَرشد إلى الكف، وفي الثاني ترغيب منْ رَجَى فيه النفع العام بالفعل والقول، فأَرشد إلى ذلك، وخَصّ هاتين الخصلتين بالذكر؛ لمسيس الحاجة إليهما فِي ذلك الوقت؛ لما كانوا فيه منْ الجهد، ولمصلحة التأليف، ويدل عَلَى ذلك أنه ﵊ حَثّ عليهما أول ما دخل المدينة، كما رواه الترمذيّ وغيره، مصححا منْ حديث عبد الله بن سلام ﵁ (١).
(قَالَ) ﷺ (تُطْعِمُ الطَّعَامَ) برفع الفعل، وهو فِي تقدير الحرف المصدريّ، أي أن تطعم، خبر لمحذوف: أي هو إطعامك الطعام، ونظيره: "تسمعُ بالمعيديّ خير منْ أن تراه"، وحذف "أن" ورفع الفعل جائز فِي سعة الكلام، وهو مذهب الأخفش منْ
стр. 17902
النحاة، وقوّاه ابن مالك فِي "التسهيل"، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ الآية، والتقدير: أن يريكم. وإنما الشاذّ حذف "أن"، ونصب الفعل، كما فِي قول الشاعر:
أَلَا أَيُّهَا الزَّاجِرِي أَحْضُرَ الْوَغَى … وَأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي
وإلى هَذَا أشار فِي "الخلاصة" بقوله:
وَشَذَّ حَذْفُ "أَنْ" وَنَصْبٌ فِي سِوَى … مَا مَرَّ فَاقْبَلْ مِنْهُ مَا عَدْلٌ رَوَى (١)
(وَتَقْرَأُ السَّلَامَ) بلفظ مضارع القراءة، بمعنى تقول. قَالَ أبو زيد: أقرئني خبرًا: أخبرني به. وَقَالَ أبو حاتم السجستاني: يقال: اقرأ ﵇، وأقرئه الكتاب، ولا يقال: أقرئه السلام، إلا أن يكون مكتوبا فِي كتاب، ويقال: أقرئه إياه، ولا يقال: أقرئه السلام، إلا فِي لغة شنوءة. قاله ابن بطال "شرح البخاريّ" ١/ ٦٤. وَقَالَ الفيّوميّ: وقرأت عَلَى زيد السلام أقرؤه عليه قراءةً، وإذا أمرت منه قلت: اقرأ ﵇. قَالَ الأصمعيّ: وتعديته بنفسه خطأٌ، فلا يقال: اقرأه السلام؛ لأنه بمعنى اتل عليه. وحكى ابن القطاع أنه يتعدّى بنفسه رباعيًّا، فيقال: فلانٌ يُقرئك السلام. انتهى.
(عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعرِفْ") أي لا تُخصّ به أحدا؛ تكبرًا، أو تصنعًا، بل تعظيما لشعار الإسلام، ومراعاة لأخُوّة المسلم، فهذا أفضل أنواع إفشاء السلام، ويخرج منْ عموم ذلك منْ لا يجوز ابتداؤه بالسلام، كأهل الكتاب، عند جمهور العلماء (٢).
قَالَ الحافظ ابن رَجَب رحمه الله تعالى: جعل النبيّ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيث خير الإسلام إطعام الطعام، وإفشاء السلام. وفي "المسند" ٤/ ٣٨٥ عن عمرو بن عَبَسَة ﵁ أنه سأل النبيّ ﷺ : ما الإسلام؟ قَالَ: "لين الكلام، وإطعام الطعام". ومراده الإسلام التامّ الكامل، وهذه الدرجة فِي الإسلام فضلٌ، وليست واجبةً، إنما هي إحسان. وأما سلامة المسلمين منْ اللسان واليد، فواجبة، إذا كانت منْ غير حقّ، فإن كانت السلامة منْ حقّ كَانَ أيضًا فضلاً. وَقَدْ جمع الله تعالى بين الأَفْضَال بالنداء (٣)، وترك الأذى فِي وصف المتّقين فِي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، فهذا إحسان وفضل، وهو بذل الندى، واحتمال الأذى.
стр. 17903
وجمع فِي الْحَدِيث بين إطعام الطعام، وإفشاء السلام؛ لأنه به يجتمع الإحسان بالقول والفعل، وهو أكمل الإحسان، وإنما كَانَ هَذَا خير الإسلام بعد الإتيان بفرائض الإسلام، وواجباته، فمن أتى بفرائض الإسلام، ثم ارتقى إلى درجة الإحسان إلى النَّاس، كَانَ خيرًا ممن لم يرتق إلى هذه الدرجة، وأفضل أيضًا، وليس المراد أن منْ اقتصر عَلَى هذه الدرجة، فهو خير منْ غيره مطلقًا، ولا أن إطعام الطعام، ولين الكلام خير منْ أركان الإسلام، ومبانيه الخمس، فإن إطعام الطعام، والسلام لا يكونان منْ الإسلام إلا بالنسبة إلى منْ منْ آمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر.
وَقَدْ زعم الحكيميّ (١) وغيره أنه قَالَ: خير الأشياء كذا، والمراد تفضيله منْ وجه دون وجه، وفي وقت دون وقت، أو لشخص دون شخص، ولا يراد تفضيله عَلَى الأشياء كلها، أو أن يكون المراد أنه منْ خير الأشياء، لا خيرها مطلقًا.
وهذا فيه نظرٌ، وهو مخالف للظاهر، ولو كَانَ هَذَا حقّا لما احتيج إلى تأويل قول النبيّ ﷺ لمن قَالَ له: يا خير البريّة، فَقَالَ: "ذاك إبراهيم ﵇"، وَقَدْ تأوله الأئمة، فَقَالَ الإمام أحمد: هو عَلَى وجه التواضع. ولكن هَذَا يقرب منْ قول منْ تأول "أفضل" بمعنى "فاضل"، وَقَالَ: إن "أفعل" لا تقتضي المشاركة، وهذا غير مطّرد عند البصريين، ويتأول ما ورد منه، وحكي عن الكوفيين أنه مطّردٌ، لا يحتاج إلى تأويل. انتهى كلام ابن رَجَب "شرح البخاريّ" ١/ ٤٢ - ٤٤.
[تنبيه]: أخرج مسلم منْ طريق عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، بهذا الإسناد نظير هَذَا السؤال، لكن جعل الجواب، كالذي فِي حديث أبي موسى، فادعى ابن منده فيه الاضطراب. [وأجيب]: بأنهما حديثان اتحد إسنادهما، وافق أحدهما حديث أبي موسى ﵁، ولثانيهما شاهد منْ حديث عبد الله بن سلام ﵁، كما تقدّم. قاله فِي "الفتح" ١/ ٨٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان،
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٢/ ٥٠٠٢ - وفي "الكبرى" ١٢/ ١١٧٣١. وأخرجه (خ) فِي "الإيمان"
стр. 17904
١٢ (م) فِي "الإيمان" ٣٩ (د) فِي "الأدب" ٥١٩٤ (ق) فِي "الأطعمة" ٣٢٥٣ (أحمد) فِي "مسند المكثرين" ٦٥٤٥ و٦٨٠٩، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان خير خصال الإسلام.
(ومنها): أن فيه حثًّا عَلَى إطعام الطعام، ومواساة المحتاجين، واستجلاب قلوب النَّاس به، وببذل السلام، لأنه ليس شيء أجلب للمحبة، وأثبت للمودّة منهما، وَقَدْ مدح الله المطعم للطعام، فَقَالَ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ الآية [الإنسان: ٨]، ثم ذكر الله تعالى جزيل ما أثابهم عليه، فَقَالَ: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ الآيات [الإنسان: ١١]، ووصف منْ لم يُطعم بقوله فِي وصف أهل النار: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ الآية [المدثر: ٤٣ - ٤٤]. وعاب منْ أراد أن يحرِم طعامه أهل الحاجة إليه، فذكر أهل الجنة: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ إلى ﴿كَالصَّرِيمِ﴾ -يعني المقطوع- فأذهب الله تعالى ثمارهم، وحرمهم إياها، حين قصدوا الاستئثار بها دون المساكين. أفاده ابن بطال "شرح البخاريّ" ١/ ٦٤.
