فإن حياءه يدعوه إلى أن يعمل بمقتضى إيمانه، ويتجنب ما يناقضه. (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رَجَب رحمه الله تعالى: فِي قوله: "أعلاها قول إله إلا الله": ما يَستدلّ به منْ يقول: إن هذه الكلمة أفضل الكلام مطلقًا، وإنها أفضل منْ كلمة الحمد، وفي ذلك اختلاف، ذكره ابن عبد البرّ، وغيره. انتهى. (ومنها): أن فِي قوله: "أعلاها لا إله الا الله، وأدناها إماطة الأذي عن الطريق": إشارةً إلى أن مراتبها متفاوتة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف الحفّاظ فِي إسناد هَذَا الْحَدِيث:
قَالَ الحافظ ابن رَجَب رحمه الله تعالى بعد أن أورد رواية البخاريّ بلفظ: "الإيمان بضع وستون شعبة": ما نصّه: وخرّجه مسلم منْ هَذَا الوجه، ولفظه: "بضع وسبعون". وخرّجه مسلم أيضًا منْ رواية جرير، عن سُهيل، عن عبد الله بن دينار به، وَقَالَ فِي حديثه: "بضع وسبعون، أو بضع وستون" بالشك، وهذا الشكّ منْ سُهيل، كذا جاء مصرّحًا به فِي "صحيح ابن حبّان"، وغيره. وخرّجه مسلم أيضًا منْ حديث ابن الهاد، عن عبد الله بن دينار به، وَقَالَ فِي حديثه: "الإيمان سبعون، أو اثنان وسبعون بابًا" (١). ورواه ابن عجلان، عن عبد الله بن دينار، وَقَالَ: "ستون، أو سبعون". ورُوي عنه أنه قَالَ فِي حديثه: "ستون، أو سبعون، أو بضع وأحد منْ العددين"، أخرجه ابن أبي شيبة فِي "الإيمان" ٦٧ ومن طريقه ابن ماجه ٥٧. ورُوي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه بهذا اللفظ أيضًا. أخرجه ابن منده فِي "الإيمان" ١/ ٢٩٦. وروي عنه بلفظ آخر، وهو: "الإيمان تسعة، أو سبعة وسبعون شعبة". وخرجه الترمذيّ منْ رواية عُمارة بن غَزِيّة، وَقَالَ فيه: "الإيمان أربعة وسبعون بابًا". وَقَدْ رُوي عن عمارة بن غزيّة، عن سُهيل، عن أبيه، وسهيل لم يسمعه منْ أبيه، إنما رواه عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح. فمدار الْحَدِيث عَلَى عبد الله بن دينار، لا يصحّ عن غيره.
وَقَدْ ذكر العيقليّ أن أصحاب عبد الله بن دينار عَلَى ثلاث طبقات: أثبات، كمالك، وشعبة، وسفيان بن عيينة. ومشايخ: كسهيل، ويزيد بن الهاد، وابن عجلان. قَالَ: وفي رواياتهم عن عبد الله بن دينار اضطراب، وَقَالَ: إن هَذَا الْحَدِيث لم يُتابع هؤلاء المشايخ عليه أحد منْ الأثبات عن عبد الله بن دينار، ولا تابع عبد الله بن دينار، عن أبي صالح عليه أحد. والطبقة الثالثة: الضعفاء، فيروون عن عبد الله بن دينار المناكير،
стр. 17922
إلا أن الحمل فيها عليهم.
قَالَ ابن رَجَب: قد رواه عن عبد الله بن دينار سليمان بن بلال، وهو ثقة ثبتٌ، قد خُرّج حديثه فِي "الصحيحين". انتهى كلام ابن رَجَب رحمه الله تعالى "شرح البخاريّ" ١/ ٣٠/ ٣٢.
(المسألة الخامسة): فِي الاختلاف الواقع فِي لفظ الْحَدِيث، واختلاف أهل العلم فِي تعداد شُعب الإيمان:
قَالَ الحافظ ابن رَجَب رحمه الله تعالى: وأما الاختلاف فِي لفظ الْحَدِيث فالأظهر أنه منْ الرواة، كما جاء التصريح فِي بعضه بأنه شكّ منْ سُهيل بن أبي صالح، وزعم بعض النَّاس أن النبيّ ﷺ كَانَ يذكر هَذَا العدد بحسب ما ينزل منْ خصال الإيمان، فكلما نزلت خصلة منها ضمّها إلى ما تقدّم، وزادها عليها. وفي ذلك نظر. وَقَدْ ورد فِي بعض روايات "صحيح مسلم" عدد بعض هذه الخصال، ولفظه: "أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة منْ الإيمان" (١).
فأشار إلى أن خصال الإيمان منها ما هو قولٌ باللسان، ومنها ما هو عملٌ بالجوارح، ومنها ما هو قائم بالقلب، ولم يزد فِي شيء منْ هذه الروايات عَلَى هذه الخصال.
وَقَدْ انتدب لعدّها طائفة منْ العلماء، كالْحَليميّ (٢)، والبيهقيّ، وابن شاهين، وغيرهم، فذكروا كلّ ما ورد تسميته إيمانًا فِي الكتاب والسنّة منْ الأقوال والأعمال، وبلغ بها بعضهم سبعا وسبعين، وبعضهم تسعًا وسبعين.
وفي القطع عَلَى أن ذلك هو مراد الرسول ﷺ منْ هذه الخصال عسر، كذا قاله ابن الصلاح، وهو كما قَالَ. انتهى كلام ابن رَجَب "شرح البخاريّ" ١/ ٣٢ - ٣٤.
وَقَالَ الحافظ فِي "الفتح": قَالَ القاضي عياض: تكلف جماعة حصر هذه الشعب، بطريق الاجتهاد، وفي الحكم بكون ذلك هو المراد صعوبة، ولا يَقدَح عدم معرفة حصر ذلك عَلَى التفصيل فِي الإيمان. انتهى.
ولم يَتّفق منْ عَدَّ الشعب عَلَى نمط واحد، وأقربها إلى الصواب طريقة ابن حبّان، لكن لم نقف عَلَى بيانها منْ كلامه، وَقَدْ لخصت مما أوردوه ما أذكره، وهو: أن هذه الشعب تتفرع عن أعمال القلب، وأعمال اللسان، وأعمال البدن، فأعمال القلب فيه
стр. 17923
المعتقدات، والنيات، وتشتمل عَلَى أربع وعشرين خصلة:
الإيمان بالله، ويدخل فيه الإيمان بذاته، وصفاته، وتوحيده بأنه ليس كمثله شيء، واعتقاد حدوث ما دونه، والإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر خيره وشره، والإيمان باليوم الآخر، ويدخل فيه المسألة فِي القبر، والبعث، والنشور، والحساب، والميزان، والصراط، والجنة، والنار، ومحبة الله، والحب والبغض فيه، ومحبة النبيّ ﷺ ، واعتقاد تعظيمه، ويدخل فيه الصلاة عليه، واتباع سنته، والإخلاص، ويدخل فيه ترك الرياء، والنفاق، والتوبة، والخوف، والرجاء، والشكر، والوفاء، والصبر، والرضا بالقضاء، والتوكل، والرحمة، والتواضع، ويدخل فيه توقير الكبير، ورحمة الصغير، وترك الكبر، والعجب، وترك الحسد، وترك الحقد، وترك الغضب.
وأعمال اللسان، وتشتمل عَلَى سبع خصال: التلفظ بالتوحيد، وتلاوة القرآن، وتعلم العلم، وتعليمه، والدعاء، والذكر، ويدخل فيه الاستغفار، واجتناب اللغو.
وأعمال البدن، وتشتمل عَلَى ثمان وثلاثين خصلة، منها ما يختص بالأعيان، وهي خمس عشرة خصلة: التطهير حسا وحكما، ويدخل فيه اجتناب النجاسات، وستر العورة، والصلاة فرضا ونفلا، والزكاة كذلك، وفك الرقاب، والجود، ويدخل فيه إطعام الطعام، وإكرام الضيف، والصيام فرضا ونفلا، والحج والعمرة كذلك، والطواف، والاعتكاف، والتماس ليلة القدر، والفرار بالدين، ويدخل فيه الهجرة منْ دار الشرك، والوفاء بالنذر، والتحرى فِي الأيمان، وأداء الكفارات، ومنها ما يتعلق بالاتباع، وهي ست خصال: التعفف بالنكاح، والقيام بحقوق العيال، وبر الوالدين، وفيه اجتناب العقوق، وتربية الأولاد، وصلة الرحم، وطاعة السادة، أو الرفق بالعبيد، ومنها ما يتعلق بالعامة، وهي سبع عشرة خصلة: القيام بالإمرة مع العدل، ومتابعة الجماعة، وطاعة أولي الأمر، والإصلاح بين النَّاس، ويدخل فيه قتال الخوارج والبغاة، والمعاونة عَلَى البر، ويدخل فيه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، والجهاد، ومنه المرابطة، وأداء الأمانة، ومنه أداء الخمس، والقرض مع وفائه، وإكرام الجار، وحسن المعاملة، وفيه جمع المال منْ حله، وإنفاق المال فِي حقه، ومنه ترك التبذير والإسراف، ورد السلام, وتشميت العاطس، وكَفُّ الأذى عن النَّاس، واجتناب اللَّهو، وإماطة الأذى عن الطريق.
فهذه تسع وستون خصلة، ويمكن عدها تسعا وسبعين خصلة، باعتبار إفراد ما ضم بعضه إلى بعض مما ذكر، والله أعلم. انتهى "فتح" ١/ ٧٦ - ٧٧.
[تنبيه]: قَالَ الحافظ ابن رَجَب رحمه الله تعالى: [فإن قيل]: فأهل الْحَدِيث والسنة
стр. 17924
عندهم أن كلّ طاعة، فهي داخلة فِي الإيمان، سواء كانت منْ أعمال الجوارح، أو القلوب، أو منْ الأقوال، وسواء فِي ذلك الفرائض، والنوافل، هَذَا قول الجمهور الأعظم منهم، وحينئذ، فهذا لا ينحصر فِي بضع وسبعين، بل يزيد عَلَى ذلك زيادة كثيرةً، بل هي غير منحصرة.
[قيل]: يمكن أن يجاب عن هَذَا بأجوبة: [أحدهما]: أن يقال: إن عدد خصال الإيمان عند قول النبيّ ﷺ كَانَ منحصرًا فِي هَذَا العدد، ثم حدثت الزيادة فيه بعد ذلك، حَتَّى كملت خصال الإيمان فِي آخر حياة النبيّ ﷺ . وفي هَذَا نظر.
[والثاني]: أن تكون خصال الإيمان كلّها تنحصر فِي بضع وسبعين نوعًا، وإن كانت أفراد كل نوع تتعدّد تعدّدًا كثيرًا، وربّما كَانَ بعضها لا ينحصر. وهذا أشبه، وإن كَانَ الوقوف عَلَى ذلك يعسر، أو يتعذّر.
[والثالث]: أن ذكر السبعين عَلَى وجه التكثير للعدد، لا عَلَى وجه الحصر، كما فِي قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، والمراد تكثير التعداد منْ غير حصوله هَذَا فِي العدد، ويكون ذكره للبضع يُشعر بذلك، كأنه يقول: هو يزيد عَلَى السبعين المقتضية لتكثير العدد، وتضعيفه. وهذا ذكره بعض أهل الْحَدِيث منْ المتقدّمين، وفيه نظر.
[والرابع]: أن هذه البضع وسبعين هي أشرف خصال الإيمان وأعلاها، وهو الذي تدعو إليه الحاجة منها. قاله ابن حامد منْ الحنابلة. انتهى كلام ابن رَجَب رحمه الله تعالى "شرح البخاريّ" ١/ ٣٤ - ٣٥.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول الثاني أظهر الأقوال، وأقربها إلى الفهم، كما سبق ميل ابن رَجَب رحمه الله تعالى إليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٠٠٧ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَفْضَلُهَا لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَوْضَعُهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أحمد بن سليمان": هو أبو الحسين الرُّهاويّ الثقة الحافظ [١١] ٣٨/ ٤٢ منْ أفراد المصنّف. و"أبو داود": هو عمر بن سَعْد الْحَفَريّ الثقة العابد [٩] ١٥/ ٥٢٣. و"أبو نعيم": هو الفضل بن دُكين التيميّ مولاهم الكوفيّ، واسم دُكين عمرو بن حمّاد بن زُهير، ثقة ثبت [٩] ١١/ ٥١٦. و"سفيان": هو
стр. 17925
الثوريّ. و"سُهيل": هو ابن أبي صالح، أبو يزيد المدنيّ، صدوقٌ تغير حفظه بآخره [٦] ٣٢/ ٨٢٠.
وقوله: "قَالَ: وحدثنا أبو نُعيم الخ": القائل هو أحمد بن سليمان، شيخ المصنّف، فهو يروي عن شيخين: أبو داود، وأبو نُعيم، وكلاهما يرويان عن سفيان الثوريّ، عن سهيل، وهو ولد أبي صالح، شيخ عبد الله بن دينار فِي هَذَا الْحَدِيث.
وقوله: "وأوضعها": أي أدناها، كما فِي الرواية الأخرى.
وقوله: "إماطة الأذى": أي تنحية ما يؤذي المارّة فِي الطريق، كالشوك، والحجر، والنجاسة، ونحوها.
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم شرحه، وبيان مسائله فِي الْحَدِيث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٠٠٨ - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ -يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ- عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "الْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"ابن عجلان": هو محمد. والحديث مختصر منْ الْحَدِيث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
١٧ - (تَفَاضُلُ أَهْلِ الإِيمَانِ)
٥٠٠٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مُلِىءَ عَمَّارٌ إِيمَانًا إِلَى مُشَاشِهِ").
رجال هَذَا الإسناد: ثمانية:
١ - (إسحاق بن منصور) الكَوْسج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقة ثبت [١١] ٧٢/ ٨٨.
стр. 17926
٢ - (عمرو بن عليّ) الفلّاس البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤.
٣ - (عبد الرحمن) بن مهديّ بن حسّان البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤٢/ ٤٩.
٤ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة ثبت إمام [٧] ٣٣/ ٣٧.
٥ - (أبو عمّار) عَرِيب بن حُميد الدُّهنِيّ الكوفيّ، ثقة [٣] ٧٥/ ٢٣٨٥.
٦ - (الأعمش) سليمان بن مهران الكوفيّ، ثقة ثبت ورع، لكنه يدلّس [٥] ١٧/ ١٨.
٧ - (عمرو بن شُرَحْبيل) الْهَمْدّانيّ، أبو ميسرة الكوفيّ، ثقة عابدٌ مخضرم [٢] ١٨٠/ ٢٨٥.