(ومنها): أن فيه الحثّ عَلَى إفشاء السلام الذي هو دليل عَلَى خفض الجناح للمسلمين، والتواضع، والحثّ عَلَى تألف قلوبهم، واجتماع كلمتهم، وتوادّهم، ومحبّتهم. (ومنها): الإشارة إلى تعميم السلام، وهو أن لا يخصّ به أحدا دون أحد، كما يفعله الجبابرة؛ لأن المؤمنين كلهم إخوة، وهم متساوون فِي رعاية الأخوّة، ثم إن هَذَا العميم مخصوص بالمسلمين، فلا يسلّم ابتداء عَلَى كافر؛ لقوله ﷺ : "لا تبدءوا اليهود، ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتهم فِي الطريق، فاضطرّوهم إلى أضيقه"، رواه البخاريّ، وكذلك خُصّ منه الفاسق بدليل آخر، وأما منْ شُكّ فيه، فالأصل فيه البقاء عَلَى العموم، حَتَّى يثبت الخصوص، ويمكن أن يقال: إن الْحَدِيث كَانَ فِي ابتداء الإسلام لمصلحة التأليف، ثم ورد النهي. قاله فِي "عمدة القاري" ١/ ١٥٦ - ١٥٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي الأسئلة والأجوبة التي ذكروها فِي هَذَا الْحَدِيث:
(منها): ما قيل: لم قَالَ: "تطعم الطعام"، ولم يقل: تؤكل، ونحوه منْ الألفاظ الدالة عليه؟. [أجيب]: بأن لفظة الإطعام عام يتناول الأكل، والشرب، والذوق، قَالَ الشاعر:
وَإِشِئِتِ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ … وَإشِئْتِ لم أَطْعَمْ نُقَاخًا وَلَا بَرْدَا
стр. 17905
فإنه عطف البرد الذي هو النوم، والنُّقاخ بضم النون، وبالقاف، والخاء المعجمة-: الذي هو الماء العذب، وَقَالَ تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾: أي ومن لم يذقه، منْ طَعِم الشيءَ: إذا ذاقه، وبعمومه يتناول الضيافة، وسائر الولائم، وإطعام الفقراء، وغيرهم. قاله العينيّ. "عمدة القاري" ١/ ١٥٧.
(ومنها): ما قيل: إن باب أطعم يقتضي مفعولين، يقال: أطعمته الطعام، فما هو المفعول الثاني هنا، ولم حذف؟.
[أجيب]: بأن المفعول الثاني مقدّر: أي تعطم الخلق الطعام، وإنما حُذف للإشارة إلى أن إطعام الطعام غير مختصّ بأحد، سواء كَانَ المطعَم مسلمًا، أو كافرًا، أو حيوانًا آخر، وسواء كَانَ الإطعام، فرضًا، أو سنة، أو مستحبًّا. أفاده فِي "عمدة القاري" أيضًا ١/ ١٥٧.
(ومنها): ما قيل: لم قَالَ: "وتقرأ السلام"، ولم يقل: وتسلّم. [وأجيب]: بأنه يتناول سلام الباعث بالكتاب المتضمّن للسلام. وفيه إشارة أيضًا إلى أن تحيّة المسلمين بلفظ السلام، وزيدت لفظة القراءة تنبيهًا عَلَى تخصيص هذه اللفظة فِي التحيّات، مخالفة لتحايا أهل الجاهليّة بألفاظ وضعوها لذلك.
(ومنها): ما قيل: اللفظ عام، فيدخل الكافر، والمنافق، والفاسق. [وأجيب]: بأنه خص بأدلة أخرى، أو أن النهى متأخّر، وكان هَذَا عاما لمصلحة التأليف، وأما منْ شك فيه فالأصل البقاء عَلَى العموم، حَتَّى يثبت الخصوص.
(ومنها): ما قيل: لم خصّ هاتين الخصلتين فِي هَذَا الْحَدِيث؟. [وأجيب]: بأن المكارم لها نوعان: [أحدهما]: مالية، أشار إليها بقوله: "تُطعم الطعام". [والآخر]: بدنيّةٌ أشار إليها بقوله: "وتقرأ السلام". ويقال: وجه تخصيص هاتين الخصلتين هو مساس الحاجة إليهما فِي ذلك الوقت؛ لما كانوا فيه منْ الجهد، ولمصلحة التأليف، ويدلّ عَلَى ذلك أنه ﷺ حثّ عليهما أول ما دخل المدينة، كما رواه الترمذيّ، مصححًا، منْ حديث عبد الله بن سلام ﵁، قَالَ: أول ما قدِم رسول الله ﷺ المدينة، انجفل النَّاس إليه، فكنت ممن جاءه، فلما تأملت وجهه، واشتبهته، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذّاب، قَالَ: وكان أول ما سمعت منْ كلامه أن قَالَ: "أيها النَّاس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصَلُّوا بالليل، والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام". وَقَالَ الخطّابيّ رحمه الله تعالى: جعل ﷺ أفضلها إطعام الطعام الذي هو قوام الأبدان، ثم جعل خير الأقوال فِي البر والإكرام إفشاءَ السلام الذي يعمّ، ولا يخصّ منْ عرف، ومن لم يعرف، حَتَّى يكون خالصًا لله تعالى، بريئًا منْ حظّ النفس، والتصنّع؛ لأنه
стр. 17906
شعار الإسلام، فحقّ كلّ مسلم فيه شائعٌ، وفي "مسند الإمام أحمد" ١/ ٤٠٥ - ٤٠٦ - عن ابن مسعود ﵁، مرفوعًا: "إن منْ أشراط الساعة السلام للمعرفة".
(ومنها): ما قيل: جاء فِي الجواب هاهنا أن الخير أن تطعم الطعام، وفي الْحَدِيث الذي قبله أنه منْ سلم المسلمون منْ لسانه ويده، فما وجه التوفيق بينهما؟. وأجيب بأن الجوابين كانا فِي وقتين، فأجاب فِي كل وقت بما هو الأفضل فِي حقّ السامع، أو أهل المجلس، فقد يكون ظهر منْ أحدهما قلّة المراعاة ليده ولسانه، وإيذاء المسلمين، ومن الثاني إمساك الطعام، وتكبّر، فأجابهما عَلَى حسب حالهما، أو علم ﷺ أن السائل الأول يسأل عن أفضل التروك، والثاني عن خير الأفعال، أو أن الأول يسأل عما يدفع المضارّ، والثاني عما يجلُب المسارّ، أو أنهما بالحقيقة متلازمان، إذ الإطعام مستلزم لسلامة اليد، والسلام لسلامة اللسان غالبًا. أفاد هَذَا الأسئلة والأجوبة فِي "عمدة القاري" ١/ ١٥٧، وهي وإن كَانَ بعضها تقدّم خلال شرح الْحَدِيث، إلا أن كونها مجموعة فِي محلّ واحد أتمّ فائدة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
١٣ - (عَلَى كَمْ بُنِيَ الإِسْلَامُ؟)
٥٠٠٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعَافَى يَعْنِي ابْنَ عِمْرَانَ- عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلاً قَالَ لَهُ: أَلَا تَغْزُو؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كَلهم رجال الصحيح، غير شيخه "محمد بن عبد الله بن عمّار" المُخَرِّميّ الأزديّ، أبي جعفر، نزيل الموصِل، فإنه منْ أفراده، وهو ثقة حافظ [١٠] ٢٠/ ١٢٢٠.
و"المعافَى بن عمران": هو الأزديّ، أبو مسعود الموصليّ، ثقة عابدٌ فقيهٌ، منْ كبار [٩] ٣٦/ ١٢٧١. و"حنظلة بن أبي سفيان": هو الْجُمَحيّ المكيّ، ثقة حجة [٦] ١٢/ ١٢. و"عكرمة بن خالد": هو ابن سعيد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزوميّ المكيّ، ثقة [٣] ٣٧/ ٩٤٠.
стр. 17907
[تنبيه]: عكرمة هَذَا ثقة متَّفقٌ عليه، وفي طبقته عكرمة بن خالد بن سلمة بن هشام ابن المغيرة المخزومي، وهو ضعيف، وليس له فِي الكتب الستة شيء، فينبغي التنبّه لهذا؛ لشدة التباسهما، ويفترقان بشيوخهما، ولم يرو الضعيف عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. راجع ترجمته فِي "تهذيب التهذيب" ٣/ ١٣٢. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ رَجُلاً) اسم الرجل السائل حكيم، ذكره البيهقي (قَالَ لَهُ: أَلَا تَغْزُو؟) أي ألا تخرج للجهاد فِي سبيل الله (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، يَقُولُ) كأن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فهم أن السائل يرى أن الجهاد منْ أركان الإسلام، فأجاب بما ذكره، وإلا فلا يصحّ التمسّك بهذا الْحَدِيث فِي ترك ما يُذكَر فيه، منْ الجهاد وغيره، كما هو ظاهرٌ (بُنِيَ الإِسْلَامُ) فعل ونائب فاعله (عَلَى خَمْسٍ) أي خمس دعائم، وصرح به عبد الرزاق فِي روايته، أو قواعد، أو خصال، وفي رواية لمسلم "عَلَى خمسة": أي أشياء، أو أركان، أو أصول، ويقال: إنما حُذف الهاء؛ لكون التمييز لم يذكر، كقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]: أي عشرة أيام، وكقوله ﷺ : "منْ صام رمضان، فأتبعه ستّا منْ شوّال"، ونحو ذلك. وَقَدْ ذكر النحاة أن أسماء العدد إنما تذكّر، وتؤنث إذا كَانَ المعدود مذكورًا، وأما إذا حُذف، أو قُدّم جاز الأمران. راجع شروح "الخلاصة" فِي "باب العدد".
قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: قوله: "بُني الإسلام": يريد أنه لابدّ منْ اجتماع هذه الأمور الخمسة؛ ليكون الإسلام سالمًا عن خطر الزوال، وكلّما زال واحد منْ هذه الأمور يُخاف زوال الإسلام بتمامه، وللتنبيه عَلَى هَذَا المعنى أتى بلفظ البناء، وفيه تشبيه الإسلام ببيت مخمّسة زواياه، وتلك الزوايا أجزاؤه، فبوجودها أجمع يكون البيت سالمًا، وعند زوال واحد يُخاف على تمام البيت، وإن كَانَ قد يبقى معيبًا أيامًا. والله تعالى أعلم. انتهى.
وَقَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: يعني أن هذه الخمس أساس دين الإسلام، وقواعده عليها تُبنى، وبها تقوم، وإنما خصّ هذه بالذكر، ولم يذكر معها الجهاد، مع أنه به ظهر الدين، وانقمع به عُتاة الكافرين؛ لأن هذه الخمس فرض دائم عَلَى الأعيان، ولا تسقط عمن اتّصف بشروط ذلك، والجهاد منْ فروض الكفايات، وَقَدْ يسقط فِي بعض الأوقات، بل وَقَدْ صار جماعة كثيرةٌ إلى أن فرض الجهاد قد سقط بعد فتح مكة، وذُكر أنه مذهب ابن عمر، والثوريّ، وابن سيرين، ونحوه لسحنون منْ
стр. 17908
المالكيّة، إلا أن ينزل العدوّ بقوم، أو يأمر الإمام بالجهاد، فيلزم عند ذلك، وَقَدْ ظهر منْ عدول ابن عمر عن جواب الذي قَالَ له: ألا تغز؟ إلى جوابه بقول النبيّ ﷺ : "بني الإسلام عَلَى خمس" أنه كَانَ لا يرى فرضية الجهاد فِي ذلك الوقت خاصّةً، أو عَلَى أنه يرى سقوطه مطلقًا، كما نُقل عنه. انتهى "المفهم" ١/ ١٦٨ - ١٦٩.
وَقَالَ الشيخ عزّ الدين ابن عبد السلام رحمه الله تعالى فِي "أماليه" فِي هَذَا الْحَدِيث إشكالٌ؛ لأن الإسلام إن أريد به الشهادة، فهو مبنيّ عليها؛ لأنها شرط فِي الإيمان، مع الإمكان الذي هو شرط فِي الخمس، وإن أريد به الإيمان، فكذلك؛ لأنه شرط، وإن أريد به الانقياد، والانقياد هو الطاعة، والطاعة فعل المأموربه، والمأمور به هي هذه الخمس، لا عَلَى سبيل الحصر، فيلزم بناء الشيء عَلَى نفسه.
قَالَ: والجواب أنه التذلّل العام الذي هو اللغويّ، لا التذلّل الشرعيّ الذي هو فعل الواجبات، حَتَّى يلزم بناء الشيء عَلَى نفسه. ومعنى الكلام: أن التذلّل اللغويّ يترتّب عَلَى هذه الأفعال، مقبولاً منْ العبد، طاعةً، وقربةً.
وَقَالَ فِي موضع آخر: [إن قيل]: هذه الخمس هي الإسلام، فما المبنيّ عليه؟.
[فالجواب]: أن المبنيّ هو الإسلام الكامل، لا أصل الإسلام. انتهى ذكره فِي "زهر الربى" ٨/ ١٠٨.
وَقَالَ فِي "الفتح": [فإن قيل]: الأربعة المذكورة مبنية عَلَى الشهادة، إذ لا يصح شيء منها، إلا بعد وجودها، فكيف يُضم مبنى إلى مبنى عليه، فِي مسمى واحد؟.
[أجيب]: بجواز ابتناء أمر عَلَى أمر، ينبني عَلَى الأمرين أمر آخر. [فإن قيل]: المبنيّ لابد أن يكون غير المبنيّ عليه. [أجيب]: بأن المجموع غيرٌ منْ حيثُ الانفراد، عينٌ منْ حيث الجمع، ومثاله البيت منْ الشَّعَر، يُجعَل عَلَى خمسة أعمدة: أحدها أوسط، والبقية أركان، فما دام الأوسط قائما، فمُسمَّى البيت موجود، ولو سقط مهما سقط منْ الأركان، فإذا سقط الأوسط، سقط مسمى البيت، فالبيت بالنظر إلى مجموعه شيء واحد، وبالنظر إلى أفراده أشياء، وأيضًا فبالنظر إلى أُسّه وأركانه، الأُسُّ أصل، والأركان تبع، وتكملة.
[تنبيه]: لم يذكر الجهاد؛ لأنه فرض كفاية، ولا يتعين إلا فِي بعض الأحوال، ولهذا جعله ابن عمر جواب السائل، وزاد فِي رواية عبد الرزاق فِي آخره: "وأن الجهاد منْ العمل الحسن"، وأغرب ابن بطال، فزعم أن هَذَا الْحَدِيث، كَانَ أول الإسلام، قبل فرض الجهاد. وفيه نظر، بل هو خطأٌ؛ لأن فرض الجهاد كَانَ قبل وقعة بدر، وبدر كانت فِي رمضان، فِي السنة الثانية، وفيها فُرِض الصيام، والزكاة بعد ذلك، والحج بعد
стр. 17909
ذلك، عَلَى الصحيح. انتهى "فتح" ١/ ٧٢ - ٧٣.
وقوله: (شَهَادَةِ أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وما بعدها، مخفوض عَلَى البدل منْ "خمس"، ويجوز الرفع عَلَى حذف الخبر، والتقدير: منها شهادة أن لا إله الا الله، أو عَلَى حذف المبتدإ، والتقدير: أحدها: شهادة أن لا إله الا الله، ويجوز النصب عدى تقدير فعل: أي أعني شهادة أن لا إله إلا الله.
[فإن قيل]: لم يذكر الإيمان بالأنبياء، والملائكة، وغير ذلك، مما تضمنه سؤال جبريل ﵇. [أجيب]: بأن المراد بالشهاده تصديق الرسول ﷺ فيما جاء به، فيستلزم جميع ما ذُكر، منْ المعتقدات. وَقَالَ الإسماعيلي: ما مُحَصَّله: هو منْ باب تسمية الشيء ببعضه، كما تقول: قرأت "الحمد" وتريد جميع الفاتحة، وكذا تقول مثلا: شهدت برسالة محمد ﷺ ، وتريد جميع ما ذُكِر، والله تعالى أعلم. قاله فِي "الفتح" ١/ ٧٣.
(وَإِقَامِ الصَّلَاةِ) المراد بإقام الصلاة: المداومة عليها، أو مطلق الإتيان بها (وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) المراد بإيتائها إخراج جزء منْ المال، عَلَى وجه مخصوص (وَالْحَجِّ) أي قصد بيت الله الحرام للعبادة المخصوصة (وَصِيَامِ رَمَضَانَ") أي الإمساك فِي نهار شهر رمضان عن المفطّرات مع النيّة.
[تنبيه]: وقع هنا تقديم الحج عَلَى الصوم، وعليه بني البخاريّ ترتيبه، لكن وقع فِي مسلم منْ رواية سعد بن عُبيدة، عن ابن عمر بتقديم الصوم عَلَى الحج، قَالَ: فَقَالَ رجل: "والحج، وصيام رمضان"، فَقَالَ ابن عمر: لا، "صيام رمضان، والحج"، هكذا سمعت منْ رسول الله ﷺ . انتهى، ففي هَذَا إشعار بأن رواية حنظلة التي فيها تقديم الحج مروية بالمعنى، إما لأنه لم يسمع رد ابن عمر عَلَى الرجل؛ لتعدد المجلس، أو حضر ذلك، ثم نسيه، ويبعد ما جَوَّزه بعضهم، أن يكون ابن عمر سمعه منْ النبيّ ﷺ عَلَى الوجهين، ونسي أحدهما عند رده عَلَى الرجل، ووجه بعده أن تطرق النسيان إلى الراوي عن الصحابيّ أولي، منْ تطرقه إلى الصحابيّ، وكيف؟ وفي رواية مسلم منْ طريق حنظلة، بتقديم الصوم عَلَى الحج، ولأبي عوانة منْ وجه آخر، عن حنظلة، أنه جعل صوم رمضان قبلُ، فتنويعه دال عَلَى أنه رَوَى بالمعنى، ويؤيده ما وقع عند البخاريّ فِي "التفسير" بتقديم الصيام عَلَى الزكاة، أفيقال: إن الصحابيّ سمعه عَلَى ثلاثة أوجه؟، هَذَا مستبعد، والله أعلم.
[فائدة]: اسم الرجل الذي ردّ عليه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فِي تقديمه الحجّ على الصيام يزيد بن بِشر السكسكي، ذكره الخطيب البغداديّ رحمه الله تعالى فِي
стр. 17910
"مبهماته". قاله فِي "الفتح" ١/ ٧٣ - ٧٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٣/ ٥٠٠٣ وفي "الكبرى" ١٣/ ١١٧٣٢. وأخرجه (خ) فِي "الإيمان" ٨ (م) فِي "الإيمان" ١٦ (ت) فِي "الإيمان" ٢٦٠٩ (أحمد) فِي "مسند المكثرين" ٤٧٨٣ و٥٦٣٩ و٥٩٧٩ و٦٢٦٥. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان عدد ما بُنِيَ عليه الإسلام، وهو هذه الخمس. (ومنها): أن ظاهر الْحَدِيث يدلّ عَلَى أن الشخص لا يكون مسلمًا عند ترك شيء منها، وهذا بالنسبة للشهادة مجمع عليه، وأما بقية الأركان ففيها اختلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه فِي المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أن هذه الأشياء منْ فروض الأعيان، لا يسقط شيء منها بإقامة البعض له عن الباقين. (ومنها): جواز إطلاق "رمضان" منْ غير إضافة "شهر" إليه، خلافا لمن منع منْ ذلك، وَقَدْ تقدّم تحقيقه فِي "كتاب الصيام".