٨ - (رجل منْ أصحاب النبيّ ﷺ ) هو ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، كما سيأتي قريبًا. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ) فيه أن الرجل مجهول، ولكن جهالة الصحابة لا تضرّ بصحّة الْحَدِيث؛ لإنهم كلهم عدول، عَلَى أنه قد سُمّي عند الحاكم فِي "المستدرك" أنه عبد الله بن مسعود ﵁، كما سيأتي قريبًا، إن شاء الله تعالى، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مُلِىءَ عَمَّارٌ) فعلٌ ونائب فاعله، وعمّار هو ابن ياسر بن عامر بن مالك الْعَنْسيّ، أبو الْيَقْظَان، مولى بني مخزوم، الصحابيّ المشهور، منْ السابقين إلى الإسلام، بدريّ، قُتل ﵁ بصِفين مع عليّ ﵁ سنة (٣٧) هـ، وتقدمت ترجمته فِي ١٩٥/ ٣١٢ (إِيمَانًا) الظاهر أنه منصوب عَلَى التمييز، وليس مفعولاً ثانيا لـ"ملىء"؛ لأنه يتعدّى لمفعول واحد، كما فِي "القاموس"، و"اللسان"، و"المصباح"، ويحتمل أن يكون منصوبًا بنزع الخافض، عَلَى رأي منْ يجعله مقيسًا؛ لكثرته. والله تعالى أعلم (إِلَى مُشَاشِهِ) بضمّ الميم، وتخفيف الشين المعجمة: هي رءوس العظام، كالمرفقين، والكتفين، والركبتين. وَقَالَ الجوهريّ: هي رءوس العظام الليّنة التي يُمكن مضغها. قاله فِي "النهاية" ٤/ ٣٣٣.
والمعنى أن عمارًا ﵁ ملأ الإيمان قلبه حَتَّى فاض عَلَى جميع أجزاء بدنه، فملأها حَتَّى وصل إلى رءوس عظامه. ففيه فضيلة لعمار ﵁، حيث امتلأ إيمانًا، وفيه ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تفاضل أهل الإيمان فيه، فإنه يدلّ عَلَى أن بَعْضَ المؤمنين وصلوا إلى أن ملأ الإيمان قلبهم حَتَّى فاض عَلَى جسدهم، ومنهم منْ ليس كذلك.
وعمّار ﵁ هو الذي نزل فيه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ﴾ الآية [النحل: ١٠٦]:
стр. 17927
قَالَ الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى فِي "تفسيره": رَوَى العوفي، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن هذه الآية نزلت فِي عمار بن ياسر، حين عذبه المشركون، حَتَّى يكفر بمحمد ﷺ ، فوافقهم عَلَى ذلك، مُكرها، وجاء معتذرا إلى النبيّ ﷺ ، فأنزل الله هذه الآية. وهكذا قَالَ الشعبي، وقتادة، وأبو مالك. وَقَالَ ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن أبي عبيدة ابن محمد بن عمار بن ياسر، قَالَ: أخذ المشركون عمار بن ياسر، حَتَّى قاربهم فِي بعض ما أرادوا، فشكا فِي ذلك إلى النبيّ ﷺ ، فَقَالَ النبيّ ﷺ : "كيف تجد قلبك؟ " قَالَ: مطمئنا بالإيمان، قَالَ النبيّ ﷺ : "إن عادوا فعد"، ورواه البيهقي بأبسط منْ ذلك، وفيه: أنه سب النبيّ ﷺ ، وذكر آلهتهم بخير، فشكا ذلك إلى النبيّ ﷺ ، فَقَالَ: يا رسول الله، ما تركت حَتَّى سببتك، وذكرت آلهتهم بخير، قَالَ: "كيف تجد قلبك؟ " قَالَ: مطمئنا بالإيمان، فَقَالَ: "إن عادوا فعد"، وفي ذلك أنزل الله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. ذكره ابن كثير فِي "تفسيره" ٢/ ٥٨٨ - ٥٨٩.
ومعنى الآية -والله تعالى أعلم- إلا منْ أظهر الكفر بلسانه، ووافق المشركين بلفظه، مُكرها لما ناله منْ ضرب، وأذى، وقلبه يأبى ما يقول، وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله، فإنه لا إثم عليه فِي ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث رجل منْ أصحاب النبيّ ﷺ هَذَا صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، لم يروه منْ هَذَا الوجه منْ أصحاب الأصول غيره، وَقَدْ أخرجه ابن ماجه منْ حديث عليّ ﵁، كما يأتي فِي التنبيه التالي.
[تنبيه]: هَذَا الْحَدِيث أخرجه الحاكم فِي "مستدركه" ٣/ ٣٩٢ - منْ طريق محمد بن أبي يعقوب، ثنا عبد الرحمن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي عمار، عن عمرو بن شُرحبيل، عن عبد الله ﵁ أن النبيّ ﷺ قَالَ: "ملىء عمار إيمانًا إلى مشاشه"، وَقَالَ: هَذَا حديث صحيح، عَلَى شرط الشيخين، إن كَانَ محمد بن أبي يعقوب حفظ عن عبد الرحمن بن مهديّ. انتهى. ووافقه الذهبيّ.
وابن أبي يعقوب هَذَا ثقة منْ شيوخ البخاريّ، واسم أبيه إسحاق، فإذا كَانَ حفظه، فلا يزيد عَلَى كونه صحيحًا؛ لأن أبا عمار ليس منْ رجال الشيخين. أفاده الشيخ الألباني رحمه الله تعالى فِي "الصحيحة" ٢/ ٤٦٦ - ٤٦٧.
وأخرجه ابن ماجه فِي "سننه"، فَقَالَ:
١٤٧ - حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا عَثَّام بن عليّ، عن الأعمش، عن أبي
стр. 17928
إسحاق، عن هانىء بن هانىء، قَالَ: "دخل عمار عَلَى عليّ، فَقَالَ: مرحبًا بالطيّب المطيّب، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ملىء عمّارٌ إيمانًا إلى مشاشه". ورجاله ثقات، رجال البخاريّ، غير هانىء بن هانىء، وهو مستورٌ، كما فى "التقريب". وأخرجه أبو نُعيم فِي "الحلية" ١/ ١٣٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٠١٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ رَأَى مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن بشار) بُندار البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٢٤/ ٢٧.
٢ - (قيس بن مسلم) الْجَدَليّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة، رُمي بالإرجاء [٦] ٥٠/ ٢٧٣٨.
٣ - (طارق بن شهاب) البجليّ الأحمسيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، يقال: إنه رأى النبيّ ﷺ ، ولم يسمع منه [٢] ٢٠٤/ ٣٢٤.
٤ - (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان رضي الله تعالى عنهما ١٦٩/ ٢٦٢. والباقيان تقدّما فِي السند الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين منْ سفيان، ومن قبله بصريان، وفيه أبو سعيد الخدريّ ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى
أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) البجليّ الأحمسيّ، أنه (قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) سعد بن مالك ابن سنان رضي الله تعالى عنهما.
[تنبيه]: رواية المصنّف رحمه الله تعالى لهذا الْحَدِيث مختصرة، وَقَدْ رواه مسلم رحمه الله تعالى فِي "صحيحه"، مطولاً، فَقَالَ:
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن سفيان ح وحدثنا محمد بن المثنى،
стр. 17929
حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، كلاهما عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، وهذا حديث أبي بكر، قَالَ: أول منْ بدأ بالخطبة يوم العيد، قبل الصلاة مروان، فقام إليه رجل، فَقَالَ: الصلاة قبل الخطبة، فَقَالَ: قد تُرِك ما هنالك، فَقَالَ أبو سعيد: أما هَذَا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "منْ رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".
قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: "أول منْ بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان": قَالَ القاضي عياض ﵀: اختُلف فِي هَذَا، فوقع هنا ما نراه، وقيل: أول منْ بدأ بالخطبة قبل الصلاة عثمان رضى الله عنه، وقيل: عمر بن الخطاب رضى الله عنه، لَمّا رأى النَّاس يذهبون عند تمام الصلاة، ولا ينتظرون الخطبة، وقيل: بل ليدرك الصلاة منْ تأخر وبعد منزله، وقيل: أول منْ فعله معاوية، وقيل: فعله ابن الزبير رضى الله عنه، والذى ثبت عن النبى ﷺ ، وأبى بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضى الله عنهم تقديم الصلاة، وعليه جماعة فقهاء الأمصار، وَقَدْ عَدّه بعضهم إجماعا -يعنى والله أعلم- بعد الخلاف، أولم يلتفت إلى خلاف بنى أمية، بعد إجماع الخلفاء، والصدر الأول. وفي قوله بعد هَذَا: "أما هَذَا فقد قضى ما عليه"، بمحضر منْ ذلك الجمع العظيم، دليل عَلَى استقرار السنة عندهم عَلَى خلاف ما فعله مروان، وبينه أيضًا احتجاجه بقوله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "منْ رأى منكرا فليغيره"، ولا يسمى منكرا لو اعتقده، ومن حضر، أو سبق به عمل، أو مضت به سنة، وفي هَذَا دليل عَلَى أنه لم يعمل به خليفة قبل مروان، وأن ما حُكِي عن عمر، وعثمان، ومعاوية ﵃ لا يصح. والله أعلم. انتهى "شرح مسلم" ٢/ ٢١.
وَقَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "أول منْ بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان": هَذَا أصحّ ما رُوي فِي أول منْ قدّم الخطبة عَلَى الصلاة، وَقَدْ روي أول منْ فعل ذلك عمر، وقيل: عثمان، وقيل: ابن الزبير، وقيل: معاوية ﵃. قَالَ: وبعيد أن يصحّ شيء منْ ذلك عن مثل هؤلاء؛ لأنهم شاهدوا رسول الله ﷺ ، وصلّوا معه أعيادًا كثيرةً، والصحيح المنقول عنه، والمتواتر عند أهل المدينة، تقديم الصلاة عَلَى الخطبة، فكيف يعدل أحد منهم عمّا فعله النبيّ ﷺ ، وداوم عليه إلى أن تُوفّي؟ فإن صحّ عن واحد منْ هؤلاء أنه قدّم ذلك، فلعلّه إنما فعله لما رأى منْ انصراف النَّاس عن الخطبة، تاركين لسماعها، مستعجلين، أو ليُدرك الصلاة منْ تأخّر، وبعُد منزله، ومع هذين التأويلين، فلا ينبغي أن تُترك سنة رسول الله ﷺ لمثل ذلك، واْولئك الملأ أعلم، وأجلّ منْ أن يصيروا إلى ذلك. والله أعلم.
стр. 17930
وأما مروان، وبنو أميّة، فإنما قدّموا لأنهم كانوا فِي خُطبهم ينالون منْ عليّ ﵁، ويُسمعون النَّاس ذلك، فكان النَّاس إذا صلَّوا معهم انصرفوا عن سماع خُطبهم لذلك، فلمّا رأى مروان ذلك، أو منْ شاء الله منْ بني أميّة قدّموا الخطبة ليُسمِعوا النَّاس منْ ذلك ما يَكرهون، والصواب تقديم الصلاة عَلَى الخطبة، كما تقدّم، وَقَدْ حَكَي بعض علمائنا الإجماع. انتهى "المفهم" ١/ ٢٣١ - ٢٣٢.
وقوله: "فقام اليه رجل، فَقَالَ: الصلاة قبل الخطبة، فَقَالَ: قد تُرِك ما هنالك، فَقَالَ أبو سعيد: أما هَذَا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "منْ رأى منكم منكرا فليغيره بيده … " الْحَدِيث:
قد يقال: كيف تأخر أبو سعيد رضى الله عنه، عن إنكار هَذَا المنكر، حَتَّى سبقه إليه هَذَا الرجل؟ وجوابه أنه يحتمل أن أبا سعيد، لم يكن حاضرا أول ما شَرَع مروان فِي أسباب تقديم الخطبة، فأنكر عليه الرجل، ثم دخل أبو سعيد، وهما فِي الكلام. ويحتمل أن أبا سعيد كَانَ حاضرا منْ الأول، ولكنه خاف عَلَى نفسه أو غيره حصول فتنة، بسبب إنكاره، فسقط عنه الإنكار، ولم يخف ذلك الرجل شيئا؛ لاعتضاده بظهور عشيرته، أو غير ذلك، أو أنه خاف، وخاطر بنفسه، وذلك جائز فِي مثل هَذَا، بل مستحب. ويحتمل أن أبا سعيد هَمَّ بالإنكار، فبدره الرجل، فعضده أبو سعيد. والله أعلم.
ثم إنه جاء فِي الْحَدِيث الآخر، الذى اتفق البخارى ومسلم رضى الله عنهما عَلَى إخراجه، فِي "باب صلاة العيد" أن أبا سعيد ﵁ هو الذى جذب بيد مروان، حين رآه يصعد المنبر، وكانا جاءا معًا، فرد عليه مروان بمثل ما ردّ هنا عَلَى الرجل، فيحتمل أنهما قضيتان: إحداهما لأبى سعيد، والأخرى للرجل، بحضرة أبى سعيد. والله أعلم.
وأما قوله: "فقد قضى ما عليه"، ففيه تصريح بالإنكار أيضًا منْ أبى سعيد. انتهى "شرح مسلم" ٢/ ٢١ - ٢٢.
وَقَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "فقام إليه رجل الخ": مقتضى هَذَا السياق أن المنكر عَلَى مروان رجلٌ غير أبي سعيد، وأن أبا سعيد مُصوّبٌ للإنكار، مستدلّ عَلَى صحّته، وفي الرواية الأخرى أن أبا سعيد هو المنكر، والمستدلّ، ووجه التوفيق بينهما أن يقال: إن كلّ واحد منْ الرجل وأبي سعيد أنكر عَلَى مروان، فرأى بعض الرواة إنكار الرجل، ورأى بعضهم إنكار أبي سعيد. وقيل: هما واقعتان فِي وقتين، وفيه بُعْدٌ. انتهى "المفهم" ١/ ٢٣٢.
(سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ رَأَى مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ) إذا كَانَ مما يحتاج فِي
стр. 17931
تغييره إلى اليد، مثل كسر أواني الخمر، وآلات اللَّهو، كالمزامير، والأوتار، والطبل، وكمنع الظالم منْ الضرب، والقتل، وغير ذلك (فَإِنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ) أي إن لم يستطع تغييره بيده، فليُنكره بلسانه، بأن يقول ما يُرتجَى نفعه، منْ لين، أو إغلاظ، حسبما يكون أنفع، فقد يبلغ بالرفق، والسياسة، ما لا يبلغ بالسيف والرياسة (فَإِنْ لَم يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ) أي فليُغيره بقلبه، ومعناه أن يكره ذلك الفعل بقلبه، وَيعزم عَلَى أن لو قدر عَلَى تغييره لغيره (وَذَلِكَ) أي الاكتفاء بالكراهة بالقلب (أَضْعَفُ الإِيمَانِ) أي أضعف خصال الإيمان. يعني أن تغيير المنكر بقلبه، وهو إنكاره آخر خصلة منْ الخصال المتعينة عَلَى المؤمن فِي تغيير المنكر، فلم يبق بعدها للمؤمن مرتبة أخرى فِي تغييره، ولذلك قَالَ فِي الرواية الأخرى: وليس وراء ذلك منْ الإيمان حبّة خردل"، أي لم يبق وراء هذه المرتبة رتبة أخرى. أفاده القرطبيّ رحمه الله تعالى.
وَقَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: قوله: "أضعف الإيمان": أي أضعف أعمال الإيمان المتعلّقة بإنكار المنكر فِي ذاته، لا بالنظر إلى غير المستطيع، فإنه بالنظر إليه تمام الوسع والطاقة، وليس عليه غيره. انتهى.