(ومنها): أنه يستفاد منه تخصيص عموم مفهوم السنة، بخصوص منطوق القرآن؛ لأن عموم الْحَدِيث يقتضي صحة إسلام منْ باشر ما ذُكر، ومفهومه أن منْ لم يباشره لا يصح منه، وهذا العموم مخصوص بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية، عَلَى ما تقرر فِي موضعه.
(ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: هَذَا الْحَدِيث قد روي منْ طُرُق، ففي بعضها: "شهادة أن لا إله إلا الله"، وفي بعضها "عَلَى أن يُعبّد الله، وُيكفر بما دونه"، فالأولى نقل باللفظ، والأخرى نقلٌ بالمعنى، والأصل نقل اللفظ، وهو المتّفق عليه.
وَقَدْ اختُلف فِي جواز الْحَدِيث بالمعنى، منْ العالم بمواقع الكلم، وتركيبها عَلَى قولين: الجواز، والمنع، وأما منْ لا يعرف، فلا خلاف فِي تحريم ذلك عليه. وَقَدْ وقع فِي بعض الروايات فِي الأصل تقديم الحج عَلَى الصوم، وهي وهمٌ والله أعلم- لأن ابن عمر لَمّا سمع المستعيد يُقدِّم الحجّ عَلَى الصوم زجره، ونهاه عن ذلك، وقدَّم الصوم عَلَى الحجّ، وَقَالَ: هكذا سمعته منْ رسول الله ﷺ ، ولا شكّ فِي أن نقل اللفظ كما
стр. 17911
سمع هو الأولى، والأسلم، والاْعظم للأجر؛ لقوله ﷺ : "نضر الله امرأً، سمع مقالتي، فوعاها، ثم أدّاها كما سمعها، فربّ حامل فقه إلى منْ هو أفقه منه، وربّ حاملٌ ليس بفقيه". انتهى. "المفهم" ١/ ١٦٩.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله عَلَى قولين، فيه نظر؛ لأن الأقوال أكثر، كما بين ذلك فِي "الكوكب الساطع" حيث قَالَ:
نَقْلَ الأَحَادِيثِ بِمَعنَاهُ مَنَعْ … ثَعْلَبُ وَالرَّازِيُ مَعْ قَوْمٍ تَبَعْ
وَالأَكْثَرُونَ جَوَّزُوا لِلْعَارِفِ … وَجَوَّزَ الْخَطِيبُ بِالْمُرَادِفِ
وَقِيلَ إِنْ أَوْجَبَ عِلْمًا الْخَبَرْ … وَقِيلَ إِنْ يَنْسَ وَقِيلَ إِنْ ذَكَرْ
وقلت فِي منظومتي "شافية الغُلَل بمهمات علم الْعِلَل":
اخْتَلَفُوا فِيمَنْ رَوَى بِالْمَعْنَى … أَجَازَهُ الجُمْهُورُ نِعْمَ الْمَهْنَا
فَعَلَهُ جُلُّ الصِّحَابِ وَالتَّبَعْ … وَهوَ الْمُرَجَّحُ الأَحَقُّ بِالتَّبَعْ
دَلِيلُهُ أَنَّ الإلَهَ ذَكَرَا … قِصَصَ مَنْ مَضَى بِغَيْرِ مَا جَرَى
بِهِ كَلَامُهُمْ كَمَا قَالَ الْحَسَنْ … كَذَاكَ أَجْمَعُوا عَلَى الشَّرْحِ الْحَسَنْ
نَصَّ الْكِتَابِ وَالْحَدِيثِ لِلْعَجَمْ … عَلَى لُغَاتهِمْ لِيُفهَمَ الأَتَمُّ
ثُمَّ الْجَوَازُ ذَا لِعَالِمٍ فَقَطْ … لِلُغَةِ الْعَرَبِ بِالْحِفْظِ ضَبَطْ
وِبِمَعَانِيهَا بَصِيرٌ عَالِمُ … بِمَا يُحِيلُ لِلمُرَادِ فَاهِمُ
وَمَنْ عَدَا ذَلِكَ لَا يَرْوِي سِوَى … مَرْوِيِّهِ بِاللَّفْظِ مَثْلَمَا حَوَى
إِذْ قَدْ يُؤَدِّي نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى … مِنَ الْكَثِيرِينَ لِقَلْبِ الْمَعْنَى
وَمَعَتْ طَائِفَةٌ كَابْنِ عُمَرْ … وَقَاسِمٍ وَنَجلِ سِيرِينَ الأَبَرُّ
وَنَجْلِ حَيْوَةٍ وَمَالِكٌ إِذَا … جَا فِي أَحَادِيثِ النَّبِيِّ نُبِذَا
وَجَوَّزَتْ طَائِفَةٌ فِي النَّقْصِ … دُونَ الزِّيَادَةِ لِشَكِّ النَّصِّ
(ومنها): ما قاله القرطبيّ أيضًا: يحتمل أن يكون محافظة النبيّ ﷺ عَلَى ترتيب هذه القواعد؛ لأنها نزلت كذلك: الصلاة أوّلاً، ثم الزكاة، ثم الصوم، ثم الحجّ. ويحتمل أن يكون لإفادة الأوكد، فالأوكد، فقد يَستنبط الناظر فِي ذلك الترتيب تقديمَ الأوكد عَلَى ما هو دونه، إذا تعذّر الجمع بينهما، كمن ضاق عليه وقت الصلاة، وتعيّن عليه فِي ذلك الوقت أداء الزكاة؛ لضرورة المستحِقِّ، فيبدأ بالصلاة، أو كما إذا ضاق وقت
стр. 17912
الصلاة عَلَى الحاجّ، فيتذكر العشاء الآخرة، وَقَدْ بقي عليه منْ وقت صلاة العشاء الآخرة ما لو فعله فاته الوقوف بعرفة، فقد قَالَ بعض العلماء: إنه يبدأ بالصلاة، وإن فاته الوقوف؛ نظرًا إلى ما ذكرناه. وقيل: يبدأ بالوقوف؛ للمشقّة فِي استئناف الحجّ. ومن ذلك لو أوصى رجل بزكاة فّرط فِي أدائها، وبكفّارة فطر منْ رمضان، وضاق الثلث عنهما بدأ بالزكاة أوّلاً؛ لأوكديّتها عَلَى الصوم، وكذلك لو أوصى بكفّارة الفطر، وبهدي واجبٍ فِي الحجّ، قدّم كفّارة الفطر، وهذا كلّه عَلَى أصل مالك، فإن ذلك كله يُخرج منْ الثلث، وأما منْ ذهب إلى أن ذلك يُخرج منْ رأس المال، فلا تفريع عَلَى ذلك بشيء مما ذكرناه. انتهى "المفهم" ١/ ١٦٩ - ١٧٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي زوال الإسلام بزوال شيء منْ هذه الأركان الخمسة:
لقد أجاد الحافظ ابن رَجَب رحمه الله تعالى فِي هَذَا الموضوع، حيث كتب: ما ملخّصه: معنى قوله ﷺ : "بُني الإسلام عَلَى خمس": أن الإسلام مَثَلُه كبنيان، وهذه الخمس دعائم البنيان، وأركانه التي يثبت عليها البنيان. قَالَ: وإذا كانت هذه دعائم البنيان، وأركانه، فبقية خصال الإسلام كبقية البنيان، فإذا فُقد شيء منْ بقية الخصال الداخلة فِي مُسمّى الإسلام الواجب نقص البنيان، ولم يسقط بفقده. وأما هذه الخمس، فإذا زالت كلّها سقط البنيان، ولم يثبت بعد زوالها، وكذلك إن زال منها الركن الأعظم، وهو الشهادتان، وزوالهما يكون بالإتيان بما يُضادّهما، ولا يجتمع معهما. وأما زوال الأربع البواقي، فاختلف العلماء، هل يزول الاسم بزوالها، أو بزوال واحد منها، أم لا يزول بذلك؟ أم يُفرّق بين الصلاة وغيرها، فيزول بترك الصلاة، دون غيرها؟ أم يختصّ زوال الإسلام بترك الصلاة والزكاة خاصّة؟، وفي ذلك اختلاف مشهور، وهذه الأقوال كلها محكيّة عن الإمام أحمد. وكثير منْ علماء أهل الْحَدِيث يرى تكفير تارك الصلاة، وحكاه إسحاق بن راهويه إجماعا منهم، حَتَّى إنه جعل قول منْ قَالَ: لا يكفر بترك هذه الأركان مع الإقرار بها منْ أقوال المرجئة. وكذلك قَالَ سفيان ابن عيينة: المرجئة سمّوا ترك الفرائض ذنبًا بمنزلة ركوب المحارم، وليسا سواء؛ لأن ركوب المحارم متعمّدًا، منْ غير استحلال معصيةٌ، وترك الفرائض منْ غير جهل، ولا عذر: هو كفر. وبيان ذلك فِي أمر آدم وإبليس، وعلماء اليهود الذين أقرّوا ببعث النبيّ ﷺ بلسانهم، ولم يعملوا بشرائعه. ورُوي عن عطاء، ونافع مولى ابن عمر أنهما سُئلا عمن قَالَ: الصلاة فريضة، ولا أُصلي، فقالا: هو كافر، وكذا قَالَ الإمام أحمد. ونقل
стр. 17913
حرب عن إسحاق، قَالَ: غَلَت المرجئة حَتَّى صار منْ قولهم: إن قوما يقولون: منْ ترك الصلوات المكتوبات، وصوم رمضان، والزكاة، والحجّ، وعامّة الفرائض، منْ غير جحود لها لا نكفّره، يرجى أمره إلى الله بعدُ؛ إذ هو مقرّ، فهؤلاء الذين لا شكّ فيهم -يعني فِي أنهم مرجئة. وظاهر هَذَا أنه يكفّر بترك هذه الفرائض. وروى يعقوب الأشعريّ، عن ليث، عن سعيد بن جُبير، قَالَ: منْ ترك الصلاة متعمدًا، فقد كفر، ومن أفطر يومًا منْ رمضان متعمّدًا فقد كفر، ومن ترك الحجّ متعمّدًا، فقد كفر، ومن ترك الزكاة متعمّدًا، فقد كفر. وُيروى عن الحكم بن عُتيبة نحوه، وحُكي روايةً عن أحمد، اختارها أبو بكر منْ أصحابه، وعن عبد الملك بن حبيب المالكي مثله، وهو قول أبي بكر الحميديّ. ورُوي عن ابن عبّاس التكفير ببعض هذه الأركان، دون بعض، فروى مؤمل، عن حمّاد بن زيد، عن عمرو بن مالك النُّكْريّ، عن أبي الْجَوْزاء، عن ابن عبّاس، ولا أحسبه إلا رفعه، قَالَ: "عُرَى الإسلام، وقواعد الدين ثلاثة، عليهنّ أُسِّس الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وصوم رمضان، منْ ترك منها واحدةً، فهو بها كافرٌ حلال الدم، وتجده كثير المال، لم يحُجّ، فلا يزال بذلك كافرًا، ولا يحلّ دمه، وتجده كثير المال، لا يزكي، فلا يزال بذلك كافرًا، ولا يحلّ دمه". ورواه قتيبة، عن حماد بن زيد، فوقفه، واختصره، ولم يُتمّه. ورواه سعيد بن زيد، أخو حمّاد، عن عمرو بن مالك، ورفعه، وَقَالَ: "منْ ترك منهنّ واحدةً، فهو بالله كافر، ولا يُقبل منه صرفٌ، ولا عدلٌ، وَقَدْ حلّ دمه وماله"، ولم يزد عَلَى ذلك. والأظهر وقفه عَلَى ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، فقد جعل ابن عبّاس ترك هذه الأركان كفرًا، لكن بعضها كفرٌ يُبيح الدم، وبعضها لا يبيحه، وهذا يدلّ عَلَى أن الكفر بعضه ينقل عن الملّة، وبعضه لا ينقل.
وأكثر أهل الْحَدِيث عَلَى أن ترك الصلاة كفر، دون غيرها منْ الأركان، كذلك حكاه محمد بن نصر المروزيّ وغيره عنهم. وممن قَالَ بذلك: ابنُ المبارك، وأحمد، فِي المشهور عنه، وإسحاق، وحكى عليه إجماع أهل العلم، كما سبق. وَقَالَ أيوب: ترك الصلاة كفر، لا يُختلف فيه. وَقَالَ عبد الله بن شقيق: كَانَ أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئًا منْ الأعمال تركه كفر غير الصلاة. أخرجه الترمذيّ. وَقَدْ روي عن عليّ، وسعد، وابن مسعود، وغيرهم، قالوا: منْ ترك الصلاة، فقد كفر. وَقَالَ عمر: لا حظّ فِي الإسلام لمن ترك الصلاة. وفي "صحيح مسلم" عن جابر ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "بين الرجل وبين الشرك والكفر تركُ الصلاة". وأخرج النسائيّ، والترمذيّ، وابن
стр. 17914
ماجه، منْ حديث بُريدة ﵁ عن النبيّ ﷺ قَالَ: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها، فقد كفر"، وصححه الترمذيّ، وغيره.
ومن خالف فِي ذلك جعل الكفر هنا غير ناقل عن الملّة، كما فِي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا القول هو الراجح، كما تقدّم تحقيقه بدلائله فِي "كتاب الصلاة"، وحاصله أن تارك الصلاة كافر كما أطلق عليه الشارع ذلك، ولكن كفره كفر دون كفر، فلا يكون بذلك خارجًا عن الإسلام، إلا انضمّ إلى تركه الجحد، فراجع المسألة هناك تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
قَالَ: فأما بقيّة خصال الإسلام والإيمان، فلا يخرج العبد بتركها منْ الإسلام عند أهل السنّة والجماعة، وإنما خالف فِي ذلك الخوارج، ونحوهم، منْ أهل البدع.
قَالَ حذيفة ﵁: الإسلام ثمانية أسهم: الإسلام سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، والحجّ سهم، ورمضان سهم، والجهاد سهم، والأمر بالمعروف سهم، والزكاة عن المنكر سهم، وَقَدْ خاب منْ لا سهم له. وروي مرفوعًا، والموقوف أصحّ.
فسائر خصال الإسلام الزائدة عَلَى أركانه الخمس، ودعائمه إذا زال شيء منها نقص البنيان، ولم ينهدم أصل البيان بذلك النقص.
وَقَدْ ضرب الله تعالى وسوله ﷺ مَثَل الإيمان والإسلامِ بالنخلة، قَالَ الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٣ - ٢٤].
فالكلمة الطيّبة هي كلمة التوحيد، وهي أساس الإسلام، وهي جارية عَلَى لسان المؤمن، وثبوت أصلها هو ثبوت التصديق بها فِي قلب المؤمن، وارتفاع فرعها فِي السماء هو علوّ هذه الكلمة، وبُسُوقها، وأنها تخرق الحجب، ولا تتناهى دون العرش، وإتيانها أكلها كلّ حين: هو ما يُرفع بسببها للمؤمن كلّ حين منْ القول الطيب، والعمل الصالح، فهو ثمرتها. وجعل النبيّ ﷺ مثل المؤمن، أو المسلم كمثل النخلة. وَقَالَ طاوس: مثل الإسلام كشجرة أصلها الشهادة، وساقها كذا وكذا، وورقها كذا وكذا، وثمرها الورع، ولا خير فِي شجرة لا ثمر لها، ولا خير فِي إنسان لا ورع فيه.
ومعلوم أن ما دخل فِي مسمّى الشجرة والنخلة منْ فروعها، وأغصانها، وورقها، وثمرها، إذا ذهب شيء منه لم يذهب عن الشجرة اسمها، ولكن يقال: هى شجرة ناقصة، وغيرها أكمل منها، فإن قُطع أصلها، وسقطت لم تبق شجرة، وإنما تصير حطبًا، فكذلك الإيمان والإسلام إذا زال منه بعض ما يدخل فِي مسمّاه مع بقاء أركان
стр. 17915
بنيانه، لا يزول به اسم الإسلام والإيمان بالكلّيّة، وإن كَانَ قد سُلب الاسم عنه لنقصه، بخلاف ما انهدمت أركانه، وبنيانه، فإنه يزول مسمّاه بالكلّيّة. والله أعلم. انتهى كلام ابن رَجَب رحمه الله تعالى فِي "شرح البخاريّ" ١/ ٢٢ - ٢٨. وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
١٤ - (الْبَيْعَةُ عَلَى الإِسْلَامِ)
٥٠٠٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَجْلِسٍ، فَقَالَ: "تُبَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا" -قَرَأَ عَلَيْهِمُ الآيَةَ- فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ، فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَسَتَرَهُ اللَّهُ ، فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"أبو إدريس الْخَوْلانيّ": هو: عائذ الله بن عبد الله الثقة المخضرم، عالم الشام بعد أبي الدرداء ﵁.
وقوله: "وقرأ عليهم الآية": هي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٢].
وقوله: "فمن وفى منكم" بتخفيف الفاء، وتشديدها: أي ثبت عَلَى العهد. وقوله: "فأجره عَلَى الله": تعظيم للأجر بإضافته إلى عظيم. قاله السنديّ. وَقَالَ السيوطيّ: أطلق هَذَا عَلَى سبيل التفخيم؛ لأنه لما ذكر المبالغة المقتضية لوجود العوضين، أثبت ذكر الأجر فِي موضع أحدهما. انتهى.
وقوله: "ومن أصاب منْ ذلك شيئًا": المراد ما ذُكر بعد الإشراك بقرينة أن المخاطب بذلك المسلمون، فلا يدخل حَتَّى يحتاج إلى إخراجه، ويؤيده رواية مسلم: "ومن أتى منكم حدًّا"، إذ القتل عَلَى الأشراك لا يسمّى حدًّا، قَالَ السيوطيّ: ويرشد إليه قوله:
стр. 17916
"فستره الله"، فإن الستر بالمعصية أليق. انتهى.