[تنبيه]: قَالَ الشيخ عزّ الدين ابن عبد السلام رحمه الله تعالى: فيه سؤالان: (الأول): ما العامل فِي المجرورين الأخيرين؟. (الثاني): قوله: أضعف الإيمان مشكلٌ؛ لأنه يُذمّ فاعله، وأيضًا فقد يعظم إيمان الشخص، وهو لا يستطيع التغيير بيده، فلا يلزم منْ العجز عن التغيير ضعف الإيمان، لكنه قد جعله أضعف الإيمان، فما الجواب؟.
قَالَ: الجواب عن الأول أنه لا يجوز أن يكون العامل "يُغَيِّرْه" المنطوق به؛ لأنه لو كَانَ كذلك، لكان المعنى: فليغيّره بلسانه، وقلبه، لكن التغيير لا يتأتّى باللسان، ولا بالقلب، فيتعيّن أن يكون العامل فليُنكره بلسانه، وليكرهه بقلبه، فيثبت لكلّ واحد منْ الأعضاء ما يناسبه.
وعن الثاني: أن المراد بالإيمان هنا الإيمان المجازيّ (١) الذي هو الأعمال، ولا شكّ أن التقرّب بالكراهة، ليس كالتقرّب بالذي ذكره قبله، ولم يُذكر ذلك للذمّ، وذُكر ليعلَم المكلّف حَقَارة ما حصل فِي هَذَا القسم، فيرتقي إلى غيره. انتهى كلام ابن عبد السلام. نقله السيوطيّ فِي كتابه "زَهر الرُّبَى فِي شرح المجتبى" ٨/ ١١٢ - ١١٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 17932
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي سعيد ﵁ هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٧/ ٥٠١٠ و٥٠١١ - وأخرجه (م) فِي "الإيمان" ٤٩ (د) فِي "الصلاة" ١١٤٠ و"الملاحم" ٤٣٤٠ (ت) فِي "الفتن" ٢١٧٢ (ق) فِي "الصلاة" ١٢٧٥ و"الفتن" ٤٠١٣ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١٠٦٨٩ و١٠٧٦٦ و١١٠٦٨ و١١١٠٠ و١١١٢٢ و١١٤٦٦. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تفاضل أهل الإيمان فيه، ووجه الاستدلال به أنه ﷺ جعل الإنكار بالقلب أضعف الإيمان، فهو يدلّ عَلَى ما قبله، وهو الإنكار بالقول، قويّ الإيمان، والذي قبله، وهو الإنكار باليد أقوى منه، وهذا هو التفاوت. (ومنها): أن قوله ﷺ : "فليغيّره" أمر، وهو للوجوب، فالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر منْ واجبات الإيمان، ودعائم الإسلام، بالكتاب، والسنّة، وإجماع الأمة، ولا يُعتدّ بخلاف الرافضة فِي ذلك؛ لأنهم إما مكفَّرون، وإما مبدَّعون، فلا يُعتدّ بخلافهم؛ لظهور فسقهم. قاله القرطبيّ. (ومنها): أن وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر عَلَى الكفاية،؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ الآية [آل عمران: ١٠٤]، فقد عبّر بـ"منْ" التبعيضيّة، إشارة إلى أنه واجب كفائيّ، والله تعالى أعلم. (ومنها): أن شرط وجوبه أمران: العلم بكون ذلك الفعل معروفًا، أو منكرًا؛ لأن ذلك لا يتأتّى للجاهل. والثاني: القدرة عليه؛ لأنه قَالَ: "فإن لم يستطع الخ"، فدلّ عَلَى أن غير المستطيع لا يجب عليه، وإنما عليه أن ينكر بقلبه. والله تعالى أعلم. (ومنها): أنه يدلّ على مراتب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فأولها الإنكار باليد، والثاني الإنكار باللسان، والثالث، وهو الأخير الإنكار بالقلب. (ومنها): أنه يدلّ عَلَى أن منْ خاف عَلَى نفسه القتل، أو الضرب سقط عنه تغيير المنكر، وهو مذهب المحقّقين سلفًا وخلفًا، وذهبت طائفة منْ الغُلاة إلى أنه لا يسقط، وإن خاف ذلك. قاله فِي "المفهم" ١/ ٢٣٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قد تكلّم النوويّ رحمه الله تعالى عَلَى هَذَا الْحَدِيث فِي "شرح مسلم" بكلامٍ نفيسٍ، ملخّص مما قاله المحقّقون، أحببت إيراده هنا، وإن كَانَ بعضه
стр. 17933
تقدّم، إلا أن ذكره مجموعًا فِي موضع واحد أعون عَلَى استيعابه، وأسرع لاستحضاره:
قَالَ رحمه الله تعالى: وأما قوله ﷺ :"فليغيره": فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة، وَقَدْ تطابق عَلَى وجوب الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، وهو أيضًا منْ النصيحة التي هي الدين، ولم يخالف فِي ذلك إلا بعض الرافضة، ولا يُعتَدّ بخلافهم، كما قَالَ الإمام أبو المعالى، إمام الحرمين: لا يُكترث بخلافهم فى هَذَا، فقد أجمع المسلمون عليه قبل أن ينبغ هؤلاء.
ووجوبه بالشرع، لا بالعقل، خلافا للمعتزلة، وأما قول الله : ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ الآية [المائدة: ١٠٥]، فليس مخالفا لما ذكرناه؛ لأن المذهب الصحيح عند المحققين فِي معنى الآية: إنكم إذا فعلتم ما كُلِّفتم به، فلا يضركم تقصير غيركم، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥]، وإذا كَانَ كذلك، فمما كُلِّف به الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، فإذا فعله، ولم يمتثل المخاطب، فلا عَتْبَ بعد ذلك عَلَى الفاعل؛ لكونه أدى ما عليه، فإنما عليه الأمر والنهى، لا القبول. والله أعلم.
ثم إن الامر بالمعروف، والنهى عن المنكر فرض كفاية، إذا قام به بعض النَّاس، سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثم كل منْ تمكن منه، بلا عذر، ولا خوف.
ثم إنه قد يتعين كما إذا كَانَ فِي موضع لا يعلم به إلا هو، أو لا يتمكن منْ إزالته الا هو، وكمن يرى زوجته، أو ولده، أو غلامه عَلَى منكر، أو تقصير فِي المعروف.
قَالَ العلماء رضى الله عنهم: ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر؛ لكونه لا يفيد فِي ظنه، بل يجب عليه فعله، ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]، وَقَدْ قدمنا أن الذى عليه الأمر والنهي، لا القبول، وكما قَالَ الله : ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [العنكبوت: ١٨] ومَثَّل العلماء هَذَا بمن يرى إنسانا فِي الحمام، أو غيره، مكشوف بعض العورة، ونحو ذلك، والله أعلم.
قَالَ العلماء: ولا يشترط فِي الآمر والناهى أن يكون كامل الحال، ممتثلا ما يأمر به، مجتنبا ما ينهى عنه، بل عليه الأمر، وإن كَانَ مُخِلّاً بما يأمر به، والنهي وإن كَانَ متلبسا بما ينهى عنه، فإنه يجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه، وينهاها ويأمر غيره وينهاه، فإذا أخلّ بأحدهما، كيف يباح له الإخلال بالآخر؟.
قَالَ العلماء: ولا يختص الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، بأصحاب الولايات، بل ذلك جائز لآحاد المسلمين، قَالَ إمام الحرمين: والدليل عليه إجماع المسلمين، فإن غير الولاة فِي الصدر الأول، والعصر الذى يليه، كانوا يأمرون الولاة بالمعروف،
стр. 17934
وينهونهم عن المنكر، مع تقرير المسلمين إياهم، وترك توبيخهم عَلَى التشاغل بالأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، منْ غير ولاية، والله أعلم.
ثم إنَّه إنما يأمر وينهى، منْ كَانَ عالما بما يأمر به وينهى عنه، وذلك يختلف باختلاف الشىء، فإن كَانَ منْ الواجبات الظاهرة، والمحرمات المشهورة، كالصلاة، والصيام، والزنا، والخمر، ونحوها، فكل المسلمين علماء بها، وإن كَانَ منْ دقائق الأفعال، والأقوال، ومما يتعلق بالاجتهاد، لم يكن للعوام مدخل فيه، ولا لهم إنكاره، بل ذلك للعلماء، ثم العلماء إنما ينكرون ما أُجمع عليه، أما المختلف فيه، فلا إنكار فيه؛ لأن عَلَى أحد المذهبين كل مجتهد مصيب، وهذا هو المختار عند كثيرين منْ المحققين، أو أكثرهم، وعلى المذهب الآخر المصيب واحد، والمخطىء غير متعين لنا، والإثم مرفوع عنه، لكن إن ندبه عَلَى جهة النصيحة إلى الخروج منْ الخلاف، فهو حسن محبوب، مندوب إلى فعله برفق، فإن العلماء متفقون عَلَى الحث عَلَى الخروج منْ الخلاف، إذا لم يلزم منه إخلال بسنة، أو وقوع فى خلاف آخر.
وذكر أقضى القضاة، أبو الحسن الماورديّ البصريّ الشافعيّ فى كتابه "الأحكام السلطانية" خلافا بين العلماء فِي أن منْ قلّده السلطان الْحِسبْة، هل له أن يَحمِل النَّاس عَلَى مذهبه، فيما اختلف فيه الفقهاء، إذا كَانَ المحتسب منْ أهل الاجتهاد، أم لا يغير ما كَانَ عَلَى مذهب غيره، والأصح أنه لا يغير لما ذكرناه، ولم يزل الخلاف فِي الفروع، بين الصحابة والتابعين، فمن بعدهم رضى الله عنهم أجمعين، ولا ينكر محتسب، ولا غيره عَلَى غيره، وكذلك قالوا: ليس للمفتى، ولا للقاضى أن يعترض عَلَى منْ خالفه، إذا لم يخالف نصا، أو اجماعا، أو قياسا جليا، والله أعلم.
(واعلم): أن هَذَا الباب أعني باب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، قد ضُيِّع أكثره منْ أزمان متطاولة، ولم يبق منه فى هذه الأزمان، إلا رسوم قليلة جدًّا، وهو باب عظيم، به قوام الأمر ومِلاكه، وإذا كثر الخبث عَمّ العقاب الصالح والطالح، وإذا لم يأخذوا عَلَى يد الظالم، أوشك أن يعمهم الله تعالى بعقابه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم﴾ [النور: ٦٣].
فيبغى لطالب الآخرة، والساعى فِي تحصيل رضا الله ، أن يعتنى بهذا الباب، فإن نفعه عظيم، لاسيما وَقَدْ ذهب معظمه، ويُخلِص نيته، ولا يهابَنّ منْ ينكر عليه؛ لارتفاع مرتبته، فإن الله تعالى قَالَ: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحجّ: ٤٠]، وَقَالَ تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١]، وَقَالَ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وَقَالَ تعالى: ﴿أَحَسِبَ
стр. 17935
النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].
(واعلم): أن الأجر عَلَى قدر النَّصَب، ولا يتاركه أيضًا لصداقته ومودته، ومداهنته، وطلب الوجاهة عنده، ودوام المنزلة لديه، فإن صداقته ومودته، توجب له حرمة وحقا، ومن حقه أن ينصحه، ويهَديه إلى مصالح آخرته، وينقذه منْ مضارها، وصديق الإنسان ومحبه، هو منْ سعى فِي عمارة آخرته، وإن أدى ذلك إلى نقص فِي دنياه، وعدُوُّه منْ يسعى فِي ذهابِ، أو نقص آخرته، وإن حصل بسبب ذلك صورة نفع فِي دنياه، وإنما كَانَ إبليس عدوا لنا لهذا، وكانت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أولياء للمؤمنين؛ لسعيهم فى مصالح آخرتهم، وهدايتهم إليها، ونسأل الله الكريم توفيقنا، وأحبابنا، وسائر المسلمين لمرضاته، وأن يعمنا بجوده ورحمته، والله أعلم.
وينبغى للآمر بالمعروف، والناهى عن المنكر، أن يَرفُقَ؛ ليكون أقرب إلى تحصيل المطلوب، فقد قَالَ الإمام الشافعيّ رضى الله عنه: منْ وعظ أخاه سرا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه. ومما يتساهل أكثر النَّاس فيه منْ هَذَا الباب: ما إذا رأى إنسانا يبيع متاعا معيبا، أو نحوه، فإنهم لا ينكرون ذلك، ولا يُعَرِّفون المشتري بعيبه، وهذا خطأ ظاهر، وَقَدْ نص العلماء عَلَى أنه يجب عَلَى منْ عَلِم ذلك، أن ينكر عَلَى البائع، وأن يُعلم المشتري به، والله أعلم.
وأما صفة النهى، ومراتبه، فقد قَالَ النبيّ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيث الصحيح: "فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه"، فقوله ﷺ : "فبقلبه": معناه: فليكرهه بقلبه، وليس ذلك بإزالة، وتغيير منه للمنكر، ولكنه هو الذي فى وسعه، وقوله ﷺ : "وذلك أضعف الإيمان"، معناه -والله أعلم-: أقله ثمرة.
قَالَ القاضى عياض ﵀: هَذَا الْحَدِيث أصل فى صفة التغيير، فحق المغير أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله به، قولا كَانَ أو فعلاً، فيكسر آلات الباطل، ويريق المسكر بنفسه، أو يأمر منْ يفعله، وينزع الغُصوب، ويردها الى أصحابها بنفسه، أو بأمره إذا أمكنه، ويرفق فِي التغيير جهده بالجاهل، وبذي العزة الظالم الْمَخُوف شره؛ إذ ذلك أدعى إلى قبول قوله، كما يستحب أن يكون متولي ذلك منْ أهل الصلاح والفضل؛ لهذا المعنى، ويُغلظ عَلَى المتمادى فِي غيه، والمسرف فِي بطالته، إذا أمن أن يؤثر إغلاظه منكرا أشد مما غيره؛ لكون جانبه محميا عن سطوة الظالم، فإن غلب عَلَى ظنه أن تغييره بيده، يسبب منكرا أشد منه، منْ قتله، أو قتل غيره، بسببه، كَفَّ يده، واقتصر عَلَى القول باللسان، والوعظ، والتخويف، فإن خاف أن يسبب قوله مثل ذلك، غَيَّر
стр. 17936
بقلبه، وكان فِي سعة، وهذا هو المراد بالحديث -إن شاء الله تعالى- وإن وجد منْ يستعين به عَلَى ذلك، استعان ما لم يؤد ذلك إلى إظهار سلاح وحرب، ولْيرفع ذلك إلى منْ له الأمر، إن كَانَ المنكر منْ غيره، أو يقتصر عَلَى تغييره بقلبه، هَذَا هو فقه المسألة، وصواب العمل فيها عند العلماء والمحققين، خلافا لمن رأى الإنكار بالتصريح بكل حال، وإن قُتل ونيل منه كل أَذًى. هَذَا آخر كلام القاضى رحمه الله تعالى.