والحديث أخرجه البخاريّ، وَقَدْ تقدّم للمصنّف فِي "كتاب البيعة" ٩/ ٤١٦٣ - وَقَدْ استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، ودلالته هنا لما ترجم له المصنّف واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
١٥ - (عَلَى مَا يُقَاتَلُ النَّاسُ؟)
٥٠٠٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ نُعَيْمٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا حِبَّانُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِذَا شَهِدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا، وَأَكَلُوا ذَبِيحَتَنَا، وَصَلَّوْا صَلَاتَنَا، فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، إِلاَّ بِحَقِّهَا، لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْهِمْ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن حاتم بن نُعيم": هو المروزيّ الثقة [١٢] ١/ ٣٩٧ منْ أفراد المصنّف. و"حِبّان" -بكسر المهملة-: هو ابن موسى المروزيّ الثقة [١٠] ١/ ٣٩٧. و"عبد الله": هو ابن المبارك.
والحديث أخرجه البخاريّ، وتقدم الكلام عليه قبل خمسة أبواب، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
١٦ - (ذِكْرُ شُعَبِ الإِيمَانِ)
٥٠٠٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ -وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ
стр. 17917
النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن عبد الله بن المبارك) المُخَرِّميّ، أبو جعفر البغداديّ الثقة الحافظ [١١] ٤٣/ ٥٠.
٢ - (أبو عامر) عبد الملك بن عمرو الْعَقَديّ البصريّ، ثقة [٩] ٢/ ٣٢٧.
٣ - (سليمان بن بلال) التيميّ مولاهم المدنيّ، ثقة [٨] ٣٠/ ٥٥٨.
٤ - (عبد الله بن دينار) العدويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقة [٤] ١٦٧/ ٢٦٠.
٥ - (أبو صالح) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ الثقة الثبت [٣] ٣٦/ ٤٠.
٦ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين، منْ سليمان، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وهما: عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، وهي منْ رواية الأقران، وفيه أبو هريرة ﵁ رأس المكثرين منْ رواية الْحَدِيث، روى (٥٣٧٤). والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "الْإيمَانُ) قَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: الإيمان فِي هَذَا الْحَدِيث يُراد به الأعمال، بدليل أنه ذكر فيه أعلى الأعمال، وهو قول: "لا إله إلا الله"، وأدناها: أي أقربها، وهو إماطة الأذى، وهما عملان، فما بينهما منْ قبيل الأعمال، وَقَدْ قدّمنا القول فِي حقيقة الإيمان شرعاً ولغةً، وأن الأعمال الشرعيّة تسمّى إيمانا مجازًا، وتوسّعًا؛ لأنها عن الإيمان تكون غالبًا. انتهى. "المفهم" ١/ ٢١٦.
(بضْعٌ) -بكسر أوله، وحُكِي الفتح لغةً، وهو عدد مبهم، مقيد بما بين الثلاث إلى التسع، كما جزم به القزاز، وَقَالَ ابن سِيدَهْ: إلى العشر، وقيل: منْ واحد إلى تسعة، وقيل: منْ اثنين إلى عشرة، وقيل: منْ أربعة إلى تسعة، وعن الخليل: البضع: السبع، ويرجح ما قاله القزاز ما اتفق عليه المفسرون فِي قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢]، وما رواه الترمذيّ بسند صحيح: أن قريشا قالوا ذلك لأبي بكر، وكذا رواه الطبري مرفوعا، ونقل الصغاني فِي "العباب": أنه خاص بما دون
стр. 17918
العشرة، وبما دون العشرين، فإذا جاوز العشرين امتنع، قَالَ: وأجازه أبو زيد، فَقَالَ: يقال: بضعة وعشرون رجلا، وبضع وعشرون امرأة، وَقَالَ الفراء: وهو خاص بالعشرات إلى التسعين، ولا يقال: بضع ومائة، ولا بضع وألف، ووقع فِي بعض الروايات بضعة بتاء التانيث، ويحتاج إلى تأويله.
وَقَالَ القرطبيّ: "البضع، والبضعة واحدٌ، وهو منْ العدد بكسر الباء، وَقَدْ تُفتح، وهو قليلٌ، فأما منْ بضع اللحم، فبفتح الباء لا غير، والْبَضْعة منْ اللحم بالفتح: القطعة منه. واستعملت العرب البضع فِي المشهور منْ كلامها فيما بين الثلاث إلى العشر. وقيل: إلى التسع. وَقَالَ الخليل: البضع سبع. وقيل: هو ما بين اثنين إلى عشر، وما بين عشر إلى عشرين، ولا يقال فِي أحد عشر، ولا فِي اثني عشر. وَقَالَ الخليل أيضًا: هو ما بين نصف العقد، يريد منْ واحد إلى أربع. انتهى.
(وَسَبْعُونَ) هكذا فِي رواية المصنّف: "وسبعون" منْ دون شكّ، وكذا عند أبي داود، وابن ماجه، وفي رواية البخاريّ: "وستون"، قَالَ فِي "الفتح": لم تختلف الطرق عن أبي عامر، شيخ شيخ البخاريّ فِي ذلك، وتابعه يحيى الْحِمّاني -بكسر المهملة، وتشديد الميم- عن سليمان بن بلال، أخرجه أبو عوانة، منْ طريق بشر بن عُمَر، عن سليمان بن بلال، فَقَالَ: "بضع وستون، أو بضع وسبعون"، وكذا وقع التردد فِي رواية مسلم، منْ طريق سهيل بن أبي صالح، عن عبد الله بن دينار، ورواه أصحاب السنن الثلاثة، منْ طريقه، فقالوا: "بضع وسبعون"، منْ غير شك، ولأبي عوانة فِي "صحيحه" منْ طريق: "ست وسبعون، أو سبع وسبعون"، ورجح البيهقي رواية البخاريّ؛ لأن سليمان لم يشك، وفيه نظر؛ لما ذكرنا منْ رواية بشر بن عُمَر عنه، فتردد أيضًا، لكن يرجح بأنه المتيقن، وما عداه مشكوك فيه، وأما رواية الترمذيّ بلفظ: "أربع وستون"، فمعلولة، وعلى صحتها لا تخالف رواية البخاريّ، وترجيحُ روايةِ: "بضع وسبعون"؛ لكونها زيادة ثقة؛ كما ذكره الْحَليمِيّ، ثم عياض، لا يستقيم، إذ الذي زادها لم يستمر عَلَى الجزم بها، لاسيما مع اتحاد المخرَج، وبهذا يتبين شفوف نظر البخاريّ، وَقَدْ رجح ابن الصلاح الأقل؛ لكونه المتيقن. انتهى "فتح" ١/ ٧٥.
(شُعْبَةً) -بالضم-: أي قطعة، والمراد الخصلة، أو الجزء. قاله فِي "الفتح". وَقَالَ القرطبيُّ رحمه الله تعالى فِي "المفهم": والشعبة فِي أصلها واحدة الشُّعَب، وهي أغصان الشجرة، وهي بضمّ الشين، فأما شَعب القبائل، فواحدها شَعْب بفتحها. وَقَالَ الخليل: الشعب: الاجتماع، والافتراق. وفي "الصحاح": هو منْ الأضداد، فيراد بالشُّعبة فِي الْحَدِيث الخصلة، ويعني أن الإيمان ذو خصال معدودة. وَقَدْ ذكر الترمذيّ
стр. 17919
هَذَا الْحَدِيث، وسمّى الشعبة بابًا.
قَالَ: ومقصود هَذَا الْحَدِيث أن الأعمال الشرعيّة تُسمّى إيمانًا عَلَى ما ذكرناه آنفاً، وأنها منحصرة فِي ذلك العدد، غير أن الشرع لم يُعيّن ذلك العدد لنا، ولا فصّله، وَقَدْ تكلّف بعض المتأخّرين تعديد ذلك، فتصفّح خصال الشريعة، وعدّدها، حَتَّى انتهى بها فِي زعمه إلى ذلك العدد، ولا يصحّ له ذلك؛ لأنه يمكن الزيادة عَلَى ما ذكر، والنقصان مما ذكر ببيان التداخل، والصحيح ما صار إليه أبو سليمان الخطَّابِيُّ وغيره: أنها منحصرة فِي علم الله تعالى، وعلم رسوله ﷺ ، وموجودة فِي الشريعة مفصّلة فيها، غير أن الشرع لم يوقفنا عَلَى أشخاص تلك الأبواب، ولا عيّن لنا عددها، ولا كيفيّة انقسامها، وذلك لا يضرّنا فِي علمنا بتفاصيل ما كُلّفنا به منْ شريعتنا، ولا فِي عملنا، إذ كلّ ذلك مفصّلٌ مبيّنٌ فِي جملة الشريعة، فما أُمرنا بالعمل به عملناه، وما نهُينا عنه انتهينا، وإن لم نُحط بحصر أعداد ذلك. والله تعالى أعلم. انتهى "المفهم" ١/ ٢١٦ - ٢١٧.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي تمام البحث فِي عدد الشعب فِي المسألة الخامسة، إن شاء الله تعالى.
(وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ) "الحياء" -بالمد- هو فِي اللغة: تغير، وانكسار، يَعتَرِي الإنسانَ منْ خوف ما يعاب به، وَقَدْ يطلق عَلَى مجرد ترك الشيء بسبب، والترك إنما هو منْ لوازمه، وفي الشرع: خُلُقٌ يبعث عَلَى اجتناب القبيح، ويمنع منْ التقصير فِي حق ذي الحق، ولهذا جاء فِي الْحَدِيث الآخر: "الحياء خير كله". انتهى "فتح" ١/ ٧٦.
وَقَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: الحياء: انقباض، وحشمة يجدها الإنسان منْ نفسه عند ما يُطّلع منه عَلَى ما يُستقبح، وُيذمّ عليه، وأصله غريزيّ فِي الفطرة، ومنه مكتسبٌ للإنسان، كما قَالَ بعض الحكماء فِي العقل:
رَأَيْتُ الْعَقْلَ عَقْلَينِ … فَمَطبُوعٌ وَمَصْنُوعُ
وَلَا يَنْفَعُ مَصْنُوعْ … إِذَا لَم يَكُ مَطْبُوعُ
كَمَا لَا تَنفَعُ الْعَيْنُ … وَضَوْءُ الشَّمْسِ مَمْنُوعُ
وهذا المكتسب هو الذي جعله الشرع منْ الإيمان، وهو الذي يُكلّف به، وأما الغريزيّ، فلا يُكلّف به، إذ ليس ذلك منْ كسبنا، ولا فِي وُسعنا، ولم يُكلّف الله نفسًا إلا وسعها، غير أن هَذَا الغريزيّ يَحمل عَلَى المكتسب، وُيعين عليه، ولذلك قَالَ ﷺ : "الحياء لا يأتي إلا بخير"، "والحياء خير كلّه". وأول الحياء، وأولاه: الحياء منْ الله تعالى، وهو أن لا يراك حيث نهاك، وذلك لا يكون إلا عن معرفة بالله تعالى كاملة، ومراقبة له حاصلة، وهي المعبّر عنها بقوله ﷺ : "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن
стр. 17920
تراه، فإنه يراك". وَقَدْ روى الترمذيّ منْ حديث ابن مسعود ﵁ أنه ﷺ قَالَ: "استحيوا منْ الله حقَّ الحياء"، فقالوا: إنا نستحيي، والحمد لله، فَقَالَ: "ليس ذلك، ولكن الاستحياء منْ الله حق الحياء أن تحفظ الرأس، وما حوى، والبطن وما وعى، وتذكر الموت والبِلَى، فمن فعل ذلك، فقد استحى منْ الله حقّ الحياء" (١).
قَالَ: وأهل المعرفة فِي هَذَا الحياء منقسمون، كما أنهم فِي أحوالهم متفاوتون، وَقَدْ كَانَ النبيّ ﷺ جُمع له كمال نوعي الحياء، فكان فِي الحياء الغريزيّ أشدّ حياء منْ العذراء فِي خِدرها، وفي حيائه الكسبيّ فِي ذِرْوتها. انتهى "المفهم" ١/ ٢١٧ - ٢١٩.
وَقَالَ فِي "الفتح": [فإن قيل]: الحياء منْ الغرائز، فكيف جعل شعبة منْ الإيمان؟. [أجيب]: بأنه قد يكون غريزة، وَقَدْ يكون تخلقا، ولكن استعماله عَلَى وفق الشرع، يحتاج إلى اكتساب، وعلم، ونية، فهو منْ الإيمان لهذا، ولكونه باعثا عَلَى فعل الطاعة، وحاجزا عن فعل المعصية، ولا يقال: رُبَّ حياء يمنع عن قول الحق، أو فعل الخير؛ لأن ذاك ليس شرعيا.
[فإن قيل]: لِمَ أفرده بالذكر هنا؟. [أجيب]: بأنه كالداعي إلى باقي الشعب، إذ الْحَيِيُّ يخاف فضيحة الدنيا والآخرة، فيأتمر، وينزجر. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٦/ ٥٠٠٦ و٥٠٠٧ و٥٠٠٨ - وأخرجه (خ) فِي "الإيمان" ٩ (م) فِي "الإيمان" ٣٥ (د) فِي "السنة" ٤٦٧٦ (ت) فِي "الإيمان" ٢٦١٤ (ق) فِي "المقدمة" ٥٧ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ٨٧٠٧ و٩٠٩٧ و٩٤١٧. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان شعب الإيمان. (ومنها): أن الأعمال داخلة فِي مسمى الإيمان، وهو الحقّ الذي عليه أهل السنة والجماعة، وخالف فيه بعضهم، ولا اعتداد به، كما تقدّم بيانه مفصّلاً أول كتاب الإيمان. (ومنها): بيان عظم شأن الحياء، وأنه منْ أفضل الشعب إذ يدعو إلى بقية الشعب، فمن كَانَ حييّا
стр. 17921
فإن حياءه يدعوه إلى أن يعمل بمقتضى إيمانه، ويتجنب ما يناقضه. (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رَجَب رحمه الله تعالى: فِي قوله: "أعلاها قول إله إلا الله": ما يَستدلّ به منْ يقول: إن هذه الكلمة أفضل الكلام مطلقًا، وإنها أفضل منْ كلمة الحمد، وفي ذلك اختلاف، ذكره ابن عبد البرّ، وغيره. انتهى. (ومنها): أن فِي قوله: "أعلاها لا إله الا الله، وأدناها إماطة الأذي عن الطريق": إشارةً إلى أن مراتبها متفاوتة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف الحفّاظ فِي إسناد هَذَا الْحَدِيث:
قَالَ الحافظ ابن رَجَب رحمه الله تعالى بعد أن أورد رواية البخاريّ بلفظ: "الإيمان بضع وستون شعبة": ما نصّه: وخرّجه مسلم منْ هَذَا الوجه، ولفظه: "بضع وسبعون". وخرّجه مسلم أيضًا منْ رواية جرير، عن سُهيل، عن عبد الله بن دينار به، وَقَالَ فِي حديثه: "بضع وسبعون، أو بضع وستون" بالشك، وهذا الشكّ منْ سُهيل، كذا جاء مصرّحًا به فِي "صحيح ابن حبّان"، وغيره. وخرّجه مسلم أيضًا منْ حديث ابن الهاد، عن عبد الله بن دينار به، وَقَالَ فِي حديثه: "الإيمان سبعون، أو اثنان وسبعون بابًا" (١). ورواه ابن عجلان، عن عبد الله بن دينار، وَقَالَ: "ستون، أو سبعون". ورُوي عنه أنه قَالَ فِي حديثه: "ستون، أو سبعون، أو بضع وأحد منْ العددين"، أخرجه ابن أبي شيبة فِي "الإيمان" ٦٧ ومن طريقه ابن ماجه ٥٧. ورُوي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه بهذا اللفظ أيضًا. أخرجه ابن منده فِي "الإيمان" ١/ ٢٩٦. وروي عنه بلفظ آخر، وهو: "الإيمان تسعة، أو سبعة وسبعون شعبة". وخرجه الترمذيّ منْ رواية عُمارة بن غَزِيّة، وَقَالَ فيه: "الإيمان أربعة وسبعون بابًا". وَقَدْ رُوي عن عمارة بن غزيّة، عن سُهيل، عن أبيه، وسهيل لم يسمعه منْ أبيه، إنما رواه عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح. فمدار الْحَدِيث عَلَى عبد الله بن دينار، لا يصحّ عن غيره.
وَقَدْ ذكر العيقليّ أن أصحاب عبد الله بن دينار عَلَى ثلاث طبقات: أثبات، كمالك، وشعبة، وسفيان بن عيينة. ومشايخ: كسهيل، ويزيد بن الهاد، وابن عجلان. قَالَ: وفي رواياتهم عن عبد الله بن دينار اضطراب، وَقَالَ: إن هَذَا الْحَدِيث لم يُتابع هؤلاء المشايخ عليه أحد منْ الأثبات عن عبد الله بن دينار، ولا تابع عبد الله بن دينار، عن أبي صالح عليه أحد. والطبقة الثالثة: الضعفاء، فيروون عن عبد الله بن دينار المناكير،
стр. 17922
إلا أن الحمل فيها عليهم.
قَالَ ابن رَجَب: قد رواه عن عبد الله بن دينار سليمان بن بلال، وهو ثقة ثبتٌ، قد خُرّج حديثه فِي "الصحيحين". انتهى كلام ابن رَجَب رحمه الله تعالى "شرح البخاريّ" ١/ ٣٠/ ٣٢.
(المسألة الخامسة): فِي الاختلاف الواقع فِي لفظ الْحَدِيث، واختلاف أهل العلم فِي تعداد شُعب الإيمان:
قَالَ الحافظ ابن رَجَب رحمه الله تعالى: وأما الاختلاف فِي لفظ الْحَدِيث فالأظهر أنه منْ الرواة، كما جاء التصريح فِي بعضه بأنه شكّ منْ سُهيل بن أبي صالح، وزعم بعض النَّاس أن النبيّ ﷺ كَانَ يذكر هَذَا العدد بحسب ما ينزل منْ خصال الإيمان، فكلما نزلت خصلة منها ضمّها إلى ما تقدّم، وزادها عليها. وفي ذلك نظر. وَقَدْ ورد فِي بعض روايات "صحيح مسلم" عدد بعض هذه الخصال، ولفظه: "أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة منْ الإيمان" (١).
فأشار إلى أن خصال الإيمان منها ما هو قولٌ باللسان، ومنها ما هو عملٌ بالجوارح، ومنها ما هو قائم بالقلب، ولم يزد فِي شيء منْ هذه الروايات عَلَى هذه الخصال.