قَالَ إمام الحرمين رحمه الله تعالى: ويسوغ لآحاد الرعية، أن يَصُدّ مرتكب الكبيرة، إن لم يندفع عنها بقوله، ما لم ينته الأمر إلى نصب قتال، وشَهْر سلاح، فإن انتهى الأمر إلى ذلك، ربط الأمر بالسلطان، قَالَ: وإذا جار والى الوقت، وظهر ظلمه وغشمه، ولم ينزجر حين زُجر عن سوء صنيعه بالقول، فلأهل الحل والعقد التواطؤ عَلَى خلعه، ولو بشهر الأسلحة، ونصب الحروب، هَذَا كلام إمام الحرمين، وهذا الذى ذكره منْ خلعه غريب، ومع هَذَا فهو محمول عَلَى ما إذا لم يُخَف منه إثارة مفسدة أعظم منه.
قَالَ: وليس للآمر بالمعروف البحث، والتنقير، والتجسس، واقتحام الدور بالظنون، بل إن عثر عَلَى منكر غَيره جهده، هَذَا كلام إمام الحرمين.
وَقَالَ أقضى القضاة الماوردى: ليس للمحتسب أن يبحث عما لم يظهر منْ المحرمات، فإن غلب عَلَى الظن استسرار قوم بها؛ لأمارة، وآثار ظهرت، فذلك ضربان: [أحدهما]: أن يكون ذلك فِي انتهاك حرمة، يفوت استدراكها، مثل أن يُخبره منْ يثق بصدقه أن رجلا خلا برجل ليقتله، أو بامرأة ليزني بها، فيجوز له فى مثل هَذَا الحال أن يتجسس، ويُقدم عَلَى الكشف، والبحث حذرا منْ فوات ما لا يُستدرك، وكذا لو عَرَف ذلك غير المحتسب منْ المتطوعة، جاز لهم الإقدام عَلَى الكشف، والإنكار.
[الضرب الثاني]: ما قصر عن هذه الرتبة، فلا يجوز التجسس عليه، ولا كشف الأستار عنه، فإن سمع أصوات الملاهي المنكرة منْ دار، أنكرها خارج الدار، لم يَهُجم عليها بالدخول؛ لأن المنكر ظاهر، وليس عليه أن يكشف عن الباطن. وقد ذكر الماوردي فِي آخر "الأحكام السلطانية" بابا حسنا فى الحسبة، مشتملا عَلَى جُمَل منْ قواعد الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وَقَدْ أشرنا هنا إلى مقاصده، وبسطت الكلام فى هَذَا الباب؛ لعظم فائدته، وكثرة الحاجة إليه، وكونه منْ أعظم قواعد الإسلام. والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى "شرح صحيح مسلم" ٢/ ٢١ - ٢٦. وهو كلام نفيسٌ جدًّا، ولنفاسته نقلته برمّته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
٥٠١١ - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ
стр. 17937
مِغْوَلٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "مَنْ رَأَى مُنْكَرًا فَغَيَّرَهُ بِيَدِهِ، فَقَدْ بَرِىءَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ فَغَيَّرَهُ بِلِسَانِهِ، فَقَدْ بَرِىءَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُغَيِّرَهُ بِلِسَانِهِ، فَغَيَّرَهُ بِقَلْبِهِ، فَقَدْ بَرِىءَ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده، وهو حرّانيّ، ثقة [١١] ٢٢/ ٩٣٢. و"مَخْلد": هو ابن يزيد القرشيّ الْحَرّانيّ، صدوقٌ له أوهام، منْ كبار [٩] ١٤١/ ٢٢٢. و"مالك بن مِغْول" -بكسر الميم، وسكون الغين المعجمة، وفتح الواو-: هو أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة ثبت، منْ كبار [٧] ٩٨/ ١٢٧.
وقوله: "فقد برىء": جواب "إذا" مقدّرةً: أي فإذا فعل ذلك، فقد برىء منْ المشاركة مع أهله فِي الإثم.
والحديث صحيح، وَقَدْ سبق شرحه، وبيان المسائل المتعلّقة به فِي الْحَدِيث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
١٨ - (زِيَادَةُ الإِيمَانِ)
٥٠١٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مُجَادَلَةُ أَحَدِكُمْ فِي الْحَقِّ، يَكُونُ لَهُ فِي الدُّنْيَا، بِأَشَدَّ مُجَادَلَةً، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ فِي إِخْوَانِهِمُ، الَّذِينَ أُدْخِلُوا النَّارَ"، قَالَ: "يَقُولُونَ: رَبَّنَا إِخْوَانُنَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا، وَيَصُومُونَ مَعَنَا، وَيَحُجُّونَ مَعَنَا، فَأَدْخَلْتَهُمُ النَّارَ"، قَالَ: فَيَقُولُ: "اذْهَبُوا، فَأَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ مِنْهُمْ"، قَالَ: "فَيَأْتُونَهُمْ، فَيَعْرِفُونَهُمْ بِصُوَرِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ النَّارُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ إِلَى كَعْبَيْهِ، فَيُخْرِجُونَهُمْ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا قَدْ أَخْرَجْنَا مَنْ أَمَرْتَنَا"، قَالَ: "وَيَقُولُ أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ دِينَارٍ مِنَ الإِيمَانِ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ نِصْفِ دِينَارٍ، حَتَّى يَقُولَ: مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ"، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْ، فَلْيَقْرَأْ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ
стр. 17938
يَشَاءُ﴾ إِلَى ﴿عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨]).
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن رافع) أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقة عابد [١١] ٩٢/ ١١٤.
٢ - (عبد الرزّاق) بن هَمّام الصنعانيّ ثقة فاضل مصنّف، عمي فتغيّر، ويتشيّع [٩] ٦١/ ٧٧.
٣ - (معمر) بن راشد، أبو عروة البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقة ثبت [٧] ١٠/ ١٠.
٤ - (زيد بن أسلم) العدويّ المدنيّ ثقة فقيه [٣] ٦٤/ ٨٠.
٥ - (عطاء بن يسار) الهلاليّ، مولى ميمونة المدنيّ ثقة عابد فاضل [٣] ٦٤/ ٨٠. والصحابيّ سبق فِي الْحَدِيث الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين منْ زيد. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: زيد عن عطاء، وهو منْ رواية الأقران؛ إذ كلاهما منْ الطبقة الثالثة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا) نافية، وهي العاملة عمل "ليس"، واسمها قوله (مُجَادَلَةُ أَحَدِكُمْ فِي الْحَقِّ يَكُونُ لَهُ فِى الدُّنْيَا) جملة "يكون" فِي محلّ جرّ صفة لـ"الحقّ" عَلَى أن تعريفه للجنس (بِأَشَدَّ) الباء زائدة فِي خبر "ما"، كما قَالَ فِي "الخلاصة":
وَبَعْدَ "مَا" و"لَيْسَ" جَرَّ البَا الْخَبَرْ … وَبَعْدَ "لَا" ونَفْيِ "كَانَ" قَدْ يُجَرُّ
(مُجَادَلَةً) منصوب عَلَى التمييز، قَالَ السنديّ: وفيه مبالغة، حيث جعل المجادلة ذات مجادة، ولا يجوز جرّ مجادلة بإضافة اسم التفضيل إليها؛ لأنه يلزم الجمع بين الإضافة و"منْ", واسم التفضيل لا يُستعمل بهما، وأيضًا التنكير يأبى احتمال الإضافة. انتهى. (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أي منْ مجادلة المؤمنين "لِرَبِّهِمْ فِي إِخْوَانِهم، الَّذِينَ أُدْخِلُوا النَّارَ) ببناء الفعل للمفعول، أي أدخلهم الله تعالى النار بسبب أعمالهم السيّئة.
والمعنى أنه لا يكون إن مجادلة المؤمنين بعضهم لبعض فِي الدنيا بسبب حقّ يثبت لهم، لا تكون أشدّ منْ مجادلة المؤمنين لربهم فِي الآخرة، حين يؤذن بدخول الجنة، وَقَدْ أدخل إخوانهم النار بسبب سيّئاتهم، فيناشدون الله سبحانه وتعالى
стр. 17939
أن يخرج إخوانهم منْ النار، فيدخوا معهم الجنة، كما يشير إلى هَذَا قوله (قَالَ: "يَقُولُونَ) أي المؤمنون (رَبَّنَا) بتقدير حرف النداء: أي يا ربّنا (إِخْوَانُنَا) خبر لمحذوف، أي هم إخواننا، أو هو مبتدأ، خبره جملة قوله: (كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا، وَيَصُومُونَ مَعَنَا، ويَحُجُّونَ مَعَنَا) أي كانوا يفعلون هذه العبادات فِي الدنيا، كما كنّا نفعلها، فليس المراد اجتماعهم عَلَى فعلها، فإنه لا يشترط ذلك (فَأَدْخَلْتَهُمُ النَّارَ)، (قَالَ ﷺ فَيَقُولُ) أي الله (اذْهَبُوا، فَأخْرِجُوا) هذه الرواية صريحة فِي كون الإخراج للمؤمنين، وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاريّ: "أمر الملائكة أن يُخرجوهم"، وفي حديث أنس ﵁ عنده قوله ﷺ : "فيحُدّ لي حدًّا، فأخرجهم"، وُيجمع بأن الملائكة يؤمرون عَلَى ألسنة الرسل بذلك، فالذين يباشرون الإخراج هم الملائكة. قاله فِي "الفتح" ١٣/ ٢٨٤. (مَنْ عَرَفْتُمْ مِنْهُمْ) أي منْ إخوانكم الموصوفين بما ذكرتم (قَالَ: "فَيَأتُونَهُمْ، فَيَعْرِفُونَهُمْ بِصُوَرِهِمْ) أي لأن صور مواضع سجودهم لا تتغيّر بالنار، ففي رواية الشيخين لحديث أبي سعيد ﵁ هَذَا، واللفظ للبخاريّ: "ويُحرّم الله صورهم عَلَى النار"، وفي حديث أبي هريرة ﵁: "حرّم الله تعالى عَلَى النار أن تأكل أثر السجود"، وآثار السجود تكون فِي أعضائه السبعة.
(فَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ النَّارُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ إِلَى كَعْبَيْهِ) [فإن قيل]: هَذَا نصّ عَلَى أن النار قد أخذت بعض أعضاء السجود، وهو يخالف ما سبق أن الله تعالى حرّم صورهم عَلَى النار"، وفي الروية الأخرى: "حرم الله تعالى عَلَى النار أن تأكل أثر السجود"، فكيف الجواب؟.
[قلت]: أجيب بأنا نقول: تأخذ النار، فتغيّر، ولا تأكل، فتذهب، ولا يبعد أن يقال: إن تحريم الصور عَلَى النار إنما يكون فِي حقّ هذه الطائفة المشفوع لهم أوّلاً لعلوّ رتبتهم عَلَى منْ يخرج بعدهم، فتكون النار لم تقرب صورهم، ولا وجوههم بالتغيير، ولا الأكل. قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى فِي "المفهم" ١/ ٤٤٨ - ٤٤٩.
وَقَالَ فِي "الفتح" عند شرح قوله: فيعرفونهم بعلامة آثار السجود، وحرم الله عَلَى النار أن تأكل منْ ابن آدم أثر السجود": ما حاصله: هَذَا جواب عن سؤال مقدر، تقديره: كيف يعرفون أثر السجود، مع قوله فِي حديث أبي سعيد، عند مسلم: "فأماتهم الله إماتة، حَتَّى إذا كانوا فحما أذن الله بالشفاعة"، فإذا صاروا فحما كيف يتميز محل السجود منْ غيره؟ حَتَّى يُعرف أثره.
وحاصل الجواب تخصيص أعضاء السجود، منْ عموم الأعضاء التي دل عليها هَذَا الخبر، وأن الله منع النار أن تحرق أثر السجود منْ المؤمن، وهل المراد بأثر السجود
стр. 17940
نفس العضو، الذي يسجد، أو المراد مَن سجد؟ فيه نظر، والثاني أظهر.
قَالَ القاضي عياض: فيه دليل عَلَى أن عذاب المؤمنين المذنبين مخالف لعذاب الكفار، وأنها لا تأتي عَلَى جميع أعضائهم، إما إكراما لموضع السجود، وعظم مكانهم منْ الخضوع لله تعالى، أو لكرامة تلك الصورة التي خُلق آدم والبشر عليها، وفُضلوا بها عَلَى سائر الخلق.
قَالَ الحافظ: الأول منصوص، والثاني محتمل، لكن يشكل عليه أن الصورة لا تختص بالمؤمنين، فلو كَانَ الإكرام لأجلها لشاركهم الكفار، وليس كذلك.
قَالَ النوويّ: وظاهر الْحَدِيث أن النار لا تأكل جميع أعضاء السجود السبعة، وهي: الجبهة، واليدان، والركبتان، والقدمان، وبهذا جزم بعض العلماء. وَقَالَ عياض: ذِكر الصورة، ودارات الوجوه، يدلّ عَلَى أن المراد بأثر السجود الوجه خاصة، خلافا لمن قَالَ: يشمل الأعضاء السبعة، ويؤيد اختصاص الوجه أن فِي بقية الْحَدِيث: "إن منهم منْ غاب فِي النار إلى نصف ساقيه"، وفي حديث سمرة عند مسلم: "وإلى ركبتيه"، وفي رواية هشام بن سعد فِي حديث أبي سعيد: "وإلى حِقْوه"، قَالَ النوويّ: وما أنكره هو المختار، ولا يمنع منْ ذلك قوله فِي الْحَدِيث الآخر فِي مسلم: "إن قوما يخرجون منْ النار، يحترقون فيها إلا دارات وجوهم"، فإنه يُحمل عَلَى أن هؤلاء قوم مخصوصون منْ جملة الخارجين منْ النار، فيكون الْحَدِيث خاصا بهم، وغيره عاما، فيُحمل عَلَى عمومه، إلا ما خص منه.
قَالَ الحافظ: إن أراد أن هؤلاء يخصون بأن النار لا تأكل وجوههم كلها، وأن غيرهم لا تأكل منهم محل السجود خاصة، وهو الجبهة سَلِمَ منْ الاعتراض، وإلا يلزمه تسليم ما قَالَ القاضي فِي حق الجميع، إلا هؤلاء، وإن كانت علامتهم الغرة كما تقدّم النقل عمن قاله، وما تعقبه بأنها خاصة بهذه الأمة، فيضاف إليها التحجيل، وهو فِي اليدين والقدمين، مما يصل إليه الوضوء، فيكون أشمل مما قاله النوويّ، منْ جهة دخول جميع اليدين والرجلين، لا تخصيص الكفين والقدمين، ولكن ينقص منه الركبتان.
وما استدل به القاضي منْ بقية الْحَدِيث، لا يمنع سلامة هذه الأعضاء، مع الانغمار؛ لأن تلك الأحوال الأخروية خارجة عن قياس أحوال أهل الدنيا.
ودل التنصيص عَلَى دارات الوجوه أن الوجه كله لا تؤثر فيه النار؛ إكراما لمحل السجود، ويحمل الاقتصار عليها عَلَى التنويه بها لشرفها.
وَقَدْ استنبط ابن أبي جمرة منْ هَذَا أن منْ كَانَ مسلما، ولكنه كَانَ لا يصلى لا يخرج، إذ لا علامة له، لكن يُحمل عَلَى أنه يخرج فِي القبضة؛ لعموم قوله: "لم يعملوا خيرا
стр. 17941
قط"، وهو مذكور فِي حديث أبي سعيد المذكور عند البخاريّ فِي "كتاب التوحيد".
وهل المراد بمن يَسلَم منْ الاحتراق منْ كَانَ يسجد، أو أعم منْ أن يكون بالفعل، أو القوة؟، الثاني أظهر؛ ليدخل فيه منْ أسلم مثلا وأخلص، فبغته الموت قبل أن يسجد. انتهى "فتح" ١٣/ ٢٨٥ - ٢٨٦.
(فَيُخْرِجُونَهُمْ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا) أي يا ربّنا (قَدْ أَخْرَجْنَا مَنْ أَمَرْتَنَا) أي بإخراجه ممن له علامة يُعرف بها، وهي مواضع السجود، كما سبق آنفاً (قَالَ: "وَيَقُولُ) أي الله (أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ دِينَارٍ مِنَ الإِيمَانِ) أي زيادة عَلَى التوحيد؛ لما ثبت فِي حديث آخر: "أخرجوا منْ النار منْ قَالَ: لا إله إلا الله، وعمل منْ الخير ما يرن ذرّة".
(ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ نِصْفِ دِينَارٍ، حَتَّى يَقُولَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ") بفتح المعجمة، وتشديد الراء المفتوحة، قيل: معناها: أقلّ الأشياء الموزونة. وقيل: هي الهباء الذي يظهر فِي شُعاع الشمس، مثل رءوس الإبر. وقيل: هي النملة الصغيرة. وُيروى عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، أنه قَالَ: إذا وضعت كفّك فِي التراب، ثم نفضتها، فالساقط هو الذّرّ. ويقال: إن أربع ذرّات وزن خَرْدلة. وعند البخاريّ فِي أواخر "كتاب التوحيد" منْ حديث أنس ﵁، مرفوعًا: "أدخل الجنة منْ كَانَ فِي قلبه خردلة، ثم منْ كَانَ فِي قلبه أدنى شيء"، قَالَ فِي "الفتح": وهذا معنى الذّرّة. انتهى ١٣/ ١٤٥.
[تنبيه]: ضبط "ذَرَّة" بالذال المعجمة، والراء-: هو الصواب، قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: كذا صحّت روايتنا فيه بفتح الذال المعجمة، وتشديد الراء: وهي الصغيرة منْ النمل، ولم يُختلف أنه كذلك فِي هَذَا الْحَدِيث، وَقَدْ صحّفه شعبة فِي حديث أنس ﵁ أي عند مسلم- فَقَالَ: "ذُرَة" بضم الذال المعجمة، وتخفيف الراء، عَلَى ما قيّده أبو عليّ الصدفيّ، والسمرقنديّ، وفيما قيّده الْعُذريّ، والْخُشنيّ "دُرّة" بالدال المهملة، وتشديد الراء: واحدة الدُّرّ، وهو تصحيف التصحيف. انتهى "المفهم" ١/ ٤٤٩.
(قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدريّ ﵁ (فَمَنْ لَم يُصَدِّقْ) قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: هَذَا ليس عَلَى معنى أنهم اتهموه، وإنما كَانَ منه عَلَى معنى التاكيد، والعَضْد. انتهى. "المفهم" ١/ ٤٤٩ (فَلْيَقرَأْ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، إِلَى ﴿عَظِيمًا﴾ [النِّساء: ٤٨]) هكذا الآية فِي رواية المصنّف رحمه الله تعالى، والذي فِي "الصحيحين" أن الآية هي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النِّساء: ٤٠]. وهذه الآية هي الظاهرة فِي
стр. 17942
استدلال أبي سعيد ﵁ عَلَى ما قاله، وللآية المذكورة أيضًا وجهٌ، وذلك لأن الله تعالى ذكر أنه يغفر ما دون الشرك، فمن عرف أنه يغفر جميع الذنوب كبيرها، وصغيرها، غير الشرك، لا يستبعد ما ذُكر فِي هَذَا الْحَدِيث منْ شفاعة المؤمنين لإخوانهم، وإخراجهم لهم منْ النار، وإن كانوا ليست لهم أعمال صالحة، بل هم أصحاب كبائر، بحيث تكون أعمالهم الصالحة لقلّتها بمقدار وزن ذرّة. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: حديث أبي سعيد ﵁ هَذَا اختصره المصنّف رحمه الله تعالى، وهو حديث طويل ساقه الشيخان فِي "صحيحيهما" بطوله، وهذا لفظ البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "كتاب التوحيد":
حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ، قَالَ: قلنا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قَالَ: هل تضارون فِي رؤية الشمس والقمر، إذا كانت صحوا؟ "، قلنا: لا، قَالَ: "فإنكم لا تضارون فِي رؤية ربكم يومئذ، إلا كما تضارون فِي رؤيتهما"، ثم قَالَ: "ينادي مناد، ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم، حَتَّى يبقى منْ كَانَ يعبد الله منْ بر أو فاجر، وغُبَّرات منْ أهل الكتاب، ثم يؤتى بجهنم، تعرض كأنها سراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؛ قالوا: كنا نعبد عزيرًا ابن الله، فيقال: كذبتم لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون فِي جهنم، ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون فِي جهنم، حَتَّى يبقى منْ كَانَ يعبد الله، منْ بَرّ، أو فاجر، فيقال لهم: ما يحبسكم؟ وَقَدْ ذهب النَّاس فيقولون: فارقناهم، ونحن أحوج منا إليه اليوم، وإنا سمعنا مناديا ينادي: ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، وإنما ننتظر ربنا، قَالَ: فيأتيهم الجبار فِي صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فلا يكلمه إلا الأنبياء، فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟، فيقولون: الساق فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن، ويبقى منْ كَانَ يسجد لله رياء وسمعة، فيذهب كيما يسجد، فيعود ظهره طبقا واحدا، ثم يؤتى بالجسر، فيجعل بين ظهري جهنم، قلنا: يا رسول الله، وما الجسر؟ قَالَ: "مَدْحَضَة، مَزَلَّة، عليه خَطاطيف، وكلاليب، وحَسَكة مُفَلْطَحَةٍ، لها شوكة عُقَيفاء، تكون بنجد،
стр. 17943
يقال لها: السعدان، المؤمن عليها كالطرف، وكالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، فناجٍ مسلم، وناج مخدوش، ومكدوس فِي نار جهنم، حَتَّى يمر آخرهم يُسحَب سحبا، فما أنتم بأشد لي مناشدة فِي الحق، قد تبين لكم، منْ المؤمن يومئذ للجبار، فإذا رأوا أنهم قد نجوا، فِي إخوانهم، يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا، فيقول الله تعالى: اذهبوا فمن وجدتم فِي قلبه مثقال دينار منْ إيمان، فأخرجوه، وُيحَرِّم الله صورهم عَلَى النار، فيأتونهم، وبعضهم قد غاب فِي النار إلى قدمه، وإلى أنصاف ساقيه، فيُخرجون منْ عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا، فمن وجدتم فِي قلبه مثقال نصف دينار، فأخرجوه، فيخرجون منْ عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم فِي قلبه مثقال ذرة منْ إيمان، فأخرجوه، فيخرجون منْ عرفوا.
قَالَ أبو سعيد: فإن لم تصدقوني، فاقرءوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النِّساء: ٤٠]، فيشفع النبيون، والملائكة، والمؤمنون، فيقول الجبار بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة منْ النار، فيُخرج أقواما قد امتحشوا، فيلقون فِي نهر بأفواه الجنة، يقال له: ماء الحياة، فينبتون فِي حافتيه، كما تنبت الحبة فِي حميل السيل، قد رأيتموها إلى جانب الصخرة، وإلى جانب الشجرة، فما كَانَ إلى الشمس منها كَانَ أخضر، وما كَانَ منها إلى الظل كَانَ أبيض، فيخرجون كأنهم اللؤلؤ، فيُجعل فِي رقابهم الخواتيم، فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه، فيقال لهم: لكم ما رأيتم، ومثله معه". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٨/ ٥٠١٢ - وأخرجه (خ) فِي "التوحيد" ٧٤٣٩ (م) فِي "الإيمان" ١٨٣ (ق) فِي "المقدّمة" ٦٠ (أحمد) ٣/ ١٦. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان زيادة الإيمان، ووجه ذلك ظاهر فِي قوله: "وزن دينار"، و"وزن نصف دينار"، و"وزن ذرّة"، فإنه يدلّ عَلَى أنَّ الإيمان يقبل الزيادة والنقص، وَقَدْ تقدّم فِي أوائل "كتاب الإيمان" أن مذهب المحدّثين،
стр. 17944
والمحققين منْ أهل العلم أن الإيمان قول، وفعل، ويزيد وينقص. (ومنها): إثبات الشفاعة للمؤمنين. (ومنها): فضل المحبّة فِي الله تعالى، فإن هؤلاء المؤمنين الذي يجادلون عن إخوانهم ما حملهم عَلَى ذلك إلا المحبّة التي ربطت بينهم، فقد نفعوهم فِي يوم لا ينفع فيه مال، ولا بنون. (ومنها): تفاوت أهل النار عَلَى قدر تفاوت أعمالهم السيئة. (ومنها): سعة رحمة الله تعالى، وواسع جوده وكرمه، حيث إنه لا يُضيع أعمال عباده، وإن قلت، وكانت مثقال ذرّة، ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. (ومنها): أن الشرك هو الذنب الذي لا ذنب فوقه، ولهذا لا يغفره الله تعالى. (ومنها): أن الله يغفر ما دون الشرك، وإن كَانَ منْ الكبائر، وَقَدْ تقدّم أن جمهور أهل السنّة احتجّوا بهذه الآية الكريمة عَلَى أن قاتل النفس المحرّمة عمدًا تحت المشيئة، وهذا هو الحقّ؛ لهذه الآية الكريمة، وَقَدْ خالف فِي ذلك ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، ويقال: إنه رجع عن ذلك، وَقَدْ تقدّم بيان ذلك كله فِي محلّه، فلا تنس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٠١٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ، وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ"، قَالَ: فَمَاذَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الدِّينَ").
رجال هَذَا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن يحيى بن عبد الله) الحافظ الثبت الحجة الذهليّ النيسابوريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩٦/ ٣١٤.
٢ - (يعقوب بن إبراهيم) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة فاضل، منْ صغار [٩] ١٩٦/ ٣١٤.
٣ - (أبوه) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة حجة [٨] ١٩٦/ ٣١٤.
٤ - (صالح بن كيسان) الغفاريّ المدنيّ، ثقة ثبت [٤] ١٩٦/ ٣١٤.
٥ - (أبو أمامة بن سهل) هو أسعد بن سهل بن حُنيف الأنصاريّ، معروف بكنيته، مختلف فِي صحبته، والصحيح أنه صحابي رؤيةً، وتابعيّ رواية، مات سنة مائة، وله (٩٢)، وتقدّم فِي ٨/ ٥٠٩. والصحابي تقدّم قريبًا. والله تعالى أعلم.
стр. 17945
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وفيه ثلاثة منْ ثقات التابعين، أو تابعيان، وصحابيّان، عَلَى خلاف سبق آنفاً فِي أبي أُمامة. والله تعالى أعلم.
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أنه (قَالَ: حَدثَنِي أَبُو أُمَامَةَ) أسعد (بنُ سَهْلٍ) بن حُنيف (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ) ﵁. هَذَا الذي رواه أكثر أصحاب الزهريّ، واتفق عليه الشيخان، وَقَدْ أخرجه أحمد منْ طريق معمر، عن الزهريّ، عن أبي أُمامة بن سهل، عن بعض أصحاب النبيّ ﷺ ، فأبهمه. قاله فِي "الفتح" ٧/ ٤٠٨.
(قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَا) هي "بين" أُشبعت فتحتها، فصارت ألفا، وَقَالَ الجوهريّ: "بينا" فَعْلَى، مشبعة الفتحة، وتضاف إلى الجملة، وهو قوله: (أنا نَائِمٌ، رَأَيْتُ) هو منْ الرؤية البصرية، ويجوز أن يكون منْ الرؤية العلميّة (النَّاسَ) بالنصب عَلَى المفعوليّة، ويجوز رفعه عَلَى الابتداء، وخبره جملة قوله (يُعْرَضُونَ عَلَيَّ) ببناء الفعل للمفعول: أي يُظهرون لي، يقال: عَرَضَ الشيءَ، منْ باب ضرب: إذا أبداه، وأظهره، والجملة عَلَى كون "رأى" بصرية منصوبة عَلَى الحال، وعلى كونها علمية، هي المفعول الثاني، وأما عَلَى رفع "النَّاس" فهي خبره، والجملة مفعول "رأيت".
قَالَ ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى: ما ملخصه: المراد بالناس فِي هَذَا الْحَدِيث المؤمنون؛ لتأويله القميص بالدين، قَالَ: والذي يظهر أن المراد خصوص هذه الأمة المحمدية، بل بعضها، والمراد بالدين العمل بمقتضاه، كالحرص عَلَى امتثال الأوامر، واجتناب المناهي، وكان لعمر ﵁ فِي ذلك المقام العالي. انتهى "فتح" ١٤/ ٤٢٨.
[تنبيه]: قد استُشكل هَذَا الْحَدِيث بأنه يلزم منه أن عمر أفضل منْ أبي بكر الصّدّيق رضي الله تعالى عنهما.
[والجواب]: عنه تخصيص أبي بكر منْ عموم قوله: "عُرض عليّ النَّاس"، فلعلّ الذين عُرضوا إذ ذاك لم يكن فيهم أبو بكر ﵁، وأن كون عمر ﵁ عليه قميص يجرّه، لا يستلزم أن لا يكون عَلَى أبي بكر قميصٌ أطول منه، وأسبغ، فلعلّه كَانَ كذلك، إلا أن المراد كَانَ حينئذ بيان فضيلة عمر ﵁، فاقتصر عليها. انتهى. "فتح" ٧/ ٤٠٨ - ٤٠٩.
وَقَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: هؤلاء النَّاس المعروضون عَلَى رسول الله ﷺ فِي النوم هم منْ دون عمر فِي الفضيلة، فلم يدخل فيهم أبو بكر، ولو عُرِض أبو بكر ﵁-
стр. 17946
عليه فِي هذه الرواية لكان قميصه أطول، فإن فضله أعظم، ومقامه أكبر. انتهى. "المفهم" ١/ ٢٥٢ - ٢٥٣.
وَقَالَ فِي "الفتح" فِي موضع آخر: ما معناه: ظاهر الْحَدِيث فيه إشكالٌ، وملخصه: أن المراد بالأفضل منْ يكون أكثر ثوابا، والأعمال علامات الثواب، فمن كَانَ عمله أكثر، فدينه أقوى، ومن كَانَ دينه أقوى، فثوابه أكثر، ومن كَانَ ثوابه أكثر، فهو أفضل، فيكون عمر أفضل منْ أبي بكر ﵁.