وَقَدْ انتدب لعدّها طائفة منْ العلماء، كالْحَليميّ (٢)، والبيهقيّ، وابن شاهين، وغيرهم، فذكروا كلّ ما ورد تسميته إيمانًا فِي الكتاب والسنّة منْ الأقوال والأعمال، وبلغ بها بعضهم سبعا وسبعين، وبعضهم تسعًا وسبعين.
وفي القطع عَلَى أن ذلك هو مراد الرسول ﷺ منْ هذه الخصال عسر، كذا قاله ابن الصلاح، وهو كما قَالَ. انتهى كلام ابن رَجَب "شرح البخاريّ" ١/ ٣٢ - ٣٤.
وَقَالَ الحافظ فِي "الفتح": قَالَ القاضي عياض: تكلف جماعة حصر هذه الشعب، بطريق الاجتهاد، وفي الحكم بكون ذلك هو المراد صعوبة، ولا يَقدَح عدم معرفة حصر ذلك عَلَى التفصيل فِي الإيمان. انتهى.
ولم يَتّفق منْ عَدَّ الشعب عَلَى نمط واحد، وأقربها إلى الصواب طريقة ابن حبّان، لكن لم نقف عَلَى بيانها منْ كلامه، وَقَدْ لخصت مما أوردوه ما أذكره، وهو: أن هذه الشعب تتفرع عن أعمال القلب، وأعمال اللسان، وأعمال البدن، فأعمال القلب فيه
стр. 17923
المعتقدات، والنيات، وتشتمل عَلَى أربع وعشرين خصلة:
الإيمان بالله، ويدخل فيه الإيمان بذاته، وصفاته، وتوحيده بأنه ليس كمثله شيء، واعتقاد حدوث ما دونه، والإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر خيره وشره، والإيمان باليوم الآخر، ويدخل فيه المسألة فِي القبر، والبعث، والنشور، والحساب، والميزان، والصراط، والجنة، والنار، ومحبة الله، والحب والبغض فيه، ومحبة النبيّ ﷺ ، واعتقاد تعظيمه، ويدخل فيه الصلاة عليه، واتباع سنته، والإخلاص، ويدخل فيه ترك الرياء، والنفاق، والتوبة، والخوف، والرجاء، والشكر، والوفاء، والصبر، والرضا بالقضاء، والتوكل، والرحمة، والتواضع، ويدخل فيه توقير الكبير، ورحمة الصغير، وترك الكبر، والعجب، وترك الحسد، وترك الحقد، وترك الغضب.
وأعمال اللسان، وتشتمل عَلَى سبع خصال: التلفظ بالتوحيد، وتلاوة القرآن، وتعلم العلم، وتعليمه، والدعاء، والذكر، ويدخل فيه الاستغفار، واجتناب اللغو.
وأعمال البدن، وتشتمل عَلَى ثمان وثلاثين خصلة، منها ما يختص بالأعيان، وهي خمس عشرة خصلة: التطهير حسا وحكما، ويدخل فيه اجتناب النجاسات، وستر العورة، والصلاة فرضا ونفلا، والزكاة كذلك، وفك الرقاب، والجود، ويدخل فيه إطعام الطعام، وإكرام الضيف، والصيام فرضا ونفلا، والحج والعمرة كذلك، والطواف، والاعتكاف، والتماس ليلة القدر، والفرار بالدين، ويدخل فيه الهجرة منْ دار الشرك، والوفاء بالنذر، والتحرى فِي الأيمان، وأداء الكفارات، ومنها ما يتعلق بالاتباع، وهي ست خصال: التعفف بالنكاح، والقيام بحقوق العيال، وبر الوالدين، وفيه اجتناب العقوق، وتربية الأولاد، وصلة الرحم، وطاعة السادة، أو الرفق بالعبيد، ومنها ما يتعلق بالعامة، وهي سبع عشرة خصلة: القيام بالإمرة مع العدل، ومتابعة الجماعة، وطاعة أولي الأمر، والإصلاح بين النَّاس، ويدخل فيه قتال الخوارج والبغاة، والمعاونة عَلَى البر، ويدخل فيه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، والجهاد، ومنه المرابطة، وأداء الأمانة، ومنه أداء الخمس، والقرض مع وفائه، وإكرام الجار، وحسن المعاملة، وفيه جمع المال منْ حله، وإنفاق المال فِي حقه، ومنه ترك التبذير والإسراف، ورد السلام, وتشميت العاطس، وكَفُّ الأذى عن النَّاس، واجتناب اللَّهو، وإماطة الأذى عن الطريق.
فهذه تسع وستون خصلة، ويمكن عدها تسعا وسبعين خصلة، باعتبار إفراد ما ضم بعضه إلى بعض مما ذكر، والله أعلم. انتهى "فتح" ١/ ٧٦ - ٧٧.
[تنبيه]: قَالَ الحافظ ابن رَجَب رحمه الله تعالى: [فإن قيل]: فأهل الْحَدِيث والسنة
стр. 17924
عندهم أن كلّ طاعة، فهي داخلة فِي الإيمان، سواء كانت منْ أعمال الجوارح، أو القلوب، أو منْ الأقوال، وسواء فِي ذلك الفرائض، والنوافل، هَذَا قول الجمهور الأعظم منهم، وحينئذ، فهذا لا ينحصر فِي بضع وسبعين، بل يزيد عَلَى ذلك زيادة كثيرةً، بل هي غير منحصرة.
[قيل]: يمكن أن يجاب عن هَذَا بأجوبة: [أحدهما]: أن يقال: إن عدد خصال الإيمان عند قول النبيّ ﷺ كَانَ منحصرًا فِي هَذَا العدد، ثم حدثت الزيادة فيه بعد ذلك، حَتَّى كملت خصال الإيمان فِي آخر حياة النبيّ ﷺ . وفي هَذَا نظر.
[والثاني]: أن تكون خصال الإيمان كلّها تنحصر فِي بضع وسبعين نوعًا، وإن كانت أفراد كل نوع تتعدّد تعدّدًا كثيرًا، وربّما كَانَ بعضها لا ينحصر. وهذا أشبه، وإن كَانَ الوقوف عَلَى ذلك يعسر، أو يتعذّر.
[والثالث]: أن ذكر السبعين عَلَى وجه التكثير للعدد، لا عَلَى وجه الحصر، كما فِي قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، والمراد تكثير التعداد منْ غير حصوله هَذَا فِي العدد، ويكون ذكره للبضع يُشعر بذلك، كأنه يقول: هو يزيد عَلَى السبعين المقتضية لتكثير العدد، وتضعيفه. وهذا ذكره بعض أهل الْحَدِيث منْ المتقدّمين، وفيه نظر.
[والرابع]: أن هذه البضع وسبعين هي أشرف خصال الإيمان وأعلاها، وهو الذي تدعو إليه الحاجة منها. قاله ابن حامد منْ الحنابلة. انتهى كلام ابن رَجَب رحمه الله تعالى "شرح البخاريّ" ١/ ٣٤ - ٣٥.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول الثاني أظهر الأقوال، وأقربها إلى الفهم، كما سبق ميل ابن رَجَب رحمه الله تعالى إليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٠٠٧ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَفْضَلُهَا لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَوْضَعُهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أحمد بن سليمان": هو أبو الحسين الرُّهاويّ الثقة الحافظ [١١] ٣٨/ ٤٢ منْ أفراد المصنّف. و"أبو داود": هو عمر بن سَعْد الْحَفَريّ الثقة العابد [٩] ١٥/ ٥٢٣. و"أبو نعيم": هو الفضل بن دُكين التيميّ مولاهم الكوفيّ، واسم دُكين عمرو بن حمّاد بن زُهير، ثقة ثبت [٩] ١١/ ٥١٦. و"سفيان": هو
стр. 17925
الثوريّ. و"سُهيل": هو ابن أبي صالح، أبو يزيد المدنيّ، صدوقٌ تغير حفظه بآخره [٦] ٣٢/ ٨٢٠.
وقوله: "قَالَ: وحدثنا أبو نُعيم الخ": القائل هو أحمد بن سليمان، شيخ المصنّف، فهو يروي عن شيخين: أبو داود، وأبو نُعيم، وكلاهما يرويان عن سفيان الثوريّ، عن سهيل، وهو ولد أبي صالح، شيخ عبد الله بن دينار فِي هَذَا الْحَدِيث.
وقوله: "وأوضعها": أي أدناها، كما فِي الرواية الأخرى.
وقوله: "إماطة الأذى": أي تنحية ما يؤذي المارّة فِي الطريق، كالشوك، والحجر، والنجاسة، ونحوها.
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم شرحه، وبيان مسائله فِي الْحَدِيث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٠٠٨ - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ -يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ- عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "الْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"ابن عجلان": هو محمد. والحديث مختصر منْ الْحَدِيث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
١٧ - (تَفَاضُلُ أَهْلِ الإِيمَانِ)
٥٠٠٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مُلِىءَ عَمَّارٌ إِيمَانًا إِلَى مُشَاشِهِ").
رجال هَذَا الإسناد: ثمانية:
١ - (إسحاق بن منصور) الكَوْسج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقة ثبت [١١] ٧٢/ ٨٨.