وملخص الجواب: أنه ليس فِي الْحَدِيث تصريح بالمطلوب، فيحتمل أن يكون أبو بكر لم يُعْرَض فِي أولئك النَّاس، إما لأنه كَانَ قد عُرض قبل ذلك، وإما لأنه لا يُعْرَض أصلا، وأنه لَمّا عُرض كَانَ عليه قميص أطول منْ قميص عمر. ويحتمل أن يكون سِرُّ السكوت عن ذكره الاكتفاءَ بما عُلِم منْ أفضليته. ويحتمل أن يكون وقع ذكره، فذَهِل عنه الراوي، وعلى التنزل بأن الأصل عدم جميع هذه الاحتمالات، فهو مُعارَض بالأحاديث الدالة عَلَى أفضلية الصديق، وَقَدْ تواترت تواترا معنويا، فهي المعتمدة.
وأقوى هذه الاحتمالات أن لا يكون أبو بكر عُرِض مع المذكورين، والمراد منْ الخبر التنبيه عَلَى أن عمر ممن حصل له الفضل البالغ فِي الدين، وليس فيه ما يصرح بانحصار ذلك فيه. "فتح" فِي "كتاب تعبير الرؤيا" ١٤/ ٤٢٧.
(وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ) بضمتين: جميع قميص، كرغيف ورُغُف، ويُجمع أيضًا عَلَى قُمصان، وأقمصة، كرغفان، وأرغفة، والجملة فِي محلّ نصب عَلَى الحال (مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ) بضم الثاء المثلّثة، وكسر الدال، وتشديد الياء، جمع ثَدْي بفتح، فسكون، كفلس وفُلُوس، وأصل الثُّديّ: ثُدُويٌ كفُلُوس، اجتمعت فيه الواو، والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فأبدلت الواو ياء، وأدغمت فِي الياء، ثم أبدلت ضمة الدال كسرةً؛ لمناسبة الياء، فصار ثُدِيّا، وإلى هذه القاعدة أشار فِي "الخلاصة" بقوله:
إِنْ يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاوٍ وَيَا … وَاتَّصَلَا وَمِنْ عُرُوضٍ عَرِيَا
فَيَاءً الْوَاوَ اقْلِبَنَّ مُدْغِمَا … وَشَذَّ مُعْطَى غَيْرَ مَا قَدْ رُسِمَا
ويقال فيه أيضًا: ثِدِيّ بكسر الثاء؛ إتباعًا لما بعدها منْ الكسرة.
قَالَ الجوهريّ: الثدي يُذكّر، ويُؤنّث، وهو للمرأة والرجل جميعًا، وقيل: يختصّ بالمرأة، والصحيح الأول. أفاده العيني فِي "عمدة القاري" ١/ ١٩٨.
ومعنى الْحَدِيث: أن القميص قصيرٌ جدًّا، بحيث لا يصل منْ الحلق إلى نحو السرّة، بل فوقها. قاله فِي "الفتح" ١٤/ ٤٢٦.
(وَمِنْهَا) أي منْ القمُص (مَا يَبلُغُ دُونَ ذَلِكَ) قَالَ فِي "الفتح" ١٤/ ٤٢٦: يحتمل أن
стр. 17947
يريد دونه منْ جهة السفل، وهو الظاهر، فيكون أطول، ويحتمل أن يريد دونه منْ جهة العلو، فيكون أقصر، ويؤيّد الأول ما فِي رواية الترمذيّ الحكيم منْ طريق أخرى عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهريّ، فِي هَذَا الْحَدِيث: "فمنهم منْ كَانَ قميصه إلى سرته، ومنهم منْ كَانَ قميصه إلى ركبته، ومنهم منْ كَانَ قميصه إلى أنصاف ساقيه". انتهى.
(وَعُرِضَ) بالبناء للمفعول (عَلَيَّ عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ) ﵁ (وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ) جملة حالية منْ "عمر"، وقوله (يَجُرُّهُ) جملة فِي محلّ رفع صفة لـ"قميص" (قَالَ) أي بعض الصحابة، فالضمير المستتر راجع إلى مفهوم، وفي رواية البخاريّ: "قالوا"، وهي أوضح: أي قَالَ الصحابة الحاضرون عنده ﷺ حينما حدّث برؤياه هذه. وفي رواية الترمذيّ الحكيم: "فَقَالَ له أبو بكر: عَلَى ما تأولت هَذَا يا رسول الله"، فتبين بهذه الرواية أن القائل هو أبو بكر الصدّيق ﵁ (فَمَاذَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) منْ التأويل، وهو فِي الأصل: تفسير ما يئول إليه الشيء، والمراد هنا: هو التعبير: أي بماذا عبّرت هذه الرؤيا (قَالَ) ﷺ (الدِّينَ) بالنصب مفعول لمحذوف: أي أولته الدين، ويجوز رفعه، عَلَى أنه خبر لمحذوف: أي هو الدين، وفي رواية الترمذيّ الحكيم: "قَالَ: عَلَى الإيمان"، قاله فِي "الفتح" ١٤/ ٤٢٦ فِي "كتاب التعبير".
قيل: وجه تعبير القميص بالدين، أن القميص يستر العورة فِي الدنيا، والدين يسترها فِي الآخرة، ويحجبها عن كل مكروه، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ الآية [الأعراف: ٢٦]، والعرب تَكْنِي عن الفضل، والعفاف بالقميص، كما قَالَ شاعرهم:
ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهَارَى نَقِيَّةٌ … وَأَوْجُهُهُم بِيض الْمَسَافِرِ غُرَّانُ
ومنه قوله ﷺ ، لعثمان ﵁: "إن الله سيُلبِسك قميصا، فإن أرادوا أن تخلعه، فلا تخلعه"، أخرجه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وصححه ابن حبّان، فعبّر عن الخلافة بالقميص، وهي استعارة حسنة معروفة. واتفق أهل التعبير عَلَى أن القميص يُعَبَّر بالدين، وأن طوله يدلّ عَلَى بقاء آثار صاحبه منْ بعده.
وَقَالَ ابن العربي رحمه الله تعالى: إنما أوله النبيّ ﷺ بالدين؛ لأن الدين يستر عورة الجهل، كما يستر الثوب عورة البدن، قَالَ: وأما غير عمر، فالذي كَانَ يبلغ الثُّدِيّ هو الذي يستر قلبه عن الكفر، وإن كَانَ يتعاطى المعاصي، والذي كَانَ يبلغ أسفل منْ ذلك، وفرجه باد، هو الذي لم يستر رجليه عن المشي إلى المعصية، والذي يستر رجليه هو الذي احتجب بالتقوى منْ جميع الوجوه، والذي يجر قميصه، هو الذي يكون
стр. 17948
زائدا عَلَى ذلك بالعمل الخالص. انتهى "فتح" ١٤/ ٤٢٧ "كتاب التعبير" بزيادة منْ "المفهم" ١/ ٢٥٣ - ٢٥٤.
وَقَالَ الحافظ ابن رَجَب رحمه الله تعالى: وإنما فسّر القمُص فِي المنام بالدين؛ لأن الدين، والإسلام، والتقوى كلُّ هذه توصف بأنها لباسٌ، قَالَ تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]، وَقَالَ أبو الدرداء: الإيمان كالقميص يلبسه الإنسان تارةً، وينزعه أخرى، وفي الْحَدِيث: "لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن، ينزع منه سربال الإيمان" (١). وَقَالَ النابغة [منْ البسيط]:
الْحَمْدُ لِلهِ إِذْ لَمْ يَأْتِنِي أَجَلى … حَتَّى اكْتَسَيْتُ مِنَ الإِسْلَامِ سِرْبَالَا
وَقَالَ أبو العتاهية [منْ الطويل]:
إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يَلْبَسْ ثِيَابًا مِنَ التُّقَى … تَقَلَّبَ عُرْيَانًا وَإِنْ كَانَ كَاسِيَا
فهذه كلها كسوة الباطن، وهو الروح، وهو زينة لها، كما فِي حديث عمّار ﵁: "اللَّهمّ زيّنّا بزينة الإيمان" (٢)، كما أن الرياش زينة للجسد، وكسوة له، قَالَ تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]، ومن هنا قَالَ مجاهد، والشعبيّ، وقتادة، والضحّاك، والنخعيّ، والزهريّ، وغيرهم فِي قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدّثّر: ٤]: إن المعنى طهّر نفسك منْ الذنوب. وَقَالَ سعيد بن جُبير: وقلبك فطهّر، وقريبٌ منه قول منْ قَالَ: وعملك فأصلح، رُوي عن مجاهد، وأبي روق، والضحّاك. وعن الحسن، ومحمد بن كعب القرظيّ، قالا: خُلُقك حسنه. فكنى بالثياب عن الأعمال، وهي منْ الدين، والتقوى، والإيمان، والإسلام، وتطهيره إصلاحه، وتخليصه منْ المفسدات له، وبذلك تحصل طهارة النفس، والقلب، والنية، وبه يحصل حسن الخلق؛ لأن الدين هو الطاعات التي تصير عادة، ودَيدَنًا، وخُلُقًا، قَالَ تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وفسّره ابن عبّاس بالدين. انتهى "شرح البخاريّ لابن رَجَب" ١/ ٩٩ - ١٠١. وهو بحث نفيس والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
стр. 17949
حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٨/ ٥٠١٣ - وأخرجه (خ) فِي "الإيمان" ٢٣ و"المناقب" ٣٦٩١ و"التعبير" ٧٠٠٨ و٧٠٠٩ (م) فِي "فضائل الصحابة" ٢٣٩٠ (ت) فِي "الرؤيا" ٢٢٨٥ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١١٤٠٥ (الدارمي) فِي "الرؤيا" ٢٠٥٨. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تفاضل أهل الإيمان فيه بالقلة، والكثرة، وبالقوة، والضعف، ووجه الاستدلال بالحديث أنه ﷺ أري النَّاس، وعليهم قُمُص مختلفة المقدار بالطول والقصر، وأول ذلك عَلَى تفاوتهم فِي الدين، والديني، والإيمان، والإسلام بمعنى، كما قَالَ الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وَقَالَ: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينً﴾ [المائدة: ٣]، وَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وَقَالَ ﷺ بعد أن أجاب جبريل ﵇ فِي سؤاله عن الإيمان، والإسلام، والإحسان: "هَذَا جبربل جاءكم يعلمكم دينكم"، فجعل كله دينًا.
وَقَالَ الحافظ ابن رَجَب رحمه الله تعالى: وهذا الْحَدِيث نصّ فِي أن الدين يتفاضل، وَقَدْ استُدلّ عليه بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وأشار البخاريّ إلى ذلك فِي موضع آخر. ويدلّ عليه أيضًا قول النبيّ ﷺ للنساء: "ما رأيت منْ ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الرجل الحازم منْ إحداكنَّ"، متَّفقٌ عليه. وفسّر نقصان دينها بتركها الصوم والصلاة أيام حيضها، فدلّ عَلَى دخول الصوم والصلاة فِي اسم الدين. وَقَدْ صرّح بدخول الأعمال فِي الدين طوائف منْ العلماء، والمتكلّمين، منْ الحنابلة وغيرهم. فمن قَالَ: الاسلام، والإيمان واحدٌ، فالدين عنده مرادفٌ لهما، وهو اختيار البخاريّ، ومحمد بن نصر المروزيّ، وغيرهما منْ أهل الْحَدِيث، ومن فرّق بينهما، فاختلفوا فِي ذلك، فمنهم منْ قَالَ: إن الدين أعم منهما، فإنه يشمل الإيمان، والإسلام، والإحسان، كما دلّ عليه حديث جبريل ﵇، وَقَدْ أشار البخاريّ إلى هَذَا فيما بعدُ، لكنه ممن لا يفرّق بين الإسلام والإيمان. ومن قَالَ: الإيمان التصديق، والإسلام الأعمال، فأكثرهم جعل الدين هو الإسلام، وأدخل فيه الأعمال، وإنما أخرج الأعمال منْ مسمّى الدين بعض المرجئة. ومن قَالَ الإسلام الشهادتان، والإيمان العمل، كالزهريّ، وأحمد فِي رواية، وهي التي نصرها القاضي أبو يعلى جعل الدين
стр. 17950
هو الإيمان بعينه، وأجاب عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ الآية [آل عمران: ١٩] أن بعض الدين الإسلام، وهذا بعيدٌ. وأما منْ قَالَ: إن كلّا منْ الإسلام والإيمان إذا أُطلقا مجرّدًا دخل الآخر فيه، وإنما يفرّق بينهما عند الجمع بينهما، وهو الأظهر، فالدين هو مسمّى كل واحد منهما عند إطلاقه، وأما عند اقترانه بالآخر فالدين أخصّ باسم الإسلام، لأن الإسلام هو الاستسلام، والخضوع، والانقياد، وكذلك الدين يقال: دانه يدينه: إذا قهره، ودان له: إذا استسلم له، وخضع، وانقاد، ولهذا سمّى الله الإسلام دينًا، فَقَالَ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ الآية [آل عمران: ٨٥]، وَقَالَ: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. انتهى كلام إبن رَجَب فِي "شرح البخاريّ" ١/ ٩٨ - ٩٩. وَقَدْ تقدّم بيان هَذَا كلّه فِي أوائل "كتاب الإيمان"، فلا تنس نصيبك منه، الله يتولّى هداك.
(ومنها): ما قاله فِي "الفتح" أن هَذَا منْ أمثلة ما يُحمَد فِي المنام، ويُذَمّ فِي اليقظة شرعًا، أعني جر القميص؛ لما ثبت منْ الوعيد فِي تطويله، وعكس هَذَا ما يُذَمّ فِي المنام، ويُحمَد فِي اليقظة.
(ومنها): أن فيه مشروعيةَ تعبير الرؤيا، وسؤال العالم بها عن تعبيرها، ولو كَانَ هو الرائي. (ومنها): أن فيه الثناء عَلَى الفاضل بما فيه؛ لأظهار منزلته عند السامعين، ولا يخفى أن محل ذلك إذا أُمِن عليه منْ الفتنة بالمدح، كالإعجاب. (ومنها): أن بيانَ فيه فضيلةِ عُمَر ﵁.
(ومنها): ما قاله ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى: يؤخذ منْ الْحَدِيث أن كل ما يُرى فِي القميص، منْ حسن، أو غيره، فإنه يعبر بدين لابسه قَالَ: والنكتة فِي القميص أنّ لابسه، إذا اختار نزعه، وإذا اختار أبقاه، فلما ألبس الله المومنين لباس الإيمان، واتصفوا به كَانَ الكامل فِي ذلك سابغ الثوب، ومن لا فلا، وَقَدْ يكون نقص الثوب بسبب نقص الإيمان، وَقَدْ يكون بسبب نقص العمل. والله أعلم.
وَقَالَ غيره: القميص فِي الدنيا ستر عورة، فما زاد عَلَى ذلك كَانَ مذموما، وفي الآخرة زينة محضة، فناسب أن يكون تعبيره بحسب هيئته، منْ زيادة، أو نقص، ومن حسن وضده، فمهما زاد منْ ذلك، كَانَ منْ فضل لابسه، وينسب لكل ما يليق به منْ دين، أو علم، أو جمال، أو حلم، أو تقدّم فِي فئة، وضِدُّهُ لضده. قاله فِي "الفتح" ١٤/ ٤٢٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 17951
٥٠١٤ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُمَيْسٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ، تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ، لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لأَعْلَمُ الْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، وَالْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي عَرَفَاتٍ، فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه أبي داود سليمان بن سيف الحرّانيّ، فإنه منْ أفراده، وهو حافظ ثقة. و"جعفر بن عون": هو أبو عون الكوفيّ، صدوقٌ [٩]. و"أبو عُميس": هو عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفيّ الثقة [٧]. وقيس، وطارق تقدّما فِي الباب الماضي.
وقوله: "لاتخذنا ذلك اليوم": أي يوم نزول الآية. وقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]: فيه نسبة الإكمال للدين، وأخذ منه المصنّف رحمه الله تعالى القول بزيادة الإيمان، قَالَ السنديّ: وفيه خفاء.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد سبقه إلى الاستدلال عَلَى زيادة الإيمان ونقصانه بهذه الآية الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى، فَقَالَ فِي "صحيحه": "باب زيادة الإيمان ونقصانه"، وَقَالَ الله تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]، ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثّر: ٣١]، وَقَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فإذا ترك شيئا منْ الكمال، فهو ناقص. انتهى.
قَالَ فِي "الفتح": ووقع الاستدلال فِي هذه الآية بنظير ما أشار إليه البخاريّ لسفيان ابن عيينة، أخرجه أبو نعيم فِي ترجمته، منْ "الحلية"، منْ طريق عمرو بن عثمان الرَّقّيّ، قَالَ: قيل لابن عيينة: إن قوما يقولون: الإيمان كلام، فَقَالَ: كَانَ هَذَا قبل أن تنزل الأحكام، فأُمر النَّاس أن يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا دماءهم، وأموالهم، فلما عَلِم الله صدقهم، أمرهم بالصلاة، ففعلوا، ولو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار، فذكر الأركان إلى أن قَالَ، فلما علم الله ما تتابع عليهم منْ الفرائض، وقبولهم، قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٣]، فمن ترك شيئا منْ ذلك كَسَلا، أو مُجُونا أدّبناه عليه، وكان ناقص الإيمان، ومن تركها جاحدا كَانَ كافرا. انتهى ملخصا.
وتبعه أبو عبيد فِي "كتاب الإيمان له"، فذكر نحوه، وزاد أن بعض المخالفين لما أُلْزِم بذلك، أجاب بأن الإيمان ليس هو مجموع الدين، إنما الدين ثلاثة أجزاء، الإيمان
стр. 17952
جزء، والأعمال جزآن، لأنها فرائض، ونوافل. وتعقبه أبو عبيد، بأنه خلاف ظاهر القرآن، وَقَدْ قَالَ الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، والإسلام حيث أُطلق مفردا دخل فيه الإيمان، كما تقدّم تقريره.
[فإن قيل]: فلم أعاد فِي هَذَا الباب الآيتين المذكورتين فيه وَقَدْ تقدمتا فِي أول "كتاب الإيمان".
[فالجواب]: أنه أعادهما ليوطىء بهما معنى الكمال المذكور فِي الآية الثالثة؛ لأن الاستدلال بهما نص فِي الزيادة، وهو يستلزم النقص، وأما الكمال فليس نصا فِي الزيادة، بل هو مستلزم للنقص فقط، واستلزامه للنقص يستدعي قبوله الزيادة، ومن ثم قَالَ المصنّف: فإذا ترك شيئا منْ الكمال فهو ناقص، ولهذه النكتة عدل فِي التعبير للآية الثالثة عن أسلوب الآيتين، حيث قَالَ أولا: وقول الله، وَقَالَ ثانيا: وَقَالَ، وبهذا التقرير يندفع اعتراض منْ اعترض عليه، بأن آية أكملت لكم لا دليل فيها عَلَى مراده؛ لأن الإكمال إن كَانَ بمعنى إظهار الحجة عَلَى المخالفين، أو بمعنى إظهار أهل الدين عَلَى المشركين، فلا حجة للمصنف فيه، وإن كَانَ بمعنى إكمال الفرائض، لزم عليه أنه كَانَ قبل ذلك ناقصا، وأن منْ مات منْ الصحابة قبل نزول الآية، كَانَ إيمانه ناقصا، وليس الأمر كذلك؛ لأن الإيمان لم يزل تاما.
ويوضح دفع هَذَا الاعتراض جواب القاضي أبي بكر بن العربي، بأن النقص أمر نسبي، لكن منه ما يترتب عليه الذم، ومنه ما لا يترتب، فالأول مانقصه بالاختيار، كمن علم وظائف الدين، ثم تركها عمدا، والثاني ما نقصه بغير اختيار، كمن لم يعلم، أو لم يكلف، فهذا لا يُذَمّ، بل يحمد منْ جهة أنه كَانَ قلبه مطمئنا، بأنه لو زيد لقبل، ولو كلف لعمل، وهذا شأن الصحابة الذين ماتوا قبل نزول الفرائض.
ومحصله: أن النقص بالنسبة إليهم صورى نسبي، ولهم فيه رتبة الكمال، منْ حيث المعنى، وهذا نظير قول منْ يقول: إن شرع محمد ﷺ أكمل منْ شرع موسى وعيسى ﵉؛ لاشتماله منْ الأحكام عَلَى ما لم يقع فِي الكتب التي قبله، ومع هَذَا فشرع موسى فِي زمانه، كَانَ كاملا، وتجدد فِي شرع عيسى بعده ما تجدد، فالأكملية أمر نسبي، كما تقرر. والله تعالى أعلم. انتهى "فتح" ١/ ١٤٣ - ١٤٤. "كتاب الإيمان" وهو بحث نفيس جدًّا.
وقوله: "فِي عرفة، فِي يوم جمعة": أي فقد جمع الله لنا فِي يوم نزولها عيدين؛ منّةً منه تعالى، منْ غير تكلّف منا، فله الحمد عَلَى تمام نعمته.
وَقَالَ الحافظ ابن رَجَب رحمه الله تعالى: بعد أن أورد الْحَدِيث: ما نصّه: وَقَدْ
стр. 17953
خرّجه ابن جرير الطبريّ فِي "تفسيره" منْ وجه آخر عن عمر ﵁، وزاد فيه أنه قَالَ: "وكلاهما بحمد الله لنا عيد". وخرج الترمذيّ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أنه قرأ هذه الآية، وعنده يهوديّ، فَقَالَ: لو أنزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدًا، فَقَالَ ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: فإنها نزلت فِي يوم عيدين: فِي يوم جمعة، ويوم عرفة.
فهذا قد يؤخذ منه أن الأعياد لا تكون بالرأي والاختراع، كما يفعله أهل الكتابين منْ قبلنا، إنما تكون بالشرع والاتّباع، فهذه الآية لَمّا تضمنت إكمال الدين، وإتمام النعمة أنزلها الله فِي يوم شرعه عيدا لهذه الأمة منْ وجهين:
[أحدهما]: يوم عيد الأسبوع، وهو يوم الجمعة. [والثاني]: أنه يوم عيد الموسم، وهو يوم مجمعهم الأكبر، وموقفهم الأعظم، وَقَدْ قيل: إنه يوم الحجّ الأكبر. وَقَدْ جاء تسميته عيدًا فِي حديث مرفوع، خرجه أهل "السنن" منْ حديث عقبة بن عامر ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "يوم عرفة، ويوم النحر، وأيّام التشريق عيدنا أهلَ الإسلام، وهي أيام أكل وشرب" (١).
وَقَدْ أشكل وجهه عَلَى كثير منْ العلماء؛ لأنه يدلّ عَلَى أن يوم عرفة يوم عيد، لا يصام، كما رُوي ذلك عن بعض المتقدّمين، وحمله بعضهم عَلَى أهل الموقف، وهو الأصحّ؛ لأنه اليوم الذي فيه أعظم مجامعهم، ومواقفهم، بخلاف أهل الأمصار، فإن يوم اجتماعهم يوم النحر، وأما أيام التشريق، فيُشارك أهل الأمصار أهل الموسم فيها؛ لأنها أيام ضحاياهم، وأكلهم منْ نسكهم.
هَذَا قول جمهور العلماء. وَقَالَ عطاء: إنما هي أعياد لأهل الموسم، فلا يُنهى أهلُ الأمصار عن صيامها، وقول الجمهور أصحّ.
ولكن الأيام التي يحدُث فيها حوادث منْ نعم الله تعالى عَلَى عباده لو صامها بعض النَّاس شكرًا منْ غير اتخاذها عيدًا، كَانَ حسنًا؛ استدلالاً بصيام النبيّ ﷺ عاشوراء لَمّا أخبره اليهود بصيام موسى ﵇ له شُكرًا، ويقول النبيّ ﷺ لَمّا سُئل عن صيام يوم الاثنين، قَالَ: "ذلك يوم وُلدتُّ فيه، وأُنزل عليّ فيه".
فأما الأعياد التي يجتمع عليها النَّاس، فلا يتجاوز بها ما شرعه الله لرسوله، وشرعه الرسول ﷺ لأمته.
والأعياد هي مواسم الفرح والسرور، وإنما شرع الله تعالى لهذه الأمة الفرح
стр. 17954
والسرور بتمام نعمته، وكمال رحمته، كما قَالَ تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ الآية [يونس: ٥٨]، فشرع لهم عيدين فِي سنة، وعيدًا فِي كلّ أسبوع، فأما عيدا السنة، فأحدهما: تمام صيامهم الذي افترضه عليهم كلَّ عام، فإذا أَتَمُّوا صيامهم أعتقهم منْ النار، فشرع لهم عيدًا بعد إكمال صيامهم، وجعله يوم الجوائز، يرجعون فيه منْ خروجهم إلى صلاتهم، وصدقتهم بالمغفرة، وتكون صدقة الفطر، وصلاة العيد شكرًا لذلك.
والعيد الثاني: أكبر العيدين عند تمام حجّهم، بإدراك حجهم بالوقوف بعرفة، وهو يوم العتق منْ النار، ولا يحصل العتق منْ النار، والمغفرة للذنوب والأوزار فِي يوم منْ أيام السنة أكثر منه، فجعل الله عقب ذلك عيدًا، بل هو العيد الأكبر، فيُكْمِل أهلُ الموسم فيه مناسكهم، ويقضون تفثهم، ويوفون نذورهم، ويطوفون بالبيت العتيق، ويشاركهم أهل الأمصار فِي هَذَا العيد؛ فإنهم يشاركونهم فِي يوم عرفة فِي العتق والمغفرة، وإن لم يُشاركونهم فِي الوقوف بعرفة؛ لأن الحجّ فريضة العمر، لا فريضة كلّ عام، بخلاف الصيام، ويكون الشكر فيه عند أهل الأمصار الصلاة، والنحر، والنحر أفضل منْ الصدقة التي فِي يوم الفطر، ولهذا أمر الله نبيّه ﷺ أن يشكر نعمته بإعطائه الكوثر بالصلاة له، والنحر، كما شرع ذلك لإبراهيم خليله ﵇ عند أمره بذبح ولده، وافتدائه بذبح عظيم.
وأما عيد الأسبوع، فهو يوم الجمعة، وهو متعلّقٌ بإكمال فريضة الصلاة، فإن الله فرض عَلَى عباده المسلمين الصلاة كلّ يوم وليلة خمس مرّات، فإذا كملت أيام الأسبوع التي تدور الدنيا عليها، وأكملوا صلاتهم فيها شرع لهم يوم إكمالها، وهو اليوم الذي انتهى فيه الخلق، وفيه خُلق آدم، وأُدخل الجنة عيدًا، يجتمعون فيه عَلَى صلاة الجمعة، وشرع لهم الخطبة، تذكيرًا بنعم الله عليهم، محثًا لهم عَلَى شكرها، وجعل شهود الجمعة بأدائها كفّارة لذنوب الجمعة كلها، وزيادة ثلاثة أيام. وَقَدْ رُوي أن يوم الجمعة أفضل منْ يوم الفطر، ويوم النحر. خرّجه الإمام أحمد فِي "مسنده" ٣/ ٤٣٠ منْ حديث أبي لبابة ﵁. وقاله مجاهد، وغيره. ورُوي أنه حج المساكين، ورُوي عن عليّ ﵁ أنه يوم نسك المسلمين. قَالَ ابن المسيّب: الجمعة أحبّ إليّ منْ حج التطوّع.
وجعل الله التبكير إلى الجمعة كالهدي، فالمبكر فِي أول ساعة كالمهدي بدنةً، ثم كالمهدي بقرةً، ثم كالمهدي كبشًا، ثم كالمهدي دجاجةً، ثم كالمهدي بيضةً.
ويوم الجمعة يوم المزيد فِي الجنة الذي يزور أهل الجنة فيه ربهم، ويتجلّى لهم فِي قدر صلاة الجمعة. وكذلك رُوي فِي يوم العيدين أن أهل الجنة يزورون ربهم فيهما،
стр. 17955
وأنه يتجلّى فيهما لأهل الجنة عمومًا، يشارك الرجال فيها النِّساء. فهذه الأيام أعياد للمؤمنين فِي الدنيا، وفي الآخرة عمومًا. وأما خواص المؤمنين فكل يوم لهم عيد، كما قَالَ بعض العارفين، وروي عن الحرم (١) كل يوم لا يُعصى الله فيه فهو عيد. ولهذا روي أن خواصّ أهل الجنة يزورون ربهم، وينظرون إليه كلّ يوم مرتين بكرةً وعشيًّا، وَقَدْ خرّجه الترمذيّ منْ حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، مرفوعًا، وموقوفًا. ولهذا المعنى والله أعلم- لَمّا ذكر النبيّ ﷺ الرؤية فِي حديث جرير بن عبد الله البجليّ ﵁، كما رواه الشيخان، أمر عقب ذلك بالمحافظة عَلَى الصلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها، فإن هذين الوقتين وقت لرؤية خواصّ أهل الجنة ربّهم، فمن حافظ عَلَى هاتين الصلاتين عَلَى مواقيتهما، وأدائهما، وخشوعهما، وحضور القلب فيهما رُجي له أن يكون ممن ينظر إلى الله تعالى فِي الجنة فِي وقتهما.
فتبيّن بهذا أن الأعياد تتعلّق بإكمال أركان الإسلام، فالأعياد الثلاثة المجتمع عليها تتعلّق بإكمال الصلاة، والصيام، والحجّ، فأما الزكاة، فليس لها زمان معيّنٌ، تُكمل فيه، وأما الشهادتان، فإكمالهما، هو الاجتهاد فِي الصدق فيهما، وتحقيقهما، والقيام بحقوقهما، وخواصّ المؤمنين يجتهدون عَلَى ذلك كل يوم ووقت، فلهذا كانت أيامهم كلها أعيادًا، ولذلك كانت أعيادهم فِي الجنة مستمرّة. والله تعالى أعلم. انتهى كلام ابن رَجَب رحمه الله تعالى فِي "شرح البخاريّ" ١/ ١٧٣ - ١٧٧. وهو تحقيق نفيس، وبحث أنيس.
والحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم فِي "كتاب الحجّ" ١٩٤/ ٣٠٠٢ ومضى تمام شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، واليه أنيب".
…
١٩ - (عَلَامَةُ الإيمَانِ)
٥٠١٥ - (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ -يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ- قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ، مِنْ وَلَدِهِ، وَوَالِدِهِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ").
стр. 17956
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (حميد بن مسعدة) الباهليّ البصريّ، صدوقٌ [١٠] ٥/ ٥.
٢ - (بشر بن المفضّل) بن لاحق أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت عابدٌ [٨] ٦٦/ ٨٢.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] ٢٤/ ٢٧.
٤ - (قتادة) بن دِعامة السدوسيّ البصريّ، ثقة ثبت يدلّس [٤] ٣٠/ ٣٤.
٥ - (أنس) بن مالك الصحابيّ المشهور رضي الله تعالى عنه ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين، وفيه تصريح قتادة بالسماع، فلا يُخشى منْ تدليسه، عَلَى أن الراوي عنه شعبة، وهو لا يروي عنه إلا ما صرّح بسماعه منْ شيوخه، وفيه أنس ﵁ منْ المكثرين السبعة، وهو آخر منْ مات منْ الصحابة بالبصرة، كما سبق بيانه غير مرّة. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة السدوسيّ البصريّ (أَنَّهُ سَمِعَ أنَسًا) أي ابن مالك ﵁ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ) أي إيمانًا كاملاً، وفي رواية الإسماعيليّ: "لا يؤمن الرجل"، قَالَ فِي "الفتح": وهو أشمل منْ جهة، و"أحدكم" أشمل منْ جهة، وأشمل منهما رواية الأصيليّ: "لا يؤمن أحد". انتهى (حَتَّى أَكُونَ أحَبَّ) هو أفعل تفضيل بمعنى المفعول، وهو مع كثرته عَلَى خلاف القياس، وفصل بينه وبين معموله بقوله: (إِلَيْهِ) لأن الممتنع الفصل بأجنبيّ (مِنْ وَلَدِهِ، وَوَالِدِهِ) قدّم الولد فِي رواية المصنّف عَلَى الوالد لمزيد الشفقة، وقدّم الوالد فِي رواية البخاريّ؛ نظرًا للأكثريّة؛ لأن كلّ أحد له والد منْ غير عكس (وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) منْ عطف العام عَلَى الخاصّ. قَالَ فِي "الفتح": وذِكرُ الولد والوالد، أدخل فِي المعنى؛ لأنهما أعز عَلَى العاقل منْ الأهل والمال، بل ربما يكونان أعز منْ نفسه، ولهذا لم يذكر النفس أيضًا فِي حديث أبي هريرة ﵁.
وهل تدخل الأم فِي لفظ "الوالد"؟، أن أريد به منْ له الولد فيعم، أو يقال: اكتُفِيَ بذكر أحدهما كما يُكتفي عن أحد الضدين بالآخر، ويكون ما ذُكر عَلَى سبيل التمثيل، والمراد الأعزة، كانه قَالَ: أحب إليه منْ أعزته، وذكرُ النَّاس بعد الوالد والولد، منْ عطف العام عَلَى الخاص، وهو كثير، وقدم الوالد عَلَى الولد فِي رواية؛ لتقدمه بالزمان
стр. 17957
والإجلال، وقدّم الولد فِي أخرى؛ لمزيد الشفقه.
وهل تدخل النفس فِي عموم قوله: "والناس أجمعين"، الظاهر دخولها. وقيل: إضافة المحبّة إليه تقتضي خروجه منهم، وهو بعيد، وَقَدْ وقع التنصيص بذكر النفس فِي حديث عبد الله بن هشام، كما سيأتي.
والمراد بالمحبة هنا حب الاختيار، لا حب الطبع، قاله الخطّابيّ، وَقَالَ النوويّ: فيه تلميح إلى قضية النفس الأمارة، والمطمئنة، فإن منْ رجّح جانب المطمئنة، كَانَ حبه للنبي ﷺ راجحا، ومن رجح جانب الأمّارة، كَانَ حكمه بالعكس.
وفي كلام القاضي عياض أن ذلك شرط فِي صحة الإيمان؛ لأنه حمل المحبّة عَلَى معنى التعظيم والإجلال.
وتعقبه صاحب "المفهم" بأن ذلك ليس مرادا هنا؛ لأن اعتقاد الأعظمية، ليس مستلزما للمحبة، إذ قد يجد الإنسان إعظام شيء مع خلوه منْ محبته، قَالَ: فعلى هَذَا منْ لم يجد منْ نفسه ذلك الميل، لم يكمل إيمانه، وإلى هَذَا يوميء قول عمر ﵁ الذي رواه البخاريّ فِي "الأَيمان والنذور" منْ حديث عبد الله بن هشام، كنا مع النبيّ ﷺ ، وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب ﵁، فَقَالَ له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إليّ منْ كل شيء، إلا منْ نفسي، فَقَالَ النبيّ ﷺ : "لا، والذي نفسي بيده، حَتَّى أكون أحب إليك منْ نفسك"، فَقَالَ له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إليّ منْ نفسي، فَقَالَ النبيّ ﷺ : "الآن يا عمر" (١)، انتهى.
فهذه المحبّة ليست باعتقاد الأعظميه فقط، فإنها كانت حاصلة لعمر قبل ذلك قطعا.
ومن علامة الحب المذكور: أن يَعرِض عَلَى المرء أن لو خُيِّر بين فقد غرض منْ أغراضه، أو فقد رؤية النبيّ ﷺ ، أن لو كانت ممكنةً، فإن كَانَ فقدها، أن لو كانت ممكنة أشد عليه، منْ فقد شيء منْ أغراضه، فقد اتصف بالأحبية المذكورة، ومن لا فلا، وليس ذلك محصورا فِي الوجود والفقد، بل يأتي مثله فِي نصرة سنته، والذب عن شريعته، وقمع مخالفيها، ويدخل فيه باب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 17958
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أنس رضي الله تعالى عنه هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٩/ ٥٠١٥ و٥٠١٦ - وأخرجه (خ) فِي "الإيمان" ١٥ (م) فِي "الإيمان" ٤٤ (ق) فِي "المقدمة" ٦٧ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١٢٤٠٣ و١٢٧٣٩ و١٣٤٩٩ (الدارمي) فِي "الرقاق" ٢٦٢٤. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان أن حبّ الرسول الكريم ﷺ علامة عَلَى كمال إيمان العبد. (ومنها): ما قاله فِي "الفتح": فِي هَذَا الْحَدِيث إيماء إلى فضيلة التفكر، فإن الأحبية المذكورة تعرف به، وذلك أن محبوب الإنسان: إما نفسه، وإما غيرها، أما نفسه فهو أن يريد دوام بقائها، سالمة منْ الآفات، وهذا هو حقيقة المطلوب، وأما غيرها فإذا حقق الأمر فيه، فإنما هو بسبب تحصيل نفع ما عَلَى وجوهه المختلفة، حالاً ومآلاً، فإذا تأمل النفع الحاصل له منْ جهة الرسول ﷺ ، الذي أخرجه منْ ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، إما بالمباشرة، وإما بالسبب، علم أنه سبب بقاء نفسه، البقاءَ الأبدي فِي النعيم السرمدي، وعَلِم أن نفعه بذلك أعظم منْ جميع وجوه الانتفاعات، فاستحق لذلك أن يكون حظه منْ محبته أوفر منْ غيره؛ لأن النفع الذي يُثير المحبّة حاصل منه أكثر منْ غيره، ولكن النَّاس يتفاوتون فِي ذلك، بحسب استحضار ذلك، والغفلة عنه، ولا شك أن حظ الصحابة ﵃، منْ هَذَا المعنى أتم؛ لأن هَذَا ثمرة المعرفة، وهم بها أعلم. وبالله تعالى التوفيق، انتهى "فتح" ١/ ٨٦.
(ومنها): ما قاله الحافظ ابن رَجَب رحمه الله تعالى: يجب تقديم محبّة الرسول ﷺ عَلَى النفوس، والأولاد، والأقارب، والأهلين، والأموال، والمساكن، وغير ذلك مما يُحبّه الإنسان غاية المحبّة، وإنما تتم المحبّة بالطاعة، كما قَالَ تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ٣١]. وسُئل بعضهم عن المحبّة، فَقَالَ: الموافقة فِي جميع الأحوال. فعلامة تقديم محبّة الرسول ﷺ عَلَى محبّة كلّ مخلوق أنه إذا تعارضت طاعة الرسول ﷺ فِي أوامره، وداع آخر يدعو إلى غيرها منْ هذه الأشياء المحبوبة، فإن قدّم طاعة الرسول ﷺ ، وامتثال أوامره عَلَى ذلك الداعي، كَانَ دليلا عَلَى صحة محبّته للرسول ﷺ ، وتقديمها عَلَى كلّ شيء، وإن قدّم عَلَى طاعته، وامتثال أوامره شيئًا منْ هذه الأشياء المحبوبة طبعًا، دلّ ذلك عَلَى عدم إتيانه
стр. 17959
بالإيمان التّامّ الواجب عليه. وكذلك القول فِي تعارض محبّة الله، ومحبة داعي الهوى والنفس، فإن محبّة الرسول ﷺ تبعٌ لمحبّة مُرسله . هَذَا كلّه فِي امتثال الواجبات، وترك المحرّمات.
فإن تعارض داعي النفس، ومندوبات الشريعة، فإن بلغت المحبّة إلى تقديم المندوبات عَلَى دواعي النفس، كَانَ ذلك علامة كمال الإيمان، وبلوغه إلى درجة المقرّبين المحبوبين المتقرّبين بالنوافل بعد الفرائض، وإن لم تبلغ هذه المحبّة إلى هذه الدرجة، فهي درجة المقتصدين أصحاب اليمين الذين كملت محبّتهم الواجبة، ولم يزيدوا عليها. انتهى "شرح البخاريّ" لابن رَجَب ١/ ٤٩.
(ومنها): ما قاله أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: هَذَا الْحَدِيث عَلَى إيجازه يتضمّن ذكر أصناف المحبّة، فإنها ثلاثة: محبّة إجلال وإعظام، كمحبّة الوالد، والعلماء، والفضلاء، ومحبة رحمة، وإشفاق، كمحبة الولد، ومحبة مشاكلة، واستحسان، كمحبة غير منْ ذكرنا، وإن محبّة رسول الله ﷺ لابدّ أن تكون راجحة عَلَى ذلك كلّه، وإنما كَانَ ذلك؛ لأن الله تعالى قد كمّله عَلَى جميع جنسه، وفضّله عَلَى سائر نوعه بما جبله عليه منْ المحاسن الظاهرة، والباطنة، وبما فضّله منْ الأخلاق الحسنة، والمناقب الجميلة، فهو أكمل مَن وطِىء الثرى، وأفضل منْ ركب ومشى، وأكرم منْ وافى القيامة، وأعلاهم منزلة فِي دار الكرامة.
قَالَ القاضي أبو الفضل: فلا يصح الإيمان إلا بتحقيق إنافة قدر النبيّ ﷺ ، ومنزلته عَلَى كلّ والد، وولد، ومُحسنٍ، ومُفَضَّل، ومن لم يعتقد هَذَا، واعتقد سواه، فليس بمؤمن.
قَالَ القرطبيّ: وظاهر هَذَا القول أنه صرف محبّة النبيّ ﷺ إلى اعتقاد تعظيمه، وإجلاله، ولا شكّ فِي كفر منْ لا يعتقد عليه (١)، غير أن تنزيل هَذَا الْحَدِيث عَلَى ذلك المعنى غير صحيح؛ لأن اعتقاد الأعظمية ليس بالمحبّة، ولا الأحبيّة، ولا مستلزمًا لها، إذ قد يجد الإنسان منْ نفسه إعظام أمر، أو شخص، ولا يجد محبّته؛ ولأن عمر ﵁ لَمّا سمع قول رسول الله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حَتَّى أكون أحبّ إليه منْ نفسه، وولده، ووالده، والناس أجمعين"، قَالَ عمر: يا رسول الله أنت أحبّ إليّ منْ كل شيء، إلا نفسي، فَقَالَ: "ومن نفسك يا عمر"، قَالَ: ومن نفسي، فَقَالَ: "الآن يا عمر" (٢).
стр. 17960
وهذا كلّه تصريحٌ بأن هذه المحبّة ليست باعتقاد تعظيم، بل ميلٌ إلى المعتقد، وتعظيمه، وتعلّق القلب به، فتأمّل هَذَا الفرق، فإنه صحيح، ومع ذلك فقد خفي عَلَى كثير منْ النَّاس.
وعلى هَذَا المعنى الحديثُ والله أعلم-: أن منْ لم يجد منْ نفسه ذلك الميل، وأرجحيّته للنبيّ ﷺ لم يكمل إيمانه.
قَالَ: عَلَى أني أقول: إن كل منْ صدّق بالنبي ﷺ ، وآمن به إيمانا صحيحا، لم يخل عن وجدان شيء منْ تلك المحبّة الراجحة للنبيّ ﷺ ، غير أنهم فِي ذلك متفاوتون، فمنهم منْ أخذ منْ تلك المرتبة بالحظ الاوفى، كما قد اتّفق لعمر ﵁ حَتَّى قَالَ: منْ نفسي، ولهند امرأة أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما، حين قالت للنبيّ ﷺ : لقد كَانَ وجهك أبغض الوجوه كلّها إليّ، فقد أصبح وجهك أحبّ الوجوه كلها إليّ … الْحَدِيث. وكما قَالَ عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما: لقد رأيتني، وما أحد أحبّ إليّ منْ رسول الله ﷺ ، ولا أجلّ فِي عيني منه، وما كنت أُطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له، ولو سُئلت أن أصفه ما أطقت؛ لأني لم أكن أملأ عيني منه (١). ولا شكّ فِي أن حظّ أصحابه ﷺ منْ هَذَا المعنى أعظم؛ لأن معرفتهم لقدره أعظم؛ لأن المحبّة ثمرة المعرفة، فتقوى، وتضعف بحسبها.
ومن المؤمنين منْ يكون مستغرقًا بالشهوات، محجوبا بالغفلات عن ذلك المعنى فِي أكثر أوقاته، فهذا بأخسّ الأحوال، لكنه إذا ذُكِّر بالنبي ﷺ ، أو بشيء منْ فضائله اهتاج لذكره، واشتاق لرؤيته بحيث يؤثر رؤيته، بل رؤية قبره، ومواضع آثاره عَلَى أهله، وماله، وولده، ونفسه، والناس أجمعين، فيخطُر له هَذَا، ويجده وجدانًا لا شكّ فيه، غير أنه سريع الزوال والذهاب؛ لغلبة الشهوات، وتوالي الغفلات، ويُخاف عَلَى منْ كَانَ هَذَا حاله ذهاب أصل تلك المحبّة حَتَّى لا يوجد منها حَبة. فنسأل الله تعالى الكريم أن يمُنّ علينا بدوامها، وكمالها، ولا يحجبنا عنها. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى "المفهم" ١/ ٢٢٥ - ٢٢٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٠١٦ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ ح وَأَنْبَأَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ، وَأَهْلِهِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ").